######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0005363 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ، أبو الحسن (المتوفى: 480هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 480 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الهفوات النادرة من المغفلين الملحوظين والسقطات البادرة من المغفلين المحظوظين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0005363 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-5363 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/5363 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: صالح الأشتر #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: منشورات مجمع اللغة العربية بدمشق #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # رب أعن # قال الشيخ الأجل محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم المعروف بالصابئ: ~~الحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد النبي خاتم المرسلين، الذي انتخبه ~~ربه تعالى للرسالة يؤديها، يوضحها ويبديها، صلاة يزكو لديه عرفها وطيب، ~~ويورق في دوحته عودها الرطيب، كما صدق فيما حكى، وحقق فيما أدى، واحتمل ~~الأذى وأغمض على القذى طاعة منه لمولاه، وصبرا على ما ابتلاه، وحرصا على ~~صلاح الأمة، ورضى بما لاقى في ذلك من المذلة، حتى أظهر الدين منشورة بنوده، ~~منصورة جنوده، طالعة سعوده، ساطعة جدوده، ولم يزل معه ربه إلى أنت طبقت ~~الأرض شرقا وغربا دعوته، وعمت الخلق عجما وعربا بركته، ضاعف الله تعالى في ~~تلك الدار الخيرات، وأسبغ عليه السعادات، وأجزل قسمه من الزلفات، وحظه من ~~رفيع الدرجات، بمنه ومجده. # وكنت جاريتني من الهفوات الجارية على ألسن المتحفظين المتحررين، والسقطات ~~الآتية من الغارين الغافلين وما أشبه ذلك من المقالات وطرف الاتفاقات طرفا ~~استطرفناه وحديثا استغربناه، واتفق أن لحقني منه ما صدق العجب والاستطراف، ~~ونالني فيه من الخجل والحياء ما بلغ الإفراط والإسراف، فعلمت على جمع ما ~~ندر من ذلك وإن كان قليلا معلوما، وضم ما تفرق منه إن كان علما مأموما، ~~وأضفت إليه قطعة من أخبار المغفلين المحظوظين والجهال المرزوقين، فإنها ~~جارية في أسلوبه، وشبيهة بمقصوده، إحماضا لقاريه، وتنبيها له على قدر نعمة، ~~اله تعالى عنده وفيه، والله تعالى ولي التوفيق والتسديد. ### | 1 - # فأول ما أبدأ به ما خصني منه، وهو أنني كنت جالسا وإلى جانبي أبو سعد ~~القادسي أحد المتفقهين المتشدقين، وجرى ذكر بعض ثقلاء الزمان المتعسفين ~~فقلت مسرعا متبرعا: إنه يشبه ابن القادسي فيما يتعاطاه مما يتجاوز فيه ~~الصواب ويتخطاه! ثم استيقظت من رقدة زلتي، وانتبهت لهفوتي، فالتفت إليه ~~عجلا وقلت له مسرعا وكان له أخ بالحمق مشهور وبالهذيان معروف، وهو بذاك ~~عالم، وله دائما عليه لائم: اعلم أيها السيد أن أخاك يسمع من الألفاظ ~~الأديبة، ذات المعاني الغريبة ما لا يفهمه، ويجب أن يستعمله، ms001 وعنده أن ذلك ~~ورد يرده الواردون من غير تعب، ويورده الموردون من غير أدب، فيصدر عنه ~~الكلام المستعجم، وتصير أغراضه ومعانيه لا تفهم، فنحن نضرب به الأمثال، ~~هذاء يورده بوجه وقاح غير حيي، وخاطر لفاح غير وني فقال لي: والله العظيم ~~إنني لألومه على فعله دائما، وأمنعه منه دائبا، وأعلم أن الأقوال تكثر فيه، ~~وتزري عليه، وهو على ما عمت من الجهل الذي يورده ولا يصدره، ويحسن له ما ~~يقوله ويذكره! فحين شاهدته قد تحقق قولي ورضيه، ولم يخطر بقلبه ما يغضبه ~~ويؤذيه، أتتني فرجة اقتحمتها، ولحقتني فرحة ما احتبستها. ### | 2 - # وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير قال: حضر رسل ~~نصير الدولة أبي نصر بن مروان الكردي أمير آمد وميافارقين وأعمالها عند ~~معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلد أمير بني عقيل، يستحلفونه على ~~معاهدة بينت، ومعاقدة قررت، وفيهم المنازي الشاعر فلما حلف معتمد الدولة ~~أنشد المنازي: # كلفوني اليمين فارتعت منها ... كي غروا بذلك الارتياع # ثم أرسلتها كمنحدر السي ... ل تهادى من المكان اليفاع # قال له قرواش: يا ويلك قبحك الله وقبح ابن مروان، ما هذا الكلام! وبدا ~~الشر في وجهه، وكاد يكون ذلك اليوم آخر أيام المنازي من عمره، فبدأ المنازي ~~باليمين الغموس أنه أنشد ما أنشد عن سهو لا عن روية، وباتفاق سوء لا عن قصد ~~ونية، فتحقق ذلك قرواش وصدق قوله، لأنه ممات لا يقدم عليه مثله، فأغضى ~~وعفا، عما غلط فسه وهفا. ### | 3 - # وحدثت عن بعض المغنين قال: حضرت عند شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش ~~أمير بني عقيل يوما أغنية، وجرى حديث عميد الملك أبي نصر الكندري رحمه الله ~~وزير طغرل بك، فذكرت من محاسنه وما كان يستعمله معي ومع أمثالي من العطاء ~~الذي مولنا، والإنعام الذي خولنا، طرفا قويا أسرفت فيه وزدت قصدا لتحريك ~~مسلم لمثله، ثم انتهت نوبة الغناء إلى حيث انتهى ذكري لعميد الملك وترحمي ~~عليه، فضربت وغنيت: # قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل ms002 السواقيا # PageV01P001 # فقال لي مسلم: قبحك لله ما هذه المعاشرة! فاستيقظت لغفلتي وحلفت أنني لم ~~أقل ما قلته عن نية فيه ولا عزم عليه، إلا بحسب ما اتفق لي وعرض على قلبي، ~~وخفت بادرة شره، فكفي الله تعالى وأمسك عني. ### | 4 - # وكان عبد الله بن حسن بن حسن يساير أبا العباس السفاح يوما بظهر مدينة ~~الأنبار، وهو ينظر إلى مدينته التي بناها هناك، ويريه أبنيته فيها، ويعجبه ~~بها، فأنشد عبد الله: # ألم تر مالكا أضحى يبني ... بناء نفعه لبني بقيله # يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كل ليله # فتبسم السفاح كالمغضب وقال: لو علمنا لاشترطنا حسن المسايرة، فقال عبد ~~الله: يا أمير المؤمنين، بوادر الخاطر وإغفال المشايخ فقال: صدقت، خذني في ~~غير هذا، وأنشد السفاح: # أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد ### | 5 - # وذكروا المدائني أن عيسى بن موسى بيننا هو يساير أبا مسلم يوم إدخاله على ~~المنصور ووقوع الفتك به فيه إذا أنشد عيسى ابن موسى: # سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... وما حل في أكباد عاد وجرهم # من كان آبى منك عزا ومفخرا ... وأنهد للجيش اللهام العرمرم # فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت، فقال عيسى: أعتقت ما أملك إن ~~كان هذا الشيء من أمرك أضمرته، أو في الفك أجلته، بل خاطر أبداه لساني قال ~~له: بئس الخاطر واله أبدى! ودخل على المنصور فأتاه ما أتى. ### | 6 - # وحكى إبراهيم بن المهدي قال: لما اشتد حصار طاهرين الحسين للأمين أبي عبد ~~الله خرج ذات ليلة من قصر الذهب إلى قصر القرا بقرب الصراة ووجه إلي فجئته ~~فقال (لي): أما ترى طيب هذه لليل وحسن القمر وضوءه في دجلة والصراة؟ فقلت: ~~إن الموضع لحسن فاشرب، فشرب رطلا وسقاني رطلا، وابتدأتن فغنيت بما يشتهيه ~~علي، فقال لي: هل لك فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أستغني عن ذلك؟ فدعا بجارية ~~متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها، وقال لها: غني، فغنت بشعر ~~النابغة: # كليب لعمري كان أكثر ms003 ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فاشتد ذلك عليه وعلي، ثم قال لها: غني غير هذا! فغنت: # أبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء # ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء # فقال لها: لعنك الله، أما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ما تغنيت إلا بما كنت ~~تقترحه علي وتستدعي مني ثم غنت: # أما ورب سكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك # ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك # إلا لنقل السلطان من ملك ... عان بحب الدنيا إلى ملك # وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشرك # فقال لها قومي غضب الله عليك ولعنك! فنهضت وعثرت بقدح بلور حسن الصنعة ~~فكسرته، فقال لي أما ترى! أظن أمري قد قرب، فقلت: بل يبقيك الله تعالى ~~طويلا، فسمعنا قائلا يقول: "قضي الأمر الذي فيه تستفتيان" فقال لي: أما ~~سمعت يا إبراهيم؟ فقلت: ما سمعت شيئا وكنت قد سمعت، فلما كان بعد أيام ~~(قلائل) قتل!. ### | 7 - # وحكى الصولي قال: أمر الأمين أن يفرش له بساط على دكان في الخلد أيام ~~الفتنة، فبسط وطرح عليه نمارق، وملئ من آنية الذهب المرصعة بالجوهر ومشام، ~~المسك والعنبر بما ملأه، وبين يديه عشر مغنيات، فابتدأت واحدة منهن فغنت ~~بشعر الوليد بن عقبة في عثمان رحمه الله: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # فإلا يكونوا قاتليه فإنه ... سواء علينا ممسكاه وضاربه # فتأفف ولعنها، وقال الأخرى: غني، فغنت: # من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبن ... بالليل قبل تبلج الأسحار # فزاد ضجره، ولعنها، وقل الأخرى: غني، فغنت: # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # فنهض، وأمر بنقض الدكان تطيرا بما جرى. # PageV01P002 ### | 8 - # وعزم المأمون عند دخوله إلى بغداد على العبور إلى زبيدة والدة الأمين، ~~ليعزيها به، فقدم إليها، من أعلمها ذلك، وعبر إليها فعزاها وأكثر البكاء ~~معها، فقالت له: يا أمير المؤمنين إن دوائي وباب تسليتي في غدائك اليوم ~~عندي، فأقام ms004 وتغدى، وأخرجت إليه من جواري الأمين من يغنيه، وسألته أن يأخذ ~~منهن من يرتضيه، فأومى إلى واحدة إلى لتغني، فغنت وضرب الباقيات عليها: # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه # فإلا يكونوا قاتليه فإنه ... سواء عينا ممسكاه وضاربه # فوثب المأمون مغضبا، فقالت له زبيدة: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره ~~إن كنت علمتها أو دسست إليها به، فصدقها وعجب من ذلك. ### | 9 - # وحدثني الرئيس الأجل أبو الحسين والدي قال: حدثني أبو إسحق إبراهيم بن ~~هلال جدي قال: كنت بحضرة الملك عضد الدولة بن بويه بعد قتله عز الدولة أبا ~~منصور بختيار ابن عمه، في مجلس أنس، وكانت مشعلة الثقيلة وظلوم الشهرامية ~~قد حضرتاه، فابتدأت مشغلة، وكانت المقدمة عليها عنده فغنت: # أيا عمرو ولم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر # سأصبر محزونا وإني لموجع ... كما صبر العطشان في البلد القفر # فظن أنها عرضت بعز الدولة بختيار، فأعرض عنها، وغاظه ذاك منها، وأقل ~~الحفل بغنائها مع أنها واحدة زمانها، وأخذت أطريها فلا يرعيني سمعا فيها، ~~ثم غنت ظلوم بعدها: # سيسليك عما فات مقبل ... أوائله محمودة أواخره # ثنى الله عطفيه وألف شخصه ... على الجود مذ شدت عليه مآزره # فتهلل وجهه، وطرب وشرب واستعاد الصوت، وقال لي: يا أبا إسحق، هذا الغناء، ~~ولم يكن بين المرأتين تقارب، قال أبو إسحق: فما أدري كيف اتفق ذلك على ~~مشغلة وأن غنت ظلوم بعدها ما غنت، فإن كان عن نية من ظلوم وعمد فما قصرت، ~~أو اتفاق فقد وفقت! ### | 10 - # وكان العلاء بن الفيروزان يوما على طعامه، ومعه بعض الرؤساء، فقدم جدي، ~~فأنشد العلاء: # من كان يعجب الجداء الرضع ... من غير حاصله فلم لا يصفع # فرفع الرجل يده ونهض، وقال: أما أنا فما يعجبني! فاعتذر العلاء إليه، ~~وحلف أنه لم يقصد ما أنشد، وإما جرى لسانه بما لم يعلم، فتمم الرجل نهوضه ~~ولم يعد، والحق العلاء من الخجل ما ترك الأكل معه ونهض. ### | 11 - # وروي شقير الخادم أنه كان مع ms005 المأمون في بلاد الروم، قال: فصاح بي ليلة ~~وقال لي: ويلك من هوذا يغني؟ فقلت: ما يغني يا مولاي أحد، قال: امض وتحسس، ~~فمضيت إلى دار الحرم، وتحسست فلم أسمع شيئا، فعدت إليه فأعلمته، فقال لي: ~~ويلك! بلى والله إنه ليغني بشيء قد حفظته وهو: # ألم تعجب لمنزلة ودور ... خلت بين المشقر والحرور # كأن بقية الآثار فيها ... بقايا الخط! من قلم من قلم الزبور # واعتل في اليوم الثالث من هذا ومات. ### | 12 - # وقال إبراهيم بن المهدي: رأيت في منامي كأن قليب جارية الرشيد على منبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها عود وهي تغني: # سوف يأتي الرسول من بعد شهر ... بنعي الخليفة المأمون # فجاء نعيه بعد شهر! ### | 13 - # وحدث محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثني عمي عن أخيه أحمد بن محمد قال: ~~لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميادين الذي كان للعباسية، جلس فيه وجمع ~~أه بيته وقومه وأصحابه ومواليه، وأمر الناس أن يلبسوا الديباج ويدخلوا ~~عليه، وجعل سريره في أفيوان المنقوس بالفسافا الذي كان في صده العنقاء، ~~فجلس على سرير مرصع بأنواه الجوهر، ووضع على رأسه التاج الذي فيه الدرة ~~اليتيمة، وفي الديوان الأسرة عن يمينه وشماله من حد السرير إلى باب الإيوان ~~فكلما دخل رجل رتبه وهو بنفسه في الموضع الذي يراه، فما رأى الناس أحسن من ~~ذلك اليوم، فاستأذنه إسحق بن إبراهيم في النشيد فأذن له، فأنشد شعرا ما سمع ~~الناس أحن منه وفي صفته وصفة المجلس، إلا وأن أوله تشيب بالدار المتقدمة ~~ونعته إياها، فكان البيت الأول منه: # يا دار غيرك البلى فمحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك # PageV01P003 # فتطير المعتصم، وتغامر الناس على إسحق، وتعجبوا كيف ذهب مثل هذا عليه مع ~~فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك! قال: فأقمنا يومنا وانصرفنا، وما عاد منا ~~اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من رأى، وخرب القصر. ### | 14 - # وحدث حمدون بن إسماعيل قال: ما كان الخلفاء أحلم من الواثق ولا أصبر على ~~أذى وخلاف، وكان ms006 يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوري، فوجد المعروف بالمسدود ~~المغني من ذلك حسدا، وهجا الواثق بيتين، وكانا معه في رقعة، واتفق يوما أن ~~كتب رقعة إلى الواثق في حاجة له، وأراد تسليمها إليه، فغلط منها إلى الرقعة ~~التي تتضمن الهجاء، فسلمها إلى الواثق فقرأها، وفيها: # من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين # أنا طيل له شق ... فيا طبلا بشقين # وكان الواثق على إحدى عينيه فص وإلى ذاك نحا المسدود، فلما قرأها علم ~~أنها فيه، فقال له للمسدود: قد غلطت من رقعة الحاجة التي سألتها إلى هذه ~~الرقعة، فاحترس من مثل هذا! وردها إليه، فو الله العظيم ما زاده على هذا ~~القول شيئا، ولا تغير له عما كان عليه، وكان يحب أن يتشبه بالمأمون في ~~أفعاله. ### | 15 - # وذكر أحمد بن يحيى البلاذري قال: أقبل المتوكل يوما فقام الناس إليه من ~~بعيد، ولم يقم المنتصر ابنه حتى قرب منه، فاغتاظ المتوكل وجرى على لسانه: # هم سمنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو علموا بالحزم ما سمنوا الكلبا # فلم يبعد أن قتله المنتصر بعد ذلك. ### | 16 - # وانحدر المستعين من سر من رأى إلى بغداد أيام الفتنة مع الأتراك التي آلت ~~إلى إمامة المعتز وخلع المستعين وقتله، واستصحب معه محمد بن الواثق، وأغفل ~~أن يأخذ المعتز والمؤيد معه، فلما نزل المستعين ببغداد على محمد بن عبد ~~الله بن طاهر قال له محمد: يا أمير المؤمنين أين المعتز والمؤيد؟ فقال له: ~~بسر من رأى، قال محمد فجرى على لساني أن قلت شعر زهير: # أضاعت فلم تغفر لها غفلاتها ... فلاقت بيانا عند آخر معهد # دما حول شلو تحجل لطير حوله ... ويضع لحام في إهاب مقدد # فعلمت أن أمر الرجل مدبر بتركه هذين الرجلين بسر من رأى، وبما جرى على ~~لساني من التمثيل. ### | 17 - # وكان بالبصرة مغنية تسمى فضلة، وتقلب خيط البرادة، وجذرها خمسة دنانير في ~~كل ليلة، وكانت مفرطة في الجمال وطيب الغناء، وتقلب القاف كافا في كلامها، ~~فحكت أنه دعيت لأمير من أمراء البصرة، فلما حصلت عنده ms007 ابتدأت فغنت: # وما لي لا أبكي وأندب ناقتي ... # فجاء بكلامها: "أبكي وأندب ناكتي"، فتطير الأمير من قولها وقال: قدر وزنا ~~لك خمسة دنانير وأحضرناك لما يحضر مثلك له، فإذا كنت تبكين، وتندبين ناكتك ~~فما نريد مقامك عندنا، وصرفها! قالت: فخجلت أتم خجل واستحييت أعظم حياء، ~~وانصرفت خزيانة. ### | 18 - # وحكت أنها ابتيعت للمتوكل، وحملت من البصرة إلى سر من رأى، قالت: فكنت ~~أعلم آداب خدمة الخلفاء طول طريق، لأجل جهلي ونشوئي في خدمة العوام ~~والسفهاء، فلما عدت إلى دار المتوكل وقع علي من التهيب والخوف ما أنساني ~~جميع ما علمت ولقنت، وخلعت مداسي في بعض الحجر، وحملت إلى طرز عظيم، في ~~صدره دست مضروب، فحين رأيت الدست صعدت على ما جرت العادة لي به في الختانات ~~والأعراس، فقعدت إلى جانب الدست ساعة، ثم خرج غلام أسمر مليح الوجه، عليه ~~قميص قصب مذهب وعمامة خفيفة مذهبة، وبين يديه خادم، فلما قرب قمت ولا أعفه، ~~لكنني أظنه بعض أصحاب المتوكل، فقال: اقعدي، وجلس في عتبة الطرز، وجيء ~~بمخدة، فجعلها خلفه، ثم دخل غلام شاب أملح منه، فقبل الأرض وقال: السلام ~~عليك يا أمير المؤمنين، ورحمه الله وبركاته، فعلمت حينئذ أنه المتوكل، فقمت ~~هاربة من مكاني، فردني وأمرني بالجلوس حيث كنت أولا جالسة ففعلت، وأجلس ذلك ~~الرجل وهو الفتح بن خاقان مقابلي من الطرز، ثم قال: ما اسمك؟ قلت: فضلة، ~~قال: ما لقبك، وقلت: خيط البرادة، فضحك ثم قال: بم تغنين؟ قلت: بالعود، ~~فأمر بإحضار عود، فأحضر الخادم خريطة ديباج فيها عود، من عود فسلمه إلي ~~فأصلحته وغنيت: # ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا # وأنهم سادة الملوك فما ... تصلح إلا عليهم العرب # فتغير لونه وقال: غني غير هذا، لعنك لله؟ وأنا لا أعلم ما في ذاك، ~~فاندفعت فغنيت: # PageV01P004 # أعني ابن ليلى عبد العزيز بيا ... بليون تغدو جفانه رذما # الواهب البخت والولايد كال ... غزلان والخيل تعلك اللجما # طرب له طربا شديدا، واستعادة مرارا، ثم التفت إلى الفتح ابن خاقان لمن ms008 ~~هذا الشعر وفيمن قيل؟ فقال: هذا لكثير عزة في عبد العزيز بن مروان أخي عبد ~~لملك بن مروان، فغضب أشد من الغضب الأول، وقال: يا خدم خذها فعلقها في خيط ~~البرادة مشدودة بالشادوفة، ثم دخل غلام شاب ظريف، في يده عود، فجلس بين ~~يديه وغنى: # أقبلي فالخير مقبل ... ودعي قول المعلل # وثقي بالنجح إذ أب ... صرت وجه المتوكل # ملك ينصف ياظا ... لمتي منك ويعدل # فهو الغاية وألمأ ... مول يرجوه المرمل # فرفع المتوكل رأسه إلي وقال لي: كذا ويغني الناس! والله العظيم لا نزلت ~~من مكانك حتى تحفظيه وتأخذيه عنه وتغنيه فما زال الغلام يردده حتى كحفظته ~~ولقنته، وحططت فغنيته. ### | 19 - # وذكر أن مغنية كانت تغني بين يدي المهدي، فغنت: # ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يسفهون إن غضبوا # فقيل ها: غلطت في شيء تخلص له! فقالت: لا والله ما غلطت، وإنما بدأت ~~بالبيت وعرفت غلطي بغنائي فيه، فاستدركته وأصلحته بما سمعتهم، ولم أرجع عنه ~~ولم أورده على وجهه فيثقل على المهدي سماعه. ### | 20 - # وحكى الربيع أن المنصور أحضر أحد بني أمية يوما إلى حضرته، فوبخه على ~~فعلهم، وعدد ما حضره ما مساويهم وقبيحهم توبيخا لم يشك الرجل أن السيف ~~بعده، فامتقع لونه وكان أن يقتله خوفه، ثم أن المنصور رجع عن ذلك القول إلى ~~الصفح عنه وإيمانه، فقلت له قليلا قليلا: قد وهبك أمير المؤمنين فأشكره ~~وأدع له! فقال الرجل بإنذعاره وانزعاجه: # فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال # واتفق لسعادته أن لم يسمع المنصور قوله، ورد علي ما حيرني وأدهشني، فأما ~~الرجل فلم يدر ما قاله لسانه لزوال عقله عنه ومفارقة لبه له، فقال لي ~~المنصور: ما قال فقلت: قال: # العبد عبدكم والأمر أمركم ... فعل عذابك عني اليوم مصروف # فقال: لعل في أذنه ثقلا، ولم يسمع ما قلناه في العفو عنه وهبة دمه، ~~فلأعلمه ذلك واصرفه، فلت له (في) ذلك واجب، مما سمعه المنصور، صرفته، ثم ~~حدثه من بعد بما كان منه فانذعر له، وحلف أنه ms009 لا يدري ما قاله، وقال: قد ~~حقنت دمي بحسن تلطفك بعد أن أراد أن يطيح بسوء الاتفاق ويكون لساني القاتل ~~لي! ### | 21 - # وحكي أن امرأة وقفت للمأمون على الطريق وقد تحفظت كلاما، سجعته ورتبه ~~لتدعو له وبه وتستميحه فيه، فانقلب لسانها بالدعاء عليه على السجع الذي ~~رتبته وهيأته، فعلم المأمون أنها غالطة، فقال: الله يفعل بنا ما نويته لا ~~ما أبديته، اقضوا حاجتها. ### | 22 - # وكان شاعر يعرف بالدلو يخدم بني عبد الرحيم في سني نيف وعشرين وأربعمائة، ~~وهم وزراء لوقت، وله فيهم مدائح، ولهم إليه إياد ومنائح، وهو بهم مختص، ~~ومعهم منتصر، فاتفق أن صعد يوما من سفينة وهو سكران، وأبو سعد بن عبد ~~الرحيم الوزير الأكبر منه قد لبس خفا وإزارا إلى دجلة هاربا من العسكر، ~~فقال الدلو بسكره، غير عالم ولا عامد، بل بخاطر عن له عابث، شعرا هو: # سري يخبط الظلماء والليل عاكف ... وزير بأوقات التسلل عارف # وقصده بيده فيما أبداه، فلم يشك أبو سعد بن عبد الرحيم أنه عرفه وعناه، ~~نزل إلى سميرة، انحدر فيها إلى حريم دار الخلافة، ثم عاود العبور والنظر ~~بعد أيام، وجاءه الدلو بقصيدة يمدحه فيها، فمنعه من إنشادها واستخف به، ~~وقال له: ويلك قد عاملناك بالجميل الذي لا تجحده، واستخلصناك لأنفسنا ~~الاستخلاص الذي لا تنكره، فلم تصلح لنا ساعة من نهار وقفت لنا فيها على سر ~~من الأسرار! لا فائدة لنا في الإقبال عليك والالتفاف إليك، وانصرف عنا ~~معدا، فقال له: ما معنى هذا القول أيها الوزير، وأي سر عندي لك، ومتى كتبت ~~بهذه المنزلة منك! فقال له: ويلك أما رأتني في اليوم الفلاني على الصورة ~~الفلانية فقلت كذا وكذا؟ # PageV01P005 # فقال: والله العظيم الرحمن الرحيم ما أدري ما يقو الوزير ولا أفهمه ولا ~~عندي علم منه، فلا تجعل لي ذنبا تبعدني به! فقال: يلك أحقا تقول؟ فحلف ~~بالله تعالى وبالطلاق على صحة قوله وبطلان ما ظن فيه، فاستطرف أبو سعد لك ~~استطرافا شديدا، واستغربه كثيرا، وكان يحدث به دائما. ### | 23 - # ولما ms010 قصد المتنبي عضد الدولة أبا شجع بن بويه بفارس ممتدحا له جلس له ~~ووصله، فأول ما بدأ بإنشاده: # أوه بديل من قولتي وسها ... لمن نأت والبديل ذكراها # فقال عضد الدولة أوه! وطعنه وتطير من ابتدأئه. ### | 24 - # وحكى الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبد قال: ذكر يوما أبو الفضل محمد بن ~~الحسين بن العميد الشعر فقال يحتاج الشاعر إلى حسن المطالع ورونق المقاطع، ~~فإن فلانا أنشدني في يوم نوروز قصيدة من كلامه أولها: "بقبر وما .. " ~~فتطيرت من افتتاحه بذكر القبر، فتنغصت باليوم والشعر، فقلت له: كذا وكانت ~~حالة أبي مقاتل مع الداعي لما امتدحه بقوله: # لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان # فإنه نفر من قوله "لا تقل بشرى" أشد نفار، وقال: أعمى ويبتدئ بهذا القول ~~في مثل هذا اليوم! ### | 25 - # وأنشد الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد عضد الدولة رقصيدة مدحه بها، ~~فلما انتهى إلى قوله: # ضممت على أبناء تغلب تاءها ... وتغلب ما كر الجديدان تغلب # فتطير عضد الدولة من قوله (تغلب) وقال: نعوذ بالله وتيقظ الصاحب لهفوته ~~فامتقع لونه، ولم يظهر تهيأ لما كان معه. ### | 26 - # وأضاف تغلبي طائيا، فلما قدم إليه طعامه أنشد الطائي بيت جرير في الأخطل: # والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثل الأمثالا # واسترجع الطائي وعلم أنه على طعام، وفي ضيافة تغلبي، فرجع عن الطعام، ~~فقال له التغلبي: عاود كعامك فإنما قلت ما قيل! قال: لا والله فإني استحيي ~~أن أضع طعامك بحيث سمعت منه ما كرهت! ورحل عنه خجلا عجلا!. ### | 27 - # ونزل أبو عبد الله بن الجصاص الجوهري يوما مع الخاقاني الوزير في زبزبه، ~~وفي يده بطيخة (فيها) كافور، فأراد أن يعطيها الوزير يبصق في دجلة، فبصق في ~~وجه الوزير ورمى بالبطيخة في دجلة، فارتاع الوزير واشتغل بغسل وجهه مما ~~أصابه، وانزعج ابن الجصاص وتحير لما شاهده من سوء فعلة وشدة تخلفه، فقال: ~~والله العظيم أيها الوزير لقد أخطأت وغلطت، أردت أن أبصق في وجهك وأرمي ~~بالبطيخة في دجلة! فقال: له الوزير: ms011 كذاك فعلت يا جاهل! فغلط في الفعل ~~وأخطأ في الاعتذار. ### | 28 - # ودخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فاستنشده، فقال: قد يبس حلقي فمر من ~~يسقيني فقال: اسقوه ماء، فقال: شراب الحمار، وهو عنده كثير! قال: أسقوه ~~لبنا، قال: عن اللبن فطمت! قال: فأسقوه عسلا، قال: شراب المريض! قال: فتريد ~~ماذا؟ قال: أريد خمرا يا أمير المؤمنين، قال: ويلك أعهدتني أسقي الخمر لا ~~أم لك، لولا حرمتك بنا لفعلت بك وعلت، فخرج فلقي فراشا لعبد الملك، فقال ~~له: ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني، وقد صحل صوتي، فاسقني شربة خمر، فسقاه ~~رطلا، فقال: أعد لي آخر، فسقاه آخر، فقال له: تركتهما يعتركان في بطني، ~~اسقني ثالثا فسقاه ثالثا، فقال: تركتني أمشي على واحدة أعدل ميلي برابع، ~~فسقاه رابعا، ودخل على عبد الملك فقال: # خف القطين فراحوا منك أو بكروا # فقال له عبد الملك: لا بل منك، فتطير من قوله، وعلم الأخطل خطأه فراجع ~~وأنشد: # خف القطين فراحوا اليوم أو بكروا # ومر في القصيدة فلما بلغ إلى قوله: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # فقال عبد الملك: يا غلام خذ بيده فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما تغمره ~~به، ففعل. ### | 29 - # وذكر إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: دخلت يوما على الواثق وهو مصطبح فقال: ~~غني يا إسحق صوتا غريبا لم أسمعه منك حتى أكون عليه بقية يومي مسرورا، فكأن ~~الله أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت: # يا دار إن كان البلى قد محاك ... فإنه يعجبني أن أراك # أبكي الذي قد كان لي مألفا ... فيك فآتي الدار من أجل ذاك # قال: فتبينت الكراهة في وجهه، وندمت على ما فرط مني، وتجلدت، وشرب رطلا ~~كان في يده، وعدلت عن الصوت إلى غيره، وكان والله ذلك اليوم آخر جلوسي معه. # PageV01P006 ### | 30 - # وروى أنا أبا النجم العجلي ورد على هشام بن عبد الملك في الشعراء فقال له ~~هشام: صفوا إبلا فقبطوها، وأصدروها حتى كأني أنظر إليها، فأنشدوه، وأنشد ~~أبو النجم العجلي ms012 قصيدته: # الحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخل # حتى بلغ إلى ذكر الشمس فقال: # وهي على الأفق كعين الأحول # ولم يقل (الأحول) وقطع البيت، وأرتج عليه، فقال له هشام: أتمم ويلك! ~~فقال: (عين الأحول) وأتم القصيدة، فأمر هشام بوجء عنقه وإخراجه من الرصافة، ~~وقال لصاحب شرطه: يا ربيع إياك وأن أرى هذا! فكلم وجوه الناس الربيع في ~~أمره وأن يقره، ففعل، وكان أبو النجم متخفيا، يأوي (إلى) المساجد، ويصيب من ~~فضول أطعمة الناس على المزابل، فاهتم هشام ليلة، وأراد محدثا يحدثه، فقال ~~الخادم له: أبغني محدثا أعرابيا شاعرا يروي الشعر، فخرج إلى المسجد فإذا هو ~~يأبى النجم، فضربه برجله وقال: قم وأجب أمير المؤمنين! قال: إني رجل أعرابي ~~غريب، قال: إياك أبغي، هل تروي الشعر؟ قال: نعم وأقوله، فأقبل به حتى أدخله ~~القصر، وأغلق الباب! قال: فأيقنت بالشر، ثم مضى به وأدخله على هشام وهو في ~~بيت صغير، بينه وبين نسائه ستر رقيق، والشمع يزهر بين يديه، فلما دخل قال ~~له هشام: أأبو النجم: قال: نعم يا أمير المؤمنين طريدك، قال: اجلس، وسأله ~~فقال: لمن كنت تأوي وأين منزلك؟ فأخبره، قال: ومالك من الولد؟ قال: ثلاث ~~بنات وبني اسمه شيبان، وقال: وكيف اجتمعوا لك، وهل زوجت منهن أحدا؟ قال: ~~نعم زوجت اثنتين وبقيت واحدة تجمز في أبياتنا كأنها نعامة، وقل: وما وصيت ~~به الأولى؟ وكانت تسمى برة فقال: # أوصيت من برة قلبا حرا ... بالكلب خيرا والحماة شرا # لا تسأمي شربا لها وجرا ... حتى ترى حلو الحياة مرا # وإن كستك ذهبا ودرا ... والحي عميهم بشر طرا # فضحك هشام وقال: ما الذي قلت للأخرى، قال: قلت: # سبي الحماة وابهتي عليها ... وإن دنت فازدلفي إليها # وأوجعي بالفهر ركبيتها ... ومرفقيها واضربي جنبيها # قال: فضحك حتى بدت نواجذه وسقط على قفاه، وقال: ويحك ما هذه وصية يعقوب ~~لولده، فقال: ولا أنا كيعقوب، قال: ما الذي قد قلت: في وصيتك للثالثة؟ قال: ~~قلت: # أوصيك يا بنتي فإني ذاهب ... أوصيك أن تحمدك القرائب # والجار والضيف ms013 الكريم الساغب ... لا يرجع المسكين وهو خائب # ولا تني أظفارك السلاهب ... في الزوج إن الزوج بئس الصاحب # قال: وما قلت ف تأخير تزويجها؟ قال: قلت واسمها ظلامة: # كأن ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالدها حيان # الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الساقين إلا خيطان # تلك التي يفزع منها الشيطان. # فضحك هشام حتى ضحك النساء لضحكه وقال للخادم: كم بقي معك من نفقتك؟ قال: ~~ثلاثمائة دينار، فقال: أعطه إياها فيجعلها في رجل ظلامه مكان الخيطين! وكان ~~أبو النجم أسرع الشعراء بديهة. ### | 31 - # وحكى عبد الله بن طاهر قال: حدثني من شهد لمأمون مع جماعة يتراءون هلال ~~شهر رمضان، وأبو عيسى أخوه معه، وهو مستلق على قفاه، فرأوا، وجعلوا يدعون ~~للمأمون، فقال أبو عيسى قولا أنكره عليه المأمون في التسخط لورود شهر ~~رمضان، فما صام بعده، وقيل إنه قال: # دهاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر # فلو كان يغنيني الإمام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر # ومات قبل ورود السنة الثانية. ### | 32 - # وروي أن المأمون امتنع من النوم عند وفاة أبي عيسى أخيه، فدخل عليه أبو ~~العتاهية فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان في حالنا، يا ~~أمير المؤمنين لبس سليمان بن عبد الملك بن مروان أفخر ثيابه، ومس أطيب ~~طيبه، وركب أفره دوابه، وتقدم إلى جميع من معه بأن يركب في زيه وسلاحه، ~~ونظر في مرآته فأعجبه هيئته وحسنه، فقال: أن الملك الشاب! ثم قال لجارية ~~له: كيف ترينني؟ فقالت: # أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان # أنت خلو من العيوب ومما ... يكره الناس غير أنك فان # PageV01P007 # فقال له: ويلك ما أنشدت؟ فقالت: والله ما أعلم، غير أن لساني نطق بما ~~سمعت، فأعراض بوجهه وتطير من قولها، وعلمت الجارية بزلتها فاستطار عقلها، ~~ولم تدر عليه الجمعة حتى حط ف قبره، فبكى الناس والمأمون، فما رئي أكثر ~~باكيا من ذلك اليوم، وهذان البيتان لموسى شهوات. ### | 33 - # وحدث أبو نواس قال: ms014 جاء شاعر غث إلى زبيدة فامتدحها بقصيدة قل فيها: # أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب # غطين من رجليك ما ... تغطى الأكف من الرغاب # فهم الخدم به، فمنعتهم وقالت: إنما أراد الخير فأخطأ، ومن أراد الخير ~~فأخطأ حب إلي ممن أراد الشر فأصاب، أعطوه ما أمل وتعرفوه ما جهل! قال أبو ~~نواس: إنما أراد الشاعر أن يزيد على قول الآخر: "شمالك خير من يمين غيرك" ~~فظن أنه إذا ذكر الرجلين كان أبلغ في المديح. ### | 34 - # وقال دعبل بن علي: اجتمعنا ثلاثة من الشعراء في قرية تسمى (طهياثا) ~~فشربنا يومنا ثم قلنا: ليقل كل واحد منا بيتا من الشعر في وصف يومنا، فقلت: # نلنا لذيذ العيش في طهياثا # فقال الثاني: # لمت حثثنا القدح استحثاثا # فارتج على الثالث، وأعجلناه، فجاء على لسانه أن قال: # وامرأتي طالقة ثلاثا! # ثم قعد يبكي وينتحب على تطلقه لزوجته، وقعدنا نضحك منه ونتعجب مما اتفق ~~له. ### | 35 - # ودخل أرطأة بن سهية المزني علي عبد الملك بن مروان، وكان قد أدرك ~~الجاهلية، فرآه عبد الملك شيخا كبيرا، فاستنشده ما قاله في طول عمره: # رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد # وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد # واعلم أنها سكر حتى ... توفى نذرها بأبي الوليد # فارتاع عبد الملك، وظن أنه عناه، وعلم ارطأة بسهوة وزلته فقال: يا أمير ~~المؤمنين إني أكني بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون، فسري عن عبد الملك قليلا. ### | 36 - # ومن طريف الاتفاق أن سليمان بن عبد الملك كان من أشد الناس غيرة وكانت له ~~جارية تسمى بعوان يجد فيها، وهي برسم سفره لشدة محبته لها، واتفق أن خرج في ~~بعض السنين غازيا، فنزل بدير البلقاء وأقام هو وحرمه فيه، ترك العسكر ~~وحواليه، وكان معه فارس يعرف بسنان الكلبي، أحسن الناس وجها وغناء وشعرا، ~~فزار قوم من بني عمه فأطعمهم وسقاهم، فقالوا: يا سنان ما أتمت ضيافتك! ~~فقال: وكيف؟ قالوا: لأنك لم تغننا فتطربنا، فغناهم: # محجوبة سمعت صوتي فارقها ... من خر الليل لما ms015 طلها السحر # تثني على جيدها ثنتي معصفرة ... والحلي منها على لباتها حصر # في ليلة البدر ما يدري مضاجعها ... أوجها عنده أضوا أم القمر # لم يحجب الصوت أحراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصوت منحدر # لو خليت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من رقة للمشي تنفطر # فتفهم سليمان الصوت وقام مرعوبا نحو عوان، فلما أحسست به وقد كانت سمعت ~~الشعر أنشأت تقول خوفا من سليمان: # ألا رب صوت جائني من مشوه ... قبيح المحيا ناقص الأب والجد # قصير نجاد السيف جعد بنانه ... إلى أمة يدعى معا وإلى عبد # فلما دخل عليها وجدها نائمة في القمر، قد انحسر إزار أحمر كان عليها عن ~~صدرها، وحليها يلمع في القمر على صدرها ونحرها، فلما رآها على الحال التي ~~وصفها الشاعر تغير وارتعد، وقال لها، يا عوان والله لكأنه يراك وينعتك في ~~شعره! والله لأقطعنه قطعا، كانا من كان، وخرج وكان على رأسها خصي فقالت له: ~~إن لحقت سنانا وحذرته وأنجبته فلك رقبتك وديته! فمضي الخضي وقد سبقت رسل ~~سليمان إلى سنان وأحضرته بين يديه مكتوفا، فقال له: من أنت ويلك؟ قال: سان ~~الكلبي فارسك يا أمير المؤمنين، فأنشأ سليمان يقول: # تثك في الثكلى سنانا أمه ... كان لها ريحانة تشمه # وخاله يثكله وعمه ... ذو سفية حياته تغمه # فقال سنان: # استبقي إلى الصباح أعتذر ... إن لساني بالشراب منكسر # فارسك الكلبي في يوم يكر ... فإن يكن أذنب ذنبا أو عثر # فالسيد العافي أحق من غفر # PageV01P008 # فقال: أما أني لا أقتلك، ولكن سأنكلك نكالا يؤنثك من تفحلك، وأمر به ~~فخصي، ومر بأن يخصى المخثنون في كل بلد، فسمي الدير دير الخصيان، فلا يعرف ~~إلا به!. ### | 37 - # وصف ذو الرمة وهو غلام بالبادية لعبد الملك بن مروان، وذكر له جودة شعره ~~فأحب أن يراه، فتقد بإحضاره وأنفذ وراءه من استحضره، فلما دخل عليه قال له: ~~ما اسمك؟ قال: غيلان، قال: ابن من؟ قال: ابن عقبة، ونسبه فانتسب إلى مضر، ~~واستنشده فأنشد قصيدة أولها: # ما بال عينيك منها الماء ينسكب ... كأنه من ms016 كلى مفرية سرب # واتفق أن كانت عينا عبد الملك تسيلان دائما فظن أنه عرض له، فغضب وقطع ~~إنشاده وأمر بإخراجه، فسأل من بعد عن السبب فيما فعل به فأعلم ذاك وانزعج ~~منه، استطرف سوء الاتفاق له، أقام حتى أذن للشعراء فدخل معهم، وأعاد ~~القصيدة، وقد غير الموضع منها وقال: # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب # كحلاء في برج صفراء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب # فأجازه وأكرمه، وقال: لو أنها قيلت في الجاهلية لسجدت العرب لها!. ### | 38 - # وكان طاهر بن عبد الله بن طاهر قد ولي خراسان بعد موت أبيه عبد لله بن ~~طاهر، وكان أديبا فاضلا، قليل الرغبة في سماع الغناء، فحضره يما مغن عراقي ~~موصوف بالحذق (والذكاء) فابتدأ يغني وجماعة جلساء طاهر وخواصه حضور: # شب بالإثل من عزيزة نار ... أوقدتها وأين منك المزار # وكان اسم والدة طاهر عزيزة، فتغامز الحضور به، وأعلموه بهفوته، فانقطع ~~وأمسك، فقال طاهر: ما له؟ فسكتوا، فقال: قد علمت سبب انقطاعه ليس يغني ~~اليوم في مجلسنا إلا بهذا الصوت! فغني فيه يومه أجمع، وخلع عليه وأجازه. ### | 39 - # وذكر عبد الصمد بن المعذل قال: كان خليلان الأموي يتغنى، ويرى ذلك زائدا ~~في مروءته وفتوته مع شرفه في قومه وسعة نعمته، فحضر يوما عند عقبة بن سلم ~~الهنائي الأزدي، وهو يومئذ أمير البصرة من قبل المنصور، وكان جبارا عاتيا، ~~فلما طعما وخليا، انظر خليلان إلى عود موضوع في جانب البيت، فعلم أنه عرض ~~له به، فأخذه وتغنى: # يا بنة الأزدي قلبي كئيب ... مستهام عندكم ما يؤوب # ولقد لاموا فقلت دعوني ... إن من تلحون فيه حبيب # فجعل وجه عقبة يتغير، وخليلان في غفة مما فيه عقبة، يرى أنه محسن، ثم فطن ~~لتغير وجهه، وعلم أنه قد غلط فيما تغنى به وذكر الأزدية فيهن فقطع الصوت ~~وغنى مكانه: # ألا هزلت بنا قرشي ... ية يهتز موكبها # فسري عن عقبة، فلم فرغ من الصوت وضع العود، وحلف إيمانا أكدها على نفسه ~~أنه لا يتغنى عند ms017 من يجوز عليه أمره. ### | 40 - # وذكر أن بعض المغنين غنى عند الرشيد بشعر مدح به أخوه علي بن المهدي ~~المعروف بابن ريطة، وهي بنت السفاح، وغناه المغني وهو لا يعرف قائله ولا من ~~قيل فيه، وهو: # قل لعلي أيا فتى العرب ... وخير نام وخير منتسب # أعلاك جداك يا علي إذا ... قصر جد في ذروة النسب # فتغير الرشيد تغيرا شديدا، واستفهم المغنى عن الشعر وقائله ومن قيل فيه، ~~فوجده لا علم من ذلك شيئا، فبحث عن أول من غنى فيه مكان عبد الرحيم الرقاص، ~~فأمر به فضرب أربعمائة سوط. # PageV01P009 ### | 41 - # وحدث القاضي أبو الحسن بن السيني قال: حضرت يوما مجلسا فيعه أبو يعلى ين ~~كيكس كاتب منيع بن حسان الخفاجي ووزيره في سنة اثنتين وعرشني وأربعمائة ~~بالجامعتين، وقد حضر هناك رؤساء لبلاد من سقي الفرات للسلام على منيع بن ~~حسن وأبي يعلى بن كيكس، وكانا وردا من الشام، وحضر في جملة الأشراف ~~الطالبين من الكوفة الزكي أبو علي عمر بن محمد بن السابسي، والزكي الآمر ~~الناهي في الإقامات وترتيب الأمور، وبين يديه غلام يدعى بأبي يعلى بن عرس، ~~فأخذ الزكي يقول له: ويلك يا أبا يعلى افعل كذا وامض في كذا، وينتهره ~~ويستخف به استعجالا له وحثا فيما يستنهضه فيه ويستبطئه، ويقول: يا أبا يعلى ~~يا فاعل يا صانع! فلما طال ذاك على أبا علي بن كيكس، لأجل موافقة كنيته ~~لكنيته، قال له: أيها الشريف سأستخدم ليوم غلاما كنيته أبو علي، واستخف به ~~بحضرتك، مجازاة لك عن هذا الفعل منك! فاسترجع الزكي واستيقظ وقال: الله ~~الله يا سيدنا، فو الله ما كان عن قصد مني بل بنسية، حضرتني! فضحكت الجماعة ~~منه، ثم قال أبو يعلى: كان بخوزستان مير من أمراء الديلم بخصب لحيته، فحضر ~~في مجلس فيه رجل من أكابر أصحاب الملك (أبي) كاليجار، ولذلك غلام خضيب، ~~وكان يأمره وينهاه ويقول له: يا خر منحنى يا فاعل ويا صانع، ويا حر منحى، ~~ومدبر منحوس، وما يشبه هذا القول، فنهض الديلمي مغضبا ms018 وقال هذا تعريض بي ~~قصد لي، وصار ذلك سبب عداوة تأكدت بينهما واستحكمت معهما. ### | 42 - # وكان بالأهواز شيخ جلل ومتقدم كبير وذو نعمة ظاهرة وحال زائدة يعرف بأبي ~~إسحق بن هرون، فحدثني أبو سعد ابن سعدان العطار عنه قال: نفق له حمار مصري ~~من مراكبه، وحضر عنده جماعة توجعوا له، وعزوه به، فتبرمك هم وبما واصلوه في ~~ذاك قولهم، فقال لهم: أما مات حمار قبلي قط حتى انقلبت بي! أراد: ما مات ~~لأحد حمار قبلي، فضحكوا وأمسكوا. ### | 43 - # وحدثني أبو سعد قال: رأى أبو إسحق يوما خادما راكبا، وبعده صبي أسود راكب ~~يتبعه، فالتفت إلي وقال لي: هذا الصبي ولده، فقلت: يا سيدنا خادم لا يكون ~~له ولد، فقال: صدقت، وأنت بغدادي والبغداديون أذكياء، فضحكت من قوه الثاني. ### | 44 - # قال: وشكا علي يوما قيامه للبول في الليل ووجدانه لبرد، فقلت: أنفذ إلى ~~البصرة تستعمل لك مبولة زجاج تغنيك عن القيام في الليل، فقال: افعل، وأنفذ ~~بمن استعملها وأحضرها فلما كان من الغد قال لي: أيها الشيخ ما نفعتنا تلك ~~المبولة، ونحن في وجدان البرد على حالنا الأولى، فقلت: كيف ذاك؟ قال: قد ~~جعلتها الفراش في طست على البالوعة، وأحتاج إلى أن أقوم إليها كما كنت ~~أقوم! فضحكت وقلت: إذا كان الأمر على هذا فبل في البالوعة وأرح المبولة! ثم ~~قلت: هذه تترك بقرب الفراش وبحيث تنالها اليد، فإذا أردت البول مددت يدك ~~وأخذتها إلى الفراش وبلت فيها وأخرجتها وامتسحت بخرقة تكون معدة معها، وأنت ~~في فراشك لم تبرح! قال نجرب هذا الليلة، وجئته من غد فقال: سبحان الله فما ~~أحذقكم وأحصفكم وأعقلكم يا بغداديون جرى الأمر على ما ذكرته من غير زيادة ~~ولا نقصان، فقلت: الحمد لله!. ### | 45 - # وحدثني أبو طاهر بن أبي قيراط العلوي قال: كان عندي جماعة من الرؤساء ~~والأماثل وفيهم أبو الغنائم بن جمهور الكاتب، وكانت له أخت فاسدة، فدخل ~~علينا وقال: كنت الساعة في مشرعة الروايا مجتازا فرأيت جمعا وضجيجا وصياحا، ~~فسألت عن الحال فقيل لي: ms019 حصلت بنت ابن جمهور عند ابن المطبخي القاص على ~~فساد، فكبسا وهربا، وظفر بسراويلهما ومداسها وشيء من آلاف الفساد الذي ~~اجتمعا فيه، فحين فرغ من كلامه طأطأنا رؤوسنا حياء من أخيها، وندم الرجل ~~على ما تسرع فيه واتفق له، والحق ابن جمهور أمر عظيم، ونهض على أقبح وجه ~~وانصرف، فلمنا الرجل فقال: غلطة جرت وهنة طرت. ### | 46 - # وغنت جارية للمنصور قول عبيدة الله بن قيس بن الرقيات في عبد الملك بن ~~مروان: # ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحملون إن غضبوا # وأنهم معدون الملوك فما ... تصلح إلا عليهم العرب # فاستعادها الصوت وقد تكره، وعلمت غلطها فغيرته في الحال وغنت: # ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يسفهون إن غضبوا # وأنهم معدن النفاق فما ... تفسد إلا عليهم العرب # PageV01P010 # فقال لها: أحسنت يا جارية فمن أين لك هذا؟ قال: والله ما قصدت الغناء ~~بهذا الشعر، فلما ابتليت به وعلمت بزلتي فيه غيرته على ما قلت. ### | 47 - # وحكي أن المعتمد اصطبح يوما واقتراح أن يغني بشعر أبي نواس: # يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن # سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن # فلم يزل يغني به يومه، ثم اشتكى جوفه ومات في ليلته. ### | 48 - # وحدثني أبو لفتح منصور بن محمد بن المقدم الأصفهاني قال: كان أبو الفتح، ~~ابن ابن العميد يشرب على مجلس قد أعجب به، وأغاني قد اجتمعت، وسر سرورا ~~كثيرا، طرب طربا زائدا، وجرى على لسانه عمل أبيات: # دعوت المنى ودعوت العلا ... فلما أجابا دعوت القدح # وقلت لأيام شرح الشباب ... إلي فهذا أوان المرح # إذا بلغ المرء غاياته ... فليس له بعدها مقترح # وتقدم إلى المغنين بتلحينه وألا يغني بقية ليلته إلا به، ففعل ذاك! قال ~~الحاكي: فتطير جماعة الحاضرين عليه ما جرى على لسانه، ونهض من المجلس، وأم ~~أن يغطى ولا يشوش، ليركب إلى دار فخر الدولة ويعود إلى حاله، وتقدم إلينا ~~بانتظاره، وركب فقبض عليه فخر الدولة، وهربنا من داره، وكان ذاك آخر العهد ~~به. ms020 ### | 49 - # وحكى الأصمعي قال: دخلت على الرشيد يوما وهو ينظر في كتاب ودموعه تسيل ~~على خده، فلما بصر بي قال: أرأيت ما كان مني؟ قلت: نعم، قال: أما إنه ليس ~~لأمر الدنيا، ثم رمى إلي بالكتاب، فإذا فيه أبيات لأبي العتاهية إسماعيل بن ~~أبي القاسم وهي: # هل أنت معتبر بمن خربت ... منه غداة مضى دساكره # ويمن أذل الدهر مصرعه ... فتبرأت منه عساكره # ويمن خلت منه أسرته ... وبمن وهت منه منابره # ابن الملوك وأين عزهم ... صاروا مصيرا أنت صائره # يا مؤثر الدنيا للذته ... والمستعد لمن يفاخره # نل ما بدا لك أن تناوله ... يوما فإن الموت آخره # فلما قرأتها قال: والله يا أصمعي لكأني أخاطب بهذا الشعر وحدي دون الخلق! ~~فقلت: دع هذا يا أمير المؤمنين فإنه استشعار لا يقطع به ولا يعول عليه، فو ~~الله ما لبث بعد ذلك إلا شهرا (واحدا) ثم مات. ### | 50 - # وحدث يقطين قال: إني لواقف على رأس المهدي إذا أغفى، فانتبه فزعا وقال: ~~علي بالشيخ! فقلت: أعيذك بالله اأمير المؤمنين، فقال: وقف علي الساعة وأنا ~~نائم شيخ فقال: # كأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأقفر منه أنسه وشواكله # وصار عميد القوم من بعد نعمة ... إلى جدث تحثى عليه جنادله # ولم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عيه بالعويل حلائله # قال: فما مضى عليه إلا أيام حتى مات. ### | 51 - # وروي عن عبد الرحمن بن عفيف المروزي قال: حدثني أبي قال: وجدنا على باب ~~علي بن عيسى بن ماهان، وهو الذي سعى بالبرامكة مع من سعى حتى هلكوا بيتين ~~من الشعر لا يعلم من كتبهما: # إن المساكين بني برمك ... صبت عليهم غير الدهر # إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبر صاحب ذا القصر # فلم تبعد نبكته، وكانت قريبة من نكبة البرامكة. ### | 52 - # وحدث سليمان بن أبي شيخ قال: بلغني أن جعفر بن يحيى البرمكي في آخر ~~أيامهم أراد الركوب إلى دار الرشيد يوما فدعا باصطرلاب ليختار وقتا يركب ~~فه، وكان جالسا إلى دجلة، فمر رجل في سميرية وهو لا يرى ms021 جعفرا ولا يعرفهن ~~ولا يدري ما يصنع، فأنشد: # يدبر بالنجوم وليس دري ... ورب النجم يفعل ما يريد # فضرب جعفر بالاصطرلاب الأرض، وركب وقيذا. ### | 53 - # وحكي أن أبا عبد الله بن الجصاص كان جالسا يحادث المقتدر بالله، فنام، ~~فقال له المقتدر هوذا تنام يا أبا عبد الله! فقال: تحت داري كلاب ما يدعوني ~~أنام الليل، فقال له: تقدم إلى الغلمان بطردهم فقال: يا أمير المؤمنين هم ~~شيء يطاقون، والله إن كل كلب مثلي ومثلك كرتين، فضحك المقتدر وقال: بل مثلك ~~وحدك! واستيقظ ابن الجصاص فخجل واعتذر!. # PageV01P011 ### | 54 - # وكأن رجل يؤاكل صديقا له، فدق إنسان الباب، فقال صاحب الطعام، من ذا ~~الكشخان، الآخر؟ فنهض صديقه وقال: والله لا آكلتك أبدا، فخجل وحلف "أن ~~لساني هفا وأنك أولى من عفا"، فلم يرجع عن أنه له عني وعنه كنى، وانصرف. ### | 55 - # وكان جماعة يأكلون سمكة مشوية، ففرغوا من جنبها وقبولها إلى الجنب الآخر، ~~فسأل سائل على الباب، فأراد صاحب السمكة أن يرد عليه فقال: قد أقلبوها، ~~فرفعت الجماعة أيديها، ونهضت، وخجل الرجل وحلف لهم أنه ما عنى ما وقع لهم ~~وعرض بخاطرهم، بل سهو بدر به لسانه، فلم يقيموا ولا تمموا أكلهم، وخرجوا ~~يبخلونه واستحيا منهم كل وقت يلقونه!. ### | 56 - # وذكر حماد بن إسحق عن أبي بكر بن عياش قال: كان بالكوفة امرأة لا زوج د ~~عسر عله المعاش، فقالت له: لو خرجت فضربت في البلاد وطلبت من فضل الله ~~تعالى رجوت أن ترزق شيئا، فخرج إلى الشام فكسب ثلاثمائة درهم فاشترى بها ~~ناقة فارهة وركبها قاصدا إلى الكوفة، وكانت زعرة فأضجرته واغتاظ منها ومن ~~زوجته وإخراجه وتقطيعه بأسفاره، فبدر لسانه فيها بأن حلف بطلاق امرأته أنه ~~يبيعها يوم يدخل الكوفة بدرهم! وسكن من حوده فندم أشد ندامة واغتم أعزم غم، ~~وقدم الكوفة فقالت له زوجته: أي شيء جئت به معك؟ ورأته مغتما، قال: لا شيء، ~~فقالت له: فهذه الناقة لمن؟ قال: لا أدري لمن تحصل له، وحدثها بحديثه وما ~~جنى عليه حرده وجره ms022 لسانه، فقالت له: أنا أحتال لك حتى لا تخنث ولا تخيب، ~~وعمدت إلى سنور فأخذتها وعلقتها في عنق الناقة وقالت: أدخلها السوق وناد ~~عليها: من يشتري هذه السنور بثلاثمائة درهم والناقة بدرهم واحد، ولا أفرق ~~بينهما؟ فدخل السوق وفعل ذلك، فجاء إعرابي يجور حول الناقة وجعل يقول: ما ~~اسمك ما أفرهك ما أحسنك ما أرخصك، لولا هذا المشارك الذي في عنقك. ### | 57 - # حدثني أبو سعد محمد بن علي ن الحسن المعروف بابن المانداي قل: حدثني ~~الجهرمي الشاعر قال: كان السقطي الصوف من أهل المروءات، وقد آلى على نفسه ~~أنه لا يأكل طعاما عند أحد، فخلوت به يوما وسألته عن العلة في ذاك فقال: ~~بكرت إلى صديق لي في حاجة وعدن بها، ودخلت إليه وبين يديه غداؤه، فمددت يدي ~~وأكلت، ووقف على الباب سائل، وأراد أن يقول له: لطف الله بك، فقال: قد كسر ~~آخر فقلت: بعد ما مسه فخجل واستحيا وقال: ما قصدت ما وقع لك، فقلت: خذ في ~~غير هذان ولم آكل معه، ونهض عن طعامه حياء مما بدر من كلامه، وجعلت في نفسي ~~ألا أكل طعام أحد بعدها. ### | 58 - # وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير قال: كان سليمان ابن فهد كاب ~~قرواش بن المقلد بالموصل حديدا سوداويا على الفضل الذي كان فيه، واتفق أن ~~كان جالسا وإلى جانبه أبو طاهر النصراني الكاتب ابن كعب، وله المنزلة ~~الكبيرة وفي وقته المكانة الجليلة في بلده، وقد خدم شرف الدولة باب الفوراس ~~ابن الملك عضد الدولة بن بويه والمسيب جد قرواش، فقال له سليمان مقبلا على ~~الحاضين على طريق الانبساط والاسترسال، وهذه أخت ابن كعب قحبة مشهورة كما ~~تعلمون، وابن عرقل ممن تحبه ويفعل بها كل يوم، ولا يغبها ولا تغبه، وغيره ~~وغيره، فإذا راسلتها واستدعيتها تمنعن وتحكمت وتبطأت وتأخرت! ثم التفت فرأى ~~ابن كعب إلى جانبه، فاستحيا ونهض، وقال: هذا هو الجنون الذي لا دواء له! ~~ودخل إلى بعض حجره، وانصرف الحاضرون خجلين ن ابن كعب وسماع ذلك، ms023 وبقي كعب ~~جالسا حائرا لا تساعده رجله على النهوض والانصراف، وشاهد حاجب سليمان حاله، ~~فجاءه وأخذ بيده وقال: ينهض سيدنا إلى جاره، فقد جرى ما فيه الثواب، وإن ~~كأن من محن الدهر الصعاب، فقام يجر نفسه وانصرف. ### | 59 - # وحدثني أيضا قال: كان البرقعيدي يوما جالسا عند بعض أصدقائه بالموصل، ~~فأنشد بعض الحاضرين: # وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه # فقال له: هأنا قاعدا يا سخي العين! فاستحيا المنشد وضحك الحاضرون. ### | 60 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي قال: كان النابغ والهائم بحضرة عضد ~~الدولة يوما يلعبان بالشطرنج، فغاصا في الفكر لدستهما، فأنشد أحدهما: # وأبو القاسم يروي شعرنا ... حسن ذاك ويأتي بالخبر # PageV01P012 # والشعر لعضد الدولة أبي شجاع بن بويه، فقال له الآخر: أف منك ومن هذا ~~الشعر! فإعادة ذاك إنشاد البيت على مذهب الشطرنجيين في مغايظة ملاعبيهم ~~وتكرار ما يثقل عليهم، فال له: هذه شعرة لا شعر! فردده وكرر ذلك كالسب ~~للشعر وقائله، وعضد الدولة يسمعهما، إلى أ، فرغا من دستهما، ونهض واستدعى ~~أبا علي بن محمد أستاذ الدار، وتقدم إليه بضربهما مائتي سوط، وأن يأمرهما ~~بألا يتكلما بعد يومهما على الشطرنج بشيء، فعل ذاك، وعرفا ما كان منهما، ~~وأنه السبب فيما جرى عليهما. ### | 61 - # وبالضد من هذه الحكاية أن عضد الدولة وصف له ابن الصقر يلعب الشطرنج ~~والتقدم فيه، وكان من العمال المتقدمين، وإليه عمالة البلاد العليا، فتقدم ~~بإحضاره، وأجلس معه من يلاعبه ممن يجري في طبقته، فأجاد ابن الصقر، وغلب ~~محاذيه دستا، واستحسن عضد الدولة لعبه، ولعب الدست الثاني وفكر وفي نفسه ~~وقال: متى واصلت غلب هذا المحاذي استحسن عضد الدولة لعبي ونقلني من الرئاسة ~~والعمالة، وهي المنزلة الزرية والرتبة الدنية، وليس لي غير ما أقصر في لعبي ~~وأتغالب لتزول هذه السمة عني! ولاح له في الدست أن يلعب بفرسه ضبة يغلب ~~محاذيه بها، وفراغ عنها ولعب بغيرها، فقال له عضد الدولة: العب بفرسك، فإني ~~أردك إلى عملك! فقبل الأرض ولعب بفرسه، وغلب الدست، ورده إلى العمل وأعفاه ~~من ms024 اللعب. ### | 62 - # ودخل الزكي أبو علي العلوي يوما على بعض الرؤساء فجالسه وحادثه فهما في ~~ذلك إذ حضر صاحب ذلك الرئيس فقال: يا سيدنا أي الخيل نسرج اليوم؟ فقال ~~اسرجوا العلوي: سمة لفرس له يعرف بذلك، فقال الزكي: أحسن اللفظ يا سيدنا ~~فاستحيا الرجل وقال: غفلة لا يؤاخذ عليها. ### | 63 - # وحضر يوما بعض المغنين مجلس الملك جلال الدولة بن طاهر ابن بويه فغناه: # وبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب # فقال جلال الدولة: صدقت! أقيموه، فأقيم وصرف ### | 64 - # وحدثني أبو سعد محمد بن علي المانداي قال اجتاز المرتضى أبو القاسم نقيب ~~العلويين، يوم جمعة على باب جامع المنصور، وبحيث يباع الغنم، فسمع المنادي ~~عليها يقول: نبيع هذا التيس العلوي بدينار! فظن أنه قصده بذاك، وعاد إلى ~~داره، وتألم إلى الزير مما فعل به، وكشف عن الحال فوجد أن التيس إذا كان في ~~رقبته حلمتان (متدليتان) سمي علويا، تشبيها بشعرتي العلوي المسبلتين على ~~رقبته. ### | 65 - # واجتاز أبو الفرج بن الأقساسي العلوي الكوفة، كان أعرج أحول فسمع مناديا ~~ينادي على تيس ويقول: بكم علكم هذا التيس العلوي الأحول الأعرج، فلم يشك ~~أنه عناه، فراغ عليه صفعا وضربا إلى أ، تبن أن التيس أحول أعرج، فخلاه، ~~وضحك الحاضرون مما اتفق في معناه. ### | 66 - # وحدثني المانداي وقال: كنت يوما ند أبي البركات العلوي المدائني وهناك ~~ابن عبد السميع الهاشمي وجماعة حضور، فانجر الحديث إلى أن حكين له حكاية ~~كانت (مع رجل) في جوارنا بنهر طابق يقال له ابن نفاط، وقلت: إنه استدعى ~~خياطا فصل له ثيابا وأقعده بخيطها بين يديه، وجاء الليل وأحضرت الشمعة، ~~فقال للخياط: حدثني بشيء من سير الفرس وأخبارهم، فلم يفهم عنه ما قاله، ~~فضلا عن أن يحدثه بما التمسه، وقال: يا سيدنا ما أعرف شيئا من ذاك ومن ~~هؤلاء الفرس ومتى كانوا وأين كانوا!! فقال إنا الله، فهات شيئا من سيرة ~~النبي عليه السلام وأخباره وفتوحه وأفعاله وما جرى له من قريش! فقال يا ~~سيدنا ما ms025 اعرف إلا أنه رسول اله تعالى، فأما تفصيل ذلك فعند غيري، وعل من ~~تشاغل به، ولم ينكمش على مثل صنعتي، فأنشد قائلا: # غفل من الناس ليس فيه ... موضع هجو ولا مديح! # ثم قال: فاقرأ خمس آيات من القرآن لنقطع زماننا بشيء يكون ثواب وأجر، ~~فقال: والله العظيم ما أعرف إلا ما أصلي به، على غير إتقان له ولا علم على ~~الحقيقة به! فقال: ويلك فما سمعت أحدوثة في بيتك ومن أهلك ومن يضمه ذراك؟ ~~فقال: أفمن هذا تريد؟ السمع والطاعة، ثم قال: كانت فأرة .. # قال: أي شيء هذا مما يتحدث به! هات. # فقال: كنست بيتها .. # قال: والفأرة مسك مكنسة! وتفهم الكنس! وأي بين لها بخضه، هذا جنون، ولكن ~~هات ما عندك لننظر آخره! فقال: وجدت حنطاية .. # فقال: حنطاية! ما هي؟ قال: طعام .. # قال: يجوز أن يكون في أعشاش الفأر طعام .. # PageV01P013 # قال: فحملتها إلى الطحان وقالت اطحن لي هذه وخذ نصفها وأعطني نصفها. # فقال: ويلك أيتهيأ أن تمضي الفأرة إلى الطحان وتخاطبه بلسان صهصلق وكلام ~~ذلق، هذا محال، وهذا محال!. # وصاح ونفض كمهن فانطفأت الشمعة، وضحكت مما اتفق لهما. # قال أبو سعد: فضحكت الجماعة ضحكا شديدا، وقام من بينهم غلام فخرج، فلما ~~خرج قيل لي: أي شيء قد علمت! فقلت: ما الخير! فقالوا: هذا الخارج ولد الذي ~~حكيت عنه، وقد تغير وجهه وخبثت نفسه وانصرف على ما شاهدت من أمره، قلت: ما ~~علمت ووجب عليكم أن تعلموني حيث بدأت بحديث أبيه! واستحييت مما اتفق!. ### | 67 - # قال: وكانت لابن الناط هذا حكايات: فمنها أنه خرج يوما فرأى على بابه ~~سنورا ميتة، فقال لها: ها على بابي سنور ميتة! فقالت له جارية في داره: يا ~~سيدي هذه سنور حوراء جارتنا، فقال: ومن هي حوراء البظراء! يجب أن نفذ إلى ~~سيدنا السديد يعني صاحبه الذي كان يكتب له ويحضر منها نقيبان جلدان يأخذان ~~هذه السنور من ها هنا ويطرحانها ها هنا، ويعني على باب حوراء صاحبتها. ### | 68 - # وحدثني وقال: قضى الرؤساء لأحد شعراء زماننا ms026 حاجة فجاء ليشكره (على صنيعه ~~فقال): # لا خيل عندك تعطيها ولا مال ... فليحسن القول إن لم تحسن الحال # فقال له حاجب الرجل: يا هذا ليس ما قلت بمدح ولا خارج مخرج شكر! فقال: ~~سهوت وغلطت، فانصرف خزيان. ### | 69 - # وجرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم صاحب الدولة كلام، فال له شهرام: ~~يا لقيط، فصمت الو مسلم وتنبه شهرام على هفوته، فاعتذر وخضع، فقال له أبو ~~مسلم: لسان سبق ووهم أخطأ وبادرة غضب، والغضب من الشيطان، وأنا جرأتك بطول ~~احتمالي لك، فإن كنت للذنب معتمدا كنت لك شركا، وإن كنت مخطئا فالعذر يسعك، ~~وقد شمل عفوي الحالين! فقال له شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غرورا، ~~قال له أبو مسلم: أجل، قال شهرام: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن! فقال أبو ~~مسلم: سبحان الله العظيم، ومن أحسن إليك مع إساءتك لا يسيء إليك مع إحسانك! ### | 70 - # وكان عامر بن مصعب يوما ينظر إلى ابنه وهو يخطب، وقد استحسن الناس كمه، ~~فأقبل على قوم جلوس، وقال لهم: هذا بني ومن هذا خرج، وأومأ إلى ذكره، ~~فتضاحك القوم به، وعرف زلته وانصرف. ### | 71 - # واجتاز بعض العوام وهو سكران بجماعة قعود، فجلس وأنشد وأومأ إليهم: # اضرط عليهم فكلهم سفل ... شبابهم والشيوخ والكهل # وضحك ضحكا مفرطا، وانصرف، فقال رئيس كان من الجماعة لم يعننا هذا السكران ~~بقوله، دفعا لذلك عنهم، فقال له أحدهم: الله الله يا سيدنا، أنت سيد ~~الجماعة ومتقدمها، وما على غيرك ولا أراد سواك! فقال له: أحسنت يا سخين ~~العين! وضحكت الجماعة منه. ### | 72 - # قال مؤلفه: وحدثني والدي رحمه الله عليه قال: كنت عند أبي الحسن محمد بن ~~عمر العلوي رحمه لله وقد دخل إليه بعض معامله شاكيا من بعض العمال، فقال ~~له: يا سيدنا قد جرى علينا كذا وكذا من الامتهان والحرف، والاستخفاف والخف ~~وأشرفنا على الانصراف من هذا الموضع والانجلاء عنه، فقال: يا هذا ولم ذاك؟ ~~ولأي سبب؟ فأراد أن يقول له: قصدا لك وقبحا معك، فقال: والله ms027 العظيم ما ~~امتهنا ولا صفعنا إلا على رأسك! فقال: أخرجوه قبحه الله تعالى! فلما أخرج ~~تبين قوله وطارت روحه! ### | 73 - # وحدثني أبو سعد محمد بن علي المانداي قال: كنت عند أبي الغنائم ابن ~~القنائي جالسا فحضر بعض المعاملين وشكا من بعض الناس، فقال له ومستهزئا به: ~~ولم صبرت منه على هذات الفعل وكان يجب أن تشيل قفاك فتصفع يده ولا تفكر فيه ~~ولا تحتشمه، فقال: هذا يفعله سيد مثلك فأما أنا فلا أقدم على مثله! فامتقع ~~لون ابن القنائي حيا من الحاضرين. ### | 74 - # وحدثني قال: كان مع بعض القصاص رجل شيخ يعرف بعبدان، يحضر حلقته ويستحسن ~~كلامه ويزهره ألفاظه، ويعطيه ثلاثة أرطال خبزا جزاء فعله، وربما نام تحت ~~الكرسي بشيخوخته وتخرج منه رياح تبلغ إلى أنف القصاص، فقال له يوما: يا ~~عبدان! قال: شافي والله العظيم، فقال له: دعني من هذا، هو ذا تنام وتؤذيني ~~بفساك! فقال له أنا يا سيدي!! الله الله، هؤلاء الروافض يفسون حول الحلقة ~~ويقولون: هذا في لحية الشيخ، قصدا لك وقبحا لك، فقال له: يا عبدان أمسك، ~~فعذرك أشد علي من فعلك، فضحك الناس منهما، وانحل المجلس وانفل جمعه ذلك ~~اليوم. # PageV01P014 ### | 75 - # وحدثني قال: كان لابن القنائي أخ يعرف بالبقطائي من أمه، فقعد يوما يلعب ~~الشطرنج مع إنسان يعرف بأبي عمر الصيرفي وكان أبو عمر يسهو في لعب الشطرنج ~~إلى الحد الذي تجعل على رقبته وظهره الشي الكثير الثقيل فلا يحس بع ويحمله ~~ولا ينتبه له، فتوجهت له على الباقطائي، فقال له: شاه يا بن القحبة، فقال ~~له ابنه: أنت مجنون! الرئيس أبو الغنائم قاعد وأنت تشتم أخاه وأمه! فعلم ~~أنه د غلط، فقال: ما قلت ذاك إلا من جهة الباقطائي، فضحكت الجماعة منه، ~~وخجل ابن القنائي ونهض. ### | 76 - # وحدثني قال: كان عندنا إنسان يعرف بزوج المرأة، فمضى يوما لزيارة قبر ~~(الشيخ) معروف الكرخي (قدس الله سره) ومعه ابن أخت له فرأى فاختة في ~~الطريق، فقال لابن أخته: امض وعلق تلك الفاختة، فقال له: إذا ms028 قربت منها ~~طارت فكيف أعلقها؟ فقال: امض مع الحائط نحو تنور الآجر، كأنك تساوم صاحبه ~~على شراء الآجر وخذها، فضحك! ### | 77 - # قال: وماتت قريبة لأبي منصور بن الفرج، وكان رئيسا في الوقت، فاجتمع ~~الناس على طبقاتهم لقضاء حقه، وأخرجت الجنازة والنساء يلطمن ويقلن: واستاه ~~واستاه! على ما جرت به عادة النساء في ذلك، فأنكر زوج المرأة هذا القول ~~وقال: لاست إلا الله سبحانه وتعالى، وصاح عليهن، فضحك الناس، وصار المكان ~~مكان هزل لا مكان حزن. ### | 78 - # قال: وأحضره السوادية طنجيرا وقال: قد ابتعت هذا بخمس دوانيق، فانظر ~~أرخيص هو أم غال! فأدخل رأسه فيه، فقال السوادي: هو صحيح يا سيدي، وليس فيه ~~كسر، قال: ما نحوت إلى ذاك، وإنما أفتقده لا يكون العث قد وقع فيه، ~~فتستعمله أياما ويظهر لك بعد ذلك عيبه! فضحك منه وأخذ الطنجير، وذهب. ### | 79 - # قال: وكان عندنا كاتب ديوان يعرف بأبي غالب الإصطخري، شديد المعضلة قليل ~~الدربة بالعادات، وكان في داره حمام، وكان يوقده بنفسه من السحر إلى الفجر، ~~فإذا فرغ منه دخل الحمام وتغسل وركب، فمن حكاياته أنه صلى بالناس في شهر ~~رمضان فقرأ سورة القصص وخرج من رأس السبعين إلى رأس الثمانين، وسقط في هذه ~~العشر الآيات قصة قارون، فلمنا جلس في التشهد قال في تشهده: أليس كان ~~لقارون المدبر في هذه السورة حديث طويل! ترى أليس كان منه! دع حتى يمر إلى ~~لعنه الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! ### | 80 - # قال: ورأيته يوما وهو على دكان مالحاني، وفي يده رغيف، وهو يأكل من خل ~~المالح، فقلت: يا سيدنا أتأكل هذا الخبر اليابس بهذا الخل القذر في السوق ~~وبين العوام، فاغتاظ مني فقال: خرا أريد أن أصلحه، فأي شي عندك في هذا يجيء ~~خراء أولا! ### | 81 - # قال: وكان إذا خرج في حاجة فقال له إنسان: إلى أين أيها الرئيس! رجع ولم ~~يمض فيها، وجرى على القائل له ذاك قبح منه، فاجتاز علي يوما مسرعا ولم ~~يسلم، فقلت: إلى أين مدة شهر؟ فرجع إلي: ms029 وقعد عندي وقال: قال أبو عبيدة ~~معمر بن المثنى: إياك وأن تقول لإنسان ما في حاجة إلى أين، فربما كان مارا ~~في شيء من قاذورات الدنيا، فإن صدقك فقد أحرجته، وإن كذبك فقد آثمته! ### | 82 - # وحدث أن سابور الوزير استناب في دار العلم بين السورين خازنا يكنى بأبي ~~منصور، فلبس في بعض الأعياد ثيابا جددا، وأخذ في السحر قارورة فيها حبر، ~~فصبها في يده وطرحها على وجهه، غلطا من قارورة ماء الورد إلى قارورة الحبر، ~~وخرج على تلك الصفة يريد الجامع، فلقيه الناس وتضاحكوا منه ورأوا ما به، ~~فقال: غلطنا من ماء الورد إلى الحبر! ورجع. ### | 83 - # وكان أبو الحسن السمسماني متطيرا، فخرج يوم عيد داره، ولقيه الناس فقال ~~له مهنئا: عرف الله تعالى سيدنا الشيخ بركة شؤم هذا اليوم، فقال: وإياك يا ~~سيدي، وعاد وأغلق به، ولم يخرج (بقية) يومه. ### | 84 - # ودخل بعضهم إلى رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة فقال له متعجبا من ~~رئاسته التي عبقت به وجلالته التي باتت له: # فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك الجلوس على السرير # فضحك رئيس الرؤساء منه، ولم يعلمه بموضع غلطه، لعله بقلة معرفته وبأنه لا ~~يعلم أصله! # واتفق أن اجتمعت به يوما عند عميد الملك أبي نصر الكندري بعد قتل رئيس ~~الرؤساء، فقال له كيف أنشدت رئيس الرؤساء # فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمك الجلوس على السرير # أما تعلم أنه ثاني بيت، هو: # PageV01P015 # أتذكر إذ قميصك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير # فقال: والله يا مولاي ما أدري ما قلت، ولا أدري ما تقوله أنت الساعة لي، ~~غير أنه مدحني به مادح فمدحت به رئيس الرؤساء فضحك عميد الدولة حتى استلقى! ### | 85 - # ورأيت أبا الحسن الوكيل عند بعض الأصدقاء وهما يشربان، ومع أبي الحسن ~~فوطة كتان مغربية مقفصة مليحة، فمزحنا معه وقلنا له: هذه من غزل البيت! ~~فقال: نعم يا سيدنا طاقه وضرطه! فضحكنا وقطعنا بذاك أكثر يومنا. ### | 86 - # ولقي يوما بعض الأجلاف نصر بن الطيب في الطريق، فقال له: يا ms030 سيدي البارحة ~~آلمني هذا الموضع من رأسي، وكشف رأسه وترك يده على الموضع، وبقي مكشوف ~~الرأس، فقال له الطبيب: أر رد عمامتك فكفاني الإيماء إلى الموضع من فوق ~~العمامة!. ### | 87 - # وخرج يوما إلى بستان داره فقال للصعاد: احطط من هذا الفحل طلعا فصعد له، ~~فقال: قد ذكرت بهذا الطلع الجمار، فافتح جمارة الفحل واكسر لي من جانبها ~~قطعة فقال له: يا سيدنا يموت الفحل، فقال: ما يصيبه شيء إذا أخذت لي من ~~جانب جمارته، فامتنع وتعجب، فصفعه إلى أن فتح الجمارة وأعطاه منها طعمة، ~~ومات الفحل بعد أيام، فقال: صدق والله الصعاد! ### | 88 - # ودخل بعض الأنصار إلى العلوي البلخي فحين وقعت عليه عينه قال: # ذهبت قريش بالمكارم كلها ... اللؤم تحت عمائم الأنصار # فقال: هذا جزاء أجدادنا في نصرتكم، وجزاؤنا الآن في قصدكم وخدمتكم! فخجل ~~وحلف أنه ما قصد ذاك ولا عناه، وإنما بيت طرأ على قبله فحكاه! ### | 89 - # ودخل أبو نخيلة الراجز على مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فقال له: # أمسلم إني يا بن كل خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض # شكرتك إن الشكر حق على الفتى ... وما كل من أقرضته نعمة يقضي # وألقيت لما أن أتيتك عاريا ... علي لحافا سابغ الطول والعرض # فأحييت لي ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أهون من بعض # فقال له: ممن أنت؟ قال من بني سعد، أحد بني جمان، قال: فأين أنت من ~~الرجز؟ قال: أرجز الناس! قال أبو نخيلة: فذهبت أنشده فسهوت، وأنشدته ~~للعجاج، فلما أكثرت قال: حسبك أنا أعلم بها منك! فخجلت واستيقظت، ومقتني ~~على الكذب وحرمني. ### | 90 - # ولما قتل زيد بن المهلب أتى مسلمة برأسه، فقال رجل: # من سر يوما بز به ... والدهر لا يغتر به # فتطير مسلمة واغتم لذلك، فقال بعض من حضر، وقد رأى ما بمسلمة، يقيم عذر ~~الرجل كم من رجل قد أتى هنا برأسه كذا! فكان قوله أشد على مسلمة من القول ~~الأول، فنهض من مجلسه وانصرف. ### | 91 - # وقيل: خرج عبد الملك بن مروان ms031 يوما قارا، وعليه جباب خز متظاهرة، على علي ~~بن عبد الله بن العباس، فقال عبد الملك: يا أبا محمد ندق أم دفر دقا يعن ~~الدنيا، تكنى بأم دفر، ثقة بالأمل والبقاء، فما مضت عليه جمعة حتى مات! ### | 92 - # وأخبر المدائني: قال أبو بكر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان يوما لبعض ~~الناس: ما أحسن غرة فرسك! يعني التي في يده. ### | 93 - # وقال: أتى رجل الوليد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إنك تعيش، ~~أربعين سنة خليفة، فقال الوليد: لا يرضى أمير المؤمنين بضعف ذلك! فمات في ~~أسبوعه. ### | 94 - # وأخبر عن الجرمي عن أبيه قال: كنا مع عبد العزيز بن الوليد ومعنا حجر بن ~~عقيل الرياحي، فقال عبد العزيز أو ابنه بشر: أنشدنا يا أبا بشير فأنشد: # فما أخرجتنا رغبة عن بلادنا ... ولكنه ما قدر الله كائن # لحين نفوس لم تجد متأخرا ... فلا تبعدن تلك النفوس الحرائن # فقلت له تطيرت: قطع الله لسانك وهلك عبد العزيز في وجعه ذلك. ### | 95 - # وخرج زياد مع معاوية، فحدا الحادي: # قد أعلمته الضمر الجياد ... أن الأمير بعده زياد # PageV01P016 # فتنمر معاوية وقال لحصين وزياد يسمع يا حصين إن لك رأيا وتعقلا، فما فرق ~~أمر هذه الأمة فسفكت دماءها، قال قتل عثمان، قال: صدقت، إن الخلافة أمر من ~~أمر الله وقدره، لا تصلح لمنافق ولا لمن ضل وأعان ظالما، يعرض بزياد أنه ~~أعان عليا عليه السلام، ففطن زياد واعتذر إلى معاوية وقال: يا أمير ~~المؤمنين، راجز رجز بما لم يكن عن أمري ولا علمي يصير ذنبا لي! أعيذك بالله ~~من هذه الظنة التي لا تجوز لك ولا تحسن بك، فقبل معاوية ذاك وأمسك. ### | 96 - # وحكى مسرور الخادم قال: أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، فهجمت عليه في ~~الوقت، فوجدته يشرب، وبين يديه أبو زكار، المغني الأعمى وهو يقول: # عداني أن أزورك غير بغض ... مقامك بين مصفحة سداد # فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي # فقلت له: يا أبا الفضل الذي قد جئت ms032 له والله من ذاك قد والله طرقك، فأجب ~~أمير المؤمنين، قال فدعني أوصي، فتركته فأوصى بما أراد، وحملته فحززت رأسه، ~~وفي ذلك يقول الرقاشي: # أيا سبت يا شر السبوت صبيحة ... ويا ضفر المشؤوم ما جئت أشأما # أتى السبت بالأمر الذي هد ركننا ... وفي صفر جاء البلاء مصمما # وفيه يقول أيضا: # الآن استرحنا واستراحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي # وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود # وقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي # ودونك سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند! ### | 97 - # وقيل: كان فرج الرخجي مولى لحمدونة بنت الرشيد المعروفة بحمدونة بنت ~~عضيض، ولحق ولاؤه الرشيد، وكان زياد أبو فرج معن بن زائدة، وسبي معه فرج ~~ابنه عند غزو معن الرخج. # قال عمر بن فرج: حدثني أبي قال: كنت مع أبي زياد إلى حين سبانا معن، وكان ~~قد غنم غنائم جليلة من الرخج وسبيا عظيما، فنزل في معسكره، وحطت الأثقال، ~~ونزعت السروج (عن الدواب) فينا نحن على ذاك إذ بصرنا بغبار عظيم، فظن معن ~~أنه الطلب، فأمر قتل الأسرى، فقتل في ساعة واحدة أربعة آلاف أسير، وخبأني ~~أبي تحت الأكف، وقال: لعلك إن قتلت أنا سلمت أنت! ثم أقشع الغبار عن حمير ~~وحش، وبقي عدد يسير من الأسرى، فرفع السيف، وكان ذلك الغبار المشؤوم بقتل ~~أربعة آلاف نفس. # وهذا قصر فرج الذي ببغداد قصره، ولم يزل في يده وفي يد عمر ولده إلى أن ~~قبضه المتوكل عن عمر، ونظر أعرابي إلى بناء قصر فرج فقال: # لعمرك ما طول البناء بنافع ... إذا كان فرع الوالدين قصيرا ### | 98 - # وحكى أبو عبيدة قال: كان عجل بن لجيم من محمقي العرب، فقيل يوما إن لكل ~~فرس اسما، فما اسم فرسك فإنه جواد؟ قال: لم اسمه، قالوا: فسمه، ففقأ إحدى ~~عينيه وقال قد سميته الأعور! وفيه يقول الشاعر: # رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل # أليس أبوهم عاب عين جواده ... فسارت به ms033 الأمثال في الناس بالجهل ### | 99 - # وحدث الصولي بإسناده ذكره عن عمرو بن محمد الرمي قال: كان على بيت مال ~~المعتصم رجل من أتهل خراسان يكنى أبا حاتم، فخرجت لي جائزة فمطلني بها، ~~وكان ابنه قد اشترى جارية مغنية تسمى "قاسم" بستين ألف درهم، فعملت فيه ~~شعرا أهجوه به، وجلست ألاعب المعتصم بالشطرنج، ويلعب بين يديه فلما في نفس ~~من أمر أبي حاتم وغيظي منه غفلت عن كوني ألاعب المعتصم وأنشدت هجوي له، ~~وكان: # لتنصفني يا أبا حاتم ... أو لتصيرن إلى الحاكم # فتعطي الحق على ذلة ... بالرغم من أنفك ذا الراغم # يا سارقا مال إمام الهدى ... سيظهر الظلم على الظالم # ستون ألفا في شرا قاسم ... من مال هذا الملك النائم # PageV01P017 # فقال المعتصم: ما هذا الشعر؟ فاسترجعت وفزعت من قولي "الملك النائم" ~~وتحرجت أيضا أن أكون سبب هلاك الرجل وفساد أمره، فلجلجت القول، وخفت الحال، ~~وكلما انزعجت ورويت حرص بي، وألح علي، حتى تنعمه فقلت: أقول وأنا آمن؟ قال: ~~نعم فقلت: أظن صاحب بيت الكمال مطل الشعراء شيئا فعمل هذا الشعر فيه، قال: ~~فما معنى قاسم؟ قد اشترى ابنه جارية اسمها قاسم، بستين ألف درهم، وإياها ~~لاشك عني، فقال: إذا فأنا الملك النائم لاشك، هذا رجل مملق وليته بيت ليعيش ~~بما يرتزق عليه منذ سنين، فمن أين لابنه هذا المال! ثم قال لإيتاخ: عليك ~~بصاحب بيت المال وابنه فاقبض عليهما، وخذ مائتي ألف درهم منهما، ووله ~~غيرهما. ### | 100 - # وحدث أبو الخطاب زياد بن يحيى قال: حدثنا الهيثم بن الربيع قال: حدثنا ~~الهيثم عن الشعبي، قال: أرسل إلي عبد الملك بن مروان وهو شاك، فقلت: كيف ~~أصبحت يا أمير المؤمنين، قال أصبحت كما قال ابن قميئة أخو بني قيس بن ~~ثعلبة، قلت: وما قال؟ قال: قال: # كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجامي # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف يمن يرمي وليس برام # فلو أنني أرمي بسهم رايته ... ولكنني أرمي بغير سهام # إذا ما رآني الناس قالوا ألم ms034 يكن ... حديدا شديد البطش غير كهام # فأفنى وما أفنى من الدهر ليلة ... ولم يفن ما أفنيت سلك نظام # على راحتي مرة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهن قيامي # قال الشعبي: فقلت لا ولكنك كما قال لبيد بن ربيعة، قال: وما قال؟ قلت: ~~قال. # راحت تشكي إلي النفس مجهشة ... وقد حملتك سبعا بعد سبعينا # فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا ... وفي الثلاث تمام للثمانينا # فعاش والله بعد ذلك حتى بلغ وتسعين حجة فقال: # كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا # فعاش والله حتى بلغ عشرا ومائة فقال: # أليس في مائة قد عشها رجل ... وفي تكامل عشر بعدها عبر # فعاش والله حتى بلغ عشرين ومائة فقال: # عمرت حينا بعد مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود # فعاش والله حتى بلغ أربعين ومائة فقال: # ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الخلق: كيف لبيد؟ # فقال عبد الملك: والله لقد ذهب بحديثك عن البأس، فاقعد يا شعبي عندي، ما ~~بيني وبينك إلا الليل، فحدثني قال: فحدثته حتى أمسيت وانصرفت فمات والله في ~~جوف الليل!. # PageV01P018 ### | 101 - # وحكى أبو عبيدة عن عمه عن أبيه عن الكلبي عن عوانة: أن زيادا بينا وهو ~~جالس في قصره إذ برزت له كف قد عقدت ثلاثين، ثم غابت عنه، فقال زياد: إنا ~~لله، نعيت إلى نفسي، أعيش ثلاثين يوما أو ثلاثين شهرا أو ثلاثين سنة! فلمنا ~~استوفى ثلاثين يوما أمل ثلاثين شهرا، فلما بلغا اتفق أن قدم عبيد الله بن ~~أبي بكرة، وكان عامله على سجستان، فأمر زياد سليما مولاه بمحاسبته من ~~ليلته، ثم أرسل إلى سليم فحضر فقال له: إني أجد وعكا، فمسه، فإذا مثل لهب، ~~النار في جسده، فتأمله فرآه قد طعن في إصبعه، فأتاه بمائة وخمسين طبيبا ~~منهم ثلاثة قد أدركوا كسرى، فنظروا إليه، فقال بعضهم: دلوني على أنصح الناس ~~له، فقالوا: سليم، فأخذ بيده وقال له: مر صاحبك بالوصية، فانطلق سليم إلى ~~شريح القاضي فقال له: يا أبا أمية إن بعض الأطباء أخبرني أن الأمير ms035 مما به ~~قد أمرني أن آمره بالوصية، وأنا أكره أن استقبله بذاك، ولك عنده منزلة، فإن ~~رأيت أن تأمره بالوصية فافعل، فإنه ليس يتهمك! قال: نعم، وأمر زياد ببابيه ~~ففتحا ودخل الناس يعودونه ويدعون له وينصرفون، ثم جاء شريح حتى قام على باب ~~القبة فسام، ودعا ثم قال: أيها الأمير الوصية، فإن الله قد أمر بها، وليست ~~تقدم شيئا وليست تؤخره، فقال: نشدتك الله أتاك سليم فقال لك كذا وقال لك ~~كذا وقال لك كذا؟ قال: اللهم نعم، فقال: قد أوصيت ثلاث وصايا نسختها واحدة، ~~واحدة منها عند أمير المؤمنين، وواحدة مثلها عند المنجاب الضبي، ونسخ ابن ~~الكلبي الثالثة وبضعهم عند حارثة بن بدر الغداني! ثم قال: أيتهن أصبتم ~~فاعملوا بها، ثم دعا مهران كاتبه فقال: اكتب إلى أمير المؤمنين: "من زياد ~~بن أبي سفيان أمات بعد: فإني كتبت وأنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم ~~من (أيام) الآخرة، وقد وليت الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، ووليت البصرة ~~سمرة بن جند، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال له سليم: أذكرك أيها ~~الأمير إلا وليت عبيد الله ابنك فإنه ليس بدون هؤلاء في الفضل، فقال: اسكت، ~~إن يكن فيه خير فسيوله عمه، وقدم الهيثم من الحجاز، فأخبر بذلك، فقال: ما ~~أصنع بالهيثم وما معه! ولم يأذن له ومات من ليلته. ### | 102 - # وحدثنا أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب ابن ثابت بن ~~عبد الله بن الزبير بن العوام قال: حدثني تعمي عن معافى بن نعيم أن واليا ~~كان على اليمامة ولاه بلال بن جرير بعض أعماله، فجلس يوما يحكم والخصوم ~~كجلوس، إذ تمثل أحدهم: # وابن المراغة واقف أعياره ... مرمى القصية ما يذقن بلالا # ولا يعلم أنه من ذاك بسبيل، فقال: أين هذا المتمثل، قال: هأنذا أصلحك ~~الله، قال: ادن أنت وخصمك، فدنوا، فقال: هلم أعد البيت فغمره إنسان فقال: ~~والله ما هو إلا شيء على لساني وما أردت بذلك مكروها! قال: هو ms036 أشهر من ذاك، ~~هلم فاحتجا، وحكم بينهما. ### | 103 - # وحدث الزبير قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الرحمن بن ~~أبي الزناد عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال: حضر الأخطل عند ~~عبد الملك بن مروان فأنشده: # ألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلي أصيب من سليم وعامر # قال: واتفق أن كان الجحاف حاضرا فكلح في وجه الأخطل وقال مجيبا له: # نعم سوف نبكيهم بكل مهند ... ونبكي عميرا بالرماح الخواطر # يعني عمير بن حباب السلمي، ثم قال: لقد ظننت يا بن النصرانية أنك لم تكن ~~لتجترئ علي ولو رأيتني لك مأسورا، وأوعده، فما زال الأخطل من موضعه حتى حم، ~~فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. ### | 104 - # وحدث الزبير قال: حدثني عم مصعب بن عبد الله عن أبي نخيلة الراجز قال: ~~قدمت على المنصور فأقمت ثلاثة أشهر لا أصل إليه، فقال لي عبد الله بن ~~الربيع الحارثي: يا أبا نخيلة إن أمير المؤمنين يريد أن قدم المهدي ولده في ~~العهد بين يدي موسى بن عيسى، فلو قلت شيئا تحثه على ما يريد، ويؤكد عزمه ~~كنت حريا أن تخطى، فقال أبو نخيلة في ذلك: # دونك تعبد الله ذاكا ... خلافة الله الذي أعطاكا # أعطاك ربي وبها اصطفاكا ... فقد تنظرنا لها اباكا # ثم انتظرنا بعده إياكا ... ونحن فيهم والهوى هواكا # نعرى فنستدري إلى ذراكا ... أسند إلى محمد عصاكا # PageV01P019 # فابنك منا استرعيته كفاكا ... واحفظ الناس له أدناكا # وقد وجدت الرجل والوراكا ... وحكت حتى لم تجد محاكا # ودرت في هذا وذا وذاكا ... وكل قول قلت في سواكا # زور وقد كفر هذا ذاكا # وثناها بأخرى هي: # إلى أمير المؤمنين فاعمدي ... سيري إلى بحر البحور المزبد # أنت الذي يابن سمي أحمد ... ويابن بيت العرب المسود # يا أعظم الناس بدا لم تجحد ... إن الذي ولاك رب المسجد # ليس ولي عهدها بالسعد ... عيسى فنكلها إلى محمد # فقد رضينا بالهمام الأمرد ... بل قد فرغنا غير أن لم نشهد # وغير أن العقد لم يؤكد ... وحتى تؤدي ms037 من يد إلى يد # فبادر البيعة ورد الحشد ... ورده منك رداء يرتد # فهو داء السابق المقلد ... قد كان يروي أنها كأن قد # عادت ولو قد فعلت لم تردد ... فهي ترامي فدقدا عن فدفد # حتى إذا حان ورود الورد ... وحان تحويل الغوي المفسد # قال لها الله هلمي وارشدي ... فأصبحت نازلة بالمعهد # لم ترم تزفار النفوس الحسد ... بمثل ملك ثابت مؤيد # لما انتحوا قدحا بزند مصلد ... بلوا بمشزور القوى مستحصد # صمصامة تأكل كل مبرد # وروي الخدم هذا الشعر وحفظوه وتداولوه، فبلغ ذلك المنصور فدعا به وعنده ~~عيى بن موسى جالسا عن يمينه، فأمر بإنشاد ما بلغه عنه، فحذر عيسى، ولم ~~يمكنه التوقف فيما أمره المنصور، فأنشده والمنصور يشر ويفرح، وعيسى يكمد ~~ويحقد! قال أبو نخلة: وخرجت فلحقني عقال بن شبه فقال: أما أنت فقد سررت ~~أمير المؤمنين، فلئن تم ما أصلت لتصيبن ما أملت ولئن أخطاك ذاك لتبغين ~~"نفقا في الأرض أو سلما في السماء! " قال: فعلت لعقال: # علقت معالقها وصر الجندب! # ما كان لي والله قدرة على الخلاص من هذا المجلس وما جرى فيه، فكتب ~~المنصور لأبي نخلة بمائة ألف درهم، فخرج إلى الري لأخذها. # قال الزبير: فحدثني عمي أن عيسى بن موسى وجه مولى يقال له قطري، فقتله في ~~طريقه، وسلخ وجهه، وقال له لما أضجعه ليذبحه: يابن المومسة هذا أوان صر ~~الجندب! فقال أبو نخيلة: لعن الله ذاك جندبا ما كان أشأم ذكره وأنكد جده! ~~وكان ظفره به قطري بساوة، وهو ذاهب إلى الري، وقال لي محمد بن الحسن ~~المخزومي، بل ظفر به حين انصرف من الري، ودخل عليه قومه وهو في بيت خمار، ~~وقد ثمل فذبحه، وقتل مزن كان معه من غلمانه، وهرب بعضهم بدوا به وماله!. # PageV01P020 ### | 105 - # وكان سليمان بن عبد الملك في بادية له، فسمر حتى تفرق جلساؤه عنه، ودعا ~~بوضوء فجاءته به جارية له، فبينا هي تصب عليه إذ لهت عنه، فحركها بيده ~~واستمدها ومرة ومرتين فلم تصب عليه، فرفع رأسه إليها، وإذا تهي مصغية ms038 ~~بسمعها مائلة بجسدها، هادلة إلى صوت غناء تسمعه من ناحية العسكر، فأمرها ~~فتنحت، واستمع الصوت، فإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى فهم غنائه، ثم دعا ~~جارية من جواريه يراها، فطرحت الماء عليه وتوضأ، فلما أصبح أذن للناس إذنا ~~عاما، فلما أخذوا مواضعهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه، ولين فيه حتى ظن ~~به أنه يشتهيه، فأفاضوا في ذلك إلى التحليل والتسهيل والتليين وذكر من كان ~~يسمعه من أهل المروءات وسروات الناس، ثم قال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقال ~~رجل من القوم: يا أمير المؤمنين عندي رجلان حادان من أهل إيلة، فقال: وأين ~~منزلك من العسكر؟ فأومأ إلى الناحية التي كن الغناء منها، فقال سليمان: ~~تباعث إليهما، فوجد الرسول أحدهما، فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال: ~~ما اسمك؟ قال: سمير، فسأله عن الغناء كيف هو فيه، قال: حاذق ومحكم، قال: ~~فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية، قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ ~~فذكر الناحية أيضا، قال: فما عنيت، فذكر الشعر الذي سمعه سليمان، فقال ~~سليمان: هدر الجمل فصغت الناقة، وهب التيس فشكرت الشاة، وهدر الحمام فزافة ~~الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة! ثم أمر به فخصي، وسأل عن الغناء: أين ~~أصله وأكثر ما يكون؟ قالوا: المدينة، وهو في المخنثين أكثر، وهم الحذاق ~~الأئمة فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن ~~حزام: أن أخص من قبلك من المخنثين المغنين. ### | 106 - # وحكى أبو حاتم قال: أنبأنا أبو عبيدة قال: كان سليمان ابن عبد الملك أقام ~~بدابق أياما سأل عن أخبار جش من المسلمين بالروم، قال: فقال المفضل بن ~~المهلب: فدخلت إليه يوم الجمعة، وقد دعا بثياب فاخرة، ثم اعتم وأخذ المرآة، ~~فلم تعجبه الثياب، فدعا بثياب خضر كان بعث بها إليه يزيد بن المهلب، فلبسها ~~واعتم ونظر في المرآة فأعجبه نفسه، فقال: إيه يا بن المهلب أأعجبتك؟ فقلت: ~~إي والله يا أمير المؤمنين، ومثلك أعجب قال: فحسر عن ذراعيه وقال: أنا ~~الملك الشاب! ms039 ثم خرج فصلى الجمعة، وما صلى بعدها، وكان سبب موته أنه أتخم، ~~أكل زملين: أحدهما تين والآخر بيض، ثم أكل صفحة مملوءة مخا، فقال بعض شعراء ~~كلب: # أعوذ برب الناس من شر أكلة ... يكون كوؤس الموت صرفا كفاؤها # كدأب سليمان الذي كان داؤه ... ردة أكلة كان الحمام دواؤها # ولم ضم بطن الفيل ما ضم بطنه ... لفضت ضلوع وانفرت حاوياؤها # وما ضمت في الأرض حتى تفتقت ... حواياه واستولى على الترب ماؤها # فيا نهما أردى سليمان إنما ... هدمت العلا فارفض منها بناؤها # فليت الذي أهدى فداك بنفسه ... فسيق إليها حتفها وفناؤها # فلما بلغت هذه الأبيات بني أمية قالوا: والله ما ندري أهجاه أم رثاه!. ### | 107 - # وحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر قال: كان بدء خروجي إلى الشام أن ~~المتوكل خرج يتنزه بالمحمدية، ونخلا به الكتاب هناك فأحكموا أمري معه وأنا ~~لا أعلم، ثم بعثا إلى وأنا لا أدري لم أحضرت، فصرت إليهم وهم مجتمعون، ~~فلخما وصلت قالوا لي: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تخرج إلى الرقة، فكم ~~تحتاج إلى نفقتك؟ قلت: إلى ثلاثين ألف درهم، فما برحت حتى سلموها إلي ~~وقالوا: تخرج الساعة! قلت: أودع أمير المؤمنين، قالوا: ما إلى ذاك من سبيل! ~~قلت: فأصلح أمري مدة ثلاثة أيام، قالوا: ولا إلى ذاك، ووكلوني وخرجت وأنا ~~في حالة المتولين المنصرفين، لا المتولين المتصرفين، وحثوني لفي السير، ~~وأنا رجل خائف مستشعر، فلما قاربت الرقة أردت الدخول إليها فأدركت الليل، ~~وإذا بإعرابي ناحية عنا، ومعه إبل يحدوها، فتفاءلت بقوله فأصغيت إليه فإذا ~~به يقول: # كم كرة حفت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره # PageV01P021 # ولم يزل يكررها، فقويت نفسي وزال شغل قلبي، ودخلت الرقة، فما أقمت بها ~~أياما حتى ورود علي كتاب المتوكل بالخروج إلى الشام للتعديل، وأجرى علي ~~مائتي ألف درهم، ويقول: إن هذا ش كان المأمون نهض فيه بنفسه لجلالته وعظم ~~خطره، وأنه قد رآني أهلا له! فخرجت من الرقة إلى الشام، ورأيت كل ما أحببت، ~~حتى لو بذلت ms040 لي العراق بأسرها عوض ذاك لما طبت نفسا! ### | 108 - # وقال أبو علي القنائي: حدثن جدي قال: بكرت يوما إلى موسى بن عبد الملك، ~~وحضر داود بن الجراح فوقف إلى جانبي فقال: كان لي أمس خبر طريف: انصرفت من ~~ها هنا فوجدت في منزلي امرأة من شرائف النسا، فشكت موسى بن عبد الملك إلى ~~وقالت: قد حاول أن يأخذ ضيعتي الفلانية، وأنت تعلم أنها عمدتي في معيشتي، ~~وأن في عنقي صبية أيتاما، فأي شي تدبر في أمري: أبيعها له وأصبر على أذاه ~~إلى أن يفرج الله تعالى منه؟ فقلت لها: أما التدبير في أمرك فما لي حيلة، ~~وأما المشورة فقد قال النبطي: "لا تبع أرضك لأجل الشرير الردي، فإنه يموت ~~والأرض تبقي" فدعت لي وانصرفت، واتفق لي وهي تحدثني بذاك أن موسى وراء ~~الباب الذي نحن قعود عليه، فسمع الحديث، ثم خرج وقال لداود: يا أبا سليمان، ~~لا تبع أرضك من أجل الشرير الرديء فإنه يموت والأرض تبقى؟ ومشى ومشينا ~~وراءه فقال لي داود: هذا والله هو اتفاق الهلاك! إلى أين أهرب! أين أقصد؟ ~~كيف أتخلص؟ أفكر لي وأشر علي قبل أن تنفد طريقنا وقبل نزولنا معه إلى ~~الديوان!. # فقلت: والله ما أدري! فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم! اكفني شره وضره ~~فإنك عالم بقصتي وأني ما زلت إلا الخير! واشتد قلقه وكثر بكاؤه ودعاؤه، ~~وقربنا ن الديوان، فقال موسى: متى حدث هذا الجبل الأسود في طريقنا!! ومال ~~عن سرجه حتى سقط وأسكت، فحمل إلى منزله وكان آخر العهد به. ### | 109 - # وكتب عامل للمنصور وعلى فلسطين يذكر أن بعض أهلها وثب عليه، واستغوى ~~جماعة منهم، وعاث في العمل، فكتب إليه المنصور: "دمك ومرتهن به إن لم تنفذه ~~إلي! " فصمد له العامل حتى أخذه، ووجه به إليه، فلما مثل بين يديه قال له: ~~أنت المتوثب على عاملنا! لأنثرن من لحمك أكثر مما يبقى منه عظمك .. وكان ~~شيخا كبيرا ضئيل الصوت، فقال: # أتروض عرسك بعدما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم # فلم يفهم المنصور ms041 جوابه، وقال للربيع: ما قال؟ فقال الربيع: قال: # العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف # فقال: يا ربيع قد عفوت عنه، فخل سبيله، واحتفظ به، وأحسن غليه، قال ~~الربيع: ولما خرج الرجل قصدني وخدمني، فشرحت له القصة، وكاد يموت فرقا. ### | 110 - # وحكى أن عبيد الله بن زياد لما ربني البصرة داره البيضاء بعد قتل الحسين ~~بن علي عليهما السلام صور على بابها رؤوسا مقطعة، وفي دهليزها أسدا وكبشا ~~وكلبا، وقال تفاؤلا: أسد كالح وكبش ناطح وكلب نابح، فمر بالباب إعرابي ~~فقال: أما إن صاحب هذه الدار لا يسكنها إلا ليلة واحدة! فرفع الخبر إلى ~~عبيد الله بن زياد، فأمر بالأعرابي فضرب وحبس، فما أمسى حتى قدم رسول ابن ~~الزبير إلى قيس ابن السكن، ووجوه أهل البصرة لفي أخذ البيعة له، ودعا الناس ~~إلى طاعته فأجابوه، وراسل بعضهم بعضا في الوثوب على عبيد الله من ليلتهم، ~~فأنذره قوم منهم، وهرب في ليلته تلك التي انتقل إلى الدار في يومها، ~~واستجار بالأزد فأجاروه، ووقعت الحرب المشهورة بينهم وبين تميم بسببه، حتى ~~أخرجوه فألحقوا بالشام، وكسر الحبس، وأخرج الإعرابي ولم يعد ابن زياد إلى ~~البصرة، وقتل في وقعة الخازر. # PageV01P022 ### | 111 - # وروى الحرمازي قال: خرج أبو العباس السفاح ذات يوم بعد فراغ مدينته التي ~~بالأنبار متنزها نحو الخورنق في بعض أيام الربيع، ومعه جماعة عمومته وسائر ~~مواليه وخاصته، فدعا بغدائه، فبيناهم على طعامهم وانبساطهم وأنسهم إذ طلع ~~عليهم أعرابي، فوقف بإزائهم، وأشار بالسلام، فأومأ إليه أبو العباس، فدنا، ~~فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، وأمر بغسل يده فغسلت، وأحضره الطعام فأكل أكل ~~نهم إلى أن انتهى، قم أقبل على السفاح فقال: بأي أنت وأمي، ما أحسن وجهك ~~وأكرم فعلك! انتسب لي أعرفك، فتبسم وقال: رجل من اليمن، ثم من بني عبد ~~المدان! فقال: شريف ولكني أشرف منه! فقال السفاح: فانتسب لي أعرفك! فقال: ~~أنا رجل من قيس عيلان، ثم من بني عامر بن صعصعة، فقال السفاح: أنت لعمري ~~شريف، ولكني اشرف منك! ms042 فقال: لا ورب الكعبة، ما بنو الحارث بن كعب اشرف من ~~بني عامر، إلا أن تكون عارضتني في نسبك! فقال له: ما عارضتك، وإنهم لأحد ~~طرفي، قال له: فعرفني بأبي أنت وأمي الطرف الآخر لأثبتك! قال: رجل من بني ~~هاشم! قال: بخ بخ رهط رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قرابة بينك وبين ~~هذا الملك؟ قال: قرابة قريبة! قال: بأبي أنت، وهو الشروي الحميمي؟ قال: نعم ~~هو هو?! قال: يا بني اكتم علي حديثا أحدثك عنه? قال: أفعل فقل منبسطا، فلا ~~عين عليك، قال: بأبي أنت، لقد رأيته وهو غليم يفعة يرمي في غرض بالحميمة، ~~فيجمع في كنانته بعض سهامه ثم يرمي الطائر فيصيبه ثم يقربه إلى نار بالقرب ~~منه، فحين يظن أن النار قد عملت فيه يبادر فيخرجه خوفا أن يغلبه أحد عليه ~~حتى ينتهشه فيأتي عليه مع لحمه وفحمه، ولا يشركه فيه عشير ولا أجير? فصاح ~~به داود بن علي عم السفاح: اسكت فض اله فاك وأسكت نأمتك، أتدري من تخاطب؟ ~~إنما تخاطب أمير المؤمنين: فقال السفاح: مه يا عم، ما هذه المعاشرة الفظة، ~~رجل تكلم على الأنس والانبساط، مأذون له، مستدعى ذلك منه، بعد أن تحرم بنا ~~رعيته وأزعجته وقطعته عن حديثه! ثم أقبل على الأعرابي فقال: تكلم عافاك ~~الله، فلما سمع الإعرابي وما كان من داود بن علي ثاب إليه عقله وأدركه ~~ذهنه، واستيقظ من غفلته، وانتبه لهفوته، فقال له: لقد كنت أرى في هذا الملك ~~أمارات الخير ودلائل العلو، وأنه سيملك ما بين بيتها، لفضحك السفاح وقال ~~له: وما تلك الدلائل؟ قال: بهد الهمة وشرف الطبيعة ولين الجانب وبذل النائل ~~والصفح عن الجاهل يعني نفسه مع مركبه الكريم ومحتده الشريف العظيم وموضعه ~~من النبوة، فازداد تعجب السفاح من فصاحته وحسنة بيانه، وأمر له بعشرة آلاف ~~درهم، وكساه وحمله، ثم قال: يا أخا بني عامر، إن كنت رأيت ما رألأيت إذ ذاك ~~فكان يومئذ الموجود، وهذا أوان الجود!. ### | 112 - # وحكي أن الحجاج انفرد يوما من ms043 عسكره في سواد واسط، فمر ببستاني يسقي ~~ضيعته، فوقف معه وقال: يا بستاني، كيف حالكم مع الحجاج؟ فقال: لعنه الله، ~~المبيد المبير، الحقود الحسود، وعاء النقمة، سافك الدماء غير حلها، المفرق ~~بين الحبيبة ونخلها، جاعل النسا أيامى والولدان يتامى، والروح شيئا معدوما، ~~والمال إرثا مقسوما، عجل الله منه بالانتقام، وصرف معرته ومضرته عن ~~المسلمين والإسلام! فقال له الحجاج: أتعرفني؟ قتال: لا، قال: فأنا الحجاج! ~~فرأى البستاني دمه طائحا وموته لائحا، فرفع عصا كانت بيده عليه وقال: ~~أتعرفني، أنا أبو ثور المجنون، وهذا يوم صرعي! وأزبد وأرغى وهاج وعدا، ~~وأراد أن يضرب رأسه بالعصا، فضحك الحجاج منه ومضى. # PageV01P023 ### | 113 - # وقيل لما قلد السفاح يحي أخاه الموصل ونواحيها، وكان مقداما ناقص العقل، ~~متخلفا في جميع أمورهن وكان يفعل أشياء غير مشاكلة لشرفه وأبوته، فوجه معه ~~السفاح بجماعة مع مشايخ الدعوة، ويقومون أمره ويسددونه، ويكاتبون الناس ~~عنه، وكان يحيى مشتهرا بالشراب وحب المخنثين، لا يختار عليهم غيرهم، فتقدم ~~إلى رجل بالموصل حاذق بصنعة الطبول باتخاذ عدد منها، واستعمله على تقديم ~~عملها، فتهيأ أن فرغ من واد في يوم جمعة عند النداء بالأذان، فصار به إلى ~~يحيى في دار الإمارة وهي بقرب الجامع، وبينها وبين الجامع باب في ممر طويل ~~قد فرش بلاط، فصادف يحيى وقد ركب بغلة محرمة، وهو ماض في الممر إلى الجامع، ~~وعليه سواده وشايته فقال له: ابن تلك الحاجة؟ فقال: معي منها واحد فقال: ~~هاته، فلما رآه استفزه السرور به إلى أن جعله في عنقه، ووقع عليه بيده ~~ليذوقه بزعمه ويعرف صفاء صوته، فساعة سمعت البغلة سوته حملت به نحو الجامع، ~~ومع المكبرون وقع حافر البغلة على ذلك البلاط فرفعوا الستر، واقتحمت به ~~البغلة إلى وسط الناس على حالة القبيحة، فنظر الناس منه إلى منظر لم يكن في ~~الإسلام مثله، فمن بين متعجب وضاحك وقاذف، وأخذه الحصى من جميع المسجد، فما ~~أفلت إلا بحشاشة نفسه! وشغل الناس به عن صلاتهم، وكتب إلى السفاح بذلك ~~فاستعظمه وصرفه ولم يستعن به مدة ms044 أيامه. ### | 114 - # وحدث أبو العباس المبرد قال: دخل خالد بن صفوان علي أبي العباس السفاح، ~~فوجده خاليا، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أترقب منذ تقلدت الخلافة أن أجدك ~~خاليا، فألقي إليك ما أريده، قال: فاذكر حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين إني ~~فكرت في أمرك فلم أرد ذا حالة في مثل قدرك أقل استماعا بالنساء ولا أضيق ~~فيهن عيشا منك، لأنك قد ملكت على نفسك امرأة واحدة، واقتصرت عليه، فإن مرضت ~~مرضت، وإن غابت غبت، وإن غضبت حرمت! إنما التلذذ باستطراف الجواري ومعرفة ~~اختلاف أحوالهن والاستمتاع بهن، فلو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء ~~والسمراء اللفاء والصفراء العجزاء والغنجة الكحلا والمولدات من المدنيات ~~والملاح من القندهاريات، ذوات الألسن العذبة والقدود المهفهفة والأصداغ ~~المزرفنة والذي المحققة! وجعل خالد بعذوبة لفظه واقتدار تعلى وصفه يزيد في ~~قوله، فلما فرع من كلامه قال له: واله يا خالد ما سلك شمعي قط كلام أحن من ~~هذا، فأعد علي قولك، فقد حرك مني ساكنا، فأعاد سمعي قط كلام أحسن من هذا! ~~فأعد علي قولك، وبقي السفاح مفكرا عامة نهاره إذ دخلت عليه أم سلمة ~~المخزومية زوجته، فلكما رأته دائم التفكير كثير السهو قليل النشاط ارتعت ~~له؟ فقال لها: لم يكن من ذلك شي، قالت: فما قصتك؟ فجعل يوري عنها، فلم تزل ~~به حتى حدثه، قال: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال لها: سبحان الله؟ رجل نصحني ~~تسبينه، فخرجت من عنده متميزة غضبا، وأرسلت إلى خالد بجماعة من مواليها ~~وغلمانها العجم ومعهم الكافر كوبات، وأمرتهم ألا يتركوا فيه عضوا صحيحا، ~~قال خالد: وانصرفت وأنا على غاية السرور بما رأيت السفاح عليه من إعجابه ~~بما ألقيته إليه، فقعدت على بابي أتوقع صلته، فلم أشعر إلا بالغلمان، ~~وتحققت مجيئهم بالجائزة، حتى وقفوا على رأسي، وسألوني غني فقلت: هأنذا، ~~فبقي بعضهم بهراوته فأهوى بها إلي، فوثبت ودخلت داري، وغلقت بابي واستترت ~~وعرفت هفوت وزلتي في فعلتي وكلمتي، وعلمت من حيث أتيت، ومكثت أياما مستترا، ~~فلم أشعر ذات يوم إلى بجماعة من ms045 خدم السفاح قد هجموا علي فقالوا: أجب أمير ~~المؤمنين، فأيقنت بالهلكة، فركبت معهم وأنا بلا دم، فلما دخلت عليه وسلمت ~~فرد علي سكنت نفسي بعض السكون، وأومأ إلي بالجلوس فجلست، ونظرت فإذا خلف ~~ظهره باب عليه ستور قد أرخيت، وأحسست بحركة خلفه، فقال لي: يا خالد لم أرك ~~منذ أيام فاعتللت عليه، فقال لي: ويحك إنك وصفت لي آخر يوم كنت عندي فيه من ~~أمر النسا والجواري ما لم يخرق سمعي قط مثله، فأعده علي!. # PageV01P024 # قلت: نعم يا أمير للمؤمنين، أعلمتك أن العرب اشتقت اسم الضرتين من الضر، ~~وأن أحدهم لم يكن عنده من النسا أكثر من واحدة إلا كان في جهد وكد، وقال له ~~السفاح: ويحك لم يكن هذا في كلامك! قال: قلت له بلى، والله لقد أخبرتك أن ~~الثلاث من النساء كأثافى القدر تغلي عليهن! قال السفاح: برئت من قرابتي من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك في حديث! قلت: بلى ~~وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجموع لمن كن عنده، إنهن يهرمنه وينغصن ~~عليه عيشه ويشيبنه قبل حينه! قال: ويلك والله ما سمعت هذا قط منك ولا من ~~غيرك! قلت: بلى يا أمير المؤمنين لقد قلت؟ قال: ويلك تكذبني؟ قلت: يا أمير ~~المؤمنين فتريد قتلي؟ قال: مر في حديثك .. قلت: وأخبرتك أن أبكار الجواري ~~كالرجال، ولا لا خصي لهن، قال: فسمعت ضحكا شديدا وراء الستر، قلت: نعم يا ~~أمير المؤمنين، وأعلمتك أن عندك ريحانة قريش وأنه لا يجب أن تطمح نفسك إلى ~~شي من النساء غيرها! قال خالد: فسمعت من وراء الستر: "صدقت واله يا عماه ~~ولكن أمير المؤمنين غير وبدل ونطق عن لسانك بغير ما ذكرته له! " فقال ~~السفاح: مالك قاتلك اله، فما رأيت قط أبهت منك! قال: فخرجت من حرضته فلم ~~أصل إلى منزلي حتى وجهت إلى أم سلمة ثلاثة تخوت فيها أنواع الثياب، وخمسة ~~آلاف درهم. ### | 115 - # وذكر أبو القاسم الإيادي قال: قال لي أبي أن أبا العباس السفاح ms046 لما دخل ~~عليه مشايخ بني أمية، وكان الغمر بن يزيد بن هشام رئيسهم، فلما نظر إليه ~~السفاح قال الغمر: # عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد # والقرابات بيننا وأشجات ... محكمات القوى بعقد وكيد # فأعده على سرير ملكه ثم قال له: إني أحب أن أخلطكم بنفس، وأقعدهم يمينا ~~وشمالا، إذ دخل عليه سد ف بن ميمون، فأنشده: عمر الدين فاستنار مليا فلما ~~أتى على آخر القصيدة قال السفاح: يا بن هشام وكيف ترى شاعرنا؟ قال لنحينه ~~وإدبار بني أمية إن شاعرك وإن شاعرنا لشاعر! قال: وما قال شاعركم، قال: ~~قال: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # فهاج من أبي العباس عرق كان قد سكن، وقال: وما قال شاعركم أيضا؟ قال: ~~قال: # لو تحمل السحب والأجبال مثقلة ... أحلامهم تركت عقري الأباهير # لا يعبثون إذا لجت مخاصرهم ... زين المجالس فرسان المنابير # فدر عرق بين عيني السفاح، واحمرت عيناه، ثم ضرب بيده على فخذ الغمر وقال: # طعمت أمية أن تجاوز هاشم ... عنها ويذهب زيدها وحسينها # كلا ورب محمد ومليكه ... حتى يبيد كفورها وخؤونها # فتذل ذل حليلة لحليلها ... بالمشرفي وتستقص ديونها # ثم قال لهم: قوموا! فقاموا إلى مقصورة كانوا نزلوها، ثم دعا ثلاثة وسبعين ~~رجلا من أهل خراسان فأعطاهم الخشب وقال: أشدخوهم، فشدخوهم، قال سديف: ~~فوالله ما خرجت من الأنبار حتى رأيتهم منكبين لعراقيبهم، وقد نهشت الكلاب ~~رؤوسهم. ### | 116 - # ولما حاصر عبد الله بن علي دمشق لم يقدر عليها حتى وقع الخلف بين ~~اليمانية والمضرة من أهلها، واختلفوا وتلاعنوا في المساجد، واقتتلوا ~~بالأيدي والنعال، فآل ذاك إلى فتحها له، وفي مدة ذلك الخلف نصبوا في الجامع ~~قبلتين: هؤلاء يخطبون لبني هاشم ويصلون، وأولئك يخطبون لبني أمية ويصلون، ~~فأقاموا شيخا لهم يوما فقالوا له: قم واخطب وعير الناس بالفرقة، وحثهم على ~~الجماعة والألفة، وذكرهم بالله تعالى والإسلام وصلة الرحم، وكمان الشيخ ~~مغفلا، فقام فخطبهم وحض على الألفة والصلح والجماعة، ثم قال: فأصبحتم كمنا ~~قال الله تعالى: "فريق في الجنة ms047 وفريق في السعير" فتضاحكوا منه تفرقوا عنه. ### | 117 - # وحدث أبو العباس ثعلب قال: حدثنا الزبير بن بكار عن أبي عثمان بن عمر ~~التيمي قاضي مروان بن محمد قال: رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن ~~يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقاتين من مراقي منبر الرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص التي أولها: # يا بيت عاتكة الذي أتغزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل # أين الشباب وعشنا اللذ الذي ... كنا به زمنا نر ونجذل # PageV01P025 # ذهبت بشاشته واصبح ذكره ... حزنا يعل الفؤاد وينهل # قال أبو عثمان التيمي: فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا ~~أقل من شهر. ### | 118 - # ووجدتن بخط محمد بن سعد قال: كان الحزار يقول: من أعجب أحاديث مروان بن ~~محمد رواه المدائني قال: لما حاصر مروان تجمر فظفر بها وهدم سورها، أفضى ~~إلى جرن طويل، فلم يشك مروان والحاضرون أن تحت كنزا، فنبشوه، وإذا امرأة ~~مسجاة عظيمة الخل على قفاها، فوق سرير من حجارة، عليها سبعون حلة منسوجة ~~بالذهب جرباناتها، ووجد لها غدائر من رأسها إلى رجليها، فذرع قدمها فكانت ~~كعظم الذراع، وكان طولها سبعة أذرع، وغذ عند رأسها صفيحة من نحاس مكتوب ~~عليها بالحميرية، فطلب من يقرؤه، فإذا فيه: "أنا تجمر بنت حسان بن أذينة بن ~~السميدع بن هرمزة العماليقي، من دخل على بيتي هذا فأزعجني منه حتى يراني ~~أدخل الله عليه المهانة والذل والصغار! ". فلما قرء الكتاب على مروان عظم ~~عليه، وندم على ما كان منه، وتطير بذلك، وجعل يسترجع، ثم أمر بطبق الجرن، ~~وأن يرد إلى موضعه، وما كان ذلك بين الظفر به وزوال الملك عنه وقتله ~~واستباحة حريمه وحرمه إلا شهور! ### | 119 - # ولما آمن المنصور ابن هبيرة حضر عنده وأقام في معسكره، فقال يوما للمنصور ~~وهو يحاوره: "إيها لله أنت! " ثم قال: أستغفر الله، فرب العهد والله ~~بالإمارة أنساني ما صرت إليهن وكانت هذه كلمته يقولها كثيرا، فغلط فخاطب ~~بها المنصور، ثم ms048 استرجع. ### | 120 - # ودخل عيى بن عل على أبي العباس السفاح ف علته التي توفي فيها فقال له: يا ~~أمير المؤمنين قد اصبح وجهك مسفرا ومنتك قوية! فقال: لا تقل هذا فإني أصبحت ~~وقد استشعرت الموت، وما أراني أعيش بعد يومي هذا إلا أربع ليال، فقال: ~~أعيذك بالله! قال: هو والله ما قلت لك، قال: وما السبب في ذلك؟ قال: لأني ~~رأيت البارحة في منامي كان آتيا فقال انزع عنك ثيابك فإن المرض قد دنها، ~~قلت: فإن المريض يلبس الثياب الدنسة، قال: لم أرد الثياب إنما أردت ~~الخلافة! قال فهتف به هاتف سمعت صوته ولم أره فقال: لا تعجل، اتركها عليه ~~أربعا ثم خذه بنزعها، فقال: أربع ماذا؟ فقال: أربع ليال، قال له: فإلي من ~~أدفعها، قال: إلى عبد الله الطويل، فإنه قد استحق لبسها، قال عيسى: فجزعت ~~من قوله، وذهبت لأشجع نفسي وأقوي قلبه، فقال لي: اله عن هذا فقد استيقنت ~~أني لا أعيش أكثر من هذه المدة! وجدد البيعة لأخيه، ومات بعد أربع ليال. ### | 121 - # وحدث أبو محمد بن عبد اله بن الحسن عن أبي خثيمة قال: نظر أبو العباس ~~السفاح يوما وجهه في المرآة، وكانت له وفرة تبلغ شحمة أذنه، وكمان من أحمد ~~الناس وجها، فأعجب بنفسه وقال: الله عمرني في طاعتك طويلا ممتعا بالعافية، ~~فسمع غلاما يخاطب آخر في شي كان بينهما فقال له: ميعادك إلى شهرين، وهو آخر ~~ما بيني وبينك! فتطير السفاح من ذلك وجزع جزعا شديدا وقال: اللهم إنه لا ~~حول ولا قوة لي إلا بك! فيقال إنه لم تمض عليه أيام حتى مرض، وكان موته بعد ~~شهرين من نظره في المرآة. ### | 122 - # ووجد بخط إسحق بن سعيد قال: حدثنا عمر بن شبه قال: لما فرغ السفاح من ~~بناء مدينته بالأنبار، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة قال لأبي ~~محمد عبد الله بن حسن بن حسن: يا أبا محمد ألا تحب أن ترىمدينتنا هذه؟ ثم ~~أخذ بيده يماشيه ويطوف معه فيها، فلما ms049 توسطها أنشد عبد الله بن حسن متمثلا: # بيننا يوسع في الدنيا مدينته ... قاسوا له جدثا ضنكا بمقياس # فأنكر ذلك أبو العبا، وتطير من إنشاده وتغير له وجهه، وعرف عبد الله خطأه ~~فجعل يتنصل إليه ويحلف أنه ما تعمد ذلك، ولكنه رمي به على لسانه، فقبل ذلك ~~منه قبول كاره جزع. ### | 123 - # وقال المنصور: صحبت رجلا ضريرا إلى الشام وهو يريد مروان بن محمد بشعر ~~مدحه به، فسألته أن ينشدنيه فأنشد: # ليت شعري أفاح رائحة الطي ... ب وما إن إخال بالخيف إنسي # حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس # خطبه على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس # لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يعابوا بلبس # بحلوم إذا الحلوم ستخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس # PageV01P026 # قال: فو الله ما فرغ من إنشاده حتى ظنت أن العمر قد أدركني، وحججت في سنة ~~إحدى وأربعين ومائة، وأنا خليفة، فنزلت عن الجيزة أمشي في جبلي زرود لنذر ~~كان علي، فإذا أنا بالضرير، فأومأت إلى من معي أن تأخروا، وتقدمت إليه ~~فسلمت عليه، وأخذت بيده، فقال: من أنت جعلني الله فداك، قلت: رفيقك إلى ~~الشام وأنت تريد مروان بن ممد، فسلم علي وأنشأ قول: # آمت نساء بني أمية بعدهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام # نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام # خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام # قلت له: كم كان مروان أعطاك؟ قال: أغناني فلا اسأل أحدا بعده، أعطاني ~~أربعة آلاف دينار، وملكني الجواري والغلمان، قلت: وأين ذاك؟ قال: بالبصرة، ~~قال المنصور: فهممت به ثم ذكرت حرمة الصحبة، فقلت له: أتعرفني؟ قال: ما ~~أثبتك من معرفة ولا أنكرك من سوء، قلت: أنا المنصور أمير المؤمنين، فوقع ~~عليه الرعدة ثم قال: يا أمير المؤمنين أقلني عثرتي فإن القلوب جبلت على حب ~~من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها! فانصرفت عنه، فلما نزلت المنزل بدا لي ~~في مسامرة الضرير، فتقدمت بطلبه فلم ير. ### | 124 - # وقيل إن رجلا وقف على شيرويه بن ms050 أبرويز، وقد رجع من المياد، فأراد مدحه ~~والدعاء له والتقرب إليه فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك، وملكك ~~ما كنت أحق به منه وأراح آل سلسان من جبريته وعتوه وبخله وكبره، فإنه كان ~~يأخذ الأجنة، ويقتل بالظن ويخيف البريء ويعمل بالهوى! فقال شيرويه لبعض ~~حجابه: احمله إلي، فحمله، فقال: كم كان رزقك في حياة أبرويز؟ قال: رزقي ~~الآن لم يزد ولم بنقص، قال: فهل ترك أبرويز فانتصرت منه بما سمعت من كلامك ~~الآن، قال: لا والله، قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يكن له إليك ما ~~يقتضيه؟ قال: أردت أيها الملك شكرك والثناء عليك، فأخذني لساني بما سمعت ~~وجذبني إلى ما رأيت! فقال: انزعوا لسانه من قفاه، ففعل به ذاك، وقال ~~شيرويه: لحق ما يقال: إن الخرس خير من البيان بما لا يجب!. ### | 125 - # وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير قال: قصدت ملك الروم، في رسالة ~~زعيم الدولة أبي كامل بركة بن المقلد أمير بني عقيل، فرأيت ابن بطلان ~~الطبيب هناك، فأنس بي وخدمني وأكرمني فقلت، له يوما: اجتزت بطرسوس فرأيت ~~قبر المأمون شعثا دراسا، فغمني ذاك، فلو أمر الملك فيه بالعمارة لكان له ~~فيه الجمال وحسن الأحدوثة! فقال لي: أحدثك بشيء ط ريف، رأيت القبر عند قصدي ~~لهذا الملك وأردت أن أحثه على هذه المكرمة، واعتزمت يوما على ذاك، وابتدأت ~~لأذكر محاسن المأمون وآثاره الجميلة التي تحث مثل هذا الملك على ما رمته ~~منه في معنى قبره، فلم تق خطيئة أو غلطة أو نادرة، من قبيح المأمون إلا ~~أوردتها، وهو يضحك ويستهزئ، فتعذر علي ما أردته من قصدي، وأمسكت على ذاك، ~~ولم يبق لي سبيل إلى ما أردته فيه، ورأيت في منامي في تلك الليلة كان ~~المأمون يقول لي: لا أحسن الله جزاك عني، محاسني وأفعالي الجميلة قد طبقت ~~الأرض فما ظفرت منها بحكاية ولا خبر ولا حديث قبحك الله! فانتبهت منزعجا، ~~وبقيت مما اتفق لي متعجبا!. # PageV01P027 # قال الوزير: فحصل ذاك في نفسي، فاتفق ms051 أن حضرت يوما عند الملك وقد جلس فيه ~~للمظالم، فحكم وأمر وأنصف وعدل، وفعل كل فعل جميل مليح استحسنه منه حسدته ~~عليه، وحضرت امرأة تدعي ضيعة غصبها ولده عليها، فحكم لها بها عليه، وانتزعت ~~الضيعة منه وردها إليها، فذكرت خبر المأمون والعباس ابنه مع المرأة التي ~~شكت من اغتصابه ضيعتها وحكمه لها بها وأخذها منه وإعادتها، فأوردته عليه ~~فحين سمعه طرب له وأعجب به، وقال للبطارقة ومن كان حوله: أما ترون إلى ~~اتفاق فعلي وفعل صاحبهم، وزاد في استحسان ذلك وفي ذكره، فقلت: أيها الملك، ~~وداك الإمام في جوارك، وقبره دارس، ولو تقدمت بعمارته لكن لك فيه الجمال ~~الأكبر والذكر الأزهر! فلم يجيبني عن ذاك، وجاء الشتاء فلم يمكنني الرحيل، ~~وأقمت إلى الربيع وانتجزت حوائجي، وخرجت عائدا إلى العراق، فتبعني بعض ~~أصحابه في الطريق، فلما انتهينا إلى مرحلة من طرسوس قال لي: تدخل إلى طرسوس ~~وتشاهدها؟ قلت: ليست طريقنا، ولا بي حاجة إلى تكلف مرحلتين مضيا وعودا حتى ~~أراها! فأعاد القول، فامتنعت، فقال: الملك أنفذني معك لذلك، ولابد منه! ~~قلت: هذا لا دفع له، ودخلت طرسوس، وحملني إلى قبر المأمون، وقد عمل عليه ~~مشهد وقبة كبيرة، وأنفق على ذلك جملة، فدعوت للملك وشكرته، وعدت إلى طريقي. ### | 126 - # لما بنى ابن زياد بيضاء البصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس ما ~~قولون، فأتى برجل وقيل إنه لما رآها تلا: "أتبنون بكل ريع آية تعبثون، ~~وتتخذون مصانع لكم لعلكم تخلدون،" فقال زياد: ما حملك على ما قلت؟ قال: لم ~~يكن أيها الأمير عن قصد وإنما آية خطت على قلبي فقرأها لساني، لا روية لي ~~فيها ولا نية، قال: فو الله لأعلمن فيك بالآية الثالثة، "وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين"، وأمر به فبنى ركن من أركان القصر عليه!. # PageV01P028 ### | 127 - # وكانت الأكاسرة إذا امتحنت الواحد من أصحابها وخف على قل الملك، وكان ~~عالما بالحكمة موضعا للأمانة في الدماء والفروج والأموال على ظاهره، وأحبوا ~~أن يمتحنوا باطنه، أمر أحدهم بأن يحول الرجل إلى دار الملك ms052 وأن يفرد له ~~حجرة يقيم بها مه غيره أن يفسح له في تحويل حرمه إليها، ويقول له: إني أريد ~~الأنس بك في نهاري وليل، ومتى كان معك حرمة قطعتك عني، فاجعل منصرفك إلى ~~منزلك في كل خمس ليال ليلة، فإذا تحول الرجل أنس به وخلا معه، وكان آخر من ~~ينصرف من عنده، فيدعه على هذه الحال شهرا، ثم يمتحنه بالنسا: فامتحن أبرويز ~~يوما رجلا من خاصته بهذه المحنة، ودس إليه جارية من جواريه ووجه معها إليه ~~بألطاف وأمرها ألا تقعد عنده، ففعلت وانصرفت أنفذها في المرة الثانية بمثل ~~ذلك، وأمرها أن تقعد بعد تسليم الهدية هنيهة، ففعلت، ولاحها الرجل وتملها ~~وانصرفت، فلما كانت المرة الثالثة أمرها أن تطيل القعود عنده وأن تحدثه، ~~فإنه أرادها على الزيادة في المحادثة أجابته إليها، وجعل الرجل يحد النظر ~~إليها يسر بمحادثتها، ومن شأن، النفس أن تطلب الغرض بعد ذلك، فأبدى شيئا ~~كمن ذلك لها، فقالت: أخاف أن يعثر علينا، ولكن دعني حتى أدبر في هذا ما يتم ~~به الأمر بيننا من غير أن يشعر بنا! وانصرفت فأخبرت الملك بكل ما جرى ~~بينهما، فوجه غيرها من خواص جواريه، واعتمدت مثل ذلك، فلما جاءته المرة ~~الأولى قال لها: ما فعلت فلانة؟. قالت: عليلة، فاربد لونه، وفعلت الثانية ~~ما فعلت الجارية في المرة الأولى وفي الثالثة دعاها إلى ما دعا تلك الأولى ~~فقالت: إنك من الملك قريب على خطى يسيرة ومعه في دار واحدة، ولكن الملك ~~يمضي بعد ثلاث إلى بستانه الفلاني فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه ~~فأظهر له أنك عليل، وتمارض فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام ~~هاهنا فاختر المقام ها هنا، وأخبره أنك لا تقدر على الحركة، فإن أجابك إلى ~~ذلك جئت إليك كل ليلة، وأقمت عندك إلى آخر النهار، ما دما الملك غائبا عن ~~داره، فسكن إلى قولها، وانصرفت، فأخبرت الملك بذلك، فلما كمان بعد ثلاث ~~دعاه الملك فقال للرسول: أخبره أني عليل، فلما عاد الرسول بذلك تبسم أبرويز ms053 ~~وقال: هذا أول الشر! فوجه غليه خفة حمل فيها غليه، وهو معصب الرأس، فلما ~~بصر أبرويز به قال: والمحفة شر ثان، وتبين العصابة فقال: والعصابة شر ثالث، ~~فلما دنا من الملك سجد، فقال له: متى حدثت هذه العلة. قال: في هذه الميلة، ~~قال له: فأي الأمرين أحب إليك، الانصراف إلى نسائك لتمريضك أو المقام هاهنا ~~إلى وقت رجوعي؟ قال: المقام هاهنا أيها الملك أرفق بي لقلة الحركة، فتبسم ~~وقال: ما صدقت، حركتك هاهنا إن تركت أكثر من حركتك إلى منزلك؟ ثم أمر له ~~بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى، فأيقن الرد بالشر، وأمر أن يكتب ما ~~كان من أمره حرفا حرفا، فيقرأ على الناس إذا حضروا، وأن ينفي إلى أقصى ~~المملكة، وتجعل العصا في رأس رمح يكون معه أين كان، ليحذر منه من لا يعرفه، ~~فلما نفى من المدائن أخذ من بعض الموكلين به مدة كانت معه فجب بها ذكره، ~~وقال من أطاع عضوا صغيرا من أعضائه فسد عليه جميع أعضائه، ومات من ساعته. # PageV01P029 ### | 128 - # وأخطأ بعض خاصة أنوشروان في ذلك بتعريضه لحرمة لأنوشروان، واطلع أنوشروان ~~على ذلك فلم يدر كيف يقتله، غذ ليس بأمر ظاهر الحكم فيه، ولا وجوب القتل ~~عليه، ولم يطب نفسا بالإمساك عنه والسلو عن الانتقام منه ولم يستحسن أن ~~يكشف ذنبه لما في ذاك من الوهن عليه وعلى الملك والسياسة والتدبير، فدعا ~~بالرجل من بعد سنة من خطيئته، وخلا به وقال له: حز بني أمر من أسرار ملك ~~الروم، وبي حلاجة إلى عملها، وما أجدني أسكن إلى أحد سكوني إليك إذ حللت من ~~لبي المحل الذي أنت به، وقد رأست أن تحمل مالا إلى هاك للتجارة وتدخل إلى ~~بلاد ملك الروم فتقيم بها، وإذا بعت ما معك حملت مما في بلادهم معك إلى ~~هاهنا، كما يفعل التجار في تجارتهم، وفي خلال ذاك تصغي إلى أخبارهم وتطلع ~~على أسرارهم، وتأتيني بجميع ما تتمكن منه في ذاك، فقال: السمع والطاعة لأمر ~~الملك، فأمر له بمنال، ms054 وتجهز وخرج بتجارته إلى بلاد الروم، وأقام بها باع ~~واشترى، وفهم لغتهم وكلامهم، واطلع به على بعض أسرار ملكهم، وانصرف إلى ~~أنوشروان بذاك، فأظهر له الاستبشار بفعله وزاد في بره، ورده وأمره بالمقام ~~والتربص بالتجارة ففعل حتى عرف واستفاض أمره بينهم، فلم تزل تلك حالة ست ~~سنين حتى إذا كانت السابعة أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جام من جاماته ~~الذهب التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة أنوشروان مخاطبا له ومستمعا ~~منه ومدنيا رأسه من رأسه في تلك الصورة، كأنه يسر إليه، ووهب لجام لبعض ~~خدمه وقال له: إن الملوك يرغبون في مثل هذا الجام فادفعه إلى فلان إذا خرج ~~إلى بلد الروم بتجارته ليبيعه لك من الملك نفسه ويجيئك من ثمنه بما يكون ~~غناك وغنى عقبك، فحمل الخادم الجام إلى الرجل، وقد شد رحله ووضع رجله في ~~الركاب، فسأله أن يبيع له الجام من الملك نفسه، فقال له: السمع والطاعة، ~~وأمر بدفع الجام إلى الخازن، وقال له: احفظه فإذا صرت ملك الروم فاحمله في ~~جملة ما تحمل للعرض عليهن ففعل، فلما وقع الجام في يد ملك الروم نظر إليهن ~~ونظر إلى صورة أنوشروان في الجام وصورة الرجل، وكان الصانع قد أحسن ~~التشبيه، فقال الرجل: خبرني هل يصور مع صورة ملككم صورة رجل خسيس، قال: لا، ~~قال: فهل في داره اثنان يتشبهان شها لا يفرق به بينهما؟ قال: ما أعلم ذاك، ~~قال له: قم قائما، فقام، فوجد صورته في الجام، ثم قال: أدبر، فأدبر، فتأمل ~~الصورة فلم يختلفا عليه، ولم يحسر التاجر أن يسأل الملك عن ضحكه، ثم قال: ~~الشاة أعقل من الإنسان إذا كانت تخفي مديتها وتدفنه، وقد أهديت إلينا هذا ~~مديتك بيدك? ثم قال له تغديت؟ قال: لا، قال فقربوا إليه طعاما، فقال: أيها ~~الملك أنا عبد والعبد لا يأكل ين يدي مولاه، فقال له: أنت عبد ما دمت عند ~~ملك الروم مطلعا على أموره مستنبطا لأسراره، وملك إذا قدمت بلاد فارس ونديم ~~ملكها، أطعموه، فأطعم ms055 وقد أحس بالشر، إلا أنه لا يفهم، معنى ما يخاطب به، ~~وأمر بأن يسقى، فسقي الخمر حتى إذا ثمل قال له: إن يقتل لا جائع ولا عطشان، ~~وأمر فأصعد إلى سطح كان يشرف منه على كل من في المدينة إذا صعد إليه فضرب ~~عنقه هناك، وألقيت جيفته من السطح، ونصب رأسه الناس، فلما بلغ كسرى ذلك أمر ~~صاحب الجرس أن يضرب بأجراس الذهب ويمر على دور نسائه وجواريه ويقول كل نفس ~~ذائقة الموت إذا وجب عليها القتل، وفي الأرض يقتل، إلا من تعرض لحرمة الملك ~~فإنه يقتل في السماء فلم يدر أحد من الناس ما أراد بذلك. ### | 129 - # عن سندي بن شاهك قال: إني على رأس المنصور وهو يتغدى، ومعه يزيد بن أسيد ~~فبيناهما يأكلان وكان يزيد فأفاء شديدا إذ قال له المنصور: كم ولدك، ففأفأ ~~له ساء ثم قال: فلان وفلان، وبدرت من فيه قطرة وقعت في صحفة المنصور، ~~فامتقع لونه وزال عقله، ورأى المنصور ما به، فأدخل يده في الصحفة وأكل منها ~~لقمة أو لقمتين، فو الله ما رأيت صنيعا أشرف ولا أجمل منه. # PageV01P030 ### | 130 - # وحكى حماد بن إسحق ن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: بعث إلي إبراهيم بن ~~المهدي يوم دجن، فلما دخلت عليه ألقيته لا يعقل خمارا، فقال: إسحق، قلت: ~~لبيك أيها الأمير، قال: أما ترى طيب هذا اليوم؟ قلت: قد رأيت فما حق مثله، ~~قال: الصبوح وكيف لي به، أنا على ما ترى! قلت: يدعو الأمير بالطعام فنأكل ~~بحضرته فلعله ينشط، قال: ذاك، فأحض الطعام، وجعلت آكل ولقمة، فأكل على كره، ~~فلما غسلنا أيدنا قال: ويحك قد أكلت على كره، فكيف لي بالشراب، قلت: أيها ~~الأمير يحضر الشراب فنشرب بحضرتك فلعلك تنشط، قال: وذاك فدعا الشراب فشربنا ~~بحضرته، وعللته حتى شرب، فلما دارت الأقداح قال: يا إسحق، قلت: لبيك، قال: ~~أريد أن أخصك فأسمعك غناء لم تسمع مثله، قلت: وكيف لي بذاك؟ قال: يا غلام ~~أخرج شارية ومعمعة، فخرجت صبيتان لم أر أحسن منهما، فغنتا ms056 فلم أسمع بأطيب ~~منهما، فشرب وشربنا حتى عمل فيه النبيذ، فقال: يا إسحق كم تساوي شارية؟ ~~فقلت: وأنا أظن أنه أكثر من أثمان الجواري، مائة ألف درهم، فدارت عيناه في ~~رأسه وحذفني بقضيب كان في يده وقال: يا بن الفاعلة تقول هذا لشارية وتضع من ~~قدرها، خذوا برجب ابن الفاعلة، فخرجت مطرودا محروما. # ومضت الأيام على ذلك، وقعد المعتصم للشرب، فانحصر الملهين والندماء فحضرت ~~وقد عددت عشرة أصوات في عشرة ألحان، وأجهدت نفسي فيها، وظننت أني أنال بها ~~الغاية القصوى فلما دخلت رأيت بين يديه عشر جامات فضة، في كل جام مائة ~~مثقال مسك وخمسمائة دينار جدد، فقال: من غناني فأطربني فله جام، فقلت في ~~نفسي: أنا والله صاحب العشر وشددت حيازيمي وغنيت بصوت من الأصوات التي كنت ~~أعددتها، فطرب طربا شديدا وقال: أحسنت والله يا إسحق. # وقد كان إبراهيم بن المهدي تخلف في ذلك اليوم فقضى أن جاء في ذلك الوقت، ~~فدخل بغير إذن، وسلم وقعد في أخريات الناس، فغلظ على المعتصم فعله وقال: ~~هاهنا يا عم! قال: لا أقعد إلا حيث انتهى بي المجلس، قال: وكيف تقول ذاك؟ ~~قال: لأنك تفردت بقصفك ولم ترسل إلي! قال: والله أبقيت إلا عليك، فلم يزل ~~به حتى ترضاه وأقعده إلى جانبه، وقال: يا عم أما ترى هذا الخبيث قد أقام ~~القيامة، قال: بماذا يا أمير المؤمنين! قال: غناني فأطربني، قال: يعيد ~~الصوت، فأعدته، فسمع حتى عرف طريقته، ثم قال: ما عمل شيئا، إن شئت غنيتك في ~~هذه الطريقة عشرة أصوات كلها أطيب من هذا؟ قال: يا عم فأخذ العود فتغنى ~~فكان والله غناؤه أطيب، فقل: أحسنت والله، يا غلام ضع الجام بين يدي عمي، ~~فقلت في نفسي: ذهبت والله واحدة، وغنيت صوتا آخر قطعت فيه أوداجي، فطرب ~~وقال: أحسنت يا إسحق، ما التفت إلى إبراهيم فقال: أما ترى! قال: يا أمير ~~المؤمنين إن شئت غنيتم في هذه الطريقة عشر أصوات كلها أطيب من هذا؟ قال: ~~وذاك، فغنى وأجاد فطرب المعتصم وأمر ms057 الغلام أن يترك بين يدي إبراهيم جاما ~~أخرى، فلنم تزال والله تلك حالي وحاله حتى أخذ الجميع، وخرجت أخيب الناس ~~حتى صرت بالباب، فلحقني إبراهيم وضربني وقال: هيه كم تساوي شارية؟ فقبلت ~~رجله وقلت: يا سيدي والله العظيم ما ظننت أن ثمنا يكون أكثر من مائة ألف ~~درهم، وما العيب في ذاك عليها، وإنما هو نقصان عقل وعلم مني، فأقلني أيها ~~الأمير فهي تساوي ألف ألف دينار، فضحك وقال: الحقني إلى المنزل، فصرت إليه ~~وحدثته حديث الجامات وما كان في نفسي من مرها وما اتفق من مجيئه وحرمانه لي ~~إياها، فضحك وقال: لعمري إني حرمتك ولكن أنصبك منها، وقاسمنيها. ### | 131 - # وحضر محمد بن عيسى بن علي بحضرة المنصور، والمنصور يأكل وحده، فدعاه إلى ~~الغداء فقال: أنا شبعان يا أمير المؤمنين، فلما خرج أخذه الربيع وضر به ~~بحضرة أهل بيته، فظنوا أن المنصور أمر بذاك، فمضى إلى أبيه يبكي، فجاء عيسى ~~إلى المنصور وخلع سيفه بين يديه، وضج من فعل الربيع، فقال: ما أمرت بذاك، ~~ولم يفعل الربيع ما تذكره إلا لأمر يقتضيه، واستدعى الربيع وسأله عن خبره ~~فقال: أمرته يا أمير المؤمنين أن يتغدى معك، فقال: أنا شبعان، وإنما دعوته ~~لتشرفه لا لتشبعه، فأدبته إذا لم يؤدبه أبوه! فقال المنصور: أحسنت، قد علمت ~~أنك لا تخطئ. # PageV01P031 ### | 132 - # قال إسحق بن إبراهيم حدثني ابن عائشة عن يونس النحوي قال: مات رجل من جند ~~أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم الوجاهة، فصلى عليه الحجاج، وجلس ~~على شفير قبره وقال: لينزل في القبر بعض إخوانه، فنزل نفر منهم، فقال أحدهم ~~وهو يسوي المبن عليه: يرحمك الله أبا قنان إن كنت ما علمت تجيد الغناء ~~وتسرع رد الكأس، ولقد رفعت في موضع سو لا تخرج منه أبدا إلى يوم الذكر! ~~قال: فلم يتمالك الحجاج أن ضحك، وكان الحجاج قليل الضحك في الجد والهزل، ~~وقال: هذا يوم ذا لا أم لك، قال: أصلح الله الأمير، فرس حبيس في سبيل اله ~~لو سمعته وهو يغني: ms058 # يا لبينى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد حارا # رب نار بت أرمقها ... تقضم الهندي والغارا # عندها ظبي يؤرثها ... وتخال الوجه دينارا # لطربت على غنائه، فقال الحجاج: أخرجوه من القبر لعنه الله! ثم قال: يا ~~أهل الشام ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم! ولم يبق أحد حضر الموضع إلا ~~استفرغ ضحكا. ### | 133 - # وحكى لي الرئيس أبو الحسين والدي قال: كنت عند الشريف أبي الحسن محمد بن ~~عمر العلوي وقد حضر بعض متقدمي نواحيه بشكوى فأحضره وقال له: مالك؟ فقال: ~~يا سيدنا هو ذا نصفع اليوم سبعة أيام على رأسك؟ فضحك منه وقال: أخرج قبحك ~~الله! فأخرج وضحك الحاضرون. ### | 134 - # وحدثني بعض الأصدقاء قال: جاء ني .. الملقب بفخر الحجاب أحد حجاب الدار ~~الخليفية يعزيني عن ولد لي، فقال لي: أيها السيد قال الله تعالى: إن تذهب ~~الجلة فالسخل هدر! قال: فضحكت وضحك من كان حاضرا، ونهضت!. ### | 135 - # لما مات عبد الملك بن مروان جاه الوليد ابنه، فأنشد هشام بن عبد الملك، ~~وكان أصغر ولده: # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # فلطمه الوليد على فمه وقال: اسكت يا بن الأشجعية، فإنك أحول أكشف تنطق ~~بلسان شيطان! ألا قلت: # إذا مقرم منا ذرا حد به ... تخمط فينا ناب آخر مقرم ### | 136 - # وأنشد جرير لعبد الملك بن مروان بعد أن أقام دهرا على بابه، وتسأله قيس ~~وتشفع فيهن وهو لا يجيب إلى مسماع شعره ومدحه، ثم أذن في ذلك، فابتدأ ~~وأنشد: # أتصحو بل فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح # فقال عبد الملك: بل فؤادك يابن اللخناء! فحصر جرير واغتم كيف اتفق له مثل ~~ذلك بعد امتناعه من سماع إنشاده!. ### | 137 - # وحدث زياد بن عبيد الله الحارثي قال: خرجت وافدا إلى مروان بن محمد في ~~جماعة، فلما كنا ببابه دفعنا إلى ابن هبيرة، وهو على شرطته وما وراء بابه، ~~فتقدم الوفد رجلا رجلا، كلهم يخطب ويطنب في مروان وابن هبيرة، فجعل ابن ~~هبيرة يبحثهم عن أنسابهم، فكرهت ذاك وقلت: ms059 إن عرفني زادني ذلك عنده شرا، ~~فلطيت وجعلت أتأخر رجاء أن يمل كلامهم فيمسك، حتى لم يبق غيري، فقدمني، فلو ~~أجد بدا ما كرهت، فتكلمت بدون كلامهم، وإني لقادر على الكلام، فقال: ممن ~~أنت؟ فقلت: من أهل اليمن، قال: من أيها؟ قلت: من مذحج، قال: إنك لتطمح ~~بنفسك، اختصر! قلت: من بني الحارث بن كعب، قال: يا أخا بني الحارث إن الناس ~~ليزعمون أن أبا اليمن قرد فما تقول في ذلك؟ قلت: وما أقول أصلحك الله! إن ~~الحجة لفي هذا لغير مشكلة، فاستوى قاعدا، وقال: وما حجتك؟ قلت: تنظر كنية ~~القرد فإن كان بكنى "أبا اليمن" فهو أبوهم وإن كان يكنى "أبا قيس" فهو أبو ~~من كني به! فنكس وندم ونكت الأرض وتعلم أنه هفا فيما واجهني بهن وجعلت ~~اليمانية تعض على شفاهها، تظن أن قد هربت، والقيسية تكاد تزدردني، ودخل ~~الحاجب إلى مروان، ثم رجع، وقام ابن هبيرة فدخل عله أيضا ثم لم يلبث أن ~~خرج، فقال الحارثي: فقمت على مروان وهو يضحك، فقال: إيه عنك وعن ابن هبيرة! ~~فقلت: قال كذا وقلت كذا، فقال: أيم الله لقد حجبته، أو ليس أمير المؤمنين ~~يزيد الذي يقول: # تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان # فلو أر قردا قبلنا سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان # وهذان البيتان ليزيد بن معاوية، وذاك أنه حمل قردا على أتان وحشية، وسبق ~~بينها وبين خله، فسبقت الأتان وعليها القرد قال زياد: # PageV01P032 # فخرجت وخرج ابن هبيرة فوضع يده بين منكبي وقال: يا أخا بني الحارث، والله ~~ما كان كلامي إياك إلا هفوة، وإن كنت لأربأ بنفسي عن مثل ذلك، ولقد سرني ~~كيف لقنت علي الحجة، ليكون ذلك أدبا لي فيما استقبل، وأنا لك بحيث تحب، ~~فاجعل منزلك علي! ففعلت، وأكرمني وأحسن إلي!. ### | 138 - # وغنى علوية بين يديى المأمون: # برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا # ولكنهم لما رأوك سريعة ... إلي تواصوا بالنميمة واحتالوا # وقد صرت أذنا للوشاة ms060 سميعة ... ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا # فقال المأمون لعلوية: لمن هذا الشعر؟ قال: للقاضي، قال: أي قاض؟ قال: ~~قاضي دمشق، فأقبل على أخيه المعتصم وقال له: أعزله، قال: قد عزلته، قال: ~~فليحضر الساعة! فأحضر شيخ خضيب ربعة، فقال له المأمون: من تكون؟ فنسب نفسه، ~~فقال: تقول الشعر؟ قال: قد كنت أقوله .. قال: يا علوية أنشده الشعر، ~~فأنشده، قال: نعم يا أمير المؤمنين، وبرئ من الإسلام ونساؤه طوالق وعبيده ~~أحرار وماله في سبيل الله إن كان قال شعرا منذ ثلاثين سنة إلا في زهد أو ~~معاتبة صديق! فقال للمعتصم: اعزله يا أبا إسحق، فما كنت لأولي الحكم بين ~~المسلمين من يبدأ في هزله وجده بالبراءة من الإسلام، ثم قال: اسقوه، فأتي ~~بقدح فيه شراب فأخذه بيده وهي ترعد، ثم قال: يا أمير المؤمنين، الله الله، ~~ما ذقته قط! قال: فلعلك تريد غيره؟ قال: لم أذق منه شيئا قط! قال: أفحواهم ~~هو؟ قال: نعم، فقال المأمون: أولى لك، فبها نجوت، انصرف، فانصرف، ثم قال ~~لعلوية لا تقل: # برئت من الإسلام ### | ...... # وقل: # حرمت مناي منك إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا ### | 139 - # وقيل: أنشد الفرزدق الحجاج: # وما يأمن الحجاج والطير تتقي ... عقوبته إلا ضعيف العزائم # فقال له: ويلك يا فرزدق جعلتني لا عهد لي ولا عقد! قبحك الله وويحك أين ~~أنت من قول جرير: # فمن يأمن الحجاج: أما عقابه ... فمر وأما عقده فوثيق # يسر لك الشحناء كل منافق ... كما كل ذي دين عليك شفيق # فاعتذر الفرزدق: وقال غلطة من غلطات الشعراء، وسهوة من سهوات القول! ### | 140 - # وحدث الصولي قال: انفرد الرشيد وعيسى بن جعفر بن المنصور والفضل بن البيه ~~في صيد من الموكب، فلقوا أعرابيا مليح فصيحا، فولع به عيسى إلى أن قال له: ~~"يا بن الزانية! " فقال: بئس ما قلت، قد وجب عليك ردها أو العوض منها فارض ~~بهذين المليحين يحكمان بيننا، قال عيسى: قد رضيت، فقالا: يا أعرابي خذ منه ~~دانقين عوضا من شتمك! فقال: ms061 أهذا الحكم؟ قالا: نعم، قال: وهذا درهم خذوه ~~وأمكم جميعا زانية، وقد أرجحت لكم بدل ما وجب لي عليكم! فغلب عليهم الضحك، ~~وما كان لهم سرور يومهم ذلك غير الأعرابي: وضم الأعرابي إلى الرشيد وخص به، ~~وكان يدعوه في أكثر الأوقات، والأعرابي نادم واجم، ويقول للرشيد: لو عرفت ~~لأبقيت، وما نفع الحمق!. ### | 141 - # وحدث ابن دريد عن الرياشي عن الأصمعي قال: حدثني منتجع بن نهبان قال: ~~أخبرني رجل من بني الصيداء من أهل الصريم: قال: كنت أهوى جارية من باهلة ~~يقال لها رملة، وكان قومها قد أخافوني وأخذوا علي المسالك، فخرجت ذات يوم ~~فإذا حمامات يسجعن على أفنان أيكات متناوحات في سراوة فاستفزني الشوق فركبت ~~وأنا أقول: # دعت فوق أغصان من الأيك موهنا ... مطوقة ورقا في إثر آلف # فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمت ... وشبت ضرام الشوق بين الشراسف # بكت بجفون دمعها غير ذارف ... وأغرت جفوني بالدموع الذوارف # وخرجت حتى أتيت أرضها، فآواني الليل إلى حي، فخفت أن يكونوا من قومها، ~~فبت بالقفر فلما هدأت الرجل ورنقت في عيني سنة فإذا قائل يقول: # يمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # فتفاءلت بها وانزعجت لها، ثم غلبتي عيناي فإذا آخر يقول: # لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار # فقمت فعثرت، وركبت متنكبا عن الطريق، وإذا راع قد سرح غنمه، وهو يتمثل ~~بقول القائل: # كفى بالليالي مخلقات بجدة ... وبالموت قطاعا حبال القرائن # PageV01P033 # فأظلمت علي الأرض، فتأملته فعرفته، فقلت: فلان؟ قال: فلان، قلت: ما ~~وراءك؟ قال: ضاجعت والله رملة الثرى! فما تمالكت أن سقطت عن بعيري، فما ~~أفقت حتى حميت علي الشم، فاستيقظت وقد عقل الغلام بعيري ومضى فكررت راجعا ~~إلى أهلي بأخيب ما آب به راكب وأنا أقول قول المحروق: # يا راعي الضأن قد أبقيت لي كمدا ... يبقى ويتلفني يا راعي الضأن # نعيت نفسي إلى روحي فكيف إذا ... أبقى ونفسي في أثناء أكفان # لو كنت تعلم ما أسأرت في كبدي ... بكيت مما تراه اليوم أبكاني ### | 142 - # وحدث ابن ms062 دريد قال: حدث أبو حاتم قال: سمعت أبا عبيدة يقول: ذكروا أن ~~رجلا ساءت حاله، فهرب من عياله، فصار إلى ساحل من سواحل البحر، فبينا هو ~~قاعد يفكر في أمره إذ صر بصخرة مكتوب عليها: # لما رأيتك قاعدا مستقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرين # فارفض بها وتعر من أثوابها ... إن كان عندك بالقضاء يقين # هون عليك يكون ما هو كائن ... فأخو التوكل شأنه التهوين # طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لما تيقن أنه مضمون # قال: فنهض وعاد إلى أهله، وفتح عليه رزقه ودر. ### | 143 - # ولما أنفذ المأمون طاهر بن الحسين إلى قتال ابن ماهان، حضر بين يديه ~~لوداعة فقال له: امض إلى هذا اللعين واصمد له، فإنك قاتله، فأنفذ رأسه إلى ~~أمير المؤمنين بإذن الله ومشيئته! وخرج طاهر لوجهه، فلما أنفذ رأس ابن ~~ماهان إلى المأمون دخل الفضل بن سهل وحل قباءه بين يديه، فأنكر المأمون ذلك ~~عليه، وقال له: ما السبب في هذا الفعل السمج الشنيع، فقال: سمعت أمير ~~المؤمنين يقول لطاهر لما ودعه: "إنك تقتل ابن ماهان وتحمل رأسه إلى حضرة ~~أمير المؤمنين" وقد كان ذاك، وما هذا إلا غيب قد اطلع عليه أمير المؤمنين، ~~إما وحي فاسأل إطلاعي عليه بحكم خدمتي ونصحي ومحبتي، أو علم عند أمير ~~المؤمنين يحزنه عن آبائه وأجداده، أسأل إعلامي به، ولست أعود لخدمتي ولا ~~أشد علي قبائي إلا بعد أن يشرفني أمير المؤمنين بما سألت! فقال له: يا هذا ~~والله ما أعلم الغيب ولا عندي علم محزون منه فأطلعك عليه وأعلمك به، وإنما ~~قلت ما قلت تفاؤلا حققه الله تعالى بفضله ومنه وإحسانه وطوله! فامتنع الفضل ~~من قبول هذا القول، وأعاد السؤال، وأعاد المأمون القول واليمين، فبعد جهد ~~ما شد قباءه عن غير طيب نفس بقول المأمون، بل على يقين من كتمانه إياه، ~~فقال المأمون: واله لقد سقط من عيني سقطة ما مثلها، وتحققت جهله، واستشعرت ~~فيه ما طرحت معه قوله ورأيه وعقله بعده. ### | 144 - # وكان زياد بن عبيد الله الحارثي خال السفاح ms063 واليا له على مكة، فحضر أشعب ~~مائدته في أناس من أهل مكة، وكانت لزياد صفحة يخض به فيها مضيرة من لحم ~~جدي، فأتي بها فأمر الغلام وهو لا يعلم أنها هي فوضعها بين يدي أشعب، ~~فأكلها الشعب واستطابها، واستبطأ زياد الصفحة فقال: يا غلام أين الصفحة؟ ~~قال: أمرتني بتركها بين يدي أبي العلا؟ فقال وقد اغتاظ: هنأ الله أبا ~~العلاء وبارك له؟ فلما رفعت المائدة قال: يا أبا العلاء هذا شهر رمضان وقد ~~وافى، وهو شهر مبارك، وقد رققت لأهل السجن مما هم فيه من الضر وانهجام ~~الصوم عليهم، وقد رأيت أن أسيرك إليهم فتلهيهم بالنهار وتصلي بهم في الليل! ~~فقال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير؟ قال: وما هو؟ قال: أعطي الله عهدا ألا ~~آكل مضيرة بلحم جدي أبدا! فخجل زياد واستحيا ونهض، وصار هذا خبر يسطر، وذما ~~يذكر إلى الأبد! ### | 145 - # وحدثني الرئيس والدي أبو الحسين رضي الله عنه قال: عمل فخر الملك أبو ~~غالب سماطا عظيما للأتراك ببغداد، واغترم شيئا كثيرا، وكان مما يتعذر مثله، ~~وفرح بما تم له فيه، ووف يمشي على السماط، ويخدم الناس، فقال لبعض الأتراك ~~مازحا معه وقد كسر دجاجة ما بينك وبين هذه المسكينة! فرفع رأسه إليه وقال ~~له: والله ما علمت أنك تراني يا مولانا! ورمى بالدجاجة، وكان يبخل على ~~الطعام، فخجل خجلا نغص عليه يومه وذمم له فعله، ودخل إلى بعض الحجر، ~~واستدعى خمس قطع ثيابا حسنة وأنفذها إلى دار التركي اسكتفافا له عن تلك ~~الكلمة التي غلط بها وهفا فيها!. # PageV01P034 ### | 146 - # وحدثني ابن عاصم قال: لما انحدر الملك العزيز بن بويه قاصدا البصرة ~~ومحارا لها وطامعا فيها شيعته وخدمته وكنت في جملة الغلمان قائما على رأسه، ~~فأنشد شيئا من شعره وأخذ الحاضرون يصفونه ويمدحونه، وذكر في شيء منه ~~انحداره هذا وقصده ورجاء النجاح فيه والثقة به، فأردت أن أدخل نفسي في جملة ~~من يمدحه ويتكلم بين يديه، وكنت أحفظ له ثلاثة أبيات فيها ذكر الانحدار ~~فقلت: يا مولانا ولك ms064 في كذر الانحدار شي حسن! فقال ما هو؟ فقلت: # وما شكرت زماني حين أصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدري # تلاعبت بي أمور لو رميت بها ... جوانب الفلك الدوار لم يدر # تزيدني قسوة الأيام طيب ثنا ... كأنني المسك بين الفهر والحجر # فتطير من ذلك وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! لا أحسن الله جزاءك! فرجعت ~~إلى نفسي، وعرضت غلطي على نفسي فعرفته، وهربت على وجهي خجلا ولنفسي معنفا! ~~وكسر في هذا الوجه ورجع كما لا يجب!. ### | 147 - # ودخل بعض أصدقائنا إلى رجل قد ابتاع دارا في جواره، وسلم عليه وأظهر ~~الأنس بقربه والابتهاج بمكانه، وعاشره وصادقه، فلما كان يوما من الأيام وهم ~~على نبيذ قال له: كان فلان صاحب هذه الدار تلتي ابتعتها أنت الآن رحمه الله ~~صديقنا وأخانا ورفيقنا وشقيقنا، إلا أنك أنت بحمد الله أوفى منه مكانا ~~وكرما وموضعا، وأوسع نفسا وصدرا، وأعلى محلا وقدرا، والحمد الله الذي عوضنا ~~مثلك عنه، وبدلنا به من هو خير منه! وأنشد: # بدل من البازي غراب أبقع # فضحك الرجل حتى استلقى، وتعجب من غفلته، ولم يكن المنشد يفهم ما أنشد ولا ~~يعلم ما أورد، فسقط قوله، وخجل من إنشاده، وصار معيرة له يوله لأجلها دائما ~~به. ### | 148 - # وكان في دار العلم بين السوريين التي وقفها سابور الوزير خازن يعر بأبي ~~منصور، واتفق بعد سنين كثيرة من وفاة سابور أن آلت مراعاة الدار إلى ~~المرتضى أبي القاسم الموسوي نقيب نقباء الطالبين، فرتب معه آخر يعرف بأبي ~~عبد الله بن حمد مشرفا عليه، وكان داهية جلدا وضد أبي منصور مكرا وكيدا، ~~فصار يتلهى به دائما، فمن ذلك أنه قال يوما: قد هلكت الكتبوذهب معظمها! ~~فقال له وانزعج: بأي شي؟ قال: بالبراغفيث وتعيثهم فيها وهعبثهم بها، قال: ~~فما نفع في ذاك؟ قال: تقصد الأجل المرتضى وتطالعه بالحال وتسأله إخراج شي ~~من أدوائها المعدة عنده لها لينثر بين الو رق ويؤمن الضرر! فمضى إلى ~~المرتضى وخدمه وقل له بوقار وسكون، ومن طريق النضح والاحتياط: يتقدم سيدنا ~~إلى ms065 الخازن بإخراج شي من دواء البراغيث، فقد أشرفت الكتب على الهلاك بها، ~~ليتدارك أمرها بتعجيل إخراج الدواء المانع لها المبعد لضررها؟ فقال المرتضى ~~مكررا: البراغيث البراغيث! لعن الله ابن أحمد، فأمره كله هزل وطنز! قم أيها ~~الشيخ مصاحبا، ولا تسمعن لابن حمد نصيحة ولا وقولا. ### | 149 - # وحدثني أبو الحسن ابن الصوفي العلوي قال: كان ملاحان من النبط في سفينة ~~بالبطائح: أحدهما منطرح والآخر يجدف، فسقطت على صدر النائم بقة، فأشار إلى ~~الذي يجذف بأن اقتلها، إيماء خوفا من أن تسمع البقة قوله، وعجز أن يقتلها ~~بيده فأخذ النبطي حربة كانت معه في السفينة وضرب بها البقية شجاعة عليها، ~~فدخلت الحربة في صدر الآخر وطلعت من ظهره، فمات من وقته! # PageV01P035 ### | 150 - # وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جبير قال: كان بعض الشطرنجيين برسم ~~خدمة عضد الدولة أبي شجاع بن بويه، يلاعبه، فلاعبه يوما وله رسم يشرب ~~بحضرته، فحاف النبيذ عليه، وغلب لعضد الدولة فقال له: شاه مات يا خرا! وكان ~~للشطرنجي غلام تركي يخف على قلب عضد الدولة وينفق عنده لنجابته وذكائه، وقد ~~أذن له في أن يسقي بحضرته، فلما سمع الغلام ما قال له مولاه استعظمه، وعلم ~~أن النبيذ قد غلب على عقله فأبدى ما أبدى من جهله، فأخذ مخدة فتركها على ~~رأسه، إعلاما لعضد الدولة أنه لا يحس بفعله، فكيف بقوله؛ فلما كان من غد ~~حضر الشطرنجي على رسمه، ولم يبد لعضد الدولة منه ولا شاهد عنده ما يدل على ~~علمه بما جرى منه، فعلم أنه لم يحس بقوله ولا أطلعه الغلام على فعله لئلا ~~يظهر منه خوف يوحش عضد الدولة منه، فأعجب عضد الدولة بالغلام زيادة إعجاب، ~~وشغف بذكائه فضل شغف، وعرض للشطرنجي به وبالرغبة فيه، فلم يطب الشطرنجي ~~قلبا بإخراجه عن يده، لمحبته له وغلبته عليه، وكونه قوام أمره! ثم مات ~~الشطرنجي فلم يكن لعضد الدولة همة غير الغلام، وأخذه، ووضع عليه من يطارحه ~~الحديث ويعرض له به، فما أقر لأحد بمعرفة تلك الحال وما جرى ms066 فيها، واستنبطه ~~بنفسه عن فعل مولاه وقوله وغلطه وجهله، فأنكر أشد الإنكار، وجحد أنه رأى ~~ذلك أو حضره؛ فاختص به عضد الدولة وقدمه حتى استودعه أسراره ومهماته وما لم ~~يكن يثق فيه إلى غير نفسه! ### | 151 - # وحكى المرزباني قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن محمد ~~الأسدي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن مخوف عن أبيه قال: ~~كنا مع جعفر بن يحيى فأخبر أن الرشيد مغموم، قال: بماذا؟ قالوا: منجم يهودي ~~قد حكم عليه بأنه يموت في سنته تلك، وإن اليهودي في دار الرشيد موكل به .. ~~فركب جعفر مبادرا وأحضر اليهودي فقال له: يا مدبر ما حملك على هذا القول ~~الذي قتلك وأهلكك؟ قال: هفوة وزلة! قال: قد حكمت على أمير المؤمنين بالوفاة ~~في هذه السنة فهل حكمت لنفسك أن تعيش؟ قال: نعم، قال: كم؟ قال: كذا وكذا ~~سنة، لسنين كثيرة ذكرها، فنهض جعفر بن يحيى إلى الرشيد وأعلمه بما جرى ~~وكذبه عنده، وقال: قد ذكر أنه مختل العقل وأن ذلك حمله على ما قال، وأنها ~~زلة وهفوة يسأل العفو عنها والإقالة منها، فإنها كذب وزور أوجبه فساد عقله ~~والسوداء المعترضة له! فقال الرشيد: هيهات! هذا يقول حيث خاف وفزع! واجتهد ~~جعفر في أن يخرج ذلك من نفس الرشيد فلم يكن إليه سبيل، فقال لهما أيس منه: ~~يا أمير المؤمنين قد ظهر كذبه وحمقه بما لا يقع شك فيه، قال: وما هو؟ قال: ~~قد ذكر أنه يعيش كذا وكذا سنة، وإذا تقدم أمير المؤمنين بضرب عنقه علم كذبه ~~وفساد علمه وأنه لا يصح حسابه لنفسه فكيف يصح لغيره! فتقدم الرشيد بضرب ~~عنقه، وزال عنه ما اهتم له؛ ومضى دم المنجم بحمقه! 152 وحكي أن أبا عبد ~~الله بن الجصاص صلى خلف إمام، فلما قرأ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" ~~قال ابن الجصاص: إي لعمري! وأنه أراد تقبيل رأس الخاقاني الوزير فقال له ~~مازحا معه: لا تفعل ففي رأسي دهن! فقال: والله لو كان ms067 في رأس الوزير خراء ~~لقبلته! وقال يوما: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت أتلمظ ~~المقعدة حتى وقعت عليها! ووصف يوما مصفحا بالعتق فقال: هو كسروي! ### | 153 - # وحدث القاضي أبو حامد قال: كنت قائما بين يدي معز الدولة أبي الحسين بن ~~بويه فقال لأبي جعفر الصيمري وزيره: أريد الساعة خمسمائة ألف درهم لمهم، ~~فقال له: زد أيها الأمير فإني أيضا أريد مثله! قال: فإذا كنت وزيري فممن ~~أطلب إلا منك؟ قال: فإذا كان الارتفاع ما يفي بالخرج من أين لي مال أعطيه ~~إذا طلبته! فحرد معز الدولة فقال: الساعة أحبسك في الخلاء حتى تؤدي ذاك! ~~قال: إذا حبستني في الخلاء خرئت نقرة وضربتها دراهم!! فخجل معز الدولة ~~وأمسك عنه. ### | 154 - # وحدث أبو أحمد الحارثي قال: كان عندنا بواسط رجل مختلف موسر يقال له أبو ~~محمد بن أبي أيوب، وكان يعاشرنا بمغنية يهواها، وكان من غنائها صوت أوله: # إن الخليط أجد منتقله ... ولو شك بين حملت إبله # وكانت تجيد فيه الصنعة فيستحسنه ولا يفهمه أبو محمد لتخلفه فاقترحه يوما ~~عليها فقال: بالله يا ستي غني لي: # إني خريت وجئت أنتقله!! # PageV01P036 # فقالت: أنا أغني شيئا من هذا!! ففطنت أنا لما يريد، فقلت لها: إنه يريد ~~أن تغني له: # إن الخليط أجد منتقله # فقالت له: قطع ظهرك! أين هذا من هذا!! وغنت الصوت. # وكان من غنائها الجيد: # خليلي هبا نصطبح بسواد # فقال لها يوما: يا ستي غني لي بالله: # خليلي هبا نصطبح بسماد # فقالت له: إذا عزمت على هذا فوحدك! ### | 155 - # وحدث أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد قال: رأيت أبا الحسن علي بن عمرو ~~الموصلي يكتب إلى أبي تغلب ابن ناصر الدولة كتابا، فكتب في موضع منه: "أمور ~~حميدة" فقلت: أمور جميلة قال: صدقت، ولكن كتبت وأنا بالموصل إلى أبي تغلب ~~رقعة فيها "أمور جميلة" ووصلت الرقعة إليه وهو عند أخته جميلة، وكانت غالبة ~~عليه محتوية على أمره، لا يقطع شيئا دونها، فعرضها عليها وأخذ فيها تضمنته ~~رأيها، فأنكرت علي ms068 قولي "جميلة" إنكارا شديدا لأنه اسمها، وبلغني فاعتذرت ~~أعظم الاعتذار، وما كتبت إلى أحد بعدها "جميلة"، وصارت لي عادة! ### | 156 - # وحدث أبو القاسم الجهني قال: كان في أسد بن جهور نسيان وسوداء، فحضرته ~~يوما في دار بعض الوزراء وقد جلس يتحدث، ومعنا بعض القضاة، وكان يوما حارا، ~~فوضعنا عمائمنا، ووضع القاضي قلنسوته، فطلب الوزير أسد بن جهور، فقام ~~مسرعا، وأخذ قلنسوة القاضي، وعنده أنها عمامته، فلبسها ودخل على الوزير، ~~فصاح القاضي به وجماعتنا، فما سمع ولا رجع، حتى بلغ الوزير، فضحك منه، وخجل ~~أسد وعدا إلينا راجعا عنه. # PageV01P037 ### | 157 - # وحدث القاضي أبو القاسم التنوخي أن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز حدثه ~~عن بعض أهله قال: كان محمد بن منصور يتقلد القضاء بكور الأهواز وعمر بن فرج ~~الرخجي يتقلد الخراج بها، وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية، ولا يركب ~~أحدهما إلى الآخر إلا بعد أن يجيئه، ويتشاحنان على التعظيم، وترد كتب ~~الخليفة عليهما بخطاب واحد، وتولدت بينهما من ذلك عداوة عظيمة، ويكتب ~~الرخجي إلى المتوكل في القاضي فلا يلتفت المتوكل إليه لعظم محله عنده ~~وموضعه منه، ويبلغ القاضي ذلك فلا يحفل به .. فلما كان في بعض الأوقات ورد ~~خادم بكتاب المتوكل لهما بأن يجتمعا على أمر رسمه لهما، فقال الرخجي ~~للقاضي: تحضر الديوان لذلك، وقال القاضي له: بل تحضر أنت الجامع لنجمع على ~~ما رسم، فقال الرخجي للخادم: ترجع إلى أمير المؤمنين وتعلمه أن القاضي ~~امتنع من أن يحضر ديوانه، وسامني الحضور إلى الجامع لإمضاء أمر أمير ~~المؤمنين فلم أفعل، لما فيه من القباحة والوهن، وأن العرض وقف إلى أن يعود ~~الأمر بما يفعل فيمتثل! فبلغ القاضي ذلك فركب إلى الديوان، ودخل والرخجي ~~جالس في دسته، وبين يديه الكتاب والجلة، فحين شاهدوا القاضي قاموا له ~~وخدموه، إلا الرخجي فإنه لم يكلمه ولا سلم القاضي عليه، وجلس في طرف المجلس ~~وآخر البساط، بعد أن رفع غلامه طي البساط، وجلس على البارية، واحتف به ~~شهوده، وجاء الخادم فجلس عنده ووقفه على كتاب المتوكل، وتخاطبا ms069 فيما رسم، ~~حتى فرغوا منه، فلما انقضى ذلك قال الرخجي له: يا أبا جعفر ما هذه الجبرية! ~~لا تزال تولع بي وتتحكك بمناقرتي ومضاهاتي، وتقدر أنك عند الخليفة أطال ~~الله بقاءه مثلي، أو محلك يوازي محلي! قال: وأسرف في هذا القول، وحمي في ~~الخطاب، ومضى على رأسه في الكلام والقاضي ساكت، إلى أن قال في جملة كلامه ~~وبحدة طبعه: والخليفة أعزه الله لا يصرف على يدي في أمواله التي بها مقام ~~دولته، ولقد أخذت من ماله ألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، ~~وألف ألف دينار، وألف ألف دينار فما سألني عنها، وإنما إليك أن تحلف منكرا ~~لحق، وأن تفرض لامرأة على زوجها، وأن تحبس ممتنعا من أداء حق ... وأخذ يعدد ~~هذا وشبهه، وأبو جعفر لما ذكر الرخجي يعد بأصابعه الألف الألف التي كررها، ~~وقد كشفها للناس ليروها إلى أن عقد خمسة، فلما أمسك الرخجي لم يجبه القاضي ~~بشيء، وقال: يا فلان الوكيل، قال: سمعت ما جرى؟ قال: نعم، قال: قد وكلناك ~~لأمير المؤمنين وللمسلمين على هذا الرجل في المطالبة لهم بهذا المال الذي ~~أقر به، فقال الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين فعل! فأخذ ~~القاضي دواة وكتب بخطه في مربعه سجلا بالمال ورمى به إلى الشهود وقال: ~~اشهدوا على إنفاذي الحكم بما في هذا الكتاب، وإلزامي فلان بن فلان هذا ~~وأومأ إلى الرخجي ما أقر به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا الكتاب ~~للمسلمين! فكتب الشهود خطوطهم بالشهادة وختموها، وأخذها القاضي فجعلها في ~~كمه، ونهض، وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي ويقول: يا أبا جعفر بالغت في عقوبتي، ~~قتلتني، أهلكتني! فقال له القاضي: إي والله! فما سمعناه أجابه بغيرها ~~وافترقا. # PageV01P038 # وكتب صاحب الخبر إلى المتوكل قي الوقت بما جرى، فلما وقف المتوكل على ~~الحال تقدم بالقبض على الرخجي وتقييده، وقال لوزيره: حاسب هذا الخائن ~~المقتطع لأموالنا حتى حفظها الله تعالى بقاضينا محمد بن منصور، وقد ظهرت ~~أموالنا عليه بإقراره في سقطات قوله وفلتات فعله، وهذه ms070 عادة الله تعالى عند ~~أئمة عباده أن يأخذ لهم أعداءهم كذلك، اكتب الساعة في أمره بما رسمته ~~واحمله مقيدا مغلولا، فخرج الوزير وهو على غاية القلق لعنايته بالرخجي، ~~واستدعى خليفته على الباب وقال له: اكتب إليه الساعة: "قد تسرعت يا مشؤوم، ~~وقتلت نفسك، ما الذي دعاك إلى معاداة القضاة! " وقل له: "قد جرى كيت كيت، ~~وأنت مقتول إن لم تتلف أمر محمد بن المنصور، فاجتهد فيه" وأعلمه أنني هو ذا ~~أؤخر ما أمر الخليفة به فيه اليوم فقط إلى أن يحكم أمره مع القاضي، وأقول ~~للخليفة إني قد أنفذت إليه من يقبض عليه، وأنفذ إليه في الغد! فلما ورد ذلك ~~على الرخجي قامت قيامته، وأحضر من يخصه فشاوره فقال له: تركب الساعة إلى ~~القاضي وتطرح نفسك عليه .. فركب إليه في موكب عظيم، فحجبه ولم يوصله، ~~واجتهد في الوصول إليه، فلم يكن إلى ذلك طريق، فرجع حيران، وقال لأصحابه: ~~ما ترون فإني أخاف أن يرد العشية من يقبض علي! فقيل له: إن للقاضي رجلا ~~يخصه، وقد قدمه وعظمه وأنس به، ويريد أن يسمع شهادته، وهو غالب عليه جدا، ~~فتستدعيه وتكتب له روزا بشيء من خراجه ترغبه فيه، وتسأله أن يوصلك إليه ~~ويستصلحه لك! فأحضره الرخجي، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه وسأله ذلك، ~~فقال: أما استصلاحه لك فلا أضمنه، ولكن أوصلك إليه، فقال له: قد رضيت، ~~فقال: إذا كان الوقت المغرب فانتظرني! وخرج الرجل، فلما كان المغرب جاءه ~~وقال: تلبس عمامة وطيلسانا وتركب حمارا وتجيء وحدك، ففعل ذلك وركبا بغير ~~سمعة، وجاء الرجل فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي ولصديق لي معي؛ فدخل ~~إليه وخرج إليهما وقال: ادخلا، فدخلا، فحين شاهده القاضي صاح على الرجل ~~وقال له: ادخلا، فدخلا، فحين شاهده القاضي صاح على الرجل وقال له: أتحتال ~~وأنت أمين مرشح للشهادة! ثم قال للرخجي: اخرج عافاك الله عن داري! قال: ~~فبادر الرخجي إلى رأسه فقبله، فلماذا رآه القاضي قد فعل ذلك قام إليه ~~وعانقه وجلسا، وبكى الرخجي بين يديه، ms071 ودفع الكتاب إليه، فبكى القاضي وقال: ~~عزيز علي يا هذا ما كان اضطرك إلى الإقرار بما أقررت به! قال: غلطت وأخطأت ~~وغفلت، فتحتال الآن في أمري؟ فقال: والله ما لي حيلة، فإن الحكم كالسهم إذا ~~خرج لم يمكن رده! فجهد به الرخجي فما زاده على هذا، وانصرف بأقبح منصرف، ~~فما كان من الغد ورد خادم فقبض عليه، وغله وقيده، وحمله، وورد كتاب الخليفة ~~إلى القاضي:"أحسن الله تعالى جزاءك على ما فعلته في أموال المسلمين، وقد ~~كنا نأمر بمحاسب هذا الرجل فنؤخر ذلك لعوائق، والآن فقد أقر طائعا غير مكره ~~بما في ذمته، وما نؤثر معاملته إلا بما يعمله أهل الذمة لو كانوا في مكاننا ~~من أخذ الحق بالحكم، وقد أنفذته على الواجب بارك الله عليك وله أملاك قبلك، ~~فتنصب من يبيعها وتحمل ثمنها إلى بيت المال" ففعل ذلك، وهي الأملاك التي ~~تعرف الآن بالرخجيات، وجعل الرخجي في العذاب بسر من رأى. # وحدث الحسين بن عياش قال: كان جحظة لما أسن يفسو في مجالسه، فيلقي من ~~يعاشره منه جهدا، وكنت أحب غناءه، والكتابة عنه لما عنده من الآداب، وكان ~~عشيري، فكنت إذا جلست عنده أخذت عليه الريح، فجئته يوما في مجلس الأدب، ~~والناس عنده، وهو يملي، فلما خفوا قال لي ولآخر كان معي: اجلسا عندي حتى ~~أقعد كما على لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما من غناء المسدود! ~~فقلنا: هذا موضع سجدة! وجلسنا وصدبقي لا يعرف خلقه في الفساء، وأنا قد أخذت ~~الريح فوقي، فوفى لنا بجميع ما ذكره: وقال لنا وقد غنى وشربنا: نحن بالغداة ~~علماء، وبالعشي في صورة المخنكرين! فلما أخذ النبيذ منه أقبل يفسو، وصديقي ~~يغمرني ويتعجب، فأقول: إن ذلك عادته وخلقه، وإن سبيله لي يحتمل، إلى أن غنى ~~صوتا من الشعر، والصنعة له فيه، وكان يجيده جدا: # إن بالحيرة قسا قد مجن ... فتن الرهبان فيها وافتتن # ترك الإنجيل حبا للصبا ... ورأى الدنيا مجونا فركن # PageV01P039 # فطرب صديقي عليه طربا شديدا، واستحسنه كثيرا، وأراد أن يقول له: أحسنت ~~والله يا ms072 أبا الحسن، فقال له لما في نفسه تردد من أمر الفساء: افس علي يا ~~أبا الحسن كيف شئت! فخجل جحظة، وخجل الفتى وانصرفنا! ### | 159 - # وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحق ابن البهلوي التنوخي قال: ~~حدثني أبي قال: حضرت أسد بن جهور، وكان شديد النسيان، عند عبيد الله بن ~~سليمان الوزير وهو يخاطبه في أمر من الأمور فيقول له أسد: السمع والطاعة ~~لأمر القاضي أغزه الله، وقد أنسي أنه الوزير؛ وكان إلى جنب أبي العباس بن ~~الفرات، فغمزه أبو العباس وقال له: قل الوزير أعزه الله! فقال لأبن الفرات: ~~نعم أعز الله القاضي! فضحك ابن الفرات وقال: لست القاضي، فارجع إلى صاحبك ~~فقضه!. ### | 160 - # قال: وكنت يوما عند أسد بن جهور وهو يكتب، فجفت دواته، فقال: يا غلام كوز ~~ماء للدواة، فجاء الغلام بكوز ماء، فأخذه وشربه، ومضى الغلام بالكوز، وأخذ ~~يكتب فلم تنكتب له، فقال: ويلك هات الماء للدواة، فجاء بشربة ثانية، فأخذها ~~وشربها، ولم يطرح في الدواة منها، ثم كتب فلم تنكتب له، فقال: ويلك كم أطلب ~~للدواة ماء ولا تحضره،! فجاءه الغلام بشربة ثالثة، فأخذ يشربها، فقال له: ~~يا سيدي اطرح منها أولا في الدواة، ثم اشرب الباقي! فقال: نعم نعم! وطرح في ~~الدواة وكتب. ### | 161 - # وحدث أبو محمد السليماني الهاشمي المعروف بعباد رحله، وقد جرى ذكر ~~البربهاري بحضرته، فقال: رأى عينا هائجة فقال: لو استعمل لها الخضرط عوفيت! ~~فقال له: ليس هو الخضرط، فقال: نعم غلطت، الخضخض! فسكتوا عنه، وإنما أراد ~~الحضض!. ### | 162 - # وطلب المكتفي يوما من أبي عبد الله بن الجصاص عقدا حسنا من فاخر الجوهر ~~ليبتاعه منه، فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟ قال: ثلاثين ألف دينار، قال: ~~لا تصب ما تريد إذا، ولكن عندي عقد فيه ستون حبة، ولا أبيعك إياه بأقل من ~~ستين ألف دينار، فإن بلغت حملته إليك، فقال: افعل، فحمله إليه والعباس بن ~~الحسن الوزير قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال المكتفي أمره وحسنه! قال: ما ~~رأيت ms073 قط مثل هذا! فقال له ابن الجصاص: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا ~~مشكاحل! فتنكر المكتفي وتنمر، وأومأ إلى ابن الجصاص العباس بالإمساك ~~والانصراف، ففعل. وقال المكتفي للعباس: بالله وبحقي عليك هذه الكنية تلقبني ~~بها العامة؟ قال: لا والله يا مولاي، ولكن هذا الرجل رقيع عامي جاهل، ~~والعامة إذا افتخرت على إنسان قالت له: يا أبا مشكاحل! وقد ربحت يا أمير ~~المؤمنين بهذه الكلمة العقد بلا ثمن فدعني وابن الجصاص، فتنمر له وأحله ~~علي؛ فلما كان بعد أيام جاء ابن الجصاص فأذكر المكتفي بثمن العقد، فازور ~~عنه وقال له: الق العباس؛ فجاء إليه يطالبه بالمال، فقال له: ويحك تطالب ~~بثمن العقد للخليفة بعد أن لقيته بما لقيته وخاطبته في معناه بما خاطبته، ~~واجترأت عليه وأخطأت بين يديه بما لا يجوز أن يتفوه به!! ولولا أنه ينسبك ~~إلى العامية والبحارة والجهل والحمق لضرب رقبتك! أمسك عنه ولا تتكلم في ~~معناه بحرف؛ فأمسك، وذهب العقد بتلك الكلمة!. ### | 163 - # وورث بعض المتخلفين المخلقين مالا جليلا فقامر به وعمل كل ما اشتهى، وضجر ~~من المال فقال لجلسائه وندمائه: افتحوا لي باب صناعة أتلف فيها بقية هذا ~~المال، لاتعود علي بشيء منها! فقال أحدهم: تشتري التمر من الموصل فتبيعه ~~بالبصرة! فقال: أليس يعود من ثمنه شيء وإن كان قليلا! وقال آخر: تبتاع ~~الإبر التي كل ثلاث وأربع بدرهم، وتجمع منها ألوفا كثيرة وتسبكها سبيكة ~~لاتساوي خمسة دراهم! قال: وذا أيضا يعود منه خمسة دراهم، وما قصدي إلا ما ~~لا يعود منه درهم واحد! فقال آخر: ابتع ثيابا واخرج إلى الأعراب فبعها ~~عليهم وخذ سفاتج منهم إلى الأكراد، وافعل مثل ذلك مع الأكراد، فما يرجع ~~إليك شيء! فقال: ذلك، وفعله في بقية ما بقي معه. # PageV01P040 ### | 164 - # وبلغني عن آخر أنه أسرع في إتلاف ماله حتى بقيت منه خمسة آلاف دينار، ~~فالتمس مثل ما ألتمس الأول، وأشير عليه بأشياء لم توافقه، فقيل له: ابتع ~~بالمال إلا خمسمائة دينار مخروطا وبلورا، واجعله في بيت مصففا مصنفا ms074 واشرب ~~عليه يومك، وأنفق الخمسمائة دينار في الجذور وما تحتاج إليه ذلك اليوم، ~~فإذا فرغت فخل فيه فأرا وسنانير، فإن تلك تهرب وهذه تطلب، فيتكسر الجميع ~~فلا يرجع منه شيء! فاستطاب ذلك وفعل، وكان يفرح بتكسير ذلك ويضحك، وقام ~~جلساؤه فجمعوا الزجاج ووجدوا فيه صحيحا ومصدعا، وباعوه واقتسموا بدارهم ~~صالحة من ثمنه، وتفرقوا عنه، ولا حديث لهم غير حديثه، فلما كان بعد سنة قال ~~صاحب المشورة بالزجاج والفأر والسنانير: أمضي إلى ذلك المدبر .. فمضى فوجده ~~قد باع قماش بيته وآلاته وأنفقه في قوته، ثم نقض داره وباع آلتها، ولم يبق ~~غير دهليزها، وهو فيه نائم، تحته قطن وفوقه قطن من البرد وعدم الملبوس، ~~فقلت له: يا مشؤوم ما هذا؟ قال: ما تراه! فقلت: بقيت في نفسك حسرة؟ قال: ~~نعم، أشتهي أن أرى فلانة، المغنية التي كان يعشقها وأتلف المال عليها، وبكى ~~بكاء شديدا، فرققت له، وأعطيته دست ثياب، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنية، ~~فقدرت أن حاله قد أثابت، فأدخلتنا إليها وأكرمته، وبشت به، وسألته عن خبره، ~~فصدقها عن الصورة، فقالت في الحال: قم لا تجيء ستي فتراك وليس معك شيء ~~فتحرد علي لم أدخلتك الدار، فاخرج إلى الشارع حتى أصعد أكلمك من الروزنة! ~~فخرج وجلس ينتظرها، فقلبت عليه مرقة السكباج فصيرته آية ونكالا، وضحكت فبكى ~~بكاء شديدا، وقال: يا فلان بلغ أمري إلى هذا، أشهد الله تعالى وأشهدك أني ~~تائب من كل ما يكرهه الله تعالى، فأخذت أطنز به وأقول: أي شيء تنفعك التوبة ~~الآن!! فرجعنا إلى بيته، وأخذت الثياب عنه، وتركته بين القطن وانصرفت ولم ~~أرجع إليه نحو ثلاث سنين؛ فأنا ذات يوم في باب الطاق، وإذا بغلام يطرق لرجل ~~راكب، فرفعت رأسي وإذا به على برذون فاره بمركب مليح فضة محرقة، وعليه ثياب ~~فاخرة، وكان من أولاد الكتاب وممن يركب الخيول الحسان الفرهة بالآلات ~~الحسنة، ويلبس من الثياب الثمينة، فحين رآني قال: فلان؟ فعلت أن حاله قد ~~صلحت، فقبلت فخذه وقلت: سيدي أبو فلان؟ قال: نعم، قلت: ما ms075 هذا؟ فقال: قد ~~صنع الله تعالى فله الحمد، البيت البيت، فتبعته حتى انتهى إلى بابه، ونزل ~~ودخل ودخلت معه، فإذا بالدار الأولية قد رتبها وجعلها صحنا فيه بستان، ~~وجصصها وطبقها، وعمل فيها مجلسا حسنا عامرا، وجعل باقي الدار صحنا كبيرا، ~~وقد صارت منزلا جيدا ليس على ما كانت عليه أولا، وأدخلني إلى حجرة كانت له ~~قديما يخلو فيها، وقد أعادها أحسن مما كانت عليه، وقد فرش فيها فرشا حسنا، ~~وفي داره أربعة غلمان وخادم وبواب وشاكري هو سائس دابته، وجلس فجاءوه بآلة ~~حسنة مقتصدة نظيفة، وفاكهة متوسطة، وطعام نظيف كاف على قدر ما نحتاج إليه، ~~فقدم وأكلنا، وجيء بنبيذ تمري حسن فجعلوه بين يدي، وبمطبوخ بين يديه، ومدت ~~ستارة، وبخر موضع بعود مطرى، هذا كله وأنا متشوف إلى علم السبب في ذاك، ~~وشربنا وغنت جارية من وراء الستارة غناء طيبا، فلما طابت نفسه قال: يا فلان ~~تذكر أيامنا الأولية؟ قلت: نعم، قال: أنا الآن في نعمة متوسطة، وما قد ~~رزقته من العقل والعلم بالزمان والإخوان أحب إلي من تلك النعمة، هو ذا ترى ~~فرشي؟ قلت: نعم! قال لي: إن لم يكن ذلك الكثير فهو الذي يحتاج إليه، قلت: ~~أجل، قال: وكذلك داري وآلتي وثيابي ومركوبي وطعامي وشرابي .. وأخذ يعدد ~~ويقول: إن لم يكن ذاك المفرط ففيه جمال وبلاغ وكفاية، وقد تخلصت من تلك ~~الشدة الشديدة! أتذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني، وما ~~عاملتني أنت أيضا من أخذك الثياب عني وتعريتي؟ فقلت: هذا قد مضى والحمد لله ~~الذي أخلف عليك وخلصك مما كنت فيه، فعرفني من أين تجددت لك هذه النعمة، ومن ~~هذه الجارية التي تغنينا؟ فقال: أما الجارية فاشتريتها بألف دينار وربحت ~~تخريق الثياب والجذور والهدايا والألطاف وتلك الحماقات، وأما النعمة فإنه ~~كان لأبي خادم بمصر وابن عم، وماتا في يوم واحد، وخلفا ثلاثين ألف دينار، ~~فحملت إلي وأنا بين القطنين كما رأيت، فحمدت الله تعالى على ذلك، واعتقدت ~~أني لا أبذر، وأنا أدبر أمري وأعيش عيشا وسطا ms076 صالحا طيبا، فعمرت الدار، ~~واشتريت جميع ما فيها بخمسة # PageV01P041 # آلاف دينار مع ثمن الجارية، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار، وابتعت ~~ضياعا ومستغلا بعشرين ألف دينار تغل لي كل سنة مقدار نفقتي التي تراها، ~~وأمري يمشي على هذا! وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنني أحببت ~~أن ترى رجوع حالي ونعمتي ثم لا أعاشرك يا ماص بظر أمه أبدا!! يا غلمان ~~برجله! فجروا والله برجلي وأخرجوني مسحوبا؛ فكنت بعد ذلك أراه راكبا فيضحك ~~مني، ولم يعاشرني ولا لتلك الطبقة جميعها!. ### | 165 - # وحدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن العباس قال: كان أبو عصمة العكبري ~~الخطيب غالبا على أبي القاسم بن الحواري، ومنزله في الطيبة مشهور، قال: ~~حدثني أن أبا عمر القاضي خطب لابن رائق الكبير على ابنة قيصر الكبير بحضرة ~~المقتدر فأطال وأبلغ، وكان يوما حارا؛ فلما انقضت الخطبة قيل له: اخطب على ~~الابنة الأخرى للأخ الآخر؛ فكره الإطالة لئلا يضجر الخليفة، وأراد التقرب ~~إليه، فحمد الله تعالى وقرأ آية من القرآن وعقد النكاح، فنهض المقتدر ~~مبادرا لشدة الحر، ووقع ذلك التخفف عنده ألطف موقع لأبي عمر. قال: وعاد ابن ~~الحوري إلى داره، وجئت وجلست معه أحادثه وأتطايب له على عادتي وأغمزه، ~~فقال: جرى اليوم لأبي عمر كل جميل، ووصفه الخليفة وقرضه واستحسن إطالته في ~~الخطبة الأولى وإيجازه في الثانية، وقال: مثل هذا الرجل وفيه هذا الفضل لم ~~لا نزيده في الإحسان إليه؟ فقررت معه أن نزيده في أرزاقه وأعماله كذا وكذا، ~~وأمرني بتنجز ذلك له من الوزير! قال: وكان ابن الحواري صديقا لأبي عمر، ~~فلما سمعت ذلك دعتني نفسي إلى أن أسبق بالخبر إلى القاضي، لأستحق البشارة ~~منه وأتقرب إليه، فطال علي الوقت حتى نام أبو القاسم، وقمت وركبت وجئت إلى ~~أبي عمر، فأنكر مجيئي ذلك الوقت، وعلم أنه لمهم، فأوصلني وجلست وهنأته ~~وحدثته بالحديث، فقال أبو عمر: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأحسن جزاء ~~أبي القاسم، ولا عدمتك! فاستقلت شكره، وولد لي ذلك فكرا ms077 مغما بأن لي في ~~وجهه من التعجب مني، فلما خرجت ندمت ندما شديدا وقلت: سر للسلطان أفشاه إلى ~~رجل عنده في منزلة الوزراء، فباح به ذلك الرجل إلي وحدي، لأنسه بي، لا يسره ~~إشفاؤه، ولعله هو أراد أن يعيد على القاضي، فبادرت أنا بإخراجه إليه، "إنا ~~الله وإنا إليه راجعون" وإن راح أبو عمر يشكره على ذلك ويذكره به علم أن ~~ذلك من فعلي، وبأي صورة يتصورني؟ أليس يراني بصورة مخرج سر، وإخراج السر في ~~الخير والشر والفرح والغم والجيد والرديء واحد، وربما أداه ذلك إلى ~~استثقالي واطراحي وتجنبي واحتشامي وقطع معيشتي وحجابي، وإذا فعل ذلك من ~~يرغب في، ومن يستخدمني بعده ويدخلني داره وقد علم أني طردت لإفشاء سر لا ~~يعلم ما هو!! ما لي إلا أن أرجع فأتدارك غلطي وزلتي وجهلي وغفلتي وحمقي ~~وهفوتي، وأسأل القاضي ألا يظهر أنه علم بذلك، قال: فرجعت إليه، فحين وقع ~~ناظره علي قال: يا أبا عصمة ولا حرف!! فعلمت أنه علم بما جئت له، وحسب لي ~~ما حسبته لنفسي، وعرف من جهلي وغلطي ما عرفته أنا من زللي وخطلي، فشكرته ~~وعجبت من صحة حدسه وزيادة عقله، وانصرفت. ### | 166 - # وحدث أبو الطيب بن هرثمة أنه سمع الباغندي الأب المحدث يقول لجارية كانت ~~تخدمه، وقد حرد عليها: قد ذهب زمانك الذي كنت تخضبين فيه خديك بالكتلتين، ~~أراد: الكلكون!. # وسمعه أيضا قال في حديث حدث به قوله: "وفاكهة وأبا" فقال: وفاكهة وأتا! ### | 167 - # وحكى السلامي الشاعر قال: دخلت على عضد الدولة فمدحته فأجزل عطيتي من ~~الثياب والدنانير، وبين يديه جام خسرواني فرآني ألحظه، فرمى به غلي وقال ~~خذه، فقلت: # وكل خير عندنا من عنده # فقال عضد الدولة: ذاك أبوك! فبقيت متحيرا لا أدري ما أراد، فجئت أستاذا ~~لي فشرحت له الحال، فقال: ويحك قد أخطأت خطيئة عظيمة، لأن هذه الكلمة لأبي ~~نواس يصف كلبا حيث يقول: # أنعت كلبا أهله من كده ... قد سعدت جدودهم بجده # وكل خير عندهم من عنده # قال: فعدت متشحا بكساء، ووقفت ms078 بين يدي الملك أرعد، فقال: مالك؟ قلت: حممت ~~الساعة! فقال: هل تعرف سبب حماك؟ فقلت: كنت أنظر في شعر أبي نواس فحممت! ~~فقال: لا تخف فلا بأس عليك من من هذه الحمى! فسجدت له وانصرفت. # PageV01P042 ### | 168 - # وكان شرف الملك بن الهمام قد اختص نديما ذكيا فاضلا، وكان أحد أصحابه ~~منهوما بالباه، فاتباع فاتباع يوما شحم السقنقور، وعرف شرف الملك ذلك فقال ~~لنديمه: فلان بلا سقنقور كما تعلم، فإذا تناول السقنقور هات رجلك! فقال ~~النديم: بل هات نساءك! ثم أفاق لغلطة فأظلمت عليه الدنيا، فوانسه شرف ~~الملك، ولم يظهر له قبحا ولا تنكرا. ### | 169 - # ونقل عن المدائني أنه قال: تمثل خالد بن طليق قاضي البصرة في مجلس ~~المهدي: # إذا القرشي لم يضرب بعرق ... خزاعي فليس من الصميم # قال: فغضب المهدي حتى ظنوا أنه قاتله، فقال خالد بن طليق: # إذا كنت في دار فحاولت رحلة ... فدعها، وفيها إن أردت معاد # قال: فسكن غضبه. ### | 170 - # عن الهيثم بن عمرو بن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن دغفل البكري قال: حمى ~~النعمان بن المنذر ظهر الكوفة، فكان يقال له خد العذراء، ينبت الشيح ~~والقيصوم وشقائق النعمان! قال: فخرج النعمان يسير في ذلك الظهر فإذا هو ~~بشيخ بخصف نعلا، فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرعاء فأخذوا ~~يمينا وشمالا فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولدت ~~الغنم ونتطلب السمن! والنعمان متلثم لا يعرفه الرجل .. قال: أو ما تخاف من ~~النعمان.؟ قال: وما أخاف منه؟ والله لربما لمسته بيدي هذه بين عانة أمه ~~وسرتها كأنه أرنب جاثم! فحسر عن وجهه فإذا خرزات ملكه، وقد هاج وجهه غضبا، ~~فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن، لا ترى أنك قد ظفرت بشيء! لقد علمت العرب ~~أنه ليس فيما بين لا بتيها شيخ واحد هو أكذب مني! فضحك النعمان من قوله، ثم ~~مضى ولم ينله بمكروه. ### | 171 - # وحدثني أبو الفوارس أحمد بن كتيلة العلوي الحسيني قال: مرض ابن عم لي علي ~~بن ناصر ms079 بن زيد بن كتيلة، فجئت أعوده، فلقيت ولده، فسألته الوصول فقال: إنه ~~قد أغمي عليه، وقعدنا جميعا على دكة في دهليز داره، فأنشدت على سهو مني: # إنا إلى الله راجعونا ... كان الذي خفت أن يكونا # أضحى المرجى أبو علي ... موسدا في الثرى دفينا # لما انتهى واستوى شبابا ... وحقق الرأي والظنونا # دافعت إلا المنون عنه ... والمرء لا يدفع المنونا # ثم استرجعت فرأيت أنني قد غلطت في إنشادي الأبيات، فقلت لابنه معتذرا ~~إليه: والله ما أنشدت الأبيات إلا على سهو مني! فقال لي: هو أوكد! وخرجت من ~~عنده ووصلت داري، ولم ألبث حتى سمعت ناعيه، ثم خرجت مع ولده وجماعة من ~~الناس خلف جنازته، فقال لي ولده: والله إنني منذ أنشدت الأبيات أيست منه! ### | 172 - # وحدث علوية المغني قال: كنت مقتولا لولا كرم المأمون لا محالة، فإنه ~~دعاني آخر جلسة جلسها وهو بدمشق، وقد عزم على الخروج إلى البذندون، ودعا ~~مخارقا فقال: غنياتي، فسبقني مخارق وغنى: # لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس # فقلت للركب إذ جد المسير بنا ... يا بعد يبرين من باب الفراديس # قال: وجننت فغنيت بشعر فيه: # الحين ساق إلى دمشق وما ... كانت دمشق لأهلنا بلدا # فضرب المأمون بقدح في يده الأرض، وقال يا غلام أعط مخارقا ثلاثة آلاف ~~درهم، وأخذ بيدي، فقمت، ودمعت عين المأمون وقال للمعتصم: ما أظنني يا أبا ~~إسحق أرى العراق أبدا: # PageV01P043 ### | 173 - # قال مؤلفه: كان عندي أبو طاهر بن أبي قيراط العلوي، وقد رتبته في خزن ~~الكتب بدار العلم من شارع ابن أبي عوف في غربي مدينة السلام التي وقفتها في ~~سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، فبينما نحن نتحدث إذ استؤذن لإنسان ديلمي ~~أقعدته في الدار هو وزوجته لحفظها وخدمة من يدخل إليها، فقال ابن أبي ~~قيراط: فاتشوه عما عنده مني لننظر ما يعتقده في؛ وكنت أمزح معهما دائما على ~~العبث بينهما، وأشطر كلا منهما عن صاحبه، فأضحك مما يورده هذا الديلمي في ~~العلوي؛ واستتر العلوي وراء إنسان كان حاضرا، فلما جلس الديلمي وفرغ ms080 من ~~سلامه قلت له: كان العلوي البارحة هاهنا فهل استوحشت له أم لا؟ فقال: لعن ~~الله ذاك، فإنه كافر وزنديق، ساقط شحيح، يشتري شيئا بنصف حبة يأكله يوما ~~ويومين، فإن كان مالحا وبقي ذلك الجلد الذي لا ينقطع ولا يؤكل، أو باذنجانة ~~مرة، أو قليل لبن حامض، صاح بالمرأة وأعطاها الذي لا يصلح للسنانير فضلا عن ~~الناس، ويناظر ظاهرا في إبطال الشريعة وتكذيب الأنبياء، ويظهر الكفر ~~والإلحاد، وبالله يا سيدي إني أكره أن يكون مثله نائبا عنك في ذلك الموضع ~~وعلى تلك الدار والكتب!! وضحكنا، وزاد فيما يورده، وأفحش فيما يذكره. وأخرق ~~العلوي ما سمعه، فخرج من وراء ذلك الإنسان، لضحك الرجل ووقوعه على وجهه، ~~فلما رآه الديلمي بقي حائرا وقال: يا شريف كذبت فيما قلته، والتفت إلي ~~وقال: يا سيدنا رجل حر فيه خير والله، ما يقصر معنا، يعطينا البزر والشيرج ~~ومن جميع ما يشتريه قبل أن يأكله، ونحن له شاكرون داعون! وامتقع لونه، ~~وتلعثم لسانه، وتعثر كلامه، فلحقنا من النوبة الأخرى ما زاد ضحكنا له ~~وأسرف، فأما أنا فغلب علي الأمر حتى قمت من المكان وغبت عنهم ساعة من ~~الزمان ورجعت والديلمي قد انصرف، وبقي العلوي يلوم نفسه، ويقول: شرعت في أن ~~سمعت سبي والاستخفاف بي في وجهي!. # PageV01P044 ### | 174 - # وحكي أن الرشيد والفضل بن الربيع خرجا في يوم صائف لتنسم الأخبار ومشاهدة ~~الناس على عادة كانت للرشيد في ذاك، فبلغا في الظهيرة إلى باب كبير، وفي ~~دهليزه حباب وجرار لطاف والرحبة التي فيها آلباب مرشوشة مكنوسة، وفيها دكة ~~عليها بارية جديدة، والهواء في الموضع رقيق كثير، فجلسا، وسمعا من الدار ~~صوت غناء، فدخلا الدهليز وتطلعا إلى الدار، فرأيا غلاما شابا وبين يديه ~~مجلس ظريف وعتيدة يخرج منها منها ثياب النساء، فيقلبها ويبكي ويقبلها، ~~ويغني بالعود أطيب غناء وأحرقه، فطرقا الباب، فخرج إليهما، فلما رآهما قال: ~~مرحبا بكما، ألكما رأي في الدخول والقيلولة عند عبدكما؟ فقالا: نعم، فدخلا ~~وغلق الغلام الباب، وقدم لهما طستا وإبريقا ومنديلا دبيقيا، وأقلب عليهما ms081 ~~حتى توضأا وصليا، وقدم لهما ما أكلاه، وأخذا في الشرب معه، فقالا له: ~~رأيناك تخرج من هذه العتيدة ثياب امرأة فتقبلها وتبكي وتغني عليها وكان سبق ~~إلى وهم الرشيد أنه كان يحب امرأة فقتلها وجعل ثيابها عنده، يذكرها بها، ~~ويبكي عليها، وهو مجتهد في أن يعلم صحة ذاك وتحقيقه ليقيده بها، ويحقق ~~الأمر عنده كون الرجل وحده وخلو الدار من غلام وجارية أو صاحب أو أنيس! ~~فقال لهما: لا تسألاني ودعاني! فمازحاه ولاطفاه وألحا عليه إلى أن قال: ~~اسمعا خبرني فإنه عجيب، وأمري فإنه غريب، كان والدي وهب لي وأنا صغير جارية ~~في سني وقريبة مني، وتربت معي ودخلت الكتاب لدخولي، فتعلمت الكتابة ~~والقراءة أجود مني، وعلمت الغناء فتعلمت معها، وتحاببنا حبا شديدا، ومات ~~والدي أعظم ما كنت بها وجدا، فرفع خبرنا إلى الفضل ابن الربيع لعنه الله ~~فرفعه إلى الرشيد كافأه الله فلم أشعر إلا بالجارية قد أخذت مني، وحملت إلى ~~دار الخلافة خبرها الله، فاستغثت وقلت: لأي حال تؤخذ مملكتي؟ فاستخف الفضل ~~بي قصم الله أجله وتبر عمره وقال: هذه جارية أبيك، ولا يجوز أن تكون بعده ~~معك، والظاهر من أمرها أنها تجري مجرى الوالدة لك، فأحضر النخاسين وانظر ~~قيمتها ليسلم إليك، فحلفت على أن أبي وهبها لي منذ كنا طفلين، فلم يلتفت ~~علي، وأمرني فانصرفت، ولم تطب نفسي بقبض ثمنها، وغصبت عليها! هذه صفتي ~~وحالي! فسري عن الرشيد، وقال له: ما اسمها؟ فقال: عتب، فقال له: أعلم أننا ~~من قوم سحرة، كهنة مخدومون، ونحن نجمع الليلة بينك وبينها، ونذلل لك الجن ~~حتى يحملوك إليها ويعيدوك وقد نعمت عينا بالاجتماع معها طول ليلتك! فقال: ~~أنتما رائدا الخير، وأرجو أن يصح لي منكما هذا الخبر! فسار الرشيد الفضل ~~وقال له: تقدم إلى الفراش الخاص بأن يحضر منام الناس، ويجلس على الباب، ~~ومعه خمسة من الفراشين الأجلاد ومعهم كساء كبير وثيق، وأحضر أنت معك بنجا ~~جيدا وشيئا من البراكير الحديد وما نوهمه به أننا نضرب له مندلا ونحضر ~~الجن، وتقدم ms082 إلى عتب بأن تزين دارها، وتتخذ طعاما وشرابا وتعما مجلسا جميلا ~~وتعليق الدار بأصناف الثياب المنقوشة، وتستكثر من الشمع، فإنني أريد الليلة ~~الشرب عندها! فقال: السمع والطاعة؛ وقال له ظاهرا: قم وأحضر أداتنا، فنريد ~~أن نتعصب مع صديقنا الليلة! فقال: حبا وكرامة؛ وانصرف وعاد آخر النهار ومعه ~~برخاشات توهم أنها آلة، فلما أعتم الليل ضربا مندلا وتكلما عليه، ثم أقعداه ~~في وسطه وسقياه قدحا فيه البنج، فوقع لا يعقل أمره، ودخل الفراشون فحملوه ~~في الكساء، وأقعدوا واحدا منهم في الدار، وانصرفوا به إلى دار عتب فطرحاه ~~فيها؛ وقال الرشيد لعتب: هذا مولاك؟ قالت: نعم، قال لها: قد رجعت إلى رقه ~~على شرط وهو أنك لا تعلمينه بما فعلنا به، وكوني معه كأنكما لم تتفارقا، ~~ليتصور أنه يراك ويرى ما هو فيه في النوم، فإن أطلعته على أننا جئنا به ~~إليك أخذنا رأسك! فقالت: الله الله يا مولانا! وأعطاها دواء يخلص من البنج، ~~فسقته إياه، وطرحت عليه الماء البارد، فاستيقظ ورأى تلك الشموع والدار ~~والمجلس والجارية، ففرح وقال لها: يا عتب، قالت: لبيك يا سيدي، وجلست تغني ~~له وتشرب معه، وهو يقبلها ويفرح بها، ويتعجب مما هو فيه، ويقول لها: أليس ~~أخذت مني؟ أليس فعل بي الفضل بن الربيع لعنه الله كذا وكذا؟ وأخذك الرشيد ~~مني فعل الله به وصنع! وجاءني البارحة ساحران فضربا لي مندلا وجمعا بيني ~~وبينك، فاحذري لا يشعر بنا الرشيد فنهلك! فقالت: الله تعالى يكفي! وبقي ~~يحدثها فيما نحن فيه، فلما صار آخر # PageV01P045 # الليل وإذا بالرشيد قد جاء، فقالت له: ويلك قد جاء الخليفة إلى عندي، ~~فبكى وفزع وجزع، وهجم الرشيد عليه فقال: من عندك يا عتب؟ قالت: هذا مولاي ~~جاء به الجن الليلة إلى عندي! فقال له: ويلك الجن يحملون الناس إلى دور ~~الناس! هاتوا سيفا ونطعا، فأحضرا وقال: اصدقني، من أوصلك إلى هاهنا، وإلا ~~تقدمت بضرب عنقك! فأخذ يقص عليه حديث الساحرين، وهو يكذبه ويتهدده، إلى أن ~~نشفت لهواته، فقال اسقوني ماء، فأمر عتبا أن ms083 تطرح له في الماء بنجا، ففعلت، ~~فلما شربه وقع نائما، وتقدم بحمله إلى بيته، وأن ينزل في المنزل الذي أخذ ~~منه، وترد أبوابه عليه، ويقعد فراش في الشارع يحفظ الباب عليه، إلى أن ~~يجيئاه، وجرى الأمر على ذاك، وجاءه الرشيد والفضل وسقياه من الدواء المخلص ~~من البنج، فانتبه فزعا مروعا، فقالا له: ما عمل أصحابنا الجن معك؟ فأخذ ~~يتذكر ويشرح لهما ما رآه في نومه، وما لحقه وجرى عليه، حتى قال: وشربت ماء ~~فانتبهت وتخلصت من عظم ما تورطته وحصلت فيه! فقالا: إلا أنك رأيتها وفرحت ~~بها، وتفرجت معها؟ قال: إي والله، ورجعت روحي إلي، وطابت نفسي، وليت كان لي ~~مثل ذلك كل ليلة، ودع أقتل على التحقيق لا التفزيع! فقالا له: هذا لك ~~عندنا، ما دمنا نعاشرك؛ فقبل رأسيهما وشكرهما، وأحضرهما ما طعماه معه، ~~وأخذوا في الشرب، وأخذ يغني ويبكي أكثر من أمسه، وقال: قد تجدد علي من ~~رؤيتها البارحة ما قد جدد أحزاني وأطار عقلي! وجرى أمره في الليلة الثانية ~~على ما جرى في الأولية، وفي الثالثة على مثل ذلك، إلا أنه كان يتخلص في ~~الليلتين من الخليفة والقتل بشرب الماء، فكان في الليلة الثالثة يلتمس ~~الماء فيسقاه، ولا يطرح فيه بنج فلا ينام، ويعاود طلب الماء فيسقاه دفعات ~~ولا ينام، ولا ينتبه على حسابه وظنه، فلما مات في جلده، كما يقال، تقدم ~~الرشيد إليه بأن يأخذ بيد الجارية وجميع ما في دارها وينصرف به وبها إلى ~~بيته، ففعل ذلك وأصبح في داره مالكا جاريته، وعرف حقيقة الحال فجزع وخضع ~~مما كان يجري منه على الخليفة والفضل، وأمره الفضل بن الربيع بأن يتردد إلى ~~الدار، فصار يتردد وهو خجل حي، وأطلق له من المال وأجري عليه من الجراية ما ~~يقوم بحاله، وأنفق له من المال إنفاق لم يكن في حسابه. ### | 175 - # وخاطب الوزير أبو القاسم بن المغربي بعض العمال واحتد عليه، وقال: ~~لأتقدمن بصفعك! فقال: بل نترك العمالة ولا تصفعنا ولا نصفعك! فأطرق ~~المغربي، وترك الكلام، وعرف الرجل ms084 غلطته، فبقي ميتا، ثم خرج متحاملا. ### | 176 - # وحدثني محمد المعروف بابن الدوري قال: حدثني أبو المعالي ابن الطوابيقي ~~البزاز قال: كنت سائرا في اليمن إلى مكة، ومعي تجارة على جمل، وزاد وماء ~~على جمل، وأنا ورفيق لي على جمل موطأ لنا عليه، ونحن نتحدث، ويقارضني، ~~ونتقارض ونتفرج، فحضر في نفسي قول الله تعالى:"وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفاس" وقلت: ما نبلغ مقصدنا إلا ونحن على الرفاهة ~~وفي اللذة والفرجة، فما مر هذا الخاطر على قلبي حتى وقع الجمل الذي عليه ~~الزاد والماء، فمات، فنزلنا إليه فأخذنا الزاد عنه، ولم يكن معنا في الرفقة ~~جمل فارغ نكتريه، فاحتجنا أن نقلنا الزاد على الجمل الذي كنا عليه، ومشينا ~~وراءه يومين وليلتين إلى مكة، فدخلناها ورجلاي قد انتفختا وتنضختا دما، وقد ~~لقيت تعبا ونصبا وشقاء لم أظن أنني أسلم معه، وبقيت بمكة مدة أداوي ما ~~لحقني وأصابني، وتحققت أن ذلك جواب ما خطر لي واعترضني، وعجبت من ذلك، وكثر ~~فيه فكري!. # PageV01P046 ### | 177 - # وفي كتاب الأوراق المصولي قال: كان المأمون نازلا على البذندون، نهر من ~~أنهر الروم عند طرسوس، فجلس يوما وأخوه المعتصم عليه، وجعلا أرجلهما فيه ~~استبرادا له، وكان أبرد ماء وأرقه وألذه، والزمان صائفا، فقال المأمون ~~لأخيه المعتصم: أحببت الساعة من أزاذ العراق أكلة، وأشرب من هذا الماء ~~عليه! وسمع صوت أجراس البريد، فقال: هذا بريد أين؟ فقيل: بريد العراق، ~~وأحضر طبقا فضة فيه رطب أزاذ، فعجب من تمنيه وما اتفق له فيه، فأكلا وشربا ~~من الماء، ونهضا، فودع المأمون وقال ثم انتبه محموما، وفصد، وظهرت في رقبته ~~نفخة كانت تعتاده ويراعيها الطبيب إلى أن تنضج ويفتحها فتبرأ، فقال المعتصم ~~للطبيب وأظنه ابن ماسويه ما أظرف ما نحن فيه! تكون الطبيب المتفرد المتوحد ~~في صناعتك وخدمة أمير المؤمنين وتعتاده مثل هذه النفخة فلا تزيلها عنه ~~فتتلطف في حسم مادتها حتى لا ترجع إليه!! والله لئن عادت هذه العلة لأضربن ~~رقبتك! فانصرف ابن ماسويه مستطرفا لقول المعتصم، وحدث بذاك ms085 بعض من يثق به ~~ويأنس إليه، فقال له: تدري ما قصد المعتصم؟ فقال: لا، قال: قد أمرك بقتله ~~حتى لا تعود النفخة إليه، وإلا فهو يعلم أن الطبيب لا يقدر على منع الأمراض ~~عن الأجسام، وإنما قال: لا تدعه يعيش فيعود المرض إليه! وتعالل ابن ماسويه، ~~وأمر تلميذا له بمشاهدة النفخة والتردد إلى المأمون نيابة عنه، والتلميذ ~~يجيئه في كل يوم، فيعرفه حال المأمون وما تجدد له وبه، فأمره بفتح النفخة، ~~فقال له: أعيذك بالله، ما احمرت ولا كملت ولا بلغت إلى حد الجرح، فقال له: ~~امض وافتحها كما أقول لك ولا تراجعني! فأطاعه وفتحها، فمات المأمون منها. ### | 178 - # وحدث الرئيس أبو الحسين والدي قال: رأى الحسن بن رجاء بن الضحاك، وهو ~~يتقلد فارس، وقد صفا له أمرها، كأن آتيا أتاه وصاح به بباب البيت الذي كان ~~نائما فيه:"حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة" فانتبه مرعوبا، ومات من ~~غده!. ### | 179 - # وقال: رأى الأفشين في منامه قبل سخط المعتصم عليه رؤيا أفزعته، فأرسل ~~ليلا إلى مفسر كان قريبا منه فأحضره، وقال له: قد هالني أمر رؤيا رأيتها! ~~قال: خير أيها الأمير اقصصها علي عند طلوع الشمس، فقال لخازنه: يكون عندك! ~~فلما أصبح دعاه وقال له: رأيت البارحة كأن الشمس والقمر دخلا علي وأنا جالس ~~في بهو، فقعد أحدهما على كتفي الأيمن، والآخر على الأيسر، وانتبهت لجزعي ~~منهما! قال المفسر: فما حضرني ما أقوله في ذاك، فاستعفيته، فقال: قل ما خطر ~~لك وأنت آمن، قلت: اقرأ "لا أقسم بيوم القيامة"، فقرأها، حتى بلغ: "وجمع ~~الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر" فأخذته رعدة وزمع وخرجت من ~~عنده، فما مضت عليه ثالثة حتى قبض عليه. ### | 180 - # وحدثني والدي الرئيس أبو الحسين قال: حدثني أبو الحسن محمد بن محمد ~~الحبشي النحوي وهو من أهل البطيحة قال: أقام أبو محمد بن عمر بن شاهين صاحب ~~البطائح بعد وفاة أبيه، وقبل انحدار أبي القاسم المطهر بن عبد الله وزير ~~عضد الدولة أبي شجاع بن نويه ms086 لحربه، وبعد وقوع الصلح معه، على سيرة جميلة ~~في نظره، ثم حسده أبو الفرج أخوه على موضعه، وكان جاهلا متهورا، فأعمل ~~الحيلة في الفتك به، واتفق أن اعتلت أختهما فقال لأبي محمد: إن أختنا مدنفة ~~مشفية، فلو عدتها لقويت من نفسها؛ ففعل وركب إليها، ورتب أبو الفرج في ~~دارها قوما وأوقفهم على الفتك به، فلما دخل أبو محمد إليها وقف أصحابه عنه ~~لأنها دار حرم، وحمل أبو الفرج سيفه على عادة كانت له في ذلك؛ ومشى من ~~ورائه، حتى إذا تمكن منه وقرب من الموضع الذي رتب القوم فيه جرد سيفه وضربه ~~به، وخرجوا فتمموه له؛ ووقعت الصيحة واختلط الناس، فصعد أبو الفرج إلى سطح ~~الدار، وأطلع على الجند وقال لهم: ما لكم علي إلا أن أطلق لكم الأموال، ~~وأضع فيكم العطاء، وأغمر جماعتكم بالإحسان! وكان الأمر قد فات، فسكتوا ~~وأطاعوه وأمروه، فأعطاهم وفرق فيهم! قال أبو الحسن: وحدثني أبو القاسم هبة ~~الله بن عيسى، وكان يكتب لأبي محمد أيام عمران أبيه، وبعد ذلك له أيام ~~إمارته، قال: لهج أبو محمد آخر عمره بأن يقترح على المغنين: # لم تلبث الحلفاء والجمر ... يا سيدي قد نفد العمر # فكنت أتطير عليه من ذلك، حتى كان من أمره ما كان! # PageV01P047 ### | 181 - # وحدث أبو جابر أحمد بن خلف المعروف بابن القاضي الموصلي قال: كنت أهوى ~~جارية لأبي القاسم المعروف بابن الداية يقال لها شراة، وكانت من المحسنات، ~~فأعطيته بها ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، وكان صوتي عليها: # أبي المدنف الغضبان يا نفس أن يرضى ... وأنت الذي صيرت طاعته فرضا # وجزت به حد الهوى فاجمعي له ... إذا هم بالهجران خدك والأرضا # فرأت قائلا يقول لها في منامها، ليلة من الليالي: لا تغني بهذا الصوت! ~~فانقطعت عن غنائه مدة، ثم عاودت الغناء به، فرأت ثانيا في منامها مثل ما ~~رأته أولا، فأمسكت عنه مدة أخرى؛ واتفق أن حضرت عند مولاها فألححت عليها ~~ولم أزل بها حتى غنته لأنها كانت تجيده، فما استتمته حتى سعلت، وأداها ~~السعال ms087 إلى الخناق، وماتت. ### | 182 - # وكان لموسى الهادي جارية يقال لها ضياء، ويجد بها وجدا شديدا، ففكر يوما ~~فكرا طويلا، ثم عاد بهارون أخيه وقال له: يا أخي إن هذا الأمر صائر إليك، ~~فدع لي ضياء! قال: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويمتعك بها! فقال: دع ~~هذا عنك واحلف لي وعاهدني أنك لا تقربها؛ ففعل، ومات الهادي وكانت ضياء من ~~أكبر هم الرشيد، فدعاها إلى نفسه، فقالت: يا أمير المؤمنين فكيف بالعهود ~~المأخوذة عليك في أمري!! أما كذا فكفارته كذا، وأما الحج فأحج راجلا .. ~~وبلغت من الموقع عنده أن كانت تنام على فخذه فلا يزعجها حتى تنتبه لنفسها، ~~فبينا هي نائمة على ذلك، وهو جالس على عتبة باب إذ انتبهت ووضعت يدها على ~~رأسها، وجعلت تبكي وتصيح، فقال لها الرشيد: مالك؟ فقالت: رأيت الهادي آخذا ~~بعضادتي الباب وهو يقول: # إن الذي غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور # أنت الذي خنت عهدي بعد موثقة ... إن لم تكن كذبت عنك الأخابير. # فضمها الرشيد إلى صدره، وما جاء الليل حتى ماتت. ### | 183 - # وقال خالد بن عبد الله القسري يوما، وقد اجتمع عنده جماعة من سماره ~~وخواصه: حدثوني عن الحب حديثا لا فحش فيه، فقال أبو حمزة اليماني: كان فتى ~~من العرب يسمى مالك بن نصر، له بنت عم يحبها وتحبه، يقال لها الرباب، وكانت ~~جمال وكمال وظرف وعقل، فبينما هو يوما معها إذ بكى، فقالت: ما يبكيك؟ قال: ~~إني نظرت إليك فقلت أموت فتتزوج بعدي، فأسفت بك، ولحقتني حسرة عليك! قالت: ~~فلعلك أن تبقى بعدي؟ قال: إن بقيت بعدك فلك عهد الله أني لا أتزوج ما حييت! ~~قالت: ولك مني مثل ذلك .. وتعاهدا وتواثقا .. ثم إن الفتى خرج مع قتيبة بن ~~مسلم الباهي إلى خرسان، فلم يزل يقاتل بين يديه حتى طعن فسقط عن فرسه فقال ~~وهو يجود بنفسه: # أل ليت شعري غزال تركته ... إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنه # أيلبس أثواب السواد تسليا ... على مالك أم فيه للبعل مطمع # فلو ms088 أنني كنت المؤخر بعده ... لما لبثت نفسي عليه تقطع # قال: ثم مات، فبلغ الرباب ذلك، فكاد الحزن يقتلها، وذابت حتى لم يبق منها ~~إلا خيال، وكانت لا تهدأ من البكاء والشهيق، فتشاور أهلها فيها وقالوا لو ~~زوجت لسلت! فزوجوها على كره منها، فلما كانت الليلة التي أرادت أن تزف فيها ~~إلى زوجها نامت وأمها عند رأسها، فرأت في منامها مالك بن نصر زوجها الأول ~~آخذا بعضادتى الباب وهو يقول: # حييت ساكن هذي الدار كلهم ... إلا الرباب فإني لا أحييها # استبدلت بدلا غيري وقد علمت ... أن القبور تواري من ثوى فيها # فانتبهت مذعورة، وذكرت لأمها ما رأت، فقالت: يا بنية ارقدي فهذا من عمل ~~الشيطان، وتعوذي منه! فوضعت رأسها، وأتى خيال زوجها مالك، فأخذ بعضادتى ~~الباب ثم قال: # قد كنت أحسبها للعهد راعية ... حتى تموت وما جفت مآقيها # أمست عروسا وأمسى مسكني جدثا ... حتى تموت فإني ما ألاقيها # أمسيت في حفرة يبلى الحديد بها ... لا يسمع الصوت نفسا مشطتها # فانتبهت مذعورة، فخرقت ثيابها، وقطعت جلبابها ونقضت مشطتها وعاهدت الله ~~لا يجتمع رأسها مع رأس رجل ما عاشت، فلم تلبث إلا قليلا حتى ماتت. # PageV01P048 ### | 184 - # وحدث محمد بن يزيد بن عبد الحميد الكاتب بالرقة قال: حدثني السندي بن ~~شاهك قال: كنت نائما ذات ليلة في غرفة الشرطة بالجانب الغربي من مدينة ~~السلام، كما جرى به رسم ولاة الشرطة من المبيت في أعمالهم إلا في ليال ~~معلومة، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى بن خالد وهو واقف بإزائي، وعليه ثوب ~~مصبوغ بالعصفر، وهو ينشد: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر # بلى! نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر # فانتبهت فزعا وقصصت الرؤيا على أحد خواصي، فقال: هذه أضغاث أحلام، وليس ~~كل ما رآه الإنسان وجب أن يفسر! وعاودت مضجعي فلم تمتلئ عيني غمضا حتى سمعت ~~صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد، ودق باب الغرفة فأمرت بفتحها، فصعد ~~إلي سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في مهماته، ms089 فانزعجت وأرعدت ~~مفاصلي، فظننت أن الخليفة قد أمره بأمر في، وجلس إلى جانبي وأعطاني كتابا، ~~وقال: اقرأه، ففضضته وإذا فيه: "يا سندي، كتابنا هذا بخطنا، مختوم بالخاتم ~~الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فإذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض ~~إلى دار يحيى بن خالد، للإحاطة عليه، وسلام معك، حتى تقبض عليه وتوقره ~~حديدا وتحمله إلى الحبس في مدينة أمير المؤمنين المنصور، المعروف بحبس ~~الزنادقة، وتتقدم إلى باذام بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ~~ركوبك أنت إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر، والتقدم إليه بأن يفعل مثل ما ~~تقدم به إليك في يحيى، وأن تحمله أيضا إلى حبس الزنادقة، ثم بث، مع فراغك ~~من أمر هذين، أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته". ### | 185 - # ورأى ميمون بن هرون في منامه، وهو بسر من رأى، رجلا واقفا بباب العامة ~~ينشد: # يا طالب الحق أين الحق وا أسفا ... غالته غول أم الإنصاف مدفون # أضحى الخليفة مقتولا تهضمه ... عبيده وهو بالإرغام مقرون # فأصبح وقد قتل المعتز بالله. ### | 186 - # وذكر أبو بكر بن أبي الدنيا فقال: كان بنصيبين رجل يكنى أبا عمرو، وكان ~~يواصل الشرب ولا يفتر عنه، فرأى في منامه قائلا يقول له: # جد بك الأمر أبا عمرو ... وأنت معكوف على الخمر # تشربها صرفا صراحية ... سال بك السيل وما تدري # فلما كان في اليوم الثاني من رؤيته ما رأى مات. ### | 187 - # قال الزيادي: كنت نائما فأتاني آت في منامي وقال: # من للطلاء والمغنا? ... ء ومن لشرب الخسرواني # قد مات شيخ الكافري? ... ن وكان داهية الزمان # فانتبهت بصوت الناعي لإسحاق بن إبراهيم. ### | 188 - # وحدثنا أبو الفضل الربعي عن أبيه قال: كان عبد الله بن قثم بن عبد الله ~~بن العباس أمير مكة في زمن المهدي، وكان متزوجا بلبابة بنت علي بن عبد الله ~~بن العباس، فاتفق أن كان قائلا يوما ورأى رؤيا .. قال ابن صيفي: وأرسل إلي ~~يدعوني فلما جئته قال لي: رأيت يا أبا إسماعيل في قائلتي ms090 ما قد أزعجني، ~~وأراني والله ميتا! قلت: وما ذاك؟ قال: رأيت وجها برز إلي من هذا الجدار ~~وقال منشدا: # بينما الحي وافرون بخير ... حملوا خيرهم على الأعواد # قلت: يبقي الله الأمير، ولعل ذلك من الشيطان! قال: ما كان وجه شيطان! ~~قلت: لعل الميت غيرك! فقال: من هو؟ عساك تعرض بلبابة بنت علي؟ نعم هي والله ~~خير مني وأمجد .. فما مضى على هذا الحديث شهر حتى توفيت لبابة، فأقمنا بعد ~~ذلك بسنة فأرسل إلي في مثل الوقت من اليوم المتقدم فقال: رأيت ذلك الوجه ~~بعينه، خرج إلي في القائلة وأنشد ذلك البيت بعينه، وأنا والله ميت وما ~~بقيت، لبابة أخرى! فقلت: يبقيك الله أيها الأمير! وما مضى شهر حتى مات. # PageV01P049 ### | 189 - # وحدث يوسف المعروف بابن الداية صاحب إبراهيم بن المهدي قال: صار إلى ~~إبراهيم بن المهدي في النصف من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين رجل من ثقاته ~~فأعلمه أنه رأى في المنام كأن في يده رقعة مكتوب فيها: "الطالع الجوزاء ~~ثلاث عشرة درجة" وكأنه دفعها إلى إبراهيم فقرأها وهي تنقرض حتى لم يبق في ~~يده منها شيء، ثم نظر إلى الأرض فلم يجد فيها شيئا مما انقرض! فقال ~~إبراهيم: ينقرض أمر المأمون ولا يلي بعده أحد من ولده، لأن طالعه الدرجة ~~الثالثة عشرة من الجوزاء! فلما مضى أحد وثلاثون يوما على الحديث قدم جعلان ~~التركي على إسحق بن إبراهيم والفضل بن مرزوق بنعي المأمون، وأنه توفي بعد ~~العصر من يوم الخميس السابع عشر من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين. ### | 190 - # ذكر حبيب بن إبراهيم البصري قال: حكى بعضهم أنه رأى ليلة الفطر من سنة ~~إحدى وثلثمائة وقد حبس أبو الهيثم بن ثوابة في منامه كأن دارأبي الهيثم ~~مسودة، وفيها جارية سوداء، بيديها عود وهي تضرب وتغني: # أزجر العين أن تبكي عظيما ... إن في الصدر لوعة وهموما # قتلته ملوك آل أبي العا? ... ص وقد كان سيدا معلوما # قال: وكأني أقول لها: الشعر على خلاف هذا، وهو: # أزجر العين أن تبكي الرسوما ... إن ms091 في الصدر من يزيد هموما # قتلته ملوك آل أبي العا? ... ص وقد يقتل الكريم الكريما # فقالت: هذا يا معشر الإنس قاله شاعركم الطرماح وما غنيته أنا إلا لشاعرنا ~~لما أدخل رأس يزيد بن المهلب إلى دمشق، فارووا ما عندكم فإنا نروي ما ~~عندنا?! ثم قامت إلى وسط الدار وقالت: # وأيقنت التفريق يوم قالوا ... نقسم مال أربد بالسهام # وضربت بعودها الأرض فكسرته، ودخلت حجرة في دار أبي الهيثم، وغابت عن ~~عيني، فقتل أبو الهيثم بعد مديدة. ### | 191 - # وحدث بعض وجوه الكتاب ببغداد قال: رأيت في المنام جارية كانت لامرأة أبي ~~العباس بن الفرات تسمى "همة"، وفي يدها عود وهي تغني: # السلاح السلاح ... إن أتانا الصباح # أين فرسان قيس ... ألطوال الرماح # أين سادات قومي ... ذو الأكف السماح # أين أهل القصور ... ألجعاد الملاح # ثم حدثت الحادثة على أبي الحسن بن الفرات بعد ذلك بأربعة أشهر سواء، ~~واستتر أهله، وحصلت هذه الجارية عندي، فسألتها هل تغني بهذا الشعر؟ قالت: ~~نعم، ثم أنشدتنيه، وقالت في البيت الأخير في مكان (القصور) (البطاح). ### | 192 - # وحدث محدث قال: رأيت في منامي نصف النهار قبل نكبة أبي الحسن بن الفرات ~~بخمسة عشر يوما كأن أبا الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب ابن الفرات قد ~~دخل علي، وعليه قميص كرابيس، وهو منتوف بعض لحيته، فقلت له: مالك؟ وكيف ~~جئتني على هذه الحالة؟ فقال: # أخنى علينا الدهر كلكله ... من ذا يقوم بكلكل الدهر # وانتبهت فكتبت هذا البيت على الحائط، فلما كان بعد الأيام المذكورة نكب ~~ابن الفرات. ### | 193 - # كان الوزير أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد مدلا على الوزير أبي ~~الحسن بن الفرات لمودة بين أسلافهما، واختصاصه هو بأبي الحسن، فوجد أبو ~~الحسن الكتب النافذة إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز ~~بخطه، فلم يظهر ذلك للمقتدر بالله، حراسة لسليمان وصيانة عن أذية تطرقه ~~وبلية تلحقه، واعتمد تقديمه والتنويه به، وكان سليمان قد تقلد للوزير أبي ~~الحسن علي بن عيسى أيام نظره مجلس العامة في ديوان الخاصة، فقلده ms092 ابن ~~الفرات هذا الديوان رئاسة، ثم شرع سليمان لأبي الحسن بن عبد الحميد في ~~الوزارة وصرف ابن الفرات، وعمل لذلك نسخة بخطه إلى المقتدر بالله يسعى فيها ~~بابن الفرات وكتابه وأصحابه وأسبابه وضياعه وأمواله، واتفق أن قام لصلاة ~~المغرب مع جماعة من الكتاب في دار ابن الفرات فسقطت من كمه، فأخذها الصقر ~~بن محمد الكاتب، وكان إلى جانبه، فحملها إلى ابن الفرات من وقته، فلما وقف ~~عليها فبض عليه، وحدره في زورق مطبق إلى واسط، وصودر هناك وعوقب، ثم رفع ~~صاحب البريد إلى ابن الفرات في جملة رفوعه أن أم سليمان ماتت ببغداد ولم ~~يحضرها ولدها ولا شاهدته قبل موتها، فاغتم ابن الفرات لذلك فكتب بخطه كتابا ~~هذه نسخته: # PageV01P050 # "ميزت أكرمك الله بين حقك وجرمك، فوجدت الحق يوفي على الجرم، وذكرت من ~~سالف خدمتك في المنازل التي فيها ربيت، وبين أهلها غذيت، ما ثناني إليك، ~~وعطفني عليك، وأعادني لك إلى أفضل ما عهدت، وأجمل ما ألفت، فثق أكرمك الله ~~بذاك، واسكن إليه، وعول في صلاح ما اختل من أمرك عليه، واعلم أنني أراعي ~~فيك حقوق أبيك التي تقوم بتوكد السبب مقام اللحمة والنسب، وتسهل ما عظم من ~~جنايتك، وتقلل ما كثر من إساءتك، ولن أدع مراعاتها والمحافظة عليها إن شاء ~~الله تعالى، وقد قلدتك أعمال قهستان لسنة ثمان وتسعين ومائتين وبقايا ما ~~قبلها، وكتبت إلى أحمد بن محمد بن حبيش بحمل عشرة آلاف درهم إليك، فتقلد ~~هذه الأعمال، وأظهر فيها أثرا حميدا يبين عن كفايتك ويؤدي إلى ما أحبه من ~~زيادتك إن شاء الله." ### | 194 - # وحدث أبو علي بن القائي النصراني قال: كان بشر بن علي كاتب حامد صديقا لي ~~ولأبي يعقوب أبي، فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، واستعرت ~~الدنيا نارا بالمحسن ابنه وشره وتسلطه وتبسطه، طلب بشرا وأبا محمد بن ~~عينونه في جملة من طلبه، وتتبعه وكبس عليه واستقصى في أمره، فأما بشر فإنه ~~أخذ لنفسه عند القبض على حامد صاحبه، واستتر عندي، ولم أعلم أبي ms093 وأخي به ~~خوفا أن يحلفا فيدلا عليه، واتفق أن كتب أخي إلى بشر رقعة ضمنها كل إرجاف ~~وفضول، وما اطلع عليه من تقرر الأمر لأبي القاسم الخاقاني وقرب تقلده ~~الوزارة، وبأنه قد أحكم له ما يريده منه، وأجابه بشر في تضاعيفها بما شاكل ~~الابتداء، من غير تحفظ ولا تحرز، واختلطت الرقعة بين يدي أخي بمكاتبات ~~وكلائه وحسبانات صنيعته، وغير ذلك مما لا فكر فيه؛ وكتب أبو أحمد عبيد الله ~~بن محمد أخو أبي إبراهيم موسى بن محمد، وكان يتولى نصيبين، إلى المحسن بما ~~قال فيه:"إن أردت ابن عينونه وعبد الرحمن بن عيسى بن داود فهما عند ابن ~~القنائي"، فما شعر أبي وأخي في يوم واحد إلا بمريب خادم المحسن وقد كبسهما ~~في جماعة من الرجالة، وفتش جميع الحجر والبيوت، ولم يبق غاية إلا بلغها في ~~الاستقصاء والاحتياط في التفتيش والطلب، فلما لم ير أحدا عدل إلى ما كان ~~بين أيديهما من رقاع حساب، فجمعه وحمله إلى المحسن، وفي جملته الرقعة إلى ~~بشر وجوابه فيها، المشتملة على العجائب! ورأى أخي ذاك فمات في جلده؛ ولم ~~يقصد أحد داري اكتفاء بما جرى على دار أبي وأخي، وسلم ابن عينونه، وكان في ~~الوقت سكران لا فضل فيه لحركة! وقال ابن هندي: فحدثني أبو منصور بن ~~فرخانشاه صهرنا قال: كان خبر الرقعة عندي، وأنها فيما أخذه مريب من الرقاع، ~~فلم أزل أمشي خلفه، وهو متأبط بما أخذه، إذ انسلت الرقعة بعينها بتفضل الله ~~تعالى من بين سائر تلك الكتب والرقاع وسقطت على الأرض، فأخذتها وبادرت إلى ~~مستراح رأيته في الطريق مفتوحا، فطرحتها فيه، وهدأت نفسي عند ذلك. # قال: ومضى أبي وأخي مع مريب إلى المحسن، ووقف على الرقاع والكتب، فلم يجد ~~فيها ما أنكره، فخاطبهما بالجميل، واعتذر إليهما، وعرفهما السبب الذي من ~~أجله فعل! وجاءته رسالة أبي الحسن والده ينكر عليه فعله، وانصرفا مكرمين، ~~وزالت المحنة والبلية عنهما بانسلال تلك الرقعة من بين تلك الرقاع ~~المأخوذة، ولله الحمد والفضل والمنة والطول. ### | 195 - # وحدث أبو ms094 القاسم بن زنجي قال: حدثني أبو الطيب أحمد ابن إسماعيل عمي قال: ~~مضيت في يوم من الأيام على رسمي إلى الديوان بالثريا، فبينا أنا أسير لحقني ~~فارس يسايرني، وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمي وكنيتي ومنزلي وصناعتي، فلما ~~ذكرت له مكاني مع أبي العباس بن الفرات قال: كيف مذهبه في العمل؟ قلت: أحسن ~~مذهب، يستقصي حقوق سلطانه، ويستوفي مناظرة عماله، ويجد في استخراج أمواله! # PageV01P051 # قال: فكيف يجري أمر هذا الوزير يعني عبيد الله بن سليمان فإنني ما رأيت ~~أشد تخليطا منه، ولا أغظم من حجابه، ولا أكثر إخلافا لمواعيده! قلت له: ~~وكيف ذاك؟ قال: لأني رجل من الفرسان، قد أخر قائدي عني رزقي، فاحتجت إلى أن ~~أخللت به، وصرت إلى الحضرة متظلما منه، وأنا أجتهد في أن يطلق لي ما وجب من ~~رزقي، فليس يلتفت إلي، وكلما رفعت إليه رقعة رمى بها، ومتى وصلت إليه لم ~~يخرج عليها توقيع، فقد احترقت وهلكت ونفدت نفقتي، وطالت على بابه أيامي، ~~وكيف يمكن لهذا الرجل، وهو على ما وصفته لك، أن يعمل أعمال الخلافة ويدبر ~~أمور المملكة؟ قلت له: الذي نعرفه من مذهبه وتقدمه ومعرفته وكتابته وكفايته ~~غير ما ذكرته عنه، وما يدع شيئا إلا نظر فيه، ولا مظلوما إلا أنصفه! قال: ~~الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا، وأخذ الأموال لنفسه، والجند يتظلمون، ~~وحاشية الخليفة يشكون، والنواحي خراب! فقلت: ما أحد من الحاشية إلا وهو ~~راض، والأموال تحمل إلى الحضرة، والعمارة زائدة، والأمور مطمئنة! فقال: ما ~~الآفة في جميع ما يجري إلا هذا الغلام الذي رفعه الخليفة فوق قدره، وأعطاه ~~ما لا يستحقه، وصير الناس عبيدا وخولا له! فقلت: من الغلام؟ فقال: بدر، ~~وأقبل يطعن عليه، ويتكلم فيه .. قلت: ما وضعه الخليفة إلا موضعه، والرجال ~~حامدون له وراضون برئاسته! فحول وجهه عني فرأى كوكبة من الفرسان قد أقبلت، ~~فحرك دابته ومضى، وما بعد حتى جاءت الكوكبة، وسألوني عن الخليفة هل رأيته، ~~وأين أخذ؟، فقلت: ما رأيت الخليفة! قالوا: هل مر بك فارس على ms095 دابة شيتها ~~كذا، وعليه من اللباس كذا! قلت: نعم، قالوا: وأين هو؟ فإنه الخليفة، قلت: ~~بين أيديكم! ووجمت، ووقعت فيما لا ينادي وليده، وأقبلت أتذكر ما قلته له، ~~وذكرت أصحابه عنده، حذرا من خطأ وقع فيه أو طعن سهوت به، وصرت إلى الديوان ~~بالثريا، وأنا لا أعقل غما وهما، فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد الله بن ~~سليمان من حضرة المعتضد بالله، واستدعى أبا العباس ابن الفرات صاحب ~~الديوان، وأعاد عليه كل ما جرى بيني وبين المعتضد بالله، وأحمد عنده ما كان ~~مني، وجزاني الخير، وخرج أبو العباس واستدعاني وسألني عن حالي في طريقي، ~~وما جرى فيه لي معه، فحدثته حديث الفارس وما دار بيننا، فذكر أن الوزير ~~أعاده عليه بعينه، وأقبل يحمد الله تعالى حسن توفيقه إياي فيما قلته وأجبت ~~به، وأوصلني بالتحفظ فيما بعد. ### | 196 - # وحكى أبو علي عبد الرحمن بن عيسى أخو الوزير أبي الحسن علي بن عيسى أن ~~أبا علي محمد بن عبيد الله الخاقاني كان لين العريكة قليل البصيرة، لا يدفع ~~عن الشيء يخاطب عليه، ولا يتصور عواقب أمره فيه، فانبسطت العامة عليه فضلا ~~عن الخاصة، وانقاد لكل محال! قال: فحدثني سبك المفلحي أن أحد القواد ~~الأصاغر سأله أمرا، فقال: اكتب رقعة حتى أوقع لك فيما أردته، فأحضره بياضا ~~وقال له: يوقع الوزير في آخره بالإجابة إلى المسؤول، لأكتب العرض فيه من ~~بعد! فوقع له. # قال: وتأخر نصر بن الفتح كاتب مؤنس الخادم عن الخاقاتي ثم جاءه، فسأله عن ~~سبب تأخره فقال له: لي بنت عزيزة علي، وهي عليلة، وأنا بها قلق وعليها مشفق ~~ولأجلها متأخر! واتفق بعد انصرافه من بين يديه أن عرض عليه صك قد أنشئ على ~~نصر بمال لبعض الوجوه، فوقع فيه: "أطلق أكرمك الله ذلك، وعرفني خبر الصبية ~~إن شاء الله"! قال: وحدثني سبك المفلحي قال: سألته إثبات راجل معي بأربعة ~~دنانير في كل شهر، فقال: أربعة دنانير كثير! وكررها، ومازال يحسبها حتى ~~صارت ثمانية وأربعين دينارا في السنة، وكتب: ms096 "تجري له ثمانية وأربعين ~~دينارا في المشاهرة"!. # وعرضت عليه رقعتان: إحداهما عن بعض الجند نفي استطلاق ما تأخر من رزقه، ~~والأخرى من بعض حرمه، تستأذنه في دخول الحمام، فوقع تحت رقعة حرمته وعنده ~~أنها رقعة الجندي: "قد حظر أمير المؤمنين ذلك، فلا سبيل إليه! " وتحت رقعة ~~الجندي: "إذا خلونا كان الخطاب شفاها إن شاء الله! " فعجب والكتاب من هذا ~~التوقيع، ووقعت المرأة على ذكر الخليفة وأنه حظر عليها دخول الحمام فلطمت ~~واغتنمت كيف عرف الخليفة ذلك ومنع منه!. ### | 197 - # وحكى أبو الفرج السلمي الكاتب قال: حدثني أبو العباس بن النفاط قال: ~~حدثني أبو عبد الله # PageV01P052 # بن أبي العلاء الكاتب قال: كنت بحضرة الخاقاني وقد عرض عليه كتاب من كتب ~~الديوان إلى عامل النيل بحمله غلة كانت حاصلة قبله، وأنكر عليه تأخيرها، ~~فوقع في الكتاب: "أحمل الغلة وأزح العلة ولا تجليس متودعا في الكلة! " قال: ~~ثم التفت إلي فقال لي: يا أبا عبد الله في النيل بق يحتاج معه إلى الكلل! ~~فقلت: إي والله، وأي بق، ومن أجله يلزم الناس الكلل نهارا وليلا! قال: فسر ~~بذلك وقال: نحمد الله على حسن التوفيق! ونفعني ذلك عنده. # قال: ووقع في كتاب بعض العمال وكان مستزيدا له: "الزم وفقك الله المنهاج، ~~واحذر عواقب الاعوجاج، واحمل ما يمكن من الدجاج، إن شاء الله! " قال: فحمل ~~العامل دجاجا كثيبرا، فتقدم بأن يباع ويورد ثمنه في الحساب، فأورد منسوبا ~~إلى ثمن دجاج السجع!. ### | 198 - # وجدت في بعض الكتب أن شيخا من فارس رأى في منامه امرأة من ولد عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه حاسرة، في يدها عود وهي تضرب وتغني: # إن الشباب وعيشنا اللذ الذي ... كنا به زمنا نسر ونجذل # ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... حزنا يعل به الفؤاد وينهل # فلم يكن بين ذلك وبين قتل مروان بن محمد وخروج الأمر عنهم إلا قليل. ### | 199 - # وحكى ابن أبي ربعي أنه رأى في منامه كأن رجلا ينشده: # يا عين ويحك فاهملي ... بالدمع منك وأسبلي # دلت على قرب القيا ms097 ... مة قتلة المتوكل # فقتل المتوكل بعد ذلك بمديدة. ### | 200 - # وحكى صالح بن أحمد بن حنبل رضي الله عنهما قال: رأيت في منامي كأن رجلا ~~يعرج به إلى السماء وقائلا يقول: # ملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضل بالعفو ليس بجائر # فلما كان من الغد جاءنا نعي المتوكل من سر من رأى. ### | 201 - # وقال أبو الوارث قاضي نصيبين: رأيت في منامي كأن آتيا فأنشدني: # يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان # إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان # أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان # فأتي البريد بأنهما قتلا في تلك الليلة!. ### | 202 - # وحدث أبو البركات بن كامل قال: وجدت بخط الملك العزيز أبي المنصور بن ~~الملك جلال الدولة أبي طاهر بن بويه ما نسخته: "رأينا فيما يرى النائم ~~بالذخيرة بألطف من البصرة بعد المعركة هناك في صبيحة يوم الاثنين، مستهل ~~شهر رمضان سنة أربعين وأربعمائة، كأن امرأة تنازعنا رمحا في دارنا البصرة، ~~وكأنا استنفذناه منها، فانعطفت تنشد متكئة على دار ابزين البستان الذي في ~~الدار، وذلك بعد وفاة الملك أبي كاليجار بن بويه الذي كان غلب على العراق، ~~وأبعد الملك العزيز عنها وشتته منها: # يا غارس الكرم والنخيل ... وقائد الرحل والخيول # لو كنت تدري إلام صارت ... أحوال ذي المال ذا الجليل # ما جئت من منزل بعيد ... ترمي قتيلا على قتيل # وبعد الأبيات: "اللهم إنا نستعيذ بك من طول الأمل في هذه الدنيا الزائلة ~~المتنقلة تنقل الأفياء، اللهم فلا تشقنا فيها، ولاتلهنا بها عن الآخرة، ~~واجعلنا من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، واحشرنا مع أهل بيت نبوتك ~~الطاهرين، ولا تضرعنا مصارع الجبارين .. " وكتب خسرو فيروز بن شاهنشاه ~~الأعظم أبي طاهر فيروز خسرو بخطه في التاريخ، وعاش بعد ذلك مرتاعا منزعجا، ~~ولم يبق إلا قليلا ومات عن ثلاث وثلاثين سنة وستة عشر يوما شمسية. ### | 203 - # ودخل إنسان يهودي يعرف بصاعد الصيرفي حماما بباب المراتب فقال شعرا لأبي ~~الحسن البصروي الشاعر ms098 في دواتي لنور الدولةأبي الأعز بن مزيد يسمى ثابتا: # ليس على شاطئ الفرات ... أسقط من ثابت الدواتي # طلبت منه وكان جهلا ... منشفة نشفت حياتي # فقال والله ما تراها ... ولو تمسحت في لهاتي # واتفق أن تدخل ثابت الدواتي وسمعه ينشد، فمسك لحيته، وقال له: يا كلب ما ~~وجدت من تقطع به خمارك إلا هجائي! فاعتذر صاعد إليه واستحيا منه. # PageV01P053 ### | 204 - # وحكى أبو سعد بن سعدان العطار قال: حدثني أبو القاسم أبي قال: اجتاز بي ~~يوما أبو الحسن سعيد بن نصر، وكان دواتي الصاحب أبي محمد بن مكرم، فسلم علي ~~وسلمت عليه، وسألني بعض الحاضرين عنه فقلت: أذكر هذا وقد أنكر عليه ابن ~~مكرم فعلا فعله، فتقدم بصفعه على باب داره بالشمشكات! واتفق أن أبا الحسن ~~لم يكن بعد عني البعد الذي لا يبلغه كلامي، فالتفت إلي وقال: يا هذا ما ~~وجدت ما تعرفني به غير هذا الحديث! فخجلت واستحيي، ولم يكن لسان يجيبه، ولا ~~عين تنظره، فأطرقت وأمسكت. ### | 205 - # وحدثني قال: كان في جوارنا إنسان يعرف بابن بيهويه فأحضرنا لمشاهدة حائط ~~في داره قد عاب، واتفق أن أمه كانت تغسل الثياب، فاخرج إلي في طست من تراب ~~الحائط وقال لي: ما يمكن أن تدخل اليوم إلى الحائط وتشاهده، وهذا من ترابه ~~فانظر ما تريد معرفته منه! فقال له: أنا أرجع في غد إليك، وضحك منه، وتحدث ~~بذلك عنه. ### | 206 - # وحدث عن ابن الزنفيلفي التاجر الكوفي قال: خرجت من مصر أطلب العراق، ومعي ~~متاع ب? نحو خمسين ألف دينار للتجار ولي، واستصبحت معي جارية اشتريتها ~~بمصر، وهويتها، ولم يمكني مفارقتها، فلما حصلنا في السماوة قالت لي ~~الجارية: اعلم أن هذا البدوي هوذا يولع بي، وقد طالبني نفسي فامتنعت منه، ~~فحلف ليقتلنك الليلة ويأخذني ويأخذ المال جميعه، فدبر أمرك بما تراه! قال ~~وكان البدوي وابنا أخ له خفرائي الذين نسير معهم ونحدر بهم، فبقيت واجما، ~~وعلمت أني مقتول وأموال الناس مأخوذة لأجل الجارية، وفكرت في أن أزوجها به، ~~فإذا بلغنا الكوفة أخذتها منه ms099 وألزمته طلاقها، فقلت لها ذلك، وقررت رأيي ~~معها عليه؛ فلما أدركنا المساء ونزلنا وتعشينا قلت له: يا علون، قال: لبيك، ~~قلت: أحببت أن أزوجك بجاريتي فلانة، ألك في ذلك رأي؟ فقال: إي والله وأي ~~رأي! فزوجته بها، وضحك واستهل، وأخذها وبعد إلى وراء رابية عنا ... فلما ~~كان السحر جاءتني الجارية فقالت: يا مولاي جاء الرجل! فقلت: ويلك ما ~~تقولين؟ قالت: ما قد سمعت، فقلت لها: هذا هو الهلاك بعينه، سيقول ابنا ~~أخيه: أنت وضعت الجارية على أن أطمعته شيئا سمته به، ويجعلان ذلك طريقا إلى ~~ما أراد هو أن يعمله بي! وقمت إليهما فقلت لهما: اسمعا ما تحكيه هذه ~~الجارية، فقالت له: إنه لما خلا بي لم ينزل عن صدري، ولا ترك الجماع إلا ~~بقدر الراحة ساعة بعد ساعة، ثم ثقل على صدري ثقلا عظيما، فرميت به عني، ~~فبعد جهد ما أنزلته ودميته إلى الأرض، وتأملته فرأيته ميتا! فقالا: لا ترغ، ~~فإنه نوى لك القبح واعتزمه فيك، وأحوجك إلى ما فعلته معه فأهلكه الله وعجل ~~مقابلته، امض يا شيخ فلا بأس عليك! .. وقمنا إليه فواريناه وارتحنا! ### | 207 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي قال: قبض عضد الدولة على أبي الوفاء طاهر ~~بن محمد أحد أصحابه، واعتقله بقلعة الماهكي، فلما توفي عضد الدولة كتب أبو ~~عبد الله بن سعدان إلى أبي الهيجاء عقبة ابن عنان الحاجب، وأضنه كان بالبند ~~نيجين، على يد شجاع التنائي بقتله، فقتله وأنفذ إليه برأسه في مخلاة، فلما ~~أحضره بين يديه وشاهده، تقدم بدفنه فدفن تحت مسناة داره على دجلة بالجانب ~~الشرقي من مشرعة باب الطاق، فسمعت جماعة يذكرون أنه لما قتل أبو عبد الله ~~بن سعدان رمي برأسه وجثته إلى دجلة، فلم يزل الماء يحدر الرأس إلى مسناة ~~دار أبي الوفاء طاهر بن محمد، وكانت في مشرعة المخرم، فأخذه أحد الملاحين ~~ودفنه تحت المسناة، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق! ### | 208 - # وحدث بعض من كان في القعة بين الغساسيري وبين عسكر خراسان التي قتل فيها ~~الغساسيري في ms100 ذي الحجة من سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال: أخذت مع الناس، ~~وكان معي سبعون دينارا، فعمدت إلى ثل صغير فدفنتها في جانبه، وعفيت أثرها، ~~وقعدت عنها بحيث أشاهدها. فاتفق أن سقط غراب على التل، ورماه أحد الأتراك ~~بنشابة فوقعت في الدنانير ومضى التركي فانتزعها فظهرت له الدنانير، فأخذها. # PageV01P054 ### | 209 - # وحدث أبو علي المحسن بن علي التنوخي في (نشوار المحاضرة) قال: حدثني أبو ~~القاسم الجهني قال: حدثنا أبو محمد بن حمدون قال: أمر المعتضد بالله، في ~~علته التي مات فيها، وقبل موته بأيام يسيرة، بأن يصنع له سم يقتل به جماعة ~~ممن كان في الحبس، لم يحب قتلهم قتلة ظاهرة بسياسة رآها، وفعل ذلك وجيء ~~بالسم إلى حضرته، فأراد تجربته قبل أن يقتل به من أراد قتله، فطرح في ~~كرنبية، وأحضرت في طيفورية، وهو مفكر فيمن يطعمه منها وعلى من يجرب السم ~~الذي فيها، إذ دخل محمد بن أحمد نفاطة وابن أبي عصمة، فقيل لهما: إن ~~الخليفة يريد أن يأكل من ذلك اللون، وهو محجم عنه للحمية، فقالا: ما أحسن ~~هذه الكرنبية! فلو أكل منها مولانا لقمة رجونا أنها لا تضره! وتجاوزا ذاك ~~إلى أن أكلا منها لقما، كأنها قصدا استنهاض شهوته وتحريكها بأكلها، فلم ~~يمكنه أن ينهاهما لئلا يخرج السر، وأمسك عنهما، ومضيا إلى منازلهما فماتا ~~من يومهما، وبلغ الخليفة خبرهما من الغد، وقد اشتدت علته، فعلم صحة السم، ~~وأمسك لسانه أن يأمر في معنى من أراد أن يأمر في معناه بإطعامه من ذلك السم ~~الذي عمل له! ومات المعتضد بعد ذلك بثلاث أيام، ومضى أولئك بالعرض وسيء ~~الاتفاق وسوء المقدار، وكأنه عمل لهما لا لغيرهما، وسلم من عمل له وقصد به ~~ونجا. ### | 210 - # حدثني الرئيس أبو الحسين قال: رأيت في منامي قبل وفاة عميد الجيوش الحسين ~~بن استاذ هرمز بأيام شخصا راكبا قد تحلق بين السماء والأرض، والأبصار إليه ~~شاخصة، ثم ذاب حتى لم يبق منه شيء، فتأملته فإذا به عميد الجيوش، فانتبهت ~~وعاودت النوم فرأيت عميد الجيوش قد ms101 نزل من داره إلى زبزبه، ومعه أبو الفتح ~~محمد بن عنان وأبو الفتح بن المطاميري حاجبه، وكأنني قد سألت عن قصده فقيل ~~لي: هو منحدر إلى الجبل لأن أبا غالب قد وافى عكبرا، فاستيقظت ولم أعرف أبا ~~غالب، واتفق أن دعاني أبو الحسن رشأ بن عبد الله الخالدي واجتمع معي هناك ~~أبو القاسم علي بن محمد بن المطلب، فلما أخذنا في الشرب حدثته حديث المنام ~~واستكتمته إياه، فما استتممت الحديث حتى غنت المغنية: # قد مضا ذلك الزما ... ن فما فيه مطمع # فعلى ذلك الزما ... ن سلام مودع # فقال لي: أما تسمع؟ قلت: بلى! وتوفي عميد الجيوش من غد أو بعده، ولحق به ~~أبو الفتح بن عنان ثم أبو الفتح المطاميري، وكان أبو غالب فخر الملك الذي ~~وزر بعد بالعراق. ### | 211 - # وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثتني علم قهرمانة المستكفي بالله ~~الشيرازية حماة أبي أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي قالت: كان المستكفي ~~لما أفضى إليه الأمر يوصيني بتفقد القاهر بالله بنفسي، وألا أغول على أحد ~~في ذلك، ويكرمه ويبره ويحسن غليه، وكان قد اختل عقله لسوداء لحقته، ويخرق ~~ما يلبسه من الثياب، وقلما يبقى عليه منها قميص أو جبة، وينتف شعر لحيته ~~وبدنه، وربما صاح وضج، ثم يثيب إليه عقله. قالت: فراسلني في بعض أيام ~~إفاقته المستكفي يأمرني بأن استعرض شهواته وحاجاته، فسألني تمكينه من ~~جواريه، فعرفته ذلك فأمرني بحملهن إليه، وأدخلت إليه طماعة منهن، ثم استدعى ~~بعد ذلك مرة أن تدخل إليه ابنته، ففعلت، فقبض عليها يوما وافتضها، وبلغ ~~المستكفي ذلك فأعظمه وهاله، وأمر أن يفرق بينهما، ولا يمكن أن يدخل إليه ~~غير جواريه. ### | 212 - # وحدث قال: حدثني أبو أحمد الحارثي قال: كنت أعاشر بهمذان بعض كتاب ~~الديلم، وحسبك وصفا بجهل أن أقول: إنه من كتاب الديلم! وكان يتحلى مغنيه، ~~فسمعها يوما تغني: # يا حبيبا نأى عليك السلام ... فرقت بين وصلنا الأيام # فاستطابه، فلما أراد أن يستعيده قال: يا ستي غني ذاك الصوت الذي أوله: ~~"يا حبيب الله ms102 عليك السلام! " فقالت: هذا صياح الحراس، أظنك أردت: # يا حبيبا نأى عليك السلام ... ### | ....................... # قال: نعم، هوهو، شدي لي في ذنبه علامة، أي وقت أردته أخرجته!. # قال: وسمعته يحلف فيقول: والله الذي لا إله إلا هو أعني الطلاق والعتاق!. # قال: وكتب مرة بحضرتي تذكرة بأضاحي يريد تفرقتها في دار صاحبه، وقد قرب ~~عيد الأضحى: "القائد ثور وامرأته بقرة، ابنه كبش، بنته نعجة، الكاتب تيس" ~~قال: فقلنا له: الروح الأمين ألقى هذا عليك فلم يدر ما أردت!. # PageV01P055 # قال: وحدثني أبو أحمد الحارثي أيضا: قال: حضرت هذا الكاتب وهو يشرب. وقد ~~قل نبيذه، فكتب إلى صديق له رقعة يطلب منه نبيذا ما رأيت أطرف منها، فقلت ~~له: يا سيدي قد رأيت كتاب بغداد وطرقت الآفاق ما رأيت أحسن من هذه الرقعة، ~~فأحب أن تأذن لي في نسخها، فقال: يا بابا، ونحن اليوم أين بقي ما نحسنه! قد ~~نسيناه كله مع هذا القائد! انسخها .. وأعجبه ذاك، وكانت: "كتبت هذه الكلمات ~~يا سيدي وزري أعني به قميصي ومن هو فاضلي ومولاي وأنا عبده ومتصنع له، أطال ~~الله بقاءه، من منزلك الذي أنا ساكنه، وقد نقصت الدم من قفاك المرسوم بي، ~~وليس وحق رأسك الذي أحبه عندي من نبيذك الذي تشربه شيء، فبحيلتي العزيزة ~~عليك إن كان عندك من نبيذ اشربه فوجه إلي منه بما عسى الأسهل على يدي غير ~~هذا الرسول، فإنه ثقة، أوثق مني ومنك، وإن أردت ألا تختمه فلا تفعل، فإن ~~الصورة لا توجب إلا ذاك، فعلت عن شاء الله. # قال: وكنت يوما عنده فجاءه صديق له من كتاب الديلم مجروحا، فقال له: ~~مالك؟ قال: جاء إلى الأمير اليوم كتاب من وكيله في إقطاعه فرمى به إلي ~~وقال: اقرأه، وكنت قبل ذا إذا جاءه كتاب أخرج إلى المعلم حتى يقرأه علي ~~وأحفظه، وأدخل فأقرؤه عليه، فلم أقدر اليوم أن أخرج من بين يديه، فقلت له ~~باكيا: أنا لو كنت أحسن أقرأ وأكتب كنت أكون كاتب الأمير علي بن بويه! ~~فرماني بالزوتين فجرحني. # قال: ms103 وبلغني عن بعض قواد الديلم انه قال: كاتبي أحذق الناس بأمر الدواب ~~والضياع وشراء الأمتعة والحوائج، وما له عيب إلا أنه لا يقرأ ولا يكتب!. ### | 213 - # وقال: حدثني محمد بن عبد الله التميمي قال: حدثني الهمذاني الشاعر قال: ~~انحدرت أريد الحامدة، وكان في الوقت يليها الهيثم بن محمد العامل. فمدحته، ~~فقال لي: لست ممن يعطي على المدح شيئاأريأ، فلو هجوتني لكان أجدى عليك! ~~قال: فأردت النهوض من مجلسه، فلما رأى ذلك قال: اجلس، فجلست، وجيء بمائدة ~~لم أر مثلها، عليها من كل شيء حسن طيب شهي لذيذ، فأقعدني ناحية، وجعل يأكل ~~ويقول: لو هجوتني لأكلت معي! وكلما مر لون وصفه ونعته وشهانيه وحسرني عليه، ~~وأرانيه ومنعنيه، والروائح تقتلني، والمشاهدة تحسرني، إلى ان فرغ من ~~الطعام، وجيء بالحلوى، وكانت الصورة فيه مثلها في الطعام، ثم جيء بغسول من ~~دواري عجيبة طيبة، فغسل يده بها وهو يقول: لو هجوتني لأكلت مما أكلت وتحليت ~~مما تحليت به وغسلت يدك من هذا! ثم أحضر الشراب وعبئ بحضرته مجلس ما ظننت ~~أن مثله يكون إلا في الجنة حسنا، بأصناف الفاكهة وألوان الرياحين والطيب ~~والكافور والتماثيل والشمامات والمطبوخ القطربلي والنبيذ من الزبيب والعسل، ~~وهو يقول: لو هجوتني لشربت من هذا وحبيت من هذا وتنقلت من هذا، قم الآن وكل ~~ما تستحقه بمدحي، فقمت وجاءوني بطبق وسخ عليه أرغفة سود وقطع مالح ومرق ~~سكباج أحمض من الفراق، وقليل تمر، فأكلت لفرط الجوع، وجاءوني بأشنان أخضر ~~لم ينق يدي، وجئت فجلست عنده، فقال: اجعلوا بين يديه من الشراب مثل ما ~~يستحق من مدحي! فجاءوني بقنينة زجاج أخضر غليظ وحش وقدح مثلها وسخين وحشين، ~~وفي القنينة نبيذ دوشاب طري، وباقلي مملوح وباقة ريحان، فشربت أقداحا، ~~وهممت بهجائه وأنا أمتنع خوفا من أن يكون ذاك يصعب عليه، وإنما يمازحني بما ~~يقوله لي، وأنا أفكر في ذاك إذ خرج خمسين دينارا فقال: الآن قد فاتك ما ~~مضى، ولكن اهجني مستأنفا حتى أعطيك لكل بيت دينارا، فقلت إن كان لابد فاكتب ~~وقلت: ms104 # جاءت بهيثم أمه ... من بغيها وزنائها # فرمى إلي دينارا، فقلت: # جاءت به من نتنه ... لا شك يوم خرائها # يا هيثم بن محمد ... يا بن التي لشقائها # فقال: ما صنعت شيئا! قلت: انتظر، قال: هات، فقلت: # أمست تناك بكسرة ... وكذاك مهر نسائها # فرمى بقية الدنانير إلي، وقال: حسبك، ما أريد أجود من هذا ولا أكثر! ~~هاتوا له مما أكلت؛ فقدم لي من جميع ما كان على المائدة فأكلت، وقدم لي من ~~الشراب الذي بين يديه والتحايا والأنقال، فلما أراد القيام أمر لي بجائزة ~~وخلعه فأخذتها وانصرفت من عند أحمق الناس وأجهلهم على الإطلاق. # PageV01P056 ### | 214 - # وقيل: دخل شاعر من شعراء الهند على أمير المنصورة فمدحه، فقال له الأمير: ~~تقدم يا زوج القحبة! فقال: وما زوج القبيحة أيها الأمير؟ قال: هذا بلغة ~~العرب كناية عمن له قدر جليل ومحل كبير ومال ودواب وجمال وغلمان وقدر ~~ومنزلة! قال: فأنت أيها الأمير إذن أكبر زوج قحبة في الدنيا! فخجل وعلم أن ~~هزله ومزحه جر عليه سبه وشتمه. ### | 215 - # وكان بسجستان إنسان يعرف بأبي العباس بن أشناس، يتقلد أعمال السلطان، ~~فجاءه أبوه يوما يسأله في أمر إنسان، وضجر منه وقال: أحب منك وأسألك إذا ~~جاءك إنسان وقال لك: كلم ابنك، تسبني وتقول: ذاك ما هو ابني! فقال له الأب: ~~يا بني والله إنني أقول هذا منذ ثلاثين سنة وما يقبل مني! فخجل الابن، وندم ~~فلم تنفعه الندامة، وتداول الناس الحديث. ### | 216 - # ودخل سليمان بن بندار إلى مالك بن أسماء الفزاري يقتضيه مالا له عليه، ~~فقال له: ليس لك علي إلا أير حمار! وكان بنو فزارة يأكلون لحم الحمير، فقال ~~له سليمان: بارك الله لكم يا بني فرازة، إن جعتم أكلتموها وإن كان عليكم ~~دين قضيتموه منها! فخجل مالك وطأطأ رأسه، وقال: رذيلة جلبتها بمزحي على ~~نفسي!. ### | 217 - # قيل إن أهل الكوفة أصابهم مطر شديد في يوم صائف عظيم الحر، حتى سقطت ~~سقوفهم وتهدمت حيطانهم، والحجاج إذ ذاك بها، فركب وسار منفردا ينظر مبلغ ~~أثره، فأتى موضعا ms105 يقال له العريان، فرأى غلاما من غلمان العرب، من اصحبهم ~~وجها وأحسنهم شبابا، ومعه قوس وهو يتصيد، فقال له الحجاج: اقبل يا غلام، ~~فأقبل، فقال له: ممن أنت يا غلام؟ قال: من الناس! قال: وأي الناس؟ قال: من ~~ولد آدم، قال: فمن أبوك؟ قال: الذي ولدني، قال: فأين ولدت؟ قال: على ظهر ~~الأرض في بعض الحجرات، قال: فأين نشأت؟ قال: ما بين السماء والأرض في بعض ~~الفلوات، قال: وما اسمك؟ قال: وما تريد من اسمي؟ قال: أحببت ان أعرفك، قال: ~~والله ما ضرني إنكارك إياي في سالف الدهر فينفعني اليوم علمك بي ومعرفتك ~~لي! قال: إني أظنك مجنونا، قال: أحلني ذاك عندك مجيئي إليك سعيا كأنني ممن ~~يرجو منك خيرا أو يخاف لك شرا، ولست هناك! قال: وما يدريك يا غلام؟ قال: ~~لعيك بجوابي وإظهارك لسبابي! قال: فانطلق معي افعل بك خيرا، قال: والله ما ~~أرى فيك شيئا من الخير فأنطلق معك! قال: ما أسفهك يا غلام! قال: وما علمك ~~بسفهي وأنني سفيه، وأنت قد ذهب بك التيه وذاك بك شبيه!. # فبيناهما في ذلك إذ أحدقت بهما خيل الحجاج فقالوا: السلام عليك أيها ~~الأمير ورحمة الله وبركاته، فقال مغضبا: احتفظوا بالغلام، ثم رجع إلى ~~الكوفة، فلما اطمأن به المجلس أمر بان نقف من جانبيه ستة آلاف رجل من ~~الجند، بأيديهم الأعمدة والترسة والسيوف المخترطة، ثم أمر بإدخال الغلام ~~عليه، فدخل يخطر بين الصفين، لا يهوله ما يراه، حتى وقف بين يديه، فقال له ~~الحجاج: يا عدو الله أنت صاحب الكلام لا أم لك ولا أب لك ولا أرض لك! قال ~~الغلام: لو كنت عدو الله كنت شيطانا رجيما، وما أحد بلا أم ولا أب إلا آدم ~~وحواء، والأرض فالله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، وما هي لي ~~ولا لك، وأنا صاحب الكلام فما أنكرت منه؟ فلما رآه لم يغفل عن الجواب، ولا ~~تغير في الخطاب، أمسك عنه مخافة أن يشتد غضبه فيقتله، وأطرق طويلا ثم رفع ~~رأسه إليه ms106 فقال: هل أصابكم من هذا المطر؟ قال: نعم، قال: فشهدت ابتداءه؟ ~~قال: نعم، قال: فصفه لي؟ قال: والله لقد نظرت إليه حين أقبل تؤلفه الرياح، ~~فوعهد الله ما عنانا ولا اكترثنا له، ثم لم يلبث أن صار نشاطا لا ترى منه ~~خلاصا، ثم تحندس وأظلم، واشتدوا كتهم، وتزاحم حتى علا البقاع والتلاع، وبلغ ~~رؤوس الجبال فهد الصخور وثور البحور، ثم هدأ بإذن من على العرش استوى، "ذلك ~~تقدير العزيز العليم"! قال: يا غلام سلني حاجتك؟ قال: والله ما اسأل إلا من ~~أنا وأنت عنده في المسالة سواء! ذلك الله ربي وربك! فأمر له بعشرة آلاف ~~درهم، وبعث به إلى عبد الملك بن مروان، فأضعف له الجائزة بعد أن عجب منه ~~ومفق عليه، وانصرف إلى أهله مسرورا. # PageV01P057 ### | 218 - # وحكي أنه حمل أبو اسحق الأهوازي إلى المتوكل، فلما أدخل عليه قال لابن ~~حمدون: اعبث به! فقال له ابن حمدون: متى تعلمت العبارة؟ قال: أنا معبر قبل ~~أن تكون مضحكا! قال: فما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما هي؟ قال: رأيت كأن ~~أمير المؤمنين حملني على فرس أشهب أخضر الذنب مثل خضرة النبات! قال: إن ~~صدقت رؤياك فإن أمير المؤمنين يأمر بأن يدخل في استك فجلة فيغيب أصلها ~~الأبيض وتبقى الخضرة بين فخذيك! فضحك المتوكل وقال: صدقت رؤياك يابن حمدون! ~~هاتوا فجلة، فقال له: يا أمير المؤمنين أنت أمرتني! قال: ولكنك رأيت الرؤيا ~~قبل أمري لك! وأمر بأن فعل به ذاك، وأجاز الأهوازي جائزة سنية. # PageV01P058 ### | 219 - # وحكى محمد بن أيوب الهاشمي أن اسحق بن العباس بن محمد كان واليا على ~~البصرة، وكان مزاحا عبيثا، فلاعب الصباح بن عبد العزيز الأشعري بالنرد، في ~~أمره ورضاه، فقمره اسحق، فقال له الصباح: احتكم أيها الأمير وأجمل، قال: ~~أصفعك عشرا جيادا! قال: أبو الفداء أعزك الله! قال: والله لو أعطيتني جميع ~~ما تملك ما قبلته، ثم التفت إلى غلام أسود كأنه شيطان فقال له: اصفع وجود، ~~فصفعه عشرا كاد أن يعميه! ثم لاعبه وغلبه وفعل به مثل ms107 فعله الأول، ثم عاود ~~اللعب فغلبه الصباح وقال له: قمرتني أيها الأمير نوبيتين فلم تحسن الصنيع، ~~ولم تجمل الفعل، ولم ترجع عن الصفع الوجيع! قال: فما تريد؟ قال: صفعك كما ~~صفعت، ومقابلتي لك بمثل ما فعلت! قال: ويلك، تفضحني، ويبلغ أمير المؤمنين ~~خبرنا فيكون سبب عزلتي ونكبتي وزوال نعمي! قال: إذن لا أبالي والله! قال: ~~أو أدفع إليك خليفتي عبد السميع فتصفعه عشرا، قال: لا أفعل، قال: وأعطيك ~~فاضل الصرف فيما بين الصفع مائة دينار؟ قال: هات على بركة الله تعالى ... ~~فأحضر عبد السميع فجاء كالفيل، فقال له: اجلس، وقال له: ما أشك في مودتك ~~إياي وموالاتك لي، قال: أنا عبد الأمير وخادمه، قال: ما أعرفني بذاك منك ~~وفيك! اعلم أن هذا الفاسق الأحمق الجاهل لاعبني بالنرد .. وقص عليه القصة ~~إلى ما انتهى الأمر بينهما إليه ووقف الحكم عليه، فقال عبد السميع: أعيذ ~~الأمير بالله، ما ظننت أنه ينزلني هذه المنزلة ويحلني في هذه الرتبة! قال: ~~صدقت والله ولا ظننت أنا أن مثل هذا يتفق ويكون، ولا خطر لي ببال، لكنها ~~بلية أوقعت نفسي فيها، وزلة ما كان لي مثلها قبلها، وأحب أن تنقذني منها ~~وتحتمل المكروه عني فيها، فأقدني وأنقذني منها! فأقبل عبد السميع على ~~الصباح وقال له: تأمر أعزك الله أن ألطم يسيرا عوض الصفع؟ فقال له: أنت ~~والله أحمق! إما أن تمكنني من قفاك وإلا قمت إلى قفا الأمير أعزه الله! ~~فقال إسحق بن العباس لعبد السميع: دع هذا وأمثاله عنك، فهو أنكد وألج وأشأم ~~من أن يرجع أو يحسن أو يجمل! فقال الصباح: الأمير بذاك بدأ، وأمر به ~~وبمثله! فقال عبد السميع: اصفع لا بارك الله لك وفيك، فالتفت الصباح إلى ~~عبد له أسود كأنه الجمل الهائج فقال: اصفع وجود وبالغ وخذ بثأر مولاك ولا ~~تراقب! فصفع عبد السميع عشر صفعات كاد رأسه يقع منها، وقال له الأمير بعد ~~ذلك: يعز علي والله ما نالك ولحقك، ارجع إلى عملك! وكان يخلفه على الشرطة ~~وجميع أموره ولا ms108 ينفذ لإسحق أمر إلا على يده، وقام يجر رجليه؛ وعاودا ~~اللعب، فقمره الصباح ثانيا، واتفقا على ما اتفقا عليه أولا، واستدعي عبد ~~السميع، فتغافل واحتج، فلم ينفعه، وجاء مكروها وهو وجل خائف، فقال له إسحق ~~بن العباس: اعلم أن هذا الأحمق قد قمرني ثانيا واحتكم مثل حكمه أولا! فقال: ~~اعزلني أيها الأمير، فلا رأي لي في خدمتك، فقال له: أعني هذه المرة ~~الواحدة، وخلصني من هذا الجاهل القليل العقل والمروءة، العادم المعرفة ~~والدراية! قال:"إن الله وإنا إليه راجعون" فقال الصباح لعبده: اصفع وجود ~~صفعا ينثر الشعر من اللحية، ويحلق الشعر من القفا! فقال: لا كرامة ولا ~~عزازة، اصفع يا هذا صفع المداعبة والإخوان، لاصفع العقوبة والسلطان، وأجمل ~~فيما تفعل، فعسى أن تقع لك حاجة فأجازيك بالحسنى! فقال له مولاه: اصفع ~~الرقيع، الصفع الوجيع، ولا تصغ إلى ما لم يصغ إليه من قتل مولاك! فقال ~~إسحق: استعن بالله واجر على عادتك في طاعتك، فقال: لاحول ولاقوة إلا بالله! ~~وجثا على ركبتيه، وصفعه العبد صفعا زعزع به أركان رأسه، فقال: فبكى وانتحب ~~مما لحقه، فقال له إسحق: يعز والله علي، ارجع إلى عملك أعزك الله! فقال: ~~لعن الله هذا العمل ويوما توليته فيه! لي إليك حاجة! قال: حوائجك عندي كلها ~~مقضية! قال: لاتلاعب هذا الشئوم دفعة أخرى فإنه ألعب منك! فقال: اسكت، ~~فوالله إني لأرجو أن تتولى منه ما تولى منك، وأن تشتفي منه كما اشتفى منك! ~~قال: ما أريد ذاك أيها الأمير، قال: فما ألاعبه كما تشتهي؛ ونهض يجر رجليه ~~خزيان جيران، وتقدم إلى صاحبه بأن يقف هناك وينظر مل يكون من الأمير ~~والصباح، ويعلمه، وتقدم بأن يسرج له فرس، وقعد ينتظر الغلام، فجاءه وأعلمه ~~بأنهما لعبا، وأن الصباح قمر إسحق، وأنه تقدم باستدعائه .. فركب الفرس وهرب ~~على وجهه يقول: لا والله لا أطيع ولا أجيب ولا أعمل له # PageV01P059 # عملا أبدا! وعرف إسحق ذلك فابتاع القمرة من الصباح بخمسة آلاف درهم، ولم ~~يلعب معه بعدها! ### | 220 - # تقدم أعرابي فصلى بالناس فقرأ ms109 (الحمد) بفصاحة وبيان، ثم قال: # ويوسف إذ دلاه أولاد علة ... فأصبح في قعر الركية ثاويا # فوثبوا إليه فصفعوه! ### | 221 - # وكان لزيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم ابن يخالط سفهاء المدينة، فغضب ~~عليه وأخرجه إلى خبير، فجمع إليه مشيخة مجانا، لهم هيئة من حلق الشوارب ~~وتوفير اللحى، واتفق أن خرج زيد إلى ماله بخبير، فلما رآهم قال لابنه: مثل ~~هؤلاء كنت آمرك أن تعاشرن ولعمري قد أحسنت الاختيار، وسترى مني ما تحب! ~~فأقبل الابن عليهم وقال لهم: إني أخاف أن يخرج أبي من خبير ولم يعرفكم، ~~فقالوا له: الساعة يعرفنا! وحضرت صلاة المغرب فتقدم زيد فصلى بهم، فلما ~~قرأ:"قل يا أيها الكافرون" قالوا: لبيك لبيك! فلما قرأ:"لا أعبد ما تعبدون ~~ولا أنتم عابدون ما أعبد" قالوا: صدقت صدقت جعلنا الله فداك! فلما انصرف ~~قال لابنه: ما هؤلاء! عليك وعليهم لعنة الله، فما رأيت مثلهم قط! قال: وما ~~أنكرت منهم؟ لقد دعوتهم فلبوك، وخبرتهم فصدقوك! 222 أحضر النعمان بن ~~الشقيقة صاحب الخورنق سنمار الرومي من بلاد الروم فبنى له الخورنق، فكان ~~يبني فيه السنة والسنتين ثم يدعه زمانا لايعمل فيه شيئا، حتى يستقر البناء، ~~ثم يبني، فأقام كذلك مدة طويلة، فلما فرغ من البناء دخله النعمان وعلا عليه ~~فنظر إلى أحسن منظر وإلى ما اجتمع له في ذلك القصر مما لم يتهيأ له في ~~غيره، فكان يرمي بظرفه إلى حسن الماء في بحر النجف واتساعه وأصوات الملاحين ~~وصيد السمك، ثم يرمي بطرفه إلى الجانب الآخر فيرى رعي الإبل وصيد الظباء ~~والأرانب والثعالب وجناة الكمأة، فسر به غاية السرور، وأعجب به أعظم العجب، ~~فقال له سنمار متبجحا بالبراعة في صنعته وحكمته وهندست، ولاهيا عن غفلته ~~وغلطته: إني لأعلم في هذا القصر موضع حجر لو حركته لتداعى القصر! قال: ~~أويعرف غيرك؟ قال: لا! قال: لاجرم والله لايعرفه أحد على وجه الأرض! وأمر ~~به فرمي من القصر، فتقطعت أعضاؤه، فقالت العرب في أمثالها: # جزاه، جزاه الله شر جزائه، ... جزاء سنمار وما كان ذا ms110 ذنب # وقال: اقذفوا بالعلج من رأس شاهق ... وذاك وبيت الله من أعظم الخطب ### | 223 - # حدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهيز قال: كنت بجلب عند أميرها معز ~~الدولة أبي علوان ثمال بن صلح الكلابي يوما أتحدث معه، فانجز الحديث إلى أن ~~قلت: وصف لأمير بني عقيل المقلد بن المسيب في سني نيف وثمانين وثلاثمائة ~~جارية مغنية ببغداد، فبذل فيها ألوف كثيرة، وأجابت مالكتها إلى بيعها، ~~فامتنعت الجارية من الإجابة إلى البيع عليه؛ فرأيت حماد بن الندى ابن عم ~~معز الدولة وهو جالس وهو أعور، فأمسكت ووقفت، وأردت أن أقول:"لأنه أعور"، ~~والتفت، فقال لي معز الدولة: فلم امتنعت من الخروج إليه؟ فقلت: لأنه بلغها ~~أنه أنجزه! واتفق أن نهض حماد، فقلت لمعز الدولة: والله أيها الأمير لقد ~~أقلت اليوم من سوء أدب أراد أن يلفظ به لساني، وأقع فيما لا أؤثره ولا ~~أشتهيه! فقال: وهو؟ فذكرت ذلك له، فضحك وقال: ردوا إلي حمادا، فرد، فقال ~~له: يا حماد حدثني فلان بكذا وكذا ... فقال: أيها الأمير، أما الرجل فأحسن ~~الله جزاءه حيث فعل ما فعل، وأما القبيح فما سمعته إلا منك، ولاواجهني به ~~غيرك! وضحكا، وخلصت أنا من حماد. # PageV01P060 ### | 224 - # حدثني منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قال: كتب القاضي أبو ~~القاسم علي بن المحسن التنوخي رقعة إلى كمال الدولة أبي الفضل بن فسانجس ~~بشيء فعله أبو الحسن بن عبد الرحيم النائب عن كمال الملك أبي المعالي بن ~~عبد الرحيم أخيهن في معنى ضرب دنانير ناقصة العيار ومطالبة الناس بأخذها ~~بدنانير الجياد، فعلة من أفعاله القباح التي كان بها معروفا وعلى أمثالها ~~معتمدا في متصرفاته ونيابته عن أخيه، وليس قصدنا ذكر ذلك فنخرج به عما ~~قصدناه، وإن كانت أخباره القبيحة كثيرة وظاهرة، البيانيغني عن ذكرها ~~وسطرها، فشكاه التنوخي فيما فعله وارتكبه واستحسنه ونفث مما في صدره منه ~~ثقة بكمال الدولة ولأنس كان بينهما، وكمال الدولة عدو بني عبد الرحيم، ~~وأعطى الرقعة لغلام كان له أعور يدعى بأحمد، وقال له: ms111 احمل هذه الرقعة إلى ~~كمال الدولة، فوقع في أذنه:"احمل هذه الرقعة إلى كمال الملك، فأخذها وحملها ~~إليها، ودخل بها عليه" فحين وقف عليها علم أنها من غلطات التنوخي وحماقته ~~وهفواته وزلاته، وكان بذلك معروفا، وقد صار منه مألوفا، فقال له: يا أحمد ~~قد غلطت! هذه إلى كمال الدولة أبي الفضل بن فسانجس، فاحملها إليه؛ فأخذها ~~أحمد وحملها إلى ابن فسانجس، وأخذ جوابها إلى القاضي، فلما سلمه إليه قال ~~له: أنت أبدا لاتفهمني ما تقوله لي! قال: كيف؟ قال: قلت لي احمل الرقعة إلى ~~كمال الملك، فلما قرأها قال لي هذه إلى كمال الدولة، فرجعت بها إليه! قال ~~له: أو قد حملت اللاقعة إلى كمال الملك؟ قال: نعم، فلطم على رأسه ووجهه ~~وقال: ويه ثم ويه ثم ويه! ووثب إليه فأخذ عمامته وهرب منه، فخرطها حتى لم ~~يبق منها مصرة درهم صحيحا ... # قال أبو منصور: وجاءني لا يعقل أمره، وحدثني ذاك، فقلت له: يا قاضي! أنت ~~سيدي ووالدي، وأنا عبدك وولدك، والله إنك فضولي، ما عليك من بني عبد الرحيم ~~وفعلهم، وهم أولياء نعمتك ومحبوك، وأنت وليهم ومنتم إليهم ومحب لهم، وبحيث ~~لو قيل لك: أيما أحب إليك أن تموت أنت قبل بني عبد الرحيم أو هم قبلك ~~لاخترت سبقهم وبقاءهم بعدك، لأنهم يراعونك ويفعلون معك مالا تفعلونه مع ~~غيرك! وقد وسموك بدار الضرب، وما تخل من ثلاثين دينارا في الشهر، وما هم ~~إلى غيرك بالإطلاق فعل يقارب هذا الفعل، ثم أي تعلق لابن فسانجس في هذه ~~الأمور وهو رجل قاعد في بيته، لايحلي ولايمر، ولايقضي ولا يمضي، حبابه ~~السلامة منهم وأن يمكنه المقام في بيته معهم حتى تكاتبه بأخبارهم وأفعالهم! ~~ثم إنك عدوه ومضمر بغضه، وأنت تصوم كل يوم ثلاثاء لما قبض عليه في يوم ~~الثلاثاء، سرورا بمساءته وفرحا بمضرته، ولما أسلف إليك من القبح الذي يطول ~~به الشرح!! فقال: اعلم أن بطن الأرض أحسن إلي من ظهرها وأصلح، فم بنا إلى ~~المرتضى أبي القاسم نقيب النقباء؛ فقمنا وجئناه بالحديث، ms112 فقال له مثل قولي، ~~وقال له التنوخي: الشيخ أبو منصور من لا قوم وإليهم، وأسألك أن تكلفه أن ~~يمضي إلى كمال الملك ويفاتشه في ذلك ويسأله الإقالة من هذه العثرة والإغضاء ~~عنها وعن هذه الزلة! فقال له: كمال الملك يعرفك ويفهم فعلك وأنه عن غير نية ~~قبيحة فاسدة، بل عن هفوة منك وأشياء متصلة زائدة، وهو أقل من أن يجري في ~~ذاك قولا أو يحدث عليه فعلا! فقال: ما تسكن نفسي ولا يراجعني أنسي إلا بعد ~~أن أعلم من هاذ الأمر زوال ما أحذر! فالتفت المرتضى إلي وقال: هو ذا تسمع، ~~وأنت أولى من انتهى إلى إرادته وتطف لمصلحته! فقلت: السمع والطاعة، وقمت ~~وعبرت إلى باب المراتب، ودخلت على كمال الملك عصرا، فقال لي: أريد أ، آكل ~~خبزا، وما اتفق لي من يأكل معي، فقم بنا .. فدخلنا إلى موضع المائدة، ~~وأكلنا، وجاءوه بما يشرب، وبدأته لما ظهرت نشوته وطابت نفسه فحدثته بحديث ~~القاضي، فضحك وقال: قد والله ابتلي بنفسه وحمقه وخفته! ثم قال: قل له لا ~~يقل في هذا شيئا فيسمع أبو الحسن أخي، وليس ذاك بمأمون على المقابلة، وصدق، ~~قال فإنه كان محسن بيت بني عبد الرحيم، يعني بذاك المحسن بن الفرات الذي ~~كان سببا في هلاك أبيه وأهله وذويه، قال: فرجعت إلى التنوخي بذاك فطابت ~~نفسه، وأمسك. ### | 225 - # حدثني أبو القاسم بن البسري البندار، وكان محدثا عالي الإسناد، قال: ~~أنشدني أبو القاسم بن بابك الشاعر لنفسه في التنوخي: # إذا التنوخي انتشى ... وغاص ثم انتعشا # PageV01P061 # أخفى عليه إن مشي ... ت وهو يخفى إن مشى # فلا أراه قلة ... ولا يراني عمشا # وذاك أن عينه كانت غير صحيحة، لا تهدأ جفونه من الانخفاض والارتفاع ~~والغمض والانفتاح، وفيه يقول البصروي في قصيدة: # وفي انض الأعمال قاض ... ليس بأعمى ولا بصير # يقضم ما يجتبى إليه ... قضم البراذين للشعير # بعني بذاك نظره في أمر العيار ودار الضرب. ### | 226 - # وحدثني غيره قال: جاء إلى التنوخي رجل على الطريق، وهو راكب حماره، ~~فأعطاه رقعة وبعد مسرعا ms113 عنه، ففتحها فإذا فيها: # إن التنوخي به أبنة ... كأنه يسجد للفيش # له غلامان ينيكانه ... بعلة التزويح في الخيش # فلما قرأها قال لغلمانه: ردوا ذاك زوج القحبة الذي أعطاني الرقعة، فعدوا ~~وراءه وردوه، فقال: هذه الرقعة منك؟ قال: لا، أعطانيها بعض الناس وأمرني أن ~~أوصلها إليك، قال: قل له يا كشخان يا قرنان يا زوج ألف قبحة، هات زوجتك ~~وبنتك وأمك وأختك إلى داري، واحضر معهم، وانظر ما يكون مني إليهم، واحكم ~~ذلك الوقت علي بما قد حكمت به في رقعتك أو بضده، قفاه قفاه! فصفعوه ~~وافترقا. ### | 227 - # حدثني أبو سعد بن سعدان العطار قال: كان في جوارنا بدرب عبدة من نهر ~~الدجاج فقيه يعرف بالكشفلي من الشافعيين، وتقدم التقدم الشديد حتى جعل في ~~رتبة أبي حامد الأسفراييني، وقعد بعد موته مقعده وسد مسده، واتفق أن حملت ~~إليه عمامة عريضة قصيرة من خراسان، فقلت: أيها الشيخ اقطعها وألفقها ليمكنك ~~التعمم بها، فلما كان من غد رأيتها على رأسه أقبح منظر؛ وتأملتها وإذا به ~~قد قطعها عرضا ولفقها فصار عرضها أربعة عشر شبرا، وطولها نصف ما كان، فعجب ~~منه ولم أراجعه. ### | 228 - # عرض على الوزير ذي السعادات أبي الفرج محمد بن جعفر ابن فسانجس بالبصرة ~~في سني نيف وثلاثين وأربعمائة، بعض التجار المسافرين ثلاث شقاق دبيقية ~~مذهبة رفيعة، فبقيت مدة في خزانته، وحضر صاحبها في يوم كان ذو السعادات فيه ~~متنمرا من شيء اتفق عليه، وطالب بها، فتقدم بإخرجها إلى حضرته، فجيء بها، ~~ففتح الدواة، وكتب على واحدة بخط غليظ: "هذه لا تصلح"وعلى أخرى: "هذه غير ~~مرضية" وعلى الأخرى: "هذه غالية" وقال: ادفعوها إليه، فأخذها الرجل وقد ~~هلكت عليه! وكانت له في مثل ذلك نظائر، لأن السوداء كانت غالبية عليه وعلى ~~خلقه وطبعه، وكان إذا أخطأ الفرس تحته يتقدم بقطع قضيمه، تأديبا له، فإذا ~~قيل له في ذلك قال: أطعموه ولا تعلموه بأني علمت بذالك! ### | 229 - # وحدث الكرماني، كاتب كان لأبي بكر ابن الصيرفي صاحب الجيش، قال: أنفذني ~~أبو بكر صاحبي لأنفق ms114 في رجال أبي محمد جعفر بن محمد بن ورقاء، فأنفقت فيهم، ~~واستقضلت أنا وكاتب أبي محمد جعفر والجهبذ والنقيب نحو عشرة آلاف درهم، ~~وقلنا ندخل إلى موضع ونتحاسب ونتقاسم، فدخلنا مسجدا بإزاء دار أبي محمد ~~جعفر، ليس فيه إلا رجل عليل نائم في زي السؤال، فأقللنا الفكر فيه، وغلطنا ~~وأخطأنا في ذلك، وأخذنا نتحاسب ونقول: أخذنا من رزق فلان الساقط بالوفاة ~~كذا، ورزق فلان البديل كذا، ومن الضروب كذا، ومن فضل الوزن كذا، إلى أن ~~جمعنا المبلغ الذي أخذناه، وعينا قسط كل واحد منا، وأقبلنا نزنه لصاحبه ~~ونعطيه إياه، فرفع الرجل الغريب رأسه وقال: يا أصحابنا أخرجوا لي قسما ~~معكم، فقلنا: ولم؟ قال: قد سمعت ما كنتم فيه! فقلنا: هذا الرجل ضعيف، ~~فأعطيناه خمسة دراهم، فقال: لا أقنع إلا بقسط مثل واحد منكم، فغاظنا، ~~واستخففنا به، فقال: لا عليكم إن أعطيتموني ما طلبت، وإلا قمت الساعة ومضيت ~~إلى أبي بكر بن الصيرفي وعرفته أنكم أخذتم باسم فلان الساقط بالوفاة كذا، ~~وباسم فلان البديل كذا، ومن جهة كذا وكذا، ومن جهة كذا وكذا .. ولم يزل ~~يذكر ما كنا فيه تجارينا إلى أن أتى على جميع الوجوه ومبلغ المال المسروق، ~~حتى لم يخرم شيئا منه، وقال: فأقل ما يعاملكم به إذا لم يصرفكم أن يرتجع ~~المال منكم! ففكرنا في قوله، وعلمنا صحته، فرمنا منه الاقتصار على بعض ما ~~طلب، فلم يفعل، ودخلنا تحت حكمه، وأعطيناه سهما كأحدنا، وقمنا واجمين من ~~غلطنا وسهونا فيما سامحنا به نفوسنا في فعلنا ما فعلناه. # PageV01P062 ### | 230 - # وحضر يوما أبو عباد ثابت بن يحيى وزير المأمون بحضرة المأمون، فعرض عليه ~~ما أراد عرضه عليه، وخاطبه على ما أراد خطابه فيه، ثم انصرف، فأمر المأمون ~~برده، فرد، وخاطبه في شيء، وانصرف حتى إذا بعد تقدم برده، فرجع، وقد تغيظ ~~وتنمر، وأمره بأمر وانصرف، فلما بعد تقدم برده، فقال للرسول: وأخذ الدواة ~~من الدواتي بيده الساعة والله يابن الفاعلة أضرب بها رأسك! ألا قلت له: قد ~~مضى إلى النار!! ورجع ms115 فقال له المأمون: اعرض غدا فيما تعرض حوائج ~~الهاشميين، فقال: نعم، والآن فاذكر يا أمير المؤمنين كل ما تريده مني، فو ~~الله لا رجعت اليوم إليك بعد هذه الدفعة ولو قمت بنفسك إلي تردني! فضحك ~~المأمون وقال: انصرف راشدا. ### | 231 - # كان شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش بن بدران أمير بني عقيل قبض على ~~إبراهيم أخيه لإفساد عليه اتهم به، واعتقله في قلعة له، وأراد المضي إلى ~~السلطان عضد الدولة أبي شجاع الب ارسلان إلى خراسان، فاستدعى مستحفظ القلعة ~~التي فيها إبراهيم أخوه، وقال له: أنا ماض إلى هذا السلطان، ولست أعلم ما ~~يكون مني هناك، فإن أنا هلكت أو قبض علي فأفرج عن إبراهيم أخي ليقوم مقامي ~~في إمارة العشيرة، وإن سلمت فأنت على حالك في الحفظ والحراسة ل، وكان أبو ~~وجابر بن صقرب كاتب مسلم حاضرا، فوضع يده على فخذ مسلم رأسه إلى مستحفظ ~~القلعة وقال له: دع هذا الكرم عنك، لو جاءك رأس الأمير في مخلاة لا تفرج عن ~~إبراهيم حتى تراني! فأطرق الأمير، وخرج المستحفظ ثم عاد من بعد إلى الأمير ~~وقال: ما تقول فيما قاله أبو جابر؟ قال له: هذا رجل أحمق لا تسمع منه ولا ~~تطع له! وقبض بعد أيام على ابن صقلاب وقتله. ### | 232 - # قيل: وجلس أبو عباد يوما بين يدي المأمون يكتب فدخلت شعرة بين سنى قلمه، ~~وعمد إلى إخراجها بسنه، ثم كتب فإذا هي بحالها، فأهوى إليها ثانية فقطع ~~وبقي أصلها، ثم كتب فإذا هي غمرت جميع حروفه، فكسر القلم ورمى به وقال: ~~لعنك الله ولهن من براك ومن أنت له! فضحك المأمون وأنشد أبيات دعبل فيه ~~وهي: # أولى الأمور بضيعة وفساد ... أمر يدبره أبو عباد # خرق على جلسائه فكأنما ... حضروا لملحمة ويم جلاد # وكأنه من ديرهزقل مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقياد # فاشدد أمير المؤمنين وثاقه ... فأنصح منه بقية الحداد ### | 233 - # ودخل أبو عباد يوما إلى المأمون فقال له: يا ثابت، ما أراد بك دعبل حيث ~~يقول: # وكأنه من ديرهزقل ms116 مفلت ... حرد يجر سلاسل الأقياد # فقال: الذي أراد يا أمير المؤمنين حيث يقول: # إني من القوم الذين سيوفهم ... قتلن أخالك وشرفتك بمقعد # شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد # فقال المأمون، وقد تنمر وعلم غلطه في خطابه لمثله بما خاطبه به حتى أجابه ~~عنه بما أجابه: فإني قد عفوت عنه، فلا يتعرض له! ### | 234 - # وحدث محمد بن أبي سمير وكان كاتبا لأبي عباد قال: كان في ناحية أبي عباد ~~رجل خراسان يعرف بالغالي يأنس به، وكان من رسمه أنه إذا مدح شاعر أبا عباد ~~أنشد الغالي عقيبه مثله ... من قيله فيه، فاتفق أن دخل يوما أبو سعد ~~المخزومي إلى أبي عباد، وهو مشغول، فاستأذنه في إنشاده فأذن له على كره، ~~فلما فرغ أظهر له استحسان شعره، وانصرف أبو سعيد، وقد ضجر أبو عباد بقطعه ~~إياه بشعره عن شغله، فقام الغالي على عادته واستأذنه في الإنشاد، فقال له ~~متبرما متغيظا: أنشد، فقال: # لما أنخنا بالوزير ركابنا ... مستعصمين بجوده أعطانا # ثبتت رحى ملك الإمام بثابت ... وأفاض فيه العدل والإحسانا # يقري الوفود طلاقة وسماحة ... والناكثين مهندا وسنانا # من لم يزل للناس غيثا ممرعا ... متخرقا في جوده ### | .... # وأشار إليه بوجهه، وجعل يردد: "في جوده .. " فاغتاظ أبو عباد وقال: ويلك! ~~قل: "قرنانا، كشخانا! " وأرحنا! فقال: يا سيدي "معوانا" فارتج المجلس ~~بالضحك، ومضى الغالبي على وجهه، فلما سكن أبو عباد جعل يضحك مما كان منه، ~~وأخذ القلم ووقع له بألفي درهم، وسلمه إلى من لحقه به. # PageV01P063 ### | 235 - # وجلس المأمون يوما على الشرب والحسن بن سهل معه، فقال له المأمون: لعلك ~~تقدر أنني قتلن الفضل أخاك؟ ولا والله ما قتلته! فقال له: بلى والله لقد ~~قتلته! فقال: والله ما قتلته، فقال بلى والله لقد قتلته! فقال: والله ما ~~قتلته يكررها ثلاثا فقام المأمون من مجلسه وقال: أف لك! وانصرف الحسن إلى ~~منزله. ### | 236 - # وحدث أبو العباس بن أبي البهلول قال: حدث المأمون قال: وصفت لي جارية ~~بالعراق وأنا بخراسان، عاملة كاتبة لاعبة بالشطرنج والنرد، مفتنة ms117 في كل ~~أدب، فأنفذت وابتعتها بمال كثير، وحملت إلي فأعجبتني وشغفت بها، واتفق في ~~بعض الأيام أن خلوت بها ولهوت معها وجعلت الشطرنج بيني وبينها، إذ دخل ~~الفضل بن سهل علي هاجما ومعه غلام له، فلما رآني على ذلك أخذ قنينة كانت ~~بين يدي وضرب بها الأرض وقال لي: أنت على هذه الحال وتنازع أخاك الخلافة، ~~وتبلغ في التخرق والتوفر على النساء واللهو إلى هذه الغاية، ونحن ندعي لك ~~التشاغل بالصلاة والصيام! وقال لغلامه: خذ بيد الجارية فهي لك! وورد علي من ~~فعله ما كدت أن اجعله سبب دنو أجله، ثم كظمت غيظي وصبرت على ما لحقني. ### | 237 - # لما قدم طاهر بن الحسين العراق أقر العباس بن موسى على الكوفة وزاده عدة ~~طساسيج، فوجه العباس إليه كاتبه يشكره ويؤديه رسائل منه إليه، فلما دخل ~~إليه قال له: أخيك أبي موسى يقرئك السلام! قال: ومن أنت منه؟ قال: كاتبه ~~الذي يطعمه الخبز! فقال طاهر: أين عيسى بن عبد الرحمن الكاتب؟ فجاء، فقال: ~~اكتب بصرف العباس ابن موسى عن الكوفة وأعمالها لتركه اتخاذ كاتب يحسن ~~الأداء عنه! ### | 238 - # دخل المتوكل يوما على محمد بن عبد الملك الزيات فلما رآه قال له: يا جعفر ~~تكون ابن أمير المؤمنين المعتصم بالله رحمه الله وأخا أمير المؤمنين الواثق ~~بالله أطال الله بقاءه وهذا شعرك كأنك بعض المخنثين!! وأمر بإحضار مزين، ~~وحضر، وقال خذ طرته وشعر قفاه، فألقى عليه بعض غلمان محمد منديلا، فزجره ~~محمد وقال: لا! إلا على ثوبه، فحكى عن المتوكل أنه كان يقول: ما بلغ مني ~~شيء ما بلغه فعل محمد في طرحه الشعر على ثوبي! ### | 239 - # وكان محمد بن عبد الملك تشكى، فدخل عليه احمد بن أبي خالد، وهو أصم، فقال ~~محمد: كيف أصبحت جعلت فداك؟ قال له: بشر! فلم يسمع، فقال: الحمد لله على ~~ذلك، فمن يختلف إليك من الأطباء؟ قال: إبليس قال: مبارك رفيق، فأي شيء وصف ~~لك؟ قال: آجر مدقوق! قال: خفيف طيب، فخذه ولا تفارفه! ### | 240 - # وحدث محمد ms118 بن علي بن طاهر بن الحسين قال: كان أحمد بن يوسف يسقط السقطة ~~بعد السقطة، فتلفت نفسه في بعض سقطاته، وذاك أنه حكى لي علي بن يحيى بن أبي ~~منصور أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود ة والعنبر على المجمر، فحين ~~يبخر يأمر بإخراجه ووضعه تحت الرجل من جلسائه إكراما له؛ وحضر أحمد بن يوسف ~~يوما، وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع المجمر تحت أحمد بن يوسف، فقال ~~أحمد: هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا تقول هذا، ونحن نصل رجلا واحدا ~~من خدمنا بعشرة آلاف درهم! إنما قصدنا إكرامك، وأن أكون أنا وأنت قد ~~اقتسمنا البخور قطعة واحدة! يحضر عنبر! فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، ~~في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، فأمر أن تطرح قطعة في المجمر، ويبخر بها أحمد، ~~ويدخل رأسه في زيقه، حتى ينفذ بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة، وهو ~~يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه فاعتل ومات. # قال محمد: ومن سقطاته أنه كلم أب العباس عبد الله بن طاهر في حاجة له ~~يخاطب له المأمون عليها فوعده بذاك، ثم عاد إليه فقال له: كنت سألتك أن ~~تكلم أمير المؤمنين في كذا، وقد سألت مؤنس يعني جارية كان المأمون يتحظاها ~~أن تخاطب أمير المؤمنين فيها، وما بالأمير حاجة إلى الخطاب في ذلك! فلما ~~خرج قال: رأيتم أحمق من هذا! يسأل مثلي في أمر أن أخاطب الخليفة فيه، ثم ~~يجيئني ويعرفني أنه قد سأل جارية. # فيما سألني، ولأنه قد استغنى بها عني! ### | 241 - # وحدث أبو هفان قال: كنت يوما عند الفضل بن مروان وزير المعتصم، فقال في ~~شيء جرى: الله المستعين أراد المستعان ما أحسن بالرجل أن يذكر ربه على كل ~~حال! فقلت له: ليس ربك الذي ذكرت، فقال: قد قلت ألف مرة إني لو كنت أحسن ~~العروض لقلت الشعر! # PageV01P064 ### | 242 - # وحدث إبراهيم بن المهدي قال: دخل الفضل بن مروان على المعتصم بالله ومعه ~~كساء طبري في غاية الحسن فعرضه عليه، ms119 واستحسنه المعتصم وأعجب به وقال: ما ~~رأيت مثله! وأرانيه، فقال الفضل لي: كم قيمته؟ قلت: ليس التقويم من عملي ~~وإنما يرجع فيه إلى الباعة! فقال: فبكم كنت تبتاعه لو حمل إليك؟ قلت: بمائة ~~دينار، فقال: لأجل هذا يا أمير المؤمنين لا تفي ضياع عملك بنفقاته، ولا ~~تبين صلاتك له في حاله! وحقك يا أمير المؤمنين لقد صمدت لصاحبه منذ صليت ~~الظهر إلى أن غربت الشمس أراوضه في ثمنه، لم أتشاغل بغيره حتى ابتعته منه ~~بثلاثين دينارا! فقلت: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما قلدك من أمور عباده، ~~فقد أقر الفضل بين يديك بأنه لم يعمل عملا وهو وزيرك الذي تجري على يده ~~أمور مملكتك ورعيتك وأموالك إلا لمكاس في ثمن كساء بثلاثين دينارا، فلو ~~ابتاعه بألف دينار أو بعشرة آلاف دينار ما كان أنفع وأعود، وكان شغله بأمور ~~الدين والدنيا أجدى وأولى من توفير سبعين دينارا في ثمن كساء! وما أدفع ~~حرمة الفضل بك وحقه عليك ومعرفته بالأسعار وقيم الأعلاق، فوفره على ذلك ~~واشغله به، واطلب لوزارتك ودواوينك من هو أقوم بها منه وأكفى فيها! فقدح ~~هذا القول فيه، وأثر في قلب المعتصم، وحط منزلته عنده. ### | 243 - # وحدث ابن عبد السلام الهاشمي قال: كنت في مجلس الفضل ابن مروان إذ دخل ~~عليه إعرابي فصيح اللسان، يتظلم من بعض عماله، فصدف بوجهه عنه وزبره، فوقف ~~ساعة متحيرا واجما لا يحير جوابا ثم قال: أياستني من عدلك، فاسمع مني واصنع ~~ما بدا لك، ثم أنشده: # تجبرت يا فضل بن مروان فانتظر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل # ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم التغير والموت والقتل # فإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل # ثم ولى منصرفا، فقال الفضل: ما عني بقوله؟ فقيل له: أراد الفضل بن يحيى ~~بن خالد، والفضل بن سهل، والفضل بن الربيع؛ فتغير وجهه وامتقع لونه، وبان ~~غضبه وغيظه، وتصبر، ولم يرد الأعرابي، ولا أمر بإنصافه، ولم يكن بين ذلك ~~وبين القبض على الفضل إلا أيام ms120 يسيرة. ### | 244 - # وحدث أبو العباس بن عمار قال: حدثني سعيد بن فضالة أنه عرض على الفضل بن ~~مروان عند وزارته للمعتصم بالله مجمعا عمله خليل الصايغ للخليفة، فجعل منه ~~المقاريض وآلات المجامع حتى أخرج مبردا، وقال: ما هذا؟ قلت: مبرد، قال: ~~تبرد به ماذا؟ قلت: إذا قلمت الأظفار بردت بها ليزول ما فيها من شعت! قال: ~~وأنا لا أحسن إذا قلمت أظفاري أن أبلها بريقي، وأحكها بالحائط، وأستغني ~~بذاك عن المبرد! وفعل ذاك بحضرتنا وأراناه. ### | 245 - # حدث عبد الله بن سليمان عن الحسن بن وهب قال: قال المعتصم بالله يوما ~~لأحمد بن عمار، وهو يتقلد العرض عليه: أين الحسن اين وهب؟ فقال له: في ~~منزله، فقال: لم يأخذ في كل شهر ألفي درهم ولا يعمل بها؟ أحضره ووله كتب ~~الكتب الصادرة عنا، فإنه حسن الخط جيد البلاغة، فأحضرني وعرفني ما جرى، ~~واستعملني، فتمكنت منه وغلبت عليه، وملكت الإيراد والإصدار عنه، وكان ~~يجيئني أكثر من مضي إليه، فلم أشعر يوما وأنا في منزلي إلا به وقد دخل علي، ~~وعليه دراعة وجبة وعمامة من وشي، وقد انصرف من دار المعتصم، فسلك الطريق ~~بهذا الزي إلى داري، فقمت إليه متلقيا، وعلمت أ، مثل تلك الثياب لا تكون ~~إلا خلعة، وجلس مغموما مهموما، وقال لي: ما الكلأ؟ فقلت: النبت الذي يكثر ~~في الصحراء عند توالي الأمطار؛ ثم قلت به: أرى أمرا سارا وأراك معه مفكرا ~~واجما؟ قال قرأت على أمير المؤمنين كتاب صاحب البريد بالبصرة يذكر فيه أن ~~المطر اتصل فكثر الكلأ، فقال لي: ما الكلأ؟ قلت: لا أدري! فقال: أنالا أدري ~~وكاتبي لا يدري! يا غلام اصفع! فصفعت ثلاثا، ثم قال لي: امض إلى الحسن بن ~~وهب فاسأله ما الكلأ وعرفنيه، فلما وليت من بين يديه قال لبعض أصحابه: ~~سيظهر ما جرى عليه فيضعف جاهه ويقف أمره! وأمر بأن يخلع علي هذه الخلعة من ~~خاص ثيابه ليزول بها غضاضة ما عوملت به، وجئتك كما ترى! فقلت: هبك بم تعرف ~~الكلأ، وأما علمت أنه ms121 لا يكثر عند المطر إلا النبات! # PageV01P065 ### | 246 - # وحدث ابن أبي عون عن أبيه عن الفضل بن مروان قال: كان محمد بن الفضل ~~الجوجرائي شديد البخر، فدخل يوما إلى إبراهيم بن المدبر، وذكر في عرض ~~الحديث حال جارية له لطيفة الموقع من قلبه، كثيرة الحظ من شغفه، محبة مع ~~موافقة، وأنه كان يدخل لسانه في فمها منذ أول الليلي وإلى آخره؛ فقال له ~~إبراهيم بن المدير: حق لهذه ألا تعيش! أراد لنتن فيه، ولم يفطن محمد بن ~~الفضل لما ذهب إليه فقال: هكذا والله كان، ما عاشت إلا قليلا ثم ماتت؛ فضحك ~~أهل المجلس حتى كادوا يفتضحون. ### | 247 - # وقال موسى بن عبد الملك للناس وقد تكاثروا بين يديه في ديوان الخراج: ~~تقدموا إلى خلف! وخرج إليه يوما صاحب خزانة السلاح فقال له: قد تقدم أمير ~~المؤمنين يعني المتوكل بابتياع ثلاثين ألف رمح، طول كل واحد أربعة عشر ~~ذراعا، فقال: نعم هذا الطول، فكم يكون العرض فضحك الناس منه، ولم يفطن لما ~~غل فيه! ### | 248 - # وكان أحمد بن الخصيب وزير المنتصر خفيفا طائشا، وكان يرفس المتظلمين إذا ~~كثروا عليه وهو راكب، ويبصق عليهم فقال فيه بعضهم: # قل للخليفة يابن عم محمد ... أشكل وزيرك إنه ركال # أشكله عن ركل الرجال وأن ترد ... مالا فعند وزيرك الأموال # وقال فيه أحمد بن أبي طاهر: # قل للخليفة يابن عم محمد ... أشكل وزيرك أنه محلول # فلسانه للشتم في أعراضنا ... والرجل منه في الصدور تجول # كم طالب لظلامة أو حاجة ... متعرض لكلامه مركول # وكان أحمد بن محمد بن المدبر يقول: إنما رزق الله تعالى أحمد بن الخصيب ~~الحظ الذي رزقه ليعلم الناس أن الأرزاق ليست بالاجتهاد ولا الاستحقاق، ~~وأنها فوضى بين العقلاء والجهلاء! وقال رجل لأحمد بن الخصيب يصف عنده رجلا: ~~ما سمع إلا سبع! فقال أحمد: تقول: سبع! أنا أعرف به منك، والله ما هو إلا ~~تسع! يذهب إلى العدد. ### | 249 - # وحدث علي بن عبد الغفار قال: أصيب أحمد بن الخصيب بمصيبة فخرج إلينا يعصر ~~عينيه ويقول: ms122 # غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا # فقلت: ماذا؟ قال: لنا رأيت النساء يبكون قلت هذا البيت فيهن! فقلت: إنه ~~لجرير! فقال: وما في هذا، قد يقع توارد! وقرأ يوما أحمد بن الخصيب كتاب وقف ~~أشناس بسر من رأى في أيام المعتصم بالله، وبلغ إلى موضع فيه: "بتا بتلا" ~~فقال: "تبا تبلا" فقال بعض الحاضري: قاتله الله، أما سمع قط بلفظ الطلاق! ~~ووقع يوما في ذكر رجلين كانا زنديقين، فنزعا ورجعا، وأمر لهما بصلة: "هذان ~~اللذان كانا زنديقين أسلما! ". ### | 250 - # وقال ابن حمدون: قال لي المنتصر بالله يوما: شعرت يابن حمدون بأن أحمد بن ~~الخصيب على غاية الجهل، وأنه يشتمني في وجهي شتما يذكر فيه حرمي، فتمنعني ~~خدمته لي وحرمته بي من الإساءة إليه في مقابلته عليه! فقلت: أعيذك بالله يا ~~أمير المؤمنين، ومن يقدم على هذا؟ فقال: إذا دخل في غد إلي فاحضر بين يدي، ~~فركبت في غد، ولم يكن يوم نوبتي، ووافى أحمد، فلما انصرف الموكب وتقوص ~~المجلس قام المنتصر وأخذ بيد أ؛ مد، وماشاه في ممر دار البستان، وأنا ~~اتبعهما، فسمعت المنتصر يقول به: قد طالبتني السيدة بإقطاعها ضياع أم ~~المتوكل فما ترى؟ قال: لا، ولا كرامة لهذه الفاجرة! قال: وقد التمست أيضا ~~أن نقيم لها ولخدمها مثل ما كان لأم المتوكل من الإقامات والإنزال! فقال: ~~دق يدها الفاجرة على رجلها وقل لها: حتى نرضي الموالي أولا! قال ابن حمدون: ~~والتفت المنتصر إلي وقال: هاتان ثنتان سماعا من غير إخبار! ### | 251 - # وذكر المبرد قال: قرأ ابن رياح كتاب الصدقات بحضرة المنتصر بالله، وأحمد ~~بن الخصيب حاضر، وقال: "في كل ثلاثين بقرة تنيع"، فقال المنتصر: وما ~~التبيع؟ فبادر ابن الخصيب وقال: البقرة وزوجها! فقال المنتصر لابن رياح: ~~أكذاك هو؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ووصف له التبيع، فقال ابن الخصيب: هذا ~~متفق عليه! ### | 252 - # وذكر المبرد أيضا أن ابن الخصيب قرأ على المنتصر حسابا قال في بعضه: ~~"وعشرة آلاف درهم في مرمة التنور"، فقال: ما ms123 هذا؟ تنور يرم بعشرة آلاف درهم ~~وتؤمل ذلك فكان: "في مرمة السور. # PageV01P066 ### | 253 - # شكا الكتاب إلى الفضل بن مروان ما يلقونه من حدة أحمد ابن الخصيب وعجلته ~~وسفهه وتخلفه، فقال: كيف لو رأيتم محمد بن جمثيل وهو يلي ديوان الخراج، وقد ~~أنكر على كاتب له حرفا كتبه فأخذ النعل وقام إليه، وعدا الكاتب بين يديه، ~~وجعل يتبعه وهو يدور حول بستان كان في صحن الدار، فلما أيا الكاتب قال له: ~~أنا كتب أو وحش يصاد1 فاستحيا منه ورجع عنه. ### | 254 - # وحدث إبراهيم بن المدبر قال: دعاني صاعد بن مخلد يوما فوجدت عنده ابن ~~الخصيب، وقدمت إليه المائدة وعليها هليون، فأكب أ؛ مد عليه واستكثر منه، ~~فقلت: أراك محبا له؟ قال: نعم، هو يزيد في البهاء! أراد: الباه، فعجبت من ~~سخنة عينه! ثم قدم الشراب، فغنت المغنية: # إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا # فقال أحمد: هذا الشعر لأبي، فقلت: قاتل الله جريرا ما كان أكثر ما يسرق ~~من شعر أبيك! ### | 255 - # وحكى أبو عمرة صاحب المظالم قال: ألح الناس بسر من رأى على أحمد بن ~~الخصيب في الجلوس لهم والوقوف على قصصهم والنظر في ظلاماتهم، فقال لجماعة ~~من بني هاشم وأولاد المهاجرين والأنصار: ادفعوا قصصكم إلى أبي عمرة ليأخذ ~~جوامعها ويضمنها تذكرة يعرضها علي لأوقع فيها بما تنتجز به أموركم، فسكنوا ~~إلى ذاك، وجاءوني بقصصهم، فعملت جوامعها في ثلث قرطاس وجئته به فوضعته بين ~~يديه، ولم يوقع فيه وطالبني القوم يما فعلته في حوائجهم فعللتهم ووعدتهم، ~~فأغلظوني وأسمعوني، وشكوت ذلك إليه، ووعدني بإنقاذ الجوامع موقعا فيها؛ ثم ~~أنقذها مختومة ففضضتها، فإذا هو قد وقع تحت باب (بني هاشم): "هشم الله ~~وجوههم! " وتحت باب (المهاجرين): "هجرهم الله" وتحت باب (الأنصار): "لا ~~نصرهم الله" وفي غير ذلك من الأبواب نسب أصحابها، فبقيت واجما حائرا، وخلوت ~~ببعضهم وتوثقت منهم وخرجت إليهم بالسر في ذلك، واستحلفتهم على كتمان ما ~~ذكرته لهم منه، فعذرني العقلاء، واستزادني الجهلاء، وانبسطت الألسن بالدعاء ~~عليه، ms124 والوقيعة فيه والظلامة منه. ### | 256 - # حدث عبد الواحد بن محمد قال: حدثني أبي قال: تشكى حجاج بن هرون صاحب ~~ديوان الزمام على الخراج، فجئناه عوادا، ووجدناه يصلي الضحى، وابنه هرون ~~جالس، فسألناه عن خبر أبيه، فقال: لحقته حمى واعتقال، فأشار حجاج إلينا وهو ~~في صلاته ثم قال: عوعوعو! يريد أ، ه أكل لحم جزور، فقال ابنه: نعم أكل لحم ~~جزور فأفعله. # وحدث أيضا قال: حدثني نصر بن الحجاج قال: أقرأني عيسى بن فرخانشاه كتاب ~~حجاج بن هرون إليه وقد عنونه "بخادمك وولي نعمتك حجاج بن هرون"! ### | 257 - # وحدث أحمد بن الخصيب أن حجاجا صاح به يوما في الديوان: ي أبا إسحق، ابن ~~بويب من أيوه؟ فقلت له: بويب! قال: صدقت والله. # قال: وعصفت الريح يوما وأخذت من بين يديه رقعة رفعتها في الهواء فلم تلحق ~~إلا بعد سقوطها بعد زمان، فأقبل على الريح وقال: ما عرفك إلا سليمان بن ~~داود الذي حبسك حتى أكلت خراك! قال: وكان يطلب العمل والرقعة فإذا تعذر ~~عليه وجوجه قال: سبحان من يدع الشيء في موضع فإذا طلبه لم يجده سبحانه! ~~قال: وكان يقول لخازن الديوان إذا طلب منه عملا: أين الاهن الاهنة الايش ~~اسمه الما يقال له! ### | 258 - # ودخل عليه يوما أبو العيناء فحادثه، وجرى ذكر الرطب، فقال الحجاج: أطيب ~~الرطب ما دق أنوائها ورق لحائها فقال له أبو العيناء: يا أبا محمد ما كنت ~~أعرفك تحسن النحو، وأراك قد تعلمته! فقال: نعم تعلمت من معلم الصبيان، قال: ~~ففي أي باب الصبيان اليوم منه؟ قال: في باب الفاعل والفاعلة! فقال: إذن فهم ~~في باب والديهم! وقال أبو العيناء: قلت له يوما قد قطعتني لغير ذنب! فقال: ~~لا والله ما يمنعني من التوالي عنك إلا الشغل! ### | 259 - # وحدث المبرد قال: حدثني نفيس الكاتب قال: وصف حنين بن إسحق الطبيب لحجاج ~~معجونا وواقفه على أخذ وأن يؤخر غداءه إلى وقت الظهر ويعرفه خبره بعد ذلك! ~~قال حنين: فكنب إلي رقعة يقول فيها: "شربت الدواء وأكلت قليل ms125 كسرة، واختلفت ~~كرامة لوجهك أربعة: أحمر وأخضر مثل السلق، ووجدت مغسا، ورأيك في إنكار ذلك ~~على بطني إن شاء الله! " فلم أدر بما أجيبه، وقلت للرسول: أقره السلام وقل ~~له: نلتقي غدا إن شاء الله تعالى. # PageV01P067 ### | 260 - # وحكى الوزير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قال: حدثني علي بن يحيى قال: ~~اجتاز شجاع بن القاسم يوما في الشرب من دار الخلافة، فخرقت كلاب كانت فيه ~~ثيابه، ودخل على المستعين على تلك الحال، فقال به: ما بالك على هذه الصورة؟ ~~فقال: داس كلب ذنبي فخرقت ثيابه! فضحك المستعين حتى زال تماسكه. ### | 261 - # وحكى إبراهيم بن المدبر قال: حدثني أحمد بن عمار قال: عملت شعرا رائجيا ~~وواقفت سعيد بن حميد أن يلقيه على رجل من الطالبين كان جلدا خبيثا، ولنا ~~ملازما وصديقا، ويواقفه على أن يقصد به شجاعا وينشده إياه على أنه مديح له ~~فيه، وبذلنا له عن ذلك برا، والشعر هو هذا: # شجاع نجاع كاتب لاتب معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # خبيص لبيص مستمر مقوم ... كثير أثير ذو شمال مهذب # فطين لطين آمر لك زاجر ... حصيف لصيف كل ذلك يعلم # بليغ لبيغ كل ما شئت قلته ... لديه وإن تسكت من القول يسكن # أديب لبيب فيه عقل وحكمة ... عليم بشعري حين أنشد يشهد # كريم عليم قابض متباسط ... إذا جئته يوما إلى البذل يسمح # فحفظه الطالبي ومضى إلى شجاع وقال له: ليس الشعر أعزك الله من صناعتي، ~~وقد قلت شيئا أرجو أن أوافق عليه، وجعلته مديحا لك وجزاء عن إحسانك إلي ~~وإلى بني عمي، فإن رأيت أن تسمعه مني؟ فقال له: قد أغناك الله عنه مع شرفك ~~ووجوب حقك! قال: أحب أن تتفضل علي بذلك، واندفع فأنشد الأبيات، وشجاع مصغ ~~إليه، فلما فرغ من إنشادها شكره عليها، ودخل إلى المنتصر فتنجز له عشرة ~~آلاف درهم صلة، وأرزاقه ألف درهم في كل شهر، وعاد إلينا الطالبي فقال: ~~أنتما السبب بما وصل إلي، ووالله لا أخذت منكما شيئا! وكنا وعدناه بألف ~~درهم. ### | 262 ms126 - # قال الحسين بن يحيى: ما سمعت شجاعا ينشد شعرا قط غير بيت كان يتمثل به ~~كثيرا: # وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ### | 263 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله تعالى عنه قال: كان لروزبهان بن ~~ونداخرشيذا جد أمير الديلم كاتب يعرف بأبي الحسن علي بن أبي الحسين القمي، ~~وقد استخلفه بحضرة معز الدولة أبي الحسين بن بويه ببغداد وعول عليه في ~~مراعاة إقطاعه بالسواد، فاتفق أن كان الوزير أبو محمد المهلبي جالسا في دار ~~معز الدولة بباب الشماسية على الأرض يشاهد البناء فيها، وأبو الحسن القمي ~~هذا بين يديه مع جماعة، فنهض القمي وقرب من الوزير كأنه يريد أن يساره ~~بشيء، ثم رفع يده ولطم وجه الوزير وقال: دبابة! بالدال وكانت بقة، فقال له: ~~يا جاهل فإذا كانت ذبابة تقتلها على وجهي! فقال: ذاك صغار لك خرطوم يلسع، ~~فقال له: قم فقد سقط عنك القلم! فانصرف وهو يقول: إنما خدمنا! والجماعة ~~تضحك منه وتعجب. ### | 264 - # وحكى أبو رفيد الأزدي قال: أكثرنا الضجيج على عبيد الله بن يحيى بن خاقان ~~في أمر البصرة لما دخلها الزنج، فضجر يوما وقال: ذهبت البصرة فمه؟ فقال فيه ~~العدوي البصري: # قال الوزير المعاون الظلمة ... الأخرس اللفظ مشبه امرخمه # وقد شكونا ذهاب بصرتنا: ... إن ذهبت بصرة العريب فمه # إن ذهبت زال ملك آل بني ال ... عباس أهل الفخار والعظمه # كلمة سوء زل اللسان بها ... ورب حتف تسوقه كلمه # وجعل الصبيان يصيحون إذا مر عبيد الله في الطريق: فذهبت البصرة فمه! ثم ~~اختصروا وصاحوا: فمه فمه!! فبلغ ذلك أبا يعلى كاتب عبدي الله بن يحيى فقال: ~~والله لأنفين العدوي من الدنيا. فقال العدوي: أما من الدنيا فلا، ولكن ربما ~~نفاني من سر من رأى، وقال يهجوه: # نعمة الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام # لا يليق الغنى بوجه أبي يع ... لى ولا نور بهجة الإسلام # وسخ الثوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام # لا تمسوا أقلامه فتمسوا ... من دماء الحسين في ms127 الأقلام # وبلغت هذه الأبيات عبيد الله، وقد تدوولت وشاعت وذاعت بسر من رأى، فتنكر ~~لأبي يعلى، وكرده مقامه معه، ونبا عنه، وكانت السبب في خروج أبي يعلى عن سر ~~من رأى. # PageV01P068 ### | 265 - # وحدث جعفر بن أبي نوح قال: حدثني أبي قال: كان جعفر بن محمود وزير المعتز ~~ثقيلا على قلبه إلا أنه لم يكن متمكنا من صرفه وتغيير أمره لأجل الأتراك، ~~فدخلت يوما على المعتز فنظر إلي نظرا علمت معه أنه يريد أن يلقي إلي شيئا ~~على خلوة، فتوقفت إلى أ، خلا مجلسه، ثم قال لي: رأيت يا عيسى أحدا ابتلي ~~بما بليت به، لقد بلغ المكروه مني في نفسي وحرمي مبلغا ما أطيق الصبر عليه! ~~قلت: يبقي الله أمير المؤمنين ويصلح أموره، ما الذي ضاق صدرا به؟ قال: ويحك ~~كنت جالسا خاليا ومعي عقد جوهر أنظمه لجاريتي فلانة، فلم أشعر إلا بدخول ~~جعفر بن محمود ووقوفه بين يدي، وقال لي: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ قلت: إن ~~فلانة جاريتي لطيفة الموقع من قلبي فأنا أنظم لها لهذا؛ فضحك وقال: هل علمت ~~يا أمير المؤمنين أنها كانت ربيطتي ومحبة لي، وأرجو أن يملها أمير المؤمنين ~~فيهبها لي! فتداخلني من الغيظ والحمية ما لم أملك معه أمري، وهممت أن أتقدم ~~بقتله ولا أبالي ما جرى من بعده، ثم رجعت وصبرت واحتملت! فقلت: هذا رجل ~~جاهل، والرأي ما رآه أمير المؤمنين وفعله. ### | 266 - # وحدث أبو علي نطاحة قال: أمل صالح بن شسرزاد على كاتب كتابا إلى بعض ~~العمال وقال فيما قال: "أبقاكما الله وحفظكما" فقال له الكاتب: يا سيدي ~~الكتاب إلى واحد فقال له: فاجعله عني وعن شريكي! ولباذنجامة الكاتب في ~~صالح: # حمار في المتابة يدعيها ... كدعوى آل صخر في زياد # فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو عرفت ثوبك بالمداد # وكيف يجوز في الكتاب فدم ... عديم الفهم منخوب الفؤاد ### | 267 - # حدث أبو العباس بن عمار قال: حدثني بعض المتأدبين من أهل سر من رأى ومن ~~كتاب ديوان الخاتم ا، صالح بن شيرزاد ms128 دخل على بعض الوزراء فقال له: السلام ~~عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، فقال: لست بالأمير ولا السلام على ~~الأمراء كذاك! فقال: أعزك الله إذا دخلنا على أمثالك تصاعد الكلام في ~~صدورنا حدورا! ### | 268 - # وحكى أن أبا أيوب ابن أخت الوزير في أيام المعتصم كان من الحمق، وكان ~~يقول بخلطة الجن له ومعرفته بهم ومعرفتهم به، وأوهم نفسه عشق جارية منهم ~~تسمى "قرة العين"، وكان يطرح إلى جانبه مصلى لتجلس عليه معه، وزاد ذكره لها ~~ولهجه بها حتى غارت داريته عز عليه من ذاك وهجرته وامتنعت من لقائه وكلامه! ~~وركب يوما إلى باب قوم فاستأذن عليهم وقال لهم: قد مات عامر من عمار داركم، ~~وكان شيخا صالحا، وأريد أن أدخل وأعزي أهله به فأدخلوه، وصلى تحت سدرة في ~~الدار أربع ركعات، ثم قال: عظم الله أجركم في أبي سعيد وأحسن عزاءكم! ~~وانصرف. ### | 269 - # وحكى محمد بن موسى بن سيف قال: كنت أكتب لموسى بن عيسى بالبصرة، فوصل ~~إليها فيل أهداه صاحب السند إلى الموفق، وكتب موسى بخبره إلى الموفق، فعاد ~~الجواب بخط أبي العلاء صاعد بن مخلد وزير الموفق: "كتابي إليك بخطي، بين ~~يدي الأمير أطال الله بقاءه وقد وصل كتابك في أمر الفيل، وسار خبره فر ~~وصوله سالما، وقد أمر الأمير أيده الله بأن يقاد الفيل على أصلح الطرق، حتى ~~يؤمن عليه الخلل فيما يحتاج إليه، إن شاء الله! " ### | 270 - # قال: وكتب إلى عبيد الله بن سليمان، وقد مات له ميت: "أحب جعلني الله ~~فداءك أن تكتب إلى صاحب الجسر في إطلاق إحضار نائحة ليشفوا غيظهم الليلة" ~~فقال عبيد الله: فلم أعلم غيظهم على الله أم على ملك الموت! وكتب له بما ~~أراد. ### | 271 - # وقرأ صاعد يوما على الموفق كتابا فلم يفهم معناه، وقرأه الموفق وفهمه، ~~فقال فيه عيسى بن الفاسي: # أرى الدهر يمنع من جانبه ... ويهدي الحظوظ إلى عائبه # وكم طالب سببا مجلبا ... فأعيا عناه على طالبه # ومن عجب الدهر أن الأمي ... ر أصبح أكتب من كاتبه # وله ms129 فيه أيضا: # أتاني كتابان من صاعد ... بمدح الرضى وبذم الغضب # وتاريخ هذا وذا واحد ... بيوم الخميس، في للعجب # فيا ليت شعري لماذا رضي ... وياليت شعي لماذا غضب! ### | 272 - # وكتب ابن الفيروزان المدائني إلى صاعد بن مخلد أبياتا، وأهدي إليه هدية ~~معها في يوم مهرجان، فأجابه صاعد: # وصلت تحيفاتك ... في يوم مهرجانك # فلا عدمت بلاغتك ... وطيب ريحانك # PageV01P069 # فأنت جانجاني ... وأنا جانجانك! # وخاطبه أبو العينار يوما فيحاجة، فأمسك عنها، ولم يرد جوابا عليه، ~~فعاوده، وكان الأمر على حاله تلك، فقال له: تكلم يا سيد من سكت فقال ابن ~~بسام في ذلك: # يا من علا وتعظم ... الله أعلى وأعظم # يا أهل بغداد صوموا ... أبو العلا قد تكلم # وكانت نعمة صاعد عظيمة جمة فخمة زائدة، وكان استغلال ضياعه في كل سنة ألف ~~ألف دينار، ووجد له لما قبض عليه من الأموال والجواهر والثياب والفروش ~~والآلات والصياغات والطيب وآلات السلاح الشيء العظيم، ومن الكراع والجمال ~~أربعة آلاف رأس، ومن الخصيان والأتراك والسودان والحشم ثلاثة آلاف نفس وما ~~ينيف عليه. ### | 273 - # كان إسماعيل بن بلبل الوزير يفاوض المعتمد بالله في أمر، فقال له: إذا ~~أخرجه أمير المؤمنين من أستي أربعة أصابع فليدخله في أست من شاء! قال ~~المعتمد، وكان المخبر بذاك لعبيد الله بن سليمان وزيره: فورد علي من قوله ~~ما أخجلني، وأطرقت حياء منه! ### | 274 - # وحدث هشام قال: كنت بحضرة حامد بن العباس وقد نظر في وزارة المقتدر بالله ~~إذ خرجت أم موسى القهرمانة وقالت له: أنقذني أمير المؤمنين إليك وأمرني أن ~~أقول لك في مجلس عملك كان ابن الفرات يحمل إلي في كل يوم خريطة فيها ألف ~~دينار وإلى السيدة عشرة آلاف في كل شهر، وإلى الأمراء والقهارمة خمسة آلاف ~~دينار، وما حملت شيئا من ذلك منذ أربعين يوما! فقال لها غير محتشم: قد جئت ~~الساعة حادة محتدة تطالبينني بذاك! اضربي والتقطي واحذري لا تغلطي! فخجلت ~~واستحيت وانصرفت. ### | 275 - # وقال يوما في مجلسه الحفل لابن عبد السلام: هذا الدقيقي ابن البظراء ~~قرابة أم كلثوم ms130 العفلاء تعرفه؟ فقال له: الوزير أعزه الله أعرف به مني! ### | 276 - # وقال يوما لأبي القاسم بن الحواري في دار الخلافة وأم موسى القهرمانة ~~حاضرة، في عرض حديث: خاصمني الطائي دفعتين فنكت أمه مرتين! فقالت أم موسى: ~~ما هذا الكلام من كلام الناس! إنا لله وإنا إليه راجعين! .. فاستحيا وقال: ~~نحن في السواد إذا غلبنا خصومنا قلنا: نكنا أمهاتهم. ### | 277 - # واستدعى يوما الوليد ابن أخت الراسبي يطالبه بمال مصادرته، فقال له أبو ~~الحسن علي بن عيسى، وهو يؤمئذ نائب عنه، يوليني الوزير خطابه؟ فقال: افعل، ~~فاستدناه، وجلس يساره، والوليد الآن على أن أنيك أم ذا؟ فقال له: اللهم ~~غفرا، إي والله وأي لوم! فقال محمد بن عبزس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء، ~~وكان حاجب علي بن عيسى: لعن الله زمانا صرت فيه وزيرا. ### | 278 - # وقال علي بن هشام: اجتاز حامد على باب دارنا بشارع باب الكوفة، فاتفق أن ~~كلمه قوم من التناء ببادوريا وقالوا له: نحن أيها الوزير مطالبون عن كل ~~نخلة سهريز بثلاثة دراهم، وحملها مائة رطل نبيعها بدرهمين، فأما ان أذنت ~~لنا في قلعة أو خففت عنا من خراجه! فزبرهم وقال: النظر في مثل هذا إلى أبي ~~الحسن علي بن عيسى فاقصدوه وخاطبوه، فمضوا، وسار خمس خطوات ثم وقف وأمر ~~بردهم فردهم الرجالة، وقال لهم: كأني بكم وقد قلتم لعلي لن عيسى قد أجابنا ~~الوزير وأحال عليك في التقرير! أمي إن كنت أجبتكن زانية، وأمكم إن قلتم هذا ~~زانية، وأم علي بن عيسى إن أجابكم إليه زانية! ### | 279 - # وكان علي بن عيسى يستوفى على حامد مال ضمانه المسواد، وهو إذ ذاك موسوم ~~بخلافته على الوزراء، ويناظره عند اجتماعهما في دار الخلافة على ما يحل ~~عليه منه، فيستظهر على بن عيسى، ويخلد حامد إلى السفه، فيقول له علي بن ~~عيسى: سلاما سلاما! يريد قول الله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما) فلما كثر ذلك على حامد منه قال له: كم تكثر من ذكر سلامه الذي ينيك ~~أسماء أختك! فقال علي بن ms131 عيسى: ما بقي بعد هذا شيء! وتجنب كلامه وخطابه. # PageV01P070 ### | 280 - # كتب أسد ين جهور، وكان ممن تصرف في الأعمال الجليلة وله النعمة العظيمة، ~~إلى بعض العمال أن احمل لنا مائتي جوانبيرة، فقال العامل: ما يصنع بهؤلاء ~~العجائر! ثم حصل منهن ما أمكن، وأنفذهن طوعا أو كرها، فما وصلن إلى بابه ~~وقرأ كتاب العامل بإنفاذهن، قال: ادفعوهن إلى الطباخ وتقدموا إليه بأن يذبح ~~لنا في كل يوم ما نحتاج إليه، فقيل له: انهن نساء! فقال: إنا لله، إنما ~~أردت الجوامركات فغلطت، وتقدم بأن يدفع إليهن دراهم ويصرفن، وأن يكتب إلى ~~العامل بحمل جوامركات من الدجاج. ### | 281 - # وحدث عبد الله بن محمد الروزي عن إسحق بن صالح قال: قيل للمأمون: إن بني ~~علي بن صالح صاحب المصلى فجار سفهاء، قد نقش كل واحد على خاتمه ما يدل على ~~مجونه وفجوره، فقال المأمون لعلي بن صالح: أحضرني أولادك لأقدمهم وأرتبهم، ~~فقال: السمع والطاعة، وعرف أولاده ما رسمه المأمون في أمرهم، فأخذوا أهبتهم ~~ودخلوا معه على المأمون فسلموا ووقفوا، فأمر بأخذ خواتيهم، وقرأ ما عليها ~~فكان على واحد منها: "اس مكنسه استه" وعلى الآخر: "أبي يغلب النوكى بسيفه" ~~بسيفه ورماحه" وعلى الآخر: # تعس الأير وانتكس ... دخل الكس فاحتبس # وعلى الآخر: "النيك من قدام يضعف الركبتين، فلا تستعمله في الصيف" # PageV01P071 # فقال المأمون: يا سفهاء قبحكم الله، تركتم الأدب واطرحتموه، وآثرتم ~~المجون والسفه واتبعتموه! هذا وأبوكم أحد العلماء والفقهاء الذين يرتضى ~~برأيهم ويستضاء بهديهم! ثم أقبل عليه فقال له: مال الذنب إلا لك، لأنك ~~أهملتهم حتى تتايعوا في غيهم وتركوا ما كان أولى بهم وبك! قال: ما لي عليهم ~~قدرة ولا طاعة، ولا سيما هذا الكبير فإنه أفسدهم وأهتكهم، ويزين لهم سوء ~~أعمالهم! فأطرق الكبير وأمسك، فقال له المأمون: تكلم، فقال: يا أمير ~~المؤمنين أتكلم بلساني كله أم كما يتكلم العبد الذليل بين يد مولاه، تاركا ~~لحجته، وهائبا لسيده؟ قال: تكلم بما عندك! قال يا أمير المؤمنين، هل أحمدت ~~رأي أبينا إذ أحمدت فهمه وعلمه؟ قال: ms132 نعم، قال: أعتق ما أملك وأطلق ما ~~أطأطلاق الحرج، وعلي ثلاثون حجة تبلغ بي الكعبة إن لم يكن أبي علي بن صالح ~~طلب سكر طبرزد فلم يجد في خزانته منه شيء، ولم يكن الوقت وقتا يوجد فيه ~~بائع ولا سكر، فقال له خازنه: ما عندنا سكر؛ فقال: الحمد لله رب العالمين، ~~ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت مصيبة، إلا أن هذا يقال عند ~~المصائب في الأنفس، لكني احمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، بما ~~حمده الشاكرون، وأنا أرجو أن نكون منهم ومعهم إن شاء الله .. ثم أقبل على ~~الخازن فقال: ادع لي الوكيل، فدعاه، فقال: ما منعك إذ فني السكر أن تبتاع ~~لنا سكرا؟ قال: ما أعلمني الخازن، فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: قد كنت ~~على ذلك .. قال: ما ها هنا ما هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى ~~رجلي ثم لا أضع الأخرى على الأرض ولا أراوح بينهما حتى تحضر اني ألف من ~~سكرا من الجنس الذي طلبته، ليس بوسخ ولا مضرس ولا لين المكسر ولا محدث ~~العمل ولا معوج القالب؛ ثم وثب وقال: "يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا" والله ثم والله لا أزال قائما حتى أوفي ينذري! قال: فتبادر غلمانه ~~ومواليه وبعض ولده وعجائزه نحو السوق، فواحد ينبه حارسا، وآخر يفتح دربا، ~~وآخر يحمل شريجة، وآخر يوقظ نائما، وآخر يرمي كلبا، والغلمان والخزان ~~والجواري والحراس والسوقة في مثل يوم القيامة! ثم قال: يا قوم أمالي من ~~أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق المخبآت؟ أين اللواتي كنت أغذوهن لي الطعام ~~واللبوس ويرعين فيما أرعين من خفض العيش وغضارة الدهر؟ أين أمهات الأولاد ~~اللواتي اعتقدن العقد النفسية وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين ~~الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد، ونغدو أو نروح؟ فتبادر إليه بناته ~~وأمهات أولاده، فقامت كل واحدة منهن على ساق، فقال: أحسنتم والله، أحسن ~~الله جزاءكن عن بركن، لمثل هذا كنت أعدكن وأحسبكن الحسنى! ولاحظ الكبرى من ~~بناته وآخر من ms133 بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال له: تراوحان ولا ~~أراوح! صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم قال: "إن من أزواجكم وأولادكم ~~عدوا لكم فاحذروهم". حذاري منكما ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته ~~سكرطبرزد، وجائزته من أمير المؤمنين ثلاثمائة ألف إذا كان السعر بين الغالي ~~والرخيص، وضيعته بالزاب تغل مائة ألف، وضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيريه ~~من أجل ضيعة ملكها أحد، وضيعته بطسوج الدسكرة لولا أن سعيدا السفدي أدال ~~الله منه قطع شربها وغور مجاري مائها حتى عطلت أنهارها وبطلت عمارتها، ~~إضرارا بنا وتعديا علينا، ما كان لأحد مثلها، وعلى أن أكرتها ومزارعيها من ~~ألعن خلق الله، لو تمكنوا من أن يقتطعوا الحاصل ما أعطونا شيئا، ومن أخبرك ~~أن الضيعة لرب الضيعة فقل كذبن لا أم لك، الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث ~~للسلطان، وثلث للوكيل، وثلث للأكار، وإنما يبقى لرب الضيعة صبابة كصبابة ~~الإناء، ومجة كمجة العرقوب، يجيء وقت الدياس، فيمر بهم الأمير، فهذا يخبز ~~له، وهذا يذبح له، وهذا يستقيهم النبيذ، وما نبيذهم العكر الأسود إلا وضر ~~الدبس وماء الكشوث، قبح الله ذاك شرابا ما أثقله في الجوف وأضره بالأعلاق ~~النفيسة! ثم يأتي وقت الكيل فمن بين رقام رقم الله جلبابه، وأعد له من ~~الهوان ما هو أهله ومن بين كيال كال الله له الويل بقوله: "ويل للمطففين" ~~ما يبالي أدهم بما يقدم عليه، ولقد سمعت أمير المؤمنين أعزه الله يسأل ~~قضاته بالحضرة، هل عدلتم كيا قط؟ فكلهم قال: لا! قال: فإن أطعموا الجداء ~~الرضع ونقى دستميسان ووهبت # PageV01P072 # لهم الدراهم، فويل يومئذ لفئة السلطان ماذا يحمل عليها من القشب والقصر ~~والمدر ويخلط فيها من التبن! ثم قال: يا قوم لم أسهبت في ذكر هؤلاء وما ~~الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى تكلمت فيه؟ أما كان يكفيني أني قائم على ~~رجلي بأحد جناحي؟ فقالوا: هذا للسكر الذي خلت خزانتك منه! قال: أجل والله، ~~إذا كان وكيلي مشغولا بزوجته وبناته ومصالح أمره فمتى يفرغ للنظر في مصالح ~~خزانتي! والله لقد حدثت ms134 أن حلي بناته بألوف دنانير، وقال لزوجته: اخرجي إلى ~~الأعياد، وادخلي الأعراس واسألي عن رجال المذكورين، واطلبي المواضع ~~المعروفة والأنساب المرضية والأخلاق الكريمة لبناتك، وأخرجيهن في الجمعيات ~~يتصفحن محاسن العزاب، ويخترن أولي الأنساب! أو لم يزو عن الثقات أنهم كرهوا ~~خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله فيهن السعي، فنبع قوم من هذه ~~البدعة: خارجية خرجت ومارقة مرقت،، ورافضة رفضت الدين وأهل الدين، فتركوا ~~فرض الله، "قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله! " وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه ولا اثنين أنه ~~خطب الناس فقال في خطبته: "إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، ~~في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافا بها وجحودا ~~لها فلا جمع الله له شملا، ولا بارك الله له في أهله، أل اولا حج له ولا ~~جهاد حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه"! ثم قال: يا قوم ما الذي حركنا على ~~هذه الفضيلة في جوف الليل؟ فقالوا: السكر! قال: أجل والله فما أحضرتموني ~~ألف من سكرا إلى هذه الغاية! أيا صبح أيا فتح أيا نصر أيا نجح! تبادروا ~~مولاكم ويلكم فإنه قد تصب ولغب من طول القيام! والله إني لأحسب أن الثريا ~~مقابلة سمت رأسي! ذهب والله الليل وجاء الويل! ويلكم أدركوني فإني أريغ ~~نومة ولا بد من البكور نحو الدار! فبادر بقية الخدم يستحثون الأول، وأخذوا ~~السكر فجاءوا به من غير وزن ثمنه ولا تقرر سعره، طلبا للسرعة والعجلة، ~~فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرت به، قال: فهل أخذتموه من الجنس الذي طلبت؟ ~~قالوا: نعم، قال: فهل وزنتموه واستوجبتموه؟ قالوا: لا! قال: يا أعداء الله ~~أردتم أن توقعوا أذيتي، والله لا يطمع مني في هضمه، ولا أزال على حالي حتى ~~تأخذوه بيعا صحيحا لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنوية! هيهات يا أبي الله ذلك ~~وعلي بن صالح! فرجعوا وقطعوا ثمنه مع التجار، ووزنوا لهم ثمنه، وعادوا إليه ms135 ~~فأخبروه بذلك، فقال: يوزن بحضرتي! فجاءوا بالقبان، فقال: من يزن منكم؟ ~~فقالوا: من أمرته، فقال: زن يا صبح، فقد دنا الصبح، وأرجح، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم اشترى ثوبا فقال للوزان: زن وأرجح، فو الله لو لم يكن في ~~الرجحان إلا تحلة القسم وإن كان في ذلك لما يدعو العلماء بالله الفقهاء في ~~دين الله إلى العمل به لتوالي العمل به! فجعل الغلام يزن ويرجح، وهو يقول ~~له: ويلك عجل، فذاك أهلك، فقد دنا الصبح! أوه جاءت والله نفسي أو كادت! ~~قال: فلما استوفى الوزن خر مغشيا عليه ما يدري أرضا توسد أم وسادا، وكذلك ~~كانت حال من كان معه في مثل حاله، فما انتبه واحد منهم لفريضة ولا نافلة ~~إلا بحر الشمس .. فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وعقله وفهمه ~~ورأيه وفقهه! فقال له المأمون: قاتلك الله، فما أعجب أمرك على كل حال، ~~والله لئن كنت ولدت هذا على أبيك في مقامك هذا فمالك في الأرض نظير ولا في ~~السماء شيبه! وإن كنت حكيت عنه حقا وعيانا ووعيت لقد أجدت الحكاية وأحسنت ~~العبارة وأحكمت الحفظ والدراية وما في الدنيا لأبيك في ذلك شبيه، وإنك ~~لتعمي مساوئك بمحاسنك، فلا تذكرن شيئا من هذا بعد هذا المجلس، فإن عيبه ~~فينا أقدح منه في أبيك! قال: فذهب علي بن صالح ليتكلم، فقال له المأمون: ~~إياك أن تنبس بحرف! ثم أمرهم بالانصراف. ### | 282 - # كان ليعقوب بن داود ابن متخلف، فوهب له المهدي جارية، فلما دخل إليه قال ~~له: كيف أمرك مع تلك الجارية؟ قال له: ما وضعت يا أمير المؤمنين بيني وبين ~~الأرض مطية أوطأ منها، حاشا السامع! فقال المهدي لأبيه: من تراه عني؟ مني ~~أو منك؟ فقال له: الأحمق يا أمير المؤمنين تحفظ من كل شيء إلا من نفسه! # PageV01P073 ### | 283 - # وكان ليقطين بن موسى كاتب يكنى بأبي خالد ويسمى بزدانفاذار فذكر الجاحظ ~~في (كتاب البيان والتبيين) أن لكنة بزدانفاذار كانت لكنة نبطية، وأنه أملى ~~يوما على كاتب به: "والحاصل ms136 ألف كر "فلما قرأه أنكر ذلك، وقال له: أنت لا ~~تهسن تكتب وأنا لا أهسن أملي! كتب الآن: الجاصل بجيم معجمة، فكتب. ### | 284 - # وقلد المتوكل ابن الكلبي الخبر والبريد، وأحلفه على مطالعته بكل ما يبلغه ~~ويعرفه، فكتب إليه يوما: "ومما أنهيه إلى حضرة أمير المؤمنين أن زوجتي خرجت ~~مع حبة لها إلى بستان، فعربدت عليها حبتها وجرحتها في صدغها" فقال إبراهيم ~~بن العباس لما قرأ ذلك على المتوكل: هذا تصحيف، وأظنه بالعين وفتح الصاد! ~~فضحك المتوكل وقال: ما هو إلا كما قال إبراهيم. ### | 285 - # وحدث أبو العباس ابن عمار قال سقط سنور على قفا داود ابن الجراح فقال: ~~رياش وخير! وحضر داود مجلسا فيه جماعة من الفقهاء، فلم يزل الكلام يجري ~~بينهم إلى أن خاضوا في باب التزويج، فقام من المجلس وقال: نحن لا ندخل في ~~باب الفروج! ### | 286 - # وحكى ثابت بن إبراهيم عن الصابىء قال: لما ورد معز الدولة أبو الحسين بن ~~بويه إلى بغداد، ومعه أبو جعفر محمد بن يعلى الصيمري فصدته مع جماعة من ~~الناس، فدخلنا دارا قوراء، في جانب صحنها حصيران في صدرهما حصير مبطن عليه ~~ثلاث مخاد، وجلسنا ننتظر إذنه، فما راعنا إلا رفع الستر وخروجه من حجرة كان ~~فيها، وعليه منديل لطيف، وقميص نوري قد رفع ذيله على كتفه، وسراويل مسح ~~بتكة ظاهرة، وقيل: الأستاذ الأستاذ! وبذاك كان يدعى، فنهضنا وبادرنا إلى ~~السلام عليه وتقبيل يده، فجلس بين المخاد، فأمر ونهى غير متحاش، وانصرفنا ~~متعجبين من أن شاهدنا ما شاهدنا من وقار علي بن عيسى بن الجراح وتزمته وأنه ~~ما رئي في خلوته فضلا عن جمعه إلا متعمما متحنكا عليه القميصان والمبطنة ~~بينهما والدراعة من فوقهما، وفي رجله الخفان، ورأينا ما رأيناه الآن من ~~الصيمري! ### | 287 - # قال محمد بن هلال: وأذكر في سنة تسع وأربعين وأربعمائة وقد دخلت وقاضي ~~القضاء أبو عبد الله الدامغاني إلى العميد أبي نصر أحمد المستوفى، وهو ~~الناظر ببغداد من قبل الملك طغرل بك، وقد سار الملك إلى الموصل وراء ms137 ~~الفساسيري والعرب، وعليه قميص رومي خفيف فقط، فدخل إليه الأشقر الطبيب ~~وسأله عن حاله وكيف كان مما يشكوه، فلم يشعر به إلا وقد تمدد على وجهه، ~~وكشف القميص عن جسمه وهو مملوء دماميل وأراه إياها، وما زال يتقلب بين ~~أيدينا على تلك الصفة ليشاهد الأشقر ما في جسمه من ذاك، ثم رجع وقعد؛ فقمت ~~ولم أراجع إليه من بعد .. وحدثت عميد الملك أبا نصر بن محمد الكندري وزير ~~طغرل بك بذاك، فضحك منه، وقال: هؤلاء قول سفل من أوغاد الناس وأصاغرهم، ~~تقدموا معنا، وبلغوا إلى الغاية من جليل خدمتنا، لأن رؤساء البلاد والأكابر ~~لم يرضوا هذه الدولة في اول خروجها واشمأزوا منها، ورفعوا نفوسهم عنها، ~~فهلكوا واندحضوا وبادوا وذهبوا، وتبعها الأوباش والأصاغر والأدوان ~~والأراذل، فارتفعوا وعلوا! ثم قال: وتأمل الملك والشرائع ثم الدول من بعدها ~~تجد أوائلها وأحوالها على هذا! ### | 288 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين رضي الله عنه قال: حدثني ثابت بن إبراهيم عمنا ~~قال: كنت يوما عند أبي جعفر الصميري وقد جاءه رسول الأمير معز الدولة يطلب ~~منه فقيرا، فقال: نعم سنطلبه ونحصله، فمضى وعاد وقال: يراد الساعة! فقال: ~~مالي فقراء، أخرأ فقراء فوجمنا مما سمعناه. ### | 289 - # وحكى التنوخي قال: كان بالبصرة إنسان يعرف بأبي محمد التومني، كثير الأدب ~~والمعرفة، حسن النشوار والمحاضرة، وعادته جارية بالتصدي لخطاب العمال عن ~~أهل البصرة والقيام بحججهم في كل معضلة، فلما ورد الصيمري البصرة طالب ~~الناس مطالبة اعترضه التومني فيها على عادته وقال له في عرض قوله: بلدنا ~~أيها الأستاذ كثير الصلحاء ضعيف الأهل، وما أحمد أحد قط حيفه عليهم وإساءته ~~إليهم، وربما وكلوك إلى الله تعالى ورموك بسهام الليل يعني الدعاء! فقال له ~~الصيمري: سهام الليل في لحيتك يا شيخ! فاستحيا الرجل وانصرف. # PageV01P074 ### | 290 - # وحدث ابن خربان الأهوازي قال: كان في أبواب المال بالأهواز جهبذ يعرف ~~بابن واصل، تمت عليه حيلة في تزوير، وبقي عليه منه باق، وطولب به فأدى بعضه ~~وفلج في باقيه؛ وكان أبو عبيد الله الشيرازي صاحب ديوان الأهواز ms138 لمعز ~~الدولة أبي الحسن بن بويه، وله عادة في سجع الكلام دائمة كثيرة جارية في ~~ديوان العيوب والحماقة، لا ديوان الفضل والكتابة، وله فيها أخبار وحكايات ~~غريبة عجيبة، فسئل في أمر ابن واصل وإنظاره فأجاب، ثم صار يقول إذا دعاه: ~~"هاتوا ابن وصل وطالبوه بما عليه من الحاصل! "فيحضر ذلك المسكين ويحبس، ~~ويطالب للسجع المشؤوم، ثم يؤخذ منه شيء قريب، ويسأل فيه فيفرج عنه، ثم يعيد ~~السجع فيعود القبض والحبس! وقال يوما: يا سيدنا أنا أعرف بابن بهية اسم ~~والدته وأسألك أن تعفيني من الدعاء باسم أبي وتنقل ذكري إلى اسم أمي! فقال: ~~حبا وكرامة، وصار يقول: يحضر ابن بهية ويطال بالبقية! فعاد الرجل فيما كان ~~فيه من جهة الأب، وجرت عليه المطالبة بذلك السجع مرات وكرات! فقال: يا ~~سيدنا أنا أنتقي من والدي وأسألك ألا أدعى باسم واحد معهما!! فضحك منه ~~وأمسك عنه. ### | 291 - # وكان لبنجاسب أحد قواد الديلم الأكابر كاتب بعرف بأبي الرعاقل الطحري، ~~فاستدعاه أبو عبيد الله يوما وطالبه بفاضل القطاع بنجاسب وقال له: "على ~~صاحبك من فضل الاقطاع ما قد كشف في طلب كسره القناع" فقال له: لا تقل مثل ~~هذا فإن صاحبي معرف، وهو ابن عم الأمير، ولا يلبس بحمد الله مقنعة قط، ولا ~~هو مخنث! فقال له: يا جاهل ومن قال إنه يلبس المقنعة؟ فقال: أنت الساعة، ~~وستعلم من هو الجاهل! وقام مبادرا وجاء إلى صاحبه فقال له: يا قائد اقتلني ~~بين يديك ولا أسمع فيك الكلام الرديء القبيح! فسأله عن ذلك، فقال: أ، ت ~~بنجاسب بن يعقوب لنا مالح خالص فرابة الأمير يقول أبو عبيد الله فيك في ~~الديوان والناس حضور يسمعون إنك مخنث تلبس المقنعة وقد كشفها عن رأسك بسبب ~~فاضل إقطاع لا يجب علينا! فثار بنجاسب كالمجنون، وكان قد شرب أقداحا، وأخذ ~~في يده خشتا، وركب دابة النوبة، وأسرع يطلب أبا عبيد الله لفتك به، ورآه ~~قوم من القواد وعرفوا خبره، فأمسكوه وهو يجاذيهم وقالوا له: هذا لا يحسن ~~بك، ويجب ms139 أن تمضي إلى الأمير وتعرفه ما جرى، فإن هو أجابنا إلى ما نريده في ~~هذا الرجل، وإلا كان هذا بيدك لم يفتك منه شيء، وعدلوا به إلى دار الأمير ~~معز الدولة، وصارت فتنة عظيمة، وبين لبنجاسب معنى الكلام بالفارسية، فلم ~~يقبل، ولم يصغ إلى قول أحد إلى قول كاتبه، إلى أ، حضر أبو بكر السيرجاني ~~كاتب الإنشاء، وكان موقرا عندهم، وحدث بالحديث فقال: أن أحل هذه العقدة! ~~ودخل الدهليز فرأى بنجاسب على ما هو عليه من الامتعاض والغيظ، فسأله عن ~~حاله فأعاد عليه ما قاله أبو عبيد الله لكاتبه، وقال: جعلني مخنثا ألبس ~~المقنعة! ولئن لم ينصفني الأمير منه لأقتله وأعود إلى ديلمان! فقال أبو ~~بكر: أما كاتبك فأحسن الله تعالى جزاءه كيف حمي لصاحبه وامتعض له، إلا أنه ~~ذهب عليه المعنى لأنه كاتب حاسي، ولا يعرف كلام العرب، والقناع في لغتهم ~~السيف، وأبو عبيد الله يتكلم دائما بما لا يفهمه غيره! ولم يزل يداريه ~~ويحمد الكاتب على فعله حتى قبل منه وقال له: قد صدقت، وكأني ما عرفت هذا، ~~ولا تلزمه معرفته، وكذا يكون الكاتب الناصح، إذا سمع كلمة في صاحبه قلق لها ~~ولا يحتملها! وانصرف بنجاسب إلى داره، فخلع على كاتبه وأعطاه دابة يركبها، ~~وكان من قبل راجلا! ### | 292 - # حدثنا أبو الفتوح منصور بن محمد المقدر الأصفهاني قال: كان بالري شاهد ~~يعرف بأبي محمد الصفار، فشكاه قوم إلى الصاحب أبي القاسم شكوى أكثروا فيها ~~ورفعوا إليه القصص بها، فوقع على أحدها: "إن كان ذاك دأب أبي محمد الصفار ~~فالري ليست به بدار" وبلغ أبا محمد خبر التوقيع فأقل الفكر فيه والانزعاج ~~له وقال: وقال ما أردابي الصاحب بما وقع به ولا اعتقد لي سوءا فيه، وإنما ~~طلب السجع فكتب بما كتب! وكان الأمر على ذلك. ### | 293 - # وحدثنا أبو الفتوح بن المقدر قال: أشيع بالبصرة عند ورود فخر الدولة ~~والصاحب إلى الأهواز بأن الصاحب يرى رأى المعتزلة ويكفر الطوائف المخالفة، ~~إيحاشا منه وتنفيرا لهم عنه، وبلغه ذاك فقال: # بثوا ms140 أحاديث غير متفقه ... وفسقونا وكلهم فسقه # PageV01P075 # حدث بمعروفنا ومنكرهم ... ورأينا في مبرة العققه # إذا ملكنا غدا بواصيهم ... فليثقوا بالرجاء كل ثقه # إن لم نصدق على مسيئهم ... بالعفو منا فملكنا صدقه # وأنفذ الأبيات مع من طرحها في المسجد الجامع بالبصرة، فتدوولت وأجاب عنها ~~سفهاء الشعراء هنالك. ### | 294 - # ووقع يوما أبو الحسين محمد بن أحمد الرازي المعروف بكوردوير وتفسيره ~~الكاتب الأعور في وزارته لمعز الدولة أبي الحسين بن بويه أول أمره: "احمل ~~أيدك الله يا وكيل الأنقاض في الوقت والساعة خمسين طافالا للذنب إن شاء ~~الله" أراد خمسين جذعا للجسر، فكتب نصف التوقيع بالعربية ونصفه بالعجمية. # ووقع أيضا مثل ذلك: "افعل ما رسمته لك وباشت بين إن شاء الله، وقد أعذر ~~من أنذر، السلام" باشت بين: أبصر بين يديك! ووقع أيضا: "اعمل الذي أمرتك به ~~بجهد وتوان وعزل التقصير إن شاء الله، وتوان قدرتك! " ### | 295 - # وحدث أبو الفضل بن المرزبان الشيرازي عن أخيه أبي منصور أنه قرأ رقعة ~~كتبها كوردوير إلى أبي على الطبري، وكان بعسكر مكرم: "واستدعى معز الدولة ~~حضور أبي علي لمهم يخاطبه عليه مولاي الأستاذ أدام الله عزه يعرف الأمر كيف ~~هو والذي ذكره مولانا الأمير أطال الله بقاءه أنه لا يحتمل المكاتبة ولا ~~يجوز تأخيره ويحتاج إلى السرعة، والصواب أن يترك مولاى الأستاذ الدواب على ~~الشط ويبادر هو ويمشي على الزبزب في السرعة الخفيف ولا يفكر في الدواب، فقد ~~أقمت له ما يحتج إليه منهم في حان الطواف، إن شاء الله تعالى". ### | 296 - # ووقع أبو القاسم العلاء بن الحسن أحد وزراء صمصام الدولة بن عضد الدولة ~~في رقعة عرضها عليه ابن ثعلبة أحد كتاب الديلم بالأهواز، وكان يكثر عليه في ~~طلب المحال وما لا يجوز ولا يسوغ: "قاق قاق قاق! " ولأبي الفضل بن حيدرة ~~فيه: # إذا ما العلاء علا دسته ... يوقع في القصص الوارده # فقل للزمان بلا حشمة ... خريت على الناس بالواحده! ### | 297 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي رحمه الله قال: كان أبو الطيب بن لافرخان ~~ابن شيران ms141 أحد وزراء صمصام الدولة أبي كاليجار المرزبان ابن عضد الدولة أبي ~~شجاع بن بويه يكشف رأسه، ويضع عمامته على مخاد دسته، ويحمى في المناظرة ~~والمخاطبة، ويزحف إلى أن يخرج من الدست، ويطاف به فيحال بينه وبين دسته ~~وعمامته، فسرقت يوما، فسأل عنها فلم توجد، وجيء له يغيرها. ### | 298 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله عنه قال: حدثني أبو طالب العلاء ~~بن محمد سبط أبي الحسن علي بن محمد المعروف بالأشقر قال: كان أبو علي الحسن ~~بن بندار من أهل كازرون وزربشيراز، فوقع يوما: "بس الله الرحمن: الصبر في ~~نفس السلطان الأعظم أطال الله بقاءه كالماء في القدح العدل كلما زاد على ~~الحد ذهب منه الكل"فلما وصل ذلك إلى عبد الواحد بن مسعود أحد الرعاة ~~المنغلبين بأطراف فيروزاباد، وكان إليه، قال: لو فهمت ما كتبته لأجبت عنه! ~~قال: وقال يوما لأبي القاسم البلخي: أيها الأستاذ ماء القسمة أصلح للشجر أم ~~ماء الوكيل فقلت الماء أيها الوزير واحد وإنما قسم قسمين فقسم لوكيل ~~السلطان وقسم للتناء سمي القسمة، وسمي ذاك ماء الوكيل! ### | 299 - # وحدثني والدي رضي الله عنه قال: حدثني أبو عبد الله بن المرزبان ابن أخي ~~أبي منصور الشيرازي قال: لعب أبو غسان عبد الله بن أحمد الشيرازي مع أبي ~~سعيد بن ميدان الشيرازي أحد عمال عضد الدولة أبي شجاع بن بويه، ومتقدمهم ~~بالشطرنج، فقال أبو غسان وقد اتجهت له ضربة: شاهك وسر كلاهك وأطيل حزنك ~~فأهلك فرمى بالشطرنج ونهض وقال: هذا لمن يقول وقد بلغنا إلى النساء فضحك ~~أبو غسان منه وضحكنا وشتمنا وانصرف. # PageV01P076 ### | 300 - # وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو القاسم أبي قال حدثني أبي عن ~~الحسين بن السميدع الأنطاكي قال كان عندنا بأنطاكية عامل من قبل أمير حلب، ~~وكان له كاتب أحمق، فغرق في البحر شلنديان من مراكب المسلمين التي يقصدون ~~فيها الروم، فكتب الكاتب عن صاحبه إلى الأمير بحلب: "بسم الله الرحمن ~~الرحيم: أعلم الأمير أعزه الله أن شلنديين، أعني مركبين صفقا أي غرقا ms142 من خب ~~البحر، أي من شدة موجه، فهلك من فيهما، أي تلفوا" فأجابه صاحب حلب: "ورد ~~كتابك، أي وصل، وفهمناه أي قرأناه، فأدب كاتبك أي اصفعه، واستبدل به أي ~~اصرفه، فإنه مائق أي أحمق، والسلام أي قد انقضى الكتاب". ### | 301 - # كان أبو سعيد بن ميدان ينشد دائما: # متى كن لي إن السواد خضاب ... فيخفى بتبييض القرون شباب # وقيل له: إنه منى، فلم يقبل. ### | 302 - # وكان أبو طاهر الطرسوسي قد خدم العمدة أبا محمد بن مكرم على المطبخ، فقال ~~له العمدة يوما: هذا الخبز الذي يقدم على الطبق رديء فأحضر الخباز واصفعه ~~على حمل مثله إليك، فقال: السمع والطاعة، وكان الخباز والد أبي طاهر، وهو ~~له عاق وبه مشاق، فأحضره وتقدم به فصفع عشرين صفعة. ### | 303 - # ومن حكايات هذا الخباز مع ابنه: أن ابنه انتهى إلى أن رد إليه في سنة ~~أربع وثلاثين وأربعمائة عرض العسكر، وخلع عليه، فكان يجتاز في كل يوم بين ~~السورين إلى دار الوزارة راكبا، وبين يديه الغلمان، فيقوم أبوه وهو خباز في ~~دكان هناك. ويدعو له ويقول: زينك الله في عين السلطان، تلهيا به وإذكارا له ~~بنفسه. ### | 304 - # وقع بين القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وبين أبي طاهر الطرطوسي ~~كلام ومشاجرة، فقال له القاضي في دار الوزارة: يقي الله السفل آباءهم. ### | 305 - # وسمعته ينشد دائما: # وأنت تهذي بجمل مذن أزمان # فقلت له: يا هذا: منذ أزمان فقال: ما حفظته إلا كما أنشدته ولا أرجع عنه! ~~فكنا نضحك منه ونتعجب منه! وكان معطلا ذهريا لا يصلي ولا يصوم، فقلت له ~~يوما: يا هذا أما تصلي تجملا ورياء إن لم يكن نية واعتقادا! ما نصبر على ~~مشاهدة هذا منك ولا نرضى به! فقال: نعم وصلى قاعدا متوجها إلى غير القبلة ~~فقلت له: يا هذا ما توضأت قال: أن على وضوء، قلت: فما الصلاة إلى هذا الصوب ~~فقال: قال الله تعالى (فأينما تولوا فثم وجه الله) فقلت له: إن لم تصل فأنت ~~عارف بتأويل القرآن وقمت إليه ms143 فوجهته إلى القبلة مكرها. # ودخلت إليه وهو يجود نفسه فقلت له: تب يا هذا ما كنت تعتقد! فقال: اسكت ~~عني ودعني. وأدار وجهه إلى الحائط، فنهضت عنه، لعنه الله. ### | 306 - # وحدثني أبي قال: كان من كتاب الإنشاء في أيام عضد الدولة وبعدها في أيام ~~صمصام الدولة ابنه كاتب يعرف بأبي الحسين القمي، قال: فشاهدته في ديوان ~~الإنشاء يكتب بين يدي جدي أبي إسحق أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في ~~الديوان، وجلس يتحدث مع جدي تارة، ومعي إذا اشتغل جدي أخرى، وكانت له عادة ~~في حديثه بأن يلوز شفتيه ويشير بيده، فبقي أبو الحسين القمي شاخصا ببصره، ~~ويتعجب منه، فقال له أبو الفتح: ما بك يا أبا الحسين تحدق إلي النظر وتكثر ~~مني العجب؟ فقال: ما هو؟ قال: شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث غليه ويقول ببوزه ~~كذا وبيده كذا، بقرد رأيته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة على شاطئ دجلة، ~~فعل مثلما فعل مولاي الشيخ فامتعض أبو الفتح وقال له: ما هذا القول يا أبا ~~الحسين أعزك الله، ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي أو أمجن فتمجن بي، فلما رآه ~~أبو الحسين قد حرد واشتط وغضب قال له: المعذرة إلى الله تعالى وإلى مولاي ~~الشيخ، وقد صانه الله تعالى عن أن أشبهه بالقرد، وإنما شبهت القرد به، فضحك ~~أبو الفتح وقال: ما أحسن ما اعتذرت، وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع وكان ~~يتحدث هو بها دائما. ### | 307 - # وأخبرنا قال: اجتاز أبو الفتح يوما وأبو الحسين في الديوان وبين يديه ~~كانون فيه نار، واليوم شديد البرد، فقال له أبو الحسين: تعال أيها الشيخ ~~إلى النير فقال له أبو الفتح وضحك: أعوذ بالله، والنير هو صماد البقر. # PageV01P077 ### | 308 - # وحدثنا قال: كان في الديوان أيضا كاتب يعرف بأبي نصر ابن مسعود، فلقي ~~يوما أبا الحسن ابن البواب علي بن هلال ذا الخط المليح في بعض الممرات، ~~فسلم عليه وقبل يده، فقال له أبو الحسن الله الله يا سيدي ما أنا وهذا فقال ~~له أبو ms144 نصر: لو قبلت الأرض بين يديك لكان قليلا، قال له: ولم ذاك يا سيدي ~~وما الذي أوجبه واقتضاه؟ قال له: لأنك قد تفردت بأشيا ما في البغداديين ~~كلهم من تفرد بها غيرك: الخط الحسن وإنني لم أر في عمري كاتبا من طرف ~~عمامته إلى طرف لحيته ذراعان ونصف غيرك، فضحك أبو الحسن منه وجزاه خيرا، ~~وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة علي ولا تكرمني لأجلها، ولا تبح بها ~~عني فقال: ولم تكتم فضائلك ومناقبك؟ فقال له: أنا أسألك هذا فبعد جهد ما ~~أمسك. ### | 309 - # وقال: كان أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدان الأهوازي يكتب لأرسلان ~~الجامدار، فأراد يوما أن يكتب إلى صاحبه كتابا، فتقدم إلى أبي منصور علي بن ~~إسحق كاتبه بأن يعمل نسخة له، فعملها وأنفذها إليه، فوقع على رأسها ~~"حرحرها" أراد حررها فقال فيه أبو ذر القصري: # استأذن الكاتب في نسخة ... قد عملت كيف يقررها # فوقع الصاحب في رأسها ... استخر الله وحرحرها # وكان الهنكري المغني يغني له، ومن أصواته عليه: # تجاسرت وكاشفت ... ك لما غلب الصبر # وقد يحسن في مثل ... ك أن ينكشف الستر # فأراد يوما أن يقترحه عليه، فقال له بالله غن ذاك: "يا مهتوك الستر" فقال ~~له الهنكري: عافاك الله ما أفهم ما تقول. # وكان له صوت على جارية لابن السيلحاني، وهو: # لك الخير هل من مصدر تصدرينه ... مريح كما هيجت لي سبل الورد # فقال لها يوما: غني لي يا ستي ذاك: "صوت هيجانك" فغضبت ونهضت، فصاح بها ~~مولاها وردها. ### | 310 - # وقال: كان علي بن خلف النيرماني ينشد دائما: # فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق # فقال له أحد الكتاب يوما: يا سيدي تعرف قول الشاعر: # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها # فقال: نعم قال: فما تمامه؟ قال: # ولكن عظم الساق منك دقيق # فقال له صدقت. هذه رواية يعقوب في إصلاح المنطق قال: نعم أخذنا ذلك عن ~~الشيوخ الكبار ### | 311 - # وأنشد عبد الله بن فضلويه عامل قزوين في مجلس العمل: # يوم القيامة داء لا ms145 دواء له ... إلا الطلاء وإلا الطيب والطرب # فقال له أحد من كان بين يديه: إنما هو أعزك الله: يوم الحجامة فقال له: ~~أتيت بنادرة باردة، الحجامة والقيامة واحد! ### | 312 - # وحدث فضل الزبيدي قال: كان محمد بن نصر بن بسام الكاتب أسرى الناس منزلا ~~وآلة وطعاما وعبيدا، وكان قليل الأدب، وكنت أختلف إلى ولده عبد الله بن ~~إسحق بن إبراهيم، ليقرأوا علي الأشعار، وكان عبد الله أيضا سريا جاهلا، ~~فدخلت يوما والستارة مضروبة وهما يشربان، وأولادهما بين أيديهما وقد تأدبوا ~~وفهموا وظرفوا وعرفوا، فغنى قول جرير: # ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا # فقال عبد الله بن إسحق لمحمد بن نصر: ولا جهل العرب ما كان معنى ذكر ~~السعد ها هنا، فقال له محمد: لا تفعل يا أخي فإنه يقوي معدهم ويصلح ~~أسنانهم? قال اليزيدي: فقال لي علي بن محمد بن بسام: يا أستاذ بالله ~~اصفعهما وابدأ بأبي. ### | 313 - # وكان أبو العباس سهل بن بشر ممن ارتفعت في الدولة الديلمية رتبته، وعلمت ~~درجته ومنزلته، وضمن واسط والأهواز، على حماقة متمكنة ورقاعة متبينة، وكان ~~دأبه تغليظ الكتاب والرد عليهم وتغيير كتبهم التي ينشؤنها عنه وعكس ~~حسباناتهم التي يرفعونها إليه ويعرضونها عليه بالمحال والفاسد المستحيل ~~الباطل، ولقد قال يوما لأحدهم: ويلك لم يجب أن تفصل في هذا الموضع هذا ~~التفصيل الواسع! كان يجب أن يكون بقدر ما تسلكه نملة وقد جعلته بحيث تسلكه ~~حية، أيش حية بل شاة، أيش شاة بل دابة، أيش دابة بل جمل، أيش جمل بل فيل، ~~أيش فيل بل كركدن! ثم خرق الكتاب ورمى به. # PageV01P078 ### | 314 - # وحكى القاضي أبو علي التنوخي قال: رأيته عدة دفعات لا أحصيها كثرة، يجلس ~~في مجلس العمل، فإذا كثر عليه الشغل وضاق به صدره وغلبت عليه سوداؤه تركه ~~مفكرا، ثم أخذ الدرج الذي بين يديه وخرق منه وفلته وتخلل به وأخرج من فيه ~~وشمه ثم رمى به حيث وقع من حجور الناس أو وجوههم أو لحاهم أو عمائمهم، ~~فاتفق في بعض الأيام ms146 أن وقع من ذلك واحدة في لحية أحمد بن عمر الطالقاني ~~الكاتب، فصوت من فيه كصوت البوق، فتنبه سهل بن بشر من غفلته وقال: ما هذا! ~~وشتمه أفحش شتم، وسبه أقبح سب، فقال له: نصب سيدنا الأستاذ في لحيتي هذا ~~المطرد فظننت أنه يريد الخروج إلى بعض الأسفار، فضربت بالبوق ليعلم ذاك ~~فيصحبه من يريد أن يصحبه ويسير معه فضحك منه الحاضرون. ### | 315 - # وقال القاضي: كان سهل حديدا سفيها شتاما للغلمان، ولم يكن يصبر على خدمته ~~أحد، وشتم يوما بعض الفراشين، فتداخلت الفراش حمية الإسلام ودخل بقربته إلى ~~حجرة خالية بعيدة عن الدار الكبيرة التي فيها الغلمان ليرش خيشا فيها، وقام ~~سهل وراءه يتبعه ويشتمه، ورأى الفراش خلو الموضع من غيرهما، فصفعه بالقربة ~~إلى قطعها على قفاه جميعا، ووقع سهل مغشيا عليه، فداس بطنه ولكم جنوبه، ~~فلما شفى نفسه منه تركه يتخبط وخرج فأخذ ما كان له في خزانة الفراشين ~~وانصرف، وبعد ساعة ما ظهر على سهل وعرف ما جرى عليه، وطلب الفراش بأصحاب ~~الشرط والمراكز والجوازات فلم يوقف له على خبر. # وشتم يوما فراشا آخر فرد عليه، فنهض إليه، وعدا من بين يديه فقال له بحق ~~محمد نبيك قف لي حتى ألحقك! فقال له: بحق عيسى ربك ارجع عني واتركني! وما ~~زالا يعدوان حوالي البستان، وعثرا الفراش فوقعت عمامته فأخذه سهل ومازال ~~يعضها ويخرقها ويقول: اشتفيت والله ثم رجع فجلس في مكانه. ### | 316 - # قال القاضي واجتمع النصارى بجنديسابور إلى مطرانهم وشكوا ما يجري من سهل ~~عليهم من السب والشتم والقذف والصفع، وأنهم لا يأمنون نفرة من المسلمين ~~عليهم لأجله، وفتكة منهم بهم بسببه، فقال لهم أن أكفيكم ذاك في يوم الأحد ~~عند حضوره في البيعة، وفعل المطران ذاك، واستقصى الخطاب له فيه، فقال له: ~~أنت يا أبونا أحمق، إنما أخاطب الناس بما أخاطبهم به عن القائد لا عني، فإن ~~لساني مستعار عنه، ومستأجر لهذا وغيره! فلعنه المطران، وانصرف سهل، وأراد ~~أن يشتم رجلا فقال له: اسمع يا هذا قد ms147 وعظني المطران، وأنا رجل مستأجر مع ~~هذا القائد، ولابد لي من أن أمتثل أمره وأؤدي عنه ما يقوله. وقد قال لك: يا ~~زوج كذا وابن كذا ويا أخو كذا! وشتمه وسبه لم فعلت كذا وذكر له ما أراد ~~موافقته عليه وبقي يقول ذلك مدة، ثم قال: هذا طويل، حر أم المطران، ورجع ~~إلى ما كان عليه أولا. ### | 317 - # وقال القاضي كنت عنده يوما ونحن خاليان، فجاء الدواتي بكتاب فقرأه وطواه، ~~وكتب عليه: "لأبي فلان فلان بن فلان من .. " ووقف ثم قال لي: ممن؟ فقلت: ~~إما منك أو من الأمير! فقال: صدقت صدقت! وكتب. ### | 318 - # قال القاضي: وحدثني عبيد الله بن محمد الصرومي الشاعر، وكان منقطعا إلى ~~سهل فقال: رأيته يوما وقد سقط غراب على حائط صحن داره، فنعب فتطير من ~~صياحه، وأمر بصفع البواب لما مكن الغراب من دخول الدار. ### | 319 - # كان خالد بن صفوان يدخل على بلال بن أبي بردة يحدثه فيلحن، فلما كثر ذاك ~~على بلال قال له: يا خالد حدثني أحاديث الخلفاء فتخلط وتلحن لحن السقاءان ~~فصار خالد بعد ذلك يأتي المسجد ويتعلم الإعراب. وكف بصره فكان إذا مر به ~~موكب بلال يقول: ما هذا؟ فيقال: الأمير، فيقول خالد: سحابة صيف عن قليل ~~تقشع. # فقيل ذلك لبلال فقال له: لا تتقشع والله حتى تصيبك منها بشؤبوب! وأمر به ~~فضرب مائتي سوط. # وكان خالد كثير الهفوات، لا يتأمل ما يقول، ولا يفكر فيما يبديه لسانه، ~~وإنما هو قائل ما خطر بباله، ومن ذاك أن سليمان بن علي سأله عن ابنيه جعفر ~~ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال مسرعا عجلا: # أبو منذر جار لها وابن برثن ... فيا لك جارى ذلة وصغار # فأعرض سليمان عنه، وكان حليما كريما. # وكان الحسن يقول: لسان العاقل من وراء قلبه، إذا عرض له القول نظر فيه، ~~فإن كان له قال، وإن كان عليه أمسك، ولسان الأحمق أمام قلبه، فإذا عرض له ~~القول قاله، له أم عليه. # PageV01P079 ### | 320 - # وحدث القاضي أبو علي ms148 قال: حدثنا أبو علي محمد بن الحسن بن جمهور البصري ~~الكاتب قال: كنت أكتب لأبي الفضل بن علان بن إسماعيل، وهو عامل أرجان، ~~ولحقته حمى ربعا، فقيل له يوما: قد ورد أبو المنذر النعمان بن عبد الله ~~متوجها إلى أرجان، ومتقلدا لها، وهو قريب منك، فخرج في غد نستقبله ونقضي ~~حقه! فقال: كيف أعمل وغدا نوبة الحمى، ولا أتمكن فيه من الحركة، وفكر ساعة ~~ثم قال: الرأي أن أحم اليوم وأركب غدا، هات يا غلام الدواج فأحضره وقام ~~وألقاه عليه، وأخذ يترعد ويتحمم بجهله وتخلفه. ### | 321 - # قال الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله عنه: حدث أبو محمد الحسن بن محمد ~~الصلحي قال: قال لي المطيع لله، وقد كتبت له، وأنا أماشيه وأحادثه، عرفت ~~خبري مع إسماعيل؟ يعني أبا علي بن الحبان صاحبه، قلت لا يا مولانا قال: قال ~~لي منذ أيام في عرض حديث: عرفت ما يقول هؤلاء الروافض ويبتدعون فيه وقتا ~~بعد وقت؟ قلت: مثل ماذا؟ قال يقولون إنه لا يقطع الصلاة إلا كلب أو هاشمي! ~~فضحكت تعجبا من حمقه وجهله، وقلت بلغتني هذه الحكاية على خلاف ما حكيتها، ~~قال: كيف؟ قلت: لا يقطع الصلاة إلا كلب وابن حبان! ### | 322 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين رضي الله عنه أيضا قال: خرج قوم من الديلم إلى ~~إقطاعهم في أيام معز الدولة فظفروا في طريقهم باللص المعروف بالفراتي في ~~بستان، فأخذوه وحملوه إلى الوزير أبي محمد المهلبي، فتقدم بإحضار أبي ~~الحسين أحمد بن محمد القزويني كاتب بكج الأحمر مملوك معز الدولة، وقد رد ~~إليه النظر في الشرطة ببغداد، فلما حضر قال له المهلبي: هذا الفراتي اللص ~~العيار الذي عجزتم عن أخذه وكف أذاه عن الناس، إذ قد أسعر بغداد بالكبسات ~~والعملات وقتل النفوس ونهب الأموال، فخذه واكتب خطك بتسليمه، فقال: السمع ~~والطاعة لما يأمر الوزير، لكنه يقول: ثلاثة وهذا واحد! وكان المهلبي أحضر ~~العيار بين يديه ليسلمه إليه فكتب أكتب خطي بتسليمي ثلاثة؟ فقال له: من قال ~~لك اكتب بثلاثة؟ فقال الفراتي ms149 اللص العيار ثلاثة وهذا واحد، فقال له: يا ~~هذا هذا العدد وصف لهذا الواحد، فاكتب وأمسك واستر هذا العقل عليك وعلى ~~مستكتبك، ودفع إليه دواة فكتب: "يقول أحمد بن محمد القزويني كاتب بكج ~~الأحمر فتى معز الدولة: تسلمت من حضرة سيدنا الوزير أطال الله بقاءه ما ~~أحمل إلى صاحبي اللص العيار الفراتي ثلاث هم واحد رجل" وكتب بخطه في ~~التاريخ! فضحك الوزير وقال لأبي الفرج بن داذيشوع النصراني كاتب الفتك: قد ~~صحح القزويني مذهبكم في تسلم هذا اللص! فقال نعم يا سيدنا وصحح تخلفه أيضا. # PageV01P080 ### | 323 - # وحدثني أيضا قال: حدث الحسين بن الحراوي المهلبي قال: كان أبو سعيد بن ~~بندار الرازي المجوسي من كبار كتاب الديلم المشهور تخلفهم، السابقة فيه ~~أخبارهم، وكان يكتب لعلي بن سامان أحد قواد الديلم، فأراد الوزير أبو محمد ~~أن ينفذ ماهك في بعض الخدم، فقال له وقد أراد الخروج من بين يديه: يا أبا ~~سعيد لا تبرح من الدار حتى أوافقك على شيء أريده منك، فقال السمع والطاعة ~~لأمر سيدنا الوزير ونهض من بين يديه، فقال الوزير: هذا رجل مجنون، وربما ~~طال بي الشغل وضاق صدره فانصرف، فتقدموا إلى البوابين بألا يدعوه يخرج من ~~الدار، وفعل ذلك، وجلس ماهك طويلا، وأراد دخول الخلاء، فقام بطلب ذلك فرأى ~~الأخلية مقفلة وكان يتقدم المهلبي بذاك ويقول: كانت دار أبي جعفر الصيرمي ~~منتنة الرائحة لأجل خلاء كان فيها لعامة الناس، ووجد ماهك خلاء الخاص غير ~~مقفل وعليه ستر مسبل، فرفع الستر ليدخل، فجاء الفراش الموكل بالموضع ومنعه ~~ودفعه، فقال يا هذا أليس هذا خلاء؟ قال: نعم! قال أريد أن أعمل فيه حاجة ~~فلم تمنعني؟ قال: هذا خلاء الخاص لا يدخله غير الوزير! قال: فبقية الأخلية ~~مقفلة فكيف أعمل وقد جئت أخرج فمنعني البوابون، فأخرأ في ثيابي؟ فقال: لا ~~استأذن في دخول خلاء ليتقدم بذاك ونفتح لك أحد الأخلية، فتقضي حاجتك! واشتد ~~به الأمر فكتب إلى الوزير رقعة قال فيها: "قد احتاج عبد سيدنا الوزير ماهك ~~إلى بعض ما ms150 يحتاج إليه الناس ولا يحسن ذكره، والفراش يقول لا تدخل، والبواب ~~يقول لا تخرج، وقد تحير عبده في البين، والأمر في الشدة فإن رأى سيدنا ~~الوزير أن يسمح لعبده بأن يعمل ما يحتاج إليه في خلائه فعل إن شاء الله ~~تعالى" ودفعها إلى بعض الحجاب فأوصلها إلى الوزير ولم يعلم ما أراد ~~بالرقعة، واستعلم الوزير الصورة وعرفها فضحك، ووقع على ظهر الرقعة: "يخرأ ~~أبو سعيد أعزه الله حيث يختار إن شاء الله تعالى! " فأخذ التوقيع وجاء به ~~إلى الفراش وقال: هذا ما طلبت، توقيع سيدنا الوزير، فقال: التوقيعات يقرؤها ~~أبو العلاء بن أبرونا كاتب ديوان الدار، وأنا لا أحسن أكتب ولا أقرأ! فصاح ~~ماهك في الدار هاتي من يعمل لي في الديوان صك الخراء! فضحك فراش آخر وأخذ ~~بيده وحمله إلى بعض الحجر حتى قضى حاجته. ### | 324 - # وحدثني أيضا قال: كان أبو الحسن علي بن الحسين القمي يكتب لأبي منصور ~~راذرويه أحد مماليك معز الدولة، فطولب بفاضل إقطاع خرج على صاحبه، فقال ~~لأبي الفضل العباس بن الحسين الشيرازي الوزير: يا سيدنا الوزير، القائد ~~يطلب في ذاك حبة مهل بضم الميم فقال له الوزير: المهل يعطيه لكاتبه فشكره ~~وتقدم يقبل رجله ويده على ذلك، فقال أبو الفضل لأبي العلاء صاعد بن ثابت ~~النصراني خليفته: هذا الجاهل قد ألزمنا الإنظار بحمقه، فافعله معه وأخره ~~أياما، فقال: السمع والطاعة. # PageV01P081 ### | 325 - # وحدثني والدي رضي الله عنه قال: حدثني أبو إسحق جدي قال: كنا ليلة بحضرة ~~الوزير أبي محمد المهلبي والقاضي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن بن قريعة ~~معنا، ونحن نتذاكر فأنشدت قطعة للعماني الراجز استحسنها كل من حضر، فقال لي ~~القاضي: لمن هذه الأرجوزة يا أبا إسحاق؟ قلت له من طريق العبث به: لأبي ~~العباس دستويه! وكان درستويه هذا جاهلا متخلفا وفدما ناقصا، وصاحبا لأبي ~~سهل ديرزشت بن المرزبان العارض، وثقة من ثقاته، يجري مجرى خلفائه. قال أبو ~~إسحق: فتعجب القاضي من قولي وقال: هذا رجل موفور المثابة من الفضل والدراية ~~وقوة البضاعة ms151 في الأدب والرواية! قلت: هيهات الأمر على أكثر مما ذكرت ~~وظننت، قال: فيجب أن أقصده وآخذ عنه وأستدعي ديوانه منه فأنتسخه وأقرأه ~~عليه! فقلت: قد قصر القاضي حيث لم يفعل ذلك إلى الآن! قال: لم أعلم فلما ~~كان من الغد بكر القاضي ولبس وتطيلس وصار إلى دار درستويه، ودخل إليه فسلم ~~وجلس، وتعرف أخباره ثم قال: كنا البارحة بحضرة الوزير أطال الله بقاءه ~~وأنشد صديق للشيخ أرجوزة من أراجيزه استحسنها الوزير وجميع من حضر، ولم ~~أعلم أنه من الأدب بهذه المنزلة، فجئته لآخذ عنه ما ينشدنيه من فيه! فلم ~~يعلم درستويه ما يقول، وقال لغلمانه: ادعوا أبا نصر، يعني ابنه، فحضر وكان ~~في الجهل شرا منه، وقال له انظر ما يريد القاضي، فاستعاد منه القول، فلما ~~استتمه لم يفهمه، إلا أنه سمع أرجوزة فقدر أنها خرقة، فقال لأبيه ~~بالفارسية: القاضي يطلب خرقا يعمل منها قلنسوة! فقال: السمع والطاعة، ~~واستدعى خازنه وأمره بإحضار ما عنده من بقية الثياب، فأحضر رزمة كبيرة فيها ~~نحو مائة خرقة من ديباج وسقلاطون ووشي وغير ذلك من فاخر الثياب فحلها وبسط ~~الخرق بين يدي القاضي وقال له: اختر يا سيدي ما تريد، ففطن القاضي، وأخذ ~~عشر خرق تساوي عشرين دينارا، ووضعها في كمه ونهض، وقال: أحسن الله جزاء ~~الشيخ وأطال بقاءه ولا أعدمناه! وراح القاضي في ذلك اليوم إلى دار الوزير ~~أبي محمد، فلما اجتمعنا بين يديه على رسمنا قال لي: يا عيار نصبت لي مكيدة ~~فنفعني الله بها! وشرح ما جرى له مع درستويه وأخرج الخرق من كمه فأراناها ~~ثم ردها إلى كمه، وضحك الوزير وفحص برجليه، واستعاده الحديث مرات وضحكت ~~الجماعة. ### | 326 - # وحدثني رضي الله عنه أيضا قال: كان أبو الفرج محمد بن العباس قد جلس ~~للعزاء بأبي الفضل العباس أبيه، وقد ورد الخبر عليه بذاك من فارس، فحضر ~~العزاء أبو العباس درستويه، وقال حين جلس: رحم الله الأستاذ أبا الفضل فإنه ~~كان تربي ومولاي وأستاذي، ثم أقبل على أبي الفرج فقال: أطال الله ms152 بقاء ~~سيدنا، صح الخبر؟ فقال: قد وردت الكتب والأخبار به ولم يبق شك فيه! فقال ~~له: دعني من هذا، ورد كتابه رضي الله عنه بخطه بصحة الخبر؟ فقال أبو الفرج: ~~لو ورد كتابه بخطه ما جلسنا للعزاء وضحك الناس ونهض جماعة من شدة الضحك، ~~ونهض أبو الفرج وقطع العزاء فلم يجلس من بعد. ### | 327 - # وحدث القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي قال: رأيت عند القاضي أبي بكر ~~بن قريعة في سنة إحدى وستين وثلثمائة شيخا يعرف بابن سكران يتوكل له في ~~ضياعه وضماناته ببادوريا فقلت له: من يكون منك ابن سكران الذي كان يتوكل ~~للحسن بن عبد العزيز الهاشمي في ضيعته ويكتب إليه كتبا ظريفة مضحكة؟ فقال ~~أنا هو، وسمناه أن يقرأ علينا شيئا من ذاك، وكان يقول عنه إنه يحفظ، ~~فامتنع، ولم أزل والقاضي أبو بكر به إلى أن أمل علي كتابين من لفظه على ما ~~بهما من الخطأ والنقصان في الهجاء، فكان أولهما وعنوانه "من الحسن بن عبد ~~العزيز الهاشمي الإمام أبو لمة يريد أبو الأئمة، لأن أولاده كانوا أئمة في ~~الجوامع إلى وكيله وخادمه أبو القاسم بن سكران" ولولا أنه يقول إنه خادمه ~~ما قلنا إنه منهم، ومضمونه: # PageV01P082 # "بسم الله الرحمن الرحيم: يابن سكران قد أعجبتك نفسك، صبغوني في عينك، ~~أنت تعرفني إذا دحرت فكيف إذا غضبت، ها وها كدت أفعل، كنت إذا أردت أن تعمل ~~شيء تكتب إلي وتستأذني وتشاورني، صرت تأمر وتنهى لنفسك، والله لأقطعن يدك ~~الأخرى ورجليك، ولأضعنك في أضيق الحبوس، أنا مع أمير المؤمنين ابن عمي أعزه ~~الله وقد خرج صلى بنا الجمعة وأنا أكلمه داه داه، أكلمه في أمير المسلمين ~~والدين والهاشميين، وعينه في جوف عيني، وعيني في جوف فمه، لا ينظر إلى ~~غيري، ترى لا أقدر أنتصف منك، والذي يبقى لي ابني أبو بكر وعمر وعثمان هاه ~~من هونا يحردون الروافض عليك وعليهم لعنه الله، يا ماص بظر أمه، إن كنت ~~منهم، وإن لم تكون منهم فلا شيء عليك، وليس ms153 أنت كما ذكرت طويتك ما دامت لك ~~هذه العين تدور، وهذه الشعرة تعيش، والذي يعطيني في الآخرة أضعاف ما أعطاني ~~في الدنيا منه أسأل إن شاء الله. الجزير الذي أوصل كتابك قد أطعمته البارحة ~~مما أكلت: خبز وشواء، وكل خير وما رزق الله، فسله حتى يقل لك. البارحة ~~وحياتك يا أبا القاسم ذكرتك وقد شربت ماء باردا بثلج كثير، فقريت عليك ~~وعوذتك ودعوت لك ولوالدي ولجميع المسلمين، وقلت: ترى ذاك ابن سكران وكيلي ~~الميشوم إيش خبره في هذه الشمس الحارة ونصف النهار! وما أبالي معك بولد ولا ~~تلد ولا أحد، فاحمل إلي الخراج وضح وصنانن الباذنجان وخيار وبطيخ وكل ما في ~~القرية، والحملين الذي طلبتهم منك احملهم إلي في شعبان قبل رمضان، سمان ~~سمان: واحد كبير نطبخه وآخر صغير نشويه، وسمعت أبا القاسم أعزك الله وفهمت ~~أعزك الله يا أبا القاسم، وأطال بقاءك وأكرمك وأتم نعمته عليك، وصلى الله ~~على محمد النبي وآله، وعلى أصحابك، قول آمين". # وعنوان آخر: "من الحسن بن عبد العزيز الهاشمي الإمام في الرصافة، وابنه ~~أبو بكر الإمام في دار الخلافة، وابنه الآخر عمر الإمام بمصر والحرمين، ~~وابنه عثمان يكون الإمام في مدينة المنصور، وابنه علي يكون الإمام في باقي ~~الدنيا إن شاء الله، إلى وكيله ابن سكران" وباطنه: "بسم الله الرحمن ~~الرحيم: تحضر الجبابرة بني دينار والأطروش خاطر وابن كيلوه، لعنهم الله ~~فإنهم كلاب، أحاط الله أكرة برقط حتى ننظر إيش يعملون، فقد والله محمود ~~أردت أن أضرب القريتين بالنار، ولكن الله سلمكم فانظروا كيف تكونون، وقولوا ~~أمر سيدنا وسيدكم أبو علي الحسن بن عبد العزيز الهاشمي ابن عم النبي، صلوات ~~الله عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، بشرى من هم نحن منهم، وقد تقدم ~~سيدنا أبو علي بإحضاركم، فتكون أعينكم بين أيديكم، والسلام". ### | 328 - # وكان أبو الحسن القمي يكتب لروزبهان بن ونداخرشيد على إقطاعه في السواد، ~~وخليفة عنه بحضرة معز الدولة ببغداد، وكان يهوى منداه جارية قهرمانة ابن ~~مقلة، وهي صبية مليحة الوجه طيبة الغناء، ms154 وكان من أصواته عليها: # أيا راهبي نجران ما فعلت هند ... أقامت على عهدي وأني لها عهد # فأراد يوما أن تغنيه له، فقال لها: يا ستي غني في ذاك سوت: # أيا راهبي نجران ما فعلت هندي ... أقامت بلا عهد وإني بلا عهد # فضحكت وقالت له: أعلم أنك سفلة بلا عهد! وقال لها مرة: يا ستي غني ذاك ~~سوت: يا فاتمة بعط ذلول فضحكت وضحك الحاضرون يريد: # أفاطم مهلا بعض التدلل # وحدثت عنه بين يديه وهو يسمع قالت: غنيت له ليلة: # أمن شمية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف # وفيه لحن حسن، فأعجبه وأطربه، ولم يزل يتلفنه ويتحفظه إلى أن ظن أنه قد ~~أتقنه، وصبر ساعة وقال لي: يا ستي بالله غني لي ذاك سوت: أمن سميته دموعك ~~عينك ذرذف! فضحكت منه فقال: مالك؟ فأعدت البيت عليه على صحته فقال: يا ~~باردة كله واحد. # قالت: وغنيت له مرة صوتا استحسنه وقال لي: يا ستي اكتبيه لي، فقلت له: يا ~~هذا أنت كاتب أو أنا؟ فقال: أنا ما أحسن أكتبه بلحنه، أريد أن تكتبيه أنت ~~بلحنه كما تحسنينه. # PageV01P083 # وكان يوما في دار أبي الحسن الأهوازي فتحدث بحديث يقطين يكون بقم عظيما ~~حتى إن قشر الواحدة إذا فرغ وجفف وسع من الحنطة شيئا كثيرا. وقال وهو مقبل ~~على أبي الحسن بن محمود البادرائي نديم أبي الحسن الأهوازي وكان طيبا ~~نادرا، فقال له اقطعون رأس أخرجون صوف! فقال له ابن محمود يكون يا سيدي في ~~قرع قم صوف، قال: هاي كيف يكون صوف في قرع، إنما أخرجون قماش بطنك، فقال ~~ابن محمود: كانت حالي مع الصوف أصلح، مر يا سيدي في حديثك، فلك نبيك، وقد ~~علمنا ما أردت، فضحكت الجماعة، فقال: ذا قرع مبارك جاب الضحك والفرح، وضحك ~~معهم. # وكتب يوما رقعة إلى عبد الواحد بن المقتدر بالله يسأله مبايعته سقف ساج ~~مذهب كان في بيت ماء من داره على دجلة بباب خراسان: "بسم الله الرحمن ~~الرحيم: قد علم سيدي الأمير ms155 حال السقف الذهب الذي حاشا وجه سيدي في الخلاء، ~~وهو هدية من ماله، والشكر عليه كثير، وليس أجعل وحياة رأس سيدي في الخلاء، ~~أريده لصفه ويوعز سيدي الأمير إذا منحني من ثمنه، مزحت مع سيدي، وليس أخرج ~~له من رأي قضاء حقي، حتى أبو محمد القرافي يعرفه ما في الأمر ويزن الثمن، ~~وعرفته ذلك حتى يعمل معي ما يشبه إن شاء الله". ### | 329 - # وحدثني والدي الرئيس رضي الله عنه قال: ورد عليه كتاب عامل له بناحية ~~الذنب يقول فيه: "وقد ورد التياس وهو مقيم منذ أيام، وقد منع الرحى من ~~الدوران، وسقط بذاك الارتفاع" فظن القمي أن التياس بعض أصحاب السلطان، فحرد ~~وغضب، وركب إلى دار الوزير أبي الفضل الشيرازي، وكتب رقعة عن صاحبه يشكو ~~فيها التياس، ويسأل التوقيع بصرفه وإنفاذ نقيب جلد لذلك، وقال: لولا هيبة ~~الوزير لأنفذت من يصرفه ويمنعه، ويضرب قفاه ويصفعه! فعجب أبو الفضل منه ~~وقال له: يا أبا الحسن التياس من رعيتك، وأمرك فيه كأمري، فافعل ما أحببت ~~فلا أعترض عليك مني! فقبل يده ورجله وشكره وقال: أحب أن ينفذ من الديوان ~~نقيبان لذلك، فوقع له إلى أبي العلاء صاعد بن ثابت خليفته، على ظهر رقعته: ~~"يجاب أبو حسن أيده الله إلى ملتمسه في أمر هذا التياس" فشكره على ذلك، ~~وحمل التوقيع إلى صاعد وعرضه عليه، فلما قرأه تبسم ودفعه إلى أبي منصور ~~كاتبه، وكتب له في المعنى منشورا نسخ ببغداد وتدوول، وسلم إليه نقيبان ~~ينفذان به! قال: وقال أبو إسحق بن المفتي كاتب القمي: فلما انصرف والمنشور ~~والنقيبان معه وافقهما لنفقتهما على مائة درهم، أطلق لهما منها خمسين ~~درهما، وقال لي: اكتب إلي العامل معهما بما يجب في ذلك فتحيرت ودهشت وقلت ~~له: التياس يا سيدي الماء، وهذا الذي كتب له سخرية من الكاتب ولهو، فلا ~~تنفذه وتضيع ما تطلقه للنقيبين فقال لي: يا أبو إسحاق هذا لك أبدا تعارضني ~~في أموري وتدبيري ويحك كم أقول لك أعمل ما أريد ولا تكثر كلامك وليس ms156 تقبل ~~ثم كتب بخطه إلى العامل يوصيه بإكرام النقيبين وعطيتهما بقية نفقتهما، ~~ويوزعها على الأكرة، ويسلم إليهما التياس حتى يشخصاه إلى الديوان! ومضيا ~~إلى العامل وأعطياه الكتاب، وطالباه بالبقية من نفقتهما وتسليم التياس ~~إليهما، فتحير وقال: أما التياس فهو الماء فتسلماه كيف أردتما وقدرتما، ~~وأما الدراهم فما يستجيب الأكرة إلى وزنها، وما في حالي فضلل لإطلاقها من ~~جهتي! فاستخفا به ولم يفارقاه حتى أخذا ما أراده منه، وكتب الجواب يشكو ما ~~جرى عليه ويقول: "التياس زيادة الماء، وهذا شيء من فعل الله تعالى، وما ~~لمخلوق فيه حيلة" ويستعفي من العمالة، فلما وقف القمي عليه قال: قد بليت ~~بهذا القرفان المتخلف، مرة يكتب كذا ومرة يكتب كذا، ومضى إلى الوزير أبي ~~الفضل وقال: أطال الله بقاء سيدنا، بليت بتخلف هذا العامل، كتب يشكو ~~التياس، والساعة قد كتب يقول: التياس الماء فاستعظم أبو الفضل قوله وحمقه، ~~وقال: اسكت ويلك، ثم تقدم بأن يكتب إلى النقيبين بالانصراف. ### | 330 - # وكتب هذا القزويني يوما رقعة إلى بعض أصحابه وصدرها ب"أطال الله تعالى ~~بقاءك" فقال له بعض من كان عنده: ما يساوي الرجل هذا الدعاء فقال: صدقت ~~وذكرتني! وكتب قبل "أطال الله بقاءك": لا، وأنفذ الرقعة. # PageV01P084 ### | 331 - # وكان أبو سعيد ماهك بن بندار يكتب في صدر كتبه ورقاعه إلى عماله وأصحابه: ~~"أطال الله بقاءك وحوائجها، فيقال له: ما معنى حوائجها؟ فيقول: دام عزك ~~وتأييدك وهم لا يسوون ذكره ويكتب في آخر الرقعة: "الحمد لله وصلى الله على ~~محمد وحاشيته" فيسأل عن ذلك فيقول: ذاك علي وفاطمة وكلهم غلمانه وحواشيه! ### | 332 - # وحدث الرئيس أبو الحسين رضي الله عنه قال: قال أبو العباس درستويه يوما ~~لمعلم ولده أبي نصر: ما تناصحني في تعليمه! فقال له: كيف يا سيدي؟ قال: ~~البارحة اجتهدت به في أن ينشدني قصيدة من الفصيح فلم يحسن. # وكتب هذا المعلم إلى درستويه يسأله أن يطلق له جاري شهر قد استحقه، ~~ويسلفه مال آخر ليكتسي به، فوقع إلى وكيله أبي محمد: "أبو محمد المؤدب أيده ~~الله ms157 وأنت تطلب شهرا له وشهرا ليس له، فأطلق له الواجب، وتطلق له آخر قرضا ~~علي بسبب كتبته إن شاء الله". ### | 333 - # وقال: كتب الطوسي لعلمكان الديلمي في أيام معز الدولة فاستدعاه علمكان في ~~بعض الأيام منكرا عليه شيئا، فبادر يعدو حتى وقف بين يديه، ولحظة علمكان ~~لحظ منكر متهدد، فضرط ضرطة، وأطرق علمكان ضاحكا، فقال له الطوسي مسرعا: يا ~~قائد هذا العمل من فزع وجهك الحردان، فكيف لو كان شيئا آخر فضحك وقال له: ~~اخرج. ### | 334 - # قال: وكتب أبو القاسم الحسين بن أميرويه كاتب موسى بن قتادة رقعة مع ~~جارية له إلى البلقي: "يدفع أعزك الله البلقي في الجارية عشرين قثارة ~~كبارا، فقال لها البلقي: دعيني أدفع فيك قثاة واحدة بكل ما في الصن من ~~القثاء. ### | 335 - # قال: وقال إسرائيل ابن سعيد الرازي: قال ابن أميرويه يوما لأبي القاسم ~~علي بن الحسين ابن أخت الوزير أبي الفرج محمد بن العباس، وهو معروف بالتزمت ~~والتصوف، وقد جرى على ابن أميرويه من الأتراك استخفاف وصفع: يا سيدنا أنا ~~أخدم بين يديك وليس لي بعد الله غيرك، والجاري خمس مائة درهم تكفيني ~~لنفقتي، فلم الأتراك في كل وقت وحين يصفعونك ويجرون برجليك ويستخفون بك ~~فضحك منه وقال: لسوء أدبهم وأدب من يجرؤن برجله وأعرض عنه، وصار بعدها لا ~~يكلمه إلا بالفارسية. ### | 336 - # وكتب أحد كتاب الأتراك المتقدم على جماعته، المعروف بأبي منصور بن الفرج ~~في اتفاق كتب بين أصحابه: "قد رضينا بذاك، وكتب محمد بن الفرج عن السادة ~~الأصفهلارية بأمرهم ونهيهم". # ووقع إليه وزير العصر في سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة ذو السعادات أبو ~~الفرج بن فسانجس بأن ينظر بين غلامين من الأتراك تشاجرا في إقطاع ضيعة ~~بينهما، وقال في التواقيع: "فإن الحق مقطعه ثلاث" يريد بيت زهير: # فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء # فلما عرضا التوقيع عليه قال: أنتما اثنان فأين الثالث؟ قالا: ما لنا شريك ~~ولا منازع! قال: فكذا ذكر الوزير في توقيعه، وقام فدخل إلى الوزير واستفهمه ms158 ~~عن المقطع الثالث، فقال له مستهزئا به: أنا المقطع الثالث فخرج إليهما ~~وقال: الوزير يدعي معكما ثلث الإقطاع فأفردا ما يتعلق به لأحكم بينكما في ~~الباقي: فضجا من ذلك ودخلا إلى الوزير فعرفاه الحال، فضحك، وعرفهما الصورة ~~فضحكا أيضا، وحكم الوزير بينهما. # وكتب يوما إلى الوزير وقد رتبه على سد البثق بنهر الرفيل يخبره بتمام ~~سده، وقال فيه: "وأتمم البثق بسعادة مولانا، وصاح الناس عليه: عساو" ومد ما ~~بين العين والألف مدة استوعب بها السطر فلم يفهم الوزير ذاك، واتفق أني كنت ~~عنده، فأعطانيه وقال: ما هذا.؟ فقلت: قد حكى لمولانا صياح الرجال عليه ~~فضحك، وتدوول بين الناس ذلك. ### | 337 - # وحدثني الرئيس أبو الحسين رضي الله عنه قال: حضر أبو منصور بردانقادار بن ~~المرزبان يوما عند الوزير أبي نصر سابور بن أردشير، أحد وزراء بهاء الدولة ~~أبي نصر بن عضد الدولة بن بويه في سني نيف وثلاثمائة وتجاريا حديث الوزير ~~أبي القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي، وقد قبض سابور عليه واعتقله عنده وكان ~~بحيث يسمع تحاورهما، وأبو منصور لا يعلم، فأسرع وغلط فيما بدر منه وأشار ~~عليه بقتله، والاتفاق الردي ما سمع الأبرقوهي ما اشار به في معناه، واتفق ~~أن خلص الأبرقوهي وتقلد الوزارة، وقبض على بردانفادار وقابله على ما كان ~~منه، فكان إذا خوطب في معناه قال: يا قوم أنا سمعته يشير على سابور بقتلي ~~فيمسك المخاطب ويكف السائل. # PageV01P085 ### | 338 - # وحدثني رضي الله عنه قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي ~~المعروف بالنائب لأنه كان ينوب عن الوزراء قال: حدثني أبو القاسم ~~الأبرقروهي، وكان مغرما بالغلمان ومائلا إليهم، قال: رأيت غلاما أمرد مع ~~أحد الخدم، فاستملحته واستحليته وراسلته واستملته، ووعدته وأرغبته، فأجابني ~~وانتقل إلى حاشيتي، وشق على الخادم فعلي به، فشكاني إلى الملك بهاء الدولة، ~~وبينا أنا في دار المملكة أنظر فيما يتعلق بي من العمل إذ جاءني فراش فقال: ~~الأستاذ الأثير نحرير يستدعيك، فجئته فحين رآني قال: هاتوا حصيرا، فأحضر ~~وبسط بين يديه، وصرف من كان ms159 قائما وحاضرا إلا ثلاثة خدم استوقفهم، ثم قال ~~لهم: ابطحوه على وجهه، فبطحوني، وضربت عشرين عصا جيادا، وأقعدني بعد ذلك ~~وأنا أتململ، وقال: الملك يقول لك "إذا لم تكن مأمونا على غلام خادم فكيف ~~آمنك على خمسة آلاف غلام تركي يجرون مجرى الحرم، وقد وكلتهم إلى مرعاتك" ~~وأمرني بما عاملتك به، فانظر الآن بين يديك واحرس نفسك وجاهك، وارجع إلى ~~شغلك. فقمت وعدت إلى ديواني نادما على ما تسرعت إليه وغلطت وهفوت فيه. ### | 339 - # وحكى أبو حيان التوحيدي قال: حضرت مائدة الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن ~~عباد فقدمت مضيرة رائقة فأمعنت فيها، فقال لي: يا أبا حيان إنها تضر ~~بالمشايخ فقلت: إن رأى الصاحب أن يدع التطبب على طعامه فعل فكأنني ألقمته ~~حجرا، وخجل واستحيا، ولم ينطق إلى أن فرغنا. ### | 340 - # ومما تحدث به عن أبي الفتح محمد بن فارس أحد من نظر في الوزارة في أيام ~~صمصام الدولة أبي كاليجار بن عضد الدولة أبي شجاع بن بويه أنه صعد يوما من ~~أيام ولايته من زبزبه إلى دار السيدة أم صمصام الدولة، فسقط من كمه زبيب، ~~فقال عند مشاهدة الناس له وحيائه منه: أنا أجد في معدتي رطوبة، وقد وصف لي ~~تناوله على الريق، فأنا أستصحبه لذاك فكان العذر أقبح من الفعل، ولقبه مجان ~~بغداد: الوزير الزبيبي. ### | 341 - # وحدثنا الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني نجم ~~الكفاة أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي قال: حدثني أبو الفرج عبد الله ~~بن الحسين الراماني قال: ورد أبو القاسم المعمر بن الحسين المدلجي مع ~~الوزير أبي القاسم العلاء ابن الحسن من الأهواز إلى شيراز، وأبو القاسم ~~المعمر أحد كتاب الإنشاء إذ ذاك، وعرضت للوزير أبي القاسم العلاء بن الحسن ~~سفرة، فكتب إلي المدلجي، وأنا حينئذ خليفة العلاء، يطلب مني بغلة سروجية ~~بآلتها، ولم تكن منزلته عندي منزلة من أراعيه أو أعطيه، فرددت الرقعة مع ~~رسوله فلم أجبه عنها، ومضى الرسول ثم عاد إلي ومعه الرقعة بعينها وقد كتب ms160 ~~على ظهرها: # فإنك لا تدري إذا جاء سائل ... أأنت بما تعطيه أم هو أسعد # عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد # قال: فقرأت ذاك ثم أعدت الرقعة ثانيا بغير جواب كما فعلت أولا. وضرب ~~الدهر ضربة وصرف العلاء بن الحسن ووزر المدلجي، وكنت إذ ذاك أتقلد كورة ~~سابور وكورة أردشير خرة، فأنفذ إلي من أشخصني إلى شيراز، ووردت عليه وأنا ~~لا أشك في القبض علي والمصادرة لي، لما كان من غلطي وسوء فعلي وما قضاه ~~المقدور في، وحضرت مجلسه فقدمني وقربني ورفعني وأكرمني، وأقمت مترددا إليه ~~وأياما ومتعجبا من فعله وله مستطرفا، فلما كان في بعض الأيام وقد قمت من ~~مجلسه منصرفا فتبعني الحاجب وقال: تقيم يا سيدي ساعة فإن الوزير يريد أن ~~يجاريك شيئا على خلوة، فلم يتخالجني شك في أنه القبض علي فأقمت خائفا وجلا، ~~ثم استدعاني وقد خلا مجلسه، وأسر إلى دواتيه شيئا ومضى وعاد ومعه الرقعة ~~بعينها فأخذها وسلمها إلي، فلما فضضتها وعرفتها أظلمت الدنيا في عيني، وودت ~~أن الأرض ساخت بي، وقال لي: لا ترع فإنما واقفتك على فعلك الرذل القبيح ~~لكيلا تستصغر بعدها أحدا وتطرح مراعاة العواقب والنظر فيها، وليكون هذا ~~الفعل مني لك مصلحا ولأخلاقك مهذبا، ثم خلع علي وردني إلى عملي. # PageV01P086 ### | 342 - # وحدثنا والدي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني أبو سعد عبد الله بن فهد ~~النصراني الكاتب قال: لما تقلد أبو القاسم بن فسانجس أعمال النهروانات في ~~أيام الوزير فخر الملك أبي غالب، وأبو العلاء سعيد بن الحسن بن يزيد ~~النصراني يتولى يومئذ ديوانها، اتفق أن رفع أبو القاسم من حسابها ما احتيج ~~إلى الموافقة عليه وحضر بحضرة فخر الملك وجرى من الخطاب ما خرج فيه أبو ~~العلاء إلى سوء الأدب واستعمال السرف، وعادته بذاك جارية، وثقل على أبي ~~القاسم ما سمعه منه، وإمساك فخر الملك عن إنكاره عليه ومنعه منه، وانقضى ~~المجلس على غيظ من أبي القاسم تجرعه وكظمه، وامتعاض أسره وكتمه، ومضت ~~الأيام ms161 وقتل فخر الملك، ووزر أبو القاسم لسلطان الدولة بواسط، فقامت قيامة ~~أبي العلاء من ذاك، وضاقت به الأرض بما رحبت، وبقي متحيرا بين الاستتار ~~والتغيب أو المقام والتجلد، وورد أبو القاسم إلى بغداد فحمل بنفسه على أن ~~لقيه، فلم ير منه ما ظنه به، ونفسه تحدثه بضد ما يظهره له ويشاهده، فلما ~~كان في بعض الأيام وقد خرج من بين يديه منعه الحاجب وقال له: الوزير يأمرك ~~ألا تنصرف إلا بعد استئذانه فما شك أنه الذي خافه وتوقعه. قال: فأقمت ساعة، ~~ثم استدعاني فوجدته جالسا على الفاكهة وهو يأكل منها، فجلست وظننت أن ما ~~بين يدي منها مسموم، فلم أزل أقلبه وأولع به ولا أتعرض له، وأحس بفعلي فأخذ ~~كمثراة وقطعها وأكل منها ثم أعطاني باقيها فأكلته، وأنست قليلا، وقمنا إلى ~~الطعام فجرت حالي على مثل ذاك، وهو يطعمني مما يأكل، ويقدم إلي مما بين ~~يديه تأنيسا بي وفرغنا، وخرجت لغسل يدي، واستدعاني وقال لي: أراك منقبضا ~~متجعدا وجلا منزعجا، وأظن ذاك لتذكرك ذلك اليوم هيهات ما الأمر على ما تظن ~~وإني لك على ما تحب وتهوى، وليس من المروءة ذكر ما مضى فقبلت يده ورجله ~~والأرض بين يديه، ودعوت له وانصرفت ساكنا مطمنا. ### | 343 - # وحدثنا رضي الله عنه قال: كان الوزير أبو القاسم العلاء بن الحسن قد لقبه ~~الديلم سياه سبال لقبا اشتهر به بينهم وفشا فيهم، إما لأنه كان أسود السبال ~~دون لحيته، أو لأنه كان يخضبه، حتى إن أحد الديلم المتقدمين قال له في كلام ~~دار بينهما: يا وزير سياه سبال بار خداه، فضحك منه وعلم الديلمي بما جناه ~~عليه، فنهض خجلا عجلا، واستعيد فلم يعد ثم راسله بالاعتذار الشديد، وبقي ~~مدة لا يلقاه حياء. ### | 344 - # وحدثنا رضي الله عنه قال: حدثني الوزير مؤيد الملك أبو علي الرخجي قال: ~~عاد فخر الملك من الأهواز في خرجته الأولى للقاء سلطان الدولة أبي شجاع بن ~~بويه، فاتفق أن حضر عيد أو فصل، وحضر أبو الفضل بن أبي أحمد الشيرازي ms162 ~~لخدمته فيه على رسمه، وأنشده قصيدة مدحه بها وهناه بذلك اليوم فيها، ثم وصل ~~آخر القصيدة بحديث جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مع الرشيد في قتله إياه، ~~وقرأه عليه مسندا له عمن رواه، فاستطرفنا إيراده ما أورده منه من غير أمر ~~يقتضيه، وثقل على فخر الملك ما سمعه، وعلينا ما أورده وتطيرنا على فخر ~~الملك من اتفاق ما اتفق، وأقبل بعضنا على بعض يعجب من ذلك، وندم أبو الفضل ~~على ما كان منه، وانحدر فخر الملك عائدا إلى الأهواز، فكان من أمره ما كان ~~وجرت حاله مجرى جعفر بن يحيى في قتله، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق. ### | 345 - # وحدثنا رضي الله عنه قال: حدثني نجم الكفاة أبو عبد الله الحسين بن الحسن ~~النسوي النائب قال: حدثني أبو القاسم البلخي المنجم قال: كان أبو الفضل عبد ~~المسيح بن العلاء النصراني الكاتب صديقا للوزير أبي الفضل بن سودميذ، ~~ومختلطا به، فاجتمعا على الرأي والسعي في نكبة الوزير فخر الملك أبي غالب، ~~وتقلد أبو الفضل موضعه، وقبض على فخر الملك فاتفق أن كنت يوما حاضرا عند ~~ابن سودميذ وقد جاءه عبد المسيح، وتحدثا وأطالا السرار والإفصاح، فضرب ابن ~~سودميذ في عرض حديثهما إلى دفتر كان بين يديه وفتحه ليتفاءل بأول ما يقع ~~طرفه عليه منه، فوقع نظره على بيت من قصيدة لأبي تمام، على قوله: # وصرت وزيرا والوزارة مكرع ... يغص به بعد اللذاذة كارعه # فرماه من يده، ثم أخذه بعد ساعة وفتحه، فخرج عليه البيت بعينه، فتطير منه ~~ورماه في كانون تار كان بحضرته. # PageV01P087 ### | 346 - # وحدثنا رضي الله عنه قال: حدثني أبو طاهر الطهري حاجب فخر الملك وأبي ~~محمد بن سهلان من بعده قال: كان في أبي محمد بن سهلان حدة من رزانة جميلة ~~وله ألفاظ يوردها في كلامه واستراحات بين ألفاظه لا يحتملها أهل العراق، ~~ومنها أنه كان يقول في أكثر أوقاته وضجراته: ليس تدرون من معكم في السفينة، ~~فقال لي لما دخلنا بغداد: أنت أيها الحاجب تعرف من ms163 أخلاق البغداديين ~~وعيوبهم ومذاهبهم في الإزراء على العجم وغيبتهم لهم وإيراد الحكايات عنهم ~~ما لا أعلمه ولا أقف عليه ولا أخبره، وأريد أن تنبهني إلى ما أغفل عنه ~~وأسهو فيه، وتلني على ما أتحفظ منه، ولا تراعي في ذاك هيبة الوزارة أو حشمة ~~الرياسة، فإنها أمانة فقلت: السمع والطاعة، وكنت أشير إليه بإشارات في ~~المواضع التي لا تحتمل الإفصاح، فيعرف ويرجع. وقلت له يوما: هوذا تكثر من ~~قولك "تدرون من معكم في السفينة" وهذا مما يستقبحه البغداديون ويعيبون عليه ~~ويطعنون على قائله فيه، فقال: لم؟ فحاجزت ودافعت، وألح فقلت: نعم يقولون في ~~الإنسان إذا استحمقوه: هو تيس في سفينة فأمسك. وكان ربما حملته الحدة ~~والعادة على أن يقول ذاك، فإذا نظرت إليه فطن وقطع، وأمسك ورجع. ### | 347 - # وحدثنا رضي الله عنه قال: حدثني أبو نصر الحسن بن المصلحي الكاتب ~~النصراني قال: كنا في يوم عيد بحضرة الوزير شرف الملك أبي سعد، والناس ~~يدخلون إليه ويخدمونه ويهنونه، والشعراء ينشدونه ويمدحونه، إذا أنشد أحدهم ~~فيه أنشد: # وأنت حصني الذي ألوذ به ... فما له قد تهدمت شرفه # فتطيرت عليه من ذلك ومن مشاكله شرفه بشرف الملك لقبه ثم أنشده آخر قصيدة ~~أولها: # عقد الصيام بيوم العيد محلول ... فقلد الكأس فالقنديل معزول # فازداد تطيري، وقدم الطعام، فبينا نحن نأكل إذ عثر المشاش وعلى رأسه ~~طيفورية فيها أربعة صحون فرمى بها وكسرها، فكانت الثالثة في سوء ما اتفق، ~~فلما كان في اليوم التاسع من شوال قبض عليه. ### | 348 - # وحدثني أيضا قال: حدثني أبو الفتح بن المقلد الأصفهاني قال: حدثني أبو ~~منصور الحسن الحلبي قال: كنت أكاثر الوزير شرف الملك أبا سعد بن ماكولة ~~بالبصرة فأنشدته يوما لعتراه الخياط، ولم أعلم أن شرف الملك أصفهاني: # لم تكن أصفهان يوما من الده ... ر بدار لنا ولا رام شاذا # غير أني اعتمدت فيها كريما ... من قريش جعلته لي ملاذا # بلدة تمطر التراب علينا ... مثلما تمطر السماء الرذاذا # أهلها شر عصبة خلق الل ... ه وأجفاهم للغريب وآذى # ولهم لحن ms164 منطق لست أدري ... ه إذا قال ذا وجاوب هذا # ما تعلمت منه إلا قليلا ... إنهم أبدلوا من الريح وإذا # كل ما يأثرونه من ملوك ال ... فرس فيروز وابنه وقباذا # فإذا ما أعاذ ربي أناسا ... من عذاب كبعض من قد أعاذا # فحمى الله أهلها أن يصيبوا ... وزرا من عقابه وملاذا # خربت عاجلا كما خرب الل ... ه بأعمال أهلها كلواذي # قال: فتغير لونه، وتمعر وجهه، واستحيا حياء بان غيظه من عرضه، وضحك إلي ~~من حضر من أهله ضحكا مستكلفا متعملا، فتنبهت حينئذ على غلطتي وهفوتي، ~~واعتذرت إليه اعتذارا لم يمح منه قبيح زلتي. ### | 349 - # وحكى الوالد قال: حدثني أبو نصر الحسن بن منصور الصلحي الكاتب النصراني ~~قال: حدثني الوزير النفيس أبو الفتح محمد بن الفضل ابن أردشير قال: كنت ~~بالسيرجان مع الوزير أبي غالب الحسن بن منصور الملقب ذا السعادتين، فاتفق ~~أن شربت عنده يوما وسكرت سكرا سقطت معه شستجتي من كمي وفيها رقاع إليه قد ~~أعطانيها أربابها لأتنجز لهم توقيعاته فيها، ومن جملتها رقعتان قد كتبت ~~قديما بخطي في إحداهما: # يا قليل موفور الصلف ... والذي في البغى قد حاز السرف # كن لئيما وتواضع تحتمل ... أو كريما يحتمل منك الصلف # وفي الأخرى: # يا طارق الباب على عبد الصمد ... لا تطرق الباب فما ثم أحد # PageV01P088 # وتقدم بأخذ الشستجة وإعطائه إياها، ووقف على الرقاع ووقع بجميع ما سأل ~~أربابها فيها، ثم وقع في إحدى الرقعتين المتضمنة للبيتين اللذين بخطي: ~~"يطلق له ألفا درهم" وفي الأخرى المتضمنة للبيت الواحد: "يوجب له ألف درهم ~~مشاهرة على استقبال كذا من الشهر الشهر الذي كان فيه، ورد الجميع إلى ~~الشستجة وأعادها إلى كمي في الموضع الذي نمت فيه، وأصبحت من غد ولا علم ~~عندي بما جرى، واستدعاني إلى الطعام وقت الظهر ولم ير عندي أثرا لفعله ولا ~~مني شكرا له، فقال لي: وقفت على الرقاع التي في شستجتك؟ فقلت: لا والله، ~~فأمسك وتراجمت بي الظنون في قوله، فلما فرغنا من الأكل ونهضت لغسل يدي طلبت ~~الرقاع وتأملتها فوجدتها ms165 على ما ذكرت وشغل قلبي حال ما وجدوه فيها بخطي ~~وكيف سبق إلى ظنه من أن ما كتبته إيماء إليه وتعريض به، وعدت إليه فدعوت له ~~وشكرته، واعتذرت من الشعر الذي كنت كتبته فقال: لا تعتذر فإنا نستحقه إذا ~~لم نقض حقا ولم نراع صاحبا. ### | 350 - # وحدث أبو الفضل الأزدي قال: أخبرنا شاه قال: مر رجل بابن المبارك، وكان ~~يدعي النحو، فوقف عليه وهو راكب دابته يحدثه، فقال له ابن المبارك: أما ~~بلغك الحديث: "لا تتخذوا ظهور داوابكم مجالس" فقال له: مجالسا يا أبا عبد ~~الرحمن فضحك ابن المبارك وقال له: إن مجالس لا ينصرف لأنه على وزن مفاعل، ~~وأنت لم تبلغ هناك بعد فخجل الرجل وانصرف، فكان إذا مر في السوق صاحوا به: ~~لم تبلغ هذا هناك بعد يا أبا فلان فكان قلما يفاجئ الناس ويلاقيهم. ### | 351 - # وحدث محمد بن حبيب قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: شهد أعرابي عند معاوية ~~بشهادة فقال له: كذبت، فقال: الكاذب المتزمل في ثيابك فقال معاوية: هذا ~~جزاء من عجل. ### | 352 - # وحدث محمد بن شجاع قال: قرأ الكسائي في صلاة صلى فيها بهرون الرشيد: "إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون" فقال له الرشيد: يا أبا الحسن في أي لغة هذه؟ ~~قال: يا أمير المؤمنين إنه وقع في نفسي وأنا أقرأ أنه ليس أحد يقوم بالقرآن ~~كقيامي، ولا يقف حدوده وتقطيعه وغريبه ومعانيه وتفصيله وفصله وقوفي، فحين ~~وقع هذا في نفسي ابتليت بما ابتليت به في لساني. ### | 353 - # شهد رجل على رجل عند بعض القضاة، فقال المشهود عليه، أيها القاضي تقبل ~~شهادة علي ومعه عشرة آلاف دينار وما حج عمره! فقال له: فاسأله عن زمزم فلم ~~يدر بما يجيب فقال: حججت قبل أن حفرت فلم أرها. ### | 354 - # قال الحجاج لعبد الرحمن بن أبي بكرة: ما مالك؟ فقال: لقد ختمت على ألف ~~ألف درهم، ثم على عبد الرحمن أنها سقطة قد زلت من فمه فتداركها مسرعا معجلا ~~وقال: ولقد أصبحت وما أملك إلا خاتمي. ### | 355 - # وحدث ms166 علي بن محمد بن الجهم قال: حدثني أبو العباس محمد بن عبيد الله بن ~~عبد الله بن طاهر قال: حدثني أبي عن أحمد بن إسرائيل قال: صرت يوما إلى ~~عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فلما صرت في صحن الدار رأيته مضطجعا على مصلاه ~~موليا ظهره باب مجلسه، فهممت بالرجوع، فقال لي الحاجب: ادخل فإنه منتبه، ~~فلما سمع حسي جلس، فقلت: حسبتك نائما قال: لا، ولكني مفكرا في أمر الدنيا ~~وصلاحها في هذا الوقت واستوائها ودرور الأموال وأمن السبل وعز الخلافة، ~~فعلمت أنها أمكر وأنكر وأعذر من أن يدوم صفاؤها لأحد، وقد شغل قلبي حضور ~~هذا الخاطر ببالي، وخفت عواقب ما وقع في نفسي فما مضى إلا أربعون يوما حتى ~~قتل المتوكل ونزل به من البغي ما نزل. ### | 356 - # وحدثني ابن عبد الله الحميدي قال: أخبرني القاضي أبو الغنائم محمد بن علي ~~بن الدجاجي عن المعافى بن زكريا قال: حدث الحسين بن القاسم الكوكبي قال: ~~حدثنا عسل بن ذكوان قال: حدثنا المازني عن أبي عبيدة قال: تغذى أسد بن عبد ~~الله بخراسان، فأتاه طباخه بشواء فيه يبيس، فقال له: ما هذا؟ قال: إذا كان ~~في الشواء يبيس كان أطيب له قال: صدقت ولكنه ينفعك في الجوذابة وبلغ ذلك ~~خالد بن عبد الله، فكتب إليه خالد: "ما كنت أحب لك هذه الفطنة البخيلة في ~~قولك، ولا أن تبديها لجلسائك، فاقسم المال على ندماتك وجلسائك، ومرهم ~~بالكتمان عليك". # PageV01P089 ### | 357 - # وبالإسناد قال: حدث الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن ~~محمد قال: حدثنا الأصمعي عن ابن أبي عرفة قال: أملي زياد بن أبيه على كتابه ~~يوما كتابا إلى معاوية، وسها فقال عن خاطر خطر بقلبه: "وهذا الرجل عمران بن ~~الفضل البرجمي" فكتب الكاتب، فلما وصل الكتاب إلى معاوية، كتب إلى زياد: ~~"ذكرت في كتابك عمران بن الفضل البرجمي ولم تذكر لهذا الكلام ما تقدمه ولا ~~ما اتصل به" فسأل زياد الكاتب عن ذاك، فقال: ما أعلم، أنت تملي وأنا أكتب ~~فقال ms167 زياد. حديث نفس سقط بين كلامي وكتابي، لا تكتبوا كتابا إلا جعلتم له ~~نسخة في الديوان، فكان ذاك أول وضع النسخ. ### | 358 - # وبالإسناد قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثنا محمد بن ~~المرزبان قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا أبو عبد الله ~~القرشي قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال مالك بن أنس: إن ~~لهؤلاء الشطار ملاحة، صلى واحد منهم خلف رجل، فلما قرأ: "الحمد لله" أرتج ~~عليه، فجعل يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وردد ذلك دفعات، فقال له ~~ذلك الشاطر من خلفه: والله ما للشيطان ذنب إلا أنك سخين العين ما تحسن ~~تقرأ. ### | 359 - # وبالإسناد قال: حدثنا أبو النصر العقيلي قال: حدثنا أبو الحسن بن راهويه ~~قال: صلى يحيى بن المعلى الكاتب فقرأ: "قل هو الله أحد" فغلظ فيها، وكان في ~~المجلس أبو نواس ووالبة بن الحباب وعلي بن الخليل والحسين الخليع، فقال أبو ~~نواس: # أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد # فقال والبة: # قام طويلا ساكتا ... حتى إذا أعيا سجد # فقال ابن الخليل: # يزحر في محرابه ... زحير حبلى للولد # فقال الخليع: # كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد ### | 360 - # وبالإسناد قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي ~~قال: حدثنا إبراهيم بن سعدان قال: حدثنا الأصمعي عن عبد الله بن صالح قال: ~~قال لي رجل من حارثة بن لام: أضافني رجل من بني تغلب فأحسن ضيافتي، فأفلت ~~من لساني هذا البيت: # والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثل الأمثالا # فخجلت وسقط في يدي، فقال ما هذا بالله انبسط فإنما قلت كلمة مقولة. ### | 361 - # وبالإسناد: حدثنا أحمد بن أبي سهل بن عاصم أبو بكر الحلواني قال أبو بكر ~~ختن المبرد: لقيني الأسباطي على الجسر وقد أخذ إسماعيل بن بلبل دور أهل ~~الخلد فقال لي: # بغى وللبغي سهام تنظر # أنفذ في الأكباد من وخز الإبر # سهام أيدي القانتين في السحر # قال: فو الله ما مضت أيام حتى كان من ms168 أمر إسماعيل وهلاكه ما كان. ### | 363 - # ذكر أعرابي أنه شهد الموقف مع عمر بن الخطاب عليه السلام فصاح به صائح: ~~يا خليفة رسول الله، ثم قال: يا أمير المؤمنين، فقال رجلي من خلفي: دعاه ~~باسم ميت، مات والله أمير المؤمنين فالتفت إليه فإذا رجل من بني لهب، وهم ~~من بني نضر بن الأزد، وهم أزجر قوم قال كثير: # سألت أخا لهب ليزجر زجرة ... وقد صار زجر العالمين إلى لهب # قال: فلما وقفنا لرمي الجمار إذا حصاة قد صكت صلعة عمر فأدمته فقال قائل: ~~أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها فالتفت إليه فإذا ~~هو اللهبي بعينه، فقتل عمر قبل الحول، قدس الله روحه، ونور ضريحه. ### | 363 - # وحكى المبرد قال: قال يزيد على المنبر، وقد ذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن ~~بن زيد بن الخطاب: وهذه الضبعة العرجاء، فتحدث الناس بزلته فيها وغلطته، ~~لأن الأنثى يقال لها ضبع والذكر يقال له الضبعان فإذا جمعا قيل ضبعان. # PageV01P090 ### | 364 - # وحدث العباس بن المأمون قال: حدثني المتوكل على الله قال: احتجمت في ~~اليوم الذي توفي فيه الواثق بالله وأنا لا أعلم، فقالت لي أمي: امض إلى ~~أخيك الواثق وعده من مرضه، فقلت لها: أطعميني شيئا بعقب الحجامة فإنني احس ~~من نفسي بضعف، فقالت: إذا أنت أكلت لم يكن لك لابد من أن تشرب، وهي ساعة، ~~فامض إليه وعده، وعد إلى طعامك وشرابك مطمئنا، ففعلت ودخلت الدار وجلست ~~بحيث كنت أجلس، وفي الموضع باب، فسمعت حركة وراءه، ونظرت من ثقب فيه محمد ~~بن عبد الملك الزيات وإيتاخ ومعهما محمد بن الواثق، وهما يلبسانه الرصافية، ~~فيدخل رأسه فيها لسعته وصغره عنها، فقال أحدهما للآخر: وما يكون إذا لم ~~يلبسها، نعممه وقالا: فما نعمل بجعفر يغنوني قال محمد بن عبد الملك: نقتله ~~في التنور، وقال إيتاخ: بل ندعه في الماء البارد حتى يموت، ولا يبين عليه ~~أثر قتل، فغشى علي لما سمعته من عزمهما في أمري، ولإخراج الدم، وأنني لم ~~آكل شيئا، وضعفي ثم ms169 تحاملت فجلست في موضعي، وجاء ابن أبي داود، فدخل وسمعته ~~يخاطبها بما لم أحصله لما كنت فيه، وخرج بعد ساعة الغلمان الصغار المعروفون ~~بالإيتاخية يتعادون إلي ويقولون لي: مولانا انهض، فلم أحفل بما سمعته ~~ورأيته منهم، وقلت: هؤلاء يخاطبونني على العادة وما يعلمون ما قد أعتزم في ~~حقي، ثم قمت ولم أشكك في أني أدخل لأسلم على الصبي بالخلافة وأبايعه، ثم ~~ينفذ في ما تقرر بينهم فعله معي، ودخلت الحجرة فرأيت السرير خاليا، فسكنت ~~نفسي قليلا، ثم لقيني ابن أبي داود فقبل يدي وأمسكها إلى أن بلغت السرير، ~~وقال لي: اصعد إلى المكان فقد أهلك الله تعالى له، فلما صعدت وجلست سلم علي ~~بالخلافة، وجاء محمد بن عبد الملك وإيتاخ فسلما علي بها أيضا، وأخذ ابن أبي ~~داود عليهما البيعة لي، وأدخل القواد والموالي على مراتبهم يسلمون ~~ويبايعون، ورآني ابن أبي داود متغير اللون فقال لي وقد دنا مني ما الخبر ~~مالك؟ فخبرته بحال الحجامة وغلبة الصفراء علي، وقلت: الساعة أموت وتقعون في ~~شغل جديد فعاد إلى موضعه الذي كان قائما فيه، وقال: يجوز أن يتمم أخذ ~~البيعة في غير هذا الموضع، أخرجوا الناس فأخرجوا، ودعا بصاحب المطبخ وأمره ~~أن يقدم الطعام فقدمه، وتناولت ما أمسك رمقي وعادت به نفسي. ثم سألت عن ~~الحال كيف جرت، فقيل لي: إن محمد بن عبد الملك وإيتاخ تطابقا على ما سمعته ~~منهما، ووكلا بباب الحجرة من يمنع من دخول ابن أبي داود إليهما حتى يفرغا ~~من تدبيرهما ويحكماه، فلما حضر ابن أبي داود منع، فدفع في صدور الموكلين، ~~وهابوه فلم يراجعوه، ودخل فسلم عليهما وقال لهما: أنا رسول المسلمين ~~إليكما، وهم يقرأون السلام عليكما ويقولون لكما: قد بلغتنا وفاة إمامنا ~~وعند الله نحتسبه، ورحمة الله تعالى ورضوانه، وأنتما المنظور إليكما في هذا ~~الأمر، فمن اخترتما لإمامتنا؟ فقالا: اخترنا محمد بن الواثق! فقال: بخ بخ ~~ابن أمير المؤمنين، وأحق الناس بميراثه، إلا أنه صغير السن لا يصلح ~~للإمامة، فمن غيره؟ قالا: فلان وفلان وفلان، ms170 وهما يقرظان كل واحد ممن ~~يذكرانه ويصفانه إلى أن قالا: وجعفر بن المعتصم يعنياني فقال: رضي ~~المسلمون، اصفقا على يدي، فصفقا، ثم أرسلوا إلى فكان من الأمر ما كان، وبقي ~~ما قاله محمد بن عبد الملك وإيتاخ في نفسي، فقلتهما بما اعتزما قتلي به، ~~وعلمت أن ذلك القول الذي كان منهما وسمعته من القدر الطريف والاتفاق العجيب ~~فيما بدر من لسانهما واطلعت عليه من سرهما، ووقع في نفسي أن الله تعالى ~~وقفني عليه وأعلمنه وأسمعنيه من حيث لم أظنه ولم يظنا لأكافئهما به ~~وأجازيهما عليه عما انتشر من لعنتهما وشرهما وتجبرهما، فقتلت ابن عبد الملك ~~في التنور، وإيتاخ بالماء البارد، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق وأعجبه. ### | 365 - # ذكر المبرد أن يزيد بن عبد الملك قال يوما: إن الدنيا لم تصف لأحد يوما ~~قط، فإذا خلوت يومي هذا فاطووا عني الأخبار، ودعوني ولذتي وما خلوت به، ~~ودعا بحبابة فقال: اسقيني وغنيني، فخلوا في أطيب عيش، فتناولت حبابة حبة ~~رمان فتركتها في فيها، فغصت بها، فماتت، فجزع يزيد جزعا أذهله، ومنع من ~~دفنها، حتى قال له مشايخ بني أمية: هذا عيب لا يستقال، وإنما هذه جيفة فأذن ~~في دفنها، وتبع جنازتها، فلما ووريت قال: أمسيت والله فيك كما قال كثير: # PageV01P091 # فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد # وكل خليل راءني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد # فتطير عليه من هذا التمثل، فمات بعد خمسة عشر يوما. ### | 366 - # وحدثني أبو عبد الله الحميدي قال: أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن ~~سلامة بن جعفر القضاعي بمصر قال: أنبأنا أبو مسلم الكاتب قال: أنبأنا أبو ~~بكر بن دريد قال: أنبأنا الحسن بن خضر عن أبيه عن كاتب عيسى بن علي عن ~~إبراهيم بن خالد بن مخرمة قال: كنت يوما عند مسلمة بن عبد الملك بن مروان ~~وقد زاره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافيا له، فاستؤذن لرجل من ~~أهل الحيرة على مسلمة، ms171 وقيل: قد حضر في مظلمة، وهو جار ضيعتك بمكان كذا ~~فأذن له، فدخل فإذا برجل طويل القامة ضخم اللحية جهم الوجه، قد أخذ عارضاه ~~ما بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر فيه حشد ثلاثة مماطر في يوم ~~صائف، فو الله ما هو إلا أن طلع فمشى وتقرح وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ~~ويعاتب نفسه على إيصاله، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج ولغط وتخليط فقال له ~~مسلمة: اجلس. فجلس فقال له: ما كنيتك؟ قال: أبو العجنس، فقال: ما اسمك؟ ~~قال: صهاب ابن حيان، وأبدى يسراه فإذا فص خاتمه مثل الإبهام الغليظ، وعليه ~~أسطار، فلما رآه مسلمة لم يصبر آن قال له: أرى فصك ضخما كبيرا، وأرى عليه ~~سطورا، فما هي؟ قال: فدفعه غلي لأقرأ ما عليه، لأنه لم يعلمه ولا يحسن أن ~~يقرأه، فإذا عليه: صهاب أبو العجنس يؤمن بالواحد الأحد الصمد، وبالنبي ~~الأمي محمد، ويسأل الله حياة سعادة وموت شهادة، إنه على كل شيء قدير" فضحك ~~عبد الله وضحك، وتبسم مسلمة، ثم قال لحاجبه: اقض حاجته وأحسن ضيافته، فلما ~~انصرف قال مسلمة: ما بعد كنيته وعظم لحيته ونقش خاتمه شك لمعتبر. ### | 367 - # وحدث أبو بكر بن دريد قال: أنبأنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي أن ~~أعرابيا كثر عياله، فتوجه بهم إلى خيبر لوبائها وقال: # قلت لحمى خيبر استعدي ... هذا عيالي فاجهدي وجدي # وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذا الجند # فحم هو ومات، وسلموا وعادوا إلى موضعهم ورجعوا. ### | 368 - # وحدث ابن دريد قال: أنبأنا أبو عثمان عن الثوري عن الأصمعي قال: حدثنا ~~عيسى بن عمر قال: كان عندنا رجل لحانة، فلقي لحانة مثله، فقال: من أين ~~أقبلت؟ فقال: من عند (أهلونا)! فتعجب منه وحسده، وقال له: أنا أعلم من أين ~~أخذتها، من قول الله تعالى: "شغلتنا أموالناوأهلونا". ### | 369 - # وذكر أبو زيد الأنصاري قال: كنت ببغداد، فأردت الانحدار إلى البصرة فقلت ~~لابن أخي: اكتر لنا سميرية، فجعل يقول: يا معشر (الملاحون)، فقلت له: ويلك ~~ما تقول؟ فقال: جعلت فداك، أنا ms172 مولع بالنصب! فضحكت منه وقلت: أتقنت. فقال: ~~ماذا؟ قلت: اللحن! ### | 370 - # وحدث أيوب بن محمد قال: سمعت بشر بن عبد الوهاب قال: كان يجلس إلى عمود ~~في مسجد دمشق رجل جميل الهيئة، يظهر العبادة، فرأيته يوما وقد سجد وهو يقول ~~في سجوده سجد لك خضرتي وحمرتي وصفرتي وسوادي وبياضي خاضعا ضارعا خاشعا ماص ~~بظر أمه! ومن أنا عبدك ابن عبدك الزاني ابن الزانية حتى لا تغفر له!. ### | 371 - # وحدث عيسى بن هلال بدمشق قال: حدثنا أبو حيوة شريح ابن يزيد قال: كان ~~سعيد بن سنان أبو مهدي مؤذن الجامع بحمص، وكان شيخا صالحا، ويسحر الناس في ~~شهر رمضان، ويقول في تسحيره إياهم: يا أهل حمص اسخنوا قديراتكم، وعجلوا ~~عجلوا في أكلكم قبل أن أؤذن فيسخم الله وجوهكم! ### | 372 - # وحدث النصر بن شميل قال: حدث عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال: ~~دخل عبد الله بن الزبير على معاوية وعنده جماعة من قريش، فأوسع له معاوية ~~حتى جلس معه على سريره، فلما انصرف قال له مروان بن الحكم: لله درك من رئيس ~~قبيلة تضع كبيرهم وترفع صغيرهم! فثقلت على معاوية وقال له: # نفس عصام سودت عصاما # وعرف مروان بن معاوية ذاك فضاحكه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما قلتها ~~إلا مازحا! فقال: أترسلها شعثا غبرا ثم تتبعها ضحكة يا مروان! فأخذ يعتذر ~~إليه ويحلف له، فقال له: ما أغناك عن كلام تحتاج بعده إلى مثل هذا ~~الاعتذار! # PageV01P092 ### | 373 - # أنفذ عبد الله بن علي إلى السفاح مشيخة من أهل الشام يطرفه بعقولهم ~~واعتقادهم وأنهم حلفوا لأنهم ما علموا أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرابة يرثونه غير بني أمية حتى وليتم أنتم!. ### | 374 - # وقال هرون: حدثني يعقوب عن أبي الطريح ابن اسماعيل عن أبيه قال: كان ~~المهاجر بن عبد الله الكلابي أشرف عربي في زمانه، وكان لأم ولد وعاملا على ~~اليمامة من قبل بني أمية وبني العباس أربعين سنة. وكان يؤتى في الدية ~~والحمالة من كل مكان فلا يرد أحدا ms173 إلا بحاجته، فبينا هو جالس يوما في منظرة ~~له إذ رأى خمسين راكبا من قومه قد طلعوا عليه قاصدين إليه في زي جميل ~~ومراكب ورواحل، فسره ذلك منهم، وأمر لهم بدار كبيرة وجعلها برسمهم، وبطعام ~~كثير يصنع لهم، ودخل عليهم، وجعل يحييهم ويقبل عليهم فرحل بهم وسرورا بما ~~رأى من تجملهم وهيئتهم، وأتي بالطعام فجلس معهم يؤاكلهم ويحادثهم ويؤانسهم ~~ويبسطهم، وهو لا يشك أنهم جاؤوه في دية أو حمالة وقعت عليهم، أو مغرم ثقيل ~~لزمهم، فقال لهم: حياكم الله وأنعم بكم عينا يا بني عمي، ما حاجتكم فقد ~~قضاها الله تعالى؟ قالوا: إن ابن عم لك أصاب رجلا من طائفة العشيرة فقتله، ~~وهو ابن أم ولد، وقد خفنا أن يأخذ ابن صريحة فيكون لهم الفضل علينا، وليس ~~بنا ابن أم ولد غيرك، فنحن نحب أن ننقاد معنا ندفعك إلى القوم فيقتلوك ~~ويصلح الله تعالى هذا الأمر بك، ولا يكون لهم على عشيرتك فضل! فلما سمع ذلك ~~منهم قام عنهم، ودعا صاحب الشرطة فأخبره الخبر، وأمره أن يجلس لهم الصبيان ~~في السكك معهم البعر، ثم يحملهم على رواحلهم، محولة وجوههم إلى أذنابها، ~~ويأمر الصبيان بأن يرجموهم بالبعر وينثروه عليهم حتى يخرجهم من البلد، ففعل ~~ذلك بهم. ### | 375 - # وبلغ الأمين أن يعقوب بن المهدي لا يقيم نسبة، فدعاه وقال له: انتسب، ~~فقال: أنا يعقوب بن المهدي، فقال: ابن من؟ فلم يعلم، فأمر به وحمل على ~~الفيل، وحلف لا ينزله حتى يحفظ نسبه! ### | 376 - # وكان خارجة بن زيد إذا صلى الجمعة انصرف إلى داره فجلس فيها، وأتته ~~الأنصار طرا، أهل العوالي وغيرهم، مسلمة عليه كما يسلم على أمير المدينة، ~~تعظيما له وتشريفا، وكان يأمر ليلة الجمعة بالماء يبرد في القرب، ويسقاه ~~الناس بالعسل بعد صلاة الجمعة في عساس عظام من خيشاني، ونضارتها من الحسن ~~والعظم ما لا غاية بعدها؛ وكان أبو عبد الله القراظ فارسيا سبي في خلافة ~~عمر بن الخطاب، وله جواب منكر لا يطاق، وقد اسن، وخلقته مضطربة: له أذنان ~~عظيمتان ms174 ورأس كبير وآراب منكرة، وكان ينصرف فيمن ينصرف بعد الجمعة إلى دار ~~خارجة، فيشرب، فإذا رآه خارجة رحب به وأمر بتعجيل الشراب عليه، وإن رآه أحد ~~أولاده فعل به كفعل أبيهم؛ فجلس يوما إلى جنبه فتى من الأوس من ولد عبد ~~الله بن نفيل بن الحارث، فلم تجز له، فإنه جعل يهزأ به ويقول للساقي: اسق ~~الشيخ ماء فإنه لا حاجة له في العسل، ويضحك به؛ فقال له أبو عبد الله: من ~~أنت يا فتى؟ قال: من الأنصار، قال: مرحبا بالأنصاري، فأي الأنصار أنت؟ قال: ~~أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نفيل بن الحارث، فقال: يا فتى تدري من ~~الأنصار؟ قال: نعم وأنا وقومي، فقال له: أما جدك فلم ينصر، أعلمت ما نزل ~~فيه من القرآن؟ أتدري ما فعلت سورة براءة بأبيك؟ فضحته! هي الفاضحة له ~~المبدية لمساوئه! فاستحيا الفتى وأراد أنم يقوم، فقال له: كما أنت أزيدك، ~~اعلم أني شيخ مجرب صحبت سعد بن أبي وقاص سنين في السفر والحضر، وغيره من ~~الصحابة! لا تهزأن بالشيوخ .. فضار الفتى إذا لقيه أكرمه واعتذر إليه وقال ~~له: لم أعرفك! فيقول له القراظ: ليس هذا بعذر، لا تسيئن إلى أحد عرفته أو ~~أنكرته! ### | 377 - # وحدث ابن جريج قال: كان عبد الله بن صفوان يطعم كل يوم بمكة الناس في ~~داره سويقا وتمرا، ويأكل معهم، ثم ينصرف إلى بيته، فجاء يوما من ذلك وعليه ~~ثوبان وعمامة خزقانية، وقد ضاقت المجالس، فوقف على حلقة من تلك الحلق، وجعل ~~يأكل وهو قائم، فقال له الذي حصل قائما على رأسه وهو لا يعرفه ما رأيت ~~كاليوم ملانا أذيتنا، فقال له خالد: أيها المرء الأمر أيسر من ذاك، إنما هو ~~آكل ثم انصرف عنك! وعرفه بعد ذاك فقال: هذا أشرف البشر! وندم على مابدر ~~منه، وكان حيث يراه يعتذر إليه. # PageV01P093 ### | 378 - # وحكى ابراهيم بن إسحق الموصلي قال: غنيت بين يدي الرشيد وستارته مضروبة: # وأرى الغواني لا يواصلن أمرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا # فقال: يا ms175 عاض كذا وكذا أتغني هذا وجواري أمير المؤمنين من وراء الستارة ~~يسمعنه! لولا حرمتك لضربت عنقك! قال: فتناسيت الصوت من بعد حتى أنسيته. ### | 379 - # وحدث أبو ظبيان الحماني قال: اجتمعت جماعة من الحي على شراب فتغنى أحدهم ~~بشعر حسان: # إن التي عاطيتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل # كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل # فقال أحدهم: ما معنى قوله "إن التي" فجعلها واحدة، ثم قال "كلتاهما حلب ~~العصير" فجعلهما اثنتين؟ فلم يكن عند أحدهم جواب، فقال: امرأته طالق ثلاثا ~~إن بات الليلة أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن هذا! فأسقط في أيديهم ~~ليمينه، واجتمعوا وقصدوا القاضي وهو في مسجده يصلي بين العشاءين، فلما سمع ~~حسهم أوجز في صلاته، وأقبل عليهم فقال: ما حاجتكم؟ فبدأ أحدهم وكان أحسنهم ~~هيئة فقال له: قد جرى من صاحبنا هذا زلة لسان وهفوة إنسان بطلاق لزوجته ~~أوجبه عليه، فاقتضى انطلاقنا ب نحو القاضي والقدوم عليه، فإن أذن لنا ~~القاضي شرحنا اله ورجونا فيه تفضلك؟ فقال: قل ماهذا؟ فشرح له القصة، فقال ~~القاضي: أما قوله "إن التي عاطيتني" فإنه عنى الخمرة، وأما قوله "كلتاهما ~~حلب العصير" فعنى الخمر والماء الذي مزجت به، فالخمر عصير العنب، والماء ~~عصير السحاب، قال الله تعالى: (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) انصرفوا إذا ~~شئتم، فانصرفوا. ### | 380 - # حدثنا أبو منصور محمد بن عبد العزيز العكبري قال: حدثني أبو عبد الله ~~البشير البصري، وكان صاحب خبر القادر بالله، قال: وقع بين أبي الحسن ابن ~~سكرة الهاشمي الشاعر وزوجته بنت أبي تحفة الهاشمية لأجل خمرة المغنية وميله ~~إليها، فاستعدت زوجته إلى أبي القاسم بن أبي تمام الزيني نقيب الهاشميين، ~~فأحضره وألزمه إرضاءها أو طلاقها، فقال لها: مارضاك؟ قالت: أن تحلف بطلاقي ~~أنك لا تجتمع معها ولا تقربها، فإن فعلت خلصت منك وانصرفت عنك! فاغتاظ منها ~~وحلف بطلاقها على ذاك، وأضاف إليه أنه يهجوها كل يوم، فكانت زوجته لا تدعه ~~يخرج من البيت حتى يهجوها، وتزوجت خمرة بإنسان يعرف بابن طومار، فاتفق ms176 أن ~~جاء ابن طومار إلى أبي إسحق الطبري الشاهد المقرئ المحدث، ودخل ابن سكرة ~~وهو لا يعرف ابن طومار، فقال له أبو إسحق: ما خبرك وما عندك؟ فقال: أمسكتني ~~بنت أبي تحفة الساعة ولم تدعني أخرج حتى قلت: # خمرة من سخنة عين أستها ... تنتف من حول إلى حول # فقد غلت شعرتها واغتلت ... فهي إذا هول من الهول # كأنها من خشنها ليفة ... شدت بها قارورة البول # فقال له أبو إسحق الطبري: هذا زوجها، وقد سمعك! فاستحيا ونكس رأسه، ثم ~~قال له: فلي ينطح أو لك! ونهض فخرج. ### | 381 - # وحدث محمد بن اسماعيل بن موسى الهادي قال: كنت عند المعتصم وعنده علويه ~~ومخارق ومحمد بن الحارث وعقيد، فتغنى عقيد، وكنت أضرب عليه: # نام عذالي ولم أنم ... واشتفى الواشون من سقمي # وإذا ما قلت بي ألم ... شك من أهواه في ألمي # فطرب المعتصم وقال: لمن الشعر والغناء؟ فلم يجبه أحد، فقلت: لعلية، فأعرض ~~عني، فتبينت غلظي، وأن القوم اعتمدوا الإمساك، وقطع بي، فتبين حالي فقال: ~~لا ترع يا محمد، فإن نصيبك منها مثل نصيبنا! ### | 382 - # حدثني أبو منصور محمد بن محمد بن عبد العزيز العكبري قال: حدثني أبو علي ~~الحسن بن شهاب الحنبلي ابن عم والدتي من حفظه قال: استدعى هشام بن عبد ~~الملك بن مروان زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام وهو مكبل ~~بالحديد، وقال له: يابن السوداء! فقال زيد: صبغة جلدها وخلقة ربها، قال: يا ~~بن العجانة الخبازة! فقال: مهنة أهلها وخدمة بيتها، قال: يا بن الزانية! ~~فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لها، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك! فأسقط هشام ~~وعلم أنه أساء، وخجل ونكس رأسه، وأمر به فأعيد إلى محبسه. # PageV01P094 ### | 383 - # وحدث ابراهيم بن المهدي قال: ما خجلت قط خجلي يوما دخلت لى علية أختى ~~عائدا فقلت: كيف أنت جعلت فداك؟ وكيف كانت حالك وما خبرك مما كنت تشكينه؟ ~~فقالت: بخير والحمد لله، ووقعت عيني على وصيفة قائمة على رأسها تذب عنها، ~~فأعجبتني وشغلت بالنظر ms177 إليها، وأطلت ثم استرجعت فرددت نظري إلى علية عنها، ~~وأنسيت أني قد تعرفت أخبارها، فقلت: كيف كنت يا أختي وما خبرك وحالك مما ~~كنت تجدينه؟ فرفعت رأسها إلى حاضنة ها قائمة على رأسها وقال لها: أليس قد ~~مضى هذا مرة وأجبنا عنه! فخجلت خجلا ما خجلت مثله قط، وقمت فانصرفت. ### | 384 - # وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء، فاتخذت داية له مثلثة من ~~الطيب وتنوقت فيها فلما وضعتها تحته فسا، وشم المثلثة فقال لها: ماهي طيبة! ~~فقالت له: يا سيدي لما كانت مثلثة كانت طيبة، فلما ربعتها صارت ليس بطيبة!. # وكان محمقا مع ذلك: كان يخطر بباله شيء فيشتهيه فيثبته فيما له، فضج ~~الخازن من ذاك، فكان ذا كتب شيئا من ذاك كتب الخازن تحته: "ليس هذا له ~~وإنما اشتهاه! ". # ووجد له دفتر فيه ثبت ثياب: "ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة ~~الإسكندرية الهاشمية: لا شيء! أستغفر الله، بلى عندنا منها زر من جبة كانت ~~للمهدي؛ الفصوص: الياقوت الأحمر التي من حالها وصفتها كذا وكذا: لا شيء! ~~أسغفر الله، بلى عندنا درج كان فيه خاتم للمهدي هذه صفته .. " فحمل إلى ~~المأمون هذا الدفتر، فضحك لما قرأه حتى فحض برجليه وقال: ما سمعت بمثل هذا ~~قط!. ### | 385 - # وروى أحمد بن ابراهيم بن اسماعيل عن أبيه قال: كان عند المهدي رجل من بني ~~مروان فدخل إليه وسلم عليه، فأتي المهدي بعلج فأمر المرواني بضرب عنقه، ~~فأخذ السيف وضربه، فنبا السيف عنه، فدحا به المرواني وقال: لو كان من ~~سيوفنا ما نبا! فسمعه المهدي فاغتاظ حتى تغير وجهه، فقام يفطين وأخذ السيف، ~~وحسر عن ذراعيه، وضرب العلج فرمى رأسه، وقال يا أمير المؤمنين إن هذه ~~السيوف سيوف الطاعة لا تعمل إلا في أيدي الأولياء، فلا تعمل في أيدي أهل ~~المعصية! ثم قام أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين قد حضرني بيتان أتأذن في ~~إنشادهما، فقال: قل، فقال: # أيهذا الإمام سيفك ماض ... وبكف الولي غير كهام # فإذا ما نبا كبف علمنا ms178 ... أنها كف مبغض للإمام # فقام المهدي عن مجلسه وأمر بقتل المرواني، فقتل. ### | 386 - # وحدث ابن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قدم رجل من سلول ~~على قتيبة بن مسلم بكتاب عامله بالري المعلى ابن عمرو المحاربي، فرآه قدامة ~~بن جعدة المخزومي، وكان صديقا لقتيبة، فدخل عليه، فقال له: ببابك الأم ~~العرب: سلولي رسول محاربي إلى باهلي! فتبسم قتيبة مغيظا، وكان قدامة بن ~~جعدة يشرب الخمر ويعاشر عليا الأقيشر، فقال قتيبة: علي بمرداس بن جذام ~~الأسدي، فدعي به، فقال له: أنشدنا ما قال الأقيشر في قدامة وهما بالحيرة، ~~فقال: # رب ندمان كريم سيد ... ماجد الجدين من فرعي مضر # قد سقيت الكأس حتى هرها ... لم يخالط صوها منه كدر # قلت: قم صل، فصلى قاعدا ... يتغشاه سمادير السكر # قرن الظهر مع العصر كما ... تقرن الحقة بالحق الذكر # ترك الطور فلم يقرأ بها ... وقرأ الكوثر من بين السور # فتغير وجه قدامة وخجل، فقال له قتيبة: هذه بتلك والبادي أظلم!. ### | 387 - # وحدث جعفر بن قدامة قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال كان علويه ~~يغني بين يدي الأمين فغنى: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد # فقال الأمين: قد عرض بأخي المأمون وقصده لي ومحاربته إياي! وقيل: بل ~~الفضل بن الربيع قال له ذلك، فتقدم بأن يجر ن بين يديه وأن يضرب خمسين ~~سوطا! # PageV01P095 ### | 388 - # وحدث علويه قال: كنت مع المأمون لما خرج إلى الشام، فدخلنا إلى دمشق ~~وطفنا فيها، وجعل يطوف على صور بني أمية ويتتبع آثارهم، فدخل صحنا من ~~صحونها فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله، وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها ~~من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستان على أربع زواياه أربع ~~سروات كأنها قصت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت من السرو قدا وقدرا! ~~فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح، وقال: هاتوا إلي الساعة طعاما خفيفا، فأتي ~~ببزماورد فأكله، ودعا بالشراب، وأقبل علي فقال: ms179 غنني ونشطني، فكأن الله عز ~~وجل أنساني جميع ما أحفظه إلا هذا الصوت: # لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطق رجال أراهم نطقوا # فنظر إلي مغضبا وقال: عليك لعنة الله وعلى بني أمية، ويلك قلت لك سرني أم ~~سؤني! ألم يكن لك وقت تمدح فيه بني أمية إلا هذا الوقت! فتجلدت عليه، وعلمت ~~أني قد أخطأت فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية، هذا مولاكم زرياب عندهم ~~يركب في مائتي غلام مملوك له، ويملك ثرثمائة ألف دينار وهبوها له سوى ~~الضياع والخيل والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعا! فقال: ما وجدت شيئا تذكرني ~~به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا حضرني حين حضرتهم! فقال: اعدل عن هذا وتنبه ى ~~إرادتي، وغن، فأنسيت كل شيء كان قد علق بحفظي إلا هذا الصوت: # الحين ساق إلى دمشق ولم أكن ... أرضى دمشق لأهلنا بلدا # فرماني بالقدح فأخطأني، وانكسر القدح وقال: قم عني إلى لعنة الله وحر ~~سقره! وقام فركب فكانت والله تلك الحال آخر عهدي به حتى مرض ومات. ### | 389 - # وكان خالد بن عبد الله القسري قدم على هشام بن عبد الملك، فأخذ يصف له ~~طاعة أهل اليمن وحسن موالاتهم ونصيحتهم، فصفق عمر ابن يزيد يده على يده ~~الأخرى حتى سمع لها في الإيوان دوي، وقال لهشام: كذب والله يا أمير ~~المؤمنين، ما أطاعت اليمانية ولا نصحت قط! أليسوا أعداءك وهم أصحاب يزيد بن ~~المهلب وابن الأشعث، والله لا ينعق ناعق إلا أسرعوا الوثبة إليه، فاحذهم يا ~~أمير المؤمنين! فظهر تقبل ذلك في وجه هشام، واضطغنها عليه خالد ابن عبد ~~الله؛ وولي خالد العراق فلم يكن له هم إلا قتل عمر بن يزيد حتى قتله. ### | 390 - # ومات ابن للفرزدق صغير، فصلى عليه ثم التفت إلى الناس فقال: # وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وترحلوا # فمات بعد ذلك بأيام. ### | 391 - # وروى محمد بن موسى بن طلحة قال: قال أبو عبيدة: دخل الفرزدق على بلال بن ~~أبي بردة فأنشده قصيدته التي يقول فيها: # فإن ms180 أبا موسى خليل محمد ... وكفاه يمنى للهدى وشمالها # فقال له ابن أبي بردة: هلكت والله يا أبا فراس! فقال: وكيف ذاك؟ قال: ذهب ~~شعرك! أين مثل شعرك في سعيد بن العاص والعباس بن الوليد وفلان وفلان، وأسمى ~~قوما .. فقال له: فجئني بأحساب مثل أحسابهم حتى أقول مثل ما قلت فيهم! فغضب ~~بلال حتى أتى بطست وفيه ماء بارد، فوضع يده ورجليه فيه، ليذهب الغيظ عنه، ~~وتبين الفرزدق غلطه فذهب عقله، وخاطبه جلساؤه في الفرزدق وقالوا له: لا ~~تعجل عليه، فقد كفيت أمره، فإنه هم وصدى اليوم أو غد، وأذهب عنك عار قتله! ~~ففعل، ولم يحل على الفرزدق الحول حتى مات. ### | 392 - # قال أبو عبيدة: كان خالد بن عبد الله القسري من أجبن الناس، فخرج إليه ~~المغيرة بن سعيد فعرف ذلك وهو على المنبر بالكوفة، فدهش وتحير وقال: ~~أطعموني ماء! فقال الكميت بن زيد فيه، ويمدح يوسف بن عمر الثقفي: # خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن ... كمن حصنه فيه الرتاج المضبب # وما خالد يستطعم الماء فازعا ... بعذلك والدعي إلى الموت ينعب ### | 393 - # وحدث الصولي قال: حدثني أبو ذكوان قال: حدثني طماس قال: جاء ابن دنقش ~~الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم يستحضره بها، فدخل يلبس ~~ثيابه، ورأى ابن دنقش غلمانا لمحمد روقة، فقال وهو يظن أن محمدا بحيث لا ~~يسمعه: # وعلى اللواط فلا تؤمن كاتبا ... إن اللواط سجية الكتاب # فخرج إليه محمد، وقد لبس ثيابه، وقال له: # وكما اللواط سجية الكتاب ... فكذا الخلاق سجية الحجاب # فخجل ابن دنقش واعتذر إليه، فقال له: إنما يقع الاعتذار لو لم يقع ~~القصاص، فأما وقد كافأتك فلا! # PageV01P096 ### | 394 - # وحدثني هرون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: جلس أبي يوما للمظالم، ~~فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا، فقال له: ألك حاجة؟ قال: تدنيني إليك ~~فإني مظلوم، فأدناه فقال له: أنا مظلوم قد أعوزني الإنصاف! قال: من ظلمك؟ ~~قال: أنت، ولست أصل إليك فأذكر حاجتي! قال: ومن يحجبك عني وقد ترى مجلسي ~~مبذولا؟ ms181 قال: يحجبني عنك هيبتي لك وخوفي منك وطول لسانك وفصاحتك واطراد ~~حجتك! قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك مني غضبا بغير ~~ثمن، وإذا وجب خراجها أديته أنا في الديوان عنك لئلا يثبت لك اسم في ~~الديوان بتصرفك فيها وملكك لها فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي ~~خراجها، وهذا ما لم يسمع مثله في الظلم! فقال له: هذا قول يحتاج إلى بينة ~~وشهود وأشياء غير ذلك! فقال له: تؤمنني من غضبك حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك! ~~قال: البينة أطال الله بقاءك هم الشهود، والشهود هم البينة، وأشياء غير ذلك ~~عي منك وحصر وظلم وتغطرس! فضحك منه وقال: صدقت والبلاء موكل بالمنطق، وإني ~~لأرى فيك مصطنعا! ووقع له برد ضيعته عليه، وبأن يطلق له كران حنطة وشعيرا ~~ومائة دينار يستعين بها على عمارة الضيعة، وصيره بعد ذلك من أصحابه، ~~واصطنعه لنفسه. ### | 395 - # وذكر أبو الفرج الأصفهاني قال: كان عبد الله بن الحسن الأصفهاني يخلف ~~عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، وكتب إلى خالد بن يزيد ابن مزيد عن ~~المعتصم: "إن أمير المؤمنين ينفخ منك في غير فحم، ويخاطب امرأ غير ذي فهم" ~~فقال محمد بن عبد الملك الزيات: هذا كلام ساقط سخيف جعل أمير المؤمنين ينفخ ~~في الزق كأنه حداد! وأبطل الكتاب ولم ينفذه؛ ثم كتب من بعد محمد بن عبد ~~الملك عن المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: "وأنت تجري أمرك على الأربح ~~فالأربح والأرجح فالأرجح، لا تسعى بنقصان ولا تميل برجحان" فقال عبد الله ~~الأصفهاني: قد أظهر ابن الزيات من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته ~~منت جارته بذكر ربح السلع ورجحان الميزان ونقصان الكيل والخسران من رأس ~~المال! فضحك المعتصم وقال: ما اسرع ما انتصف الأصفهاني من ابن الزيات! ~~وحقدها عليه ابن الزيات حتى نكبه. ### | 396 - # ذكر إسحق بن ابراهيم عن معبد قال: استقدمني الوليد بن يزيد، فبينا أنا ~~يوما في بعض حمامات دمشق إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمان له، فأطلى ms182 ~~واشتغل به أصحاب الحمام عن سائر الناس، فقلت: والله لئن لم اطلع هذا عل بعض ~~ما عندي لأكونن بمزجر الكلب، فاستدبرته حتى يراني ويسمع مني، ثم ترنمت، ~~فالتفت إلى الغلمان وقال: قدموا إليه جميع ما هاهنا، فصار جميع ما كان بين ~~يديه عندي، وأمر القوام بخدمتي فخدمت وأخرجت، وخرج، وسألني أن أصير إلى ~~داره معه، ففعلت، ولم يدع من البر والإكرام شيئا إلا أولانيه، ثم وضع ~~النبيذ، فجعلت أغني له، ولا آتي بحسن إلا وأتبعه ما هو أحس منه، وهو لا ~~يرتاح لغنائي ولا يحفل بما يسمعه مني، فلما طال عليه أمري قال: يا غلمان، ~~شيخنا شخنا، فأتي بشيخ، فلما رآه هش به وأدناه منه، فأخذ الشيخ العود وغنى: # سلور في القدر ويلي علوه ... جاء القط أكله ويلي علوه # السلور: السمك الجري بلغة أهل الشام فجعل صاحب المنزل أن يخرج من جلده ~~طربا، وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي، فما رأيت مثل ذلك اليوم غناء ~~أضيع، وشيخا أجهل. ### | 397 - # اسماعيل بن يونس عن أبي هفان قال: حضرت يوما مجلس بعض القواد الأتراك، ~~وكانت له ستارة فنصبت، فقال لها: غني لي صوت الخمار الأسود المليح! فلم ندر ~~ما أراد حتى غنت: # قل للمليحة في الخمار الأسود # ثم قال: غني: إني خربت وجئت أنتقله! فضحكت ثم قالت: كذا يشبهك! ولم ندر ~~ما أراد فغنت: # إن الخليط أجد منتقله ### | 398 - # أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جعفر بن المنصور ويعرف ~~بابن الكردية يستخف مطيع بن إياس، وكان منقطعا إليه وله منزلة حسنة، فذكر ~~له مطيع حماد الرواية، وكان مطرحا مجفوا في ايامهم، فقال له حماد دعني فإن ~~دولتي كانت مع بني أمية، ومالي عند هؤلاء خير! فأبى مطيع إلا الذهاب به ~~إليه، فاستعار سوادا وسيفا ثم أتاه فدخل على جعفر فسلم وجلس، فقال له جعفر: ~~أنشدني، قال لمن أيها الأمير؟ فقال: لجرير؛ قال حماد: فسلخ الله تعالى مني ~~شعر جرير أجمع من قلبي إلا قوله: # PageV01P097 # بان الخليط برامتين فودعوا ms183 # واندفعت أنشده القصيدة حتى بلغت إلى قوله: # وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع # فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته، فقال: ما هو بوزع؟ قلت: اسم امرأة، ~~قال: امرأة اسمها بوزع! أنا بريء من الله ورسوله ومن العباس بن عبد المطلب ~~إن كانت بوزع إلا غولة من الغيلان! تركتني والله يا هذا لا أنام الليلة من ~~الفزع ببوزع! يا غلمان اصفعوا قفاه! فصفعت حتى لم أدر أين أنا، ثم قال: ~~جروا برجله، فجرت رجلي حتى أخرجت من بين يديه، وكان أغلظ من ذلك غرامتي ثمن ~~السواد والسيف! فلما انصرفت إلى مطيع وأخبرته قصتي جعل يتوجع لي، فقلت: ألم ~~أخبرك أني لا أصيب من هؤلاء القوم خيرا وأن حظي كان مع بني أمية؟ فعجب مما ~~جرى على لساني من غلطي وزللي الذي اقتضى صفعي وحرماني! ### | 399 - # ورد كثير على يزيد بن عبد الملك، فرحب به يزيد، واستنطقه فقال: يا أمير ~~المؤمنين ما يعني الشماخ بقوله: # فما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفة حرون # تطيف على الرماة وتتقيهم ... بأوعال معقفة القرون # فغضب يزيد من ذاك وقال له: وما يضر أمير المؤمنين يا ماص بظر أمه ألا ~~يعلم هذا! وإن احتاج إلى علمه سأل عبدا مثلك عن مثله! فسكنه من حضر من أهل ~~بيته عن كثير وقالوا: كانت له عادة بمثل هذا أن يلقيه على الخلفاء وأولاد ~~الخلفاء فجرى على تلك السنة، وأنسي ما فيها من سوء التوفيق، ولعمرنا إنه ما ~~كان يحب له أن يبدأ بذاك، فإن أمر بمثله وأذن له فيه قاله! وخزي كثير، ولم ~~يلتفت عليه يزيد. ### | 400 - # جحظة عن ميمون بن هرون قال: حدثني بعض من كان مختلطا بالبرامكة قال: كنت ~~عند ابراهيم بن المهدي وقد اصطبحنا، وعنده عمرو بن بانة وعبيد الله بن أبي ~~غسان ومحمد بن عمرو الرومي وعمرو الغزال، ونحن في أطيب ما كنا عليه إذ غنى ~~عمرو الغزال، وكان ابراهيم بن المهدي يستثقله إلا أنه يتخفف بين يديه ~~ويقصده، ms184 ويبلغه عنه تقديم له وعصبية، وكان يحتمل ذاك منه؛ قال: فاندفع عمرو ~~الغزال فتغني في عر محمد بن أمية: # ما تم لي يوم سرور بمن ... أهواه، مذ كنت، إلى الليل # أغبط ما كنت بما نلته ... منه أتتني الرسل بالويل # لا والذي يعلم كل الذي ... أقول ذي العزة والطول # ما رمت مذ كنت لكم سخطة ... بالغيب في فعل ولا قول # فتطير ابراهيم، ووضع القدح من يده، وقال: أعوذ بالله من شر ما قلت! ~~فوالله ما سكت حتى دخل حاجبه يعدو، فقال له: مالك؟ فقال: خرج الساعة مسرور ~~من دار أمير المؤمنين حتى دخل على جعفر بن يحيى فلم يلبث أن خرج ورأسه بين ~~يديه، وقبض على أبيه وإخوته! فقال ابراهيم: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ~~ارفع يا غلام، ارفع! فرفع ما كان بين أيدينا، وتفرقنا، فما رأيت عمرو ~~الغزال بعدها في دار ابراهيم ةوابن المهدي. ### | 401 - # الصولي عن أبي ذكوان عن محمد بن سلام قال: وجه أبو الأسود الدؤلي إلى ~~الحصين بن أبي الحر العنبري جد عبيد الله بن الحسن القاضي، وهو يلي بعض ~~أعمال الخراج لزياد، وإلى نعيم بن مسعود النهشلي، وكان يلي مثل ذلك، برسول ~~وكتب معه إليهما، وأراد منهما أن يبراه، ففعل نعيم بن مسعود ذلك، ورمى ~~الحصن بن أبي الحر بكتاب أبي الأسود وراء ظهره ولم يجبه عنه ورد الرسول، ~~وعاد الرسول إليه بذلك، فقال يهجو الحصين: # حسبت كتاي إذ أتاك تعرضا ... لسيبك، لم يذهب رجائي هنالكما # وخبرني من كنت أرسلت أنما ... أخذت كتابي معرضا بشمالكا # نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا # نعيم بن مسعود أحق بما أتى ... فأنت بما تأتي حقيق بذلكا # يصيب وما يدري ويخطي وما درى ... وكيف يكون النوك إلا كذلكا # قال محمد بن سلام: وتقدم رجل إلى عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن أبي ~~الحر، وهو يلي القضاء بالبصرة، مع خصم له فخلط عليه في قوله وفعله، فتمثل ~~عبيد الله بقول أبي الأسود: # يصيب وما يدري ويخطي ومادرى ... وكيف ms185 يكون النوك إلا كذلكا # PageV01P098 # فقال له الرجل: إن رأى القاضي أن يدنيني منه لأقول شيئا فعل! فقال: أدن، ~~فدنا منه وقال: إن أحق الناس بستر هذا الشعر أنت، وقد علمت فيمن قيل! فتبسم ~~عبيد الله وقال: أرى فيك مصطنعا، فقم إلى منزلك؛ وقال لخصمه: رح إلي لتأخذ ~~مالك، فراح إليه وغرم له ما كان يدعيه. ### | 402 - # قيل لرجل: بكم تبيع شاتك؟ قال: اشتريتها بخمسة، وهي خير من ستة، وقد رأيت ~~دونها بسبعة، وقد أعطيت بها ثمانية، وفي نفسي أني لا أبيعها بتسعة، ولكن لا ~~أنقصها عن عشرة، فمن وزن أحد عشر وإلا لم أبعها والسلام! ### | 403 - # ابن مهرويه عن علي بن القاسم طارمة قال: كنت مع المعتصم لما غزا الروم، ~~فجاءه بعض سراياه فأخبره بخبر ساءه، فركب من فوره، وسار أحد سير، وأنا ~~أسايره، فسمع منشدا ينشد في عسكره: # إن الأمور إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح كل ما أرتتجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # فسر بذلك، وطابت نفسه، ثم التفت إلي وقال: يا علي أتروي هذا الشعر؟ قلت: ~~نعم، قال: من يقوله؟ قلت: محمد بن بشير، فتفاءل باسمه ونسبه، وقال: أمر ~~محمود وبشر سريع يعقب هذا الأمر! ثم قال: أنشدني أبيات برمتها فأنشدته: # ماذا يكلفك الروحات والدلجا ... البر طورا وطورا تركب اللججا # كم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا # لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # إن الأمور إ ذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # فاطلب لرجلك قبل الخطو موقعها ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا # فلا يغرنك صفو أنت شاربه ... فربما كان بالتكدير ممتزحا # لا ينتج الناس إلا من لقاحهم ... يبدو لقاح الفتى يوما إذا نتجا # قال: وأصاب من ذلك الوجه ما أحب، وزال ماكره، وعاد غانما مسرورا. ### | 404 - # ذكر جحظة أن أبا الفضل بن القصار المعروف ببرد الخيار مر ms186 يوما على أبيه ~~وهو يقصر في دكانه، ومعه غلام يحمل قاطر ميز نبيذ وجوا مرجه مذبوحة مسموطة، ~~وقد صار طنبوريا وأيسر، فقال: الحمد لله الذي جعل ابني وأرانيه قبل أن أموت ~~ممن يأكل لحم الجوانيرات ويشرب نبيذ القامرطيزات يريد القاطرميزات! ### | 405 - # أبو إسحق محمد بن هرون بن عيسى بن ابراهيم المعروف بابن شبرمة قال: كنا ~~عند عبد الله بن أيوب، وكان يحدثنا بالعشيات، فخرج فقعد للحديث، فخرج طفلان ~~صغيران، فقال له بعض من كان معنا: يا أبا محمد هؤلاء أولادك؟ يا أبا محمد ~~تعرف ذلك الحديث؟ قال: أي حديث؟ قال: "قيل: يولد لابن ثمانين؟ قيل: نعم، ~~إذا كان في جواره ابن عشرين! " فأطرق ابن أيوب وغضب غضبا شديدا وقال: ~~لأحدثتكم العشية! ماذا التهجم وسوء الأدب؟ فحلف الرجل أنه سهل وغلط، ولم ~~يورد ذلك على أصل ولا عن قصد! فقلنا له: قد جئناك من مكان بعيد من المدينة! ~~قال: قد قلت لا أحدثكم، ادخلوا إلى ابني فاكتبوا عنه فإنه قد سمع من سعيد ~~بن سعيد بن محمد الحرمي! وتركنا ودخل، ولم ينتفع به أحد من بعد؛ وكنا دائما ~~ندم المخاطب له تلك العشية ونلومه ونوبخه. ### | آخر الكتاب # ، ولواهب العقل الحمد دائما كما هو أهله ومستحقه، وصلواته على سيدنا ~~ومولانا محمد النبي وآله، وسلامه. ووافق الفراغ من تعليقه يوم الأحد ثامن ~~عشر شوال سنة سبع وأربعين وستمائة. PageV01P099 ms187