######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008323 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 478 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008323 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8323 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8323 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد العظيم الديب #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1401هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة إمام الحرمين #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة المؤلف] ### | 1 - # لا إله إلا الله، عدة للقا الله - عز وجل -. # قال الشيخ الأجل، الإمام فخر الإسلام، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد ~~الملك بن عبد الله الجويني - رحمة الله عليه -: ### | 2 - # الحمد لله القيوم الحي، الذي بإرادته كل رشد وغي، وبمشيئته كل نشر وطي. ~~كل بيان في وصف جلاله حصر وعي، وبين عيني كل قيصر وكي، من قهر تسخيره وسم ~~وكي، {فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء} فالعقول عن عز جلاله معقولة، ومعاقد العقود في ~~نعت جماله محلولة، ومطايا الواجدين مشكولة، وقلوب العارفين على الدأب في # PageV01P003 # الطلب مجبولة، وأيدي المريدين إلى الأعناق مغلولة، وأفئدة القانعين بملك ~~الدارين معلولة، وغاية الزاهدين العابدين مواعد مأمولة، وفي عرصات الكبرياء ~~ألسنة مسلولة، ودماء الهلكى في الله مهدرة مطلولة، وحدود المشمرين في غير ~~ما قدر لهم مفلولة، ونهاية المكاشفين حيرة محصولة، فلا ينفع مع القدر ~~المحتوم وسيلة، ولا يدرأ القضاء الأزلي حيلة، والأفهام دون حمى العزة ~~مبهورة، والأوهام مقهورة، والفطن مزجورة، والبصائر مدحورة، والفكر عن مدرك ~~الحق مقصورة، وذكر اللسان أصوات وأجراس، ومتضمن الخواطر وسواس، والسكون عن ~~الطلب تعطيل، والركون إلى مطلوب مخيل تمثيل، وبذل المهج في أدنى مسالك ~~المريدين قليل، وليس إلى درك # PageV01P004 # حقيقة الحق سبيل، ونار الله على أرواح المشتاقين موقدة، ومدارك الوصول ~~بأغلاق العز موصدة، ومن قنع بالدعوى ضاع زمانه، ومن تحقق في الإرادة طالت ~~أحزانه، ومن ضري بالكلام صدي جنانه، ومن عرف الله كل لسانه، جل جلاله، ~~وتقدست # PageV01P005 # أسماؤه. استواؤه استيلاؤه، ونزوله بره وحباؤه، ومجيئه حكمه وقضاؤه، ووجهه ~~بقاؤه، وتقريبه اصطفاؤه، ومحبته آلاؤه، وسخطه بلاؤه، وبعده علاؤه، العظمة ~~إزاره، والكبرياء رداؤه، غرقت في نور سرمديته عقول العقلاء، وبرقت في وصف ~~صمديته علوم العلماء، ولم يحصل منه أهل الأرض والسماء إلا على الصفات ~~والأسماء، فالخلق رسوم خالية، وجسوم بالية، والقدرة الأزلية لها والية، جلت ~~ساحة الربوبية، وحمى العزة الديمومية، عن وهم كل جني وإنسي، ومناسبة عرش ~~وكرسي، فالشواهد دونها منطمسة، والعلوم ms001 مندرسة، والعقول مختلطة ملتبسة، ~~والألسنة معتقلة محتبسة، فلا تحييث ولا # PageV01P006 # تحييز، ولا تحقيق ولا تمييز، ولا تقدير ولا تجويز، وليس إلا وجهه العزيز. ### | 3 - # قد أفلح الحامدون، وخاب الجاحدون، وفاز المؤمنون، وكفي المتوكلون، وصدق ~~المرسلون، واعترف لله بالوحدانية المؤيدون، وأيقن بنبوة المرسلين، وصدق ~~خاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين - الموفقون. وعلى الأنبياء أجمعين. ### | 4 - # قد تقدم الكتاب النظامي، محتويا على العجب العجاب، ومنطويا على لباب ~~الألباب، أحدوثة على كر العصر، وغرة في جبهة الدهر، يعشو إلى منارها ~~المرتبك في الشبهات، ويلوذ بآثارها المنسلك في مثار المتاهات، ويقتدي ~~بنجومها المترقي عن مهاوي الورطات، وينخنس برجومها المتعثر في أذيال ~~الضلالات، ووافى الجناب الأسمى عروسا، احتضنها طب بالحضانة، قد # PageV01P007 # استوظف في القيام عليها زمانه، فلم يزل يقوم قدها، ويورد خدها، ويكحل ~~بالبصائر أحداقها، ويشق إلى صوب البدائع والذخائر آماقها، ويرصف دررها ~~وعقيانها، ويشنف بقرطة الحقائق آذانها، وينطق بغرر الكلام لسانها، ويطوق ~~بجواهر الحكم جيدها، ويزين مخنقها ووريدها، ويديم فركها، ويلين عريكها، ~~ويقرب متناولها ودركها، ويلقنها مقة خاطبها، ويلقي إليها الإقران لصاحب ~~الدنيا وصاحبها، فنشأت غيداء مياسة مروضة، والمقلة المتطلعة إلى خفايا ~~العيوب عنها مغضوضة، وظلت تتشوق إلى مخيم العزة شوقا، وتطير إليه بأجنحة ~~الهزة توقا، فبرزت عن حجالها مختالة في أذيالها، متوشحة بأبهة البهاء. ~~مشتقا اسمها من اسم أكرم الأكفاء. والألقاب تنزل من السماء، وجزعت إلى ~~مثواها سباسب ورمالا، وواصلت في # PageV01P008 # صمد مولاها غدوات وآصالا، وقطعت من مطاياها أوصالا، فصادفت مرتعا خصيبا، ~~ومربعا رحيبا، وشأوا في العلا بعيدا، وكرما قريبا، ودلت بمعانيها على عناء ~~معانيها، وبمناظم مبانيها على غناء بانيها، ثم أخذت تستعطف أعنة العطف، ~~وتثني أزمة اللطف، على صاحب التأليف والرصف، وذكرت أنه يبغي تنويها ومنصبا ~~عليا نبيها، ويفوق مناط العيوق زهوا وتيها، فما كان إلا كإيماضة سيف، أو ~~انقشاع سحابة في صيف، أو نفضة ردن، أو طنة أذن، حتى طغت من بحار المعالي ~~أمواجها، وتشامخت من أطواد الكرم شعابها وفجاجها، فوافت الخلعة تجر على قمة ~~المجرة فضول الذيل، وتبر على نهايات المنى ms002 بأوفى الكيل، وتجرف مجاثم العسر ~~كدفاع السيل، واكتسب الخادم # PageV01P009 # شرفا يتخلد في تواريخ الأخبار، ويكتب بسواد الليل على بياض النهار، وأعذب ~~النعم مشارع، وأخصبها مراتع، نعمة أجابت قبل الندا، ولبت قبل الدعا، وليس ~~من ينتجع الغيث في أقطاره، كمن يسقيه ريق الوبل في دياره، ولو لم أجد أمر ~~الله عباده بالشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحد أسوة ومقتدى، لقلت من شكر ~~أدنى منح مولانا، فقد ظلم واعتدى، ولكن لا معاب على من اتخذ كتاب الله قدوة ~~ومحتدى. ### | 1 - # فلا زال ركب المعتفين منيخة ... بذروتك العليا، ولا زلت مقصدا. ### | 2 - # تدين لك الشم الأنوف تخضعا ... ولو أن زهر الأفق أبدت تمردا # PageV01P010 ### | 3 - # لجاءتك أقطار السماء تجرها ... إليك لتعفو، أو لتوردها الردى ### | 4 - # وإني لغرس أنت قدما غرسته ... وربيته حتى علا وتمددا ### | 5 - # لأنك أعلى الناس نفسا وهمة ... وأقربهم عرفا وأبعدهم مدى ### | 6 - # وأوراهمو زندا، وأرواهمو ظبا ... وأسجاهمو بحرا، وأسخاهمو يدا ### | 7 - # وما أنا إلا دوحة قد غرستها وأسقيتها ... حتى تمادى بها المدى ### | 8 - # فلما اقشعر العود منها وصوحت ... أتتك بأغصان لها تطلب الندى. # PageV01P011 # - في الأصل في نسخة عوض هذا البيت: ### | 9 - # فلما ذوت منه الغصون، وصوحت ... وخاف ذبولا، جاء يسألك الندى ### | 5 - # نعم؛ وقد كان ضمن الخادم خدمة الساحة النظامية، بكتاب آخر، هو - لعمر ~~الله - النبأ العظيم، والخطب الجسيم، والأمر الذي لم يجر بمثله ذكر، ولم ~~يحوم عليه نظم ولا نثر، والبحر الخضم الذي ليس لبدائعه شاطئ وعبر. ولست ~~والله # PageV01P012 # أتصلف بالإسهاب في ذكره، وإنما أنبه على علو قدره، وكم اكتننته في أحناء ~~الصدر، حتى نقدته يد السبر، وأنضجته نار الفكر، ثم استقته مصححا منقحا إلى ~~سيد الورى، ومؤيد الدين والدنيا، وملاذ الأمم ومستخدم السيف والقلم، ومن ظل ~~ظل الملك بيمن مساعيه ممدودا، ولواء النصر معقودا، فكم باشر أوار الحرب، ~~وأدار رحى الطعن والضرب، فلا يده ارتدت، ولا طلعته البهية اربدت، ولا غربه ~~انثنى، ولا حده نبا، قد سدت مسالك المهالك صوارمه، وحصنت الممالك صرائمه، ~~وحلت شكائم العدى عزائمه، ms003 وتحصنت المملكة بنصله، وتحسنت الدنيا بأفضاله ~~وفضله، وغمر ببره آفاق البلاد، ونفى الغي # PageV01P013 # عنها بالرشاد، وجلى ظلام الظلم عدله، وكسر فقار الفقر بذله، وكانت خطة ~~الإسلام شاغرة، وأفواه الخطوب إليها فاغرة، فجمع الله برأيه الثاقب شملها، ~~ووصل بيمن نقيبته حبلها، وأضحت الرعايا برعايته وادعة، وأعين الحوادث عنها ~~هاجعة، فالدين يزهو بتهلل أساريره، وإشراق جبينه، والسيف يفخر في يمينه، ~~ويرجوه الآيس البائس في أدراج أنينه، ويركع له تاج كل شامخ بعرنينه، ويهابه ~~الليث المزمجر في عرينه. ### | 6 - # فما أجدر هذه السدة المنيفة بمجموع يجمع أحكام الله تعالى في الزعامة، ~~بين الخاصة والعامة، ليكون شوف الرأي السامي، قدامه وأمامه، فيما يأتي ويذر ~~إمامه، ثم تتأبد فائدته وعائدته إلى قيام القيامة. ### | 7 - # ولكل كتاب معمود ومقصود، ومنتحى مصمود، يجري مجرى الأساس من البنيان، ~~والروح من الحيوان، والعذبة من # PageV01P014 # اللسان، وها أنا أبوح بمضمون الكتاب وسره، ثم أنفث لهيب الفكر صاليا ~~بحره، وأتبرأ عن حولي وقوتي، لائذا بتأييد الله ونصره. ### | 8 - # فأقول: أقسام الأحكام، وتفاصيل الحلال والحرام، في مباغي الشرع ومقاصده، ~~ومصادره وموارده، يحصرها قسمان، ويحويها في متضمن هذا المجموع نوعان: ~~أحدهما: ما يكون ارتباطه وانتياطه بالولاة والأئمة، وذوي الإمرة من قادة ~~الأمة، فيكون منهم المبدأ والمنشأ، ومن الرعايا الارتسام والتتمة. # والثاني: ما يستقل به المكلفون، ويستبد به المأمورون المتصرفون. ### | 9 - # وأنا بعون الله وتوفيقه أذكر في القسم الأول، في صفة الأئمة والولاة، ~~والرعاة والقضاة، أبوابا منظمة، تجري من مقصود القسم مجرى المقدمة. على أني ~~آتي فيها، وإن لم تكن مقصود الكتاب بالعجائب والآيات، وأشير بالمرامز إلى ~~منتهى الغايات، وأوثر الإيجاز والتقليل، مع تحصيل شفاء الغليل، واختيار # PageV01P015 # الإيجاز على التطويل، بعد وضوح ما عليه التعويل، ثم أقدر شغور الحين عن ~~حماة الدين، وولاة المسلمين، وأوضح إذ ذاك مرتبط قضايا الولاية، وأنهي ~~الكلام إلى منتهى الغاية، فإنه المقصود بالدرك والدراية، وما نقدمه في حكم ~~التوطئة والبداية. ### | 10 - # ثم أنعطف على القسم الثاني، وهو الذي يستوي إليه في الاحتياج القاصي ~~والداني، وأبين أن المستند المعتضد في ms004 الشريعة نقلتها، والمستقلون بأعبائها ~~وحملتها، وهم أهل الاجتهاد الضامون إلى غايات علوم الشرع شرف التقوى ~~والسداد، فهم العماد والأطواد، فلو شغر الزمان عن الأطواد والأوتاد، فعند ~~ذلك ألتزم شيمة الأناة والاتئاد، فليت شعري ما معتصم العباد، إذا طما بحر ~~الفساد؟ واستبدل الخلق الإفراط والتفريط عن منهج الاقتصاد، وبلي المسلمون ~~بعالم لا يوثق به لفسقه، وبزاهد لا يقتدى به لخرقه؟ ؟ ! أيبقى بعد ذلك مسلك ~~في الهدى، أم يموج الناس بعضهم في بعض مهملين سدى، متهافتين على # PageV01P016 # مهاوي الردى؟ فإلى متى أردد من التقديرات فنونا؟ وأجعل الكائن المستيقن ~~مظنونا؟ . # كان الذي خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا. # عم من الولاة جورها واشتطاطها، وزال تصون العلماء واحتياطها ; وظهر ~~ارتباكها في جراثيم الحطام واختباطها، وانسل عن لجام التقوى رءوس الملة ~~وأوساطها، وكثر انتماء القرى إلى الظلم واختلاطها! ! . {فهل ينظرون إلا ~~الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} ؟ ؟ . # فإن وجدت للدين معتضدا، وألفيت للإسلام منتصرا، بعدما درست أعلامه، وآذنت ~~بالانصرام أيامه، كنت كمن يمهد لرحا الحق مقر القطب، ويضع الهناء مواضع ~~النقب. # PageV01P017 ### | 11 - # والآن كما يفضي مساق هذا الترتيب إلى تسمية الكتاب والتلقيب. # وقد تحقق للعالمين أن صدر الأيام وموئل الأنام، ومن هو حقا معول الإسلام، ~~يدعى بأسماء تبر عليها معانيه، ويفوق فحواها معاليه، فهو غياث الدولة. وهذا ~~إذا تم: (غياث الأمم في التياث الظلم) . # فليشتهر بالغياثي كما شهر الأول بالنظامي. # والله ولي التأييد والتوفيق، وهو بإسعاف راجيه حقيق. # PageV01P018 ### | [الركن الأول كتاب الإمامة] ### | [الباب الأول في معنى الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة] # خطة الكتاب. ### | 12 - # فأركان الكتاب ثلاثة: أحدها: القول في الإمامة، وما يليق بها من الأبواب. # والركن الثاني: في تقدير خلو الزمان عن الأئمة وولاة الأمة. # والركن الثالث: في تقدير انقراض حملة الشريعة. # فلتقع البداية بالإمامة. # PageV01P019 # الركن الأول. # كتاب الإمامة. ### | 13 - # وهي ثمانية أبواب: الباب الأول: في وجوب نصب الأئمة وقادة الأمة. # الباب الثاني: في الجهات التي تعين الإمامة وتوجب الزعامة. # الباب الثالث: في صفات أهل الحل والعقد، واعتبار العدد فيمن إليه ms005 العهد. # الباب الرابع: في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام. # الباب الخامس: في الطوارئ التي توجب الخلع والانخلاع. # الباب السادس: في إمامة المفضول. # الباب السابع: في نصب إمامين. # الباب الثامن: في تفصيل ما إلى الأئمة والولاة. # PageV01P021 # الباب الأول. # في معنى الإمامة، ووجوب نصب الأئمة، وقادة الأمة. ### | 14 - # الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين ~~والدنيا. مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، ~~وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من ~~الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين. # وهذه جمل يفصلها الباب الثامن المشتمل على ما يناط بالأئمة، وهي مراسم ~~تحل محل التراجم، وفيها الآن مقنع، وسيأتي متسع في البيان مشبع - إن شاء ~~الله عز وجل -. ### | [حكم نصب الإمام] ### | 15 - # فنصب الإمام عند الإمكان واجب. ### | 16 - # وذهب عبد الرحمن بن كيسان إلى أنه لا يجب # PageV01P022 # ويجوز ترك الناس أخيافا، يلتطمون ائتلافا واختلافا، لا يجمعهم ضابط، ولا ~~يربط شتات رأيهم رابط. وهذا الرجل هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق ~~بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا ~~عند الانسلال عن ربقة الإجماع، والحيد عن سنن الاتباع. ### | 17 - # وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب ~~العلماء قاطبة. ### | 18 - # أما أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأوا البدار إلى نصب الإمام ~~حقا ; فتركوا لسبب التشاغل به تجهيز رسول الله ودفنه، مخافة أن تتغشاهم ~~هاجمة محنة. ### | 19 - # ولا يرتاب من معه مسكة من عقل أن الذب عن الحوزة، والنضال دون حفظ البيضة ~~محتوم شرعا، ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع، ~~ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تفنن الآراء، # PageV01P023 # وتفرق الأهواء لانتثر النظام، وهلك العظام، وتوثبت الطغام والعوام، ~~وتحزبت الآراء المتناقضة، وتفرقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراة ~~الناس، وفضت المجامع، واتسع الخرق على الراقع، وفشت الخصومات، واستحوذ على ~~أهل الدين ذوو العرامات، وتبددت الجماعات، ولا حاجة إلى الإطناب بعد حصول ~~البيان، وما يزع الله ms006 بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. ### | 20 - # فإذا تقرر وجوب نصب الإمام، فالذي صار إليه جماهير الأئمة أن وجوب النصب ~~مستفاد من الشرع المنقول، غير متلقى من قضايا العقول. ### | 21 - # وذهبت شرذمة من الروافض إلى أن العقل يفيد الناظر العلم بوجوب نصب ~~الإمام. # واستقصاء القول في استحالة تلقي الأحكام من أساليب العقول # PageV01P024 # بحر فياض لا يغرف، وتيار مواج لا ينزف. ### | 22 - # والفئة المخالفة في هذا الباب أخذت مذهبها، وتلقت مطلبها من مصيرها، إلى ~~أن الله - تعالى جده - يجب عليه استصلاح عباده، وزعموا أن الصلاح في نصب ~~الإمام، واستمدوا في تقرير ما يحاولونه، وتمهيد ما يزاولونه من الوجوه التي ~~ذكرناها، وهذا منهم جهل بحقيقة الإلهية، وذهول عن سر الربوبية. # ومن وفق للرشاد، واستد في منهج السداد، واستقر في نظره على اتئاد، علم أن ~~من ضرورة تحقق الوجوب، تعرض من عليه الوجوب للتأثر بالمثاب والعقاب، ومن ~~تصدى لطرق الغير، وقبول الأثر، فهو عرضة للآفات، ودريئة لأسنة العاهات، ~~والقديم - تعالى - لا يلحقه نفع، ولا يناله ضرر يعارضه دفع، فاعتقاد الوجوب ~~عليه زلل، فهو الموجب بأمره، فلا يجب عليه شيء من جهة غيره. ### | 23 - # ثم الأديان والملل، والشرائع والنحل، أحوج إلى الأنبياء، المؤيدين ~~بالمعجزات، والآيات الباهرات، منها إلى الأئمة، فإذا # PageV01P025 # جاز خلو الزمان عن النبي، وهو معتصم دين الأمة، فلا بعد في خلوه عن ~~الأئمة. ### | 24 - # فقد ثبت أنا عرفنا وجوب نصب الإمام من مقتضى الشرع الذي تعبدنا به. ### | 25 - # ولو رددنا إلى العقول، لم نبعد أن يهلك الله الخلائق، ويقطعهم في ~~الغوايات على أنحاء وطرائق، ويغمسهم في غمرات الجهالات، ويصرفهم عن مسالك ~~الحقائق، فبحكمه تردى المعتدون، وبفضله اهتدى المهتدون، " لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون " فهذا منتهى الغرض في ذلك. # PageV01P026 # [الباب الثاني في الجهات التي تعين الإمامة وتوجب الزعامة] [فصل في القول ~~في النص وفي حكم ثبوته ونفاته] ### | الباب الثاني. # في الجهات التي تعين الإمامة وتوجب الزعامة. ### | فصل. # في القول في النص وفي حكم ثبوته ونفاته. ### | 26 - # لو ثبت النص من الشارع على إمام، ms007 لم يشك مسلم في وجوب الاتباع على ~~الإجماع، فإن بذل السمع والطاعة للنبي واجب باتفاق الجماعة. ### | 27 - # وإن لم يصح النص، فاختيار من هو من أهل الحل والعقد، كاف في النصب ~~والإقامة، وعقد الإمامة. ### | 28 - # وقد تفننت في ذلك الآراء والمطالب، واختلفت الأهواء والمذاهب، ولو ذهبت ~~أحصيها، وأستقصيها، لأدى مضمون الباب إلى حدود الإسهاب، ولو آثرت الانكفاف ~~والإضراب، لكان ذلك إخلالا بوضع الكتاب، فالوجه ارتياد الاقتصاد، واجتناب # PageV01P027 # السرف وتعدي المبدأ والطرف، فالإفراط في البسط ممل، والتفريط في الاختصار ~~مخل، والاقتصار على ما يحصل به الإقناع شوف الطباع. ### | [رأي الإمامية] ### | 29 - # فذهبت الإمامية من الروافض إلى أن النبي - عليه السلام - نص على علي - ~~رضي الله عنه - في الإمامة، وتولي الزعامة، ثم تحزبوا أحزابا. ### | 30 - # فذهبت طوائف منهم إلى أن الرسول - عليه السلام - نص على خلافته على رءوس ~~الأشهاد نصا قاطعا، لا يتطرق إليه مسالك الاجتهاد، ولا يتعرض له سبيل ~~الاحتمالات، وتقابل الجائزات، وشفى في محاولة البيان كل غليل، واستأصل مسلك ~~كل تأويل. # وليس ذلك النص مما نقله الأثبات، والرواة الثقات، من الأخبار التي تلهج ~~بها الآحاد، وينقلها الأفراد، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV01P028 # " «من كنت مولاه فعلي مولاه» "، وقوله لعلي - عليه السلام -: " «أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى» " إلى غيرها مما سنرويه ونورده، ونجرد الكلام فيه ~~ونفرده، والله المستعان، وعليه التكلان. # ثم قال هؤلاء: كفرت الأمة بكتم النص ورده، وحسم مسلك دركه وسده. ### | 31 - # واجتزأ بعض الإمامية في ادعاء نص شائع، ولفظ مستفيض ذائع، بالتمسك بما ~~رواه الرواة في الباب، ودونه أرباب الألباب في الكتاب. ### | [رأي الزيدية] ### | 32 - # وذهب فرق من الزيدية إلى أن الرسول - عليه السلام - ما نص على معين في ~~الخلافة، ولكنه ذكر - عليه السلام - بالمرامز والملامح، والمعاريض ~~والصرايح، الصفات التي تقتضي الإمامة استجماعها، # PageV01P029 # فكانت متوافية في علي دون من عداه وسواه، فضلت الأمة، إذ وضعت الإمامة ~~فيمن لم يتصف بتلك الصفات، ولم يتسم بتلك السمات. ### | 33 - # ثم تشوفت طائفة من المنتمين إلى السنة إلى ادعاء النص على أبي ms008 بكر - رضي ~~الله عنه. ### | 34 - # وصار صائرون يعرفون بالعباسية إلى أنه - عليه السلام - نص على عمه ~~العباس، وخصصه بالإمامة من بين سائر الناس، نصا يزيل الريب، ويزيح ~~الالتباس. ### | 35 - # وإذا استندت المذاهب إلى الدعاوي، ابتدر إلى ما يهواه كل غاوي، فتهافت ~~الورى، في اتباع الهوى على المهاوي، وإذا طولب كل مدع بمنهاج الصدق والحجاج ~~بالمسلك الحق، لاحت الحقائق، وانزاحت الغوائل، وحصحص الحق، وزهق الباطل. ### | الرد على القائلين بالنص تواترا وآحادا ### | 36 - # فالذي يقتضيه الترتيب إيضاح الرد على أصحاب النص، ثم اتباع ما عداه من ~~الآراء بالتنقير والفحص ; فنقول: # النص الذي ادعيتموه، ونظمتم به عقودكم، وربطتم به مقصودكم، بلغكم استفاضة ~~وتواترا، من جمع لا يجوز # PageV01P030 # منهم في مستقر العادات، ومستمر الأوقات، التواطؤ على الكذب؟ أم تناقله ~~معينون من النقلة؟ واستبد به مخصوصون من الحملة؟ . # فإن زعموا أنه منقول تواترا على الشرائط المذكورة في الاستفاضة أولا، ~~ووسطا، وآخرا، فقد ادعوا عظيمة في مجاحدة البدائه والضرورات، وانتهوا من ~~البهت والعناد إلى منتهى الغايات. # وقيل لهم: كيف اختصصتم وأنتم الأذلون الأقلون بهذا الخبر دون مخالفيكم، ~~وكيف انحصر هذا النبأ فيكم، مع استواء الكافة في بذل كنه المجهود، في الطلب ~~والتشمير، والتناهي في ابتغاء المقصود، واجتناب التقصير؟ ولو ساغ اختصاص ~~قيام أقوام بدرك خبر شائع، مستفيض ذائع، لجاز أن يختص بالعلم بأن في ~~الأقاليم بلدة تسمى (بغداد) طوائف مخصوصون، مع تماثل الكافة في البحث عن ~~المسالك، والأقاليم والممالك. # وبم ينكرون على من يزعم أنه - عليه السلام - نص على أبي بكر نصا منتشرا ~~في الأقطار، مطبقا للخطط والديار؟ . # PageV01P031 ### | 37 - # ولسنا نذكر ذلك للاختيار والإيثار، ولكن المذاهب الفاسدة، والمطالب ~~الحائدة، إذا تعارضت تناقضت، وترافضت، وبقي الحق المبين، والمنهج المتين، ~~أبلج لائحا لأهل الاسترشاد، وطاحت مسالك العناد. ### | 38 - # وإن زعموا أن النص نقله آحاد، استبان على الارتجال والبديهة خزيهم، ~~واستوى إثباتهم ونفيهم، فإن الآحاد لا يعصمون عن الزلل، بل يتعرضون لإمكان ~~الخطأ والخطل، فنقلهم لا يقتضي العلم بالمخبر عنه قطعا. فليت شعري كيف ~~علموا النص على القطع مع ms009 تجويز خطأ ناقله، وترجيم الظنون في حامله؟ ، ثم لا ~~يسلمون عن معارضتهم بنقيض ما اتخذوه معتصمهم من ادعاء النص على أبي بكر، أو ~~العباس وغيرهما - رضي الله عنهم -. فقد انحلت شكائمهم، ووضحت أكاذيبهم ~~وعظائمهم، ومساق هذه الطريقة يشير إلى الرد على من يجنح عن مسلك الحقيقة. ### | 39 - # فإن قيل: غايتكم فيما قررتموه وكررتموه، الرد على من يدعي العلم، فإن سلم ~~لكم ما رمتموه، واستتب لكم ما نظمتموه، من إبطال مذهب الخصم، فعليكم وراء ~~ذلك طلبة حاقة، ليس لكم بها قبل وطاقة. # PageV01P032 # وهي أن يقال لكم: أنتم قاطعون بانتفاء النص، فبم أدركتم حقيقة الانتفاء؟ ~~وكيف ترقيتم عن مخالجة الشك، والمراء إلى هذا الادعاء؟ فأنتم في دعوى ~~النفي، ومن ادعى الإثبات على سواء، وإذا استوى المسلكان، وتشاكلت جهات ~~الإمكان، فسبيل الإنصاف والانتصاف اجتناب القطع في النفي والإثبات على ~~جزاف. ### | 40 - # قلنا الآن نحملكم بالبرهان الأوضح على سلوك اللقم الأفيح، ونستاقكم إلى ~~المحجة الغراء بالحجة البيضاء، فليعلم المسترشد أن الذي دفعنا إليه متلقى ~~من اطراد العادات واستمرارها، وجريانها على القضايا المألوفة المعروفة ~~واستقرارها، فمما اطرد به العرف على مكر الأيام، وممر الأعوام، أن النبأ ~~العظيم، والخطب الجسيم، وما يجل خطره، ويتفاقم وقعه في النفوس وغرره، تتوفر ~~الدواعي على اللهج بصدقه وذكره، والاعتناء بنشره وشهره، والاهتمام بأمره ~~لعلو منصبه وقدره. # ووضوح هذا يغني عن بسط المقال، وضرب الأمثال، فلو حل # PageV01P033 # سلطان الوقت بقعة من البقاع، وقدم بعض الأصقاع محفوفا بالأتباع، مكنوفا ~~بالأشياع، في جيشه العرمرم، وموكبه المعظم، لاستحال أن ينقل ذلك آحادا، أو ~~يستبد بدركه فئة استبدادا. فيالله للعجب! ! لم يخف ابتعاث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولاته وسعاته، وندبه لجمع مال الله جباته، فشاع توليته ~~معاذا وعتاب بن أسيد، ومن سواهما، ووقعت توليته عليا عهد الإمامة في ~~المتاهات، وظلمات العمايات. هيهات هيهات! ! ### | لو كان هناك نص لظهر يوم السقيفة ### | 41 - # ولما اجتمع صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم السقيفة لتقديم ~~زعيم، وتعيين خليفة، وتفرقت الآراء، وتشتت الأهواء، وكشرت عن أنيابها ms010 ~~الداهية الدهياء، وغشي المسلمين المعضلة الزباء، وامتدت إلى الشقاق ~~الأعناق، وتخازرت الآماق، # PageV01P034 # واشرأب النفاق، وجحظت نحو ارتقاب تقطع الأنساب الأحداق، وتقلقلت لمثار ~~الفتن في أغمادها البيض الرقاق، وتناوش الأوس والخزرج، وأعضل المدخل ~~والمخرج، واعتاص المسلك والمدرك والمنهج، حتى ذكر لأمر الإمرة سعد بن ~~عبادة، وباح بنصبه من أراده، وما كانت تفقأت عنه بيضة مضر، ولا درت عليه من ~~محض قريش درر، فنفرت النفوس الأبية، ولم يكن نصبه قضية مرضية، فأقنع وكفى ~~في انسلاله عن المنصب الذي تشوف إليه، قول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو قوله: " «قدموا قريشا ولا تقدموها» " وقوله: " «الأئمة من قريش» " فلم ~~يبد ناصره - لما ظهر المنهاج، وقهر الحجاج - خلافا، وأقروا إذعانا للحق، ~~وائتلافا على ما سنذكر في باب إمامة أبي بكر من تلك القصة # PageV01P035 # أوساطا وأطرافا ; إذ لم نر أن نستوعبها استيضافا، والغرض من ذكرها الآن ~~قبل أن نعيدها استئنافا - أن الناس في ملتطم هذه الأعواص والالتباس طلبوا ~~وزرا يلاذ بظله، ويرجع إليه في عقد الأمر وحله، ويفوض إليه معاقد الشأن ~~كله، فاتفقت للصديق البيعة والصفقة، وتولى مستحق الحق حقه، فاستراحت ~~النفوس، وانزاحت الحدوس، فلو كان استفاض فيهم نصبه عليا - كرم الله وجهه - ~~وكان - لعمر الله - مستصلحا لمنصب الإمامة مرضيا، لقال في القوم قائل: ما ~~لكم ترتبكون في الظلمات؟ وتشتبكون في الورطات، وتترددون في الخفض والرفع، ~~والتفريق والجمع، وتتركون نص صاحب الشرع. # فاستبان بارتجال الأذهان أن النص لو كان، لاستحال فيه الخفاء والكتمان، ~~ولتناجى به على قرب العهد به أو بعده اثنان، على مكر الزمان # PageV01P036 ### | 42 - # فوضح بمجموع ما ذكرناه أن الأمر أمران: أحدهما: بطلان مذهب من يدعي العلم ~~بالنص. هذا مستدرك بضرورات العقول من غير حاجة إلى بحث ونظر وفحص. # والثاني: القطع على الغيب بأنه لم يجر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- تولية ونصب. ### | لو سلمنا تواطؤ الأمة على جحد النص وكتمانه لجر ذلك أمورا خطيرة ### | 43 - # ونحن الآن نعضد الكلام بواضحة لا يأباها منصف، ولا يقتحم ردها إلا متعسف، ~~فنقول: # لو ساغ ms011 تقدير الكتمان في الأمور الخطيرة، لجر ذلك أمورا عسيرة، ولاتجه ~~للملحدين، وعصب الجاحدين أن يقولوا: قد عورض القرآن في منقرض الزمان، ثم ~~تغشاه الكتمان، وأطبق على إخفائه أهل الإيمان، فإذا سوغتم معاشر الروافض ~~خفاء التنصيص، ودروس التعيين من الشارع والتخصيص، مع العلم بأن مما تتقاضى ~~النفوس أربابها، أن تذيع تولية العهود، ويشيع نصب الأمراء، أو عقد الألوية ~~والبنود، والجبلات على ذلك مفطورة، مختارة كانت أو مقهورة، وإذا لم يبعدوا ~~مع ذلك الخفاء، فما # PageV01P037 # يؤمن في القرآن من تقدم المناقضة، وسبق المعارضة؟ # وهذا محاولة إثبات الفرع بما يكر بالهدم على الأصل، وهو - وحق الحق - ~~نقيض موجب العقول، فقد وجب الحق وحصحص، واضحمل تخيل أصحاب النص وانحص. # وهذا كله مسلك الكلام على من ادعى نصا على رءوس الأشهاد غير الألفاظ التي ~~نقلها الأفراد. ### | 44 - # فأما من يعتمد منهم الألفاظ المعروفة المألوفة، التي رواها الآحاد: مثل ~~قوله - عليه السلام -: " «من كنت مولاه فعلي مولاه» " فالكلام على هؤلاء من ~~وجوه: أحدها: أنا نقول: هذا اللفظ وما عداه وسواه نقله معدودون من الرواة، ~~وهم عرضة الزلل، والخطل، والهفوات، وإن ظهر في غالب الأمر أنهم من الأثبات ~~والثقات ; فيما نعانيه من هذا الفن القطع لا غالب الظن. # فهذا مسلك كاف ووجهه في الرد على هؤلاء شاف. # PageV01P038 ### | 45 - # ثم لو تتبعنا الألفاظ التي نقلوها لم نلف واحدا منها على ما عقلوها. # فأما قوله - عليه السلام -: " «من كنت مولاه فعلي مولاه» " فالمولى من ~~الألفاظ المشتركة المرددة بين مسميات وجهات في الاحتمالات، فيطلق والمراد ~~به ابن العم، والمعتق والمعتق، ويراد به الناصر. ولو خضنا في مأخذ هذا ~~اللفظ من أصل الوضع، وأقمنا عليه مراسم الاستشهاد بالنظم السائر والنثر، ~~لطال الكلام، وتمادى المرام، ولم نضع كتابنا هذا لمثل ذلك ; فإن تصنيف ~~الماضين، وتأليف المنقرضين، مشحون بهذه الفنون، ومعظم المتلقبين بالتصنيف ~~في هذا الزمان السخيف يكتفون بتبويب أبواب، وترتيب كتاب متضمنه كلام من ~~مضى، وعلوم من تصرم وانقضى. ### | 46 - # ومقدار غرضنا الآن أن اللفظ الذي اعتقدوه معتصمهم ومعاذهم، ومعتمدهم ~~وملاذهم، من ms012 المجملات التي يتطرق إليها تقابل الجائزات. والتعلق بالمحتملات ~~فيما يبغى فيه القطع والبتات، من شيم ذوي الجهالات. # وقد قيل: جرت مفاوضة ومحاورة بين علي وزيد مولى رسول # PageV01P039 # الله - صلى الله عليه وسلم - «فقال علي - رضي الله عنه - لزيد: أنا ~~مولاك. فقال زيد: بل مولاي رسول الله - صلى الله عليه وسلم. فلما اطلع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على ما جرى ; قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه» ~~. ### | 47 - # ومما تمسك به هؤلاء ما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ". وهذه اللفظة حقا من المجملات ~~المعدودة عند ذوي التحصيل من أغمض المعوصات. ونحن إذا قدرنا فيه تعارض ~~الاحتمالات، ووجه الإجمال، فقد أسقطنا وجه الاستدلال ; فإن الاستدلال ~~بالظاهر الذي يتطرق إليه مسلك التأويل ليس عليه في القطعيات تعويل. فما ~~الظن بالمجمل الذي لا يظهر لمعناه من حيث اللفظ تفصيل؟ ؟ . # فمن وجوه الإشكال أن هارون - عليه السلام - كان من المرسلين، وهارون مات ~~قبل موسى بسنين، فلم يخلفه بعد وفاته. فلم يكن علي من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بمثابة هارون من موسى في شيء من حالاته. نعم. كان علي - رضي ~~الله عنه - في حياة المصطفى وزره # PageV01P040 # ونصيره، كما كان هارون ردء موسى وظهيره، فإذا جرى الكلام في معرض ~~الاستعجام والاستبهام، لم يسغ الاعتصام به في مجتهدات الأحكام، فكيف الظن ~~بنصب الإمام؟ وهو شوف الأنام، وأحق ما يعلق بتحقيقة الاهتمام. وقد صح ورود ~~هذا اللفظ على سبب لا يستتم معناه دون فهمه، وهو أنه لما هم بغزوة تبوك، ~~استخلف على المدينة عليا، فعظم على علي - رضي الله عنه - تخلفه من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاته، وما كان عهد مفارقته في شيء من ~~حالاته، وربط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قلبه، وخفف من كربه، ~~وقال: لم تزل مساهمي في الحسنى والسوءى، والنعمى والبوسى، وقد استخلفتك على ~~أهلي كما استخلف هارون موسى. ### | 48 - # ثم نعارضهم ببعض ما صح عن سيد ms013 المرسلين في أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما ~~- قال - عليه السلام -: " «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدمهم غيره» " ~~وقال: «يأبى الله والمسلمون # PageV01P041 # إلا أبا بكر» "، وقال: " «اقتدوا باللذين من بعدي أبا بكر وعمر» " ~~واستخلف أبا بكر في إمامة الصلاة في مرضته التي توفي فيها ; فقال: صحب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم - في تقدم أبي بكر - رضي الله عنه - ~~رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إماما لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ ؟ ~~. ### | 49 - # والذي عليه التأويل في الجملة والتفصيل أن أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - شهدوا، وغبنا، واستيقنوا عن عيان، واستربنا، وكانوا قدوة ~~الأنام، وأسوة الإسلام، لا يأخذهم في الله عذل وملام، وما كانوا بعد ~~استئثار الله برسوله تحت اقتهار واقتسار، بل كانوا مالكين لأعنة الاختيار، ~~لا يؤثرون على الحق أحدا، ولا يجدون من دونه ملتحدا، ولم يرهق وجوههم ~~الكريمة وهج البدع، والأهواء، ولم يقتحموا جراثيم اختلاف الآراء، كالبيضة # PageV01P042 # التي لا تتشظى، وإن سيموا مخالفة الحق يرتدوا كالجحمة تتلظى، فليت شعري ~~كيف لم يفهموا على ذكاء القرائح النصوص الصرائح، ويفطن لها الرعاع الهمج ~~المتضمخون بالمخازي والفضائح؟ ! ! . ### | 50 - # فقد بطل ادعاء النص وطاح، واستبان الحق لباغيه ولاح، فإذا نجز مقدار ~~غرضنا من الرد على أصحاب النصوص، ووضح بطلان مذهبهم على الخصوص، وسبق في ~~صدر الكلام وجوب نصب الإمام، فقد حان الآن أن نوضح أن الاختيار من أهل الحل ~~والعقد هو المستند المعتقد، والمعول المعتضد، فنقول مستمسكين بحبل الله ~~المتين، وفضله المبين، وهو المعتصم في كل مطلب، وليس وراء الله للمرء مذهب: ### | 51 - # ثبوت الاختيار يستدعي تقديم إثبات الإجماع على منكريه، وتحقيق الغرض فيه ~~صعب المدرك متوعر المسلك على من لا يدريه، ومن يحاوره قبل الاستيثاق بما ~~ينحيه عن ظلمات التيه، عسر عليه تلافيه، ولا بد من رمزة إلى وجه الإشكال ~~والإعضال في صيغة السؤال، ثم نعطف عليه الانفصال، متضمنا ثلج الصدر على ~~الكمال. # PageV01P043 ### | 52 - # فإن قيل: لا يدل على وجوب اتباع الإجماع مسالك العقول، فإن الرب ms014 تعالى ~~موصوف بالاقتدار على جمع العالمين على الباطل على اضطرار، وعلى خيرة ~~وإيثار، وإذا كان ذلك مسوغا في العقل غير مستحيل، وليس في العقل على القضاء ~~بصدق المجمعين دليل، وليس إلى درك ذلك من طرق المعقولات سبيل، وليس في كتاب ~~الله نص في إثبات الإجماع لا يقبل التأويل، وليس على الظواهر القابلة ~~للتأويلات في القطعيات تعويل، ولا مطمع في إثبات الإجماع بخبر الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ; فإنه لم يتواتر عنه نص في الإجماع يدرأ المعاذير، ويقطع ~~التجويز والتقدير، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا تجتمع أمتي على ~~ضلالة» " نقله معدودون محددون، معرضون لإمكان الهفوات والزلات، على أنه ~~يتطرق إليه سبيل التأويلات ; فلا يبعد أن يقال: المعني بقوله - عليه السلام ~~-: ( «لا تجتمع أمتي على الضلالة» ) أنها لا تنسلخ عن الإيمان ملابسة عماية ~~الجهالة، فيكون مضمون هذه المقالة الإشعار بأمان الأمة عن المنقلب إلى ~~الكفر والردة، وإن تطاولت المدة. ### | 53 - # فإذا لم نجد مسلكا في إثبات الإجماع معقولا، وأصلا # PageV01P044 # مقطوعا به في السمع منقولا، فما مستند اليقين والقطع بثبوت الإجماع في ~~وضع الشرع؟ وعليه مدار معظم الأحكام في الفرق والجمع وإليه استناد المقاييس ~~والعبر، وبه اعتضاد الاستنباط في طرق الفكر، فقد عظم الخطر، وتفاقم الغرر، ~~وهذا مضلة الأنام، ومزلة الأقدام، ومتاهة الخواص والعوام، ومعرفة الغواص ~~والعوام، وما انتهى المهرة إلى مساق هذا الإشكال ومذاق هذا الإعضال ; فضلا ~~عن المطمع في الانفصال. ### | 54 - # فأنا أستعين بالله تعالى، وعليه الاتكال، فأقول: إذا صادفنا علماء الأمة ~~مجمعين على حكم من الأحكام، متفقين على قضية في تفاصيل الحلال والحرام، ~~وألفيناهم قاطعين على جزم وتصميم، في تحليل أو تحريم، وهم الجم الغفير، ~~والجمع الكثير، وعلمنا بارتجال الأذهان أنهم ما تواطئوا على الكذب على عمد، ~~وما تواضعوا على الافتراء عن قصد، وهم متبددون في الأقطار، متشتتون في ~~الأمصار، مع تنائي الديار، وتقاصي المزار، لا يجمعهم رابط على وطر من ~~الأوطار، ثم كرت الدهور، ومرت العصور، وهم مجمعون على قطع مسدد، من غير رأي ~~مردد. والأحكام # PageV01P045 # في تفاصيل ms015 المسائل لا ترشد إليها العقول، فنتبين أنه حملهم على اتفاقهم ~~قاطع شرعي، ومقتضى جازم سمعي، ولولاه، لاستحال أن يقطعوا في مظنات الظنون، ~~ثم يتفقوا من غير سبب جامع يحملهم على التواضع على الكذب، ثم يستمروا على ~~ذلك، مع امتداد الآماد على استتباب، واطراد. هذا محال وقوعه في مستقر ~~الاعتياد. ### | 55 - # وإنما يتضح حقيقة هذه الطريقة بأسئلة وأجوبة عنها. فإن قيل: نرى أهل مذهب ~~في الشرع يبلغ عددهم المبلغ الذي وصفتموه، ولا يجوز من مثلهم التواضع كما ~~عرفتموه، ثم هم مصممون على معتقدهم، ولو قطعوا مثلا لا يبغون عنه حولا، ثم ~~لا يدل إجماعهم على القطع بأن مذهبهم الحق، ومعتقدهم الصدق، قلنا هؤلاء وإن ~~طبقوا طبق الأرض، ذات الطول والعرض، فهم معترفون بأنهم ظانون، معتصمون ~~بأساليب الظنون، ولا يقطعون بأن خصومهم مبطلون، ولا يبعد في مطرد العادات ~~اجتماع أقوام على فنون من طرائق الظنون، ومتابعتهم مسلكا مخصوصا. # PageV01P046 # فأما الاجتماع من مثل هذا العدد على دعوى القطع، مع الاتفاق على أنه ~~متلقى من السمع، من غير إسناد إلى قاطع في الشرع، فهذا مستحيل على الضرورة، ~~لا يجوزه ذو تحصيل، وكيف يجوز ذهول علماء الأمة عن اعتراض الظنون الهاجسة ~~في النفوس، الخاطرة في أدراج الفكر والحدوس؟ ، حتى يحسبوا المظنون في الشرع ~~معلوما، والمشكوك فيه مقطوعا به مفهوما، ويتفقوا على القطع من غير معنى ~~يوجب القطع. هذا يكون تجويزه هجوما على جحد الضروريات، واقتحاما لورطات ~~الجهالات، وخرقا لموجب العادات، فأما أن يغلب على ظنون جمع أمر عن قول رجل ~~ظاهر العدالة، مستقيم الحالة، مع علمهم بأنهم ظانون، فليس ذلك بدعا عرفا ~~وشرعا، وإنما المستحيل الاتفاق على العلم في السمعيات، والإطباق على ادعاء ~~اليقين في الشرعيات، من غير اطلاع على قاطع يقتضي الإجماع من عدد لا يجوز ~~منهم التواطؤ والتواضع. ### | 56 - # فإن قيل: قصارى هذا الانفصال عما توجه من السؤال، أن الذين ينتحلون مذهب ~~الإمام لا يدعون علما، وإنما غايتهم # PageV01P047 # غلبة ظن، صدرها عن ترجيح وتلويح، ونحن الآن نلزمكم ما لا تجدون إلى درئه ~~سبيلا. ms016 ### | 57 - # فنقول: النصارى وغيرهم من الكفار مصممون على فاسد عقدهم دينا، ولو صب ~~عليهم صنوف العذاب صبا، ما ازدادوا في معتقدهم إلا نضالا وذبا، ولو اعتمد ~~أضعفهم منة فنشر بالمنشار لما آثر نكولا ورجوعا، وهم مطبقون أن عقدهم ~~اليقين المبين، والدين المتين، وعددهم يبر على عدد المسلمين بأضعاف مضعفة، ~~وخطة الإسلام بالإضافة إلى ديار الكفار كالشامة البيضاء في مسك ثور أسود. ### | 58 - # وهذا سؤال عظيم الوقع في الإجماع الواجب الاتباع في الشرع، ولا يحل معوصه ~~إلا موفق، بل لا ينتهي إلى غائلة السؤال إلا محقق، وليس يليق الانتهاء إلى ~~هذه المعاصات في التحقيق بمقدار غرضنا في ذكر أحكام الإمامة، ولكن صادفت ~~نشطة وهزة إلى المجلس الأسمى، ووافقت بسطة، فأرخيت فضل # PageV01P048 # عناني، وأطلت عذبة لساني، وانتهيت إلى مأزق ومضايق في مدارج الحقائق، ~~يتوعر فيها العطن، ويتحير فيها الفطن، ويضيق فيها نطاق النطق، ويعسر فيها ~~لحاق الحق، ويتخايل فيها القرح عن شأو السبق، ولكن المستعين بالله موفق، ~~والمتبري عن حوله وقوته بالصواب مستنطق، وحق على كل من له في مشرع الشرع ~~مكرع، وفي رتع الدين مرتع، إذا انتهى إلى هذا المقام، وأفضى به النظر إلى ~~سر هذا الكلام، أن يعلم أنه دفع إلى خطب عظيم من الخطوب الجسام ; فإن ~~الإجماع مناط الأحكام، ونظام الإسلام، وقطب الدين، ومعتصم المسلمين، ومعظم ~~مسائل الشريعة ينقسم إلى مجتهدات في ملتطم الخلاف، ومستندها في النفي ~~والإثبات مسائل الإجماع، وليس من ورائها نصوص صريحة، وألفاظ صحيحة في ~~الكتاب والسنة، والأصل # PageV01P049 # فيها الإجماع إذا ; فمن لم يثق بالأصل الذي منه الاستثارة والاستنباط، ~~كيف يعدل في مسالك التحري والتأخي معياره؟ ؟ وأنا لم أطنب في التشريف وأنا ~~أقيم لهذا السؤال وزنا، ولكن رمت تنبيه القرائح لتدرك الحقيقة والمعنى. ### | 59 - # وأنا الآن أستعين بالله، فهو المستعان، وعليه التكلان؛ فأقول مدار الكلام ~~في إثبات الإجماع على العرف واطراده، وبيان استحالة جريانه حائدا عن مألوفه ~~ومعتاده، فكل ما يتعلق بالدول، والأديان والملل، فالعرف مستمر على اتباع ~~شوف ومطمح يجمع شتات الآراء، ويؤلف افتراق الأهواء ms017 ; ولهذا السبب انتظم أمر ~~الدين والدنيا، ولو استرسل الناس على مذاهبهم المتباينة في الإرادات ~~والمنى، وتقطعوا أيادي سبا، لاستحال الكون والبقاء، ولهلك في النزاع ~~والدفاع الجماهير والدهماء، وإذا أراد الله بقوم سوءا، تركهم سدى، يختبطون ~~بلا وزر، فإذ ذاك يتهافتون على ورطات # PageV01P050 # الغرر، ويتهاوون في مهاوي الخطر. # وملاك الأمور كلها ملة تدعو إلى القربات والخيرات، وتزجر عن الفواحش ~~والموبقات، ومرتبطها الأنبياء المؤيدون بالآيات، وإيالة قهرية تضم النشر من ~~الآراء المتناقضة، ومتعلقها الملوك والأمراء الممدون بالعدد والعدد، وأسباب ~~المواتاة، فما كان من اتساق واتفاق مستنده دين أو ملك، فليس وقوعه بديعا، ~~وما ذكروه جميعا في هذا الصنف في مستقر العرف، وأما ما جعلناه متمسكا في ~~الإجماع فالاتفاق على حكم معين في مسألة مخصوصة، وهذا التعين لا تقتضيه ~~إيالة ملكية قهرية، ولا قضية دينية نبوية، ويستحيل إجماع عدد عظيم على أمر ~~من غير ثبوت سبب جامع، كما يستحيل إجماع العالمين في صبيحة يوم على قيام أو ~~قعود، أو أكل أو نوم، مع اختلاف الدواعي والصوارف، وتباين الجبلات والخلق ~~والأخلاق، فحصول الاتفاق مع ذلك من وفاق يفضي إلى الانخرام في مطرد العرف ~~والانخراق. # فقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أن إجماع أهل البصائر على # PageV01P051 # القطع في مسألة مظنونة، لا مجال للعقول فيها يستحيل وقوعه من غير سبب ~~مقطوع به سمعي. ### | 60 - # فإن قيل: لو كان سبب الإجماع خبرا مثلا مقطوعا به، للهج المجمعون بنقله. # قلنا: لا نبعد أن ينعقد الإجماع عن سبب مقطوع به، ثم يقع الاكتفاء ~~بالوفاق، ويضرب المجمعون عن نقل السبب ; لقلة الحاجة إليه، وكم من شيء ~~يستفيض عند وقوعه، ثم يمحق ويدرس، حتى ينقل آحادا، ثم ينطمس حتى لا ينقل، ~~ويقع الاكتفاء بما ينعقد الوفاق عليه، ووضوح ذلك يغني أصحاب المعارف بالعرف ~~عن الإطناب في تقريره. ### | الإجماع في نفسه ليس حجة ### | 61 - # فإن قيل: فالحجة إذا مستند الإجماع مقدرا، وليس الإجماع في نفسه دليلا. # قلنا: الآن لما انكشف الغطاء وبرح الخفاء، فالحق المتبع أن الإجماع في ~~نفسه ليس حجة، إذ ms018 لا يتصور من المجمعين الاستقلال بإنشاء حكم من تلقاء ~~أنفسهم، وإنما يعتقد فيهم العثور على أمر # PageV01P052 # جمعهم على الإجماع، فهو المعتمد والإجماع مشعر به. # وليس قول المجمعين بأعلى منصبا من قول المصطفى. # ولا يستريب محصل أن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يستقل دليلا، ~~ولا ينهض بنفسه إلى الحق سبيلا، ولكن المعجزة شهدت بعصمته، وصدق لهجته فيما ~~ينقله عن إله الخلق. # فالعقول والنهى قاضية بأن إلى الله المنتهى، فأمره المطاع حقا، والرسل ~~مبلغون عنه صدقا، والإجماع مشعر بحجة تقدم الوفاق سبقا. ### | 62 - # فلينظر الموفق اللبيب إلى هذا الترتيب العجيب: قدمنا وجه الإشكال، وضيق ~~المجال في صيغة سؤال، ثم افتتحنا في إثبات الإجماع قاعدة لم نسبق إليها، ~~ولم نزحم عليها، ثم لم نبد المقصود دفعة واحدة، هجوما في إثبات الإجماع، بل ~~رأينا أن نجعل المسالك إلى مدارك الحق وظائف مترتبة ونجوما، واشتملت ~~الأسئلة المدرجة في أثناء الكلام على الانتهاء إلى معاصات الإشكال، # PageV01P053 # وانطوت طرق الانفصال على إيضاح الحق في صيغة هي السحر الحلال، ثم لما ~~فضضنا ختام كل مبهم مجمل، نصصنا على الغرض وطبقنا المفصل. # وقد تجاوزنا حد الاقتصاد قليلا ; فإنا لم نجد للمسائل القطعية في الإمامة ~~سوى الإجماع تعويلا، فآثرنا أن نورد في إثباته كلاما بالغا ينجح به ~~المنتهي، ويستقل به الشادي المبتدي. ### | [اختيار الإمام] # فصل. # اختيار الإمام. ### | 63 - # ونحن بعد تقديم ذلك نخوض في إثبات الاختيار فنقول: # اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب، وتباين المطالب، على ثبوت ~~الإمامة، ثم أطبقوا على أن سبيل إثباتها النص أوالاختيار، وقد تحقق بالطرق ~~القاطعة والبراهين اللامعة بطلان مذاهب أصحاب النصوص، فلا يبقى بعد هذا ~~التقسيم والاعتبار إلا الحكم بصحة الاختيار، وإن أردنا أن نعتمد إثبات ~~الاختيار من غير التفات إلى إبطال مذاهب مدعي النصوص أسندناه إلى الإجماع ~~قائلين: # PageV01P054 ### | 64 - # إن الخلفاء الراشدين انقضت أيامهم، وتصرمت نوبهم، وانسحبت على قمم ~~المسلمين طاعتهم، وكان مستند أمورهم صفقة البيعة. # فأما أبو بكر - رضي الله عنه - فقد تواترت البيعة له يوم السقيفة، وكان ~~عمر - رضي ms019 الله عنه - ولي عهده، وتعين عثمان - رضي الله عنه - من الستة ~~المذكورة في الشورى بالبيعة، ولما انتهت النوبة إلى علي - رضي الله عنه - ~~طلب البيعة، فأول من بايعه طلحة، والزبير، ومن حاول بسط مقال في إيضاح ~~استناد الأئمة الماضين إلى البيعة كان متكلفا مشتغلا بما يغني الظهور ~~والتواتر عنه، وقد قدمنا أن الإجماع هو المعتصم الأقوى، والمتعلق الأوفى، ~~في قواعد الشريعة، وهو الوسيلة والذريعة، إلى اعتقاد قاطع سمعي كما سبق في ~~إثبات الإجماع تقريره. ### | 65 - # فإن قيل هذا تدليس وتلبيس ; فإنكم قدمتم في خلل # PageV01P055 # الكلام الذي سقتموه في الإجماع أن ما يتفق من اجتماع في الإيالات ~~الملكية، والسياسات القهرية، وما يفرض فيها من إذعان جماعة وبذل طاعة لا ~~يشعر بحق ولا باطل، وميزتم الإجماع من هذه المسالك برده إلى اجتماع في حكم ~~الواقعة، وزعمتم أن ذلك يقتضي قضية جامعة، ثم عدتم فاستدللتم في الإمامة ~~بالإجماع، وهي أعلى مراتب الدول، وأرفع المناصب، وهذا تناقض واضح، وتهافت ~~في الكلام لائح. # قلنا: هذا كلام من يبغي الأسماء والألقاب، ويؤثر الإضراب عن لباب ~~الألباب. وكأن السائل يرانا ندير ذكر الولاية، فاستمسك بهذه الصيغة من غير ~~إحاطة ودراية، وذهل عن المقصد والنهاية، وهذا الفن يعود المتعلق به إلى ~~ملتطم العماية، وظلمات الغواية، فنقول: محل تعلقنا بالإجماع أن الهم ~~بالبيعة والإقدام عليها في الزمان المتطاول كان أمرا جازما يستند إليه ~~مقاليد الولايات قبل استمرارها، ويربط به عقد الولاية والرايات قبل ~~استقرارها، ثم تناقله الخلائق على تفنن الطرائق، ولم يبد أحد من صحب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نكيرا، ويستحيل ذلك من غير قاطع أحاط به ~~المجمعون. ### | 66 - # نعم. إنما يجري باتباع ذوي الأمر على الحق أو # PageV01P056 # الباطل - العرف. وإذا استقر الملك في النصاب، وأذعنت الرقاب، واستتبت ~~الأسباب، فإذ ذاك قد يحمل الرعية على قضية قهرية ; فيتواطئون طوعا وكرها، ~~ولا يرون للانسلال عن طاعته وجها. فلما توفي المصطفى - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يخلفه ذو نجدة واقتهار، وصاحب أيد ومنة واقتسار تولى بعدد وعدد، ~~وأشياع وأنصار، ms020 وترك الناس على نفوس أبية، وهمم عن القماءة والذلة علية، ~~وطرائق في اتباع الحق مرضية، وهم على خيرتهم فيما يذرون ويأتون، فاستمسكوا ~~بالبيعة في الأمر الأعظم الأهم، والخطب الأطم، ولم يختلفوا فيها وإنما ~~ترددوا في تعيين المختار، ثم استقاموا لياذا، وما كان لياذ الماضين بالبيعة ~~في ماضي الدهر صادرا عن جامع قهري، بل كانت متقدمة على الإمامة، ثم بعدها ~~الاتباع واتساق الطاعة، فلم يبق إشكال في انعقاد الإجماع على الاختيار، ~~وبطلان المصير على ادعاء النص. ### | 67 - # فإن قيل: قد حصرتم عقد الإمامة في الاختيار، وأجريتم في أثناء الكلام ~~تولية العهد الصادر من الإمام. # PageV01P057 # قلنا: سيأتي ذكر ذلك موضحا منقحا مصححا في بابه، ولكنا لما أردنا أن ~~نتكلم في أصل الإمامة حصرناها بعد بطلان النص في الاختيار، والتولية في ~~العهود لا تكون إلا بعد ثبوت الإمامة. فهذا ما أردنا أن نبين. والله الموفق ~~للصواب. # PageV01P058 # [الباب الثالث في صفات الذين هم من أهل عقد الإمامة وتفصيل القول في ~~عددهم] [ ### | مقدمة الباب في بيان سبب الخبط والتخليط في موضوع الإمامة ### | الباب الثالث. # في صفات الذين هم من أهل عقد الإمامة، وتفصيل القول في عددهم. ### | 68 - # مضمون هذا الباب فصلان: أحدهما: في صفات الذين هم من أهل عقد الإمامة. # والثاني: في تفصيل القول في عددهم. ### | 69 - # ونحن نقدم إلى الفصلين تنبيها على الأمر الذي لا بد من الإحاطة به ; ~~فنقول: # قد كثر في أبواب الإمامة الخبط والتخليط والإفراط والتفريط، ولم يخل فريق ~~- إلا من شاء الله - عن السرف والاعتساف، ولم تسلم طائفة إلا الأقلون عن ~~مجانبة الإنصاف، وهلك أمم في تنكب سنن السداد، وتخطي منهج الاقتصاد! ! ! . # والسبب الظاهر في ذلك، أن معظم الخائضين في هذا الفن يبغون مسلك القطع في ~~مجال الظن، ويمزجون عقدهم باتباع الهوى ; # PageV01P059 # ويتهاوون بالغلو على موارد الردى، ويمرحون في تعاليل النفوس والمنى. ### | 70 - # وهذا الكتاب على الجملة قليل الجدوى، عظيم الخطر ; لا ينجو من يقتحم ~~جراثيمه من تعدى حد النصفة إلا من عصمه الله. # ونحن بتوفيق الله نذكر فيه معتبرا ms021 يتميز به موضع القطع عن محل الظن ~~فنقول: ### | 71 - # العلم يتلقى من العقل أو من الشرع، وأساليب العقول بمجموعها لا تجول في ~~أصول الإمامة وفروعها. # والقواطع الشرعية ثلاثة: * نص من كتاب الله لا يتطرق إليه التأويل. # * وخبر متواتر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعارض إمكان الزلل ~~روايته ونقله، ولا تقابل الاحتمالات متنه وأصله. # * وإجماع منعقد. # PageV01P060 ### | 72 - # فإذا لا ينبغي أن تطلب مسائل الإمامة من أدلة العقل، بل تعرض على القواطع ~~السمعية. ولا مطمع في وجدان نص من كتاب الله تعالى في تفاصيل الإمامة. ~~والخبر المتواتر معوز أيضا ; فآل مآل الطلب في تصحيح المذهب إلى الإجماع، ~~فكل مقتضى ألفيناه معتضدا بإجماع السابقين، فهو مقطوع به، فكل ما لم يصادف ~~فيه إجماعا اعتقدناه واقعة من أحكام الشرع، وعرضناه على مسالك الظنون عرضنا ~~سائر الوقائع، وليست الإمامة من قواعد العقائد ; بل هي ولاية تامة عامة، ~~ومعظم القول في الولاة والولايات العامة والخاصة مظنونة في التأخي والتحري، ~~ومن وفقه الله - تعالى وتقدس - للوقوف على هذه الأسطر، واتخذها في المعوصات ~~مآبه ومثابه، لم يعتص عليه معضل، ولم يخف عليه مشكل، وسرد المقصود على موجب ~~الصواب بأجمعه، ووضع كل معلوم ومظنون في موضعه وموقعه. # والآن نبدأ بتفصيل صفات أهل العقد والاختيار. # PageV01P061 ### | [الفصل الأول في صفة أهل الاختيار] # الفصل الأول. ### | 73 - # فلتقع البداية بمجال الإجماع في صفة أهل الاختيار ثم ننعطف على مواقع ~~الاجتهاد والظنون. # فما نعلمه قطعا أن النسوة لا مدخل لهن في تخير الإمام وعقد الإمامة، ~~فإنهن ما روجعن قط، ولو استشير في هذا الأمر امرأة ; لكان أحرى النساء ~~وأجدرهن بهذا الأمر فاطمة - عليها السلام - ثم نسوة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمهات المؤمنين، ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنه ما كان لهن في ~~هذا المجال مخاض في منقرض العصور ومكر الدهور. # وكذلك لا يناط هذا الأمر بالعبيد، وإن حووا قصب السبق في العلوم. # ولا تعلق له بالعوام الذين لا يعدون من العلماء وذوي الأحلام. # ولا مدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة. # PageV01P062 # فخروج ms022 هؤلاء عن منصب الحل والعقد ليس به خفاء. # فهذا مبلغ العلم في هذا الفصل. ### | 74 - # فأما المظنون منه، فقد ذهب طوائف من أئمة أهل السنة إلى أنه لا يصلح لعقد ~~الإمامة إلا المجتهد المستجمع لشرائط الفتوى. # وذهب القاضي الباقلاني في عصب من المحققين إلى أنا لا نشترط بلوغ العاقد ~~مبلغ المجتهدين، بل يكفي أن يكون ذا عقل وكيس وفضل وتهد إلى عظائم الأمور، ~~وبصيرة متقدة بمن يصلح للإمامة، وبما يشترط استجماع الإمام له من الصفات. # ونحن نوجه المذهبين بما يقع به الإقناع، ثم نذكر ما يلوح لنا. إن شاء ~~الله عز وجل. ### | 75 - # فأما من لم يستجمع خصال المفتين، فنقول: الغرض تعيين قدوة وتخير أسوة، ~~وعقد الزعامة لمستقل بها، ولو لم يكن المعين المتخير عالما بصفات من يصلح ~~لهذا الشأن - لأوشك # PageV01P063 # أن يضعه في غير محله، ويجر إلى المسلمين ضرارا بسوء اختياره ; ولهذا لم ~~يدخل في ذلك العوام، ومن لا يعد من أهل البصائر. # والنسوان لازمات خدورهن، مفوضات أمورهن إلى الرجال القوامين عليهن، لا ~~يعتدن ممارسة الأحوال، ولا يبرزن في مصادمة الخطوب بروز الرجال، وهن قليلات ~~الغناء فيما يتعلق بإبرام العزائم والآراء، ولذلك ذهب معظم العلماء إلى ~~أنهن لا يستقللن بأنفسهن في التزويج. # والعبيد - وإن كانت لهم آراء - مرعيون تحت استسخار السادة، لا يتفرغون في ~~غالب الأمر للبحث والتنقير، وكأنهم مع إرادتهم الثاقبة لا رأي لهم. ### | 76 - # فأما الأفاضل المستقلون، الذين حنكتهم التجارب، وهذبتهم المذاهب، وعرفوا ~~الصفات المرعية فيمن يناط به أمر الرعية، فهذا المبلغ كاف في بصائرهم، ~~والزائد عليه في حكم ما لا تمس الحاجة إليه في هذا المنصب. # وقد تمهد في قواعد الشرع أنا نكتفي في كل مقام بما يليق به من العلم ; ~~فيكفي في المقوم العلم بالأسعار والدربة التامة مع # PageV01P064 # الكيس في صفات المقومات، ويقع الاجتزاء في القسام بمعرفة الحساب ~~والمساحة، وكيفية تعديل السهام. ويراعى في الخارص ما يقتضيه حاله، وإذا ~~بعثنا إلى الزوجين، وقد شجرت بينهما المنازعة، ونشبت الخصومة والمدافعة، ~~واعتاص الظالم منهما حكمين كما أشعر ms023 به نص القرآن، لم يشترط أن يكونا ~~مجتهدين، بل يكفي علمهما بحقوق النكاح، وتفطنهما لعادات التعاشر، وإحاطتهما ~~بما يدق ويجل من هذا الفن. # فالفاضل، الفطن، المطلع على مراتب الأئمة، البصير بالإيالات والسياسات، ~~ومن يصلح لها، متصف بما يليق بمنصبه في تخير الإمام. ### | 77 - # وأما من شرط كون العاقد مفتيا، فمعتصمه أنا نشترط أن يكون الإمام مجتهدا ~~كما سيأتي في ذلك مشروحا - إن شاء الله عز وجل - في صفات الأئمة، ولا محيط ~~بالمجتهد إلا مجتهد، فلو لم يكن المتخير العاقد مفتيا، لم يطلع على تحقيق ~~ذلك من الذي ينصبه إماما. ### | 78 - # وللأولين أن يقولوا: قد يظهر بالتسامع والإطباق من طبقات الخلق كون الشخص ~~مجتهدا، فليقع الاكتفاء بذلك. # PageV01P065 # والذي يوضح المقصد منه أن على المستفتي أن لا يعول فيما يبغيه من الأحكام ~~إلا على من يراه مجتهدا، وليس له أن يحل مسائله بكل من يتلقب باسم عالم، ~~فإذا أمكن أن يدرك ذلك عامي مستفت، فما الظن بمرموق من أفاضل الناس؟ ؟ . ### | 79 - # فقد ظهر أن الأقرب إلى التحقيق مسلك القاضي ومتبعيه. ### | 80 - # وأما ما نختاره: فلست أرى ذكره إلا في خاتمة الفصل الثاني المشتمل على ~~ذكر عدد المختارين، فإنه يتعلق بالفصلين. ### | 81 - # ولم نغفل ذكر الورع صدرا في الفصل عن ذهول، بل رأيناه أوضح من أن يحتاج ~~إلى الاهتمام بالتنصيص عليه، فمن لا يوثق به في باقة بقل كيف يرى أهلا للحل ~~والعقد؟ ؟ وكيف ينفذ نصبه على أهل الشرق والغرب؟ ؟ ومن لم يتق الله لم تؤمن ~~غوائله، ومن لم يصن نفسه لم تنفعه فضائله. # فقد نجز الفصل، مختوما على التقدير بالمقطوع به في مقصوده، مثنى بما هو ~~من فن المجتهدات، وقبيل المظنونات. # PageV01P066 ### | [الفصل الثاني في ذكر عدد من إليه الاختيار والعقد] # الفصل الثاني. # في ذكر عدد من إليه الاختيار والعقد. ### | 82 - # فنجري على الترتيب المقدم والملتزم، ونبدأ بالمقطوع به، فنقول: مما يقطع ~~به أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بالإجماع. # والذي يوضح ذلك أن أبا بكر - رضي الله عنه - صحت له البيعة ms024 ; فقضى وحكم، ~~وأبرم وأمضى، وجهز الجيوش، وعقد الألوية، وجر العساكر إلى مانعي الزكاة، ~~وجبى الأموال، وفرق منها، ولم ينتظر في تنفيذ الأمور انتشار الأخبار في ~~أقطار خطة الإسلام، وتقرير البيعة من الذين لم يكونوا في بلدة الهجرة. # وكذلك جرى الأمر في إمامة الخلفاء الأربعة. # فهذا مما لا يستريب فيه لبيب. # والذي يعضد ذلك علمنا على اضطرار أن الغرض من نصب الإمام حفظ الحوزة، ~~والاهتمام بمهمات الإسلام، ومعظم الأمور الخطيرة لا يقبل الريث والمكث، ولو ~~أخر النظر فيه لجر ذلك # PageV01P067 # خللا لا يتلافى، وخبلا متفاقما لا يستدرك، فاستبان من وضع الإمامة ~~استحالة اشتراط الإجماع في عقدها. # فهذا هو المقطوع به من الفصل. # ونفتتح الآن ما نراه مجتهدا فيه. ### | 83 - # ذهب بعض العلماء إلى أن الإمامة تنعقد ببيعة اثنين من أهل الحل والعقد. # واشترط طوائف عدد أكمل البينات في الشرع ; وهو أربعة. # وذهب بعض من لا يعد من أحزاب الأصوليين إلى اشتراط أربعين، وهو عدد ~~الجمعة عند الشافعي - رضي الله عنه. ### | 84 - # وهذه المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة: فأما من ذكر اثنين، فالذي ~~تخيله أن هذا العدد أقل الجمع، فلا بد من اجتماع جمع على البيعة. # ومن شرط أربعة قال: الإمامة من أعلى الأمور، وأرفع الخطوب، فيعتبر فيها ~~عدد أعلى البينات. # ومن ادعى الأربعين استمسك بقريب ما قدمناه، واعتبر من # PageV01P068 # يقتدي بإمام المسلمين بمن يقتدي بإمام الجمعة. # وهذه المسالك من أضعف طرق الأشباه، وهي أدون فنون المقاييس في الشرع، ~~ولست أرى أن أحكم بها في مواقع الظنون ومظان الترجيح والتلويح، فما الظن ~~بمنصب الإمامة؟ ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع، لم يعدم ~~وجوها بعيدة عن التحصيل في التشبيه. ### | 85 - # وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر، وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن ~~- رضي الله عنهما - وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل العقد. # ووجه هذا المذهب أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة، ثم لم ~~يثبت توقيف في عدد مخصوص. والعقود في الشرع مولاها ms025 عاقد واحد، وإذا تعدى ~~المتعدي الواحد، فليس عدد أولى من عدد، ولا وجه للتحكم في إثبات عدد مخصوص، ~~فإذا لم يقم دليل على # PageV01P069 # عدد لم يثبت العدد، وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطا، فانتفى الإجماع ~~بالإجماع، وبطل العدد بانعدام الدليل عليه، فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد ~~الواحد. # وظاهر قول القاضي يشير إلى أن ذلك مقطوع به، وهذا وإن كان أظهر المذاهب ~~في ذلك، فلسنا نراه بالغا مبلغ القطع. ### | 86 - # وها أنا الآن أذكر ما يلوح عندي في هذا الفصل، وفيه ذكر كلام ينعطف على ~~الفصل الأول، فأقول: - الذي أراه أن أبا بكر لما بايعه عمر لو ثار ثائرون، ~~وأبدوا صفحة الخلاف، ولم يرضوا تلك البيعة، لما كنت أجد متعلقا في أن ~~الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد، وكذلك لو فرضت بيعة اثنين أو أربعة فصاعدا، ~~وقدرت ثوران مخالفين، لما وجدت متمسكا به اكتراث واحتفال، في قاعدة ~~الإمامة. # ولكن لما بايع عمر تتابعت الأيدي، واصطفقت الأكف، واتسعت الطاعة، وانقادت ~~الجماعة. ### | 87 - # فالوجه عندي في ذلك أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار ~~والأشياع، تحصل بهم شوكة ظاهرة، ومنعة # PageV01P070 # قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف، لما غلب على الظن أن يصطلم أتباع الإمام، ~~فإذا تأكدت البيعة، وتأطدت بالشوكة والعدد والعدد، واعتضدت، وتأيدت بالمنة، ~~واستظهرت بأسباب الاستيلاء والاستعلاء، فإذا ذاك تثبت الإمامة، وتستقر، ~~وتتأكد الولاية وتستمر، ولما بايع عمر مالت النفوس إلى المطابقة والموافقة، ~~ولم يبد أحد شراسا وشماسا، وتظافروا على بذل الطاعة على حسب الاستطاعة، ~~وبتعين اعتبار ما ذكرته بأني سأوضح في بعض الأبواب الآتية أن الشوكة لا بد ~~من رعايتها. ### | 88 - # ومما يؤكد ذلك اتفاق العلماء قاطبة، على أن رجلا من أهل الحل والعقد، لو ~~استخلى بمن صلح للإمامة، وعقد له البيعة لم تثبت الإمامة. وسنذكر ذلك في ~~مختتم هذا الفصل. # وسبب تعلقي بذلك أن مثل هذا لو قدر لم تستتب منه شوكة، ولم تثبت به ~~سلطنة، فلئن كنا نتبع ما جرى، فقد كانت البيعة على هذه القضية التي وصفتها، ms026 ~~وظهر اعتبار حصول الشوكة ; فليتبع ذلك. ### | 89 - # ثم أقول: إن بايع رجل واحد مرموق، كثير الأتباع # PageV01P071 # والأشياع، مطاع في قومه، وكانت منعته تفيد ما أشرنا إليه، انعقدت ~~الإمامة. وقد يبايع رجال لا تفيد مبايعتهم شوكة ومنة قهرية، فلست أرى ~~للإمامة استقرارا. # والذي أجزته ليس شرط إجماع، ولا احتكاما بعدد، ولا قطعا بأن بيعة الواحد ~~كافية. ### | 90 - # وإنما اضطربت المذاهب في ذلك لوقوع البيعة لأبي بكر مبهمة من غير اختصاص ~~بعدد، ولم يتجه إحالة إنبرام العقد على بيعة واحد ; فتفرقت الطرق، وأعوص ~~مسلك الحق على معظم الناظرين في الباب. # والذي ذكرته ينطبق على مقصد الإمامة وسرها، فإن الغرض حصول الطاعة، وهو ~~موافق للإبهام الذي جرى في البيعة. # فرحم الله ناظرا انتهى إلى هذا المنتهى فجعل جزاءنا منه دعوة بخير. ### | 91 - # والذي ينصرف من مساق هذا الكلام إلى الفصل الأول، المنطوي على ذكر صفة من ~~يعقد، إلى اشتراط ما ذكره القاضي. فلا أرى لاشتراط كون العاقد مجتهدا وجها ~~لائحا، ولكني أشترط أن يكون المبايع ممن يفيد مبايعته منة واقتهارا. # فهذا ما أردنا بيانه في ذلك. # PageV01P072 ### | 92 - # ومما يتعلق بهذا الفصل أن الأئمة - رضي الله عنهم - كما اختلفوا في عدد ~~العاقد اضطربوا في اشتراط حضور الشهود: فرأى بعضهم أن حضور الشاهد ليس ~~شرطا، وشرط آخرون حضور الشهود، وهو اختيار القاضي أبي بكر - رحمه الله. ### | 93 - # واحتج هؤلاء بأن قالوا: لو كانت البيعة تنعقد سرا، لعقد من هو من أهل ~~الحل والعقد، وإن لم يشهد العاقد والمعقود له شهود. # وزيف القاضي هذا المذهب الأول، وتناهى مبالغا في الرد على معتقده، وسلك ~~مسلك القطع فيما زعم ; فقال: لو استخلى عمر بالبيعة لأبي بكر - رضي الله ~~عنه - لما استقرت الإمامة ; إذ لو كانت تستقر، وتثبت على هذا الوجه، لما ~~حضرا - رضي الله عنهما - السقيفة، ولبادر عمر عقد البيعة لأبي بكر قبل حضور ~~الأشهاد. ### | 94 - # ثم الذين صاروا إلى منع عقد الإمامة على الاستخلاء # PageV01P073 # اختلفوا ; فذهب بعضهم إلى أنه يكفي حضور شاهدين، كعقد النكاح، ولم يكتف ~~القاضي ms027 بالشاهدين، بل اشترط أن يشهد الأمر أقوام يقع بحضورهم الإشاعة ~~والنشر والإذاعة. ### | 95 - # ولا ينتهي الأمر عندي إلى حد القطع في الرد على من يصير إلى انعقاد ~~الإمامة في الاستخلاء، وما تعلق به القاضي - رحمه الله - من أن عمر - رضي ~~الله عنه - لم يبايع أبا بكر - رضي الله عنه - في الخلوة. قلنا: يمكن حمل ~~ذلك على وجه في الاستصواب ; فإنه لو عقد سرا فربما يتفق عقد في العلانية ~~جهرا، وعقد السر سابق، وكان الشرع يقتضي تقديم عقد السر. # ثم ربما كان الأمر ينجر إلى إنكار وجحود، ونزاع في مقصود ; ومس الحاجة ~~إلى شهود. وقد ندبنا إلى الإشهاد على البيوع، فكان تأخير عقد البيعة إلى ~~الإعلان لهذا الشأن. ### | 96 - # فأما لو فرض رجل عظيم القدر، رفيع المنصب، ثم صدرت # PageV01P074 # منه بيعة لصالح لها سرا، وتأكدت الإمامة لهذا السبب بالشوكة العظمى، فلست ~~أرى إبطال الإمامة والحالة هذه قطعا. ولكن المسألة مظنونة مجتهد فيها، ~~ومعظم مسائل الإمامة عرية عن مسلك القطع، خلية عن مدارك اليقين. # انتهى مبلغ غرضنا من صفات العاقدين وعددهم. # PageV01P075 # [الباب الرابع في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام] ### | [أقسام الصفات المرعية في الأئمة الصفات التي تتعلق بالحواس] ### | الباب الرابع. # في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام. ### | 97 - # الصفات المرعية في الأئمة تنقسم أقساما. منها: * ما يتعلق بالحواس. # * ومنها ما يتعلق بالأعضاء. # * وما يرتبط ب ### | الصفات اللازمة. # * ومنها ما يتعلق بالفضائل المكتسبة. # PageV01P076 ### | 98 - # فأما القول في الحواس، وذكر ما فيها من الخلاف والوفاق بين الناس، فنحن ~~نوضح ما يزيل دواعي الالتباس. # فأما البصر، فلا خلاف في اشتراطه ; لأن فقده مانع الانتهاض في الملمات ~~والحقوق، ويجر ذلك إلى المعضلات عند مسيس الحاجات، والأعمى ليس له استقلال ~~بما يخصه من الأشغال، فكيف يتأتى منه تطوق عظائم الأعمال؟ ، ولا يميز بين ~~الأشخاص في مقام التخاطب، وانعقاد الإجماع يغني عن الإطناب، ولكن مقصدنا في ~~هذا الكتاب، التعرض لمعاني الإيالة في أدراج الأبواب. ### | 99 - # ومما نشترط من الحواس السمع، فالأصم الأصلم الذي يعسر جدا سماعه لا ms028 يصلح ~~لهذا المنصب العظيم ; لما سبق تقريره في البصر. # ولا يضر الوقر والطرش، كما لا يضر كلال البصر والعمش. ### | 100 - # ومما يلتحق بما ذكرناه نطق اللسان ; فالأخرس لا يصلح لهذا الشأن. ### | 101 - # وأما حاسة الشم والذوق، فلا أثر لهما في الإمامة وجدتا أو فقدتا. # PageV01P077 # فهذا ما يتعلق بالحواس وما في معناها. ### | 102 - # فأما ما يرتبط بنقصان الأعضاء، فكل ما لا يؤثر عدمه في رأي، ولا عمل من ~~أعمال الإمامة، ولا يؤدي إلى شين ظاهر في المنظر، فلا يضر فقده، ويجوز على ~~هذا الاعتبار نصب المجبوب، والخصي، لما سبق ذكره. ### | 103 - # وأما ما يؤثر عدمه في الانتهاض إلى المآرب والأغراض كفقد الرجلين ~~واليدين، فالذي ذهب إليه معظم العلماء تنزيل هذه الآفات والعاهات منزلة ~~العمى والصمم والخرس، وهذا وإن لم ينعقد فيه إجماع انعقاده فيما تقدم، فلست ~~أراه مقطوعا به ; فإن تعويل الإمامة على الكفاية والنجدة، والدراية ~~والأمانة، والزمانة لا تنافي الرأي، وتأدية حقوق الصيانة، وإن مست الحاجة ~~إلى نقله، فاحتماله على المراكب يسهل، فليلحق هذا بالفنون التي يجول فيها ~~أساليب الظنون. ### | 104 - # واختلف الفقهاء في قطع إحدى اليدين والرجلين. والظاهر عندي أن الأمر إذا ~~لم ينته إلى الزمانة والصمامة وكان المأووف بحيث يستمسك على المراكب، فلا ~~أثر للنقص الذي به مع صحة العقل والرأي. # PageV01P078 ### | 105 - # فأما ما يسوء المنظر كالعور، وجدع الأنف، فالذي أوثره القطع بأن هذا لا ~~أثر له. # وذهب بعض المستطرفين الشادين إلى أن ذلك يؤثر في منع عقد الإمامة من جهة ~~أنه ينفر الأشياع والأتباع، ويسحب الرعاع على المطاعن والاستصغار، وأسباب ~~الانحلال والانتشار. # وهذا باطل قطعا. ولو أثر الجدع والعور، لأثرت الدمامة وتشوه الخلق، ~~ولاشترط الجمال والاعتدال في الخلق، وهذا غير مشروط باتفاق الفرق. فهذا ما ~~يتعلق بنقصان الأعضاء. ### | [الصفات اللازمة] ### | 106 - # فأما الصفات اللازمة، فمنها النسب ; فالشرط أن يكون الإمام قرشيا، ولم ~~يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن # PageV01P079 # عمرو، وليس ممن يعتبر خلافه ووفاقه، وقد نقل الرواة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: " «الأئمة ms029 من قريش» " وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث ~~في حكم المستفيض المقطوع بثبوته ; من حيث إن الأمة تلقته بالقبول. ### | 107 - # وهذا مسلك لا أوثره، فإن نقلة هذا الحديث معدودون، لا يبلغون مبلغ عدد ~~التواتر. # والذي يوضح الحق في ذلك أنا لا نجد في أنفسنا ثلج الصدور ; واليقين ~~المبتوت بصدر هذا من فلق في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لا نجد ~~ذلك في سائر أخبار الآحاد، فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب ~~في الإمامة. ### | 108 - # فالوجه في إثبات ما نحاوله في ذلك أن الماضين ما زالوا بايحين باختصاص ~~هذا المنصب بقريش، ولم يتشوف قط أحد من غير قريش إلى الإمامة، على تمادي ~~الآماد، وتطاول الأزمان، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكنا، لطلبه ذوو النجدة ~~والبأس، وتشمر في ابتغائه عن ساق الجد أصحاب العدد والعدد، وقد بلغ طلاب ~~الملك في انتحاء الاستعلاء على البلاد، والعباد أقصى غايات # PageV01P080 # الاعتداء، واقتحموا في روم ما يحاولونه المهاوي والمعاطب والمساوئ، ~~وركبوا الأغرار والأخطار، وجانبوا الرفاهية والدعة والأوطان، فلو كان إلى ~~ادعاء الإمامة مسلك، أو له مدرك، لزاوله محقون، أو مبطلون من غير قريش، ~~ولما اشرأب لهذا المنصب المارقون في فسطاط مصر، اعتزوا أولا إلى شجرة ~~النبوة على الافتراء، وانتموا انتماء الأدعياء، وبذلوا حرائب الأموال ~~للكاذبين النسابين، حتى ألحقوهم بصميم النسب. # فهذا إذا ما تطابقت عليه مذاهب طبقات الخلق، وقد تصدى للإمامة ملوك من ~~قريش، وإن لم يكونوا على مرتبة مرموقة في العلم، والسبب فيه أن العلم يدعيه ~~كل شاد مستطرف، فإذا انضمت أبهة الملك إلى قليل من العلم، لم يستطع أحد ~~نسبة الملك إلى العرو عن العلم، والنسب مما لا يمكن ادعاؤه ; فلم يدع - ~~لذلك - الإمامة من ليس نسيبا. # فهذا وجه إثبات شرط النسب. ### | 109 - # ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب. ولكن خصص الله هذا المنصب ~~العلي، والمرقب السني بأهل بيت # PageV01P081 # النبي ; فكان من فضل الله يؤتيه من يشاء. ### | 110 - # ومن الصفات اللازمة المعتبرة: الذكورة والحرية، ونحيزة العقل، والبلوغ، ms030 ~~ولا حاجة إلى الإطناب في نصب الدلالات على إثبات هذه الصفات. # PageV01P082 ### | 111 - # ومما يلتحق بهذا القسم: الشجاعة والشهامة، وهي خطة علية، ولا يصلح لإيالة ~~طبقات الخلائق، وجر العساكر والمقانب، وعليات المناصب جبان خوار. # وهذه الصفة يبعد اكتسابها بالإيثار والاختيار، وإن كان قد يفيد كثرة ~~مصادمة الخطوب، وممارسة الحروب مزيد إلف، ومزية إقدام، إذا صادفت جسورا ~~مقداما، ومن فطر على الجبن واستشعار الحذر لا يزداد على طول المراس إلا فرط ~~الخور، ثم الشهامة مرعية مع كمال العقل، ولا يصلح مقتحم هجام لهذا الشأن. ~~وهذا المنصب إلى الرأي أحوج منه إلى ثبات الجنان. # PageV01P083 # والرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني. # هذا منتهى الغرض في الصفات اللازمة. ### | [الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة] ### | 112 - # فأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة: فالعلم، والورع، وسنلحق بهما ~~بعد تحقيق القول فيهما صفة ثالثة. ### | 113 - # فأما العلم، فالشرط أن يكون الإمام مجتهدا بالغا مبلغ المجتهدين، مستجمعا ~~صفات المفتين، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف. والدليل عليه أن أمور معظم ~~الدين تتعلق بالأئمة. فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر، فلا شك في ارتباطه ~~بالإمام، وأما ما عداه من أحكام الشرع، فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو لم يكن الإمام مستقلا بعلم الشريعة، لاحتاج ~~إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع وذلك يشتت رأيه، ويخرجه عن رتبة ~~الاستقلال. # PageV01P084 # ولو قيل: إنه يراجع المفتي مراجعة آحاد الناس المفتين، لكان ذلك محالا ; ~~فإن الوقائع التي ترفع إلى الإمام في الخطوب الجسام، والأمور العظام لا ~~تتناهى كثرة ; إذ هو شرف العالمين، ومطمح أعين المسلمين، وقد لا يجد عند ~~رفع واقعة إليه أعلم علماء القطر والناحية، فيتردد، ويتبلد، ويبطل أثره في ~~منصب الاستقلال، ولو جاز ذلك لساغ أن لا يكون الإمام ذا كفاية واستقلال ~~بنفسه. ثم يراجع الكفاة، ويستشير ذوي الأحلام والدهاة. # وهذا لا قائل به، فإذا كانت الإمامة زعامة الدين والدنيا، ووجب استقلاله ~~بنفسه في تدبير الأمور الدنيوية، فكذلك يجب استقلاله بنفسه في الأمور ~~الدينية، فإن ms031 أمور الدنيا على مراسم الشريعة تجري فهي المتبع والإمام في ~~جميع مجاري الأحكام، والرأي يجب أن يكون على مقتضى الشرع ; فإن الذي لا ~~يقتضيه الشرع لا معول عليه. # PageV01P085 # فالكفاية المرعية معناها الاستقلال بتأدية الأصوب شرعا في الأمور المنوطة ~~بالإمام. ### | 114 - # فإن قيل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وقعت واقعة، ~~وألمت به ملمة، اشتوروا، ولم يأنفوا من المراجعة والمرادة، فأشعر ذلك من ~~عادتهم بأن استقلال الإمام ليس شرطا في الإمامة. # قلنا: الحبر المشار إليه، والإمام المتفق عليه، ومن هو البحر الذي لا ~~ينزف لا يبعد منه أن يستشير في آحاد الوقائع، ويستمد من نتائج القرائح، ~~ويبحث في محادثة أطراف الكلام عن مآخذ الأحكام، كيف وقد ندب الله رسوله - ~~عليه السلام - إلى الاستشارة فقال: " {وشاورهم في الأمر} " ولا منافاة بين ~~بلوغ المرتبة العليا في العلوم، وبين التناظر والتشاور في المعضلات. ### | 115 - # ونحن نرى للإمام المستجمع خلال الكمال، البالغ مبلغ الاستقلال أن لا يغفل ~~الاستضاءة في الإيالة وأحكام # PageV01P086 # الشرع بعقول الرجال، فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحيد عن سنن السداد، ~~ومن وفق للاستمداد من علوم العلماء، كان حريا بالاستداد، ولزوم طريق ~~الاقتصاد. ### | 116 - # وسر الإمامة استتباع الآراء، وجمعها على رأي صائب، ومن ضرورة ذلك استقلال ~~الإمام، ثم هو محثوث على استفادة مزايا القرائح، وتلقي الفوائد والزوائد ~~منها ; فإن في كل عقل ميزة، ولكن اختلاف الآراء مفسدة لإمضاء الأمور، فإذا ~~بحث عن الآراء إمام مجتهد، وعرضها على علمه الغزير، ونقدها بالسبر والفكر ~~الأصوب من وجوه الرأي، كان جالبا إلى المسلمين ثمرات العقول، ودافعا عنهم ~~غائلة التباين والاختلاف، فكأن المسلمين يتحدون بنظر الإمام، وحسن تدبيره، ~~وفحصه وتنقيره، ولا بد على كل حال من كون الإمام متبوعا # PageV01P087 # غير تابع، ولو لم يكن مجتهدا في دين الله، للزمه تقليد العلماء واتباعهم، ~~وارتقاب أمرهم، ونهيهم، وإثباتهم، ونفيهم وهذا يناقض منصب الإمامة، ومرتبة ~~الزعامة. # فهذا قولنا في العلم. ### | 117 - # فأما التقوى والورع، فلا بد منهما ; إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على ~~فلس، فكيف يولى ms032 أمور المسلمين كافة، والأب الفاسق مع فرط حدبه وإشفاقه على ~~ولده لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق لا يتقي ~~الله؟ ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينتهض رأيه بسياسة ~~نفسه فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام. # PageV01P088 ### | 119 - # فأما الصفة الثالثة التي ضمنا ضمها إلى الفضائل المكتسبة، فهي ضم توقد ~~الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب، وهذه الصفة ينتجها نحيزة ~~العقل، ويهذبها التدريب في طرق التجارب. ### | 119 - # والغرض الأعظم من الإمامة جمع شتات الرأي، واستتباع رجل أصناف الخلق على ~~تفاوت إرادتهم، واختلاف أخلاقهم ومآربهم وحالاتهم، فإن معظم الخبال ~~والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فإذا لم يكن الناس مجموعين ~~على رأي واحد، لم ينتظم تدبير، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير، ~~ولاصطلمت الحوزة، واستؤصلت البيضة، وليعتبر العاقل ذلك بملك مطاع بين ~~أتباع، محفوف بجنود، وخفق بنود وأشياع، إذا اختطف الملك بغتة، وفاجأته ~~المنية فلتة. فلينظر كيف تنفض الجموع، ويصيرون عبرة أسماع وأبصار، فلو لم ~~يكن في خطة الإسلام # PageV01P089 # متبوع يأوي إليه المختلفون، وينزل على حكمه المتنازعون، ويذعن لأمره ~~المتدافعون، إذا أعضلت الحكومات، ونشبت الخصومات، وتبددت الإرادات، لارتبك ~~الناس في أفظع الأمر، ولظهر الفساد في البر والبحر. ### | 120 - # وإذا تبين الغرض من نصب الإمام، لاح أن المقصود لا يحصل إلا بذي كفاية ~~ودراية، وهداية إلى الأمور واستقلال بالمهمات، وجر الجيوش، لا يزعه خور ~~الطبيعة عن ضرب الرقاب أوان الاستحقاق، ولا تحمله الفظاظة على ترك الرقة ~~والإشفاق. ثم لا يكفي أن يسمى كافيا، فرب مستقل بأمر قريب لا يستقل بأمر ~~فوقه، فلتعتبر مقاصد الإمامة، وليشترط استقلال الإمام بها. فهذا معنى ~~النجدة والكفاية. ### | 121 - # فتنحل من مجموع هذه الأوصاف أن الصالح للإمامة هو الرجل الحر، القرشي، ~~المجتهد، الورع، ذو النجدة والكفاية. # PageV01P090 ### | 122 - # ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين ; فيقال: المرعي الاستقلال والنسب، ويدخل ~~تحت الاستقلال الكفاية، والعلم، والورع، والحرية، والذكورة تدخل أيضا، فإن ~~المرأة مأمورة بأن تلزم خدرها، ومعظم أحكام الإمامة تستدعي ms033 الظهور والبروز، ~~فلا تستقل المرأة إذا. # فهذا منتهى ما أردنا في ذلك. ### | [فصل اشتراط طوائف من الإمامية عصمة الإمام] # فصل. ### | 123 - # ذهبت طوائف من الإمامية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ومنصب الإمامة ~~يقتضي العصمة كالنبوة. ### | 124 - # والقول في العصمة وتقسيمها وتفصيلها وتحصيلها يطول، ولو ذهبنا نصف ~~معناها، لملأنا في مغزاها أوراقا، والإمامة كثيرة التفنن عظيمة التشعب: ~~فتارة يرتبط الكلام فيها بقواعد العقائد، وطورا يتعلق بأحكام الأخبار في ~~انقسامها، وتارة يناط بالشريعة وأحكامها. فلو التزم الخائض في الإمامة ~~تقرير كل ما يجري في أدراج الكلام، لطال المدى، ولغمض مقصود الكتاب. # PageV01P091 ### | 125 - # والمقدار المتعلق بمقصدنا الآن أن الإمام لا تجب عصمته عن الزلل والخطل. ~~ثم سيأتي باب معقود في الإمام إذا فارق دينا، واحتقب وزرا. ### | 126 - # والقول المقنع في ذلك أن الإمامية لم يروا للإمامة مستندا، غير نص الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - وزعموا أن الإثني عشر إماما نص عليهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ونص بعضهم على بعض، وعمر الدنيا ينقرض بانقراضهم، ~~وآخرهم المهدي، يقتدي به عيسى ابن مريم - عليه السلام - في ترهات وخرافات، ~~ينبو عن قبولها قلب كل عاقل. ثم زعموا أن الرسول لا ينص إلا على معصوم في ~~علم الله تعالى. ### | 127 - # ونحن قد أبطلنا بالقواطع المصير إلى ادعاء النصوص وحصرنا مأخذ الإمامة في ~~الاختيار، وإذا تقرر ذلك، ففيه بطلان اشتراط العصمة ; فإن الذين يختارون ~~إماما لا يطلعون على سريرته في الحال، فكيف يضمنون عصمته في الاستقبال عن # PageV01P092 # الذنوب؟ ولا مطلع على العيوب. وهذا فيه مقنع بالغ. ### | 128 - # على أنا باضطرار من عقولنا نعلم أن عليا وابنيه الحسن والحسين وأولادهم - ~~صلوات الله عليهم - ما كانوا يدعون لأنفسهم العصمة والتنقي من الذنوب ; بل ~~كانوا يعترفون بها سرا وعلنا، ويتضرعون إلى الله مستغفرين خاضعين، خانعين، ~~فإن صدقوا، فهو المبتغى، وإن تكن الأخرى، فالكذب خطيئة من الخطايا يجب ~~الاستغفار والتوبة منها. ### | 129 - # فمن أبدى مراء في اعترافهم بالذنوب، فقد جاحد ضرورات العقول، ومن اعترف ~~بذلك، واعتقد عصمتهم، فقد نسبهم ms034 إلى الخلف عمدا، والكذب قصدا، وهذا إثبات ~~ذنب في مساق ادعاء التبري من الذنوب. ### | 130 - # فإن قالوا: كان الأنبياء يستغفرون أيضا مع وجوب العصمة لهم. قلنا: مذهبنا ~~الذي ندين به، لا تجب عصمة الأنبياء عن صغائر الذنوب، وآي القرآن في أقاصيص ~~النبيين # PageV01P093 # مشحونة بالتنصيص على هنات كانت منهم، استوعبوا أعمارهم في الاستغفار ~~منها. ### | 131 - # والإمامية أوجبوا عصمة الأئمة عن الصغائر والكبائر، فإن قالوا: الإمام ~~شوف الخلق، ومنه تلقي الجزئي والكلي في دين الله، وبه ارتباط عرى الإسلام، ~~فلو كان عرضة للزلل، لبطل غرض الإمامة، ولما حصلت الثقة به في أقواله ~~وأفعاله، ولم تؤمن عثراته في الدماء والفروج، وسد الثغور، والقيام بعظائم ~~الأمور، ولو جاز ذلك فيهم، لما وجبت العصمة للمرسلين والنبيين - صلوات الله ~~عليهم أجمعين. ### | 132 - # قلنا: ما ذكرتموه باطل من وجوه، منها: أن الإمام لا يتأتى منه تعاطي ~~مهمات المسلمين في المشارق والمغارب، ولا يجد بدا من استخلاف الولاة، ونصب ~~القضاة، وجباة الأخرجة والصدقات، وغيرها من أموال الله، والذي يتولى الإمام ~~من أمر المسلمين بنفسه الأقل، ثم لا تجب عصمة ولاة # PageV01P094 # الأمر حيث كانوا في أطراف خطة الإسلام. وفيه بطلان ما ذكروه فما تغني ~~عصمته، ولا يشترط عصمة مستخلفيه. ### | 133 - # وقد ذهب طوائف من غلاة الإمامية إلى وجوب العصمة لكل من يتعلق طرف من ~~مصالح الإمامة به، حتى طردوا ذلك في ساسة الدواب، والمستخدمين في ~~المستحقرات والعبيد. ### | 134 - # ومن انتهى تجرؤه إلى هذا، فقد كشف جلباب الحياء عن وجهه، وتعلق بما هو ~~حري بأن يعد من السخرية والهزء، والتلاعب بالدين، ثم يلزم منه عصمة رواة ~~الأخبار حتى لا يفرض منهم زلل، وعصمة الشهود المقيمين للشهادات في ~~الحكومات. وعصمة المفتين الذين إليهم رجوع العاملين في المشكلات وحل ~~المعوصات. ### | 135 - # ثم من عجيب الأمر أن هؤلاء يقولون: التقية ديننا ودين آبائنا، ويوجبون ~~على الأئمة أن يبوحوا بالكذب الصراح، # PageV01P095 # ويبدوا خلاف ما يعتقدون، وإذا كانوا كذلك، فليت شعري فكيف يعتمدون في ~~أقوالهم، مع تجويز أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون، وغايتهم في اشتراط ms035 العصمة ~~اتباع الأئمة فيما يأتون ويذرون، فإذا سقطت الثقة بأقوالهم كيف تجب العصمة ~~في أفعالهم؟ ولئن جاز الكذب في القول تقية، فليجز الزلل في العمل لمثل ذلك. # وأقدار هؤلاء تقل عن الازدياد على هذا المبلغ في قبائحهم، وبث فضائحهم. ### | 136 - # وأما الأنبياء، فإنما تجب عصمتهم لدلالات المعجزات على صدق لهجتهم، ولو ~~لم يتميز مدعي النبوة بآية باهرة، وحجة قاهرة عن الممخرقين الكذابين، لما ~~استقر عقد في نبوة، فمستند النبوات المعجزات إذا. ### | 137 - # وأما الأئمة، فقد صح من دين النبي إمامتهم مع ما يتعرضون له من إمكان ~~الهفوات، فإنا أثبتنا صحة الاختيار، # PageV01P096 # ويستحيل معه علم المختارين في مطرد العادات بأحوال المنصوبين للزعامة، ~~فاستناد الإمامة إلى النبوة، ومستند النبوة المعجزة، فلما تعلق مستند ~~التبليغ بالنبي، لم يكن لتميزه ممن عداه بد من آية. والأئمة يبينون أو ~~يفتون أو يتبعون فروعا في شرائع الرسل، فإذا دل دليل على انتصابهم مع ~~التعرض للزلل، ولم يكن في العقول ما يأبى ذلك، ويحيله تلقيناه بالقبول، ~~ونزلناه منزلة الشهود والمفتين وسائر ولاة المسلمين، وحماة الدين. # وهذا المبلغ كاف في مكالمة هؤلاء، فهم أذل قدرا من أن ينتهى الكلام معهم ~~إلى حدود الإطناب. وهذا نجاز الباب. # PageV01P097 # [الباب الخامس فيما يتضمن خلع الأئمة وانخلاعهم] [ ### | الأمور المؤثرة في الخلع والانخلاع ### | الباب الخامس. # فيما يتضمن خلع الأئمة وانخلاعهم. ### | 138 - # فنقول: ما يجب بناء أساس الباب عليه أن الكلام المتقدم اشتمل على ذكر ~~الصفات المرعية في الأئمة. فالذي يقتضيه استداد النظر ابتدارا قبل الافتكار ~~وإنعام الاعتبار أن كل ما يناقض صفة مرعية في الإمامة ويتضمن انتفاءها، فهو ~~مؤثر في الخلع والانخلاع، وهذا لا محالة معتبر الباب. # ولكن وضوح الغرض يستدعي تفصيلا، فنقول: ### | 139 - # الإسلام هو الأصل والعصام، فلو فرض انسلال الإمام عن الدين، لم يخف ~~انخلاعه، وارتفاع منصبه وانقطاعه، # PageV01P098 # فلو جدد إسلاما لم يعد إماما إلا أن يجدد اختياره. ### | 140 - # ولو جن جنونا مطبقا انخلع، وكذلك لو ظهر في عقله خبل، وعته في رأيه، ~~واضطرب نظره اضطرابا لا يخفى دركه، ولا يحتاج ms036 في الوقوف عليه إلى فضل نظر، ~~وعسر بهذا السبب استقلاله بالأمور، وسقطت نجدته وكفايته، فإنه ينعزل كما ~~ينعزل المجنون، فإن مقصود الإمامة القيام بالمهمات والنهوض بحفظ الحوزة، ~~وضم النشر، وحفظ البلاد الدانية والنائية بالعين الكالئة، فإذا تحقق عسر ~~ذلك لم يكن الاتسام بنبز الإمام معنى. ### | 141 - # والذي غمض على العلماء مدركه، واعتاص على المحققين مسلكه طريان ما يوجب ~~التفسيق على الإمام، فلينعم طالب التحصيل في ذلك نظره، وليعظم في نفسه ~~خطره، وليجمع له فكره ; فإنه # PageV01P099 # من معاصات الكلام في الكتاب. والمستعان رب الأرباب. ### | 142 - # قد ذهب طوائف من الأصوليين والفقهاء إلى أن الفسق إذا تحقق طريانه ; أوجب ~~انخلاع الإمام كالجنون. وهؤلاء يعتبرون الدوام بالابتداء، ويقولون: اقتران ~~الفسق إذا تحقق يمنع عقد الإمامة. فطريانه يوجب انقطاعها ; إذ السبب المانع ~~من العقد عدم الثقة به وامتناع ائتمانه على المسلمين، وإفضاء تقليده إلى ~~نقيض ما يطلب من نصب الأئمة. وهذا المعنى يتحقق في الدوام تحققه في ~~الابتداء. والذي يوضح ذلك أنه لا يجوز تقريره ; بل يجب عند من لم يحكم ~~بانخلاعه خلعه، وإذا كان يتعين ذلك، فربط الأمر بإنشاء خلعه لا معنى له مع ~~أنه لا بد منه. ### | 143 - # وذهب طوائف من العلماء إلى أن الفسق بنفسه لا # PageV01P100 # يتضمن الانخلاع، ولكن يجب على أهل الحل والعقد إذا تحقق خلعه. ### | 144 - # ونحن بتوفيق الله وتأييده نوضح الحق في ذلك، فنقول: المصير إلى أن الفسق ~~يتضمن الانعزال والانخلاع بعيد عن التحصيل ; فإن التعرض لما يتضمن الفسق في ~~حق من لا تجب عصمته ظاهر الكون سرا وعلنا، عام الوقوع، وإنما التقوى ~~ومجانبة الهوى ومخالفة مسالك المنى، والاستمرار على امتثال الأوامر، ~~والانزجار عن المناهي والمزاجر، والارعواء عن الوطر المنقود، وانتحاء ~~الثواب الموعود، هو البديع. # والتحقيق أنه لا يستد على التقوى إلا مؤيد بالتوفيق، والجبلات داعية إلى ~~اتباع اللذات، والطباع مستحثة على الشهوات. والتكاليف متضمنها كلف وعناء. ~~ووساوس الشيطان، وهواجس نفس الإنسان متظافرة على حب العاجل، واستنجاز ~~الحاصل، والجبلة بالسوء أمارة، والمرء على أرجوحة الهوى تارة وتارة، ~~والدنيا ms037 مستأثرة، وباب الثواب محتجب، فطوبى لمن سلم، ولا مناص، ولا خلاص ~~إلا لمن عصم، والزلات تجري مع الأنفاس، والقلب # PageV01P101 # مطرق الوسواس، فمن الذي ينجو في بياض نهار من زلته، ولا يتخلص من حق ~~المخافة إلا يتغمده الله برحمته. ### | 145 - # ومن شغل الإمام عقد الألوية، والبنود، وجر الجنود، ولا يترتب في ديوان ~~المقاتلة إلا أولو النجدة والبأس، وأصحاب النفوس الأبية، ذوي الشراس ~~والشماس، فليت شعري كيف السلامة من معرة الجند، وكيف الاستقامة على شرط ~~التقوى في الحل والعقد؟ . ### | 146 - # ومن شأنه أيضا تفريق الأموال بعد الاستداد في الجباية والجلب، على أهل ~~الشرق والغرب، ولا يخفى على منصف أن اشتراط دوام التقوى يجر قصاراه عسر ~~القيام بالإيالة العظمى، ثم لو كان الفسق المتفق عليه يوجب انخلاع الإمام ~~أو يخلعه لكان الكلام يتطرق إلى جميع أفعاله وأقواله على تفنن أطواره ~~وأحواله، ولما خلا زمن عن خوض خائضين في فسقه المقتضي خلعه، ولتحزب الناس ~~أبدا في مطرد الأوقات على افتراق # PageV01P102 # وشتات في النفي والإثبات، ولما استتبت صفوة الطاعة للإمام في ساعة. ### | 147 - # وإذا لم تكن الإيالة الضابطة لأهل الإسلام على الإلزام والإبرام، كان ~~ضيرها مبرا على خيرها. # فخرج من محصول ما ذكرناه أن القائم بأمور المسلمين إذا لم يكن معصوما، ~~وكان لا يأمن اقتحام الآثام، ومن لا يأمن اقتحام الآثام فيما يتعلق بخاصته، ~~فبعد أن يسلم عن احتقاب الأوزار في حقوق كافة المسلمين في مشارق الأرض ~~ومغاربها إيفاء واستيفاء، ومنعا واستواء، وردعا ودعاء، وقبولا وردا، وفتحا ~~وسدا، فلا يبقى لذي بصيرة إشكال في استحالة استمرار مقاصد الإمامة، مع ~~المصير إلى أن الفسق يوجب انخلاع الإمام، أو يسلط خلعه على الإطلاق. # والذي يجب القطع به أن الفسق الصادر عن الإمام لا يقطع # PageV01P103 # نظره، ومن الممكن أن يتوب ويسترجع ويئوب. وقد قررنا بكل عبرة أن في ~~الذهاب إلى خلعه أو انخلاعه بكل عثرة رفض الإمامة ونقضها، واستئصال فائدتها ~~ورفع عائدتها، وإسقاط الثقة بها، واستحثاث الناس على سل الأيدي عن ربقة ~~الطاعة. ### | 148 - # ولا خلاف أن الإمام ms038 لو طرأ عليه عرض، أو عراه مرض، وامتنع عليه الرأي به، ~~ولكنه كان مرقوب الزوال لم نقض بانخلاعه، ومن شبب في ذلك بخلاف، كان منسلا ~~عن وفاق المسلمين انسلال الشعرة من العجين، فإذا كان كذلك مع أن المرض قاطع ~~نظره في الحال، فما يطرأ من زلة وهي لا تقطع نظره على أنها مرقوبة الزوال، ~~أولى بأن لا يتضمن انخلاعه، والأخبار المستحثة على اتباع الأمراء في السراء ~~والضراء يكاد أن يكون معناها في حكم الاستفاضة، وإن كانت آحاد ألفاظها ~~منقولة أفرادا؛ منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «هل أنتم تاركون لي ~~أمرائي؛ لكم صفو أمرهم # PageV01P104 # وعليهم كدره» "؟ إلى غير ذلك من الألفاظ. فليطلب الحديث طالبه من أهله. ### | 149 - # وإنما غرضي من وضع هذا الكتاب، وتبويب هذه الأبواب، تحقيق الإيالات ~~الكلية، وذكر ما لها من موجب وقضية، وهذه مسالك لا أباري في حقائقها ولا ~~أجاري في مضايقها. ### | 150 - # فإن قيل: فلم منعتم عقد الإمامة لفاسق؟ . # قلنا: أهل العقد على تخيرهم في افتتاح العهد، ومن سوء الاختيار أن يعين ~~لهذا الأمر العظيم، والخطب الجسيم فاسق، وهم مأمورون بالنظر للمسلمين من ~~أقصى الإمكان، وأما الذهاب إلى الانخلاع بعد الاستمرار والاستتباب مع ~~التعرض للزلات، فمفسد لقاعدة الولاية، ولا خفاء بذلك عند ذوي الدراية. ### | [إذا تواصل من الإمام العصيان وفشا منه العدوان] ### | 151 - # وهذا كله - حرس الله مولانا - في نوادر الفسوق # PageV01P105 # فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال ~~السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ ~~الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم ~~الأمور، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم على ما سنقرر ~~القول فيه على الفاهم - إن شاء الله عز وجل - وذلك أن الإمامة إنما تعنى ~~لنقيض هذه الحالة. ### | 152 - # فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا ~~محالة، وترك الناس سدى، ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم ~~من تقريرهم على اتباع من هو عون ms039 الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ~~ومعتصم المارقين الناجمين، وإذا دفع الخلق إلى ذلك، فقد اعتاصت المسالك، ~~وأعضلت المدارك، فليتئد الناظر هنالك، وليعلم أن الأمر إذا استمر على ~~الخبال، والخبط والاختلال، كان ذلك لصفة # PageV01P106 # في المتصدي للإمرة، وتيك هي التي جرت منه هذه الفترة، ولا يرتضي هذه ~~الحالة من نفسه ذو حصافة في العقل، ودوام التهافت في القول والفعل مشعر ~~بركاكة الدين في الأصل، أو باضطراب الجبلة، وهو خبل، فإن أمكن استدراك ذلك، ~~فالبدار البدار قبل أن تزول الأمور عن مراتبها وتميل من مناصبها، وتميد خطة ~~الإسلام بمناكبها، وها أنا - بعون الله عزت قدرته وجلت عظمته - لا آلو في ~~وجه ذلك جهدا، ولا أغادر مضطربا وقصدا. # وعلى المنتهي إلى هذا الموضع أن يقبل في هذه الإطالة عذري ويحسن أمري، ~~فقد انجر الكلام إلى غائلة، ومعاصة هائلة، لا يدركها أولو الآراء الفائلة، ~~والوجه عندي قبض الكلام فيما لا يتعلق بالمقصود والمرام، وبسطه على أبلغ ~~وجه في التمام فيما يتعلق بأحكام الإمام، وفيها الاتساق والانتظام. ### | حكم مدافعة الإمام الفاسق ### | 153 - # فأقول: إن عسر القبض على يده الممتدة لاستظهاره # PageV01P107 # بالشوكة العتيدة، والعدد المعدة، فقد شغر الزمان عن القيام بالحق، ودفع ~~إلى مصابرة المحن طبقات الخلق، ووقع الكلام في أحد مقصودي الكتاب ; إذ هذا ~~المجموع مطلوبه أمران: أحدهما: بيان أحكام الله - عز وجل - عند خلو الزمن ~~عن الأئمة. # والثاني: إيضاح متعلق العباد عند عرو البلاد عن المفتين المستجمعين ~~لشرائط الاجتهاد. # وما عدا هذين المقصودين في حكم المقدمات. ### | 154 - # وإنما اضطررت إلى كشف أحكام الولاة إذا وجدوا ; لأتوصل إلى بيان غرضي إذا ~~فقدوا ; فنوجز هذا الفصل من هذا الباب إلى وصولنا إلى مقصد الكتاب، فأما ~~إذا تمكنا من كفاية هذا المهم، ودفع هذا الملم، فلنشمر فيه عن ساق الجد، ~~ولنسع فيه بأقصى الجهد، وليس الخوض في ذلك # PageV01P108 # بالهين اللين، فلا يثورن على الأمراء من غير بصيرة دين. ### | 155 - # فأقول: إن تيسر نصب إمام مستجمع للخصال المرضية، والخلال المعتبرة في ~~رعاية الرعية، تعين البدار إلى اختياره، فإذا ms040 انعقدت له الإمامة، واتسقت له ~~الطاعة على الاستقامة، فهو إذ ذاك يدرأ من كان، وقد بان الآن أن تقديم درئه ~~في مهمات أموره، فإن أذعن، فذاك، وإن تأبى عامله معاملة الطغاة، وقابله ~~مقابلة البغاة. ### | 156 - # ولا مطمع للخوض في هذا، فإن أحكام البغاة يحويها كتاب من كتب الفقه، ~~فلتطلب من موضعها، وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية ~~وإراقة دماء، ومصادمة أحوال جمة الأهوال، وإهلاك أنفس ونزف أموال، فالوجه ~~أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به بما # PageV01P109 # يفرض وقوعه في محاولة دفعه، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه ~~في روم الدفع، فيجب احتمال المتوقع له لدفع البلاء الناجز. ### | 157 - # وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه، ~~فلا يسوغ التشاغل بالدفع، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع، وقد يقدم ~~الإمام مهما، ويؤخر آخر. والابتهال إلى الله، وهو ولي الكفاية. ### | 158 - # وهذا يعضده أمر لا يستريب فيه لبيب، وهو أن طوائف من قطاع الطرق إذا ~~كانوا يرصدون الرفاق، ويسعون في الأرض بالفساد، فحق على الإمام أن يلحق ~~الطلب الحثيث بهم، فلو بلغه اختلال في بعض الثغور، ووطئ الكفار قطرا من ~~أقطار الإسلام، وعلم الإمام أن ذلك الفتق لا يلتئم إلا بصرف جميع جنود ~~الإسلام إلى تلك الجهة، فإنه يبدأ بذلك، ويتربص بالقطاع الدوائر. # PageV01P110 ### | 159 - # والركن الأعظم في الإيالة البداية بالأهم فالأهم، وعلى هذا الوجه تترتب ~~منابذة الكفار، ومقاتلتهم، كما قال الله تعالى " {قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة} . # وعلى هذه القاعدة ينبني مهادنة الكفار عشر سنين، إذا استشعر الإمام من ~~المسلمين ضعفا. ### | 160 - # فإن قيل: مبنى هذا الكلام على طلب مصلحة المسلمين، وارتياد الأنفع لهم، ~~واعتماد خير الشرين إذا لم يتمكن من دفعهما جميعا، وسيرة علي - رضي الله ~~عنه - في معاوية ومتبعيه تخالف ذلك، فإن المزية التي كانت تفوت أهل مصر ~~والشام من انقطاع نظر أمير المؤمنين علي عنهم لا يقابلها قتل مائة ألف من ~~المسلمين. # فلو كان ms041 المرعي في ذلك الموازنة بين رتب المصالح، لكان ذلك يقتضي أن ~~ينحجز علي عن بعض جده، ويكف من غربه وحده. # فإذا كان - رضي الله عنه - جادا مستهينا بكثرة القتلى والصرعى، # PageV01P111 # غير محتفل بأن يقتل أضعاف الذين قتلوا يقينا وقطعا، فكأنه - رضي الله عنه ~~- كان يرى بناء الأمر على الشهامة والصرامة، وتنكب الاستكانة، واجتناب ~~المداراة والمداجاة، وكان لا يلين ولا يستكين ; ولا تغض الدواهي إذا سيم ~~مخالفة الحق من شماسه، ولا ينحط عن الدعاء إلى الحق، والسيف مسلول على ~~رأسه، وكان شوفه دعاء الخلق إلى اللقم الواضح والسبيل اللائح، كما قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «إن وليتموها عليا فليحملنكم على المحجة ~~الغراء ولو وضع على رقبته السيف» "، ولا يبعد مسلكه عن مدرك الحق، فإن هذا ~~مؤيد الملة بنصر الله تعالى. ### | 161 - # قلنا قد صار أولا طوائف من جلة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى التخلف عن القتال في زمن علي - رضي الله عنه - # PageV01P112 # وإيثار السكون، لركون إلى السلامة، والتباعد عن ملتطم الغوائل، منهم سعد ~~بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانا من العشرة المبشرين ~~بالجنة، وممن تخلف أولا أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن ~~زيد، وأبو أيوب الأنصاري، وتبع هؤلاء أمم من الصحابة، ولم يشتد نكير علي - ~~رضي الله عنه - عليهم. أما سعد لما ندبه أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه ~~- إلى القتال قال: " لا أخرج # PageV01P113 # أو يكون لي سيف له لسانان، يشهد للمؤمن بإيمانه، وعلى المنافق بنفاقه ". ~~وقال أسامة: " لو وضعت يا أمير المؤمنين في جوف أسد، لدخلت معك، ولكن لا ~~مسامحة مع النار " وقام أبو موسى في قومه، وكان مرموقا في اليمن، فقال: " ~~إني لكم ناصح أمين فلا تستغشوني، أغمدوا سيوفكم، وكسروا رماحكم، واقطعوا ~~أوتاركم، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " «ستكون فتن ~~كقطع الليل، المضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم ~~خير من الماشي» ". # وكان علي - رضي الله عنه - يدر عليهم ms042 أرزاقهم وأعطيتهم من بيت المال، ولو ~~نقم منهم ما رأوه، لبدأهم بنصب القتال عليهم. فلم أجد بدا من التنبيه على ~~هذا. ### | 162 - # ثم ما ظن علي أن الأمر يفضي إلى ما أفضى إليه، ومعظم تلك المعارك جرت عن ~~اتفاقات ردية، ثم اشتهر منه أنه ندم على ما قدم. # ولما تفاقم الأمر، وكادت السيوف تفني المجاهدين وجند الله # PageV01P114 # المؤيدين في ثغور المسلمين، أجاب إلى التحكيم في خلعه على ما سيأتي في ~~شرح مجاري تلك الأحوال - إن شاء الله عز وجل - في أبوابها، فقد استبان ~~الأصل الذي مهدناه من وجوب النظر للمسلمين في جلب النفع والدفع، في النصب ~~والخلع، والله الموفق للصواب. ### | 163 - # ومما يتصل بإتمام الغرض في ذلك أن المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته، ~~وكثرت عاديته، وفشا احتكامه واهتضامه، وبدت فضحاته، وتتابعت عثراته، وخيف ~~بسببه ضياع البيضة، وتبدد دعائم الإسلام، ولم نجد من ننصبه للإمامة حتى ~~ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن ~~يثوروا ; فإنهم لو فعلوا ذلك لاصطلموا وأبيروا، وكان ذلك سببا في ازدياد ~~المحن، وإثارة الفتن، ولكن إن اتفق رجل # PageV01P115 # مطاع ذو أتباع وأشياع، ويقوم محتسبا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، ~~وانتصب بكفاية المسلمين ما دفعوا إليه، فليمض في ذلك قدما. والله نصيره على ~~الشرط المقدم في رعاية المصالح، والنظر في المناجح، وموازنة ما يدفع، ~~ويرتفع بما يتوقع. # وسيأتي هذا الفن على أبلغ وجه في البيان. والله المستعان. ### | [فصل إذا حبس الإمام أو أسر] # فصل. ### | 164 - # إذا أسر الإمام وحبس في المطامير، وبعد توقع خلاصه، وخلت ديار الإسلام عن ~~الإمام، فلا سبيل إلى ترك الخطط شاغرة، ووجود الإمام المأسور في المطامير ~~لا يغني، ولا يسد مسدا، فلا نجد - والحالة هذه - من نصب إمام بدا. ### | 165 - # قلت: لو سقطت طاعة الإمام فينا، ورثت شوكته، ووهنت عدته، ووهت منته، ~~ونفرت منه القلوب، من غير سبب فيه يقتضيه، وكان في ذلك على فكر ثاقب، ورأي ~~صائب، لا يؤتى في ذلك عن خلل في عقل، أو عته ms043 وخبل، أو زلل في قول أو فعل، # PageV01P116 # أو تقاعد عن نبل ونضل، ولكن خذله الأنصار، ولم تواته الأقدار، بعد تقدم ~~العهد إليه، أو صحيح الاختيار، ولم نجد لهذه الحالة مستدركا، ولا في تثبيت ~~منصب الإمامة له مستمسكا، وقد يقع مثل ذلك عن ملل أنتجه طول مهل، وتراخي ~~أجل، فإذا اتفق ذلك، فقد حيل بين المسلمين وبين وزر يستقل بالأمر، فالوجه ~~نصب إمام مطاع، ولو بذل الإمام المحقق أقصى ما يستطاع. # وينزل هذا منزلة ما لو أسر الإمام، وانقطع نظره عن الأنام، وأهل الإسلام، ~~فلا يصل إلى مظان الحاجات أثر رأي الإمام، إذا لم تكن يده الطولى، ولم ~~تنبسط طاعته على خطة الإسلام عرضا وطولا، ولم يصل إلى المارقين صوله، ولم ~~ينته إلى المستحقين طوله، والإمام لا يعنى لعينه، ولا يقتصر انقطاع نظره ~~على موافاته حين حينه. # PageV01P117 ### | 166 - # ولست أستريب أن مولانا كهف الأمم مستخدم السيف والقلم يبادر النظر في ~~مبادي هذا الفصل ; للغوص على مغاص القاعدة والأصل، وقد يغني التلويح عن ~~التصريح، والمرامز والكنايات عن البوح بقصارى الغايات. # فهذه تفاصيل ما يتضمن الخلع والانخلاع، وتتمة الغرض موقوفة على فصلين ~~نستوفق الله جلت عظمته في عقدهما. ### | [فصل الحكم لو فقد الإمام شيئا من الحواس اللازمة] # فصل. ### | 167 - # وقد ذكرنا في شرائط الإمامة، وصفات الأئمة، السلامة في بعض الحواس، ~~وفصلنا القول في سلامة البدن، والقول الضابط فيما يطرأ من ذلك: أن زوال نظر ~~البصر يقطع # PageV01P118 # الإمامة، ويتضمن انخلاع الإمام كالجنون، واختلال نظر البصر إذا أمكن معه ~~التوصل إلى الإدراك غير مانع من العقد، ولا قاطع له في الدوام، وكذلك ~~الوقر. # فأما الصمم البالغ، فقد ذكرنا أنه مانع من العقد أولا، واضطرب بعض ~~الخائضين في هذه المسالك في الصمم الطارئ. ### | 168 - # والوجه عندي القطع بأن المانع منه قاطع كالعمى. وما يؤثر من نقصان ~~الأعضاء في الابتداء، فأثره في الدوام يضاهي أثره في العقد، فليعتبر القطع ~~بالمنع. ### | [فصل خلاصة القول في الفسوق والأسر وفقد الحواس والأعضاء] # فصل. ### | 169 - # قد تعدينا حد الاختصار في تقاسيم ms044 ما يطرأ على المتصدي للإمامة من الفسوق ~~والعصيان وغيره، ومعقود هذا الفصل ومقصوده يتحرى مراسم ومناظم تجري في ~~التفصيل الطويل مجرى التراجم ليستفاد التفصيل والتعليل وذكر مسالك الدليل ~~مما سبق، ونظم النشر بالمعاقد المشيرة إلى المقاصد مما نأتي به الآن. # PageV01P119 ### | 170 - # فنقول: الهنات والصغائر محطوطة، وما يجري من الكبائر مجرى العثرة ~~والفترة، من غير استمرار عليها، لا يوجب عندنا خلعا ولا انخلاعا، وقد قدمت ~~فيه عن بعض أئمتنا خلافا. وأما التمادي في الفسوق إذا جر خبطا وخبلا في ~~النظر كما تقدم تصويره وتقديره، فذلك يقتضي خلعا وانخلاعا، على ما سأفصله ~~في الفصل الثاني - إن شاء الله تعالى. ### | 171 - # وانقطاع نظر الإمام بأسر بعد انفكاكه، أو بسقوط طاعته، أو مرضة مزمنة، ~~يتضمن اختلالا بينا واضحا، وخرما في الرأي لائحا، يوجب الخلع. ### | 172 - # وخلل الحواس، ونقصان الأعضاء يندرجان تحت ضبط واحد، وهو اعتبار الدوام ~~بالابتداء. # فهذه مجامع القول فيما تقدم مفصلا. ### | 173 - # ولو كان القائم بأمور المسلمين يتعاطى على الدوام ما هو # PageV01P120 # من قبيل الكبائر كالشرب في أوان، ولكنه كان مثابرا على رعاية المصالح، ~~فالقول في ذلك لا يبلغ مبلغ القطع عندي، وقد يخطر للناظر أنه إذا لم يتضمن ~~ذلك خرما وفتقا، ولم يمنع الإمام ذا حق حقا، ففرض الدوام فيه نازل منزلة ~~كبيرة تندر، وتصدر على وجه لا يقتضي انقطاع أثر، وارتفاع نظر. ### | 174 - # والأظهر عندي أن ذلك مؤثر، فإن الكبيرة إذا كانت عثرة، فإنها لم تجر ~~خبالا، ولم تتضمن سوء الظنون، وإذا تتابع في فن من العصيان، أشعر باجتراء ~~الإمام، واستهانته بأحكام الإسلام، وذلك يسقط الثقة بالدين، ويمرض قلوب ~~المسلمين، وهذا مظنون غير مقطوع به، وقد أسلفت فيما تقدم أن مسائل الإمامة ~~بعضها مقطوع به، وبعضها يتلقى من طرائق الظنون # PageV01P121 ### | [فصل الفرق بين الخلع والانخلاع] # فصل. ### | 175 - # قد أجرينا الخلع والانخلاع في أدراج الباب، والإحاطة بالفصل بينهما من ~~أعظم مقاصد الكتاب، فنقول والله المستعان، وهو رب الأرباب. # الجنون المطبق الذي لا يرجى زواله يتضمن الانخلاع بالإجماع ولا حاجة إلى ~~إنشاء ms045 خلع ورفع، وكيف يتوقع ذلك، والمجنون مولى عليه في نفسه؟ وعين جنونه ~~يوجب اطراد الحجر عليه في خاصته، فكيف يقدر إماما إلى اتفاق جريان خلعه؟ ~~فالجنون كالموت إذا، وإذا بقي مكلفا، ولكن عراه خبل وعته مأيوس الزوال، ~~بحيث لا يحتاج في دركه إلى اجتهاد وافتكار ونظر واعتبار، فهذا عندي نازل ~~منزلة الجنون الذي يتضمن الانخلاع بنفسه. ### | 176 - # فأما الفسق المؤثر، فالقول فيه ينقسم: فإن كان يحتاج في إظهار خلله إلى ~~اجتهاد، فلا نقضي بأنه يتضمن الانخلاع # PageV01P122 # بنفسه، بل الأمر فيه مفوض إلى نظر الناظرين، واعتبار المعتبرين. ### | 177 - # وإذا أسر الإمام وسقطت طاعته كما سبقت صفته، فلا بد من إنشاء الخلع. ### | 178 - # فالقول الضابط في ذلك أن ما ظهر وبعد زواله، فهو موجب الانخلاع، وما ~~احتيج فيه إلى نظر وعبر، لم يتضمن بنفسه انخلاعا، ووقوع الإمام في الأسر ~~وإن كان مقطوعا به لا أراه مقتضيا انخلاعا، فإن فرض فكه مما يتعلق ~~بالاختيار والإيثار من آسريه، ولو قدر ذلك قبل خلعه كان إماما. فمن هذه ~~الجهة لا ينخلع المأسور ما لم يخلع. # PageV01P123 ### | 279 - # فالذي يقتضي الانخلاع سبب ظاهر لا خفاء به، ويبعد ارتقاب زواله، ولا يقدر ~~تعلق زواله باختيار مختار، وإيثار مؤثر، فما كان كذلك، فإنه يتضمن ~~الانخلاع، كالجنون المزيل للتكليف إذا استحكم، والعته والخبل الذي يظهر ~~خلله من غير احتياج إلى نظر، ويكون مأيوس الزوال، وكل سبب يحتاج في إظهار ~~خلله إلى نظر. فإن اقتضى خلعا فهو إلى الناظرين كما سنذكره في خاتم الفصل ~~إن شاء الله عز وجل. ### | 180 - # وإن ظهر السبب كالأسر، وارتقب ارتفاعه باختيار، فهو ما يقتضي إنشاء ~~الخلع، ولا يوجب الانخلاع، وكذلك سقوط الطاعة. ### | 181 - # فإن قيل: كان عثمان - رضي الله عنه - إذا حوصر في الدار ساقط الطاعة، فما ~~قولكم في إمامته مدة بقائه إلى أن استشهد؟ ؟ . # PageV01P124 # قلنا كان إماما إلى أن أدركته سعادة الشهادة، وما كان سقوط الطاعة مأيوس ~~الزوال، وإنما حاصره شرذمة من الهمج الأرذال، ونزاع القبائل، وكان يرى - ~~رضي الله عنه - المتاركة والاستسلام والإذعان ms046 لحكم الله تعالى، ولم يؤثر أن ~~يراق بسببه محجمة دم، حتى قال لغلمانه: " من ألقى سلاحه، فهو حر " فلم تجر ~~محاصرته مجرى الأسر المقدم تصويره. ### | 182 - # فإن قيل: رددتم في أثناء الكلام ذكر ما يتعلق بنظر الناظرين مما يوجب ~~الخلع فأبينوه واذكروا المعني بالنظر. # قلنا: لم نرد بالنظر ما يجر غلبات الظنون، كنظر المجتهدين في فنون ~~المظنونات، ولو كان الأمر الطارئ مجتهدا فيه لم يسغ خلع الإمام به قطعا، ~~فلنثبت هذا أصلا في الباب، فإن الاجتهادات # PageV01P125 # بجملتها لا وقع لها بالإضافة إلى الإمام، وهو يستتبع المجتهدين أجمعين، ~~ولا يتبع أحدا، وإنما عنينا بالنظر مزيد فكر وتدبر من أهله، يفيد العلم ~~والقطع باختلال أمور المسلمين، بسبب ما طرأ من فسق، أو خبل. ### | 183 - # فإن قيل: قد قدمتم أن وجه خلع الإمام نصب إمام ذي عدة، فما ترتيب القول ~~في ذلك؟ . # قلنا: الوجه خلع المتقدم، ثم نصب الثاني، ثم الثاني يدفعه دفعه للبغاة، ~~كما سبق تقريره. # فإن قيل: فمن يخلعه؟ . # قلنا: الخلع إلى من إليه العقد، وقد سبق وصف العاقدين بما فيه مقنع، ~~وبلاغ تام. # وقد ذهب بعض من لم يخبر هذه الحقائق إلى أنا نشترط الإجماع في الخلع، وإن ~~لم نشترطه في العقد. وهذا زلل عظيم؛ فإن الحاجة قد ترهق إلى الخلع، ولو ~~انتظر وفاق علماء الآفاق، لاتسع الخرق، وعظم الفتق. نعم لا بد في الخلع ~~والعقد من اعتبار شوكة، # PageV01P126 # وقد أوضحنا كيفية اعتبارها في البابين. ### | 184 - # والآن كما انتهى مقصدنا في هذه الفنون، وقد جرت بيمن أيام صدر الإسلام ~~كهف الأنام على رمزة، لم يعهد مثلها، ولم يجر في تصانيف المتقدمين شكلها، ~~ونبهت على دقائق لم يخطر للغواصين فرعها وأصلها، على أني لم أذكر - والله - ~~إلا أطرافا، ولم أقصد إلا استطرافا، فإن كتاب الإمامة ليس مقصودي في هذا ~~المجموع، وحق التابع أن يوجز، ونؤخر جمام الكلام إلى المتوقع. # PageV01P127 ### | [فصل ليس من حق العاقدين خلع الإمام بدون سبب] # فصل. ### | 185 - # الإمام إذا لم يخل عن صفات الأئمة، فرام العاقدون له عقد ms047 الإمامة أن ~~يخلعوه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلا باتفاق الأئمة. فإن عقد الإمامة لازم، لا ~~اختيار في حله من غير سبب يقتضيه، ولا تنتظم الإمامة، ولا تفيد الغرض ~~المقصود منها إلا مع القطع بلزومها، ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق ~~على حكم الإيثار والاختيار، لما استتب للإمام طاعة، ولما استمرت له قدرة ~~واستطاعة، ولما صح لمنصب الإمامة معنى. ### | 186 - # فأما الإمام إذا أراد أن يخلع نفسه، فقد اضطربت مذاهب العلماء في ذلك: ~~فمنع بعضهم ذلك، وقضى بأن الإمامة تلزم من جهة الإمام لزومها من جهة ~~العاقدين، وكافة المسلمين. # PageV01P128 ### | 187 - # وذهب ذاهبون إلى أن الإمام له أن يخلع نفسه، واستمسك بما صح تواترا ~~واستفاضة من خلع الحسن بن علي نفسه، وكان ولي عهد أبيه، ولم يبد من أحد ~~نكير عليه. ### | 188 - # والحق المتبع في ذلك عندي أن الإمام لو علم أنه لو خلع نفسه، لاضطربت ~~الأمور، وزلزلت الثغور، وانجر إلى المسلمين ضرار لا قبل لهم به، فلا يجوز ~~أن يخلع نفسه، وهو فيما ذكرناه كالواقف من المسلمين في صف القتال مع ~~المشركين. إذا أراد أن ينهزم، وعلم أن الأمر بهذا السبب يكاد أن ينثلم ~~وينخرم، فيجب عليه المصابرة، وإن لم يكن متعينا عليه الابتدار للجهاد مع ~~قيام الكفاة به. ### | 189 - # وإن علم أن خلعه نفسه لا يضر المسلمين بل يطفئ نائرة ثائرة، ويدرأ فتنا ~~متظافرة، ويحقن دماء في أهبها، ويريح طوائف المسلمين عن نصبها، فلا يمتنع ~~أن يخلع نفسه. # PageV01P129 # وهكذا كان خلع الحسن نفسه، وهو الذي أخبر عنه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذ كان الحسن صبيا رضيعا كان يمر يده على رأسه ويقول: " «إن ابني ~~هذا سيد وسيصلح الله تعالى به بين فئتين عظيمتين» "، وما روي أن أبا بكر - ~~رضي الله عنه - قال: " أقيلوني فإني لست بخيركم " دليل على أن الإمام ليس ~~له أن يستقل بنفسه انفرادا واستبدادا في الخلع، ولذلك سأل - رضي الله عنه - ~~الإقالة ; فقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك. ### | 190 - # وهذا محمول على ما كان ms048 الأمر عليه من ارتباط مصلحة الإسلام باستمرار ~~الصديق على الإمامة، وإدامة الإمامة والاستقامة عليها. وكان لا يسد أحد في ~~ذلك الزمن مسده، كما سيأتي ذكره في إمامة الصديق - رضي الله عنه. # PageV01P130 # ولو كان لا يؤثر خلعه نفسه في إلحاق ضرار، ولا في تسكين ثائرة، ولو خلع ~~الإمام نفسه، لقام آخر مستصلح للإمامة مقامه، فلست قاطعا في ذلك جوابا، بل ~~أرى القولين فيه متكافئين، قريبي المأخذ. ### | 191 - # والأظهر عندي أنه لو حاول استخلاء بنفسه، واعتزالا لطاعة الله سبحانه، لم ~~يمتنع، وذلك مظنون، لا يتطرق إليه في النفي والإثبات قطع، فليقع ذلك في قسم ~~المظنونات. # PageV01P131 ### | [فصل فيمن يستنيبه الإمام] # فصل. # فيمن يستنيبه الإمام. ### | 192 - # قد انقضى بنجاز هذه الفصول مبلغ غرضنا في ذكر ما تنعقد به الإمامة أولا، ~~وذكر صفات الأئمة، ونعوت الذين يتولون عقد الإمامة، وهم المسمون أهل الحل ~~والعقد، ثم ذكرنا ما يطرأ على الأئمة في الصفات التي تؤثر في الانخلاع، أو ~~تسلط على الخلع. ### | 193 - # ونحن نرى الآن أن نذكر من يستنيبه الإمام في مكر الدهور، ويوليه مقاليد ~~الأمور، ونوضح مراتبهم ومناصبهم، وما يقتضيه كل منصب من الخلال والخصال، ~~فإن غرضنا # PageV01P132 # لا يفضى إلى قصاراه، ولا يبلغ منتهاه، ما لم نمهد في الولاة أجمعين قواعد ~~تنبه على صفات الحماة، على تباين الرتب والدرجات، حتى إذا انتهى الناظر ~~إليها، وانجرت المقدمات إلى فرض خلو الأرض ومن عليها من المستجمعين لأوصاف ~~الولاة، واستبان مواقع الكلام، وتفطن لمواضع المغزى والمرام، كان خوضه في ~~مقصود الكتاب على بصيرة، إذا جرى على هذه الوتيرة. ### | 194 - # فليقع الخوض في تقاسيم المستنابين ممن يرتبه الإمام بمقام على أنحاء ~~وأقسام، ونحن نبغي ضبطها، وجمعها وربطها، على إتقان وإحكام. إن شاء الله عز ~~وجل. ### | 195 - # فالذي ينصبه الإمام ينقسم إلى من يحل محل الإمام في جميع الأمور ~~استيعابا، وإلى من لا ينزل منزلته في جميع الأحكام، بل يختص بتولي بعضها. # PageV01P133 ### | 196 - # فأما من يستقل بجملة الأحكام المرتبطة بالأئمة، فينقسم إلى من يوليه ~~الإمام عهد الإمامة بعد وفاته، وإلى ms049 من يقيمه مقام نفسه في حياته. ### | حكم تولية العهد ### | 197 - # فأما من يوليه العهد بعد وفاته، فهذا إمام المسلمين، ووزر الإسلام ~~والدين، وكهف العالمين، وأصل تولية العهد ثابت قطعا مستند إلى إجماع حملة ~~الشريعة، فإن أبا بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما عهد إلى ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وولاه الإمامة بعده، لم يبد أحد من صحب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكيرا، ثم اعتقد كافة علماء الدين تولية ~~العهد مسلكا في إثبات الإمامة في حق المعهود إليه المولى، ولم ينف أحد ~~أصلها أصلا، وإن كان من تردد وتبلد، ففي صفة المولى أو المولي، فأما أصل ~~العهد، فثابت باتفاق أهل الحل والعقد. ثم تكلم العلماء في تفاصيل تولية ~~العهود، وانتهوا إلى كل مقصود. # PageV01P134 ### | 198 - # ونحن نوضح مما أوردوه عيونه، ونصف ضروب الكلام وفنونه، ونوضح القطعيات ~~والمسائل المظنونة. ### | 199 - # فالمقطوع به أصل التولية، فإنه معتضد متأيد بالإطباق والوفاق، والإجماع ~~الواجب الاتباع، وفي الإجماع بلاغ في روم القطع وإقناع. ولكن معنى تصحيح ~~التولية واضح في مسالك الإيالة، فلا بد من التنبيه له. # فإذا كانت الإمامة تنعقد باختيار واحد أو جمع من المختارين، كما سبق ~~تفصيله، وتحقق تحصيله، فالإمام الذي هو قدوة المسلمين، وموئل المؤمنين، وقد ~~مارس الأمور وقارع الدهور، وخبر الميسور والمعسور، وسبر - على مكر العصور - ~~النقائص والمزايا، ودان طبقات الخلق والرعايا، وهو في استمرار سلطانه، ~~واستقرار ولايته في زمانه، أولى بأن ينفذ توليته، # PageV01P135 # ويعمل خيرته. فإذا هذا معلوم قطعا. ### | الشروط الواجبة فيمن يتولى العهد ### | 200 - # ومما نقطع به [في هذا الفن] اشتراط صفات الأئمة في المعهود إليه، فإنه ~~[بعد موت موليه] إمام حقا متصد للمنصب الأبهى، راق إلى المرقى الأعلى. ### | 201 - # ومما نعلمه من غير مراء، أن تولية العهد لا تثبت ما لم يقبل المعهود إليه ~~العهد ; فإن المولى وإن كان مستناب الإمام، فالتولية من الإمام العاهد ~~المولي عقد الإمامة للمولى. # ولا تنعقد الإمامة لمجرد العقد ما لم يقبل المعين. ### | 202 - # ومما يدرك بمدارك القطع أن ms050 ولي العهد لا يلي شيئا في حياة الإمام، وإنما ~~ابتداء إمامته وسلطانه، إذا قضى الإمام الذي تولى نصبه نحبه. ### | 203 - # فهذه جملة معلومة، وسنسرد أمورا واقعة في مسالك الظنون، مع أحكام تستند ~~إلى القواطع، ولم نبد الفصل بين # PageV01P136 # المقطوع به وبين المظنون تمييزا وتحييزا، وأنا أسوقها على وجوهها، وأفصل ~~في أدراج الكلام، وتقاسيم الأحكام، بين المعلوم منها وبين المظنون إن شاء ~~الله عز وجل. ### | حكم تولية الإمام العهد لابنه ### | 204 - # فمن الأحكام المظنونة، أن الإمام لو عهد إلى ولده، أو والده، ففيه اختلاف ~~العلماء، فمنهم من لم يصحح العقد بتوليته، فإن ذلك يتضمن تزكية المولي ~~وشهادته باستجماع خصال الكمال والاتصاف بالخصال التي ترعى في المنصب ~~الأعلى، فإذا كان لا يقبل شهادة أحدهما للثاني في أمر نزر يسير، وخطب حقير، ~~فلأن لا تقبل في أعلى المراتب وأرفع المناصب أولى. ### | 205 - # ومنهم من صحح العقد والعهد، وزكى الإمام عن ارتقاب التهم، والصفات ~~المعتبرة في الإمامة مشهورة غير منكورة، ولا يفرض عقد الإمامة إلا في حق من ~~لهج بمعاليه، وطيب # PageV01P137 # خطة الإسلام بمناقبه ومساعيه، ومن انتهى في صفاته وسماته إلى التفرد ~~والتوحد عن طبقات الخلائق، بالرقي إلى الذروة العليا في الفضائل، وحميد ~~الطرائق، لم يكن ظهور تخصصه بالمزايا التي فضل بها البرايا مفتقرا إلى ~~تزكية مزك، وإطراء مطر. # ولو اشتهر رجل بصفة العدالة، واستقامة الحالة، فشهد أبوه على شهادته قبلت ~~الشهادة ; فإن عدالة الأصل المشهود على شهادته لا تتوقف بثبوتها على بناء ~~الفرع في الشهادة، ولو أمن مسلم ابنه الكافر، صح أمانه، فإن عقد الأمان لا ~~يترتب على مباحثة في الصفات، وفحص عن تفاصيل الحالات. ### | 206 - # فالظاهر عندي تصحيح تولية العهد من الوالد لولده، [إذا ثبت بقول غير ~~المولي استجماع المولي للشرائط المرعية # PageV01P138 # فيه] ولكن المسألة مظنونة، ليس لها مستند قطعي، ولم أر التمسك بما جرى من ~~العهود من الخلفاء إلى بنيهم ; لأن الخلافة بعد منقرض الأربعة الراشدين ~~شابتها شوائب الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحق المحض في الإمامة مرفوضا، ~~وصارت الإمامة ملكا عضوضا. ### | الخلاف ms051 في اشتراط رضا أهل الاختيار والعقد ### | 207 - # فإن قيل إذا ولى الإمام ذا عهد، فهل يتوقف تنفيذ عهده على رضا أهل ~~الاختيار في حياته أو من بعده؟ . # قلنا: ذكر بعض المصنفين في اشتراط ذلك خلافا، والذي يجب القطع به أن ذلك ~~لا يشترط ; فإنا على اضطرار نعلم أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما ولى عمر ~~- رضي الله عنه - لم يقدم على توليته مراجعة واستشارة ومطالعة، وإذ أمضى ~~فيه ما حاوله لم يسترض أحدا من أهل الاختيار على توافر المهاجرين والأنصار. # PageV01P139 # نعم. روي أن طلحة - رضي الله عنه - قال لأبي بكر: لقد استخلفت علينا فظا ~~غليظا، فقال أبو بكر وهو يجود بنفسه: أجلسوني فأجلس - رضوان الله عليه - ~~وقال: لئن سألني ربي عن تفويض أمور المسلمين إلى عمر، لقلت، استخلفت على ~~أهلك خير أهلك. ### | 208 - # وقد ذكر بعض المصنفين في اشتراط مراجعة أهل الاختيار في تولية العهد ~~خلافا، وأجرى الخلاف في ذلك مجرى الخلاف في المظنونات، ووضوح غرضنا في ذلك ~~يغني عن بسط القول فيه. ### | غمز وهجوم على الماوردي صاحب الأحكام السلطانية ### | 209 - # والشكوى إلى الله ثم إلى كل محصل مميز، من تصانيف # PageV01P140 # ألفها مرموق، متضمنها ترتيب وتبويب، ونقل أعيان كلام المهرة الماضين، ~~والتنصيص على ما تعب فيه السابقون، مع خبط كثير في النقل وتخليط، وإفراط ~~وتفريط، لا يرضى بالتلقب بالتصنيف مع الاكتفاء بالنقل المجرد حصيف، ثم من ~~لم يكن في تأليفه وتصنيفه على بصيرة، لم يتميز له المظنون عن المعلوم، ~~والتبست عليه مسالك الظنون بمدارك العلوم، وإنما جر هذه الشكاية نظري في ~~كتاب لبعض المتأخرين مترجم بالأحكام السلطانية، مشتمل على حكاية المذاهب، ~~ورواية الآراء والمطالب، من غير دراية وهداية، وتشوف إلى مدرك غاية، وتطلع ~~إلى مسلك يفضي إلى نهاية، وإنما مضمون الكتاب نقل # PageV01P141 # مقالات على جهل وعماية، وشر ما فيه وهو الأمر المعضل الذي يعسر تلافيه، ~~سياقة المظنون والمعلوم على منهاج واحد، وهذا يؤدي إلى ارتباك المسالك، ~~واشتباك المدارك، والتباس اليقين بالحدوس، واعتياص طرائق القطع في هواجس ~~النفوس. ### | 210 - # ومن ms052 الأحكام المشكلة في سبل الظن في هذا الفن، أن المعهود إليه متى يدخل ~~وقت قبوله العهد؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب ذاهبون إلى أنه يدخل أوان ~~القبول بموت المولي، كما يدخل وقت قبول الوصاية بموت الموصي، ووجه ذلك أنه ~~لا يملك المولى صاحب العهد أحكام الزعامة والإمامة، ولا يستقل بالإيالة ~~والسياسة، ما دام المولي العاهد حيا، فلا معنى للقبول في حال حياته ~~كالوصاية. ### | 211 - # وصار صائرون إلى أنه يقبل في حياة العاهد ; فإن تولية العهد من عظائم ~~الأمور، وإنما يعهد الإمام إلى مستجمع لشرائط # PageV01P142 # الإمامة، نظرا للمسلمين، واستيثاقا في الدين، وسكونا إلى إعداد وزر ~~وملاذ، وركونا إلى اعتاد موئل ومعاذ، وإنما يتم هذا الغرض بأن تلزم التولية ~~في حياته، فيقدر وفاته والإمامة معقودة، وساحة للإمام مورودة مصمودة، فيجر ~~في الإمامة أذيالها، ولا تنتثر أحوالها. ### | 212 - # وينبني على هذا الخلاف أمر خلع المعهود إليه، فمن أخر القبول إلى ما بعد ~~الموت ملك المولي صرف المعهود إليه، كما يصرف الموصي الموصى إليه. # ومن نجز القبول منع خلع المعهود إليه من غير سبب يقتضيه، وصير الإمام ~~العاهد كالمختار العاقد، ومعلوم أن من صح منه عقد الإمامة من أهل الاختيار ~~لم يملك الخلع على حكم الإيثار، فكذلك القول في المولي العاهد، مع [المولى] ~~المعهود إليه، وينقدح في ذلك للخلاف وجه فإن الإمامة ما تمت بعد لولي العهد ~~بخلاف من عقد له الإمامة أهل الاختيار. # PageV01P143 ### | 213 - # والأظهر منع الخلع من غير سبب يوجبه. ### | 214 - # ولو عين الإمام من ليس على شرائط الإمامة، ولكنه علق التولية على استجماع ~~الصفات المرعية، فالوجه بطلان التولية من جهة أنه أساء في الاختيار، والغرض ~~من العهد تنجيز نظر، وكفاية للمسلمين هواجم خطر عند موت المولي على أقصى ~~الإمكان في الحال والأوان. ### | 215 - # وليس ذلك مقطوعا به أيضا فللاحتمال عند انعدام القواطع، وانحسام البراهين ~~السواطع مضطرب رحب، وللظنون مجر وسحب. ### | 216 - # ومن قال: ممن يصلح للخلافة: إذا أفضت الخلافة إلي، فولي عهدي فلان، ثم ~~انتهت إليه النوبة، لم يكن لما صدر ms053 منه قبل الخلافة وقع في وضع الشرع. وهذا ~~متفق عليه، على البت والقطع، فإنه تصرف وليس إليه من الأمر شيء. # PageV01P144 ### | حكم تولية العهد لأكثر من واحد على سبيل الشورى والاختيار ### | 217 - # وقد ذكرنا في القسم المقطوع به أن العاهد لو جعل الإمامة شورى بين ~~محصورين صالحين للزعامة، فالأمر ينحصر فيه، والمستند القطعي فيه ما جرى ~~لأمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - إذ جعل الأمر فوضى بين الستة ~~المشهورين. فإذا اتفق ذلك من إمام، فتعيين واحد من المذكورين إلى من جعل ~~الإمام التعيين إليه، وإن لم يفوض التعيين إلى أحد، فإلى أهل الاختيار أن ~~يعينوا أفضل المذكورين، كما سيأتي تفصيل القول في إمامة الفاضل والمفضول إن ~~شاء الله عز وجل. ### | 218 - # ولو رتب العاهد التولية في مذكورين صالحين للأمر، فقال: ولي العهد فلان، ~~فإن مات في حياتي ففلان، فإن اخترمته المنية قبل موتي، ففلان، فهذا صحيح، ~~وعهده متبع، فإن ذكر صالحين للأمر، ورأى أن يرتب مراتبهم، فليس ما جاء به ~~منافيا للنظر للمسلمين، فلزم تنفيذه. وهذا متفق عليه لا خلاف فيه. # واستأنس الأئمة مع القطع بما كان من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في أمراء # PageV01P145 # جيش مؤتة، فإنه قال صاحب الراية زيد بن حارثة، فإن أصيب، فجعفر بن أبي ~~طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا منهم. ### | 219 - # ولو قال العاهد: الإمام بعدي فلان، ثم الإمامة بعده، لفلان، ثم الإمامة ~~بعده لفلان، فرتب الخلافة في مذكورين معينين للإمامة بعد وفاته، فأما ~~المعين للأمر أولا فتفضى الخلافة إليه، فإن مات، ففي إفضاء الخلافة إلى ~~المذكورين بعده خلاف، وليس ذلك كذكره مترتبين في حياته عند تقدير وفاتهم، ~~فإنهم يترتبون على تقديره مع استمرار سلطانه، وامتداد زمانه، وعلى هذه ~~القضية كانت تولية أمراء جيش مؤتة. # PageV01P146 ### | 220 - # وإذا ذكر العاهد أولياء عهود بعد وفاته، فأفضت الإمارة إلى الأول منهم، ~~فعهد هو إلى غير من ذكره العاهد الأول، فالوجه عندي تقديم عهده على عهد من ~~تقدمه، فإنه لما أفضى ms054 إليه الأمر، فقد صار الوالي المستقل بأعباء الإمامة. ~~والعهد الصادر منه أحق بالإمضاء من عهد نبذه العاهد الأول وراء أيامه، وبين ~~منقرض زمانه وسلطانه، وبين نفوذ عهده الثاني اعتقاب أيام ونوبة إمام. ### | 221 - # وذهب بعض من خاض في هذا الفن أن ترتيب عهد الإمام الأول لا يتبع بالنقض، ~~ولا يتعقب بالرفض. والصحيح ما اخترناه الآن، من تنفيذ عهد من أفضت إليه ~~الخلافة، ولو شعب مشعب هذه القواعد، لكثرت المسائل وتضاعفت الغوائل، ولا ~~يكاد يخفى مدركها على ذوي البصائر في الشريعة. وما مهدناه مغن عن الإمعان ~~والإبلاغ، ففيه أكمل مقنع وبلاغ. # PageV01P147 # والذي يجب الاعتناء به تمييز المقطوع به عن المظنون، ومستند القطع ~~الإجماع، فما اتفق ذلك فيه تعين فيه الاتباع، وما لم نصادف فيه إجماعا ~~عرضناه على مسالك النظر، وأعملنا فيه طرق المقاييس، وأرمينا فيه سبل ~~الاجتهاد، فهذا منتهى مقصدنا في استنابة الخليفة إماما بعده. ### | المستناب في حياة الإمام ومدى سلطانه ### | 222 - # فأما إذا استناب في حياته نائبا، وفوض إلى نظره تنفيذ الأمور الناجزة. ~~نظر: فإن سلم إليه مقاليد الأمور كلها وجعله يستقل وينفذ، ويقضي ويمضي، ~~ويعقد ويحل، ويولي ويعزل، وهو في أموره كلها لا يطالع الإمام، ولا يراجعه، ~~بل ينفرد ويستبد، فهذا غير سائغ، فإن في تجويزه جمع إمامين، وسنعقد في ~~امتناع ذلك بابا، وفاء بتراجم الكتاب إن شاء الله عز وجل. ### | 223 - # فإن قيل: هذا المرشح للاستبداد متوحد بالأمور، والإمام # PageV01P148 # لا يشاركه فيما يتعاطاه، وإنما الممتنع انتصاب إمامين قائمين بالأمور. # قلنا: هذا أبعد من الجواز ; فإن الإمام إنما ينتصب للقيام بمصالح ~~الإسلام، والنظر في مهمات الأنام بعين ساهرة، فإذا آثر السكون إلى التعطيل ~~واختار الركون إلى التودع ; كان الإمام تاركا منصبه، وصار بمنزلة من ليس ~~إماما متصديا للإمامة، وهذا غير مسوغ قطعا، فهذا إن سلم الأمور إليه على ~~الاستقلال والاستبداد. ### | 224 - # وإن فوض إليه الأمور، ولكنه كان بمرأى من الإمام ومسمع، ولم يكن الإمام ~~ذاهلا عن مجامع أموره، وكان المتصرف المستناب يراجع الإمام فيما يجريه ~~ويمضيه، فهذا جائز غير ms055 ممتنع، وهذا المنصب هو المسمى الوزارة. ### | 225 - # ثم الإمام لا يستوزر إلا شهما كافيا، ذا نجدة، # PageV01P149 # وكفاية، ودراية، ونفاذ رأي، واتقاد قريحة، وذكاء فطنة، ولا بد أن يكون ~~متلفعا من جلابيب الديانة بأسبغها وأضفاها وأصفاها راقيا من أطواد المعالي ~~إلى ذراها ; فإنه متصد لأمر عظيم، وخطب جسيم، والاستعداد للمراتب على قدر ~~أخطار المناصب. # وقد قيل يشترط في المستوزر اجتماع شرائط الإمامة إلا النسب والاعتزاء إلى ~~شجرة قريش، وأنا أقول: أما النجدة والكفاية، فلا بد منهما، وكذلك الورع، ~~فإنه رأس الخيرات وأساس المناقب، ومن لم يتصف به فجميع ما فيه من المآثر ~~تصير وسائل ووصائل إلى الشر، وطرائق إلى اجتلاب الضر، ولا يخفى على ذي ~~بصيرة أن الفطن الماجن غير المرضي، أضر على خليقة الله من الأحمق الغبي. ~~ولا شك # PageV01P150 # أن العقل أصل الفضائل، فإن لم يقترن به الورع والتقوى، انقلب ذريعة إلى ~~الفساد، ومطية جائرة عن منهج الرشاد، فوجب اشتراط استجماع الوزير شرائط ~~المجتهدين، ومراتب الأئمة في علوم الدين. # وظاهر مذهب الشافعي - رحمه الله - أن ذلك مشروط في التصدي لهذا المنصب ~~العلي، وليس ذلك بدعا من أصل هذا الحبر، وسنقرر من طريقته اشتراط استجماع ~~القضاة رتب المجتهدين. فإذا كان يشترط ذلك فيهم فمن إليه نصب القضاة ~~وصرفهم، وترشيح الولاة لمهمات الأنام، في خطة الإسلام أولى في معتقده ~~بالإمامة في دين الله، وعلم الشريعة. ### | 226 - # وأنا بعون الله وتأييده، وتوفيقه وتسديده، آت في ذلك بالحق المبين، وأمهد ~~في هذا للناظرين مدرك اليقين، والمستعان رب العالمين. ### | 227 - # فأقول: أما الإمام، فلا بد من أن يكون بالغا مبلغ # PageV01P151 # المجتهدين قطعا ; فإنه وزر الدين والدنيا، وموئل الخلائق أجمعين، وهو ~~مرجع الخلائق كلهم في مهماتهم على تفنن حالاتهم، وأولى الأمور بالرعاية ما ~~يتعلق بالنظر في قواعد الإسلام، وضبط أصول الأحكام، فلو لم يكن الإمام في ~~الدين على أعلى منصب ومقام، لكان مقلدا تابعا غير متبوع، ولما كان ملاذا ~~للائذين، ومعاذا للمسلمين، جامعا لشتات الآراء، محتويا على مقاليد الشريعة، ~~مستقلا بالنظر في أمر الملة. ولئن ساغ ms056 أن لا يرتبط أمر الدين برأي قوام على ~~المسلمين والإسلام، فليجز ترك الأمر سدى مجرى يختبط الناس فيها، فإن الدنيا ~~إنما ترعى من حيث يستمد استمرار قواعد الدين منها، فهي مرعية على سبيل ~~التبعية، ولولا مسيس الحاجة إليها على هذه القضية، لكانت الدنيا الدنية ~~حرية بأن نضرب عنها بالكلية. ### | 228 - # والذي يكشف الغطاء في ذلك أن التقليد إنما يسوغ عند # PageV01P152 # تحقق العجز عن الاستبداد بالاجتهاد، ثم على المقلد نظر ضعيف في تخير قدوة ~~وتعيين أسوة، فلو كان الإمام مقلدا لحمل الناس على مقتضى تقليده، وموجب ~~نظره الواهي في تعيين من يقلده، وهذا مستحيل لا يستريب فيه ذو تحصيل، فإذا ~~الإمام من حيث كان قدوة الخلق، وحاملهم على مسالك الحق، وجب أن يكون على ~~الاستقلال، والاستجماع لخلال الكمال في الدين والدنيا، وإليه الرجوع، ولو ~~لم يكن كذلك، لكان تابعا غير متبوع. ### | 229 - # فأما من سوى الإمام، فأحرى المنازل باجتماع الفضائل منصب الوزير القائم ~~مقام الإمام، في تنفيذ الأحكام، فإن نظره يعم عموم نظر الإمام في خطة ~~الإسلام، ولكن من حيث ليس له رتبة الاستقلال، فإنه يجب أن يراجع الإمام في ~~مجامع الخطوب لا يبلغ اشتراط بلوغه مبلغ المجتهدين رتبة القطع، فإنه قيل: ~~إنه ينفذ الأمور، فإذا اعتاص عليه أمر راجع الإمام، # PageV01P153 # أو من يصلح للمراجعة من أئمة الدين وحملة الشريعة. لم يكن ذلك هجوما على ~~مخالفة مقطوع به ; إذ مرتبة الوزير وإن علت، فإنها ليست رتبة المستقلين، ~~وإنما المستقل الإمام. على أن الأظهر اشتراط كون الوزير الذي إليه تنفيذ ~~الأمور إماما في الدين، فإن ما يتعاطاه عظيم الخطر والغرر، ويعسر عليه ~~مراجعة الإمام في تفاصيل الوقائع، وإنما يطالع الإمام في الأصول والمجامع، ~~فإذا لم يكن إماما في الدين لم يؤمن زلله في أمور للمسلمين، يتعذر تلافيها، ~~كالدماء والفروج، وما في معانيها. # وما ذكرناه من الصفات في الوزير الذي إليه تنفيذ الأمور. ### | 230 - # فأما إذا كان الإمام يتولى التنفيذ ; والمتصدي للوزارة يظهر ; فليس إليه ~~افتتاح أمر، وإنما هو بمنزلة السفير في كل ms057 قضية بين الإمام والرعية. # PageV01P154 ### | 231 - # فإن كان الإمام يستضيء برأيه فيما يأتي ويذر، فهو مستشار مبلغ، وليس إليه ~~من الولاية شيء، فلا يشترط فيه إلا أمرين: أحدهما: أن يكون موثوقا به بحيث ~~تقبل روايته، فإن ملاك أمره إخبار الجند والرعايا بما ينفذه الإمام، وهذا ~~يستدعي الورع وصدق اللهجة، والتنفيذ والثقة تشعر بهما. # والثاني: الفطنة والكياسة ; فإن عظائم الأمور لا يدرك معانيها لينقلها ~~إلا فطن، لا يؤتى عن غفلة وذهول، ومن لم يكن فطنا لم يوثق بفهمه لما ينهيه، ~~ولم يؤمن خطؤه فيما يبلغه ويؤديه. # ولا يضر أن يكون صاحب هذا المنصب عبدا مملوكا، فإن الذي يلابسه ليس ~~ولاية، وإنما هو إنباء وإخبار، والمملوك من أهل ولاية الأخبار. ### | 232 - # وذكر مصنف الكتاب المترجم بالأحكام السلطانية # PageV01P155 # أن صاحب هذا المنصب يجوز أن يكون ذميا، وهذه عثرة ليس لها مقيل، وهي ~~مشعرة بخلو صاحب الكتاب عن التحصيل، فإن الثقة لا بد من رعايتها، وليس ~~الذمي موثوقا به في أفعاله وأقواله، وتصاريف أحواله، وروايته مردودة، وكذلك ~~شهادته على المسلمين، فكيف يقبل قوله فيما يسنده ويعزيه إلى إمام المسلمين، ~~فمن لا تقبل شهادته على باقة بقل، ولا يوثق به في قول وفعل، كيف ينتصب ~~وزيرا؟ وكيف ينتهض مبلغا عن الإمام سفيرا، على أنا لا نأمن في أمر الدين ~~شره، بل نرتقب - نفسا فنفسا - ضره، وقد توافت شهادة نصوص الكتاب والسنة على ~~النهي عن الركون إلى الكفار، والمنع من ائتمانهم، وإطلاعهم على الأسرار قال ~~الله تعالى: {لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} وقال: {لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء} . # PageV01P156 # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «أنا برئ من كل مسلم مع مشرك ~~لا تتراءى ناراهما» ". # واشتد نكير عمر على أبي موسى الأشعري لما اتخذ كاتبا نصرانيا. وقد نص ~~الشافعي - رحمة الله عليه - على أن المترجم الذي ينهي إلى القاضي معاني ~~لغات المدعين يجب أن يكون مسلما عدلا رضا، ولست أعرف في ذلك خلافا بين ~~علماء الأقطار. فكيف يسوغ أن يكون السفير بين الإمام والمسلمين ms058 من الكفار؟ ~~. ### | 233 - # فليت شعري كيف يستجيز التصدي للتصنيف من هذا منتهى فهمه ومبلغ علمه؟ ، ~~ومن استجرأ على تأليف الكتب تعويلا على ذرابة في عذبة لسانه، واستمكانه من ~~طرف من # PageV01P157 # البسط في بيانه، ولم يكن بحرا معلوما في العلوم لا ينكش، ولا يغضغض، ~~ونهرا معدودا لا ينزف ولا يمخض، فقد تهدف فيما صنف، واقتحم المهاوي وتعسف، ~~ولست - والله - في ذلك أتغلب وأتصلف. # [حكم الأطراف وولاة المدن والأقطار ### | 234 - # فهذا انتهاء مرامنا فيمن يستنيبه الإمام بعد وفاته أو في استمرار حياته ~~في جميع الأمور. # فأما الذين يستنيبهم في بعض الأمصار والأقطار، أو في بعض الأعمال، فأنا ~~الآن بعد تقديم اللياذ برب البرية والتبري من الحول والقوة، أذكر في ~~مستنابيه قولا كافيا شافيا، ومجموعا وجيزا وافيا، إن شاء الله عز وجل، ~~فأقول: # PageV01P158 ### | 235 - # أولا: الاستنابة لا بد منها، ولا غنى عنها، فإن الإمام لا يتمكن من تولي ~~جميع الأمور وتعاطيها، ولا يفيء نظره بمهمات الخطة ولا يحويها، وهذه القضية ~~بينة في ضرورات العقول لا يستريب اللبيب فيها، ولكن لا يجوز له أن يطوق ~~الكفاة الأعمال، ثم يقطع البحث عنهم، ويضرب عن سبر أحوالهم ; فإنه لو فعل ~~ذلك، لكان معطلا فائدة الإمامة، مبطلا سر الزعامة والرياسة العامة، بل عليه ~~أن يمهد مسالك انتهاء الأخبار والأنباء إليه في مجامع الخطوب. وينصب مرتبين ~~للإنهاء وتبليغ الأخبار والأنباء، حتى تكون الخطة بكلاءته مربوطة، وبرعايته ~~محوطة، ومجامع الأمور برأيه منوطة، واطلاعاته على البلاد والعباد مبسوطة، ~~فهو يرعاهم كأنه يراهم، وإن شط المزار وتقاصت الديار، وليس من الممكن أن ~~يتكلف الإحاطة بتفاصيل الأمور وآحاد أفرادها، ولكنه لا يغفل عن مجامعها # PageV01P159 # وأصولها، واستبراء أحوال أصحاب الأعمال، وأقوى ذرائعه في الوقوف على ~~أحوال العمال دعاؤه المتظلمين إلى خبائه، واستحثاثه أصحاب الحاجات على شهود ~~بابه. ### | 236 - # فإذا ثبتت هذه المقالة، فإن سئلنا بعدها عن تفاصيل المستنابين وأعدادهم. ~~قلنا: استقصاء القول في ذلك يتوقف على بيان ما يناط بالإمام من أشغال ~~المسلمين في الدنيا والدين ; وسنعقد في ذلك بابا جامعا، إن شاء ms059 الله عز ~~وجل، ومضمونه عمرة الكتاب والمقصد واللباب. ثم إذا تبين ما يرتبط بنظر ~~الإمام، فإنه يستنيب فيما إليه الكفاة المستقلين بالأمور، ويجمع جميعهم ~~اشتراط الديانة والثقة والكفاية فيما يتعلق بالشغل المفوض على ما سيأتي ذلك ~~مفصلا، إن شاء الله عز وجل. في الباب المشتمل على تفصيل ما يتولاه الأئمة. # PageV01P160 ### | 237 - # والذي نذكره الآن اشتراط رتبة الاجتهاد، ونفي اشتراطها. فنقول: إن كان ~~الأمر المفوض إلى المستناب أمرا خالصا يمكن ضبطه بالتنصيص عليه، وتخصيصه ~~بالذكر، فلا يشترط أن يكون المستناب فيه إماما في الدين، ولكنه يقتص أثر ~~النص، ويرتاد اتباع المثال، وتكفيه فيما يرشح له الديانة والاستقلال بالأمر ~~المفوض إليه، والهداية إليه. ### | 238 - # وإن لم يكن مما يضبطه النص، ولكن كان لا يستدعي القيام به الاطلاع على ~~قواعد الشريعة، فلا يشترط رتبة الاجتهاد، بل يكفي من البصيرة ما ينتهض ركنا ~~وذريعة إلى تحصيل الغرض المقصود في الأمر المفوض إليه: فالذي ينتصب لجباية ~~الصدقات ينبغي أن يكون بصيرا بالأموال الزكاتية ونصبها وأوقاصها، وما أوجبه ~~الله فيها. وأمراء الأجناد وأصحاب الألوية والمراتب ينبغي أن يكونوا محيطين ~~بما تقتضيه مناصبهم. # PageV01P161 ### | 239 - # وإن كان الأمر المفوض مما لا تضبطه النصوص من المولي، وكان عظيم الوقع في ~~وضع الشرع، لا يكفي فيه فن مخصوص من العلوم، كالقضاء، فالذي يؤثره الشافعي ~~- رضي الله عنه - ومعظم الأئمة أنه يشترط أن يكون المتولي للقضاء مجتهدا، ~~ولم يشترط أبو حنيفة - رحمه الله - ذلك. وجوز أن يكون مقلدا، يستفتي فيما ~~يعن من المشكلات المفتي. ويحكم بموجبه. ### | 240 - # وهذا عندنا مظنون لا يتطرق القطع إلى النفي والإثبات فيه. وسيأتي ذلك ~~مشروحا موضحا إن شاء الله عز وجل. # والذي ذكرناه الآن جمل تجري مجرى الأساس والتوطئة، وتمهيد القواعد، ونحن ~~نختم هذا الباب بنكتة لا بد من الإحاطة بها فنقول: ### | 241 - # قد دلت المرامز التي ذكرناها على صفات الولاة، # PageV01P162 # فأما إذا طرأت عليهم أحوال لو كانوا عليها ابتداء لما جاز نصبهم، فوجه ~~القول في طريانها عليهم كوجهه في طريان الصفات المنافية لعقد الإمامة على ms060 ~~الإمام، وقد مضى ذلك على أبلغ وجه في البيان، ولكنا ذكرنا أن الفسق الذي ~~يجري مجرى العثرة لا يوجب خلع الإمام، ولا انخلاعه. فلو فرض مثل ذلك في حق ~~بعض المستنابين فالإمام يخلعه، ولا يجري أمر المستناب الذي هو في قبضة ~~الإمام، مجرى الإمام الذي لو تعرض لخلعه لمادت المملكة بأكنافها، ولارتجت ~~خطة الإسلام بأعطافها. وأيضا فإنه يخلع القاضي الإمام، ويد الخليفة لا ~~تطاولها يد، ولو سوغ خلع الإمام، لاستحال أن يتصدى لخلع الإمام من يشاء من ~~الأتباع، وقد مضى من ذلك ما في بعضه إقناع، وستأتي صفات القضاة والولاة ~~اقترانا بالتولية وطريانا، وما يوجب الخلع والانخلاع. # PageV01P163 ### | [الباب السادس في إمامة المفضول] # الباب السادس. # في إمامة المفضول. ### | 242 - # اختلف الخائضون في هذا الفن، في إمامة المفضول، على آراء متفاوتة، ومذاهب ~~متهافتة، ولو ذهبت أذكر المقالات وأستقصيها، وأنسبها إلى قائليها وأعزيها، ~~لخفت خصلتين: إحداهما: خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها، وتعافها نفسي ~~الأبية وتجتويها، وهي سرد فصل منقول، عن كلام المتقدمين مقول. # وهذا عندي يتنزل منزلة الاختزال والانتحال، والتشييع بعلوم الأوائل، ~~والإغارة على مصنفات الأفاضل، وحق على كل من تتقاضاه قريحته تأليفا، وجمعا، ~~وترصيفا، أن يجعل مضمون كتابه أمرا لا يلفى في مجموع، وغرضا لا يصادف في ~~تصنيف، ثم إن لم يجد بدا من ذكرها أتى به في معرض التذرع والتطلع إلى ما هو ~~المقصود والمعمود، فهذه واحدة. # PageV01P164 # والخصلة الثانية: اجتناب الإطناب، وتنكب الإسهاب في غير مقصود الكتاب. ### | 243 - # فأعود وأقول: ذهبت طوائف منهم الزيدية إلى تصحيح عقد الإمامة للمفضول على ~~الإطلاق والإرسال، من غير استفصال، والذي يتعين الوقوف عليه في صدر الباب، ~~أن الذي يقع التعرض له من الفضل، والقول في الفاضل والمفضول، ليس هو على ~~أعلى القدر والمرتبة وارتفاع الدرجة، والتقرب إلى الله تعالى في عمله، فرب ~~ولي من أولياء الله هو قطب الأرض، وعماد العالم، لو أقسم على الله لأبره، ~~وفي العصر من هو أصلح للقيام بأمور المسلمين منه، فالمعني بالفضل استجماع ~~الخلال التي يشترط اجتماعها في المتصدي للإمامة. ms061 # فإذا أطلقنا الأفضل في هذا الباب عنينا به الأصلح للقيام # PageV01P165 # على الخلق بما يستصلحهم. وهذا تنبيه على معنى التفضيل، وسيأتي مشروحا في ~~أثناء الباب على التفصيل إن شاء الله - عز وجل. ### | 244 - # فإذا تقرر ذلك، فقد صار طوائف من أئمتنا إلى تجويز عقد الإمامة للمفضول، ~~مع التمكن من العقد للأفضل الأصلح، واعتلوا بأن المفضول إذا كان مستجمعا ~~للشرائط المرعية، فاختصاص الفاضل بالمزايا اتصاف بما لا تفتقر الإمامة ~~إليه، فإذا عقدت الإمامة لمن ليس عاريا عن الخلال المعتبرة، استقلت بالصفات ~~التي لا غنى عنها ولا مندوحة، وليس للفضائل نهاية وغاية. ### | 245 - # وذهب معظم المنتمين إلى الأصول من جلة الأئمة إلى أن الإمامة لا تنعقد ~~للمفضول مع إمكان العقد للفاضل، ثم تحزب هؤلاء حزبين، وتصدعوا صدعين: فذهب ~~فريق إلى أن مدرك ذلك القطع، وصار فريق إلى أن المسألة من المظنونات التي ~~لا يتطرق إليها أساليب العقول، ولا قواطع الشرع المنقول. # PageV01P166 ### | 246 - # ومسلك الحق المبين، ما أوضحه الآن للمسترشد المستبين. # فأقول: لا خلاف أنه إذا عسر عقد الإمامة للفاضل، واقتضت مصلحة المسلمين ~~تقديم المفضول، وذلك لصغو الناس، وميل أولي البأس والنجدة إليه، ولو فرض ~~تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن، وثارت المحن، ولم نجد عددا، وتفرقت الأجناد ~~بددا، فإذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة تقتضي تقديم المفضول، قدم لا ~~محالة ; إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة، فإذا كان في تقديم الفاضل ~~اختباطها وفسادها، وفي تقديم المفضول ارتباطها وسدادها، تعين إيثار ما فيه ~~صلاح الخليقة باتفاق أهل الحقيقة، ولا خلاف أنه لو قدم فاضل، واتسقت له ~~الطاعة، ونشأ في الزمن من هو أفضل منه، فلا يتبع عقد الإمامة للأول بالقطع ~~والرفع. ### | 247 - # فإذا وضح ما ذكرته فأقول: إن تهيأ لأهل الاختيار تقديم الفاضل من غير ~~مانع مدافع، # PageV01P167 # وتحقق الاستكمان من ترشيح الأصلح، فيجب القطع، والحالة هذه بإيجاب تقديم ~~الأفضل الأصلح، والذي يحقق ذلك أن الإمام إذا تصدى له مسلكان في مهم ألم، ~~وخطب أعضل وادلهم، وتحقق أن أحدهما لو آثره واختاره، لعمت فائدته وعائدته، ~~وعظم ms062 وقعه نفعا ودفعا، ولو سلك المسلك الثاني، لم يكن بعيدا في مقتضى ~~الاختيار من مدارك الرشاد، ولا جارا إضرارا، فلا خلاف بين المسلمين أجمعين، ~~أنه يتعين تقديم الأنفع، وإذا كان يتحتم ذلك في الأمور الجزئية على الإمام ~~المطاع على أقصى ما يستطاع، فلأن يجب على أهل الاختيار أن يؤثروا الأكمل ~~والأفضل أولى، فإن مزيد الكفاية، ومزية الهداية والدراية، ليس هين الأثر، ~~قريب الوقع، فلا ارتياب في إيجاب تحصيل ذلك للمسلمين، إذا سهل مدركه، ولم ~~يتوعر مسلكه. ### | 248 - # ولكن قد تقدم أن الإمامة لا تنعقد في اختيارنا إلا بعقد من يستعقب عقده ~~منعة وشوكة للإمام المعقود له، بحيث # PageV01P168 # لا يبعد من الإمام أن يصادم بها من نابذه وناواه، ويقارع من خالفه ~~وعاداه، وإذا فرض العقد للمفضول على هذا الوجه، ففي الحكم بأن الإمامة غير ~~منعقدة له فتن ثائرة، وهيجان نائرة، وقد يهلك فيها أمم، ويصرع الأبطال ~~الذين هم نجدة الإسلام، على السواعد واللمم، ولا يفي ما كنا نترقبه من ~~مزايا الفوائد، بتقديم الفاضل بما نحاذره الآن من تأخير المفضول، وقد قدمنا ~~أن المصلحة إذا اقتضت تقديم المفضول، قدمناه. ### | 249 - # فآل حاصل الكلام ومنتهى المرام، إلى أنا نقطع بتحريم تقديم المفضول مع ~~التمكن من تقديم الفاضل، ولكن إذا اتفق تقديم المفضول واختياره، مع منعة ~~تتحصل من مشايعة أشياع، ومتابعة أتباع، فقد نفذت الإمامة نفوذا لا يدرأ. ~~وإن جرى العقد من غير منعة فالإمامة للفاضل عندي لا تنعقد على هذا الوجه. ~~فما الظن بالمفضول؟ وهذا مشكل عظيم بينته، وسر جسيم في الإيالة أعلنته، ولا ~~يحظى - والله - بهذا الكتاب إلا # PageV01P169 # من وافقه التوفيق، وساوقه التحقيق، فكم فيه من عقد في مشكلات فضضتها، ~~وأبكار من بدائع المعاني افتضضتها، فإذا وضح القول في إمامة الفاضل ~~والمفضول، فأنا وراء ذلك أقول: ### | 250 - # قد تقدم في صدر الباب أن الأفضل هو الأصلح، فلو فرضنا مستجمعا للشرائط ~~بالغا في الورع الغاية القصوى، وقدرنا آخر أكفأ منه، وأهدى إلى طرق السياسة ~~والرياسة، وإن لم يكن في الورع مثله، فالأكفأ أولى ms063 بالتقدم. # ولو كان أحدهما أفقه، والثاني أعرف بتجنيد الجنود، وعقد الألوية والبنود، ~~وجر العساكر والمقانب، وترتيب المراتب والمناصب، فلينظر ذو الرأي إلى حكم ~~الوقت، فإن كانت أكناف خطة الإسلام إلى الاستقامة، والممالك منتفضة عن ذوي ~~العرامة، ولكن ثارت بدع وأهواء، واضطربت مذاهب ومطالب وآراء، والحاجة ماسة ~~إلى من يسوس الأمور الدينية أمس، فالأعلم أولى. # PageV01P170 ### | 251 - # وإن تصورت الأمور على الضد مما ذكرناه، ومست الحاجة إلى شهامة وصرامة، ~~وبطاش، يحمل الناس على الطاعة ولا يحاش، فالأشهم أولى بأن يقدم. # والآن كما وضح المقال، وزال الإشكال، فلنختم الكلام، ولنخض في الباب الذي ~~يليه. # PageV01P171 ### | [الباب السابع في منع نصب إمامين] # الباب السابع. # في منع نصب إمامين. ### | 252 - # إذا تيسر نصب إمام واحد يطبق خطة الإسلام نظره، ويشمل الخليقة على تفاوت ~~مراتبها في مشارق الأرض ومغاربها أثره، تعين نصبه، ولم يسغ - والحالة هذه - ~~نصب إمامين. وهذا متفق عليه، لا يلفى فيه خلاف، ولما استتبت البيعة لخليفة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ثم ~~استمرت الخلافة إلى منقرض زمن الأئمة - رضي الله عنهم أجمعين - فهم على ~~الاضطرار، من غير حاجة إلى نقل أخبار، من مذاهب المهاجرين والأنصار، أن ~~مبنى الإمامة على أن لا يتصدى لها إلا فرد، ولا يتعرض لها إلا واحد في ~~الدهر، ومن لم يحط بدرك ذلك من شيم العاقدين والذين عقد لهم، فهو بعيد ~~الفهم، فدم القريحة، مستميت الفكر. ### | 253 - # وقد تقرر من دين الأمة قاطبة أن الغرض من الإمامة # PageV01P172 # جمع الآراء المشتتة، وارتباط الأهواء المتفاوتة، وليس بالخافي على ذوي ~~البصائر أن الدول إنما تضطرب بتحزب الأمراء، وتفرق الآراء، وتجاذب الأهواء، ~~ونظام الملك، وقوام الأمر بالإذعان، والإقرار لذي رأي ثابت لا يستبد، ولا ~~ينفرد، بل يستضيء بعقول العقلاء، ويستبين برأي طوائف الحكماء، والعلماء، ~~ويستثمر لباب الألباب، فيحصل من انفراده الفائدة العظمى في قطع الاختلاف، ~~ويتحقق باستضاءته استثمار عقول العقلاء. ### | 254 - # فالغرض الأظهر إذا من الإمامة لا يثبت إلا بانفراد الإمام، وهذا مغن ~~بوضوحه عن الإطناب والإسهاب، ms064 مستند إلى الإطباق والاتفاق، إذ داعية التقاطع ~~والتدابر والشقاق ربط الأمور بنظر ناظرين، وتعليق التقدم بأميرين، وإنما ~~تستمر أكناف الممالك برجوع أمراء الأطراف إلى رأي واحد ضابط، ونظر متحد ~~رابط، وإذا لم يكن لهم موئل عنه يصدرون، ومطمح إليه يتشوفون، تنافسوا ~~وتتطاولوا، وتغالبوا وتصاولوا، وتواثبوا على # PageV01P173 # ابتغاء الاستيلاء والاستعلاء، وتغالبوا غير مكترثين باستئصال الجماهير ~~والدهماء، فتكون الداهية الدهياء، وهذا مثار البلايا، ومهلكة البرايا، وفيه ~~تنطحن السلاطين والرعايا. ### | 255 - # فقد تقرر أن نصب إمامين مدعاة الفساد، وسبب حسم الرشاد، ثم إن فرض نصب ~~إمامين على أن ينفذ أمر كل واحد منهما في جميع الخطة، جر ذلك تدافعا ~~وتنازعا، وأثر ضر نصبهما يبر على ترك الأمر مهملا سدى. # وإن نصب إمام في بعضها، وآخر في باقيها، مع التمكن من نصب إمام نافذ ~~الأمر في جميع الخطة، كان ذلك باطلا إجماعا، كما سبق تقريره، وفيه إبطال ~~فائدة الإمامة المنوطة برأي واحد يجمع الآراء كما سبق إيضاحه فيما تقدم، ~~وهذا واضح لا خفاء به. ### | 256 - # والذي تباينت فيه المذاهب أن الحالة إذا كانت بحيث لا ينبسط رأي إمام ~~واحد على الممالك، وذلك يتصور بأسباب # PageV01P174 # لا تغمض: منها: اتساع الخطة، وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة، وجزائر ~~في لجج متقاذفة، وقد يقع قيام قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم ~~نظر الإمام، وقد يتولج خطة من ديار الكفر بين خطة الإسلام، وينقطع بسبب ذلك ~~نظر الإمام عن الذين وراءه من المسلمين. ### | 257 - # فإذا اتفق ما ذكرناه، فقد صار صائرون عند ذلك إلى تجويز نصب إمام في ~~القطر الذي لا يبلغه أثر نظر الإمام، ويعزى هذا المذهب إلى شيخنا أبي ~~الحسن، والأستاذ أبي إسحق الإسفراييني - رضي الله عنه - وغيرهما، وابتغى ~~هؤلاء مصلحة الخلق، وقالوا: إذا كان الغرض من الإمامة استصلاح العامة، ~~وتمهيد الأمور، وسد الثغور، فإذا تيسر نصب إمام واحد نافذ الأمر، فهو أصلح ~~لا محالة في مقتضى السياسة والإيالة، وإن عسر # PageV01P175 # ذلك، ولا سبيل إلى ترك الذين لا يبلغهم نظر الإمام مهملين لا يجمعهم ms065 ~~وازع، ولا يردعهم رادع، فالوجه أن ينصبوا في ناحيتهم وزرا يلوذون به، إذ لو ~~بقوا سدى، لتهافتوا على ورطات الردى. وهذا ظاهر لا يمكن دفعه. ### | 258 - # وأنا أقول فيه: مستعينا بالله تعالى: إن سبق عقد الإمامة لصالح لها، وكنا ~~نراه عند العقد مستقلا بالنظر في جميع الأقطار، ثم ظهر ما يمنع من انبثاث ~~نظره، أو طرأ، فلا وجه لترك الذين لا يبلغهم أمر الإمام مهملين، ولكنهم ~~ينصبون أميرا يرجعون إلى رأيه ويصدرون عن أمره ويلتزمون شريعة المصطفى فيما ~~يأتون ويذرون، ولا يكون ذلك المنصوب إماما، ولو زالت الموانع، واستمكن ~~الإمام من النظر لهم، أذعن الأمير والرعايا للإمام، وألقوا إليه السلم، ~~والإمام يمهد عذرهم، ويسوس أمرهم، فإن رأى تقرير من نصبوه فعل، وإن رأى ~~تغيير الأمر، فرأيه المتبوع، وإليه الرجوع. ### | 259 - # وإن لم يتقدم نصب إمام كما تقدم تصويره، ولكن # PageV01P176 # خلا الدهر عن إمام في زمن فترة، وانفصل شطر من الخطة عن شطر، وعز نصب ~~إمام واحد، يشمل رأيه البلاد والعباد، فنصب أمير في أحد الشطرين للضرورة في ~~هذه الصورة، ونصب أمير في القطر الآخر منصوب، ولم يقع العقد الواحد على حكم ~~العموم، إذا كان يتأتى ذلك، فالحق المتبع في ذلك أن واحدا منهما ليس إماما، ~~إذ الإمام هو الواحد الذي به ارتباط المسلمين أجمعين. # ولست أنكر تجويز نصبهما على حسب الحاجة، ونفوذ أمرهما على موجب الشرع، ~~ولكنه زمان خال عن الإمام، وسيأتي في خلو الزمان عن الإمام أكمل شرح ~~وتفصيل، فهو أحد غرضي الكتاب اللذين عليهما التعويل. # فإن اتفق نصب إمام، فحق على الأميرين أن يستسلما له # PageV01P177 # ليحكم عليهما بما يراه صلاحا أو استصلاحا. وهذا بيان مضمون الباب، وإيضاح ~~سره. ### | 260 - # ثم فرع المتكلفون مسائل لا يكاد يخفى مدركها على المحصل المتأمل، ونحن ~~نذكر فيه ما يتضح به الغرض، ويرشد إلى أمثاله وأشكاله. # فلو اتفق نصب إمامين في قطرين، وكانا صالحين للإمامة مستجمعين للصفات ~~المرعية، وعقد لكل واحد الإمامة على حكم العموم، ولم يشعر العاقدون في كل ~~ناحية بما جرى ms066 في الناحية الأخرى، ولكن بين كل قوم ما أنشأوه من الاختيار ~~والعقد على أن يتفرد من اختاروه بالإمامة. فإن اتفق ذلك، فلا شك أن لا تثبت ~~الإمامة لهما ; لما سبق تقريره، فإن منصب الإمامة يقتضي الاستقلال ~~بالأشغال، كما تقدم، وجمع مستقلين بالزعامة الكبرى محال. ### | 261 - # واختلف الفقهاء في جواز نصب قاضيين في بلدة واحدة على تقدير عموم ولاية ~~كل واحد منهما في جميع البقعة، والأصح منع ذلك في القاضيين، وذلك مظنون، من ~~جهة أن الإمام من وراء القضاة والولاة، والمستنابين في الأعمال. فإن فرض ~~تنازع، وتمانع بين واليين كان وزر المسلمين مرجوعا إليه في الخصومات ~~الشاجرة # PageV01P178 ### | 262 - # وأما الإمامة فهي الغاية القصوى، وليس بعدها تقدير مرجوع إليه ومتبوع ; ~~فيستحيل فرض إمامين نافذي الحكم عموما. # فإذا عقدت الإمامة لرجلين كما سبق تصويره، نظر: فإن وقع العقدان معا، لم ~~يصح واحد منهما، ويبتدئ أهل الاختيار عقد الإمامة لمستصلح لها، وإن تقدم ~~أحد العقدين، فهو النافذ، والمتأخر مردود. وإن غمض التاريخ، وعسر إثبات ~~المتقدم منها بالبينة، كان كما لو تحققنا وقوع العقدين معا، إذ لا وجه ~~لتعطيل البيضة عن منصب الإمام، ولا سبيل إلى ترك الأمر مبهما، مع تحقيق ~~اليأس من الاطلاع على تاريخ الإنشاء والإيقاع. ولو ادعى أحد المختارين ~~تقدما، ورام تحليف الثاني لم يجب إليه، فإن هذا الخطب العظيم يجل عن ~~الإثبات باليمين والنكول، والإمام نائب عن المسلمين أجمعين، ولا سبيل إلى ~~تحليف النائب، ومقصود الحق لغيره، فهذا المقدار مقنع كاف في غرض الباب. ### | [الباب الثامن فيما يناط بالأئمة والولاة من أحكام الإسلام] # [مقدمات الباب] # PageV01P179 # الباب الثامن. # فيما يناط بالأئمة والولاة من أحكام الإسلام. # مقدمات الباب. ### | 263 - # ليعلم طالب الحق وباغي الصدق أن مطلوب الشرائع من الخلائق، على تفنن ~~الملل والطرائق، والاستمساك بالدين والتقوى، والاعتصام بما يقربهم إلى الله ~~زلفى، والتشمير لابتغاء ما يرضي الله تقدس وتعالى، والاكتفاء ببلاغ من هذه ~~الدنيا، والندب إلى الانكفاف عن دواعي الهوى، والانحجاز عن مسالك المنى، ~~ولكن الله تعالى فطر الجبلات على التشوف والشهوات، وناط ms067 بقاء المكلفين ~~ببلغة وسداد، فتعلقت التكاليف من هذه الجملة بالمحافظة على تمهيد المطالب ~~والمكاسب، وتمييز الحلال من الحرام، وتهذيب مسالك الأحكام على فرق الأنام، ~~فجرت الدنيا من الدين مجرى # PageV01P180 # القوام، والنظام من الذرائع إلى تحصيل مقاصد الشرائع. ### | 264 - # ومن العبارات الرائقة الفائقة المرضية في الإعراب عن المقاصد الكلية في ~~القضايا الشرعية: أن مضمونها دعاء إلى مكارم الأخلاق ندبا واستحبابا، وحتما ~~وإيجابا، والزجر عن الفواحش وما يخالف المعالي، تحريما وحظرا، وكراهية تبين ~~عيافة وحجرا، وإباحة تغني عن الفواحش، كإباحة النكاح المغني عن السفاح، أو ~~تعين على الطاعة، وتعضد أسباب القوة والاستطاعة. ### | 265 - # ثم لما جبلت النفوس على حب العاجل، والتطلع إلى الضنة بالحاصل، والتعلق ~~في تحصيل الدنيا بالوصائل والوسائل، والاستهانة بالمهالك والغوائل، ~~والتهالك على جمع الحطام من غير تماسك وتمالك ; وهذا يجر التنافس ~~والازدحام، والنزاع والخصام، واقتحام الخطوب العظام، فاقتضى الشرع فيصلا ~~بين الحلال والحرام، وإنصافا وانتصافا بين طبقات الأنام، وتعليق # PageV01P181 # الإقدام على القرب والطاعات بالفوز بالثواب، فيربط اقتحام الآثام ~~بالعقاب. ### | 266 - # ثم لم ينحجز معظم الناس عن الهوى بالوعد والوعيد، والترغيب والتهذيب، ~~فقيض الله السلاطين وأولي الأمر وازعين، ليوفروا الحقوق على مستحقيها، ~~ويبلغوا الحظوظ ذويها، ويكفوا المعتدين، ويعضدوا المقتصدين، ويشيدوا مباني ~~الرشاد، ويحسموا معاني الغي والفساد، فتنتظم أمور الدنيا، ويستمد منها ~~الدين الذي إليه المنتهى. ### | 267 - # وما ابتعث الله نبيا في الأمم السالفة حتى أيده وعضده بسلطان ذي عدة ~~ونجدة، ومن الرسل - عليهم السلام - من اجتمعت له النبوة والأيد والقوة ~~كداود وموسى وسليمان - صلوات الله عليهم أجمعين. # ولما اختتم الله الرسالة في العالم بسيد ولد آدم أيده بالحجة البيضاء، ~~والمحجة الغراء، وشد بالسيف أزره، وضمن إظهاره ونصره، وجعله إمام الدين ~~والدنيا، وملاذ الخلق في الآخرة والأولى، ثم # PageV01P182 # أكمل الله الدين واختتم الوحي، فاستأثر برسوله سيد النبيين، فخلفه أبو ~~بكر الصديق ليدعو إلى الله دعاه، ويقرر من مصالح الدنيا ومراشدها، وينتحي ~~في استصلاح العباد انتحاه. ### | 268 - # وغرضنا من تقديم هذه المقدمة توطئة طرق الأفهام إلى ما يتعلق من الأحكام ~~بالإمام. # فالقول ms068 الكلي: أن الغرض استيفاء قواعد الإسلام طوعا أو كرها، والمقصد ~~الدين، ولكنه لما استمد استمراره من الدنيا، كانت هذه القضية مرعية، ثم ~~المتعلق بالأئمة الأمور الكلية. # ونحن الآن - بعد هذا الترتيب - نذكر نظر الإمام في الأمور المتعلقة ~~بالدين، ثم نذكر نظره في الدنيا، وبنجاز القسمين يحصل الغرض الأقصى مما ~~يتعلق بالأئمة والورى. ### | [نظر الإمام في الأمور المتعلقة بالدين] ### | [واجب الإمام نحو أصل الدين] # أ - نظر الإمام في الأمور المتعلقة بالدين. # فأما نظره في الدين، فينقسم إلى النظر في أصل الدين، وإلى النظر في ~~فروعه. # PageV01P183 # فصل. # واجب الإمام نحو أصل الدين. ### | 269 - # فأما القول في أصل الدين فينقسم إلى: حفظ الدين بأقصى الوسع على ~~المؤمنين، ودفع شبهات الزائغين، كما سنقرره إن شاء الله رب العالمين. # وإلى دعاء الجاحدين والكافرين، إلى التزام الحق المبين. # فلتقع البداية الآن بتقرير سبيل الإيقان على أهل الإيمان، فنقول والله ~~المستعان: إن صفا الدين عن الكدر والأقذاء، وانتفض عن شوائب البدع ~~والأهواء، كان حقا على الإمام أن يرعاهم بنفسه ورقبائه، بالأعين الكالئة، ~~فيرقبهم بذاته وأمنائه بالآذان الواعية، ويشارفهم مشارفة الضنين ذخائره، ~~ويصونهم عن نواجم الأهواء، وهواجم الآراء، فإن منع المبادي أهون من قطع ~~التمادي. ### | 270 - # فإن قيل: بم يزيغ عن المنهج المستقيم والدين القويم؟ . # قلنا: إن كان ما انتحله ذلك الزائغ النابغ ردة استتابه. فإن # PageV01P184 # أبى واستقر وأصر، تقدم بضرب رقبته. والقول في المرتد وحكمه يحويه كتاب من ~~كتب الفقه، فمن أراد الاحتواء على التفاصيل، فليطلبه من فن الفقه. # وإن تاب واتهمه الإمام بالاتقاء مع الانطواء على نقيض ما أظهره من ~~التوبة، فسيأتي ذلك عند القول في فروع الدين. ### | 271 - # وإن كان ما صار إليه الناجم بدعة لا تبلغ مبلغ الردة، فيتحتم على الإمام ~~المبالغة في منعه ودفعه، وبذل كنه المجهود في ردعه ووزعه، فإن تركه على ~~بدعته، واستمراره في دعوته يخبط العقائد، ويخلط القواعد، ويجر المحن ويثير ~~الفتن، ثم إذا رسخت البدع في الصدور، أفضت إلى عظائم الأمور، وترقت إلى حل ~~عصام الإسلام. ### | 272 - # فإن قيل: ms069 إذا لم تكن البدعة ردة، وأصر عليها منتحلها، فبماذا يدفع الإمام ~~غائلته؟ . # قلنا: سنعقد بابا في تقاسيم العقوبات ومراتبها، وتفاصيلها ومناصبها، ~~ونعزي كل عقوبة إلى مقتضيها وموجبها، وفيه يتبين المسئول عنه، إن شاء الله ~~عز وجل. # PageV01P185 ### | 273 - # فإن قيل: فصلوا ما يقتضي التكفير، وما يوجب التبديع والتضليل. # قلنا: هذا طمع في غير مطمع ; فإن هذا بعيد المدرك متوعر المسلك، يستمد من ~~تيار بحار علوم التوحيد، ومن لم يحط بنهايات الحقائق، لم يتحصل في التكفير ~~على وثائق، ولو أوغلت في جميع ما يتعلق به أطراف الكلام في هذا الكتاب، ~~لبلغ مجلدات ; ثم لا يبلغ منتهى الغايات. فالوجه البسط في مقصود هذا ~~المجموع، وإيثار القبض فيما ليس من موضوعه، وإحالة الاستقصاء في كل شيء على ~~محله وفنه. ### | 274 - # فهذا كله فيه إذا أخذت البدع تبدو، أو أمكن قطعها، فأما إذا شاعت الأهواء ~~وذاعت، وتفاقم الأمر، واستمرت المذاهب الزائغة، واشتدت المطالب الباطلة ; ~~فإن استمكن الإمام من منعهم لم يأل في منعهم جهدا، ولم يغادر في ذلك قصدا، ~~واعتقد ذلك شوفه الأعظم، وأمره الأهم، وشغله الأطم، فإن الدين أحرى ~~بالرعاية، وأولى بالكلاءة، وأخلق بالعناية، وأجدر بالوقاية، وأليق ~~بالحماية. # PageV01P186 # وقد أدرجنا في أثناء ما قدمناه أن المقصود باهتمام الإمام الدين والنظر ~~في الدنيا تابع على قطع ويقين، باتفاق المسلمين. # فإن لم يتمكن من دفعهم إلا بقتال، واعتناق أهوال، فسنذكر ذلك مستقصى في ~~الباب المشتمل على تقاسيم العقوبات، وضروب السياسات إن شاء الله عز وجل. # وإذا كان الإمام يجر عساكر الإسلام إلى البغاة، ومانعي الزكاة، وأثر ~~امتناعهم عن الطاعة، والخروج عن ربقة الجماعة، آيل إلى فرع الدين، فما يئول ~~إلى أصل الدين أولى باعتناء إمام المسلمين، وسنقول ذلك مشروحا، إن قدر الله ~~عزت قدرته. # فهذا إن كان الإمام مقتدرا على النابغين، وصد الممتنعين المبتدعين. ### | 275 - # وإن تفاقم الأمر، وفات استدراكه الإطاقة، وعسرت مقاومة ومصادمة ذوي البدع ~~والأهواء، وغلب على الظن أن مسالمتهم ومتاركتهم وتقريرهم على مذاهبهم وجه ~~الرأي، ولو # PageV01P187 # جاهرهم لتألبوا وتأشبوا، ونابذوا الإمام، مكاوحين مكافحين، ms070 وسلوا أيديهم ~~عن الطاعة، لخرج تدارك الأمور عن الطوق والاستطاعة، وقد يتداعى الأمر إلى ~~تعطيل الثغور في الديار، واستجراء الكفار، فإن كان كذلك، لم يظهر ما يخرق ~~حجاب الهيبة، ويجر منتهاه عسرا وخيبة، لكن إن أغمد عنهم صوارمه، لم يكف ~~عنهم صرائمه، وعزائمه، وتربص بهم الدوائر، واضطرهم بالرأي الثاقب إلى أضيق ~~المصائر، وأتاهم من حيث لا يحتسبون، وحرص أن يستأصل رؤساءهم، ويجتث ~~كبراءهم، ويقطع بلطف الرأي عددهم، ويبدد في الأقطار المتباينة عددهم، ويحسم ~~عنهم على حسب الإمكان مددهم، ويعمل بمغمضات الفكر فيهم سبل الإيالة، والمرء ~~يعجز لا محالة. # وهذا هين إذا لم يبدوا شراسا، ولم ينصبوا للخروج على الإمام راسا، فإذا ~~وهت قوتهم ووهنت، صال عليهم صولة تكفي # PageV01P188 # شرهم، وسطا بهم سطوة تمحق ضرهم، كما سيأتي تفصيل القول في أنحاء حالة ~~السياسات. ### | 276 - # وإن انتهى الأمر إلى تفاقمهم على الإمام، وخروجهم عن الطاعة، فنذكر ذلك ~~متصلا بباب السياسات، عند تفصيلنا صفوف القتال، وعلى الله الاتكال. ### | 277 - # ولا يخفى على ذي بصيرة أن ما أطلنا القول فيه هو الحيد عن مسلك الحق في ~~قواعد العقائد، فأما اختلاف العلماء في فروع الشريعة، ومسالك التحري ~~والاجتهاد، والتأخي من طرق الظنون، فعليه درج السلف الصالحون، وانقرض صحب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكرمون، واختلافهم سبب المباحثة عن ~~أدلة الشريعة، وهو منة من الله تعالى ونعمة. وقد قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «اختلاف أمتي رحمة» " فلا ينبغي أن يتعرض الإمام لفقهاء # PageV01P189 # الإسلام فيما يتنازعون فيه من تفاصيل الأحكام ; بل يقر كل إمام ومتبعيه ~~على مذهبهم، ولا يصدهم عن مسلكهم ومطلبهم. ### | 278 - # فإن قيل: فما الحق الذي يحمل الإمام الخلق عليه في الاعتقاد إذا تمكن ~~منه؟ . # قلنا: هذا لا يحوي الغرض منه أسطر وأوراق، وفيه تنافس المتنافسون، وكل ~~فئة تزعم أنها الناجية، ومن عداهم هالكون، ولكن إن لم يكن هذا بالهين، ~~فمدرك الحق بين، فمن أراد التناهي في ذلك ليكون قدوة وأسوة استحثته النفس ~~الطلعة على نزف بحور، ومقارعة شدائد وأمور، وطي رقعة ms071 العمر على العناء ~~والمضض والصبر. ### | 279 - # ومن رام اقتصادا، وحاول ترقيا عن التقليد واستبدادا، فعليه بما يتعلق ~~بعلم التوحيد من الكتاب المترجم بالنظامي، فهو محتو على لباب الألباب، وفيه ~~سر كل كتاب، في أساليب العقول. ### | 280 - # والذي أذكره الآن لائقا بمقصود هذا الكتاب أن الذي يحرص الإمام عليه جمع ~~عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين ; قبل أن نبغت الأهواء، وزاغت الآراء ~~; وكانوا - رضي الله عنهم - # PageV01P190 # ينهون عن التعرض للغوامض، والتعمق في المشكلات، والإمعان في ملابسة ~~المعضلات، والاعتناء بجمع الشبهات، وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، ~~ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام ~~بالطاعة حسب الاستطاعة، وما كانوا ينكفون - رضي الله عنهم - عما تعرض له ~~المتأخرون عن عي وحصر، وتبلد في القرائح. هيهات، قد كانوا أذكى الخلائق ~~أذهانا، وأرجحهم بيانا، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات داعية الغوايات، ~~وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون، ~~وإليه مدفوعون. فإن أمكن حمل العوام على ذلك، فهو الأسلم، ولما قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة، الناجي ~~منها واحدة» " فاستوصفه الحاضرون الفرقة الناجية فقال: «هم الذين كانوا على ~~ما أنا عليه وأصحابي» . ونحن على قطع واضطرار من عقولنا نعلم أنهم ما كانوا ~~يرون الخوض في الدقائق، ومضايق الحقائق، ولا كانوا يدعون إلى التسبب إليها، ~~بل كانوا يشتدون على من يفتتح الخوض فيها. # PageV01P191 ### | 281 - # والذي يحقق ذلك أن أساليب العقول لا يستقل بها إلا الفذ الفرد المرموق ~~الذي تثنى عليه الخناصر، ويشير إليه الأصاغر والأكابر، ثم هو على أغرار ~~وأخطار، إن لم يعصمه الله. فكيف يسلم من مهاوي الأفكار الغر الغبي، والحصر ~~العيي؟ وكيف الظن بالعوام إذا اشتبكوا في أحابيل الشبهات، وارتبكوا في ~~ورطات الجهالات؟ . ### | 282 - # فليجعل الإمام ما وصفناه الآن أكبر همه ; فهو محسمة الفتن، ومدعاة إلى ~~استداد العوام على ممر الزمن، فإن انبثت في البرية غوائل البدع، واحتوت على ~~الشبهات أحناء الصدور، ونشر دعاة الضلالة أعلام الشرور، فلو ms072 تركوا وقد أخذت ~~منهم الشبهات مأخذها، لضلوا وارتكسوا، وذلوا وانتكسوا، فالوجه - والحالة ~~هذه - أن يبث فيهم دعاة الحق، ويتقدم إلى المستقلين بالحقائق حتى يسعوا في ~~إزاحة الشبهات بالحجج # PageV01P192 # والبينات، ويتناهوا في بلوغ قصارى الغايات، وإيضاح الدلالات، وارتياد ~~أوقع العبارات، ويدرءوا أصحاب الضلالات فيجتمع انحسام كلام الزائغين، وظهور ~~دعوة المتوحدين، وإيضاح مسالك الحق المبين. # وحكم الزمان الذي نحن فيه ما ذكرناه الآن، والله المستعان. ### | 283 - # وهذه تفاصيل من أحق ما يتعين على الإمام الاعتناء به، وقد يختلف نظره في ~~البلاد على حسب تباين أحوال العباد، فيرى في بعضها الحمل على مذاهب ~~السابقين، وفي بعضها حمل دعاة الحق على إبداء مسالك الصدق، وهذا مغاص يهلك ~~فيه الأنام بزلة الإمام، وقد اتفق للمأمون # PageV01P193 # وكان في أمجد الخلفاء وأقصدهم - خطة ظهرت هفوته فيها، وعسر على من بعده ~~تلافيها، فإنه رأى تقرير كل ذي مذهب على رأيه، فنبغ النابغون، وزاغ ~~الزائغون، وتفاقم الأمر وتطوق خطبا هائلا، وانتهى زلله وخطله، إلى أن سوغ ~~للمعطلة أن يظهروا آراءهم، ورتب مترجمين ليردوا كتب الأوائل إلى لسان ~~العرب، وهلم جرا، إلى أحوال يقصر الوصف عن أدناها. # ولو قلت: إنه مطالب بمغبات البدع والضلالات، في الموقف الأهول في ~~العرصات، لم أكن مجازفا. ### | 284 - # فالذي تحصل مما سلف بعد الإطناب، ومجاوزة الاقتصاد إلى الإسهاب، أن ~~التعرض لحسم البدع من أهم ما يجب على الإمام # PageV01P194 # الاعتناء به، وقد قدمت في وجه الانتداب لذلك ما فيه مقنع وبلاغ. # وجميع ما ذكرته قسم واحد فيما يتعلق بأصل الدين، وهو حفظه على أهله. ### | 285 - # والقسم الثاني في أصل الدين: السعي في دعاء الكافرين إليه فأقول: قد أيد ~~الله عزت قدرته الدين بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، وحفه بالقوة ~~والعدة والشوكة والنجدة، والإمام القوام على أهل الإسلام مأمور باستعمال ~~منهاج الحجاج في أحسن الجدال، فإن نجع، وإلا ترقى إلى أعمال الأبطال ~~المصطلين بنار القتال، فللدعاء إلى الدين الحق مسلكان: أحدهما: الحجة ~~وإيضاح المحجة. # والثاني: الاقتهار بغرار السيوف، وإيراد الجاحدين # PageV01P195 # الجاهدين مناهل الحتوف. # والمسلك الثاني مرتب على الأول ms073 ; فإن بلغ الإمام تشوف طوائف من الكفار ~~إلى قبول الحق لو وجدوا مرشدا، أشخص إليهم من يستقل بهذا الأمر من علماء ~~المسلمين، وينبغي أن نتخير لذلك فطنا لبيبا، بارعا أريبا، متهديا أديبا، ~~ينطبق على عرفانه بيانه، ويطاوعه فيما يحاول لسانه، ذا عبارة رشيقة، مشعرة ~~بالحقيقة، وألفاظ رائقة مترقية عن الركاكة، منحطة عن التعمق، وشوارد ~~الألفاظ، مطبقة مفصل المعنى من غير قصور ولا ازدياد، وينبغي أن يكون متهديا ~~إلى التدرج إلى مسالك الدعوة، رفيقا ملقا شفيقا، خراجا ولاجا، جدلا محجاجا، ~~عطوفا رحيما رءوفا. ### | 286 - # فإن لم تنجح الدعوة، وظهر الجحد والنبوة، تطرق إلى # PageV01P196 # استفتاح مسالك النجاح، بذوي النجدة والسلاح، وهذا يتصل الآن بذكر الجهاد، ~~وسيأتي ذلك على قدر مقصود الكتاب في أثناء الأبواب، إن شاء الله عز وجل. # فهذا منتهى الغرض في النظر الكلي في أصول الدين. ### | [فصل نظر الإمام في فروع الدين] # فصل. # نظر الإمام في فروع الدين. ### | 287 - # فأما القول في ذكر تفاصيل نظر الإمام في فروع الدين فهذا مما يتسع فيه ~~الكلام، وتكثر الأقسام، ونحن بعون الله تعالى لا نقصر في التقريب، وتحسين ~~الترتيب، والنظم البديع العجيب، فذو البيان من إذا تبدد المقصد وانتشر، لأم ~~الأطراف وضم النشر، وإذا ضاق نطاق النطق، استطال بعذبة لسانه، وعبر عن غاية ~~المقصود بأدنى بيانه. ### | 288 - # فأقول: قد يبتدر إلى ظن المنتهي إلى هذا الموضع أني أريد بما أفتتحه ~~تفصيل تصرفات الإمام في فروع الشريعة، وليس الأمر كذلك ; فإن الغرض الآن ~~بيان ما يتعلق بالعبادات البدنية، ليتلو القول فيها ما سبق تقريره في أصل # PageV01P197 # الدين، وينتظم أصل الدين بفرعه، وذكر ما يتعلق بالأئمة في المعاملات ~~والتصرفات المالية سيأتي في القسم الثاني المشتمل على ذكر نظر الإمام في ~~أحكام الدنيا. # فنعود إلى المقصود الناجز ; ونقول: ### | 289 - # العبادات البدنية التي تعبد الله بها المكلفين، لا تتعلق صحتها بنظر ~~الإمام، وإذا أقامها المتعبدون على شرائطها وأركانها في أوقاتها وأوانها، ~~صحت ووقعت موقع الاعتداد. وقد زل من شرط في انعقاد الجمعة تعلقها بإذن ~~الإمام. واستقصاء القول ms074 في ذلك مطلوب من علم الشريعة. # فإن قيل: ما وجه ارتباط العبادات بنظر الإمام؟ . ### | 290 - # قلنا: ما كان منها شعارا ظاهرا في الإسلام، تعلق به نظر الإمام. # وذلك ينقسم إلى: ما يرتبط باجتماع عدد كبير، وجم غفير، كالجمع والأعياد ~~ومجامع الحجيج. # PageV01P198 # ما لا يتعلق باجتماع، كالأذان وعقد الجماعات فيما عدا الجمعة من الصلوات. # فأما ما يتعلق بشهود جمع كبير، فلا ينبغي للإمام أن يغفل عنه، فإن الناس ~~إذا كثروا عظم الزحام، وجمع المجمع أخيافا ; وألف أصنافا، خيف في مزدحم ~~القوم أمور محذورة. # فإذا كان منهم ذو نجدة وبأس، يكف عادية إن هم بها معتدون كان الجمع ~~محروسا، ودرأت هيبة الوالي ظنونا وحدوسا، ولذلك أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد فتح مكة أبا بكر - رضي الله عنه - على الحجيج، ثم استمرت ~~تلك السنة في كل سنة، فلم يخل حج عن إمام، أو مستناب من جهة إمام، ولذلك ~~صدر الخلفاء مياسير الأمراء، وذوي الألوية بإقامة الجمع، فإنها تجمع ~~الجماعات، وهي إن لم تصن عرضة الفتن والآفات. # PageV01P199 # فهذا وجه نظر الإمام في الشعار الذي يجمع جمعا كثيرا. ### | 291 - # فأما الشعار الظاهر الذي لا يتضمن اجتماع جماعات، فهو كالأذان وإقامة ~~الجماعات في سائر الصلوات، فإن عطل أهل ناحية الأذان والجماعات، تعرض لهم ~~الإمام، وحملهم على إقامة الشعار، فإن أبوا ففي العلماء من يسوغ للسلطان أن ~~يحملهم عليه بالسيف، ومنهم من لم يجوز ذلك، والمسألة مجتهد فيها، وتفصيلها ~~موكول إلى الفقهاء. ### | 292 - # فأما ما لم يكن شعارا ظاهرا من العبادات البدنية، فلا يظهر تطرق الإمام ~~إليه إلا أن ترفع إليه واقعة فيرى فيها رأيه. # مثل أن ينهى إليه أن شخصا ترك صلاة متعمدا من غير عذر، وامتنع عن قضائها. ~~فقد نرى قتله على رأي الشافعي - رضي الله عنه - أوحبسه وتعذيبه على رأي ~~الآخرين. # فهذا مجموع القول فيما يتعلق بالأئمة من أصل الدين وفروعه. # PageV01P200 ### | [نظر الإمام في الأمور المتعلقة بالدنيا] # [خطة وترتيب] # ب - نظر الإمام في الأمور المتعلقة بالدنيا. ### | خطة وترتيب. ### | 293 - # فأما ما ms075 يتعلق بالأئمة من أحكام الدنيا فنقدم فيه أولا ترتيبا ضابطا يطلع ~~على غرض كلي، ويفيد الناظر العلم بانحصار القضايا المتعلقة بالأئمة، ثم ~~نخوض في إيضاح الأقسام على حسب ما يقتضيه هذا الكتاب، فنقول: # على الإمام بذل كنه الاجتهاد في ابتغاء الازدياد في خطة الإسلام. والسبيل ~~إليه الجهاد ومنابذة أهل الكفر والعناد، وعليه القيام بحفظ الخطة، فالتقسيم ~~الأولي الكلي طلب ما لم يحصل، وحفظ ما حصل. ### | 294 - # والقول في حفظ ما حصل ينقسم إلى حفظه عن الكفار، وإلى حفظ أهله عن ~~التواثب والتغالب، والتقاطع والتدابر والتواصل. # فأما حفظ الخطة عن الكفار، فهو بسد الثغور، وإقامة الرجال على المراصد. ~~على ما سيأتي الشرح عليه. ### | 295 - # وأما حفظ من تحويه الخطة فينقسم إلى ما يتعلق بمراتب الكليات وعلى ما ~~يتعلق بالجزئيات. # PageV01P201 ### | 296 - # فأما ما يتعلق بأمر كلي، فهو نقض بلاد الإسلام عن أهل الغرامة، ~~والمتلصصين والمترصدين للرفاق، فيجب على الإمام صرف الاهتمام إلى ذلك حتى ~~تنتفض البلاد عن كل غائلة، وتتمهد السبل للسابلة. ### | 297 - # وأما ما يرتبط بالجزئيات، فتحصره ثلاثة أقسام: أحدها: فصل الخصومات ~~الثائرة، وقطع المنازعات الشاجرة، وهذا يناط بالقضاة والحكام. # وإنما عددنا ذلك من الجزئيات، فإن الحكومات تنشأ من الآحاد والأفراد، ~~والغوائل من المتلصصين وقطاع الطرق تثبت باجتماع أقوام. # ثم إذا رتب السلطان بحسم موادهم رجالا، لم # PageV01P202 # يثوروا، فيكون ذلك نظرا كليا في كفاية أهم الأشغال. وتصدي القضاة لفصل ~~الخصومات لا يحسم ثوران الخصومة، بل إذا ثارت فصلها الحكام. ### | 298 - # والقسم الثاني: في نظره الجزئي في حفظ المراشد على أهل الخطة. يكون ~~بإقامة السياسات والعقوبات الزاجرة من ارتكاب الفواحش والموبقات. ### | 299 - # والقسم الثالث: القيام على المشرفين على الضياع بأسباب الصون والحفظ ~~والإنقاذ وهذا يتنوع نوعين: أحدهما: بالولاية على من لا ولي له من الأطفال ~~والمجانين في أنفسهم وأموالهم. # والثاني: في سد حاجات المحاويج. ### | 300 - # فهذه جوامع ما يرعى به الإمام من في الخطة. # ثم لا يتأتى الاستقلال بهذا المنصب إلا بنجدة عظيمة تطبق # PageV01P203 # الخطة وتفضل عنها، فتتقاذف إلى بلاد الكفار، والنجدة ms076 بالرجال، ويرتب ~~الرجال بالعدد والأموال. ### | 301 - # والأموال التي تمتد يد الإمام إليها قسمان: أحدها: مالا يتعين مصارفه. # والثاني ما لا يتخصص بمصارف مضبوطة، بل يضاف إلى عامة المصالح. # فأما ما يتعين مصرفه فالزكوات، وأربعة أخماس الفيء، وأربعة أخماس خمس ~~الفيء، وأربعة أخماس خمس الغنيمة. وأربعة أخماس الغنيمة، فهذه الأموال لها ~~مصارف معلومة مستقصاة في كتب الفقه، وقد نرمز إليها في تفصيل الكلام. # وأما المال الذي يعم وجوه الخير، وهو الذي يسميه الفقهاء # PageV01P204 # المرصد للمصالح، فهو خمس خمس الفيء، وخمس خمس الغنيمة، وينضم إليها تركة ~~من مات من المسلمين، ولم يخلف وارثا خاصا، وكذلك الأموال الضائعة التي أيس ~~من معرفة مالكها كما سنذكرها. # فهذه مآخذ الأموال التي يقتضيها الإمام ويصرفها إلى مصارفها. وقد نجز ~~التقسيم المحتوي الضابط على ما يناط بالأئمة من مصالح الدنيا، وقد تقدم ~~استقصاء القول فيما يتعلق به من أمور الدين. ### | 302 - # والآن نرجع إلى تفصيل هذه الأقسام على ما يليق بمقصود هذا الكتاب، وإن ~~تعلقت أطراف الكلام بأحكام فقهية، أحلناها على كتب الفقه، فإنا لم نخض في ~~تأليف هذا وغرضنا تفاصيل الأحكام ; وإنما حاولنا تمهيد الإيالات الكلية. ثم ~~كتب الفقه عتيدة لمن أرادها. ### | 303 - # والعجب لمن صنف الكتاب المترجم بالأحكام السلطانية. # PageV01P205 # حيث ذكر جملا في أحكام الإمامة في صدر الكتاب، واقتصر على نقل المذاهب، ~~ولم يقرن المختار منها بحجاج وإيضاح منهاج به اكتراث، وأحسن ما فيه ترتيب ~~أبواب، وذكر تقاسيم وألقاب، ثم ليس لتقاسيمه صدر عن دراية وهداية إلى درك ~~منشأ الأقسام عن قواعدها وأصولها، وجرى له اختباط وزلل كثير في النقل، ثم ~~ذكر كتبا من الفقه فسردها سردا وطردها على مسالك الفقهاء طردا، ولم يأت بها ~~منقحا موضحا على طرق الفقهاء، فذكر طرفا من كتاب السير، وقتال أهل البغي، ~~وأدب القضاة، وقسم الفيء والغنائم. # ولم أذكر ما ذكرته غايبا ثالبا، بل ذكرته تمهيدا لعذري أن قبضت الكلام في ~~غير مقصود الكتاب، وأحلته على فن الفقه. ### | تفصيل ما أجمله من خطة وترتيب ### | [فصل طلب ما لم يحصل] ms077 # فصل. # طلب ما لم يحصل. ### | 304 - # فأعود الآن إلى تفصيل الأقسام. # فأما الجهاد فيتعلق به أمر كلي، وقد يغفل المتجرد للفقه عنه، فأقول: # PageV01P206 # ابتعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى الثقلين، وحتم على ~~المستقلين بأعباء شريعته دعوتين: إحداهما: الدعوة المقرونة بالأدلة ~~والبراهين، والمقصد منها إزالة الشبهات، وإيضاح البينات، والدعاء إلى الحق ~~بأوضح الدلالات. # والأخرى: الدعوة القهرية المؤيدة بالسيف المسلول على المارقين الذين أبوا ~~واستكبروا بعد وضوح الحق المبين. # فأما البراهين، فقد ظهرت ولاحت ومهدت، والكفار بعد شيوعها في رتب ~~المعاندين، فيجب وضع السيف فيهم، حتى لا يبقى عليها إلا مسلم أو مسالم. ### | 305 - # وقد قال طوائف من الفقهاء: الجهاد من فروض الكفايات، فإذا قام به من فيه ~~كفاية سقط الفرض عن الباقين، وإن تعطل الجهاد حرج الكافة، على تفاصيل ~~معروفة في مسالك الفقه. # PageV01P207 # ثم قالوا: يجب أن ينتهض إلى كل صوب من أصواب بلاد الكفر في الأقطار، عند ~~الاقتدار عسكر جرار في السنة مرة واحدة، وزعموا أن الفرض يسقط بذلك. ### | 306 - # وهذا عندي ذهول عن التحصيل ; فيجب إدامة الدعوة القهرية فيهم على حسب ~~الإمكان، ولا يتخصص ذلك بأمد معلوم في الزمان، فإن اتفق جهاد في جهة، ثم ~~صادف الإمام من أهل تلك الناحية غرة، واستمكن من فرصة، وتيسر إنهاض عسكر ~~إليهم، تعين على الإمام أن يفعل ذلك. # ولو استشعر من رجال المسلمين ضعفا، ورأى أن يهادن الكفار عشر سنين، ساغ ~~ذلك، فالمتبع في ذلك الإمكان لا الزمان. # ولكن كلام الفقهاء محمول على الأمر الوسط القصد في غالب العرف، فإن جنود ~~الإسلام إذا لم يلحقها وهن، ولم يتجاوز عددهم وعددهم المعروف في مستمر ~~العرف، فإذا غزت فرقا # PageV01P208 # أحزابا في أقطار الديار، فكابدوا من الشقاء والعناء ووعثاء الأسفار، ~~ومصادمة أبطال الكفار ما كابدوا، وعضهم السلاح، وفشى فيهم الجراح، وهزلت ~~دوابهم، وتبترت أسبابهم، فالغالب أنهم لا يقوون على افتتاح غزوة أخرى، ما ~~لم يتودعوا سنة، فجرى ما ذكروه على حكم الغالب. # فأما إذا كثر عدد جند الإسلام، واستمكن الإمام من تجهيز جيش ms078 بعد انصراف ~~جيش، فليفعل ذلك جادا مجتهدا، عالما بأنه مأمور بمكاوحة الكفار ما بقي منهم ~~في أقاصي الديار ديار، ثم لا يؤثر لذوي البأس والنجدة من المسلمين ~~الاستئثار، والانفراد والاستبداد بالأنفس في الجهاد، بل ينبغي أن يصدروا عن ~~رأي صاحب الأمر، حتى يكون كالئهم، وردأهم، ومراعيهم من ورائهم، فلا يضيعون ~~في غالب الظنون. # PageV01P209 ### | 307 - # ومما يجب الإحاطة به أن معظم فروض الكفاية مما لا تتخصص بإقامتها الأئمة، ~~بل يجب على كافة أهل الإمكان أن لا يغفلوه، ولا يغفلوا عنه، كتجهيز الموتى، ~~ودفنهم، والصلاة عليهم. # وأما الجهاد فموكول إلى الإمام، ثم يتعين عليه إدامة النظر فيه على ما ~~قدمنا ذكره، فيصير أمر الجهاد في حقه بمثابة فرائض الأعيان، والسبب فيه أنه ~~تطوق أمور المسلمين، وصار مع اتحاد شخصه كأنه المسلمون بأجمعهم، فمن حيث ~~انتاط جر الجنود وعقد الألوية والبنود بالإمام، وهو نائب عن كافة أهل ~~الإسلام، صار قيامه بها على أقصى الإمكان به كصلاته المفروضة التي يقيمها. ### | 308 - # وأما سائر فروض الكفايات، فإنها متوزعة على العباد في البلاد، ولا اختصاص ~~لها بالإمام. نعم. إن ارتفع إلى مجلس # PageV01P210 # الإمام أن قوما في قطر من أقطار الإسلام يعطلون فرضا من فروض الكفايات ~~زجرهم وحملهم على القيام به. # فهذا منتهى ما أردناه في الجهاد. ### | 309 - # ثم القول في كيفية القتال والغنائم والأسرى من النساء والذراري والمقاتلة ~~يستقصى في كتاب السير من كتب الفقه. ### | [فصل حفظ ما حصل] ### | عناية الأمة بالثغور والحصون والقلاع # فصل. # حفظ ما حصل. ### | 310 - # وأما اعتناء الإمام بسد الثغور، فهو من أهم الأمور، وذلك بأن يحصن أساس ~~الحصون والقلاع، ويستذخر لها بذخائر الأطعمة، ومستنقعات المياه، واحتفار ~~الخنادق، وضروب الوثائق، وإعداد الأسلحة والعتاد، وآلات الصد والدفع، ويرتب ~~في كل ثغر من الرجال ما يليق به. ولا ينبغي أن يكثروا فيجوعوا، أو يقلوا ~~فيضيعوا. # والمعتبر في كل ثغر أن يكون بحيث لو أتاه جيش، لاستقل # PageV01P211 # أهله بالدفاع إلى أن يبلغ خبرهم الإمام، أو من يليه من أمراء الإسلام. ~~وإن رأى أن يرتب في ms079 ناحية جندا ضخما يستقلون بالدفع لو قصدوا، ويشنون ~~الغارات على أطراف ديار الكفار، فيقدم من ذلك ما يراه الأصوب والأصلح، ~~والأقرب إلى تحصيل الغرض. والأصح معولا، بعد جده على فضل ربه لا على جده. ### | 311 - # وأما نفض أهل الغرامة من خطة الإسلام، ففيه انتظام الأحكام، ولا تصفو ~~نعمة عن الأقذاء، ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار، ~~فإذا اضطربت الطرق، وانقطعت الرفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي ~~الفساد، ترتب عليه غلاء الأسعار، وخراب الديار، وهواجس الخطوب الكبار، ~~فالأمن والعافية قاعدتا النعم كلها، ولا يهنأ بشيء منها دونها ; فلينتهض ~~الإمام لهذا المهم، وليوكل بذلك # PageV01P212 # الذين يخفون وإذا حزب خطب لا يتواكلون، ولا يتجادلون، ولا يركنون إلى ~~الدعة والسكون، ويتسارعون إلى لقاء الأشرار بدار الفراش إلى النار، فليس ~~للناجمين من المتلصصين مثل أن يبادروا قبل أن يتجمعوا أو يتألبوا، وتتحد ~~كلمتهم، ويستقر قدمهم. ثم يندب لكل صقع من ذوي البأس من يستقل بكفاية هذا ~~المهم. ### | 312 - # وإذا تمهدت الممالك، وتوطدت المسالك، انتشر الناس في حوائجهم، ودرجوا في ~~مدارجهم، وتقاذفت أخبار الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام، وصارت خطة ~~الإسلام كأنها بمرأى منه ومسمع، واتسق أمر الدين والدنيا، واطمأن إلى ~~الأمنة الورى، والإمام في حكم البذرقة في البلاد للسفرة والحاضرة، فليكلأهم ~~بعين ساهرة، وبطشة قاهرة. ### | [فصل الخصومات] ### | 313 - # فأما فصل الخصومات فمن أهم المهمات، ولولاه لتنازع الخلق، وتمانعوا ~~وتدافعوا، فليرتب الإمام لها القضاة، ثم القول في أحكامهم، مستقصى في كتاب ~~مفرد من الفقه. # PageV01P213 ### | 314 - # وأما زجره الغواة، وردع الطغاة، بضروب العقوبات، فنبسط القول فيه قليلا ~~في أحكام الإيالات، فنقول: القول في ذلك ينقسم إلى الزجر بنصب القتال، وإلى ~~إقامة عقوبات ونكال على آحاد من الرجال. فأما القتال، فالقول فيه يتعلق ~~بقتال أهل البغي، وتفصيل صفاتهم، وحالاتهم، ودفعهم عن البلاد التي احتووا ~~عليها بتقديم العذر أولا، وبالمباحثة عما نقموه، وإسعافهم بمناهم، إن دعوا ~~إلى حق، وادعوا على صدق، وإبانة حيدهم عن سنن الصواب، إن عرتهم شائبة ~~الارتياب. # فإن أبوا آذنهم بحرب. ms080 كل ذلك مذكور مشهور. ### | 315 - # ويتعلق القتال بقطاع الطرق والراصدين للطارقين، والمجاهدين بشهر الأسلحة، ~~وذلك مقرر في باب القطاع، بما فيه أكمل إقناع. # وكل من امتنع عن الاستسلام للإمام والإذعان لجريان الأحكام، فإن لم يكن ~~مع الامتناع منعة وشوكة، اقتهر على الطاعة، وموافقة الجماعة. # PageV01P214 # وإن استظهر الممتنعون بشوكة دعوا إلى الطاعة، فإن عادوا فذاك، وإلا صدمهم ~~الإمام بشوكة تفض صدمتهم، وتفل غربهم ومنعتهم. ### | الحكم في أهل البدع ### | 316 - # ومما أحلناه على هذا الفصل مما تقدم: القول في أهل البدع إذا كثروا، ~~فيدعوهم الإمام إلى الحق فإن أبوا زجرهم، ونهاهم عن إظهار البدع، فإن ~~أصروا، سطا بهم عند امتناعهم عن قبول الطاعة، وقاتلهم مقاتلة البغاة، وهذا ~~يطرد في كل جمع يعتزون إلى أهل الإسلام، إذا سلوا أيديهم عن ربقة الطاعة. # وإن ضمنوا للإمام أن لا يظهروا البدع، وعلم الإمام أنهم سيبثون الدعوة ~~سرا، ويجرون إلى عامة الخلق شرا، وإن لم يتظاهروا بها جهرا، فيحرص الإمام ~~أن يظهر منهم على خافية، بعد تقديم الإنذار إليهم، ثم يتناهى في تعزير من ~~كان كذلك. فإن جانبوا الائتلاف، وأبدوا صفحة الخلاف، وتميزوا عن الجماعة، ~~وتجمعوا للخروج عن ربط الطاعة، نصب عليهم القتال إذا امتنعوا، وإن علم أنهم ~~لكثرتهم، وعظم شوكتهم لا يطاقون. # PageV01P215 # فالقول فيهم كالقول في الباغي إذا استحفل شأنه، وتمادى زمانه، وغلب على ~~ظن الإمام أنه لو صادفه، ودافعه بمن معه، لاصطلم الباغي أتباعه وأشياعه، ~~ولم يستفد بلقائه إلا فرط عنائه، واستئصال أوليائه. ### | 317 - # فالوجه أن يداري ويستعد جهده، فإن سقطت منة الإمام بالكلية، فهذا إمام ~~سقطت طاعته، وقد تقدم الكلام في ذلك في صفات الأئمة. ### | 318 - # فهذا بيان القول في مقاتلة فرق المسلمين، وتتمة الكلام فيه أن اجتهاد ~~الإمام إذا أدى إلى حكم في مسألة مظنونة، ودعا إلى موجب اجتهاده قوما ~~فيتحتم عليهم متابعة الإمام، فإن أبوا قاتلهم الإمام، كما قاتل الصديق - ~~رضي الله عنه - مانعي الزكاة، في القصة المعروفة، ثم قتاله إياهم لا يعتمد ~~ظنا، فإنه لا يسوغ تعريض المسلمين للقتل من ms081 الفئتين على ظن وحدس، وتخمين ~~نفس، بل يجب اتباع الإمام قطعا فيما يراه من المجتهدات ; فيرتب القتال على ~~أمر مقطوع به، وهو تحريم مخالفة الإمام في الأمر # PageV01P216 # الذي دعا إليه، وإن كان أصله مظنونا، ولو لم يتعين إتباع الإمام في مسائل ~~التحري لما تأتي فصل الخصومات في المجتهدات، ولاستمسك كل خصم بمذهبه ~~ومطلبه، وبقي الخصماء في مجال خلاف الفقهاء مرتبكين في خصومات لا تنقطع، ~~ومعظم حكومات العباد في موارد الاجتهاد. # قد نجز مقدار غرضنا من نصب القتال على المارقين المنافقين على الإمام. ### | [العقوبات التي يقيمها على آحاد الناس] ### | 319 - # فأما العقوبات التي يقيمها على آحاد الناس فهي منقسمة إلى الحدود ~~والتعزيرات. # فأما الحدود فاستقصاء القول في مقتضياتها، وتفاصيل المذاهب في كيفياتها، ~~وإقاماتها في أوقاتها، وسبيل إثباتها، وذكر مسقطاتها مذكورة في كتب الفقه، ~~وهي بجملتها مفوضة إلى الأئمة، والذين يتولون الأمور من جهتهم. # والقصاص في النفس والطرف. فإن كان خالص حق الآدمي ; فليس لمستحقيه ~~استيفاؤه دون الرفع إلى السلطان. # PageV01P217 ### | 320 - # وأما التعزيرات، فهي أيضا مفصلة في كتب الفقه في أبواب متعلقات بموجبات ~~لها وأسباب: فمنها ما يكون حقا للآدمي يسقط بإسقاطه، ويستوفى بطلبه، ومنها ~~ما يثبت حقا لله تعالى لارتباطه بسبب هو حق الله. ثم رأى الشافعي - رحمه ~~الله - أن التعزيرات لا تتحتم تحتم الحدود، فإن الحدود إذا ثبتت فلا خيرة ~~في درئها، ولا تردد في إقامتها، والتعزيرات مفوضة إلى رأي الإمام. فإن رأى ~~التجاوز والصفح تكرما، فعل، ولا معترض عليه، فيما عمل. وإن رأى إقامة ~~التعزير تأديبا وتهذيبا فرأيه المتبع، وفي العفو والإقالة متسع. # والذي ذكرناه ليس تحيزا مستندا إلى التمني، ولكن الإمام يرى ما هو ~~الأولى، والأليق والأحرى، فرب عفو هو أوزع لكريم من تعزير، وقد يرى ما صدر ~~عنه عثرة هي بالإقالة حرية، والتجاوز عنها يستحث على استقبال الشيم ~~المرضية، ولو يؤاخذ الإمام الناس بهفواتهم، لم يزل دائبا في عقوباتهم، وقد ~~قال المصطفى # PageV01P218 # - عليه السلام -: " «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» " ولو تجاوز عن عرم ~~خبيث لا يزداد بالتجاوز عنه ms082 إلا تماديا واستجراء، وتهجما واعتداء، فليس له ~~الصفح والحالة هذه. ### | 321 - # ثم التعزيرات لا تبلغ الحدود على ما فصله الفقهاء. وما يتعين الاعتناء به ~~الآن، وهو مقصود الفصل أن أبناء الزمان ذهبوا إلى أن مناصب السلطنة ~~والولاية لا تستد إلا على رأي مالك - رضي الله عنه - وكان يرى الازدياد على ~~مبالغ الحدود في التعزيرات، ويسوغ للوالي أن يقتل في التعزير. ونقل النقلة ~~عنه أنه قال: للإمام أن يقتل ثلث الأمة في استصلاح ثلثيها. ### | 322 - # وذهب بعض الجهلة عن غرة وغباوة أن ما جرى في صدر الإسلام من التخفيفات، ~~كان سببها أنهم كانوا على قرب عهد # PageV01P219 # بصفوة الإسلام، وكان يكفي في ردعهم التنبيه اليسير والمقدار القريب من ~~التعزير، وأما الآن، فقد قست القلوب، وبعدت العهود، ووهنت العقود، وصار ~~متشبث عامة الخلق الرغبات والرهبات، فلو وقع الاقتصار على ما كان من ~~العقوبات، لما استمرت السياسات. ### | 323 - # وهذا الفن قد يستهين به الأغبياء، وهو على الحقيقة تسبب إلى مضادة ما ~~ابتعث به سيد الأنبياء. # وعلى الجملة من ظن أن الشريعة تتلقى من استصلاح العقلاء، ومقتضى رأي ~~الحكماء، فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة. # ولو جاز ذلك، لساغ رجم من ليس محصنا إذا زنا في زمننا هذا لما خيله هذا ~~القائل، ولجاز القتل بالتهم في الأمور الخطيرة، ولساغ إهلاك من يخاف غائلته ~~في بيضة الإسلام، إذا ظهرت المخايل والعلامات، وبدت الدلالات، ولجاز ~~الازدياد على مبالغ الزكوات عند ظهور الحاجات. # PageV01P220 ### | 324 - # وهذه الفنون في رجم الظنون، لو تسلطت على قواعد الدين، لاتخذ كل من يرجع ~~إلى مسكة من عقل فكره شرعا، ولانتحاه ردعا ومنعا، فتنتهض هواجس النفوس حالة ~~محل الوحي إلى الرسل. ثم يختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة ; فلا يبقى ~~للشرع مستقر وثبات. # هيهات هيهات. ثقل الاتباع على بعض بني الدهر، فرام أن يجعل عقله المعقول ~~عن مدارك الرشاد، في دين الله أساسا، ولاستصوابه راسا، حتى ينفض مذرويه، ~~ويلتفت في عطفيه اختيالا وشماسا. # فإذا لا مزيد على ما ذكرناه في مبالغ ms083 التعزير. ### | 325 - # فإن سطا معتد، وتعدى مراسم الشرع، فلير ذلك حيدا عن دين المصطفى - صلى ~~الله عليه وسلم - على القطع، ومن اعتدى عالما أنه # PageV01P221 # ارتكب ذنبا واقتحم حوبا، فهو عاص غير آيس من رحمة الله تعالى. # والويل كل الويل لمن يقترف الكبائر، ويراها بمقتضى الاستصواب الذي عن له ~~عن دين المصطفى. # فالحق المتبع ما نقله الأثبات عن سيد الورى، وما سواه محال، وماذا بعد ~~الحق إلا الضلال؟ . # وما أقرب هذا المسلك من عقد من يتخذ سنن الأكاسرة والملوك المنقرضين عمدة ~~الدين، ومن تشبث بهذا، فقد انسل عن ربقة الدين انسلال الشعرة عن العجين. ### | 326 - # وإنما أرخيت في هذا الفصل فضل زمامي ; وجاوزت حد الاقتصاد في كلامي، لأني ~~تخيلت انبثاث هذا الداء العضال في صدور الرجال، فقد حكى لي بعض المرموقين ~~بالعقل الراجح حكاية، فقال: دخل بعض العلماء على بعض الملوك، فسأله الملك ~~عن الوقاع # PageV01P222 # في نهار رمضان، فقال مجيبا: على من يصدر ذلك منه صوم شهرين متتابعين. # فقيل للعالم - بعد انفصاله عن المجلس - أليس إعتاق الرقبة مقدما على ~~الصيام في حق المقتدر عليه؟ والسائل كان ملك الزمان الذي تركع له التيجان. ~~فقال: لو ذكرت له الإعتاق لاستهان بالوقاع في رمضان، ولأعتق عبدا على الفور ~~في المكان. فإذا علمت أنه يثقل عليهم صوم شهرين تباعا ذكرته ليفيده ارعواء ~~وامتناعا. ### | 327 - # وأنا أقول: إن صح هذا من معتز إلى العلماء، فقد كذب على دين الله، ~~وافترى، وظلم نفسه، واعتدى، وتبوأ مقعده من النار في هذه الفتوى، ودل على ~~انتهائه في الخزي إلى الأمر الأقصى، ثكلته أمه لو أراد مسلكا رادعا، وقولا ~~وازعا # PageV01P223 # فاجعا، لذكر ما يتعرض لصاحب الواقعة من سخط الله، وأليم عقابه، وحاق ~~عذابه، وأبان له أن الكفارات، وإن أتت على ذخائر الدنيا، واستوعبت خزائن من ~~غبر ومضى، لما قابلت هما بخطيئة في شهر الله المعظم وحماه المحرم. وذكر له ~~أن الكفارات لم تثبت ممحصات للسيئات، وكان يغنيه الحق عن التصريف والتحريف. # ولو ذهبنا نكذب للملوك ونطبق أجوبة مسائلهم على حسب ms084 استصلاحهم طلبا لما ~~نظنه من فلاحهم لغيرنا دين الله بالرأي، ثم لم نثق بتحصيل صلاح وتحقيق ~~نجاح، فإنه قد يشيع في ذوي الأمر أن علماء العصر يحرفون الشرع بسببهم، فلا ~~يعتمدونهم، وإن صدقوهم. فلا يستفيدون من أمرهم إلا الكذب على الله، وعلى ~~رسوله، والسقوط عن مراتب الصادقين، والالتحاق بمناصب الممخرقين المنافقين. # PageV01P224 ### | 329 - # فإن قيل: أليس روي أن حد الشرب كان أربعين جلدة في زمن أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - ثم رأى عمر - رضي الله عنه - لما تتابع الناس في شرب الخمر، ~~واستقلوا ذلك القدر من الجلد أن يجلد الشارب ثمانين، وساعده علي بن أبي ~~طالب - كرم الله وجهه. # قلنا: هذا قول من يأخذ العلم من بعد! ! ! ليعلم هذا السائل أن عقوبة ~~الشارب لم تثبت مقدرة محدودة في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل ~~«روي أنه رفع إلى مجلسه شارب بعد تحريم الخمر، فأمر الحاضرين بأن يضربوه ~~بالنعال، وأطراف الثياب، ويبكتوه، ويحثوا التراب عليه» . # ثم رأى أبو بكر الجلد، فكان يجلد أربعين. مجتهدا غير بان على توقيف ~~وتقدير في الحد، ثم رأى عمر ما رأى. # PageV01P225 # وقد قال علي - رضي الله عنه -: " لا أحد رجلا فيموت، فأجد في نفسي منه ~~شيئا من أن الحق قتله إلا شارب الخمر: فإنه شيء رأيناه بعد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ". # فكأن عقوبة الشارب تضاهي التعزيرات المفوضة إلى رأي الأئمة في مقدارها. ~~وإن كان لا يسوغ الصفح عنها. # فكيف يستجيز السائل أن يتخذ قصة مشكلة على الصحابة ملاذه في تغيير دين ~~المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. # وإذ قضيت من هذا الفصل وطري فأقول بعده: ### | 330 - # لست أرى للسلطان اتساعا في التعزير إلا في إطالة الحبس، وهو صعب الموقع ~~جدا، وليس الحبس ثابتا في # PageV01P226 # حد، حتى يحط التعزير عنه، ويسوغ للقاضي أن يحبس في درهم أمدا بعيدا إلى ~~اتفاق القضاء أو الإبراء. # وقد منع بعض الفقهاء تبليغ مدة الحبس في التعزير سنة نظرا إلى مدة ~~التغريب في حد الزنا، وهذا فاسد عندي ; لما ms085 قدمت ذكره ; وليس التغريب حدا ~~كاملا فينقص عليه تعزير، وإنما هو جزء من حد فليتفطن لذلك الناظر. ### | 331 - # وقد كنت أحلت على هذا الفصل شيئا من أمور الدين، وهذا أوان الوفاء به، ~~فأقول: إن نبغ في الناس داع في الضلالة، وغلب على الظن أنه لا ينكف عن ~~دعوته ونشر غائلته، فالوجه أن يمنعه وينهاه ويتوعده لو حاد عن ارتسام أمره ~~وأباه، فلعله ينزجر وعساه، ثم يكل به موثوقا به حيث لا يشعر به ولا يراه، ~~فإن عاد إلى ما عنه نهاه، بالغ في تعزيره، وراعى حد الشرع، وتحراه، ثم يثني ~~عليه الوعيد والتهديد، ويبالغ في مراقبته من حيث لا يشعر، ويرشح مجهولين # PageV01P227 # يجلسون إليه على هيئات متفاوتات، ويعتزون إلى مذهبه، ويسترشدونه، ~~ويتدرجون إلى التعلم والتلقي منه. فإن أبدى شيئا أطلعوا السلطان عليه ; ~~فيتسارع إلى تأديبه، والتنكيل به، وإذا تكرر عليه ذلك، أوشك أن يمتنع ~~ويرتدع. # ثم إن انكف، فهو الغرض، وإن تمادى في دعواته أعاد عليه السلطان تنكيله ~~وعقوباته، فتبلغ العقوبات مبالغ تربي على الحدود، وإنما يتسبب إلى تكثير ~~العقوبات بأن يبادره بالتأديب مهما عاد، وإذا تخللت العقوبات في أثناء ~~موجباتها، تعددت وتجددت، فلا يبرأ جلده عن تعزير وجلدات نكال، حتى تحل به ~~عقوبة أخرى. ### | 332 - # والذي يبديه أصحاب السياسات أن التعزير المحطوط عن الحد لا يزع ولا يدفع، ~~وغايتهم أن يزيدوا على مواقف الشريعة، ويتعدوها ليتوصلوا بزعمهم إلى أغراض ~~رأوها في الإيالة. # PageV01P228 # والمسلك الذي مهدناه يتضمن الزجر الأعظم، والردع الأتم، واستمرار ~~العقوبات، مع تقدير المعاودات. فإن انكف بالقليل - والكثير محرم - فلا أرب ~~في تعذيب مسلم، وإن أبى عدنا له. # وإنما ينسل عن ضبط الشرع من لم يحط بمحاسنه، ولم يطلع على خفاياه ~~ومكامنه، فلا يسبق إلى مكرمة سابق إلا ولو بحث عن الشريعة، لألفاها أو خيرا ~~منها في وضع الشرع. # ولو لم يأمن الإمام مع التناهي في المراقبة والمثابرة والمواظبة غائلة ~~المبتدع أطال حبسه وحصر نفسه. ### | 333 - # فهذا مسلك السداد، ومنهج الرشاد والاقتصاد، وما عداه سرف ومجاوزة حد، ~~وغلو ms086 وعتو، والأنبياء - عليهم السلام - مبعوثون بحسم المراسم، والدعاء إلى ~~قصد الأمور. ### | 334 - # وما يتعلق بما نحن فيه أن المتعلقين بضبط الأحوال على حكم الاستصواب في ~~كل باب، يرون ردع أصحاب التهم قبل إلمامهم بالهنات، والسيئات، والشرع لا ~~يرخص في ذلك. # PageV01P229 # والذي انتزعت من الشرع ما يقرب سبل تحصيل الغرض في هذا: فمن آداب الدين ~~أن لا يقف الإنسان في مواقف التهم، فالوجه أن ينهى الإمام من يتصدى لها عن ~~ذلك على جزم وبت، فإن عاد عاقبه على مخالفته أمر سلطانه، واستجرائه على ~~والي زمانه، فيكون هذا تطرقا إلى الردع على موجب الشرع. ### | 335 - # ومما كنت أحلته من الأمور الدينية على هذا الفصل القول في توبة الزنديق، ~~وقد ذهبت طوائف من سلف هذه الأمة إلى أنه لا تقبل توبته بعدما ظهرت زندقته، ~~فإن من عقده أن يظهر خلاف ما يضمر، ويتقي الناس، ويبدي الوفاق ; ويضمر ~~الالتباس فالذي أبداه من توبته عين مذهبه في زندقته. # PageV01P230 ### | 336 - # وهذا خارج عندي عن قاعدة الشريعة ; فإني لا أعرف خلافا أن عسكرا من عساكر ~~الإسلام إذا أناخوا بساحة الكفار، فلما أظلتهم السيوف، وعاينوا مخايل ~~الحتوف، نطقوا بكلمتي الشهادة، فيحكم بإسلامهم، وإن تحققنا أنهم لم يلهموا ~~الهداية لدين الحق الآن. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يداري المنافقين مع القطع وتواتر ~~الوحي بنفاقهم وشقاقهم، وهو القدوة والأسوة، فالوجه إذا في كف شر ما قدمنا ~~ذكره في دفع عادية الداعي إلى بدعته، والتسبب إلى الحبس بالمسلك المذكور ~~لائق بالزنادقة. # فهذا منتهى القول في ذلك، ولا يدرك ما ضمناه هذا الفصل من الجمع بين ~~مقاصد ذوي الإيالة وموافقة الشريعة، إلا من وفر حظه من العلوم، ودفع إلى ~~مضائق الحقائق، والله المشكور على الميسور والمعسور، إنه الودود الغفور. # انتهى مرامنا فيما يتعلق بالعقوبات من أحكام الإيالات. # PageV01P231 # القيام على المشرفين على الضياع. ### | القيام على المشرفين على الضياع ### | 337 - # ولم يبق مما رسمناه في حفظ من في الخطة إلا القيام على المشرفين على ~~الضياع، وقد ذكرنا أن ذلك ينقسم إلى الولايات، ms087 وإلى سد الحاجات، وإنقاذ ذوي ~~الفاقات. # فأما الولاية، فالسلطان ولي من لا ولي له من الأطفال والمجانين، وهي ~~تنقسم إلى ولاية الإنكاح وحفظ الأموال. # واستيفاء القول في الولايتين من فن الفقه، فليطلبه طالبه من المشتغلين ~~به. ### | 338 - # وأما سد الحاجات والخصاصات فمن أهم المهمات، ويتعلق بهذا ضرب من الكلام ~~الكلي، وقد لا يلفى مجموعا في الفقه. # فأقول: إذا بنينا على غالب الأمر في العادات، وفرضنا انتفاء الزمان عن ~~الحوائج والعاهات، وضروب الآفات، ووفق # PageV01P232 # المثرون الموسرون لأداء الزكوات، انطبقت فضلات أموال الأغنياء على أقدار ~~الحاجات. # وإن قدرت آفة وأزم وقحط وجدب، عارضه تقدير رخاء في الأسعار تزيد معه ~~أقدار الزكوات على مبالغ الحاجات، فالوجه استحثاث الخلق بالموعظة الحسنة، ~~على أداء ما افترض الله عليهم، في السنة، فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك ~~فقراء محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم، فحق على الإمام أن يجعل الاعتناء ~~بهم من أهم أمر في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء ~~المسلمين في ضر، فإن انتهى نظر الإمام إليهم، رم ما استرم من أحوالهم، من ~~الجهات التي سيأتي عليها شرحنا إن شاء الله عز وجل. # PageV01P233 ### | 339 - # فإن لم يبلغهم نظر الإمام، وجب على ذوي اليسار والاقتدار البدار إلى رفع ~~الضرار عنهم، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين، حرجوا من عند آخرهم، وباءوا ~~بأعظم المآثم، وكان الله طليبهم وحسيبهم. # وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر، فلا يبيتن ليلة شبعان وجاره طاو» " وإذا كان تجهيز الموتى من فروض ~~الكفايات، فحفظ مهج الأحياء، وتدارك حشاشة الفقراء أتم وأهم. ### | 340 - # ومقصود هذا الفصل ما نذكره الآن: فلو بلي أهل بلد بقحط، وكشرت الشدة عن ~~أنيابها، وبثت المنون بدائع أسبابها، وعلم من معه بلاغ أنهم لو صفروا ~~أيديهم، وفرقوا ما معهم، لافتقروا افتقارهم، فلا نكلفهم أن # PageV01P234 # ينهوا أنفسهم إلى الضرر الناجز، والافتقار العاجل ; فإنهم لو فعلوا ذلك ~~هلكوا مع الهالكين، ولو تماسكوا أوشك أن يبقوا، ويبقى ببقائهم من نفضات ~~أموالهم ms088 مضرورون، وغايتنا أن نذكر الأصلح على أقصى الإمكان، وما قدر الله ~~أن يكون كان. ### | 341 - # ولا يبين ما نحاوله إلا بذكر مسألة على الأحكام تخالف بظاهرها ما ~~افتتحناه: فلو فرضنا مصطحبين في الأسفار في بعض القفار، وانتهى أحدهما إلى ~~المخمصة، ومع الثاني ما يبلغه في غالب الظن إلى العمران، فيتعين عليه، ~~والحالة هذه أن يسد رمق رفيقه، ويكتفي ببلاغ يكفيه في طريقه. ولا نكلف ~~الموسرين في هذه الشدة أن ينتهوا إلى كفاية يومهم، ويفرقوا باقي أموالهم ~~على المحاويج، ويرقبوا أمر الله في غدهم، ولا يسوغ لهم أن يغفلوا عن أمور ~~المساكين أصلا، ويتركوهم يموتون هزلا. # والأمر في الرفيقين مفروض فيه إذا قرب وصولهما إلى البلدان # PageV01P235 # والعمران، ولا يعوز فيها سداد. وامتداد آماد القحط لا يفضي إلى منتهى ~~العلوم. # وهذا يناظر ما لو كان الرفيقان في متاهات لا يدريان متى تنتهي بهما إلى ~~العمران، فلا نكلف من معه زاد واستعداد أن يؤثر على نفسه، ويجتزئ بحاجة ~~يومه أو وقته. ### | 342 - # فإذا تقرر ما ذكرناه، فالوجه عندي إذا ظهر الضر، وتفاقم الأمر، وأنشبت ~~المنية أظفارها، وأشفى المضرورون، واستشعر الموسرون، أن يستظهر كل موسر ~~بقوت سنة، ويصرف الباقي إلى ذوي الضرورات، وأصحاب الخصاصات، ولست أقول أن ~~منقرض السنة يستعقب انجلاء المحن، وانفصال الفتن على علم أو ظن غالب. ولكن ~~لا سبيل إلى ترك الفقراء على ضرهم، ولا نعرف توفيقا في الشرع ضابطا ينتهي ~~إليه فيما يبذله الموسر، وفيما يبقيه، ورأينا في السنة قواعد شرعية تشير ~~إلى هذه القضية، وفي اعتبار السنة أيضا حالة ظنية عقلية. # PageV01P236 ### | 343 - # فأما أمارات الشرع فمن أقربها تعلق وظيفة الزكاة بانقضاء السنة، «وكان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع لنسائه في أوقات الإمكان قوت سنة» . # فأما الأمر العقلي، فقد يظن أن الأحوال تتبدل في انقضاء السنة، فإنها مدة ~~الغلات، وأمد الثمرات، وفيها تحول الأحوال، وتزول وتعتقب الفصول. ثم ~~الباذلون في بذلهم على غرر وخطر. ولكن ما ذكرناه أقصد معتبر، وما ذكرته ~~بيان ما يسوغ، وليس أمرا مجزوما، ولا ms089 حكما محتوما، فمن طابت نفسه بإيثار ~~أخيه على نفسه، فالإيثار من شيم الصالحين، وسير الموفقين. # فهذا منقرض القول في الأمور الجزئية، التي تتعلق بالإمام في حفظ من في ~~خطة الإسلام. ### | 344 - # فإن قيل: لم تذكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # قلنا: الشرع من مفتتحه إلى مختتمه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وما ~~يتعلق بالإمام فيه ما فصلناه، والدعاء إلى المعروف والنهي # PageV01P237 # عن المنكر يثبت لكافة المسلمين، إذا قدموا بثبت وبصيرة، وليس إلى الرعية ~~إلا المواعظ والترغيب والترهيب، من غير فظاظة وملق. ومن ظهر منه الصدق ~~والديانة، وتجرد لله تعالى، وأوضح الحق وأبانه، على تخضع لله واستكانة، ثم ~~زان برفقه شانه، وما دخل الرفق أمرا إلا زانه، نجع كلامه في المستكبرين في ~~زمانهم، المتولين بأركانهم فإن لم يرعوا ; لم يكن للرعية المكاوحة، وشهر ~~الأسلحة، ولكنهم ينهون الأمور إلى الولاة، ثم إنهم يرون رأيهم في فنون ~~الردع، كما سبق تفصيلها. ### | 345 - # فإن قيل: أليس الولاة يعتنون بتقويم المكاييل والموازين؟ قلنا: إن تولى ~~السلطان أبوابا في الأمر بالمعروف، فلا معترض عليه فيها، ولكن لا يختص به ~~إلا ما يتعلق بالسياسة. ولو تصدى للأمر بالتقويم، والجريان على المنهج ~~القويم، والمسلك # PageV01P238 # المستقيم آحاد من المسلمين محتسبين، كانوا غير ممنوعين، ولا مدفوعين. نعم ~~يتعلق بالوالي أن يكلف المتهم بالتطفيف عرض ميزانه ومكياله، ولا يثبت ذلك ~~لمن ليس مأمورا من جهة السلطان، وهذا يدخل تحت ما تقدم من فصل العقوبات، ~~وردع المتهمين بما لا يرضى من الخيالات، فلم أر إفراد الأمر بالمعروف ~~بالذكر. # أما تفاصيل القول في الأمر بالمعروف فإنه يحويه كتاب يليق بالفقهاء أن ~~يستقصوه، فوكلوه إلى المتكلمين، كما وكلوا إليهم التوبة، وتفاصيل الأقوال ~~في الخروج عن المظالم، ولو حاولت قولا قريبا في الأمر بالمعروف وسيطا، لأبر ~~على قدر هذا الكتاب، ولم يكن حاويا بسيطا. # انتهى القول في الكلي والجزئي، مما يسوس به الإمام الرعية. # PageV01P239 ### | [نجدة الإمام وعدته] # [خطة وترتيب] # ج - نجدة الإمام وعدته. ### | خطة وترتيب. ### | 346 - # والآن أبتدئ ذكر نجدة الإمام وعدته: ليس يخفى على ms090 ذي بصيرة أن الإمام ~~يحتاج في منصبه العظيم، وخطبه الشامل العميم، إلى الاعتضاد بالعدد والعتاد، ~~والاستعداد بالعساكر والأجناد، فإنه متصد لحراسة البيضة، وحفظ الحريم، ~~والتشوف إلى بلاد الكفار ; فيجب أن يكون عسكره معقودا، يرون التطلع إلى ~~أوامره شوفا مقصودا ومطمحا معمودا، ولا يجوز أن يكون معوله المتطوعة الذين ~~لا يتنشئون إذا ندبوا مبادرين، حتى يتأهبوا، ويستعدوا ويتألبوا ولن تقوم ~~الممالك إلا بجنود مجندة، وعساكر مجردة، هم مشرئبون للانتداب، مهما ندبوا، ~~بعزائم جامعة، وآذان متشوفة إلى صوت هائعة، وهؤلاء هم المرتزقة # PageV01P240 # لا يشغلهم عن البدار دهقنة وتجارة، ولا يلهيهم ترفة ولا عمارة. ### | 347 - # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زمنه لا يدون ديوانا، ولا يجرد ~~للجهاد أعوانا، إذ كان المهاجرون والأنصار يخفون إلى ارتسام أوامره من غير ~~أناة واستئخار، وانقرض على ذلك زمن خلافة الصديق - رضي الله عنه - ثم لما ~~انتهت النوبة إلى عمر بن الخطاب جند الجنود، وعسكر العساكر، ودون الدواوين، ~~وصارت سيرته وإيالته أسوة للعالمين إلى يوم الدين. ### | 348 - # فإذا تقرر أنه يتحتم استظهار الإمام بالأعوان والأنصار فلابد من ~~الاستعداد بالأموال. وقد ذكرنا أن الأموال التي يجمعها ويجبيها ويطلبها ~~وينتحيها، تنقسم إلى ما يتعين مصرفه، وإلى ما يعم انبساطه على وجوه ~~المصالح. # PageV01P241 # وتفاصيل [الأقوال] في الأموال مذكورة في كتب الفقه. ولكني أذكر تراجمها، ~~وأبسط القول قليلا فيما يتعلق بالآيات الكبيرة منها. # فمن الأموال المختصة بمصارف الزكوات، وهي مصروفة إلى الأصناف الموصوفين ~~في كتاب الله، وسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأوصاف. # والقول في أقدارها ومحالها، وفي مصارفها مذكور في كتابين من الفقه، يعرف ~~أحدهما بكتاب الزكاة، والثاني بكتاب قسم الصدقات. # ومنها أربعة أخماس الفيء. والفيء مال كافر عثر عليه من غير إيجاف خيل ~~وركاب، ويدخل تحته الجزية، والأخرجة عند من يراها من العلماء، وأموال ~~المرتدين، وما يتخلى عنه الكفار من غير قتال مذعورين أو مختارين. # PageV01P242 # فأربعة أخماس ما وصفناه تختص في ظاهر المذهب بالمرتزقة والجند المترتبين ~~في الإسلام. والقول فيه وفي خمس الغنيمة، وخمس الفيء، مذكور ms091 في كتاب مفرد ~~في فن الفقه. ### | 349 - # وأما المال العام، فهو مال المصالح، وهو خمس خمس الفيء، وخمس خمس ~~الغنيمة، وما يخلفه مسلم ليس له وارث خاص، ويلتحق بالمرصد للمصالح مال ضائع ~~للمسلمين قد تحقق اليأس من معرفة مالكه ومستحقه. # فهذه الأموال التي تحويها يد الإمام، ومصارفها مقررة عند الفقهاء، وقد ~~كثر فيها الاختلاف، ومسالك الظنون، والإمام يرى فيه رأيه، وإن اعتاصت مسألة ~~أجال فيها فكره، وردد نظره، واستضاء برأي العلماء، فإذا غلب ظنه مضى قدما، ~~وأمضى مقتضى رأيه. # ولا يليق بهذا الكتاب التعرض لتفاصيل المسائل الظنية مع اعتناء العلماء ~~بتصنيفها وجمعها وتأليفها. ### | 350 - # فالذي أذكره في الأموال ثلاثة أشياء تفتقر إليها الإيالة لا محالة: # PageV01P243 # أحدها: ذكر ألفاظ وجيزة ضابطة لجمل المصاريف وكلياتها. # والثاني: في تحقيق القول في أن الإمام هل ينزف مال بيت المال كل سنة، أو ~~يستظهر بذخيرة ليكون من أمره على بصيرة ; والثالث: تفصيل القول فيه إذا ~~نفدت الأموال، وانحسمت مجالبها ومكاسبها، فكيف يكون مضطربه ومجاله؟ ، ومن ~~أين ماله؟ وإلى ماذا يئول مآله؟ . ### | [فصل الضابط في كلي المصارف] # فصل. ### | 351 - # فأما القول الضابط في كلي المصارف فأقول: من يرعاه الإمام بما في يده من ~~المال ثلاثة أصناف: صنف منهم محتاجون، والإمام يبغي سد حاجاتهم، وهؤلاء ~~معظم مستحقي الزكوات في الآية المشتملة على ذكر أصناف المستحقين: قال الله ~~- تبارك وتعالى -: {إنما الصدقات للفقراء} الآية. وللمساكين استحقاق في خمس ~~الفيء والغنيمة كما # PageV01P244 # يفصله الفقهاء، فهؤلاء صنف من الأصناف الثلاثة. ### | 352 - # والصنف الثاني: أقوام ينبغي للإمام كفايتهم، ويدرأ عنهم بالمال الموظف ~~لهم حاجتهم، ويتركهم مكفيين، ليكونوا متجردين لما هم بصدده من مهم الإسلام. ~~وهؤلاء صنفان: أحدهما: المرتزقة، وهم نجدة المسلمين وعدتهم، ووزرهم ~~وشوكتهم، فينبغي أن يصرف إليهم ما يرم خلتهم، ويسد حاجتهم، ويستعفوا به عن ~~وجوه المكاسب والمطالب، ويتهيأوا لما رشحوا له، وتكون أعينهم ممتدة إلى أن ~~يندبوا فيخفوا على البدار، وينتدبوا من غير أن يتثاقلوا، ويتشاغلوا بقضاء ~~أرب، وتمهيد سبب، وغرضنا الاكتفاء بتراجم كلية في التقاسيم. # والفقهاء يستقلون بإيضاح ms092 التفاصيل، فهؤلاء صنف من الصنفين المذكورين ~~آخرا. # والصنف الثاني: الذين انتصبوا لإقامة أركان الدين # PageV01P245 # وانقطعوا بسبب اشتغالهم واستقلالهم بها عن التوسل إلى ما يقيم أودهم، ~~ويسد خلتهم، ولولا قيامهم بما لابسوه لتعطلت أركان الإيمان. # فعلى الإمام أن يكفيهم مؤنهم، حتى يسترسلوا فيما تصدوا له بفراغ جنان، ~~وتجرد أذهان، وهؤلاء هم: القضاة، والحكام، والقسام، والمفتون، والمتفقهون، ~~وكل من يقوم بقاعدة من قواعد الدين، يلهيه قيامه عما فيه سداده وقوامه. # فأما المرتزقة، فالمال المخصوص يعم أربعة أخماس الفيء. # والصنف الثاني: يدر عليهم كفايتهم وأرزاقهم من سهم المصالح. # وقد أتى مساق التقسيم على صنفين من الأصناف الثلاثة المتقدمين. ### | 353 - # والصنف الثالث: قوم تصرف إليهم طائفة من مال بيت المال على غناهم ~~واستظهارهم، ولا يوقف استحقاقهم على سد حاجة، ولا استبقاء كفاية، وهم بنو ~~هاشم، وبنو المطلب المسمون في كتاب الله ذا القربى. فهؤلاء يستحقون سهما من # PageV01P246 # خمس الفيء والغنيمة من غير اعتبار حاجة وكفاية، عند الإمام الشافعي - ~~رحمه الله. # وقد شهدت بصحة مذهبه الأخبار الصحيحة، والنصوص الصريحة، وسير الخلفاء، ~~ومذاهب العلماء، قبل ظهور اختلاف الآراء. # فهذه جمل في مصارف أموال بيت المال، يليق بالإيالة العظمى حفظها. # وقد انتهى الغرض في هذا الفن. ### | [فصل هل للإمام أن ينزف بيت المال كل سنة] # فصل. ### | 354 - # فأما القول في نزف الأموال، أو الاستظهار بالذخائر، فهذا الفن أليق ~~بأحكام السياسات مما قبله. # وقد ذهبت طوائف من علماء السلف إلى أن الإمام إذا أوصل كل ذي حق في بيت ~~المال حقه، ففضل في بيت المال مال، فلا سبيل إلى تبقيته، بل يتعين تفريقه، ~~واستيعاب جميع ما احتوته يد الإمام من الأموال. # PageV01P247 ### | 355 - # أما المرتزقة إن توفرت عليهم كفايتهم، وانسدت خلاتهم، وفضل من أربعة ~~أخماس الفيء فاضل، فيجب فض الفاضل عليهم على أقدار أعطيتهم وأقساطهم. ### | 356 - # وأما الزكوات، إن انتهى مستحقوها إلى مقاربة الاستقلال، واكتفوا بما ~~نالوه منها، فلا سبيل إلى رد فاضل الزكوات عليهم ; فإن أسباب استحقاقهم ما ~~اتصفوا به من حاجاتهم ; فإذا زال أسباب الاستحقاق، زال الاستحقاق ms093 بزوالها، ~~فالفاضل عند هذا القائل - إن تصور استغناء مستحقي الزكاة في قطر وناحية - ~~منقول إلى مستحقي الزكاة في ناحية أخرى. # وإن بالغ مصور في تصوير شغور الخطة عن مستحقي الزكاة في ناحية أخرى، فهذا ~~خرق العوائد، وتصوير عسر، ولكن العلماء ربما يفرضون صورا بعيدة، وغرضهم ~~بفرضها وتقديرها تمهيد حقائق المعاني، فإن احتملنا تصور ذلك، فالفاضل من ~~الزكوات عند هؤلاء مردود إلى سهم المصالح العامة. ### | 357 - # وأما المال المرصد للمصالح، فلا نتصور انقطاع مصارفه. # PageV01P248 # والإمام يبدأ فيه بالأهم فالأهم، فإن مست الحاجة إلى ضم طائفة منه إلى ~~مال المرتزقة، أو صفر بيت المال عن الفيء، فأهم المصالح تمهيد كفاية ~~المرتزقة، وإن لم تف الزكوات بحاجات المحاويج سد الإمام حاجتهم بمال ~~المصالح. # فإذا مال المصالح معد لكل مصلحة ليس لها على الخلوص والخصوص مال، وكل ~~مصرف قصر عنه المال المعد له، فمال المصالح يستتمه ويستكمله، ولو فرض زوال ~~الحاجات، وارتفاع الضرورات، فهؤلاء يقولون: فاضل مال المصالح يبنى به ~~الرباطات والقناطر والمساجد وغيرها من جهات الخير. ### | 358 - # فحاصل هذا المذهب أنه لا يبقى في منقرض كل سنة في بيت المال مال، ويرتب ~~في استقبال السنة المنتظرة أموالها. # وهؤلاء يستدلون بسيرة الخلفاء الراشدين، فإنهم - رضي الله عنهم أجمعين - ~~ما كانوا يستظهرون بأموال وذخائر، وهم أسوة من بعدهم في أمور الإمامة، إن ~~حاولوا السداد والاستقامة. # PageV01P249 ### | 359 - # والذي أقطع به أن الحاجات إذا انسدت، فاستمكن الإمام من الاستظهار ~~بالادخار، فحتم عليه أن يفعل ذلك، ولست أرى ذلك من مسائل التحري التي ~~تتقابل فيها مسالك الظنون. # والدليل القاطع على ذلك أن الاستظهار بالجنود والعسكر المعقود عند التمكن ~~حتم، وإن بعد الكفار، وتقاصت الديار، لأن الخطة إذا خلت عن نجدة معدة، لم ~~نأمن الحوادث والبوائق والآفات والطوارق، وإذا ارتبط النظر بالأمر الكلي، ~~وآل الخوف والاستشعار إلى البيضة والحوزة، فقد عظم الخطر، وتفاقم الغرر، ~~وصعب موقع تقدير الزلل والخطل، وإذا كان الاستظهار بالجنود محتوما، فلا ~~معول على مملكة لا معتضد، ولا مستند لها من الأموال، فإنها شوف الرجال، ~~ومرتبط ms094 الآمال، ومن ألف مبادئ النظر في تصاريف الأحوال في الإيالات، لم يخف ~~عليه مدرك الحق في هذا المقال. # وإذا كان منصب الإمام القوام على طبقات الأنام مقتضيا أن يتحرى الأصلح ~~فالأصلح، فكيف يليق بنظر ذي تحقيق أن # PageV01P250 # يبدد الأموال في ابتناء القناطر والدساكر، ويترك ما هو ملاذ العساكر؟ # والإطناب في الواضحات سيزري بذوي الألباب. # فإذا تعين على الإمام الاحتفاظ بفضلات الأموال، فإنها تنزل من نجدة ~~الإسلام منزلة السور من الثغور. ### | 360 - # فإن قيل: إن احتاج الإمام إلى مال أخذه من الجهة التي يأخذ منها لو صفر ~~بيت المال. # قلنا: هذا [ضعف] بين في الرأي، وانحلال واضح في النظر في العواقب، ولا ~~يستتب بهذا النظر أمر جزئي، فكيف الظن بسياسة الإسلام. # ولو ساغ ذلك، لجاز ألا يستظهر بالجنود المعقودة، ويعول على استنفار ~~المطوعة، مهما عنت حاجة، وألمت ملمة. # وهذا باطل لا سبيل إلى المصير إليه، والتعويل عليه. ### | 361 - # وأما ما تعلق به الأولون من سير الخلفاء، فحق على # PageV01P251 # المنتهي إلى هذا الموضع أن ينعم نظره، ويجرد لدرك [التحقيق] فكره، فنقول: # ما كانت الأموال تبلغ في زمنهم مبلغا يحتمل الادخار ; فإن الصديق - رضي ~~الله عنه - بلي في معظم زمانه بقتال الردة، وما اتفقت مغانم بها اكتراث ~~واحتفال، ثم لما ولي عمر - رضي الله عنه - الأمر واتسعت خطة الإسلام، ~~وانتشرت رايات الدين، واستفحل أمر المسلمين، وكثرت الغزوات، وانبثت ~~الدعوات، وكسر جند الإسلام صول كسرى، وقصر طول قيصر، واستمدت الدولة وعظمت ~~الصولة، ووفرت المغانم، وتجردت للجهاد والعزائم. # وألقت الممالك إلى حماة الإسلام مقاليدها، ولينت كل جنبة أبية للأحكام ~~جيدها، وفتحت [الكور] والأمصار، وكثر الأعوان [والأنصار] فقد يعتقد المعتقد ~~إمكان الادخار. ولكنا نقول: # PageV01P252 ### | 362 - # كان معظم الأموال غنائم احتوى عليها عساكر الإسلام بإيجاف الخيل والركاب، ~~وليس يخفى أن أربعة أخماسها مصروفة إلى المصطلين بنار القتال: أسلابا، ~~وسهاما، وأرضاخا. # وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رتب في كل ناحية حماة ~~وكفاة، وأمراء وولاة، وولاهم أمور الأموال، وفوض إليهم الأحكام على تصاريف ~~الأحوال، ورسم ms095 لهم مراسم يقتدون بها، ونصب لهم معالم في أخماس المغانم ~~يهتدون إليها، وكانوا يبثون ما يتفق من مال في العساكر المرتزقة المترتبين ~~في الناحية، فلا يفضل إلا النزر، ثم ما كان يفضل، ويجبى إلى أمير المؤمنين ~~يفرقه على الذين في جزائر العرب، ويتتبع في الاستحقاق كل سبب. # فما كان يفضل ويجبى من الأموال المجنية في هذه القضية في انقضاء السنة ~~[ما يفرض] ذخيرة. ### | 363 - # ولما ضرب الخراج على بلاد العراق جرى الأمر في # PageV01P253 # الأموال المستفادة على نحو ما ذكرناه إذ كان كثر الجند في تلك الناحية، ~~وهم النجدة الكبرى في وجه الروم وملوك الأطراف، وأعناقهم [صور] إلى بلاد ~~الشرق، وسائر الأكناف. # ولا نقطع بأن بيت المال خلا في زمان أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه ~~- عن الأموال، بل نظن ظنا غالبا أنه كان استظهر بذخائر، على تطلع إلى ~~العواقب وبصائر، حتى اشرأبت الفتن، وثارت المحن، واضطرب الزمن، وتقلقلت ~~الخلافة في نصابها، وأصيبت الملة بسندها ونابها، وما اتسق بعده أمر، وما ~~استمر على ما كان يعهد عصر. # ولم يتفرغ أمير المؤمنين علي - كرم الله وجهه - من مصادمة البغاة، ~~ومكاوحة الطغاة، إلى تجهيز الغزاة، وجرت هناة على أثر هناة، ثم صار بعد ~~مقتله رسم الخلافة مرفوضا، وانقلب الأمر ملكا # PageV01P254 # عضوضا، وتغير الحكم والزمان، والله جلت (135) قدرته أعلم بما جرى وكان. ### | 364 - # فإن قيل: على ماذا تحملون الأمر في زمان المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. # قلنا: كان صحبه الأكرمون الأنصار والمهاجرون لما ندبوا إلى الجهاد في ~~سبيل الله [تعالى] ، والذب عن حوزة الإسلام يصادمون المارقين على الضر ~~[واللأواء] ، ويطيرون إلى الغزوات صابرين على البأساء، ومعظمهم في ملتطم ~~أهوال القتال رجال، وجرت نهضات وكثير من الأعزة في رمضاء الحجاز حفاة، وكان ~~نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يستمد من أموال الموسرين في تجهيز ~~المجاهدين، إذا أهم أمر، وادلهم خطب، كما جرى في تجهيز جيش العسرة. # وهذا المقدار فيه إقناع وعبرة. ### | 365 - # فأما الآن فقد اتسعت خطة الإسلام، وهي على الازدياد والحمد لله على ممر ms096 ~~الأيام، ولكل زمان رسمه وحكمه. ونحن على ارتجال من عقولنا نعلم فيما نمضي، ~~ونحكم أن صاحب الأمر لو لم # PageV01P255 # يجعل الاستظهار بالادخار أكثر همه عند الإيثار، واطراد أسباب الاختيار - ~~لعظم الفتق، وعسر الرتق، وأفضى الأمر إلى عظائم لا يحيط بها مجاري الأفكار. # فهذا القدر فيه مقنع وبلاغ، وللازدياد على ما مهدناه مضطرب رحب ومساغ. # وقد انتهى المرام، وغرض الكلام في الفصل الثاني من الفصول الثلاثة ~~المترجمة أولا في أحكام الأموال. ### | [فصل ما الحكم إذا صفرت يد راعي الرعية] # [فصل] 366 - فأما الكلام في الفصل الثالث منها، وهو أهمها. فالغرض ذكر ما ~~تقتضيه الإيالة الشرعية، والسياسة الدينية فيه، إذا صفرت يد راعي الرعية عن ~~الأموال، والحاجات ماسة. # فليت شعري، كيف الحكم (136) وما وجه القضية؟ فإن ارتقب الإمام حصول أموال ~~في الاستقبال، ضاع رجال القتال، وجر ضياعهم أسوأ الأحوال. # PageV01P256 # وإن استرسل في مد اليد إلى ما يصادفه من مال من غير ضبط أفضى إلى ~~الانحلال، والخروج عن الشرع في الأقوال والأفعال، وقد قدمنا فيما سبق، أنا ~~لا نحدث لتربية الممالك في معرض الاستصواب مسالك، لا يرى لها من شرعة ~~المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مدارك. ### | 367 - # فإن بلي الإمام بذلك فليتئد، ولينعم النظر هنالك فقد دفع إلى [خطبين ~~عظيمين] : # [أحدهما]- تعريض الخطة للضياع. [والثاني]- أخذ أموال في غير إسناد ~~استحقاقه إلى مستند معروف مألوف. # والله ولي التوفيق والتيسير وهو بإسعاف راجيه جدير. ### | 368 - # فنقول: إذا خلا بيت المال انقسمت الأحوال، ونحن نرتبها على ثلاثة أقسام، ~~ونأتي في كل قسم منها بما هو مأخذ الأحكام. # وطرح القضايا السياسية بالموجبات الشرعية، فلا يخلو الحال، وقد صفر بيت ~~المال من ثلاثة أنحاء: # PageV01P257 # أحدها - أن يطأ الكفار - والعياذ بالله - ديار الإسلام. # والثاني - ألا يطئوها، ولكنا نستشعر من جنود الإسلام اختلالا، ونتوقع ~~انحلالا وانفلالا، لو لم نصادف مالا، ثم يترتب على ذلك استجراء الكفار في ~~الأقطار، وتشوفهم إلى وطء أطراف الديار. # والثالث - أن يكون جنود الإسلام في الثغور والمراصد على أهب وعتاد، وشوكة ~~واستعداد، لو وقفوا، ولو ندبوا للغزو ms097 والجهاد، لاحتاجوا إلى ازدياد في ~~الاستعداد، وفضل استمداد، ولو لم يمدوا لانقطعوا عن الجهاد (137) . # فهذه التقاسيم قاعدة الفصل: فلنقل فيها أولا، ولنذكر في كل قسم منها ~~معولا ثم ننظر إلى ما وراءها والله المستعان على ما نحاوله من البيان. ### | 369 - # فأما إذا وطئ الكفار ديار الإسلام، فقد اتفق حملة الشريعة قاطبة على أنه ~~يتعين على المسلمين أن يخفوا ويطيروا إلى مدافعتهم زرافات ووحدانا، حتى ~~انتهوا إلى أن العبيد ينسلون # PageV01P258 # عن ربقة طاعة السادة، ويبادرون الجهاد على الاستبداد. # وإذا كان هذا دين [الله عز وجل، دين] الأمة، ومذهب الأئمة، فأي مقدار ~~للأموال في هجوم أمثال هذه الأهوال، لو مست إليها الحاجة، وأموال الدنيا لو ~~قوبلت بقطرة دم، لم تعدلها، ولم توازنها. # فإذا وجب تعريض المهج للتوى، وتعين في محاولة المدافعة التهاوي على ورطات ~~الردى، ومصادمة العدا، ومن أبدى في ذلك تمردا فقد ظلم واعتدى. ### | 370 - # فإذا كانت الدماء تسيل على حدود الظبات، فالأموال في هذا المقام من ~~المستحقرات. وأجمع المسلمون أجمعون على أنه إذا اتفق في الزمان مضيعون ~~فقراء مملقون تعين على الأغنياء أن يسعوا في كفايتهم، وكذلك اتفقوا كافة ~~على وجوب بذل الأموال في تجهيز الموتى وغيره من جهات فروض الكفايات، فلاح ~~على أبلغ وجه في الإيضاح أنه يجب على الأغنياء في هذا القسم أن يبذلوا ~~فضلات أموالهم # PageV01P259 # - كما سنفصل القول في ذلك إن شاء الله عز وجل -، حتى تنجلي هذه الداهية، ~~وتنكف الفئة المارقة الطاغية، ولا ينبغي أن يعقد الناظر الآن فكره بالتفصيل ~~; فأنا بعد في التأسيس والتأصيل. # وسيأتي في شرح ذلك ما عليه التعويل إن شاء الله. # فهذا بيان مقدار غرضنا الآن، إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام. ### | 371 - # فأما إذا لم يجر ذلك بعد، ولكنا نحاذره ونستشعره لانقطاع مواد الأموال، ~~واختلال الحال، وإشارة الزمن إلى سوء المغبات في المآل، ولو لم نتدارك ما ~~نخاف وقوعه لوقع في غالب الظن، فهذا الفن ملحق بالقسم الأول قطعا. # ولا يحل في الدين تأخير النظر للإسلام والمسلمين إلى اتفاق استجراء ~~الكافرين. ولو ms098 فرض في مثل هذا الحال توقف وتمكث، لانحل العصام وانتثر ~~النظام، والدفع أهون من الرفع وأموال [العالمين] لا تقابل غائلة وطأة ~~الكفار في قرية من # PageV01P260 # قرى الديار، وفيها سفك دم المسلمين، أو امتداد يد إلى الحرم، ولو وقع ~~وتم، فلا مستدرك لما انقضى وتقدم، إلا التأسف وقرع سن الندم، فإذن يلتحق ~~هذا القسم بما تقدم. ### | 372 - # فأما القسم الثالث - وهو ألا نخاف من الكفار هجوما، لا خصوصا في بعض ~~الأقطار ولا عموما. # ولكن الانتهاض إلى الغزوات والانتداب للجهاد في البلاد يقتضي مزيد عتاد ~~واستعداد، فهل يكلف الإمام المثرين والموسرين أن يبذلوا ما يستعدون به؟ هذا ~~موقع النظر، ومجال الفكر. # ذهب ذاهبون إلى أنه لا يكلفهم ذلك، بل يرتقب في توجيه العساكر ما يحصل من ~~الأموال. ### | 373 - # والذي أختاره قاطعا به أن الإمام يكلف الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما ~~تحصل به الكفاية والغناء ; فإن إقامة الجهاد فرض على العباد، وتوجيه ~~الأجناد على أقصى الإمكان والاجتهاد في البلاد محتوم لا تساهل فيه. # وما أقرب تقاعدنا عنهم إلى مسيرهم إلينا واستجرائهم علينا. # PageV01P261 # وإذا كنا لا نسوغ تعطيل شيء من فروض الكفايات، فأحرى فنونها بالمراعاة ~~الغزوات. # والأمور في الولايات إذا لم تؤخذ من مباديها جرت أمورا يعسر تداركها عند ~~تماديها. # وقد أجرينا فيما تقدم أن الدنيا تبع الدين، وأن صاحبنا بعث لتأسيس الدين، ~~وتأدية الرسالة، والإبلاغ والاكتفاء من هذه الدنيا ببلاغ، فمن عظائم الأمور ~~ترك الأجناد، وتعطيل الجهاد، وانحصار العساكر في الثغور. ### | 374 - # فإن قيل: قد ذكرتم أنه تمتد يد الإمام إلى أموال الموسرين عند الهم ~~بتجهيز الأجناد إلى الجهاد، فما قولكم فيه إذا كان مع المرتزقة كفايتهم ~~وعدتهم في إقامتهم ونهضتهم، ومرابطتهم وغزوتهم، في أوانها وإبانها ولكن خلا ~~بيت المال # PageV01P262 # أو كاد أن يخلو وخاف الإمام غائلة هائلة من خلو بيت المال عند [عكرة ~~الكفار] ، أو دبرة على المجاهدين؟ # فقد تقدم القول النافع الواقع في وجوب الاستظهار بالذخائر، وتنزيل إعداد ~~المال منزلة إعداد الرجال، ولو وهت كفاية الرجال، امتدت يد الإمام إلى ms099 ~~الأموال. والذخيرة إحدى العدتين. فما الوجه في ذلك؟ ### | 375 - # قلت: هذا الآن دون التقسيم الأخير الذي تقرر نجازه فإن المرتزقة، إذا ~~لزموا الثغور والمراصد، وتقاعدوا عن الانبعاث إلى المقاصد، كان ذلك متضمنا ~~تعطيل الجهاد ناجزا. # وفيه خصلة أخرى، وهي أن معظم أموال بيت المال مما تحويه أيدي المسلمين من ~~أموال الكافرين فإذا انقطع (140) الجهاد، # PageV01P263 # انقطع بانقطاعه وجوه الأموال التي تنصب إلى بيت المال، ويتداعى ذلك إلى ~~اختلال وانحلال، يتعذر معه المرابطة ; فإن المؤن إذا كانت دارة بجمامها، ~~وقد [أكدت] المطالب، وعسرت وجوهها ; لم يخف على ذي نظر في العواقب - إفضاء ~~الأمر على قرب وكثب، إلى انقطاع أصل السبب. ### | 376 - # والقيم المنصوب في مال طفل مأمور بألا [يقصر] نظره على ضرورة حالة، بل ~~ينظر في حاله باستنماء ماله، وطلب الأغبط، فالأغبط في جميع أمواله وليس أمر ~~كلي [الملة] بأقل من أمر طفل، ولا نظر الإمام القوام على خطة الإسلام بأقصر ~~نظرا وفكرا من قيم. # وهذا واضح لا خفاء بمدركه عند انقطاع الجهاد. فأما إذا كان جنود الإسلام ~~مشمرين للجهاد، فالوجوه التي # PageV01P264 # منها تنتظم الأموال غير منحسمة، والأحوال متسقة منتظمة فيبعد تنجيز ~~التعرض لأموال الناس لأمر مقدر على نأي وبعد. # ولا ينجلي هذا الفصل حتى أذكر بعون الله وتأييده وتوفيقه وتسديده أمرا ~~يوضح الانفصال عما تضمنه هذا السؤال من الإشكال. ولكن الذي ذكرته الآن فيه ~~بلاغ واستقلال. ### | 377 - # فإن قيل: قد ذكرتم في التقاسيم التي قدمتم أن الإمام يستمد من أموال ~~الأغنياء، فأبينوه وفصلوه، وبوحوا بالغرض [وحصلوه] وأوضحوا المآخذ والوجوه. # قلنا: قد انتهى الكلام في مقصود الفصل إلى غمرة تغرق الجهول، وتحير ~~العقول، وما أراها تخيض إلا من كان التوفيق مطيته والابتهال إلى الله ~~طويته، والتبحر في بحور العلوم عدته، وينبغي أن ننبه على خطره وغرره، ثم ~~نندفع في درر الكلام وغرره، فالخائض فيما انتهى الكلام (141) إن لم يعصم، ~~ولم يثبت منه القدم، بين شوفين عند الالتفات إلى طرفين: فإن وقع # PageV01P265 # نظره في الانكفاف عن الأموال، التزم مصير الإسلام إلى أسوأ المصاير ms100 ~~والأحوال. # وإن استرسل في إطلاق الأيدي في الأموال من غير اقتصاد، انتصب إلى إحداث ~~مطالبات كلية لا أصل لها في القضايا الشرعية. # وقد تقدم أن التدابير إذا لم يكن لها عن الشرع صدر فالهجوم عليها خطر. ثم ~~قصاراها إذا لم تكن مقيدة بمراسم الإسلام، مؤيدة بموافقة مناظم الأحكام - ~~ضرر. ### | قضية جديدة كيف أفتى فيها إمام الحرمين ### | 378 - # فأعود وأقول: لست [أحاذر] إثبات حكم لم يدونه الفقهاء، ولم يتعرض له ~~العلماء، فإن معظم مضمون هذا الكتاب لا يلفى مدونا في كتاب، ولا مضمنا ~~لباب. # ومتى انتهى مساق الكلام إلى أحكام نظمها أقوام، أحلتها على أربابها ~~وعزيتها إلى كتابها. # ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئا، بل ألاحظ وضع الشرع، وأستثير معنى يناسب ~~ما أراه وأتحراه. # وهكذا سبيل التصرف في الوقائع المستجدة التي لا توجد فيها أجوبة العلماء ~~معدة، وأصحاب المصطفى - صلى الله عليه [وسلم]- ورضي عنهم، لم يجدوا في ~~الكتاب والسنة إلا نصوصا معدودة وأحكاما محصورة # PageV01P266 # محدودة، ثم حكموا في كل واقعة عنت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدوا ~~حدوده ; فعلمونا أن أحكام الله تعالى لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء ~~النهاية عنها صادرة عن قواعد مضبوطة. ### | 379 - # فليكن الكلام في الأموال وقد صفر بيت المال واقعة لا يعهد فيها للماضين ~~مذهبا، ولا يحصل لهم مطلبا، ولنجر فيه على ما جرى عليه (142) الأولون إذ ~~دفعوا إلى وقائع لم يكونوا يألفوها، ولم ينقل لهم مذاهب، ولم يعرفوها. # وإذا استد الناظر، استوى الأول والآخر. # فنقول: ### | 380 - # للناس حالتان: إحداهما - أن يعدموا قدوة وأسوة وإماما يجمع شتات الرأي، ~~ويردوا إلى الشرع المجرد من غير داع وحاد، فإن كانوا كذلك، فموجب الشرع ~~والحالة هذه في فروض الكفايات أن يحرج المكلفون القادرون لو عطلوا فرضا ~~واحدا، ولو أقامه من فيه الكفاية، سقط الفرض عن الباقين. # فلا يثبت لبعض المكلفين # PageV01P267 # توجيه الطلب على آخرين فإنهم ليسوا منقسمين إلى داع ومدعو، وحاد ومحدو، ~~وليس [الفرض] متعينا على كل مكلف، فلا يعقل تثبيت التكليف في فروض الكفايات ~~مع عدم الوالي ms101 إلا كذلك. ### | 381 - # فليضرب في ذلك الجهاد مثلا، فنقول: # لو شغر الزمان عن وال، تعين على المسلمين القيام بمجاهدة الجاحدين، وإذا ~~قام به عصب فيهم كفاية سقط الفرض عن سائر المكلفين ; [فهذا] إذا عدموا ~~واليا. ### | 382 - # فأما إذا وليهم إمام مطاع، فإنه يتولى جر الجنود وعقد الألوية والبنود، ~~وإبرام الذمم والعهود. # ولو ندب طائفة إلى الجهاد، تعين عليهم مبادرة الاستعداد، من غير تخاذل ~~وتواكل واتئاد، ولم يكن لهم أن يقولوا: ليس ما ندبنا إليه متعينا علينا ; ~~فليقم به غيرنا، فإنا قد أثبتنا أن المسلمين إذا نصبوا واليا يدبرهم في ~~إصدارهم وإيرادهم تدبير الآباء في أولادهم. # PageV01P268 # ولو ساغ مقابلة أوامره ونواهيه بما يوهي شأنه ويوهيه، لما استتب له مقصد ~~فيما يذره ويأتيه، ولأفضى إلى عسر يتعذر عليه تلافيه. # ولو وكل [كل] مندوب (143) ارتسام مراسم الوالي المنصوب إلى غيره، لما ~~استقرت للإمام طاعة في ساعة. # فإذا رأى الوالي المنصوب رأيا من هذا الفن كان متبعا، ولم تجد الرعايا ~~دون اتباعه محيدا ومتسعا. ### | 383 - # فإذا تقرر ذلك، بنينا عليه أمر المال قائلين: لو شغرت الأيام عن قيام ~~إمام بأمور المسلمين والإسلام، ومست الحاجة في إقامة الجهاد إلى مال وعتاد، ~~وأهب واستعداد، كان وجوب بذله عند تحقيق الحاجات على منهاج فروض الكفايات، ~~فليست الأموال بأعز من المهج التي يجب تعريضها للأغرار المؤدية إلى الردى ~~والتوى. ### | 384 - # فهذا إذا لم يكن في الزمان وزر يلاذ به. # فإذا ساس المسلمين وال، وصفرت يده عن عدة ومال، فله أن يعين بعض الموسرين ~~لبذل ما تقتضيه ضرورة الحال، لا محالة، # PageV01P269 # كما يندب من يراه أهلا للانتداب. فلا ينبغي أن يستبعد المرء حكم الإمام ~~في فلسه مع [نفوذ] حكمه في روحه ونفسه. ### | 385 - # ولست أقول ذلك عن حسبان ومخالجة ريب، بل أقطع به على الغيب. وسيزداد ذلك ~~وضوحا وانشكافا إذا ذكرت من تفاصيل هذه القاعدة أطرافا، وكيف يبعد مدرك ذلك ~~على الفطن الأريب، وفي أخذ فضلات من أموال رجال تخفيف أعباء عنهم وأثقال، ~~وإقامة دولة الإسلام على أبهة الاستقلال ms102 في أحسن حال. # ولو لم يتدارك الإمام ما استرم من سور الممالك، لأشفى الخلائق على ورطات ~~المهالك، ولخيفت خصلة لو تمت -[لا كانت ولا ألمت] لكان أهون فائت فيها ~~أموال الأغنياء، وقد يتعداها إلى إراقة الدماء، وهتك الستور، وعظائم ~~الأمور. ### | 386 - # فإذا تمهد ما ذكرناه (144) فلنقل بعده: ليس للإمام [في] شيء من مجاري ~~الأحكام أن يتهجم ويتحكم، فعل من يتشهى ويتمنى، ولكنه يبني أموره كلها، ~~دقها وجلها، عقدها # PageV01P270 # وحلها على وجه الرأي والصواب في كل باب، فلا يندب قوما للجهاد إلا إذا ~~رأى تعينهم منهج الرشاد، ومسلك السداد، ثم يحزب الناس حزبا، ويجعل ندبهم ~~إلى الجهاد نوبا، وكذلك يجهز إلى كل جيل من الكفار من يليهم في صوب تلك ~~الديار. # وهذا يغني وضوحه في طرق الإيالة عن الإطناب والإطالة. ### | 387 - # والأمر في أخذ الأموال يجري على هذه الأحوال فليشر [على أغنياء كل] صقع ~~بأن يبذلوا من المال ما يقع به الاستقلال. # وليس لتفاصيل الرأي غاية ونهاية، فلير الإمام في ذلك كله رأيه. # وما ذكرناه [ليس] حصرا وضبطا في المقال، ولكنا جئنا به ضربا للأمثال، ~~وعلى رأي الإمام بعد عون الله الاتكال في مضطرب الأحوال. ### | 388 - # ومن تتمة القول في هذا أن المسلمين إذا وجدوا معاذا # PageV01P271 # واتخذوا لمهماتهم ملاذا، لم يكن لهم مضادته ومرادته، ومعاندته ومحادثته. # فإن رأى إذا وقعت واقعة عامة، وداهية مطبقة للخطة طامة، ومست الضرورات في ~~دفاعها إلى عدة، ومادة من المال تامة. # ويد الإمام صافرة، وبيوت الأموال شاغرة - أن يتسبب إلى [استيداء] مال من ~~موسري المؤمنين -[فإنه] يفعل ذلك على موجب الاستصواب ما أراد، وعمم أهل ~~[الاقتدار] واليسار في أقاصي البلاد، ورتب على كل ناحية في تحصيل المراد، ~~ذا كفاية، ودربة وسداد. # فإن عسر التبليغ إلى الاستيعاب، ورأى في وجه # PageV01P272 # الصواب أن يخصص أقواما، ثم يجعل الناس في ذلك فئاما، فيستأدي عند كل ~~ملمة، من (145) فرقة أخرى، وأمة اتبع في ذلك كله أوامره، واجتنب زواجره، ثم ~~[ليكن] في ذلك على أكمل نظر، وأسد فكر وعبر. ### | 389 - # فإن ms103 اقتضى الرأي تعيين أقوام على التنصيص، تعرض لهم على التخصيص، ونظر ~~إلى من كثر ماله وقل عياله، وقد يتخير من خيف عليه من كثرة ماله أن يطغى، ~~ولو ترك لفسد، ولو غض من غلوائه قليلا، لأوشك أن يقتصد و [يستد] . # وإذا لم يخل المتصدي للإمامة والاستقامة عن تحديد النظر، وتسديد الفكر، ~~ففيما ذكرناه تصريحا أو رمزنا إليه تلويحا له معتبر. ### | 390 - # ثم إذ قد لاحت المراشد، ووضحت المقاصد، فنذكر بعدها ثلاثة فصول، بعد ~~تمهيد ما سبق من الأصول. # PageV01P273 ### | من الناس من قال إن ما يأخذه الإمام يكون قرضا على بيت المال # فصل 391 - أحدها - أن من الناس من ذهب إلى أن الإمام يأخذ ما يأخذه في ~~معرض الاقتراض على بيت المال على كل حال، فإن [ثابت] مداره ومجالبه، تعين ~~رد ما اقترض. و [المقرض] يطالبه. ### | 392 - # وقال قائلون: إن عمم بالاستيداء مياسير البلاد، والمثرين من طبقات ~~العباد، فلا مطمع في الرد والاسترداد، وإن خصص بعضا، لم يكن ذلك إلا قرضا. # ونحن نذكر ما يتعلق به كل فريق، ثم نذكر مسلك التحقيق. ### | 393 - # فمن قال: الإمام يستقرض استمسك بأن أقدار الواجبات مضبوطة الجهات في ~~قواعد الدين ومذاهب المسلمين، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~أضاق المحاويج والفقراء، استسلف من # PageV01P274 # الأغنياء، وربما استعجل الزكوات، فلو كان يسوغ الأخذ من غير اقتراض، لكان ~~عليه السلام بينه ليقتدي به من بعده عند فرض الإضاقة. # وربما تعلق هؤلاء بأن مآخذ الأموال لو تعدت الطرق المضبوطة، والمسالك ~~الموضحة في الشريعة، لانبسطت (146) الأيدي إلى الأموال، ويجر ذلك فنونا من ~~الخبال، ولم يثق ذو مال بماله لا في حاله، ولا في مآله، وهذا خروج عن ضبط ~~الدين، وحل لعصام الإسلام عن أموال المسلمين. ### | 394 - # والمرضي عندي أن ذلك جبن وخور وذهول عن سنن النظر فإن للإمام أن يأخذ من ~~الجهات التي ذكرناها ما يراه سادا للحاجة على ما قدمنا منهاجه، ولا يلزمه ~~الاستقراض سواء فرض أخذه من معينين، أو من المياسير أجمعين. # والدليل عليه أنا لو ms104 فرضنا خلو الزمان عن مطاع، لوجب على المكلفين القيام ~~بفرائض الكفايات، من غير أن يرتقبوا مرجعا، فإذا وليهم إمام فكأنهم ولوه أن ~~يدبرهم تعيينا وتبيينا، فيما كان فرضا بينهم فوضى، ولولاه لأوشك أن ~~يتخاذلوا، ويحيل البعض الأمر فيه على # PageV01P275 # البعض ثم تنسحب المآثم على كافتهم، والإمام القوام يدفع التخاذل ~~والتغالب، ويحمل الأعيان على التناوب فيما على الكافة [الخروج] عن عهدته. # والذي يوضح المقصد أنه لو استقرض، لكان يؤدي ما اقترضه من مال فاضل ~~مستغنى عنه في بيت المال، وربما تمس الحاجة إلى ما يقدره في الحال فاضلا، ~~ثم يقتضي الحال استرداد ما وفيناه على المقرض، ويستدبر التدبير، فلا يزال ~~في رد واسترداد، وما أدى إلى التسلسل، فهو في وضعه لا يتحصل. ### | 395 - # والذي يجب التعويل عليه أن كل واقعة وقعت في الإسلام تعين على ملتزمي ~~الإسلام أن يقيموا أمر الله فيها، إما بأنفسهم إذا فقدوا من يليهم، أو بأن ~~يتبعوا أمر واليهم. # فإذا امتثلوا أمر الله بأنفسهم، أو بأموالهم على تفنن أحوالهم، فارتقابهم ~~(147) رجوعا في مالهم يشعر بأنهم ما كانوا متأصلين فيما كلفهم ربهم. # وهذا ظن كاذب ورأي غير صائب، فالمسلمون هم المخاطبون، والإمام في التزام ~~أحكام الإسلام كواحد من الأنام، ولكنه # PageV01P276 # مستناب في تنفيذ الأحكام، فإذا نفذت، فلا مطمع في مرجع، فإن در لبيت ~~المال مال، فحظ المسلمين منه تهيؤه للحاجات في مستقبل الأوقات. # فهذا منتهى القول في هذا الفن. ### | 396 - # وأقول الآن: لست أمنع الإمام من الاقتراض على بيت المال، إن رأى ذلك ~~استطابة للقلوب، وتوصلا إلى تيسير الوصول إلى المال، مهما اتفقت واقعة أو ~~هجمت هاجمة. # والذي قدمته ليس تحريما للاستقراض، ولكنه تمهيد لما يسوغ للإمام أن ~~يفعله، والأمر موكول إلى رأيه، أو استصوابه في افتتاح كل أمره ومآبه. # والجملة في ذلك أنه إذا ألمت ملمة، واقتضى إلمامها مالا، فإن كان في بيت ~~المال مال، استمدت كفايتها من ذلك المال، وإن لم يكن في بيت المال مال، ~~نزلت على أموال كافة المسلمين، فإذا كفيت من أموالهم، فقد ms105 انقضت، وانقطعت ~~تبعاتها، وعلائقها، فإذا حدث مال، تهيأ ما حدث للحوادث، [المستقبلة] # PageV01P277 # فهذه معضلات لا يستد فيها إلا مؤيد ولا يطبق مفصل الحق فيها إلا مسدد. ### | 397 - # فإن قيل: قد ذكر الفقهاء أن من معه طعام إذا وجد مضطرا إليه واقعا في ~~المخمصة، مشفيا على الهلاك، لم يلزم مالك الطعام بذله من غير بدل، وإحياء ~~المهج من فروض الكفايات على مجرى الأوقات، وقد يتعين على الإنسان في بعض ~~الأزمان إذا انفرد بالانتهاء إلى مضطر أن يبذل [كنه] الجد (148) ويستفرغ ~~غاية الوسع في إنقاذه، ثم لا يجب التبرع والتطوع بالبذل. # قلنا: هذه المسألة عندنا فيه إذا كان للمضطر مال غائب أو حاضر، فأما إذا ~~كان لا يملك شيئا فيجب سد جوعته، ورد خلته، من غير التزامه عوضا. # ولا أعرف خلافا أن سد خلات المضطرين في شتى المجاعات، محتوم على ~~الموسرين، ثم لا يرجعون عليهم إذا انسلوا من تحت كلاكل الفتن. # وفقراء المسلمين بالإضافة إلى متوسليهم كالابن الفقير في حق أبيه، ليس ~~للأب الموسر أن يلزم ابنه الاستقراض منه إلى أن # PageV01P278 # يستغني يوما من الدهر، ولو كان لولده مال غائب أقرض ولده أو استقرض له إن ~~كان موليا عليه. # والذي يكشف الغطاء فيه أن من رأى مسلما مشرفا على حريق أو غريق، واحتاج ~~إنقاذه إلى إنقاذ سببه، وإكداد حدبه لم يجد في مقابلة سعيه. ### | 398 - # وما ذكره الأولون من استسلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند مسيس ~~الحاجات، واستعجاله الزكوات، فلست أنكر جواز ذلك، ولكني أجوز الاستقراض عند ~~اقتضاء الحال، وانقطاع الأموال، ومصير الأمر إلى منتهى يغلب الظن فيه ~~استيعاب الحوادث لما يتجدد في الاستقبال. ### | 399 - # وأما ما ادعوه من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يأخذ إلا ~~وظيفة حاقة في أوان حلولها أو يستقرض، فهذا زلل عظيم، فإنه كان إذا حاول ~~تجهيز جند أشار على المياسير من أصحابه بأن يبذلوا # PageV01P279 # فضلات أموالهم، والأقاصيص المأثورة المشهورة في ذلك بالغة مبلغ التواتر، ~~وكانوا رضي الله عنهم (149) يتبادرون ارتسام مراسم الرسول ms106 - عليه السلام - ~~على طواعية وطيب أنفس، ويزدحمون على امتثال الأوامر حائزين به أكرم ~~الوسائل، ازدحام الهيم العطاش على المناهل، وكانت مبادئ إشاراته أنجع في ~~قلوب الناس من سيوف أهل النجدة والبأس في أهل العناد والشراس. ### | 400 - # وما شبهوا به من أداء الأمر إلى إخلال وإفضائه إلى امتداد الأيدي إلى ~~الأموال فلا احتفال بالأموال عند إطلال الأهوال على بيضة الإسلام، ولا يسوغ ~~أخذ الأموال على الإهمال هزلا من غير استفصال. # فإن سئلنا الدليل، فقد قدمنا ما فيه أكمل مقنع وبلاغ. # فهذا نجاز الغرض من هذا الفصل، وهو أحد الفصول الثلاثة الموعودة بعد ~~تمهيد الأصول. # فأما. ### | [الفصل الثاني إذا كثرت عساكر الإسلام ولم تف موارد بيت المال بمؤنتهم] # الفصل الثاني # وبه يتم المقصد في بعض ما سبق. ### | 401 - # وهو أن عساكر الإسلام إذا كثروا، أعني المرتزقة المترتبين # PageV01P280 # في ديوان الجنود [المعقود] وعظمت المؤن القائمة بكفايتهم، وهي جارية على ~~استمرار الأوقات حسب توالي الحاجات، التي تتقاضاها الفطن والجبلات. # وكان اتساع الرقاع والأصقاع، وكثرة الثغور والمراصد في البقاع - لا يستقل ~~إلا بكثرة الرجال المترصدين للقراع، وقد قسمهم الإمام على أصناف وأنواع، ~~وصففهم [جيلا جيلا] ، [ورعيلا رعيلا] . # فمنهم مندوبون لنفض حريم البلاد عن المتلصصين ذوي العرامة، ومنهم متصرفون ~~في البلاد لردع النابغين من أهل الفساد، الزائغين عن منهاج السداد، ومنهم ~~مرتبون في مرابطة الحصون والقلاع، وآخرون في المضايق والمراصد. # والنجدة الكبرى محتفون بالإمام، وبأمراء الأجناد في البلاد. ### | 402 - # وإذا انتهى تدبير الممالك إلى ذلك، فالغالب أن ما ينفق # PageV01P281 # من أخماس الغنائم والفيء لا (150) يقيم الأود، ولا يديم العدد، فإنا كما ~~نصيب نصاب، والحرب سجال، والقتال مضطرب، وتباين أحوال. # ومن ظن [ممن] يلاقي الحروب بأن لا يصاب، فقد ظن عجزا والمغانم في وضع ~~الشرع ليست مقصودة ; فإن الغرض التجرد للجهاد إعلاء لكلمة الله، وحياطة ~~الملة، والمغانم ليست معمودة مقصودة ; إذ لا يليق بمحاسن الشريعة أن نجعل ~~بذل المهج، والتغرير بالأرواح إلى تحصيل المغارم ذريعة. # فإذا لا تقوم المملكة بتوقع الاغتنام، ولا بد للإمام من الاعتصام بأوثق ms107 ~~عصام، على ممر الأيام، [ووزر] الإسلام مأمور بأقصى الاحتياط، والحفظ باللحظ ~~بعد اللحظ. # ولا أشبه ما يرتقب من مغنم بالإضافة إلى المؤن [القارة] إلا [بما] يقتنصه # PageV01P282 # القانصون من الصيود بالإضافة إلى النفقات الدائرة فلو ترك الناس المكاسب ~~معولين على الاصطياد، لهلكوا وضاعوا، واضطربوا وجاعوا. # فهذه التشبيهات قدمتها لتوطئة أمر مقطوع به عندي قد يأباه المقلدون الذين ~~لا تقتضيهم نفوسهم التحويم على الحقائق فضلا عن ورودها، وكلما ظهرت حقيقة، ~~ولاحت إلى دركها طريقة صبروا لجحودها. ### | 403 - # فأقول والله المستعان: لا بد من توظيف أموال يراها الإمام قائمة بالمؤن ~~الراتبة، أو مدانية لها، وإذا وظف الإمام على الغلات والثمرات وضروب ~~الزوائد والفوائد من الجهات يسيرا من كثير، سهل احتماله، ووفر به أهب ~~الإسلام وماله، واستظهر رجاله، وانتظمت قواعد الملك وأحواله. # ولو عدم الناس سلطانا يكف عن زرعهم وضرعهم عادية الناجمين وتوثب الهاجمين ~~(151) ، لاحتاجوا في إقامة حراس من ذوي البأس إلى أضعاف ما رمزنا إليه. # فإن استنكر ذلك غر غبي. قلنا: أتنكر أن ما ذكرته وجه # PageV01P283 # الرأي؟ فإن أباه وادعى خلافه تركته ودعواه، ولن يفلح قط مقلد يتبع في ~~تقليده هواه. # وإن اعترف به، وقد تقرر أن الاستظهار بأقصى العدد والعدد محتوم، ولا يفي ~~به توقع مغنوم، ومفهوم أنه لو استفزتنا داهية ووقع والعياذ بالله خرم في ~~ناحية - لاضطررنا في دفع البأس إلى بعض الناس لو تقدمنا بوجه رأي لظننا أن ~~الأمور في استتبابها تجري على سنن صوابها. ### | 404 - # فإن قيل: لم يكن ذلك في زمن الخلفاء الراشدين. # قلنا: لما انتشرت الرعية وكثرت المؤن المعنية تسبب أمير المؤمنين عمر - ~~رضي الله عنه - إلى توظيف الخراج والأرفاق على أراضي العراق بإطباق واتفاق، ~~والذي يؤثر من خلاف فيه فهو في كيفيته، لا في أصله. ### | 405 - # فإن قيل: أليس مذهب إمامكم الشافعي - رحمه الله - # PageV01P284 # أن الخراج المستأدى من غير أراضي العراق غير ثابت؟ # قلنا: مذهبه أن الجزية المضروبة على أراضي الكفار باسم الخراج تسقط ~~بإسلامهم كما تسقط الجزية الموزعة على رقابهم. وهو كما قال. ### | 406 - # والذي ms108 ذكرناه أمر كلي بعيد المأخذ من آحاد المسائل. ومنشؤه الإيالة ~~الكبرى، مع الشهادات الباتة القاطعة من قاعدة الشريعة، فإذا مست الحاجة إلى ~~استمداد نجدة الدين [وحرسة] المسلمين من الأموال، ولم يقع الاجتزاء ~~والاكتفاء بما يتوقع على المغيب من جهة الكفار، وتحقق الاضطرار، في إدامة ~~الاستظهار، وإقامة حفظ الديار إلى عون من المال مطرد دار، ولو عين الإمام ~~(152) أقواما من ذوي اليسار، لجر ذلك حزازات في النفوس، [وفكرا سيئة] في ~~الضمائر والحدوس، وإذا رتب على الفضلات والثمرات والغلات قدرا قريبا كان ~~طريقا في رعاية الجنود والرعية مقتصدة مرضية. # PageV01P285 # ثم إن اتفقت مغانم، واستظهر بأخماسها بيت المال، وغلب على الظن اطراد ~~الكفاية، إلى أمد مظنون ونهاية، [فيغض] حينئذ وظائفه فإنها ليست واجبات ~~توقيفية ومقدرات شرعية وإنما رأيناها نظرا إلى الأمور الكلية، فمهما استظهر ~~بيت المال واكتفى حط الإمام ما كان يقتضيه وعفا، فإن عادت مخايل حاجة أعاد ~~الإمام منهاجه. ### | 407 - # وهذا الفصل الذي أطلت أنفاسي فيه يلتفت على أمر قدمته في الاستظهار ~~بالادخار، فلست أرى للإمام أن يمد يده إلى أموال أهل الإسلام ليبتني في كل ~~ناحية حرزا، ويقتني ذخيرة وكنزا، ويتأثل مفخرا وعزا. # ولكن يوجه لدرور المؤن على ممر الزمن ما سبق رسمه، فإن استغنى عنه بأموال ~~أفاءها الله على بيت مال المسلمين كف طلبته على الموسرين. ### | 408 - # فرحم الله امرءا طالع هذا الفصل وأنصف وانتصف، ولم يلزمه [جادة] تقليده، ~~ولم يتعسف، فالذي حواه هذا # PageV01P286 # الفصل أقصد الطرائق، وأسد المسالك إلى مدارك الحقائق. وقد نجز الفصل ~~الثاني. ### | [الفصل الثالث في الرد على من يجوز التأديب والتعزير بمصادرة الأموال] # فأما: الفصل الثالث ### | 409 - # فمضمونه الرد على من يرى تعزير المسرفين الموغلين باتباع الشبهات، ~~واقتراف السيئات، واتباع الهنات بالمصادرات، من غير فرض افتقار وحاجات. # وهذا مذهب جدا ردي، ومسلك غير مرضي، فليس في الشريعة أن اقتحام المآثم ~~يوجه إلى مرتكبيها ضروب (153) المغارم، وليس في أخذ أموال منهم أمر كلي، ~~يتعلق بحفظ الحوزة، والذب عن البيضة، وليس يسوغ لنا أن نستحدث وجوها في ~~استصلاح ms109 العباد، وجلب أسباب الرشاد، لا أصل لها في الشريعة، فإن هذا يجر ~~خرما عظيما، وخطبا هائلا جسيما. ### | 410 - # فإن قيل: قد ذكرت تسويغ وظائف لم يحم عليها طائف، فكيف تأبى التهذيب ~~والتأديب بقطع مادة الفساد # PageV01P287 # وإن لم يعهد ذلك منصوصا مذكورا في الشرع مخصوصا. # قلنا: ما ذكرته من الوظائف مستنده إجماع العلماء كافة حيث نزلوا ~~[وارتحلوا] ، وعقدوا أو حلوا - على وجوب الذب عن حريم الإسلام. # فإذا لم نصادف في بيت المال مالا اضطررنا لتمهيد الدين، وحفظ حوزة ~~المسلمين - إلى الأخذ من أموال الموسرين، ثم عرفنا على الجملة أن الاقتصاد ~~مسلك الرشاد، ولم نر في تفصيل مثل هذه القاعدة أصلا في الشرع فنتبعه، ~~فتبينا قطعا. أن ما عم وقعه، وشمل وضعه، وعظم نفعه، فهو أقرب معتبر. # وأما نزف أموال العصاة، فلا نرى له أصلا. ### | 411 - # نعم لا يبعد أن يعتني الإمام عند مسيس الحاجات بأموال العتاة، وهذا فيه ~~أكمل مردع ومقنع، فإن العتاة العصاة إذا علموا ترصد الإمام لأموالهم ~~لاضطراب حالاتهم عند اتفاق إضافة أعوان المسلمين وحاجاتهم - كان ذلك وازعا ~~لهم عن مخازيهم وزلاتهم. # PageV01P288 ### | 412 - # فإن قيل: أليس عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شاطر خالد بن الوليد ماله، ~~وشاطر عمرو بن العاص ماله، حتى أخذ رسوله إليه نصف عمامته، وفرد نعله؟ # قلنا: ما فعله - رضي الله عنه - محمول على محمل سائغ (154) واضح، وسبيل ~~بين لائح، وهو أنهما كانا خامرا في إمرة الأجناد والبلاد أموالا لله، وكان ~~لا يشذ عنه - رضي الله عنه - مجاري أحوال مستخلفيه، فلعله رآهما مجاوزين ~~حدود الاستحقاق ثم أنعم النظر، وأطال الفكر، وقدم الرأي وأخر، فرأى ما ~~أمضى، وشهد وغبنا، وقدره أجل وأعلى من أن يتجاوز ويتعدى. ### | 413 - # فهذه جمل من أبواب الأموال من طريق الإيالة المؤيدة بالحق، المقيدة ~~بشهادة [الشرع] والصدق كافية، ومسالك مرشدة شافية، أبرزتها بتوفيق الله من ~~ناحية الإشكال إلى ضاحية الإيضاح، كأنها غيداء، مشنفة مقرطة بالدرر ~~والأوضاح. # فأين تقع هذه الفصول من كتب مضمونها أقوال و [إغارة] # PageV01P289 # على كتب رجال، مع اختباط واختبال، ms110 [واختزاء] وافتضاح؟ ولكن سل الحسناء عن ~~بخت القباح! ! . ### | 414 - # انتهى مجامع القول في أموال بيت المال، ونجز بنجازها غرضنا في هذا الكتاب ~~في تفصيل ما إلى الأئمة وولاة الأمر. # ونحن الآن نعقد فصلا في مستخلفي الإمام، وقد مضى فيما تقدم صدر صالح ~~فيهم، ولكنا أحلنا استقصاء المقاصد، واستيفاء سبل المراشد على هذا الباب. # والآن نفي إن شاء الله عز وجل بالمواعيد، ونستعين بالله تعالى. ### | [القول في مستخلفي الإمام] ### | [فصل لا بد للإمام من وكلاء ونواب] # [د - القول في مستخلفي الإمام] # PageV01P290 # فصل ### | 415 - # ليس من الممكن أن يتعاطى الإمام مهمات المسلمين في الخطة، وقد اتسعت ~~أكنافها، وانتشرت أطرافها، ولا يجد بدا من أن يستنيب في أحكامها، ويستخلف ~~في نقضها، أو في إبرامها وإحكامها. ### | 416 - # وشغله الذي لا يخلفه فيه أحد مطالعات كليات الأمور، إذ لو وكل ذلك إلى ~~غيره، وعمل على أن لا يبحث، ولا يخبر، ولا يفحص، ولا ينقر، وفوض ذلك إلى ~~موثوق به، ورسم له التشمير، والبحث والتنقير، وآثر التخلي لعبادة الله، ~~والانحجاز عن النظر في أمر الملة، واختار الرفاهية، والرغد، والدعة، و ~~[الدد]- فذلك غير سائغ وهو مؤاخذ بحق الأمة يوم # PageV01P291 # القيامة مطالب أو معاتب معاقب، وإذا تمادى على ذلك، فقد ينتهي الأمر إلى ~~التفسيق، وقد سبق القول فيه على التحقيق. ### | 417 - # فإن أراد أن يخلع نفسه، فقد تقدم فيه قول بالغ، وبيان شاف سائغ. ### | 418 - # فإذا منصب الإمام يقتضي القيام بالنظر العام في حقوق الرعايا والمستخلفين ~~عليهم على ممر الأيام. ### | 419 - # فأما تفاصيل الأمور، فما تولاه الإمام بنفسه فهو الأصل، وما استخلف فيه ~~كافيا، مستقلا، دارئا، متيقظا فيما نيط به واعيا، فالاستخلاف في تفاصيل ~~الأعمال سائغ بلا خلاف. # ثم ما يستخلف فيه ينقسم إلى أمر خاص يحتوي على الغرض منه مراسم يبينها، ~~ومعالم يعينها، فيعقد الإمام [بمضمونها] [منشورا] ويتخذه المولى دستورا. # وإلى أمر عام منتشر القضايا على الرعايا، لا يضبط مقصوده برسوم، ولا ~~منشور منظوم. # PageV01P292 ### | 420 - # فأما الأمر الخاص، فهو كجباية الصدقات والموظفات على المعادن والمقطعات، ~~وما ضاهاها ms111 من الجهات، فمن ولاه الإمام صنفا من هذه الأصناف، ينبغي أن يكون ~~المولى مستجمعا خصلتين: # إحداهما: الصيانة والديانة. # والثانية: الشهامة، والكفاية اللائقة بما يتولاه ويتعاطاه، ولا يشترط أن ~~يكون مجتهدا بالغا مبلغ المفتين، ولكن الإمام يرسم له مقادير النصب ~~والزكوات، وتفاصيل الأسنان على أبلغ وجه في البيان، فيمضي المولى قدما ~~ويتخذ المراسم قدوة وأمما (156) ولو كان المنصوب لما ذكرناه عبدا مملوكا - ~~ساغ، فإن أمثال هذه الأعمال ليست ولاية على الكمال. ### | 421 - # ومن هذا القبيل تفويض جر الأجناد إلى بلاد الكفر - والعياذ بالله - ~~فليجتمع فيمن يقلد الأمر الثقة، والصرامة، والشهامة، وليكن ممن حنكته ~~التجارب، وهذبته المذاهب [لا # PageV01P293 # يستفزه نزق] ولا يضجره حنق، ولا يبطئه عن الفرص إذا أمكنت خور، بطرق ~~للخدع، كالصل النضناض، ويتوثب في أوان الفرصة كالصقر يهوي في الانقضاض، ~~وليكن طبا بالغرر هجوما في مظان الحاجات على الغرر. # عارفا بغوائل القتال مصطبرا في ملتطم الأهوال، محببا في الجند، لا يمقت ~~لفرط فظاظة، مهيبا لا يراجع في الدنيات من غير حاجة، ثم الإمام يقدم له ~~مراسم في المغانم والأسرى، يتخذها وزرا وذكرى. # وهذه الإمرة قريبة أيضا إذا اختصت بجر العساكر، ويكفي فيها الثقة، ~~واستجماع ما أشرنا إليه من البصائر، وعمدتها الشجاعة والاستطاعة، والتيقظ ~~اللائق بهذه الشأن ; فالرأي قبل شجاعة الشجعان. ### | 422 - # فأما الأمر الذي يعم، ولا ينضبط مقصوده، فهو كالقضاء والجلوس لفصل ~~الحكومات بين الخصماء، وقد يرتبط به # PageV01P294 # أمور الأموال والأبضاع والدماء، وإقامة العقوبات على ذوي الاعتداء ~~والإنصاف والانتصاف، والمنع من سلوك مسالك الاعتساف، وهذا أعظم الأشغال ~~والأعمال، فيقتضي هذا المنصب خلالا في الكمال، سيأتي شرحنا عليها. # منها: الدين، والثقة، والتلفع بجلباب الديانة، والتشبث بأسباب الأمانة ~~والصيانة، والعقل الراجح الثاقب، والرأي المستد الصائب، والحرية والسمع ~~والبصر. # ثم مذهب الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - ابن عم ~~المصطفى صلوات الله عليه: أن شرط التصدي للحكم بين العباد استجماع صفات ~~الاجتهاد، ولم يشترط أبو حنيفة - رضي الله عنه - ذلك. # وذكر الفقهاء هذه المسألة من فنون مسالك الظنون. ### | 423 - # والذي ms112 أراه القطع باشتراط الاجتهاد، وسأوضح فيه منهج السداد بتقديم أصل ~~عظيم الغناء في أحكام الاجتهاد، # PageV01P295 # فأقول، وعلى طول الله وتيسيره الاعتماد، وبفضله الاعتضاد: على المقلد ضرب ~~من النظر في تعيين مقلده، وليس له أن يقلد من شاء من المفتين مع تباين ~~المذاهب، وتباعد الآراء والمطالب، وكيف يسوغ التخيير بين الأخذ بمذهب ~~التحريم ومذهب التحليل؟ ولا يتصور المصير إلى هذه السبيل مع تفاوت مناصب ~~المفتين وأهل التحصيل. # وإذا كان يتعين عليه ذلك، فليتمهل النظر هنالك. # فمن عن له من المقلدة أن مذهب الشافعي ### | -[رضي الله عنه وأرضاه]- # أرجح، ومسلكه أوضح، لأمور كلية اعتقدها، وقضية لائقة بمقدار بصيرته ~~اعتمدها، فليس يعتقد - إن كان معه مسكة من العقل، وتشوف إلى مقدمات من ~~الفضل - أن إمامه تجب له العصمة عن الزلل والخطل، بل لا معصوم إلا الرسل ~~والأنبياء فيما يتعلق بتبليغ الرسالة والإنباء. # فما من مسألة تتفق إلا والمقلد يجوز أن يكون إمامه زالا في معانيها، ~~وظهور الحق مع من يخالفه فيها، وإنما الذي غلب على وهمه على مبلغ علمه ~~وفهمه أن إمامه بالإصابة في # PageV01P296 # معظم المسائل (158) جدير، فهذا غاية ما يدور في الضمير. ### | 424 - # وأقول بعد تقديم ذلك: # من انتحل مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - من طبقات المقلدين واتفق في عصره ~~إمام لا يبارى، ومجتهد لا يضاهى ولا يوازى وكان يعزى هذا المجتهد إلى مذهب ~~الشافعي - رضي الله عنه -. # فلا يجوز أن يكون مثل هذا الذي ذكرناه متبعا مذهب إمام واحد في جميع ~~مسائل الشريعة، موافقا رأيه ومسلكه، فإن الظنون تختلف طرقها، وتتفاوت ~~سبلها، وتتردد أنحاؤها على حسب اختلاف القرائح والطباع. # وليس بالإجماع في معظم المسائل امتناع ; فإن أصول المذاهب تؤخذ من [مأخذ] ~~القطع، وهي التي تصدر منها تفاريع المسائل، وقد يفرض الوفاق في معظم ~~المسائل من هذه الجهة. ### | 425 - # فإذا اشتملت الأيام على مثل هذا الإمام تعين على كافة المقلدين اتباعه، ~~والسبب فيه أنه بالإضافة إلى الماضين المنقرضين في حكم الناخل للمذاهب، ~~والسابر لتباين المطالب، وسبره لها أثبت من نظر المقلد. # PageV01P297 ### | 426 - # والذي ms113 وضح الحق في ذلك أن زمر المقلدين لو أرادوا أن يتبعوا مذهب أبي بكر ~~- رضي الله عنه - لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، فإن الذين استأخروا بالأعصار عن ~~المهاجرين والأنصار من أئمة الأمة أخبر بمذاهب الأولين، وأعرف بطرق صحب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكرمين، وقد كفوا من بعدهم النظر في ~~طرائق المتقدمين، وبوبوا الأبواب، ومهدوا الأسباب، وما كانت المسائل مترتبة ~~متهذبة في العصر الأول، فاستبان أن حق المقلد أن يربط استفتاءه بالأدنى ~~فالأدنى، والإمام الذي وصفناه في عصرنا بالإضافة إلى أبي حنيفة والشافعي من ~~حيث نخل مذاهب الأولين من الأئمة السابقين بالإضافة إلى الخلفاء الراشدين، ~~وغيرهم من علماء الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين، فإذا حق على المقلد أن ~~يستفتي إمام عصره، فإن لم يجد في زمانه إماما اتبع الذين مضوا وعول على نظر ~~يصدر من مثله. ### | 427 - # فهذه مقدمة أطلت القول فيها، والغرض منها في المسألة: أن القاضي إذا كان ~~مجتهدا، فلا شك أنه يستتبع المتحاكمين # PageV01P298 # إلى مجلسه، ولا يتبعهم، فإن تكليفه اتباع المخالفين على تباعد المذاهب ~~يجر تناقضا لا سبيل إلى الوفاء به، ومنصب الولاية يقتضي أن يكون الوالي ~~متبوعا لا محالة، فلئن استتبع الوالي البالغ مبلغ المجتهدين المقلدين فليس ~~ذلك بدعا، فإنه أبر عليهم بمنصب الولاية ثم بالإمامة في الدين فإن استتبع ~~مجتهدا فالسبب فيه أنه وإن ساواه في الاجتهاد، [فقد] أربى عليه بالولاية، ~~وهي تقتضي الاستيلاء [والاستعلاء] والاحتواء على تفنن الآراء. ### | 428 - # فأما إذا فرضنا القاضي مقلدا، فإن قلد إمام عصره، فإنه يحمل مجتهدي ~~الزمان على فتوى من يقلده، ومعتمده ومعتضده الاجتهاد الضعيف الذي يعين به ~~مقلده، فكأنه يحمل المجتهدين على حكم نظره الضعيف. # وهذا محال، لا يخفى بطلانه على المحصل. ### | 429 - # وإن قلد القاضي بعض الأئمة المنقرضين، فتقليده هذا أضعف، فإنه اعتقد على ~~الجملة من غير تفصيل أن الذي يقلده # PageV01P299 # أولى من غيره، فينضم إلى ضعف نظره الكلي مزيد ضعف في أعيان المسائل، فكيف ~~يستقيم حمل أئمة المسلمين على نظر مقلد في تخير مقلد؟ . ### | 430 ms114 - # والذي يقرر ذلك أن نظر المقلد في تعيين [إمام] (160) ليس نظرا حقيقيا، ~~وكيف ينظر من لا خبرة له، فهو إذن نظر مسلكه الضرورة، إذ لولاه، لتعارض ~~عليه التحريم والتحليل، وما جرى مجرى الضرورات فسبيله أن يختص بالمضطر، ولا ~~يتعداه إلى من عداه، كأكل الميتة يختص إباحته بمن ظهرت ضرورته، واستبانت ~~مخمصته. # فهذا قولي في اشتراط الاجتهاد في الذي يتصدى لفصل الخصومات بين العباد. ### | 431 - # ولئن عد الفقهاء ذلك من المظنونات، فلست أعرف خلافا بين المسلمين أن ~~الشطر أن يكون المستناب لفصل الخصومات والحكومات فطنا متميزا عن رعاع ~~الناس، معدودا من الأكياس، ولا بد من أن [يفهم] الواقعة المرفوعة إليه على ~~حقيقتها، # PageV01P300 # ويتفطن لموقع الإعضال، وموضع السؤال، ومحل الإشكال منها، ثم يتخير مفتيا. # ويعتقد أن قوله في حقه بمثابة قول الرسول في حق الذين عاصروه، فيتخذه ~~قدوة وأسوة، فأما إذا لم يفهم الواقعة فكيف يفرض نفوذ [حكمه] فيها، وليس في ~~عالم الله أخزى من متصد للحكم لو أراد أن يصف ما حكم به، لم يستطعه. ### | 432 - # ومما يقضي اللبيب العجب منه انتصاب غر للقضاء، لا يقف على الواقعة التي ~~فيها القضية، ولا يفهم العربية، ويصغي إلى صكوك وقبالات متضمنها ألفاظ ~~عويصة، لا يحيط بفحواها ومقتضاها إلا مبرز تثنى عليه الخناصر، ويعد من ~~المرموقين والأكابر في اللغة العربية، إذ منها صدر الألفاظ في # PageV01P301 # أصول الفقه المشتمل على الخصوص والعموم والاستثناءات، وسائر القضايا ~~والموجبات في فن الفقه (161) فإليه الرجوع في مآخذ الأحكام والنقض ~~والإبرام. # فليت شعري ما يعتاص مدركه، ويستصعب مسلكه على المرتوي من هذه العلوم كيف ~~ينفذ فيها قضاء من لا يفرق بين تقديمه وتأخيره، ولا يعرف قبيله من دبيره؟ ! ~~وقد بدت مخايل الخرف. # و [انتهى] منه إلى الطرف، ولو استوعب عمره الموفي على [السرف] بأقصى ~~تشميره، لم يقف من مضمون الصك على عشر من عشيره، فهل في عالم الله خزي ~~[يبر] على خطوط سطرها من لم يستقل - والله - بحروف التهجي منها، حتى نظمها ~~له ناظمان من جانبيه، وألفها متطلعان عليه، ومضمونها ms115 هذا حكمي # PageV01P302 # وقضائي، وقد أشهدت عليه من حضر مجلسي. # وتقديره هذا حكمي بما لم أفهمه، وقضائي فيما لم أعلمه، وقد أشهدت من هو ~~حاضري بما لا يتصور في خاطري. # ما له؟ قاتله الله كيف خروجه عن عهدة مثل هذا القضاء، إذا حشر الراعي ~~والرعية في قضاء؟ والتقى الخصماء وأقيد للجماء من القرناء، وجثى على الركب ~~الأنبياء؟ اللهم غفرا. # لولا حذار الانتهاء إلى الوقيعة لندبت الإسلام، ورثيت الشريعة، قد تعرضت ~~- وحق الحق الأعظم - للغرر، وتناهيت في اقتحام جراثيم الخطر، " والرأي يهلك ~~بين العجز والضجر ". ### | 433 - # فهذا مقدار غرضي اللائق لهذا المجموع في ذكر صفات الولاة والقضاة. # وفي آداب القضاة، والدعاوى والبينات، ومراتب الشهادات كتب معروفة في ~~الفقه، فليتبعها من ينتحيها، وليطلبها من يدريها. # PageV01P303 # وقد نجز بحمد الله، ومنه. # وحسن تأييده، جوامع الكلام فيما يناط بالأئمة من أحكام الأمة، وقد انتهى ~~الكلام بعد نجاز هذه الأبواب إلى المغزى واللباب، فأحسنوا الإصاخة معشر ~~الطلاب إلى تجديد العهد بغرض الكتاب. ### | 434 - # فأقول: ما تقدم وإن احتوى على كل بدع عجاب في حكم التوطئة، وتمهيد ~~الأسباب، فالمقصد فصلان: # أحدهما - تفصيل الأحكام المتعلقة بالإمام عند تقدير شغور الأيام عن وزر ~~يلوذ به أهل الإسلام. # والثاني - بيان ما يتمسك به المكلفون فيما كلفوه من وسيلة وذريعة، إذا ~~عدموا المفتين، وحملة الشريعة. # [و] إذا انقضى الفصلان نجز بانقضائهما مضمون هذا التصنيف والاتكال في ~~التيسير على لطف الخبير اللطيف. ### | 435 - # فإن قيل: فإذا كان الفصلان الغرض، فلم أطلت فيما قدمت القول في أبواب ~~الإمامة، وأحكام الرئاسة والزعامة؟ # PageV01P304 # قلت: لا يتأتى الوصول إلى درك تصوير الخلو عن الإمام لمن لم يحط بصفات ~~الأئمة، ولا يتقرر الخوض في تفاصيل الأحكام عند شغور الأيام، ما لم تتفق ~~الإحاطة بما يناط بالإمام. # فلم أذكر المقدمة، ومستغن عنها. على أني أتيت فيها بسر الإيالة الكلية، ~~وسردت أمورا تتضاءل عنها القوى البشرية، وتركتها منتهى الأمنية، تذعن لها ~~القلوب الأبية، وتقرن لبدائعها النفوس العصية، وتبتدرها أيدي النساخ في ~~الأصقاع القصية، وكأني بها [و] قد عمت بيمن ms116 أيام مولانا الخطط المشرقية ~~والمغربية، والله ولي التوفيق بمنه وفضله. # PageV01P305 ### | [الركن الثاني القول في خلو الزمان عن الإمام] ### | خطة الركن # [الركن الثاني] (الكتاب الثاني) القول في خلو الزمان عن الإمام ### | 346 - # مضمون هذا الفن يحويه ثلاثة أبواب: # أحدها: في تصور انخرام الصفات المرعية جملة أو تفصيلا. # والثاني - في استيلاء مستول مستظهر بطول وشوكة وصول. # والثالث: في شغور الدهر جملة عن وال بنفسه، أو متول بتولية غيره. # PageV01P307 ### | [الباب الأول في انخرام الصفات المعتبرة في الأئمة] # الباب الأول في انخرام الصفة المعتبرة في الأئمة ### | 437 - # قد تقدم قول شاف بالغ كاف، فيما يشترط استجماع الإمام له من الصفات. # ونحن الآن نفرض في تعذر آحادها وأفرادها على التدريج، ونبدأ بأقلها غناء، ~~ثم نترقى إلى ما [يبر] وقعه وأثره على ما تقدم ذكره، حتى نستوعب معقود ~~الباب ومقصوده، بعون الله وتأييده، ومنه وتسديده. ### | 438 - # فالذي يقتضي الترتيب تقديمه: النسب، وقد تقدم أن الانتساب إلى قريش معتبر ~~في منصب الإمامة، فلو لم نجد قرشيا يستقل بأعبائها، ولم نعدم شخصا يستجمع ~~بقية الصفات، نصبنا من وجدناه عالما كافيا ورعا، وكان إماما منفذ الأحكام ~~على الخاص والعام، فإن النسب ثبت اشتراطه ; تشريفا لشجرة رسول الله - صلى ~~الله عليه [وسلم]- ; إذ لا يتوقف شيء من مقاصد الإمامة على الاعتزاء إلى ~~نسب، والانتماء إلى حسب. # ونحن # PageV01P308 # نعلم قطعا أن الإمام زمام الأيام، وشوف الأنام، والغرض من نصبه انتظام ~~أحكام المسلمين والإسلام، ويستحيل أن يترك الخلق سدى لا رابط لهم، ويخلوا ~~فوضى لا ضابط لهم، فيغتلم من الفتن بحرها المواج، ويثور لها كل ناجم مهتاج. # ونحن في ذلك نرقب قرشيا، والخلق يتهاوون في مهاوي المهالك، ويلتطمون في ~~الخطط والممالك. # فإذا عدم النسب لا يمنع نصب كاف، ثم ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام ~~القرشي. ### | 439 - # والذي يعترض في ذلك أنا إذا نصبنا قرشيا مستجمعا للخلال المرضية، والخصال ~~المرعية، ولم نر إذ نصبناه أفضل منه، ثم نشأ في الزمان من يفضله، فلا نخلع ~~المفضول لظهور الفاضل. # ولو نصبنا من ليس قرشيا، ms117 إذ لم نجد منتسبا إلى قريش، ثم نشأ في الزمان ~~قرشي على الشرائط المطلوبة، فإن عسر خلع من (164) ليس نسيبا أقررناه، وإن ~~لم يتعذر خلعه، فالوجه عندي تسليم الأمر إلى القرشي، فإن هذا المنصب في حكم ~~المستحق # PageV01P309 # للمعتزين إلى شجرة النبوة، والذي قدمنا نصبه في منزلة المستناب عمن يجمع ~~إلى فضائل الأسباب شرف الانتساب، فإذا تمكنا من رد الأمر إلى النصاب، ~~ابتدرناه بلا ارتياب. # وهذا كالقاضي ينوب بالتصرف عمن غاب، فإذا حضر مستحق الحق وآب، اطرد تصرف ~~المالك على استتباب، وانحسم عنه كل باب. # فهذا ما حاولناه في فرض تعذر النسب. ### | 440 - # فأما القول في فقد رتبة الاجتهاد، فقد مضى أن استجماع صفات المجتهدين شرط ~~الإمامة، فلو لم نجد من يتصدى للإمامة في الدين، ولكن صادفنا شهما ذا نجدة ~~وكفاية، واستقلال بعظائم الأمور، على ما تقدم وصف الكفاية، فيتعين نصبه في ~~أمور الدين والدنيا، وتنفذ أحكامه كما تنفذ أحكام الإمام الموصوف بخلال ~~الكمال، المرعي في منصب الإمامة. # وأئمة الدين وراء إرشاده وتسديده وتبين ما يشكل في الواقعة من أحكام ~~الشرع. # والعلم وإن كان شرطه في منصب الإمامة معقولا، ولكن إذا لم نجد عالما فجمع ~~الناس على كاف يستفتي فيما # PageV01P310 # يسنح ويعن له من المشكلات أولى من تركهم سدى، متهاوين على الورطات، ~~متعرضين للتغالب والتواثب، وضروب الآفات. ### | 441 - # فإن لم نجد كافيا ورعا متقيا، ووجدنا ذا كفاية يميل إلى المجون، وفنون ~~الفسق، فإن كان في انهماكه، [وانتهاكه] الحرمات، واجترائه على المنكرات ~~بحيث لا يؤمن غائلته وعلانيته، فلا سبيل إلى نصبه، فإنه لو (165) استظهر ~~بالعتاد، وتقوى بالاستعداد، لزاد ضيره على خيره، ولصارت الأهب والعدد ~~العتيدة للدفاع عن بيضة الإسلام ذرائع للفساد، ووصائل إلى الحيد من مسالك ~~الرشاد، وهذا نقيض الغرض المقصود بنصب الأئمة ولو. ### | 442 - # فرض إلمام مهم يتعين مبادرته في حكم الدين، قبل أن يطأ الكفار طرفا من ~~بلاد الإسلام، ولم نجد بدا من جر عسكر، وصادفنا فاسقا نقلده الإمارة، وعسر ~~انجرار العسكر دون مرموق مطاع، ولم نتمكن من تقي دين، ms118 وإن بذلنا كنه ~~المستطاع، فقد نضطر إذا استفزتنا داهية تتعين المسارعة [إلى # PageV01P311 # دفعها إلى] تقليد الفاسق جر العسكر. ### | 443 - # ولو فرض فاسق بشرب الخمر أو غيره من الموبقات، وكنا نراه حريصا، مع ما ~~يخامره من الزلات، وضروب المخالفات، على الذب عن حوزة الإسلام، مشمرا في ~~الدين، لانتصاب أسباب الصلاح العام العائد إلى الإسلام، وكان ذا كفاية، ولم ~~نجد غيره، فالظاهر عندي نصبه مع القيام بتقويم أوده على أقصى الإمكان. # فإن تعطيل الممالك عن [راع] يرعاها، ووال يتولاها، عظيم الأثر والموقع في ~~انحلال الأمور، وتعطيل الثغور، فإن كنا نتوسم ممن ننصبه الانتداب والانتصاب ~~للإمرة لما فيه من الكفاية والشهامة، وكان مستقلا بنفض الممالك والمسالك عن ~~ذوي العرامة، فنصبه أقرب إلى استصلاح الخلق من تركهم مهملين، ولا يعدل ما ~~نتوقعه من الشر من فساده، وما ضري به من شرته ما يعن من خبال الخلق، إذا ~~عدموا بطاشا يسوسهم، ويمنع الثوار الناجمين منهم: فإذا نصب من وصفناه (166) ~~في الصورة التي ذكرناها في حكم الضرورة. # PageV01P312 ### | 444 - # ومن تأمل ما ذكرناه فهم منه أن الصفات المشروطة في الإمام على ما تقدم ~~وصفها، وإن كانت مرعية فالغرض الأظهر منها: الكفاية، والاستقلال بالأمر. # فهذه الخصلة هي الأصل ولكنها لا تنفع ولا تنجح مع الانهماك في الفسق، ~~والانسلال عن ربقة التقوى، وقد تصير مجلبة للفساد إذا اتصل بها استعداد. ### | 445 - # ثم العلم يلي الكفاية والتقوى، فإنه العدة الكبرى، والعروة الوثقى، وبه ~~يستقل الإمام بإمضاء أحكام الإسلام. ### | 446 - # فأما النسب [وإن] كان معتبرا عند الإمكان، فليس له غناء معقول، ولكن ~~الإجماع المقدم ذكره هو المعتمد المستند في اعتباره. # والآن تتهذب أغراض الباب [بمسائل] نفرضها مستعينين بالله تعالى. ### | 447 - # فإن قيل: ما قولكم في قرشي ليس بذي دراية، ولا بذي كفاية إذا عاصره عالم ~~كاف تقي، فمن أولى بالأمر منهما؟ # PageV01P313 # قلنا: لا نقدم إلا الكافي التقي العالم، ومن لا كفاية فيه، فلا احتفال ~~به، ولا اعتداد بمكانه أصلا. ### | 448 - # فإن قيل: إذا اجتمع في عصر ودهر قرشي عالم، ليس بذي ms119 كفاية واستقلال، وكاف ~~شهم مستقل بالأمر، فمن نقدم منهما؟ # قلنا: إن لم يكن القرشي ذا خرق وحمق، وكان لا يؤتى عن عته وخبل، وكان ~~بحيث لو نبه لمراشد الأمور لفهمها وأحاط بها، وعلمها، ثم انتهض لها - فهو ~~أولى بالإمامة. # وسبيله إذا وليها ألا يقدم على خطب انفرادا منه برأيه واستبدادا، ويستضيء ~~برأي الحكماء والعقلاء، ثم إذا عزم توكل. # وإنما يتأتى ما ذكرناه ممن معه حظوة صالحة من الفطنة، وإدراك (167) وجه ~~الصواب، ومثل هذا حري بأن يتخرج إذا تدرب وتهذب، وقارع كر الزمان، [وفره] ، ~~وذاق حلوه ومره. # وإن كان فدم القريحة، مستميت الخاطر، لا يطلع على وجه الرأي، فإن أمضى ~~أمرا وأبرم حكما، كان مقلدا، وقد ظهرت # PageV01P314 # بلادته وخرقه، واستمرت [جساوته] وحمقه فمثله لا يحسب في الحساب، ولا يربط ~~به سبب من الأسباب والكافي الورع أولى بالأمر منه. ### | 449 - # فالاستقلال بالنجدة والشهامة من غير اجتهاد، أولى بالاعتبار والاختيار من ~~العلم من غير نجدة وكفاية، وكأن المقصود الأوضح الكفاية، وما عداها في حكم ~~الاستكمال والتتمة لها. ### | 450 - # وإذا عدمنا كافيا، فقد فقدنا من يؤثر نصبه واليا ويتحقق عند ذلك شغور ~~الزمان عن الولاة على ما سيأتي ذلك إن شاء الله - عز وجل -. # PageV01P315 ### | [الباب الثاني القول في ظهور مستعد بالشوكة مستول] ### | أقسام المستولي بالشوكة والمنعة ### | 451 - # قد سبق فيما تمهد من الأبواب بيان خلال الكمال، وذكر انخرام بعضها مع ~~بقاء الاستقلال، وأوضحنا أنا إذا وجدنا كافيا نصبناه، وما وافق من أحكامه ~~موجب الشرع نفذناه. # ومن لم يكن ذا كفاية، ولم يكن موثوقا به لفسقه، لم يجز نصبه، ولو نصب، لم ~~يكن لنصبه حكم أصلا. # ومقصود هذا الباب تفصيل القول فيمن يستبد بالاستيلاء والاستعلاء من غير ~~نصب ممن يصح نصبه. ### | 452 - # فإذا استظهر المرء بالعدد والعدد، ودعا الناس إلى الطاعة، فالكلام في ذلك ~~على أقسام: # أحدها: أن يكون المستظهر بعدته ومنته صالحا للإمامة على كمال شرائطها. # والثاني - ألا يكون مستجمعا للصفات (168) المعتبرة جمع ولكن كان من ~~الكفاة. # PageV01P316 # والثالث: أن يستولي من غير صلاح لمنصب ms120 الإمامة ولا اتصاف بنجدة وكفاية. ### | [استيلاء صالح للإمامة] ### | 453 - # فأما إذا كان المستظهر صالحا للإمامة، وليقع الفرض فيه إذا كان أصلح ~~الناس لهذا المنصب. # فالقول في هذا القسم ينقسم قسمين: # أحدهما - أن يخلو الزمان عمن هو من أهل الحل والعقد. # والثاني - أن يكون في الزمان من يصلح للعقد والاختيار. # فإن لم يكن في الزمان من يستجمع صفات أهل الاختيار، وكان الداعي إلى ~~اتباعه على الكمال المرعي، فإذا استظهر بالقوة، وتصدى للإمامة، كان إماما ~~حقا، وهو في حكم العاقد والمعقود له. # والدليل على ذلك أن الافتقار إلى الإمام ظاهر. والصالح للإمامة واحد، وقد ~~خلا الدهر عن أهل الحل والعقد، فلا وجه لتعطيل الزمان عن وال يذب عن بيضة ~~الإسلام، ويحمي # PageV01P317 # الحوزة، وهذا مقطوع به لا يخفى دركه على من يحيط بقاعدة الإيالة. ### | 454 - # فأما إذا اتحد من يصلح، وفي العصر من يختار ويعقد، فهذا ينقسم قسمين: # أحدهما - أن يمتنع من هو من أهل العقد عن الاختيار والعقد، بعد عرض الأمر ~~عليه على قصد، فإن كان كذلك فالمتحد في صلاحه للإمامة يدعو الناس، ويتعين ~~إجابته واتباعه على حسب الاستطاعة بالسمع والطاعة. # ولا يسوغ الفتور عن موافقته - الحالة هذه - في ساعة، ووجود ذلك الممتنع ~~عن العقد وعدمه بمثابة واحدة، وإذا لم يكن [للذي] أبدى امتناعا عذر في ~~امتناعه، وترك موافقة المتعين للأمر واتباعه. # [فالأمر] ينتهي إلى خروجه عن أن يكون من أهل هذا الشأن، لما تشبث به من ~~التمادي في الفسق والعدوان، فإن تأخير ما (169) يتعلق بالأمر الكلي في حفظ ~~خطة الإسلام تحريمه واضح بين، وليس التواني فيه بالقريب الهين. فهذا أحد ~~قسمي الكلام. # PageV01P318 ### | 455 - # والثاني - ألا يمتنع من هو من أهل الاختيار. # ولكن هل يتوقف ثبوت الإمامة - والأمر مفروض في اتحاد من يصلح لها - على ~~العقد أو على العرض على العاقد. # هذا مما اختلف فيه الخائضون في هذا الفن: فذهب ذاهبون إلى أنه لا بد من ~~العقد، فإنه ممكن، وهو السبب في إثبات الإمامة. ### | 456 - # والمرضي عندي أنه لا حاجة إلى إنشاء ms121 عقد، وتجريد اختيار وقصد. # والسبب فيه أن الزمان إذا اشتمل على عدد معين ممن يصلح لمنصب الإمامة، ~~فلا بد من اختيار يعين واحدا منهم، إذ ليس بعضهم أولى من بعض، فلو لم نقدر ~~اختيارا مع وضوح وجوب اتخاذ الإمام، لأفضى ذلك إلى النزاع والخصام، فلا أثر ~~للاختيار والعقد والإيثار إلا قطع الشجار، وإلا فليس الاختيار مفيدا ~~تمليكا، أو حاكما بأن العاقد في إثبات الإمامة يصير شريكا. # فإذا اتحد # PageV01P319 # في الدهر، وتجرد في العصر من يصلح لهذا الشأن، فلا حاجة [إلى] تعيين من ~~عاقد وبيان. # والذي يوضح الحق في ذلك أن الأمر إذا تصور كذلك فحتم على من إليه ~~الاختيار عند من يراه في هذه الصورة أن يبايع ويتابع ويختار ويشايع، ولو ~~امتنع، لاستمرت الإمامة على الرغم منه فلا معنى لاشتراط الاختيار، وليس إلى ~~من يفرض عاقدا اختيار. # فإذا تعين المتحد في هذا الزمان لهذا الشأن يغنيه عن تعيين وتنصيص، يصدر ~~عن إنسان. ### | 457 - # وتمام الكلام في هذا المرام يستدعي ذكر أمر: وهو أن الرجل الفرد وإن ~~استغنى عن الاختيار والعقد، فلا بد من أن يستظهر (170) بالقوة والمنة، ~~ويدعو الجماعة إلى بذل الطاعة فإن فعل ذلك فهو الإمام على أهل الوفاق ~~والاتباع، وعلى أهل الشقاق والامتناع. # PageV01P320 ### | 458 - # وإن لم يكن مستظهرا بعدة ونجدة، فالكلام في ذلك يرتبط بفنين: أحدهما - ~~أنه يجب على الناس اتباعه، لتعينه لهذا المنصب، ومسيس الحاجة إلى [وزر] ~~يرمق في أمر الدين والدنيا، فإن كاعوا، وما أطاعوا - عصوا. # ولنفرض هذا فيه إذا عدمنا من نراه أهلا للعقد والاختيار، فليس في الناس ~~من يتصدى لهذا الشأن، حتى يقال: يتوقف انعقاد الإمامة على صدور الاختيار ~~منه، فعلى الناس كافة أن يطيعوه إذا كان فريد دهره، ووحيد عصره في التصدي ~~للإمامة. ### | 459 - # فإذا دعا الناس إلى الإذعان له والإقران، فاستجابوا له طائعين، فقد اتسقت ~~الإمامة، واطردت الرياسة العامة. ### | 460 - # وإن أطاعه قوم يصير مستظهرا بهم على المنافقين عليه والمارقين من طاعته - ~~تثبت إمامته أيضا. # PageV01P321 ### | 461 - # وإن لم يطعه أحد أو اتبعه ms122 ضعفاء لا تقوم بهم شوكة، [فهذه] الصورة تضطرب ~~فيها مسالك الظنون، وتقع من الاحتمالات على فنون. ### | 462 - # فيجوز أن يظن ظان أن الإمامة لا تثبت إذ لم يجر عقد من مختار، ولا طاعة ~~تفيد عدة، ومنة تنزل منزلة الاختيار. # وقد قدمنا في أحكام الأئمة أن الإمام إذا انصرف الخلق عن متابعته ~~ومشايعته، كان ذلك كوقوعه في أسر يبعد توقع انفكاكه عنه. # نعم، تعصي الخلائق في الصورة التي نحن فيها لمخالفة من [توحد] لاستحقاق ~~التقدم. وسبب تعصيتهم تقاعدهم عن نصب إمام يندفع به النزاع والدفاع، ~~والخصومات الشاجرة (171) والفتن الثائرة، وتتسق به الأمور، وتنتظم به ~~المهمات والغزوات والثغور. ### | 463 - # ويجوز أن يصير صائر إلى أنه إمام وإن لم يطع، وينفذ ما يمضيه من أحكامه ~~على موافقة وضع الشرع، وليس إضراب الخلق [عن] طاعته في هذه الصورة، كما سبق # PageV01P322 # تصويره وتقريره فيما تقدم من أبواب الكتاب، فإن ذاك مفروض فيه إذا سقطت ~~طاعة الإمام، ووجدنا غيره، وصغو الناس وميلهم إلى غيره. # فالذي يليق باستصلاح الراعي والرعية نصب من هو شوف النفوس. # والذي نحن فيه مصور فيه إذا تفرد في الزمان من يصلح للإمامة، فإذا كان ~~كذلك تعينت طاعة مثل هذا على الناس كافة، ولا معنى لكون الإمام إماما إلا ~~أن طاعته واجبة. # وهذا الذي فيه الكلام بهذه الصفة، فهو إمام يجب اتباعه فتنفذ إذا أحكامه. ### | 464 - # وهذا متجه عندي واضح. والأول ليس بعيدا أيضا، فإن قاعدة الإمامة ~~الاستظهار بالمنة، والاستكثار بالعدة والقوة، وهذا مفقود في الذي لم يطع. # فهذا أحد الفنين. ### | 465 - # والفن الثاني من الكلام أن الذي تفرد بالاستحقاق يجب عليه أن يتعرض ~~للدعاء إلى نفسه، والتسبب إلى تحصيل الطاعة، والانتهاض لمنصب الإمامة، فإن ~~لم يعدم من يطيعه، # PageV01P323 # وآثر التقاعد، والاستخلاء لعبادة الله [عز وجل] مع علمه بأنه لا يسد أحد ~~مسده - كان ذلك عندي من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائر، وإن ظن ظان أن ~~انصرافه وانحرافه سلامة، كان ما حسبه باطلا قطعا، والقيام بهذا الخطب ~~العظيم إذا كان في الناس كفاة في ms123 حكم فرض الكفاية، فإذا استقل به واحد، سقط ~~الفرض عن الباقين. # وإذا توحد من يصلح له صار القيام به فرض عين. # وسنعود إلى تقرير ذلك في أثناء الباب، ونأتي بالعجب العجاب، إن شاء الله ~~عز وجل. ### | 466 - # ثم إن اجتنب وتنكب، ولم يدع إلى نفسه، لم يصر بنفس استحقاقه إماما، ~~باتفاق العلماء أجمعين. # فهذا بيان المراد فيه إذا استولى من هو صالح للإمامة، وكان فريد الدهر في ~~استحقاق هذا المنصب. ### | الحكم إذا كان المستولي الصالح غير متوحد ### | 467 - # فلو اشتمل الزمان على طائفة صالحين للإمامة فاستولي واحد منهم على البلاد ~~والعباد، على قضية الاستبداد، من غير اختيار وعقد، وكان المستظهر بحيث لو ~~صادفه عقد مختار، لانعقدت له الإمامة. فهذا القسم قد يعسر تصوره. # PageV01P324 ### | 468 - # ونحن نقول فيه: إن قصر العاقدون فيه وأخروا تقديم إمام، فطالت الفترة، ~~وتمادت العسرة، وانتشرت أطراف المملكة، وظهرت دواعي الخلل، فتقدم صالح ~~للإمامة داعيا إلى نفسه، محاولا ضم النشر، ورد ما ظهر من دواعي الغرر، فإذا ~~استظهر بالعدة التامة من وصفناه، فظهور هذا لا يحمل على الفسوق والعصيان ~~والمروق، فإذا جرى ذلك، وكان يجر صرفه ونصب غيره فتنا، وأمورا محذورة، ~~فالوجه أن يوافق، ويلقى إليه السلم، وتصفق له أيدي العاقدين. # وهل تثبت له الإمامة بنفس الاستظهار والانتداب للأمر؟ ما أراه أنه لا بد ~~من اختيار وعقد، فإنه ليس متوحدا فنقضي بتعين الإمامة له. # وثبوت الإمامة من غير تولية عهد من إمام أو صدور بيعة ممن هو من أهل ~~العقد أو استحقاق بحكم التفرد والتوحد كما سبق - بعيد. # PageV01P325 ### | 469 - # [وقد] قال بعض أئمتنا إذا عسرت مدافعته، وفي استمراره على ما تصدى (173) ~~له توفية لحقوق الإمامة، فيتعين تقريره، وإذا تعين الأمر لم يبق للاختيار ~~اعتبار، فإن الاختيار إنما يفرض له أثر إذا تقابل ممكنان، ولم يكن أحدهما ~~أولى من الثاني، ولم يتأت الجمع بينهما، فيعين الاختيار أحد الجائزين. # فالاستظهار مع تعذر المعارضة والمناقضة يتضمن ثبوت الإمامة. # والمرضي عندنا المسلك الأول فيجب العقد له، لما فيه من تقرير غرض ms124 ~~الإمامة، وإقامة حقوقها، وتسكين الفتنة الثائرة وتطفية النائرة، وعلى ذلك ~~بايع الحسن والحسين - رضي الله عنهما - معاوية - رضي الله عنه - لما رأياه ~~مستقلا، وعلما ما في مدافعته من فنون الفتن، وضروب المحن. ### | 470 - # وغائلة هذا الفصل في تصويره، فإن الذي ينتهض لهذا الشأن لو بادره من غير ~~بيعة وحاجة حافزة، وضرورة مستفزة، أشعر ذلك باجترائه، وغلوه في استيلائه، ~~وتشوفه إلى استعلائه، وذلك يسمه بابتغاء العلو في الأرض بالفساد. # PageV01P326 ### | 471 - # ولا يجوز عقد الإمامة لفاسق، وإن كانت ثورته لحاجة ثم زالت وحالت، ~~فاستمسك بعدته محاولا حمل أهل الحل والعقد على بيعته، فهذا أيضا من ~~المطاولة والمصاولة، وحمل أهل الاختيار على العقد له بحكم الاضطرار، وهذا ~~ظلم وغشم يقتضي التفسيق. # فإذا تصورت الحالة بهذه الصورة، لم يجز أن يبايع، وإنما التصوير فيه إذا ~~ثار لحاجة، ثم تألبت عليه جموع لو أراد أن يتحول عنهم لم يستطع، وكان يجر ~~محاولة ذلك عليه وعلى الناس فتنا لا تطاق، ومحنا يضيق عن احتمالها النطاق، ~~وفي استقراره الاتساق والانتظام، ورفاهية أهل الإسلام، فيجب تقريره كما ~~تقدم. ### | 472 - # والمختار أنه وإن وجب تقريره، فلا يكون إماما، ما لم تجر البيعة، ~~والمسألة في هذا الذي ذكرناه مظنونة، والمقطوع به وجوب تقريره. # PageV01P327 # هذا كله في استيلاء من هو صالح لمنصب الإمامة، وهو قسم واحد من الأقسام ~~الثلاثة المرسومة في صدر الباب. . ### | [استيلاء كاف ذي نجدة غير مستوفي الصفات] ### | 473 - # فأما القسم الثاني وهو أن يستولي كاف ذو استقلال بالأشغال، وليس على خلال ~~الكمال المرعي في الإمامة، والقول في ذلك ينقسم: # فلا يخلو الزمان إما أن يكون خاليا عن مستجمع لشرائط الإمامة، أو لا يكون ~~شاغرا عن صالح لها. ### | 474 - # فإن خلا الزمان عن كامل على تمام الصفات، نظر: فإن نصب أهل النصب كافيا ~~على ما تقدم تفصيل انخرام الصفات، على ترتيب قدمته في الرتب والدرجات - نزل ~~منزلة الإمام في إمضاء [الأحكام] وتمهيد قواعد الإسلام، كما تقدم مشروحا. ### | 475 - # وإن استولى بنفسه، واستظهر بعدته، وقام بالذب عن بيضة الإسلام وحوزته ms125 - ~~فالأمر في ذلك ينقسم حسب انقسام الكلام فيه، إذا كان المستولي صالحا ~~للإمامة. # PageV01P328 ### | [حكم المستولي الكافي الذي لا يشاركه غيره] ### | 476 - # فإن تصور توحد كاف في الدهر لا تبارى شهامته، ولا تجارى صرامته، ولم نعلم ~~مستقلا بالرئاسة العامة غيره - فيتعين نصبه. # ثم تفصيل تعينه كتفصيل تعين من يصلح للإمامة، كما تقدم حرفا حرفا. ### | 477 - # والآن أمد في ذلك أنفاسي، فإنه من أهم المقاصد، وأعم الفوائد، وهو مفتتح ~~القول في بيان ما دفع إليه أهل الزمان. . # والمقاصد من ذلك يحصرها أمور: أحدها: أن القائم بهذا الأمر في خلو الدهر، ~~وشغور العصر في حكم الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، ولا بد من إثبات ~~ذلك (175) بالواضحة، والحجة اللائحة، حتى إذا تقررت القاعدة، # PageV01P329 # رتبنا عليها ما يتضح به المقصود، إن شاء الله، والله المستعان المحمود. ### | 478 - # وقد اتفق المسلمون قاطبة على أن لآحاد المسلمين، وأفراد المستقلين ~~بأنفسهم من المؤمنين أن يأمروا بوجوه المعروف، ويسعوا في إغاثة كل ملهوف، ~~ويشمروا في إنقاذ المشرفين على المهالك والمتاوي والحتوف. ### | 479 - # وكذلك اتفقوا على أن من رأى مضطرا مظلوما، مضطهدا مهضوما، وكان متمكنا من ~~دفع من ظلمه، ومنع من غشمه، فله أن يدفع عنه بكنه جهده، وغاية أيده، كما له ~~أن يدفع عن نفسه. ### | 480 - # ولو هم رجل أن يأخذ مقدار نزر وتح من # PageV01P330 # مال إنسان، فله أن يدفعه باليد واللسان، وإن أتى الدفع على القاصد ظلما، ~~كان دمه مهدرا محبطا، مطلولا مسقطا. ### | 481 - # فإذا كان يجوز الدفع عن الفلس والنفس باللسان والخمس، ثم بالسلاح ~~والجراح، من غير مبالاة بزهوق الأرواح، مع التعرض للتردد بين الإخفاق ~~والإنجاح، فلو انتفض الدهر عن إمام ذي استقلال، وقيام بمهمات الأنام، ولا ~~خبال في عالم الله يبر على التطام الرعاع والطغام، وهمج العوام. # ولو جرت فترة في بعض الأعوام، وجرى ما نحاذره من خروج الأمور عن مسالك ~~الانتظام للقي أهل الإسلام أحوالا واختلالا، لا يحيط بوصفه غايات الإطناب ~~في الكلام ولأكل بعض الناس بعضا، وارتجت الممالك، واضطربت المسالك طولا ~~وعرضا. # ثم إذا ms126 خلت الديار عن الجنود المعقودة والأنصار، استجرأ # PageV01P331 # الكفار، وتمادى الفساد والانتشار، وعم الشر والضر (176) وظهر الخبال في ~~البحر والبر: فكم من دماء لو أفضى الأمر إلى ذلك تسفك، وكم من حرمات تهتك، ~~وكم من حدود تضيع وتهمل، وكم ذريعة في تعطيل الشريعة تعمل، وكم من مناظم ~~للدين تدرس، وكم معالم تمحق وتطمس. # وقد يتداعى الأمر إلى أصل الملة، ويفضي إلى عظائم تستأصل الدين كله، ~~[إذا] لم ينتهض من يحمل عناء الإسلام وكله. ### | 482 - # فلو انتهى الخطب إلى هذا المنتهى، واستمكن متوحد في العالم من العدد ~~والعدد، وموافاة الأقدار، ومصافاة الأعوان والأنصار. # وثقابة الرأي والنهي وعزيمة في المعضلات لا تفل، وشكيمة لا تحل، وصرامة ~~في [الملمات] يكل عن نفاذها ظبات السيوف، وشهامة في الدواهي المدلهمات ~~تستهين باقتحام جراثيم الحتوف، وأناة يخف بالإضافة إليها الأطواد الراسخة. # وخفة إلى مصادمة العظائم تستفز ثقل الأوتاد الشامخة، إذا حسب تبلد بين ~~يديه كل # PageV01P332 # ماهر [حسوب] ، وإذا شمر، خضع لجده وجده معوصات الخطوب، وقد طبع الفاطر ~~على الإذعان له حبات القلوب، كلما ازدادت الأمور عسرا، ازداد صدره الرحيب ~~انفساحا، وغرته الميمونة بشرا. # إن نطق فجوامع الكلم وبدائع الحكم، تنتزع عن الأصمخة صمام الصمم، وإن رمز ~~وأشار فالشهد الجني المشار. # وإن وقع أعرب وأبدع، وخفض ورفع، وفرق وجمع، ونفع ودفع، العفة حكم خلائقه، ~~والاستقامة نظم طرائقه، وقد حنكته التجارب، وهذبته المذاهب، يسكته حلمه، ~~وينطقه علمه، وتغنيه اللحظة، وتفهمه اللفظة، يخدمه السيف والقلم (177) ، ~~ويعشو إلى ضوء رأيه الأمم. # إن سطا على # PageV01P333 # العتاة بعنفه شامخا بأنفه، ارفضت رواسي الجبال، وتقطعت نياط قلوب الرجال، ~~وإن لاحظ العفاة بطوله أزهرت رياض الآمال. # وهذه الخلال إلى استمساك من الدين بالحبل المتين، واعتصام بعرى الحق ~~المبين، ولياذ في قواعد العقائد بثلج الصدر، وبرد اليقين، وثقة بفضل الله ~~لا يكدرها نوائب الأزمان، ولا يغيرها طوارق الحدثان. # وحق المليك الديان أنه يقصر عن أدنى معانيه ومعاليه غايات البيان. ### | 483 - # هذه كنايات عن سيد الدهر، وصدر العصر، ومن إلى جنابه منتهى العلا والفخر، ~~وقد قيضه الله ms127 جلت قدرته، لتولي أمور العالمين وتعاطيها، وأعطي القوس ~~باريها. # فهو على القطع في الذب عن دين الله، والنضال عن الملة وترفيه المسلمين عن ~~كل مدحضة ومزلة، وتنقية الشريعة [عن] كل بدعة شنعاء مضلة، وكف الأكف ~~العادية. # وعضد الفئة المرشدة الهادية في # PageV01P334 # مقام شفيق رفيق، قوام على كفالة أيتام: ينتحي غبطتهم، ويتجاوز عثرتهم ~~وسقطتهم. ### | 484 - # وإذا كان يقوم الرجل الفرد بالذب عن أخيه، وبهداية من يستهديه، ونصرة من ~~يندبه ويستدعيه، فالإسلام في حكم شخص مائل يلتمس من يقيم أوده، ويجمع شتاته ~~وبدده، ويكون عضده ومدده، ووزره وعدده. # فلئن وجب إسعاف الرجل الواحد بمناه [وإجابته] في استنجاده واسترفاده إلى ~~مهواه فالإسلام أولى بالذب، والنادب إليه الله. ### | 485 - # وإنما لم يجعل لآحاد الناس شهر السلاح، ومحاولة المراس في رعاية الصلاح ~~والاستصلاح (178) لما فيه من نفرة النفوس، والإباء والنفاس، والإفضاء إلى ~~التهارش والشماس. ### | 486 - # والذي يزيل أصل الإشكال والإلباس أنا نجوز للمطوعة في الجهاد الإيغال في ~~بلاد أهل العناد من الكفار، على الاستبداد، وإن كان الأولى أن يكون صدرهم ~~عن رأي الإمام الذي إليه الاستناد، # PageV01P335 # فلما كان غايتهم الاستشهاد - والشهادة إحدى الحسنيين - لم يمنع المطوعة ~~من التشمير للقتال. # والنزاع بين المسلمين محذور، والسبب المفضي إليه محرم محظور. فإذا استقل ~~فرد الزمان بعدة لا تصادم، واستطالت يده الطولى، على الممالك عرضا وطولا، ~~واستتبت الطاعة، وأمكنت الاستطاعة فقيامه بمصالح أهل الإيمان بالسيف ~~والسنان، كقيام الواحد من أهل الزمان بالموعظة الحسنة باللسان. # وها أنا الآن أنهي القول فيه، إلى قصارى البيان، والله تعالى المستعان. ### | 487 - # [فالمتبع] في [حق المتعبدين] الشريعة ومستندها القرآن، ثم الإيضاح من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والبيان، ثم الإجماع المنعقد من حملة ~~الشريعة من أهل الثقة والإيمان. # فهذه القواعد. وما عداها من مستمسكات الدين كالفروع والأفنان. # PageV01P336 ### | 488 - # والإمام في التزام الأحكام، وتطوق الإسلام كواحد من مكلفي الأنام، وإنما ~~هو ذريعة في حمل الناس على الشريعة، غير أن الزمان إذا اشتمل على صالحين ~~لمنصب الإمامة، فالاختيار يقطع الشجار، ويتضمن التعيين والانحصار، ولا حكم ms128 ~~مع قيام الإمام إلا للمليك العلام. ### | 489 - # فإذا لم يتفق مستجمع للصفات المرعية، واستحال تعطيل الممالك والرعية، ~~وتوحد شخص بالاستعداد بالأنصار، والاستظهار بعدد الاقتهار والاقتسار (179) ~~[والاستيلاء] على مردة الديار، وساعدته مواتاة الأقدار، وتطامنت له أقاصي ~~الأقطار، وتكاملت أسباب الاقتدار. # فما الذي [يرخص] له في الاستئخار عن النصرة والانتصار؟ والممتثل أمر ~~الملك القهار، كيف انقلب الأمر واستدار. ### | 490 - # فالمعنى الذي يلزم الخلق طاعة الإمام، ويلزم الإمام القيام بمصالح ~~الإسلام، أنه أيسر مسلك في إمضاء # PageV01P337 # الأحكام، وقطع النزاع والإلزام، وهو بعينه يتحقق عند وجود مقتدر على ~~القيام بمهمات الأنام، مع شغور الزمان عن إمام. ### | 491 - # فقد تحقق ما أحاوله قطعا على الله العظيم شانه، ووضح كفلق الصبح دليله ~~وبرهانه، فامض يا صدر الزمان # PageV01P338 # قدما ولا تؤخر الانتهاض لما رشحك الله له [قدما] . # وأقدر الآن أسئلة مخيلة وأنوي بيمن أيام مولانا جوابا عن كل سؤال يوضح ~~تحقيقه وتحصيله، ثم ينتجز بانقضاء السؤال والجواب مقصود هذا الفصل من هذا ~~الباب. ### | 492 - # فإن قيل: إنما كان يستقيم ما ذكرتموه ويستمر ما كررتموه لو كانت الأمور ~~جارية على سنن السداد ومناهج الرشاد، فأما والأيدي عادية، ووجوه الخبل ~~والفساد بادية، ونفوس المتمردين على الطغيان والعدوان متمادية، وليس للملك ~~عصام ضابط، ولا # PageV01P339 # انتظام رابط، وربقة الإيالة محلولة، وحدود السياسة مفلولة، وسيوف ~~الاعتداء مسلولة، ورباط العزائم منحلة، ورقاب الطغام عن جامعة الولاة ~~منسلة، ومعالم العدل مندرسة، ومناظم الإنصاف منطمسة. # فالبعد من هذه الفئة الطاغية أسلم، والنأي عنهم أحزم، وإذا استبدل الزمان ~~عن الرشد غيا، فلا نعدل بالسلامة شيا. ### | دفاع إمام الحرمين عن نظام الملك ### | 493 - # قلت: هذا الآن تدليس وإلغاز وتلبيس (180) وأجيب عنه من وجهين: أحدهما - ~~أن الأمر على خلاف ما ذكره السائل وصوره، فإن الطاعة مبسوطة، وعرى الملك ~~برأي سلطان الزمان منوطة، وحوزة الإسلام - والحمد لله - محوطة، والأبهة ~~قائمة، والأركان وارفة الأفنان، رحبة الأعطان. # وقاعدة الملك راسخة، وأطواد الهيبة شامخة، وأوتاد الدولة باذخة، والسلطنة ~~بمائها، والمملكة مستمرة على علائها، # PageV01P340 # والعزة مستقرة في غلوائها، ورواق الجد ممدود، ولواء النصر ms129 معقود، ما نجم ~~ناجم إلا قصمه من القدر الغالب قاصم، وما هجم ثائر هاجم إلا صدمه صادم. # ولو ذهبت أبسط القول في ذلك مقالا، لصادفت مضطربا رحبا ومجالا. # [أما] تعدي الأجناد بعض حدود الاقتصاد، فلم يخل منه زمان، ولم يعر منه ~~أوان، ونعم الحكم العدل والإنصاف، فلنضرب عما يجري في الأكناف والأطراف، ~~ولنعمل على تنكب الاعتساف، فنقول: ### | 494 - # مرموق الخلائق على [تفنن] الآراء والطرائق الدماء والأموال والحرم. أما ~~الدماء فمحقونة في أهبها في أعم الأحوال، فإن فرضت فتكة واغتيال، وهتكة ~~واحتيال تداركها المترصدون لهذه الأشغال. # وأما الأموال فمعظم الطلبات الخارجة عن الضبط محسومة، [وأسباب] المكاسب ~~منظومة، ومطالع مطامع المتعدين # PageV01P341 # أطوارهم مردومة، والتوزيعات والقسم مرفوضة، وقواعد المطالبات والمصادرات ~~منقوضة، والرفاق من أقاصي الآفاق على أطراف الطرق في خفض الأمن وادعون، ~~وأصحاب العرامات مطرقون، تحت هيبة السلطنة خاشعون، ولو قيس هذا (181) ~~الزمان اللاحق بالزمان السابق لظهر اختصاصه بفنون من النعمة والأمنة، لا ~~يصفها الواصفون، ولا يقوم بكشفها الكاشفون وأما الحرم فمصونة، من جهة صدر ~~جنود الإسلام مرعية محفوظة من نزغاتهم ونزقاتهم محمية ملحوظة من رعاة ~~الرعية. # وإن فرضت لطمة وبلية كانت في حكم عثرة يرخى عليها الستر وتقال أو يلحق ~~بمن يأتيها الخزي والنكال. ### | 495 - # هذا حكم كلي على مناظم المملكة، فإن انسلت عن الربط بوادر ونوادر غير ~~مدركة، وفارقت منهج الضبط ومسلكه أو هاجت في أكناف الخطة فتنة ثائرة، ~~ونائرة جرت مهلكة، # PageV01P342 # فمن الذي يضمن [نفض] الدنيا عن بوائقها ويرخصها عن دواهيها وعوائقها هذا ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما دار الفلك على شكله، وما قامت النساء ~~على مثله، درت أخلاف الدين في زمنه ثرة، وساس حوزة الإسلام بدرة وقال - رضي ~~الله عنه - مرة: لو تركت جرباء على ضفة الفرات لم تطل بالهناء، فأنا ~~المطالب بها يوم القيامة " ثم صادف علج منه غرة، وقتله قتلة مرة، فلم ينفعه ~~عزمه وحزمه، لما نفذ فيه قضاء الله وحكمه، ولم نجد لقضاء الله مردا. وإن ~~كان سورا حول الإسلام وسدا. # ولو أرخيت في ms130 هذا الفصل فضل عناني وأرسلت عذبة لساني وقصصت من بدائع هذه ~~المعاني، لجاوزت القواعد من مقاصدي في هذا المجموع والمباني. ### | 496 - # ثم أختتم هذا الفصل بما هو غايات الأماني، وأنهيه مبلغا يعترف بموضوعه ~~القاصي والداني، فأقول: ما تشبث به الطاعنون # PageV01P343 # من هنات وعثرات، صدرها عن معرة (182) الأجناد المنحرفين عن سنن الاقتصاد، ~~في أطراف الممالك والبلاد. # لو سلم لهم كما يدعون، توبعوا فيما يأتون ويذرون، وغض عنهم طرف الانتقاد ~~فيما يبتدعون ويخترعون فأنى يقع ما يقولون مما يدفع الله بهم من معضلات ~~الأمور، ويدرأ بسببهم من فنون الدواهي على كرور الدهور؟ # أليس بهم انحصار الكفار في أقاصي الديار؟ وبهم تخفق بنود الدين على ~~الخافقين، وبهم أقيمت دعوة الحق في الحرمين، وأثبتت كتائب الملة في ~~المشرقين والمغربين، [وارتدت] مناظم الكفار منكوسة، ومعالمهم معكوسة. # وبذل عظيم الروم الجزية والدنية، وصارت المسالمة والمتاركة له قصارى ~~الأمنية، وانبسطت هيبة الإسلام على الأصقاع القصية، وأطلت على قمم الماردين ~~رايته العلية، وأضحت ثغر صدورهم لأسنة عساكر الإسلام درية. # PageV01P344 # هذه رمزة إلى أدنى الآثار في ديار الكفار. ### | 497 - # فأما ما دفع الله بهم عن بلاد الإسلام من البدع والأهواء، وضروب الآراء ~~فلا يحتوي عليها نهايات الأوصاف والأنباء: # أليس اقتلعوا قاعدة القرامطة من ديارها واستأصلوا ما أعيا ذوي النجدة ~~والباس من خلفاء بني العباس من آثارها؟ وأوطئوا رقاب الزنادقة، وكل فئة ~~مارقة سنابك الخيل. # وانتهى رعبهم حيث انتهى الليل، فلم يبق في خطة الإسلام متظاهر بالبدعة، ~~إلا أضحى منكوبا مرعوبا مكبوبا، فإن ألفي زائغ مراوغ، يدب الضراء، ويمشي ~~الخمر، فهو من أهل الحق والسنة على أعظم الغرر. # فإذا كانوا عصاما لدين الإسلام ووزرا للشريعة التي (183) ابتعث بها سيد ~~الأنام فأي قدر للدنيا بحذافيرها بالإضافة إلى الدين؟ وأي احتفال بأعراضها ~~مع استمرار الحق المبين، والمنة لله رب العالمين. # PageV01P345 ### | 498 - # ولو أرخيت في ذلك الطول لخفت انتهاء الكلام إلى الإطناب والملل، وربما ~~كان ما قل ودل، أنجع مما يطول فيمل، فمن لا يحيط بحقائق الأشياء في ~~[استدادها] فليتخيل جريان نقائضها وأضدادها. ms131 # ولو فرضت - والعياذ بالله - فترة تجرأ بسببها الثوار من الديار، ونبغ ذوو ~~[العرامة] الأشرار، وانسلوا عن ضبط بطاش في الزمان ذي اقتدار، لافتدى ذوو ~~الثروة واليسار أنفسهم وحرمهم بأضعاف ما هم الآن باذلون في دفع أدنى ما ~~ينالهم من الضرار. ### | 499 - # نعم. ولو [تذاكرنا] الواقعة التي أرخت في تواريخ الأخبار، لأغنتنا عن ~~إطالة النظر والاعتبار، لما انجر من أقاصي بلاد الروم والعسكر الجرار ~~وانسدت السبل، وضاقت الحيل، وغص الجو بالخرصان، وجاش جيش الكفر بالفرسان، ~~ولم يشكوا أنهم يطوون من الأرض مناكبها، ويملكون مشارق الأرض ومغاربها. # وأضحت قلوب المسلمين واجفة، وأحشاؤهم راجفة، وآراؤهم # PageV01P346 # متفاوتة، وعقولهم متهافتة، فمال ملك الإسلام، ألب أرسلان - تغمد الله ~~روحه بالروح والرضوان - إليهم وانقض انقضاض الصقر عليهم، وغضب لله غضبة ~~تستجفل الآساد عن أشبالها، وانغمس في شرذمة قليلة في غمرة الداهية، غير ~~محتفل بأهوالها. # وكان الكفار اغتروا بوفور جمعهم، ولم يعلموا أن الله من وراء قمعهم، فرضي ~~ملك الإسلام بمقدور القضاء، ومد علم الحق (184) إلى الفضاء فأضاءته من جنود ~~الإسلام بروق السيوف، ومطرت سحائب الحتوف، وتكشرت أنياب الهيجاء، ودارت ~~الرحا على الدماء، واستمرت الحرب سجالا، ونال كل من قرنه منالا، فلما كان ~~يوم الجمعة التقى الصفان، والتحم الفئتان، والتقت حلقتا البطان. # PageV01P347 # فقال الملك ألب أرسلان: طاردوهم حتى توافوا [أوان] دعوة الخطباء في أقاصي ~~البلدان، فما زالت الشمس حتى زالت أعلامهم، وزلت أقدامهم، وبلغت أن قائدهم ~~الملقب بقيصر لما نفخ الشيطان في مناخره، وعمي في أول الأمر عن آخره، أقدم ~~متابعا قائد غيه وضلاله، مجيبا داعي جهله وخباله. # فكان أول من أبدت الحرب مقاتله وأرسى عليه الموت كلاكله، فحصل في قبضة ~~الأسر، وانبسطت عليه يد القسر، ورد الله كيده في نحره، وأذاقه وبال أمره، ~~فبات مع المقرنين في الأصفاد، والله للباغين بالمرصاد. # فمن استمسك بالحق، ولم يمل به مهوى الهوى عن الصدق تبين على البدار ~~والسبق أن خزائن العالمين، وذخائر الأمم الماضين وكنوز المنقرضين، لو قوبلت ~~بوطأة من الكفار لأطراف ديار الإسلام، لكانت مستحقرة مستنزرة. # فكيف لو تملكوا ms132 البلاد # PageV01P348 # وقتلوا العباد، وقرعوا الحصون والأسداد، وخرقوا عن ذوات الخدور حجب ~~الرشاد، ومال إليهم من لا خلاق له من حثالة الناس بالارتداد، وتخلل الحرائر ~~العلوج، وهتك حجالهن التبذل والبروج، وهدمت المساجد، ورفعت الشعائر ~~والمشاهد، وانقطعت الجماعات والأذان وشهرت النواقيس والصلبان وتفاقمت دواعي ~~الاجتراء (185) والافتضاح، وصارت خطة الإسلام بحرا طافحا بالكفر الصراح؟ ~~فما القول في أقوام بذلوا في الذب عن دين الله حشاشات الأرواح، وركبوا ~~نهايات الغرر متجردين لله تعالى في الكفاح، وواصلوا المساء بالصباح، والغدو ~~بالرواح، وركبوا إلى الموت أجنحة الرياح، متشوفين إلى منهل المنايا على هزة ~~وارتياح؟ حتى وافوا بحرا من جمع الكفار لا ينزفه إدمان الانتزاح، فركنوا ~~للموت. # وتنادوا لا براح، وألموا بهم إلمام القدر المتاح، وما وهنوا # PageV01P349 # وما استكانوا وإن عضهم السلاح، وفشا فيهم الجراح حتى أهب الله رياح النصر ~~من مهابها، ورد شعائر الحق إلى نصابها، وقيض من ألطافه بدائع أسبابها. # أيثقل هؤلاء على أهل الإسلام بنزر من الحطام؟ وهم القوام والنظام. # فهذه نبذة كففت فيها غرب الكلام، ودللت بالمرامز على نهايات المرام. ### | 500 - # والآن آخذ في فن [آخر] وأنتحي فيه فن الاستقصاء والإتمام، فأقول: # لو سلمت للطاعنين غاية ما حاولوه جدلا، ولم أنازعهم مثلا، وضربت عن ~~محاقتهم حولا، فهل هم منصفي في خطة أسائلهم # PageV01P350 # عن سرها وأباحثهم في خيرها وشرها، ونفعها وضرها وحلوها ومرها، فأقول: # لو فرضنا خلو الزمان عمن تشكون من الأقوام وتعرى الخواص والعوام، عن ~~مسيطر بطاش قوام. # أهذا أقرب إلى السداد والانتظام، أم قيامهم على الثوار والطغام، مع ~~امتداد الأيدي إلى نزر مما جمعوه من الشبهات والحرام، مع استمساكهم من ~~الدين الحق بأقوى عصام، ووقوفهم في وجوه الكفار، كأنهم أسود آجام؟ # فالوجه رؤية (186) أنعم الله في مثارها، والابتهال إليه في دفع غوائل ~~الطوارق ومضارها، ومن طلب زمانا صافيا عن الأقذاء والأكدار، فقد حاول ما ~~يند عن الإمكان والأقدار: # ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار. # وقد حان الآن أن نضرب في معنى آخر مستجد مستجاد، ونمعن # PageV01P351 # في منهج حديث مستفاد، ms133 فنقول: ### | 501 - # لو قدرنا من تشكونهم على ما تقدرونهم، فهل تسلمون ما يدفع الله من شرهم، ~~ويدرأ من [ضرهم] ، بسبب من هو سيد الأمة وملاذها، وسندها ومعاذها؟ وهل ~~يعترفون بأنه لولا هيبته القاهرة، وسطوته القاسرة، لانسل عن لجم الضبط ~~العتاة، واسترسلت على [انهتاك] الحرمات، واقتحام المنكرات - الطغاة؟ ولبلغ ~~الأمر مبلغا لا تأتي عليه الصفات؟ . ### | 502 - # فإن أبدى الطاعنون صفحة الخلاف، وجانبوا وجه الإنصاف كانوا في حكم من ~~يعاند المحسوسات، ويجاحد البدائه والضرورات. # وإن أذعنوا للحق، وباحوا بالصدق، وقالوا: إن ما يدفع الله به ظاهر لا سبل ~~إلى إنكاره، ومن جحده، شهدت عليه بدائع آثاره. فنقول: # PageV01P352 ### | 503 - # إذا جل قدر من يدرأ من الآفات والبليات، وضروب المعضلات، فالقيام بدفعها ~~تصد لكفاية المسلمين متاوي ومعاطب، وفنونا من الدواهي، وليس من شرط ~~الاستقلال بدفع مهمات إمكان دفع سائرها. # ومن رأى أخاه المسلم مشرفا على الهلاك، وصادف ماله متعرضا للضياع، ~~واستمكن من دفع الهلاك عنه، ولم يتمكن من إنقاذ ماله، فيتعين الدفع (187) ~~عن نفسه، وإن عسر تخليص ماله. # فالذي ناط الله عزت قدرته تعالى بمنصب صدر الزمان، من دفع طوارق الحدثان، ~~لا يأتي على أدناه غايات البيان، والذي يعسر دفعه، ورده ومنعه لا يمنع وجوب ~~دراء ما يسهل درؤه. ### | 504 - # – وأنا أستوضح مرامي بضرب مثل، فأقول: إن بلي المسلمون [بجدب] في بعض سني ~~الأزم، وألم بالناس موتان، فالآفات السماوية لا يدخل دفعها تحت الإيثار ~~والأقدار، ولكن ما يمكن دفعه، ويرتبط بالإيثار والاختيار منعه، من هرج # PageV01P353 # أو ثوران متلصص، أو استجماع قطاع الطرق، أو وطء طوائف من الكفار أطراف ~~ديار الإسلام، فيتعين القيام بالدفع على حسب الإمكان. # وإن كان قد يغشى الخلائق من ضروب البوائق، ما لا استمكان في درئه، فما ~~يصدر من الأجناد، مما يتعذر تقدير دفعه كآفات سماوية. # وما تيسر دفعه يتعين التشمير، واجتناب التقصير في دفعه. فقد بلغ الكلام ~~في فنه نهاية الإيضاح ولاح كفلق الصباح وقد انتهى مقدار الغرض في الجواب عن ~~سؤال واحد أنا الآن آخذ في ضرب آخر في ms134 معرض سؤال وجواب عنه. ### | [حكم تخلي الإمام عن منصبه] ### | 505 - # فإن قيل: هل يرخص الشارع للمستقل بالمنصب الذي وصفتموه النزول عنه، ~~والتخلي لعبادة الله، وإيثار الامتياز # PageV01P354 # والانحجاز عن مظان الغرر، ومواقع الخطر، وتفويض أمر العباد إلى خالقهم ~~ورازقهم؟ # قلنا: لا يحل للقائم بالأمر الانسلال والانخزال عما تصدى له من كفاية ~~المسلمين عظائم الأشغال، إذا علم أنه لا يخلفه من يسد في أمر الدين والدنيا ~~مسده، ويرد بوادر الظلمة رده. # وتبين أن من يتشوف إلى (188) الاستقلال بالأشغال، لا يبوء بالأعباء ~~والأثقال، ولا يرجع إلى حشمة وأبهة رادعة، ورأي مطاع، واستبداد بمتابعة ~~أشياع، ومشايعة أتباع، وتوفر من همم الخلق ودواع في الإذعان والأتباع، ~~وإصفاق وإطباق من طبقات الخلق في الآفاق. # على الثقة بأقواله، والركون إلى متصرفات أحواله، واعتقاد مصمم من كافة ~~الورى، من يرى ومن لا يرى، أنه إذا تعطف [وترأف] فكأمك # PageV01P355 # شفيق، وناصح رفيق، وإن استجار ملهوف بذراه فركن وثيق، وإن تغشت سخطته ~~جبابرة الأرض لم يبق منهم في الحناجر ريق. # يعم أهل الخلاف والوفاق نصحه وإشفاقه، ويطبق طبقات الخلائق مباره ~~وإرفاقه، ويستنيم إلى مأمن إنصافه كل ختار غادر، ويستكين لهيبته كل جبار ~~قاسر، قد استطال على الرقاب الغلظ فرسانه، واستمال حبات القلوب إحسانه. ### | 506 - # فإلى متى أطيل طول الكلام، وقد تناهى الوضوح والكنى والحال يصرح ويبوح، ~~ومن تستجمع له هذه الخلال، إلا فرد الدهر ومرموق العصر؟ ومن يتصدى في متسع ~~الأرض - إذا تأمل الباحث عنها الطول منها والعرض - لأدنى مقام من هذه ~~المقامات؟ # ومن يرقى إلى أقرب درجة من هذه الدرجات؟ هيهات هيهات، لم يأت والله ~~[بمثله] مكر الأدوار، ولم يحتو على شكله محدب الفلك الدوار، ولم يسمح ~~بنظيره منقلب [الأيام] والأقدار، ومضطرب الدهور والأعصار ومن قدر له # PageV01P356 # في العالمين ضريبا، استطالت عليه ألسنة أرباب الألباب تفنيدا وتكذيبا. ### | 507 - # ولو فرض فارض مستظهرا بالعدد بطاشا بأنصار، من غير (189) رجوع إلى اعتزام ~~وافتكار، ونظر في مهمات الرعايا واعتبار، لصارت الخطة فراشا لكل [عار] ، ~~وفراشا لكل نار. # ثم من ينتهض لدين الله ms135 بالذب والانتصار؟ ومن يتعطف عاطفته على علماء ~~الأقطار؟ ومن يكلأ بالعين الساهرة شعار الدين في أقاصي الديار والأمصار؟ ~~ومن يحسم غوائل البدع بالرأي الثاقب من غير إثارة فتنة وإظهار ضرار؟ . # ومن يداري بلطف الخلق ما يكل عنه غرار الحسام البتار؟ ومن يهتم بالمساجد ~~والمشاهد والمجالس والمدارس في الأمصار، ومن الذي يحن إلى سدته زمر ~~الأولياء والأخيار، حنين الطير إلى الأوكار؟ ومن الذي يستوظف معظم ساعات ~~الليل والنهار في الإصاخة إلى كلام الملهوفين من غير تبرم واستكبار؟ . # فإذا لم يقم أحد مقامه في أدنى هذه الآثار تعين عليه قطعا على الله # PageV01P357 # العظيم شأنه الثبوت والاصطبار، والانتداب لله عزت قدرته في هذه المآرب ~~والأوطار. ### | 508 - # – وأنا الآن أذكر فصولا مجموعة، أنتحي فيها منشأ الحق وينبوعه، وأسترسل ~~في العبارات القريبة المطبوعة، فإن نهايات المعاني، لا تحويها الألفاظ ~~المصنوعة، والكلم المرصعة المسجوعة. # فأقول معولا على التأييد من الله والتوفيق: ليس يخفى على ذوي البصائر ~~والتحقيق، أن القيام بالذب عن الإسلام، وحفظ الحوزة مفروض، وذوو التمكن ~~والاقتدار مخاطبون به، فإن استقل به كفاة، سقط الفرض عن الباقين، وإن ~~تقاعدوا وتجادلوا وتقاعسوا وتواكلوا، عم كافة المقتدرين الحرج على تفاوت ~~المناصب والدرج (190) . ### | [منزلة فروض الكفايات] ### | 509 - # ثم الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، ~~وأعلى [في] فنون القربات من فرائض # PageV01P358 # الأعيان فإن ما تعين على المتعبد المكلف، لو تركه، ولم يقابل أمر الشارع ~~فيه بالارتسام، اختص المأثم به، ولو أقامه، فهو المثاب. # ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات لعم المأثم على الكافة على اختلاف ~~الرتب والدرجات، فالقائم به كاف نفسه وكافة المخاطبين الحرج والعقاب، وآمل ~~أفضل الثواب، ولا يهون قدر من يحل محل المسلمين أجمعين في القيام لمهم من ~~مهمات الدين. ### | 510 - # ثم ما يقضى عليه بأنه من فروض الكفايات، قد يتعين على بعض الناس في بعض ~~الأوقات، فإن من مات رفيقه في طريقه، ولم يحضر موته غيره، تعين عليه القيام ~~بغسله ودفنه وتكفينه. # ومن عثر على بعض المضطرين وانتهى إلى ms136 ذي مخمصة من المسلمين، واستمكن من ~~سد جوعته، وكفاية حاجته ولو # PageV01P359 # تعداه، ووكله إلى من عداه، لأوشك أن يهلك في ضيعته، فيتعين على العاثر ~~عليه القيام بكفايته. ### | 511 - # وأقرب مثال إلى ما نحاول الخوض فيه - الجهاد، فهو في وضع الشرع مع ~~استقرار الكفار في الديار من فروض الكفايات، ولو فرض من [هو من] أهل القتال ~~في الصف، وعدد الكفار غير زائد على الضعف، ثم آثر بعد الوقوف للمناجزة ~~المحاجزة والانصراف من غير تحرف لقتال، أو تحيز إلى فئة، فقد باء بغضب من ~~الله، ومأواه جهنم وبئس المصير، فيصير ما كان فرضا على الكفاية متعينا ~~بالملابسة. # وقد قال العلماء ليس للرجل أن يخرج إلى صوب الجهاد على الاستبداد، دون ~~إذن الوالدين، ولو خرج (191) دونهما كان عاقا، مخالفا لأمر الله مشاقا، ولو ~~خرج من غير استئذان وانغمس في القتال، لما التقى الصفان فليس له أن يرجع ~~الآن، وإن لم يتقدم منه استئذان، وكان خروجه على وجه العقوق والعصيان. . # PageV01P360 # وكذلك العبد القن، ليس له أن يخرج إلى الجهاد دون إذن مولاه، فلو استقل ~~بنفسه وخرج، كان شاردا آبقا متمردا على مالك رقه، تاركا ما أوجب الله من ~~رعاية حقه. # وهو في حركاته وسكناته، وتردداته في جميع تاراته، وحالاته معرض لسخط ~~الله، وسوء عقابه، ثم لو تمادى على إباقه وشراده، ووقف في الصف على ~~استبداده، تعينت عليه المصابرة، حتى تضع الحرب أوزارها. # فهذه جمل قدمنا تذكارها، وأنا أوضح الآن مواقعها وآثارها، فأقول: 512 - ~~قد تحقق أن صدر الورى، وكهف الدين والدنيا، احتمل أعباء الملة وأثقالها، ~~وتقلد أشغالها، وجردت إليه الخليقة آمالها، جررت إليه الأماني أذيالها، ~~وربطت ملوك الأرض بعالي رأيه [سلمها] وقتالها، ووفاقها وجدالها، وواصلت ~~البرية في اللياذ به غدوها وآصالها. # ولو آثر الإيداع أياما معدودة لبدلت الاستقامة أحوالها وزلزلت الأرض ~~زلزالها، وأبدت غوائل الدهر # PageV01P361 # أهوالها، وبلغ الأمر مبلغا يعسر فيه التدارك، ولا يرجى معه التماسك. ### | 513 - # فإذا كان يجب على العبد الآبق إذا لابس القتال ووقف في صف الأبطال أن ~~يصابر، ويستقر ويثابر، ms137 لأنه لو انصرف لأفضى انصرافه، وانعطافه إلى إهلاك ~~الجند، وانحلال العقد. ### | 514 - # ثم إذا كثر الجمع في صف الإسلام، فقد يقل أثر واحد ينسل وينفك، وربما ~~(192) لا يستبين له وقع، ولا يظهر لوقوفه في نظر العقل نفع ولا دفع، إذا ~~كانت بنود الإسلام نحو مائة ألف مثلا، أو يزيدون، ولكن حسم الشرع سبيل ~~الانصراف والانكفاف، فإن تسويغ الانفلال للواحد يؤدي إلى تسويغه لغيره، ~~وهذا يتداعى إلى خروج الأمر عن الضبط، إذ النفوس تتشوف إلى الفرار من مواطن ~~الردى، وتتنكب أسباب التوى. ### | 515 - # فإذا تقرر ذلك من حكم الشريعة فمن وقف في الاستقلال بمهمات المسلمين ~~والذب عن حوزة الدين، موقف من هو في الزمان # PageV01P362 # صدر العالمين، ولو فرض - والعياذ بالله - تقاعده عن القيام بأمر الإسلام، ~~لانقطع قطعا سلك النظام، فلأن تجب عليه المصابرة، مع العلم بأنه لا يسد أحد ~~في عالم الله مسده بعده، وقد أضحى للدين وزرا، وعدة وانتدب للسنة، والإسلام ~~جنة وحده - أولى. . ### | 516 - # فخرج من ترديد المقال في هذا المجال، والاستشهاد بالأمثال قول مبتوت، لا ~~مراء فيه، ولا جدال في أنه يجب على صدر الدين قطعا من غير احتمال - ~~الاستثبات على ما يلابسه من الأحوال. # وأنا أتحدى علماء الدهر فيما أوضحت فيه مسلك الاستدلال، فمن أبدى مخالفة ~~فدونه والنزال في مواقف الرجال. # وهو قول أضمن الخروج عن عهدته في اليوم الجم الأهوال، إذا حقت المحاقة في ~~السؤال، من الملك المتعال، ذي الجلال # PageV01P363 # ثم قربات العالمين، وتطوعات المتقربين، لا توازي وقفة من وقفات من تعين ~~عليه بذل المجهود في الذب عن الدين. ### | [حكم خروج نظام الملك للحج] ### | 517 - # ومما يتعين الآن إيضاحه قضية ناجزة، يئول أثر ضرها، وخيرها، إلى الخلائق، ~~على تفاوت مناصبها، ويظهر (193) وقعها في مشارق الأرض ومغاربها. # وهي أنه شاع في بلاد الإسلام [تشوف] صدر الأنام، إلى بيت الله الحرام، ~~وقد طوق الله هذا الداعي من معرفة الحلال والحرام، ما يوجب عليه إيضاح ~~الكلام، في هذا المرام، وكشف أسباب الاستبهام والاستعجام، فأقول وبفضل الله ~~الاعتصام: # إن كان ms138 ما صمم صدر الإسلام عليه الرأي والاعتزام، من ابتغاء تيك المشاعر ~~العظام، متضمنا قطع نظره عن الخليقة، فهو محرم على الحقيقة. ### | 518 - # – وأنا أوضح المسلك في ذلك، وأبين طريقه، فليست # PageV01P364 # الأعمال قربا لأعيانها، وذواتها، وليست عبادات لما هي عليها من خصائص ~~صفاتها، وإنما تقع طاعة من حيث توافق قضايا أمر الله في أوقاتها. # فالصلاة الموظفة على العبد لو أتى بها على أبلغ وجه في الخضوع والاستكانة ~~والخشوع، قبل أوانها، لم تقع موقع الاعتداد، والصلاة ممن هو من أهلها من ~~أفضل القربات، ولو أقدم عليها محدث كان ما جاء به من المنكرات. ### | 519 - # فالحج إحرام ووقوف، وإفاضة وطواف ببيت [مشيد] من أحجار سود، وتردد بين ~~جبلين، على طوري المشي والسعي، وحلاق إلى هيآت وآداب، وإنما تقع هذه ~~الأفعال قربا من حيث توافق أمر الله تعالى وتقدس. # وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من غلب على الظن إفضاء خروجه إلى الحج ~~إلى تعرضه أو تعرض طوائف من المسلمين للغرر والخطر، لم يجز له أن يغرر ~~بنفسه وبذويه، ومن يتصل # PageV01P365 # به ويليه، بل يتعين عليه تأخير ما ينتحيه، إلى أن يتحقق تمام الاستمكان ~~فيه. # وهذا في آحاد الناس ومن يختص أمره به، وبأخصه. ### | 520 - # فأما من ناط الله به أمور المسلمين، وربط بنظره معاقد (194) الدين، وظل ~~للإسلام كافلا وملاذا، وكهفا ومعاذا، ولو قطع عن استصلاح العالمين، ومنع ~~الغاشمين، ودفع الظالمين، وقمع الناجمين - نظره، لارتبك العباد، والرعايا ~~والأجناد، في مهاوي العبث والفساد، واستطال المبتدعة الراتعون، وثار في ~~أطراف الخطة النابغون، وزالت نضارة السنة وبهجتها، ودرست أعلامها ومحجتها. ### | 521 - # فكيف يحل لمن يحل في دين الله هذا المحل، وقد أحال الله عليه العقد ~~والحل، وأناط بإقباله وإعراضه العز والذل، وعلق بمنحه ومنعه الكثر والقل، ~~وربط بلحاظه وتوقيعاته وألفاظه الرفع والخفض، والإبرام والنقض، والبسط ~~والقبض - أن يقدم نسكا يخصه، على القيام بمناظم الإسلام، # PageV01P366 # ومصالح الأنام وأية حجة تعدل هذه الخطوب الجسام، والأمور العظام بحجه؟ ### | 522 - # فإن اعترض متكلف في أدراج الكلام، وقال: من جرد الاعتصام بطول ms139 الله ~~وفضله، ووصل حبل أمله بحبله، كفاه ملاحظة الأغيار، ووقاه ما يحاذر ويجتنب، ~~ورزقه من حيث لا يحتسب، وقد ضمن الله أن يحفظ من الدين نظامه إلى قيام ~~القيامة، والاستمساك بكفاية رب الأرباب أولى من الاتكال على الأسباب. # قلت: هذا من الطوام التي لا يتحصل منها طائل، ولا يعثر الباحث عنها على ~~حاصل، كلمة حق أريد بها باطل، ولو حكمنا مساق هذه الطامات لجرتنا إلى تعطيل ~~القربات، وحسم أسباب الخيرات، ولاستوت على حكمها الطاعات والمنكرات، وبطلت ~~قواعد الشرائع، واتجهت إليها ضروب الوقائع وأضحى ما شبب به المعترض في ~~التعطيل من أقوى الذرائع. # (195) فمضمون # PageV01P367 # ما بلغه المرسلون أسباب الخير واجتناب دواعي الضير، ثم الأكل سبب الشبع، ~~والشرب سبب الري، وهلم جرا، إلى كل مسخوط ومرضي. ### | 523 - # ويجب من مساق ذلك رد أمر الخلق إلى خالقهم، والانكفاف عن الأمر بالمعروف، ~~والانصراف عن إغاثة كل ملهوف. # وبهذه الترهات يعطل طوائف من ناشئة الزمان، واغتروا بالتخاوض والتفاوض ~~بهذا الهذيان. # فالأمور كلها موكولة إلى حكم الله، وليست أعمال العباد موجبة ولا علة. # ولكن الموفق لمدرك الرشاد، ومسلك السداد، من يقوم بما كلفه من الأسباب، ~~ثم يرى فوزه ونجاته بحكم رب الأرباب. ### | 524 - # فإذا وضح أن قيام صدر الدهر، وسيد العصر، بمهمات الدين والدنيا، وحاجات ~~الورى - سبب أقامه الله مطمحا لأعين العالمين، وشوقا للآملين، فلا تبديل ~~لما وضع، ولا واضع لمن رفع فلنضرب عن هذه الفنون إضراب من لا يستبدل عن ~~مدارك اليقين مسالك الظنون. # PageV01P368 # اللهم يسر بجودك وكرمك منهج الصواب، وجنبني غوائل التعمق والإطناب. # وبعد: ### | 525 - # فالذي يليق بهذا الموقف العلي، والمنصب السني في أمر الحج، ما أنا واصفه، ~~وموضحه وكاشفه، فأقول: إن ارجحن رأي مولانا إلى توطئة الطرق إلى بيت الله ~~المعظم، وحماه المحرم، ومال اعتزامه إلى تقريب المسالك وتمهيدها، وتذليلها ~~وتعبيدها، ونفضها عن الساعين في الأرض بالفساد، وقاطعي الطرق على العباد. # وما أهون تحصيل هذا المراد، عن من استمر تحت الانقياد لأمره كل متوج صعب ~~(196) القياد، كيف وقد أطافت بأكناف البرية خطة المملكة ms140 في الأغوار ~~والأنجاد، واستدارت على أطرافها من رقعة الملك القرى والبلاد. ### | 526 - # أما الكوفة، فإنها بنجدة الدولة مكنوفة، وبرجال البأس محفوفة. # وأما بلاد الشام، فقد احتوى عليها أقوام منتفضون عن حواشي الجند المعقود، ~~مع [الإقران] لملك الإسلام، والاستكانة والاستسلام. # PageV01P369 # وأما الحرم، فقد استمر فيه الوفاق واستتم. # وعربان البرية من أضعف الخليقة والبرية، ولا حاجة في استئصال شأفتهم ~~واقتلاع كافتهم إلى صدمات مبيرة، وكتائب هجامة مغيرة، بل يكفيهم أن يقطع ~~عنهم من أطراف البلاد الميرة، وليست كفاية غوائلهم بالعسيرة. # ولولا حذار الإطالة لبسطت في ذلك المقالة، ومولانا أخبر بطرق الإيالة لا ~~محالة، وتمهيد هذه الأسباب هين على مستخدم من ذلك الجناب مستناب، ولكن لكل ~~أجل كتاب. # وهذا قول من خبرهم دهرا، وعاشرهم عصرا، وعرف مداخلهم ومخارجهم، ومسالكهم ~~ومدارجهم. ### | [متى يجوز لنظام الملك الحج] ### | 527 - # ثم إذا تمهدت السبل، وانزاحت العوائق والعلل، وأظلت من الأمنة على ~~الطارقين الظلل، [وآضت] على البخاتي المجنحات # PageV01P370 # والكلل، وسفرت الحياض، وحميت على الحجيج الرياض والغياض، وعمرت الأميال، ~~وأقيمت على المتاعات الصوى، والأطلال، وتفقدت الآبار، وتعهدت الأعلام ~~والآثار، ورتب على المياه العدة، ذوو النجدة والعدة. # وتمادت على اطراد المأمن المدة [فإذ] ذاك ينتهض صدر الزمان، محفوفا بحفظ ~~الله ورعايته، مكفوفا بأنعمه وكلاءته، والسعادة خدينه، واليمن قرينه، في ~~كتيبة باسلة، ترتج لها الأداني والأقاصي، ويتطامن لوقع سنابكها الصياصي، ~~ويستكين لنجدتها النواصي. # تخفق عليها رايته العلية، [ويسطع] لألاء العلا من غرته البهية، يجنبه ~~النجاح، ويحتوش موكبه الفلاح، والبرية يطوي منازلها، ويقرب مناهلها، فيوافي ~~الميقات # PageV01P371 # المشرقي بذات عرق، وأمره السامي منسحب على أقصى بلاد الشرق. # هذه النهضة هي التي تليق بسدته المنيفة، وساحته السامية الشريفة. ### | 528 - # فأما مبادرة المناسك، ومسارعة المدارك، قبل استمرار المسالك، فمحذور محرم ~~محظور، ومن جل في الدين خطره، دق في مراتب الديانات نظره. ### | 529 - # فهذه تراجم منبهة على مناظم المقاصد، لا يجحدها جاحد ولا يأباها إلا ~~معاند، لم أوردها تشدقا، ولم أتكلفها تعمقا، ولكني رأيت إيضاحها في دين ~~الله محتوما، وكشفها فرضا متعينا مجزوما. # فإن تعديت مراسم ms141 الأدب، فالصدق قصدت، والحق أردت وقد - والله - أوضحت ~~وأبلغت وأنهيت حكم الله وبلغت. والله المستعان، وعليه التكلان. ### | 530 - # وقد حان أن أكف غربي، وأستوقف في هذا الفن سربي، وأستفتح فنا لا يثقل على ~~الرأي السامي وقعه، ويتخلد على معتقب الجديدين - إن شاء الله - نفعه. # PageV01P372 ### | 531 - # فأقول: ما قدمته مرامز إلى ما خص الله به صدر العالم من المنصب الأسمى، ~~في الاقتدار والإمكان، والاحتكام على بني الزمان، والاستمكان من ردع ~~المتشوفين إلى العدوان. # وهذه المعاني لا يطمع اللبيب في استيعاب ذكرها ومحاولة (198) إحصائها ~~وحصرها، والإحاطة بمبلغ قدرها، ولو حاول الأرذلون والأدنون حظوظا من نعم ~~الله أن يعدوها، لم يستقصوها كما قال الله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها. ### | [واجبات الإمام] # [يقدمها (لنظام الملك) ] ### | 532 - # وأذكر الآن ما على صدر الزمان من أحكام المليك الديان، بعد أن أوضح ما ~~إليه من مقاليد أمور أهل الإيمان، فأقول: # قد قدمت في الأبواب المقدمة ما يتولاه الأئمة من أمور الإمامة، وأوردته ~~على صيغ التقاسيم، وبلغت الكلام فيه قصارى الكشف والتتميم، ولم أغادر لباحث ~~منقلبا، ولمستفصل مضطربا. # وأنا الآن أقول: # PageV01P373 ### | 533 - # كل ما نيط بالأئمة مما مضى موضحا محصلا، مجملا ومفصلا، فهو موكول إلى رأي ~~صدر الدين، فإن الأئمة إنما تولوا أمورهم، ليكونوا ذرائع إلى إقامة أحكام ~~الشرائع، فإذا فقدنا من يستجمع الصفات المرعية في المنصب الأعلى، ووجدنا من ~~يستقل بأمور المسلمين، وينهض بأثقال العالمين، ويحمل أعباء الدين، ولو ~~توانى فيها لانحلت من الإسلام شكائمه، ولمالت دعائمه. # والغرض استصلاح أهل الإيمان على أقصى ما يفرض فيه الإمكان. # ولو بغت فئة على الإمام المستجمع لخلال الإمامة، وتولوا بعدة وعتاد، ~~واستولوا على أقطار وبلاد، واستظهروا بشوكة واستعداد، واستقلوا بنصب قضاة ~~وولاة على انفراد واستداد، فينفذ من قضاء قاضيهم ما ينفذ من قضاء قضاة ~~الإمام القائم بأمور الإسلام. ### | 534 - # والسبب فيه أنه انقطع عن قطر البغاة من الإمام نظره، إلى أن يتفق ~~استيلاؤه وظفره، فلو رددنا أقضيتهم لتعطلت أمور المسلمين، وبطلت قواعد من ~~الدين. # PageV01P374 ### | 535 - # فإذا كان ينفذ ms142 قضاء البغاة مع قيام الإمام، فلأن ينفذ أحكام وزراء ~~الإسلام (199) مع شغور الأيام أولى. # فهذا بيان ما إليه. ### | 536 - # فأما إيضاح ما عليه فأذكر فيه لفظا وجيزا محيطا بالمعنى، حاويا للغرض ~~والمغزى، ثم أندفع بعد الإيجاز والضبط في طرق من البسط، فأقول: # قد تقدم ما إلى الأئمة من الأحكام، ووضح أن جميعها منوط برأي صدر الأيام ~~وسيد الأنام، فيأخذ ما عليه مما إليه، فعليه بذل المجهود في إقامة ما إليه ~~وهذا على إيجازه مشير إلى النهايات مشعر بالغايات. # ولكني أعرض على الرأي الأسمى كل أمر تمس إليه الحاجة، وأوضح مسلكه ~~ومنهاجه، وأنتدب في بعض مجاري الكلام # PageV01P375 # محررا مقدرا، وأشير إلى المغزى والمرام مذكرا، وقد قال الله لسيد ~~الأنبياء الأكرمين: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} . # نعم. والتذكير ينزع صمام الصمم عن صماخ اللب، ويقشع غمام الغمم عن سماء ~~القلب. ### | [واجبات نظام الملك وما عليه] # فأقول: ### | 537 - # حقوق الله تعالى على عبيده على قدر النعم، والهموم بقدر الهمم، وأنعم ~~الله إذا لم تشكر نقم، والموفق من تنبه لما له وعليه، قبل أن تزل به القدم، ~~وحظوظ الدنيا خضراء الدمن، لا تبقى على مكر الزمن، والمسدد من نظر في أولاه ~~لعاقبته، وتزود من مكنته في دنياه لآخرته. # PageV01P376 # [أ - الإحاطة بالأخبار والأحوال] 538 - فمما أعرضه على الجناب العالي أمر ~~يعظم وقعه على [اعتقاب] الأيام والليالي، وهو الاهتمام بمجاري الأخبار في ~~أقاصي الديار فإن النظر في أمور الرعايا يترتب على الاطلاع على الغوامض ~~والخفايا، وإذا انتشرت من خطة المملكة الأطراف، وأسبلت العماية دون معرفتها ~~أسداد الأعراف، ولم تطلع شمس رأي راعي الرعية على صفة الإشراق والإشراف. # امتدت أيدي الظلمة (200) إلى الضعفة بالإهلاك والإتلاف [والثلة] إذا نام ~~عنها راعيها عاشت طلس الذئاب فيها، وعسر تداركها وتلافيها، والتيقظ والخبرة ~~أس الإيالة، وقاعدة الإمرة، وإذا عمى المعتدون أخبارهم، أنشبوا في ~~المستضعفين أظفارهم، واستجرؤوا [ثم] على الاعتداء. # ثم طمسوا عن مالك الأمر آثارهم ويخون حينئذ المؤتمن، ويغش الناصح، وتشيع ~~المخازي والفضائح، وتبدو # PageV01P377 # في أموال بيت المال دواعي الاختزال والاستزلال ms143 والغلول، ويمحق في أدراج ~~خمل الخمول، وقد يفضي الأمر إلى ثوران الثوار في أقاصي الديار، واستمرار ~~تطاير شرار الأشرار، وليس من الحزم الثقة بمواتاة الأقدار والاستنامة إلى ~~مدار الفلك الدوار، فقد يثور المخدور من مكمنه، ويؤتى الوادع الآمن من ~~مأمنه، ثم ما أهون البحث والتنقير على من إليه مقاليد التدبير. ### | 539 - # على أن هذا الخطب الخطير قريب المدرك يسير، فلو اصطنع صدر الدين والدنيا ~~من كل بلدة زمرا من الثقات على ما يرى، ورسم لهم أن ينهوا إليه تفاصيل ما ~~جرى، فلا يغادروا نفعا ولا ضرا إلا بلغوه اختفاء وسرا، لتوافت دقائق ~~الأخبار وحقائق الأسرار على مخيم العز غضة طرية، وتراءت للحضرة # PageV01P378 # العلية مجاري الأحوال في الأعمال القصية. # فإذا استشعر أهل الخبل والفساد أنهم من صاحب الأمر بالمرصاد، آثروا الميل ~~طوعا أو كرها، إلى مسالك الرشاد، وانتظمت أمور البلاد والعباد. # وما ذكرته - لو قدر الله - نتيجة خطرة وفكرة، وموجب التفاتة من الرأي ~~السامي ونظرة. # وهذا (201) الذي رمزت إليه على قرب مدركه ويسره [مدرأة] لغائلة كل أمر ~~وعسره، من غير بذل مؤنة، واستمداد معونة. # [ب - وجوب مراجعة العلماء] ### | 540 - # ومما ألقيه إلى المجلس السامي: وجوب مراجعة العلماء فيما يأتي ويذر، ~~فإنهم قدوة الأحكام وأعلام الإسلام، وورثة النبوة، وقادة الأمة، وسادة ~~الملة، ومفاتيح الهدى، ومصابيح الدجى، وهم على الحقيقة أصحاب الأمر ~~استحقاقا،. # [وذوو] # PageV01P379 # النجدة مأمورون بارتسام مراسمهم، واقتصاص أوامرهم والانكفاف عن مزاجرهم. # وإذا كان صاحب الأمر مجتهدا، فهو المتبوع، الذي يستتبع الكافة في اجتهاده ~~ولا يتبع. ### | 541 - # فأما إذا كان سلطان الزمان لم يبلغ مبلغ الاجتهاد فالمتبوعون العلماء، ~~والسلطان نجدتهم وشوكتهم، وقوتهم وبذرقتهم، فعالم الزمان في المقصود الذي ~~نحاوله، والغرض الذي نزاوله كنبي الزمان، والسلطان مع العالم كملك في زمان ~~النبي، مأمور بالانتهاء إلى ما ينهيه إليه النبي. ### | 542 - # والقول الكاشف للغطاء، المزيل للخفاء، أن الأمر لله والنبي منهيه، فإن لم ~~يكن في العصر نبي، فالعلماء ورثة الشريعة، والقائمون في إنهائها مقام ~~الأنبياء، ومن بديع القول في مناصبهم أن الرسل يتوقع في ms144 دهرهم تبديل ~~الأحكام بالنسخ، وطوارئ الظنون على فكر المفتين، وتغاير اجتهاداتهم يغير ~~أحكام الله على المستفتين، فتصير خواطرهم في أحكام الله تعالى حالة محل ما ~~يتبدل من قضايا أوامر الله تعالى بالنسخ. # PageV01P380 # وهذه مرامز تومئ إلى أمور عظيمة لم أطنب فيها ; مخافة الانتهاء إلى ~~الإطراء، والإفراط في الثناء. . # [ج - التيقظ للفتنة] ### | 543 - # ومما أنهيه إلى صدر العالم بعد تمهيد الاطلاع على أخبار البقاع والأصقاع ~~فتنة هاجمة في الدين، ولو لم تتدارك، لتقاذفت إلى معظم المسلمين، ولتفاقمت ~~غائلتها، وأعضلت واقعتها وهي من أعظم الطوام على العوام. # وحق على من أقامه الله تعالى ظهرا للإسلام أن يستوعب في [رحض] الملة عنها ~~الليالي والأيام وأقصى اقتداري فيه إنهاؤها كما نبغ ابتداؤها، وعلى من ملكه ~~الله أعنة الملك التشمير لإبعاد الخلق عن أسباب الهلك. ### | 544 - # وقد نشأ - حرس الله أيام مولانا - ناشئة من الزنادقة # PageV01P381 # والمعطلة، وانبثوا في المخاليف والبلاد، وشمروا لدعوة العباد، إلى ~~الانسلاخ عن مناهج الرشاد، واستندوا إلى طوائف من المرموقين المغترين، ~~وأضحى أولئك عنهم ذابين، ولهم منتصرين. # وصار المغترون بأنعم الله، وترفة المعيشة، يتخذون فكاهة مجالسهم، وهزو ~~مقاعدهم - الاستهانة بالدين، والترامز والتغامز بشريعة المسلمين، وتعدى أثر ~~ما يلابسونه إلى أتباعهم، وأشياعهم من الرعاع المقلدين، وفشا في عوام ~~المسلمين شبه الملحدين، وغوائل الجاحدين، وكثر التخاوض والتفاوض في مطاعن ~~الدين. ### | 545 - # ومن أعظم المحن، وأطم الفتن في هذا الزمن، انحلال عصام التقوى عن الورى، ~~واتباعهم نزعات الهوى، وتشوفهم إلى الاستمساك بحطام المنى، وعروهم عن الثقة ~~بالوعد والوعيد في العقبى، واعتلاقهم بالاعتياد المحض في مراسم الشريعة ~~تسمع وتروى، حتى كأنها عندهم أسمار تحكى وتطوى، وهم على شفا جرف هار من ~~الردى. # فإذا انضم إلى ما هم مدفوعون إليه من البلوى، دعوة # PageV01P382 # المعطلة في السر والنجوى، خيف من انسلال معظم العوام عن دين المصطفى، ولو ~~لم تتدارك هذه الفتنة الثائرة، أحوجت الإيالة إلى إعمال بطشة قاهرة، ووطأة ~~غامرة. # [ترك الباقي من الواجبات لنظر (نظام الملك) ] ### | 546 - # وقد كنت رأيت أن أعرض على الرأي السامي من مهمات ms145 الدين والدنيا أمورا، ثم ~~بدا لي أن أجمع أطراف الكلام. ومولانا أمتع الله ببقائه أهل الإسلام أخبر ~~بمبالغ الإمكان، في هذا الزمان. ### | 547 - # وقد لاح بمضمون ما رددته من الإيضاح والبيان، ما إلى مولانا عليه، في حكم ~~الإيمان، فإن رأى بينه وبين المليك الديان بلوغه فيما تطوقه غاية ~~الاستمكان، فليس فوق ذلك منصب مرتقب، من القربات ومكان، وإن فات مبلغ ~~الإيثار والاقتدار حالة، لا يرى دفعها، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإن ~~تكن الأخرى، فمولانا بالنظر في مغبات العواقب أحرى. ### | 548 - # وقد قال المصطفى في أثناء خطبته: " «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» " ~~وقد عظم والله الخطر لمقام مستقل في الإسلام، من حكمه باتفاق علماء الأنام ~~أنه لو مات على # PageV01P383 # ضفة الفرات مضرور، أو ضاع على شاطئ الجيحون مقرور، أو تصور في أطراف خطة ~~الإسلام مكروب مغموم. # أو تلوى في منقطع المملكة مضطهد مهموم أو جأر إلى الله تعالى مظلوم، أو ~~بات تحت الضر خاو، أو مات على الجوع والضياع طاو، فهو المسئول عنها، ~~والمطالب بها في مشهد يوم عظيم، " {يوم لا ينفع مال ولا بنون} . {إلا من ~~أتى الله بقلب سليم} ". ### | 549 - # وفي الجملة ففضل الله تعالى على مولانا عميم، والخطر في الاستقلال بالشكر ~~عظيم، والرب تعالى رؤوف رحيم. ### | 550 - # ومع هذا فمن سوغ لمولانا الإحجام عن مطالعة مصالح الأنام فقد غشه بإجماع ~~أهل الإسلام، وفارق مأخذ الأحكام. # وقد مضى هذا مقررا على الكمال والتمام. # وقد نجز منتهى الغرض من هذا المرام، وبعون الله آخذ في القسم الثالث. # PageV01P384 ### | [الباب الثالث في شغور الدهر عن وال بنفسه أو متول بغيره] # الباب الثالث # في شغور الدهر عن وال بنفسه أو متول بغيره # فأقول: ### | 551 - # قد تقرر الفراغ عن القول في استيلاء مستجمع لشرائط الإمامة، ثم في ~~استعلاء ذي نجدة وشهامة، وقد حان الآن أن أفرض خلو الزمان عن الكفاة ذوي ~~الصرامة، خلوه عمن يستحق الإمامة، والتصوير في هذا عسر ; فإنه يبعد عرو ~~الدهر عن عارف بمسالك السياسة، ونحن لا نشترط ms146 انتهاء الكافي إلى الغاية ~~القصوى، بل كفى أن يكون ذا حصاة وأناة، ودراية وهداية، واستقلال بعظائم ~~الخطوب، وإن دهته معضلة استضاء فيها برأي ذوي الأحلام، ثم انتهض مبادرا وجه ~~الصواب بعد إبرام الاعتزام، ولا يكاد تخلو الأوقات عن متصف بهذه الصفات. ### | 552 - # ولكن قد يسهل [تقدير] ما نبغيه، بأن يفرض # PageV01P385 # ذو الكفاية [والدراية] مضطهدا مهضوما، منكوبا بعسر الزمان مصدوما، محلأ ~~عن ورد النيل محروما. # وقد ذكرنا أن الإمامة لا تثبت دون اعتضاد بعدة واستعداد بشوكة ونجدة، ~~فكذلك الكفاية بمجردها من غير اقتدار واستمكان لا أثر لها في إقامة أحكام ~~الإسلام ; فإذا شغر الزمان عن كاف مستقل بقوة ومنة، فكيف تجري قضايا ~~الولايات، وقد بلغ تعذرها منتهى الغايات. فنقول: ### | 553 - # أما ما يسوغ استقلال الناس [فيه] بأنفسهم ولكن الأدب يقتضي فيه مطالعة ~~ذوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقد الجمع، وجر العساكر إلى الجهاد، ~~واستيفاء القصاص في النفس والطرف، فيتولاه الناس عند خلو الدهر. # ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن ~~السعاة في الأرض بالفساد، [فهو] من أهم أبواب الأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر. # PageV01P386 ### | 554 - # وإنما ينهى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبدادا إذا كان في الزمان [وزر] ~~قوام على أهل الإسلام، فإذا خلا الزمان عن السلطان، وجب البدار على حسب ~~الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان. # ونهينا الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قبيل [الاستحثاث] على ما هو ~~الأقرب إلى الصلاح، والأدنى إلى النجاح، فإن ما يتولاه السلطان من أمور ~~السياسة أوقع وأنجع، وأدفع للتنافس، وأجمع لشتات الرأي في تمليك الرعايا ~~أمور الدماء، وشهر الأسلحة، وجوه من الخبل لا [ينكرها] ذوو العقل. # وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود ~~عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عم الفساد ~~البلاد والعباد. # وإذا أمروا بالتقاعد في قيام السلطان، كفاهم ذو الأمر المهمات، وأتاها ~~على أقرب الجهات. ### | 555 - # وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان فحق ms147 على قطان كل بلدة، ~~وسكان كل قرية، أن يقدموا من ذوي # PageV01P387 # الأحلام والنهى، وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، ~~وينتهون عن مناهيه ومزاجره ; فإنهم لو لم يفعلوا ذلك، ترددوا عند إلمام ~~المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات. ### | 556 - # ولو انتدب جماعة في قيام الإمام للغزوات، وأوغلوا في مواطن المخافات، ~~تعين عليهم أن ينصبوا من يرجعون إلى رأيه إذ لو لم يفعلوا ذلك لهووا في ~~ورطات المخافات، ولم يستمروا في شيء من الحالات (206) . ### | 557 - # ومما يجب الاعتناء به أمور الولايات التي كانت منوطة بالولاة كتزويج ~~الأيامى، والقيام بأموال الأيتام، فأقول: # ذهب بعض أئمة الفقه إلى أن [مما] يتعلق بالولاية تزويج الأيامى، فمذهب ~~الشافعي - رضي الله عنه - وطوائف من العلماء أن الحرة البالغة العاقلة لا ~~تزوج نفسها، وإن كان لها ولي زوجها، وإلا فالسلطان ولي من لا ولي له. # فإذا لم يكن لها ولي حاضر، وشغر الزمان على السلطان، فنعلم قطعا أن حسم ~~باب النكاح محال # PageV01P387 # في الشريعة، ومن أبدى في ذلك تشككا، فليس على بصيرة بوضع الشرع، والمصير ~~إلى سد باب المناكح يضاهي الذهاب إلى تحريم الاكتساب، كما سيأتي القول في ~~ذلك في الركن الأخير في الكتاب إن شاء الله عز وجل. # وهذا مقطوع به لا مراء فيه، فليقع النظر وراء ذلك في تفصيل التزويج، ~~فأقول: ### | 558 - # إن كان في الزمان عالم يتعين الرجوع إليه في تفاصيل النقض والإبرام ومآخذ ~~الأحكام، فهو الذي يتولى المناكح التي كان يتولاها السلطان إذ كان. # وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في أن من حكم مجتهدا في زمان قيام ~~الإمام بأحكام أهل الإسلام فهل ينفذ ما حكم به المحكم؟ فأحد قوليه، وهو ~~ظاهر مذهب أبي حنيفة - رحمه الله -، أنه ينفذ من حكمه ما ينفذ من حكم ~~القاضي الذي يتولى منصبه من تولية الإمام. # وهذا قول متجه في القياس، لست أرى الإطالة بذكر توجيهه. # PageV01P389 # وغرضي منه [أنه] إذا انقدح المصير إلى تنفيذ أمر محكم من المفتين في ~~استمرار الإمامة، واطراد الولاية والزعامة، مع تردد وتحر ms148 واجتهاد وتأخ. # فإذا خلا الزمان وتحقق من موجب الشرع على القطع والبت استحالة تعطيل ~~المناكح، فالذي كان نفوذه (207) من أمر المحكم مجتهدا فيه في قيام الإمام ~~يصير مقطوعا به في شغور الأيام، وهذا إذا صادفنا عالما يتعين الرجوع إلى ~~علمه، ويجب اتباع حكمه. ### | 559 - # فإن عري الزمان عن العلماء عروه عن الأئمة ذوي الأمر، فالقول في ذلك يقع ~~في الركن الثالث من الكتاب، وهو الغرض الأعظم، وسنوضح مقصدنا فيه على مراتب ~~ودرجات، ونأتي بالعجائب والآيات، ونبدي من سر الشريعة ما لم يجر في مجاري ~~الخطرات، إن شاء الله تعالى. ### | 560 - # ثم كل أمر يتعاطاه الإمام في الأموال المفوضة إلى الأئمة، # PageV01P390 # فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور ~~موكولة إلى العلماء، وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى ~~علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد ~~هدوا إلى سواء السبيل، وصار علماء البلاد ولاة العباد. ### | 561 - # فإن عسر جمعهم على واحد استبد أهل كل صقع وناحية باتباع عالمهم. # وإن كثر العلماء في الناحية، فالمتبع أعلمهم، وإن فرض استواؤهم، ففرضهم ~~نادر لا يكاد يقع، فإن اتفق فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقض المطالب ~~والمذاهب محال فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحد منهم. # فإن تنازعوا وتمانعوا، وأفضى الأمر إلى شجار وخصام، فالوجه عندي في قطع ~~النزاع الإقراع، فمن خرجت له القرعة، قدم. ### | 562 - # والقول المقنع في هذه القواعد أن الأئمة [المستجمعين] # PageV01P391 # لخصال المنصب الأعلى ليس إليهم إلا إنهاء أوامر الله، وإيصالها طوعا أو ~~كرها (208) إلى مقارها، ثم الغاية القصوى في استصلاح الدين والدنيا ربط ~~الإيالات بمتبوع واحد إن تأتى ذلك. # فإن عسر، ولم يتيسر، تعلق إنهاء أحكام الله [تعالى] إلى المتعبدين بها ~~بمرموقين في الأقطار والديار. ### | 563 - # ومن الأسرار في ذلك أنه إذا وجد في الزمان كاف ذو شهامة، ولم يكن من ~~العلم على مرتبة الاستقلال، وقد استظهر بالعدد والأنصار، وعاضدته مواتاة ~~الأقدار، فهو الوالي وإليه أمور الأموال والأجناد والولايات، لكن ms149 يتحتم ~~عليه ألا يبت أمرا دون مراجعة العلماء. ### | 564 - # فإن قيل: هلا جزمت القول بأن عالم الزمان هو الوالي [و] حق على ذي النجدة ~~[والباس] اتباعه، والإذعان لحكمه، والإقرار لمنصب علمه. # قلنا: إن كان العالم ذا كفاية وهداية إلى عظائم الأمور، فحق # PageV01P392 # على ذي الكفاية العري عن رتبة الاجتهاد أن يتبعه إن تمكن منه. # وإن لم يكن العالم ذا دراية واستقلال بعظائم الأشغال، فذو الكفاية الوالي ~~قطعا، وعليه المراجعة والاستعلام في مواقع الاستبهام، ومواضع الاستعجام. ### | 565 - # ثم إذا كانت الولاية منوطة بذي الكفاية والهداية، فالأموال مربوطة ~~بكلاءته، وجمعه وتفريقه ورعايته ; فإن عماد الدولة الرجال، وقوامهم ~~الأموال. فهذا منتهى القول في ذلك. ### | 566 - # وقد انتهى القول إلى الركن الثالث، وهو الأمر الأعظم الذي يطبق طبق الأرض ~~فائدته، وتستفيض على طبقات الخلق عائدته. والله ولي التوفيق بمنه وفضله. # PageV01P393 ### | [الركن الثالث] ### | مقدمة الركن وخطته # [الركن الثالث] (الكتاب الثالث) في خلو الزمان عن المجتهدين ونقلة ~~المذاهب وأصول الشريعة وفيه مراتب ### | : المرتبة الأولى (الباب الأول) : في اشتمال الزمان على المفتين المجتهدين. # المرتبة الثانية (الباب الثاني) : فيما إذا خلا الزمان عن المجتهدين وبقي ~~نقلة مذاهب الأئمة. المرتبة الثالثة (الباب الثالث) : في خلو الزمان عن ~~المفتين ونقلة المذاهب. المرتبة الرابعة (الباب الرابع) : في خلو الزمان عن ~~أصول الشريعة. # PageV01P395 # القول في الركن الثالث. # [الكتاب الثالث] . # [مقدمة الركن] . ### | 567 - # مضمون هذا الركن يستدعي نخل الشريعة من مطلعها إلى مقطعها، وتتبع مصادرها ~~ومواردها (209) واختصاص معاقدها وقواعدها، وإنعام النظر في أصولها وفصولها، ~~ومعرفة فروعها وينبوعها، والاحتواء على مداركها ومسالكها، واستبانة كلياتها ~~وجزئياتها، والاطلاع على معالمها ومناظمها، والإحاطة بمبدئها ومنشئها، وطرق ~~تشعبها وترتبها، ومساقها ومذاقها، وسبب اتفاق العلماء وإطباقها، وعلة ~~اختلافها وافتراقها. # ولو ضمنت هذا المجموع ما أشرت إليه، ونصصت عليه لم يقصر عن أسفار ثم لا ~~يحوي منتهى الأوطار وإنما ذكرت هذه المقدمة ليعتقد الناظر في هذا الفن أنه ~~نتيجة بحور من العلوم، لا [يعبرها] العوام ولا تفي ببدائعها الأيام ~~والأعوام، وقلما تسمح بجمعها لطالب واحد الأقدار والأقسام ولولا حذار ~~انتهاء ms150 # PageV01P397 # الأمر إلى حد التصلف والإعجاب، لآثرت في التنبيه على [علو] قدر هذا الركن ~~التناهي في الإطناب. ### | 568 - # والآن بعون الله وتأييده وتوفيقه وتسديده، أرتب القول في هذا الركن على ~~مراتب، وأوضح في كل مرتبة ما يليق بها من التحقيق. # فنذكر أولا اشتمال الزمان على المفتين. # ثم نذكر خلو الدهر عن المجتهدين المستقلين بمنصب الاجتهاد، مع انطواء ~~الزمان على نقلة مذاهب الماضين. # ثم نذكر شغور العصر عن الأثبات والثقات، رواة الآراء والمذاهب، مع بقاء ~~مجامع الشرع وشيوع أركان الدين على الجملة بين المسلمين. # ثم نذكر تفصيل القول في دروس الشريعة، وانطماس قواعدها، وحكم التكليف - ~~لو فرض ذلك - على العقلاء. # فالمراتب التي نرومها في غرض هذا الباب أربع. # PageV01P398 ### | [المرتبة الأولى الباب الأول في اشتمال الزمان على المفتين المجتهدين] ### | 569 - # فأما المرتبة الأولى، فنقول فيها مستعينين بالله تعالى: حملة الشريعة، ~~والمستقلون (210) بها هم المفتون المستجمعون لشرائط الاجتهاد من العلوم، ~~[والضامون] إليها التقوى والسداد. ### | 570 - # وإن دفعنا إلى ذلك فلا بد من ذكر ما يقع به الاستقلال في ذكر الخصال ~~المرعية في الاجتهاد، مع إيضاح ما على المستفتين من تخير المفتين، فنقول: # قد ذكرنا في مصنفات في أصول الفقه استيعاب القول في ### | صفات المفتي # ن، وآداب المستفتين، وتفاصيل حالاتهم ودرجاتهم، ونحن نذكر الآن منها جملا ~~مقنعة يفهمها الشادي المبتدئ، ويحيط بفوائدها المنتهي مع الإضراب عن ~~الإطناب، وتوقي الإسهاب. # فلتقع البداية بأوصاف المجتهدين، والوجه أن أجمع ما ذكره المتقدمون. # PageV01P399 ### | [صفات المفتي] ### | 571 - # إن الصفات المعتبرة في المفتي ست: # أحدها - الاستقلال باللغة العربية ; فإن شريعة المصطفى - صلى الله عليه ~~وسلم - متلقاها ومستقاها الكتاب والسنن، وآثار الصحابة ووقائعهم، وأقضيتهم ~~في الأحكام، وكلها بأفصح اللغات وأشرف العبارات، ولا بد من الارتواء [من] ~~العربية، فهي الذريعة إلى مدارك الشريعة. ### | 572 - # والثانية - معرفة ما يتعلق بأحكام الشريعة [من] آيات الكتاب، والإحاطة ~~بناسخها ومنسوخها، عامها وخاصها، وتفسير مجملاتها ; فإن مرجع الشرع وقطبه ~~الكتاب. ### | 573 - # والثالثة - معرفة السنن، فهي القاعدة الكبرى ; فإن معظم أصول التكاليف ~~متلقى من أقوال الرسول - صلى الله عليه ms151 وسلم - وأفعاله وفنون أحواله، ومعظم ~~آي الكتاب لا يستقل دون بيان الرسول. # PageV01P400 # ثم لا يتقرر الاستقلال بالسنن إلا بالتبحر في معرفة الرجال، والعلم ~~بالصحيح من الأخبار والسقيم، وأسباب الجرح والتعديل، وما عليه التعويل في ~~صفات الأثبات من الرواة والثقات، والمسند والمرسل، والتواريخ التي تترتب ~~عليها استبانة الناسخ والمنسوخ. # وإنما يجب ما وصفناه في الأخبار المتعلقة بأحكام الشريعة، وقضايا ~~التكليف، دون ما يتعلق منها بالوعد والوعيد، والأقاصيص والمواعظ. ### | 574 - # والرابعة - معرفة مذاهب العلماء المتقدمين الماضين في العصر الخالية، ~~ووجه اشتراط ذلك أن المفتي لو لم يكن محيطا بمذاهب المتقدمين، فربما يهجم ~~فيما يجرئه على خرق الإجماع، والانسلال عن ربقة الوفاق. ### | 575 - # والخامسة - الإحاطة بطرق القياس ومراتب الأدلة ; فإن المنصوصات متناهية ~~مضبوطة، والوقائع المتوقعة لا نهاية لها. ### | 576 - # والسادسة - الورع والتقوى، فإن الفاسق لا يوثق بأقواله، ولا يعتمد في شيء ~~من أحواله. # PageV01P401 ### | 577 - # وقد جمع الإمام المطلبي الشافعي - رضي الله عنه - هذه الصفات في كلمة ~~وجيزة، فقال: # " من عرف كتاب الله نصا واستنباطا استحق الإمامة في الدين ". . ### | 578 - # والتفاصيل التي قدمناها مندرجة تحت هذه الكلم ; فإن معرفة الكتاب تستدعي ~~لا محالة العلم باللغة ; فإن من اقتصر على اتباع أقوال المفسرين وتحفظها ~~كان مقلدا ولم يكن عارفا. # والشافعي [- رضي الله عنه -] اعتبر المعرفة والاستقلال بالأخبار الشرعية ~~مندرج تحت معرفة الكتاب، وكذلك العلم بمواقع الإجماع من أقوال العلماء ~~المنقرضين، والاستنباط الذي [ذكره] مشعر بالقياس ومعرفة ترتيب الأدلة. # ثم لم يتعرض للورع، فإن قال: استحق الإمامة. # والأمر على ما ذكره ; فإن أراد أن يقبل قوله استمسك بالورع والتقوى ~~واحترز (212) عن الإمامة العظمى لما قال: استحق الإمامة في الدين. # PageV01P402 ### | 579 - # فهذا ما رأينا نقله من قول الأئمة في صفات المفتين ونحن نذكر ما هو ~~المختار عندنا في ذلك. والله المستعان. ### | 580 - # فالقول الوجيز في ذلك: أن المفتي هو المتمكن من درك أحكام الوقائع على ~~يسير من غير معاناة [تعلم] . وهذه الصفة تستدعي ثلاثة أصناف من العلوم: ### | 581 - # أحدها - اللغة والعربية ولا يشترط التعمق، والتبحر فيها حتى ms152 يصير الرجل ~~علامة العرب، ولا يقع الاكتفاء [بالاستطراف] وتحصيل المبادئ والأطراف، بل ~~القول الضابط في ذلك أن يحصل من اللغة والعربية، ما يترقى به عن رتبة ~~المقلدين في معرفة الكتاب والسنة، وهذا يستدعي منصبا وسطا في علم اللغة ~~والعربية. ### | 582 - # والصنف الثاني - من العلوم الفن المترجم بالفقه، # PageV01P403 # ولا بد من التبحر فيه، والاحتواء على قواعده، ومآخذه ومعانيه. # ثم هذا الفن يشتمل على ما تمس الحاجة إليه من نقل مذاهب الماضين وينطوي ~~على ذكر وجوه الاستدلال بالنصوص والظواهر من الكتاب، ويحتوي على الأخبار ~~المتعلقة بأحكام التكاليف مع الاعتناء. بذكر الرواة والصفات المعتبرة في ~~الجرح والتعديل. # فإن اقتضت الحالة مزيد نظر في خبر، فالكتب الحاوية على ذكر الصحيح ~~والسقيم عتيدة، ومراجعتها مع الارتواء من العربية يسيرة غير عسيرة، وأهم ~~المطالب في الفقه التدرب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا [هو] الذي ~~يسمى فقه النفس، وهو أنفس صفات علماء الشريعة. ### | 583 - # والصنف الثالث من العلوم - العلم المشهور بأصول الفقه، ومنه يستبان مراتب ~~(213) الأدلة وما يقدم منها وما يؤخر، ولا يرقى المرء إلى منصب الاستقلال. # دون الإحاطة بهذا الفن. # فمن استجمع هذه الفنون فقد علا إلى رتبة المفتين. ### | 584 - # والورع ليس شرطا في حصول منصب الاجتهاد، فإن من رسخ في العلوم المعتبرة، ~~فاجتهاده يلزمه في نفسه أن يقتضي فيما # PageV01P404 # يخصه من الأحكام موجب النظر. ولكن الغير لا يثق بقوله لفسقه. ### | 585 - # والدليل على وجوب الاكتفاء بما ذكرناه من الخصال شيئان: أحدهما - أن ~~اشتراط المصير إلى مبلغ لا يحتاج معه إلى طلب وتفكر في الوقائع محال، إذ ~~الوقائع لا نهاية لها، والقوة البشرية لا تفي بتحصيل كل ما يتوقع، سيما مع ~~قصر الأعمار ; فيكفي الاقتدار على الوصول إلى الغرض على يسير من غير احتياج ~~إلى معاناة تعلم. # وهذا الذي ذكرناه يقتضي استعدادا واستمدادا من العلوم التي ذكرناها لا ~~محالة. ### | 586 - # والثاني - أنا سبرنا أحوال المفتين من صحب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الأكرمين، فألفيناهم مقتدرين على الوصول إلى مدارك الأحكام، ومسالك ~~الحلال والحرام، ms153 ولكنهم كانوا مستقلين بالعربية، فإن الكتاب نزل بلسانهم، ~~وما كان يخفى عليهم من فحوى خطاب الكتاب والسنة خافية، وقد عاصروا صاحب ~~الشريعة، وعلموا أن معظم أفعاله وأقواله مناط الشرع، واعتنوا على اهتمام # PageV01P405 # صادق بمراجعته - صلى الله عليه وسلم - فيما كان يسنح لهم من المشكلات، ~~فنزل ذلك منهم منزلة تدرب الفقيه منا في مسالك الفقه. ### | 587 - # وأما الفن المترجم بأصول الفقه، فحاصله نظم ما وجدنا من [سيرهم] وضم ما ~~بلغنا من خبرهم، وجمع ما انتهى إلينا من نظرهم، وتتبع ما سمعنا من [عبرهم] ~~، ولو كانوا عكسوا الترتيب، لاتبعناهم. # نعم. ما كان يعتني الكثير منهم بجمع ما بلغ الكافة من أخبار رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بل كانت الواقعة تقع، فيبحث عن كتاب الله، فكان معظم ~~الصحابة لا يستقل بحفظ القرآن، ثم كانوا يبحثون عن الأخبار، فإن لم يجدوها ~~اعتبروا، ونظروا، وقاسوا. ### | 588 - # فاتضح أن المفتي منهم كان مستعدا لإمكان الطلب عارفا بمسالك النظر مقتدرا ~~على مأخذ الحكم مهما عنت واقعة. # PageV01P406 ### | 589 - # فقد تحقق لمن أنصف أن ما ذكرناه في صفات المفتين هو المقطوع به الذي لا ~~مزيد عليه. ### | 590 - # وإنما بلائي كله حرس الله مولانا من ناشئة في الزمان شدوا طرفا من مقالات ~~الأولين، ركنوا إلى التقليد المحض، ولم يتشوفوا إلى انتحاء درك اليقين، ~~وابتغاء ثلج الصدور، فضلا عن أن يشمروا للطلب، ثم ينجحوا أو يحققوا. # ثم إذا رأوا من لا يرى التعريج على التقليد، ويشرئب إلى مدارك العلوم، ~~ويحاول الانتفاض من [وضر] الجهل، نفروا نفار الأوابد، ونخروا نخير الحمر ~~المستنفرة، وأضربوا عن إجالة الفكر والنظر، وارجحنوا إلى المطاعن على من ~~يحاول الحقائق ويلابس المضايق وقنعوا من منصب العلماء بالرد على من يبغي ~~العلم والترقي عن الجهالات والبحث عن حقائق المقالات. ### | 591 - # ولم أجمع فصول هذا الكتاب مضمنة بمباحثي واختياراتي، إلا ومعولي ثقابة ~~رأي سيدنا ومولانا، كهف الورى، # PageV01P407 # وسيد الدين والدنيا، واتقاد قريحته المتطلعة على حجب المغمضات، ومستور ~~المعوصات (215) فهذا مبلغ في صفات المفتين مقنع إن شاء الله عز وجل. ms154 ### | 592 - # ولا يتم المقصد في هذا الفصل، ما لم أمهد في أحكام الفتوى قاعدة يتعين ~~الاعتناء بفهمها والاهتمام بعلمها وهو أن المستفتي يتعين عليه ضرب من النظر ~~في تعيين المفتي الذي يقلده ويعتمده، وليس له أن يراجع في مسائله كل متلقب ~~بالعلم. # وقد ذكرت طرفا صالحا من ذلك في الكتاب (النظامي) ولست أعيد ما ذكرته في ~~ذلك الكتاب، ولكني آخذ في فن آخر لائق بهذا الكتاب، فأقول: ### | 593 - # اختلفت مذاهب الأصوليين فيما على المستفتي من النظر فذهب القاضي أبو بكر ~~الباقلاني رحمه الله في طائفة من المحققين إلى أن على المستفتي أن يمتحن من ~~يريد تقليده، وسبيل امتحانه أن يتلقن مسائل متفرقة تليق بالعلوم التي يشترط ~~استجماع المفتي # PageV01P408 # لها ويراجعه فيها، فإن أصاب فيها غلب على ظنه كونه مجتهدا ويقلده حينئذ. # وإن تعثر فيها تعثرا مشعرا بخلوه عن قواعدها، لم يتخذه قدوته وأسوته. ### | 594 - # وذهب بعض أئمتنا إلى أن ما ذكره القاضي لا يجب ولكن يكفي أن يشتهر في ~~الناس استجماع الرجل صفات المجتهدين، ويشيع ذلك شيوعا مغلبا على الظن. # وهؤلاء يقولون: ليس للمستفتي اعتماد قول المفتي، فإن وصفه نفسه بذلك في ~~حكم الإطراء والثناء، وقول المرء في ذكر مناقب نفسه غير مقبول. ### | 595 - # والذي أختاره أن ما ذكره القاضي لا يتحتم، والدليل عليه أن الذين كانوا ~~يرفعون وقائعهم، وينهون مسائلهم إلى أئمة الصحابة كانوا لا يقدمون على ~~استفتائهم إلقاء المسائل، والامتحان بها، وكان (216) علماء الصحابة لا ~~يأمرون عوامهم ومستفتيهم بأن يقدموا امتحان المقلدين. ### | 596 - # والذي أراه أن من ظهر ورعه من العلماء، وبعد عن مظان # PageV01P409 # التهم، فيجوز للمستفتين اعتماد قوله إذا ذكر أنه من أهل الفتوى، فنعلم أن ~~الغريب كان يرد ويسأل من يراه من علماء الصحابة، فكان ذلك مشتهرا مستفيضا ~~من دأب الوافدين والواردين، ولم يبد نكير من جلة الصحابة وكبرائهم. # فإذا كان الغرض حصول غلبة ظن المستفتي، فهي تحصل باعتماد قول من ظهر ~~ورعه، كما تحصل باستفاضة الأخبار عنه. # وليس للمستفتي سبيل إلى الإحاطة بحقيقة رتبة المفتي ms155 مع عروه عن مواد ~~العلوم، سيما إذا فرض القول في غبي عري عن مبادئ العلوم، والاستئناس ~~بأطرافها. ### | 597 - # ومما يتعين ذكره أن من وجد في زمان مفتيا تعين عليه تقليده، وليس له أن ~~يرقى إلى مذاهب الصحابة. # وبيان ذلك أنه إذا ثبت مذهب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في واقعة، ~~وفتوى مفتي الزمان خالفت مذهبه فليس للعامي # PageV01P410 # المقلد أن يؤثر تقديم مذهب أبي بكر [الصديق] من حيث إنه في عقده أفضل ~~الخليفة بعد المرسلين عليهم السلام. # فإن الصحابة وإن كانوا صدور الدين، وأعلام المسلمين، ومفاتيح الهدى ~~ومصابيح الدجى، فما كانوا يقدمون تمهيد الأبواب، وتقديم الأسباب للوقائع ~~قبل وقوعها وقد كفانا البحث عن مذاهبهم الباحثون والأئمة المعتنون بنخل ~~مذاهب الماضين، فمن ظهر له وجوب اتباع مذهب الشافعي [رضي الله عنه] لم يكن ~~له أن يؤثر مذهب أبي بكر [رضي الله عنه] على مذهب الشافعي، وهذا متفق عليه ~~; إذ لولا ذلك (217) لتعين تقديم مذهب أبي بكر في كل مسألة نقل مذهبه فيها، ~~ثم مذهب عمر، ثم هكذا على حسب ترتيبهم في المناقب والمراتب. ### | 598 - # فإذا وضح ذلك، بنينا عليه معضلة من أحكام الفتوى، وقلنا: من نظر من ~~المستفتين نظرا يليق به - كما سبقت الإشارة إليه - فأداه نظره إلى تقليد ~~إمام المسلمين الشافعي - رحمة الله عليه - ; # PageV01P411 # ولكن كان في زمانه مفت مستجمع للشرائط المرعية، وكانت فتواه قد تخالف ~~مذهب الشافعي في بعض الوقائع، فالمستفتي الذي اعتقد على الجملة اتباع ~~الشافعي (رحمه الله) يقلد مفتي زمانه، أم يتبع مذهب الشافعي [رضي الله عنه] ~~ويتلقفه على حسب مسيس الحاجة من ناقليه؟ . ### | 599 - # فنقول: أولا من ترقى إلى رتبة الفتوى واستقل بمنصب الاستبداد في ~~الاجتهاد، فلا يتصور في مطرد الاعتياد انطباق فتاويه واختياراته في جميع ~~مسائل الشريعة على مذهب إمام من الأئمة ; فإن مسالك الاجتهاد وأساليب ~~الظنون كثيرة، وجهات النظر لا يحويها حصر. ### | 600 - # نعم يجوز أن يؤثر مفت قواعد الشافعي [رضي الله عنه] مثلا في وضع الأدلة ~~والمآخذ الكلية، ثم لا بد من اختلاف ms156 في تفاصيل النظر. # فالمستفتي إذا يعتمد مذهب الحبر الذي اعتقد تقدمه على من عداه، أم يرجع ~~إلى مفتي زمانه؟ . # PageV01P412 ### | 601 - # فقد يتجه في ذلك أن يرجع إلى مفتي دهره، فإن الإمام الماضي، وإن عظم قدره ~~وعلا منصبه، فهو من حيث تقدم وسبق، ولم يلحقه هذا المستفتي ينزل منزلة ~~[أئمة] الصحابة - رضي الله عنهم - بالإضافة إلى من بعدهم. # وقد ذكرنا أنه ليس للمستفتي أن يتتبع مذاهب الصحابة (218) والسبب فيه أن ~~الأئمة المتأخرين أولى بالبحث عن مذاهب المتقدمين من المستفتين. كذلك مفتي ~~الزمان في تفاصيل المسائل أحق بالبحث من المستفتي. ### | 602 - # ولئن كان ينقدح للمستفتي وجه من النظر في تقديم مذهب الشافعي، فهو نظر ~~كلي لا يلوح في تفاصيل المسائل، ونظر المفتي في البحث والتنقير، وتعيين ~~جهات النظر في آحاد المسائل أصح وأوثق من ظن على الجملة لمستفت، لا اختصاص ~~له بالتفصيل. فهذا وجه. ### | 603 - # ويجوز أن يقول قائل: مذاهب الأئمة لا تنقطع # PageV01P413 # بموتهم، فكأن الشافعي [رضي الله عنه] وإن انقلب إلى رحمة الله تعالى حي ~~ذاب عن مذهبه، ولو فرضنا معاصرة هذا المستفتي الشافعي، وقد خالفه المفتي ~~الذي هو موجود في الزمان، لكان المستفتي يتتبع مذهب الشافعي لا محالة. ### | 604 - # وليس ما ذكرناه خارما لما مهدناه من أن المستفتي لا يتبع مذهب الصحابة ~~فإنهم - رضي الله عنهم - ما كانوا يضعون المسائل لتمهيد القواعد، وتبويب ~~الأبواب، والمستفتي مأمور باتباع مسالك الباحثين الفاحصين عن أقاصيص ~~المتقدمين وطرق الماضين. ### | 605 - # والشافعي من المتناهين في البحث عن المطالب، ونخل المذاهب، والاهتمام ~~بالنظر في المناصب والمراتب، ونظره في التأصيل والتفصيل، والتنويع والتفريع ~~- أغوص من نظر علماء الزمان، ومجرد تاريخ التقدم والتأخر - مع القطع بأن ~~المذاهب لا تزول بزوال منتحليها - لا أثر له. # فهذان وجهان متعارضان واحتمالان متقابلان، ولا يبلغ القول في ذلك مبلغ ~~القطع. ### | 606 - # والأوجه عندي أن يقلد المستفتي مفتي زمانه. ثم تحقيق # PageV01P414 # القول في ذلك أن يقال: حق [على] المستفتي أن يستفتي (219) مفتي زمانه في ~~هذه الواقعة التي فيها مخاضنا الآن ;فإنها مسألة لا ms157 يتضح فيها للشافعي - ~~رضي الله عنه - تنصيص على مذهب، فليقل لمفتي الزمان: معتقدي تقديم الشافعي، ~~وقد خالف مذهبك في المسألة التي دفعت إلى السؤال عنها مذهب الشافعي [رضي ~~الله عنه] فما ترى لي في طريق الاستفتاء؟ أأنزل على مذهب الشافعي؟ أم أتبعك ~~في فتواك؟ ! . ### | 607 - # فإن أدى اجتهاد المفتي إلى تكليفه اتباعه، اتبعه وقلده، وإن أدى اجتهاده ~~إلى تكليفه تقليد إمامه ألزمه ذلك، ونقل له مذهب إمامه. # وهذا من الأسرار فليتأمله المنتهي إليه. ### | 608 - # وهذا فيه إذا كان للإمام المقدم مذهب منصوص عليه في المسألة. فأما إذا لم ~~يصح [له] مذهب فليس إلا تقليد مفتي الزمان، والله المستعان. # PageV01P415 ### | 609 - # ولو أخذت في تفاصيل أحكام الفتوى، لأطلت أنفاسي، وفيها مجموعات معلقة ~~عني، ومصنفة لي، فليطلبها من تتشوف همته إليها. ### | 610 - # وغرضي من هذا المجموع استقصاء القول في خلو الزمان عن المفتين، وإنما ~~ذكرت طرفا من صفات المفتين وأحكامهم ليتبين للناظر خلو الدهر عن المفتين ~~عند خوضنا فيه والله ولي التوفيق، وهو بإسعاف راجيه حقيق. # وقد نجز مقصدنا في المرتبة الأولى. # PageV01P416 ### | [المرتبة الثانية الباب الثاني فيما إذا خلا الزمان عن المجتهدين] # وبقي نقلة مذاهب الأئمة] 611 - فأما المرتبة الثانية فهي فيه إذا خلا ~~الزمان عن المفتين البالغين مبلغ المجتهدين، ولكن لم يعر الدهر عن نقلة ~~المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضين، وتكاد هذه الصورة توافق هذا الزمان ~~وأهله. والوجه تقديم ما يتعلق بالناقل وصفته ثم الخوض في ذكر ما يتعلق به ~~المستفتون فأقول: ### | 612 - # لا يستقل بنقل مسائل الفقه من يعتمد الحفظ، ولا يرجع إلى كيس وفطنة وفقه ~~(220) طبع ; فإن [تصوير] مسائلها أولا، وإيراد صورها على وجوهها لا يقوم ~~بها إلا فقيه. # ثم نقل المذاهب بعد استتمام التصوير لا يتأتى إلا من مرموق في الفقه ~~خبير، فلا ينزل نقل مسائل الفقه منزلة نقل الأخبار والأقاصيص والآثار. # وإن فرض النقل في الجليات [من واثق بحفظه موثوق به في أمانته، لم يمكن ~~فرض نقل الخفيات] من غير استقلال بالدراية. ### | 613 - # فإذا وضح ما حاولناه من ms158 صفة الناقل، فالقول بعد ذلك فيما على المستفتين. # PageV01P417 # فإذا وقعت واقعة فلا يخلو إما أن يصادف النقلة فيها جوابا من الأئمة ~~الماضين، وإما أن لا يجدوا فيها بعينها جوابا. # فإن وجدوا فيها مذهب الأئمة منصوصا عليه، نقلوه واتبعه المستفتون. ولا بد ~~من إزالة استبهام في هذا المقام. ### | 614 - # فإذا نقل الناقلون مذهب الشافعي - رحمه الله - ونقلوا مذاهب عن المجتهدين ~~المتأخرين عن عصره، [فالمستفتي] يتبع أي المذاهب؟ مع اعتقاده أن من بعد ~~الشافعي - رضي الله عنه - لا يوازيه، ولا يدانيه؟ . ### | 615 - # هذا ينبني على ما أجريته في أثناء الكلام في المرتبة الأولى من هذا ~~الركن، وهو أن من عاصر مفتيا، وصادف مذهبه مخالفا لمذهب الإمام الذي اعتقده ~~أفضل الأئمة الباحثين والممهدين لأبواب الأحكام قبل وقوع الوقائع، فإنه ~~يتبع مذهب المفتي أو مذهب الإمام المقدم المتقادم؟ وقد تقدم فيه تردد، ووضح ~~أن الاختيار اتباع مفتي الزمان، من حيث إنه بتأخره سبر مذهب من كان # PageV01P418 # قبله، ونظره في التفاصيل [أسد] من نظر المقلد على الجملة. ### | 616 - # فإذا تجدد العهد بهذا، فقد يظن الظان على موجب ذلك (221) أن اتباع مذاهب ~~الأئمة المتأخرين عن الشافعي أولى وإن فاقهم الشافعي - رحمه الله - فضلا، ~~فإنهم باستئخارهم اختصوا بمزيد بحث وسبر. ### | 617 - # والذي أراه في ذلك القطع باتباع الإمام المقدم، والإضراب عن مذاهب ~~المتأخرين عنه قدرا وعصرا. # وإن كنت أرى تقليد مفتي الزمان لو صودف ; لأن الذي يوجد لا يعسر تقليده، ~~وتطويقه أحكام الوقائع. # فأما تكليف المستفتين الإحاطة بمراتب العلماء المتأخرين عن الشافعي - ~~مثلا - على كثرتهم، وتفاوت مناصبهم ومراتبهم، فعسر لا يستقل به إلا من وفرت ~~حظوظه من علوم. ### | 618 - # وإنما رأيت هذا مقطوعا به من حيث لم ير أحد من العلماء المقلدين ~~المستفتين على مذاهب من دون الإمام المقدم، ولكن من كان من العلماء مفتيا، ~~جزم فتواه، ولم يذكر مذهب # PageV01P419 # من سواه، ومن قدر نفسه ناقلا، أحال المراجعين على مذاهب الحبر المتقدم. # وهذا لائح لا يجحده محصل. # فقد تقرر أن الواقعة إذا نقل فيها من هو من ms159 أهل النقل مذهب إمام مقدم ~~[قد] ظهر للمستفتي بما كلفه من النظر أنه أفضل الأئمة الباحثين، فالمستفتي ~~يتبع ما صح النقل فيه. ### | 619 - # وإن وقعت واقعة لم يصادف النقلة فيها مذهبا منصوصا عليه للإمام المقدم، ~~وقد عري الزمان عن المجتهدين، فهذا مقام يتعين صرف الاهتمام إلى الوقوف على ~~المغزى منه والمرام، وهو سر الكلام في هذه المرتبة. فأقول: ### | 620 - # قد تقدم أن نقل الفقه يستدعي كيسا وفطنة وحظوة بالغة في الفقه. # ثم الفقيه الناقل يفرض على وجهين: # PageV01P420 # أحدهما - أن يكون في الفقه على مبلغ يتأتى منه بسببه نقل المذاهب في ~~الجليات (222) والخفايا تصويرا، وتحريرا، وتقريرا، ولا يكون في فن الفقه ~~بحيث يستد له قياس غير المنصوص عليه على المنصوص. فإن كان كذلك، اعتمد فيما ~~نقل. ### | 621 - # وإن وقعت واقعات لا نصوص لصاحب المذهب في أعيانها، فما تعرى عن النص ~~ينقسم قسمين: # أحدهما - أن يكون في معنى المنصوص عليه، ولا يحتاج في درك ذلك إلى فضل ~~نظر، وسبر عبر، وإنعام فكر، فلا يتصور أن يخلو عن الإحاطة بمدارك هذه ~~المسالك من يستقل بنقل الفقه، فليلحق في هذا القسم غير المنصوص عليه ~~بالمنصوص عليه. ### | 622 - # وبيان ذلك بالمثال من ألفاظ الشارع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~" «من أعتق شركا له في عبد قوم عليه نصيب صاحبه» " فالمنصوص عليه العبد، ~~ولكنا نعلم قطعا أن الأمة المشتركة في معنى العبد الذي اتفق النص عليه، ولا ~~حاجة في ذلك إلى الفحص والتنقير عن مباحث الأقيسة. # PageV01P421 # فإذا جرى لصاحب المذهب مثل ذلك، لم يشك المستقل بنقل مذهبه في هذا الضرب ~~في إلحاق ما في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه. ### | 623 - # وإذا احتوى الفقيه على مذهب إمام مقدم حفظا ودراية، واستبان أن غير ~~المذكور ملتحق بالمذكور فيما لا يحتاج فيه إلى استثارة معان، واستنباط علل، ~~فلا يكاد يشذ عن محفوظ هذا الناقل حكم واقعة في مطرد العادات. # والسبب فيه أن مذاهب الأئمة لا تخلو في كل كتاب، بل في كل باب عن جوامع ~~وضوابط، وتقاسيم، ms160 تحوي طرائق الكلام في الممكنات، ما وقع منها وما لم يقع، ~~ولو أوضحت ما أحاوله بضرب الأمثلة لاحتجت إلى ذكر (223) صدر صالح من فن ~~الفقه، من غير مسيس الحاجة في هذا المجموع إليه، فإن الناس في هذا الذي ~~أفضى الكلام إليه طائفتان: فقهاء ناقلون معتمدون فيما ينقلون، ومستفتون ~~راجعون إلى المستقلين بنقل مذاهب الماضين. # PageV01P422 ### | 624 - # فأما الفقهاء فلا يخفى عليهم مضمون ما ذكرته قطعا، وأما المستفتون، فلا ~~يحيطون بسر الغرض فيه، وإن بسط لهم المقال، وأكثرت لهم الأمثال فتصيبهم من ~~هذا الفصل مراجعة الفقهاء، والنزول على ما ينهون إليهم من الأحكام. # وقد فهم عنا من ناجيناه من الفقهاء ما أردناه، واتضح المقصد فيما ~~أوردناه. ### | 625 - # ثم لسنا نضمن مع ما قربناه اشتمال الحفظ على قضايا جميع ما يتوقع وقوعه ~~من الوقائع. فإن فرضت واقعة لا يحويها نصوص، ولا تضبطها حدود روابط، وجوامع ~~ضوابط. ولم تكن في معنى ما انطوت النصوص عليه. فالقول فيها يلتحق بالكلام ~~[فيما] إذا خلا الزمان عن نقلة المذاهب، وسيأتي ذلك في المرتبة الثالثة على ~~الترتيب، وهي المقصودة من الركن الثالث، وما عداها كالمقدمات والتسبيب. # PageV01P423 ### | 626 - # وما ذكرناه الآن فيما إذا لم يكن ناقل المذاهب بحيث يقوى على مسالك ~~الأقيسة، ويستمكن من الاستداد في استنباط المعاني. ### | 627 - # فأما من كان فقيه النفس، متوقد القريحة، بصيرا بأساليب الظنون، خبيرا ~~بطرق المعاني في هذه الفنون، ولكنه لم يبلغ مبلغ المجتهدين، لقصوره عن ~~المبلغ المقصود في الآداب أو لعدم تبحره في الفن المترجم بأصول الفقه - على ~~أنه لا يخلو عن قواعد أصول الفقه الفقيه المرموق والفطن في أدراج الفقه - ~~وإن كان لا يستقل بنظم أبوابه، وتهذيب أسبابه، فمثل هذا الفقيه إذا أحاط ~~بمذهب (224) إمام من الأئمة الماضين، وذلك الإمام هو الذي ظهر في ظن ~~المستفتين أنه أفضل المقدمين الباحثين، [فما] يجده منصوصا من مذهبه ينهيه ~~ويؤديه، ويلحق بالمنصوص عليه ما في معناه، كما سبق الكلام فيه. # PageV01P424 ### | 628 - # وإذا عنت واقعة لا بد من إعمال القياس فيها [فقد] خبر الفقيه المستقل ms161 ~~بمذهب إمامه مسالك أقيسته وطرق تصرفاته في إلحاقاته غير المنصوص عليه ~~للشارع بالمنصوص عليه، فلا يعسر عليه أن يبين في كل واقعة قياس مذهب إمامه. ### | 629 - # ثم الذي أقطع به أنه يتعين على المستفتي اتباع اجتهاد مثل هذا الفقيه في ~~إلحاقه - بطرق القياس التي ألفها وعرفها -[ما] لا نص فيه لصاحب المذهب ~~بقواعد المذهب. # والدليل عليه أن المجتهد البالغ مبلغ أئمة الدين صفته أنه أنس بأصول ~~الشريعة، واحتوى على الفنون التي لا بد منها في الإحاطة بأصول المسألة، ~~والاستمكان من التصرف فيها. # [فإذا] استجمعها العالم كان على ظن غالب في إصابة ما كلف في مسالك ~~الاجتهاد. ### | 630 - # فالذي أحاط بقواعد مذهب الشافعي مثلا، وتدرب في مقاييسه، وتهذب في أنحاء ~~نظره وسبيل تصرفاته ينزل في # PageV01P425 # الإلحاق بمنصوصات الشافعي منزلة المجتهد الذي يتمكن بطرق الظنون إلحاق ~~غير المنصوص عليه في الشرع بما هو منصوص عليه. ### | 631 - # ولعل الفقيه المستقل بمذهب إمام أقدر على الإلحاق بأصول المذهب الذي حواه ~~- من المجتهد في محاولته الإلحاق بأصول الشريعة ; فإن الإمام المقلد المقدم ~~بذل كنه مجهوده في الضبط، ووضع الكتاب بتبويب الأبواب (225) وتمهيد مسالك ~~القياس والأسباب، والمجتهد الذي يبغي رد الأمر إلى أصل الشرع لا يصادف فيه ~~من التمهيد والتقعيد ما يجده ناقل المذهب في أصل المذهب المهذب [المفرع] ~~المرتب. ### | 632 - # والذي يحقق الغرض في ذلك إذا عدمنا مجتهدا، ووجدنا فقيها دربا قياسا، ~~وحصلنا على ظن غالب في التحاق ما لا نص فيه في المذهب الذي ينتحله ~~بالمنصوصات، فإحالة المستفتين على ذلك أولى من تعرية وقائع عن التكاليف، ~~وإحالة المسترشدين # PageV01P426 # على عمايات وأمور كلية، كما سيأتي شرحنا عليه في المرتبة التالية - إن ~~شاء الله عز اسمه -. # وهذا فتح عظيم في الشرع لائق بحاجات أهل الزمان، وقد وفق الله شرحه. ### | 633 - # وتنخل من محصل الكلام أن الفقيه الذي وصفناه يحل في حق المستفتي محل ~~الإمام المجتهد الراقي إلى الرتبة العليا في الخلال المرعية ناقلا، وملحقا ~~وقايسا. ثم يقلد المستفتي ذلك الإمام المقدم المنقلب إلى رحمة الله [تعالى] ms162 ~~ورضوانه، لا الفقيه الناقل القياس. ### | 634 - # فإن فرض فارض من مثل الفقيه الذي ذكرناه ترددا وتبلدا في بعض الوقائع على ~~ندور، فقد يتصور [توقف] المجتهد في بعض الوقائع. # PageV01P427 ### | 635 - # وبعون الله وتوفيقه أذكر في آخر المرتبة الثالثة تفصيل القول في آحاد ~~الوقائع، إذا توقف فيها المفتون، أو تردد فيها الناقلون، ونوضح ما على ~~المستفتين فيها إن شاء الله عز وجل. # فهذا منتهى المطلوب في هذه المرتبة. # PageV01P428 ### | [المرتبة الثالثة الباب الثالث في خلو الزمان عن المفتين ونقلة المذاهب] # المرتبة الثالثة # (الباب الثالث) # [في خلو الزمان عن المفتين ونقلة المذاهب] ### | 636 - # مضمون هذه المرتبة ذكر [متعلق] التكاليف إذا خلا الزمان عن المفتين وعن ~~نقلة [لمذاهب] الأئمة الماضين، فماذا يكون مرجع المسترشدين المستفتين في ~~أحكام الدين؟ . ### | 637 - # وملاك الأمر في تصوير هذه المرتبة أن لا يخلو الدهر عن المراسم (226) ~~الكلية، ولا تعرى الصدور عن حفظ القواعد الشرعية، وإنما تعتاص التفاصيل ~~والتقاسيم والتفريغ. ولا يجد المستفتي من يقضي على حكم الله في الواقعة على ~~التعيين. ### | 638 - # فإذا لاح للناظر تصوير هذه المرتبة، فنحن بعون الله نقدم على الخوض في ~~مقصودها الخاص أمرا كليا في قواعد الشريعة، يقضي اللبيب من حسنه العجب، ~~ويتهذب به الكلام # PageV01P429 # في غرض المرتبة ويترتب، ويجري مجرى الأس والقاعدة، والملاذ المتبوع، الذي ~~إليه الرجوع. فنقول: ### | 639 - # لا يخفى على من شدا طرفا من التحقيق أن مآخذ الشريعة مضبوطة محصورة، ~~وقواعدها معدودة محدودة ; فإن مرجعها إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، والآي المشتملة على الأحكام، وبيان الحلال والحرام ~~معلومة، والأخبار المتعلقة بالتكاليف في الشريعة متناهية. ### | 640 - # ونحن نعلم أنه لم يفوض إلى ذوي الرأي والأحلام أن يفعلوا ما يستصوبون فكم ~~من أمر تقضي العقول بأنه الصواب في حكم الإيالة والسياسة، والشرع وارد ~~بتحريمه. # [ولسنا] ننكر تعلق مسائل الشرع بوجوه من المصالح، ولكنها مقصورة على ~~الأصول المحصورة، وليست ثابتة على الاسترسال في جميع وجوه الاستصلاح، ~~ومسالك الاستصواب. # ثم نعلم مع ذلك أنه لا يخلو واقعة عن حكم الله ms163 تعالى على المتعبدين. # PageV01P430 ### | 641 - # وقد ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا إلى أنه لا يبعد تقدير واقعة ليس في ~~الشريعة حكم الله فيها وزعم إنها إذا اتفقت فلا تكليف على العباد فيها. ~~وهذا زلل ظاهر. ### | 642 - # والمعتقد أنه لا يفرض وقوع واقعة مع بقاء الشريعة بين ظهراني حملتها إلا ~~وفي الشريعة (227) مستمسك بحكم الله فيها. ### | 643 - # والدليل القاطع على ذلك أن أصحاب المصطفى - صلى الله عليه [وسلم] ، ورضي ~~عنهم - استفتحوا النظر في الوقائع والفتاوى والأقضية فكانوا يعرضونها على ~~كتاب الله [تعالى] ، فإن لم يجدوا فيها متعلقا، راجعوا سنن المصطفى - عليه ~~السلام - فإن لم يجدوا فيها شفاء، اشتوروا، واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في ~~تمادي دهرهم، إلى انقراض عصرهم، ثم استن من بعدهم بسنتهم، فلم [تتفق] في ~~مكر الأعصار، وممر الليل والنهار واقعة نقضي بعروها عن موجب من موجبات ~~التكليف. # ولو كان ذلك # PageV01P431 # ممكنا لكان يتفق وقوعه على تمادي الآماد، مع التطاول والامتداد. فإذا لم ~~يقع علمنا اضطرارا [من] مطرد الاعتياد أن الشريعة تشتمل كل واقعة ممكنة، ~~ولما «قال رسول الله لمعاذ بن جبل [رضي الله عنه] : " بم تحكم يا معاذ؟ " ~~فقال: بكتاب الله. قال: " فإن لم تجد "؟ قال: أجتهد رأيي» . # فقرره رسول الله - صلى الله عليه [وسلم]- وصوبه، ولم يقل: فإن قصر عنك ~~اجتهادك، فماذا تصنع؟ . فكان ذلك نصا على أن الوقائع تشملها القواعد التي ~~ذكرها معاذ. ### | 644 - # فإذا تقرر ذلك فلو قال قائل: ما يتوقع وقوعه من الوقائع لا نهاية له، ~~ومآخذ الأحكام متناهية، فكيف يشتمل ما يتناهى على ما لا يتناهى، وهذا إعضال ~~لا يبوء بحمله إلا موفق ريان من علوم الشريعة. # PageV01P432 ### | 645 - # فنقول: [للشرع] مبنى بديع، وأس هو منشأ كل تفصيل وتفريع، وهو معتمد ~~المفتي في الهداية الكلية والدراية وهو المشير إلى استرسال أحكام الله على ~~الوقائع مع نفي النهاية، وذلك أن قواعد الشريعة متقابلة بين النفي ~~والإثبات، والأمر والنهي والإطلاق (228) والحجر، والإباحة والحظر، ولا ~~يتقابل قط أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما، وتنتفي النهاية عن مقابله ~~ومناقضه. ### | 646 ms164 - # ونحن نوضح ذلك بضرب أمثال، ثم نستصحب استعمال هذه القاعدة الشريفة في ~~تفاصيل الأغراض من هذه المرتبة، والله المستعان في كل حين وأوان، فنقول: ### | 647 - # قد حكم الشرع [بتنجيس] أعيان، ومعنى النجاسة التعبد باجتناب ما نجسه ~~الشرع في بعض العبادات على تفاصيل يعرفها حملة الشريعة في الحالات، ثم ما ~~يحكم الشرع بنجاسته ينحصر نصا واستنباطا، وما لا يحكم الشرع بنجاسته # PageV01P433 # لا نهاية له في ضبطنا، فسبيل المجتهد أن يطلب ما يسأل عن نجاسته وطهارته ~~[من] القسم المنحصر، فإن لم يجده منصوصا فيه، ولا ملتحقا به، [بالمسلك] ~~المضبوط المعروف عند أهله، ألحقه بمقابل القسم ومناقضه، وحكم بطهارته. ### | 648 - # فاستبان أنه لا يتصور والحالة هذه خلو واقعة في النجاسة والطهارة عن حكم ~~الله [تعالى] فيها. # ثم هذا المسلك يطرد في جميع قواعد الشريعة، ومنه ينبسط حكم الله تعالى ~~على ما لا نهاية له. ### | 649 - # وهذا السر في قضايا التكاليف لا يوازنه مطلوب من هذا الفن علوا وشرفا، ~~وسيزداد المطلع عليه كلما نهج في النظر منهاجا، ثم يزداد اهتزازا وابتهاجا. ~~فإذا تقرر هذا نقول: ### | 650 - # المقصود الكلي من هذه المرتبة أن نذكر في كل أصل من # PageV01P434 # أصول الشريعة قاعدة تنزل منزلة القطب من الرحى، والأس من المبنى، ونوضح ~~أنها منشأ التفاريع وإليه انصراف الجميع. # والمسائل الناشئة منها تنعطف عليها انعطاف بني المهود من الحاضنة إلى ~~حجرها، وتأزر إليها كما تأزر الحية إلى جحرها. ### | 651 - # ولو أردت (229) أن أصف مضمون هذا الركن بالتراجم والعبارات الدالة على ~~الجوامع والجمل، انعقد الكلام، ولم يحط به فهم المنتهي إليه. ### | 652 - # وإذا فصلت ما أبتغيه فصلا فصلا، وذكرت ما أحاوله أصلا أصلا، تبين الغرض ~~من التفصيل، وعلى فضل الله وتيسيره التعويل. فلتقع البداية بكتاب الطهارة. # PageV01P435 ### | [كتاب الطهارة] ### | فصل في المياه # [فصل] # فنقول: في حكم المياه: ### | 653 - # قد امتن الله على عباده بإنزال الماء الطهور، فقال عز من قائل: {وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا} . # والطهور في لسان الشرع هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. # ويطرأ على الماء الطهور ثلاثة ms165 أشياء: # أحدها - النجاسة. # والثاني - الأشياء الطاهرة. # والثالث الاستعمال. ### | 654 - # فأما النجاسة إذا وقعت في الماء فمذهب مالك - رحمه الله - أن الماء طهور ~~ما لم يتغير، واستمسك في إثبات مذهبه بما روي # PageV01P436 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير طعمه أو ريحه» ". ### | 655 - # ومذهب الشافعي - رضي الله عنه - أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس ما لم ~~يتغير، وهو قريب من خمس قرب، فإن لم يبلغ هذا المبلغ، فوقعت فيه نجاسة، ~~تنجس، تغير أو لم يتغير. ### | 656 - # واضطربت الرواية عن أبي حنيفة - رحمه الله - ولست لاستقصاء تلك الروايات ~~; فإن غرضي وراء هذه المذاهب. ### | 657 - # فإن فرض عصر خال عن موثوق في نقل مذاهب الأئمة، والتبس على الناس هذه ~~التفاصيل، التي رمزت إليها، وقد تحققوا أن النجاسة على الجملة مجتنبة، ولم ~~يخف على ذوي العقول أن النجاسات لا تؤثر في المياه العظيمة، كالبحار ~~والأودية # PageV01P437 # الغزيرة كدجلة والفرات وغيرهما، ولا بد من استعمال المياه في [الطهارات] ~~والأطعمة وبه قوام ذوي (230) الأرواح. ### | 658 - # والذي تقتضيه هذه الحالة أن من استيقن نجاسة اجتنبها، ومن استيقن [خلو ~~ماء] عن النجاسة، لم يسترب في جواز استعماله، وإن شك، فلم يدر أخذ ~~بالطهارة. # فإن تكليف ماء [مستيقن] الطهارة، بحيث لا يتطرق إليه إمكان النجاسة عسر ~~الكون، معوز الوجود، وفي جهات الإمكان متسع، ولو كلف الخلق طلب يقين ~~الطهارة في الماء، لضاقت معايشهم، وانقطعوا عن مضطربهم ومكاسبهم، ثم لم ~~يصلوا آخرا إلى ما يبغون. ### | 659 - # فهذه قواعد كلية تخامر العقول من أصول الشريعة لا تكاد تخفى، وإن درست ~~تفاصيل المذاهب. ### | 660 - # وإن استيقن المرء وقوع نجاسة فيما يقدره كثيرا، وقد تناسى الناس القلتين، ~~ومذهب الصائر إلى اعتبارهما، فالذي تقتضيه هذه الحالة أن المغترف من الماء ~~إن استيقن أن النجاسة قد # PageV01P438 # انتشرت إلى هذا المغترف وفي استعماله استعمال شيء من النجاسة فلا ~~يستعمله. # وإن تحقق أن النجاسة لم تنته إلى هذا المغترف، استعمله، وإن شك أخذ ~~بالطهارة ; فإن مما تقرر ms166 في قاعدة الشريعة استصحاب الحكم بيقين طهارة ~~الأشياء إلى أن يطرأ عليها يقين النجاسة. ### | 661 - # وهذا الذي ذكرته قريب من مذهب أبي حنيفة الآن. ### | 662 - # ولو تردد الإنسان في نجاسة شيء وطهارته، ولم يجد من يخبره بنجاسته أو ~~طهارته، مفتيا أو ناقلا، فمقتضى هذه الحالة الأخذ بالطهارة، فإنه قد تقرر ~~في قاعدة الشريعة أن من شك في طهارة ثوب أو نجاسته فله الأخذ بطهارته. ### | 663 - # فإذا عسر درك الطهارة من المذاهب، وخلا الزمان عن مستقل بمذهب علماء ~~الشريعة، فالوجه رد الأمر ما ظهر في قاعدة الشرع أنه الأغلب. ### | 664 - # وقد قدمنا: أن الأصل (231) طهارة الأشياء، وإن المحكوم بنجاسته معدود ~~محدود. ولو وجدنا في توافر العلماء عينا، # PageV01P439 # وجوزنا أنها دم، ولم يبعد أن يكون صبيغا مضاهيا للدم في لونه وقوامه، ~~واستوى الجائزان فيه عندنا، فيجوز الأخذ بطهارته بناء على القاعدة التي ~~ذكرناها. ### | 665 - # فالتباس المذاهب، وتعذر ذكر أقوال العلماء في العصر ينزل منزلة التباس ~~الأحوال في الطهارة والنجاسة مع وجود العلماء. ### | 666 - # فإن قيل: هذا الذي ذكرته اختراع مذهب لم يصر إليه المتقدمون، والذين ~~أوضحوا [مذاهبهم] لم يخصصوها ببعض الأعصار، بل أرسلوها منبسطة على الأزمان ~~كلها. ### | 667 - # قلنا: هذا الفن من الكلام يتقبله راكن إلى التقليد، مضرب عن المباحث ~~كلها، أو متبحر في تيار بحار علوم الشريعة بالغ في كل [غمرة] إلى مقرها، ~~صال بحرها، صابر على سبرها، بصير بمآخذ الأقيسة في معضلاتها، غواص # PageV01P440 # على مغاصاتها، وافر الحظ في بدائعها، وينكرها الشادون المستطرقون الذين ~~لم يتشوفوا بهممهم إلى درك الحقائق، ولم يضطروا إلى المآزق والمضايق. ### | 668 - # ولا بد من تقرير الانفصال عن السؤال قبل الاندفاع في مجال المقال. # فنقول: لو عرضت الكتب التي صنعها القياسون في الفقه مع ما فيها من ~~المسائل المرتبة، والأبواب المبوبة، والصور المفروضة قبل وقوعها، وبدائع ~~الأجوبة فيها، والعبارات المخترعة من مستمسكاتهم فيها استدلالا، وسؤالا ~~وانفصالا، كالجمع والفرق، والنقض والمنع، والقلب وفساد الوضع، والقول ~~بالموجب، ونحوها، لتعب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه [وسلم]- في فهمها ~~إذ لم ms167 يكن عهد بها، ومن فاجأه شيء # PageV01P441 # لم يعهده، احتاج إلى رد (232) الفكر إليه، ليأنس به، ثم يستمر على ~~أمثاله. # ومعظم المسائل التي وضعوها لم يلفوها بأعيانها منصوصا عليها، ولكنهم ~~قدروها على مقاربة ومناسبة من أصول الشريعة. ### | 669 - # فتقدير [إعواص] المذاهب والتباس الآراء والمطالب إذا جر إشكالا في ~~النجاسة والطهارة - واقعة مفروضة، ورأيت فيها قياس الشك في النجاسة التي ~~أنتجه التباس المذاهب، على شك ينتجه إشكال في الأحوال مع بقاء المذاهب. ### | 670 - # فقصارى القول فيه اعتبار شك بشك، وبناء الأمر على تغليب ما قضى الشرع ~~بتغليبه وهو الطهارة. ### | 671 - # والذي يكشف الغطاء في ذلك أن من أنكر ما ذكرته قيل: له: لو قدر خلو ~~الزمان عن العلماء بتفاصيل هذا الشأن، وأشكل على صاحب الواقعة أن الماء ~~الذي وقعت فيه النجاسة مما # PageV01P442 # كان يعفو العلماء عنه، أم لا؟ ولا ماء غيره. فماذا تقول أيها المعترض ~~المنكر؟ أتقول: يجب اجتنابه، فهذا إن قلته، فهو مذهب مخالف مذاهب الأولين. ~~ثم يعارضه جواز استعماله، وإن لم يطلع على مذاهب المتقدمين. # فهما إذا مسلكان [والتجويز] أقرب مآخذ الشريعة في مواقع الشك في النجاسات ~~كما سبق تقريره. ### | 672 - # وإن قال المعترض: لا حكم لله في هذا الماء في الزمان الخالي عن العلماء، ~~روجع في ذلك، وقيل له عنيت أنه لا حرج على المرء فيه استعمل الماء أو أضرب، ~~فهذا على التحقيق تسويغ الاستعمال لمكان الإشكال. ### | 673 - # والذي ذكرناه أمثل، فإن تبقية ربط الشرع على أقصى الإمكان، نظرا إلى ~~القواعد الكلية، أصوب من حل رباط التكاليف لمكان استبهام التفاصيل. # ولا يخفى مدرك الحق فيما ذكرناه على الفطن. وأما الفدم # PageV01P443 # البليد، فلا احتفال به، ومن أبى مسلكنا فهو (233) عنود جحود، أو غبي ~~بليد. والله ولي التأييد والتسديد بمنه ولطفه. ### | 674 - # فإذا وضح ما ذكرناه، فنعود إلى [سير] الكلام، [ونستتم] غرضنا في النجاسة ~~والطهارة في هذا الأسلوب من الكلام، ونقول رب نجاسة مستيقنة [يقضي] الشرع ~~بالعفو عنها ثم ذلك ينقسم إلى ما لا يتصور [التحرز] عنه أصلا، وليس من ~~الممكن ms168 الاستقلال باجتنابه، وهو كالغبار الثائر من قوارع الطرق التي تطرقها ~~البهائم والدواب والكلاب، وعلى القطع نعلم نجاستها، والناس في تردداتهم ~~وتصرفاتهم يعرقون، والرياح تثير الغبار ; فتنال الأبدان والثياب، ثم لا ~~يخلو عما ذكرناه البيوت والدور والأكنان. . # ونحن نعلم أن [التحرز] من هذا غير داخل في الاستطاعة، ثم الأنهار ينتشر ~~إليها الغبار المثار قطعا، فكيف يفرض غسل هذا النوع، والماء يتغشاه منه ما ~~يتغشى غيره من الثياب والأبدان والبقاع فلا خفاء يكون ذلك محطوطا عن ~~المكلفين أجمعين. # PageV01P444 ### | 675 - # ومن ضروب النجاسات ما يدخل في الإمكان الاحتراز منها على عسر، وإذا اتصلت ~~بالبدن والثوب أمكن غسلها، ولكن يلقى المكلفون فيه مشقة لو كلفوا الاجتناب ~~والإزالة. # وهذا على الجملة معفو عنه عند العلماء، وإنما اختلافهم في الأقدار ~~والتفاصيل، ومثال هذا القسم عند الشافعي - رحمه الله – دماء البراغيث ~~والبثرات إذا قلت. # وللأئمة في تفصيل هذا الفن مذاهب مختلفة، ليس نقلها من غرضنا الآن. ### | 676 - # ونحن نقول وراء ذلك: لا يخفى على أهل الزمان الذي لم تدرس فيه قواعد ~~الشريعة، وإنما التبست تفاصيلها أنا غير مكلفين بالتوقي مما لا يتأتى ~~التوقي عنه، ولا يخلو مثل هذا الزمان عن العلم بأن ما يتعذر (234) التصون ~~عنه جدا، وإن كان متصورا على العسر والمشقة معفو عنه، ولكن قد يخفى المعفو ~~عنه قدرا وجنسا، ولا يكون في الزمان من يستقل بتحصيله وتفصيله. ### | 677 - # فالوجه عندي فيه أن يقال: إن كان التشاغل مما يضيق # PageV01P445 # [متنفس] الرجل ومضطربه في تصرفاته وعباداته وأفعاله، التي يجريها في ~~عاداته، ويجهده ويكده مع اعتدال حاله فليعلم أنه في وضع الشرع غير مؤاخذ ~~به، فإن مما استفاض وتواتر من شيم الماضين - رضي الله عنهم أجمعين - ~~التساهل في هذه المعاني، حتى ظن طوائف من أئمة السلف أن معظم الأبوال ~~والأرواث طاهرة، لما صح عندهم من تساهل الماضين في هذه الأبواب. ### | 678 - # وإن لم يكن التصون عنها مما يجر مشقة بينة مذهلة عن مهمات الأشغال، فيجب ~~إزالتها. ### | 679 - # هذا مما يقضي به كلي الشريعة عند فرض دروس المذاهب ms169 في التفاصيل. ### | 680 - # فهذا مسلك للقول في أحكام النجاسات، ولو أكثرت في التفاصيل، لكنت هادما ~~مبنى الكتاب، فإن أصل ذلك التنبيه على موجب القواعد، مع تعذر الوصول إلى ~~التفصيل، فلو فصلنا وفرعنا، لكان نقل تفاصيل المذاهب، المضبوطة أولى مما ~~تقرر كونه عند دروسها. # PageV01P446 # فليفهم هذه المرامز مطالعها، مستعينا بالله عزت قدرته. ### | 681 - # وقد ذكرنا في صدر الباب أن الماء تطرأ عليه النجاسات والأشياء الطاهرة، ~~والاستعمال. وقد نجز مقدار غرضنا في أحكام النجاسات. ### | 682 - # فأما طريان الأشياء الطاهرة على الماء، فلا يتصور أن يخفى مع ظهور قواعد ~~الشرع في الزمان أن ما يرد على الماء من الطاهرات ولا يغير صفة من صفاته، ~~(235) فلا أثر له في سلب طهارة الماء وتطهيره. # وإن غيره مجاورا أو مخالطا فهذا موضع اختلاف العلماء، ولا حاجة بنا إلى ~~ذكره. # ولكن أذكر ما يليق بالقاعدة الكلية، فأقول: ### | 683 - # تخصيص الطهارات بالماء من بين سائر المائعات مما لا يعقل معناه وإنما هو ~~تعبد محض، وكل ما كان تعبدا غير مستدرك المعنى، فالوجه فيه اتباع اللفظ ~~الوارد شرعا، فلنتبع اسم الماء ; فكل تغير لا يسلب هذا الاسم لا يسقط ~~التطهير. # PageV01P447 # وهذا الذي ذكرته كليا في تقدير دروس تفاصيل المذاهب، هو المعتمد في توجيه ~~المذهب المرتضى من بين المسالك المختلفة؟ . ### | 684 - # وأما طريان الاستعمال، فالمذاهب مختلفة في الماء المستعمل. # والذي يوجبه الأصل لو نسيت هذه المذاهب فتنزيله على اسم الماء وإطلاقه، ~~[و] ليس يمتنع تسمية المستعمل ماء مطلقا. # فيسوغ على حكم الأصل من غير تفصيل التوضؤ به، تمسكا بالطهارة والاندراج ~~تحت اسم الماء المطلق. # فهذا ما يتعلق بأحكام المياه على مقصدنا في هذا الركن. والله أعلم. ### | [فصل في الأواني] # فصل # في الأواني ### | 685 - # الدباغ مختلف فيه على ما يذكره نقلة المذاهب، وفيه # PageV01P448 # أخبار متعارضة، وأصحها وأظهرها يتضمن أن الدباغ يفيد طهارة جلود الميتات ~~بعد الحكم بنجاستها بالموت. ### | 686 - # ولكن لو نسيت المذاهب والأصح منها، فالذي يقتضيه الأصل أن ما نجسه الموت ~~لا يطهر بنشف فضول وتطييب رائحة، والدباغ الآن عند ms170 القائل به في حكم رخصة ~~غير معقولة المعنى وهو مختلف فيه، فإذا درس السبيل الموصل إليه، فالمكلفون ~~يتعبدون بلزوم موجب (236) الأصل. # وهذا يطرد في جميع الرخص على ما سيأتي القول فيه مشروحا. ### | 687 - # وأما الشعور والأوبار والعظام مما اختلف في نجاستها، فإذا انحسم مسلك نقل ~~المذاهب فيها، والأدلة على الصحيح منها، التحق القول منها بما يشك في ~~نجاسته، وقد تقدم أن كل ما يشك في نجاسته فحكم الأصل الأخذ بطهارته. ### | [فصل في الأحداث الموجبة للوضوء والغسل] ### | 688 - # موجبات الوضوء والغسل محدودة، والذي لا ينقص # PageV01P449 # الوضوء والغسل لا نهاية له، كما سبق نظيره في النجاسات. # وموجب ما ذكرناه في زمان دروس التفاصيل أمران: أحدهما - أن كل ما أشكل ~~على أهل هذا الزمان كونه حدثا، فلهم أن يأخذوا باستصحاب الطهارة مع طريانه، ~~بناء على القاعدة في أن من استيقن الطهارة، وشك في الحدث، لم يقض بانتقاض ~~الطهارة المستيقنة أولا بسبب طريان الحدث. فهذا أحد ما أردناه. ### | 689 - # والثاني - أن بني الزمان لو تذكروا أن مسألة الأحداث فيها خلاف، ولم يذكر ~~أحد مذهب إمامه الذي يعتقده قدوته وأسوته فيجوز الأخذ باستبقاء الطهارة ~~جريا على القاعدة الممهدة. ### | [فصل في الغسل والوضوء] ### | 690 - # أصل طهارة الحدث غير معقول المعنى، وكذلك آلتها # PageV01P450 # ومحلها وانقسامها إلى المغسول والممسوح، فليس لها في الشرع قاعدة معنوية ~~نعتمدها، وإنما مرجعها إلى التوقيف. ### | 691 - # وقد اشتملت آية الوضوء على بيان بالغ فيه، فليتخذها أهل الزمان مرجعهم، ~~في أصل الباب، وسيتلى القرآن إلى فجر القيامة، ثم الذي يقتضي الزمان الخالي ~~عن الفقهاء، وناقلي المذاهب (237) أن النية لا تجب على المتوضئ إذ ليس لها ~~ذكر في الكتاب، ولم ينقل الوضوء نقل القرب التي شرعت مقصودة للتقرب إلى ~~الله [تعالى] ، بل نقلت نقل # PageV01P451 # الذرائع والمقدمات التي يقصد بها غيرها، فليس في نقله المطلق على ~~الاستفاضة والتواتر إشعار بالنية، وليس في كتاب الله ما يتضمنها. ### | 692 - # وكذلك القول في التيمم ; فإن قيل: التيمم هو القصد، فهلا أشعر لفظه ~~بالنية؟ قلنا: هو بمعنى: القصد، ولكنه مربوط ms171 بالصعيد فيجب، من مقتضاه القصد ~~إلى التراب. # فهذا حكم النية في الزمان العاري عن ذكر الأدلة على اشتراط النية. ### | 693 - # ويجب على أهل الزمان بحكم الآية غسل ما ينطلق عليه اسم الوجه، وليس في ~~الآية ما يوجب غسل المرفقين فإنه قال: إلى المرافق، فلئن لم يقتض إلى ~~تحديدا [وموجبه] إخراج الحد عن المحدود فإنها لا تقتضي جمعا وضما، أيضا، ~~فليس فيها اقتضاء غسل المرفقين كما ذهب إليه [زفر] . ### | 694 - # وكل ما لا يعقل معناه، وأصله التوقيف، فالرجوع فيه إلى لفظ الشارع فما ~~اقتضى اللفظ وجوبه التزم، ومالا يقتضي # PageV01P452 # اللفظ وجوبه، فلا وجوب فيه، لأن التكاليف إنما تثبت إذا تحقق ورود أمر ~~المكلف. . # فإن قيل: هلا وجب الأخذ بالأحوط؟ قلنا: لم يتأسس في قواعد الشرع أن ما شك ~~في وجوبه، وجب الأخذ بوجوبه نعم ما ذكره السائل مأخذ الاحتياط المندوب إليه ~~في الشريعة. ### | 695 - # فأما غسل الرجلين، فأخذه من فحوى الخطاب معوص مع اختلاف القراء في قوله ~~تعالى: (وأرجلكم) بالكسر والنصب. ولكن القول في هذه المرتبة مبني على بقاء ~~القواعد الكلية من الأذكار، ودروس تفاصيل المذاهب، ونقل غسل الرجلين عن ~~الرسول، وصحبه متواتر ونسبة المصير إلى المسح إلى الشيعة مستفيض، ومثل هذا ~~لا يتصور اندراسه مع توفر الدواعي على نقل القواعد. # فإن فرض زوال القواعد عن الذكر، وقع الكلام في المرتبة الرابعة # PageV01P453 # على ما سيأتي مشروحا. إن شاء الله [تعالى] . ### | 696 - # فالذي تحصل من هذا الباب أنه يتبع ما بقي من الأذكار، ويستمسك بآية ~~الوضوء، وما لم يعلم وجوبه، ولم يشعر به كتاب الله، فهو محطوط عن أهل ~~الزمان ; فإن التكليف لا يتوجه إلا مع العلم بتوجهه. ### | 697 - # فإن قيل: أليس غلبات الظنون مناط [معظم] الأحكام؟ فهلا قلتم ما غلب على ~~ظن المسترشد - في خلو الزمان عن الفقهاء - وجوبه وجب عليه الأخذ بوجوبه؟ . # قلنا: هذا قول من يقنع بظواهر الأشياء، ولا ينبغي التوصل إلى الحقائق، ~~فليعلم المنتهي إلى هذا الموضع أنا نعلم وجوب العمل بموجب خبر الواحد، ~~والقياس في مرتبته على ms172 شرطه، ويستحيل في مقتضى العقول أن يفيد ظن علما، ~~ووجوب العمل بموجب الخبر الذي نقله متعرضون للخطأ معلوم، والخبر في نفسه ~~مظنون، وكذلك القول في القياس. # PageV01P454 ### | 698 - # فالعلم بوجوب العمل غير مترتب على عين الخبر والقياس، ولكن قام الدليل ~~القاطع على وجوب العمل عند ثبوت الخبر والقياس، فالذي اقتضى العلم بالعمل ~~الدليل الدال على العمل بهما، كما يستقصى في فن الأصول. # فالخبر والقياس يعمل عندهما، ويعلم ذلك بالدليل المقتضي وجوب العمل عند ~~ثبوتهما. ### | 699 - # فإذا لم يعلم والمكلف في الزمان العري عن جملة التفاصيل موجبا، [فكيف] ~~يعلم وجوبا؟ وظنه الذي لا مستند له من تحقيق ما (239) انتصب في الشرع علما ~~انتصاب ظنون المجتهدين في أساليب الأقيسة، ومعظم أصناف الظنون مطرحة، لا ~~احتفال بها. ### | 700 - # فقد تقرر ما حاولناه لكل فطن، ووضح أن تعذر الوصول إلى العلم بما كان ~~واجبا في العصور المشتملة على العلماء، ينزل منزلة تعذر وقوع بعض الأعمال ~~بالعجز عنه. # PageV01P455 ### | [فصل في التيمم وما في معناه] ### | 701 - # التيمم رخصة لا تحتمل معنى مستدركا، وإنما المتبع فيها موارد التوقيف، ~~فما ظهر في العصر من التيمم على تحقيق وثبت اتبع. وما لم يظهر مقتضيه لم ~~تثبت الرخصة بظنون العوام، وهذا يطرد في الرخص كلها. # وقد قدمنا الآن أن ظن العامي لا يبالى به فيما يجول في مثله قياس العالم ~~المجتهد، والأقيسة من المجتهدين لا جريان لها في معظم أبواب الرخص، فكيف ~~تثبت الرخص بظنون لا أصل لها؟ . ### | 702 - # والذي يجب الاعتناء به في هذا الفصل أن المكلف إذا فعل عند إعواز الماء ~~ما علمه، وقد وضح أنه لا يجب عليه ما لم يعلم وجوبه، فإذا صلى على حسب ~~العلم والإمكان، ولم يكن محيطا بأن هذه الصلاة في تفصيل المذاهب مما تقضى ~~عند زوال الأعذار أم لا، فالذي يقتضي الأصل الكلي أنه لا يجب القضاء، لأنه ~~أدى ما كلف، وقام بما تمكن منه. # PageV01P456 ### | 703 - # وقد صار إلى ذلك طوائف من العلماء في تفصيل المذاهب منهم المزني. ويعزى ~~ذلك إلى الشافعي - رضي ms173 الله عنه - وهو خارج على حكم القاعدة المعتبرة في ~~خلو العصر عن العلماء بالتفاصيل، فإن القضاء لا يوجبه الأمر بالأداء ; إذ ~~الأمر بالأداء لا يشعر إلا به وإذا لم يتفق امتثاله في الوقت المضروب له، ~~كان موجب الأمر مقتضيا فوات المأمور به، وليس في صيغته التعرض للقضاء، وهذا ~~معنى قول المحققين: لا يجب القضاء إلا بأمر مجدد، فإذا أدى المكلف ما ~~استمكن منه، ولم يعلم أمرا بالقضاء، ولم يشعر به الأصل فإيجاب القضاء من ~~غير علم به، لا وجه له لما سبق تقريره. ### | 704 - # ومما نذكره متصلا بذلك أنه لو فتر الزمان وشغر، كما فرضناه، وقام ~~المكلفون على مبلغ علمهم بما عرفوه، [ثم] قيض الله تعالى ناشئة من العلماء، ~~وأحيا بهم ما دثر من العلوم، فالذي أراه أنهم لا يوجبون القضاء على الذين ~~أقاموا في زمان الفترة [ما] # PageV01P457 # تمكنوا منه، فإن مما تمهد في الشريعة أن من تطرق الخلل إلى صلاته بسبب ~~عذر نادر دائم كالمستحاضة، فإن الاستحاضة تندر، وإذا وقعت دامت وامتدت في ~~الغالب، فلو شفيت لم [يلزمها] قضاء الصلوات التي أقامتها مع استمرار ~~الاستحاضة. # وتقدير خلو الدهر عن حملة للشريعة اجتهادا ونقلا نادر في التصوير والوقوع ~~جدا، ولو فرض والعياذ بالله كان تقدير عود العلماء أبدع من كل بديع فليلحق ~~ذلك بالنادر الدائم. فهذا منتهى غرضنا في هذا الفن. ### | 705 - # ولا حاجة بنا إلى ذكر المسح على الخفين فإنه من قبيل الرخص، وقد قدمنا في ~~الرخص كلها أصلا ممهدا فليتبع في جميعها ذلك الأصل. ### | [فصل في الحيض] ### | 706 - # الحيض حالة تبتلى بها بنات آدم من حيث الفطرة # PageV01P458 # والجبلة، ابتلاء معتادا على تكرر الأدوار، وما كان كذلك، فالدواعي تتوفر ~~على نقل الأصول التي تمس الحاجة فيه إليها. # هذا حكم اطراد الاعتياد، فلا يجوز أن يخلو الزمان عن العلم بأقل الحيض ~~على الجملة وأكثره، ما دام الناس مهتمين بإقامة الصلوات. # فإن فرض انطماس أصول الشريعة واستمرار الفترة على الكليات والجزئيات ~~(241) فاستقصاء ذلك يقع في المرتبة الرابعة. # فإذا لا يكاد يخفى ms174 مع تصوير بقاء أصول الشريعة أن المرأة إذا رأت عشرة ~~أيام دما، وطهرت عشرين يوما مثلا إنها تترك الصوم والصلاة، ويجتنبها زوجها، ~~كما دل عليه قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن} . # وهذه القواعد لا تنسى ما ذكرت وظائف الصلوات. ### | 707 - # فإن زاد الدم على العشرة فهذا موقع خلاف العلماء. # فمذهب الشافعي - رضي الله عنه - أن الحيض قد يبلغ خمسة عشر يوما وأكثر ~~الحيض عند طوائف عشرة أيام. # PageV01P459 # فإن زاد الحيض على العشرة، وقد فرض دروس التفاصيل فقد يخفى كونه حيضا على ~~أهل الزمان. # ومما يقضى ببقائه في الادكار أن المرأة مأمورة بالصلاة في إطباق ~~الاستحاضة عليها، فهذا مما لا يكاد ينسى مع ذكر الأصول قطعا. # فالدم الزائد على العشرة مثلا، يتردد في ظن أهل الزمان بين أن يكون حيضا، ~~وبين أن يكون استحاضة، وهذا الآن فن بديع فليتأمله الموفق، مستعينا بالله ~~عزت قدرته. ### | 708 - # فأقول: قد يظن الظان أن المرأة إذا شكت في أن ما تراه حيض أم لا؟ فليست ~~على علم بوجوب الصلاة عليها، قد ذكرنا أن الوجوب لا يعلم دون العلم ~~بالموجب، فقد ينتج هذا أن الصلاة لا تجب مع الشك. ### | 709 - # ولكن يعارض هذا أصل آخر لم يتقدم مثله، وهو أن أمر الله تعالى بالصلاة ~~والصيام مستمر على النساء لا يسقطه عنهن إلا يقين الحيض. # والاستحاضة لا تنافي الأمر بالصلاة، فالأمر إذا بالصلاة مستيقن على ~~الجملة، وسقوطه مشكوك فيه، وحكم الأصول يقتضي أن من استيقن على الجملة ~~وجوبا، ثم # PageV01P460 # يعارض ظناه في سقوطه، أخذ باستمرار الوجوب (242) الثابت وعلى هذا بنى ~~علماء الشريعة مسائل الحيض المختلطة بالاستحاضة عند الإشكال على الاحتياط. ### | 710 - # والذي يعضد ويؤكد ما ذكرناه في حق الزمان العاري عن العلم بالتفاصيل أن ~~الزائد على المقدار المعلوم ليس له ضبط ينتهي إليه، ويوقف عنده وقد تحقق ~~[أن] دم الاستحاضة لا ينافي وجوب الصلاة، فلو تعدت المرأة مبلغ اليقين فأين ~~تقف؟ ومتى تعود إلى إقامة الصلاة؟ فهذا ظاهر، ولست أنفي مع ظهور هذا أن ~~يخطر ms175 لعاقل في الزمان الخالي أن الصلوات تجب واحدة واحدة على اعتقاب وظائف ~~الأوقات، وليست في حكم ما علم وجوبه ناجزا في الحال، وشك في سقوطه. # فالصلوات التي تدخل مواقيتها في الحادي عشر ما سبق وجوبها في العاشر، ~~ووجوبها في الحادي عشر مشكوك فيه. وقد يعارض اعتقاد الوجوب اعتقاد تحريم ~~الإقدام على الصلوات فإن إقامة الصلاة واجبة على الطاهرة، محرمة على ~~الحائض. # PageV01P461 ### | 711 - # والذي قدمته من أن الأصل وجوب الصلاة من مسالك الظنون والترجيحات التي ~~يتمسك بهما المجتهدون. وظنون العوام لا معول عليها، وسبيل العلم منحسم ~~قطعا، وليس في الزمان مقلد ولا ناقل عن مقلد. # فما الوجه إذا؟ [وإنما] قدمنا وجوه الكلام تنبيها على تقابل الظنون، ~~وتحقيقا لاختصاص هذه السبل بذوي الاجتهاد. # فإذا تقرر ذلك، فأقول: ### | 712 - # الجمع بين تحريم إقامة الصلوات وإيجاب أدائها محال، والعلم لا يتطرق في ~~حق هذا الشخص إلى درك التحريم، ولا إلى درك الوجوب، ولا مرجع له يلوذ به، ~~ولا حكم لظنه وترجحه، فالوجه القطع بسقوط التكليف (243) عنه في هذا الفن ; ~~والتحاقه في هذا الحكم على الخصوص بمن لا تكليف عليه. # فإن فرضت صورة الصلاة لم يكن لها حكم [الوجوب] ، ولا الإجزاء، ولا ~~التحريم، إذ شرط التكليف إمكان توصل المكلف إلى درك ما كلف، وهذا غير ممكن ~~في الصورة التي ذكرناها. # PageV01P462 # وإنما يستحيل تكليف المجنون من جهة أنه يستحيل منه فهم الخطاب ودرك ~~معناه، وهذا المعنى محقق في هذا الحكم الخاص، في حق هذا الشخص المخصوص، وإن ~~كان التكليف مرتبطا به في غيره من الأحكام. # ولو استحاضت المرأة، والتبس [حيضها] باستحاضتها، فأحكام المستحاضة من ~~أغمض ما خاض فيه العلماء. ### | 713 - # ومقدار غرضنا من ذلك أنه مهما غمض عليها أنها في حيض أو استحاضة، وقد خلا ~~الزمان عن موثوق به في تفصيل المستحاضات، وقد علمت من أصل الشرع أن الحيض ~~ينافي وجوب الصلاة، ويحرم إقامتها فيه بخلاف الاستحاضة، فيتصدى لها تحريم ~~الصلاة وإيجابها في كل وقت، فيسقط التكليف عنها - في خلو الزمان - في ~~الصلاة جملة ما اطرد ms176 اللبس عليها. # وهذا لا يغوص على سره إلا مرتاض في فنون العلم. ### | 714 - # وهذا المجموع يحوي أمورا يشترك في استفادتها المبتدئون والمنتهون، وأمور ~~يختص باستدراكها أخص الخواص. # PageV01P463 ### | 715 - # وقد يظن المنتهي إلى هذا الفصل أن سقوط التكليف فيما ذكرته يختص بخلو ~~الزمان عن العلماء بالتفاصيل ; ولا يتصور مثله في زمن توافر العلماء ~~المستقلين بحمل الشريعة. # وأنا أصور سقوط التكليف مع اشتمال الزمان على العلماء، في صورة يحار ~~الفطن اللبيب فيها، فأقول: ### | 716 - # لو فرض بيت مشحون بالمرضى المدنفين (244) وكان [رجل] يخطو على سطح البيت ~~من غير اعتداء ولا ظلم، فانهار السقف، وخر ذلك الرجل على مريض، وعلم أنه لو ~~مكث عليه لمات، ولو تحول عنه لم يجد بدا من توطئ مريض آخر، ولو اتفق ذلك، ~~لمات من ينتقل إليه، وليس في استطاعته التفصي عما هو فيه من غير إهلاك نفس ~~محرمة، فلا سبيل إلى أمره بالمكث، ولا إلى أمره بالانتقال، وأمره بالزوال ~~[عما] ابتلي به من غير تسبب إلى [قتل] تكليف ما لا يطاق، وذلك محال عندنا. # PageV01P464 ### | 717 - # فإذا هذه الصورة وإن اتفق وقوعها، فليس لله فيها حكم، ولا طلبة على صاحب ~~الواقعة بمكث، ولا انتقال، ولا يطلق القول بأنه يتخير بين المكث والزوال ; ~~فإن الخيرة من أحكام الشريعة. ### | 718 - # والذي اعتاص قضية في الصورة التي ذكرناها سبيله على الخصوص فيما دفع ~~إليه، كسبيل بهيمة لا يتطرق إليها خطاب. ### | 719 - # وقد يتفق لآحاد الناس في [بقاء] تفاصيل الشريعة في الادكار حالة يقرب ~~مأخذ القول فيها ما ذكرناه في دروس [الفروع] . # فإذا علمت المرأة أنه يحرم إقامة الصلاة في زمان الحيض ثم ابتليت ~~بالاستحاضة، وصارت لا تميز بين الحيض والاستحاضة، # PageV01P465 # في بقعة خالية عن العلماء، ويتصدى لها وجوب الصلاة وتحريمها كما قدمنا ~~تصوير ذلك، فإنها تتوقف، ولا تمضي أمرا إلى أن تخبر، وتسأل من يعلم. ### | 720 - # فقد تمهد بما ذكرناه أصل عظيم، سينعطف كلام كثير في هذه المرتبة عليه، ~~[وهو] يتهذب لسؤال وجواب عنه. # فإن قيل: ألسنا نعلم الآن تقابل الأمرين ms177 في حق المستحاضة الناسية ~~المتحيرة، ونغلب الأمر بالصلاة، فنأمرها بإقامة جميع الصلاة فهلا (245) ~~غلبت المرأة في زمان الفترة وجوب الصلاة على تحريم إقامتها في وقت الفترة؟ ~~. ### | 721 - # قلنا: قد ثبت في تفاصيل الشريعة عند [حملتها] أن وجوب الصلاة أغلب من ~~النظر إلى تحريم إقامتها، ونحن فرضنا خلو الزمان عن العلم بالتفاصيل، ~~واستواء الأمر في الوجوب والتحريم في اعتقاد المرأة، فإن كان بقي في الزمان ~~العلم بأن الصلاة لا يسقط وجوبها إلا بيقين، فهذا يتبع الأصل بموجبه. # PageV01P466 ### | 722 - # فإن قيل: إذا كنتم تجرون أحكام هذه المرتبة على بقاء أصول الشريعة، ومن ~~الأصول أن المستحاضة لا تترك الصلاة دهرها، فلم فرضتم ذهاب هذا الأصل عن ~~الأذهان، وقد أجمع العلماء أن المستحاضة المتحيرة لا تترك الصلاة؟ قلنا: ~~الاطلاع على هذا الأصل من غوامض الفقه، وليس كل مجمع عليه من الأصول التي ~~عنيناها، فإن أهل الدهر لو أحاطوا بجميع مواقع الإجماع، هان عليهم إلحاق ~~الفروع بها، فالأصول التي قدرنا بقاءها كليات مسترسلة، لا تعلق لها ~~بالغوامض. # فهذا تمام ما أردنا أن نوضحه من هذه المعاني. والله ولي التأييد ~~والتوفيق، بمنه ولطفه. ### | [كتاب الصلاة] ### | 723 - # هذا كتاب عظيم الموقع في الشرع، لم يتشعب أصل في التكاليف تشعبه، ولم ~~يتهذب بالمباحث قطب من أقطاب الدين تهذبه، والسبب فيه أنه من أعظم شعائر ~~الإسلام، والناس على # PageV01P467 # تاراتهم وتباين طبقاتهم مواظبون على إقامة وظائف الصلوات، مثابرون على ~~رعاية الأوقات، باحثون عما يتعلق بها من الشرائط والأركان والهيئات. # فهي لذلك لا تندرس على ممر الدهور، ولا يمحق ذكر أصولها عن الصدور. # وليس يليق بهذا الكتاب (246) ذكر أصولها وفروعها ومسائلها، والتنبيه على ~~مغمضاتها وغوائلها فإنها مستقصاة في فن الفقه، وإنما يتعلق بهذا الفن من ~~الكلام فصل واحد جامع، يحوي جميع الغرض. # ونحن نستاقه على ما ينبغي - إن شاء الله عز وجل - مفرعا من الأصول التي ~~قدمناها في كتاب الطهارة. فنقول: ### | 724 - # ما استمر في الناس العلم بوجوبه فإنهم يقيمونه، وما ذهب عن ذكر أهل الدهر ~~جملة، فلا تكليف عليهم فيه، ms178 وسقوط ما عسر الوصول إليه في الزمان لا يسقط ~~الممكن ; فإن من الأصول # PageV01P468 # الشائعة التي لا تكاد تنسى، ما أقيمت أصول الشريعة أن المقدور عليه لا ~~يسقط بسقوط المعجوز عنه. ### | 725 - # وإن اعترض في هذا الدهر شيء، اختلف العلماء في وجوبه، كالطمأنينة في ~~الركوع والسجود، وعلم بنو الزمان الاختلاف، ولم يحيطوا بأصحاب المذاهب، أو ~~أحاطوا بهم، ولكن كان درس تحقيق صفاتهم، وتعذر على المسترشدين النظر في ~~أعيان المقلدين على ما يليق باستطاعتهم في تخير الأئمة. # فما يقع كذلك، فقد تعارض القول بالوجوب فيه [ونفي] الوجوب فما كان كذلك ~~فقد يظن الفطن أنه يتعين [الأخذ] بالوجوب بناء على أن من شك فلم يدر أثلاثا ~~صلى الظهر [أم] أربعا، فإنه يأخذ بالثلاث المستيقنة، ويصلي ركعة أخرى، ~~ويكون الشك في ركعة من ركعات الصلاة كالشك في إقامة أصل الصلاة وليكن هذا ~~رأي بعض الأئمة. ### | 726 - # وليس هذا المسلك متفقا عليه بين علماء الشريعة. # PageV01P469 # والنظر في هذا من دقيق القول في فروع الفقه، فإذا كان بناء الكلام على ~~شغور الزمان عن العلم بالتفاصيل، فليس يليق بهذا الزمان تأسيس الكلام على ~~(247) مظنون فيه في دقيق الفقه، فإن ظن العامي لا معول عليه، وقد تعذر سبيل ~~تأسيس التقليد، وتخير المفتي، فالوجه القطع بسقوط وجوب ما لم يعلم أهل ~~الزمان وجوبه. # وإن اعترضت صورة تعارض فيها إمكان التحريم والوجوب ولم يتأت الوصول إلى ~~الإحاطة بأحدهما، فهذا مما يسقط التكليف فيه رأسا كما سبق تقريره في أحكام ~~الحيض المختلط بالاستحاضة. فهذا يتعلق بأهل الزمان الذي وصفناه. ### | 727 - # ومما نجريه في ذلك أنه إذا جرى في الصلاة ما أشكل أنه يفسد الصلاة أم لا، ~~فقد يخطر للناظر أن الأصل المرجوع إليه بقاء وجوب الصلاة إلى أن يتحقق ~~براءة الذمة منها. # ولكن الذي يجب الجريان عليه في حكم الزمان المشتمل على ذكر القواعد ~~الكلية مع التعري عن التفاصيل الجزئية أن القضاء لا يجب ; # PageV01P470 # فإن التفاصيل إذا درست، لم يأمن مصل عن جريان ما هو من قبيل المفسدات في ~~صلاته ولكن ms179 المؤاخذة بهذا [شديدة] ثم لا يأمن قاض في عين قضائه عن قريب مما ~~وقع له في الأداء، والأصول الكلية قاضية بإسقاط القضاء فيما هذا سبيله. # ونحن نجد لذلك أمثلة مع الاحتواء على أصول الشريعة وتفاصيلها فإن من ~~ارتاب في أن الصلاة التي مضت هل كانت على موجب الشرع؟ وهل استجمعت شرائط ~~الصحة؟ وهل اتفق الإتيان بأركانها في إبانها؟ فلا مبالاة بهذه الخطرات إذ ~~لا يخلو من أمثالها مكلف، وإن بذل كنه جهده، وتناهى في استفراغ جده. # ثم لا يسلم القضاء من الارتياب الذي فرض وقوعه في الأداء. ### | 728 - # فالذي ينبني الأمر في عرو الزمان عن ذكر التفاصيل أن لا يؤاخذ (248) أهل ~~الزمان بما لا يعلمون وجوبه جملة باتة. ### | 729 - # ومما يهذب به غرضنا في هذا الفن أنه لو طرأ على الصلاة ما يعلم المصلي ~~أنه يقتضي سجود السهو، فإنه يسجد ولو استراب في أنه هل يقتضي السجود، وكان ~~محفوظا في الزمان أن # PageV01P471 # ترك سجود السهو لا يبطل الصلاة، والسجود الزائد عمدا من غير مقتض يبطل ~~الصلاة، فالذي يقتضيه هذا الأصل أن لا يسجد المستريب. # وإن كان هذا الأصل منسيا في الزمان، فسجد المستريب، لم نقض ببطلان صلاته، ~~فإنه لم يزد سجودا عامدا. # وهذا يلتحق بأطراف الكلام فيما يطرأ على الصلاة ولا يدري المصلي أنه مفسد ~~لها. # ولو فرض مثل هذا في الزمان المشتمل على العلم بالتفاصيل، وكان [سجد] رجل ~~ظانا أنه مأمور بالسجود، ففتوى معظم العلماء أنه لا تبطل صلاته. فهذا منتهى ~~غرضنا من كتاب الصلاة. ### | [كتاب الزكاة] ### | 730 - # القول فيها مع فرض دروس التفاصيل يتعلق بأمرين: # أحدهما - أن ما استيقن أهل الزمان وجوبه أخرجوه، وأوصلوه # PageV01P472 # إلى مستحقيه، وما ترددوا في وجوبه عليهم، فإن الوجوب من غير علم بالموجب، ~~ومن غير استكمان من الإحاطة به محال، وإذا كان الزمان خاليا عن حملة العلوم ~~بالتفاريع، فأهل الدهر غير مستمكنين من الوصول إلى العلم. # وقد وقع الاحتراز بتقييد الكلام عمن يجب عليه شيء في توافر العلماء، وهو ~~لا يدريه، فإنه مستمكن من ms180 البحث والوصول إلى العلم بمسائل أولي العلم. فهذا ~~أحد الأمرين. ### | 731 - # والثاني - أنه إذا ظهر ضرر المحتاجين واعتاص مقدار الواجب على الموسرين ~~المثرين، فهذا يتعلق بأمر كلي في إنقاذ المشرفين على الضياع وسيأتي ذلك ~~ببيان شاف على الإشباع. إن شاء الله - عز (249) وجل. ### | [كتاب الصوم] ### | 732 - # فأما صوم شهر رمضان [فإنه] على موجب اطراد # PageV01P473 # العرف لا ينسى ما ذكرت أصول الشريعة، والمرعي فيه ما تقدم تقريره، فما ~~يستيقن في الزمان وجوبه، أقامه المكلفون، وما شك في وجوبه لا يجب. ### | 733 - # ولو فرضت صورة يتعارض فيها أمران متناقضان ولا سبيل إلى تقرير الجمع ~~بينهما، وليس أحدهما - أولى بالتخيل والحسبان من الثاني، فيسقط التكليف فيه ~~أصلا، مثل أن يجتمع إمكان تحريم شيء وإيجابه، كما تكرر وتقرر مرارا فيما ~~تقدم. ### | 734 - # والقول في الحج يقرب من القول في غيره من العبادات. ### | 735 - # وسبيلنا أن نذكر الآن بابا جامعا، يحوي أمورا كلية تكثر فائدتها، وتظهر ~~عائدتها، في تقدير خلو الزمان، ولا يستغني بنو زماننا عنها. والله ولي ~~الإعانة بفضله وطوله. # PageV01P474 ### | [باب في الأمور الكلية والقضايا التكليفية] ### | 736 - # فنقول: لا غناء عن الإحاطة بالمكاسب، فإن فيها قوام الدين والدنيا. فنذكر ~~فيها ما يليق بالأغراض الكلية، ثم نذكر قواعد في المناكحات، ثم نختم الكلام ~~بذكر فصول في الزواجر، والإيالات، ونستفتح القول في المرتبة الرابعة - إن ~~شاء الله عز وجل -. ### | 737 - # فأما القول في المكاسب فنقدم على مقصودنا في خلو الزمان عن تفاصيل ~~الشريعة فصلا نفيسا، ونتخذه تأصيلا لغرضنا وتأسيسا، وهذا الفصل لا يوازيه ~~في أحكام المعاملات فصل، ولا يضاهيه في الشرف أصل، وقد حار في مضمونه عقول ~~أرباب الألباب، ولم يحم على المدرك السديد فيه أحد الأصحاب. # ولست أنتقص أئمة الدين، وعلماء المسلمين، ولا أعزيهم إلى الفتور والقصور ~~عن مسالك المتأخرين، ولكن الأولين - رضي الله # PageV01P475 # عنهم - ما دفعوا مقصود هذا الفصل، ولم تتغشهم (250) هواجم المحن والفتن، ~~وكانوا في الزمان الأول لا يضعون المسائل قبل وقوعها، فلم يتعرضوا للمباحث ~~التي سأخوض فيها، ولم يعتنوا بمعانيها، وها أنا ms181 أذكر نتفا، أعتدها تحفا عند ~~المدرعين مدارع الورع، وأتخذها يدا عند طبقات الخلق جمع. ### | 738 - # فأفرض أولا حالة وأجري فيها مقاصد، ثم أبتني عليها قواعد، وأضبطها بروابط ~~ومعاقد، وأمهدها أصولا تهدي إلى مراشد. فأقول: # لو فسدت المكاسب كلها، وطبق طبق الأرض الحرام في المطاعم والملابس وما ~~تحويه الأيدي - وليس حكم زماننا ببعيد من هذا - فلو اتفق ما وصفناه، فلا ~~سبيل إلى حمل الخلق - والحالة هذه على الانكفاف عن الأقوات، والتعري عن ~~البزة. ### | 739 - # وأقرب مسالك تمتد إليها بصيرة الفطن في ذلك تلقي الأمر من إباحة الميتات ~~عند المخمصة والضرورات، وقد قال الفقهاء: لا تحل الميتة إلا لمضطر، يخاف ~~على مهجته وحشاشته، لو لم يسد جوعته. . # ثم اضطربت مذاهبهم في أنه إذا اضطر المرء، فإلى أي حد # PageV01P476 # يستبيح من الميتة: فذهب ذاهبون إلى أنه يقتصر على سد رمقه، ولا يتعداه، ~~وصار آخرون إلى أنه يسد جوعته من الميتة. # ولو خضت في تحقيق ذلك، لطال الباب بما لا يتعلق بمقصود الكتاب. # وإن هذا فصل يقل في الزمان من يحيط بحقيقته، فمن أراده، فليطلبه من ~~تعليقات المعتمدين عنا، إلى أن يتيح الله لنا مجموعا في مذهب الإمام ~~الشافعي - رحمه الله -. ### | 740 - # ومقدار غرضنا من ذلك: أنه قد يظن ظان أن حكم الأنام إذا عمهم الحرام حكم ~~المضطر في تعاطي الميتة، وليس الأمر كذلك، فإن الناس لو ارتقبوا فيما ~~يطعمون أن ينتهوا إلى حالة الضرورة، وفي الانتهاء إليها (251) سقوط القوى، ~~وانتكاث المرر، وانتقاض البنية، سيما إذا تكرر اعتياد المصير إلى هذه ~~الغاية، ففي ذلك انقطاع المحترفين عن حرفهم وصناعاتهم، وفيه الإفضاء إلى ~~ارتفاع الزرع والحراثة، وطرائق الاكتساب، # PageV01P477 # وإصلاح المعايش التي بها قوام الخلق قاطبة وقصاراه هلاك الناس أجمعين ~~ومنهم ذو النجدة والبأس، وحفظة الثغور من جنود المسلمين، وإذا وهوا ووهنوا، ~~وضعفوا واستكانوا، استجرأ الكفار، وتخللوا ديار الإسلام، وانقطع السلك ~~[وتبتر] النظام. ### | 741 - # ونحن على اضطرار من عقولنا نعلم أن الشرع لم يرد بما يؤدي إلى بوار أهل ~~الدنيا، ثم يتبعها اندراس الدين، وإن شرطنا ms182 في حق آحاد من الناس في وقائع ~~نادرة أن ينتهوا إلى الضرورة، فليس في اشتراط ذلك ما يجر فسادا في الأمور ~~الكلية. # ثم إن ضعف الآحاد بطوارئ نادرة، إن جرت أمراضا وأعراضا، فالدنيا قائمة ~~على استقلالها بقوامها ورجالها، ونحن مع بقاء المواد منها نرجو للمنكوبين ~~أن يسلموا ويستبلوا عما بلوا به. ### | 742 - # فالقول المجمل في ذلك إلى أن نفصله: أن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم ~~يجدوا إلى طلب الحلال سبيلا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط ~~الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق ~~الناس كافة # PageV01P478 # تنزل منزلة الضرورة، في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ~~ضرورته، ولم يتعاط الميتة، لهلك. ولو صابر الناس حاجاتهم، وتعدوها إلى ~~الضرورة، لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك، ما في ~~تعدي الضرورة في حق الآحاد. فافهموا، ترشدوا. . ### | 743 - # بل لو هلك واحد، لم يؤد (252) هلاكه إلى خرم الأمور الكلية، الدنيوية ~~والدينية، ولو تعدى الناس الحاجة، لهلكوا بالمسلك الذي ذكرناه من عند ~~آخرهم. # وما عندي أنه يخفى مدرك الحق الآن بعد هذا البيان على مسترشد. ### | 744 - # فإذا تقرر قطعا أن المرعي الحاجة، فالحاجة لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول، ~~والمقدار الذي بان أن الضرورة وخوف الروح ليس مشروطا فيما نحن فيه، كما ~~يشترط في تفاصيل الشرع في الآحاد في إباحة الميتة، وطعام الغير، وليس من ~~الممكن أن نأتي بعبارة عن الحاجة نضبطها ضبط التخصيص # PageV01P479 # والتمييز حتى تتميز تميز المسميات والمتلقبات، بذكر أسمائها وألقابها، ~~ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب، ينبه على الغرض، ~~فنقول: ### | 745 - # لسنا نعني بالحاجة تشوف الناس إلى الطعام، وتشوقها إليه، فرب [مشته] لشيء ~~لا يضره الانعكاف عنه فلا معتبر بالتشهي والتشوف، فالمرعي إذا دفع الضرار، ~~واستمرار الناس على ما يقيم قواهم، وربما يستبان الشيء بذكر نقيضه. # ومما يضطر محاول البيان إليه أنه قد يتمكن من التنصيص على ما يبغيه ~~بعبارة رشيقة، تشعر بالحقيقة، ms183 والحد الذي يميز المحدود عما عداه، وربما لا ~~يصادف عبارة ناصة، فتقتضي الحالة أن يقتطع عما يريد تمييزه ما ليس منه، ~~نفيا وإثباتا، فلا يزال يلقط أطراف الكلام ويطويها حتى يفضي بالتفصيل إلى ~~الغرض المقصود. # وهذا سبيلنا فيما دفعنا إليه، فقد ذكرنا الحاجة، وهي مبهمة فاقتطعنا من ~~الإبهام التشوف والتشهي المحض من غير فرض ضرار # PageV01P480 # من الانكفاف، ومما نقطعه أن الانكفاف عن الطعام قد لا يستعقب ضعفا ووهنا ~~حاجزا عن التقلب في الحال، ولكن إذا (253) تكرر الصبر على ذلك الحد من ~~الجوع، أورث ضعفا، فلا نكلف هذا الضرب من الامتناع. ### | 746 - # ويتحصل من مجموع ما نفينا وأثبتنا أن الناس يأخذون ما لو تركوه لتضرروا ~~في الحال أو في المآل، والضرار الذي ذكرناه في أدراج الكلام عنينا به ما ~~يتوقع منه فساد البنية، أو ضعف يصد عن التصرف والتقلب في أمور المعاش. ### | 747 - # فإن قيل: هلا جعلتم المعتبر في الفصل ما ينتفع به المتناول؟ # قلنا: هذا سؤال [عم] عن مسالك المراشد، فإنا إن أقمنا الحاجة العامة في ~~حق الناس كافة مقام الضرورة في حق الواحد في استباحة ما هو محرم عند فرض ~~الاختيار، فمن المحال أن يسوغ الازدياد من الحرام، انتفاعا، وترفها، ~~وتنعما. # فهذا منتهى البيان في هذا الشأن. # PageV01P481 # ويتصل الآن بذلك القول في أجناس المطعومات، ثم إذا اندفعنا في الملابس ~~والمساكن، وما في معانيها، فنقول: # الأقوات بجملتها مندرجة تحت ضبط المقدم، ومن جملتها اللحوم. ### | 749 - # فإن قيل: هلا اكتفى الناس بالخبز وما في معناه في ابتلائهم بملابسة ~~الحرام؟ # قلنا: من أحاط بما أوضحناه فيما قدمناه، هان عليه مدرك الكلام في ذلك، ~~فإنا اعتمدنا الضرار وتوقعه، ولا شك أن في انقطاع الناس عن اللحوم ضرارا ~~عظيما، يؤدي إلى إنهاك الأنفس، وحل القوى. # ثم إذا تبين ذلك فلا تعيين فيما يتعاطاه الناس من هذه الفنون، مع فرض ~~القول في أن جميعها محرم. # فليقع الوقوف على المنتهي الذي اعتبرناه في محاولة درء الضرار. ### | 750 - # وأما الأدوية والعقاقير التي تستعمل، [فمنع] استعمالها مع مسيس ms184 الحاجة ~~إليها يجر ضرارا. وقد سبق القول في ذلك. ### | 751 - # فإن قيل: ما ترون في الفواكه التي ليست (254) أقواتا ولا أدوية؟ # PageV01P482 ### | 752 - # قلنا: ما من صنف منها إلا يسد مسدا، فليعتبر فيها درء الضرار بها، فما ~~يدرأ استعماله ضرارا، فهو ملتحق بالأجناس التي تقدم ذكرها. فهذا منتهى ~~القول في صنوف الأطعمة. ### | 753 - # فأما الملابس، فإنها تنقسم قسمين: أحدهما - ما في استعماله درء الضرار، ~~فسبيل إباحته كسبيل الأطعمة. # والقسم الثاني - ما لا يدرأ ضرارا، ولكن يتعلق لبسه بستر ما يجب ستره، أو ~~برعاية المروءة. ### | 754 - # فأما ستر العورة، فهو ملتحق بما يدفع استعماله الضرار من المطاعم ~~والملابس، فإن تكليف التعري عظيم الوقع، وهو أوقع في النفوس من ضرر الجوع ~~والضعف، ووضوح هذا يغني عن الإطناب فيه. # ونحن على قطع نعلم أنه لا يليق بمحاسن الشريعة تكليف الرجال والنساء ~~التعري، مع إمكان الستر. # PageV01P483 ### | 755 - # وأما ما يتعلق بالمروءة من اللبس، فأذكر قبله معتبرا منصوصا عليه للأئمة ~~- رضي الله عنهم -. # قالوا: من أفلس وأحاطت به الديون واقتضى رأي القاضي ضرب حجر عليه عند ~~استدعاء غرمائه، فنبقي له دست ثوب، ولا نتركه بإزار يستر عورته. # فإذا أبقوا له إقامة لمروءته [أثوابا] ، وإن كان قضاء الديون الحالة ~~محتوما، فلا يبعد أن يسوغ في شمول التحريم لبس ما يتضمن ترك لبسه خرما ~~للمروءة. ثم ذلك يختلف باختلاف المناصب والمراتب. ولا يتبين الغرض من هذا ~~الفصل إلا بمزيد كشف. ### | 756 - # فنقول: ما من رجل إلا وهو يتردد بين طورين في المحنة والمعافاة، ثم بين ~~طرفي حاليه أحوال متوسطة، ثم له في كل حالة من حالاته التي يلابسها اقتصاد، ~~وتوسط، واقتصار على الأقل، وتناه في التحمل، فإن اقتصر، لم يعد خارما ~~لمنصبه، وإن طلب النهاية، لم يعد مسرفا، وإن اقتصر كان بين طرفي الإقلال # PageV01P484 # والكمال، ثم المحجور عليه المفلس، يترك عليه دست ثوب يليق بمنصبه، ويكتفي ~~بأقل المنازل مع رعاية منصبه. # فالوجه أن نقول: إذا عم التحريم، اكتفى كل بما يترك عليه من الثياب لو ~~حجر عليه. ### | 757 ms185 - # فإن قيل: لو عري رجل، ووجد ثوبا لغيره ليس معه مالكه، ودخل عليه وقت ~~الصلاة، فإنه يصلي عاريا، ولا يلبس ما ليس له. # قلنا: لأن المرعي في حق الآحاد حقيقة الضرورة، وقد ذكرنا أنه لا يرعى ~~فيما يعم الكافة الضرورة، بل يكتفى بحاجة ظاهرة. # والمقدار الذي ذكرناه من اللبس في حكم الحاجة الظاهرة، والدليل عليه ما ~~ذكرناه في حكم المفلس. # ثم هذا الذي ذكرته في لبس المروءة مع عموم التحريم ظاهر في مسالك الظنون، ~~ولا يبلغ القول فيه عندي مبلغ القطع. # والذي قدمته في المطاعم مقطوع به. # وكذلك المقدار الذي يتعلق بستر العورة مقطوع به ; فإن الناس ينقطعون بسبب ~~التعري عن التقلب والتصرف، كما يمتنعون بضعف الأبدان، ووهن الأركان عن ~~المكاسب. ### | 758 - # فهذه جمل في المطاعم والملابس كاملة أتينا فيها # PageV01P485 # بالبدائع والآيات، مقيدة بالحجج والبينات، وإنما يعرف قدرها متعمق في ~~العلوم موفق. ### | 759 - # فأما المساكن، فإني أرى مسكن الرجل من أظهر ما تمس إليه حاجته، [والكن] ~~الذي يؤويه وعيلته وذريته، مما لا غناء به عنه. # وهذا الفصل مفروض فيه إذا عم التحريم، ولم يجد أهل الأصقاع والبقاع ~~متحولا عن ديارهم إلى مواضع مباحة، ولم يستمكنوا من إحياء موات (256) ~~وإنشاء مساكن سوى ما هم ساكنوها. ### | 760 - # فإن قيل: ما اتخذتموه معتبركم في الملابس المفلس المحجور عليه، ثم لا ~~يترك على المفلس مسكنه. # قلنا: سبب ذلك أنه في غالب الأمر نجد كنا بأجرة نزرة، فليكتف بذلك. # والذي دفعنا إليه لا يؤثر هذا المعنى فيه، فإن المجتنب عند عموم التحريم ~~ملابسة المحرمات، وهذا المعنى يطرد في البقاع المستأجرة وغيرها. # فإذا تقرر التحاق المساكن بالحاجات، وبطل النظر إلى # PageV01P486 # المملوك والمستأجر [لعموم] التحريم، ولا طريق إلا ما قدمناه. ### | 761 - # ثم يتعين الاكتفاء بمقدار الحاجة، ويحرم ما يتعلق بالترفه والتنعم. # فهذا مبلغ كاف فيما أردناه، فإن شذت عنا صور في الفصل المفروض لم نتعرض ~~لها، ففيما مهدناه بيان ما تركناه. ### | 762 - # ومما يتعلق بتتمة البيان في ذلك أن جميع ما ذكرناه فيه إذا عمت المحرمات، ~~وانحسمت ms186 الطرق إلى الحلال فأما إذا تمكن الناس من تحصيل ما يحل فيتعين ~~عليهم ترك الحرام، واحتمال الكل في كسب ما يحل، وهذا فيه إذا كان ما ~~يتمكنون منه مغنيا كافيا دارئا للضرورات، سادا للحاجة. # فأما إذا كان لا يسد الحاجة العامة، ولكنه يأخذ مأخذا، ويسد مسدا، فيجب ~~الاعتناء بتحصيله، ثم بقية الحاجة تتدارك بما لا يحل، على التفصيل المقدم. ### | 763 - # فإن قيل: ما ذكرتموه فيه إذا طبقت المحرمات طبق الأرض، واستوعب الحرام ~~طبقات الأنام. فما القول فيه إذا اختص ذلك بناحية من النواحي؟ . # PageV01P487 # قلنا: إن تمكن أهلها من الانتقال إلى مواضع، يقتدرون فيها على تحصيل ~~الحلال، تعين ذلك. ### | 764 - # فإن تعذر ذلك عليهم، وهم جم غفير، وعدد كبير (257) ولو اقتصروا على سد ~~الرمق، وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات، لانقطعوا عن مطالبهم، فالقول فيهم ~~كالقول في الناس كافة، فليأخذوا أقدار حاجتهم كما فصلناها. فهذا نهاية ~~المطلب في دارية هذه القاعدة العظيمة. ### | 765 - # فإن قيل: أطلقتم تصوير عموم التحريم، فأبينوا ما أبهمتموه، وأوضحوا ما ~~أجملتموه. # قلنا: إذا استولى الظلمة، وتهجم على أموال الناس الغاشمون، ومدوا أيديهم ~~اعتداء إلى أملاكهم، ثم فرقوها في الخلق وبثوها، وفسدت مع ذلك الساعات، ~~وحادت عن سنن الشرع المعاملات، وتعدى ذلك إلى ندور الأقوات، وتمادى على ذلك ~~الأوقات، وامتدت الفترات، ولا خفاء بتصوير ما نحاوله. # PageV01P488 # ثم إذا ظهر ما ذكرناه، ترتبت عليه الشبهات، فإذا جاز أخذ الكفاية من ~~المحرمات، لم يخف جوازه في مظان الشبهات. ### | 766 - # ثم تختص هذه الحالة بحكم: وهو أن من صادف شيئا في يد إنسان، وهو يدعيه ~~لنفسه ملكا، وما عم التحريم في الزمان، فيجوز للناظر إلى ما في يده الأخذ ~~بكونه ملكا له، وإن غلب على الظن تحريمه، وكيف لا والقاضي يجريه على ملكه ~~عند فرض النزاع، حتى تقوم بينة لمن يدعيه، ويزعم كون صاحب اليد مبطلا فيه، ~~وهذا حكم الجواز. # ولا يخفى مأخذ الورع على من ينتحيه. # فهذا الفصل [العظيم] القدر الذي رأينا تقديمه على الخوض في غرضنا من ~~العصر الذي يدرس فيه ms187 العلم بتفاصيل الشريعة، وقد عاد بنا الكلام إليه. ### | 767 - # فنقول: إذا عسر مدرك التفاصيل في التحريم والتحليل، فنتكلم فيما يحل ~~ويحرم من الأجناس، ثم نتكلم فيما يتعلق بالتصرف في الأملاك (258) ، وحقوق ~~الناس. # PageV01P489 ### | 768 - # فأما القول فيما يحرم ويحل من أجناس الموجودات، فليس يخفى على أهل ~~الإسلام - ما بقيت أصول الأحكام - أن مرجع الأدلة السمعية كلها كتاب الله ~~تعالى. # وأبين آية في القرآن في التحريم والتحليل، قول الله العزيز: ( {قل لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير} ) . # وهذه الآية من المحكمات التي لا يتطرق إليها تعارض الاحتمالات ; وطرق ~~التأويلات، وليست من المتشابهات، وهي من آخر ما نزل على المصطفى، وقد انطبق ~~مذهب مالك إمام دار الهجرة على ظاهر الآية، ولو قلت: هذه الآية ليست معضلة ~~علي [في] محاولة الذب عن مذهب الشافعي - رضي الله عنه -، لكنت مظهرا ما لا ~~أضمره. ### | 769 - # فإذا نسيت المذاهب فما لا يعلم فيه تحريم يجري على حكم الحل، والسبب فيه ~~أنه لا يثبت لله حكم على المكلفين غير مستند إلى دليل، فإذا انتفى دليل ~~التحريم ثم استحال الحكم به. # PageV01P490 # فإن قيل: كما انتفى الدليل على التحريم، انتفى الدليل على التحليل. # قلنا: إذا انحسمت مسالك الأدلة في النفي والإثبات، فموجب انتفائها انتفاء ~~الحكم، وإذا انتفى الحكم، التحق المكلفون في الحكم الذي تحقق انتفاؤه ~~بالعقلاء قبل ورود الشرائع، ولو لم يرد شرع، لما كان على الناس من جهة الله ~~تعالى حجر وحرج، ثم إقدامهم وإحجامهم مع انتفاء الحجر عنهم يستويان، ومقصود ~~الإباحة في الشرع انتفاء الحرج، واستواء الفعل والترك. # وهذا في التحقيق بمثابة انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع. ### | 770 - # فإن قيل من الأصول أن الأعيان لله تعالى، فلتبق على الحظر إلى أن يرد من ~~مالك الأعيان (259) إطلاق. # قلنا: هذا قول من يرى المصير إلى الحظر قبل ورود الشرائع، وهذا المذهب ~~باطل قطعا، وقد رددنا على منتحليه في أصول الفقه، فليطلبه من يحاوله في ذلك ~~الفن. ms188 # PageV01P491 ### | 771 - # وإن زعم السائل أن من أصول شريعتنا ألا تنسى، وإن نسيت التفاصيل، تغلظ ~~الحظر، فليس الأمر كذلك، فإن المذاهب في ذلك متعارضة، فالذي يقتضيه مذهب ~~الإمام أبي حنيفة - رحمه الله - في تفصيل الأحكام إجراء الأعيان على الحظر ~~إلا أن تقوم دلالة في الحل. ### | 772 - # والذي يقتضيه مذهب الشافعي - رحمه الله - إجراء الأحكام على التحليل إلى ~~أن يقوم دليل على الحظر والتحريم. ### | 773 - # ومذهب مالك - رحمه الله - حصر المحرمات فيما اشتمل عليه قوله تعالى: ( ~~{قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} ) الآية. ### | 774 - # فكيف يكون ما قدره السائل أصلا مع تعارض هذه المذاهب؟ والأصل هو المتفق ~~عليه المقطوع به؟ . ### | 775 - # فإذا درست المذاهب، فليس ادعاء الحظر أولى من ادعاء # PageV01P492 # الإباحة، وإذا تعارضت الظنون، انتفى الحكم كما سبق تقريره، وقد قدمنا في ~~العبادات أن ما انتفى دليل وجوبه، لم نوجبه، والتحريم إذا انتفى دليله ~~كالوجوب إذا عدم دليله. ### | 776 - # والآن بعد نجاز هذا أقول: فاضل هذا الزمان من يفهم مداخل هذه الفصول ~~ومخارجها، ويستبين مسالكها ومناهجها، والمرموق والذي تثني عليه الخناصر في ~~الدهر من يحيط بشرف هذا الكلام، ويميزه عن كلام بني الزمان. # ولا حاجة إلى تكلف التصلف في مصاولة العلماء، ومطاولتهم، فإن هذا مما ~~كفانيه الله تعالى، ولكني قد أرى في أثناء ما أجريه التنبيه على علو قدر ما ~~يجري، حتى يثبت عنده مطالعه المطلع عليه، ولا يستمر عليه فتنفلت (260) عنه ~~مزايا الفوائد. والله ولي التأييد والتسديد بمنه ولطفه. # فهذا بيان ما أردناه في تحليل الأجناس وتحريمها. ### | 777 - # فأما تفصيل القول في الأملاك: فالأملاك محترمة # PageV01P493 # كحرمة ملاكها، والقول فيها في مقصود هذا الكتاب يتعلق بفصلين. # أحدهما - في المعاملات التي يتعاطاها الملاك. # والثاني - في الحقوق التي تتعلق بالأملاك. ### | 778 - # فأما القول في المعاملات: فالأصل المقطوع به فيها اتباع تراضي الملاك، ~~والشاهد من نص القرآن في ذلك قوله تعالى ( {لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ) . # فالقاعدة المعتبرة أن الملاك مختصون بأملاكهم، لا ms189 يزاحم أحد مالكا في ~~ملكه من غير حق مستحق، ثم الضرورة تحوج ملاك الأموال التبادل فيها ; فإن ~~أصحاب الأطعمة قد يحتاجون إلى النقود، وأصحاب النقود يحتاجون إلى الأطعمة، ~~وكذلك القول في سائر صنوف المال. ### | 779 - # فالأمر الذي لا شك فيه تحريم التسالب والتغالب، ومد الأيدي إلى أموال ~~الناس من غير استحقاق، فإذا تراضوا بالتبادل فالشرع قد يضرب على المتعبدين ~~ضروبا من الحجر في كيفية # PageV01P494 # المعاملات استصلاحا لهم، وطلبا لما هو الأحوط والأغبط، ثم قد يعقل معاني ~~بعضها، وقد لا يعقل علل بعضها، والله الخبير بخفايا لطفه فيها. ### | 780 - # ثم لو تراضى الملاك على تعدي الحدود في العقد، لم يصح منهم مع التواطي ~~والتراضي إذا بقيت تفاصيل الشريعة. # فإذا درست [وقد] عرف بنو الزمان أنه كان في الشرع تعبدات مرعية في ~~العقود، وقد فاتتهم بانقراض العلماء، وهم لا يأمنون أن يوقعوا العقود مع ~~الإخلال بحدود الشرع وتعبداته، على وجوه لو أدركها المفتون لعلموا بفسادها. ~~وليس لهم من العقود بد. ووضوح الحاجة إليها يغني عن تكلف بسط فيها، ~~فليصدروا العقود عن التراضي، فهو الأصل الذي لا يغمض ما بقي من الشرع أصل، ~~وليجروا العقود على حكم الصحة. ### | 781 - # وفي تفاصيل الشرع ما يعضد هذا، فإن رجلين لو تبايعا، ثم تنازعا في مجلس ~~القاضي، فادعى أحدهما جريان شرط مفسد للعقد، فأنكره الثاني، فالذي صار إليه ~~معظم الفقهاء # PageV01P495 # أن القول قول من ينفي المفسد، والعقد محمول على حكم الصحة. # وهذا ما ذكرته إيناسا وتوطئة لمساق الكلام. # وإلا فلا [معتضد] في مثل ما ذكرناه لأهل زمان درست فيه تفاصيل الشريعة، ~~غير أن الكلام يجر الكلام، وما ذكرناه في الزمان العري عن التفاصيل مقطوع ~~به، فإن الخلق مضطرون إلى التعامل لا يجدون لهم منه بدا. # وقد ذكرنا أن الحرام إذا طبق طبق الأرض، أخذ الناس منه أقدار حاجاتهم، ~~لما حققناه من نزول الحاجة في حق العامة منزلة الضرورة في حق الآحاد. # وهذا مع بقاء الشريعة بتمامها وجملتها، فكيف إذا مست الحاجة إلى ~~[التعامل] ، ولم يجد الخلق ms190 مرجعا في الشرع يلوذون به؟ ### | 782 - # ثم إذا ساغت المعاملات، فلا تخصيص بالجواز، فإن منها ما هو وصيلة إلى ~~الأقوات والملابس ونحوها، ومنها ما هو تجائر، ومكاسب لا سبيل إلى حسمها، ### | 783 - # والقول الضابط في ذلك أن ما لا يعلم تحريمه من # PageV01P496 # المعاملات، فلا حجر فيه عند خلو الزمان عن علم التفاصيل والقول فيه ~~كالقول في إباحة الأجناس، وقد تقدم موضحا مفصلا. # وهذا بيان العقود الصادرة عن التراضي. فأما التغالب، فلا يخفى تحريمه، ما ~~بقيت أصول الشريعة. ### | 784 - # وقد (262) تقع صورة عويصة، لا تدرك إلا بعلم التفصيل، مثل أن يغصب رجل ~~ساجة، فيدرجها في أثناء بناء له ولو انتزع لتهدم البناء. # فقد يخطر لبعض الناس أن الساجة تنتزع وترد إلى مالكها، لأنه ظالم لما غصب ~~منه ملكه، وقد يخطر للآخرين أن في هدم بناء الغاصب تخسيره، وإحباط ملكه، ~~وذو الساجة يجد بثمنها مثلها، فيتعارض في مثل هذا إمكان النزع وتحريمه، ولا ~~سبيل لأهل الزمان إلى الحكم بالظن. وترك الخصومة ناشبة بينهما، يجر ضرارا ~~عظيما. # PageV01P497 # ولو قلنا: يتوقف في الواقعة، ففي التوقف اتباع الحيلولة بين مالك الساجة ~~[وبينها] وهو تنجيز مراد الغاصب الباني. ### | 785 - # فالذي تقتضيه الحالة أن يغرم صاحب البناء لصاحب الساجة قيمتها، فإن مما ~~يقطع به من غير تعريج على ظن أن الحيلولة بين المالك وملكه من غير عوض ~~محال، مع إمكان بذل العوض، ورد عين الساجة مظنون، و [لا] سبيل إلى بناء ~~الأمر على الظنون مع عدم المفتين، وانحسام الطرق إلى درك مذاهبهم. # فليتخذ الفطن ما ذكرناه معتبرا في أمثال ما نصصنا عليه. ### | 786 - # وإن أشكلت على أهل الزمان أن ما في أيديهم محرم أم لا؟ فقد ذكرنا أن أخذ ~~الحاجة من المشتبهات إذا عمت سائغ مع استقلال العلماء بالتفاصيل، فما الظن ~~والزمان خال عن معرفة التفاصيل؟ . ### | 787 - # ويجوز الازدياد على قدر الحاجة في خلو الزمان عن المشتبهات ; فإن أهل ~~الزمان لم يستيقنوا تحريما في الزائد على مقدار الحاجة، وقد تمهد أن ما لم ~~يقم عليه دليل التحريم، ms191 فلا حرج # PageV01P498 # فيه في الزمان الشاغر عن حملة العلوم بتفاصيل الشريعة (263) فهذا منتهى ~~المقصد فيما يتعلق بالمعاملات. ### | 788 - # فأما القول في الحقوق المتعلقة بالأموال، فالمسلك الوجيز فيه أن الحقوق ~~تنقسم إلى ما يفرض لمستحقين مختصين، وإلى ما يتعلق بالجهات العامة: # فأما ما يقدر لأشخاص معينين، كالنفقات وغيرها، فما علم في الزمان وجوبه ~~حكم به، وما لم يعلم بنو الزمان لزومه، فالأمر يجري فيه على براءة الذمة. ### | 789 - # وأنا الآن أضرب من قاعدة الشرع مثلين يقضي الفطن العجب منهما، وغرضي ~~بإيرادهما تنبيه القرائح لدرك المسلك الذي مهدته في الزمان الخالي، ولست ~~أقصد الاستدلال بهما، فإن الزمان إذا فرض خاليا عن التفاريع والتفاصيل، لم ~~يستند أهل الزمان إلا إلى مقطوع به، فالذي أذكره من أساليب الكلام في ~~تفاصيل الظنون. # فالمثلان: أحدهما - في الإباحة، والثاني - في براءة الذمة. ### | 790 - # فأما ما أضربه في المباحات مثلا، فأقول: # PageV01P499 # الصيود مباحة، وليس لها نهاية، فلو اختلط بها صيود مملوكة، والتبس الأمر، ~~فما من صيد يقتنصه المرء إلا ويجوز أن يكون ما احتوت عليه يده الصيد ~~المملوك. # ثم اتفق العلماء على أن الاصطياد لا يحرم، لأن ما حل من الصيود غير ~~متناه، والمختلط به محصور متناه. ### | 791 - # وقد قدمنا أن ما لا حرج فيه، ولا حجر لا يتناهى، وإنما المعدود المحدود ~~ما يحرم، فإذا التبس على بني الزمان أعيان المحرمات وهي مضبوطة [لم يحرم] ~~عليهم مالا يتناهى. ### | 792 - # [وأما] الذي أضربه مثلا في براءة الذمة، فأقول: لو علم رجل أن لإنسان ~~عليه دينا، والتبس عين ذلك الرجل عليه التباسا لا يتوقع ارتفاعه، فمن ادعى ~~من آحاد الناس مع اطراد الالتباس أنه مستحق الدين، لم يجب على المدعى (264) ~~عليه بمجرد دعواه شيء، ولو حلف لا يلزمه تسليم شيء إليه، وإن كانت يمينه ~~بارة، إذ لو منعناه من اليمين، وحملناه على النكول وغرمناه المدعى، فقد ~~يدعي عليه آخر ذلك الدين. # قائلا: إن الأول كان مبطلا، وأنا # PageV01P500 # ذو الحق، ثم يطرد ذلك إلى غير نهاية، فالاستمساك بالبراءة أولى من جهة ms192 أن ~~الذين لا يستحقون عليه شيئا لا ينحصرون، فتغليب ما [انتفت] النهاية عنه ~~أحرى. ### | 793 - # والذي يعضد ذلك أنه إذا كان للرجل أخت محرمة من الرضاع مثلا، وقد اختلطت ~~بنسوة لا ينحصرون عندها، فللرجل أن ينكح منهن من شاء. # وهذا أبدع مما تقدم من جهة أن التحريم مغلب في الأبضاع. ### | 794 - # وإذا تقابل في امرأة سببا تحريم وتحليل، من غير ترجيح أحد الوجهين على ~~الثاني، فالحرمة مغلبة في البضع على وضع الشرع، ومع هذا [أبحنا للذي] خفيت ~~عليه أخته، واختلطت بنسوة غير منحصرات عندنا أن ينكح منهن من يشاء، على شرط ~~الشرع. # فوجب بما ذكرناه أن موجب تفاصيل الشريعة النظر إلى ما لا يتناهى، ولا ~~يتغير الحكم فيه بأن يختلط به ما يتناهى. # PageV01P501 ### | 795 - # ومما يستتم به هذا الكلام إذ لابسناه، أنه إذا انتقلت حمامات بلدة وهي ~~مملوكة إلى بلدة أخرى، واختلطت بحمام [مباح] فالذي صار إليه المحققون في ~~علوم الشريعة أنه لا يحرم الاصطياد بسبب هذا الاختلاط. ### | 796 - # وإن فرض اختلاط ما لا يتناهى عندنا بما لا يتناهى، فإن كان ما ذكرته ~~محفوظا عند أهل الزمان بنوا عليه ما سبق من حمل الأمر على براءة الذمة، عند ~~تخيل الوجوب من غير استيقان، وكذلك ينبني الأمر على الحل ورفع الحرج، فيما ~~لا يستيقن فيه تحريم. ### | 797 - # وإن عري الزمان عن الإحاطة (265) بما ذكرته فالذي تقتضيه القاعدة الكلية ~~نفي الوجوب، فيما لم يقم دليل [على وجوبه، وارتفاع الحرج فيما لا يثبت فيه ~~حظر] فإذا هذا مستبين على هذه القضية من القاعدة الكلية، وإن [نسي] ما ~~قدمته من الأمثلة [في] الاختلاط. ### | 798 - # فهذا آخر ما حاولناه الآن في تعلق الحقوق لمعينين بأموال الناس نفيا ~~وإثباتا. # PageV01P502 ### | 799 - # فأما القول فيما يتعلق بالجهات العامة من الحقوق، وقد أحلنا على هذا طرفا ~~من الكلام في الزكاة، فنقول فيه: # إذا كانت هذه المرتبة مفروضة في بقاء أصول الشريعة في الأذكار فالجهات ~~العامة يبقى العلم بأصلها شائعا مستفيضا [ذائعا] ، وإن فرض دروس الذكر فيه، ~~فتكون سائر الأصول ms193 دارسة عن الأذكار، والأفكار أيضا، ويقع الكلام في ~~المرتبة الرابعة حينئذ فيما لا يتصور دروسه. والكلام في بقاء الأصول. ### | 800 - # فالواجب إنقاذ المشرفين على الردى من المسلمين. فإذا فرض بين ظهراني ~~المسلمين مضرور في مخمصة، أو جهة أخرى من جهات الضرورة، واستمكن المثرون ~~الموسرون من إنقاذه بأموالهم وجب ذلك على الجملة. ### | 801 - # ثم يدرك بمقتضى العقل وراء ذلك أمران: أحدهما - أن من سبق إلى القيام ~~بذلك، فقد أسقط الفرض عن الباقين. والثاني - أن الموسرين بأجمعهم لو ~~تواكلوا وتخاذلوا [وأحال] # PageV01P503 # البعض على البعض، حتى هلك المضطر، حرجوا من عند آخرهم ; إذ ليس بعضهم ~~بالانتساب إلى التضييع أولى من بعض، وقد عمهم العلم، والتمكن من الكفاية. # وهذا الذي فصلناه معنى فرض الكفاية في قاعدة الشريعة. ### | 802 - # فإذا هذا النوع مما يتعلق بالأموال على حكم الكفاية، [فكل ما] علم في ~~الزمان المفروض - كما ذكرناه - نحي به نحو ما ذكرناه، وكل ما أشكل وجوبه ~~(266) فالأصل براءة الذمة فيه كما سبق في حقوق الأشخاص المعينين. ### | 803 - # فهذا منتهى المقصود فيما يتعلق بالأملاك من المعاملات والحقوق الخاصة ~~والعامة. # وأذكر الآن فصلا في المواريث حتى يتم الكلام في فنه إن شاء الله عز وجل. ### | [فصل في المواريث] # [فصل] ### | 804 - # نقل النقلة في مأثور الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~«تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإنها تنسى، وهو أول علم # PageV01P504 # ينزع من أمتي» " والعلم بالفرائض في هذا الزمان غض طري والحمد لله. وفحوى ~~الحديث مبشرة ببقاء علوم الشريعة في عصرنا فإنه قال إن علم الفرائض أول ما ~~ينزع من أمتي. ### | 805 - # فلو أعضلت تفاصيل الفرائض، وهذا [يعسر] مع بقاء الذكر في الأصول، فإن ~~[فرض] دروس في التفاصيل، فالذي يتعلق بمساق الكلام الذي نجريه صنفان: ### | 806 - # أحدهما - فيه إذا مات رجل وخلف مختصين به، وعلم أنهم ورثة، ولكن أشكل ~~مقدار ما يستحقه كل واحد، فالذي تقتضيه القاعدة الكلية، أنهم إذا اصطلحوا ~~وتراضوا على أمر، نفذ ما تراضوا به. # وإن أبوا وتمانعوا، فالوجه التسوية بينهم، فإنهم مع التباس ms194 الحال ~~متساوون، ولا مطمع في ارتفاع اللبس مع انقراض العلماء # PageV01P505 # ولا وجه لتبقية النزاع بينهم، مع مسيس حاجتهم فاقتضى مجموع ذلك التسوية. # ونحن نضرب لذلك مثلا من تفاصيل الشرع للإيناس والتشبيه بحال الالتباس، ~~فنقول: ### | 807 - # لو أبهم الرجل طلقة مبينة بين نسوة له، ومات قبل البيان، فإنا نقف لهن ~~ميراث زوجة ثم سبيلهن فيما وقف لهن ما ذكرناه، من الاصطلاح أو التسوية ~~(267) وهذا يناظر ما نحن فيه من التباس الأمر. ### | 808 - # ومما يتصل بهذا أن الرجل إذا مات وخلف طائفة من الأقارب، وجوزوا أن يكون ~~فيهم محجوبون، وقدر كل واحد ذلك في نفسه، واستووا في هذا التردد، وتحققوا ~~أنهم المستحقون، أو فيهم المستحقون، فالذي تقتضيه القاعدة الاصطلاح، أو ~~التسوية كما سبق تقريره. فهذا أحد الصنفين. ### | 809 - # وأما الصنف الثاني، فهو أن يكون فيهم من نعلم أنه # PageV01P506 # من المستحقين، وفيهم من نشك في أنه مستحق أم لا فمن لا يعلم قطعا لنفسه ~~استحقاقا لا نثبت له شيئا من غير دليل يقتضيه. # فالذي نعلم كونه مستحقا إن علم قطعا أنه يستحق النصف وشك في أنه هل يستحق ~~النصف الباقي أم يستحق الرجل المشكوك فيه؟ فالذي نستيقن استحقاقه يأخذه هو ~~وصاحبه في الباقي متساويان، والاستحقاق لا يعدوهما، فيشتركان فيه كما سبق ~~ذكره في أصل الاستحقاق. # ولو لم يدر من يعلم أصل الاستحقاق أن المقدار المستيقن كم ; فيجوز أن ~~يكون أقل القليل، وجوز أن يثبت له استحقاق الجميع على الاستغراق، وكان قد ~~درست الفرائض والمقدرات، فلا يمكن أن يسلم إليه شيء، إذ لا مقدار إلا ويجوز ~~أن يكون المستيقن أقل منه فجميع المال بينهما على الحكم المقدم فيه إذا كان ~~كل واحد منهما يجوز أن يكون هو المستحق لجميع التركة. ### | 810 - # ولو خلف قريبا، وجوز أهل الزمان أن يكون وارثا مستغرقا، وجوزوا أن يكون ~~المال مصروفا إلى مصالح المسلمين، # PageV01P507 # فهذه الجهة مع الوارث بمثابة قريبين التبس الوارث منهما، فلتجر هذه ~~المسائل على (268) قاعدتين: # إحداهما - طلب الاستيقان. والأخرى -[أن] الاستحقاق إذا دار بين شخصين أو ms195 ~~أشخاص وكان لا يعدوهم الاستحقاق، واستووا في جهات الإمكان فالمال بينهم على ~~البيان المقدم. ### | 811 - # ونحن نختم هذا الفصل الآن بمشكلة عجيبة، ومعضلة غريبة، نوردها في معرض ~~السؤال، ونبين الغرض [منها] في معرض الانفصال. # فإن قيل: قد بنيتم فصول الكلام في هذه المرتبة على مستندات مستيقنة، ~~وكررتم غير مرة أن الظنون لا يرتبط في خلو الدهر عن حملة الشريعة حكم، فإن ~~ظنون من ليس من أحزاب العلماء لا وقع لها، وصرتم إلى أنه لا يثبت شيء إلا ~~بقطع، وقد ناقضتم الآن ما هو قطب الكلام، وقاعدة المرام، إذ قلتم إذا دارت ~~التركة المخلفة بين اثنين وجوز كل واحد منهما أن يكون مستحقا مستغرقا وجوز ~~أن يكون محجوبا مزحوما محروما، فالتركة بينهما، وليس # PageV01P508 # واحد منهما على استيقان في الاستحقاق. ### | 812 - # فهلا قلتم بناء على اليقين: لا يأخذ واحد منهما شيئا من التركة؟ من حيث ~~لا يركن إلى قطع في الاستحقاق، وبناء الأمر على استوائهما، وإشعار ذلك ~~بتوزيع التركة عليهما من أدق مسالك الظنون، وأغمض فنون المجتهدات في ~~الدعاوى والبينات، وغيرهما من المشكلات، ولا يستقل به إلا فطن ريان من علوم ~~التفاصيل في التكاليف. # والمرتبة الثالثة مبناها على دروس العلم بفروع الشريعة وفصولها مع بقاء ~~قواعدها وأصولها؟ فهذا هو السؤال. ### | 813 - # وسبيل الانفصال عنه أن نعترف أولا بانتفاء اليقين كما أوضحه السائل، ثم ~~نعترف بأن واحدا من الرجلين غير مستيقن استحقاق (269) نفسه، ولكنا نقول: ### | 814 - # من الأصول التي آل إليه مجامع الكلام أنه: إذا لم يستيقن حجر وحظر من ~~الشارع في شيء، فلا يثبت فيه تحريم في # PageV01P509 # خلو الزمان، فإن لم يستيقن واحد منهما استحقاقا، فليس نعلم أيضا حجرا ~~عليه فيما يأخذه، وقد تحققنا أن الاستحقاق لا يعدوهما، فعدم الاستيقان في ~~الاستحقاق يعارضه انتفاء الدليل في الحظر، وموجب ذلك رفع الحجر والحرج. # فإن اقتسما على اصطلاح وتراض، فلا إشكال في انتفاء الحرج عنهما، وإن ~~تنازعا والنزاع مقطوع في أصل الشريعة - فلا مسلك قطعا في قطعه إلا ما ~~ذكرناه. # فلينعم المنتهي إلى هذا ms196 المنتهى نظره، ففيه بيان بقايا تركتها لكل غواص ~~منته، ونتائج القرائح لا تنتهي. ### | 815 - # فإن قيل: لا يتوصل إلى هذه الدقائق إلا مدرب في مأخذ الحقائق، فكيف يدركه ~~بنو الزمان الشاغر عن علماء الشريعة؟ # قلنا: إن ثبت أن ما ذكرناه مستنده القطع، فعلى أهل الزمان بذل المجهود في ~~دركه، فإذا فرضنا بقاء أصول الشريعة، # PageV01P510 # فمن أجلاها علم بني الزمان بأن ما يتصور الوصول إلى الاستيقان فيه في ~~الشريعة، فيتعين التوصل إليه. ### | 816 - # ورب شيء مدركه القطع، وفي دركه عسر وعناء، وهذا كالقول في قواعد العقائد، ~~فإنا إذا أوجبنا العلم بها فقد يدق مدركها، ويتوعر مسلكها، ولكنها إذا كانت ~~مستدركة بأساليب العقول تعين السعي في إدراكها. ### | 817 - # فهذا نهاية المقصود في المكاسب. ومن أحاط بها، لم يخف عليه مسلك يطالع ~~به، ويراجع فيه في جهات المطالب، وفنون المكاسب. ### | [القول في المناكحات] # فأما: القول في المناكحات ### | 818 - # فإنا نعلم أنها لا بد منها، كما أنه لا بد من الأقوات، فإن بها بقاء ~~النوع، كما بالأقوات (270) بقاء النفوس. # والنكاح هو المغني عن السفاح، ولا ينتهي الأمر في حق الشخص المعين - مع ~~بقاء العلم بتفاصيل الشريعة إلى المنتهى الذي يباح في مثله الميتات في أمر ~~الوقاع والاستمتاع، ولا يجب على ذوي المكنة واليسار، # PageV01P511 # وأصحاب الاقتدار، أن يعفوا الفقراء المتعزبين، وإن اشتدت غلمتهم، [وظهر] ~~توقانهم. # ولكن مع هذا التنبيه، المناكح في حق الناس عامة في حكم ما لا بد منه، وقد ~~تقرر فيما تقدم أن عموم الحاجة في حقوق الناس كافة، كالضرورة في حق الشخص ~~المعين. فهذه مقدمة رأينا تقديمها. ### | 819 - # وأول ما نفتتحه بناء عليها، أنه إذا أشكل في الزمان الشرائط المرعية في ~~النكاح، ولم يأمن كل من يحاول نكاحا أنه يخل بشرط معتبر في تفاصيل الشريعة، ~~فلا تحرم المناكح بتوقع ذلك ; فإنا لو حرمناها، لحسمناها، ولو فعلنا ذلك، ~~لتسببنا إلى قطع النسل، وإفناء النوع، ثم لا تعف النفوس عموما، فتسترسل في ~~السفاح، إذا صدت عن النكاح. # وهذا كما تقدم فيه إذا عمت الشبهات، ms197 أو طبقت المحرمات في المطاعم ~~والمشارب. ### | 820 - # ولكنا ذكرنا أن المعتمد في البياعات والمعاملات التراضي، # PageV01P512 # والمنع من التغالب والتسالب، فلئن قامت تعبدات في تفاصيل المعاملات، ~~فاعتبار التراضي معلوم، لا ينكر ما بقيت الأصول. ونحن نذكر الآن الأصل ~~المعتبر في النكاح، فنقول: ### | 821 - # لا يخفى على ذوي التمييز أن الرضا المجرد لا يقع الاكتفاء به ولو أقنع ~~الرضا لكان كل سفاح بين مقدم عليه، وممكنة مطاوعة نكاحا مباحا. # فمما لا يكاد يخفى اعتباره صورة العقد والإيجاب والقبول (271) ، وأما ~~الولي والشهود، فمما اختلف العلماء في أصله وتفصيله. # فما غمض أمره [على] أهل الزمان، ولم يخطر لهم على التعيين، ولكنهم على ~~الجملة لم يأمنوا أن يكونوا مخلين بشرط العقد، ولا سبيل إلى دركه، فهذا ~~الظن غير ضائر. ### | 822 - # وإن تعين لهم شيء، وترددوا في اشتراطه، كالولي والشهود، فقد تعارض هاهنا ~~ظنان: # PageV01P513 # أحدهما - أنه لا يثبت شرط ما لم يعلم ثبوته. # والثاني - أن الأصل تحريم الأبضاع، فلا يستباح إلا بثبت وتحقيق. ### | 823 - # ولكن لا معول على الظن الثاني من وجهين: # أحدهما - أنا نرى الآن في تفاصيل الشريعة استباحة الأنكحة في مجال الظنون ~~والاجتهاد. # والثاني - أن هذا التعارض لا يثبت علما، وإذا لم يثبت علم باشتراط شيء لم ~~يشترط. وهذا لا يعارضه قول القائل إذا لم يثبت تصحيح النكاح، لم نحكم به، ~~فإنا لو شرطنا في خلو الزمان العلم بانعقاد النكاح، واشتماله على الشرائط ~~المرعية، وعروه عن المفسدات، لما حكمنا بصحة [نكاح] أصلا مع دروس العلم ~~بالتفاصيل. ### | 824 - # ومما لا تخفى رعايته في النكاح خلو المرأة عن نكاح الغير، وعن اشتمال ~~الرحم على ماء محترم، فإن الغرض الأظهر # PageV01P514 # في إحلال النكاح، وتحريم السفاح أن يختص كل بعل بزوجته ولا يزدحم ناكحان ~~على امرأة فيؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب. ### | 825 - # وأما أمر العدة، فإن كان محفوظا في العصر - وهو الغالب ما بقيت الأصول - ~~فيراعى في النكاح الخلو عن العدة. # وإن اشتبه على بني الزمان تفاصيل العدد فلا يكاد يخفى اعتبار ظهور براءة ~~الرحم عن الناكح المتقدم، ms198 فإن ظهر ذلك بحيضه ; ولم يعلم بنو الدهر اعتبار ~~العدد في الأقراء، أو مضي زمن لو كان حمل لظهر مخايله، وحسب الناس أن ~~النكاح (272) يحل، أو لم يعلموا تحريمه، فهذا يلتحق بإيرادهم عقد النكاح ~~على وجه يترددون في صحته وفساده، من جهة مفسد مقترن أو إخلال بشرط فالوجه ~~الحكم بالصحة كما تقدم ذكره، فهذا ما يتعلق بالنكاح. ### | 826 - # فأما إذا طرأ على النكاح طارئ، وكان حكمه محفوظا، فلا كلام. # وإن غمض، فلم يدر أنه قاطع للنكاح أم لا، فالذي # PageV01P515 # يقتضيه الأصل الحكم ببقاء النكاح إلى استيقان ارتفاعه، وهذا يشهد له حكم ~~من تفاصيل الشرع، أن من شك فلم يدر أطلق أم لا، [أو] استيقن أنه تلفظ، ولم ~~يعلم أنه كان طلاقا أم لا، فالنكاح مستدام مستصحب وفاقا. ### | 827 - # ولست أستدل بهذا ; فإن القول مصور لي في غموض التفاصيل، فلا يبقى شاهد من ~~التفاريع في الزمان الخالي عن ذكرها. # ولكن المعتبر فيه ما قدمنا من أن التحريم إذا لم يقم عليه دليل فالأمر ~~يجري على رفع الحرج. # وقد كررت هذا مرارا محاولا الإيناس به. والكلام إذا لم يكن معهودا ذكر ~~مرة واحدة، فقد يتعداه الناظر من غير تعريج على تدبره، فتفوته الفائدة، ~~وإذا تكرر استبان اعتناء مكرره، فيترتب على اتئاد في البحث عن مغزاه ~~ومقتضاه. # فهذا آخر المقصود في الأحكام المتعلقة بالأنكحة وما يطرأ عليها. ### | قول جامع في الزواجر والسياسات # وقد بقي من [تمام] الكلام قول جامع كلي في الزواجر، وما يتعلق بالإيالة، ~~فنقول: # PageV01P516 # لا يكاد يخفى جواز دفع الظلمة، وإن انتهى الدفع إلى شهر الأسلحة، فإن من ~~أجلى أصول الشريعة، دفع المعتدين بأقصى الإمكان عن الاعتداء ولو ثارت فيه ~~زائغة عن الرشاد، وآثروا السعي في الأرض بالفساد، ولم يمنعوا قهرا، ولم ~~يدفعوا قسرا، لاستجرأ الظلمة، ولتفاقم الأمر. وهذا يغني ظهوره عن الإمعان ~~في البيان. ### | 829 - # فأما إذا اعتدى المعتدون، وظفرنا بهم، فأصول الحدود لا تخفى ما بقيت ~~شريعة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. # والكلام الضابط فيها أن كل حد استيقنه ms199 أهل العصر أقامه ولاة الأمر، كما ~~تقدم القول الشافي البالغ في أحكام الولاة. # فإذا شك بنو الزمان في وجوب الحد، لم يقيموه أصلا، ولو علموا أن وجوب ~~الحد مختلف فيه بين العلماء، فهو إذن مظنون وكان في محل التحري، إذا كانت ~~التفاصيل مذكورة محفوظة. # فإذا عدم أهل الزمان ما يتعلق به المقلدون من تقديم إمام على # PageV01P517 # إمام، فقد استوى عندهم الظنان، وتعارض المذهبان، ولا تعويل على ظنون ~~العوام في أنفسهم، فلا سبيل إلى الهجوم على إقامة العقوبات وإراقة الدماء ~~مع التردد. ### | 830 - # ولو وقعت واقعة في حد مع بقاء الفروع، واستوى في ظن المفتي إيجاب الحد ~~ونفيه، ولم يترجح أحد الظنين على الثاني، فلا يفتى بالحد أصلا، فحكم أهل ~~الزمان الخالي عن علم التفاصيل يجري هذا المجرى. ### | 831 - # ومما يليق بذلك أنه إذا زنى رجل، وعلم أنه استوجب الحد، ولكن لم يدر ~~أمحصن هو فيرجم؟ أو بكر فيجلد؟ فلا سبيل مع الإشكال إلى رجمه. فأما الجلد ~~فلا يجوز جلد المحصن كما لا يجوز رجم البكر، إذ لا تبادل في الحدود. # فالوجه على حكم الأصل أن لا يحد أصلا ; فإنا شككنا في أن الجلد هل يسوغ ~~إقامته أم لا، والعقوبة المشكوك فيها لا تقام في الزمان الذي دفعنا إلى ~~الكلام فيه. # PageV01P518 ### | 832 - # فإن قيل: لو زنى محصن واستوجب الرجم، والشريعة بمائها (274) والعلماء ~~متوافرون وحملة الشريعة مستقلون بضبط التفاصيل، ورأى الإمام أن يقتل المحصن ~~بالسياط، ويحلها محل الأحجار فينبغي أن يجوز ذلك. # وإذا ثبت جوازه، فليجلد من اعتاص الأمر في رجمه وجلده. # فإن كان مرجوما، فقد اقتصر على بعض ما يستحق، وإن كان مجلودا فقد أقيم ~~عليه [حقه] كملا. ### | 833 - # قلنا: لسنا نرى أولا إقامة السياط مقام الأحجار، فإن الحدود لا يتغير ~~كيفياتها ولا تبدل آلاتها. # ثم إن انتهى مجتهد إلى تجويز ما أورده السائل، فهو من دقيق القول في ~~أساليب الظنون، فكيف يدركه أهل الزمان الشاغر عن علماء التفاصيل؟ . ### | 834 - # نجز الكلام في المرتبة الثالثة، وقد قيض الله تعالى فيها أمورا ms200 بديعة، لا ~~يدرك علو قدرها إلا الفطن الغواص # PageV01P519 # و [من] هو من أخص الخواص، وكنت قد عزمت على أن أذكر في كل كتاب وباب ~~فصولا، وأمهد أصولا، ثم رأيت الاكتفاء بهذه اللمع ; إذ وجدتها ترشد إلى ~~مسالك الكلام في الأصول [جمع] ولو لم يكن فيه ما يسر الطالب إلا التنبيه ~~على الأصول، لكان ذلك كافيا. ### | 835 - # فإن قال قائل قد بنيتم هذه المرتبة على خلو أهل الزمان عن ذكر التفاصيل، ~~والذي ذكرتموه مما يغمض على معظم العلماء في الدهر، فكيف يدركه أهل زمان ~~فاتتهم تفريعات الشريعة وتفاصيلها؟ فليس يحتاج إليه إذن، والشريعة محفوظة، ~~فإذا درست فروعها، ولم يستقل الناس بها، لم يفهمها العوام، فهذا الكلام إذن ~~لا يجدي ولا يفيد على اختلاف الزمان في الذكر والنسيان؟ ### | 836 - # قلنا: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما - أنه ليس خاليا عن فوائد جمة مع ~~بقاء العلوم بتفاصيل الشريعة، وفيها (275) التنبيه على مأخذ الأصول ~~والفروع، ومن أحكمه تفتحت قريحته في مباحث المعاني، وعرف القواعد # PageV01P520 # والمباني، ورقى إلى مرقى عظيم من الكليات لا يدركه المتقاعد الواني، ~~[وطرق] المباحث لا تتهذب إلا بفرض التقديرات قبل وقوعها والاحتواء على ~~جملها، ومجموعها. # فهذا جواب. ولست أرتضيه ; فإني لم أجمع هذا الكلام لهذا الغرض. ### | 837 - # فالجواب السديد أني وضعت [هذا] الكتاب لأمر عظيم، فإني تخيلت انحلال ~~الشريعة، وانقراض حملتها، ورغبة الناس عن طلبها، وإضراب الخلق عن الاهتمام ~~بها، وعاينت في عهدي الأئمة ينقرضون ولا يخلفون، والمتسمون بالطلب يرضون ~~بالاستطراف، ويقنعون بالأطراف وغاية مطلبهم مسائل خلافية يتباهون بها، أو ~~فصول ملفقة، وكلم مرتقة في المواعظ يستعطفون بها قلوب العوام والهمج ~~الطغام. # فعلمت أن الأمر لو تمادى على هذا الوجه لانقرض علماء الشريعة على قرب ~~وكثب، ولا تخلفهم إلا التصانيف والكتب. ثم لا يستقل بكتب # PageV01P521 # الشريعة على كثرتها واختلافها مستقل بالمطالعة من غير مراجعة مع مرشد، ~~وسؤال عن عالم مسدد. # فجمعت هذه الفصول، وأملت أن يشيع منها نسخ في الأقطار والأمصار، فلو عثر ~~عليها بنو الزمان لأوشك أن يفهموها لأنها قواطع ms201 ثم ارتجيت أن يتخذوها ~~ملاذهم ومعاذهم، فيحيطوا بما عليهم من التكاليف في زمانهم ويتحفظونه لصغر ~~حجمه واتساق نظمه. # فهذا ما قصدت. فإن تحقيق ظني فهو الفوز الأكبر، وإلا فالخير أردت. والله ~~المستعان. # PageV01P522 ### | [المرتبة الرابعة الباب الرابع في خلو الزمان عن أصول الشريعة] # المرتبة الرابعة # (الباب الرابع) في خلو الزمان عن أصول الشريعة. ### | 838 - # قد مضى القول فيه إذا درست العلوم بتفاصيل الشريعة (وبقيت أصولها في ~~الذكر، ومضمون هذه المرتبة تقدير دروس أصول الشريعة. # وقد ذهبت طوائف من علمائنا إلى أن ذلك لا يقع ; فإن أصول الشريعة تبقى ~~محفوظة على ممر الدهور، إلى نفخة الصور، واستمسكوا بقوله تعالى: ( {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ) . ### | 839 - # وهذه الطريقة غير مرضية، والآية في حفظ القرآن عن التحريف، والتبديل ~~والتصريف، وقد وردت أخبار في انطواء الشريعة، وانطماس شرائع الإسلام، ~~واندراس معالم الأحكام، بقبض العلماء، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«سيقبض العلم حتى يختلف الرجلان في فريضة، ولا يجدان من يعرف حكم الله ~~تعالى فيها» ". # PageV01P523 # فالقول المرتضى في ذلك أن دروس أصول الشريعة في مستقر العادة في الآماد ~~الدانية، فإن انقرض عمر الدنيا في مطرد العرف، وقامت القيامة في الأعصار ~~القريبة. # فلا حاجة إلى هذه التقديرات، وإن تطاول الزمن، فلا يبعد في مطرد العرف ~~انمحاق الشريعة أصلا أصلا، حتى تدرس بالكلية وعلى هذا التدريج [تبتدأ] ~~الأمور الدينية والدنيوية، وتزيد حتى تبلغ المنتهى، ثم تنحط وتندرس، حتى ~~تنقضي وتنصرم كأن لم تعهد. ### | 841 - # فإن فرض ذلك قدمنا على غرضنا من ذلك صورة. وهي أن طائفة في جزيرة من ~~الجزائر، لو بلغتهم الدعوة، ولاحت عندهم دلالة النبوة، فاعترفوا بالوحدانية ~~والنبوة، ولم يقفوا على شيء من أصول الأحكام، ولم يستمكنوا من [المسير] إلى ~~علماء الشريعة، فالعقول على مذاهب أهل الحق لا تقتضي (277) # PageV01P524 # التحريم والتحليل، وليس عليها في مدرك قضايا التكليف تعويل. ### | 842 - # وهذا الأصل من أعظم الطوام وهو مزلة الأقدام، ومضلة معظم الأنام، ولو ~~أوغلت فيها لأربى مفاتيح الكلام في حواشيها على مقدار حجم الكتاب، فالوجه ms202 ~~الاكتفاء بنقل [المذاهب] ، وإحالة من يحاول الوقوف على [مضائق] الحقائق ~~[على] بحر الكلام. ### | 843 - # فمقدار الغرض فيه الآن أن الذين فرضنا الكلام فيهم لا يلزمهم إلا اعتقاد ~~بالتوحيد، ونبوة النبي المبتعث، وتوطين النفس على التوصل إليه في مستقبل ~~الزمان مهما صادفوا أسباب الإمكان، ولسنا ننكر أن عقولهم تستحثهم في قضيات ~~الجبلات على الانكفاف [عن] مقتضيات الردى، والانصراف عن # PageV01P525 # موجبات [التوى] ولكنا لا نقضي بأن حكم الله عليهم موجب عقولهم. ### | 844 - # فننعطف الآن على غرضنا، ونقول: إذا درست فروع الشريعة وأصولها، ولم يبق ~~معتصم يرجع إليه، ويعول عليه، انقطعت التكاليف عن العباد، والتحقت أحوالهم ~~بأحوال الذين لم يبلغهم دعوة، ولم تنط بهم شريعة. ### | 845 - # وإنما جعلت هذا الفصل منقطع الكلام، لأني افتتحت باسم مولانا نضر الله ~~أيامه، وأسبغ على ساحته السامية أنعامه، كتابا مضمونه ذكر مدارك العقول، ~~سأنخل فيها ثمرات الألباب، وأنتزع من ملتطم الشبهات صفوة اللباب، وأتركه ~~عبرة في ارتباك المشكلات، واشتباك المعضلات، فصار ما قطعت عليه الكلام ~~[متقاضيا] ما [افتتحته] والله ولي الإتمام. ### | 846 - # وقد انتهيت إلى ما أردت ذكره في هذا الكتاب، وبلغت # PageV01P526 # كنه ما اعتمدته [من] تفصيل الأبواب، وعرضته في معرض البراعة (278) وجلوته ~~في حلل النصاعة، ورفعت مخطوبة في كرم المناصب [والمناسب] ، إلى أرفع خاطب، ~~فوافق شن طبقه وصادف الإثمد الحدقة، واحتاز الفريد الفريد، وأحرز ذو التاج ~~الإقليد. # فأطال الله من أعلى منازل الإيالة بقاه، وأعلى إلى أبعد غايات الجلالة ~~ارتقاه، ما طلع فجر، وزخر بحر، ودار فلك، وسبح ملك، واختلف الجديدان، ~~واعتقب الملوان، فهو ولي الإحسان والمتفضل بالامتنان [وصلى الله على محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم. المبعوث بأفضل الأديان] . # PageV01P527 # نجز الكتاب بحمد الله ومنه وحسن توفيقه وذلك في ثالث عشرة شهر ربيع الأول ~~سنة. . . وأربعين وسبعمائة. # والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله. رحم الله لمن دعا لكاتبه ~~ولقارئه، ومن قال آمين. # بلغت مطالعة وإصلاحا مع مراجعة الأصل، فصح بحمد الله ومنه، كتبه خليل بن ~~العلائي الشافعي وفرغ منه في تاسع شهر جمادى الأولى سنة ms203 ثمانين وأربعة ~~وسبعمائة، ببيت المقدس، حماه الله. PageV01P528 ms204