######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001094 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو سعيد عبد الرحمن النيسابوري المتولي #META# 010.AuthorNAME :: أبو سعيد عبد الرحمن النيسابوري المتولي #META# 011.AuthorBORN :: 427هـ #META# 011.AuthorDIED :: 478 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الغنية في أصول الدين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة في العقائد :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الغنية في أصول الدين #META# 030.LibURI :: JK_001094 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عماد الدين أحمد حيدر #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الكتب الثقافية #META# 044.EdPLACE :: لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1406هـ - 1987م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الغنية في أصول الدين PageV01P001 # | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وآله الحمد لله رب العالمين ~~حمدا يزيد ولا يبيد وصلواته على خير خلقه محمد صلاة تنفع مصليها عليه وتفيد ~~ورأفة على أصحابه وأهل بيته رأفة تبدي الرحمة عليهم وتعيد # اعلم وفقك الله للرشاد وهداك إلى الحق والسداد اني لما رأيت ظهور البدع ~~والضلالات وكثرة اختلاف المقالات أحببت أن أتقرب إلى الله تعالى ذكره وجلت ~~قدرته بإظهار الحق من بين المقالات المختلفة وكشف تمويه الملحدة والمشبهة ~~متحريا بذلك جزيل الثواب ومستغنيا به على إيمانه وقدمت عليه فصولا لا بد من ~~معرفتها وآثرت في ذلك التخفيف واجتنبت التطويل وإلى الله أرغب في أن يوفقني ~~للصواب ولا يحرمني في ما أجمعه جزيل الثواب وبه أستعين إنه خير موفق معين # | فصل في بيان العبارات المصطلح عليها بين أهل الأصول # منها العالم هو اسم لكل موجود سوى الله تعالى وينقسم قسمين جواهر وأعراض ~~PageV01P049 # فالجوهر كل ذي حجم متحيز والحيز تقدير المكان ومعناه أنه لا يجوز أن يكون ~~عين ذلك الجوهر حيث هو # وأما العرض فالمعاني القائمة بالجواهر كالطعوم والروائح والألوان # والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يتصور تجرئة عقلا ولا تقدير تجزئة وهما # وأما الجسم فهو المؤلف وأقل الجسم جوهران بينهما تأليف # والأكوان اسم للاجتماع والافتراق والحركة والسكون # | فصل في حد العلم # حقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو به # وقالت المعتزلة حقيقة العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس ~~الواقع عن ضرورة أو نظر وقصدوا بذلك نفي علم الباري تعالى # وهذا الحد باطل فإن الله تعالى ليس له نظير ولا زوجة ولا ولد فإن هذه ~~علوم وليست باعتقاد أشياء لأن الشيء عندنا الموجود وعندهم المعدوم الذي يصح ~~وجوده PageV01P050 # أما الجهل اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو به # والشك تردد بين معتقدين من غير ترجيح # والظن أن يترجح أحد المعتقدين على الآخر # والعلم ينقسم إلى قديم وحادث # فالقديم علم الله تعالى وليس بضروري ولا كسبي # والحادث على ثلاثة ms01 أقسام ضروري وبديهي وكسبي # فالضروري هو العلم الحادث الذي يلزم ذات العالم لزوما لا انفكاك له منه ~~وليس للشك إليه سبيل وذلك مثل العلم الحاصل عن إدراك الحواس وعلم الإنسان ~~بنفسه وما يلحقه من الألم واللذة وغيرها # وأما البديهي فيقرب من الضروري وهو علم الإنسان باستحالة اجتماع ~~المتضادين مثل الحركة والسكون والسواد والبياض واستحالة كون الموجود الواحد ~~في الوقت الواحد في مكانين ونحو ذلك # وأما الكسبي فالعلم الحاصل عن نظر واستدلال ومن حكمة جواز طريان الشك ~~والإبطال عليه # وأما العقل فهو العلم والدليل عليه أنه لا يحسن أن يقول الرجل ~~PageV01P051 علمت وما عقلت أو عقلت وما علمت إلا أنه اسم لنوع من العلم وهو ~~البديهي دون الضروري والكسبي لأن أصل العلوم الضرورية الحواس # ومن الجائز أن يكون الموجود عاقلا ولا حاسة له والكسبي يحصل عن نظر ~~والعقل يسبق النظر # وأما الدليل فهو المرشد إلى المقصود وينقسم ذلك إلى عقلي وسمعي # فالعقلي مثل دلالة الصنع على الصانع # والسمعي خبر الصادق مثل كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما النظر فهو فكر القلب والتأمل في حال المنظور لطلب حقيقة العلم أو ~~غلبة ظن # والنظر صحيح عندنا ويحصل به العلم # وأنكرت طائفة من الدهرية صحة النظر وقالوا لا معلوم إلا من جهة الحواس ~~وتطرقوا بذلك إلى نفي الصانع # والدليل عليه بطلان قولهم أن نقول لهم عرفتم فساد النظر أو تشكون فيه فإن ~~قالوا نقطع ببطلانه فقد أبطلوا قولهم لا معلوم إلا من جهة الحواس لأن فساد ~~النظر لا يعرف حسا # وإن قالوا الشك في كون النظر طريقا إلى العلم دعوناهم إلى PageV01P052 ~~النظر في الدليل فإن نظروا في الدليل واعترفوا بحصول العلم فقد أقروا ~~ببطلان مذهبهم وإن أنكروا حصول العلم فقد قطعوا بأن النظر ليس بطريق إلى ~~العلم وفيه إثبات علم حاصل لا بالحواس # ومن الدليل على بطلان قولهم أن نقول لهم علمتم فساد النظر ضرورة أو ~~بالنظر فإن قالوا ضرورة عكسنا عليهم قلنا نحن علمنا بطلان مذهبكم ضرورة إذ ~~ليس ms02 أحد الخصمين بدعوى ضرورة ينفرد بها بأولى من الآخر # وإن قالوا عرفنا بطلانه نظرا فقد أقروا بكون النظر طريقا إلى العلم فإنهم ~~عرفوا بالنظر فساد النظر # فإن قيل يلزمكم مثل ذلك فإنكم جعلتم النظر طريقا إلى العلم فعرفتم ذلك ~~ضرورة أو نظرا فإن قلتم عرفناه ضرورة ادعينا نحن بطلانه ضرورة وإن قلتم ~~عرفنا نظرا فكيف يعرف الشيء بنفسه # قلنا عن سؤالكم يلزمكم لأنه نوع من النظر فإن لم يكن مفيدا فهو لغو وإن ~~كان مفيدا للعلم ببطلان النظر ففيه إقرار بأن النظر يفيد العلم # ثم جوابنا عنه أنا نصحح النظر بنوع من النظر داخل في جملة النظر فصحح ~~نفسه وغيره كالعلم يعلم به المعلومات ويعلم بالعلم نفس العلم وفي كتاب الله ~~تعالى آيات كثيرة وتدل على أن النظر طريق إلى العلم مثل قوله تعالى @QB@ ~~أفلا ينظرون @QE@ @QB@ أو لم يتفكروا @QE@ وقوله تعالى PageV01P053 @QB@ ~~واعبدوا @QE@ وذلك أكثر من أن يحصى # | فصل # النظر ينقسم إلى صحيح وفاسد # فالصحيح ما يؤدي إلى المقصود والفاسد ما لا يؤدي إلى المقصود # وفساده بطريقة أحدهما بأن يعدل من الدليل إلى الشبهة والثاني بأن يطرأ ~~على الدليل قاطع فيمتنع تمام النظر # | فصل # لا واجب عند أهل الحق إلا من جهة الشرع والسمع ولولا ورود الرسل لما وجب ~~على العباد شيء والعقل طريق المعرفة # وذهبت المعتزلة إلى أن العقل موجب حتى لو قدرنا أن الله تعالى لم يبعث ~~إلينا الرسل كان يجب علينا أن نعرف الله ونشكره # والدليل على أنه لا واجب إلا من جهة الشرع قوله تعالى @QB@ وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا @QE@ # وقوله تعالى @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ وسنذكر المسألة على الاستقصاء PageV01P054 # فإن قال قائل إذا نفيتم وجوب الأشياء عقلا وعولتم في وجوبها على السمع ~~كان فيه إبطال النبوات وذلك لأن أول رسول يرد من الله تعالى ويدعو الخلق ~~إليه لا يعلم صدقه إلا بالنظر في معجزته فلا يجب ms03 النظر إلا بدليل سمعي وقبل ~~ورود الرسل لم يثبت الشرع ليلزم النظر بحكم ذلك الشرع قال يلزمهم النظر في ~~المعجزة وفيه إبطال النبوات # قلنا عن هذا السؤال يتوجه على من يقول بالوجوب عقلا فإن الطريق عندهم أن ~~العاقل يخطر بقلبه أن له صانعا قد خلقه وأنعم عليه وأراد شكره على ما أنعم ~~عليه ومن لم يخطر له هذا الخاطر وتغافل فليس يعلم وجوب النظر في المعجزة ~~ولا وجوب معرفة الصانع وعندهم معرفة الله والنظر في المعجزة واجب عليه # ثم جوابنا عنه أن نقول لهم ليس من شرط الوجوب عندنا شرع مستقر قبل ورود ~~الرسل ولكن الشرط ورود الرسل وظهور الدلالة في الظاهر وتمكن المخاطب من ~~النظر فيه وإذا وجد ذلك وجب النظر في المعجزة فلم يتضمن قولنا إبطال ~~النبوات # | فصل # أول ما يجب على المكلف القصد إلى النظر الصحيح المؤدي إلى العلم بحدوث ~~العالم وإثبات العلم بالصانع # والدليل عليه إجماع العقلاء على وجوب معرفة الله تعالى وعلمنا عقلا أنه ~~لا يعلم حدوث العالم ولا الصانع إلا بالنظر والتأمل وما PageV01P055 لا ~~يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب # | مسالة # العالم محدث مخلوق بعد أن لم يكن # وذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم وليس له أول ولم يزل كان هكذا ولا يزال ~~يكون هكذا رجل من نطفة ونطفة من رجل وحبة من نبات ونبات من حب ودجاجة من ~~بيضة وبيضة من دجاجة وليل بعد نهار ونهار بعد ليل # والكلام في هذه المسالة على طريقين إثبات أصول ومقدمات إذا صحت وثبتت ثبت ~~حدوث العالم # والثاني يدل على بطلان مذهبهم واستحالة قولهم # أما الطريق الأول فيعتمد على ثلاثة أصول الأصل الأول يدل على إثبات ~~الأعراض وهي المعاني القائمة بالجواهر # وأنكرت طائفة من الملحدة الأعراض بالكلية وقالوا لا موجود إلا الجواهر # والدليل على ثبوت الأعراض انا نرى الجوهر ساكنا فيتحرك ويزول عن جهته ~~التي كان فيها إلى غيرها مع جواز أن لا يتحرك ويبقى في جهته فإذا كان من ~~الجائز أن لا يتحرك فإذا اختص ms04 بالحركة بدلا عن استمرار السكون لا بد له من ~~موجب أوجب زواله عن محله PageV01P056 # ثم الموجب لا يخلو إما أن يكون نفسه وهو محال لأن نفسه كان موجودا قبل ~~ذلك الوقت وبعده والحركة غير موجودة فثبت أن الموجب أمر زائد عليه # فإذا ثبت أنه يقتضي معنى زائدا عليه فلا بد وأن يكون ذلك المعنى ثانيا ~~موجودا لأن العدم نفي محض والنفي لا يجوز أن يكون موجبا حكما # فإذا ثبت أن الزائد على الجوهر موجود فلا يخلو إما أن يكون مثل الجوهر أو ~~خلافه ولا يجوز أن يكون مثله لأن مثل الجوهر جوهر آخر فليس أحد الجوهرين ~~بإيجاب حركة في الآخر بأولى من أن يكون الجوهر الآخر موجبا غير تلك الحركة ~~فيه # فإذا ثبت أنه خلافه فلا يخلو إما أن يكون فاعلا مختارا أو معنى قائما به ~~هو الموجب # ولا يجوز أن يكون ذلك الخلاف فاعلا مختارا لأن الكلام في جوهر موجود ~~والموجود لا يفعل بل يستغني بوجوده عن الفاعل فثبت أنه معنى زائد عليه قائم ~~به وهو ما ذكرناه من الأعراض # الأصل الثاني يدل على أن ما أثبتناه من الأعراض حادثة والدليل ~~PageV01P057 عليه أن الجوهر الساكن إذا تحرك فقد طرت عليه الحركة ودل ~~طريانها على انتفاء السكون عنه وانتفاء السكون دليل حدوثه لأن القديم ~~يستحيل عدمه # فإن قيل ولم أنكرتم على من يقول أن الحركة ما حدثت والسكون ما انتفى ولكن ~~الحركة كانت كامنة فظهرت والسكون كان ظاهرا فكمن وتستر # قلنا لو كان كذلك لاجتمع الحركة والسكون في المحل وقد علمنا استحالة كون ~~الشيء الواحد متحركا ساكنا فكذلك يستحيل اجتماع الحركة والسكون فإن قيل ولم ~~قلتم أن القديم يستحيل عدمه # قلنا الدليل على استحالة عدمه أنه لو جاز عدمه لكان لا يخلو اما أن يقال ~~عدمه حالة ما يعدم واجب حتى يستحيل عليه البقاء على تلك الحال أي حالة ~~الوجود أو يقال عدمه في تلك الحالة من الجائزات ويجوز أن يستمر وجوده في ~~تلك الحالة أي حالة الوجود بدلا عن ms05 العدم ولا يجوز أن يكون العدم في تلك ~~الحالة واجبا حتى لا يجوز استمرار الوجود لأنا نجوز بقاء الحركة في المتحرك ~~حالة ما سكن ولو كان عدم الحركة واجبا لاستحال تقدير بقائها في تلك الحالة ~~وإن كان عدمه جائزا واستمرار الوجود جائزا فمحال لأنه إذا جاز بقاؤه وجاز ~~عدمه فلا يختص بأحد الجائزين إلا بمخصص يقصد إلى التقديم لأجل الجائزين على ~~PageV01P058 الآخر وهم أنكروا الصانع والمخصص # فإن قيل ولم لا يجوز أن يكون عدمه لضد يطرأ عليه فيبطله # قلنا هذا محال لأن الطارئ كما يضاد القديم فالقديم يضاد الطارئ أيضا فلم ~~كان إبطال القديم بالضد الطارئ أولى من امتناع ثبوت الطارئ بمضادة القديم ~~له # فإن قيل ولم لا يجوز أن تكون الحركة قد انتقلت من جوهر آخر إليه # قلنا الحركة هو الانتقال ولو افتقر الانتقال إلى انتقال آخر لافتقر ذلك ~~الانتقال إلى انتقال آخر ثم لا يزال كذلك فيتسلسل وذلك محال # الأصل الثالث أن عند أهل الحق يستحيل خلو الجواهر عن الأعراض # بيانه أنه لا يجوز أن يكون جوهر لا يكون له لون أصلا ولا يكون له طعم ~~أصلا ولا يكون ساكنا ولا متحركا وكذلك لا يجوز أن يكون جواهر لا متصلة ~~مجتمعة ولا متباينة متفرقة # وذهبت جماعة من الملحدة إلى جواز خلو الجواهر عن جميع الأعراض وجوز ~~الكعبي من المعتزلة تعرى الجواهر عن الأكوان وهو الاجتماع والافتراق ~~والحركة والسكون ولم يجز تعريها مما سواه من الأعراض # وأما معتزلة البصرة جوزوا تعريها من الأكوان وسائر الأعراض غير ~~PageV01P059 الأكوان إلا أن جملة المعتزلة وافقونا على أن الجوهر بعدما ~~اتصف بالأعراض يستحيل خلوه عنها وإنما جوزوا ذلك في ابتداء الحدوث # فأما إذا أردنا الكلام مع الملحدة نفرض في الأكوان فنقول الجواهر القابلة ~~للاجتماع والافتراق غير مجتمعة ولا متباينة لا يعقل # وأيضا فإنهم جوزوا الاجتماع والافتراق فيما لا يزال ولا يعقل اجتماع ~~موجودين إلا عن افتراق سابق ولا افتراق موجودين إلا عن اجتماع سابق # وأما الرد على المعتزلة فيستدل على الكعبي بالألوان وسائر ms06 الأعراض فنقول # لو جاز تعري الجوهر عن الأكوان لجاز عن الألوان # ويستدل على معتزلة البصرة بالأكوان فنقول لما لم يجز تعري الجواهر عن ~~الأكوان لا يجوز عن الألوان # ويستدل على الفريقين بمناقضتهم حيث قالوا بعد قبوله للأعراض لا يجوز خلوه ~~عن الأعراض فنقول كل عرض اتصف به المحل لا ينتفي إلا عند طريان ضده ولا ~~يزول البياض إلا عند طريان السواد ولا الحركة إلا عند طريان السكون # والضد إنما يطرى على زعمهم بعد انتقال لعرض الموجود الذي كان في المحل # فإذا زال العرض فهلا جاز أن لا يدخل فيه الضد لو كان تعرية جائزا ~~PageV01P060 في الابتداء ولما استحال ذلك في الإنتهاء فكذلك في الابتداء # فإذا تقررت هذه الأصول ثبت حدوث العالم لأن الأعراض حادثة والجواهر لا ~~تخلوا من الأعراض # وإذا لم يتصور خلو الجواهر من الأعراض وما لا يسبق الحادث فهو حادث # الطريقة الثانية تدل على استحالة حوادث لا أول لها فنقول PageV01P061 ~~للدهرية من أصلكم أن لا نبات إلا من حب ولا حب إلا من نبات وقد وجد أعدادا ~~لا نهاية لها وانقضت وظهر لها أعداد أخر وهو ما نشاهده في الوقت وحوادث لا ~~نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها كلها حاصلة في الوجود لا يعقل انقضاؤها ~~وتناهيها لأن ما لا نهاية له كيف ينقضي ويفنى ولما ظهر آخر الحوادث ~~والأعداد ثبت انه كان له ابتداء حتى ظهر له انتهاء # فإن قيل أليس من قولكم أن نعيم أهل الجنة لا آخر له ولها ابتداء ~~PageV01P062 وعقوبة أهل النار لا آخر لها ولها ابتداء فإذا جاز حصول حوادث ~~لا آخر لها ولها ابتداء فلم لا يجوز حصول حوادث لا أول لها ولها آخر # قلنا هذا الكلام ساقط لأن نعيم أهل الجنة وعقوبة أهل النار معلوم ~~الابتداء والانتهاء في كل وقت وأما الذي لا يتناهى ولا يحصى ما هو مقدور ~~الله تعالى من النعمة والعقوبة فالله تعالى يجدد كل وقت لأهل الجنة نعمة ~~ولأهل النار عقوبة ومقدوراته لا نهاية لها فما يثبته غير متناهي ms07 لم يحصل في ~~الوجود وأنتم أثبتم أعدادا كلها حصلت في الوجود وانتهت وانتهاء أعداد ~~موجودة لا نهاية لها مستحيل # ويستشهد على هذه الجملة بصورة يتضح الغرض بها وذلك أن يقول الرجل لولده ~~لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبلة دينارا ولا أعطيك PageV01P063 دينارا إلا ~~وأعطيك قبلة درهما فلا يتصور العطاء بحكم الشرط أن يعطيه لا دينارا ولا ~~درهما لأن الولد متى طالبه بالدرهم يقول حتى أعطيك دينارا وإذا طالبه ~~بالدينار يقول حتى أعطيك درهما فهذا نظير ما جوزوه فإن النبات عن الحب ~~والحب عن النبات ولاحب إلا وقبله نبات ولا نبات إلا وقبله حب وقد حصل ~~الجميع وانقضى # ومثال ما جوزنا أن يقول الرجل لولده لا أعطيك دينارا إلا بعده أعطيك ~~درهما ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا فيعطيه من الدراهم والدنانير ~~ما يزيد ولا يمتنع العطاء بحكم الشرط فظهر فساد قولهم # ويتضح ذلك بآيات من كتاب الله تعالى قال الله تعالى @QB@ وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا @QE@ وقال الله تعالى @QB@ قل الله خالق كل شيء وهو الواحد ~~القهار @QE@ # | مسألة # إذا ثبت حدوث العالم ترتب عليه ثبوت الصانع والدليل PageV01P064 على أن ~~للعالم صانعا أنه لا موجود في وقت من الأوقات إلا ومن الجائز حدوثه وظهوره ~~قبل ذلك الوقت ومن الجائز حدوثه وظهوره بعد ذلك الوقت بزمان فإذا اختص في ~~ذلك الوقت بالوجود بدلا عن استمرار العدم اقتضى مخصصا اختار الوجود في تلك ~~الحالة # وإذا ثبت أنه يقتضي مخصصا فلا يجوز أن يكون المقتضي علة أوجب وجوده في ~~تلك الحالة كما توجب الحركة كون المحل متحركا والسواد كون المحل اسودا لأن ~~العلة توجب الحكم مقارنا لها لا تتقدمها ولا تتأخر عنها # فإذا كان حكم العلة يقارن العلة فالعلة لا تخلو إما أن تكون قديمة أو ~~محدثة فإن كانت قديمة أوجبت قدم العالم وقد دللنا على حدوثه وإن كانت العلة ~~حادثة أيضا تفتقر إلى مخصوص ومقتضي # ثم للكلام في علة العلة مثل ذلك والقول بهذا يؤدي إلى التسلسل # ولا يجوز أن ms08 يكون المخصص والمقتضي طبيعة لأن على قول من يثبت الطبيعة ~~يظهر تأثير الطبيعة عند ارتفاع المواقع من غير تأخير وإذا PageV01P065 كان ~~تأثير الطبيعة لا يتأخر فالطبيعة إن كانت قديمة أوجبت قدم العالم وإذا كانت ~~حادثة اقتضت مخصصا موجودا وإذا بطل ذلك ثبت أن المخصص فاعل مختار أراد ~~الوجود بدل عن العدم # ومن الدليل على إثبات الصانع أنه لا يتصور في العقول بناء بلا بان وكتابة ~~بلا كاتب فكيف يتصور خلق بلا خالق # ويتضح ذلك بآيات من كتاب الله تعال قال الله تعالى @QB@ أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت @QE@ وقوله @QB@ والله خلقكم وما تعملون @QE@ وغير ذلك من ~~الآيات # | مسألة # إذا ثبت أن للعالم صانعا فالصانع واحد ووصفنا البارئ تعالى بأنه واحد له ~~معنيان أحدهما أن ذاته غير منقسم على معنى أنه ليس له أجزاء وأبعاض بل هو ~~واحد على التحقيق # والمعنى الثاني أنه لا نظير له ولا مثل له وكلا المعنيين حقيقة # والدليل على استحالة إثبات الأجزاء والأبعاض أنه إن كان له أجزاء لم يخل ~~أما أن يكون كل جزء منه حيا عالما قادرا أو كان بعض الأجزاء مختصا بالحياة ~~والعلم والقدرة فإن كان كل جزء منه حيا عالما قادرا كان في ذلك إثبات آلهة ~~ويستدل على بطلانه وإن كانت الحياة والقدرة والعلم في جزء مخصوص لم يكن ~~الجزء الثاني حيا عالما قادرا لاستحالة وجود العلة في محل وثبوت حكمها في ~~محل آخر كما يستحيل PageV01P066 وجود سواد في بعض أجزاء الثوب ويكون الباقي ~~من الثوب أسود وإذا ثبت أن الجزء الثاني لا يكون حيا عالما قادرا لم يكن ~~مستحقا لصفات الإلهية لم يكن إلها ويتضح ذلك بقوله @QB@ وإلهكم إله واحد ~~@QE@ # وأما الدليل على أنه لا مثل له ولا نظير له أنا لو قدرنا إلهين اثنين ~~وقدرنا أن أحدهما أراد تحريك جسم وأراد الثاني تسكينه لم يخل عن ثلاثة ~~أحوال إما أن يحصل مرادهما أو لا يحصل مرادهما أو يحصل مراد أحدهما دون ~~الثاني ولا جائز أن يحصل مرادهما جميعا لاستحالة أن ms09 يكون الجسم الواحد في ~~الحالة الواحدة متحركا ساكنا وإذا لم يحصل مراد واحد منهما كانا جميعا ~~عاجزين لا يصلحان للإلهية # وأيضا فإنه يؤدي إلى خلق الجسم القابل للحركة والسكون عن الأمرين جميعا ~~وإن حصل مراد أحدهما دون الآخر فهو الإله والثاني عاجز لا يصلح للإلهية ~~وهذا معنى قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ والمعنى ~~أدى إلى التناقض والاختلاف وأن لا يجري الأمر على النظام # فإن قال قائل رتبتم هذه الدلالة على اختلاف القديمين في الإرادة وبم ~~أنكرتم على من يثبت إلهين قديمين لا مختلفان ولا يريد أحدهما إلا ما يريد ~~الثاني # الجواب إن هذا السؤال لا يقدح في الدليل لأنهما وإن كان لا يختلفان إلا ~~أن من الجائز تقدير الاختلاف بينهما وإن أحدهما يريد الحركة PageV01P067 ~~والثاني يريد السكون ولو حصل الاختلاف بينهما كان دلالة نفي الإلهية # قكذا إذا كان الاختلاف مجوزا بينهما لأن ما دل وقوعه على حكم دل جوازه ~~عليه ألا ترى أن قيام الحوادث بالشيء دل على حدوثه ثم جواز قيام الحوادث به ~~أيضا يدل على حدوثه # فإن قيل بم ينكرون على من يثبت إلهين لا يختلفان ولا يجوز عليهما ~~الاختلاف # قلنا هذا باطل فأنا لو قدرنا أحدهما منفردا بالإلهية لم يكن من الممتنع ~~أن يريد تحريك جسم ولو قدرنا الثاني منفردا لا يستحيل أن يريد تسكين جسم في ~~ذلك الوقت بعينة واحد الذاتين منفردا عن الآخر فيستحيل أن يتغير حكم ذات ~~بوجود ذات آخر كما يستحيل أن يزول السواد عن محل بوجود السواد في محل آخر ~~وبوجود البياض في محل آخر فعلم أن ما ادعوه مستحيل # فإن قيل ولم لا يجوز أن يكون إلهان ويكون مقدورات كل واحد منهما يتناهى ~~فما يقدر عليه أحدهما من المخلوقات لا يقدر عليه الثاني حتى لا يؤدي إلى ~~الاستحالة # قلنا هذا السؤال لا يقدح في الدلالة لأنا فرضنا الكلام في جنس من الأعراض ~~وهو الحركة والسكون # فإن زعم أنهما جميعا لا يقدران على الحركة والسكون أدى إلى PageV01P068 ~~خلق ms10 الجسم القابل للحركة والسكون عن الوصفين جميعا وهو مستحيل وان قدر ~~السكون مقدور أحدهما والحركة مقدور الثاني وقعا في التمانع على ما سبق ذكره # فإن قال جملة الأكوان مقدور أحدهما دون الآخر فتفرض في جنس آخر من ~~الأعراض مثل الألوان # فنقول ما قولكم فيما لو أراد أحدهما أن يكون بعض المحال أسود وأراد ~~الثاني بياضه # فإن قال وجملة الألوان مقدور أحدهما أيضا دون الثاني نفرض في نوع آخر من ~~الأعراض مثل الطعوم والروائح إلى أن نثبت اشتراكهما في جنس من الأعراض أو ~~نقول جملة الأعراض مقدور أحدهما دون الثاني فإذا ثبت الاشتراك في نوع من ~~الأعراض وقعا في التمانع وأن قال جنس الأعراض مقدور أحدهما فنقول الثاني هل ~~يقدر على خلق الجوهر أم لا فإن قال لا يقدر الثاني على أن يخلق الجوهر فقد ~~خرج عن القدرة بالكلية وان قال الثاني قادر على الجوهر كان محالا لأن من ~~المستحيل خلق الجواهر عن الأعراض والقدرة لا تتعلق بما يستحيل وجوده # فإن قيل بم أنكرتم على من يثبت قديمين أحدهما قادر والثاني PageV01P069 ~~عاجز وايش فيه من الاستحالة # قلنا إثبات قديم عاجز محال وذلك لأنه لو كان عاجزا قديما لكان عاجزابعجز ~~قديم قائم به واثبات عجز قديم محال لأن معنى العجز امتناع إيقاع الفعل ~~الممكن في نفسه وذلك يقتضي إمكان الفعل أزلاثم الحكم بأن العجز مانع منه # وإذا وجب أن يكون والإمكان سابقا لم يكن العجز قديماوهذا كما أن إثبات ~~حركة قديمة محال لأنه يقتضي سكوناسابقا وإذا سبق السكون لم تكن الحركة ~~قديمة # فإن قيل أليس أنتم أثبتم قدرة قديمة وكما يقتضي العجز إثبات إمكان الفعل ~~أزلاثم الحكم بالعجز عنه يقتضي القدرة تمكنامن الفعل أزلا ثم لا يلزمكم من ~~ذلك إثبات إمكان فعل أزلي فكذا لا يلزمنا بإثبات عجز قديم إثبات إمكان ~~الفعل في الأزل # قلنا ليس في إثبات قدرة قديمة استحالة لأن من الجائز سبق القدرة على ~~المقدور ألا ترى أنا لو قدرنا في الشاهد لواحد منا قدرة باقية مستمرة ولم ~~يكن ms11 من المستحيل تقدمها على المقدور وليس من الشرط ظهور المقدور مع ظهور ~~القدرة بل قد يمتنع مع تحصيل مقدور مع وجود القدرة فأما العجز عن الفعل ~~يستحيل أن يكون مقارنا للتمكين من الفعل ولو ثبت عجز قديم لاقتضى ذلك إمكان ~~فعل قديم فبطل قولهم # | مسألة # صانع العالم موجود حقيقة # وأنكرت طائفة من الباطنية ذلك وقالوا لا نقول انه سبحانه وتعالى ~~PageV01P070 موجود لأنا قد علمنا أن الحوادث موجودات فلو أثبتنا منه الوجود ~~في حقه تعالى لكان في ذلك إثبات التشبيه من حيث انه اتصف بصفة تتصف بها ~~الحوادث والتشبيه في حقه محال في طريقهم فيما يسألون عنه النفي فيقولون ~~صانع العالم ليس بمعدوم # والدليل على فساد قولهم أنا قد أقمنا الدلالة على أنه لا بد للعالم من ~~صانع والصانع لا يجوز أن يكون عدما لأن العدم نفي محض ليس له صفة إثبات فلا ~~نفرق بين أن نقول لا صانع للعالم وبين أن نقول له صانع هو نفي وعدم # والدليل على بطلان قولهم انهم قالوا ليس بمعدوم وإذا نفوا العدم ثبت ~~الوجود إذ ليس بين الوجود والعدم واسطة # وقولهم أن في وصفنا له بالوجود إثبات التشبيه خطأ لأن الدليل دل على ثبوت ~~الصانع والحوادث ثابتة فثبت بها التشبيه على مقتضى قولهم فيلزمهم نفي ~~الصانع # وإن زعموا أنا لا نسميه ثابتا لم يتفهم ذلك فإن التماثل والاختلاف يتعلق ~~بما دل الدليل على ثبوته لا بما يطلق من التسميات والعبارات فنفيهم تسمية ~~الوجود والإثبات لا ينفعهم على أنه كان يمكنهم إثبات صفة الوجود للباري ~~تعالى ونفيه عن الحوادث بأن نقول لا نسمي الحوادث موجودات فيحصل به غرضهم ~~فلم صاروا إلى نفي هذه الصفة في حقه وإثباتها للحوادث PageV01P071 # | مسألة # الباري تعالى قديم والقديم في عرف اللسان اسم لموجود تقدم على غيره زمانا ~~طويلا كما يقال رسم قديم ودار قديمة وقال تعالى @QB@ حتى عاد كالعرجون ~~القديم @QE@ # ومعنى وصفنا للباري تعالى بالقدم انه لا أول لوجوده # واطلاق الإسم له على سبيل الأول لأن ما تقدم على غيره ms12 زمانا معلوما إذا ~~سمي قديما فما لا أول له أولى أن يكون قديما # والدليل على أنه قديم أنه لو كان حادثا لافتقر إلى محدث آخر فيتسلسل ذلك ~~ويؤدي إلى إثبات حوادث لا أول لها وفي ذلك حكم بإثبات قدم العالم # فإن قيل يلزمكم مثل ذلك في إثبات موجود لا أول له وذلك لأنه لا يعقل ~~استمرار الوجود إلا في أوقات متعاقبة لا نهاية لها وفيه إثبات حوادث لا ~~نهاية لها # قلنا هذا السؤال غلط فإن حقيقة الوقت مقارنة موجود بموجود يقال وقت طلوع ~~الشمس إذا قاربت الشمس مشرقها ووقت دخول الأمير إذا قرب من البلد وفي العرف ~~عبارة عن حركات الفلك # وإذا ثبت هذا فليس من شرط الوجود حركات الفلك ولا اقتران موجود آخر به ~~إذا لم يتعلق أحد الموجودين بالثاني مثل تعلق الصنع بالصانع PageV01P072 # والدليل على ذلك انه لو افتقر كل موجود إلى وقت فالأوقات موجودة فتفتقر ~~إلى وقت آخر وذلك يؤدي إلى مالا يتناها # وإذا تقرر ما ذكرناه فالباري سبحانه وتعالى منفرد بوجوده لا يقارنه حادث # | مسالة # الباري سبحانه وتعالى قائم بنفسه # واختلفوا في معناه فقال بعضهم معنى القائم بنفسه المستغني عن المحل فعلى ~~هذه الطريقة الجواهر أيضا قائمة بنفسها لاستغنائها عن المحل فان من الجائز ~~أن يخلق الله تعالى جوهرا واحدا لا يكون مع غيره # وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني القائم بالنفس المستغني من جميع ~~الوجوه # فعلى هذا الجوهر لا يكون قائما بنفسه لحاجته إلى الصانع والمخصص # والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية ~~والحشوية والمشبهة الذين قالوا أن لله جهة فوق # وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه تعالى الله عن قولهم ~~PageV01P073 # والدليل على أنه مستغني عن المحل إنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون ~~المحل قديما لأنه قديم أو يكون حادثا كما أن المحل حادث وكلاهما كفر # والدليل عليه أنه لو كان له محل لاتصف المحل به لأن ما قام بمحل يتصف به ~~المحل ألا ترى أن السواد ms13 إذا قام بمحل يتصف به المحل حتى يسمى المحل أسودا ~~والعلم إذا قام بمحل يسمى عالما وإذا كان هو صفة المحل لم يجز أن يكون ~~قادرا عالما لأن الصفة لا تقبل الصفة والأحكام التي هي موجبات المعاني ~~كالعلم لا يجوز أن يكون قادرا والقدرة لا يجوز أن تكون عالمة وسنبين أن ~~الباري تعالى حيا عالما قادرا إلى غير ذلك # والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا لكان لا يخلو أما أن ~~يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد ~~والنهاية وهو كفر # والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة ~~واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو أما أن يصل إليه وقتا ما أو ~~لايصل إليه # فإن قالوا لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما ~~PageV01P074 مسافة معلومة وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه ~~يدل على أنه ليس بموجود # فإن قالوا يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضا ويلزم من ذلك ~~كفران أحدهما قدم العالم لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع # والثاني إثبات الولد والزوجة على ما قالت النصارى لأن الذي يقطع المسافة ~~ويصعد إلى فوق يجوز أن يكون امرأة تتصل به وكل ذلك كفر وضلال تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا # فإن استدلوا بظواهر الكتاب والسنة مثل قوله سبحانه وتعالى @QB@ الرحمن ~~على العرش استوى @QE@ وقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام @QB@ إني متوفيك ~~ورافعك إلي @QE@ وقوله سبحانه وتعالى @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ ومثل ~~قوله عليه السلام ( ينزل الله PageV01P075 في كل ليلة إلى سماء الدنيا ) ~~وغير ذلك من الآيات والأخبار فلأصحابنا في ذلك طريقان # أحدهما الإعراض عن التأويل والإيمان بها كما جاءت والإيمان بها صحيح وإن ~~لم يعرف معناها كما أن إيماننا بجميع الأنبياء والملائكة صلوات الله عليهم ~~والكتب المنزلة من الله تبارك وتعالى صحيح وإن لم يعرف شيئا في ذلك ~~وإيماننا بالحروف المقطعة في ms14 أوائل السور صحيح وإن لم نعرف معناها وهذا ~~الطريق أقرب إلى السلامة # ومن أصحابنا من صار إلى التأويل والاختلاف صادر عن اختلاف القراءتين في ~~قوله تعالى @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ إلى قوله ~~@QB@ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به @QE@ # فمن صار إلى الوقف على قوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ أعرض عن ~~التأويل وجعل قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ كلاما مبتدأ ومعناه أن ~~العلماء يقولون آمنا به PageV01P076 # ومن صار إلى الوقف على قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ فيكون معناه أن ~~الله تعالى يعلم تأويله والراسخون في العلم أيضا يعلمون تأويله صار إلى ~~التأويل # ولكن الطريق في الجواب معهم أن نعارضهم بآيات تخالف ظواهرها ظواهر هذه ~~الآيات وذلك مثل قوله تعالى @QB@ ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم @QE@ ~~إلى قوله تعالى @QB@ هو معهم أين ما كانوا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وهو معكم ~~أين ما كنتم @QE@ وموجب الآيتين حلوله في كل مكان وقال تعالى @QB@ ألا إنه ~~بكل شيء محيط @QE@ ومقتضى ظاهرها انه محيط بالعالم # فإن أعرضوا عن تأويل هذه الآيات مع الإيمان بظواهرها والاعتقاد بأنه لا ~~يكون في كل مكان وأنه غير محيط بالعالم أعرضنا نحن عن التأويل وصرنا إلى ~~الإيمان بما ورد مع الإعتقاد بأن الحق تعالى منزه عن المكان وإن صاروا إلى ~~التأويل وقالوا المراد بقوله تعالى @QB@ وهو معكم أين ما كنتم @QE@ بالعلم ~~لا بالذات وكذلك قوله تعالى @QB@ ألا إنه بكل شيء محيط @QE@ يعني بالعلم ~~ضربا إلى التأويل # وقلنا المراد بقوله الرحمن على العرش استوى بالقدرة # فإن قيل إذا حملتم على القدرة لم يكن لتخصيص العرش فائدة # قلنا فائدته أن العرش أعظم المخلوقات فإذا قدر عليه علم من طريق التنبيه ~~أنه قادر على ما هو دونه على أن مثل هذا يلزمهم فيما قالوا PageV01P077 بأن ~~الله تعالى عالم بكل مخلوق غير بني آدم فإذا حملوا على العلم لم يكن لتخصيص ~~بني آدم فائدة # فإن قالوا خص بني آدم تشريفا لهم # قلنا وخص العرش بذلك تشريفا له ms15 # فإن قيل الاستواء إذا كان بمعنى القهر والغلبة فيقتضي منازعة سابقة وذلك ~~محال في وصفه قلنا والاستواء بمعنى الاستقرار يقتضي سبق الاضطراب والانزعاج ~~وذلك محال في وصفه # وأما قوله تعالى @QB@ ورافعك إلي @QE@ معناه إلى كرامتي ورحمتي # وقوله @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ معناه يخافون ربهم أن ينزل عليهم ~~عذابا من فوقهم وإنما خص جهة فوق لأن الله تعالى أجرى سنته أن ينزل العذاب ~~من فوق # وأما قوله عليه السلام ( ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا ) والمراد ~~به انه يبعث ملكا إلى سماء الدنيا حتى ينادي على ما ورد في الخبر ثم أضاف ~~نزول الملك إلى نفسه كما يقال نادى الأمير في البلد إذا أمر بالنداء ويقال ~~قتل الأمير فلانا والقاتل غيره ويضاف إلى الأمير من حيث إنه هو الآمر به ~~PageV01P078 # فإن استدلوا بعرف الناس ورفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء فرفع اليد إلى ~~السماء ليس لأن الله تعالى في مكان ولكن لأن السماء قبلة الدعاء كما أن ~~الكعبة قبلة الصلاة في حال القيام والأرض قبلة في حال الركوع والسجود # وليعلم أن الله تعالى ليس في الكعبة ولا في الأرض وإن استدلوا بقصة ~~المعراج وان رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل إلى جهة فوق وبقوله تعالى ~~@QB@ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى @QE@ فليس فيها حجة لأن موسى ~~عليه السلام سمع الكلام على الطور وكان ميعاده الطور ولم يدل على أن الله ~~تعالى على الطور # وقال في قصة إبراهيم @QB@ إني مهاجر إلى ربي @QE@ وكانت هجرته إلى الشام ~~ولم يكن الباري تعالى في الشام فبطل قولهم # وأما قوله تعالى @QB@ ثم دنا فتدلى @QE@ فذلك دنو كرامة لا مجاورة كقوله ~~@QB@ واسجد واقترب @QE@ # | مسألة # الباري تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء وحقيقة هذه المسألة تتبين ~~PageV01P079 على معرفة حقيقة المثلين والخلافين فحقيقة المثلين عندنا كل ~~موجودين ينوب أحدهما مناب الآخر ويقوم مقامه # وذهب أبو هاشم إلى أن حد المثلين المشتركين في أخص الأوصاف # ثم زعموا أن الاشتراك في الوصف الأخص لو كان ms16 يوجب الاشتراك في سائر ~~الصفات لكان الاختلاف في الأخص يوجب الاختلاف في سائر الصفات ورأينا أن ~~الحركة مع السواد يختلفان في الأخص وإن أخص أوصاف الحركة الزوال عن المكان ~~وأخص أوصاف السواد أنه يسود المحل # ثم يشتركان في أوصاف العموم وهو كونهما موجودين عرضين حادثين وإذا ثبت ما ~~ذكرناه ثبت أن الله تعالى ليس له مثل لأنه لو كان له مثل وجب قدم العالم أو ~~حدوث الباري وكل واحد منهما كفر # وتتضح هذه الجملة بقول الله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~@QE@ وقوله @QB@ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد @QE@ # | مسألة # الباري تعالى ليس بجسم PageV01P080 # وذهبت الكرامية إلى أن الله تعالى جسم # والدليل على فساد قولهم أن الجسم في اللغة بمعنى التأليف واجتماع الأجزاء ~~والدليل عليه أنه نقول عند زيادة الأجزاء وكثرة التأليف جسم واجسم كما يقال ~~عند زيادة العلم عليم واعلم وقال تعالى @QB@ وزاده بسطة في العلم والجسم ~~@QE@ فلما كان وصف المبالغة كزيادة التأليف دل على أن أصل الإسم للتأليف ~~فإذا ثبت ما ذكرنا بطل مذهبهم لأن الله تعالى لا يجوز عليه التأليف # فإن قالوا نحن نريد بقولنا جسم أنه موجود ولا نريد به التأليف # قلنا هذه التسمية في اللغة ليس لها ذكر ثم وهي مبنية على المستحيل فلم ~~أطلقتم ذلك من غير ورود السمع به # وما الفصل بينكم وبين من يسميه جسدا ويريد به الموجود وإن كان يخالف ~~مقتضى اللغة فإن قيل أليس يسمى نفسا # قلنا أتبعنا فيه السمع وهو قوله تعالى @QB@ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في نفسك @QE@ ولم يرد السمع بالجسم # | مسألة # لا يجوز قيام حادث بذات الباري تعالى PageV01P081 # وزعمت الكرامية أنه يقوم بذات الباري تعالى قول حادث وهو قوله للأشياء كن ~~موجودا أو عرضا أو جوهرا فيحصل في الوجود فيحدث في نفسه أولا هذا القول ثم ~~يحدث ذلك الشيء بعد حدوث هذا القول لا محالة حتى لو أراد أن لا يحدث ذلك ~~كان مستحيلا # ثم زعموا انه لا يتصف بهذا ms17 القول ولا يسمى به قائلا وإنما هو قائل ~~بقائلية قديمة والقائلية عندهم القدرة على القول # والدليل على بطلان قولهم أنه لو قبل ذاته الحوادث لم يخل منها كما أن ~~الجواهر لما قبلت الحوادث لم يتصور خلوها من الحوادث وما لا يخلو عن ~~الحوادث فهو حادث لأنهم قالوا يقوم بذاته قول حادث ثم لا يتصف به ولو جاز ~~قيام حادث بمحل من غير أن يتصف به المحل لجاز في الشاهد أن يقوم بمحل قول ~~وإراده ثم لا يتصف بكونه قائلا ومريدا # ولأنه لو جاز أن يقوم بذاته قول حادث لجاز أن يقوم بذاته لون حادث لأن ~~الحق تعالى جسم على قولهم وهو متحيز ومختص بجهة ولا يتقرر في العقول جسم ~~متحيز يخلو عن الألوان ولجاز أن يقوم بذاته قدرة حادثه وعلم حادث فإن ~~استدلوا بقوله تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ~~@QE@ فدل على أنه يحدث قولا عند إرادته خلق الأشياء # فالجواب أن في الآية دلالة على أن قوله ليس بحادث لأنه لو PageV01P082 ~~كان حادثا لما جاز حدوثه إلا بقول آخر يسبقه ثم القول الآخر أيضا لا يجوز ~~حدوثه إلا بآخر يسبقه لأنه حادث يريد وجوده وذلك يؤدي إلى التسلسل وإلى ما ~~لا يتناهى وهو محال # | مسالة # الباري سبحانه وتعالى ليس بجوهر # وقالت النصارى هو جوهر وزعموا أن المراد بقولهم جوهر أنه اصل الأقانيم ~~الثلاثة وهي الوجود والحياة والعلم ويعبرون عن الوجود بالأب وعن العلم ~~بالكلمة وقد يسمونه ابنا ويعبرون عن الحياة بروح القدس # ولا يعنون بالكلمة الكلام لأن الكلام عندهم مخلوق # ثم الأقانيم عندهم هي الجوهر بلا زيادة والوجود واحد الأقانيم الثلاثة ~~فليس الأقانيم موجودات عندهم # ثم زعموا أن الكلمة جلت جسم عيسى كحلول العرض في الجوهر # وقال بعضهم الكلمة مازجت جسد المسيح كالخمر مازج اللبن # والدليل على أنه لا يوصف بأنه جوهر أن الجواهر لا تخلو من الحادث وقد ثبت ~~بالدليل أنه لا يجوز أن يوصف ذاته بالحوادث ولأن الجوهر متحيز والحق تعالى ~~لا يجوز ms18 أن يكون متحيزا PageV01P083 # والدليل على فساد قول ترهات النصارى أن نقول لهم بم أنكرتم على من يثبت ~~أربعة أقانيم ويعد القدرة أقنوما آخر مثل العلم سواء وبماذا يترجح قولكم ~~على قولهم ولأن الكلمة على زعمهم حلت في المسيح فهل فارقت الجوهر أم لا # فإن زعموا بأن العلم فارق الجوهر لم يجز أن يكون الجوهر أقل من ثلاثة ~~أقانيم حين صار العلم حالا في جسد المسيح # فإن قالوا لم يفارقه فكيف حل جسد عيسى مع قيامه بالجوهر الأول إذ لا يجوز ~~حلول صفة في جسم مع بقائها في جسم آخر ولأنه لو جاز أن تحل الكلمة في ~~المسيح لجاز أن يحل الجوهر بنفسه في المسيح وما الفصل ولأنه لو جاز أن تحل ~~الكلمة في المسيح جاز أن يحل فيه روح القدس وهي أقنوم فإن من حكم العلم أن ~~لا يفارق الحياة ولا يتصور وجوده دون الحياة # ويقال لهم بم تنكرون على من يقول أن الكلمة حلت جسد موسى ولذلك كان يقلب ~~العصا ثعبانا ويفلق البحر ولأنهم قالوا أن المسيح ابن الآله واتفقوا أن ~~المسيح لاهوت وناسوت حتى أطلقوا القول بأنه صلب المسيح وقالوا إنما صلب ~~الناسوت دون اللاهوت واطلاق إسم الآله يقتضي تمحض الآلهية PageV01P084 # | مسألة # الباري سبحانه ليس بعرض والدليل عليه أن العرض لا بد له من محل يقوم به ~~والباري تعالى لا يجوز أن يكون في محل # والدليل عليه أن الدلالة قد دلت على حدوث الأعراض والخالق لا يجوز أن ~~يكون حادثا # والدليل عليه أن الدليل قد دل على كونه عالما قادرا حيا والعرض لا يقبل ~~الصفات كالحركة لا توصف بالبياض والسواد # | مسألة # الباري تعالى قادر والدليل عليه انا نعلم أن الفعل في الشاهد لا يصح إلا ~~قادر عليه ولطائف صنعه ظاهرة فثبت بذلك كونه قادرا # ويدل عليه من حيث الشرع قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم @QE@ وغير ذلك من الآيات # | مسألة # صانع العالم عالم والدليل عليه أن دلالة العلم في الشاهد ترتب الفعل ms19 ~~وانتظامه فإن من رأى أسطرا مكتوبة منظومة يعلم أن ذلك لم يصدر عن جاهل ~~بالخط والترتيب والأحكام والنظام ظاهر في أفعاله يدل على كونه عالما # والدليل عليه من الكتاب قوله تعالى @QB@ عالم الغيب والشهادة @QE@ وقوله ~~@QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا @QE@ وغير ذلك من الآيات ~~PageV01P085 # | مسألة # الحق سبحانه وتعالى حي والدليل عليه أنه قد ثبت بدلالة العقل قدرته ~~وبانتظام الفعل علمه ولا يجوز أن يكون قادرا عالما ولا يكون حيا فإن الميت ~~والجماد لا يجوز وصفه بالقدرة والعلم # والدليل عليه من الكتاب قوله تعالى @QB@ وعنت الوجوه للحي القيوم @QE@ ~~وقوله @QB@ هو الحي لا إله إلا هو @QE@ وغير ذلك من الآيات # | مسألة # الباري تعالى مريد لأفعاله على الحقيقة وأنكر الكعبي كونه مريدا # والدليل على فساد قول الكعبي انا قد علمنا أن اختصاص أفعال العباد ~~بالوقوع في بعض الأوقات على أوصاف مخصوصة يقتضي القصد منهم إلى تخصيصها ~~بأوقاتها وأوصافها والدلالة العقلية يجب اطرادها شاهدا وغائبا إذ لو جاز أن ~~لا تطرد دلالة الإرادة في الغائب لجاز أن لا تطرد دلالة العلم وهو أحكامها ~~الفعل في الغائب حتى لا يوصف الباري تعالى بكونه عالما # فإن قيل إنما دل اختصاص الفعل بوقت وصفة على القصد في الشاهد لأن علمه لا ~~يحيط بما غاب عنه وإذا لم يحط علمه بوقت وقوع الفعل وصفته لم يكن بد من ~~القصد والباري سبحانه وتعالى عالم الغيب # فيستغنى بعلمه عن كونه مريدا # قلنا لو جاز أن يقال إنه يستغني بكونه عالما عن وصف الإرادة PageV01P086 ~~فرقا بين الشاهد والغائب لجاز أن لا يوصف الباري تعالى بالقدرة أيضا ~~لاتصافه بالعلم فرقا بين الشاهد والغائب على أن هذا باطل لأنا لو قدرنا في ~~الشاهد فاعلا علم ما سيكون من فعله باخبار صادق ووقت وقوعه وصفته لم يكن بد ~~من الإرادة والقصد وقت الفعل فبطل أن يكون وصف الإرادة في الشاهد لفقد ~~العلم # فإن قالوا والفعل في الشاهد أيضا لا يدل على القصد والإرادة وإنما عرفنا ~~القصد والإرادة بدليل آخر # قلنا لو جاز ms20 مثل هذا في الإرادة لجاز أن يقال الفعل المحكم المتقن لا يدل ~~على العلم في الشاهد وإنما عرفنا العلم في الشاهد بدليل آخر والدليل عليه ~~من الشرع قوله تعالى @QB@ ويفعل الله ما يشاء @QE@ و @QB@ يحكم ما يريد ~~@QE@ وقوله سبحانه @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه @QE@ وغير ذلك من ~~الآيات # | مسألة # الباري تعالى سميع بصير وقال الكعبي لا يوصف بالسمع والبصر وزعم أن معنى ~~السميع والبصير في وصفه أنه عالم بالمعلومات على حقائقها # وقال الجبائي أن المعنى بكونه سميعا بصيرا أنه حي لا آفة به ولا يجوز ~~وصفه بالسمع والبصر PageV01P087 # والدليل عليه أنا قد بينا بالدليل كونه حيا والحي يجوز أن يتصف بالسمع ~~والبصر فإذا لم يتصف به وجب اتصافه بضده لأن من اتصف بقبول الضدين على ~~البدل ولم يكن بينهما واسطة يستحيل خلوه عنهما وضد السمع والبصر آفة ونقص ~~والآفات لا تجوز عليه سبحانه # فإن قيل ولم قتلتم آنه يجوز اتصافه بالسمع والبصر وبم أنكرتم على استحالة ~~اتصافه بالسمع والبصر وأضدادهما كما يستحيل عليه الاتصاف بالبياض وبما ~~يضاده من الألوان ويستحيل وصفه بالحركة والسكون # قلنا الدليل عليه إنا قد علمنا أن الحي في الشاهد يجوز أن يتصف بالسمع ~~والبصر وإن الجماد والميت لا يجوز أن يتصف بهما وإذا سبرنا المعاني لم يكن ~~المصحح للسمع والبصر في الشاهد إلا الحياة وقد ثبتت الحياة في الغائب فوجب ~~القول باتصافه بالسمع والبصر # فإن قيل إذا أثبتم السمع والبصر وهما إدراكان ثم رأينا في الشاهد إدراكا ~~يتعلق بالطعوم وهو الذوق وآخر يتعلق بالروائح وهو الشم وآخر يتعلق باللين ~~والخشونة والحرارة والبرودة وهو اللمس فهل تثبت للباري هذه الإدراكات # قلنا نعم تثبت لله تعالى هذه الإدراكات لأن لكل واحد من هذه الإدراكات ضد ~~وضده آفة فإذا لم يتصف به وجب وصفه بضده إلا أنه لا يسمى شاما ولا ذائقا ~~ولا ماسا لأسباب منها أنه يعتبر في أساميه وفي أسامي صفاته ورود الأذن ~~والشرع ما ورد به PageV01P088 # والثاني أن الوصف بالشم والذوق واللمس يقتضي نوع اتصال بين ms21 الشام ~~والمشموم والذائق والمذوق والحق تعالى يتقدس عن الاتصال وأما السمع والبصر ~~لا يقتضيان اتصال # والثالث أن هذه الصفات لا تبنى عن حقيقة الإدراك لأنه يصح أن يقول القائل ~~شممت ولم أدرك رائحة ولو كان إدراكا لتناقض قوله وصار بمنزلة ما لو قال ~~أدركت الرائحة ولم أدرك فنطلق القول بوصف الإدراك ولا تثبت هذه الأوصاف له # والدليل عليه في الشرع قوله تعالى في مواضع كثيرة @QB@ السميع البصير ~~@QE@ والدليل عليه أنه أنكر على عبدة الأصنام ورد عليهم صنعهم بأنه لا سمع ~~لمعبودهم ولا بصر فقال مخبرا عن إبراهيم عليه السلام @QB@ لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر @QE@ فثبت بذلك صحة ما ذكرناه # | مسألة # الباري تعالى متكلم وطريق إثبات كونه متكلما مثل طريق إثبات السمع والبصر ~~إلا أنه لا بد في إثبات ذلك من إثبات حقيقة الكلام وسنذكره بعد ذلك # والدليل عليه من الشرع قوله تعالى @QB@ فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ ~~وغير ذلك من الآيات # | مسألة # الباري تعالى باق والدليل على أنه باق ما قدمناه من الدليل PageV01P089 ~~على أنه تعالى قديم فإن القديم يستحيل عدمه وإذا ثبت ذلك وجب وصفه بالبقاء ~~لأن البقاء استمرار الوجود # والدليل عليه من الشرع قوله تعالى @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ وغير ذلك من ~~الآيات # | مسألة # إذا ثبت أن الباري تعالى قادر عالم حي فعندنا الباري عالم بعلم قادر ~~بقدره وحي بحياة وعلمه قديم وقدرته قديمة وحياته قديمة # والمعتزلة وافقونا على وصفه بأنه عالم قادر حي إلا أنهم نفوا العلم ~~والقدرة والحياة ثم اختلفوا في العبارات عن وصفه بهذه الأوصاف # فقال بعضهم هو عالم لنفسه وقوم قالوا عالم لا لنفسه ولا لعلة وقوم قالوا ~~هذه الأحكام ثابتة بأنفسها # ولا بد في إثبات الصفات الأزلية من أصل تقدم ذكره وهو أن يعلم أن طريق ~~إثبات الصفات اعتبار الغائب بالشاهد بجامع يجمع بينهما PageV01P090 # والجامع أربعة أشياء أحدها العلة وذلك إذا رأينا حكما ثابتا في الشاهد ~~بعلة وجب تعلق المعلول بتلك العلة في الغائب # مثاله أن يكون العالم عالما في الشاهد مقيدا ms22 بالعلم فوجب أن يكون في ~~الغائب مثل ذلك # والثاني الشرط فإذا ثبت في الشاهد حكم يتعلق بشرط وثبت مثل ذلك الحكم ~~غائبا فيجب أن يكون مشروطا بذلك الشرط # ومثاله أن شرط العالم في الشاهد أن يكون حيا فيشرط مثل ذلك في الغائب # الثالث الحقيقة والحد مثل قولنا حقيقة العالم من قام به علم فيقتضي في ~~الغائب مثل ذلك # الرابع الدليل فإذا دل الدليل على مدلول عقلا لا يوجد الدليل إلا وهو دال ~~عليه غائبا وشاهدا وذلك مثل دلالة الصنع على الصانع # فالطريق في اعتبار الغائب بالشاهد بهذا الطريق ولا يعتبر مجرد الصورة حتى ~~تضاهي مذهب الدهرية ويلزم من ذلك إثبات جسم محدود اعتبارا للغائب بالشاهد # إذا عرفت هذه المقدمة # فالدليل على إثبات الصفات لله تعالى أنه قد ثبت وتقرر أن وصفنا الحي في ~~الشاهد بأنه عالم معلل بالعلم وقد وصفنا الحق سبحانه PageV01P091 بكونه ~~عالما فلا بد وأن يكون معللا بالعلم إذ لو جاز عالم لا علم له جاز تقدير ~~علم لا يتصف محله بكونه عالما فلما استحال إثبات علم لا يتصف محله بكونه ~~عالما شاهدا أو غائبا استحال إثبات عالم لا يتصف بالعلم شاهدا أو غائبا # فإن قيل بم أنكرتم على من قال لكم أن وصف الشاهد بكونه عالما إنما كان ~~معللا بالعلم لأنه حكم جائز فافتقر إلى مقتضى أو مخصص # فأما كونه تعالى عالما صفة واجبة وكونه واجبا يستقل بوجوبه عن مقتضى ~~يقتضيه وصار هذا كما أن وجود الباري سبحانه وتعالى لما كان واجبا لم يتعلق ~~بموجب ومقتضي ووجود المحدثات لما كان جائزا افتقر إلى مقتض يقتضيه ومخصص ~~يخصصه # قلنا بم أنكرتم على من يقول لكم أن الحكم الجائز يتعلق بعلة جائزة والحكم ~~الواجب يتعلق بعلة واجبة فكونه عالما لما كان وصفا واجبا يتعلق بعلة واجبة ~~وهو علمه القديم وليس كما استشهدوا به من الوجود لأنا لم نعول على ما ادعوه ~~من الواجب والجائز ولكن وجوده سبحانه ليس له مقتض لأنه لا أول له وما لا ~~أول له لا ms23 يتعلق بفاعل لأن الفعل لا بد أن يكون له أول على أن هذا الكلام ~~يبطل عليهم بالشرط فإنهم زعموا أن كونه PageV01P092 سبحانه وتعالى عالما ~~مشروط بكونه حيا كما كون العالم في الشاهد مشروط بالحياة # فإذا لم يفصلوا بين الجائز والواجب في الشرط امتنع الفصل بينهما في العلة # طريقة أخرى أنه يقال لهم قد ثبت وتقرر أن الذي يحيط بالمعلوم ويتعلق به ~~هو العلم لاستحالة أن يكون للعلوم قدرة أو حياة وقد ثبت أن المعلومات كلها ~~معلومة لله تعالى وقد أحاط بها ويشهد لها قوله تعالى @QB@ وأن الله قد أحاط ~~بكل شيء علما @QE@ فوجب وصفه بالعلم # ومن الدليل على ما ذكرناه أنا قد علمنا أن الحق تعالى موصوف بكونه عالما ~~كما أنه موصوف بكونه مريدا # ثم المعتزلة البصريون ساعدونا على أن كونه مريدا ليس لنفسه فكذا وصفه ~~بكونه عالما وجب أن لا يكون للنفس # والدليل عليه من الكتاب قوله @QB@ لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله ~~بعلمه @QE@ # شبهتهم في المسالة قالوا لو ثبت لله تعالى صفة لكانت قديمة والقديم من ~~أخص أوصاف الباري والإشتراك في الوصف الأخص يوجب الاشتراك في كل وصف وفي ~~ذلك قول بإثبات آلهه PageV01P093 # فنقول لهم في الجواب هذا بناء على أصلكم وعندنا الاشتراك في الأخص لا ~~يوجب الاشتراك فيما عداه # وقد ذكرنا هذا الفصل فيما تقدم جواب آخر ما ذكروه مجرد دعوى فإنا لا ~~نساعدهم على أن القدم أخص أوصاف الباري # شبهة أخرى وعليها معولهم قالوا علم الباري تعالى على زعمكم يتعلق بما لا ~~يتناهى من المعلومات على التفصيل وفي الشاهد العلم الواحد لا يتعلق ~~بمعلومات مختلفة فإن العلم بالسواد غير العلم بالبياض وإنما يتعلق بمعلوم ~~واحد والعلم الواحد عندكم في حكم العلوم المختلفة ولو جاز ذلك لجاز أن يكون ~~العلم في حكم القدرة والعلم والقدرة مختلفان فيلزم من ذلك أن يكون للباري ~~تعالى صفة واحدة هي علم وقدرة وحياة وسمع وبصر وذلك مستحيل فكذلك إثبات علم ~~يتعلق بمعلومات مختلفة مستحيل # الجواب أن الدليل العقلي يقتضي إثبات ms24 صفة هي علم فأما كون العلم صفة ~~زائدة على القدرة لم نعلمه عقلا ولكن بالأدلة السمعية فإن الذين تكلموا في ~~الصفات بالنفي والإثبات اجمعوا على نفي صفة هي في حكم العلم والقدرة # فإن قيل فإذا لم يبعد على قولهم إثبات علم في حكم علوم مختلفة فما المانع ~~من قولنا عالم لنفسه قادر لنفسه ويكون نفسه في حكم العلم والقدرة فيستغني ~~بذلك عن الصفات PageV01P094 # قلنا المانع فيه أن ذات الباري لو كان في حكم العلم لكان عالما لأن ما ~~يتعلق بالمعلوم علم والقول بأن ذاته علم باطل على القطع # ثم يقال العقل قد دل على إثبات العلم وانعقد الإجماع على أن وجود الباري ~~تعالى ليس بعلم فيحصل من مجموع ذلك أن العلم زائد على الوجود # | مسألة # لله تعالى صفة وهي الإرادة تتعلق بالمرادات كلها # وذهبت المعتزلة البصرية إلى أن الباري مريد بإرادات حادثة لا في محال ~~فتحدث تلك الإرادات لا في محال ويصير الباري بها مريدا # ثم زعموا أن الإرادات لا تتعلق بها الإدارة والدليل على بطلانه أن إرادته ~~لو كانت حادثة لافتقرت إلى تعلق إرادة أخرى بها لأن كل فعل ينشئه الفاعل ~~العالم به ويوقعه على صفة مخصوصة في وقت مخصوص لا بد وأن يكون قاصدا إلى ~~إيقاعه إذ لو جاز وقوعه من غير قصد لجاز وقوع سائر الأفعال من غير قصد وإذا ~~افتقرت إلى إرادة أخرى لافتقرت تلك الإرادة إلى مثلها فتسلسل وهو باطل فثبت ~~أن إرادته قديمة # فإن زعموا أن الإرادة لا تراد في نفسها ولكن يراد بها فهو خطأ لأنه لو صح ~~ما قالوه في الإرادة لصح قول جهم في العلم أن لله علوما ثابتة يعلم بها ~~الحوادث ولا يعلم العلوم في نفسها ولما كان قول جهم في العلم باطلا كذلك ~~قولهم في الإرادة PageV01P095 # ثم نقول من أصلكم أن المثلين يجب اشتراكهما في جميع الصفات وإرادتنا مثل ~~الإرادة الحادثة لاشتراكهما في الوصف الأخص وهو كونهما إرادة ومن حكم ~~إرادتنا القيام بالمحل فأثبتوا لإرادة الباري تعالى محلا # ثم ms25 يلزمهم من ذلك قيام إرادته بحمار أو كلب وذلك محال # فإن قالوا الإرادة من شرطها الحياة وبنية مخصوصة لا تتعلق بكل محل # فنقول لهم في إثباتكم إرادة لا في المحل نفي المحل والبنية والصفة التي ~~أشرتم إليها # فإذا جاز نفي أصل المحل لم لا يجوز نفي شرط المحل حتى تقوم إرادته بكل ~~بنية ولا تختص ببنية مخصوصة # | مسألة # ذكرنا أن لله تعالى علما يتعلق بالمعلومات وعلمه صفة قديمة قائمة بذاته # وذهب جهم بن صفوان إلى أنه ليس لله تعالى علم قديم ولكن له علم حادث على ~~عدد المعلومات وكلما تجدد شيء حدث لله تعالى علم يتعلق به ويكون وقوع ذلك ~~العلم سابقا على وقوع المعلوم وتتعاقب العلوم كما يتعاقب المعلومات # والدليل على بطلان قوله أن الحوادث قد افتقرت إلى علم يتقدمها ~~PageV01P096 والعلوم مشاركة للحوادث في كونها أفعالا حادثة فوجب أن يتقدمها ~~علوم غيرها وفي ذلك إثبات علوم لا نهاية لها ويقتضي ذلك إلى القول بقدم ~~العالم # فإن قالوا العلم يحدث من غير علوم تتقدمها فيلزمهم من ذلك استغناء جملة ~~الحوادث عن العلم وهو باطل على القطع # ومن الدليل على بطلان قوله أن العلوم الحادثة لا تخلو أما أن تكون في غير ~~محل أو قائمة بأجسام أو قائمة بذات الباري تعالى # فإن زعمتم أنها قائمة لا في محل فالرد عليه مثل الرد على المعتزلة ~~البصرية في الإرادة # وإن زعموا قيامه بذات الباري فالكلام عليه مثل الكلام على الكرامية حيث ~~جوزوا إقامة الحوادث بذاته # وإن زعموا قيام العلوم بأجسام لزمهم من ذلك أن يقوم علم بجسم والعالم به ~~جسم آخر وذلك باطل على القطع # وشبهه الجهمية قالوا الباري تعالى عالم في أزله بأن العالم سيقع فلما وقع ~~كان ذلك معلوما مجددا إلا أنه من قبل ما علمه واقعا وإذا تجدد له حكم اقتضى ~~تجدد موجب الحكم وفي ذلك إثبات علوم متجددة # قلنا الباري تعالى لا يتجدد له حكم ولا تتعاقب عليه الأحوال لأنه يلزم من ~~ذلك القول بحدوث الصانع كما لزم القول ms26 بحدوث الجوهر PageV01P097 لتعاقب ~~الحوادث عليها بل الباري تعالى موصوف بعلم واحد يتعلق بالمعلومات لا يتعدد ~~ولا يتجدد وهو غير مستحيل في العقل # والذي يدل عليه أنا لو قدرنا في الشاهد علما حادثا باقيا متعلقا بمجيء ~~الأمطار غدا وقدرنا استمرار العلم إلى وقت وقوع المطر لم يفتقر حالة وقوعه ~~إلى علم مجدد بوقوعه # والدليل عليه أنا إذا قدرنا علما سابقا على وقوع المطر بأنه سيقع وقدرناه ~~باقيا إلى وقت وقوعه قلنا لا يتعلق العلم السابق بالوقوع يلزمه أن يكون ~~جاهلا بالوقوع في وقت الوقوع أو غافلا عنه مع تقدير دوام العلم وذلك محال # فثبت بذلك أن العلم السابق على الوقوع إذا كان باقيا إلى وقت الوقوع يعني ~~عند تجدد علم وعلومنا وإن لم تكن باقية إلا أن الدلالة العقلية قد تبنى على ~~الموجودات مرة وعلى التقديرات أخرى فإذا لم يلزم في الشاهد تجدد علم عند ~~تقدير علم باق لم يلزم في حق الصناع تجدد علم عند الوقوع لأن علمه السابق ~~باق عند الوقوع # | مسألة # عند أهل الحق أن الباري متكلم بكلام قديم أزلي غير مفتتح الوجود وكلام ~~الله تعالى أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد # وذهبت المعتزلة والخوارج إلى أن كلام الباري تعالى مفتتح الوجود وليس ~~بقديم PageV01P098 # ثم منهم من يطلق القول بأنه مخلوق ومنهم من يمتنع من إطلاق هذه اللفظة مع ~~القطع بأنه ليس بقديم احتراز مما فيه من الإبهام لأن المختلف ما لا يكون له ~~اصل # وقالت الكرامية الكلام قديم والقول حادث غير محدث والقرآن قول الله وليس ~~بكلام الله والكلام عندهم القدرة على التكلم # والكلام في هذه المسألة يبنى على أصلين أحدهما إثبات حقيقة الكلام # والثاني إثبات حقيقة المتكلم # فأما الأصل الأول فعندنا حقيقة الكلام هو المعنى القائم بالنفس الذي تدل ~~عليه العبارات والإشارات والكتابة وأما العبارة فتسمى كلاما # ثم لا المذهب الصحيح أن العبارات كلام على الحقيقة واسم الكلام يتناولها ~~على الحقيقة لا على المجاز # ومن أصحابنا من قال تسمية العبارات كلاما على سبيل المجاز لأنه دلالة ms27 على ~~الكلام كما يسمى علما يقول القائل سمعت اليوم علوما كثيرة ويريد به ~~العبارات الدالة على العلوم # وقالت المعتزلة حقيقة الكلام حروف منتظمة وأصوات منقطعة دالة على أغراض ~~صحيحة # والدليل على بطلان تحديدهم أنهم حدوا الكلام بالحروف وقد يحد الحرف ~~الواحد كلاما صحيحا مثل لفظ الأمر من وقى ووشاه من وش PageV01P099 وليس ها ~~هنا حروف ولا أصوات ولأنهم ذكروا في الحد الدالة على أغراض # وليس يصح لأن من تلفظ بكلمات لا تفيد لا يسمى متكلما وليس ها هنا غرض ~~ولأنهم قالوا الحروف المنتظمة والأصوات المنقطعة والحروف نفس الأصوات فلا ~~معنى للتكرير فيجب حذفه فإذا حذف يبقى قولهم الأصوات المتقطعة لا تفيد ~~فائدة ما لم يقع الاصطلاح على كونه دالة على غرض فبطل تحديدهم # وأما الدليل على إثبات ما ذكرناه من كلام النفس أن العاقل إذا أمر عبده ~~بأمر وجد في نفسه طلب الطاعة منه وجدانا ضروريا قبل أن يعلمه به ثم يدله ~~على ما في نفسه بلغة أو إشارة أو كتابة فدل ذلك على ثبوت كلام النفس # فإن قيل بم أنكرتم على من قال إن الذي يجده في نفسه إرادة من الأمر ~~امتثال المأمور به # قلنا ليس من شرط الآمر أن يكون مريدا للمأمور سنذكر ذلك وإذا لم تكن ~~الإرادة من شرط الأمر بطل أن يكون ذلك المعنى هو الإرادة # فإن قيل بم أنكرتم على من قال أن الذي يجده في نفسه إرادة يجعل اللفظة ~~أمرا على جهة الإيجاب أو على جهة الندب وليس بكلام # قلنا هذا باطل لأن اللفظ ينقضي بالفراغ منه وذلك الطلب والاقتضاء مستمر ~~الوجود والماضي لا يراد ولكن يتلهف عليه ونحن نعلم ان ما نجده في نفسه ~~الاقتضاء والطلب وليس بتلهف فبطل أن يكون ذلك PageV01P100 إرادة # فإن قيل بم أنكرتم على من يقول أن ما يجده في نفسه ضرب من الإعتقاد وليس ~~بكلام # قلنا هذا محال لأن الإعتقاد إما أن يكون علما أو ظنا أو شكا أو جهلا ~~والذي يجد نفسه الطلب والاقتضاء يقطع بأنه ليس ms28 يعلم ولا ظن ولا شك ولا جهل ~~فبطل أن يكون ذلك اعتقادا على أن جميع ما ذكروه يبطل عليهم بالنظر # فإن قائلا لو قال النظر إرادة علم المتطور أو ضرب من الإعتقاد كان في مثل ~~منزلتهم ونحن نعلم أن النظر ليس هو الإرادة ولا اعتقاد # وفي الدليل على ما ذكرناه أن قول القائل افعل قد يتضمن الإيجاب كقوله ~~تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ وقد يتضمن الاستحباب كقوله تعالى @QB@ ~~وافعلوا الخير @QE@ وقد يتضمن الإباحة كقوله تعالى @QB@ فإذا طعمتم ~~فانتشروا @QE@ وقد يراد به التهديد كقوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ ~~وإذا كان لفظ الأمر يتردد على هذه الوجوه فقد يقول افعل ويريد به الوجوب ~~وقد يريد به التهديد وقد يريد به الاستحباب وقد يريد به الإباحة وقد يريد ~~به النهي وصورة الحروف والأصوات واحدة ولو كان الأمر نفس اللفظ لما اختلف ~~فعلم أن الإيجاب صفة قائمة للنفس يتميز بوصفه الخاص عن الاستحباب والإباحة ~~والنهي PageV01P101 والتهديد لم يقع التنبيه عليه بالعبارة والإشارة ~~والكناية # فإن قيل ما ألزمتمونا ينعكس عليكم فإنكم جعلتم العبارة دلالة على ما في ~~النفس ولا يجوز أن يكون دليل الإيجاب والاستحباب واحدا # قلنا التمييز يحصل بنفس والقرائن لا بنفس الأصوات والحروف القرائن عندهم ~~ليس من الكلام # والدليل على إثبات كلام النفس من جهة الشرع قوله عز وجل @QB@ ويقولون في ~~أنفسهم @QE@ فأثبت قول النفس # وقوله صلى الله عليه وسلم ( رفع عن أمتي ما حدثت به أنفسهم ) # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذروت في نفسي كلاما يوم السقيفة ويقول ~~الرجل في العادة في نفسي كلام أريد أن أعرضه عليك # قال الأخطل # ( إن الكلام لفي الفؤاد وإنما % جعل اللسان على الفؤاد دليلا ) # فثبت أن ما وراء العبارة والحروف كلاما PageV01P102 # وأما الأصل الثاني فعندنا المتكلم من قام بذاته الكلام كالعالم من قام به ~~العلم وعندهم المتكلم من يفعل الكلام وليس من الشرط قيامه بالمتكلم كما لا ~~يشترط قيام الفعل بالفاعل # والمسألة في الحقيقة تبينا على اصل وهو أن عندنا لا فاعل في الحقيقة إلا ~~الله ms29 سبحانه وإذا ثبت ذلك فالله تعالى فاعل كلامنا وليس متكلما به فبطل أن ~~يكون المتكلم من يفعل الكلام # والدليل على بطلان كلامهم أنه لو كان المتكلم من يفعل الكلام لكان المصوت ~~من يفعل الصوت ويلزم أن يكون الباري عز وجل مصوتا من حيث أنه خلق الأصوات # والدليل عليه أن من سمع كلامنا من آخر علم كونه متكلما من غير أن يخطر ~~بباله كونه فاعلا لكلامه ولو كان الكلام بمعنى الفعل لكان لا يعلمه متكلما ~~من لا يعلمه فاعلا # والذي يدل على فساد قولهم أن الكلام عندهم حروف منتظمة وأصوات متقطعة ~~فإذا قال الواحد منا زرت الكعبة مختارا فهو المتكلم به عندهم # فلو قدرنا أن الله تعالى خلق هذه الحروف والأصوات على صورتها في بعض ~~عبيده ضروريا بحيث لا يمكنه السكوت عنها فلا PageV01P103 يخلو أما أن يقضي ~~من سمع منه هذه الحروف بكونه متكلما أو لا يقضي به فإن قال يقضي بكونه ~~متكلما فقد بطل أن يكون المتكلم من يفعل الكلام لأنه لا فعل من جهته ها هنا ~~وإنما الفعل لله تعالى # وإن قال ذلك العبد غير المتكلم فقد جحد الشاهد لأنا نسمع منه الكلام كما ~~نسمع منه إذا كان مختارا فبطل قولهم # ويقال لهم من أصلكم أنه عالم لنفسه فهلا قلتم أيضا أنه متكلم لنفسه فإن ~~قالوا إنما لم نقل ذلك لأن الصفة النفسية يعم تعلقها إلا ترى أنه لما كان ~~عالما لنفسه كان عالما بكل معلوم ونحن نعلم أنه ليس متكلم بكل كلام فإن لنا ~~كلاما حقيقة وليس الله به متكلما # قلنا هذا باطل بالقدرة فإن عندهم الباري تعالى قادر لنفسه # ثم لا يتعلق قدرته عندهم بجملة المقدورات لأن أفعال العباد غير مقدورة ~~لله تعالى على قولهم فبطل أصلهم بذلك PageV01P104 # وإذا ثبت كلام النفس وبطل أن يكون الكلام بمعنى الفعل فقد ثبت كونه تعالى ~~متكلما فلا بد وأن يكون كلامه قديما لأنه لا يجوز قيام الحوادث بذاته # شبهتهم في المسألة قالوا قوله @QB@ فاخلع نعليك @QE@ @QB@ وألق عصاك @QE@ ~~كلام الله تعالى ms30 # ويستحيل أن يكون الباري عز وجل مخاطبا بذلك في أزلة وموسى عليه السلام ~~غير موجود لأن الخطاب والمخاطب ليس هناك لغو وهذيان ويستحيل ذلك في صفات ~~الله تعالى # الجواب أن مثل هذا يلزمهم لأن قوله تعالى @QB@ فاخلع نعليك @QE@ @QB@ ~~وألق عصاك @QE@ بإجماع المسلمين كلام الله في دهرنا ووقتنا وموسى غير مخاطب ~~به الآن فإذا لم يمتنع إثبات كلام الآن والمخاطب به قد تقدم ولم يكن لغوا ~~لماذا يمتنع إثبات خطاب سابق والمخاطب به متأخر # وربما أوردوا هذا الكلام على وجه آخر فقالوا إذا أثبتم كلاما قديما أزليا ~~فلا يخلو أما أن تحكموا في الأزل بكونه أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا أو لا ~~تثبتوا له هذه الأوصاف فإن صرتم إلى نفي هذه الأوصاف أبطلتم الكلام إذ لا ~~يعقل كلام لا يتصف بكونه أمرا أو نهيا وخبرا واستخبارا فإن هذه جملة أقسام ~~الكلام # وإن أطلقتم كونه أمرا ونهيا وخبرا لزمكم إثبات مخاطب به في الأزل ~~لاستحالة توجه الخطاب على المعدوم # قلنا عندنا الكلام الأزلي يتصف بكونه أمرا ونهيا والمعدوم على ~~PageV01P105 أصلنا مأمور بالأمر الأزلي بشرط الوجود # وأما ما ألزمونا من الاستحالة فيلزمهم مثله لأن من مذهب المعتزلة أنه ليس ~~لله تعالى في وقتنا كلام وإنما كان له كلام وقت الخطاب وقد عدم الآن ونحن ~~الآن مأمورون بالأوامر فإذا لم يستبعدوا مأمورا بلا آمر لم أنكروا أمرا بلا ~~مأمور # ثم إن هذا باطل فإن الله تعالى موصوف في أزله بأنه قادر بالإجماع ومن حكم ~~القادر أن تكون له قدرة والمقدور هو الجائز الممكن # وإيقاع الأفعال في الأزل يستحيل فإذا جاز وصفه بكونه قادرا مع أن وقوع ~~المقدورات مختص بما لا يزال جاز وصفه بكلام أزلي هو أمر لمن سيكون # ثم جوابنا عنه أن الكلام في الأزل موجود إلا أنه لو وقع الأخبار عنه في ~~الأزل كان تقديره أني آمرا عبيدا اخلقهم بكذا وكذا وحين خلقهم تقدير ~~الأخبار افعلوا كذا وبعدما يغنيهم تقدير الأخبار عنه اني أمرت عبيدا ~~اخلقتهم لكذا وكذا فالتعبير يرجع إلى الحوادث لا ms31 إلى كلامه # ومثاله لو قدرنا في الشاهد كلاما باقيا وقدرنا أن الواحد منا اضمر في ~~نفسه أن يقول لعبده ادخل السوق واشتر ثوبا فذلك الكلام الآن موجود وتقدير ~~العبارة عنه إني أريد أن أقول لعبدي غدا أدخل السوق واشتر الثوب فإذا جاء ~~الغد كان تقدير العبارة عنه يا عبدي أدخل السوق واشتر ثوبا فإذا مضى الغد ~~فالرجل بعد على ما أضمر فيكون تقدير العبارة بأني قلت لعبدي أمس أدخل السوق ~~وأشتر الثوب فالمعنى PageV01P106 القائم بذاته في الأحوال كلها واحد ~~والاختلاف يرجع إلى العبارة الدالة عليه لا على نفس المعنى كذي في وصوف ~~كلامه # ومن شبهتهم أنهم قالوا القرآن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم والمعجزة ~~لا تكون إلا أفعالا خارقة للعادة ولا يجوز أن تكون المعجزة قديمة إذ لو جاز ~~ذلك لجاز أن يكون علمه القديم معجزة وسمعه القديم معجزة وهذا لأن القديم لا ~~يختص ببعض المحدثين حتى يصير معجزة له فإذا ثبت كونه معجزة ثبت أنه مخلوق # فالجواب أن عندهم القرآن حين خلقه كان أصواتا ثم انقضت والمتلو والمحفوظ ~~ليس بكلام الله تعالى ونفي كلامه اشنع مما ذكرنا # والجواب من مذهبهم أن ما تحدى به الرسول لم يكن كلام الله تعالى وإنما ~~تحدى بمثله # وعندهم أن كل قارئ آت بمثل كلام الله تعالى وقد قال الله تعالى @QB@ قل ~~لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ~~فأبطلوا المعجزة وكذبوا القرآن فظهر فساد قولهم # | مسألة # كلام الله تعالى منزل على الحقيقة والدليل عليه ظاهر الآيات من كتاب الله ~~تعالى مثل قوله @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا @QE@ وقوله @QB@ الم تنزيل ~~@QE@ وقوله @QB@ وكذلك أنزلناه قرآنا @QE@ PageV01P107 # وليس المعنى في قولنا أنه منزل حط شيء من علو إلى سفل ونقله من مكان إلى ~~مكان ولكن المراد بالانزال أن جبريل عليه السلام أدرك كلام الله تعالى فوق ~~سبع سماوات ثم نزل إلى الأرض وافهم الرسول صلى الله عليه وسلم فأفهم عند ~~سدرة المنتهى وهو كما يقال نزلت رسالة الملك من القصر ms32 لا يراد به حط شيء من ~~القصر وإنما يراد به ما ذكرناه # | مسألة # كلام الله تعالى مسموع على الحقيقة والدليل عليه قوله تعالى @QB@ وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ # والمعنى بقولنا مسموع أن كلام الله تعالى مفهوم السامع عند سماع القراءة ~~والسماع يذكر ويراد به الفهم # يقول القائل سمعت كلام الغائب إذا انتهى إليه معنى كلامه وان لم يسمع منه ~~وليس المراد به أن السامع مدرك لنفس كلام الله تعالى # والدليل عليه أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بأن أسمعه كلامه القديم ~~بلا واسطة وخص محمدا صلى الله عليه وسلم به ليلة المعراج ولو كان المسموع ~~ادراك كلام الله تعالى القديم لما ظهر لتخصيص بعض الأنبياء بذلك فائدة # | مسألة # PageV01P108 # كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة محفوظ في القلوب على ~~الحقيقة # والدليل على أنه مكتوب قوله تعالى @QB@ في لوح محفوظ @QE@ ولا يوصف بأنه ~~حال في المصحف ولا في القلب وهذا كما أن الله تعالى على الحقيقة معبود في ~~مساجدنا معلوم في قلوبنا مذكور بألسنتنا ولا يوصف الباري تعالى بالحلول ~~والانتقال # | مسألة # القراءة عندنا أصوات القراء ونغماتهم وهي اكتسابهم والمفهوم عند القراءة ~~كلام الله تعالى # والدليل عليه أن القارئ يؤمر بالقراءة في حال الطهارة ويثاب عليها ويمنع ~~عنها في حال الجنابة ويعاقب عليها ولا يتعلق الثواب ولا العقاب إلا بما هو ~~كسب العبد # والدليل عليه أن القراءة تستطاب من بعض القراء ولا تستطاب من البعض وذلك ~~محال في ما صفته القدم # | مسألة # كلام الله تعالى واحد وهو أمر بجميع المأمورات ونهى عن جميع المنهيات ~~وخبر عن جميع المخبرات يسمى بالعربية قرآنا وبالعبرانية توراة وبالسريانية ~~انجيلا PageV01P109 # وليس إثبات طريق العلم باتحاد الصفات العقل بل العقل يدل على إثبات ~~الكلام الواحد وإنما عرفناه بالإجماع فإن الإجماع قد انعقد على نفي ما زاد ~~على الواحد # | مسألة # صفات الله تعالى لا توصف بأنها متغايرة وكذلك الذات مع الصفات # ولا يجوز أن يقال العلم غير القدرة وغير الكلام ولا أن ms33 العلم هو الكلام ~~أو القدرة هي العلم أو العلم هو الذات أو الكلام هو الذات ولكن يقال الذات ~~موجود والصفات موجودات مع الذات قائمات بالذات لأنا نصف الصفات الأزلية ~~بالبقاء # والدليل عليه أن حقيقة الغيرين الموجودين الذي يجوز مفارقة أحدهما للثاني ~~بزمان ومكان أو وجود أو عدم ولا يجوز مفارقة الصفات للذات ولا مفارقة ~~الصفات بعضها بعضا كما ذكرناه أن العقل قد دل على قدم الصفات ويستحيل عدم ~~القديم # | مسألة # ذهب القدماء من ائمتنا إلى أن البقاء صفة للباقي زائدة على الذات وأن لله ~~تعالى صفة تسمى البقاء كالعلم والقدرة والصحيح أن البقاء ليس معنى زائد على ~~الذات ولكن البقاء استمرار الوجود # والدليل عليه أنا نصف الصفات الأزلية بالبقاء ولو كان البقاء معنى لما ~~وصف به الصفات لاستحالة قيام المعنى بالمعنى # ولأنا لو أثبتنا بقاء قديما لزمنا أن نثبته ببقاء أحد فتسلسل PageV01P110 ~~ذلك # ونظيره القدم فإن الشيء في أول حال حدوثه لا يسمى قديما فإذا استمر وجوده ~~مدة يسمى قديما وليس القدم معنى زائدا على الوجود المستمر # | مسألة # للباري تعالى في الأزل اسم وصفة # وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا ليس لله عز وجل في الأزل اسم ولا صفة وهذا ~~القول يقضي إلى القول بأن الله تعالى لم يكن له في الأزل صفة الإلهية وهو ~~كفر وضلال # وحقيقة هذه المسألة تبنى على معرفة الاسم والتسمية والصفة والوصف ~~والتسمية عندنا هو لفظ المسمى الدال على الاسم والاسم مدلول التسمية # وقد يذكر الاسم ويراد به التسمية توسعا ومجازا والوصف قول الواصف والصفة ~~مدلول الوصف وقد يطلق الصفة ويراد بها الوصف # وذهبت المعتزلة إلى أن الاسم والتسمية واحد والوصف والصفة واحد والصفة ~~والاسم وأقول المسمين والواصفين ولم يكن عندهم لله كلام في الأزل وقول ولم ~~يكن له اسم ولا صفة # والدليل على أن الاسم يخالف التسمية قوله @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ ~~PageV01P111 والمسبح ذات الباري سبحانه لا أقوال الذاكرين وألفاظهم # وقال تعالى @QB@ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم @QE@ ~~فعبدة الأصنام ما عبدوا اللفظ ms34 بل عبدوا الأجسام والأعيان فثبت أن الاسم هو ~~المسمى # فإن قيل قد ورد في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( لله تسعة ~~وتسعون اسما ) ولو كان الاسم هو المسمى لكان تسعة وتسعون إلها # فالجواب أن الاسم قد يطلق ويراد به التسمية فالمراد به لله تسعة وتسعون ~~تسمية # وإذا تقرر ما ذكرنا فأسامي الرب تعالى على ثلاثة أقسام فمن الأسامي ما ~~يطلق بأنه المسمى وهو ما دلت التسمية به على وجوده مثل قولنا حق وموجود ~~وذات # ومن أسمائه ما يطلق بأنه غير المسمى وهو ما دلت التسمية على فعله كالخالق ~~والرازق # ومن أسمائه ما لا يقال فيه أنه المسمى ولا غير المسمى وهو ما دلت التسمية ~~به على صفة قديمة كالعالم والقادر والسميع والبصير PageV01P112 # | مسألة # ورد السمع بإثبات صفات الله تعالى لا يدل عليه العقل مثل الوجه في قوله ~~تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ والعين في قوله تعالى @QB@ تجري ~~بأعيننا @QE@ واليدين في قوله تعالى @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ # واختلفوا في ذلك فذهب جماعة إلى أن هذه صفات زائدة على ما دل عليه العقل ~~واستدلوا على ذلك بقوله @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ ولا وجه ~~لحمله على القدرة لأن جملة المخلوقات حاصلة بالقدرة فتبطل فائدة التخصيص # ومنهم من أنكر أن تكون هذه الصفات زائدة على ما دل عليه العقل وصار إلى ~~أن العين محمول على البصر والوجه على الوجود واليد على القدرة واستدلوا ~~عليه بأن من قال العقل قد دل على أن الخلق لا يقع إلا بالقدرة ومن أثبت صفة ~~قديمة يقع بها الخلق فقد ابطل حقيقة القدرة وأثبت لها تناهيا لأن ما حصل ~~باليد لم يحصل بالقدرة فتكون القدرة متناهية # وأيضا فإن آدم عليه السلام ما استحق السجود لأنه مخلوق باليد PageV01P113 ~~ولكن أمر الحق سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود فصار ظاهر لأنه متروك ووجب ~~حمله على تأويل وهو أنه تخصص تشريف كما أضاف الكعبة إلى نفسه وأضاف ~~المؤمنين بصفة العبودية إلى نفسه # أما قوله تعالى @QB@ تجري بأعيننا ms35 @QE@ فالمراد به الأعين التي انفجرت من ~~الأرض وأضافته إلى الله سبحانه على سبيل الملك # وأما قوله عز وجل @QB@ ويبقى وجه ربك @QE@ متروك الظاهر يختص البقاء بعد ~~فناء الخلق بصفة من صفات الباري تعالى التي هي الوجه بل الباري تعالى باق ~~بعد فناء الخلق بجميع صفاته # ويقال المراد بالوجه الجهة التي يراد بها القرب إلى الله سبحانه كما يقال ~~فعلت كذا لوجه الله سبحانه خالصا لله فيكون معناه ان كل عمل ما أريد به وجه ~~ربك يحبطه ويبطله # ومما يقرب مما ذكرنا آيات في كتاب الله تعالى وأخبار رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فمنه قوله تعالى @QB@ الله نور السماوات والأرض @QE@ ومعناه منور ~~السموات والأرض وقيل هادي أهل السموات والأرض # والغرض من الآية ضرب المثل بدليل أنه قال في آخر الآية PageV01P114 @QB@ ~~ويضرب الله الأمثال للناس @QE@ # ومنها قوله تعالى @QB@ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله @QE@ ومعناه جهة ~~أمر الله لأن الجنب إن كان بمعنى الجارحة لا يجوز في صفة بالاتفاق وأن كان ~~بمعنى الصفات فلا يكون للتفريط فيه معنى وفائدة # ومنها قوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ والمراد به التنبيه على ~~أهوال يوم القيامة كما يقال قامت الحرب على ساقها أي على شدتها # ومنه قوله تعالى @QB@ وجاء ربك والملك @QE@ وقوله تعالى @QB@ هل ينظرون ~~إلا أن تأتيهم الملائكة @QE@ والمراد به جاء أمر ربك ويأتيهم أمر الله ~~تعالى # والدليل عليه أن الله تعالى ذكر في سورة الأنعام أخبارا عن إبراهيم أنه ~~استدل بأفول الشمس والقمر والكواكب على أنها ليست بآلهة وتبرأ منها ولو كان ~~الباري يجوز عليه الإتيان والمجيء لبطلت الدلالة # ومنها ما روي في الخبر ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فالمراد به ~~أنه يأمر الملائكة بالنزول فيكون معناه ينزل ملائكة الله # ونظيره قوله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله @QE@ ~~PageV01P115 ومعناه يحاربون أولياء الله # ويقال في العبارة نادى الأمير في البلد والأمير لا ينادي ولكن يأمر به ~~ويضاف إليه لكونه آمرا له # ويقال قتل الأمير فلانا وضرب فلانا وهو لا ms36 يتولى بنفسه ذلك ويضاف إليه ~~أمرا به # ومنها ما روي أن الجبار يضع قدمه في النار فتقول قط فالمراد بالجبار ~~المتجبر من العباد والدليل عليه قوله تعالى @QB@ كل قلب متكبر جبار @QE@ ~~والدليل عليه أن الله تعالى أخبر عن الأصنام أنهم يدخلون النار في قوله ~~تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم @QE@ ثم استدل على نفي ~~منه الإلهية عنهم بدخولهم النار فقال لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها # فمن زعم أن الباري له قدم يضعها في النار فقد أبطل هذه الدلالة وسوى بينه ~~وبين الأصنام # ومنها ما روى أن الله تعالى خلق آدم على صورته فهذا بعض الخبر وله سبب ~~وهو ما روى أن رجلا كان يلطم وجه عبد له فنهاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك وقال لا تلطم وجهه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته يعني على ~~صورة الغلام PageV01P116 # وقيل إنها كناية راجعة إلى آدم نفسه ومعناه خلقه بشرا سويا من غير والد ~~ووالدة ومن غير أن كان نطفة وعلقة بل صورة ابتداء وخلقه على تلك الصورة هذه ~~طريقة المحققين # والأولى لمن لا يتجر في العلم الأعراض عن التأويل في جملة ذلك والإيمان ~~بظاهر الآيات والأخبار وإجرائها كما جاءت مع الإعتقاد بأنه لا يجوز عليه ~~سبحانه وتعالى ما هو من سمات المحدثين وصفات المخلوقين # | مسألة # مذهب أهل الحق أن لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى وما يحدث في العالم ~~فكلها حادثة بقدرته واختراعه ولا فرق بين ما يتعلق به قدرة الآدميين ~~كالأجسام والألوان والطعوم وبين ما يتعلق به قدرة العباد كالاكتساب وجملة ~~ذلك أن كل مقدور لقادر فهو مقدور لله تعالى فالله خالقه ومنشئه # وزعمت المعتزلة أن العباد مخترعون لأفعالهم وأن الباري تعالى لا يوصف ~~بالقدرة على مقدورات العباد كما لا يوصف العبد بالقدرة على مقدورات الباري ~~تعالى # ثم المتقدمون منهم امتنعوا من تسمية العبد خالقا والمتأخرون منهم أطلقوا ~~ذلك PageV01P117 # والدليل على بطلان قولهم أن يقال لهم زعمتم أن مقدورات العباد ليست ~~بمقدوره لله ms37 تعالى لاستحالة مقدور بين قادرين # فقيل أن كان يخلق القدرة لعبده هل يقدر على ما يعلم أن العبد سيقدر عليه ~~إذا خلقه فإن قالوا لا يقدر ما يعلم أن العبد سيقدر عليه إذا خلقه فإن ~~قالوا لا يقدر عليه بطل لأن ما سيقدر عليه العبد من الجائزات الممكنات ولم ~~يتعلق بها قدرة العبد استحال أن لا يقدر عليه الصانع # وإن قالوا يقدر عليه فمن المستحيل أن يكون الشيء مقدورا له ثم يخرج عن ~~كونه مقدورا بعد ذلك # والذي يدل على فساد قولهم أن خروجه عن كونه مقدورا له لظهور قدرة العبد ~~ويستحيل مقدور بين قادرين فبقاؤه مقدورا لله تعالى ونفي قدرة العبد أولى من ~~إثبات قدرة حادثة للعبد ونفي قدرة للصانع # وإذا ثبت أنه مقدور لله تعالى ثبت أنه خالقه إذ لا يجوز أن يخترع العبد ~~ما هو مقدور لله تعالى # ومن الدليل على فساد قولهم أن الفعل المحكم المتقن دلالة على علم مخترعه ~~ورأينا أنه يصدر من العبد أفعال في حال غفلته وسكره وجنونه على الاتساق ~~والاتقان والعبد غير عالم بما يصدر منه في هذه الحالة فيجب أن يكون من يصدر ~~منه عالما به # وليس يتحقق ذلك إلا على مذهب أهل الحق فإن المخترع للأفعال PageV01P118 ~~هو الله تعالى فإن زعموا أن العبد هو المخترع وهو غير عالم به ولو ساغ ذلك ~~لخرج الفعل المحكم من أن يكون دلالة على علم فاعله # فإن عكسوا علينا وقالوا أنتم أثبتم للعبد كسب ويجب أن يكون المكتسب عالما ~~بما يكتسبه ثم يصدر عنه القليل من أفعاله في حال غفلته وهو غير عالم به # قلنا ليس من الواجب كون المكتسب عالما بما يكتسبه وإنما يمتنع وقوعه دون ~~علمه لاطراد العادات فأما أن يكون العلم شرطا فلا # ومن الدليل على فساد قولهم أن من أصلهم صلاح القدرة المتعلقة بالشيء ~~لأمثاله وأضداده فالقدرة على الحركة قدرة على أمثالها وعلى السكون ~~والموجودات كلها مشتركة في تعلق القدرة بها فيجب أن تتعلق القدرة الحادثة ~~بجميع الحوادث كالطعوم والألوان ms38 والروائح ونحوها كما تتعلق القدرة المتعلقة ~~بالحركة بجميع ما يماثلها ويضادها ولما لم تتعلق قدرته ببعض المقدورات مع ~~اشتراك الجميع في تعلق القدرة بها بطل أن يكون العبد مخترعا # ومن الدليل على فساد قولهم انهم قالوا القدرة الحادثة تتعلق بالاختراع ~~ابتداء ولا تتعلق بالإعادة والفوات ومعلوم أن الإعادة PageV01P119 بمثابة ~~النشأة الأولى وكذلك يستدل على قدرة الباري تعالى على الإعادة بالنشأة ~~الأولى # ويدل عليه نص التنزيل حيث قال @QB@ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ ~~فإذا لم تصلح القدرة الحادثة لإعادة ما يجوز إعادته كيف يصلح لابتداء الخلق ~~والاختراع # ومن الدليل على إبطال قولهم إجماع سلف الأمة رضي الله عنهم على الرغبة ~~إلى الله تعالى في أن يرزقهم الإيمان ويجنبهم الكفر والطغيان ويحفظهم من ~~المعاصي وعليه يدل نص القرآن في قوله تعالى في قصة إبراهيم صلوات الله عليه ~~حيث دعا فقال @QB@ ربنا واجعلنا مسلمين لك @QE@ وقال @QB@ واجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام @QE@ ولو كانت المعاصي والكفر غير مقدورة لله تعالى كان ذلك ~~السؤال مما لا يقدر عليه وذلك محال # فإن قالوا هذه الرغبة ليست بخلق الإيمان وإنما هو سؤال القدرة على ~~الإيمان والله تعالى هو الذي يخلق له القدرة على الإيمان وإن كان العبد هو ~~الذي يخلق الإيمان # فالجواب أن هذا خطأ على أصلكم لأن عندكم كل مكلف قادر على الإيمان ~~والباري تعالى لا يسلبهم القدرة على الإيمان PageV01P120 # وأيضا فإن القدرة على الإيمان قدرة على الكفر فلو كان الباري معينا على ~~الإيمان بخلق القدرة لكان معينا على الكفر بخلق القدرة فكيف ومن العبيد من ~~علم الله عز وجل لو خلق له قدرة الكفر لكفر فخلق القدرة في هذه الحالة مع ~~علمه بأنه لا يؤمن أعانه على الكفر # ومن الدليل على قولهم اطلاق السلف والخلف القول بأن الباري تعالى مالك كل ~~مخلوق وإله كل محدث # ومن المستحيل أن يكون الباري مالك ما لا يخلقه وإله ما لا يقدر عليه وإذا ~~لم يكن الباري سبحانه وتعالى رب هذه الأفعال وكان العبد خالق أعمال نفسه ~~كان ms39 ربها وإليه وإشارة الباري سبحانه في القرآن حيث قال @QB@ إذا لذهب كل ~~إله بما خلق @QE@ والقول بذلك كفر # ومن الدليل على فساد قولهم أن الإيمان والطاعات أحسن من الأجسام وأعراضها ~~فلو اتصف العبد بكونه خالقا لإيمانه وطاعاته لكان أحسن خلقا من ربه وقد قال ~~الله عز وجل @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ # فإن قيل لولا القدرة على الإيمان لما قدر العبد على الإيمان فخلق القدرة ~~على الإيمان أحسن من خلق الإيمان فالباري تعالى هو أحسن الخالقين # قلنا فيلزم على مقتضي قولهم أن تكون القدرة على الكفر أشر PageV01P121 من ~~الكفر وعندكم القدرة صالحة للكفر كما هي صالحة للإيمان وإذا كان ذلك إعانة ~~على الكفر لم يكن أحسن # ومن الدليل على بطلان قولهم قول الله تعالى @QB@ ذلكم الله ربكم خالق كل ~~شيء @QE@ فتمدح بالاختراع والإبداع ولو كان غيره خالق مبدعا لبطل التمدح من ~~حيث أنه يصير خاصا بأنه الخالق لأفعاله دون أفعال غيره والعبد أيضا يقول ~~وأنا خالق كل شيء ويريد به أفعال نفسه فبطل التمدح # ويستدل بكل آية فيها تمدح مثل قوله تعالى @QB@ والله على كل شيء قدير ~~@QE@ ولا معنى لذلك عند المعتزلة لأنه يقدر على أفعال نفسه دون أفعال عبيده ~~والعبد كذلك يقدر على أفعال نفسه # ومن الدليل عليهم قوله تعالى @QB@ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار @QE@ # والمعتزلة أثبتوا الشركاء له حيث أثبتوا الخلق لأنفسهم # شبههم في هذه المسألة قالوا العاقل يميز بين مقدوره ومقدور غيره ويفرق ~~بين الحركة الواقعة بإرادته واختياره وبين حركة المرتعش بأن مقدوره يقع على ~~قصد حسه صوابه حسب قصده وما لا يكون مقدوره لا يقع على حسب قصده ولو كان ~~فعله غير واقع به لما كان على وفق إرادته كلونه وصورته وسائر صفاته ~~PageV01P122 # الجواب أن من المقدور ما لا يقع على حسب قصده وإرادته وهو أفعال الغافل ~~والسكران والنائم وإذا لم يطرد ذلك أبدا لم يدل وقوعه في بعض الأحوال على ~~حسب إرادته على كونه ms40 خالقا كما أن الشبع يقع عند الأكل في عامة الأحوال ~~والري عند الشرب ومنهم المخاطب عند الخطاب وخجل الإنسان عند التخجيل وفزعه ~~عند التهويل ولم يدل وقوع هذه الأشياء على هذه الوجوه على أنه فعل القاصد ~~على أن التفرقة التي ذكروها راجعة إلى تعلق القدرة بأحدها دون الثاني وهو ~~كما يفرق الإنسان بين العلم والظن مع أنه لا تأثير للعلم والظن فيما تعلقا ~~به # ومن شبههم قالوا العبد مطالب من ربه بالطاعة ويستحيل في العقل مطالبة ~~العبد بما لا يقع منه كما يستحيل مطالبته بألوانه وخلقته وسائر صفاته # وربما قرروا ذلك بأن قالوا الإجماع قد انعقد بأن ما يؤدي إلى حمل كلام ~~الباري تعالى على التناقض والخروج عن الإفادة باطل # ومن جملة اللغو أن يقول المخاطب لمن يخاطبه أفعل ما لا تقدر عليه أو افعل ~~ما أنا فاعله # فالجواب أن مثل هذا يلزمكم من أصلكم أن المعدوم شيء وذات على خصائص ~~أوصافه فما معنى المطالبة بإثبات ما هو ثابت # وأيضا فإن العبد عندكم مطالب بالنظر ابتداء وهو ليس يعتقد أمرا طالبا ~~فكيف يصبح الطلب قبل معرفة الطالب على أن مثل هذا التناقض يلزمهم لأن من ~~أصلهم أن على الله سبحانه وتعالى أن يفعل ما هو PageV01P123 الأصلح لعباده ~~وإذا قدرنا عبدا علم الله تعالى أنه لو مات في صباه نجا من العذاب ولو عاش ~~إلى وقت التكليف وخلق الله عز وجل له القدرة على الكفر لكفر فصلاحه أن لا ~~يقدره وهذا غاية التناقض أن يقول الآمر أني أكلفك شيئا قاصدا بها صلاحك مع ~~علمي أنك لا تصلح قط # ويقال لهم اتفق أهل الملك على توجه الخطاب على المكلفين فما ادعيتم من ~~استحالة الطلب علمتموه ضرورة أم دلالة فإن ادعوه ضرورة كان محالا لأن الخصم ~~يدعي عليهم ضرورة على الضد مما ادعوه وإن ادعوه من حيث الدلالة فلا بد من ~~إظهاره # ومن شبهتهم أن قالوا إن كانت القدرة الحادثة لا تؤثر في متعلقها كان ~~نظيره العلم المتعلق بالمعلوم من حيث أنه لا ms41 يؤثر فيه ويلزم من ذلك تجويز ~~تعلق القدرة الحادثة بالألوان والأجسام وجميع الحوادث كما يتعلق العلم ~~بجميع ذلك # قلنا لهم ولم قلتم أن العلم يتعلق بكل المعلومات لانتفاء تأثيره فيه حتى ~~يكون مشاركا للقدرة في نفي التأثير فوجب أن يعم تعلقه على أن هذا باطل ~~بالرؤية لا تؤثر في المرئي ثم لا يتعلق عندهم بجميع الموجودات فإن الطعوم ~~عندهم والروائح لا يجوز أن ترى # ومن شبهتهم قالوا العبد يثاب على فعله ويعاقب عليه وذلك دليل PageV01P124 ~~على أنه واقع منه إذا يحسن توبيخه والثناء عليه بما لا يقع منه كما لا يوبخ ~~على لونه وسائر صفاته # قلنا هذا فاسد لأن الثواب والعقاب والمدح والذم ليس من موجبات فعل المكلف ~~حتى لو ابتدأ الباري تعالى بنعيم مقيم أو عقاب أليم من غير طاعة ولا معصية ~~كان جائزا وإنما أفعال العباد إمارات ودلالات لا موجبات # فإن قيل ما ذكرتم من كون العبد مكتسبا غير معقول فإن القدرة إذا لم تؤثر ~~في المقدور لم يكن لتعلقها به معنى # قلنا ليس من شرط الصفة أن تؤثر فيما تتعلق به فإن العلم يتعلق بالمعلوم ~~ولا يؤثر فيه والرؤية تتعلق بالمرئي ولا تؤثر فيه والإرادة تتعلق بفعل ~~الغير # فإن الإنسان قد يريد أن يفعل غيره شيئا فلا تأثير لإرادته في فعله فيبطل ~~ما ادعوه # واستدلوا بقول الله سبحانه @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ وهذا ~~دليل على أن غير الله يتصف بالخلق والاختراع حتى يكون الباري تعالى احسن ~~الخالقين خلقا # قلنا عندكم العبد أحسن خلقا من الباري تعالى لأن العبد يخلق الإيمان ~~والباري يخلق الأجسام على أن الخلق في اللغة بمعنى التقدير ومنه سمى الحزاز ~~خالقا لأنه يقدر طاقة بطاقة فيكون معنى الآية أحسن المقدرين فيحمله على ~~التقدير دون الاختراع PageV01P125 # | مسألة # مذهب أهل الحق أن العبد قادر على كسبه وله فعل # وذهبت الجبرية إلى أن لا قدرة على إثبات فعل للعبد فهو على سبيل المجاز # والدليل على إثبات القدرة أن العاقل يفرق بين الحركة القصدية والاختيارية ~~وبين حركة المرتعش ms42 ضرورة والحركتان على صفة واحدة ولا بد من موجب التفرقة ~~ويستحيل أن تكون التفرقة راجعة إلى نفس الفاعل لأن ما كان للنفس يستمر ما ~~دامت النفس موجودة وترى النفس موجودة ولا حركة فثبت أنها زائدة على النفس ~~وليس ذلك إلا القدرة # فإن قيل بم أنكرتم على من يقول أن التفرقة راجعة إلى الإرادة والكراهية ~~والاختيارية مرادة وغيرها ليس بمراد # قلنا هذا محال لأن الغافل ومن لا إرادة له يفرق بين تحريك اليد والرعدة ~~والإرادة معدومة # فإن قيل بما أنكرتم على من قال التفرقة راجعة إلى صحة الجارحة ووجود بنية ~~مخصوصة وعدمها لا إلى القدرة # قلنا هذا باطل فإن صاحب اليد الصحيحة والبنية التامة يفرق بين أن يفرق يد ~~نفسه اختيارا وبين أن يفرق الغير يده وبنية اليد في الحالتين على صفة واحدة # والذي يدل على ما ذكرناه من الكتاب قوله سبحانه وتعالى @QB@ لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت @QE@ PageV01P126 وقال تعالى @QB@ كل نفس بما كسبت رهينة ~~@QE@ وغير ذلك من الآيات # | مسالة # مذهب أهل الحق أن الحوادث كلها بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته وإرادته ~~خيرها وشرها نفعها وضرها حلوها ومرها الكفر والإيمان والطاعة والعصيان فما ~~أراد الله سبحانه وتعالى كان وما لم يرد لم يكن # ثم من أصحابنا من أطلق هذا القول على الجملة وإذا جاء الأمر إلى التفصيل ~~وسأل عن الكفر والفسق فلا نطلق القول بأنه مراد الله سبحانه وتعالى ونظير ~~ذلك اطلاق القول بأن العالم لله سبحانه وتعالى وإذا جاء الأمر إلى التفصيل ~~لانطلق القول بأن له زوجة لما فيه إيهام الزلل # ومن أصحابنا من أطلق ذلك وقال الله سبحانه وتعالى يريد كفر الكافر معاقبا ~~عليه # وأما المحبة والرضا فمن أصحابنا من قال المحبة والرضا بمعنى الإرادة إلا ~~أنها أخص من الإرادة فإذا أراد الله سبحانه وتعالى بالعبد نعمة يقال أحبه ~~وضده السخط إرادة العقوبة # ومن أصحابنا من قال المحبة والرضا عبارة عن أنعام الرب سبحانه ~~PageV01P127 وتعالى وإفضاله والسخط عبارة عن النقمة والعقوبة # وقالت المعتزلة الرب سبحانه وتعالى مريد لأفعال ms43 نفسه سوى الإرادة ~~والكراهية فإنه لا يوصف بأنه مريد الإرادة والكراهية مع قولهم بأن الله ~~تعالى مريد بإرادة حادثة # فأما أفعال العباد فما كان منها قربة وطاعة فيوصف الباري سبحانه وتعالى ~~بأنه مريد له وما كان معصية من أفعالهم أو كان مباحا فلا يوصف الباري عز ~~وجل بأنه مريد له # فأما ما لا يدخل تحت التكليف من معتقدات الأطفال وأفعالهم فلا يريدها ~~الباري تعالى ولا يكرهها # والدليل على بطلان قولهم أن القائلين بثبوت الصانع اتفقوا على تقدسه عن ~~النقائص # واتفق العقلاء على أن نفوذ المشيئة علامة السلطنة ودلالة الكمال وصد ذلك ~~دلالة النقص # فإن زعموا أن معظم ما يجري في العالم الله سبحانه له كاره فقد قضوا ~~بالقصور والعجز وإليه أشار جعفر الصادق لما سئل عن هذه المسألة فقال أو ~~يعصى كرها فإن قالوا الرب سبحانه قادر على PageV01P128 إلجاء الخلق إلى ~~الإيمان بأن يظهر آيات هائلة تقهر الجبابرة كما فعل باليهود لما امتنعوا من ~~قبول الأمر قال الله سبحانه @QB@ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة @QE@ # قلنا هذا فاسد لأن الله تعالى لا يخلق عندهم إيمان المؤمنين ومعنى ~~الإلجاء إظهار آيات هائلة # وربما يتفق طائفة من الكفرة والمعاندين لا يؤمنون وإن رأوا الآيات ~~الهائلة وأيضا فإنه إذا ألجأهم لا يكون إيمانهم مما يثاب عليه لأن الثواب ~~إنما يكون على ما يختار فعله ولأن ما يقع بطريق الخبر يكون قبيحا والرب ~~سبحانه وتعالى لا يريد القبيح على زعمهم فما يريد الرب لا يقدر عليه والذي ~~يقدر عليه لا يريده # والذي يدل عليه إجماع الأمة على كلمة وهو قولهم ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن فهو إذا قال الله تعالى لا يريد ما يحدث من الحوادث فقد خرق ~~الإجماع # والدليل عليه من الكتاب الآيات الواردة في الهداية والضلالة والختم ~~والطبع كقوله تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ والله يدعو إلى دار السلام ويهدي ms44 من يشاء @QE@ PageV01P129 # ولا يجوز حمل هذه الآية على الإرشاد إلى طريق الجنان لأن الله تعالى علق ~~الهداية على مشيئته فكل من يستوجب الجنة فحتم على الله تعالى أن يدخله ~~الجنة ولا تتعلق المشيئة # ومنها قول الله سبحانه وتعالى @QB@ ختم الله على قلوبهم @QE@ وقوله @QB@ ~~بل طبع الله عليها @QE@ وقوله عز وجل @QB@ وجعلنا قلوبهم قاسية @QE@ @QB@ ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة @QE@ فهذه الآيات على أن الهداية والضلالة من الله ~~عز وجل وأنه مريد كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وأنه متفرد بخلقه # شبهتهم قالوا الله تعالى أمرنا بالإيمان والطاعة ونهانا عن الكفر والفجور ~~والمعصية ويستحيل في حقه أن يأمرنا بما يكرهه ويأباه وينهانا عما يريده لأن ~~الجمع بين الأمر وكراهة المأمور به وبين النهي وإرادة المنهي تناقض وهو ~~يشابه الأمر بالشيء والنهي عنه فإذا ثبت أن ما أمر الله سبحانه وتعالى به ~~فقد أراده وما نهى عنه فلم يرده # قلنا لا نساعدكم على هذه القاعدة بل يجوز في العقل أن يأمر العاقل بما لا ~~يريده PageV01P130 # ومثال ذلك شاهدا رجل ضرب عبده وبالغ في تأديبه فاتصل الخبر بسلطان الوقت ~~فهم بزجره فلما استحضره قال معتذرا أنه عصاني ولم يمتثل أمري فاتهمه ~~السلطان فقال سيد الغلام انا أحقق قولي بين يديك فاستدعى العبد فآمره بأمر ~~بمرأى منك ومسمع فإن خالفني بان صدقي وإن أطاعني بان كذبي فاستحضره وأمره ~~بشرائط الأمر وصورته كلها موجودة ونعلم أن مراد السيد أن لا يمتثل أمره ~~ليمهد عذره عند الأمير فيصح أن الآمر يجوز أن يأمر بما لا يريده # هذا من جهة المشاهدة ومن جهة الشرع فإن الله سبحانه أمر إبراهيم الخليل ~~عليه السلام بذبح ولده وما أراد الذبح فإن قالوا ذلك لم يكن أمرا على ~~التحقيق فخطأ لأن مثل إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن يقدم على ذبح ~~ولده من غير أمر # فإن قالوا هو لم يكن مأمورا بالذبح حقيقة وإنما كان مأمورا بمقدمات الذبح ~~من شد الأطراف والقصد إلى الذبح # والدليل عليه أن الله تعالى قال @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ فدل ms45 على أنه لم ~~يكن مأمورا إلا بما فعل # قلنا هذا محال لأن الله سبحانه قال @QB@ إن هذا لهو البلاء المبين @QE@ # وليس في مقدمات الذبح بلاء مبين وأيضا فإن الله تعالى قال @QB@ وفديناه ~~بذبح عظيم @QE@ ولو كان المأمور به مقدمات الذبح ما احتاج إلى PageV01P131 ~~الفداء # وأما قوله سبحانه وتعالى @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ فمعناه اعتقدت كونه ~~صدقا وابتدرت إلى الامتثال فخففنا عنك # ثم يقال لهم ما ألزمتمونا من التناقض يلزمكم لأنكم توافقونا أن الله ~~سبحانه وتعالى أمرهم بالإيمان مع علمه بأنهم لا يؤمنون ومن قال لعبده ~~أعطيتك القوة وأتممت عليك النعمة حتى تكتسب الجنة مع علمي بأنك تعصي وتفخر ~~بعد ذلك تناقضا وقد جوزوه فبطل دعواهم # شبهة أخرى قالوا الإرادة تكتسب صفة المراد فإذا كان المراد سفها كانت ~~الإرادة سفها ولا يجوز أن يتصف الله تعالى به # قلنا عندنا إرادة الباري تعالى قديمة وإنما يتصف بالسفه وضده من كان ~~حادثا هذا كما أن من اكتسب علما بالفواحش من غير حاجة إليه يعد سفها # ثم الباري تعالى عالم بجميع الحوادث خيرها وشرها ثم لا يوصف بما يوصف به ~~من اكتسب بذلك علما # ثم هذه القاعدة فاسدة لأنه لو كان إرادة السفه سفها لكان إرادة الطاعة ~~طاعة ويلزم من ذلك أن يكون الباري تعالى مطيعا لإرادته الطاعة استدلوا ~~بقوله @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ # فالجواب أنا نحمل ذلك على المؤمنين دون الكفار وقد يرد لفظ العباد ~~والمراد به الخصوص قال الله تعالى @QB@ عينا يشرب بها عباد الله @QE@ ~~PageV01P132 استدلوا بقوله عز وجل @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا @QE@ ثم وبخهم عليه ورد مقالتهم # قلنا إنما وبخهم لاستهزائهم بالدين فإنهم سمعوا من الرسول أن الأمور ~~بإرادة الله تعالى فلما طولبوا بالإسلام على سبيل الاستهزاء @QB@ لو شاء ~~الله ما أشركنا @QE@ وغرضهم بذلك رد دعوة الأنبياء # والدليل عليه أنه قال بعد ذلك @QB@ إن يتبعون إلا الظن @QE@ # وأيضا فإن الإيمان بصفات الله تعالى فرع للإيمان بالله سبحانه وتعالى وهم ~~أنكروا الصانع فكيف يؤمنون بصفاته قالوا فإن الله سبحانه ms46 وتعالى قال @QB@ ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ فدل أن الله تعالى أراد من العباد ~~العبادة وهم يكفرون # فالجواب أن الآية قد دخلها التخصيص فإن الصبيان والمجانين خصوا في الآية ~~وعندهم العموم إذا دخله التخصيص صار مجملا # ثم المراد بالآية بيان استغناء الله تعالى عن عباده بدليل أنه قال @QB@ ~~ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون @QE@ # والحمل على ما ذكرناه أولى لأن الله تعالى قد علم أن معظم الخليقة يكفرون ~~فإذا حملوا الآية على ظاهرها فيصير تقديره ما خلقت من علمت أنه لا يؤمن إلا ~~ليؤمن وذلك تناقض ظاهر PageV01P133 # واستدلوا بقوله تعالى @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة ~~فمن نفسك @QE@ فدل على أن ذلك من العباد وليس من الله تعالى # قلنا أنتم لا تقولون بظاهر الآية لأن عندكم أفعال العباد مخلوقة خيرها ~~وشرها أفلا يقولون إن الحسنة من الله سبحانه وتعالى # أيضا فإن الإصابة إنما تستعمل فيما يكون بغير الاختيار يقال أصابه مرض ~~وخسران # فأما ما يقع باختياره لا تستعمل فيه هذه الكلمة لا يقال إصابة أكل وشرب ~~فلم يكن لهم حجة # ثم نعارضها بقوله تعالى @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله @QE@ فدل على أن الجميع ~~بمشيئة الله عز وجل وقضائه # | مسألة # التوفيق خلق قدرة الطاعة والخذلان خلق قدرة المعصية ثم الموفق لا يعصي ~~لعدم القدرة والمخذول لا يطع لعدم القدرة والرب تعالى قادر على توفيق جملة ~~العباد وعلى خذلانهم والعصمة هي التوفيق بعينه PageV01P134 # ثم قد يكون خاصا عن بعض الذنوب وقد يكون عاما واللطف أيضا خلق قدرة ~~الطاعة # وقالت المعتزلة التوفيق خلق لطف يعلم الله أن العبد يؤمن عنده والخذلان ~~امتناع ذلك واللطف خلق فعل يعلم الله تعالى أن العبد يطيع عنده # ثم قد يكون الشيء لطفا في إيمان واحد ولا يكون لطفا في إيمان غيره # ثم يجب عندهم على الله سبحانه أقصى ما يقدر عليه من اللطف بعبيده ms47 حتى ~~يطيعوا وليس في مقدوره لطف لو فعله بالكافر لا من عنده وهذا كفر وضلال # وقد قال الله تعالى @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة @QE@ # ويقال لهم إذا أوجبتم على الله تعالى أقصى ما يقدر عليه من اللطف فهلا ~~قلتم بأنه يقطع التكليف على من علم أنه لا يؤمن أو نميته حتى لا يبلغ مبلغ ~~التكليف فيكفر ويستوجب العقوبة إذ لا غرض في تكليف من يعلم أنه لا يؤمن ~~حياته # | مسألة # الحسن عند أهل الحق ما ورد الشرع بالثناء على فاعله والقبيح ما ورد الشرع ~~بالذم على فاعله وليس الحسن والقبيح صفة زائدة على ورود الشرع فأما العقل ~~فلا يحسن ولا يقبح PageV01P135 # وذهبت المعتزلة إلا أن الحسن والقبيح يعلم من طريق العقل فالكفر قبيح ~~والضرر المحض الذي لا غرض فيه قبيح # والدليل على بطلان قولهم أن يقال لهم عرفتم قبح ما حكمتم بقبحه ضرورة أو ~~دلالة فإن ادعوا ذلك ضرورة كان محالا لأنا لا نساعدهم عليه ومن المستحيل ~~اختصاص طائفة من العقلاء بضرب من العلوم الضرورية مع استواء الجميع في ~~مداركها # فإن قالوا دلالة فنقول لا تخلو إما أن يكون قبحه لنفسه أو لمعنى فيه أو ~~لا لنفسه ولا لمعنى بطل أن يكون لنفسه أو لمعنى فيه فإن القتل ظلما يماثل ~~القتل قصاصا والزنا يماثل الوطء الحلال واختلفا في الحسن والقبح # وبطل أن يكون لا لنفسه ولا لمعنى فيه لاستحالة أن يكون النفي حكما فثبت ~~أنه لورود الشرع به # والدليل عليه أن اللم واللذة حادثان بقدرة الله تعالى ورأينا إيلام ~~الأطفال الذين لم يرتكبوا ذنبا ولم يصدر منهم سبب يوجب العقوبة وكذلك نشاهد ~~إيلام البهائم التي لا تكليف عليهم وهو ضرب محض لا يحكم بقبحه # فإن قيل إنما حسن ذلك لأن الله تعالى يثيبهم على ذلك لما يريد يفعله على ~~ذلك # قلنا الذي يصل إليها لا يخلو إما أن يكون في مقدور الله PageV01P136 ~~تعالى إيصاله إليهم من غير ألم أو ليس ms48 في مقدوره فإن زعموا أنه لا يقدر ~~عليه فقد نفوا قدرة الصانع وهو كفر وإن قالوا يقدر عليه فما الفائدة في ~~إتلافه # وهلا من عليه بذلك ابتداء فضلا من عنده من غير ألم # فإن قالوا إنما حسن إيلام الأطفال لغرض فيه وهو أن يعتبره غيره فيمتنع مع ~~المعصية # قلنا فليس من المستحسن إيلام من لا ذنب له ليعتبر به مذنب # شبهتهم قالوا الذين ينكرون الشرع يعلمون قبح الظلم وكفران النعم مثل ~~البراهمة ولو كان طريق التحسين والتقبيح الشرع لما عرفه من ينكر الشرع # ومن سلم لكم أن اعتقاد البراهمة علم بل اعتقادهم ليس بعلم وهو مثل ~~اعتقادهم أن ذبح البهائم وتعريضها للتعب قبيح ولا يعد ذلك علما # قالوا العاقل إذا عرض له حاجة وتحصيل غرضه بالصدق ويحصل بكذب يصدر منه ~~ولا مزية لأحد الطرفين على الثاني فإنه يختار الصدق ويجتنب الكذب وإنما ~~يؤثر الكذب إذا كان فيه غرض لا يحصل من الصدق وليس ذلك إلا لكون الصدق حسنا ~~بالعقل # قلنا هذا كلام متناقض في نفسه لأن الكذب قبيح يستحق عليه الذم ~~PageV01P137 والصدق حسن يستحق عليه المدح فكيف يتصور استواؤها في حصول ~~الغرض بهما # والذي يدل على فساد ذلك أن ما ذكروه يوجب خروج الصدق عن حكم التكليف ~~واستحقاق الثواب عليه لأن الملجأ إلى الشيء لا يثاب عليه وعلى قولهم العاقل ~~مجبر على الصدق # ثم إن هذا الكلام إنما يستمر لهم بعد ورود الشرع بتحسين الصدق وتقبيح ~~الكذب فأما قبل ورود الشرع واستقراره لا نسلم لهم ما ادعوه # | مسألة # لا واجب على العباد عقلا وإنما طريق الايجاب الشرع وقبل ورود الشرع لا ~~حكم أصلا # وقالت المعتزلة يجب على العبد عقلا أن يعرف الصانع ويشكره وهذه المسألة ~~كالتي قبلها وقد بينا # وشبهتهم في المسألة قالوا إذا تأمل في حال نفسه جوز في ابتداء نظره أن ~~يكون له صانع أنعم عليه وأنه لو شكر المنعم لأثابه وتفضل عليه بالزيادة ولو ~~كفر لعاقبه ومن الجائز لا يريد ذلك فإذا تساوى الجوازان فالعقل يرشده إلى ms49 ~~ما فيه الأمن من العقوبة # وهذا كما لو قصد السفر إلى بلدة لها طريقان أحدهما أمن والثاني مخوف ولا ~~غرض له في المخوف فالعقل يقتضي تقديم ما فيه الأمن والعدول عن طريق الخوف # قلنا هذا الخاطر يعارضه مثله وذلك أن العاقل يخطر له كونه عبدا ~~PageV01P138 محكوما عليه وأنه ليس للملوك إلا ما أذن فيه مالكه وأنه لو ~~أتعب نفسه كانت مكدودة من غير إذن مولاه وإن مالكه غني عن شكره وأنه يبتدي ~~بالنعم قبل الاستحقاق لا يبتغي بدلا ولو فعل كان منه سوء أدب فإذا كان هذا ~~الخاطر معارضا للأول فقضية العقل التوقف فيه وانتظار الأمر والإذن # والذي يحقق ما قلنا أن الملك العظيم إذا أعطى عبده رغيفا بالمثل ثم أراد ~~العبد أن يطوف شرقا وغربا يثني على سيده بحسن عطائه وذكر إنعامه لا يعد ~~مستحسنا لأن ما صدر من الملك بالإضافة إلى قدرة مستحقر فيكون العبد مستحقا ~~للتأديب وجملة المخلوقات بالإضافة إلى جلال الله تعالى أقل من إضافة رغيف ~~إلى ملك من ملوك الدنيا # جواب آخر أن من لا يخطر له الخاطر الذي ذكروه فطريق العلم لم يوجد في حقه ~~والشكر حتم عليه على قولهم فبطلت قاعدتهم # | مسألة # مذهب أهل الحق أن لا واجب على الله أصلا بل هو يتصرف في مملكته على حسب ~~إرادته ومشيئته # وقالت المعتزلة يجب على الله تعالى من طريق الحكمة أن يخلق الخلق ابتداء ~~وإذا خلق الذين علم انه يكلفهم فيجب أن يكمل عقولهم حتى يؤمنوا به ويجب أن ~~يفعل ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم ولا يجوز في حكمته أن يبقى ممكنا ~~بما فيه صلاحهم في العاجل والآجل وإذا أطاع العبد مولاه فيما أمر به يجب ~~على الله أن يثيبه PageV01P139 عليه وأن يعوضه عما لحقه من الألم # والدليل على بطلان قولهم أن يقال لهم أي شيء تريدون بما أثبتم من الوجوب ~~فإن قلتم أردنا به توجه أمر عليه كان محالا لأن الله تعالى هو الآمر وحده ~~لا آمر سواه # فإن قالوا نريد ms50 به أنه يتضرر بتركه فالباري تعالى يتقدس عن الضرر والنفع ~~إذ لا معنى لهما إلا الألم واللذة وإذا بطل الطريقان ثبت ما ذكرناه # ثم يقال لهم بم أوجبتم ثواب الأعمال على الله تعالى وأعمالكم شكر على ما ~~سبق من نعمة ومن أصلكم أن شكر المنعم واجب وإذا الفرض لا يستحق عليه عوض # ويقال لهم لو وجب على الله تعالى فعل الأصلح لعباده لوجب على العبد أن ~~يعمل ما هو الأصلح له ولأولاده من أمر الدنيا وقد وافقونا على أنه لا يلزمه ~~أن يعمل في حق نفسه ما هو الأصلح لدنياه # فإن قالوا إنما لم يوجب عليه فعل الأصلح في حق نفسه لأنه يصير بتكليف ذلك ~~مجهودا متعبا والباري سبحانه لا يلحقه في فعل الأصلح تعب # قلنا فإذا لم توجبوا على العبد فعل الأصلح لأن فيه مشقة وتعبا وفي تكليفه ~~العباد مشقة عليهم فيجب أن لا يجوزوا تكليف العباد ابتداء # فإن قالوا يحصل له بما يقاسي من التعب ثواب أعظم منه # قلنا ففي أمر الدنيا كذلك يحصل له النفع ولم يوجبوا PageV01P140 # ومن الدليل على بطلان قولهم أن في فعل النوافل صلاح العباد والذي يدل ~~عليه أن الشرع دعاهم إلى ذلك وندبهم إليها فوجب أن يجب النوافل على العباد ~~لأن فيه صلاحهم # فإن قالوا إنما لم يجب جملة النوافل لأن الباري تعالى علم أنه لو كلفهم ~~لم يطيقوا فيكفرون بالجميع ويستحقون العقاب # قلنا أنتم لا تعتبرون الأصلح في العلم فإن الباري تعالى إذا علم من حال ~~عبد أنه إذا مات في الحال لنجا من العذاب ولو بلغ مبلغ التكليف لطغى وعصى ~~يجب عليه أن يرزقه العقل والكمال مع علمه بأن فيه هلاكه # ويقال لهم قولكم يوجب الأصلح على الله تعالى جحد الضرورة لأن الله تعالى ~~يدخل الكفار في عذاب النار ويخلدهم فيها فأي صلاح لأهل النار في الخلود في ~~النار # فإن قالوا إنما يخلدهم لأن الباري عز وجل علم منهم أنه لو أنقذهم لعادوا ~~لما نهوا عنه فيستحقون زيادة العذاب # قلنا فكان ms51 من سبيلكم أن تقولوا يميتهم أو يقطع العذاب عنهم أو يسلبهم ~~عقولهم حتى لا يعصوه # فيقال لهم إذا حكمنا بأن كلما يفعل الرب واجب عليه فعله فينبغي أن يقولوا ~~الباري لا يستوجب شكرا لأن الواجب لا يقابل PageV01P141 بشيء كقضاء الدين ~~ولما أوجبوا الشكر بطلت قاعدتهم # | مسألة # مذهب أهل الحق أن الباري تعالى يصح أن يرى بالأبصار عقلا وهو واجب ~~للمؤمنين في دار القرار من جهة الوعد وورود الخبر به # وأما المعتزلة بأسرهم نفوا جواز الرؤية عليه أصلا وحقيقة # المسألة تبنى على أصلين أحدهما أن عندنا الرؤية تقتضي أن يكون لمحل ~~الرؤية بنية مخصوصة مثل بنية العين ولا اتصال الشعاع من محل الرؤية بالمرئي # والأصل الآخر أن الرؤيا ليس من شرطها المقابلة واختصاص المرئي بجهة ~~وعندهم شرط الرؤية بنية مثل بنية العين فينبعث منها الشعاع وهي أجسام لطيفة ~~فيتصل بالمرئي والموانع مرتفعة من الحجاب الكثيف والقرب المفرط والبعد ~~المفرط فيحصل الادراك # والشرط أن يكون المرئي مقابلا لمحل الرؤية ويستحيل الاتصال والمقابلة على ~~الباري تعالى ويستحيل رؤيته # والدليل على أن الرؤية لا تقتضي بنية أن الله تعالى يرى الموجودات ~~ويستحيل عليه البنية # وأيضا فإن الادراك الواحد لا يقوم إلا بجوهر واحد والجواهر المحيطة به لا ~~تؤثر في محل الادراك لأن كل جوهر مختص بحيز لا PageV01P142 يؤثر في جوهر ~~آخر كما أن العرض إذا قام بمحل السواد والبياض لا يؤثر في محل آخر فإذا ثبت ~~أن الجواهر المجتمعة غير مؤثرة فيه كان وجودها كعدمها # والدليل على أنه لا يقتضي اتصال الشعاع أن الباري تعالى يرى الموجودات ~~والاتصال في وصفه محال والدليل عليه أنا نرى الأعراض ولا يجوز تقدير ~~الاتصال بالعرض # فإن قيل إنما نرى الأعراض لأن الشعاع يتصل بما قام العرض به وهو الجوهر # قلنا فيلزمكم أن تجوزوا رؤية الطعوم والروائح لأنه قائم بالمحل والشعاع ~~قد اتصل بالمحل وعندهم لا يجوز رؤية الطعوم والروائح ولأن الجوهر الواحد ~~على قولهم لا يجوز تعلق الرؤية به والاتصال بالجوهر الواحد صحيح # فإن قالوا وجدنا أن الشيء ms52 يرى عند اتصال شعاع البصرية ولا يرى عند عدمه ~~فدل أن اتصال الشعاع شرط # فالجواب أن يقال لهم لم قلتم أن بثبوت الرؤية في حالة وانتقالها في حالة ~~لاتصال الشعاع به وعدمه فبم أنكرتم على من يقول أن ذلك راجع إلى استمرار ~~العادة كالشبع عند أكل الخبز والحرارة عند القرب من النار وغيره ~~PageV01P143 # وأما الدليل على أن الرؤية ليس من شرطها المقابلة أن الباري تعالى يرى ~~المخلوقات والمقابلة لا تجوز في حقه بحال # وأيضا فإن الإنسان إذا نظر في المرآة أو جسم صقيل يرى نفسه ولا يجوز أن ~~يكون الإنسان في مقابلة نفسه وإذا نظر فيما تحت سقف يرى السقف والسقف ليس ~~من مقابلة محل الرؤية # والدليل عليه أنا نرى إذا نظرنا أجساما كثيرة وما يقابل حاسة العين شيء ~~قليل فالمرئي أضعافه فنعلم أن الرؤية ليس من شرطها المقابلة وإذا ثبتت هذه ~~المقدمات ثبت جواز الرؤية # ومن الدليل على جواز الرؤية أن المصحح للرؤية الوجود والباري تعالى موجود # والدليل على أن المصحح للرؤية الوجود أنا نرى المختلفات والمتضادات مثل ~~السواد والبياض ولو لم يكن المصحح للرؤية الوجود لما صح رؤية المتضادات لأن ~~الموجودات ما اشتركت إلا في الوجود # فإن قيل لو كان المصحح للرؤية الوجود حتى نرى جميع الموجودات لكان المصحح ~~للسمع والشم والذوق الوجود حتى نسمع جميع الموجودات ونشم جميع الموجودات ~~ونذوق جميعها وقد علمنا استحالة ذلك لاستحالة القول بأن الباري تعالى مسموع ~~أو مشموم أو مذوق PageV01P144 # فالجواب أما ادراك حس السمع فالمصحح له الوجود ويجوز أن يخلق الله تعالى ~~لنا سمعا ندرك به الجواهر والألوان وسائر الموجودات وأما الشم والذوق فهو ~~عبارة عن نوع اتصال بمحل ومن الموجودات ما يستحيل عليه الاتصال فلم نطلق ~~القول بجواز تعلقه بكل موجود # والدليل على جواز الرؤية من جهة السمع قوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة ~~@QE@ والنظر المقرون بالوجه الموصول بحرف إلى لا يكون إلا بمعنى الرؤية قال ~~الله سبحانه وتعالى @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ فلما اتصف ~~قوم بالحجاب دل على ms53 أن اتصاف قوم بالرؤية # وقال تعالى @QB@ تحيتهم يوم يلقونه @QE@ واللقاء المقرون بالسلام لا يكون ~~إلا بمعنى الرؤية # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنكم لترون ربكم كما ترون القمر ~~ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ) # فإن استدلوا بقوله تعالى @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ فدل أنه لا يرى # فالجواب أن نفي الادراك لا يقتضي نفي الرؤية قال الله تعالى @QB@ لا ~~الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر @QE@ فنفني أن تكون الشمس مدركة PageV01P145 ~~للقمر ويجوز أن ترى الشمس القمر # جواب آخر نقول بظاهر الآية لأن الادراك ينبئ على الإحاطة والوقوف ~~والكيفية والباري تعالى يتقدس عن التحديد والكيفية فلا تحصل الإحاطة # فإن استدلوا بقول الله سبحانه وتعالى في قصة موسى @QB@ لن تراني @QE@ فدل ~~على أن الرؤية محال # فالجواب أن الآية حجتنا من وجوه أحدها أن موسى صلوات الله عليه سأل ~~الرؤية ومثل موسى لا يجوز أن يسأل المستحيل # الثاني أن الله علق رؤية موسى بأمر غير مستحيل وهو استقرار الجبل فقال ~~تعالى @QB@ فإن استقر مكانه فسوف تراني @QE@ وفي مقدور الله تعالى استقرار ~~الجبل فدل على جواز الرؤية # الآخر أن الله تعالى قال @QB@ لن تراني @QE@ ولم يقل لم يجز على الله ~~الرؤية # فإن قيل لو كان الباري مرئيا لرأيناه في وقتنا لأن الموانع مرتفعة من ~~الحجب الكثيفة إذ الباري تعالى ليس في مكان حتى يكون بيننا وبينه حجاب من ~~القرب المفرط والبعد المفرط ولما لم نره دل على استحالة الرؤية PageV01P146 # قلنا فلم حصرتم الموانع بما ذكرتم ولم أنكرتم على من يقول إنما لم نره ~~لمعنى قائم بالحاسة مضاد لرؤية الباري تعالى وهو أنه لم يخلق لنا الإدراك # والذي يدل عليه أن جبريل عليه السلام كان يحضر عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يراه والباقون ما كانوا يرونه مع جواز الرؤية والمريض عند ~~الموت يرى الملائكة وغيره لا يراها مع جواز الرؤية # فإن قيل هذا الذي ذكرتم من امتناع الرؤية لعدم خلق الإدراك محال لأنه ~~يؤدي إلى أن يكون بحضرة الإنسان أشخاصا وأطلالا وهو ms54 لا يراها مع سلامة ~~البصر وعدم الحجب والبعد المفرط والقرب المفرط لعدم الإدراك ومن جوز ذلك ~~نسب إلى الجهل # قلنا امتناع ذلك يجري العادة به وإلا فذلك يجوز عقلا # ونظير ذلك من المقدور أن يقلب الله تعالى جبال الدنيا ذهبا والمياه دما ~~ومن قدر وجوده اعتمادا على المقدور عد جاهلا # ومن الجائز أن يخلق الله تعالى بشرا سويا من غير والدين كما خلق آدم صلى ~~الله عليه وسلم ثم من رأى إنسانا وشك في كونه مولودا عن أبوين عد جاهلا لأن ~~ذلك راجع إلى استمرار العادة فكذا ما ذكرناه # | مسألة # مذهب أهل الحق جواز بعث المرسلين والأنبياء إلى الخلق كافة PageV01P147 # وأنكرت البراهمة وقالوا من المحال أن يبعث الباري بشرا رسولا والمسألة ~~تبتني على تحسين العقل وتقبيحه وقد قدمنا ذكره # والدليل على جواز بعث الأنبياء المعجزات الظاهرة على أيدي الأنبياء ~~وسنذكر شرائط المعجزة وكونها دلالة شبهتهم # قالوا لو قدرنا ورود نبي من الله تعالى لم يخل ما جاء به الرسول إما أن ~~يستدرك بالعقل أو لا يستدرك بالعقل فإن كان مما يستدرك بالعقل فلا فائدة في ~~بعثه الرسل وإن كان مما لا يستدرك بالعقل فلا يتلقى بالقبول وإنما يقبل ما ~~يدل عليه العقل فلم يكن فيه فائدة والحليم لا يفعل ما لا فائدة فيه # فيقال لهم ولم لا يجوز أن يكون ما جاء به الرسول مما يستدرك بالعقل ويكون ~~بعث الرسل تأكيدا له ومثله غير ممتنع كما لا يستحيل قيام أدلة عقلية على ~~مدلول واحد وإن كان في الواحد كفاية ويكون باقي الأدلة مؤكدا # جواب آخر لماذا لا يجوز أن يكون ما جاء به الرسول مما يستدرك عقلا إلا أن ~~العقلاء تغافلوا عنه فيكون مجيء الرسول لطفا من الله تعالى بالقوم لينتهوا ~~لما تغافلوا عنه فيكون فيه غرض # جواب آخر يقول لهم من الأمور ما لا يستدرك عقلا ويحتاج إليه العقلاء وهي ~~الأغذية الموافقة للبدن والسموم القاتلة فهلا جوزتم بعث نبي PageV01P148 ~~يبين لهم ذلك ويميز الأغذية الصالحة من السموم القاتلة # ومن ms55 شبههم قالوا نرى في هذه الشرائع أمور مستقبحة بالعقل مثل ذبح البهائم ~~وغيرها والحكيم لا يأمر بالفواحش وفيها أمور يمنع منها العقل وهو الإنحناء ~~في الركوع والإنكباب على الوجه في السجود وخلع الثياب في الإحرام والمشي ~~بين الجبلين في السعي ورمي الحجار وغير ذلك وإذا كان في جملة الشرائع مثل ~~هذه الأشياء والعقل ينكر علمنا أنه لا أصل له # قلنا أما فصل ذبح البهائم فمقابل فإنا نرى من فعل الله إيلام البهائم ~~والأطفال من غير جناية ولا يعد ذلك قبيحا فإذا لم يعد ذلك قبيحا في فعله ~~جاز الأمر به # وأما الثاني فمقابل فإن الواحد منا لو أخذ ثياب غيره وعراه ومنع منه ~~الطعام والشراب مع تمكنه منه يعد قبيحا # ثم الله تعالى يبلي عبده بالفقر والجوع والعطش ويبليه بسلب جوارحه ~~وأطرافه وسلب العقل حتى يتعاطى في حال جنونه ما يتعاطاه ولا يعد مستقبحا ~~وكذا ما أشاروا إليه من الأصل لا يعد مستقبحا # | مسألة # المعجزة دالة على صدق الأنبياء وحقيقة المعجزة الخبر عن PageV01P149 ~~امتناع المعارضة وتحديه للإتيان به # وللمعجزة خمسة شرائط أحدها أن يكون فعلا من الله تعالى ولا يجوز أن يكون ~~صفة قديمة وذلك لأن المعجزة دالة على صدق الرسول خاصة والصفة القديمة لا ~~اختصاص لها ببعض المخلوقات دون بعض # فإن قال قائل شرطتم في المعجزة كونه فعلا فلو أن نبيا ادعى وقال آية صدقي ~~عجزكم عن القيام عشرة أيام هل يكون ذلك معجزة أم لا فإن جعلتموه معجزة بطل ~~قولكم أن من شرطها أن يكون فعلا لأن هذا ترك الفعل # فالجواب أن ذلك معجزة ومعنى الإعجاز فيه راجع إلى الفعل وهو القعود ~~المستمر مع القصد إلى القيام # والشرط الثاني أن يكون الفعل خارقا للعادة لأنه إذا لم يكن خارقا للعادة ~~يستوي فيه الصادق والكاذب فلا يظهر الصدق # فإن قيل خرق العادة لا يدل على الصدق لأن المقدور أن يجري الله تعالى ~~عادة لم يعهد قبلها ولو اطردت واستمرت لم يكن معجزة وهو الذي ظهر لا يؤمن ~~أن يكون ms56 ابتداء عادة # فيقال لهم ولو قال نبي من الأنبياء آية صدقي أن يقلب الله العادة ويطردها ~~على خلاف ما هو معتاد لكان دليلا على صدقه لأن النادر الواحد إذا دل على ~~صدقه مع عود العادة إلى ما كان قبلها فلأنه تدل عادة مطردة PageV01P150 على ~~خلاف ما كان معهودا على صدقه أولى # فإن قيل الحكماء بحكمتهم اطلعوا على خاصية الجسم حتى توصلوا إلى قلب ~~النحاس ذهبا وامساك الحديد في الهواء بحجر له خاصية فأيش الذي يوجب أن يكون ~~هذا الذي ظهر على يد مدعي النبوة مثل ذلك يكون ما جاء به من خاصية بعض ~~الأجسام وقد انفرد هو بالإطلاع عليه # قلنا قول هذا الكلام يفضي إلى جحد الضرورات لأنا نعلم أنه ليس في قدرة ~~البشر إحياء العظم البالي وقلب العصا ثعبانا وشق القمر بنصفين ومن ادعى أن ~~بالحكمة يتوصل إلى مثل ذلك لا يعد عاقلا # الشرط الثالث تحدي النبي بالمعجزة وأن يكون ظهورها على وفق دعواه حتى لو ~~ظهرت على يد شخص وهو ساكت لم تكن معجزة وذلك لأن المعجزة دلالة من حيث إنها ~~تنزل منزلة تصديق الله تعالى للرسول وإذا كان دون التحدي لم تنزل منزلة ~~التصديق # مثاله أن من ادعى على جماعة من العقلاء أنه رسول ملكهم إليه وقد عرفوا من ~~عادة ملكهم أن لا يقوم إذا قعد في مجلس إلا في وقت معلوم فجاء الرسول ~~والمرسل يراه ويعلم حاله وادعى الرسالة وقال آية صدقي أن أسأل الملك تغيير ~~عادته في القيام والقعود فيوافقني عليه وسأله ذلك فوافق كان دلالة على صدقه # ولو ادعى الرسالة مطلقا ولم يقل إنه يوافقني على ما اقترحته عليه من ~~تغيير عادته فقام الملك وقعد لم يكن ذلك دليلا على صدقه PageV01P151 # الشرط الرابع أن يكون ظهور المعجزة بعد الدعوى والتحدي حتى لو ظهرت آية ~~فقال رجل من القوم أنا نبي الله والذي ظهر معجزتي لم يكن شيئا لأنه لا تعلق ~~لما مضى بدعواه ولا يدل على صدقه # فإن قيل فهل يجوز أن تتأخر المعجزة ms57 عن دعوى النبوة # قلنا إن تأخرت ووافقت دعواه بأن قال علامة صدقي في ظهور كذا في الوقت ~~الفلاني وظهر ما اخبر عنه على وفق ما قال لكان معجزة دالة على صدقه # الشرط الخامس أن تشهد المعجزة بصدقه ولا تشهد بتكذيبه حتى لو قال رجل ~~يدعي النبوة علامة صدقي أن ينطق هذا الحجر أو الشجر فأنطقه الله تعالى ~~بتكذيبه حتى قال أيها الناس إنه كاذب فاحذروه لم يكن ذلك معجزة ولا دلالة ~~على صدقه فهذه شرائطها # | مسألة # مذهب أهل الحق جواز ظهور ما يخرق العادة على أيدي الأولياء على سبيل ~~الكرامة # وأنكرت المعتزلة كرامات الأولياء بالكلية # والدليل على ثبوتها قصة أصحاب الكهف وما كانوا أنبياء # والدليل عليه قصة مريم عليها السلام فإنها خصت بكرامات فمن ذلك أن زكريا ~~كان يجد عندها في الشتاء فاكهة الصيف وفي الصيف فاكهة الشتاء حتى قال لها ~~@QB@ أنى لك هذا قالت هو من عند الله @QE@ PageV01P152 # ومن ذلك حديث جذع النخلة وصوت الحناء من الجذع بعدما جفت ويبست النخلة # ومن ذلك حديث أم موسى وما ألهمت والقصة ظاهرة في القرآن # ومن ذلك ما ظهر من الآيات لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ظاهر ~~سائغ فلم يكن معجزة لأنها سبقت دعوة النبوة والمعجزة لا تسبق النبوة ووقعت ~~من غير دعوى وشرط المعجزة الدعوى فعلم ذلك جواز الكرامة للأولياء بخرق ~~العادة # والدليل عليه أن الأصول الخارقة للعادة مقدورة من الله تعالى وليست ~~تستقبح عقلا وليس فيها قدح في المعجزات على ما تذكره فالقول بامتناعها لا ~~وجه له # فإن قالوا لو جاز ظهور ما يخرق العادة على يد ولي من وجه لجاز من كل وجه ~~وتجويز ذلك مضى إلى ظهور معجزة الأنبياء على يد الأولياء وفيه تكذيب النبي ~~الذي تحدى به وقال آية صدقي أني آتي بكذا ولا يأتي أحد بمثل ما أتيت به ~~وإذا كان يؤدي إلى إبطال النبوات لم يجز القول به # قلنا هذا فاسد فإن الشيء الواحد من خوارق العادة يجوز أن يكون معجزة لنبي ms58 ~~بعد نبي وظهوره على يد نبي آخر لا يقدح في نبوة الأول فكذا بظهوره على يد ~~ولي # فإن قيل الذي أظهر تلك المعجزة يفيد دعواه ويقول لا يأت بمثل ذلك إلا من ~~يدعي النبوة وكان صادقا فلا يقدح ذلك في نبوته # قلنا إذا جاز أن تفيد الدعوى بما ذكرتم جاز أن تفيده بما نخرج منه ~~PageV01P153 الكرامة فيقول لا يأت بها مسيء ولا من يقصد تكذيبي فلا تكون ~~الكرامة قادحا فيها لأنه لا يقصد تكذيبه # إذا ثبت ما ذكرنا من الدلائل على جواز ظهورها بخرق العادة على يد ~~الأولياء على سبيل الكرامة فماذا تتميز الكرامة عن المعجزة # اختلفوا فيه فذهب قوم إلى أن شرط الكرامة أن تكون من غير إيثار واختيار ~~من الولي والمعجزة يكون بالإيثار والاختيار فيفترقان # وقوم قالوا يجوز ظهور الكرامة على يد الولي مع الاختيار ولكن لا يجوز ~~ظهورها مع دعوى الولاية حتى لو ادعى الولاية وأراد إثباتها بالكرامة لم ~~يخرق المعجزة فظهر مع دعوى النبوة # والفرق الصحيح أن الكرامة لا تقع موافقا لدعوى الولي والمعجزة شرطها أن ~~تكون موافقة لدعوى مدع النبوة فيظهر به الفرق # | مسألة # مذهب أهل الحق أن السحر حق ومعناه أنه موجود # وأنكرت المعتزلة ذلك قالوا لا أصل له # والدليل عليه قصة هاروت وماروت وهو ظاهر في نص القرآن # والدليل عليه اتفاق أهل التفسير على أن نزول المعوذتين في سحر لبيد بن ~~أعصم لرسول الله صلى الله عليه وسلم # والدليل عليه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سحرته اليهود فتكوعت يده ~~فأجلاهم عمر عن ديارهم وروي أن جارية لعائشة سحرتها فباعتها عائشة ~~PageV01P154 # والدليل عليه إجماع الفقهاء على السحر واختلافهم في أحكامه حتى تكلموا في ~~وجوب القصاص على من قتل بالسحر فدل ذلك على أنه موجود # فإذا ثبت كون السحر موجودا فالسحر موافق للكرامة إلا أن السحر لا يظهر ~~إلا على يد فاسق والكرامة لا تظهر على يد فاسق بل تظهر على يد من يكون حاله ~~موافقا للشرع والدين # | مسألة # محمد صلى الله ms59 عليه وسلم نبي حقا وهو أفضل الأنبياء وخاتم النبيين # وليست النبوة وصفا راجعا إلى نفس النبي ولا إلى صفة من صفاته ولا إلى علم ~~ربه لأن غير النبي يكون عالما بربه ولكن النبوة قول الله عز وجل لمن يصطفيه ~~ويختاره أنت رسولي فهو من أحكام القول لا من صفات الفعل # وأنكرت رسالة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم طائفتان إحداهما اليهود ~~وطريقتهم منع النسخ والثانية أنكروا معجزته # وذهب قوم يسمونهم العيسوية إلى أنه رسول الله إلى العرب خاصة دون سائر ~~الناس # فأما الكلام مع اليهود فيبنى على أصل وهو جواز النسخ وأنكره اليهود ~~وحقيقة النسخ عندنا الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بخطاب آخر قبله ~~ولولا الخطاب الثاني لاستمر الحكم المنسوخ ومن PageV01P155 ضروريته رفع ~~حكمه بعد ثبوته # والدليل على جواز النسخ أنه لو كان مستحيلا لكان لا يخلو أما أن يكون ~~استحالته لنفسه كاستحالة اجتماع المتضادين مثل الحركة والسكون والافتراق ~~والاجتماع أو تكون استحالة لكونه قادحا في صفة من صفات الإلهية ولا يجوز أن ~~يكون استحالته لنفسه لأن كون الشيء مأمورا به ليس لنفسه ولا يكون منهي عنه ~~لنفسه وإذا لم يكن مأمورا به أو منهيا عنه من صفات نفسه لم يجز امتناع ~~النهي عما أمر به لنفسه # ولا يجوز أن يكون لكونه قادحا في صفة من صفات الإلهية لأنه ليس في النسخ ~~ما يضاد العلم والقدرة والإدارة ولا شيئا من الصفات فلم يكن مستحيلا # فإن قيل هو مستحيل لأنه بداء والبداء لا يجوز على الله تعالى # قلنا النسخ ليس هو بداء لأن معنى البداء استفادة علم لم يكن وقد يكون ~~عبارة عمن يهم بأمر ويقصده ثم يندم على ما قدم # ولا يتحقق ذلك في وصفه سبحانه لأن علم الباري متعلق بجملة المعلومات على ~~ما هي عليه لا يتجدد له علم لم يكن وليس له تعلق بالإرادة لأن على أصلنا ~~يجوز أن يأمر الباري تعالى بما لا يريده وينهى عما يريده وليس ذلك بمستحيل ~~وقد قدمنا ذكره # فإن قالوا فيه ms60 استحالة لأن ما أوجبه الله تعالى فقد اخبر عن كونه واجبا ~~فلو خطره واخبر عن كونه محظورا لا يقلب الخبر الأول خلقا PageV01P156 # وذلك مستحيل في وصف الباري سبحانه وتعالى لأن خبره صدق لا محالة # قلنا هذا ليس بصحيح لأن الوجوب ليس بصفة للواجب على اصلنا ولكن الواجب ~~الذي قيل فيه افعل فاذا اخبر الباري تعالى عن وجوب شيء فمعناه أنه أخبر عن ~~الأمر به وإذا نهى عنه اخبر عن النهي عنه فلم تكن بين الأخبار عن الأمر به ~~وبين الأخبار عن النهي عنه تناقض وإنما يقع التناقض لو كان الوجوب صفة ~~الواجب يقع الخبر به والنهي صفة المنهي عنه يقع الخبر عنه فيقع التناقض # فإن قالوا أنتم جوزتم النسخ ثم ادعيتم أن شريعتكم مؤيدة فإذا طولبتم ~~بالدليل عليه صرتم إلى إخبار رسولكم بتأييد شرعه وأنه لا نبي بعده ونحن ~~ندعي أيضا أن موسى عليه السلام أخبر بتأيد شرعه وأنه لا نبي بعده # قلنا لو صح ما قلتوه عن موسى لكان صدقا ولو كان صدقا لما ظهرت المعجزة ~~على يد عيسى ومحمد صلى الله عليهما فلما ظهرت المعجزة على يد من ادعى ~~النبوة بعد موسى ظهر به كذبهم فيما ادعوه فإن طعنوا في معجزة عيسى ومعجزة ~~رسولنا صلى الله عليهما لم ينفصلوا عمن يعكس ذلك عليهم في معجزة موسى # جواب آخر عن سؤالهم PageV01P157 # نقول ادعيتم محالا فإنه لو كان لما قلتم أصل لكان أولى الاعصار بإظهار ~~ذلك عصر رسولنا صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الجاحدين لرسالته صلى الله ~~عليه وسلم من اليهود في عصره ما تركوا مجهودا في رد نبوته فلو كان في ~~التوراة نص لا يقبل التأويل في تأييد شرعه لأظهروا ذلك فلما لم يظهروا دل ~~على فساد أقوالهم # وأما الكلام على الطائفة الثانية وهم الذين أنكروا معجزته فنقم عليهم ~~إثبات كون القرآن معجزا # وبيان الإعجاز فيه من ثلاثة أوجه أحدها جزالة اللفظ وفصاحته مع كونه ~~مخالفا للنظم المعهود عند العرب وهو نظم الشعر وهذا امر لا مراء فيه ms61 لأن ~~العرب مع فصاحتهم وكونهم من أهل اللسان كلهم انقادوا له وأقروا بفصاحته ثم ~~منهم من صرح بالإقرار ومنهم من سكت # والدليل على اعترافهم أنهم ارتقوا في دفعه بالمجاوبة إلى محاربته بالسيوف ~~حتى قتلوا وقهروا ونهب أموالهم وسبي ذراريهم والعاقل لا يشتغل بأمر يكون ~~فيه هلاكه وهو يقدر على دفع الخصم بما لا يخاف منه الهلاك والضرر فلو قدروا ~~على معارضته لاشتغلوا به فثبت أنه من أفصح الكلام # ومعنى الفصاحة والبلاغة فيه يعود إلى أمرين أحدهما العبارة عن ~~PageV01P158 المعنى السديد بلفظ شريف يدل على المقصود من غير زيادة وجمع ~~المعاني في الكثرة عبارة وجيزة وهذا لا يعد القراءة كثرة # فمن ذلك أنه أخبر عن قصص الأولين وعن إهلاكهم في شطر آية وهو قوله تعالى ~~@QB@ فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به ~~الأرض @QE@ الآية وكذلك أخبر عن سفينة نوح واجرائها على الماء واهلاك ~~الكفرة واستقرار السفينة وتسخير الأرض والسماء بالأمر في ألفاظ وجيزة وهو ~~قوله تعالى @QB@ وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها @QE@ إلى آخر ~~الآية وأخبر عن الموت وحسرت في الدار الآخرة وثوابها وعقابها وأنها دار ~~غرور وأنها قليلة بالإضافة إلى دار البقاء في ألفاظ معدودة وقوله تعالى ~~@QB@ كل نفس ذائقة الموت @QE@ إلى آخرها وأمثال هذا كثيرة # والوجه الثاني من البلاغة أنه ذكر القصص واستوفاها بأجزل عبارة وأفصحها ~~والبلغاء أنما يحسن كلامهم في التثبيت فإذا شرعوا في حكاية الأحوال تركوا ~~الجزالة له وإن أرادوا الجزالة لم يذكروا مقصودهم من المعنى إلا بتطويل ~~وزيادة على القدر المحتاج إليه فظهر به الفصاحة # والوجه الثالث من الإعجاز أن القرآن تضمن الأخبار عن القصص PageV01P159 ~~الأولين على وفق ما كان في الكتب المنزلة على الرسل قبله والرسول كان أميا ~~لم يكن قد درس الكتب ولا اشتغل بالعلم وكان قد نشأ بينهم ولم يعرف له سفر ~~يتوقع فيه تلقف العلم فظهر بذلك صدقه # والوجه الرابع أنه تضمن الأخبار عن أمور مستقبلة كلها ما وقع الأخبار ~~عنها موافقا له فمن ذلك ms62 قوله @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ ولم يقدروا عليه وقال @QB@ فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا @QE@ وما قدروا عليه وقال تعالى @QB@ لتدخلن المسجد ~~الحرام @QE@ وتحقق دخوله وقال @QB@ الم غلبت الروم @QE@ وقد تحقق ذلك في ~~القرآن أكثر من أن يحصى فظهر بذلك كون القرآن معجزا وإذا ثبت ذلك لزم ~~الانقياد وبطل دعوى من أنكر المعجزة # وأما الكلام مع العيسوية فظاهر لأنهم اعترفوا بصدقه فيما ادعى من الرسالة ~~وقد ادعى الرسالة إلى جملة الخلق وبعث الرسل إلى الأكاسرة والقياصرة وبعث ~~إليهم السرايا واشتغل بالقتال معهم فثبت أنه رسول إلى كافة الخلق # | مسألة # الأنبياء معصومون عما يناقض مدلول المعجزة وهو صدقهم فلا يجوز ~~PageV01P160 عليهم الكذب فيما يبلغون هذا لا خلاف فيه # والدليل عليه أنه لو جاز عليهم الكذب لم تقع الثقة بهم فكان في ذلك إبطال ~~فائدة المعجزة وأما غير ذلك من الكبائر فهم معصومون عنها وطريق إثباته ~~الاجماع فإن العقل لا يدل عليه # وأما الصغائر فاختلفوا في جوازها عليهم فمنهم نفاها تحقيقا للعصمة ومنهم ~~من جوزها وعليه يدل قصص الأنبياء وهو ظاهر في القرآن مثل قصة داود وغيره # | مسألة # حشر الخلائق ونشرهم بعد افنائهم حق والله تعالى قادر على الإعادة بعد ~~وجوده إلى الفناء جوهرا كان أو عرضا # وأنكر قوم من الملحدة والزنادقة الحشر # وقالت المعتزلة الجواهر والأجسام والأعراض الباقية المقدورة لله تعالى ~~يجوز إعادتها فأما ما لا يجوز بقاؤها من الأعراض فلا يجوز إعادتها وكذلك ما ~~كان مقدورا للعباد لا يجوز إعادتها والباري تعالى لا يقدر على إعادتها # وقالت الكرامية أن الباري لا يقدر على إعادة الجواهر بعد فنائها ولكن ~~يعيد أمثالها وأشباهها # والدليل على جواز الحشر والنشر والإعادة بما نص الشرع عليه في ~~PageV01P161 قوله @QB@ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ وتحقيق ذلك أن ~~الإعادة ليست مخالفة النشأة الأولى لأن المعاد هو المخلوق نفسه ولا يجوز أن ~~يقدر الشيء خلاف نفسه وإذا كان مثل الأول جاز وجوده لأن من حكم المثلين ~~التساوي في ms63 الجائز والواجب من أحكامه # والدليل عليه أن الأوقات التي تقارن الموجودات لا تأثير لها فيما يظهر من ~~الحوادث وإذا لم يكن للوقت تأثير فيما وقع وحدث في وقت لم يمتنع وقوعه في ~~غيره # وإذا ثبت أنه غير مستحيل منصوص الكتاب دلت عليه أنه سيكون قال الله تعالى ~~@QB@ وإليه تحشرون @QE@ وقال @QB@ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ~~@QE@ وغير ذلك من الآيات # فأما ما قالت الكرامية فهو إبطال العقاب والثواب بالكلية وذلك لأن الله ~~تعالى إذا أفنى العيال ولا يقدر على إعادتهم وإنما يعيد أمثالهم فالثواب ~~ليس للمطيع وإنما هو لمثله والعقاب ليس للعاصي وإنما يكون لمثله ومثله لا ~~طاعة له ولا معصية # فإن قيل إذا جوزتم إعادة الجواهر والأعراض والأجسام يفنيها PageV01P162 ~~الله تعالى بكليتها جواهرها وأعراضها ثم يعيدها أم يفني أعراضها المعهودة ~~ثم يعيدها # قلنا كلا الأمرين جائز عقلا ولم يرد دليل سمعي يوجب القطع بأحد الأمرين ~~فكلاهما جائز وقوعه # | مسألة # عذاب القبر ومسائلة منكر ونكير حق ثابت # وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا لا عذاب في القبر ولا سؤال # والدليل عليه أن العذاب في القبر ليس ما يستحيل عقلا لأن الله تعالى قادر ~~على إحياء الموتى وقادر على أن يبعث إليهم رسولا يسألهم وما كان جائزا عقلا ~~وورد به السمع فلا بد من اتباعه قال الله تعالى في قصة فرعون @QB@ وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب @QE@ وهو العذاب قبل الحشر لأن الله تعالى أخبر عما يكون ~~يوم القيامة من حالهم @QB@ ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ~~@QE@ والدليل عليه أن الأخبار قد تواترت باستعاذة رسول الله من عذاب القبر # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال ( أنهما يعذبان وما ~~يعذبان PageV01P163 في كبيرة أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة والآخر فكان لا ~~يتنزه من البول وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( استنزهوا من البول فإن ~~عامة عذاب القبر منه ) # وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع سعد بن معاذ في القبر تغير ~~وجهه فقال ( سبحان ms64 الله ) فسئل عن ذلك فقال ( رأيت القبر ضمه ضمة أقام منها ~~أضلاعه ) # فإن قيل نحن نشاهد الميت كما كان لم يتغير حتى لو كان على بطنه قدح من ~~ماء لم يتغير عن حاله # فيقال أن مثل هذه الاستعاذات لا يعول عليها وهو مثل استعاذات الكفرة ~~إحياء العظام البالية واعادة الحق بعد افنائها والله تعالى قادر على أن ~~يرينا صورته على حاله وألما على بطنه ويكون معذبا كما أنا نشاهد الرجل به ~~الوجع الشديد والآلام العظيمة وهو على صفته PageV01P164 # فإن قيل من آكلته السباع أو حرق وفرق رماده كيف يسأل وكيف ترد إليه الروح ~~فيقال له ليس من شرط الحياة بنية مجتمعه ولا جثة كبيرة فإنا نشاهد حيوانات ~~صغيرة الجسم وإذا لم يكن كبر الجسم شرطا والله سبحانه وتعالى يجمع منها ~~جزءا يعلمها ويرد عليه الروح ويتوجه عليه السؤال والعقاب لو أراد معاقبته ~~وليس ذلك بمستحيل # | مسألة # الروح أجسام لطيفة يجتمع مع الأجسام المحسوسة والله تعالى أجرى العادة أن ~~الحياة تستمر في الأجسام المحسوسة إذا كانت تلك الأجسام اللطيفة مجتمعة ~~معها وتفارقها الحياة إذا فارقتها تلك الأجسام # وأما الحياة فعرض والأجسام اللطيفة المحسوسة تكون حسية بالحياة وهي صفة ~~تقوم بالجسم لأن الروح توجب الحياة وهذا كما أجرى الله تعالى العادة بظهور ~~الشبع عند الأكل والري عند الشرب والله خالق الري والشبع ولكن يجري العادة ~~يكون ذلك عند الأكل والشرب # ثم الأرواح إذا فارقت الأجسام فما كان من أرواح الموحدين يكون في الجنة ~~في حواصل طير خضر وما كان من أرواح الأشقياء يهبط بها إلى سجين كما ورد به ~~الأخبار والآثار وليس للعقل في هذا مجال PageV01P165 # | مسألة # الكتب التي يحاسب عليها العباد حق والميزان حق والصراط حق وهو جسر ممدود ~~على جهنم ترد عليه الخلائق فإذا وردوها يسلون عليها # والحوض حق وهو حوض من الماء أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم كرامة ~~له يسمى الكوثر # وأنكرت المعتزلة الكتب والصراط وصنف من المبتدعة أنكروا الحوض # والطريق في إثبات هذه الأشياء أن كل ms65 هذه الأمور من مجوزات العقل إذ ليس ~~في شيء منها استحالة والسمع قد ورد بجميع ذلك قال الله سبحانه وتعالى @QB@ ~~وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وأما من أوتي كتابه بشماله @QE@ @QB@ فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه @QE@ @QB@ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره @QE@ وقال في الميزان ~~@QB@ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة @QE@ ووردت الأخبار عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بصفة الصراط وبالحوض وبصفته وفي القرآن ما يدل عليه وهو ~~قوله سبحانه وتعالى @QB@ إنا أعطيناك الكوثر @QE@ فوجب الإيمان بجميعه ~~PageV01P166 # فإن قيل كيف توزن الطاعات والمعاصي وهي أعراض لا يمكن وزنها # فيقال الخبر قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه توزن الصحف ~~والله ينقلها في الميزان على قدر ما تعلق بها من الثواب والعقاب في علمه # فإن قيل ورد في الخبر أن هذا الصراط أدق من الشعرة واحد من السيف وحصول ~~الخلائق على ما هذا وصفه غير ممكن # قلنا هذا خطأ فإن الوقوف في الهواء على الماء غير مستحيل وبماذا يستحيل ~~الوقوف على صراط وصفه ما ذكرنا # | مسألة # الجنة والنار مخلوقتان مدة حياة الدنيا وموجودتان على الحقيقة # وأنكرت المعتزلة كونهما مخلوقتين في الحال وقالوا الله سبحانه وتعالى ~~يخلقهما يوم القيامة وما ورد من قصة آدم فكان في بستان من بساتين الدنيا # والدليل على ما ذكرناه أن كونهما مخلوقتين ليس بمستحيل في العقل وقد ورد ~~السمع بذلك قال الله تعالى @QB@ وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ~~@QE@ PageV01P167 وقال الله تعالى @QB@ عندها جنة المأوى @QE@ # والدليل عليه قصة آدم وإدخاله الجنة وإخراجه منها وما قالوا أنه كان في ~~بستان من بساتين الدنيا فخطأ لأن الله سبحانه وتعالى وعده الرد إليها ولا ~~يكون رده إلى بساتين الدنيا # فإن قالوا أي فائدة من خلقهما قبل وقت الثواب والعقاب # قلنا أفعال الله لا تحمل على الاعتراض بل هو الفعال لما يريد ويشاء من ~~غير حاجة وغرض # | مسألة # ثواب المطيع وعقاب العصاة ليس بحق على الله من جهة ms66 العقل ولكن الخبر ورد ~~بأنه يثيب المطيعين ويعذب العصاة ووعده حق ووعيده حق # وقالت المعتزلة يجب على الله تعالى أن يثيب المطيعين حتما ويجب عليه ~~معاقبة من عصاه ومات من غير توبة # والدليل على بطلان قولهم أن السيد إذا قام بمؤنه عبده وكفايته وأعطاه ~~زيادة على ما يحتاج إليه وأنعم عليه ولم يكلف العبد بذل جهده في الخدمة ~~أقصى ما يقدر عليه بل تركه مودعا مرفها في عامة أوقاته يشتغل PageV01P168 ~~بلذاته وشهواته وأمره بالخدمة في بعض الأوقات على وجه ليس فيه مشقة عظيمة ~~فالعبد لا يستحق بإزاء تلك الخدمة على سيده شيئا فإذا كان هذا سبيل من يخدم ~~مثله فكيف سبيل من يعبد الله سبحانه وجميع عباداته لو قوبلت بأدنى نعمة من ~~الله عليه لما كان له في مقابلة تلك النعمة خطرا # وأيضا فإن عبادة العباد شكرا على النعمة وشكر النعمة واجب خصوصا عندهم ~~فإنهم أوجبوه عقلا وليس من حكم العقل استيجاب عوض على ما هو واجب إذ لو ~~استحق العبد بشكره عوضا لاستحق الرب عليه شكرا آخر لأن الثواب وذلك يؤدي ~~إلى ما لا ينتهي # ومن الدليل على فساد قولهم أنهم قالوا يجب على الله سبحانه وتعالى أن ~~يثيب المطيعين ثوابا مؤبدا ويعاقب العصاة عقابا مؤبدا وطاعات العبد ومعاصيه ~~متناهية محصورة ونحن نعلم أن من جنى جناية وقدر له دوام البقاء لم يحسن ~~معاقبته على الجناية أبدا ولأنهم قالوا الثواب يتأخر إلى يوم القيامة # وليس من حكم العقل تأخير المستحق عن مستحقه وحبسه عنه مع القدرة فهلا ~~أوجبوا الثواب في الوقت حتى يزداد العبد بذلك رغبة في الطاعة فظهر فساد ~~قولهم # | مسألة # من ارتكب كبيرة ولم يوفق للتوبة لم يستحق اسم الكفر ولا يبطل ثواب عمله ~~ولا يستحق التخليد في النار والذنوب كلها كبائر عندنا من حيث PageV01P169 ~~أنها مخالفة لأمر الرب تعالى إلا أنها في أنفسها متفاوتة فبعضها أعظم من ~~البعض # وقال قوم من الخوارج إنه يستحق اسم الكفر على وجهة كفران النعمة # وقالت المعتزلة لا نسميه مؤمنا ولا ms67 كافرا ولكن يسمى فاسقا وهو منزلة بين ~~منزلتين # واتفقوا على أنه يستحق التخليد في النار ولا يغفر ذنبه ويبطل ثواب أعماله # فنقول لهم قد قلتم أن الباري تعالى يحبط أعماله بذلة واحدة # ونحن نعلم أن من خدم غيره مدة وبذل جهده في رعاية حقه زمانا طويلا وما ~~وقعت إلا هفوة وزلة وصاحبه علم أنه قادر على منعه ولم يمنعه منه أن لا يحسن ~~إحباط جميع خدمته بسبب ذلك فإذا كان لا يحسن ذلك فيما بين المخلوقين كيف ~~يجب ذلك على الباري جلت قدرته # وأيضا فإنها لا كبيرة توازي مغفرة الله تعالى كما لا طاعة تقابل الكفر ~~بالله تعالى وإنما تعرف الأشياء بأضدادها فكان من سبيلهم أن يقولوا يبطل ~~الثواب بالمعرفة PageV01P170 # فأما أن يبطل بها ثواب الإيمان فلا ولأن الثواب والعقاب إن كانا متنافيين ~~فلم كان إبطال الثواب بالعقاب أولى من إبطال العقاب بالثواب بل إحباط ~~العقاب أولى لأن السمع ورد به قال الله تعالى @QB@ إن الحسنات يذهبن ~~السيئات @QE@ ولأن الكبيرة تقارن الطاعات ولا تمنع من صحتها حتى لو تاب ~~بعده يثاب عليها # ولو كان يسقط ثواب الطاعة لكان ينافي صحته كما في حال الردة ولأن من بغى ~~عليه عبده وعصاه فعاقبه مدة ثم رده إلى الكرامة لم يستقبح ذلك فكيف تحكموا ~~بأنه لا يجوز من الله تعالى أن يعفو عنه ويرده إلى الكرامة ويتضح ذلك بآيات ~~من كتاب الله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إن الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ وقال @QB@ لا تقنطوا من رحمة الله @QE@ ~~وقال @QB@ ومن يغفر الذنوب إلا الله @QE@ فإن استدلوا بقوله @QB@ ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها @QE@ # قلنا معناه ومن يقتل مؤمنا مستحلا قتله فيكون معناه من قتل مؤمنا لأجل ~~إيمانه ومن فعل ذلك فهو كافر مخلد في النار هكذا قاله ابن عباس رضي الله ~~عنه وهو ترجمان القرآن PageV01P171 # ثم نعارضه بقوله @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء @QE@ ولا يصح حمله على موضع ms68 التوبة لأن الله تعالى علق التوبة على ~~المشيئة وقبول التوبة على قولهم حتم فمن تاب يغفر له حتما لأنه فارق ذلك ~~بمشيئته # | مسألة # شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم حق للعصاة من أمته # وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا لا يجوز الشفاعة لأهل الكبائر وشفاعته صلى ~~الله عليه وسلم لرفع الدرجات لا لغفران السيئات # والدليل على بطلان قولهم أن قبول الشفاعة للعصاة ليس مما يحيله العقل فإن ~~من عصى مالكه وخالقه لا يستقبح في العقل أن تتشفع إليه بعض المختصين به حتى ~~يعفوا عنه وإذا كان جائزا في العقل # فالسنة المستفيضة قد وردت به موجب الإيمان به فإن حملوه على الشفاعة لرفع ~~الدرجات ثم يصح لأن في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وفي خبر آخر أنه يجيء إليهم فيخرجهم من النار ~~والمطيعين لا يكونوا في النار PageV01P172 عندهم # | مسألة # عندنا حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب والطاعات تسمى إيمان على سبيل ~~التوسعة ويوصف الباري تعالى بأنه مؤمن قال تعالى @QB@ السلام المؤمن @QE@ # ونوصف به العباد أيضا إلا أن إيمان الله تصديقه لنفسه ورسله بما جاءوا به ~~وإيمان العباد تصديقهم لمعبودهم ولرسله وكتبه وإيمان الباري تعالى قديم ~~وإيمان العبد مخلوق # وقال بعض أصحاب الحديث الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل ~~بالأركان وجميع الطاعات عندهم من الإيمان # وقال بعضهم الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان # وقالت الكرامية الإيمان هو الإقرار المجرد باللسان فحسب حتى أن من أقر ~~باللسان وأضمر الكفر فهو مؤمن حقا ويستحق الخلود في النار ولو أضمر الإيمان ~~ولم يظهره فليس بمؤمن ويدخل الجنة # وقالت الخوارج وإليه ذهب بعض المعتزلة أن الإيمان هو الطاعة فحسب والغرض ~~من هذا القول أن من خالفنا في حقيقة الإيمان لا يصف الفاسق بالإيمان وعندنا ~~الفاسق مؤمن على التحقيق # والدليل على أن الفاسق مؤمن أن الإيمان في اللغة هو التصديق قال الله ~~تعالى في قصة يوسف @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ أي بمصدق PageV01P173 ~~والفاسق مصدق ويوصف بالإيمان # والدليل عليه أن الأحكام المختصة ms69 بالمؤمنين تجري على الفسقة من الدفن في ~~مقابر المسلمين والصلاة عليهم وصرف مال المصالح وصرف الزكوات إليهم وغير ~~ذلك ولأنهم سموه عارفا بالله تعالى مع فسقه فلم لا يجوز أن يسمى مؤمنا فإن ~~استدلوا على أن الإيمان هو الطاعات يقول الله تعالى @QB@ وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم @QE@ وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس وقال صلى الله عليه ~~وسلم ( الإيمان بضع وسبعون بابا ) # فالجواب أنا نساعدهم على وقوع اسم الإيمان على هذه الأشياء لأنها تتصل به ~~ومن جملة أحكامه ولكنه مجاز # فإن قيل إذا قلتم أن الإيمان هو التصديق يلزمكم أمران أحدهما امتناع ~~زيادته ونقصانه إذ التصديق لا يتغير والله تعالى وصفه بالزيادة فقال @QB@ ~~فزادهم إيمانا @QE@ # والثاني أن يكون إيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمان الأنبياء ~~والأولياء والصديقين مثل إيمان الفاسق المنتهك لأن التصديق في حق الجميع ~~واحد وذلك محال # قلنا لا يلزمنا شيء من ذلك لأن التصديق عرض من الأعراض وهو كلام النفس ~~والأعراض عندنا لا تبقى بقاء الزمن فهو في حق رسول الله يتوالى ويتعاقب ولا ~~يكون له فترة لغفلة ولا شك ولا نوم وإليه أشار صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P174 حيث قال ( تنام عيناي ولا ينام قلبي ) وفي حق غيره لا يتعاقب ~~عليه مثل ما يتعاقب في حقه ويقع فيه الفترة بالغفلة والنوم في حق الفسقة ~~والجهال بالشك قد ظهر بذلك التفاوت ويتحقق الزيادة بزيادة تجدد التصديق ~~المجدد # | مسألة # التوبة في اللغة الرجوع يقال تاب إذا رجع فإذا أضيفت التوبة إلى الله ~~تعالى كان المراد به رجوع نعمائه إلى عباده وإذا أضيفت إلى العباد كان ~~المراد بها رجوعا من الزلات والمعاصي إلى الندم عليه والتوبة في اصطلاح ~~الناس الندم على المعصية # وأما شرائط التوبة فالمعاصي قسمان قسم منها يتمحض حقا لله تعالى لا يتصل ~~بحق الآدميين # والقسم الثاني ما يتصل بحق الآدميين فأما ما هو حق الله تعالى فإن كان ~~ارتكاب محظور مثل الشرب والزنا وغيره فله شرطان أحدهما الندم على ما كان ~~منه وحقيقة الندم أن ms70 يتمنى أن ما كان منه ليته لم يكن # والشرط الثاني أن يعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل وإن كان يترك ~~مأمور مثل الصلاة والصوم فله ثلاث شرائط الندم على التفريط PageV01P175 ~~وقضاء ما تركه والخروج منه والعزم على ترك العود إليه # وأما ما يتصل بحق العباد فله ثلاث شرائط الخروج عن حقه مثل رد المغصوب ~~وغرامة ما أتلف عليه من مال ونفس وإن لم يكن له بدل مثل القصد والضرب ~~والأذية فيطلب رضاه ويطيب قلبه بما يقدر عليه والندم على ما حصل منه والعزم ~~على تركه والعود إليه فإذا اجتمعت هذه الشرائط على ما ذكرناه تصح التوبة # | مسألة # التوبة واجبة على كل من عصى الله تعالى وخالف أمره # والدليل عليه الآيات الواردة في كتاب الله تعالى في الأمر بالتوبة مثل ~~قوله تعالى @QB@ وتوبوا إلى الله @QE@ وغير ذلك من الآيات # والدليل عليه إجماع الأمة على وجوب ترك المعاصي والندم على ما حصل في ~~الوجود فثبت أنه واجب # | مسألة أخرى # قبول التوبة لا تجب على الله عقلا # وقالت المعتزلة يجب على الله تعالى قبول التوبة PageV01P176 # والدليل على فساده أنا إذا رجعنا إلى الشاهد ورأينا الواحد منا أساء إلى ~~غيره وبالغ في عداوته ثم جاء معه إليه معتذرا لا يحتم عليه من قضية العقل ~~قبول توبته حتى لو امتنع من ذلك لا يعد مخالفا للعقل فإذا لم يكن ذلك في ~~الشاهد حتما كيف أوجبوا على الله تعالى # والدليل عليه إجماع المسلمين على الرغبة إلى الله تعالى في قبول توبتهم ~~والخضوع والخشوع خوفا أن لا تقبل التوبة فثبت أنه غير واجب # فإن قيل إذا لم تحكموا بوجوب قبوله عقلا فهل تقطعون بقبوله سمعا أم لا ~~قلنا أما التوبة عن الكفر فمقبولة قطعا وأما التوبة عن المعاصي فقد ورد به ~~ظواهر القرآن مثل قوله تعالى @QB@ غافر الذنب وقابل التوب @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده @QE@ إلا أن هذه ظواهر وليست مما توجب ~~القطع في حق كل أحد والظاهر أن الباري يقبل التوبة ms71 عن كل ذنب في كل مذهب # | مسألة # تصح التوبة عن بعض الذنوب عندنا مع الإصرار على غيره # وقال أبو هاشم من المعتزلة لا يصح ذلك # والدليل على بطلان قوله أن من تعدى على رجل بغصب أمواله وهتك محارمه ~~وإيلامه بالضرب وتحريق الثياب ثم غرم ما PageV01P177 أتلفه ورد ما أخذه ~~واعتذر عن هتك حرمته ولم يعتذر عما مزق من ثيابه يصح اعتذاره مما يعتذر فيه ~~ولأن الكافر لو أسلم صح إسلامه وإن كان مصرا على زله وكذا إذا تاب عن ذنب ~~وجب أن تصح توبته مع الإصرار على غيره ولأن عنده الطاعة حسنة بالعقل ~~والمعصية مستقبحة بالعقل # ثم اتفقنا على أنه يصح منه الطاعة مع تركه ليغيرها فكذا وجب أن تصح منه ~~التوبة مع الإصرار على غيرها # | مسألة # من تاب عن ذنب وصحت توبته ثم عاد إلى الذنب فالتوبة الماضية صحيحة ولا ~~تبطل # وإنما قلنا ذلك لأن التوبة عبادة من العبادات فلا يقدح فيها بعد صحتها ما ~~يظهر بعدها كسائر العبادات وعليه تجديد التوبة لما أحدثه من الذنب وتكون ~~هذه التوبة عبادة أخرى # | مسألة # شرائط الإمامة أن يكون من ينصب إماما رجلا مسلما حرا عاقلا بالغا مجتهدا ~~بحيث لا يحتاج أن يستفتي فيما يقع من الحوادث وأن يكون مهتديا إلى الأمور ~~يضبط أمور المسلمين ويقوم بمصالحهم ذا رأي قوي حصيف بتجهيز الجيوش وسد ~~الثغور وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق PageV01P178 وأن يكون ورعا موثوقا ~~بدينه لأن من لا يكون ورعا لا يقبل قوله في حكومة فكيف في أمور المسلمين # ويشترط أن يكون قرشيا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الأئمة من ~~قريش ) رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم السقيفة وانقاد الصحابة له ~~وما خالفوه # | مسألة # نصب إمامين في عصر واحد لا يجوز لأن الغرض من نصب الأئمة صلاح أمور ~~المسلمين وانتظام أسبابهم وسكون الفتنة الثائرة وإذا نصب إمامان في عصر ~~واحد فاتت المصلحة وكان في ذلك ظهور فتنة بين المسلمين ووقوع الحرب ~~والعداوة بينهم فمنع منه واخترنا الواحد لكون الأمور ms72 كلها صادرة عن رأيه ~~فلا تعضل الأمور # فإن قيل أليس يجوز نبيان في عصر واحد وأنبياء وقد اتفقت أعصار كان فيها ~~أنبياء كثيرون فلم لا يجوز إمامان وأئمة # فالجواب أن الأنبياء معصومون عن الخطأ ومن جوز عليهم السهو لم يجز ~~التقرير عليه بل ينهون في الوقت فيؤمن من وقوع الفتنة والأئمة غير معصومين ~~ولا نأمن من وقوع الفتنة PageV01P179 # | مسألة # الخليفة بعد رسول الله غير منصوص عليه # وذهبت الإمامية والروافض إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على علي ~~رضي الله عنه ولكن القوم ظلموا وغصبوا حقه # والدليل على بطلان قولهم أن حديث الإمامة جرى في عهد أمير المؤمنين علي ~~رضي الله عنه في أوقات فمنها يوم السقيفة حيث عقدوا الخلافة لأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ومنها استخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ومنها حين ~~جعل عمر الأمر شورى من ستة ومنها حين قتل عثمان رضي الله عنه ووقع القتال ~~والحكمان بين علي رضي الله عنه ومعاوية ولم يدع في وقت من هذه الأوقات أنه ~~منصوص عليه من جهة رسول الله فلو كان يعرف نصا لأظهره كما أن الصديق رضي ~~الله عنه لما عرف نصا في تخصيص قريش أظهره يوم السقيفة # والدليل على فساد قولهم أن هذا النص الذي أدعوه لا يخلو أما يكونوا عرفوه ~~عقلا أو خبرا # بطل أن يكون طريقه العقل لأنه ليس في العقل ما يدل على تنصيص رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على إنسان بعينه PageV01P180 # وإن قالوا عرفناه خبرا فلا يخلو إما أن يكون ادعوا خبرا تواترا أو آحادا # فإن ادعوه تواترا فهو محال لأنهم لا ينفصلون ممن يعكس ذلك عليهم في أبي ~~بكر ويقول إنه منصوص عليه من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعي تواتر ~~يختص به # وإن قالوا عرفناه بخبر الآحاد فالخلافة لا تثبت بخبر الواحد لأن عندنا ~~خبر الواحد لا يوجب العلم وعند الروافض لا يوجب العمل به أيضا فكيف أثبتوا ~~به الخلافة # فإن قالوا فهل تعلمون ms73 أنتم أن عليا كرم الله وجهه غير منصوص عليه من جهة ~~رسول الله # قلنا بلى نعلم ذلك لأن النص لا يخلو أما أن يكون جليا على رؤوس الخلائق ~~أو كان خفيا اختص به جماعة مخصوص من بين الصحابة # ولا يجوز أن يكون نصا جليا ظاهرا إذ لو كان كذلك لما خفي إلى يومنا هذا ~~كما لم يخف تجهيز جيش أسامة وتولية معاذ اليمن وكما لم يخف نصب أبي بكر ~~إماما واستخلافه لعمر رضي الله عنهما وحديث PageV01P181 الشورى في زمن ~~عثمان # ولأنا لو جوزنا انكتام مثل هذا الأمر الظاهر لم نأمن أن يكون القرآن قد ~~عورض على عهد رسول الله ثم كتم وكل أصل في الإمامة يوجب بطلان النبوة كان ~~محالا # وإن ادعوه نصا خفيا علمنا بطلانه بإجماعهم على خلافه إذ لو كان صحيحا لما ~~خالفوه كما لم يخالفوا أبا بكر في روايته أن الأئمة من قريش # فإن استدلوا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من كنت مولاه ~~فعلي مولاه ) فالمراد بالمولى الناصر فمعناه من كنت ناصره فعلي ناصره # يدل عليه أنه أطلق ذلك في حياته ولم يقل بعد موتي فعلي مولاه ومعلوم أن ~~في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الأمر إلى علي رضي الله عنه # فإن قالوا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي أنت مني ~~PageV01P182 بمنزلة هارون من موسى فإنما ورد ذلك على سبب وهو أن رسول الله ~~استخلفه على المدينة عند خروجه إلى غزاة تبوك فشق عليه تخلفه عنه فقال له ~~ذلك تطيبا لقلبه فإن موسى استخلف هارون حين خرج إلى الميقات يدل أن هارون ~~ما ولي الأمر بعد موسى بل مات في زمانه # | مسألة # الخليفة الحق بعد رسول الله أبو بكر الصديق # والدليل عليه اتفاق الصحابة وإجماعهم على طاعته وانقيادهم لأوامره ~~ونواهيه وتركهم للإنكار عليه فيما كان يفعل ولو لم يكن خليفة حقا لما تركوا ~~الإنكار عليه وما أطاعوه مع زهدهم وورعهم وديانتهم واتصافهم بأنهم ms74 لا ~~تأخذهم في الله لومة لائم # والدليل عليه أن عليا ما قاتله # ولا يخلو إما أن يكون تركه لقتاله لخوف الفتنة والشر PageV01P183 أو لعجز ~~أو لعلمه أن الحق معه # بطل أن يكون لاتقاء الفتنة وخوف الشر لأنه قاتل في زمن معاوية وقتل في ~~الحرب الخلق الكثير وقاتل طلحة والزبير رضي الله عنهما وقاتل عائشة رضي ~~الله عنها حين علم أن الحق له ولم يترك ذلك لسبب الفتنة # وإن قالوا كان عاجزا فهو فاسد لأن الذي نصره في زمن معاوية كانوا على ~~الإيمان يوم السقيفة ويوم استخلاف عمر ويوم الشورى فلو علموا أن الحق له ~~لنصروه فثبت أنه إنما انقاد لأمره وترك القتال لعلمه أن الحق مع أبي بكر # فإن قالوا فلماذا لم يبايعه علي رضي الله عنه على الخلافة قلنا ليس كذلك ~~بل بايعه على رؤوس الخلائق في المسجد إلا أنه لم يحضر يوم السقيفة لأنه كان ~~يتولى تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم وغسله ودفنه مع العباس رضي الله ~~عنهما وكان لا يتفرغ إلى الخروج إلى السقيفة وبعد ذلك كان قد لازم بيته ~~أياما وما كان يخرج لشدة حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم # | مسألة # عقد الإمامة لا يشترط فيه إجماع جميع أهل الحل والعقد في PageV01P184 ذلك ~~العصر ولكن إذا حضره من تيسر حضوره من أهل الحل والعقد كفى ذلك # إلا أنه يشترط إظهاره وحضور جماعة يشاهدون ذلك حتى لا ينصب إمام آخر فيقع ~~التنازع بينهما # والدليل عليه أن الخلافة لما عقدت لأبي بكر يوم السقيفة اشتغل بإمضاء ~~الأحكام وترتيب الأمور ولم يتوقف قدرا يبلغ الخبر إلى الغائبين ولم ينكر ~~عليه أحد فدل على أن إجماع الجميع ليس بشرط # | مسألة # أفضل الصحابة بعد رسول الله وخيرهم أبو بكر وليس هذا مما يدل عليه العقل ~~لأن العقل لا يدل على تفضيل بعض الأشخاص ولكن طريق إثباته الإجماع # فإن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على أنه خيرهم وأفضلهم # والدليل عليه ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه ms75 قال خير الناس بعد نبينا ~~أبو بكر وعمر # والدليل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار لإمامة الصلاة في ~~مرضه أبا بكر ولو كان غيره خيرا منه لما قدمه في الصلاة مع وجود من هو خير ~~منه PageV01P185 # فإن قيل قد روي عن أبي بكر الصديق أنه قال لما ولي لخلافه أقيلوني ~~أقيلوني أقيلوني لست بخيركم # قلنا هذا ليس يوجب قدحا فيه ولا في فضله بل يوجب ذلك تقديمه لأنه لا يرى ~~لنفسه الفضل مع كونه أفضل # وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا تفضلوني على يونس ~~ابن متى ) مع كونه أفضل منه # وكما روي أن عليا يوم الحكمين كتب كتاب عهد وذكر فيه هذا كتاب كتبه أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا له لا نرضى بذلك فمحاه مع ~~كونه أمير المؤمنين في ذلك الوقت # | مسألة # الخلافة بعد أبي بكر لعمر رضي الله عنهما وطريق ثبوته استخلاف أبي بكر ~~إياه # ثم الخلافة بعده لعثمان وطريق إثباته الشورى والاختيار # فإن عمر لما خرج جعل الأمر في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير PageV01P186 ~~وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وهم بقية العشرة الذين ~~شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك طلحة والزبير وسعد حقوقهم ~~لعثمان وعلي وعبد الرحمن ثم إن عبد الرحمن بن عوف ترك حقه بشرط أن يكون هو ~~حكما بين عثمان وعلي فتراضيا فاختار عثمان بإشارة الصحابة # ثم إن الخلافة بعده لعلي بإجماع القوم عليه وعقدهم الخلافة له # | مسألة # أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قتل ظلما لأن موجبات القتل معلومة في ~~الشرع وما كان قد ارتكب شيئا من ذلك # والدليل عليه أن العوام باشروا قتله ومن كان مستوجبا للقتل لا يجعل قتله ~~إلى العوام # | مسألة # الذين قاتلوا عليا رضي الله عنه كانوا بغاة وكانوا PageV01P187 مجتهدين ~~مخطئين اجتهدوا في حديث قتل عثمان فوقع لهم أن عليا رضي الله عنه ليس ~~يقتلهم لرضاه بقتل عثمان ms76 وأنه قادر على قتلهم وكانوا على الخطأ # وعائشة رضي الله عنها ما كانت قاصدة إلى القتال وإنما خرجت لتسكين الفتنة ~~ولما نبح عليها كلاب قرية سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدت ~~الانصراف في جماعة وحلفوا أن هذه القرية ليست تلك القرية حتى لم ترجع عن ~~الطريق # وكذا طلحة والزبير كانا مخطيين ثم أنهما تابا عن ذلك وقتلا بعد التوبة # ثم بعد عثمان رضي الله عنه كانت الخلافة لعلي رضي الله عنه بحكم الشورى ~~فسار على السيرة المرضية ونكف ألسنتنا عما شجر بينهم فإن الله تعالى ضمن ~~نزع الغل عن قلوبهم يوم القيامة حيث قال تعالى @QB@ ونزعنا ما في صدورهم من ~~غل إخوانا على سرر متقابلين @QE@ PageV01P188 # وقد كثرت المطاعن من المبتدعين في أئمة الصحابة والواجب على كل أحد أن ~~يعتقد أنهم خير الناس وأفضلهم وقد نطق القرآن بعدالتهم وفضلهم حيث قال @QB@ ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه @QE@ وغير ذلك من الآيات وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بفضلهم وعدالتهم حيث قال ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ) # وقال صلى الله عليه وسلم ( لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق ~~أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) والواجب أن نترحم عليهم ~~PageV01P189 ونعتقد فضيلتهم ولا نخوض في تتبع مساوئهم بل نتبع محاسنهم ~~بالذكر والاقتداء لأن الله تعالى ندبنا إلى ذلك حيث قال @QB@ والذين ~~اتبعوهم بإحسان @QE@ # ونسكت عما جرى في زمانهم ونفوض ذلك إلى الله تعالى لما روي عن الزهري ~~رحمه الله أنه قال لما سئل عن ذلك قال تلك دماء PageV01P190 طهر الله عنها ~~أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا # ونقول ما قال الله تعالى @QB@ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ # | مسألة # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب لأن خطاب الشرع قد ورد بهما في ~~قوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر @QE@ وقال سبحانه ms77 وتعالى @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف @QE@ وقال صلى ~~الله عليه وسلم ( لتأخذن على يد الظالم ) في قصة طويلة وقال أيضا ( انصر ~~أخاك ظالما أو مظلوما ) # والدليل عليه إجماع الأمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العصر ~~الأول إلى زماننا هذا حتى أنكروا على الولاة والخلفاء من غير نكير عليهم ~~وإذا ثبت أنه واجب فهو من فروض الكفايات وإذا قام به واحد سقط الفرض عن ~~الباقين ولا يختص ذلك بالأئمة بل لآحاد الرعية PageV01P191 القيام به ~~بالقول والفعل ما لم يؤول الأمر فيه إلى نصب قتال فيترك بسبب الفتنة وإنما ~~يجوز ذلك فيما هو مقطوع بتحريمه يدركه الخاص والعام # فأما من كان مجتهدا فيه فالأمر فيه إلى الأئمة والله تعالى الموفق للصواب ~~وإليه المرجع والمآب وهو حسبي ونعم الوكيل # تمت الغنية في أصول الدين تصنيف الإمام جمال الدين أبي سعيد عبد الرحمن ~~بن المأمون المتولي قدس الله روحه ونور ضريحه آمين وصلى الله على محمد وآله ~~والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل PageV01P192 ms78