######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009218 #META# 000.BookURI :: #0189.MuhammadShaybani.SiyarKabir #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن الحسن الشيباني #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن الحسن الشيباني #META# 011.AuthorBORN :: 132هـ #META# 011.AuthorDIED :: 189 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: السير الكبير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :: كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: شرح كتاب السير الكبير #META# 030.LibURI :: JK_009218 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. صلاح الدين المنجد #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: معهد المخطوطات #META# 044.EdPLACE :: القاهرة #META# 045.EdYEAR :: - #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الجزء الأول # | فضيلة الرباط # عن سلمان الفارسي أنه قال : من رابط يوما في سبيل الله تعلى كان له كصيام ~~شهر وقيامه . ومن قبض مرابطا في سبيل الله تعالى أجير من فتنة القبر وأجري ~~عليه عمله إلى يوم القيامة . وهذا الحديث وإن كان موقوفا على سلمان فهو ~~كالمرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن مقادير أجزية الأعمال لا ~~تعرف بالرأي بل طريق معرفتها التوقيف . # وقد ذكر بعد هذا : عن مكحول أن سلمان الفارسي مر بشر حبيل بن السمط ، وهو ~~مرابط قلعة بأرض فارس ، فقال : ألا أحدثك بحديث سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكون لك عونا على منزلك هذا ؟ قال : بلى . قال : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' لرباط يوم خير من صيام شهر وقيامه . ومن ~~مات وهو مرابط أجير من فتنة القبر ونمي له عمله كأحسن ما كان يعمل إلى يوم ~~القيامة ' . PageV01P006 فتبين بهذا أن من كان عنده حديث منهم فتارة كان ~~يرويه وتارة كان يفتي به من غير أن يروي ، فكل ذلك جائز والمرابطة المذكورة ~~في الحديث عبارة عن المقام في ثغر العدو لإعزاز الدين ، ودفع شر المشركين ~~عن المسلمين . وأصل الكلمة من ربط الخيل . قال الله تعالى : ' ومن رباط ~~الخيل ' ' الأنفال : 6 ' فالمسلم يربط خيله حيث يسكن من الثغر ليرهب العدو ~~به ، وكذلك يفعل عدوه . ولهذا سمي مرابطة ، لأن ما كان على ميزان المفاعلة ~~يجري بين اثنين غالبا ، ومنه سمي الرباط رباطا للموضع المبني في المفازة ~~ليسكنه الناس ليأمن المارة بهم من شر اللصوص . وجعل رباط يوم في هذا الحديث ~~كصيام شهر وقيامه . وقد روي بعد هذا أكثر من هذا القدر فإنه روي عن مكحول ~~أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ' إني وجدت غارا في الجبل ~~فأعجبني أن أتعبد فيه وأصلي حتى يأتيني قدري . فقال عليه السلام : لمقام ~~أحدكم في سبيل الله خير من صلاته ستين سنة في أهله ' . وهذا التفاوت إما ~~بحسب التفاوت في الأمن والخوف من ms0001 العدو . فكلما كان الخوف أكثر كان الثواب ~~في المقام أكثر . أو بحسب تفاوت منفعة المسلم بمقامه . فإن اصل هذا الثواب ~~لإعزاز الدين وتحصيل المنفعة للمسلمين بعمله ، قال عليه السلام : ' خير ~~الناس من ينفع الناس ' ، PageV01P007 أو بحسب تفاوت الأوقات في الفضيلة ، ~~وبيانه في حديث رواه مكحول عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ' لرباط يوم في سبيل الله صابرا محتسبا من وراء عورة المسلمين في شهر ~~رمضان ، أفضل عند الله تعالى من عبادة ألف سنة ، صيام نهارها وقيام ليلها . ~~ولرباط يوم في سبيل الله صابرا محتسبا ، من وراء عورة المسلمين في شهر ~~رمضان أفضل عند الله تعالى من عبادة ألف سنة ، صيام نهارها وقيام ليلها ' . # ومن قتل مجاهدا ومات مرابطا فحرام على الأرض أن تأكل لحمه ودمه ، ولم ~~يخرج من الدنيا حتى يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وحتى يرى مقعده من ~~الجنة ، وزوجته من الحور العين ، وحتى يشفع في سبعين من أهل بيته ، ويجري ~~له أجر الرباط إلى يوم القيامة . وفي قوله : ' أجير من فتنة القبر ' ، دليل ~~لأهل السنة والجماعة على أن عذاب القبر حق . فإن الفتنة هنا بمعنى العذاب . ~~قال الله تعالى : ' ذوقوا فتنتكم ' الذاريات : 14 ، وكقوله تعالى : ' إن ~~الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ' البروج : 10 أي عذبوا ، وأصل الفتنة ~~الاختبار ، يقول الرجل : فتنت الذهب إذا أدخله النار ليختبره ، ومنه قوله ~~تعالى : ' وهم لا يفتنون ' العنكبوت : 2 أي لا يبتلون ، وقوله تعال : ' ~~وفتناك فتونا ' طه : 40 ، وقوله تعال : ' إن هي إلا فتنتك ' الأعراف : 155 ~~. بمعنى الابتلاء أيضا . ومنه يقال : فتانا القبر ؛ لمنكر ونكير ، فإنهما ~~يختبران صاحب القبر بالسؤال عن إيمانه . وقيل معنى قوله : أجير من فتنة ~~القبر أي من ضغطة القبر . فكل أحد PageV01P008 يبتلى بهذا إلا من عصمه الله ~~تعالى منه ، على ما روي أنه لما سوي التراب على سعد بن معاذ رضي الله عنه ~~تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : الله أكبر ، الله أكبر ! ~~فارتج البقيع بالتكبير . فقيل له في ذلك ms0002 ؛ فقال : : إنه ضغطه القبر ضغطة ~~اختلفت منها أضلاعه ، ثم فرج الله عنه . ولو نجا أحد من ضغطه القبر لنجا ~~هذا العبد الصالح . ولكن في حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ' تلك الضغطة للمؤمن بمنزلة الوالدة ~~الشفيقة يشكو إليها ابنها البار بها الصداع ، فتضع يدها على رأسه تغمزه ، ~~وهي للمنافق بمنزلة البيضة تحت الصخرة ' . ومعنى هذا الوعد في حق من مات ~~مرابطا والله أعلم أنه في حياته كان يؤمن المسلمين بعمله فيجازى في قبره ~~بالأمن مما يخاف منه . أو لما اختار في حياته المقام في أرض الخوف والوحشة ~~؛ لإعزاز الدين يجازى بدفع الخوف والوحشة عنه في القبر ، كما روي أن ~~الصائمين إذا خرجوا من قبورهم يوم القيامة يؤتون بالموائد يأكلون ويشربون ~~والناس جياع عطاش في القيامة ؛ لأنهم اختاروا الجوع والعطش في الدنيا ~~فجازاهم الله بإعطاء الموائد في الآخرة . وقوله : ' وأجري عليه عمله ونمي ~~له عمله ' ، فذلك في كتاب الله عز وجل قال الله تعالى : ' ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ، ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ' النساء : ~~100 وقال عليه السلام : من مات في طريق الحج كتب الله له حجة مبرورة في كل ~~سنة ، فهذا هو المراد أيضا في حق كل من مات مرابطا ؛ لأنه يجعل بمنزلة ~~المرابط إلى فناء الدنيا فيما يجري له مني الثواب ، PageV01P009 والمعنى في ~~ذلك أنه من كان بنيته استدامة الرباط لو بقي حيا إلى فناء الدنيا ، والثواب ~~بحسب النية ، قال عليه السلام : ' الأعمال بالنيات ' . وروى محمد بإسناده ~~عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ألا أنبئكم بليلة هي أفضل من ليلة ~~القدر ! حارس يحرس في سبيل الله في أرض خوف ، لعله لا يئوب إلى أهله أو ~~رحله ، في الحديث حث على الحراسة للغزاة في أرض الحرب ، فقد جعل ليلة ~~الحارس أفضل من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وكان المعنى فيه أن ~~الحارس أفضل من ليلة القدر التي هي ms0003 خير من ألف شهر ، وكان المعنى فيه أن ~~الحارس يسعى لإزالة الخوف عن المسلمين ، والذي يحيي ليلة القدر يسعى في ~~فكاك نفسه ، وقد روي هذا مرفوعا في حديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لمقام ساعة في سبيل الله تعالى أفضل من ~~إحياء ليلة القدر عند الحجر الأسود ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~' ثلاثة أعين لا تمسها نار جهنم : عين فقئت في سبيل الله ، وعين بكت من ~~خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله ' ، وقوله : ' لا يئوب إلى أهله ' ~~، أي يستشهد في وجهه ، فلا يرجع إلى أهله ، وفيه إشارة إلى أن الحارس في ~~أرض الحرب يعرض نفسه لدرجة الشهادة ؛ لأنه سلم ما باع من الله تعالى على ما ~~قال الله تعالى : ' إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ' التوبة : . ~~PageV01P010 قال محمد رحمه الله : أخبرنا ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، ~~قال : من صام يوما في سبيل الله ، بعدت منه جهنم مسيرة خمسين عاما للراكب ~~المجد لا يفتر ولا يعرس ، لا يفتر أي لا يضعف ، ولا يعرس أي لا ينزل في آخر ~~الليل ، وهو التعريس ، والمراد من الحديث أن يجمع بين الصوم والجهاد ، ~~فالطاعات كلها سبيل الله تعالى ؛ لأنه يبتغي بها رضاء الله تعالى ، غير أن ~~عند الإطلاق يفهم منه الجهاد ، والجمع بينهما أشد على النفس فيكون أفضل ، ~~على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أفضل الأعمال ، قال : ' ~~أحمزها ' ، أي أشقها على البدن ، وهذا أبلغ في قهر النفس الأمارة ، وما روي ~~عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كره الجمع بين الصوم والمشي في طريق مكة ، ~~فذلك للتحرز عن الجدال في الحج ، وإليه أشار أبو حنيفة رحمه الله فقال : ~~إذا جمع بينهما ساء خلقه ، وجادل رفيقه والجدال في الحج منهي عنه ، وأما ~~إذا أمن ذلك فهو أفضل . ثم بين مسافة تبعيد جهنم خمسين عاما . وذكر بعد هذا ~~عن عمرو بن عنبسة السلمي أن النبي صلى الله ms0004 عليه وسلم قال : ' من صام يوما ~~في سبيل الله تعالى بوعد من النار مسيرة مائة عام ' ، PageV01P011 وفي هذا ~~اللفظ للعلماء قولان : أحدهما الإجراء على ظاهرة أن جهنم تبعد منه ، ويؤيد ~~هذا بقوله تعالى : ' أولئك عنها مبعدون ، لا يسمعون حسيسها ' الأنبياء : ~~101 - 102 ، لأن المراد من التبعيد الأمن منه ، لأن من كان أبعد عن جهنم ~~كان آمنا منها ، والتفاوت بين الحديثين في التقدير بحسب التفاوت في نية ~~المجاهد ، أو يكون المراد هو المبالغة في بيان تبعيد جهنم منه لا حقيقة ~~المسافة ، وذكر السبعين والخمسين والمائة للمبالغة في لسان العرب ، وأيد ~~هذا قوله تعالى ' إن تستغفر لهم سبعين مرة ' التوبة : 80 . وعن عمر رضي ~~الله عنه أنه كان يهتف بأهل مكة فيقول : يا أهل مكة ، يا أهل البلدة ، ألا ~~التمسوا الأضعاف المضاعفة في الجنود المجندة والجيوش السائرة ألا وإن لكم ~~العشر ، ولهم الأضعاف المضاعفة ، وهذه خطبة الاستنفار لتحريض الناس على ~~الجهاد ، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن ، كما قال تعالى ~~: ' يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ' الأنفال : 65 ، ثم اقتدى به ~~عمر رضي الله عنه في تحريض أهل مكة حين تقاعدوا عن الجهاد ، PageV01P012 ~~وفي الحديث دليل على أن المجاورة بمكة مشروع ، ينال بها الثواب ، أشار إليه ~~عمر رضي الله عنه ، في قوله : ألا إن لكم العشر ، ولكن الثواب في الجهاد في ~~سبيل الله أعظم ، فحثهم على الجهاد ببيان تحصيل أعلى الدرجات لكي لا ~~يتخلفوا عن الجهاد معتمدين على أنهم جيران بيت الله وسكان حرمه واعتمد فيما ~~ذكر من الأضعاف المضاعفة على قوله : ' مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله إلى قوله والله يضاعف لمن يشاء ' البقرة : 261 ، فإذا كان هذا موعودا ~~لمن ينفق المال في سبيل الله فمن يبذل نفسه في سبيل الله فهو أولى ، والذي ~~يروى عن أبي حنيفة رحمه الله أنه كره المجاورة بمكة ، فتأويله معنيان : ~~أحدهما أنه من كثر مقامه بمكة يهون البيت في عينه لكثرة ما يراه ، أو لكي ~~لا يبتلى في الحرم ms0005 بارتكاب الذنوب ، قال الله تعالى : ' ومن يرد فيه بإلحاد ~~بظلم نذقه من عذاب أليم ' الحج : 25 . وذكر بعد هذل عن عمر رضي الله عنه ~~أنه قال : لا تزال هذه الأمة على شرعة من الإسلام حسنة ، وفي رواية : شريعة ~~من الإسلام ، هم فيها لعدوهم قاهرون وعليهم ظاهرون ، ما لم يصبغوا الشعر ~~ويلبسوا المعصفر ، ويشاركوا الذين كفروا في صغارهم ، فإذا فعلوا ذلك كانوا ~~قمنا أن ينتصف منهم عدوهم ، في الحديث بيان النصرة لهذه الأمة ما داموا ~~مشتغلين بالجهاد . PageV01P013 قال الله تعالى : ' إن تنصروا الله ينصركم ' ~~محمد : 7 ، وفيه بيان أنهم إذا اشتغلوا بالدنيا واتبعوا اللذات ، والشهوات ~~وأعرضوا عن الجهاد ، يظفر عليهم عدوهم ، ومعنى قوله : ' كانوا قمنا ' أي ~~خليقا وجديرا ، ثم كنى عن اتباع الشهوات بأن يصبغوا الشعر ، يريد به الخضاب ~~لترغيب النساء فيهم ، فأما نفس الخضاب فغير مذموم بل هو من سيماء المسلمين ~~، قال عليه السلام : ' غيروا الشيب ولا تتشبهوا باليهود ' ، وقال الراوي : ~~رأيت أبا بكر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحيته ~~كأنها ضرام عرفج بنصب العين ورفعه مرويان يريد به أنه كان مخضوب اللحية ، ~~فمن فعل ذلك من الغزاة ليكون أهيب في عين الأعداء كان ذلك محمودا منه . ~~فإما إذا فعل ذلك في حق النساء ، فعامة المشايخ على الكراهة وبعضهم جوز ذلك ~~، وقد روي عن أبي يوسف أنه قال : كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين ~~لها . وقوله : ويلبسوا المعصفر ، فيه دليل على أن لبس الثوب الأحمر مكروه ، ~~وقد جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن لبس المعصفر ، وعن القراءة في الركوع ، وقال عليه السلام : إياكم ~~والحمرة ، فإنها زي الشيطان ' وفي حديث سعد : رآني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعلي ملحفة حمراء فأعرض عني بوجه ، فذهبت وأحرقتها ، ثم رآني فقال : ' ~~ما فعلت بالملحفة ؟ قلت : أحرقتها حين PageV01P014 رأيتك أعرضت عني ، فقال ~~: هلا أعطيتها بعض أهلك ؟ ' وما روي بعد هذا من حديث البراء ابن عازب رضي ms0006 ~~الله عنه أنه قال : ما رأيت ذا لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فإنما كان ذلك في الابتداء ثم كره استعمالها للرجال بعد ~~ذلك ، وما روي عن الشعبي أنه كان يلبس المعصفر ، فإنما فعل ذلك فرارا من ~~القضاء ، فإنهم أرادوه للقضاء مرارا ، فلبس المعصفر ولعب الشطرنج ، وكان ~~يخرج مع الصبيان لنظر الفيل ، حتى رأوا ذلك منه فتركوه ، وقوله : ' ~~ويشاركوا الذين كفروا في صغارهم ' ، أي التزموا الخراج واشتغلوا بالزراعة ~~وقعدوا عن الجهاد ، فظاهر هذا اللفظ حجة لمن كره الاشتغال بالزراعة ، وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى شيئا من آلات الحراثة في بيت قوم ~~، فقال : ' ما دخل هذا بيت قوم إلا ذلوا حتى كر عليهم عدوهم ' ولكن تأويله ~~عندنا إذا أعرضوا عن الجهاد ، فأما بدون ذلك فلا بأس بالاشتغال بالزراعة ، ~~فأن النبي صلى الله عليه وسلم ازدرع بالجرف ، وهو اسم موضع ، ولا بأس ~~بالتزام الخراج وتملك الأراضي الخراجية ، فإن الصغار في خراج الرؤوس لا في ~~خراج الأراضي ، فإن ابن مسعود والحسن بن علي وأبا هريرة كانت لهم أراض ~~خراجية بسواد العراق ، وكانوا يؤدون الخراج منها . وذكر محمد رحمه الله بعد ~~هذا عن عثمان رضي الله عنه ، أنه قام في أهل المدينة فقال : يا أهل المدينة ~~! خذوا بحظكم من الجهاد في سبيل الله ، ألا ترون إلى إخوانكم من أهل الشام ~~وأهل مصر وأهل PageV01P015 العراق فوالله ليوم يعمله أحدكم في سبيل الله ~~تعالى خير له من ألف يوم يعمله في بيته صائما قائما لا يفطر ولا يفتر ، ~~ومعنى قوله : قام في أهل المدينة ، أي قام خطيبا ، هذه أيضا كانت خطبة ~~استنفار لأهل المدينة كما فعل عمر رضي الله عنه بأهل مكة ، وفيه دليل على ~~أنه لا بأس للمرء أن يحلف صادقا بالله ، وإن لم يكن له حاجة إلى ذلك ، فإن ~~عثمان رضي الله عنه حلف على ما ذكر من الوعد للمجاهد في سبيل الله وكان ~~مستغنيا عن ذلك ، ثم عيرهم عثمان بإخوانهم من أهل ms0007 الشام ومصر والعراق ، ~~فإنهم لم يتقاعدوا عن الجهاد ، تحريضا لهم على الجهاد ، ومعنى هذا التفصيل ~~ما بينا أن في الجهاد إعزاز الدين وقهر المشركين ودفع شرهم عن المسلمين ، ~~وذلك غير ظاهر في عمل من يقيم في أهله بالمدينة . وذكر بعد هذا عن طاوس قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى بعثني بالسيف بين يدي ~~الساعة وجعل رزقي تحت رمحي أو ظل رمحي ، وجعل الذل والصغار على من خالفني ، ~~ومن تشبه بقوم فهو منهم ، والمراد بقوله : بعثني بالسيف ، أي بعثني بالقتال ~~في سبيل الله ، كما قال عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا ~~إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني ماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله ، ولأن القتال في حق غيره من الأنبياء لم يكن مأمورا به وخص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وصفته في التوارة : نبي الملحمة ، عيناه ~~حمراوان من شدة القتال ، PageV01P016 وفي صفة أمته : أناجيلهم في صدورهم ، ~~وسيوفهم على عواتقهم ، وإليه أشار في قوله عليه السلام : السيوف أردية ~~الغزاة ، وفي حديث سفيان بن عيينة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأربعة سيوف : سيف لقتال المشركين باشر به القتال بنفسه ، وسيف لقتال أهل ~~الردة ، كما قال تعالى : ' تقاتلونهم أو يسلمون ' الفتح : 16 ، فقاتل أبو ~~بكر رضي الله عنه بعده في حق ما نعي الزكاة ، وسيف لقتال أهل الكتاب ~~والمجوس كما قال تعالى : ' قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ' إلى ان قال : ' ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، فقاتل به عمر رضي الله ~~عنه ، وسيف لقتال المارقين ، كما قال تعالى : ' فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ' الحجرات : 9 ، فقاتل به علي رضي ~~الله عنه ، على ما روي عنه أنه قال : أمرت بقتال المارقين والناكثين ~~والقاسطين . وقوله : بين يدي الساعة ، أي بالقرب من القيامة . قال الله ~~تعالى : ' اقتربت الساعة ' القمر : 1 ، في سبيل الله ، ألا ترون إلى ~~إخوانكم من أهل الشام وأهل ms0008 مصر وأهل العراق فوالله ليوم يعمله أحدكم في ~~سبيل الله تعالى خير له من ألف يوم يعمله في بيته صائما قائما لا يفطر ولا ~~يفتر ، ومعنى قوله : قام في أهل المدينة ، أي قام خطيبا ، هذه أيضا كانت ~~خطبة استنفار لأهل المدينة كما فعل عمر رضي الله عنه بأهل مكة ، وفيه دليل ~~على أنه لا بأس للمرء أن يحلف صادقا بالله ، وإن لم يكن له حاجة إلى ذلك ، ~~فإن عثمان رضي الله عنه حلف على ما ذكر من الوعد للمجاهد في سبيل الله وكان ~~مستغنيا عن ذلك ، ثم عيرهم عثمان بإخوانهم من أهل الشام ومصر والعراق ، ~~فإنهم لم يتقاعدوا عن الجهاد ، تحريضا لهم على الجهاد ، ومعنى هذا التفصيل ~~ما بينا أن في الجهاد إعزاز الدين وقهر المشركين ودفع شرهم عن المسلمين ، ~~وذلك غير ظاهر في عمل من يقيم في أهله بالمدينة . وذكر بعد هذا عن طاوس قال ~~: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى بعثني بالسيف بين يدي ~~الساعة وجعل رزقي تحت رمحي أو ظل رمحي ، وجعل الذل والصغار على من خالفني ، ~~ومن تشبه بقوم فهو منهم ، والمراد بقوله : بعثني بالسيف ، أي بعثني بالقتال ~~في سبيل الله ، كما قال عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا ~~إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني ماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله ، ولأن القتال في حق غيره من الأنبياء لم يكن مأمورا به وخص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وصفته في التوارة : نبي الملحمة ، عيناه ~~حمراوان من شدة القتال ، وفي صفة أمته : أنا جيلهم في صدورهم ، وسيوفهم على ~~عواتقهم ، وإليه أشار في قوله عليه السلام : السيوف أردية الغزاة ، وفي ~~حديث سفيان بن عيينة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة سيوف : ~~سيف لقتال المشركين باشر به القتال بنفسه ، وسيف لقتال أهل الردة ، كما قال ~~تعالى : ' تقاتلونهم أو يسلمون ' الفتح : 16 ، فقاتل أبو بكر رضي الله عنه ~~بعده في حق ما نعي الزكاة ، وسيف لقتال ms0009 أهل الكتاب والمجوس كما قال تعالى : ~~' قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ' إلى ان قال : ' حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، فقاتل به عمر رضي الله عنه ، وسيف لقتال ~~المارقين ، كما قال تعالى : ' فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ' الحجرات : 9 ، فقاتل به علي رضي الله عنه ، ~~على ما روي عنه أنه قال : أمرت بقتال المارقين والناكثين والقاسطين . وقوله ~~: بين يدي الساعة ، أي بالقرب من القيامة . قال الله تعالى : ' اقتربت ~~الساعة ' القمر : 1 وقيل في تفسير قوله : ' فيم أنت من ذكراها ' النازعات : ~~43 : فيم السؤال عن الساعة وأنت من أشراطها ؟ ، ومعنى قوله : وجعل رزقي تحت ~~رمحي أو ظل رمحي قيل : هذا كان في ابتداء الإسلام ، كان الغازي إذا جنه ~~الليل فركز رمحه عند قوم فعليهم أن يضيفوه ، فإن لم يفعلوا ذلك حتى أصبح ~~كان متمكنا من أن يغرمهم ، PageV01P017 ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام : ' ~~لا يحل ما لامرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه ' ، وقيل المراد به حل الغنائم ~~لهذه الأمة ، فإنها ما كانت تحل لأحد قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وبيان ذلك في قوله تعالى : ' فكلوا مما غنمتم حلالا الأنفال : 69 ، ~~وقال صلى الله عليه وسلم : خصصت بخمس ، وذكر من جملتها حل الغنائم ولم يرد ~~بالظل حقيقة الظل ، لكن أراد به الأمان ، ومنه قوله : السلطان ظل الله في ~~الأرض يريد به الأمان ، ومعنى قوله : وجعل الذل والصغار على من خالفني ، أي ~~ذل الشرك لقوله تعالى : ' ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ' المنافقون : 8 ، ~~فهذا بيان الذل على المشركين ، وقيل : المراد من الصغار ، صغار الجزيرة على ~~ما قال تعالى : ' وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، وقوله : من تشبه بقوم فهو ~~منهم ، أي تشبه بالمجاهدين في الخروج معهم والسعي في بعض حوائجهم وتكثير ~~سوادهم ، فيكون منهم ، في استحقاق الغنيمة في الدنيا والثواب في الآخرة ، ~~وفي مثل هذا قال عليه السلام : هم القوم لا يشقى جليسهم ، في حق العلماء . ~~وذكر عن مكحول قال : لما قتل ms0010 ابن رواحة ، قال عليه السلام : كان أولنا ~~فصولا ، وآخرنا قفولا ، وكان يصلي الصلاة لوقتها ، في الحديث دليل على أنه ~~لا بأس بالثناء على الميت بما هو فيه ، وإنما يكره مجاوزة الحد بذكر ما لم ~~يكن فيه ، ومعنى قوله : أولنا فصولا أي من الصف بالخروج إلى المبارزة ، ~~وآخرنا قفولا أي رجوعا عن القتال ، فبين شدة رغبته في الجهاد وهو مندوب ~~إليه ، PageV01P018 قال تعالى : ' فاستبقوا الخيرات ' البقرة : 148 ، وقوله ~~تعالى : ' وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ' آل عمران 133 ، وبين شدة صبره على ~~القتال حيث كان آخرهم رجوعا ، وهو صفة مدح ، قال الله تعالى : ' يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ' آل عمران : 200 ثم بين أنه كان يصلي ~~الصلاة لوقتها ، أي مع حرصه على القتال كان يحفظ الصلاة لوقتها ، وهو أشق ~~ما يكون على المجاهد ، وهو صفة مدح ، قال الله تعالى : ' حافظوا على ~~الصلوات ' البقرة : 238 ، وجاء في تأويل قوله تعالى : ' إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا ' مريم : 87 أنه المحافظة على الصلوات في وقتها ، والحديث حجة ~~على الشافعي ، فإنه يجيز الجمع بين الصلاتين في السفر ، والجهاد أبدا يكون ~~في حال ما يكون مسافرا ، ومع هذا مدحه على محافظة الصلوات في وقتها ، ولو ~~كان الجمع جائزا لما استقام ذلك . وذكر بعد هذا عن معبد قال : إذا زرعت هذه ~~الأمة نزع منهم النصر ، وقذف في قلوبهم الرعب ، وروى بعده عن محمد بن كعب ، ~~قال : قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى إن تطيعوا الذين ~~كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ( آل عمران : 100 ، أهو التعرب ؟ ~~قال : لا ، ولكنه الزرع ، وتأويل الحديثين واحد ، فتأويل الأول : إذا زرعت ~~هذه الأمة ، PageV01P019 يعني إذا اشتغلوا بالزراعة وأعرضوا عن الجهاد أصلا ~~نزع منهم النصر فأما إذا اشتغل البعض بالزراعة ، والبعض بالجهاد فلا بأس به ~~، وينبغي أن يكون كذلك ، حتى يتقوى المقاتل بما يكتسبه الزارع ويأمن الزراع ~~بما يذب المقاتل عنه . قال عليه السلام : المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضا ~~، وهذا لأن الكل إذا اشتغلوا بالجهاد ms0011 لا يتفرغون للكسب ، فيحتاجون إلى ما ~~يأكلون ويعلفون دوابهم ، فلا يجدون فيعجزون عن الجهاد ، فيعود على موضوعه ~~بالنقص ، ثم فهموا من معنى الآية التعرب ، وهو المقام بالبادية وترك الهجرة ~~للقتال ، وكأنهم اعتمدوا في ذلك ظاهر قوله تعالى : ' الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا ' التوبة : 97 ، فبين لهم علي رضي الله عنه أن المراد هو الإعراض عن ~~الجهاد بالاشتغال بالزراعة ، وأيد هذا التأويل قوله تعالى : ' إن تطيعوا ~~الذين كفروا ' آل عمران : 149 ، وهذا لأن طاعة الكفار فيما يطلبون منا ، ~~وهم يطلبون منا الإعراض عن الجهاد لا نفس الزراعة . وذكر عن الحسن البصري ~~أن رجلا وضع قرنا له ، أي جعبة ، وقام يصلي ، فاحتمل رجل قرنه ، فلما انصرف ~~نظر فلم ير قرنه ، فأفزعه ذلك ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~لا يحل لامرئ مسلم أن يروع أخاه المسلم ، منهم من يروي : فاحتل ، أي حله ~~ليخرج بعض ما فيه ، ومنهم من PageV01P020 يروي : فاحتل بمعنى احتال ، ~~والأصح الأول ، والمعنى أنه رفعه على وجه لم يشعر به أحد ، وقد علم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله على وجه المزاح لا على قصد السرقة ، ولكن ~~مع هذا قال ذلك ، لأنه حين لم ير قرنه أفزعه ذلك ، والذي مازحه هو الذي ~~أفزعه ، فقال : لا يحل لامرئ مسلم أن يروع أخاه المسلم ، فيه بيان عظم حرمة ~~المؤمنين ، وعظم حرمة المجاهدين في سبيل الله تعالى وقد ورد في نظيره آثار ~~مشهورة : عن الحسن أن رجلا سل سيفه على رجل فجعل يفرقه ، فبلغ ذلك الأشعري ~~، فقال : لا زالت الملائكة تلعنه حتى غمده ، وفي رواية : أغمده ، يحتمل أنه ~~أراد به أبا مالك الأشعري ، والأصح أنه أراد أبا موسى الأشعري وهو كالمرفوع ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن هذا ليس من باب ما يعرف بالرأي ، ~~وفيه دليل على عظم وزر من روع مسلما بأن شهر عليه سلاحه ، وإن لم يكن من ~~قصده أن يضربه ، وجاء في الحديث : من شهر سلاحا على مسلم فقد أطل دمه أي ~~أهدره ، وفي قوله ms0012 : مازالت الملائكة تلعنه ، إشارة إلى هذا ، فإن الملائكة ~~يستغفرون للمؤمن ، وإنما يلعنونه إذا تبدلت صفته ، فإنما يحمل على من يفعل ~~ذلك مستحلا قتل المسلم فيصير كافرا أو قاصدا قتله لإيمانه . PageV01P021 ~~قال : وذكر عن سليمان بن بريدة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم ، ما من رجل يخالف إلى ~~امرأة رجل من المجاهدين إلا وقد وقف يوم القيامة ، فيقال له : هذا خانك في ~~أهلك ، فخذ من عمله ما شئت ، فما ظنكم ؟ ، فيه بيان عظيم حرمة المجاهدين ، ~~لأن زيادة حرمة النساء لزيادة حرمة الأزواج ، وإليه أشار الله تعالى في ~~قوله : ' وأزواجه أمهاتهم ' الأحزاب : 6 ، وفي قوله تعالى : ' نؤتها أجرها ~~مرتين ' الأحزاب : 31 ، ثم إنما استحق هذا الوعيد ، لأن المجاهد خرج من ~~بيته وجعل أهله أمانة عند القاعد ، وعند الله تعالى ، فإذا خان في أهله فقد ~~خان في أمانة الله تعالى ولأنه سعى إلى قطع الجهاد ، لأن المجاهد إذا علم ~~أن غيره يخونه في أهله لا يخرج ، ولا يحل له الخروج من غير ضرورة ، لأن حفظ ~~أهله واجب عليه عينا ، والقتال ليس بواجب عليه عينا ، ومتى لم يخرج ينقطع ~~الجهاد ، فيكون هو ساعيا في قطع الجهاد وتقوية المشركين على المسلمين ، ~~فلهذا قال إنه يحكم يوم القيامة في عمله يأخذ منه ما شاء ، ثم قال : ما ~~ظنكم ، يعني : أتظنون أنه يبقي له شيئا من عمله مع حاجته إليه في ذلك الوقت ~~؟ ، PageV01P022 وبيان هذا في حديث علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : لاتؤذوا المجاهدين ، فإن الله تعالى يغضب لهم ، كما ~~يغضب للمرسلين ويستجيب لهم كما يستجيب للمرسلين ، ومن آذى مجاهدا في أهله ~~فمأواه النار ، ولا يخرجه منها إلا شفاعة المجاهد له إن فعل ذلك . قال : ~~وذكر بعد ذلك عن معاوية بن قرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~في كل أمة رهبانية ، ورهبانية أمتي الجهاد ، ومعنى الرهبانية هو التفرغ ~~للعبادة ، وترك الاشتغال بعمل الدنيا ، وكان ذلك في الأمم ms0013 الماضية ~~بالاعتزال عن الناس والمقام في الصوامع ، فقد كانت العزلة فيهم أفضل من ~~العشرة ، ثم نفى ذلك رسول الله عليه السلام بقوله : لا رهبانية في الإسلام ~~وبين طريق الرهبانية لهذه الأمة في الجهاد ، لأن فيه العشرة مع الناس ، ~~والتفرغ عن عمل الدنيا ، والاشتغال بما هو سنام الدين ، فقد سمى رسول الله ~~عليه السلام الجهاد سنام الدين ، وفيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، وهو ~~صفة هذه الأمة ، وفيه تعرض لأعلى الدرجات وهو الشهادة ، فكان أقوى وجوه ~~الرهبانية . وذكر بعد هذا عن أبي قتادة أن رسول الله قام يخطب الناس ، فحمد ~~الله وأثنى عليه ، ثم ذكر الجهاد فلم يدع شيئا أفضل من الجهاد إلا الفرائض ~~، يريد به الفرائض التي يثبت فرضها عينا ، وهي الأركان الخمسة ، والجهاد ~~فرض أيضا لكنه فرض كفاية ، والثواب بحسب وكادة الفريضة ، PageV01P023 فما ~~يكون فرضا عينا فهو أقوى ، فلهذا استثنى الفرائض من جملة ما فضل رسول الله ~~عليه السلام الجهاد عليه . قال : فقام رجل فقال : يا رسول الله ! أرأيت من ~~قتل في سبيل الله هل ذاك مكفر عنه خطاياه ؟ قال : فسكت ساعة حتى ظننا أنه ~~قد أوحي إليه ، ثم قال : نعم ، إذا قتل محتسبا صابرا مقبلا غير مدبر ، إلا ~~الدين فإنه مأخوذ به ، كما زعم جبريل عليه السلام ، فيه بيان علو درجة ~~الشهداء والشهادة حيث جعل الله الشهادة سببا ؛ لتمحيص الخطايا ، وقد جاء في ~~الحديث عن النبي عليه السلام أنه قال : من استشهد في سبيل الله ، فأول قطرة ~~تقطر من دمه تغفر له جميع ذنوبه ، وبالقطرة الثانية يكسى حلة الكرامة ، ~~وبالقطرة الثالثة يزوج الحور العين ، وهو معنى الحديث المعروف : السيف محاء ~~الذنوب إلا الدين ، ومن علو حال الشهداء ما قال رسول الله عليه السلام يوم ~~أحد : إن الله جعل أرواح من استشهد من إخوانكم في أجواف طير خضر ترد أنهار ~~الجنة ، وتأكل من ثمارها ، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش ، فلما ~~أصابوا طيب مأكلهم ومشربهم قالوا : ليت إخواننا يعلمون ما نحن فيه ، فيجدون ~~في الجهاد ، فيقول الله ms0014 تعالى : إني مبلغهم عنكم ، وهو تأويل قوله تعالى : ~~' ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ' آل عمران : 169 ، ثم هذه ~~الدرجة للشهيد إذا كان راغبا فيها ، وذلك بأن يكون محتسبا صابرا مقبلا ، ~~PageV01P024 ثم في الحديث بيان شدة الأمر في مظالم العباد ، فإنه مع هذه ~~الدرجة للشهيد بين أنه مطالب بالدين ، وأنه قال ذلك عن وحي ، فإنه قال : ~~كما زعم جبريل عليه السلام ، ليعلم كل أحد أنه لا بد من طلب رضا الخصم ، ~~وقيل هذا كان في الابتداء حين نهى رسول الله عليه السلام ، عن الاستدانة ، ~~لقلة ذات يدهم ؛ لعجزهم عن قضائه ، ولهذا كان لا يصلي على ميت مديون لم ~~يخلف مالا يقضي به دينه ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام : ' من ترك مالا ~~فلورثته ، ومن ترك كلا أو عيالا فهو علي ' ، وقد ورد نظير هذا في الحج ، أن ~~النبي عليه السلام ، دعا لأمته بعرفات فاستجيب له إلا المظالم فيما بينهم ، ~~ثم دعا بالمشعر الحرام صبيحة الجمع ، فاستجيب له حتى المظالم ، ونزل جبريل ~~عليه السلام يخبره أن الله تعالى يقضي عن بعضهم حق بعض ، فلا يبعد مثل ذلك ~~في حق الشهيد المديون ، فهذا معنى قولنا : إنه دخل فيه بعض اليسر . لشهادة ~~حيث جعل الله الشهادة سببا ؛ لتمحيص الخطايا ، وقد جاء في الحديث عن النبي ~~عليه السلام أنه قال : من استشهد في سبيل الله ، فأول قطرة تقطر من دمه ~~تغفر له جميع ذنوبه ، وبالقطرة الثانية يكسى حلة الكرامة ، وبالقطرة ~~الثالثة يزوج الحور العين ، وهو معنى الحديث المعروف : السيف محاء الذنوب ~~إلا الدين ، ومن علو حال الشهداء ما قال رسول الله عليه السلام يوم أحد : ~~إن الله جعل أرواح من استشهد من إخوانكم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ~~، وتأكل من ثمارها ، ثم تأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش ، فلما أصابوا ~~طيب مأكلهم ومشربهم قالوا : ليت إخواننا يعلمون ما نحن فيه ، فيجدون في ~~الجهاد ، فيقول الله تعالى : إني مبلغهم عنكم ، وهو تأويل قوله تعالى : ' ~~ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ms0015 الله أمواتا ' آل عمران : 169 ، ثم هذه ~~الدرجة للشهيد إذا كان راغبا فيها ، وذلك بأن يكون محتسبا صابرا مقبلا ، ثم ~~في الحديث بيان شدة الأمر في مظالم العباد ، فإنه مع هذه الدرجة للشهيد بين ~~أنه مطالب بالدين ، وأنه قال ذلك عن وحي ، فإنه قال : كما زعم جبريل عليه ~~السلام ، ليعلم كل أحد أنه لا بد من طلب رضا الخصم ، وقيل هذا كان في ~~الابتداء حين نهى رسول الله عليه السلام ، عن الاستدانة ، لقلة ذات يدهم ؛ ~~لعجزهم عن قضائه ، ولهذا كان لا يصلي على ميت مديون لم يخلف مالا يقضي به ~~دينه ثم انتسخ ذلك بقوله عليه السلام : ' من ترك مالا فلورثته ، ومن ترك ~~كلا أو عيالا فهو علي ' ، وقد ورد نظير هذا في الحج ، أن النبي عليه السلام ~~، دعا لأمته بعرفات فاستجيب له إلا المظالم فيما بينهم ، ثم دعا بالمشعر ~~الحرام صبيحة الجمع ، فاستجيب له حتى المظالم ، ونزل جبريل عليه السلام ~~يخبره أن الله تعالى يقضي عن بعضهم حق بعض ، فلا يبعد مثل ذلك في حق الشهيد ~~المديون ، فهذا معنى قولنا : إنه دخل فيه بعض اليسر . وذكر بعد هذا عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي عليه السلام فقال : رجل يريد الجهاد ~~في سبيل الله ، وهو يريد عرض الدنيا ، فقال عليه السلام : ' لا أجر له ' ~~فأعظم الناس ذلك ، فقالوا للرجل : عد لرسول الله لعلك لم تفقهه ، أي لم ~~تفهمه ، فقال : رجل يريد الجهاد في سبيل الله ، وهو يبتغي عرض الدنيا ، ~~فقال : لا أجر له ، ثم أعاد الثالثة ، فقال : لا أجر له ، فيه دليل على أنه ~~لا بأس للسائل أن يكرر السؤال ، وأنه لا ينبغي للمجيب PageV01P025 أن يضجر ~~من ذلك ، فرسول الله عليه السلام لم ينكر عليه تكرار السؤال ، والصحابة ~~أمروه بالإعادة ، مع أنهم كانوا معظمين له ، وكانوا لا يمكنون أحدا في ترك ~~تعظيمه ، فعرفنا أنه ليس في إعادة السؤال ترك التعظيم . ثم تأويل الحديث من ~~وجهين : أحدهما أن يري الخارج من نفسه ، أنه يريد الجهاد ومراده في ms0016 الحقيقة ~~إصابة المال ، فهذا حال المنافقين في ذلك الوقت ، وهذا لا أجر له ، أو يكون ~~المراد أن يخرج على قصد الجهاد ويكون معظم مقصوده تحصيل المال في الدينا ، ~~لا نيل الثواب في الآخرة ، وفي حال مثله قال عليه السلام : ومن كانت هجرته ~~إلى الدنيا يصيبها ، أو إلي امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه ، ~~وقال للذي استؤجر على الجهاد بدينارين إنما لك دينارك في الدنيا والآخرة ~~فأما إذا كان معظم مقصوده الجهاد ، وهو يرغب في ذلك في الغنيمة فهو داخل في ~~جملة ما قال الله تعالى : ' ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ' ~~البقرة : 198 ، يعني التجارة في طريق الحج ، فكما أن هناك لا يحرم ثواب ~~الحج فهاهنا لا يحرم ثواب الجهاد . وقال : وعن خيثمة قال : أتيت أبا ~~الدرداء رضي الله عنه فقلت : رجل أوصى إلي فأمرني أن أضع وصيته حيث تأمرني ~~، فقال : لو كنت أنا لكنت أضعها في المجاهدين في سبيل الله ، فهو أحب إلي ~~من أن أضعها في الفقراء والمساكين ، وإنما مثل الذي ينفق عند الموت كمثل ~~الذي يهدي إذا شبع ، PageV01P026 فيه دليل أن الوصية بهذه الصفة صحيحة بأن ~~تقول للوصي : ضع ثلث مالي حيث أحببت أو حيث أحبه فلان ، وفيه دليل أن الصرف ~~إلى فقراء المجاهدين أولى من الصرف إلى غيرهم ؛ لأن فيه معنى الصدقة ~~والجهاد بالمال ، وإيصال منفعة ذلك إلى جميع المسلمين بدفع أذى المشركين ~~عنهم بقوته ، ثم بين أن مع هذا كله لا ينال هذا الموصي من الثواب ما كان ~~يناله إن لو فعل بنفسه في حياته ، لأن في حياته كان ينفق المال في سبيل ~~الله تعلى مع حاجته إليه ، وقد زالت حاجته بموته ، فهو كالذي يهدي إذا شبع ~~، وفي نظيره قال عليه السلام : أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح ، تأمل ~~العيش وتخشى الفقر ، لا حتى إذا بلغت هذه وأشار إلى التراقي ، قلت : لفلان ~~كذا ولفلان كذا ، لقد كان ذلك وإن لم تقل . وذكر بعد هذا عن مكحول أنه بلغه ~~أن من لم ms0017 يجاهد أو لم يعن مجاهدا أو لم يخلفه في أهله بخير ، أصابته قارعة ~~قبل يوم القيامة ، والقارعة هي الداهية التي لا يحتملها المرء ولا يتمكن من ~~ردها ، قال الله تعلى : ' ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة ' ~~الرعد : 31 ، وفي هذا بيان فضيلة الجهاد ، ونيل الثواب بالإعانة للمجاهد ، ~~وعظم وزر من خان المجاهد في أهله ، وكأن هذه الخصال الثلاثة يعني ترك ~~الجهاد ، وترك إعانة المجاهدين ، والخيانة للمجاهد في أهله لا تجتمع إلا في ~~منافق ، والوعيد المذكور لائق بحق المنافقين . PageV01P027 قال : وذكر عن ~~الحسن رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' قال ربكم ~~: من خرج مجاهدا في سبيلي ابتغاء مرضاتي ، فأنا عليه ضامن أو هو علي ضامن ، ~~إن قبضته أدخلته الجنة ، وإن رجعته رجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة ' ، وفي ~~الحديث بيان ما وعد الله تعالى للمجاهد في سبيله من الغنيمة في الدنيا ، ~~والجنة في الآخرة ، ولفظ الضمان المذكور في الحديث لبيان الموعود على سبيل ~~المجاز والتوسع في العبارة ، ولا يجب لأحد على الله تعالى ضمان في الحقيقة ~~، فيكون دليلا على أنه لا بأس بالتوسع بمثل هذه العبارة ، فيقال : إن الله ~~ضمن الرزق لعباده ، أو يقال : رزق العباد على الله تعالى ، ويكون المراد به ~~أنه وعد لهم ذلك ، وهو لا يخلف الميعاد . قال : وذكر عن الحسن قال : أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من المسلمين ، فقال : ضعفت عن الجهاد ، ~~ولي مال فمرني بعمل إذا عملته كنت بمنزلة المرابط ، قال : مر بالمعروف ، ~~وانه عن المنكر ، وأعن الضعيف ، وأرشد الأخرق ، فإذا فعلت ذلك كنت بمنزلة ~~المرابط ، في الحديث بيان علو درجة المرابط ، فإن الرجل إذا عجز عن ذلك طلب ~~من رسول الله عليه السلام أن يرشده إلى ما يقوم مقام المرابط في ~~PageV01P028 الثواب ، وقد أرشده رسول اله عليه السلام إلى ذلك فيما قال ، ~~لأن الجهاد أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وهو الشرك وإعانة الضعيف من ~~المسلمين بدفع أذى المشركين عنهم ، وإرشاد الأخرق ، وهو المشرك ، فمن ms0018 فعل ~~ذلك بحسب ما يقدر عليه بنفسه ، أو بماله ، فهو بمنزلة المرابط . قال : وذكر ~~بعد هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : إذا تبايعتم العين ، واتبعتم ~~أذناب البقر ، وكرهتم الجهاد ، ذللتم حتى يطمع فيكم عدوكم ، العين جمع عينة ~~وهو نوع بيع أحدثه البخلاء من أكله الربا للتحرز عن محض الربا ، وقد بينا ~~صورته في الجامع الصغير ، وإنما كره ابن عمر رضي الله عنهما ؛ لأن فيه ~~إظهار البخل وترك الانتداب إلى ما ندب إليه الشرع من إقراض المحتاج ، وقوله ~~: ' واتبعتم أذناب البقر ' ، أي اشتغلتم بالزراعة وتركتم الجهاد أصلا ، وقد ~~بينا أن ذلك سبب لطمع العدو في المسلمين وكرتهم عليهم فيذلون بذلك . وذكر ~~بعد هذا عن ضمرة ابن حبيب أن النبي عليه السلام قال : أعظم القوم أجرا ~~خادمهم ، وفي الحديث حث على الرغبة في خدمة المجاهدين وتعهد دوابهم ، فمن ~~فعل ذلك كان له مثل أجر المجاهدين مع استحقاق صفة السيادة في الدنيا ، ~~PageV01P029 قال عليه السلام : سيد القوم خادمهم ، هذا لأن المجاهد لا ~~يتفرغ للجهاد إلا إذا كان له من يطبخ ويربط دابته ، فأما إذا لم يكن احتاج ~~إلى أن يفعل بنفسه فيتقاعد عن الجهاد ، فكان الخادم سببا للجهاد . وذكر بعد ~~هذا عن مجاهد قال : أردت الجهاد فأخذ ابن عمر بركابي ، فأبيت ذلك عليهن ~~فقال : أتكره لي الأجر ؟ فقد بلغنا أن خادم المجاهدين في أهل الدنيا بمنزلة ~~جبريل في أهل السماء ، وذكر بعد هذا عن مجاهد ، عن تبيع وهو ابن امرأة كعب ~~، عن كعب قال : إذا وضع الرجل رجله في السفينة خرج من خطاياه كيوم ولدته ~~أمه ، المائد فيه كالمتشحط في دمه في سبيل الله ، والغريق فيه له مثل أجر ~~شهيدين ، والصابر فيه كالملك على رأسه التاج ، قال محمد رحمه الله : وبه ~~نأخذ ، فنقول : لا بأس بغزو البحر وهو أعظم أجرا من غيره ، ففي هذا دليل ~~علي ان مراد كعب : إذا ركب السفينة على قصد الجهاد وما يقوله كعب ، فإما أن ~~يقوله من الكتب المنزلة مما لم يظهر ناسخه في شريعتنا ، أو ms0019 يقوله سماعا ممن ~~روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ركوب السفينة على قصد الجهاد ~~إنما كان أفضل لأنه أشد وأخوف ، وفيه تسليم النفس لابتغاء مرضاة الله ، ~~فينال به درجة الشهيد في تمحيص الخطايا ، PageV01P030 وقوله : المائد فيه ، ~~يعني المائل لميل السفينة عند تلاطم الأمواج فهذا كالمتشحط في دمه بعد ما ~~استشهد في سبيل الله ، لأنه معاين سبب الهلاك آيس من نفسه على هذه الحالة ، ~~والغريق فيه له مثل أجر شهيدين ؛ لأنه باذل نفسه مرتين ، حين ركب السفينة ، ~~وحين غرقت ، وكل ذلك منه لابتغاء مرضاة الله ، والصابر فيه كالملك على رأسه ~~التاج يعني إذا لم يندم على ما صنع مع ما عاين من سبب الغرق ، فقد تحقق فيه ~~تسليم النفس فهو في الجنة كالملك ، وإنما شبهه بالملك لأن الملك ينال بعض ~~شهواته ، والشهيد في الجنة ينال كل شهواته ، قال الله تعالى : ' وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ' الزخرف : 71 ، وإذا ثبت جواز ركوب السفينة ~~للجهاد ثبت ركوبها للحج بالطريق الأولى ، لأن فريضة الحج أقوى ، وكذلك لا ~~بأس بركوبها على قصد التجارة إذا كان الغالب السلامة ، وهولا يمنع حق الله ~~تعالى الذي يلزمه فيما يستفيد من المال . قال : وذكر بعد هذا عن سهل بن ~~معاذ ، قال : عزوت مع عبد الله بن عبد الملك بن مروان في ولاية عبد الملك ~~الصائفة والصائفة اسم للجيش العظيم الذين يجتمعون في الصيف ، ثم يغزون إذا ~~دخل الخريف وطاب الهواء قال : فنزلنا على حصن سنان ، فضيق PageV01P031 ~~الناس المنازل وقطعوا الطريق ، فقال رجل : إني غزوت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غزوة كذا ، فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق ، فبعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مناديا في الناس : ' ألا من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا ~~جهاد له ' ، معنى تضييق المنزل أن ينزل بالقرب من موضع نزول أخيه المسلم ~~بحيث لا يبقى له المربط والمطبخ وموضع قضاء الحاجة ، وهذا منهي عنه ، لأن ~~كل من نزل بموضع فهو أحق به على ما قال عليه السلام ms0020 : ' منى مناخ ' من سبق ~~، فلا يتمكن من المقام في منزله إلا بما حوله من مواضع قضاء حاجتة ، فيكون ~~ذلك حريما لمنزله ، وكما لا يكون لغيره أن يزعجه عن منزله لا يكون له أن ~~يقطع عنه مرافق منزله بالتضييق عليه ، ومعنى قطع الطريق أن ينزل على الممر ~~أو بالقرب منه على وجه يتأذى به المارة ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الزجر عن هاتين الخصلتين ، في الوعيد ما قال : إنه لا جهاد له ، أي ~~لا ينال من ثواب المجاهدين ما يناله من يتحرز عن ذلك ، وهذا لأن الجهاد شرع ~~لدفع الأذى عن المسلمين ، وهذا الحال مؤذ للمسلمين بفعله . وذكر بعد هذا عن ~~رجل من الكلاعيين اسم قبيلة من أصحاب معاذ بن جبل ، قال : إياكم وهذه ~~السرابا ، فإنهم يجبنون ويغلون ، وعليكم بفسطاط المؤمنين وجماعتهم ~~PageV01P032 السرية اسم لعدد قليل يدخلون أرض الحرب ، سموا سرية لأنهم ~~يسرون بالليل ويكمنون بالنهار ، فكره الخروج معهم في الجهاد ، وبين أنهم ~~يجبنون ، فيفرون لقلة عددهم إذا حزبهم أمر ، ويغلون إذا أصابوا شيئا ، ~~لأنهم لا يصدرون عن رأي أمير مطاع فيهم ، وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه قال : لا ينزلن في الخيل النفل يروى مخففا ومشددا فإنهم إن ~~يغنموا يغلوا ، وإن يقاتلوا يفروا . والمراد العدد القليل الذين يخرجون من ~~دار الإسلام متلصصين من غير أمر الأمير ، سماهم نفلا لأن مقصودهم النفل ، ~~وهو الغنيمة ، أو لأنهم يتنفلون في الخروج ، فإن الخروج إنما يلزمهم بأمر ~~الإمام ، وأما الفسطاط المذكور في حديث معاذ ، فالمراد به الجيش العظيم ، ~~سمي فسطاطا وعسكرا ؛ لكثرة ما يستصحبونه من الفساطيط ، وفيه دليل على أنه ~~ينبغي للغازي أن يختار الخروج مع هؤلاء لا مع أصحاب السرايا ، لقوله عليه ~~السلام : ' يد الله مع الجماعة ، فمن شذ شذ في النار ' . وذكر بعده حديثين ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث على الجهاد وبيان درجة الخارج ~~للمبارزة بين الصفين ، وقد قدمنا في هذا الباب ما فيه كفاية . وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه ms0021 قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' والذي نفسي ~~بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله ، فأقتل ثم أحيا ، فأقتل ثم أحيا ، فأقتل ~~ثم أحيا ' . PageV01P033 كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : أشهد الله أنه ~~قال ثلاثا ، أشهد الله ، أي : بالله ، فيه بيان درجة الشهادة ، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تمناها لنفسه مع علو درجته ، وتمنى تكرار ذلك لنفسه مرة ~~بعد أخرى ليتبين بذلك ما للشهيد عند الله من الدرجات ، وبيان ذلك في حديث ~~أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما من أحد ~~يموت وله عند الله خير فيتمنى الرجوع إلى الدنيا ، وله الدنيا بما فيها إلا ~~الشهيد ' ، فإنه يتمنى الرجوع ليستشهد ثانيا من عظم ما ينال من الدرجة ، ~~وفي حديث جابر رضي الله عنه قال : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم مهتما ~~، فقال : مالك ؟ ، فقلت : استشهد أبي وترك دينا وعيالا ، فقال : ' ألا ~~أبشرك يا جابر ؟ ! ، إن الله تعالى كلم أباك كفاحا ، أي شفاها ، فقال : تمن ~~يا عبد الله ، فقال : أتمنى أن أحيا لأقاتل في سبيلك ثانيا فأقتل ، فقال : ~~قد سبق مني القضاء بأنهم إليها لا يرجعون ، ولكني أبلغك الدرجة التي لأجلها ~~تتمنى ما تتمنى ' . وذكر عن الحسن رحمه الله : ' أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث جيشا وفيهم ابن رواحة ، فغذا الجيش وأقام ابن رواحة ليشهد الصلاة ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى صلاته رآه ، فقال : يا ابن ~~رواحة ، ألم تكن في الجيش ؟ قال : بلى ، ولكني أحببت أن PageV01P034 أشهد ~~معك الصلاة ، وقد علمت منزلهم فأروح فأدركهم ، فقال : والذي نفس محمد بيده ~~، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم ' ، وفيه حث على الجهاد ~~والتبكير للخروج إلى الجهاد وأن من كان على عزم الخروج فلا ينبغي أن يتخلف ~~عن أصحابه ، لأداء الصلاة بالجماعة ، ألا ترى أن النبي عليه السلام قال في ~~حق ابن رواحة ما قال ، مع أن الصلاة خلف رسول الله أفضل ، وفي حديث أنس بن ms0022 ~~مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' غدوة أو روحة في ~~سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ' ، فهذا يؤيد ما قلنا . سم لعدد قليل ~~يدخلون أرض الحرب ، سموا سرية لأنهم يسرون بالليل ويكمنون بالنهار ، فكره ~~الخروج معهم في الجهاد ، وبين أنهم يجبنون ، فيفرون لقلة عددهم إذا حزبهم ~~أمر ، ويغلون إذا أصابوا شيئا ، لأنهم لا يصدرون عن رأي أمير مطاع فيهم ، ~~وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال : لا ينزلن في الخيل النفل ~~يروى مخففا ومشددا فإنهم إن يغنموا يغلوا ، وإن يقاتلوا يفروا . والمراد ~~العدد القليل الذين يخرجون من دار الإسلام متلصصين من غير أمر الأمير ، ~~سماهم نفلا لأن مقصودهم النفل ، وهو الغنيمة ، أو لأنهم يتنفلون في الخروج ~~، فإن الخروج إنما يلزمهم بأمر الإمام ، وأما الفسطاط المذكور في حديث معاذ ~~، فالمراد به الجيش العظيم ، سمي فسطاطا وعسكرا ؛ لكثرة ما يستصحبونه من ~~الفساطيط ، وفيه دليل على أنه ينبغي للغازي أن يختار الخروج مع هؤلاء لا مع ~~أصحاب السرايا ، لقوله عليه السلام : ' يد الله مع الجماعة ، فمن شذ شذ في ~~النار ' . وذكر بعده حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحث على ~~الجهاد وبيان درجة الخارج للمبارزة بين الصفين ، وقد قدمنا في هذا الباب ما ~~فيه كفاية . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ' والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله ، فأقتل ثم أحيا ، ~~فأقتل ثم أحيا ، فأقتل ثم أحيا ' . كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : أشهد ~~الله أنه قال ثلاثا ، أشهد الله ، أي : بالله ، فيه بيان درجة الشهادة ، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم تمناها لنفسه مع علو درجته ، وتمنى تكرار ذلك ~~لنفسه مرة بعد أخرى ليتبين بذلك ما للشهيد عند الله من الدرجات ، وبيان ذلك ~~في حديث أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما ~~من أحد يموت وله عند الله خير فيتمنى الرجوع إلى الدنيا ، وله ms0023 الدنيا بما ~~فيها إلا الشهيد ' ، فإنه يتمنى الرجوع ليستشهد ثانيا من عظم ما ينال من ~~الدرجة ، وفي حديث جابر رضي الله عنه قال : رآني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مهتما ، فقال : مالك ؟ ، فقلت : استشهد أبي وترك دينا وعيالا ، فقال : ~~' ألا أبشرك يا جابر ؟ ! ، إن الله تعالى كلم أباك كفاحا ، أي شفاها ، فقال ~~: تمن يا عبد الله ، فقال : أتمنى أن أحيا لأقاتل في سبيلك ثانيا فأقتل ، ~~فقال : قد سبق مني القضاء بأنهم إليها لا يرجعون ، ولكني أبلغك الدرجة التي ~~لأجلها تتمنى ما تتمنى ' . وذكر عن الحسن رحمه الله : ' أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعث جيشا وفيهم ابن رواحة ، فغذا الجيش وأقام ابن رواحة ليشهد ~~الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى صلاته رآه ، فقال : يا ~~ابن رواحة ، ألم تكن في الجيش ؟ قال : بلى ، ولكني أحببت أن أشهد معك ~~الصلاة ، وقد علمت منزلهم فأروح فأدركهم ، فقال : والذي نفس محمد بيده ، لو ~~أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت فضل غدوتهم ' ، وفيه حث على الجهاد ~~والتبكير للخروج إلى الجهاد وأن من كان على عزم الخروج فلا ينبغي أن يتخلف ~~عن أصحابه ، لأداء الصلاة بالجماعة ، ألا ترى أن النبي عليه السلام قال في ~~حق ابن رواحة ما قال ، مع أن الصلاة خلف رسول الله أفضل ، وفي حديث أنس بن ~~مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' غدوة أو روحة في ~~سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ' ، فهذا يؤيد ما قلنا . وعن الحسن قال : ~~جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب ، فقال : يا خير الناس ، فلم ~~يفهم عمر رضي الله عنه ذلك ، فقال : ما تقول ؟ فقالوا له : يقول : يا خير ~~الناس ، فقال له عمر : ادن إلي ، لست بخير الناس ، ألا أنبئك بخير الناس ؟ ~~قال : من هو يا أمير المؤميني ؟ قال عمر رضي الله عنه : هو رجل من أهل ~~البادية صاحب صرمة إبل أوغنم ، قدم بإبله أو غنمه إلى مصر من الأمصار ، ~~فباعها ms0024 ، ثم أنفقها في سبيل الله ، فكان مسلحة بين المسلمين وبين عدوهم ~~فذاك خير الناس ، والصرمة هي القطعة المسلحة هي الثغر الذي يوضع فيه السلاح ~~، PageV01P035 أو من يحمل السلاح ، ومنه سمي الرجل الذي يحمل السلاح بين ~~يدي السلطان مسلحة ، وإنما قال عمر : لست بخير الناس ، إظهار للتواضع ، فقد ~~كان هو خير الناس في أيام خلافته بعد وفاة الصديق رضي الله عنه ، وهو نظير ~~ما يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، أنه كان يقول في حال خلافته : ~~أقيلوني فلست بخيركم ، وقد كان خير الناس بعد النبيين والمرسلين ، كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما جعل عمر رضي الله عنه صاحب الصرمة ~~خير الناس ، لأنه بذل من نفسه وماله لمنفعة المسلمين ، وخير الناس من نفع ~~الناس ، وقد قال عيه السلام : ' خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل ~~الله كلما سمع هيعة طار إليها ' . ثم قال الرجل : يا أمير المؤمنين ، إني ~~رجل من أهل البادية ، وإني أجفو عن أشياء من العلم ، فعلمني مما علمك رسول ~~الله ، فقال عمر : أليس تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ قال ~~: بلى ، قال : وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ؟ ~~قال : بلى ، قال : عليك بالعلانية وإياك والسر ، عليك بكل عمل إذا اطلع ~~عليه منك لم يفضحك ، وإياك وكل عمل إذا اطلع عليه منك شانك وفضحك ، قوله : ~~أجفو عن أشياء ، أي أجهل ، ولهذا سمي الذين يسكنون القرى والمفاوز أهل ~~الجفاء ؛ لغلبة الجهل عليهم ، فبين له عمر رضي الله عنه بما ذكره أنه عالم ~~PageV01P036 وليس بجاهل ، فكأنه اعتمد قوله تعالى : ' شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولو العلم ' آل عمران : 18 ، والمراد المؤمنون ، ومعنى ~~قوله : ' عليك بالعلانية ' ، أي بسلوك الطريق الجادة ، وهو ما عليه جماعة ~~المسلمين ، والتجنب عن المذاهب الباطلة ، وهو معنى قوله عليه السلام : ~~عليكم بدين العجائز والسر : ما لا يعرفه جماعة المسلمين ، وقيل : معناه ~~عليك في الصحبة مع الناس باتباع العلانية والاكتفاء بما يظهر لك من حالهم ms0025 ، ~~وعليك في معاملة نفسك ، بكل عمل إذا اطلع عليه منك لم يشنك ، يعني لا تكون ~~سريرتك مخالفة لعلانيتك ، وما كنت تمتنع منه إذا كنت مع الناس استحياء منهم ~~فامتنع منه إذا خلوت استحياء من الله تعالى ، ومن لم يفعل ذلك شانه الله ~~وفضحه . ختم محمد رحمه الله الباب بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : من مات مرابطا مات شهيدا ، يعني له من الثواب ما للشهيد ؛ لأنه ~~بذل نفسه لابتغاء مرضاة الله تعالى ، صابرا على المرابطة حتى أتاه اليقين ، ~~والله المعين . PageV01P037 # | باب وصايا الأمراء # روي حديث ابن بريدة عن أبيه برواية أبي حنيفة رحمه الله أن النبي عليه ~~السلام ، كان إذا بعث جيشا ، أو سرية قال لهم : ' اغزوا باسم الله ' ، وقد ~~بدأ محمد رحمه الله السير الصغير بهذا الحديث . وقد بينا فوائد الحديث هناك ~~ثم بين معنا قوله عليه السلام في آخر هذا الحديث : ' وإن أرادوكم ن تعطوهم ~~ذمة الله فلا تعطوهم ' ، أنه إنما كره ذلك لا على وجه التحريم بل للتحرز عن ~~الإخفار عند الحاجة إلى ذلك ، فكان الأوزاعي يقول : لا يجوز إعطاء ذمة الله ~~للكفار ، ويتمسك بظاهر هذا الحديث ، فمقتضى مطلق النهي حرمة النهي عنه ، ~~وذكر هذا اللفظ في حديث يرويه علي رضي الله عنه بطريق أهل البيت أنه قال : ~~لا تعطوهم ذمة الله ولا ذمتي ، فذمتي ذمة الله وإنما كره لهم عندنا لمعنى ~~في غير المنهي عنه ، وهو أنهم قد يحتاجون إلى النقض لمصلحة يرونها في ذلك ~~وأن ينقضوا عهودهم ، فهو أهون من أن ينقضوا عهد الله وعهد رسوله ، وقد أشار ~~إلى ذلك في آخر الحديث فقال : PageV01P038 فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم ~~آبائكم خير من أن تخفروا ذمة الله تعالى ، والذمة هي العهد ، قال الله ~~تعالى : ' لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ' التوبة : 10 ، ومنه سميت الذمة ~~للآدمي فإنه محل الالتزام بالعهد ، والمراد بذممهم وذمم آبائهم الحلف ~~والمحالفة ، التي كانت بينهم في الجاهلية ، ومعنى الإخفاءرهو نقض العهد ، ~~يقال : خفروا إذا عاهدوا وأخفروا إذا ms0026 نقضوا العهد ، وذلك لا بأس به عند ~~الحاجة إليه ، قال الله تعالى : ' وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سواء ' الأنفال : 58 ، منكم ومنهم في العلم ، وذلك للتحرز عن الغدر ، وفي ~~قوله : ' براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ' التوبة : 1 ~~، ما يدل على ذلك ، وأيد ما قلنا قوله عليه السلام : ثلاثة أنا خصمهم ، ومن ~~كنت خصمه خصمته ، وقال في تلك الجملة : رجل أعطى ذمتي ثم خفر ، ورجل باع ~~حرا وأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا ولم يعطه أجره ، ففيه بيان أنه لا بأس ~~بإعطاء ذمته ولكن يحرم الغدر ، وأمراء الجيوش كانوا يعطون الأمان بالله ~~ورسوله ، ولم ينكر عليهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فدل أنه لا بأس به ~~. ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنه قال : بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~يزيد بن أبي سفيان على جيش ، فخرج معه يمشي وهو يوصيه ، فقال : يا خليفة ~~رسول الله ، أنا الراكب وأنت PageV01P039 الماشي ، فأما أن تركب وإما أن ~~أنزل ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما أنا بالذي أركب ولا أنت بالذي تنزل ~~، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله الحديث ، فيه دليل على أنه ينبغي للمرء ~~أن يغتنم المشي في تشييع الغزاة ، على أي صفة كان ، كما فعله الصديق رضي ~~الله عنه وروي أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من ~~اغبرت قدماه في سبيل الله وجبت له الجنة ، وفي حديث أنس رضي الله عنه : ما ~~اجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف مسلم . وذكر محمد بعد هذا حديث ~~أبي بكر رضي الله عنه ، بطريق آخر أنه أتي براحلته ليركب ، فقال : بل أمشي ~~فقادوا راحلته وهو يمشي ، وخلع نعليه ، وأمسكهما بإصبعيه رغبة أن تغبر ~~قدماه في سبيل الله ، وإنما فعل ذلك أبو بكر رضي الله عنه ، هذا اقتداء ~~برسول الله عليه السلام ، فإنه حين بعث معاذا إلى اليمن شيعه ومشى معه ميلا ~~أو ميلين أو ثلاثة أميال ، ونظير هذا ms0027 ما روي عن الحسن بن علي رضي الله ~~عنهما أنه كان يمشي في طريق الحج ونجائبه تقاد إلى جنبه ، فقيل له : ألا ~~تركب يا ابن رسول الله عليه السلام ؟ فقال : لا ، إني سمعت رسول الله عليه ~~السلام يقول : ' من اغبرت قدماه في سبيل الله لم تمسهما نار جهنم ' ، ~~فالمستحب لمن يشيع الحاج أو الغزاة أن يفعل كما فعله أبو بكر رضي الله عنه ~~. PageV01P040 ثم قال : إني موصيك بعشر فاحفظهن : إنك ستلقى أقواما زعموا ~~أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع ، فذرهم وما فرغوا له أنفسهم ، وبه ~~يستدل أبو يوسف ومحمد رضي الله عنهما في أن أصحاب الصوامع لا يقتلون ، وهو ~~رواية عن أبي حنيفة أيضا ، و عن أبي يوسف رحمه الله قال : سألت أبا حنيفة ~~عن قتل أصحاب الصوامع فرأى قتلهم حسنا ، والحاصل أن هذا إذا كانوا ينزلون ~~إلى الناس ويصعد الناس إليهم ، فيصدرون عن رأيهم في القتال ، يقتلون ، فإما ~~إذا أغلقوا أبواب الصوامع على أنفسهم فإنهم لا يقتلون ، وهو المراد في حديث ~~أبي بكر رضي الله عنه لتركهم القتال أصلا ، وهذا لأن المبيح للقتل شرهم من ~~حيث المحاربة فإذا أغلقوا الباب على أنفسهم اندفع شرهم مباشرة وتسبيبا ، ~~فإما إذا كان لهم رأي في الحرب ، وهم يصدرون عن رأيهم ، فهم محاربون تسبيبا ~~فيقتلون . قال : وستلقى أقواما قد حلقوا أوساط رءوسهم ، فافلقوها بالسيف ، ~~والمراد : الشمامسة ، وهم بمنزلة العلوية فينا ، وهم أولاد هارون عليه ~~السلام ، فقد أشار في هذا الحديث بطريق آخر : وتركوا شعورا كالعصائب يصدر ~~الناس عن رأيهم في القتال ويحثونهم على ذلك ، فهم أئمة الكفر ، قتلهم أولى ~~من قتل غيرهم ، وإليه أشار في هذا الحديث بطريق آخر فقال : فاضربوا مقاعد ~~الشياطين منها بالسيوف ، أي في أوساط رءوسهم المحلوقة ، والله لأن ~~PageV01P041 أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم ، قال الله ~~تعلى : ' فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ' التوبة : 12 ، والمراد ~~بمقاعد الشياطين شعر رءوسهم ، وذلك يكون في الرأس ، كما قال أبو بكر رضي ~~الله عنه ، في ms0028 إقامة الحد : اضربوا الرأس فإن الشيطان في الرأس . قال : ولا ~~تقتلن مولودا ، وما من أحد إلا وهو مولود ، لكن المراد هو الصبي ، سماه ~~مولودا لقرب عهده بالولادة ، والمراد به إذا كان لا يقاتل ، فسره في الطريق ~~الآخر ، فقال : لا تقتلن صغيرا ضرعا . قال : ولا امرأة ، والمراد به إذا ~~كانت لا تقاتل ، على ما روي أن النبي عليه السلام مر بامرأة مقتولة فقال : ~~' هاه ، ما كانت هذه تقاتل ، أدرك خالدا فقل له : لا تقتلن ذرية ولا عسيفا ~~' . قال : ولا شيخا كبيرا ، وفي رواية : فانيا ، يعني إذا كان لا يقاتل ، ~~ولا رأي له في ذلك ، فأما إذا كان يقاتل أو يكون له رأي في ذلك فإنه يقتل ، ~~على ما روي أن النبي عليه السلام ، أمر بقتل دريد بن الصمة ، وكان ذا رأي ~~في الحرب ، فأشار عليهم أن يرفعوا الظعن إلى علياء بلادهم ، وأن يلقى ~~الرجال العدو بسيوفهم على متون الخيل ، فلم يقبلوا رأيه وقاتلوا مع أهاليهم ~~، وكان ذلك سبب انهزامهم ، وفيه يقول دريد بن الصمة . أغلقوا الباب على ~~أنفسهم اندفع شرهم مباشرة وتسبيبا ، فإما إذا كان لهم رأي في الحرب ، وهم ~~يصدرون عن رأيهم ، فهم محاربون تسبيبا فيقتلون . قال : وستلقى أقواما قد ~~حلقوا أوساط رءوسهم ، فافلقوها بالسيف ، والمراد : الشمامسة ، وهم بمنزلة ~~العلوية فينا ، وهم أولاد هارون عليه السلام ، فقد أشار في هذا الحديث ~~بطريق آخر : وتركوا شعورا كالعصائب يصدر الناس عن رأيهم في القتال ويحثونهم ~~على ذلك ، فهم أئمة الكفر ، قتلهم أولى من قتل غيرهم ، وإليه أشار في هذا ~~الحديث بطريق آخر فقال : فاضربوا مقاعد الشياطين منها بالسيوف ، أي في ~~أوساط رءوسهم المحلوقة ، والله لأن أقتل رجلا منهم أحب إلي من أن أقتل ~~سبعين من غيرهم ، قال الله تعلى : ' فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ~~' التوبة : 12 ، والمراد بمقاعد الشياطين شعر رءوسهم ، وذلك يكون في الرأس ~~، كما قال أبو بكر رضي الله عنه ، في إقامة الحد : اضربوا الرأس فإن ~~الشيطان في الرأس . قال : ولا تقتلن مولودا ، وما من أحد إلا وهو ms0029 مولود ، ~~لكن المراد هو الصبي ، سماه مولودا لقرب عهده بالولادة ، والمراد به إذا ~~كان لا يقاتل ، فسره في الطريق الآخر ، فقال : لا تقتلن صغيرا ضرعا . قال : ~~ولا امرأة ، والمراد به إذا كانت لا تقاتل ، على ما روي أن النبي عليه ~~السلام مر بامرأة مقتولة فقال : ' هاه ، ما كانت هذه تقاتل ، أدرك خالدا ~~فقل له : لا تقتلن ذرية ولا عسيفا ' . قال : ولا شيخا كبيرا ، وفي رواية : ~~فانيا ، يعني إذا كان لا يقاتل ، ولا رأي له في ذلك ، فأما إذا كان يقاتل ~~أو يكون له رأي في ذلك فإنه يقتل ، على ما روي أن النبي عليه السلام ، أمر ~~بقتل دريد بن الصمة ، وكان ذا رأي في الحرب ، فأشار عليهم أن يرفعوا الظعن ~~إلى علياء بلادهم ، وأن يلقى الرجال العدو بسيوفهم على متون الخيل ، فلم ~~يقبلوا رأيه وقاتلوا مع أهاليهم ، وكان ذلك سبب انهزامهم ، وفيه يقول دريد ~~بن الصمة . # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى . . . فلم يستبينوا الرشد حتى ضحى الغد ~~PageV01P042 # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى . . . غوايتهم وأنني غير مهتد فلما كان ذا ~~الرأي في الحرب قتله النبي عليه السلام . قال : ولا تعقرن شجرا بدا ثمره ، ~~ولا تحرقن نخلا ولا تقطعن كرما ، وبظاهر الحديث استدل الأوزاعي فقال : لا ~~يحل للمسلمين أن يفعلوا شيئا مما يرجع إلى التخريب في دار الحرب ، لأن ذلك ~~فساد ، والله لا يحب الفساد ، واستدل بقوله تعالى : ' وإذا تولى سعى في ~~الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ' البقرة : 205 ، ولما روي في حديث ~~علي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر هذا في وصاياه ~~لأمراء السرايا ، ذكر أبو الحسن الكرخي الحديث بطوله ، وقال فيه : إلا شجرا ~~يضركم ، أي يحول بينكم وبين قتال العدو ، واستدل أيضا بما روي في الحديث : ~~' أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه : من أراد أن يعتبر بملكوت الأرض ، ~~فلينظر إلي ملك آل داود ، وأهل فارس ، فقال ذلك النبي : أما أهل داود فهم ~~أهل لما أكرمتهم به ، فمن أهل فارس ؟ فقال : : إنهم عمروا بلادي ms0030 فعاش فيها ~~عبادي ، وإذا تبين أن السعي في العمارة محمود تبين أن السعي في التخريب ~~مذموم ، ولكنا نقول : لما جاز قتل النفوس ، وهو أعظم حرمة من هذه الأشياء ، ~~لكسر شوكتهم ، فما دونه من تخريب البنيان وقطع الأشجار لأن يجوز أولى . ~~PageV01P043 وبيان هذا في قوله تعالى : ' ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولا ~~ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ' التوبة : 120 ، وتأويل حديث ~~أبي بكر ما أشار إليه محمد رحمه الله في الكتاب بعد هذا . أنه علم بإخبار ~~النبي عليه السلام ، أن الشام تفتح وتصير للمسلمين ، فنهاهم عن التخريب ~~وقطع الأشجار ، على ما بينه بعد هذا وهو تأويل الحديث المروي عن النبي عليه ~~السلام أيضا ، ألا ترى أنه نصب المنجنيق على حصن ثقيف وفيه من التخريب ما ~~لا يخفى . قال : ولا تذبحن بقرة ولا شاة ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا ~~لأكل ، لما روي أن النبي عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله ، وفي ~~الحديث دليل على أنه يجوز للغانمين تناول الطعام والعلف في دار الحرب ، وأن ~~ذبح المأكول للأكل من هذه الجملة . ثم محمد رحمه الله أعاد هذا الحديث ~~بطريق آخر وزاد في آخره : ولا تغلن ، وفيه بيان حرمة الغلول ، وهو اسم لأخذ ~~بعض الغانمين شيئا من الغنيمة سرا لنفسه سوى الطعام والعلف ، وذلك حرام ، ~~قال الله تعالى : ' ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ' التوبة : 168 ، وقال ~~عليه السلام : ' الغلول من جمر جهنم ' . PageV01P044 قال : ولا تجبنن وهذا ~~لقوله تعالى : ' ولا تهنوا ' آل عمران : 139 ، أي : ولا تضعفوا عن القتال ~~وإظهار الغزاة الجبن لضعفهم عن القتال . قال : ولا تفسدن ولا تعصين ، قيل : ~~معناه : ولا تعصيني فيما أمرتك به ، ففائدة الوصية إنما تظهر بالطاعة ، ~~وقيل : معناه : إن كنت تطلب النصرة من الله تعالى فلا تعصه . ثم أعاد محمد ~~رحمه الله الحديث بطريق ثالث برواية عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي ~~قال : لما جهز أبو بكر رضي الله عنه الجيوش بعد رسول الله صلى الله عليه ms0031 ~~وسلم ، وهي جيوش على بعضها أمر شرحبيل بن حسنة ، وعلى بعضها يزيد بن أبي ~~سفيان ، وعلي بعضها عمرو بن العاص ، رضوان الله عليهم وأمرهم بأن يخرجوا ~~ويجتمعوا في بيار بني شرحبيل ، وهي على ستة أميال من المدينة ، وفيه دليل ~~على أن الإمام إذا أراد أن يجهز جيشا ينبغي له أن يأمرهم بأن يعسكروا خارجا ~~من البلدة ، في موضع معلوم ليجتمعوا فيه ، لأن ارتحالهم من ذلك الموضع ~~بعدما اجتمعوا فيه أيسر من ارتحالهم من بيوتهم جملة . ثم أتاهم أبو بكر رضي ~~الله عنه ، وصلى بهم الظهر ، ثم قام فيهم PageV01P045 فحمد الله تعالى ، ~~وأثنى عليه ، ثم قال : إنكم تنطلقون إلى أرض الشام وهي أرض سبعة بالسين ، ~~وفسروه بكثرة السباع المؤذية فيها ، وهو تصحيف شبعة ، أي : كثيرة النعم ، ~~بها يشبع المرء من كثرة ما يرى من النعم ، فكأنه رغبهم في التوجه إليها ~~فقال : إنكم تنتقلون من الجوع واللأواء بالمدينة إلى مثل هذه الأرض المخصبة ~~. قال : وإن الله ناصركم ، وممكن لكم حتى تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم الله ~~أنكم إنما تأتونها تلهيا ، وإنما قال ذلك سماعا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فإنه قد جاء في حديث معروف عن النبي عليه السلام قال : ' إنكم ~~ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر ، وبهذا يتبين أنه إنما نهاهم عن التخريب وقطع ~~الأشجار لعلمه أن ذلك كله يصير للمسلمين ، وإنما كره لهم أن يأتوها تلهيا ~~لأنهم خرجوا للجهاد ، والجهاد من الدين ، قال الله تعالى : ' وذر الذين ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ' الأنعام : 70 . قال : وإياكم والأشر ، ورب ~~الكعبة لتأشرن ، والأشر : نوع طغيان يظهر لمن استغنى ، قال الله تعالى : ' ~~إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ' العلق : 6 ، 7 ، فلهذا أقسم أبو بكر رضي ~~الله عنه أنهم يبتلون بذلك ، لكثرة ما يصيبون من الأموال مع نهيه إياهم عن ~~ذلك ، ثم الحديث إلى أخره مذكور في الأصل ، إلى أن قال : ثم إذا أنا انصرفت ~~من مقامي هذا فاركبوا ظهروركم ، ثم صفوا إلي صفا واحدا ، حتى آتيكم ، وهكذا ~~ينبغي للإمام أن يفعل إذا ms0032 عرض الجيش . PageV01P046 قال : فمر على أولهم حتى ~~أتى على آخرهم ، يسلم عليهم ويقول : اللهم اقبضهم بما قبضت به بني إسرائيل ~~بالطعن والطاعون ، انطلقوا موعدكم الله ، وتأويل قوله هذا ، أنه حثهم على ~~أن يخرجوا لا على قصد الرجوع ، فإن تسليم النفس لابتغاء مرضاة الله به يتم ~~، ودعا لهم بالشهادة في قوله : اللهم اقبضهم بما قبضت به بني إسرائيل ، ~~وقيل : مراده ما قال رسول الله عليه السلام : ' فناء أمتي بالطعن والطاعون ~~، وقد كان يكثر ذلك بالشام ، فسأل أبو بكر رضي الله عنه لهم درجة الشهادة ~~إن ابتلوا بذلك ، فيه دليل على أنه لا بأس للإنسان أن يدعو لغيره ، ~~بالشهادة لأنه وإن كان دعاء بالموت صورة فهم دعاء بالحياة معنى . وبين أبو ~~بكر أن هذا آخر العهد بلقائهم ، فأما إن كان مراده الإخبار بقرب أجله ، أو ~~الإخبار بأنهم لا يرجعون إليه فإنه لا يلقاهم قبل القيامة . قال : فانطلقوا ~~حتى نزلوا بالشام ، وجمعت لهم الروم جموعا عظيمة من مدائن الشام ، فحدث ~~بذلك أبو بكر رضي الله عنه ، فأرسل إلى خالد بن الوليد ، وهو بالعراق ، أن ~~اصرف بثلاثة آلاف فارس ، فأمد بهم إخوانك بالشام ، ثم قال : العجل العجل ، ~~فوالله لقرية من قرى الشام أحب إلي من رستاق عظيم من العراق ، PageV01P047 ~~وهكذا ينبغي للإمام أنه إذا بلغه كثرة جمع الأعداء على جيش من المسلمين ، ~~أن يمدهم ليتقووا به ، وأن يحث المدد على التعجيل ليحصل المقصود بوصولهم ~~إليهم قبل أن ينهزموا ، فالمنهزم لا يرده شيء ، وإنما قدم أبو بكر الشام ~~على العراق ، لأن الشام بلدة مباركة ؛ لأنه موضع المرسلين . قال : فأقبل ~~خالد مغذا جوادا بمن معه ، يريد بقوله : مغذا ، أي مسرعا لما أتى من أمر ~~الخليفة ، يقال أغذ القوم إذا أسرعوا السير . ثم شق الأرض حتى خرج إلى ضمير ~~وذنبه فوجد المسلمين معسكرين بالجابية ، قال : فتسامع بخالد أعراب العرب ~~الذين كانوا في مملكة الروم ففزعوا له ؛ لأنه كان مشهورا بالجلادة ، وقد ~~سماه النبي عليه السلام ' سيف الله ' ، وفي ذلك يقول قائلهم : شعر . وا ~~دينهم لعبا ولهوا ' الأنعام ms0033 : 70 . قال : وإياكم والأشر ، ورب الكعبة ~~لتأشرن ، والأشر : نوع طغيان يظهر لمن استغنى ، قال الله تعالى : ' إن ~~الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ' العلق : 6 ، 7 ، فلهذا أقسم أبو بكر رضي ~~الله عنه أنهم يبتلون بذلك ، لكثرة ما يصيبون من الأموال مع نهيه إياهم عن ~~ذلك ، ثم الحديث إلى أخره مذكور في الأصل ، إلى أن قال : ثم إذا أنا انصرفت ~~من مقامي هذا فاركبوا ظهروركم ، ثم صفوا إلي صفا واحدا ، حتى آتيكم ، وهكذا ~~ينبغي للإمام أن يفعل إذا عرض الجيش . قال : فمر على أولهم حتى أتى على ~~آخرهم ، يسلم عليهم ويقول : اللهم اقبضهم بما قبضت به بني إسرائيل بالطعن ~~والطاعون ، انطلقوا موعدكم الله ، وتأويل قوله هذا ، أنه حثهم على أن ~~يخرجوا لا على قصد الرجوع ، فإن تسليم النفس لابتغاء مرضاة الله به يتم ، ~~ودعا لهم بالشهادة في قوله : اللهم اقبضهم بما قبضت به بني إسرائيل ، وقيل ~~: مراده ما قال رسول الله عليه السلام : ' فناء أمتي بالطعن والطاعون ، وقد ~~كان يكثر ذلك بالشام ، فسأل أبو بكر رضي الله عنه لهم درجة الشهادة إن ~~ابتلوا بذلك ، فيه دليل على أنه لا بأس للإنسان أن يدعو لغيره ، بالشهادة ~~لأنه وإن كان دعاء بالموت صورة فهم دعاء بالحياة معنى . وبين أبو بكر أن ~~هذا آخر العهد بلقائهم ، فأما إن كان مراده الإخبار بقرب أجله ، أو الإخبار ~~بأنهم لا يرجعون إليه فإنه لا يلقاهم قبل القيامة . قال : فانطلقوا حتى ~~نزلوا بالشام ، وجمعت لهم الروم جموعا عظيمة من مدائن الشام ، فحدث بذلك ~~أبو بكر رضي الله عنه ، فأرسل إلى خالد بن الوليد ، وهو بالعراق ، أن اصرف ~~بثلاثة آلاف فارس ، فأمد بهم إخوانك بالشام ، ثم قال : العجل العجل ، ~~فوالله لقرية من قرى الشام أحب إلي من رستاق عظيم من العراق ، وهكذا ينبغي ~~للإمام أنه إذا بلغه كثرة جمع الأعداء على جيش من المسلمين ، أن يمدهم ~~ليتقووا به ، وأن يحث المدد على التعجيل ليحصل المقصود بوصولهم إليهم قبل ~~أن ينهزموا ، فالمنهزم لا يرده شيء ، وإنما قدم أبو بكر الشام ms0034 على العراق ، ~~لأن الشام بلدة مباركة ؛ لأنه موضع المرسلين . قال : فأقبل خالد مغذا جوادا ~~بمن معه ، يريد بقوله : مغذا ، أي مسرعا لما أتى من أمر الخليفة ، يقال أغذ ~~القوم إذا أسرعوا السير . ثم شق الأرض حتى خرج إلى ضمير وذنبه فوجد ~~المسلمين معسكرين بالجابية ، قال : فتسامع بخالد أعراب العرب الذين كانوا ~~في مملكة الروم ففزعوا له ؛ لأنه كان مشهورا بالجلادة ، وقد سماه النبي ~~عليه السلام ' سيف الله ' ، وفي ذلك يقول قائلهم : شعر . آلا فأصبحينا قبل ~~خيل أبي بكر . . . لعل منايانا قريب وما ندري وقصة هذا مذكورة في المغازي ~~أن قائل هذا البيت كان رجلا من PageV01P048 عظماء المرتدين أتته مجاريته ~~بقصعة فيها شراب ، فأسند ظهره إلى حائط وذكر هذا البيت ، ثم جعل يشرب ، ~~فاتفق أن رجلا من أصحاب خالد تسور الحائط ، فلما سمع ضرب على عاتقه ضربة ~~ندر منها رأسه في القصعة . قال : فنزل خالد بن الوليد على الأمراء الثلاثة ~~، وسارت الروم من أنطاكية وحلب وقنسرين وحمص وحماة ، وخرج هرقل كارها ~~لمسيرهم متوجها نحو أرض الروم ، وسار باهان في الهرمينية إلى الناس بمن كان ~~معه وهرقل ملك الروم ، وباهان صاحب جيشه ، فتبين أنهم اجتمعوا عن آخرهم . ~~واجتمع أمراء المسلمين في خباء يبرمون أمر الحرب بينهم ، وعندهم رجل يقال ~~له : قضاعة ، قد بعثوه فاجتس لهم أمر القوم ثم جاءهم فخلوا به ، أي بعثوه ~~جاسوسا ، وهكذا ينبغي لأمير الجيش أن يبعث جاسوسا يأتيه بم يعزم عليه العدو ~~من الرأي ، وأن يخلو به إذا رجع لكيلا يشتهر هو ، ولكيلا يقف جميع الجيش ~~على ما قصده العدو ، فلا يصير ذلك سببا لجبنهم . قال : فأقبل أبو سفيان ~~يتوكأ على عصاة ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : وعليك السلام ، لا تقربنا ~~، PageV01P049 وإنما قالوا ذلك ؛ لأنهم يتهمونه بأنه لم يحسن إسلامه . فقال ~~أبو سفيان : ما كنت أرى أن أعيش حتى أكون بحضرة قوم من قريش يبرمون أمر ~~حربهم وأنا بينهم ولا يحضروني أمرهم ، وإنما قال هذا ؛ لأنه كان مشهورا ~~بينهم بالرأي في الحرب ، فقال بعضهم : هل لكم في رأي شيخكم ms0035 ، فإن له رأيا ~~في الحرب ، قالوا : نعم ، فدعوه فدخل ، فقالوا : أشر علينا ، فقال : أبو ~~سفيان : أنتم الأمراء ، فقالوا : ما بنا غنى عن رأيك ، فقال أبو سفيان : ~~كأني أرى في المرج تلا عظيما ، قالوا : بلى ، قال : فإني أرى أن ترتحلوا ~~حتى تجعلوا ذلك التل خلف ظهوركم ، ثم تؤمروا عكرمة بن أبي جهل على خيل ، ~~وتجعلوا معه كل نابض بوتر ، أي رام عن قوس فإن لي به خبرا ، أي علما بأنه ~~يصلح لذلك ، فإذا نادى بلال النداء الأول لصلاة الغداة فليخرج عكرمة ، وتلك ~~الرماة معه ، فليصف أولئك الرماة عند صدور خيولهم ، فإن هاجهم هيج من الليل ~~كانوا مستعدين بإذن الله تعالى ، وهذا رأي حسن أشار به عليهم ، وقد كان ~~فعله رسول الله عليه السلام يوم أحد ، وكان سببا لانهزام المشركين لولا ما ~~ظهر من عصيان الرماة وهو طلبهم الغنيمة ، على ما قال الله تعالى : ' حتى ~~إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ' آل عمران : ~~152 . PageV01P050 قال : فقبلوا ذلك من رأي أبي سفيان لعلهم بأنه قد نصحهم ~~، وأقبلت خيل من الروم عظيمة تريد بياتهم ، فسمعوا رغاء الإبل ، فلم يشكوا ~~أن العرب قد هربت وأقبلوا عباديد ، أي متفرقين ، يقال : طير عباديد إذا ~~كانوا متفرقين . وسابق بعضهم بعضا من غير تعبية ، فوجدوا خيل عكرمة والرماة ~~مستعدين لم تعلم الروم بهم ، فحملوا في وجوه القوم ، فلم يزل الله ينصرهم ~~بقتلهم ، حتى إذا كادت الشمس تطلع ولوا هاربين إلى عسكرهم عند الواقوصة ، ~~وانصرف عكرمة وأصحابه إلى عسكر المسلمين ، فكان ذلك أول الفتح ، ثم قاتلوهم ~~بعد ذلك ، فأرسل باهان إلى خالد بن الوليد أن اخرج إلي حتى أكلمك ، فبرز ~~خالد وبينهما ترجمان ، فقال باهان لخالد : هلم إلى أمر نعوضه عليكم ، ~~تنصرفون ونحمل من كان منكم راجلا ونوقر لكم ظهوركم ، وفي رواية : ونوقر لكم ~~طعاما وإداما ، والأول أصبح ، ونأمر لكم بدنانير خمسة خمسة ، فإنا نعلم ~~أنكم في أرض قليلة الخير ، وإنما حملكم على المسير ذلك ، فقال له خالد : ما ~~حملنا على المسير ما ذكرت ms0036 من شدة العيش في بلادنا ، ولكن قاتلنا من ~~PageV01P051 وراءنا في الأمم فشربنا دماءهم ، فحدثنا أنه ليس من قوم أحلى ~~دما من الروم ، فأقبلنا إليكم لنشرب دماءكم ، فنظر بعضهم إلى بعض ، فقالوا ~~: حق والله ما حدثنا عنهم يعنون ما أخبرنا به أنهم لا ينصرفون إلا بقبول ~~الدين أو الجزية ، أو الانقياد لهم شئنا أو أبينا ، ثم استدل محمد رحمه ~~الله على جواز قطع النخيل وتخريب البيوت في دار الحرب ، بقوله تعالى : ' ما ~~قطعتم من لينة ' الحشر : 5 ، قال الزهري : هو جمع أنواع النخل ما خلا ~~العجوة ، وقال الضحاك : اللينة : النخلة الكريمة ، والشجرة التي هي طيبة ~~الثمرة ، ونزول الآية في قصة بني النضير ، فإن النبي عليه السلام حين قدم ~~المدينة صالحهم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، ثم خرج إليهم يستعين بهم في ~~دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، ومعه أبو بكر وعمر وعلي ~~رضوان الله عليهم فقالوا : اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ، ~~ثم خلا بهم حيي بن أخطب ، فقال : لا تقدرون على قتله في وقت يكون عليكم ~~أهون منه الآن ، فهموا بقتل رسول الله عليه السلام ، وجاء جبريل عليه ~~السلام فأخبر بذلك رسول الله عليه السلام ، فقام متوجها إلى المدينة ، وفي ~~ذلك نزل قوله تعالى : ' إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيدهم فكف أيديهم عنكم ' ~~المائدة : 11 ، ثم سار إليهم فحاصرهم ، وقال : اخرجوا من جواري ، على أن ~~تأتوا كل عام فتجدوا ثماركم ، فقالوا : لا نفعل ، فحاصرهم خمس عشرة ليلة ، ~~وكانوا قد سدوا دروب أزقتهم ، وجعلوا يقاتلون المسلمين PageV01P052 من وراء ~~الجدر ، كما قال الله تعالى : ' لا يقاتلونكم جميعا إلا في قري محصنة أو من ~~وراء جدر ' الحشر : 14 ، فجعل المسلمون يخربون بيوتهم ليتمكنوا من الحرب . ~~وكلما نقبوا جدار بيت من جانب ليدخلوا نقبوا هم من الجانب الأخر ليخرجوا ~~إلى بيت آخر ، كما قال الله تعالى : ' يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين ' الحشر : 2 ، فلما لحقهم من العسر ما لحقهم ، ولم يأتهم أحد من ~~المنافقين ، وقد كانوا ms0037 وعدوا لهم ذلك أي المنافقين وعدوا بني النضير النصرة ~~كما قال الله تعالى حكاية عنهم : ' وإن قوتلتم لننصرنكم ' الحشر : 11 ، وقد ~~كان أمر رسول الله بقطع النخيل فقطعت ، وكان العذق أحب إلى أحدهم من الوصيف ~~، فقال بعضهم لبعض : ليس لنا مقام بعد النخيل ، فنادوه : يا أبا القاسم ، ~~قد كنت تنهى عن الفساد فما للنخيل تقطع وتحرق ؟ أتؤمننا على دمائنا ~~وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح ؟ قال : نعم ، ففتحوا ~~الحصون ، وأجلاهم على ما وقع الصلح عليه ، وفي رواية استعمل رسول الله عليه ~~السلام ، أبا ليلى المازني ، وعبد الله بن سلام أبا لبابة ، على قطع نخيلهم ~~، وكان أبو ليلى يقطع العجوة ، وعبد الله يقطع اللون ، فقيل لأبي ليلى : لم ~~قطعت العجوة : ؟ قال : لأنها كانت أغيظ لهم ، وقيل لابن سلام : لم قطعت ~~اللون ؟ قال : علمت أن الله مظهر نبيه ومغنمه أموالهم ، فأحببت إبقاء ~~العجوة وهي خيار أموالهم ففي ذلك نزل قوله تعالى : ' ما قطعتم من لينة ' ~~الآية ، وفي رواية : نادى اليهود من فوق الحصون : تزعمون أنكم مسلمون لا ~~تفسدون ، وأنتم تعقرون النخل ، والله ما أمر بهذا ، فاتركوها PageV01P053 ~~لمن يغلب من الفريقين ، فقال بعض المسلمين : صدقوا ، وقال بعضهم : بل ~~نعقرها كبتا وغيظا لهم ، فأنزل الله تعالى : ' ما قطعتم من لينة ' رضاء بما ~~قال الفريقان . واستدل بحديث أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام كان عهد أن ~~يغير على أبنى صباحا ثم يحرق ، وفي رواية : أبيات صباحا ، وهو اسم موضع كان ~~قتل أبوه زيد بن حارثة في ذلك الموضع ، ووجد رسول الله عليه السلام ، موجدة ~~شديدة على ذلك ، وأمره على ثلاثة آلاف رجل ، وأمره أن يذهب بهم إلى ذلك ~~الموضع ويشن الغارة عليهم ثم يحرق ، وقبض رسول الله عليه السلام . قبل ~~خروجه ونفذ أبو بكر رضي الله عنه جيشه كما أمر رسول الله عليه السلام . وعن ~~الزهري أن النبي عليه السلام لما مر من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر مالك ~~بن عوف النصري ، فأمر به أن يحرق وفي ذلك قال حسان ms0038 : ليهم فقالوا : اجلس يا ~~أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما تريد ، ثم خلا بهم حيي بن أخطب ، فقال : لا ~~تقدرون على قتله في وقت يكون عليكم أهون منه الآن ، فهموا بقتل رسول الله ~~عليه السلام ، وجاء جبريل عليه السلام فأخبر بذلك رسول الله عليه السلام ، ~~فقام متوجها إلى المدينة ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : ' إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيدهم فكف أيديهم عنكم ' المائدة : 11 ، ثم سار إليهم فحاصرهم ، وقال ~~: اخرجوا من جواري ، على أن تأتوا كل عام فتجدوا ثماركم ، فقالوا : لا نفعل ~~، فحاصرهم خمس عشرة ليلة ، وكانوا قد سدوا دروب أزقتهم ، وجعلوا يقاتلون ~~المسلمين من وراء الجدر ، كما قال الله تعالى : ' لا يقاتلونكم جميعا إلا ~~في قري محصنة أو من وراء جدر ' الحشر : 14 ، فجعل المسلمون يخربون بيوتهم ~~ليتمكنوا من الحرب . وكلما نقبوا جدار بيت من جانب ليدخلوا نقبوا هم من ~~الجانب الأخر ليخرجوا إلى بيت آخر ، كما قال الله تعالى : ' يخربون بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين ' الحشر : 2 ، فلما لحقهم من العسر ما لحقهم ، ولم ~~يأتهم أحد من المنافقين ، وقد كانوا وعدوا لهم ذلك أي المنافقين وعدوا بني ~~النضير النصرة كما قال الله تعالى حكاية عنهم : ' وإن قوتلتم لننصرنكم ' ~~الحشر : 11 ، وقد كان أمر رسول الله بقطع النخيل فقطعت ، وكان العذق أحب ~~إلى أحدهم من الوصيف ، فقال بعضهم لبعض : ليس لنا مقام بعد النخيل ، فنادوه ~~: يا أبا القاسم ، قد كنت تنهى عن الفساد فما للنخيل تقطع وتحرق ؟ أتؤمننا ~~على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح ؟ قال : ~~نعم ، ففتحوا الحصون ، وأجلاهم على ما وقع الصلح عليه ، وفي رواية استعمل ~~رسول الله عليه السلام ، أبا ليلى المازني ، وعبد الله بن سلام أبا لبابة ، ~~على قطع نخيلهم ، وكان أبو ليلى يقطع العجوة ، وعبد الله يقطع اللون ، فقيل ~~لأبي ليلى : لم قطعت العجوة : ؟ قال : لأنها كانت أغيظ لهم ، وقيل لابن ~~سلام : لم قطعت اللون ؟ قال : علمت أن الله مظهر نبيه ومغنمه أموالهم ، ~~فأحببت إبقاء العجوة وهي خيار أموالهم ms0039 ففي ذلك نزل قوله تعالى : ' ما قطعتم ~~من لينة ' الآية ، وفي رواية : نادى اليهود من فوق الحصون : تزعمون أنكم ~~مسلمون لا تفسدون ، وأنتم تعقرون النخل ، والله ما أمر بهذا ، فاتركوها لمن ~~يغلب من الفريقين ، فقال بعض المسلمين : صدقوا ، وقال بعضهم : بل نعقرها ~~كبتا وغيظا لهم ، فأنزل الله تعالى : ' ما قطعتم من لينة ' رضاء بما قال ~~الفريقان . واستدل بحديث أسامة بن زيد أن النبي عليه السلام كان عهد أن ~~يغير على أبنى صباحا ثم يحرق ، وفي رواية : أبيات صباحا ، وهو اسم موضع كان ~~قتل أبوه زيد بن حارثة في ذلك الموضع ، ووجد رسول الله عليه السلام ، موجدة ~~شديدة على ذلك ، وأمره على ثلاثة آلاف رجل ، وأمره أن يذهب بهم إلى ذلك ~~الموضع ويشن الغارة عليهم ثم يحرق ، وقبض رسول الله عليه السلام . قبل ~~خروجه ونفذ أبو بكر رضي الله عنه جيشه كما أمر رسول الله عليه السلام . وعن ~~الزهري أن النبي عليه السلام لما مر من أوطاس يريد الطائف بدا له قصر مالك ~~بن عوف النصري ، فأمر به أن يحرق وفي ذلك قال حسان : وهان على سراة بني لؤي ~~. . . حريق بالبويرة مستطير # قال محمد رحمه الله : فقد أمر بتحريق قصره وليس بمحاصر له ، PageV01P054 ~~وإنما أمر به لأن فيه كبتا وغيظا له ، فقد كان هو أمير الجيش في حصن الطائف ~~، فعرفنا أنه لا بأس به ، ثم قال : ثم انتهى رسول الله عليه السلام إلى ~~الطائف فأمر بكرومهم أن تقطع ، وفي ذلك قصة قد ذكرت في المغازي أنهم عجبوا ~~من ذلك ، وقالوا : النخلة لا تثمر إلا بعد عشر سنين ، وكيف العيش بعد قطعها ~~؟ ثم أظهر بعضهم الجلادة ، فنادوا من فوق الحصن : لنا في الماء والتراب ~~والشمس خلف مما تقطعون ، فقال بعضهم : هذا إن لو تمكنت من الخروج في جحرك ~~وأمر رسول الله عليه السلام بقطع نخيل خيبر ، حتى مر عمر رضي الله عنه ~~بالذين يقطعون ، فهم أن يمنعهم ، فقالوا أمر به رسول الله عليه السلام ، ~~فأتاه عمر رضي الله عنه ، فقال : أنت أمرت ms0040 بقطع النخيل ؟ قال : نعم ، قال : ~~أليس وعدك الله خيبر ؟ قال : بلى ، فقال عمر : إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك ~~، فإمر مناديا ينادي فيهم بالنهي عن قطع النخيل ، قال الراوي : فإخبرني ~~رجال رأوا السيوف في نخيل النطاة وقيل لهم : هذا مما قطع رسول الله عليه ~~السلام ، والنطاة : اسم حصن من حصون خيبر ، وقد كانت لهم ستة حصون : الشق ، ~~والنطاق ، والقموص ، والكتيبة ، والسلالم ، والوطيحة . قال : كتب عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إلى PageV01P055 خليفته بالشام : انظر من قبلك ، فمرهم ~~فلينتعلوا وليحتفوا ، أي يمشوا أحيانا بغير نعل ، وأحيانا في النعال ، ~~ليتعودوا ذلك كله ، وفي رواية : فليتنعلوا وهو الصحيح ، جاء في الحديث : ~~كان رسول الله عليه السلام يحب التيامن حتى في تنعله وترجله يعني : ترجيل ~~الشعر أو المراد بالترجل النزول عن الدابة ، وإنما أمرهم بهذا للإشفاق ~~عليهم حتى إذا ابتلوا بالمشي حفاة في دار الحرب لا يشق عليهم ، وفي قصة ~~الغار قال أبو بكر رضي الله عنه : فنظرت إلى بطن قدم رسول الله عليه السلام ~~، حين دخل الغار وهو يقطر دما ؛ لأنه لم يتعود الحفية ، ولهذا استحبوا ~~الاحتفاء في المشي بين الفرضين . قال : وليأتزروا وليرتدوا ، أي لا يخرجوا ~~للصلاة وللناس إلا في إزار ورداء فالصلاة إن كانت تجري في ثوب واحد إذا ~~توشح به ، فالمستحب أن يصلي في إزار ورداء ، وإنما أمر بالرداء ؛ لأنه زي ~~العرب . قال : وليؤدبوا الخيل ، والمراد به رياضة الخيل ، لتكون ألين عطفا ~~عند الحاجة ، أو ليؤدبوا الخيل على النفار ، على ما جاء في الحديث : تضرب ~~الدابة على النفار ولا تضرب على العثار ، لأن العثار قد يكون من سوء إمساك ~~الراكب للجام ، والنفار من سواء خلق الدابة فتؤدب على ذلك . قال ولا يظهر ~~لهم صليب ، PageV01P056 معناه : لا تمكنوا أهل الذمة من إظهار الصليب في ~~أمصار المسلمين والمرور به في الطرق ، لأن ذلك يرجع إلى الاستخفاف ~~بالمسلمين ، وما أعطيناهم الذمة على أن يستخفوا بالمسلمين . قال : ولا ~~يجاورنهم الخنازير ، ومعناه أنهم يمنعون أهل الذمة من إظهار الخمور ~~والخنازير وبيعها في أمصار المسلمين ، لأن ذلك ms0041 معصية ، ولا يتمكنون من ~~إظهارها ، ولكنهم لا يمنعون من أن يفعلوا ذلك في بيوتهم وكنائسهم ، التي ~~وقع الصلح عليها ، لأن هذا ليس بأشد من شركهم ، وعبادتهم غير الله ، ولا ~~يمنعون من ذلك في بيوتهم . قال : ولا يقعدون على مائدة يشرب عليها الخمر ، ~~وهكذا ينبغي للمسلم أن لا يقعد على مثل هذه المائدة ، ولكنه يمنع من شرب ~~الخمر على وجه النهي عن المنكر إن أمكن من ذلك ، وأن لا يجوز من ذلك الموضع ~~، فإن اللعنة تنزل عليهم كما قال عليه السلام في أشراط الساعة : تدار الكأس ~~على موائدهم ، واللعنة تنزل عليهم . قال : ولا يدخلن الحمام إلا بإزار ؛ ~~لأن ستر العورة فريضة ، وفي الحديث : ' من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر ~~فلا يدخل الحمام إلا بإزار ، ولا يدخل حليلته الحمام ' . قال : وإياكم ~~وأخلاق الأعاجم ، يعني في التنعم وإظهار التجبر ، ومما يكون مخالفا لأخلاق ~~المسلمين من أخلاق الأعاجم وهم المجوس فقد علمنا أنه لم يرد النهي عما هو ~~من أخلاق المسلمين PageV01P057 ثم بين محمد رحمه الله تفسير الحديث على ما ~~بينا ، وقال في آخره : فإن أرادوا إظهار شيء مما ذكرنا فليفعلوه خارجا من ~~أمصار المسلمين ، يعني في القرى ، لأن المصر موضع أعلام الدين ففي إظهار ~~ذلك فيها استخفاف بالمسلمين ، وذلك ينعدم في القرى ، فأهل القرى كما وصفهم ~~به رسول الله عليه السلام فقال : ' هم أهل الكفور ، هم أهل القبور ' يشير ~~إلى جهلهم وقلة تعاهدهم لأمر الدين ، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة ، رحمه ~~الله : والصحيح عندي أن مراد محمد بهذا الجواب قرى الكوفة ، فإن عامة أهلها ~~، أهل الذمة والروافض ، فأما في ديارنا يمنعون من إظهار ذلك في القرى التي ~~يسكنها المسلمون كما يمنعون في الأمصار ، فإن القرى في ديارنا لا تخلو عن ~~مساجد الجماعة ، وعن واعظ يعظهم عادة ، وذلك من أعلام الدين أيضا . وذكر عن ~~أبي أسيد الساعدي أن النبي عليه السلام قال يوم بدر : إذا كثبوكم فارموهم ، ~~ولا تسلوا السيوف حتى تغشوهم ، وممنى قوله : كثبوكم ، قربوا منكم وازدحموا ~~عليكم ، وهو أدب حسن أمرهم بأن ms0042 يدفعوا العدو عن أنفسهم بالرمي عند الحاجة ، ~~وهذا حين كان نهاهم عن القتال على ما روي في القصة أنه حين دخل العريش مع ~~أبي بكر رضي الله عنه للمناجاة نهى الناس عن القتال وقال هذه المقالة ، ~~PageV01P058 وفي قوله : ولا تسلوا السيوف حتى تغشوهم ، بيان أنه لا ينبغي ~~للغازي أن يسل سيفه حتى يصير من العدو بحيث تصل إليه ضربته ، لا أن ذلك ~~مكروه في الدين ، ولكنه من مكايدة العدو ، فبريق السيف مخوف للعدو ، في أول ~~ما يقع بصره عليه ، وقيل : إن سل السيف قبل أن يقرب من العدو فشل . قال ~~الله تعالى : ' ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ' الأنفال : 46 . ~~PageV01P059 ؟ # | باب الإمارة # قال : ينبغي للإمام إذا بعث سرية قلت أو كثرت أن لا يبعثهم حتى يؤمر ~~عليهم بعضهم ، وإنما يجب هذا اقتداء برسول الله عليه السلام فإنه داوم على ~~بعث السرايا وأمر عليهم في كل مرة ، ولو جاز تركه لفعله ، مرة تعليما ~~للجواز ، ولأنهم يحتاجون إلى اجتماع الرأي والكلمة ، وإنما يحصل ذلك إذا ~~أمر عليهم بعضهم ، حتى إذا أمرهم بشيء أطاعوه في ذلك ، فالطاعة في الحرب ~~أنفع من بعض القتال ، ولا تظهر فائدة الإمارة بدون الطاعة ، قال عليه ~~السلام : ' من أطاعني ، فليطع أميري ، ومن عصى أميري فقد عصاني ' . ثم ~~استدل محمد رحمه الله على ما قلنا بحديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، ~~أن النبي عليه السلام قال : ' إذا اجتمع ثلاثة نفر فليؤمهم أكثرهم قرآنا ، ~~وإن كان أصغرهم وإنما قدمه ؛ لأنه أفضلهم ، ثم قال إذا أمهم فهو أميرهم ، ~~فذلك أمير أمره رسول الله عليه السلام ، وبنحو هذا الحديث استدل الصحابة ~~على خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، PageV01P060 وقالوا : قد اختاره رسول ~~الله لأمر دينكم ، فكيف لا ترضون به لأمر دنياكم ؟ ! وكذلك إن كانا رجلين ~~ليس معهما غيرهما فالأفضل أن يؤمر أحدهما على صاحبه ، لأن ذلك أحرى أن ~~يتطاوعا ولا يختلفا . وذكر محمد رحمه الله في الكتاب حديث سلمان بن عامر : ~~أن النبي عليه السلام كان في بعض أسفاره ، فأسرى من ms0043 تحت الليل إي سار فتقطع ~~الناس ، أي تفرقوا ، في غلبة النوم ، فمالت راحلتا أبي بكر ، وأبي عبيدة ~~رضي الله عنهما بهما إلى شجرة فجعلتا تصيبان منها وهما نائمان ، فاستيقظا ~~وقد مضى النبي عليه السلام ، وأصحابه ونزلوا ، فلما كانا بحيث يسمعهما ~~النبي عليه السلام ناداهما : ألا هل أمرتما ؟ قالا : بلى يا رسول الله ، ~~فقال : ألا رشدتما أي أصبتما الصواب ، وكذلك المسافرون إذا خافوا اللصوص ، ~~فينبغي لهم أن يؤمروا عليهم أميرا ليطيعوه ويصدروا عن رأيه عند الحاجة ، ~~إلى القتال ، فإما إذا لم يخافوا ذلك فلا بأس بأن لا يؤمروا أحدا ، قال : ~~وينبغي أن يستعمل على ذلك البصير بأمر الحرب ، الحسن التدبير PageV01P061 ~~لذلك ، ليس ممن يقحم بهم في المهالك ، ولا ممن يمنعهم عن الفرصة إذا رأوها ~~، لأن الإمام ناظر لهم ، وتمام النظر أن يؤمر عليهم من جربه بهذه الخصال ، ~~فإنه إذا كان يمنعهم من الفرصة يفوتهم ما لا يقدرون على إدراكه على ما قيل ~~: الفرصة خلسة ، وإذا اقتحم في المهالك من جرأته لم يجدوا بدا من متابعته ، ~~ثم يخرج هو بقوته وربما لا يقدرون على مثل ما قدر هو فيهلكون ، وروي في ~~تأييد هذا حديث عمر رضي الله عنه فإنه كان يكتب إلى عماله ، لا تستعملوا ~~البراء بن مالك على جيش من جيوش المسلمين فإنه هلكة من الهلك يقدم بهم ، ~~والبراء أخو أنس بن مالك رضي الله عنهما كان من جملة كبار صحابة رسول الله ~~في الزهد ، وفي درجته ما قال رسول الله عليه السلام : ' رب أشعث أغبر ذي ~~طمرين لا يؤبه به ، لو أقسم على اله لأبره ، منهم البراء بن مالك ' ، وقد ~~روي أن الأمر اشتد على المسلمين في بعض الغزوات ، فقيل البراء بن مالك : ~~ألا تدعو ؟ وقد قال رسول الله عليه السلام ما قال ، فرفع يديه ، وقال : ~~اللهم امنحنا أكتافهم ، فولوا منهزمين في الحال ، ومع هذا نهى عمر رضي الله ~~عنه عن تأميره لجرأته فإنه كان يقتحم المهالك ولا يبالي به . PageV01P062 ~~ويحكى عن نصر بن سيار مقرب البرامكة الذي أخرجه أبو ms0044 مسلم عن مرو أنه قال : ~~اجتمع عظماء العجم على أن من كان صاحب جيش فينبغي أن يكون فيه عشر خصال من ~~خصال البهائم : شجاعة كشجاعة الديك ، وتحنن كتحنن الدجاجة يعني الشفقة ، ~~وقلب كقلب الأسد ، وغارة كغار الذئب وحملة كحملة الخنزير ، وصبر كصبر الكلب ~~، أي على الجراحة ، وحرص كحرص الكركي ، وروغان كروغان الثعلب ، أي الحيل ، ~~وحذر كحذر الغراب ، وسمن كسمن الدابة التي لا ترى مهزولة أبدا ، وهي تكون ~~بخراسان . قال محمد رحمه الله : فإن كان الأمير لا بصر له بذلك فليجعل معه ~~وزيرا يبصره ذلك ، قال الله تعالى : ' واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي ~~اشدد به أزري ' طه : 29 ، 30 ، 31 ، فإن لم يجعل معه وزيرا ، فليدع الأمير ~~قوما من السرية يبصرون ذلك فيشاورهم فيأخذوا بقوله ، لأن النبي عليه السلام ~~كان يشاور الصحابة حتى في قوت أهله وإدامهم ، وبذلك أمر ، قال الله تعالى : ~~' وشاورهم في الأمر ' آل عمران : 159 ، وقال النبي عليه السلام ' ما هلك ~~قوم عن مشورة ، قال : ثم يأمر الناس بذلك فيطيعونه ولا يخالفونه ، لقوله ~~عليه السلام : ' لا تحل الجنة لعاص ' ، أمر بأن ينادى به يوم خيبر حين ~~نهاهم عن القتال ، فقيل له استشهد فلان ، فقال عليه السلام : PageV01P063 ~~أبعد ما نهيت عن القتال ؟ قالوا : نعم ، فقال : لا تحل الجنة لعاص ، فمع ~~درجة الشهادة قال في حقه ما قال ؛ ليبين أن العصيان فيما لا يتيقن فيه ~~الخطأ من الأمير لا يحل بحال . بأن ينادى به يوم خيبر حين نهاهم عن القتال ~~، فقيل له استشهد فلان ، فقال عليه السلام : أبعد ما نهيت عن القتال ؟ ~~قالوا : نعم ، فقال : لا تحل الجنة لعاص ، فمع درجة الشهادة قال في حقه ما ~~قال ؛ ليبين أن العصيان فيما لا يتيقن فيه الخطأ من الأمير لا يحل بحال . ~~PageV01P064 # | باب مبعث السرايا # ذكر محمد رحمه الله حديث صخر الغامدي أن النبي عليه السلام قال : اللهم ~~بارك لأمتي في بكورهم ، وكان إذا أراد أن يبعث سرية بعثهم أول النهار ، فيه ~~دليل على أن صاحب الحاجة ينبغي له أن ms0045 يبتكر للسعي في حاجته ، فذلك أقرب إلى ~~تحصيل مراده ببركة دعاء رسول الله عليه السلام ، وكان رسول الله يقول : ' ~~البكرة رباح أو نجاح ' ، ولأجل هذا استحبوا الابتكار لطلب العلم ، وقيل ~~إنما ينال العلم ببكور كبكور الغراب ، وفيه دليل على أن الإمام إذا أراد أن ~~يبعث سرية يندب إلى أن يبعثهم أول النهار ، وقد قيل : ينبغي أن يختار لذلك ~~الخميس والسبت لما روي عن النبي عليه السلام أنه قال : ' اللهم بارك لأمتي ~~في بكورها سبتها وخميسها ' . PageV01P065 وذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه رأى رجلا قد عقل راحلته ، فقال : ما يحبسك ؟ قال : الجمعة يا أمير ~~المؤمنين ، قال : الجمعة لا تحبس مسافرا ، فأذهب ، ففيه دليل على أنه لا ~~بأس بالخروج يوم الجمعة للغزو أو للحج أو لسفر آخر بخلاف ما يقوله بعض ~~الناس من المتقشفة : أنه يكره الخروج يوم الجمعة للسفر لما فيه من شبهة ~~الفرار عن أداء الجمعة ، لكنا نقول : الخروج في سائر الأيام جائز من غير ~~كراهة ، وليس فيه فرار عن شطر الصلاة ، والخروج في رمضان جائز ، فقد خرج ~~رسول الله من المدينة إلى مكة لليلتين خلتا من رمضان ولم يكن فيه شبهة ~~الفرار عن أداء الصوم ، ثم لا شك أن الجمعة غير واجبة عليه قبل الزوال وهو ~~مسافر بعد الزوال ، ولا جمعة على المسافر ، فكيف يكون سفره فرارا عن واجب ~~عليه ؟ وكما يباح له الخروج قبل الزوال ، يباح له الخروج بعد الزوال عندنا ~~، خلافا للشافعي رحمه الله ، فإنه يعتبر في وجوب أداء العبادات المؤقته أول ~~الوقت ، وإذا كان هو مقيما في أول الوقت وجب عليه أداء الجمعة على وجه لا ~~يتغير بالسفر عنده ، كما يجب أداء الظهر في سائر الأيام على وجه لا يتغير ~~بالسفر عنده ، فأما عندنا المعتبر آخر الوقت في حكم وجوب الأداء لا على وجه ~~لا يتغير ، ولهذا لو كان مسافرا في آخر الوقت في سائر الأيام يلزمه صلاة ~~السفر ، ففي هذا اليوم إذا كان يخرج من عمران مصره قبل خروج وقت الظهر بل ~~يجب ms0046 عليه الجمعة ، ولا بأس له بالمسافرة لما قبل الزوال ، وإن كان يعلم أنه ~~لا يخرج من مصره حتى يمضي وقت الظهر فليشهد الجمعة ، لأنها تلزم إذا كان في ~~المصر في آخر الوقت ، وليس له أن يخرج قبل أدائها ، PageV01P066 وفي الكتاب ~~يقول : لأنها فريضة عليه ، وهذا التعليل على أصل محمد ، فأصل الفرض عنده في ~~حق المقيم الجمعة ، وقد بينا الاختلاف هذا في كتاب الصلاة ، وزفر رحمه الله ~~لا يعتبر آخر الوقت ، وإنما يعتبر حال يضيق الوقت بحيث لا يسع لأداء الجمعة ~~بناء على أصله أن السببية للوجوب تتعين في ذلك الجزء حتى لا تسع التأخير ~~عنه ، ولهذا قال : لا تسقط الصلاة باعتراض الحيض بعد ذلك ، وكذلك إذا كان ~~لا يخرج من مصره حتى يضيق الوقت فينبغي له أن يشهد الجمعة . # قال : وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة يقول : عندي في هذه المسألة نوع ~~إشكال ، وهو أن اعتبار آخر الوقت إنما يكون فيما ينفرد هو بأدائه ، وهو ~~سائر الصلوات ، فأما الجمعة لا ينفرد هو بأدائها بل مع الإمام والناس ، ~~فينبغي أن يعتبر وقت أدائهم حتى إذا كان لا يخرج من المصر قبل أداء الناس ~~الجمعة ، ينبغي أن يلزمه شهود الجمعة ، وهذه الشبهة تتقرر على اصل زفر رحمه ~~الله ، فإنه يعتبر التمكن من الأداء ، ولهذا يعين السببية في الجزء الذي ~~يتضيق عقيبه وقت الأداء ، فأما عندنا إنما تتعين السببية في آخر جزء من ~~أجزاء الوقت . قال : وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول اله عليه ~~السلام : ' خير الأصحاب أربعة ، وخير السرايا أربع مائة ، وخير الجيوش ~~أربعة آلاف ، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا كانت كلمتهم واحدة ، ~~PageV01P067 قيل : معنى قوله : ' خير الأصحاب أربعة ' يعني خير أصحابي ، ~~فيكون إشارة إلى الخلفاء الراشدين ، أنهم خير أصحابه وقيل : بل المراد ما ~~هو الظاهر ، وهو دليل لأبي حنيفة ، ومحمد رحمه الله أن الجمعة تتأدى بثلاثة ~~نفر سوى الإمام ، لأن خير الأصحاب ما يتأدى الفرض بمعاونتهم ، وفيه دليل ~~على أن السرية أقل من الجيش ، وإنما سموا ms0047 سرية ؛ لأنهم يسرون بالليل ، ~~ويكمنون بالنهار لقلة عددهم ، وسمي الجيش جيشا ؛ لأنه يجيش بعضه في بعض ~~لكثرة عددهم ، ولم يرد به أن ما دون الأربع مائة لا يكون سرية ، وإنما ~~مراده أنهم إذا بلغوا أربع مائة فالظاهر من حالهم ، أنهم لا يرجعون من دار ~~الحرب قبل نيل المراد . # وقوله : ' ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة ، دليل على أنه لا يحل للغزاة ~~أن ينهزموا وإن كثر العدو وإذا بلغوا هذا المبلغ ، لأن من لا يغلب فهو غالب ~~، ولكن هذا إذا كانت كلمتهم واحدة ، فقد كان المسلمون يوم حنين اثني عشر ~~ألفا ، ثم ولوا منهزمين ، كما قال الله تعالى : ' ثم وليتم مدبرين ' التوبة ~~: 25 ، ولكن لم تكن كلمتهم واحدة ، لاختلاط المنافقين والذين أظهروا ~~الإسلام من أهل مكة بهم يومئذ ، ولم يحسن إسلامهم بعد ، فإما عند اتحاد ~~الكلمة فلا يحل لهم الفرار ، لأنهم ثلاثة جيوش : أربعة آلاف على الميمنة ، ~~وهم خير الجيوش ، ومثل ذلك في الميسرة ومثل ذلك في القلب ، وأدنى الجمع ~~المتفق عليه يساوي أكثر الجمع في الحكم . وذكر عن رسول الله عليه السلام ~~أنه قال : خير أمراء السرايا زيد بن حارثة ، أقسمه بالسوية وأعدله في ~~الرعية ، PageV01P068 وزيد هذا مولى رسول الله عليه السلام ، فقد كان ~~لخديجة ، وهبته لرسول الله عليه السلام فأعتقه وتبناه إلى أن انتسخ حكم ~~التبني ، فهو مولاه ، وفيه نزل قوله تعالى : ' وإذا تقول للذي أنعم الله ~~عليه وأنعمت عليه ' الأحزاب : 37 ، أي أنعم الله عليه بالإسلام ، وأنعمت ~~عليه بالإعتاق ، ثم أمره رسول الله عليه السلام على ثماني سرايا ، إلى أن ~~قتل يوم مؤتة ، فأثنى عليه أنه خير الأمراء وعين لتحقيق صفة الخيرية هاتين ~~الخصلتين ، لأن أمير السرية يحتاج إليهما ، وهو أن يعتبر المعادلة في ~~القسمة بينهم فيما ينالونه ، وينصف بعضهم من بعض فيما يرجعون إليه ، فقد ~~فوض ذلك إليه ، وبعض الناس عابوا على محمد رحمه الله في رواية هذا اللفظ ، ~~فإن من حق الكلام أن يقول : أقسمهم بالسوية وأعدلهم بالرعية ، ولكنا نقول : ~~روى محمد رحمه الله الخبر ms0048 بهذا اللفظ فدل على صحة استعماله . قال : ولا بأس ~~للإمام أن يبعث الرجل الواحد سرية أو الاثنين أو الثلاثة ، إذا كان محتملا ~~لذلك ، لما روي أن النبي عليه السلام بعث حذيفة بن اليمان في بعض أيام ~~الخندق سرية وحده ، وبعث عبد الله بن أنيس سرية وحده ، وبعث دحية الكلبي ~~سرية وحده ، وبعث ابن مسعود وخبابا سرية والذي روي أن النبي عليه السلام ~~نهى أن تبعث سرية دون ثلاثة نفر تأويله من وجهين : إما أن يكون ذلك على وجه ~~الإشفاق بالمسلمين ، من غير أن يكون ذلك مكروها في الدين ، PageV01P069 أو ~~يكون المراد بيان الأفضل أن لا يخرج أقل من ثلاثة ؛ ليتمكنوا من أداء ~~الصلاة بالجماعة على هيأتها ، بأن يتقدم أحدهم ويصطف الاثنان خلفه ، وهذا ~~معنى ما روي عن النبي عليه السلام أنه قال : ' الراكب شيطان والراكبان ~~شيطانان والثلاثة ركب ' ومن حيث المعنى نقول : ليس المقصود من بعث السرايا ~~القتال فقط بل تارة يكون المقصود أن يتحسس خبر الأعداء ، فيأتيه بما عزموا ~~عليه من السر ، وتمكن الواحد من الدخول بينهم لتحصيل هذا المقصود هذا ~~المقصود أظهر من تمكن الثلاثة ، وقد يكون المقصود أن يأتيه أحدهما بالخبر ~~ويمكث الآخر بين الأعداء ليقف على ما يتجدد لهم من الرأي بعد ما ينفصل عنهم ~~الواحد ، وهذا يتم بالمثنى ، وقد يكون المقصود القتال ، أو التوصل إلى قتل ~~بعض المبارزين منهم غيلة ، وبالثلاثة فصاعدا يحصل هذا المقصود ولهذا كان ~~الرأي فيه إلى الأمير يعمل بما فيه نظر للمسلمين . PageV01P070 # | باب الرايات الألوية # قال : وينبغي أن تكون ألوية المسلمين بيضا والرايات سودا ، على هذا جاءت ~~الأخبار ، وقد روي عن راشد بن سعد رضي الله عنه قال : كانت راية رسول الله ~~سوداء ولواؤه أبيض ، وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما : كانت راية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سوداء من برد لعائشة يدعى العقاب ، وهو اسم رايته ~~، كما سمى عمامته السحاب ، وفرسه السكب وبغلته الدلدل ، ثم اللواء اسم لما ~~يكون للسلطان ، والراية اسم لما يكون لكل قائد تجتمع جماعة ms0049 تحت رايته . ~~واختلفت الروايات في أن النبي صلى الله عليه وسلم متى اتخذ الرايات ، فذكر ~~الزهري قال : ما كانت راية قط ، حتى كانت يوم خيبر ، إنما كانت الألوية ~~وذكر غيره أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر كانت سوداء ، ففي ~~هذا بيان أن الراية كانت قبل خيبر ، PageV01P071 وإنما استحب في الرايات ~~السود ؛ لأنه علم لأصحاب القتال ، وكل قوم يقاتلون عند رايتهم ، وإذا ~~تفرقوا في حال القتال يتمكنون من الرجوع إلى رايتهم ، والسواد في ضوء ~~النهار أبين وأشهر من غيره خصوصا في الغبار فلهذا استحب ذلك ، فأما من حيث ~~الشرع فلا بأس بأن تجعل الرايات بيضا أو صفرا أو حمرا وإنما يختار الأبيض ~~في اللواء لقوله عليه السلام : ' إن أحب الثياب عند الله تعالى البيض ~~فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم ' ، واللواء لا يكون إلا واحد في كل ~~جيش ، ورجوعهم إليه عند حاجتهم إلى رفع أمورهم إلى السلطان فيختار الأبيض ~~لذلك ليكون مميزا من الرايات السود التي هي للقواد . وذكر عن سلمة بن ~~الأكوع رضي الله عنه قال : والله لقد رأيتني وإني لأعدو في إثر علي رضي ~~الله عنه فما أدركته حتى انتهى إلى الحصن يوم خيبر ، فخرجت غادية اليهود ، ~~يعني الذين يغدون من العمال ، ومنهم من يروي : عادية اليهود ، والمراد به ~~الأكابر من المبارزين ، قال : ففتحوا بابهم الذي يلي المسلمين ، وكانت لهم ~~حصون من ورائها جدر ثلاثة ، يخافون البيات PageV01P072 بالنطاة ، عملها ~~أكابر اليهود ، ولا تطيقها الخيل فخرجوا من حصنهم ذلك وتلك الجدر حتى ~~أصحروا للمسلمين أي خرجوا إلى الصحراء فخرج مرحب وهو يرتجز ويقول : # قد علمت خيبر أني مرحب . . . شاكي السلاح بطل مجرب # أضرب أحيانا وحينا أضرب . . . أكفي إذا أشهد من يغيب # ومرحب الشاعر هذا قتله علي رضي الله عنه ، والقصة معروفة في المغازي ~~ومقصودة ما ذكر في آخر الحديث . أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق الرايات ، ~~وإنما كانت الألوية قبل ذلك فجعل الرايات يومئذ . قال محمد رحمه الله : ~~وينبغي أن يتخذ كل قوم شعارا إذا خرجوا ms0050 في مغازيهم حتى إن ضل رجل عن أصحابه ~~نادى بشعارهم ، وكذلك ينبغي أن يكون لأهل كل راية شعار معروف ، حتى إن ضل ~~رجل عن أهل رايته نادى بشعاره ، فيتمكن من الرجوع إليهم ، وليس ذلك بواجب ~~في الدين ، حتى لو لم يفعلوا لم يأثموا ، ولكنه أفضل وأقوى على الحرب ، ~~وأقرب إلى موافقة ما جاءت به الآثار ، على ما روي عن سنان بن وبرة الجهني ~~قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في PageV01P073 غزوة المريسيع ، ~~وهي غزاة بني المصطلق ، وكان شعارنا : يا منصور أمت ، معناه : قد ظفرت ~~بالعدو ، فاقتل من شئت منهم ، وهذا كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر ، وكان شعاره يوم أحد : أمت أمت . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : جعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين : يا بني عبد الرحمن ، ~~والخزرج : يا بني عبد الله ، والأوس : يا بني عبيد الله ، وقال لهم رسول ~~الله ليلة في حرب الأحزاب : ' إن بيتم الليلة فشعاركم : حم ، لا ينصرون ، ~~وهو قسم للتأكيد أن الأعداء لا ينصرون ' ، وكان شعارهم يوم حنين : يا أصحاب ~~سورة البقرة ! إلي أنا عبد الله ورسوله ، سائر اليوم وجعل يتقدم في نحر ~~العدو ، فرجع إليه المسلمون حين سمعوا صوته ، وفي رواية : كان شعارهم يومئذ ~~: حم ، لا ينصرون ، فلما ثاب المسلمون أي رجعوا إليه تولى المشركون ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أنهزموا وياسين ' ، وهذا قسم أكد به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خبره ، فالحاصل أن الشعار هو العلامة ، فالخيار في ~~ذلك إلى إمام المسلمين إلا أنه ينبغي له أن يختار كلمة دالة على ظفرهم على ~~العدو بطريق التفاؤل ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل ~~الحسن . PageV01P074 # | باب الدعاء عند القتال # ذكر عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا لقي العدو قبل أن يواقعهم قال : ' اللهم إنا عبادك وهم عبادك ، نواصينا ~~ونواصيهم بيدك ، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم ' ، وفيه دليل على أنه ms0051 ينبغي ~~لكل غاز أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء عند القتال ، ~~وهذا لأن المؤمن بالدعاء يستنزل الرزق والنصر ويدفع أنواع البلاء وشر ~~الأعداء ، وبذلك أمرنا ، قال تعالى : ' فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ' البقرة ~~: 186 ، وقال : ' ادعوا ربكم تضرعا وخفية ' الأعراف : 55 ، وأخبر عن الرسل ~~أنهم دعوا على الأعداء ، كما أخبر به عن نوح قال : ' رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا ' نوح : 26 ، وعن موسى وهارون والخليل - صلوات الله ~~عليهم كذلك . قال : وإذا لقي المسلمون المشركين فإن كانوا قوما لم يبلغهم ~~الإسلام ، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم ، PageV01P075 لقوله ~~تعالى : ' وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ' الإسراء : 15 ، وبه أوصى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمراء الجيوش فقال : ' فادعوهم إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله ' ، ولأنهم ربما يظنون أننا نقاتلهم ، طمعا في أموالهم وسبي ~~ذراريهم ، ولو علموا أنا نقاتلهم على الدين ربما أجابوا إلى ذلك من غير أن ~~تقع الحاجة إلى القتال ، وفي تقدم عرض الإسلام عليهم دعاء إلى سبيل الله ~~تعالى : بالحكمة والموعظة الحسنة ، فيجب البداية به . فإن كان قد بلغهم ~~الإسلام ، ولكن لا يدرون أنا نقبل منهم الجزية ، فينبغي أن لا نقاتلهم حتى ~~ندعوهم إلى إعطاء الجزية ، به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء ~~الجيوش ، وهو آخر ما ينتهي به القتال ، قال الله تعالى : ' حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، وفيه التزام بعض أحكام المسلمين ~~والانقياد لهم في المعاملات فيجب عرضه عليهم ، إذا لم يعلموا به . إلا أن ~~يكونوا قوما لا يقبل منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب ، فإنه ~~لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ، قال الله تعالى : ' تقاتلونهم أو ~~يسلمون ' الفتح : 16 ، PageV01P076 فإذا أبوا الإسلام قوتلوا ، غير أن يعرض ~~عليهم إعطاء الجزية ، وإن قاتلوهم قبل الدعوة فقتلوهم فلا شيء على المسلمين ~~من دية ولا كفارة ؛ لأن وجوب ذلك يعتمد الإحراز ، وذلك بدار الإسلام أو ~~الدين على حسب ما اختلفوا فيه ، فأما مجرد النهي ms0052 عن القتل بدون الإحراز لا ~~يوجب الدية والكفارة ، كما في نساء أهل الحرب وذراريهم ، وهذا لأن موجب ~~النهي الانتهاء لا غير ويقوم المحل حكم ؟ وراء ذلك . فإن بلغهم الدعوة فإن ~~شاء المسلمون دعوهم دعاء مستقبلا على سبيل الإعذار والإنذار ، وإن شاءوا ~~قاتلوهم بغير دعوة ، لعلهم بما يطلب منهم ، وربما يكون في تقديم الدعاء ضرر ~~بالمسلمين ، فلا بأس بأن يقاتلوهم من غير دعوة ، والذي روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن قال : ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما حتى يدعوهم ~~، عن طلحة رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل ~~المشركين حتى يدعوهم ، فتأويله ما قال محمد رحمه الله في كتابه . إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أول من جاءهم بالإسلام في ذلك PageV01P077 الوقت وما ~~كان أكثرهم يعلم أنه إلى ما ذا يدعوهم ، فلهذا كان تقديم الدعاء ، وهكذا ~~نقل عن إبراهيم أنه سئل عن دعاء الديلم ، فقال : قد علموا الدعاء ، يريد به ~~أن زماننا مخالف لزمان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحكم أو كان ذلك ~~عن رسول الله على وجه التألف لهم رجاء أن يتوبوا من غير أن يكون ذلك واجبا ~~، ألا ترى إلى ما روي أنه كان يقاتل المشركين فتحضر الصلاة فيصلي بأصحابه ، ~~ثم يعود إلى وضعه فيدعوهم ، ومعلوم أن هذا لم يكن إلا على وجه التألف . وعن ~~عطاء بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه مبعثا ، ~~فقال له : امض ولا تلتفت أي لا تدع شيئا مما أمرك به ، قال : يا رسول الله ~~! كيف أصنع بهم ؟ قال : إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك ، فإن ~~قاتلوك فلا تقاتلهم حتى يقتلوا منكم قتيلا ، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا ~~تقاتلوهم حتى تريهم إياه ، ثم تقول لهم : هل لكم إلى أن تقولوا : لا إله ~~إلا الله ؟ فإن قالوا : نعم ، فقل لهم : هل لكم أن تصلوا ؟ فإن قالوا : نعم ~~، فقل لهم : هل لكم أن تخرجوا من أموالكم الصدقة ms0053 ؟ فإن قالوا : نعم ، فلا ~~تبغ منهم غير ذلك ، والله لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت ~~عليه الشمس وغربت ، ومعلوم أن هذا كله مما لا يشكل أنه ذكر على وجه التألف ~~من غير أن يكون واجبا . PageV01P078 وعن عبد الرحمن بن عائذ قال : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث بعثا قال : تألفوا الناس وتأنوا بهم ، ولا ~~تغيروا عليهم حتى تدعوهم ، فما على الأرض من أهل بيت ، من مدر ولا وبر ، ~~إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من ن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا ~~رجالهم ، وعن أبي عثمان النهدي قال : كنا ندعو وندع ، أي ندعو تارة وندع ~~الدعاء تارة نغير عليهم ، فدل أن كل ذلك حسن يدعون مرة بعد مرة إذا كان ~~يطمع في إيمانهم ، فأما إذا كان لا يطمع في ذلك فلا بأس أن يغيروا عليهم ~~بغير دعوة ، بيانه في الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين ~~بعث أبا قتادة بن ربعي في أربعة عشر رجلا إلى غطفان ، فقال : شنوا الغارة ~~عليهم ولا تقتلوا النسوان والصبيان . ثم ذكر الراوي حسن تدبير أبي قتادة ~~قال : لما هجمنا على حاضر منهم عظيم ليلا معنى قوله : ' حاضر منهم ' أي حي ~~منهم ، وهو القبيلة خطبنا وأوصانا فقال : إذا كبرت فكبروا ، وإذا حملت ~~فاحملوا ، ن ولا تمعنوا في الطلب أي لا تبعدوا في الذهاب في الغنيمة وألف ~~بين كل رجلين وقال : لا يفارق رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إلي فيخبرني خبره ~~، ولا يأتيني رجل فأسأله عن صاحبه فيقول : لا علم لي به . هذا كله مما لا ~~يشكل أنه ذكر على وجه التألف من غير أن يكون واجبا . وعن عبد الرحمن بن ~~عائذ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث بعثا قال : تألفوا ~~الناس وتأنوا بهم ، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم ، فما على الأرض من أهل ~~بيت ، من مدر ولا وبر ، إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من ن تأتوني ~~بأبنائهم ونسائهم ms0054 وتقتلوا رجالهم ، وعن أبي عثمان النهدي قال : كنا ندعو ~~وندع ، أي ندعو تارة وندع الدعاء تارة نغير عليهم ، فدل أن كل ذلك حسن ~~يدعون مرة بعد مرة إذا كان يطمع في إيمانهم ، فأما إذا كان لا يطمع في ذلك ~~فلا بأس أن يغيروا عليهم بغير دعوة ، بيانه في الحديث الذي روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه حين بعث أبا قتادة بن ربعي في أربعة عشر رجلا إلى ~~غطفان ، فقال : شنوا الغارة عليهم ولا تقتلوا النسوان والصبيان . ثم ذكر ~~الراوي حسن تدبير أبي قتادة قال : لما هجمنا على حاضر منهم عظيم ليلا معنى ~~قوله : ' حاضر منهم ' أي حي منهم ، وهو القبيلة خطبنا وأوصانا فقال : إذا ~~كبرت فكبروا ، وإذا حملت فاحملوا ، ن ولا تمعنوا في الطلب أي لا تبعدوا في ~~الذهاب في الغنيمة وألف بين كل رجلين وقال : لا يفارق رجل زميله حتى يقتل ~~أو يرجع إلي فيخبرني خبره ، ولا يأتيني رجل فأسأله عن صاحبه فيقول : لا علم ~~لي به . PageV01P079 # قال : فأحطنا بالحاضر فسمعت رجلا يصرخ : يا خضراء ! فتفاءلت ، وقلت : ~~لأصيبن خيرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاءل بمثل هذا ، فإنه لما ~~خرج من الغار مع أبي بكر رضي الله عنه يريد المدينة مر على بريدة الأسلمي ~~فأمر أبا بكر أن يسأله عن اسمه ، فلما قال : بريدة ، قال : برد لنا الأمر ، ~~فلما قال : من أسلم ، قال سلمنا . فعرفنا أنه لا بأس بالتفاؤل على هذه ~~الصفة ، وحين عبر جيش المسلمين جيحون سمعوا رجلا ينادي غلامه : يا ظفر ! ~~فقالوا : قد ظفرنا ، وآخر ينادي غلامه : يا علوان ! فقالوا : قد علونا ثم ~~روي نحو هذا عن زيد بن حارثة رضي الله عنه أنه فعله في سرية كان هو أميرهم ~~، وقال : حين انتهينا إلى الحاضر في غبش الصبح يعني حين اختلط الظلام ~~بالضوء وقد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق ، وهم غارون ~~ونعمهم تسقى على الماء ، فقتل مقاتلهم ، وسبى ذريتهم ، وكان في ذلك السبي ~~جويرية بنت الحارث ، وعهد إلى ms0055 أسامة أن يغير على أبنى صباحا ثم يحرق ، ~~والغارة لا تكون بدعوة . وذكر عن الحسن قال : ليس للوم دعوة ، فقد دعوا في ~~آباد الدهر ، أي قد بلغتهم الدعوة قبل زماننا ، أو مراده قد بشر عيسى عليه ~~السلام إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يؤمنوا به إذا بعث كما ~~قال الله تعالى : ' ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ' الصف : 6 ، ~~وبالله التوفيق . PageV01P080 # | باب البركة في الخيل وما يصلح منها # ذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخيل ~~في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، يعني الجهاد وإرهاب العدو كما قال الله ~~تعلى : ' ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ' الأنفال : 60 ، فأراد ~~به الأجر لصاحبها ، كما قال في حديث آخر : ' الخيل لثلاثة لرجل أجر ، وهو ~~أن يمسكها في سبيل الله كلما سمع هيعة طار إليها ' ، وأراد بالخير استحقاق ~~سهم من الغنيمة بالخيل ، وقد سمى الله تعالى خيرا في قوله تعالى : ' إن ترك ~~خيرا الوصية ' البقرة : 180 ، والغنيمة خير ؛ لأنه مال مصاب بأشرف الجهات ، ~~فيطلق عليه اسم الخير . وعن صالح بن كيسان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: خير الخيل الشقر ، وهذه الصفة في الخيل تبين بالعرف والذنب ، فإن كانا ~~أحمرين فهو أشقر ، وإن كانا أسودين فهو كميت . PageV01P081 وعن عبد الله بن ~~أبي نجيح الثقفي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ' ~~اليمن في الخيل في كل أقرح ، أدهم ، أرثم ، محجل الثلاثة ، طلق اليمنى ، ~~فإن لم يكن فكميت بهذه الصفة ' ، فالأقرح : هو الذي يكون في جبهته بياض ~~بقدر الدرهم أو دون ذلك فإن كان البياض فوق ذلك فهو أغر . والأدهم : اسم ~~الأسود منه ، والأرثم : هو الذي يكون البياض في شفته العليا ، فوق الجحفلة ~~، ومحجل الثلاث طلق اليمنى : هو الذي يكون البياض في قوائمه الثلاث سوى ~~اليمنى ، وهو ضد الأرجل ، والأرجل : ما يكون البياض في اليمنى من قوائمه ~~خاصة ، وهذا يتشاءم به ، والأول يرغب فيه ، وهذا كان معروفا ms0056 بينهم في ~~الجاهلية ، فقررهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وبين أن البركة فيما ~~يكون بهذه الصفة من الخيل كما هو عند العوام من الناس . وذكر عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : لا تخصين ~~فرسا ولا تجرين فرسا فوق الميلين ، فمن الناس من أخذ بظاهر الحديث وكره ~~خصاء الفرس لما روي أن عليا رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك فقال : إنما يفعل ذلك من لا خلاق له في الآخرة ، أي لا نصيب لهم في ~~الآخرة ، PageV01P082 وتأولوا فيه قوله تعالى : ' ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ' النساء : 119 ، وجاء في التفسير أن المراد خصاء الدواب ، والمذهب ~~عندنا أنه لا بأس بذلك ، فقد تعارفوا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى يومنا هذا من غير نكير منكر ولا منازع ، بالاتفاق لا بأس بشراء الفرس ~~الخصي وركوبه ، وقد كان فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة ، ولو ~~كان هذا الصنيع مكروها ، لكن يكره شراؤه وركوبه ، ليكون زجرا للناس عن ذلك ~~الفعل . وتأويل النهي في حديث عمر رضي الله عنه ما ذكر محمد رحمه الله في ~~الكتاب : أن صهيل الخيل يرهب العدو ، والخصاء يذهب صهيله ، فكره الخصاء ~~لذلك ، لا لأنه حرام في الدين ، والمراد من اللفظ الثاني النهي عن إجراء ~~الفرس فوق ما يحتمله ، أو على وجه التلهي به ، فإما إذا كانت المسابقة ~~بالأفراس للرياضة فهو حسن لا بأس به . وذكر عن عامر الشعبي أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أجرى وسبق ، يروى سبق بالتشديد والتخفيف ، فمعنى ~~الرواية بالتخفيف أنه سبق صاحبه ، ومعنى الرواية بالتشديد أنه التزم على ~~السبق صلة ، ولا بأس بالمسابقة بالأفراس ما لم تبلغ غاية لا تحتملها ، جاء ~~في الحديث : تسابق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما فسبق PageV01P083 رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى أبو بكر ، ~~وثلث عمر رضي الله عنهما معنى قوله ms0057 : صلى ، أي كان رأس دابته عند صلاء دابة ~~رسول الله عليه السلام ، وهو الذنب . وفي حديث مجاهد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ' لا يحضر الملائكة شيئا من الملاهي سوى النضال والرهان ، ~~يعني الرمي والمسابقة ' . وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ' لا سبق إلا في خف أو نضل أو حافر ' ، المراد ~~بالحافر الفرس ، وبالخف الإبل ، وبالنضل الرمي . وفي الحديث أن العضباء ~~ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له ~~فسبق فشق ذلك على المسلمين ، فقال عليه السلام : ما رفع الله تعالى في ~~الدنيا شيئا إلا وضعه ، لذلك المسابقة على الأقدام لا بأس بها ، لحديث ~~الزهري قال : كانت المسابقة ، بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الخيل والركاب والأرجل ؛ PageV01P084 لأن الغزاة يحتاجون إلى رياضة أنفسهم ~~، حتى إذا ابتلوا بالطلب والهرب وهم رجالة لا يشق عليهم العدو ، لما ~~يحتاجون إلى ذلك في رياضة الدواب . فإن شرطوا جعلا نظر ، فإن كان الجعل من ~~أحد الجانبين خاصة بأن قال لصاحبه : إن سبقتني أعطيتك كذا ، وإن سبقتك لم ~~آخذ منك شيئا فهو جائز على ما شرطا استحسانا ، لقوله عيه السلام : ' ~~المؤمنون عند شروطهم ' وفي القياس لا يجوز ، لأنه تعليق المال بالخطر ، ~~وأما إذا كان المال مشروطا ، من الجانبين فهو القمار بعينه ، والقمار حرام ~~، إلا أن يكون بينهما ، محلل ، وصورة المحلل أن يكون معهما ثالث والشرط أن ~~الثالث ، إذا سبقهما أخذ منهما ، وإن سبقاه لم يعطهما شيئا فهو فيما بينهما ~~، أيهما سبق أخذ الجعل من صاحبه ، فهذا جائز ، وهو مروي عن سعيد بن المسيب ~~، وهذا إذا كان المحلل على دابة يتوهم أن يسبق ، فإن كان لا يتوهم ذلك فلا ~~فائدة في إدخاله بينهما ، ولا يخرج به شرطهما من أن يكون قمارا ، قال رضي ~~الله عنه وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة رحمه الله يقول : على قياس هذا ~~بالجري بين طلبة العلم ، يفتي فيه بالجواز أيضا ، وهو PageV01P085 إذا وقع ~~الاختلاف ms0058 بين اثنين في مسألة وأراد الرجوع إلا الأستاذ ، وشرط أحدهما ~~لصاحبه أنه إن كان الجواب كما قلت أعطيتك كذا ، وإن كان كما قلت لا آخذ منك ~~شيئا فهذا جائز ، وإن كان شرط من الجانبين فهو القمار ، وهذا لأن في ~~الأفراس إنما جوز ذلك لمعنى يرجع إلى الجهاد فيجوز هنا أيضا للحث على ~~الجهاد في التعلم . وذكر عن صفوان بن عمرو السكسكي أن عمر بن عبد العزيز ~~كتب إلى أصحاب السكسك ينهاهم عن الركض ، والمراد النخاسون ، وإنما نهاهم عن ~~ركض يتعب الدابة من غير حاجة إلى ذلك ، أو ركض يكون بتكلف ، لأن ذلك يغرر ~~المشتري والغرور حرام ، والمراد الركض للتلهي من غير غرض وقد أمرنا ~~بالإحسان إلى الخيول لإرهاب العدو بها ، ولا يجوز إتعابها بالركض تلهيا . ~~قال : ونهاهم أن يتركوا أحدا أن يركب بمبزع في سوطه يبزع به دابته ، أي ~~بحديدة كما يفعله بعض النخاسين لنخس الدابة عند الركض ، وذلك يجرح الدابة ، ~~من غير غرض فيه ، وربا يسري ؟ فلهذا نهاهم عن ذلك كما هو عادة العرب من ~~اتخاذ حديدة في ظاهر الخف عند العقب لنخس الفرس به ، فإنه منهي عنه كما ~~قلنا ، وكان عمر بن عبد العزيز ينهى عن ركض الفرس إلا في حق ، أي عند غرض ~~صحيح في الجهاد أو غيره . م العدو ، لما يحتاجون إلى ذلك في رياضة الدواب . ~~فإن شرطوا جعلا نظر ، فإن كان الجعل من أحد الجانبين خاصة بأن قال لصاحبه : ~~إن سبقتني أعطيتك كذا ، وإن سبقتك لم آخذ منك شيئا فهو جائز على ما شرطا ~~استحسانا ، لقوله عيه السلام : ' المؤمنون عند شروطهم ' وفي القياس لا يجوز ~~، لأنه تعليق المال بالخطر ، وأما إذا كان المال مشروطا ، من الجانبين فهو ~~القمار بعينه ، والقمار حرام ، إلا أن يكون بينهما ، محلل ، وصورة المحلل ~~أن يكون معهما ثالث والشرط أن الثالث ، إذا سبقهما أخذ منهما ، وإن سبقاه ~~لم يعطهما شيئا فهو فيما بينهما ، أيهما سبق أخذ الجعل من صاحبه ، فهذا ~~جائز ، وهو مروي عن سعيد بن المسيب ، وهذا إذا كان المحلل ms0059 على دابة يتوهم ~~أن يسبق ، فإن كان لا يتوهم ذلك فلا فائدة في إدخاله بينهما ، ولا يخرج به ~~شرطهما من أن يكون قمارا ، قال رضي الله عنه وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة ~~رحمه الله يقول : على قياس هذا بالجري بين طلبة العلم ، يفتي فيه بالجواز ~~أيضا ، وهو إذا وقع الاختلاف بين اثنين في مسألة وأراد الرجوع إلا الأستاذ ~~، وشرط أحدهما لصاحبه أنه إن كان الجواب كما قلت أعطيتك كذا ، وإن كان كما ~~قلت لا آخذ منك شيئا فهذا جائز ، وإن كان شرط من الجانبين فهو القمار ، ~~وهذا لأن في الأفراس إنما جوز ذلك لمعنى يرجع إلى الجهاد فيجوز هنا أيضا ~~للحث على الجهاد في التعلم . وذكر عن صفوان بن عمرو السكسكي أن عمر بن عبد ~~العزيز كتب إلى أصحاب السكسك ينهاهم عن الركض ، والمراد النخاسون ، وإنما ~~نهاهم عن ركض يتعب الدابة من غير حاجة إلى ذلك ، أو ركض يكون بتكلف ، لأن ~~ذلك يغرر المشتري والغرور حرام ، والمراد الركض للتلهي من غير غرض وقد ~~أمرنا بالإحسان إلى الخيول لإرهاب العدو بها ، ولا يجوز إتعابها بالركض ~~تلهيا . قال : ونهاهم أن يتركوا أحدا أن يركب بمبزع في سوطه يبزع به دابته ~~، أي بحديدة كما يفعله بعض النخاسين لنخس الدابة عند الركض ، وذلك يجرح ~~الدابة ، من غير غرض فيه ، وربا يسري ؟ فلهذا نهاهم عن ذلك كما هو عادة ~~العرب من اتخاذ حديدة في ظاهر الخف عند العقب لنخس الفرس به ، فإنه منهي ~~عنه كما قلنا ، وكان عمر بن عبد العزيز ينهى عن ركض الفرس إلا في حق ، أي ~~عند غرض صحيح في الجهاد أو غيره . PageV01P086 # | باب كراهية الجرس # ذكر عن كعب قال : ما استنفر جيش من المسلمين إلا بعث الله ملكا ينادي في ~~ظهورهم : اللهم اجعل ظهورها شديدا ، وحوافرها حديدا ، إلا ذات الجرس ، وعن ~~خالد بن معدان قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم راحلة عليها جرس فقال : ~~تلك مطي الشيطان ، وعن أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال ms0060 : ' العير التي فيها جرس لا تصحبها الملائكة ' ، فمن العلماء من أخذ ~~بظاهر هذه الآثار ، وكرهوا اتخاذ الجرس على الراحلة في الأسفار في الغزو ~~وغير ذلك . وكرهوا أيضا اتخاذ الجلاجل في رجل الصغير ، على ما يروى عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها رأت امرأة معها صبي وفي رجله جلاجل ، فجعلت تقول ~~: نحي عنه ما ينفر الملائكة . وتأويل هذه الآثار عندنا أنه كره اتخاذ الجرس ~~للغزاة في دار الحرب ، PageV01P087 فإنهم إذا قصدوا أن يبيتوا العدو علم ~~بهم العدو بصوت الجرس فيبدرون بهم ، فإذا كانوا سرية علم بهم العدو فأتوهم ~~فقتلوهم ، فالجرس في بهذه الحالة يدل المشركين على المسلمين فهو مكروه ، ~~وأما ما كان في دار الإسلام فيه منفعة لصاحب الراحلة فلا بأس به ، يعني قد ~~ينتفع المسلمون في أسفارهم بصوت الجرس يدفعون به النوم عن أنفسهم ، ومن يضل ~~عن الطريق يتمكن من اللحوق بهم بصوت الجرس فلا يضل ، ومن الدواب ما ينشط في ~~السير بصوت الجرس فإذا أمنوا اللصوص ، وكان في الجرس منفعة لهم بهذه الصفة ~~فلا بأس باتخاذه وهو نظير الحداء وذلك معروف في العرب ، وقد أذن فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكن يسير بالليل والحادي يحدي بين يديه ، فعرفنا ~~أنه لا بأس بمثله ، وما يكون في أرجل الصبيان على سبيل اللهو من غير منفعة ~~فلا يستحب أيضا وإن كان فيه منفعة فلا بأس . PageV01P088 # | باب رفع الصوت # قال : ولا يستحب رفع الصوت في الحرب من غير أن يكون ذلك مكروها من وجه ~~الدين ، ولكنه فشل ، فإن كان فيه تحريض ومنفعة للمسلمين فلا بأس به ، يعني ~~أن المبارزين يزدادون نشاطا برفع الصوت ، وربما يكون فيه إرهاب للعدو ، على ~~ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : صوت أبي دجانة في الحرب فئة ، فأما إذا ~~لم يكن فيه منفعة فهو فشل ، وربما يدل على الجيش فلهذا لا يستحب . وذكر عن ~~الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره رفع الصوت ~~عند ثلاثة : عند قراءة القرآن ، وعند الجنائز ms0061 ، وعند الزحف أي القتال . وعن ~~قيس بن عباد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت ~~عند الثلاثة : الجنائز ، والقتال ، والذكر ، PageV01P089 والمراد بالذكر ~~الوعظ ، ففي الحديثين كراهة رفع الصوت عند سماع القرآن والوعظ ، فتبين به ~~أن ما يفعله الذين يدعون الوجد والمحبة مكروه ولا أصل له في الدين ، ~~ويستبين به أنه تمنع الصوفية مما يعتادونه من رفع الصوت وتخريق الثياب عند ~~السماع ، فإن ذلك مكروه في الدين عند سماع القرآن والوعظ ، فما ظنك عند ~~سماع الغناء ؟ ! ، فأما رفع الصوت عند الجنائز فالمراد به النوح وتمزيق ~~الثياب وخمش الوجه ، فذلك حرام ، والمراد ما كان عليه أهل الجاهلية من ~~الإفراط في مدح الميت عند جنازته ، حتى كانوا يذكرون في ذلك ما هو شبه ~~المحال ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من تعزى بعزاء ~~الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا ' أراد به والله أعلم ، أن امنعوه عن ~~ذلك ولا تذكروه بسوء . PageV01P090 # | باب العمائم في الحرب # قال : ولبس العمائم في الحرب وغيرها حسن من أمر المسلمين ، فإن العمائم ~~تيجان العرب وقال صلى الله عليه وسلم : ' تعمموا تزدادوا حلما ' . ودخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء فعرفنا أن ~~ذلك حسن . وذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقال : تجهز فإني باعثك في ~~السرية الحديث إلى أن قال : وعلى عبد الرحمن عمامة قد لفها على رأسه ، ~~فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأقعده بين يديه ، ونقض عمامته بيديه ، ثم ~~عممه بعمامة سوداء ، وأرخى بين كتفيه شيئا منها ، ثم قال : هكذا فاعتم يا ~~ابن عوف ، وإنما فعل ذلك إكراما له ، خصه بهذه الكرامة ، من بين الصحابة ~~رضي الله عنهم ، وفيه دليل على أن المستحب إرخاء ذنب العمامة بين الكتفين ~~PageV01P091 كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم من قدر ذلك بشبر ~~، ومنهم من قال : إلى وسط الظهر ، ومنهم من قال ms0062 : إلى موضع الجلوس ، وفي ~~هذا دليل على أن يجدد اللف لعمامته ، لا ينبغي أن يرفعها من رأسه دفعة ~~واحدة ، لكن ينقضها كما لفها ، فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا ~~بعمامة ابن عوف ، وذلك بمنزلة النشر غب الطي ، فيكون أولى من النشر ~~والإلقاء على الأرض دفعة واحدة . PageV01P092 # | باب القتال في الأشهر الحرم # ذكر عن سليمان بن يسار أنه سئل : هل يصلح للمسلم أن يقاتل الكفار في ~~الأشهر الحرم ؟ قال : نعم ، وبه نأخذ ، وكان عطاء يقول : لا يحل القتال في ~~الأشهر الحرم لقوله تعالى : ' فإذ انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ' ~~التوبة : 5 ، ولكنا نقول : هذا منسوخ ، ناسخه قول الله تعالى ' فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم ' التوبة : 5 ، يفيد إباحة قتلهم في كل وقت ومكان ، ~~والمراد بقوله تعالى : ' فإذا انسلخ الأشهر الحرم ' ، مضى مدة العهد الذي ~~كان لبعضهم ، لا بيان حرمة القتال في الأشهر الحرم ، ثم صح أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم غزا الطائف لست مضين من المحرم ونصب المنجنيق عليها ، ~~وافتتحها في صفر ، ونسخ الكتاب بالسنة المشهورة التي تلقاها العلماء ~~بالقبول جائز . PageV01P093 # | باب هجرة الأعراب # وعن الحسن رضي الله عنه قال : هجرة الأعراب إذا ضمهم ديوانهم ، وقد كانت ~~الهجرة فريضة في الابتداء قال الله تعالى : ' والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~مالكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا ' الأنفال : 72 ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم : ' ثم ادعوهم إلى التحول إلى دار المهاجرين فإن أبوأ فأخبروهم ، أنهم ~~كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين ، وليس لهم في ~~الفيء ولا في الغنيمة نصيب ، ومن مذهب الحسن أنه لم ينسخ هذا الحكم وأن من ~~أسلم من الأعراب فعليه أن يثبت اسمه في ديوان الغزاة ليكون مهاجرا ، فقد ~~كان المقصود بالهجرة في ذلك الوقت القتال ، وعلى قول أكثر العلماء رضي الله ~~عنهم فرضية الهجرة انتسخت يوم فتح مكة لقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا ~~هجرة بعد الفتح ، إنما هو جهاد PageV01P094 ونية ' ، وقال : المهاجر من ~~أمتي من هجر السوء ، أو قال ms0063 : ما نهى الله عنه . وإليه أشار محمد رحمه الله ~~فقال : إذا وطن الأعرابي مصرا من أمصار المسلمين ، فقد خرج من الأعرابية ، ~~وصار من أهل الأمصار ، التحق في الديوان أو لم يلحق ، وإنما شرط أن يتوطن ~~مصرا ليتعلم شرائع الدين ، فإن تمكن من ذلك في قبيلتة فلا حاجة إلى توطن ~~المصر ، ولكن إذا تعلم ما يحتاج إليه فقد خرج من الأعرابية ، يعني ما وصف ~~الله به الأعراب ، في قوله : ' وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله ' التوبة : 97 . PageV01P095 # | باب صلة المشرك # وذكر عن أبي مروان الخزاعي قال : قلت لمجاهد : رجل من أهل الشرك بيني ~~وبينه قرابة ، ولي عليه مال أدعه له ؟ قال : نعم ، وصله ، وبه نأخذ فنقول : ~~لا بأس بأن يصل المسلم المشرك قريبا كان أو بعيدا محاربا كان أو ذميا لحديث ~~سلمة بن الأكوع قال : صليت الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجدت مس ~~كف بين كتفي ، فالتفت فإذا رسول اله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هل أنت ~~واهب لي ابنة أم قرفة ؟ قلت : نعم ، فوهبتها له ، فبعث بها إلى خاله حزن بن ~~أبي وهب وهو مشرك وهي مشركة ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مائة ~~دينار إلى مكة حين قحطوا وأمر بدفع ذلك إلى أبي سفيان بن حرب وصفوان بن ~~أمية ؛ ليفرقا على فقراء أهل مكة ، فقبل ذلك أبو سفيان ، وأبي صفوان ، وقال ~~: ما يريد محمد بهذا إلا أن يخدع شبابنا ، ولأن صلة الرحم محمود عند كل ~~عاقل وفي كل دين ، والإهداء إلى الغير PageV01P096 من مكارم الأخلاق ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم : ' بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ' ، فعرفنا أن ذلك حسن في ~~حق المسلمين والمشركين جميعا . ثم ذكر عن كعب بن مالك قال : قدم عامر بن ~~مالك ، أخو البراء وهو مشرك ، فأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم فرسين وحلتين ~~، فقال عليه السلام : ' لا أقبل هيدية مشرك ' ، وقد روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقبل هدايا المشركين ، وأنه أهدى مع عمرو بن أمية الضمري ms0064 إلى ~~أبي سفيان تمر عجوة ، واستهداه أدما فقبل هدية رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأهدى له الأدم ، وأن نصرانيا أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حريرا يتلألأ ، فقبل هديته ، وأن عياض بن حمار المجاشعي أهدى إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حريرا يتلألأ ، فقبل هديته ، وأن عياض بن حمار المجاشعي ~~أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حريرا يتلألأ ، فقبل هديته ، وأن ~~عياض بن حمار المجاشعي أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ~~أسلمت يا عياض ؟ فقال : لا ، قال عليه السلام : ' إن الله تعالى نهاني أن ~~أقبل زبد المشركين ' أي : عطاياهم ، وذكر الزهري : أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن زبد المشركين ، أي : عن قبول هديتهم ، فتأويل ما روي أنه ~~لم يقبل من وجوه : أحدها ، أنه لم يقبل ممن كان يطمع في إيمانه ، إذا رد ~~هديته ليحمله ذلك على أن يؤمن ثم يقبل هديته ، أو لم يقبل ؛ لأنه كان فيهم ~~من يطالب بالعوض ولا يرضى بالمكافأة بمثل ما أهدى ، وبيان هذا في قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ' لقد هممت أن لا أقبل هدية الأعراب ، وفي رواية : ' لا ~~أقبل الهدية إلا من قرشي أو ثقفي ' وأيد هذا ما روي أن عامر بن مالك كان ~~أهدى إليه فرسين قد كان أحدهما PageV01P097 لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، وقع في أيديهم في بعض الحروب ، فعوضه رسول الله فوق هديته ، فجعل يطلب ~~الزيادة حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته : ' ما بال أقوام ~~يهدون ما نعرفه أنه لنا ، ثم لا يرضون بالمكافأة بالمثل ' ، وإنما لم يقبل ~~هدية عامر لأن أباه كان أجار سبعين نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ثم قتلهم قومه ، وهم أصحاب بئر معونة وفي هذا قصة معوفة ، فلهذا رد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته . ثم قال محمد رحمه الله : يكره لأمير ~~الجيش أن يقبل هداياهم ، فإن قبلها فليجعلها فيئا للمسلمين ، وتكلموا في ~~معنى ms0065 هذا اللفظ فقيل : هذا ليس بكراهة التحريم ، ولكن مراده التنزيه ، لأنه ~~إذا قبل هداياهم لا يأمن أن يتألفهم ، على ما جاء في الحديث : ' الهدية ~~تذهب وحر الصدر ' ، وقد أمرنا بالغلظة عليهم ، قال الله تعالى ' وليجدوا ~~فيكم غلظة ' التوبة : 123 ، وقيل : المراد به لا يحل له أن يقبلها على أن ~~يختص بها ، ولكنه يقبلها على أن يجعلها في فيء المسلمين ، لأنهم أهدوا إليه ~~لمنعته ، ومنعته بالمسلمين لا بنفسه ، وكذلك إذا أهدوا إلى قائد من قواد ~~المسلمين ، بخلاف ما إذا أهدوا إلى مبارز ، فإن عزته بقوة في نفسه فتسلم له ~~الهدية ، PageV01P098 وأما في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت ~~الهدية له ، فإن عزته تومنعته لم تكن بالمسلمين ، قال الله تعالى : ' والله ~~يعصمك من الناس ' المائدة : 67 ، وما كان في حقه توهم الركون بقلبه إذا قبل ~~هداياهم ، فلهذا قبلها في بعض الأوقات ، واختلفت الصحابة رضي الله عنهم ومن ~~بعدهم في جواز قبول الهدية من أمراء الجور ، فكان ابن عباس وابن عمر رضي ~~الله عنهم ومن بعدهم في جواز قبول الهدية من أمراء الجور ، فكان ابن عباس ~~وابن عمر رضي الله عنهم يقبلان هدية المختار ، وهكذا نقل عن إبراهيم النخعي ~~، وكان أبو ذر وأبو الدراداء رضي الله عنه مائة دينار ، فجعل يقول : هل ~~أهدي إلى كل مسلم مثل هذا ؟ فقيل : لا ، فردها وقال : ' كلا ، إنها لظى ، ~~نزاعة للشوى ' المعارج : 15 ، 16 ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ~~للسلطان نصيب من الحلال والحرام ، فإذا أعطاك شيئا فخذه ، فإن ما يعطيه ~~حلال لك ، وحاصل المذهب فيه أنه إن كان أكثر ماله من الرشوة والحرام لم يحل ~~قبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حلال ، وإن كان صاحب تجارة ~~أو زرع أكثر ماله من ذلك فلا بأس بقبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك له ~~من وجه حرام ، وفي قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدية من بعض ~~المشركين دليل على ما ذكرنا . وبالله التوفيق ms0066 . عمر رضي الله عنهم يقبلان ~~هدية المختار ، وهكذا نقل عن إبراهيم النخعي ، وكان أبو ذر وأبو الدراداء ~~رضي الله عنه مائة دينار ، فجعل يقول : هل أهدي إلى كل مسلم مثل هذا ؟ فقيل ~~: لا ، فردها وقال : ' كلا ، إنها لظى ، نزاعة للشوى ' المعارج : 15 ، 16 ، ~~وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : للسلطان نصيب من الحلال والحرام ، ~~فإذا أعطاك شيئا فخذه ، فإن ما يعطيه حلال لك ، وحاصل المذهب فيه أنه إن ~~كان أكثر ماله من الرشوة والحرام لم يحل قبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ~~ذلك له من وجه حلال ، وإن كان صاحب تجارة أو زرع أكثر ماله من ذلك فلا بأس ~~بقبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حرام ، وفي قبول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الهدية من بعض المشركين دليل على ما ذكرنا . وبالله ~~التوفيق . PageV01P099 # | باب المبارزة # ذكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو ~~يتغنى ، فقال : أتتغنى ؟ فقال : أخشى أن أموت على فراشي وقد قتلت سبعة ~~وسبعين من المشركين بيدي سوى ما شاركت فيه بالمسلمين ، وفيه دليل على أنه ~~لا بأس للإنسان أن يتغنى إذا كان وحده ليدفع به الوحشة عن نفسه ، فإن ~~البراء بن مالك رضي الله عنه كان من زهاد الصحابة رضي الله عنهم قال فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لو أقسم على الله لأبره ' ، ثم كان يتغنى ~~في مرضه حين بقي وحده ، واستبعد ذلك منه أنس ، فبين أنه لا يفعل هذا تلهيا ~~، ولكن يدفع الوسواس عن نفسه ، فإنه كان يطمع في الشهادة وخشي أن يموت في ~~مرضه فاستوحش من ذلك وجعل يتغنى ، فعرفنا أن هذا القدر لا بأس به ، إنما ~~المكروه ما يكون على سبيل اللهو ، على ما قال صلى الله عليه وسلم : ' ~~أنهاكم عن صوتين أحمقين فاجرين PageV01P100 صوت الغناء ، فإنه مزمار ~~الشيطان ، وخمش الوجوه وشق الجيوب رنة الشيطان ' ، يعني رفع الصوت عند ~~المصيبة ، ثم صح أن البراء ms0067 رضي الله عنه برأ من مرضه ثم استشهد كما كان ~~يطمع . PageV01P101 # | باب من قاتل فأصاب نفسه # وذكر عن مكحول أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول رجلا ~~من العدو ليضربه فأخطأ فأصاب رجله فنزف حتى مات ، فصلى عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال أصحابه رضي الله عنهم أشهيد هو ؟ قال : نعم ، وأنا ~~عليه شهيد ، وتأويل الحديث أنه شهيد فيما تناول من الثواب في الآخرة فأما ~~من ابتلي بهذا في الدنيا يغسل ويكفن ويصلى عليه ، لأن الشهيد الذي لا يغسل ~~من يصير مقتولا بفعل مضاف إلى العدو ، وهذا صار مقتولا بفعل نفسه ، ولكنه ~~معذور في ذلك ، لأنه قصد العدو لا نفسه ، فيكون شهيدا في حكم الآخرة ، ~~ويصنع به ما يصنع بالميت في الدنيا ، وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~المبطون شهيد ، والنفساء شهيد ، المرأة التي تموت بجمع لم تطمث شهيد ' ، ~~يعنى في أحكام الآخرة لا في أحكام الدنيا ، ثم اختلفت مشايخنا فيمن تعمد ~~قتل نفسه بحدية أنه هل يصلى عليه ؟ فمنهم من قال : لا يصلي عليه ، لحديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' من قتل نفسه ~~بحديدة فحديدته في يده PageV01P102 يجأ بها نفسه في نار جهنم خالدا مخلدا ، ~~ومن تردى من موضع فهو يتردى في نار جهنم ، قال رضي الله عنه وكان شيخنا ~~الإمام يقول : الأصح عندي أن يصلى عليه ، وأن تقبل توبته إن كان تاب في ذلك ~~الوقت ، لقوله تعالى : ' ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ' ، وتأويل الحديث فيمن ~~استحل ذلك ، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر ' ، قال رضي الله عنه وسمعت القاضي الإمام علي السغدي يقول : ~~الأصح عندي أنه لا يصلى عليه ، لا لأنه لا توبة له ، ولكن لأنه باغ على ~~نفسه ، ولا يصلى على الباغي . # وذكر عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله ! زعم أسيد ~~بن حضير أن عامر بن سنان بن ms0068 الأكوع حبط عمله ، وكان ضرب يهوديا فقطع رجله ، ~~ورجع السيف على عامر بن سنان بن الأكوع حبط عمله ، وكان ضرب يهوديا فقطع ~~رجله ، ورجع السيف على عامر فعقره فمات منها ، فقال : كذب من قال ذلك ، إن ~~له لأجرين ، إنه جاهد مجاهد ، وإنه ليعوم في الجنة عوم الدعموص ، ~~PageV01P103 وبه نقول إنه معذور فيما أصيب به ، مثاب على ما صنع ، فإنه ~~جاهد في قتل الكافر مبالغ في ذلك ، مصاب حين رجع إليه السيف فعقره وصبر على ~~ذلك إلى أن مات ، فهو مجاهد صابر ، و ' إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~' الزمر : 10 ، فهذا مجاهد صابر ، و ' إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ~~' الزمر : 10 ، فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن له لأجرين ' . ~~قال : وإذا التقت السريتان ليلا من المسلمين وكل واحد ترى أن صاحبتها من ~~المشركين ، فاقتتلوا فأجلوا عن قتلى ثم علموا فلا شيء عليهم من دية ولا ~~كفارة ؛ لأن كل واحدة من السريتين باشرت دفعا مباحا ، فقد قصدت كل سرية إلى ~~الأخرى ، وإنما قتلتها الأخرى دفعا عن أنفسهم ، وذلك دفع مأمور به شرعا فلا ~~يكون موجبا دية ولا كفارة . والأصل فيه ما روي عن جابر بن عبد الله رضي ~~الله عنه قال : خرجت طليعتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ليلا ~~فالتقتا تحت الليل ولا يشعر بعضهم ببعض ، ويظنون أنهم العدو فكانت بينهم ~~جراحات وقتلى ثم تنادوا بشعار الإسلام ، فكف بعضهم عن بعض ، وذكروا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جراحاتكم في سبيل الله ، ومن قتل ~~منكم فهو شهيد ، PageV01P104 إذا كان القوم من المسلمين يقاتلون المشركين ، ~~فقتل مسلم مسلما ، ظن أنه مشرك ، أو رمى إلى مشرك فرجع السهم فأصاب مسلما ~~فقتله فعليه الدية والكفارة ؛ لأن هذا صورة الخطأ ، والدية والكفارة في قتل ~~الخطأ واجب بالنص . # والأصل في هذا ما روي أن سيوف المسلمين اختلفت يوم أحد على اليمان أبي ~~حذيفة ، فقتلوه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الدية ، فوهبها ~~لهم حذيفة ، وكان المعنى ms0069 في الفرق بين هذا والأول أن المقتول هاهنا ما كان ~~قاصدا قتل صاحبه الذي قتله ، وكانت حرمة نفسه باقية في نفسه ، فيجب الدية ~~صيانة لدمه عن الهدر ، وفي الأول المقتول كان قاصدا إلى قتل صاحبه وذلك ~~يسقط حرمة نفسه في حقه ، فإنما قتله بدفع مباح . PageV01P105 # | باب قتل ذي الرحم المحرم # قال : ولا بأس بأن يقتل الرجل من المسلمين كل ذي رحم محرم منه من ~~المشركين يبتدئ به ، إلا الوالد خاصة ، فإنه يكره له ، أن يبتدئ والده بذلك ~~، وكذلك جده من قبل أبيه ، أو من قبل أمه وإن بعد ، إلا أن يضطره إلى ذلك ، ~~لقوله تعالى : ' وصاحبهما في الدنيا معروفا ' لقمان : 15 ، فالمراد الأبوان ~~إذا كانا مشركين بدليل قوله تعالى ' وإن جاهداك ' الآية لقمان : 15 ، وليس ~~من المصاحبة بالمعروف البداية بالقتل ، وأما إذا اضطره إلى ذلك فهو يدفع ~~عنه نفسه ، وهو مأمور بالبداية بنفسه في الإحسان ، إليها ودفع شر القتل ~~عنها ، أبلغ جهات الإحسان ، ثم الأب كان سببا لإيجاد الولد ، فلا يجوز ~~للولد أن يجعل نفسه سبب إعدامه ، بالقصد إلى قتله ، إلا أن يضطره إلى ذلك ، ~~فحينئذ يكون الأب هو المكتسب لذلك السبب بمنزلة الجاني على نفسه ، على ما ~~هو الأصل أن الملجأ بمنزلة الآلة للملجئ ، ولهذا لا يحبس الأب بدين الولد ~~ويحبس بنفقته ، لأنه إذا منع نفقته فقد قصد إتلافه ، PageV01P106 ثم استدل ~~محمد رحمه الله في الكتاب بما روى : أن حنظلة بن أبي عامر ، وعبد الله بن ~~عبد الله بن أبي بن سلول ، رضي الله عنهما أستاذنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في قتل أبويهما فنهاهما عن ذلك ، وعن عمير ابن مالك رضي الله عنه قال ~~: قال رجل : يا رسول الله ! إني لقيت أبي في العدو ، فسمعت منه مقالة لك ~~سيئة فقتلته ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا دليل على أنه ~~لا يستوجب بقتله شيئا إذا قتله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره ~~بشيء ، والسكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة إليه لا يجوز ، وأول ms0070 الوجوه ، أن ~~لا يقصده بالقتل ، ولا يمكنه من الرجوع إذا تمكن منه في الصف ، ولكنه يلجئه ~~إلى موضع ويستمسك به حتى يجيء غيره فيقتله روي في الكتاب حديثا بهذه الصفة ~~قال : فهو أحب إلينا ، فإما إباحة قتل غير الوالدين والمولودين من ذي الرحم ~~المحرم من المشركين فقد بيناه في الجامع الصغير ، وبالله التوفيق . ~~PageV01P107 # | باب البكاء على القتلى # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ببني عبد الأشهل وهم يندبون ~~قتلاهم يوم أحد ، فقال : لكن حمزة لا بواكي له ، قالت المرأة التي روت : ~~فخرجنا حتى أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فندبنا حمزة ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في البيت ، حتى سمعنا نشيجه في البيت ، فأرسل إلينا أن قد ~~أصبتم ، أو قد أحسنتم ، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حمزة ~~كان سيد الشهداء يومئذ ، لكنه كان غريبا بالمدينة فندبه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بما قال ، وذكر في المغازي : أن سعد بن معاذ رضي الله عنه لما ~~سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع نساء قومه ، وكذلك سعد بن ~~عبادة ، وكذلك معاذ بن جبل ، فجاء كل فريق إلى باب بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يندبون حمزة رضي الله عنه ، فاستأنس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببكائهم حتى نام . PageV01P108 ومن ذلك الوقت جرى الرسم بالمدينة أنه ~~إذا مات منهم ميت يبدءون بالبكاء لحمزة رضي الله عنه ، والرجال في تعزية ~~بعضهم بعضا يقولون : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يزيدون على ذلك ~~. ثم أعاد الحديث بطريق ابن عمر رضي الله عنهما وزاد في آخره : فاستيقظ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يبكين ، فقال : يا ويحهن ! إنهن لها هنا ~~منذ اليوم ، فليرجعن ولا يبكين علي هالك بعد اليوم ، فمن العلماء من أخذ ~~بظاهر الحديث وقال : هذه رخصة كانت يومئذ ، وقد انتسخت بما ذكر في آخر ~~الحديث ، وأكثرهم على أن رفع الصوت بالبكاء والنوح قد انتسخ ولا رخصة ms0071 فيه ، ~~على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : النائحة ومن حولها من ~~مستمعيها عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . # وأما البكاء من غير رفع الصوت لا بأس به ، لما روي أنه لما قبض إبراهيم ~~ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : أليس قد نهيتنا عن البكاء ؟ فقال ~~: ' إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين وأما هذه رحمة يجعلها الله تعالى ~~في قلوب الرحماء ، العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول ما يسخط الرب ' . وعن ~~عمر رضي الله عنه أنه سمع امرأة وهي تبكي على ولدها بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنهاها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' دعها يا ~~عمر ، فإن القلب حزين ، والنفس مصابة ، والعهد قريب ' ، ولكن مع هذا الصبر ~~أفضل على ما قال الله تعالى : ' الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا : إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ' البقرة : 156 . PageV01P109 # | باب حمل الرءوس إلى الولاة # وذكر عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قدم على أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه برأس يناق البطريق فأنكر ذلك ، فقيل له : يا خليفة رسول الله ~~، إنهم يفعلون ذلك بنا ، قال : فاستنان بفارس والروم ؟ لا يحمل إلي راس ، ~~إنما يكفي الكتاب والخبر ، فبظاهر الحديث أخذ بعض العلماء ، وقال : لا يحل ~~حمل الرءوس إلى الولاة ، لأنها جيفة ، فالسبيل دفنها لإماطة الأذى ، ولن ~~إبانة الرأس مثلة ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو ~~بالكلب العقور ، وقد بين أبو بكر رضي الله عنه أن هذا من فعل أهل الجاهلية ~~، وغيظ للمشركين أو فراغ قلب للمسلمين بأن كان المقتول من قواد المشركين أو ~~عظماء المبارزين فلا بأس بذلك . PageV01P110 ألا ترى أن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه حمل رأس أبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم بدر ~~، حتى ألقاه بين يديه ، فقال : هذا رأس عدوك أبي جهل إلى ms0072 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر ، حتى ألقاه بين يديه ، فقال : هذا رأس عدوك أبي ~~جهل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الله أكبر ! هذا فرعوني ~~وفرعون أمتي وكان شره علي أمتي أعظم من شر فرعون على موسى وأمته ' ، وما ~~منعه ولم ينكر عليه ذلك . وهو معنى ما رواه عن الزهري رحمه الله قال : لم ~~يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس إلا يوم بدر . وحمل إلى أبي بكر ~~رضي الله عنه فأنكره ، وأول من حملت إليه الرءوس ابن الزبير رضي الله عنه ~~ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن عبد ~~الله ، قال عبد الله : فضربت عنقه وأخذت برأسه فصعدت إلى جبل فاختبأت فيه ، ~~حتى إذا رجع الطلب وجهت برأسه حتى جئت به النبي صلى الله عليه وسلم ، وحين ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة رضي الله عنه بقتل كعب بن ~~الأشرف جاء برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ينكر عليه ذلك ، ~~فتبين بهذه الآثار أنه لا بأس بذلك ، والله الموفق . PageV01P111 # | باب السلاح والفروسية # ذكر عن عتبة بن أبي حكيم رضي الله عنه قال : ذكرت القوس عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ما سبقها سلاح قط إلى خير ' يعني أنه أقوى آلات ~~الجهاد ، فيه حث للغزاة على تعلم الرمي ، وفي ذلك آثار منها حديث عقبة بن ~~عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى : ' ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ' الأنفال : 60 ، ' ألا إن القوة الرمي ' ، ~~قالها ثلاثا ، وفي حديثه أيضا ' إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد ثلاثة ~~الجنة : صانعه الذي يحتسب به ، ومنبله ، والرامي به ' ، وقال : ' كل لهو ~~ابن آدم باطل إلا ثلاثة : تأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، ورميه عن قوسه ، ~~وما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد بين أبويه إلا لسعد بن أبي وقاص ~~رضي الله عنه ، يوم أحد ms0073 فقال : ' ارم فداك أبي وأمي ' . وذكر أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كتب أن وفروا الأظافير في أرض العدو فإنها سلاح وهذا ~~مندوب إليه PageV01P112 للمجاهدين في دار الحرب ، وإن كان قص الأظافير من ~~الفطرة ؛ لأنه إذا سقط السلاح من يده وقرب العدو منه ربما يتمكن من دفعه ~~بأظافيره ، وهو نظير قص الشوارب فإنه سنة ، ثم الغزي في دار الحرب مندوب ~~إلى أن يوفر شاربه ليكون أهيب في عين العدو فيحصل به الإرهاب . وذكر عن عمر ~~رضي الله عنه أنه قال : علموا أولادكم السباحة ، والفروسية ، ومروهم ~~بالاحتفاء بن الأغراض ، وهذا مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن في ~~حديثه ' علموا أولادكم السباحة والرمي ، والمرأة الغزل ' ، وقال : ' اركبوا ~~، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ' ، والحاصل أن ما يعينه على الجهاد فهو ~~مندوب إلى تعلمه ، وإلى أن يعود نفسه ذلك ، لما فيه من إعزاز الدين وقهر ~~المشركين . وعن عبيد بين عمير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لأصحابه رضي الله عنهم يوم فتح مكة : أفطروا فإنه يوم قتال ، وفيه دليل ~~على أنه فتحت عنوة بالقتال ، وأن الأفضل للغازي إذا كان يقاتل العدو في شهر ~~رمضان أن يفطر ، فإن الصوم ربما يضعفه عن شيء من القتال ، والخلل الذي ~~يتمكن بذلك لا يمكنه تداركه في غير هذا الوقت وهو يتمكن من أداء الصوم في ~~عدة من أيام أخر ، ولهذا كان الفطر PageV01P113 أفضل للمريض ، والمسافر إذا ~~كان يجهده الصوم ، فلأن يكون أفضل للمسافر المقاتل كان أولى . وعن عون بن ~~أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في قبة حمراء من أدم يعني يوم فتح مكة ، ورأيت بلالا رضي الله عنه أدخل ~~وضوءه إليه ثم أخرجه يهريقه ، فرأيت الناس يبتدرونه ، فمن أصاب منه شيئا ~~تمسح به ، ومن لم يصب أخذ من بلل يد صاحبه فتمسح به ، وبه يستدل محمد رحمه ~~الله على طهارة الماء المستعمل ، لأنهم كانوا يتبركون بذلك ، ولا يتبرك ms0074 بما ~~هو نجس ، فلو كان نجسا لأنكر عليهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وأبو حنيفة يعتذر ويقول : لم ينقل أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وإنما يستقيم الاحتجاج به أن لو بلغه فلم ينكر عليهم . قال : ثم رأيت بلالا ~~رضي الله عنه أخرج عنزة فركزها وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة ~~حمراء متشمرا ، فصلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون ~~بين يديه ، العنزة : شبه الحربة ، كانت تحمل أمام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أسفاره لتركز بين يديه إذا صلى . PageV01P114 ومنه عادة الأمراء في ~~حمل السلاح أمامهم ، وفيه دليل أنه لا بأس بلبس بالثوب الأحمر ، وأن المصلي ~~في الصحراء ينبغي أن يتخذ السترة بين يديه ، وأنه إذا كانت السترة بين يدي ~~الإمام خاصة فذلك يكفي ، ولا تشترط السترة بين يدي القوم ، لأن الإمام ~~بمنزلة السترة للصف الأول ، والصف الأول للثاني ، وأنه لا يمنع أحد من ~~المرور وراء السترة ؛ لأن السترة تحول بينه وبين المصلي بمنزلة الحائط . ~~والمقصود من السترة ان يعلم به من يكون بالبعد منه ، فلا يمر بينه وبين ~~السترة ، ولا يمتنع من المرور وراءه ، ولا يحصل ذلك إلا إذا كان طويلا ~~غليظا ، فقيل : ينبغي أن يكون طوله دراعاص ، وغلظته بقدر الأصبع ، لما قال ~~: بلغين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' يجزئ من السترة السهم ' ~~والله المعين . PageV01P115 # | باب الحرب كيف يعبأ له # ؟ ، وفي نسخة كيف تغشاه ؟ ذكر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث رحمه الله ~~قال : لما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين ~~وهو واد حدور ذو شعاب ومضايق ، وفرق الناس فيه ، وأوعز إلى الناس أن يحملوا ~~على محمد وأصحابه حملة واحدة أي أمرهم بذلك ، وتقدم إليهم فيه ومالك هذا ~~كان صاحب الجيش يوم حنين ، فكان أمرهم أن يستصحبوا أهاليهم وأموالهم ~~ليقاتلوا عنهم إن لم يقاتلوا عن دينهم ، فخطأه دريد بن الصمة في هذا الرأي ~~، وقال له : راعي الضأن ماله ms0075 وللحرب ؟ وهل يرد المنهزم شيء ؟ هذا الذي ~~تسوقونه كله غنائم PageV01P116 محمد وأصحابه ، قيل : فما الرأي ؟ قال : أن ~~تحملوا الظعن إلى علياء بلادكم ، وأن يلقى الرجال بالسيوف على متون الخيل ~~عدوهم ، فقال مالك : لا أغير ما صنعت ، فهل غير هذا ؟ قال : نعم ، اجعل ~~الناس فريقين : يمنة ويسرة ، ليكمنوا في هذه الشعاب والمضايق ، حتى إذا ~~دخلها العدو خرجوا من الجانبين فحملوا عليهم حملة واحدة ، فقال : أما هذه ~~فنعم ، وفعل ذلك برأيه ، عبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ، فصفهم ~~صفوفا في السحر ، ووضع الألوية في أهلها ، الحديث ، إلى أن قال : فانحدر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادي حنين انحدارا وهو واد حدور ، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء بدلدل ، واستقبل الصفوف فطاف ~~عليهم يحثهم على القتال ويبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا ، وهكذا ينبغي ~~للإمام أن يفعله في موضع الخوف ، وبالليل إذا كانوا بالقرب من العدو . قال ~~: فبيانهم على ذلك ينحدرون في غبش الصبح إذا حمل المشركون عليهم حملة واحدة ~~من تلك الشعاب والمضايق ، فانكشف أو الخيول PageV01P117 خيل بني سليم مولية ~~يعني انهزمت راجعة ثم تبعهم أهل مكة ، وتبعهم الناس مدبرين فلا يلوي أحد ~~على أحد ، وفي المغازي أن إبليس عليه اللعنة نادى : ألا إن محمدا قد قتل ، ~~فليرجع كل ذي دين دينه ، فلهذا انهزموا كما قال تعالى : ' ثم وليتم مدبرين ~~' التوبة : 25 ، وأمعن بعضهم في الانهزام حتى انتهى إلى مكة وسمع صفوان بن ~~أمية واحدا من المنافقين يقول : قتل محمد واستراح الناس منه ، وكان صفوان ~~يومئذ مشركا فقال : بفيك الأثلب ، لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازان إذا ~~كنت مربوبا . قال : فاقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دابته حتى رأى ~~المسلمين ولوا مدبرين ، فثبت قائما ، وجرد سيفه وطرح غمده ، فجعل يتقدم في ~~نحر العدو وهو يصيح بأعلى صوته : يا أصحاب الشجرة يوم الحديبية الله ، الله ~~! الكرة على نبيكم ، وذكر في المغازي أنه لم يبق مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا ms0076 عمه العباس رضي الله عنه على يمينه ، وسفيان بن الحارث بن ~~عبد المطلب رضي الله عنهما على يساره ، وما كان كلمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم منذ أسلم يوم فتح مكة إلى هذا الوقت ، لكثرة ما كان آذاه بهجائه ~~، فحين رأى ذلك الجد منه كلمه وعانقه ، وبلغ الله صوت رسول إلى المهاجرين ~~والأنصار فكبروا بأجمعهم ، وحملوا على العدو حملة واحدة ، فانهزم العدو قبل ~~أن يطعنوا برمح أو يضربوا بسيف كما قال الله تعالى : ' وأنزل جنودا لم ~~تروها وعذب الذين كفروا ' التوبة : 26 . PageV01P118 # | باب الحرب خدعة # ذكر عن سعيد بن ذي حدان قال : أخبرني من سمع عليا رضي الله عنه يقول : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الحرب خدعة أو خدعة بالنصب ' وكلاهما ~~لغة ، وفيه دليل على أنه لا بأس للمجاهد أن يخادع قرنه ، في حالة القتال ، ~~وأن ذلك لا يكون غدرا منه ، وأخذ بعض العلماء بالظاهر فقالوا : يرخص في ~~الكذب في هذه الحالة ، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : لا يصلح الكذب إلا في ثلاث : في الصلح بين اثنين ~~، وفي القتال ، وفي إرضاء الرجل أهله ، والمذهب عندنا أنه ليس المراد الكذب ~~المحض ، فإن ذلك لا رخصة فيه ، وإنما المراد استعمال المعاريض ، وهو نظير ~~ما روي أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كذب ثلاث كذبات ، والمراد : أنه ~~تلكم بالمعاريض ، إذ الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه معصومون عن الكذب ~~المحض . PageV01P119 وقال عمر : إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب ، ~~وتفسير هذا ما ذكره محمد رحمه الله ، في الكتاب : وهو أن يكلم من يبارزه ~~بشيء وليس المر كما قال : ولكنه يضمر خلاف ما يظهره له ، كما فعل علي رضي ~~الله عنه يوم الخندق حين بارزه عمرو بن ورد ، قال : أليس قد ضمنت لي أن لا ~~تستعين علي بغيرك ؟ فمن هؤلاء الذين دعوتهم ؟ فالتفت كالمستبعد لذلك ، فضرب ~~على ساقيه ضربة قطع رجليه ، وكان من الخدعة أن يقول لأصحابه قولا ليري من ~~سمعه أن فيه ms0077 ظفرا أو أن فيه أمرا يقوي أصحابه ، وليس الأمر كذلك حقيقة ولكن ~~يتكلم على وجه لا يكون كاذبا فيه ظاهرا ، على ما روي أن عليا رضي الله عنه ~~في حروبه كان ينظر إلى الأرض ثم يرفع رأسه إلى السماء يقول : ما كذبت ولا ~~كذبت ، يري من حضره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما ابتلي به ، ~~وأمره في ذلك بما أمر به أصحابه ولعله لا يكون كذلك ، فهذا ونحوه لا بأس به ~~، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' إن الجنة لا يدخلها ~~العجائز ' ، فلما سمعت العجوز ذلك جعلت تبكي ، حتى بين لها صفة أهل الجنة ~~حين يدخلونها ، PageV01P120 ومن هذا النوع أن يقيد كلامه بلعل وعسى ، فإن ~~ذلك بمنزلة الاستثناء يخرج الكلام به من أن يكون عزيمة على ما قال : بلغنا ~~أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق واسم هذا الرجل مذكور ~~في المغازي ، نعيم بن مسعود الثقفي فقال : يا رسول الله ، إن بني قريظة قد ~~غدرت وبايعت أبا سفيان وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلعلنا ~~نحن أمرناهم بهذا ، فرجع إلى أبي سفيان وقال : زعم محمد أنه أمر بني قريظة ~~بهذا ، فقال : أنت سمعته يقول هذا ؟ قال : نعم ، قال : فو الله ما كذب ، ~~وتمام هذه القصة ذكر في المغازي من وجهين : أحدهما : أن بني قريظة كانوا في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن جاء الأحزاب ومعهم حيي بن أخطب ~~رأس بني النضير فما زال بكعب بن الأشرف ، وبني قريظة حتى نقضوا العهد بينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعوا أبا سفيا ، على أن يغيروهم على ~~المدينة والأحزاب يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فاشتد ~~الأمر على المسلمين لذلك كما قال الله تعالى : ' إذا جاءوكم من فوقكم ومن ~~أسفل منكم ' الأحزاب : 10 ، فجاء نعيم بن مسعود ، يخبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهذه المبالغة ، وهو كان مشركا يومئذ ، فقال رسول الله صلى ms0078 الله ~~عليه وسلم : ' فلعلنا أمرناهم بذلك ' ، يريد أن هذا من مواطأة بيننا وبينهم ~~حتى نحيط بالأحزاب من كل جانب ، فلما خرج من عنده قال له عمر : يا رسول ~~الله ، أمر بني قريظة أهون من أن PageV01P121 يؤثر عنك شيء من أجل صنيعهم ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : ' الحرب خدعة يا عمر ' ، فكانت تلك الكلمة سبب ~~تفرقهم وتفرق كلمتهم وانهزامهم ، والوجه الآخر : أنهم بعد هذه المبايعة ~~قالوا لحيي بن أخطب : لا نأمن أن يطول الأمر وتذهب الأحزاب ونبقى مع محمد ~~فيحاصرنا ويخرجنا من ديارنا ، كما فعل بك وبأصحابك ، فقال حيي بن أخطب : ~~أنا أطلب منهم أن يبعثوا سبعين من أبناء كبرائهم إليكم ليكونوا رهنا في ~~حصنكم ، وكان نعيم بن مسعود عندهم ، حين جرت هذه المحاورة ، فحثهم على ذلك ~~، فقالوا : هو الرأي ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما ~~جرى فقال صلى الله عليه وسلم : ' فلعلنا أمرناهم بذلك ' ، فجاء إلى أبي ~~سفيان فوجد عنده رسول بني قريظة يسأله الرهن ، فقال له : هل علمت أن محمدا ~~لم يكذب قط ؟ قال : نعم ، فقال : إني سمعته الآن يقول كذا وهذا مواطأة بينه ~~وبين بني قريظة ، ليأخذوا سبعين منكم فيدفعوهم إليه ليقتلهم ، وقد ضمن لهم ~~على ذلك إصلاح جناحهم ، يعني رد بني النضير إلى دارهم ، فقالوا : هو كما ~~قلت واللات والعزى وكان ذلك يوم الجمعة ، فبعث إلى بني قريظة أن اخرجوا على ~~تلك المبايعة التي بيننا فقد طال الأمر فقالوا : غدا يوم السبت ، ونحن لا ~~نكسر السبت ، ومع ذلك لا نخرج حتى تعطونا الرهن فقال أبو سفيان : هو كما ~~أخبرنا به نعيم ، وقذف الله الرعب في قلوبهم ، فانهزموا في تلك الليلة ، ~~وكفى الله المؤمنين القتال . قال محمد ابن الحسن رحمه الله فهذا ونحوه من ~~مكائد الحرب فلا بأس به . ه وبين بني قريظة ، ليأخذوا سبعين منكم فيدفعوهم ~~إليه ليقتلهم ، وقد ضمن لهم على ذلك إصلاح جناحهم ، يعني رد بني النضير إلى ~~دارهم ، فقالوا : هو كما قلت واللات والعزى وكان ذلك يوم الجمعة ، فبعث ms0079 إلى ~~بني قريظة أن اخرجوا على تلك المبايعة التي بيننا فقد طال الأمر فقالوا : ~~غدا يوم السبت ، ونحن لا نكسر السبت ، ومع ذلك لا نخرج حتى تعطونا الرهن ~~فقال أبو سفيان : هو كما أخبرنا به نعيم ، وقذف الله الرعب في قلوبهم ، ~~فانهزموا في تلك الليلة ، وكفى الله المؤمنين القتال . قال محمد ابن الحسن ~~رحمه الله فهذا ونحوه من مكائد الحرب فلا بأس به . PageV01P122 # | باب الفرار من الزحف # قال محمد رحمه الله : لا أحب لرجل من المسلمين به قوة أن يفر من رجلين من ~~المشركين ، وهذا لقوله تعالى : ' ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ' الأنفال : ~~16 ، وفيها تقديم وتأخير ، معناه : ومن يولهم يومئذ دبره فقد باء بغضب من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، أي ~~سرية للقتال بالكرة على العدو من جانب آخر ، أو متحيزا إلى فئة : أي ينحاز ~~فيتوجه إليهم ، يقال : تحوز وتحيز إلى فلان : أي انضم إليه ، والفئة : ~~القوة والجماعة . واختلف أه التفسير ، فقال قتادة والضحاك : كان هذا يوم ~~بدر خاصة ، إذ لم يكن للمسلمين فئة ينحازون إليها غير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان معهم ، وأكثرهم على أنه لم ينسخ هذا الحكم ، والفرار من ~~الزحف من الكبائر على ما قال صلى الله عليه وسلم : ' خمس من الكبائر لا ~~كفارة فيهن ' ، وذكر في الجملة الفرار من الزحف ، وقال : PageV01P123 ' إن ~~من أعظم الموبقات الشرك بالله ، وأكل ما ل اليتيم ، والتولي يوم القتال ~~وقذف المحصنات ' ، ثم إن كان عدد المسلمين مثل نصف عدد المشركين لا يحل لهم ~~الفرار منهم وكان الحكم في الابتداء أنهم إذا كانوا مثل عشر المشركين لا ~~يحل لهم أن يفروا ، كما قال الله تعالى : ' إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين ' الأنفال : 62 ، ومن خبر الله أنه غالب فليس له أن يفر ، ثم ~~خفف الأمر فقال : ' الآن خفف الله عنكم ' إلى قوله : ' فإن يكن منكم مائة ms0080 ~~صابرة يغلبوا مائتين ' الأنفال : 66 ، وهذا إذا كان بهم قوة القتال بأن ~~كانت معهم الأسلحة ، فأما من لا سلاح له فلا بأس بأن يفر ممن معه السلاح ، ~~وكذلك لا بأس بأن يفر ممن يرمي إذا لم يكن معه آلة الرمي ، ألا ترى أن له ~~أن يفر من باب الحصن ، ومن الموضع الذي يرمى فيه بالمنجنيق لعجزه عن المقام ~~في ذلك عشر ألفا كلمتهم واحدة ، فحينئذ لا يجوز لهم أن يفروا من العدو وإن ~~كثروا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لن يغلب اثنا عشر ألفا عن قلة ~~' ، ومن كان غالبا فليس له أن يفر . وذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد وأنا فيهم ، فحاص المسلمون ~~حيصة يعين انهزموا من العدو ، فلما قدمنا المدينة قلنا : نحن الفرارون ، ~~فقال : PageV01P124 صلى الله عليه وسلم : ' بل أنتم العكارون في سبيل الله ~~، أنا لكم فئة ' لترجعوا إلى الجهاد في سبيل الله ' ، والمراد بالعكار ~~الراجع إلى القتال في سبيل الله ، يعني : كان هذا منكم تحيزا إلي ، أنا لكم ~~فئة لترجعوا معي إلى الجهاد في سبيل الله . قال محمد رحمه الله : قتل أبو ~~عبيد الثقفين وهو أبو المختار ، يوم قس الناطف اسم موضع وأبي أن يرجع حتى ~~قتل ، فقال عمر رضي الله عنه : يرحم الله أبا عبيد ، لو انحاز إلي كنت له ~~فئة ، ففي هذا بيان أنه لا بأس بالانهزام إذا أتى المسلمين من العدو ما لا ~~يطيقهم ، ولا بأس بالصبر أيضا بخلاف ما يقوله بعض الناس إنه إلقاء النفس في ~~التهلكة ، بل في هذا تحقيق بذل النفس لابتغاء مرضاة الله تعالى فقد فعله ~~غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم منهم عاصم بن ثابت حمي الدبر ، وأثنى ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فعرفنا أنه لا بأس به ، والله ~~الموفق . PageV01P125 # | باب من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا # قال : وإذ أسلم رجل من أهل الحرب فقتله رجل من المسلمين قبل أن ms0081 يخرج إلى ~~دار الإسلام خطأ فعليه الكفارة ولا دية عليه ، وفي الإملاء عن أبي حنيفة ~~رحمه الله أنه لا كفارة عليه أيضا ، لأن وجوبها باعتبار تقوم الدم لا ~~باعتبار حرمة القتل فقط ، ألا ترى أنها لا تجب بقتل نساء أهل الحرب وتقوم ~~الدم يكون بالإحراز بدار الإسلام ، والدليل على وجوب الكفارة قوله تعلى : ' ~~فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ' النساء : 92 ، جاء في ~~التفسير عن عطاء ومجاهد رحمهما الله : أنه الرجل يسلم فيقتل خطأ قبل أن ~~يأتي المسلمين ، وقبل نزول الآية في رجل يقال له مرداس كان أسلم فقتله ~~أسامة بن زيد رضي الله عنهما قبل أن يأتي المسلمين وهو لا يعلم بإسلامه ~~فأوجب الله الكفارة دون الدية . ثم الدية تجب حقا لله تعالى ، والإحراز ~~بالدين يثبت في حق الله تعالى وإنما الحاجة إلى الإحراز بالدار فيما يجب من ~~الضمان لحق العباد ، وقد قررنا هذا في السير الصغير ، والله الموفق وبه ~~العون . PageV01P126 # | باب دواء الجراحة # روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم داوى وجهه ~~يوم أحد بعظم بال ، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم شج في وجهه يوم أحد حتى ~~سال الدم على خده وقال : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بدمه وهو يدعوهم إلى ~~الله ؟ فنزل قوله تعالى : ' ليس لك من الأمر شيء ' آل عمران : 128 ، ثم ~~داوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ، فروي أنه أحرق قطعة من حصير ~~فداوى به وجهه ، وروي أنه داواه بعظم بال ، وعصب عليه ، وكان يمسح على ~~الجبائر أياما ، وفيه دليل جواز الاشتغال بالمداواة للجراحات . وقد كرهه ~~بعض الناس لآثار جاءت في النهي ، منها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : يدخل الجنة من أمتي PageV01P127 سبعون ألفا بغير حساب ، قيل : من هم ~~يا رسول الله ؟ قال : الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم ~~يتوكلون ، واعتمادنا في جواز المداواة على ما روي أن النبي صلى الله ms0082 عليه ~~وسلم قال : ' تداووا عباد الله ، فإن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء ، ~~إلا السام والهرم ، وما رووا قد انتسخ بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه بمشقص حين رمي يوم الخندق فقطع أكحله وروي ~~أنه كوى أسعد بن زرارة رضي الله عنه ، ثم وجه التوفيق بين بالخبرين : إنه ~~إذا كان يعتقد أن الدواء هو الذي يشفيه فلا يحل له أن يشتغل بالتداوي ، ~~وفيه دليل جواز المداواة بعظم بال ، وهذا لأن العظم لا يتنجس بالموت على ~~أصلنا ، لأنه لا حياة فيه إلا أن يكون عظم الإنسان ، أو عظم خنزير فإنه ~~يكره التداوي به ، لأن الخنزير نجس العين ، فعظمه نجس كلحمه لا يجوز ~~الانتفاع به بحال ما والآدمي محترم بعد موته على ما كان عليه في حياته ، ~~فكما يحرم التداوي بشيء من الآدمي الحي إكراما له فكذلك لا يجوز التداوي ~~بعظم الميت ، قال صلى الله عليه وسلم : ' كسر عظم الميت ككسر عظم الحي ' . ~~PageV01P128 وذكر عن الزهري قال : قضت السنة أن لا يسترق كافر مسلما ، قال ~~: وبه نأخذ إذا أسلم عبد الكافر لم يترك يسترقه ويجبر على بيعه ، حمل ~~الحديث على استدامة الملك والاستخدام قهرا بملك اليمين ، لأن الاسترقاق ~~مستدام ، والاستدامة فيما يستدام كالإنشاء ، وقيل : المراد ابتداء ~~الاسترقاق في الحر المسلم ، فإن ذلك لا يثبت للكافر عليه ، وإن أخذه ~~واستعبده وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم : ' الإسلام يعلو ولا يعلى ' ، ~~والمراد به الحكم دون الإخبار عن الحسن ، فإن ذلك يتحقق ولا يجوز الخلف ~~فيما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم المسلم مصون عن إذلال الكافر ~~إياه شرعا ، وفي تبديل صفة المالكية بالمملوكية إذلال ، وفي الاستخدام قهر ~~، واستدامة الملك فيه إذلال أيضا ، فيصان المسلم عن ذلك بأن يجبر الكافر ~~على بيعه ولا يعتق عليه ، لأن ماليته فيه مصونة عن الإتلاف بعقد الذمة ، ~~والسبب الذي اعترض بينهما غير مؤثر في إيجاب الصلة له عليه ، ولهذا لا يعتق ~~، بخلاف القريب فإنه يعتق ms0083 على قريبه ، إذا ملكه ، لأن للقرابة تأثيرا في ~~استحقاق الصلة . قال : وينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل عن الجنابة ، لأن ~~المشركين لا يغتسلون عن الجنابة ، ولا يدرون كيف الغسل في ذلك ، ~~PageV01P129 وفي هذا بيان أن صفة الجنابة تتحقق في الكافر بمنزلة الحدث إذا ~~وجد سببه ، ولكن اختلف مشايخنا في أن الغسل متى يلزمه ، فمن يقول : يخاطبون ~~بالشرائع ، يقول : الغسل واجب عليه في حال كفره ، ولهذا لو أتى به صح ، ومن ~~يقول : لا يخاطبون بالشرائع ، فيقول : إنما يلزمه الاغتسال بعد الإسلام ، ~~لأن صفة الجنابة مستدامة بعد الإسلام كإنشائه ، وصحة الاغتسال منه قبل ~~الإسلام لوجود سببه ، ولهذا لو انقطع دم الحائض قبل أن تسلم ثم أسلمت ، لا ~~يلزمها الاغتسال به ، لأنه لا استدامة للانقطاع ، فإذا لم يوجد السبب بعد ~~الإسلام حقيقة وحكما لا يلزمها الاغتسال ، ومعنى قوله : إنهم لا يدرون كيف ~~الغسل : أنهم لا يأتون بالمضمضة والاستنشاق في الاغتسال من الجنابة ، وهما ~~فرضان ، فلهذا يؤمر إذا أسلم بالاغتسال من الجنابة . واستدل عليه بحديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن ثمامة بن أثال الحنفي ، لما أسلم أمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يغتسل قال ابن عمر رضي الله عنهما : زعموا أنه صلى ~~ركعتين ، فقال صلى الله عليه وسلم : ' قد حسن إسلام صاحبكم ' ، وعن كليب ~~أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه ، فقال : ' احلق عنك شعر ~~الكفر ' ، فحلق رأسه ، قال محمد رحمه الله : ولا نرى هذا من الواجب على ~~الناس ، PageV01P130 ألا ترى أنه لم يأمر به أكثر أصحابه ؟ ولعله رأى كليبا ~~معجبا بشعره ، فأمره بأن يزيل ذلك عن نفسه ، لدفع الإعجاب عنه ، أو استحب ~~له زيادة التطهير بأن يزيل عن نفسه ما كان نابتا من شعر رأسه في حال الكفر ~~، بخلاف ما تقدم من الاغتسال ، فإن الأمر به كان على سبيل الإيجاب لتقرر ~~سببه . نرى هذا من الواجب على الناس ، ألا ترى أنه لم يأمر به أكثر أصحابه ~~؟ ولعله رأى كليبا معجبا بشعره ، فأمره بأن يزيل ذلك عن نفسه ms0084 ، لدفع ~~الإعجاب عنه ، أو استحب له زيادة التطهير بأن يزيل عن نفسه ما كان نابتا من ~~شعر رأسه في حال الكفر ، بخلاف ما تقدم من الاغتسال ، فإن الأمر به كان على ~~سبيل الإيجاب لتقرر سببه . PageV01P131 # # | باب اتخاذ الأنف من الذهب # وذكر عن عرفجة بن أسعد أنه أصيب أنفه يوم الكلاب في الجاهلية ، فاتخذ ~~أنفا من ورق ، فأنتن عليه ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ~~أنفا من ذهب ، وبهذا يأخذ محمد رحمه الله فيقول : لا بأس بذلك وكذلك إذا ~~سقط سنة فلا بأس أن يتخذ سنا من ذهب أو يضبب أسنانه من ذهب ، وهو مروي عن ~~إبراهيم ، وكان أبو حنيفة رحمه الله يقول : يكره ذلك ولا يرى بأسا بأن ~~يتخذه من الفضة ، لأن استعمال الفضة للانتفاع جائز للرجل دون استعمال الذهب ~~، بدليل اتخاذ الخاتم ، وتأويل الحديث عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم خص ~~عرفجة بهذه الرخصة ، ثم من اصل أبي حنيفة رضي الله عنه أن العام المتفق على ~~قبوله يترجح على الخاص ، فرجح الحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخذ الذهب بيمينه والحرير بشماله وقال : ' هذان حرامان على ذكور أمتي ، حل ~~لإناثهم ' والله أعلم . PageV01P132 # | باب أموال المعاهدين # قال : وإذا أودع المسلمون قوما من المشركين فليس يحل لهم أن يأخذوا شيئا ~~من أموالهم إلا بطيب أنفسهم ، للعهد الذي جرى بيننا وبينهم ، فإن ذلك العهد ~~في حرمة التعرض للأموال والنفوس بمنزلة الإسلام ، فكما لا يحل شيء من أموال ~~المسلمين إلا بطيب أنفسهم فكذلك لا يحل شيء من أموال المعاهدين ، وهذا لأن ~~في الأخذ بغير طيب أنفسهم معنى الغدر وترك الوفاء بالعهد ، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : في العهود وفاء لا غدر فيه . ثم استدل عليه ~~بحديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن ناسا من اليهود يوم خيبر جاءوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تمام العهود فقالوا : إن حظائر لنا وقع ~~فيها أصحابك فأخذوا منها بقلا أو ثوما ، فأمر رسول الله ms0085 صلى الله عليه وسلم ~~عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فنادى في الناس : إن رسول الله يقول : لا ~~أحل لكم شيئا من أموال المعاهدين إلى بحق . PageV01P133 # | باب دخول المشركين المسجد # وذكر عن الزهري أن أبا سفيان بن حرب كان يدخل المسجد في الهدنة وهو كافر ~~، غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام قال الله تعالى : ' إنما المشركون ~~نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ' التوبة : 28 ، والمراد بالهدنة الصلح الذي ~~كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة يوم الحديبية وقد جاء ~~أبو سفيان إلى المدينة لتجديد العهد بعد ما نقضوا هم العهود ، وخشوا أن ~~يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد ولذلك قصة ، فهذا دليل ~~لنا على مالك رضي الله عنه ، فإنه يقول : لا يمكن المشرك من أن يدخل شيئا ~~في المساجد ، والدليل على ذلك أن وفد ثقيف لما جاءوا إلى رسول اله صلى الله ~~عليه وسلم أمر بأن يضرب لهم قبة في المسجد ، فقيل : هم أنجاس فقال : ' ليس ~~على الأرض من نجاستهم شيء ' ، ثم أخذ الشافعي رضي الله عنه بحديث الزهري ~~فقال : يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة للآية . PageV01P134 فأما عندنا ~~فلا يمنعون عن ذلك ، كما لا يمنعون من دخول سائر المساجد ويستوي في ذلك ~~الحربي والذمي ، وتأويل الآية : الدخول على الوجه الذي كانوا اعتادوا في ~~الجاهلية على ما روي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة . والمراد القرب من حيث ~~التدبير والقيام بعمارة المسجد الحرام ، وبه نقول إن ذلك ليس إليهم ، ولا ~~يمكنون منه بحال . PageV01P135 # | باب دخول النساء الحمام وركوبهن السروج # وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه كتب أن لا يدخل الحمام إلا ~~امرأة نفساء أو مريضة ، وبهذا يأخذ من يكره للنساء دخول الحمامات ويستدل ~~بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' أيما امرأة وضعت جلبابها ~~في غير بيت زوجها فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ' ، ولما دخلت ~~نساء حمص على عائشة رضي الله عنهما قالت : أنتن من ms0086 اللاتي تدخلن الحمامات ؟ ~~فقلن : نعم فأمرت بإخراجهن وغسل موضع جلوسهن ، فأما عندنا : لا بأس للمرأة ~~أن تدخل الحمام إذا خرجت متعففة واتزرت حين دخلت الحمام ، لأن دخول الحمام ~~بمعنى الزين ، وهي للنساء أليق منها بالرجال ، أو للحاجة إلى الاغتسال ، ~~وأسباب وجوب الاغتسال في حق النساء أكثر ، والرجل يتمكن من الاغتسال ~~بالحياض والأنهار ، والمرأة لا تتمكن من ذلك ، وتأويل الحديث أنه إنما كره ~~للمرأة الخروج بغير إذن زوجها ، وقد أمرن بالقرار في البيوت ، قال الله ~~تعالى : ' وقرن في بيوتكن ' الأحزاب : 33 . قال : ولا تركب امرأة مسلمة على ~~سرج ، وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم : ' لعن الله الفروج على السروج ' ، ~~PageV01P136 ثم المراد إذا ركبت متلهية ، أو ركبت متزينة لتعرض نفسها على ~~الرجال ، فإما إذا ركبت لحاجتها إلى ذلك بأن كانت ممن يجاهد أو يخرج للحج ~~مع زوجها فركبت متسترة فلا بأس بذلك . قال : ولا يترك أه الكتاب يركبون على ~~السروج ، ولكن على الأكف ، ويؤمرون بأن يتنطقوا حتى يعرفوا ، أي يتخذوا ~~الزنانير فوق ثيابهم ، ويكركبون على السروج التي على هيئة الأكف ، وهو الذي ~~يكون في قربوسه شبه الرمانة ، وهذا لأنهم يمنعون من التشبه بالمسلمين فيما ~~يكون فيه معنى العز ، قال صلى الله عليه وسلم : ' أذلوهم ولا تظلموهم ' وأن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه صالحهم على أن يشدوا على أوساطهم الزنانير ، ~~وكتب إلى عماله : مروا أهل الذمة بأن يختموا رقابهم بالرصاص ، وأن يتنطقوا ~~ولا يتشبهوا بالمسلمين ، وتمام بيان هذا الفصل يأتي في موضعه من هذا الكتاب ~~، إن شاء الله تعالى والله الموفق . PageV01P137 # | باب من الجعائل # قال أبو حنيفة رضي الله عنه : تكره الجعائل ، ما دام للمسلمين قوة ، فإذا ~~لم يكن ، فلا بأس أن يقوي بعضهم بعضا لقوله تعالى : ' وجاهدوا في الله حق ~~جهاده ' الحج : 78 ، وحق الجهاد أن يجاهد بالمال أو النفس ، فإذا كان الذي ~~يخرج صاحب مال ينبغي له أن يجاهد بماله ونفسه ، ولا يأخذ من غيره جعلا في ~~عمله لله تعالى وإذا لم يكن مال فلا بأس بأن يأخذ من غيره ms0087 بطيب نفسه ، ما ~~يتقوى به على الجهاد ليكون هو مجاهدا بنفسه وصاحب المال مجاهدا بماله . كما ~~روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يغزي العزب عن ذي الحليلة ، وكان يعطي ~~للغازي فرس القاعد ، وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن الجعائل ~~فقال : من جعله في كراع أو سلاح فلا بأس به ، PageV01P138 وهذا لأن صاحب ~~المال إنما أعطي المال ليتقوى به على الجهاد حتى يكون هو مجاهدا بماله ~~فيكره له أن لا يستعين به على العدو ويتفضل لنفسه . كما روي أنه سئل عبد ~~الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه عن الرجل يجعل الجعل ثم يبدو له فيجعل ~~أقل مما اجتعل ، قال : إذا لم يكن أراد الفضل فلا بأس به ، يعني إذا لم يكن ~~قصده أن يحبس الفضل ليصرفه على حوائج نفسه فلا بأس به ، فيرد ما فضل على ~~المأخوذ منه إذا رجع بمنزلة من يحج عن غيره ، إذا رجع بفضل نفقته يلزمه أن ~~يرده ، وهذا لأنه لو لم يرد الفضل كان ذلك في معنى الأجرة له على عمله ، ~~والاستئجار على الجهاد باطل . وعلى هذا لو أراد الإمام أن يجهز جيشا فإن ~~كان في بيت المال سعة فينبغي له أن يجهزهم بمال بيت المال ولا يأخذ من ~~الناس شيئا ، وإن لم يكن في بيت المال سعة كن له أن يتحكم على الناس ، بما ~~يتقوى به الذين يخرجون إلى الجهاد ؛ لأنه نصب ناظرا لهم ، وتمام النظر في ~~ذلك ، على ما روي أن معاوية رضي الله عنه ضرب بعثا على أهل الكوفة ، فرفع ~~عن جرير بن عبد الله وعن ولده فقالا : لا نقبل ذلك ، ولكن نجعل من أموالنا ~~للغازي . PageV01P139 وذكر عن جبير بن نفير أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : ' إن مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل يتقوون به على ~~عدوهم كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها ، يعني أن الغزاة يعملون ~~لأنفسهم ، قال الله تعالى ' إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ' الإسراء : 7 ، ثم ~~يأخذون الجعل من ms0088 إخوانهم من المؤمنين ليتقووا به على عدوهم ، وذلك لهم حلال ~~، كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها وتأخذ الأجرة من فرعون ~~تتقوى به على الإرضاع ، وكان ذلك حلالا لها . قال : وإذا أعطى الرجل رجلا ~~جعلا على أن يسلم فأسلم فهو مسلم ، لأنه وجد منه حقيقة الإسلام وهو التصديق ~~والإقرار ، وباشتراط الجعل لا يتمكن خلل في ذلك ، فيحكم بإسلامه ، سلم له ~~الجعل أو لم يسلم ، لأن أكثر ما فيه أنه لا يتم رضاه بدول سلامة الجعل له ، ~~وذلك لا يمنع صحة الإسلام ، كمن أسلم مكرها وللذي شرط الجعل أن يمنعه ذلك ~~إن شاء ، وإن أعطاه فهو أفضل ، لأنه وعد له ذلك ، والوفاء بالعهد من أخلاق ~~المؤمنين ، وخلف الوعد من أخلاق المنافقين ، إلا أن الذي أسلم عامل لنفسه ، ~~فلا يستوجب الجعل به على غيره ، لأنه إنما استوجب الجعل عليه عوض عمله له ، ~~والمال لا يكون عوضا عن الإسلام ، وهو ليس بعامل له ليستوجب عليه العوض ، ~~فما وعد له إما أن يكون رشوة أو صلة لتزداد به رغبته في الإسلام ، وواحد ~~منهما لا يتعلق به الاستحقاق قبل التسليم ؛ فإذا أبى أن يعطيه الجعل فرجع ~~عن الإسلام فهو مربد ، إن لم يرجع إلى الإسلام ضربت عنقه ، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' من بدل دينه فاقتلوه ، وهذا بخلاف المكره على الإسلام إذا ~~ارتد عن الإسلام فإنه لا يقتل PageV01P140 استحسانا ، لأن قيام السيف على ~~رأسه دليل على أنه غير معتقد بما أقربه فيصير ذلك شبهة يندرئ بها القتل ، ~~فإما اشتراط الجعل فلا يكون دليلا على أنه غير معتقد فيتم إسلامه ، بلا ~~شبهة ، فإذا ارتد بعد ذلك قتل . وذكر عن غالب بن خطاف قال : كنا قعودا بباب ~~الحسن فأتانا شيخ فسلم علينا وقعد ، ثم قال : حدثني أبي عن جدي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من رجل يسلم على قوم إلا فضلهم بعشر ~~حسنات وإن ردوا ، وفيه دليل على أن البداية بالسلام أفضل ، وأن ثواب ~~المبتدئ به أكثر ، لأن الجواب يبتنى ms0089 على السلام ، والبادئ بالسلام هو ~~المسبب للجواب ، وهو البادئ بالإحسان والراد يجازى إحسانه بالإحسان . ثم ~~قال : حدثني أبي عن جدي : أنه جعل للقوم مائة من الإبل على أن يسلموا ~~فأسلموا ، فبعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخبره بذلك وأسال ~~له العرافة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أبي يقرأ عليك ~~السلام ، فقال : عليه وعليك ، فهذا دليل على أن من بغل غيره سلاما من غائب ~~ينبغي له أن يرد عليهما السلام ، لأن الغائب محسن إليه بالسلام والرسول ، ~~بالإيصال ، فينبغي له أن يجازيهما . PageV01P141 قال : فقلت : وإنه جعل ~~للقوم مائة من الإبل على أن يسلموا ، فقد أسلموا وحسن أسلامهم ، أفله أن ~~يرجع فيما أعطاهم ؟ قال : إن شاء فإن ثبتوا على إسلامهم فذلك وإلا بعثنا ~~إليهم الخيل ، وفي هذا دليل على أن المال الذي شرطه لهم صلة مبتدأة ، وأن ~~للواهب أن يرجع في الهبة ما لم يعوض منها ، وأنه لا بأس بأن يرغب غيره في ~~الإسلام ، بهذا الطريق ، ألا ترى أن سهم المؤلفة قلوبهم من الصدقات منصوص ~~عليه ؟ وقد كانوا يعطون ذلك للتأليف بالثبات على الإسلام عند بعض المفسرين ~~والترغيب في الإسلام بعدما وعدوا أن يؤمنوا عند بعضهم ، وفيه دليل على أنهم ~~إذا ارتدوا بعدما أسلموا على شرط الجعل فإنهم يقتلون ، لأن المراد بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' بعثنا إليهم الخيل ' ، أي للقتال . قال : وأمرني أن ~~أسألك له العرافة ، قال : إن شاء ولكن العرفاء في النار ، أي : لا أمنعه ما ~~سأل ، ولكن أخبره أنه لا خير له فيما سأل ، والعرافة : هي الرئاسة ، ~~والعريف : هو الوازع قال صلى الله عليه وسلم : ' لا بد للناس من وازع ، ~~والوازع في النار ' ، يعني أنه يظلمهم ويتكبر عليهم ، إذا ترأس غالبا ، ~~ومأوى الظالمين والمتكبرين النار ، ففيه بيان أن التحرز عن طلب الرياسة ~~أفضل ، لأنه أسلم . قال : وإن أعطى رجل مسلم مسلما مالا ، على قتل حربي ، ~~PageV01P142 فقتله فلا بأس بذلك ، وأحب للذي أعطاه أن يفي له بذلك ولا ~~يجبرعليه ؛ لأن قتل الحربي جهاد ، فمن ms0090 يباشره يكون عاملا لنفسه أو عاملا ~~لله تعالى في إعزاز الدين أو الجماعة المسلمين ، في دفع فتنة المحارب عنهم ~~، فلا يستوجب الأجر على الذي وعد له المال ، لما لم يكن عمله له على الخلوص ~~، ولكن إن وفى بما وعد له على الخلوص فهو أفضل . وإن أبى لم يجبر عليه في ~~الحكم ، ثم روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين بن وهب بعدما ~~أسلم : ألا ترى إلى ما هم به ابن عمك من قتلي ؟ فقال : أنا أكفيك يا رسول ~~الله ، فاستأجر رجلا من العرب وجل له عشر دنانير على أن يقتله ، وفي رواية ~~: جعل له خمسة أوساق من تمر على أن يقتله ، وهذا المقتول عمرو بن جحاش وفيه ~~دليل أنه لا بأس بذلك ، فإن ما أعطاه كان بعلم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا محالة . PageV01P143 قال : وإن كان الإمام أعطاه ذلك من مال بيت ~~مال المسلمين فينبغي له أن يفي به له ، لأن مال بيت المال معد لحوائج ~~المسلمين ، وهذا القاتل من وجه عامل للمسلمين ، فينبغي للإمام أن يفي له ~~بما وعد أن يعطيه من مال بيت مال المسلمين . وفيه دليل أنه لا بأس بذلك ، ~~فإن ما أعطاه كان بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا محالة . قال : وإن ~~كان الإمام أعطاه ذلك من مال بيت مال المسلمين فينبغي له أن يفي به له ، ~~لأن مال بيت المال معد لحوائج المسلمين ، وهذا القاتل من وجه عامل للمسلمين ~~، فينبغي للإمام أن يفي له بما وعد أن يعطيه من مال بيت مال المسلمين . ~~PageV01P144 # | باب آنية المشركين وذبائحهم وطعامهم # قال : لا بأس بأن يؤكل ويشرب في آنية المشركين ولكن لتغسل بالماء قبل أن ~~يؤكل فيها ؛ لأن الأواني لا يلحقها نجاسة الكفر ، وإنما يلحقها النجاسة ~~العينية ، وذلك يزول بالغسل ، فيستوي في هذا الحكم أواني المسلمين ~~والمشركين ، إلا أن المشركين لا ينعمون غسل الأواني ، فينبغي للمسلم أن ~~يعيد الغسل ، ولا يؤتمن المشرك على ذلك . # وإن لم يفعل وأخذ بالظاهر فلا بأس ms0091 به ، لأن الأصل في الأواني الطهارة ~~ولكن الغسل أقرب إلى الاحتياط لما روي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه ~~أنه قال : يا رسول الله ، غنا نأتي أرض المشركين ، أفنأكل في آنيتهم ؟ قال ~~: فإن لم تجدوا منها بدا فاغسلوها ثم كلوا فيها ' ، وباقي الحديث قد بيناه ~~في كتاب الصيد ، وسئل الحسن رحمه الله عن آنية المجوس ، وصحافهم وبرمهم هل ~~يطبخ فيها ويؤتدم فيها ؟ فقال للسائل : انقها غسلا ثم اطبخ فيها وائتدم ، ~~وعن ابن سيرين رحمه الله : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يظهرون على المشركين فيأكلون في آنيتهم ويشربون . PageV01P145 وعن حذيفة ~~رضي الله عنه أنه أتي بباطية قد شرب فيها خمر ، فأمر بها فغسلت ، ثم شرب ~~فيهان فهذه الآثار تدل على صحة ما ذكرنا . قال : ولا بأس بطعام النصارى ~~واليهود من الذبائح وغيرها لقوله تعالى : ' وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم ~~' ، ولا بأس بطعام المجوس كله إلا الذبيحة لقوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ، وهذا لأن ~~المجوس يدعون الهين فلا يصح منهم تسمية الله على الخلوص ، وهو شرط حل ~~الذبيحة وأهل الكتاب يظهرون التوحيد وإن كانوا يضمرون في ذلك شركا . وروي ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لا بأس بطعام المجوس إلا الذبيحة ، ~~وعن سويد غلام سلمان قال : أتيت سلمان رضي الله عنه يوم هزم الله أهل فارس ~~بسلة وجد فيها خبز وجبن وسكين ، فجعل يطرح PageV01P146 لأصحابه من الخبز ~~ويقطع لهم من الجبن فيأكلون وهم مجوس ، فعرفنا أنه لا بأس بطعامهم ما خلا ~~الذبيحة ، وفيه دليل أنه لا بأس للغانمين أن يتناولوا من طعام الغنيم قبل ~~القسمة . وعن سعيد بن جبير رضي الله عنهما أنه سئل عن شواريز المجوس ~~وكوامخهم فقال : لا بأس به ، وهذا لأنه لا يستعمل فيه شيء من الذبيحة وهم ~~في إصلاح الأطعمة فيما سوى الذبيحة كالمسلمين . وسئل الشعبي عن الأكل مع ~~مجوسي وهو يزمزم فقال : كل من طعام المجوس ولم ms0092 يتعرض لما سأله السائل ، ~~وهذا للأثر المروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى عماله : يأمرهم أن ~~يمنعوا المجوس من الزمزمة إذا أكلوا ولكنه أثر شاذ ، لأجل عقد الذمة نتركهم ~~فيما هو أعظم من ذلك من شرب الخمور وتناول الخنازير ، فلهذا لم يتعرض ~~الشعبي لهذا الجانب ، وأفتى له تناول طعام المجوس يعني ما خلا الذبيحة . ~~PageV01P147 وعن إبراهيم رحمه الله قال : لما فتح أصحابنا السواد أكلوا من ~~خبزهم ، وقد ذكر الواقدي في المغازي : أنهم ظفروا بمطبخ كسرى وقد أدركت ~~القدور ، وظنوا أن ذلك صبغ ، فجعلوا يلطخون لحيتهم بذلك ، فقيل : إنه مأكول ~~، فأكلوا من ذلك حتى أتخموا ، ولكن الظاهر أن قدوره كانت لا تخلو عن اللحم ~~، فإنما يحمل على أنه إنما تناول من ذلك بعض الأعراب الذين لا معرفة لهم ~~بالأحكام ولا يستدل بفعل أمثالهم على الجواز . ثم ذكر عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه أنه سئل عن ذبائح النصارى من أهل الحرب ، فلم ير بها بأسا ~~وكره تزويج نسائهم وإنما كره ذلك مخافة أن يبقى له نسل في دار الحرب فأما ~~أن يكون حراما عنده فلا ، واستدل على هذا بحديث علي رضي الله عنه أن رسول ~~الله ، كتب إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام ، فمن أسلم قبل منه ، ومن لم ~~يسلم ضربت عليه الجزية ، وأن لا يؤكل لهم ذبيحة ولا ينكح لهم امرأة ، ~~PageV01P148 فكأنه استدل بتخصيص رسول لله صلى الله عليه وسلم المجوس بذلك ~~على أنه لا بأس بنكاح نساء أهل الكتاب ، فإنه بنى هذا الكتاب على أن ~~المفهوم حجة ، ويأتي بيان ذلك في موضعه . ثم بين أنه كما لا يحل له أن يطأ ~~المجوسية بالنكاح ، ولا يحل له أن يطأها بملك اليمين ، لأن حل الوطء يبتنى ~~على ملك المتعة ، وذلك لا يثبت للمسلم على المجوسية بسبب ملك اليمين ، كما ~~لا يثبت بسبب بالنكاح فأما الصابئون على قول أبي حنيفة رضي الله عنه فيحل ~~أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم ولا يكره ذلك ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما ~~الله لا ms0093 يحل ذلك ، وهم بمنزلة المجوس ، وهذا الاختلاف في أن الصابئين منهم ~~، فوقع عند أبي حنيفة أنهم صنف من النصارى يقرءون الزبور ، وهذا هو الذي ~~يظهرونه من اعتقادهم ، ووقع عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أنهم يعبدون ~~الكواكب ويعتقدون في أن الكواكب آلهة ، وهذا هو الذي يضمرونه من اعتقادهم ، ~~ولكنهم لا يستجيزون إظهار ما يعتقدون قط ، بمنزلة الباطنية ، فبنى أبو ~~حنيفة الجواب على ما يظهرون ، وهما بنيا على ما يضمرون ، وعلى ذلك هم ~~بمنزلة المجوس أو شر منهم ، والله الموفق . PageV01P149 # | باب الإسلام # ذكر عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها ، فقد ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله قال : فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقاتل عبدة الأوثان وهم قوم لا يوحدون الله ، فمن ~~قال منهم : لا إله إلا الله كان ذلك دليلا على إسلامه ، والحاصل أنه يحكم ~~بإسلامه إذا أقر بخلاف ما كان معلوما من اعتقاده ، لأنه لا طريق إلى الوقوف ~~على حقيقة الإعتقاد لنا ، فنستدل بما نسمع من إقراره على اعتقاده ، فإذا ~~أقر بخلاف ما هو معلوم من اعتقاده استدللنا به على أنه بدل اعتقاده ، وعبدة ~~الأوثان كانوا يقرون بالله تعالى ، قال الله تعلى : ' ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله ' الزخرف : 78 . ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية قال الله تعلى ~~' إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ' الصافات : 35 ، وقال فيما أخبر ~~عنهم ' أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ' ، PageV01P150 فمن قال ~~منهم : لا إله إلا الله ، فقد أقر بما هو مخالف لاعتقاده ، فلهذا جعل ذلك ~~دليل إيمانه فقال : ' أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ' ~~وعلى هذا المانوية وكل من يدعي إلا هين ، إذا قال واحد منهم : لا إله إلا ~~الله ، فذلك دليل إسلامه ، فإما اليهود والنصارى فهم يقولون : لا إله إلا ~~الله ، فلا تكون هذه الكلمة دليل إسلامهم ، وهم في عهد ms0094 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا لا يقرون برسالته ، فكان دليل الإسلام في حقهم الإقرار بأن ~~محمدا رسول الله ، على ما روي عنه أنه دخل على جاره اليهودي يعوده فقال : ~~اشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، فنظر الرجل إلى أبيه فقال له : ~~أجب أبا القاسم ، فشهد بذلك ومات ، فقال صلى الله عليه وسلم : ' الحمد لله ~~الذي أعتق بي نسمة من النار ' ، ثم قال لأصحابه : ' لو أخاكم ' ، قال : ~~فأما اليوم ببلاد العراق فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ، ولكنهم يزعمون أنه رسو ل إلى العرب ، لا إلى بني إسرائيل ، ويتمسكون ~~بظاهر قوله تعلى : ' هو الذي PageV01P151 بعث في الأميين رسولا منهم ' ~~الجمعة : 3 ، فمن يقر منهم بأن محمدا رسول الله لا يكون مسلما حتى يتبرأ من ~~دينه مع ذلك ، أو يقر بأنه دخل في الإسلام ، حتى إذا قال اليهودي أو ~~النصراني : أنال مسلم ، أو أسلمت لا يحكم بإسلامه ، لأنهم لا يدعون ذلك ، ~~فإن المسلم هو المستسلم للحق المنقاد له ، وهم يزعمون أن الحق ما هم عليه ، ~~فلا يكون مطلق هذا اللفظ في حقهم دليل الإسلام ، حتى يتبرأ من دينه مع ذلك ~~. كذلك لو قال : برئت من اليهودية ، ولم يقل مع ذلك : دخلت في الإسلام ، ~~فإنه لا يحكم بإسلامه ، لأنه يحتمل أن يكون تبرأ من اليهودية ودخل في ~~النصرانية ، فإن قال مع ذلك ، ودخلت في الإسلام فحينئذ يزول هذا الاحتمال ، ~~وقال بعض مشايخنا : إذا قال : دخلت في الإسلام ، يحكم بإسلامه وإن لم يتبرأ ~~مما كان عليه ، لأن في لفظه ما يدل على دخول حادث منه في الإسلام ، وذلك ~~غير ما كان عليه ، فتضمن هذا اللفظ التبري مما كان عليه ، ولو قال المجوسي ~~: أسلمت أو أنا مسلم ، يحكم بإسلامه ، لأنهم لا يدعون هذا الوصف لأنفسهم ، ~~ويعدونه شتيمة بينهم يشتم الواحد منهم به ولده ، فيكون ذلك دليل الإسلام في ~~حقه . وذكر عن الحسن أن رجلا سأله فقال : يا أبا سعيد ، قدمت سفينة من ~~الهند فاشتريت منها ms0095 علجة مسبية ، فجئت بها إلى PageV01P152 منزلي فماتت ، ~~أفأنبذها أم أغسلها وأصلي عليها ؟ فقال : سبحان الله لا ، بل اغسلها ، ثم ~~كفنها ، ثم صلي عليها ، فإنها دخلت في الإسلام ، وتأويله في الصغيرة فإنها ~~إذا سببت وليس معها واحد من أبويها ، فإنه يحكم بإسلامها تبعا لدار الإسلام ~~إذا دخلت فيها ، فأما الكبيرة ، التي قد عقلت الكفر فلا يحكم بإسلامها ، ~~فلا يصلى عليها إذا ماتت قبل أن تضف الإسلام ، لأن الصلاة على الميت ، من ~~حق المسلم على المسلم لأجل إيمانه ، ولكن يصنع بها ما سوى الصلاة من الغسل ~~والتكفين والدفن ، فإن ذلك سنة الموتى من بني آدم . ألا ترى إلى ما روي أن ~~عليا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات أبو طالب ، فقال : إن ~~عمك الضال قد توفي ، فقال : اذهب فاغسله وكفنه وواره . وذكر عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن رجلا قال له : ماتت أمي وهي نصرانية ، أأتبع جنازتها ؟ ~~قال : اتبع جنازتها ، وادفنها ولا تصل عليها ، وبه نقول : إذا لم يكن لها ~~ولد كافر يقوم بدفنا فإنه ينبغي للولد المسلم أن يقوم بذلك ولا يتركها جزرا ~~للسباع ، فقد أمر بالإحسان إلى والديه ، وإن كانا مشركين ، وبالمصاحبة ~~معهما بالمعروف لقوله PageV01P153 تعالى : ' وصاحبهما في الدنيا معروفا ' ~~لقمان : 15 ، وليس من الإحسان والمعروف أن يتركهما بعد الموت جزرا للسباع ، ~~فأما إذا كان عناك من يقوم بذلك من أقاربهما المشركين فالأولى للمسلم أن ~~يدع ذلك لهم ، ولكن يتبع الجنازة إن شاء على ما روي أن الحارث بن أبي ربيعة ~~ماتت أمه نصرانية ، فتبع جنازتها في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا أنه إذا كان مع الجنازة قوم من أهل دينها فينبغي للمسلم ، أن يمشي ~~ناحية منهم ولا يخالطهم فيكون مكثرا سواد المشركين ، أو يمشي أمام الجنازة ~~ليكون معتزلا عنهم ، وذكر عن إبراهيم رحمه الله في السبي إذا أقر بالإسلام ~~وأسلم ثم مات قبل أن يصلي قال : يصلي عليه وبه نقول فإنه قبل أن يصلي تم ~~إسلامه ، لأن الصلاة ، من شرائع ms0096 الإسلام لا من نفس الإسلام ، وعن سلمة قال ~~: سألت الشعبي عن السبي متى يصلى عليه ؟ قال : إذا صلى فصلوا عليه ، وتأويل ~~هذا فيما إذا لم يسمع منه الإقرار بالإسلام ، ولكنه صلى مع المسلمين ~~بالجماعة ، فإن ذلك يوجب الحكم بإسلامه عندنا ، لأن المشركين PageV01P154 ~~لا يصلون بالجماعة على هيئة جماعة المسلمين ، وإظهار ما يختص به المسلمون ~~فعلا يكون بمنزلة إظهار ما يختص به المسلمون قولا ، فيصير به مسلما حتى إذا ~~رجع عن الإسلام ضربت عنقه ، إن كان رجلا ، وأما إذا صلى وحده لم يحكم ~~بإسلامه إلا في رواية رواها داود بن رشيد عن محمد أنه إذا صلى إلى قبلة ~~المسلمين يحكم بإسلامه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ' من استقبل قبلتنا ~~وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ، فأما إذا صام أو أدى الزكاة أوحج ~~لم يحكم بإسلامه في ظاهر الرواية ، وفي رواية داود بن رشيد عن محمد قال : ~~إذا حج البيت على الوجه الذي يفعله المسلمون يحكم بإسلامه ، لأنه ظهر منه ~~فعل ما يختص به المسلمون فيجعل ذلك دليلا على إسلامه والله أعلم . فإنه ~~ينبغي للولد المسلم أن يقوم بذلك ولا يتركها جزرا للسباع ، فقد أمر ~~بالإحسان إلى والديه ، وإن كانا مشركين ، وبالمصاحبة معهما بالمعروف لقوله ~~تعالى : ' وصاحبهما في الدنيا معروفا ' لقمان : 15 ، وليس من الإحسان ~~والمعروف أن يتركهما بعد الموت جزرا للسباع ، فأما إذا كان عناك من يقوم ~~بذلك من أقاربهما المشركين فالأولى للمسلم أن يدع ذلك لهم ، ولكن يتبع ~~الجنازة إن شاء على ما روي أن الحارث بن أبي ربيعة ماتت أمه نصرانية ، فتبع ~~جنازتها في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه إذا كان مع ~~الجنازة قوم من أهل دينها فينبغي للمسلم ، أن يمشي ناحية منهم ولا يخالطهم ~~فيكون مكثرا سواد المشركين ، أو يمشي أمام الجنازة ليكون معتزلا عنهم ، ~~وذكر عن إبراهيم رحمه الله في السبي إذا أقر بالإسلام وأسلم ثم مات قبل أن ~~يصلي قال : يصلي عليه وبه نقول فإنه قبل أن يصلي تم ms0097 إسلامه ، لأن الصلاة ، ~~من شرائع الإسلام لا من نفس الإسلام ، وعن سلمة قال : سألت الشعبي عن السبي ~~متى يصلى عليه ؟ قال : إذا صلى فصلوا عليه ، وتأويل هذا فيما إذا لم يسمع ~~منه الإقرار بالإسلام ، ولكنه صلى مع المسلمين بالجماعة ، فإن ذلك يوجب ~~الحكم بإسلامه عندنا ، لأن المشركين لا يصلون بالجماعة على هيئة جماعة ~~المسلمين ، وإظهار ما يختص به المسلمون فعلا يكون بمنزلة إظهار ما يختص به ~~المسلمون قولا ، فيصير به مسلما حتى إذا رجع عن الإسلام ضربت عنقه ، إن كان ~~رجلا ، وأما إذا صلى وحده لم يحكم بإسلامه إلا في رواية رواها داود بن رشيد ~~عن محمد أنه إذا صلى إلى قبلة المسلمين يحكم بإسلامه ، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ، فأما ~~إذا صام أو أدى الزكاة أوحج لم يحكم بإسلامه في ظاهر الرواية ، وفي رواية ~~داود بن رشيد عن محمد قال : إذا حج البيت على الوجه الذي يفعله المسلمون ~~يحكم بإسلامه ، لأنه ظهر منه فعل ما يختص به المسلمون فيجعل ذلك دليلا على ~~إسلامه والله أعلم . PageV01P155 # | باب الجهاد مع الأمراء # ذكر عن مكحول رحمه الله أنه قال في مرضه الذي مات فيه : حديث كنت ~~أكتمكموه ، لو لا ما حضرني من أمر الله ما حدثتكم به ، أي لولا ما أخاف من ~~وعيد كتمان العلم ، على ما قال صلى الله عليه وسلم : ' من كتم علما عنده ~~ألجم يوم القيامة بلجام من نار ' ، وقال تعالى : ' لتبيننه للناس ولا ~~يتكتمونه ' آل عمران : 187 . ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~' لا تكفروا أهل ملتكم وإن عملوا الكبائر ، الصلاة مع كل إمام ، الصلاة على ~~كل ميت ، الجهاد مع كل أمير ' ، وهو دليل لأهل السنة على أن مرتكب الكبائر ~~لا يكفر بارتكابه الكبائر ولا يخرج من الإيمان ، قال الله تعالى : ' وتوبوا ~~إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ' النور : 31 . ولا شك أن مرتكب ~~الكبائر داخل في جملة من دعاهم الله إلى التوبة ms0098 في هذه الآية ، وقد سماهم ~~مؤمنين ، وهو دليلنا على مالك في جواز الاقتداء بالفاسق ، فإن قوله : ' مع ~~كل إمام ' أي فاسقا كان أو عدلا كما قال في حديث آخر : ' صلوا خلف كل بر ~~وفاجر ' ، PageV01P156 وكذلك الصلاة على كل ميت ، أي فاسقا كان أو عدلا بعد ~~أن يكون مؤمنا غير باغ ، وكذلك قوله : ' الجهاد مع كل أمير ' . أي عادلا ~~كان أو جائرا ، فلا ينبغي للغازي أن يمتنع من الجهاد معه ، ويجور الأمير لا ~~ينقطع طمع الغزاة في النصرة جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا عليه ~~ومرفوعا ، ' إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفار ' . قال مكحول : وخصلتان ~~من رأيي لم أسمع فيهما من رسول الله شيئا : علي بن أبي طالب ، وعثمان بن ~~عفان لا تذكروهما إلا بخير ، ' تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ~~لا تسألون عما كانوا يعملون ' البقرة : 134 ، والحديث في الكف عن الصحابة ~~إلا بخير مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : ' ~~الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا ، فمن أحبهم فقد أحبني ، ومن آذاهم ~~فقد آذاني ، وخص مكحول الختنين بالذكر ، لأنه كان يسمع من بعض أهل الشام ~~فيهما ما يكرهه ، فلهذا خصهما بالذكر في وصيته ، ثم سمى عليا أولا ، وهكذا ~~فيما رواه نوح بن أبي مريم عن أبي حنيفة رضي الله عنه ، فإنه قال : سألته ~~عن مذهب أهل السنة فقال : أن تفضل PageV01P157 أبا بكر وعمر ، وتحب عليا ~~وعثمان ، وترى المسح على الخفين ، ولا تكفر أحدا من أهل القبلة ، وتؤمن ~~بالقدر ، ولا تنطق في الله بشيء ، ومن الناس من يقول : قبل الخلافة كان علي ~~مقدما على عثمان ، وبعد الخلافة عثمان أفضل من علي ، فأما المذهب عندنا : ~~أن عثمان أفضل من علي رضوان الله عليهما ، قبل الخلافة وبعدها ، كما روى ~~جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' أبو بكر خليفتي بعدي في ~~أمتي ، وعمر حبيبي ، وعثمان مني ، وعلي أخي وصاحب لوائي ، فنفضلهم على ~~الترتيب الذي ذكره رسول ms0099 الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يرد أبو حنيفة رضي ~~الله عنه بما ذكر تقديم علي على عثمان ، ولكن مراده أن محبتهما من مذهب أهل ~~السنة ، فالواو عنده لا يوجب الترتيب ، وإنما ذكر مكحول عليا رضي الله عنه ~~أولا لأنه كان إمام أهل الشام ، وأهل الشام في ذلك الوقت كان يقع بعضهم في ~~علي رضي الله عنه فلهذا قدمه في الذكر حتى يزجرهم عن ذلك . وعن مجاهد قال : ~~قلت لابن عمر رضي الله عنهما : ما تقول في الغزو ، فقد صنع الأمراء ما قد ~~رأيت ؟ قال : أرى أن تغزو فإنه ليس عليك مما أحدثوا شيء ، يعني : ما أحدثوا ~~مما تكرهه ، وقد روي أنه لما ولي يزيد بن معاوية قال ابن عمر : إن يكن خيرا ~~شكرنا ، وإن يكن بلاء صبرنا ، ثم قرأ قوله تعالى ' فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم ' 54 ، PageV01P158 وعن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ~~قالوا : إذا عدل السلطان فعلى الرعية الشكر ، وللسلطان الأجر وإذا جار فعلى ~~الرعية الصبر ، وعلى السلطان الوزر ، فهذا كله لبيان أنه لا ينبغي أن يترك ~~الجهاد بما يصنعه الأمراء من الجور والغلول . قال فإذا أردت ذلك فاجعل ~~طريقك علي فمررت بالمدينة ، فقال : إني أحب أن أعينك في وجهك هذا بطائفة من ~~مالي ، قلت : إذا لا أقبل ، إني رجل قد وسع الله علي ، قال : إن غناك لك ، ~~إني أحب أن تكون طائفة أن لا أقضيكم ؟ ، ثم كتب إلى قيم له بالشام أن يدفع ~~إلي دنانير قد سماها أستعين بها على وجهي ، وفيه دليل على أنه لا ينبغي ~~للغازي ، وإن كان غنيا أن يمتنع من قبول المال ، إذا علم أن المعطي يعطيه ~~من حلال على وجه الرغبة في الجهاد بالمال ، لأن الامتناع عن قبول ذلك في ~~صورة المنع مما هو طاعة ، وذلك لا يحل ، قال : فانطلقت فلم أزل مرابطا في ~~جزيرة من البحر سنين ، ثم بدا لبعض أمراء المؤمنين أن يخرب تلك الجزيرة ~~ويخرج أهلها منها ، فوالله ، لكأنما جيء بي سبيا حيث رجعت إلى أهلي ms0100 ، ~~PageV01P159 وإنما شق عليه ذلك ، لأنه انقطع عن ثواب المرابطين حين رجع إلى ~~أهله ، وهكذا ينبغي أن يكون تأسف المؤمن على ما ينقطع عنه من الثواب . ثم ~~استدل على أنه لا يترك الجهاد بجور الأمراء بقوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~الجهاد ماض منذ بعثني الله ، إلى أن يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال ، لا ~~يصده جور جائر ولا عدل عادل ' ، ولحديث سليمان بن قيس حيث قال : لجابر ، ~~أرأيت إن كان علي إمام جائر أأقاتل معه أهل الضلالة والشرك ؟ ، قال : نعم ، ~~' عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ، وإن تطيعوه تهتدوا ' النور : 54 ، ولحديث ~~أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أصل الإسلام ثلاثة ~~: الكف عمن قال : لا إله إلا الله أن تكفروه بذنب ، ولا تخرجوه من الإسلام ~~بعمل ، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال ، ~~والإيمان بالأقدار كلها ' ، يعني : ما ذكره في الحديث المشهور حين سأله ~~جبريل عليه السلام : ما الإيمان ؟ إلى أن قال : والقدر خيره وشره من الله ، ~~وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما PageV01P160 ومع كل ~~واحد منهما فئام من الناس ، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد ~~عليهما السلام ، ثم قيل : يا رسول الله ، إنهما تكلما في القدر ، فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه : الحسنات من الله والسيئات منا ، وقال عمر : الحسنات ~~والسيئات كلها من الله تعالى ، فاتبع من الناس أبا بكر ، وطائفة عمر ، فقال ~~والسيئات كلها من الله تعالى ، فاتبع طائفة من الناس أبا بكر ، وطائفة عمر ~~، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' سأقضي بينكما بما قضى به إسرافيل ~~بين جبرائيل وميكائيل ، فإن جبرائيل قال : مثل ما قلت يا عمر ، وميكائيل ~~قال مثل ما قلت يا أبا بكر ، ثم قالا : إنا إذا اختلفنا ، اختلف أهل السماء ~~، وإذا اختلف أهل أسماء اختلف أهل الأرض فلنتحاكم إلى إسرافيل ms0101 ، فقضى ~~بينهما بأن القدر خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما يا أبا بكر ، ~~لو شاء الله أن لا يعصى ما خلق إبليس ، فهذا هو الأصل لأهل السنة في ~~الإيمان بالقدر ، ولا يظن بميكائيل وأبي بكر ، بما نفيا تقدير الشر من الله ~~إلا خيرا ، لأن طالب الصواب قبل أن يستقر رأيه جاهد في الله حق جهاده . ة ، ~~وذلك لا يحل ، قال : فانطلقت فلم أزل مرابطا في جزيرة من البحر سنين ، ثم ~~بدا لبعض أمراء المؤمنين أن يخرب تلك الجزيرة ويخرج أهلها منها ، فوالله ، ~~لكأنما جيء بي سبيا حيث رجعت إلى أهلي ، وإنما شق عليه ذلك ، لأنه انقطع عن ~~ثواب المرابطين حين رجع إلى أهله ، وهكذا ينبغي أن يكون تأسف المؤمن على ما ~~ينقطع عنه من الثواب . ثم استدل على أنه لا يترك الجهاد بجور الأمراء بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' الجهاد ماض منذ بعثني الله ، إلى أن يقاتل آخر ~~عصابة من أمتي الدجال ، لا يصده جور جائر ولا عدل عادل ' ، ولحديث سليمان ~~بن قيس حيث قال : لجابر ، أرأيت إن كان علي إمام جائر أأقاتل معه أهل ~~الضلالة والشرك ؟ ، قال : نعم ، ' عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ، وإن ~~تطيعوه تهتدوا ' النور : 54 ، ولحديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' أصل الإسلام ثلاثة : الكف عمن قال : لا إله إلا الله أن ~~تكفروه بذنب ، ولا تخرجوه من الإسلام بعمل ، والجهاد ماض منذ بعثني الله ~~حتى يقاتل آخر عصابة من أمتي الدجال ، والإيمان بالأقدار كلها ' ، يعني : ~~ما ذكره في الحديث المشهور حين سأله جبريل عليه السلام : ما الإيمان ؟ إلى ~~أن قال : والقدر خيره وشره من الله ، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما ومع كل واحد منهما فئام من الناس ، فسلما على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرد عليهما السلام ، ثم قيل : يا رسول الله ، إنهما تكلما ms0102 ~~في القدر ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : الحسنات من الله والسيئات منا ، ~~وقال عمر : الحسنات والسيئات كلها من الله تعالى ، فاتبع من الناس أبا بكر ~~، وطائفة عمر ، فقال والسيئات كلها من الله تعالى ، فاتبع طائفة من الناس ~~أبا بكر ، وطائفة عمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' سأقضي بينكما ~~بما قضى به إسرافيل بين جبرائيل وميكائيل ، فإن جبرائيل قال : مثل ما قلت ~~يا عمر ، وميكائيل قال مثل ما قلت يا أبا بكر ، ثم قالا : إنا إذا اختلفنا ~~، اختلف أهل السماء ، وإذا اختلف أهل أسماء اختلف أهل الأرض فلنتحاكم إلى ~~إسرافيل ، فقضى بينهما بأن القدر خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي ~~بينكما يا أبا بكر ، لو شاء الله أن لا يعصى ما خلق إبليس ، فهذا هو الأصل ~~لأهل السنة في الإيمان بالقدر ، ولا يظن بميكائيل وأبي بكر ، بما نفيا ~~تقدير الشر من الله إلا خيرا ، لأن طالب الصواب قبل أن يستقر رأيه جاهد في ~~الله حق جهاده . PageV01P161 # | باب من يحل له الخمس والصدقة # وذكر عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا تحل الصدقة ~~لغني إلا لخمسة : الغازي في سبيل الله ، أو العامل عليها ، أو الغارم ، أو ~~رجل اشتراها بماله ، أو رجل له جار مسكين تصدق على هذا المسكين ، فأهدى إلى ~~الغني ، وأخذ أهل المدينة بظاهر الحديث وقالوا : تحل الصدقة للغازي وإن كن ~~غنيا وللغارم إذا كان غرمه لإصلاح ذات البين وإن كان غنيا ، ولكن تأويل ~~الحديث عندنا : إذا كان الغازي غنيا في أهله وليس بيده مال حيث هو فحينئذ ~~لا بأس له أن يأخذ من الصدقة ما يتقوى به ، وكذلك الغارم إذا كان ماله ~~غائبا عنه أودينا على ظهور الرجال لا يقدر على أخذه ، فهما حينئذ بمنزلة ~~ابن السبيل فأما من يكون ماله بحضرته وذلك فوق ما عليه من الدين بقدر نصاب ~~، لا يحل له أخذ الصدقة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تحل الصدقة لغني ~~' ، وأما العامل فما يأخذه عمالة وليس بصدقة في ms0103 حقه ، فغناه لا يمنعه من ~~أخذه والمشتري من الفقير إنما يأخذه مبيعا عوضا عن ماله . PageV01P162 ~~والذي أهدى إليه المسكين إنما يأخذه هديه لا صدقة ، على ما قال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث بريرة رضي الله عنهما : ' هي لها صدقة ولنا هدية ' . ~~وذكر عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رجلا سأله عن التهلكة أهو الرجل ~~إذا ما التقى الجمعان حمل فقاتل حتى يقتل ؟ فقال : لا ، ولكنه الرجل يذنب ~~ثم لا يتوب ، وهو المراد بمعنى قوله تعالى ' ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~' البقرة : 195 ، فوقع عند السائل أن من حمل على جماعة من الأعداء يكون ~~ملقيا نفسه في التهلكة ، فبين له البراء بن عازب ن الملقي نفسه في التهلكة ~~من يذنب ثم لا يتوب ، فإنه يصير مرتهنا بصنيعه ، فأما من حمل على العدو فهو ~~يسعى في إعزاز الدين ، ويتعرض للشهادة التي يستفيد بها الحياة الأبدية كيف ~~يكون ملقيا نفسه في التهلكة ؟ ثم بين المذهب فقال : لا بأس بأن يحمل الرجل ~~وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئا يقتل أو يجرح أو يهزم ، ~~فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد ومدحهم على ذلك ، وقيل لأبي هريرة : ألم تر أن سعد بن هشام ، لما التقى ~~الصفان حمل فقاتل PageV01P163 حتى قتل وألقى بيده إلى التهلكة ؟ فقال : كلا ~~، ولكنه تأول آية من كتاب الله وهو قوله تعالى ' ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضاة الله ' البقرة : 207 ، فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم ~~فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم ؛ لأنه لا يحصل بحملته شيء مما يرجع إلى ~~إعزاز الدين ولكنه يقتل فقط ، وقد قال الله تعالى ' ولا تقتلوا أنفسكم ' ~~البقرة : 29 ، وهذا بخلاف ما إذا أراد أن ينهى قوما من فساق المسلمين عن ~~منكر ، وهو يعلم أنهم لا يمتنعون بنهيه ، وأنهم يقتلونه ، فإنه لا بأس له ~~بالإقدام على ذلك ، وهو العزيمة ، وإن كان يجوز له أن يترخص ms0104 بالسكوت لأن ~~القوم هناك يعتقدون ما يأمرهم به ، فلا بد من أن يكون فعله مؤثرا في باطنهم ~~، فإما الكفار غير معتقدين لما يدعوهم إليه ، فالشرط أن تكون حملته بحيث ~~تنكي فيهم ظاهرا ، فإذا كان لا ينكي لا يكون مفيدا فيما هو المقصود فلا ~~يسعه الإقدام عليه ، والله الموفق . PageV01P164 # # | باب ما يجب من طاعة الوالي وما لا يجب # قال : وإذا دخل العسكر دار الحرب للقتال بتوفيق الله عز وجل فأمرهم ~~أميرهم بشيء من أمر الحرب ، فإن كان فيما أمرهم به منفعة لهم فعليهم أن ~~يطيعوه لقوله تعالى : ' أطيعوا الله والرسول وأولي المر منكم ' النساء : 59 ~~، والمراد الأمراء عند بعض المفسرين ، والعلماء عند بعضهم ، وإنما تجب طاعة ~~العلماء فيما يأمرون به لأنهم يأمرونهم بما فيه منفعة للناس في أمر دينهم ، ~~وكذلك إن أمروهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا ، فعليهم أن يطيعوه لأن ~~فريضة الطاعة ثابتة بنص مقطوع به ، وما تردد لهم من الرأي في أن ما أمر به ~~منتفع أو غير منتفع به لا يصلح معارضا للنص المقطوع . وقد تكون طاعة الأمير ~~في الكف عن القتال خيرا من كثير من القتال وقد يكون الظاهر الذي يعتمده ~~الجند يدلهم على شيء ، والأمر في الحقيقة بخلاف ذلك عند الأمير ، ولا يرى ~~الصواب ، في أن يطلع على ما هو الحقيقة عامة الجند ، فلهذا كان عليهم ~~PageV01P165 الطاعة ما لم يأمرهم بأمر يخافون فيه الهلكة ، وعلى ذلك أكثر ~~رأي جماعتهم ، لا يشكون في ذلك ، فإذا كن هكذا فلا طاعة له عليهم ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وفي حديث علي رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عليهم أميرا ، ~~فغضب عليهم أميرهم فأجج نارا وقال : قد أمرتم بطاعتي فاقتحموها ، فمنهم من ~~قال : ندخلها ، ومنهم من قال : لا ندخلها ، فإنا أسلمنا فرارا من النار ~~فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك فقال : ' لو ~~دخلوها ما خرجوا منها أبدا ، إنما الطاعة في ms0105 المعروف لا في المنكر ' ، ~~ومعنى قوله : ' ما خرجوا منها ' ، أي : ينقلون منها إلى نار جهنم ، ثم أكبر ~~الرأي فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته بمنزلة الحقيقة . فإذا كن عندهم أنهم ~~لو أطاعوه هلكوا كن أمره إياهم بذلك قصدا منه إهلاكهم واستخفافا بهم ، وقد ~~ذم الله تعلى الطاعة في ذلك فقال : ' فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين ' الزخرف : 54 ، وإن كان الناس في ذلك الأمر مختلفين فمنهم من يقول ~~فيه الهلكة و منهم من يقول فيه النجاة ، فليطيعوا الأمير في ذلك ، لأن ~~الاجتهاد لا يعارض النص ، ولأن الامتناع من الطاعة فتح لسان اللائمة عليهم ~~، وفي إظهار الطاعة قطع ذلك عنهم ، فعليهم أن يطيعوه . PageV01P166 إلا أن ~~يأمرهم بأمر ظاهر لا يكاد يخفى على أحد أنه هلكة ، أو أمرهم بمعصية ، ~~فحينئذ لا طاعة عليهم في ذلك ، ولكن ينبغي أن يصبروا ولا يخرجوا على أميرهم ~~، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' من ~~أتاه من أميره ما يكرهه فليصبر ، فإن من خالف المسلمين قيد شبر ثم مات ، ما ~~ت ميتة الجاهلية . واستدل بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة ~~بعث خالدا إلى بني جذيمة ، فقاتلهم بعد ما سمع الأذان منهم ، وبعد ما وضعوا ~~السلاح ، فأمر بهم فأسروا ، ثم قال : ليقتل كل رجل منكم أسيره ، فأما بنو ~~سليم ففعلوا ذلك ، وأما المهاجرون والأنصار فخلوا أسراهم ، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، ثلاث ~~مرات ثم أرسل عليا رضي الله عنه فودى لهم ما أصابه خالد من قليل أو كثير ، ~~وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار على ما صنعوا من ~~تخلية سبيل الأسرى ، PageV01P167 فعرفنا أنه لا طاعة للأمير على جنده فيما ~~هو معصية ولا فيما كان وجه الخطأ فيه بينا ، فإما فيما سوى ذلك فينبغي لهم ~~أن يطيعوه لئلا يفشلوا ولا يتنازعوا كما قال الله تعالى : ' ولا تنازعوا ~~فتفشلوا ' الأنفال : 46 . قال ms0106 : وينبغي أن يؤمر على الجند العاقل الفاضل ~~العالم بالحرب ، الرفيق ، وقد بينا هذا فيما تقدم ، نقول : من يكون هكذا ~~فهو موضع للإمارة عربيا كان أو مولى أو غيرهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~' اسمعوا وأطيعوا ول أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله عزوجل ~~، وفيه بحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم ' عليكم ~~بالسمع والطاعة لكل من يؤمر عليكم ما لم يأمركم بالمنكر ، ففي المنكر لا ~~سمع ولا طاعة . قال : وإذا نادى الأمير أن يكون فلان وجنده في الميمنة ، ~~وفلان وجنده في المقدمة ، وفلان وجنده في الميسرة ، وفلان وجنده في الساقة ~~، فلا ينبغي لأحد أن يترك الموضع الذي أمره بالكون فيه ؛ لأن هذا من ~~التدبير الحسن في أمر الحرب ، فإنما تظهر فائدته بالطاعة . فإن عصاه عاص ، ~~فليتقدم إليه الأمير ، PageV01P168 يعني : لا ينبغي له أن يعاقبه في المرة ~~الأولى ، لأن هذه عثرة منه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' أقيلوا ذوي ~~الهيئات عثراتهم ، ولكن يتقدم إليه وإلى الجند جميعا أنه يؤدب من خالف أمره ~~بعد ذلك ، فيكون ذلك إنذارا منه ، قال صلى الله عليه وسلم : ' قد أعذر من ~~أنذر ، وبيان هذا في قوله تعالى : ' وقد قدمت إليكم بالوعيد ' ق : 28 ، فإن ~~عصاه عاص بعد ذلك ، من غير عذر فما أحسن أدبه في ذلك ليكون ذلك فطاما له ~~وزجرا لغيره عن إساءة الأدب لمخالفة أمره ، فإن امتناع الناس مما لا يحل ~~لمخافة العقوبة أكثر من امتناعهم خوفا من الله تعالى وبه ورد الأثر ، ' إن ~~الله يزع بالسلطان فوق ما يزع بالقرآن ' . وإن ادعى عذرا يعتذر به وحلف على ~~ذلك فلا سبيل له عليه ، لأنه أخبر بخبر محتمل للصدق ، وأكد ذلك بيمينه ، ~~فينبغي أن يكف عنه إذ ليس هاهنا خصم ينازعه في ذلك ، وإنما لا يجعل اليمين ~~في جانب المدعي في الخصومات ، لأن الخصم ينازعه في ذلك ، والشرع جعل اليمين ~~في جانب المنكر دون المدعي . وإذا نادى منادي الأمير أن الساقة غدا على أهل ~~الكوفة ms0107 فلا يتخلفن رجل من أهل الديوان ولا من المطوعة ، لأنهم جميعا رعيته ~~حين خرجوا للجهاد تحت رعيته ، فعليهم طاعته ، فعليهم طاعته ، إلا أن يكون ~~الأمر المشهور أنه إذا نادى بهذا يريد به أهل الديوان خاصة ، فحينئذ الثابت ~~بالعرف كالثابت بالنص PageV01P169 وإن كان رجل من أهل الكوفة ديوانه مع أهل ~~البصرة فهو مع أهل ديوانه وليس مع أهل بلده ؛ لأن أمره راجع إلى الجهاد ، ~~وفي الجهاد إنما يجمعهم الديوان لا البلدة ولأن مراده من هذا الأمر أن ينضم ~~بعضهم إلى بعض في التناصر ، وتناصر أهل الديوان بالديوان ولهذا يتعاقلون به ~~. ولو نادى المنادي : الساقة غدا على أصحاب الخيل ، فهو على نحو ما ذكرنا ، ~~وينبغي لأصحاب البراذين أن يكونوا مع أصحاب العراب في ذلك ؛ لأن كلها من ~~الخيل ، قال الله تعالى : ' والخيل والبغال والحمير ' النحل : 8 ، وقال ~~تعالى : ' ومن رباط الخيل ' الأنفال : 60 ، ولما سئل سعيد بن المسيب عن ~~صدقة البراذين قال : أو في الخيل صدقة ؟ فأصحاب البراذين في ذلك مع أصحاب ~~العراب . إلا أن يكون المعروف من ذلك أنهم إذا نادوا بذلك يريدون أصحاب ~~العراب خاصة ، لأنها أسرع في الطلب والحرب ، فحينئذ يكون الأمر على ما أراد ~~، لأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص ، وإن قال : الميمنة غدا على أهل ~~المصيصة ، فكان رجل من أهل الكوفة سكن المصيصة فإن كان اتخذها منزلا فهو من ~~المصيصة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ' من تأهل ببلدة فهو من أهلها ' ، ~~PageV01P170 ولأن من يكون ساكنا في بلدة مقيما بها في الناس من أهلها ، ألا ~~ترى أنا إذا عددنا فقهاء الكوفة ذكرنا في جملتهم النخعي ، والشعبي ، وأبا ~~حنيفة رضي الله عنهم وهم ما كانوا من الكوفة في الأصل ولكنهم سكنوها . وإن ~~كان لم يتخذ المصيصة مسكنا فلا يدخل في هذا النداء إلا أن يكون ديوانه مع ~~أهل المصيصة فحينئذ يتناوله النداء ، باعتبار انضمامه إلى أهل المصيصة في ~~الديوان . فإن كان شد العدو إلى الساقة فلا بأس بأن يعينهم أهل الميمنة ~~والميسرة إذا خافوا عليهم ؛ لأنهم تواعدوا النصرة حين اجتمعوا ms0108 على محاربة ~~المشركين ، ومن لا يعين غيره لا يعينه غيره عند حاجته ، وفي ترك التعاون ~~ظهور العدو عليهم . فإذا ظهر العدو على الساقة يقصدون أهل الميمنة والميسرة ~~من ذلك الجانب ، فعليهم أن يدفعوا عن أنفسهم بالدفع عن إخوانهم ، قال : فإن ~~كان ذلك يخل بمراكزهم ، فلا ينبغي لهم أن يفعلوا ؛ لأن الإمام فوض إليهم ~~حفظ ذلك عينا ، فيحرم عليهم تضييع ذلك والاشتغال بحفظ ما هو مفوض إلى غيرهم ~~. PageV01P171 وإن أمرهم الإمام أن لا يبرحوا من مراكزهم ونهى عن أن يعين ~~بعضهم بعضا فلا ينبغي لهم أن يعصوه ، وإن أمنوا من ناحيتهم وخافوا على ~~غيرهم ؛ لأن طاعة الإمام فرض عليهم بدليل مقطوع به ، وما يخافونه موهوم على ~~ما قيل : أكثر ما يخاف لا يكون . والأصل فيه بما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر الرماة يوم أحد أن يقوموا بموضع ولا يبرحوا من مراكزهم فلما ~~نظروا إلى المشركين ، وقد انهزموا ، ذهبوا يطلبون الغنيمة ، فكانت هزيمة ~~المسلمين في ناحيتهم ، كما قال الله تعالى : ' حتى إذا فشلتم ، وتنازعتم في ~~الأمر ، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ' آل عمران : 152 . قال : وإن خرج ~~علج من المشركين بين الصفين يدعو إلى البراز فلا بأس بأن يخرج إليه رجل من ~~المسلمين من غير أن يستأذن من الإمام في ذلك ؛ لأن دلالة الإذن في المبارزة ~~كصريح الإذن ، وتسوية الصفوف كان للقتال فذلك دلالة الإذن في المبارزة . ما ~~لم ينههم ، فإن نهاهم فليس ينبغي لهم أن يخرجوا ؛ PageV01P172 لأن الدلالة ~~يسقط اعتبارها عند التصريح بخلافها ، كمقدم المائدة بين يدي الغير إذا نهاه ~~عن الأكل ، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القتال في بعض ~~أيام خيبر فقاتل رجل فقتل فقال صلى الله عليه وسلم ' لا تحل الجنة لعاص ' . ~~وكذلك إن نهى إنسانا بعينه ، فلا ينبغي له أن يخرج لاحتمال النظر في نهي ~~الإمام له ولا بأس بأن يخرج غيره لبقاء دليل الإذن في حقه ، والأصل فيه ما ~~روي أن عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ms0109 ، والوليد بن عتبة ، خرجوا يوم بدر ~~يدعون إلى البراز ، فخرج إليهم ثلاثة من فتيان الأنصار ، فقالوا لهم : ~~انتسبوا ، فقالوا : أنتم أبناء قوم كرام ، ولكنا نريد أكفاءنا من قريش ، ~~فارجعوا إلى محمد وقولوا له : أخرج إلينا أكفاءنا ؛ هكذا ذكر في المغازي ، ~~وهو دليل على أنه لا بأس بالخروج قبل نهي الإمام ، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم ينكر عليهم ذلك ، وروى محمد رحمه الله هذه القصة من وجه آخر : فقال ~~: فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجوا PageV01P173 وأحب أن يكون ~~أول القتال من أهل بيته ، وأمر حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ، ~~وعبيدة بن الحارث فخرجوا إليهم ، ذلك نزل في قوله تعالى : ' هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم ' الحج : 19 ، فإذا تبارز المسلم والمشرك فلا بأس بأن يعين ~~المسلمون صاحبهم إن قدروا على ذلك ؛ لأن المشرك قاصد إلى قتلهم كما هو قاصد ~~إلى قتل صاحبهم ، لو تمكن من ذلك ، فلهم أن يدفعوا شره ، لو لم يكن قاصدا ~~إليهم كان لهم أن يقتلوه لكونه مشركا محاربا . وفي قصة المبارزين يوم بدر ~~ذكر أن عليا رضي الله عنه قتل الوليد ، وحمزة قتل عتبة ، واختلف عبيدة ~~وشيبة ضربتين فأعان علي وحمزة رضي الله عنهما عبيدة على شيبة حتى قتلاه ~~فعرفنا أنه لا بأس به ، ولا بأس بأن تخرج الجماعة الممتنعة إلى العلافة ~~بغير إذن الوالي فيتعلفون ثم يرجعون به ، PageV01P174 لوجود دلالة الإذن ، ~~فإن الإمام جرهم إلى ذلك الموضع ، مع علمه أنهم يحتاجون إلى العلف ، وأنه ~~يشق عليهم استصحاب العلف من دار الإسلام ، ولا يجدون في دار الحرب من ~~يشترونه منه ، ولأنه أذن لهم فيما فيه كبت وغيظ للعدو وفي أخذ العلوفة منهم ~~تحقيق هذا المعنى . إلا أنهم لا يتمكنون من ذلك إلا بمنعة ، فلا بأس بأن ~~يخرجوا إذا كانوا أهل منعة ، ولا يتفرقون إلا بحيث يغيث بعضهم بعضا ؛ لأنهم ~~إذا تفرقوا وبعد بعضهم عن بعض على وجه لا يمكنه أن يستغيث به إذا حزبه أمر ~~كان معرضا نفسه لأجل المال ms0110 ، فإنه لا يأمن أن يجتمع عليه نفر من المشركين ~~فيقتلوه . كما لا يحل للواحد والمثنى أن يخرج ابتداء خوفا من ذلك ، إلا أن ~~يكون بالقرب من العسكر على وجه يتمكن من أن يستغيث بهم ، إذا حزبه أمر ، ~~فكذلك لا ينبغي لهم أن يتفرقوا إلا على هذه الصفة . وإن نادى منادي الأمير ~~بالنهي عن الخروج للعلافة ، فلا ينبغي لأهل منعة ولا لغيرهم أن يخرجوا ؛ ~~لأن دلالة الإذن تنعدم بصريح النهي ، وربما يكون النظر في هذا النهي . إلا ~~أنه ينبغي للإمام أن يبعث لذلك قوما PageV01P175 وينبغي أن يؤمر عليهم ~~أميرا لتتفق كلمتهم ويتمكنوا من المحاربة مع المشركين إن ابتلوا بذلك ، ~~وكذلك إن خرجوا مفريقين قبل نهي الإمام ، فهجم عليهم العدو فينبغي لهم أن ~~يجتمعوا ويؤمروا عليهم أميرا ثم يقاتلوا حتى يلتحقوا بالعسكر ؛ لأن حاجة ~~الجيش إلى ذلك ماسة ، والإمام ناظر لهم ، فإنما يتم النظر منه إذا بعث لذلك ~~قوما ، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روينا : ' هل أمرتما ؟ ~~قالا : نعم ، فقال : ألا قد رشدتما ' وقد بينا أن المسافرين يستحب لهم أن ~~يؤمروا عليهم أميرا ، فما ظنك في المحاربين ؟ وبعد ما نهى الوالي الناس عن ~~الخروج إذا أصابهم ضرورة من العلف ، وخافوا على أنفسهم أو على ظهورهم ولم ~~يجدوا ما يشترون ، فلا بأس بأن يخرجوا في طلب العلف ؛ لأن موضع الضرورة ~~مستثنى عن وموجب الأمر ، دليل قوله تعالى : ' إلا ما اضطررتم إليه ' ~~الأنعام : 119 . PageV01P176 وإن قال الوالي : لا يخرجن أحد إلى العلف إلا ~~تحت لواء فلان ، فينبغي لهم أن يراعوا شرطه ، فيخرجوا تحت لوائه ، فإذا ~~أتوا القرى فلا بأس بأن يتفرقوا فيها لطلب العلف على وجه يغيث بعضهم بعضا ~~إذا احتاجوا إليه ، فإذا أتاهم العدو فلينضموا إلى صاحب اللواء حتى يقاتلوا ~~تحت لوائه ، وإن لم يكن صاحب اللواء بحضرتهم فليؤمروا عليهم أميرا ، ~~والحاصل أنه ينبغي أن يتحرزوا عن إلقاء النفس في التهلكة بأقصى ما يتمكنون ~~منه قال الله تعالى : ' ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ' البقرة : 95 . ولا ~~ينبغي بعدما خرجوا أن ms0111 يفارقوا صاحب اللواء إلا حيث يمكنهم أن يغيثوهم إذا ~~استغاثوا ، لأنا نعلم أن مقصود الإمام من قوله : لا يخرجوا إلا تحت لواء ~~فلان ' ليس الخروج فقط ولكن مراده : كونوا تحت لوائه إلى أن ترجعوا ومن ~~يراع أمره في شيء يراع صفة أمره . وكذلك لو قال منادي الأمير : من أراد ~~العلف فليخرج تحت لواء فلان ، ولم يكن منه نهي ولا أمر غير هذا ، فهذا ~~بمنزلة النهي ، وقد بينا أنه بني هذا الكتاب على أن المفهوم حجة وظاهر ~~PageV01P177 المذهب عندنا أن المفهوم ليس بحجة ، مفهوم الصفة ومفهوم الشرط ~~في ذلك سواء ولكنه اعتبر المقصود الذي يفهمه أكثر الناس في هذا الموضع ، ~~لأن الغزاة في العام الغالب لا يقفون على حقائق العلوم ، وأن أمرهم بهذا ~~اللفظ إنما يقصد نهي الناس عن الخروج إلا تحت لواء فلان فجعل النهي المعلوم ~~بدلالة كلامه كالمنصوص عليه ، وتمام بيان هذه المسألة في الأصول . قال : ~~ولا أحب إذا انتهوا إلى القرى أن يدخل القرية الرجل الواحد ، لعل فيها قوما ~~مختفين فيقتلونه ولكن يدخل عدد القرية متأهبين للقتال ، فإن كان فيها أحد ~~أعلم بعضهم بعضا لقوله تعالى : ' خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~' النساء : 71 . وإن نهى الأمير المسلمين أن يقطعوا الشجر أو يهدموا ~~الأبنية فليس ينبغي لهم أن يعصوه في ذلك ؛ لأن في هذا النهي احتمال معنى ~~النظر للمسلمين ، وهذا المنع من أمر الحرب ، ولو نهاهم عن القتال كان عليهم ~~أن لا يعصوه ما لم يأت ضرورة أو معصية فكذلك إذا نهاهم عن هذه الخصال . ~~PageV01P178 ولو عقد الأمير لواء الرجل وقال : لا يخرجن معه إلا ثلاث مائة ~~، فينبغي لهم أن يطيعوه ، فلا يخرج إلا العدد الذي قال ؛ لأن الكلام القيد ~~بالاستثناء يكون عبارة عن ما وراء المستثنى ، فيكون هذا تصريحا بالنهي عن ~~الزيادة عن العدد المستثنى . ولو صرح لهم بالنهي مطلقا لم يحل لهم عصيانه ، ~~فكذلك هاهنا فإن خرجوا أربع مائة فأصابوا غنائم لم يحرموا الغنيمة مع أهل ~~العسكر ، وإن كانوا قد أساءوا ، لأنهم مجاهدون قاصدون إعلاء ms0112 كلمة الله تعلى ~~وإعزاز الدين فمخالفتهم أمر الأمير لا يكون أكثر تأثيرا من مخالفتهم أمر ~~الله تعلى بارتكاب ما لا يحل ، فكما أن ذلك لا يخرجهم من أن يكونوا مؤمنين ~~فهذا لا يخرجهم من أن يكونوا غزاة ، كيف وهذا النهي بمعنى في غير المنهي ~~عنه ، فإنه ما نهاهم عن الخروج لعين الخروج أو القتال أو الاغتنام ولكن ~~للإشفاق عليهم . فإن كان قد نفلهم الربع بعد الخمس فخرجوا فأصابوا غنائم ، ~~فإن كانت الثلاث مائة الذين أمرهم بالخروج قوما مسلمين بأعيانهم ، ميز ~~ثلاثة أرباع الغنيمة ، فأعطى أولئك منها نفلهم ، هكذا ذكر في بعض النسخ ، ~~وهو غلط ، ولكن الصواب ما ذكره في بعض النسخ أنه يعزل الخمس من هذه الثلاثة ~~الأرباع ، ثم يعطيهم من ربع PageV01P179 ما بقي نفلهم ، لأنه هكذا شرط لهم ~~الربع بعد الخمس ، ومراده مما يصيبون ومصابهم ثلاثة أرباع الغنيمة . وذكر ~~بعد هذا هذه المسألة وقال : يقسم ما جاءوا به بينهم على سهام الخيل ~~والرجالة ، ثم ينظر إلى ما أصاب الثلاث مائة فيخرج الخمس من ذلك ثم يعطيهم ~~نفلهم مما بقي ، ووجه التوفيق أنه وضع المسألة هناك فيما إذا كان بعضهم ~~فارسا وبعضهم راجلا ، وهاهنا وضع المسألة فيما إذا كانوا فرسانا كلهم أو ~~رجالة كلهم ، فلهذا ميز لهم ثلاثة أرباع الغنيمة ، ليعطي منها نفلهم . وقال ~~في موضع آخر : يرفع الخمس في جميع المصاب أولا ينظر إلى ثلاثة أرباع ~~الغنيمة فيعطيهم من ذلك نفلهم ، فالحاصل أنه كرر ذكر هذه المسألة في أربعة ~~مواضع في هذا الكتاب ، وأجاب في كل موضع بجواب آخر ، فنذكر في كل موضع ما ~~هو صواب من الجواب وما هو غلط إذ انتهينا إليه إن شاء الله . قال : ثم نظر ~~إلى الربع الباقي فعزل خمسة ثم جمع ما بقي منه إلى ما بقي من الثلاثة ~~الأرباع ، فجعل ذلك مع غنائم أهل العسكر يقسمها بينهم جميعا على قسمة ~~الغنيمة وفي بعض النسخ يذكر : PageV01P180 أنه لا يخمس هذا الربع ، فكأنه ~~بنى ذلك على أن المائة العصاة بمنزلة المتلصصين في دار الحرب ms0113 بغير إذن ~~الإمام ، فلا يخمس ما أصابوا . وهو غلط ، فإنه إنما لا يخمس مصاب المتلصصين ~~إذا لم يكونوا أهل منعة ، وهؤلاء كانوا أهل منعة بالانضمام إلى الثلاث مائة ~~، فلا بد من أن يخمس ما أصابوا . وإن كانت الثلاث مائة ليسوا قوما بأعيانهم ~~والمسألة بحالها ، فإن الإمام ينظر إلى ثلاثة أرباع الغنيمة فيخرج منها ~~الخمس ثم ينظر إلى ربع ما بقي فيقسم بين الأربع مائة بالسوية نفلا لهم ؛ ~~لأن الاستحقاق بالتنفيل يثبت لثلاث مائة منهم ، وليس بعضهم أولى من البعض ، ~~فلا بد من قسمة ذلك بينهم بالسوية لاستوائهم في سبب الاستحقاق ، ثم يخرج ~~الخمس من الربع الباقي ويجمع ما بقي منه إلى ما بقي من الثلاثة الأرباع ~~فيقسمها بينهم وبين جميع العسكر على سهام الخيل والرجالة ، كما هو الحكم في ~~قسمة الغنيمة بين الغانمين . فإن كانت المائة العصاة بأعيانهم فرأى الأمير ~~أن يحرمهم سهمهم مما أصابوا ، فقسم ما بقي بين الثلاث مائة وأهل العسكر ~~وحرم العصاة ، ثم ولي آخر يرى ما صنيع الأول جورا أمضى صنيعه ذلك ولم يرده ~~؛ لأنه أمضى باجتهاده فعلا مختلفا فيه ، فإن عند بعض الفقهاء يحرم العصاة ~~حظهم مما أصابوا ليكون زجرا وفطاما لهم عن العود إلى مثله ، وردوا ذلك إلى ~~حرمان القاتل الميراث ، بسبب جنايته وبيان هذا يأتي في باب إحراق ~~PageV01P181 وحل الغال ، وقضاء القاضي في المجتهدات يكون نافذا لا يرد ، ~~فلهذا قال : لا يرد الثاني ما صنع الأول . قال : ولا ينبغي للرجل أن يخرج ~~إلى الجهاد وله أب أو أم إلا بإذنه ؛ لأن برهما واجب والتحرز عن عقوقهما ~~فرض عليه بعينه ، قال صلى الله عليه وسلم : ' ليعمل البار ما شاء فلن يدخل ~~النار ، وليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة ' ، وقال عليه السلام : ' من ~~أصبح ووالداه راضيان عنه فله بابان مفتوحان إلى الجنة ' ، فلا ينبغي له أن ~~يسد هذا الباب بالخروج بغير إذنهما وهو لا يدري أنه هل ينتفع بخروجه هو أو ~~غيره أو لا ينتفع . وذكر عن ابن عباس بن مرداس أنه قال : يا ms0114 رسول الله ، ~~إني أريد الجهاد ، قال : ألك أم ؟ قال : نعم ، قال : الزمن أمك فإن الجنة ~~عند رجل أمك ، وتفريع المسائل على هذا الأصل في باب بعد هذا ، فيؤخر بعض ~~الكلام فيه إلى ذلك الموضع وذكر عن ابن الزبير قال : سألت جابرا أيقاتل ~~العبد بغير إذن مولاه ؟ قال : لا ، PageV01P182 وبه نأخذ ؛ لأن منافعه ملك ~~المولى ، فلا يجوز له أن يفوتها عليه بالاشتغال بالقتال ، وماليته ملك ~~المولى ، فلا يجوز له أن يعرضها للتلف بالقتال ، غلا أن يجيء حال ضرورة ~~الملمين إليه ، بأن وقع النفير عاما ، فحينئذ لا بأس أن يخرج ، لما بينا أن ~~موضع الضرورة مستثنى من لزوم الطاعة شرعا ، ولأنه ليس للمولى في مثل هذه ~~الحالة أن يمنعه بل يفترض عليه دفع شر المشركين بنفسه وبما يقدر عليه من ~~ملكه ، فلذلك لا يجب على العبد أن يطيعه إن نهاه عن الخروج ، وكذلك هذا ~~الجواب في حق الولد إذا نهاه والداه في مثل هذه الحالة والله الموفق . ~~لمتلصصين في دار الحرب بغير إذن الإمام ، فلا يخمس ما أصابوا . وهو غلط ، ~~فإنه إنما لا يخمس مصاب المتلصصين إذا لم يكونوا أهل منعة ، وهؤلاء كانوا ~~أهل منعة بالانضمام إلى الثلاث مائة ، فلا بد من أن يخمس ما أصابوا . وإن ~~كانت الثلاث مائة ليسوا قوما بأعيانهم والمسألة بحالها ، فإن الإمام ينظر ~~إلى ثلاثة أرباع الغنيمة فيخرج منها الخمس ثم ينظر إلى ربع ما بقي فيقسم ~~بين الأربع مائة بالسوية نفلا لهم ؛ لأن الاستحقاق بالتنفيل يثبت لثلاث ~~مائة منهم ، وليس بعضهم أولى من البعض ، فلا بد من قسمة ذلك بينهم بالسوية ~~لاستوائهم في سبب الاستحقاق ، ثم يخرج الخمس من الربع الباقي ويجمع ما بقي ~~منه إلى ما بقي من الثلاثة الأرباع فيقسمها بينهم وبين جميع العسكر على ~~سهام الخيل والرجالة ، كما هو الحكم في قسمة الغنيمة بين الغانمين . فإن ~~كانت المائة العصاة بأعيانهم فرأى الأمير أن يحرمهم سهمهم مما أصابوا ، ~~فقسم ما بقي بين الثلاث مائة وأهل العسكر وحرم العصاة ، ثم ولي آخر يرى ما ~~صنيع ms0115 الأول جورا أمضى صنيعه ذلك ولم يرده ؛ لأنه أمضى باجتهاده فعلا مختلفا ~~فيه ، فإن عند بعض الفقهاء يحرم العصاة حظهم مما أصابوا ليكون زجرا وفطاما ~~لهم عن العود إلى مثله ، وردوا ذلك إلى حرمان القاتل الميراث ، بسبب جنايته ~~وبيان هذا يأتي في باب إحراق رحل الغال ، وقضاء القاضي في المجتهدات يكون ~~نافذا لا يرد ، فلهذا قال : لا يرد الثاني ما صنع الأول . قال : ولا ينبغي ~~للرجل أن يخرج إلى الجهاد وله أب أو أم إلا بإذنه ؛ لأن برهما واجب والتحرز ~~عن عقوقهما فرض عليه بعينه ، قال صلى الله عليه وسلم : ' ليعمل البار ما ~~شاء فلن يدخل النار ، وليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة ' ، وقال عليه ~~السلام : ' من أصبح ووالداه راضيان عنه فله بابان مفتوحان إلى الجنة ' ، ~~فلا ينبغي له أن يسد هذا الباب بالخروج بغير إذنهما وهو لا يدري أنه هل ~~ينتفع بخروجه هو أو غيره أو لا ينتفع . وذكر عن ابن عباس بن مرداس أنه قال ~~: يا رسول الله ، إني أريد الجهاد ، قال : ألك أم ؟ قال : نعم ، قال : ~~الزمن أمك فإن الجنة عند رجل أمك ، وتفريع المسائل على هذا الأصل في باب ~~بعد هذا ، فيؤخر بعض الكلام فيه إلى ذلك الموضع وذكر عن ابن الزبير قال : ~~سألت جابرا أيقاتل العبد بغير إذن مولاه ؟ قال : لا ، وبه نأخذ ؛ لأن ~~منافعه ملك المولى ، فلا يجوز له أن يفوتها عليه بالاشتغال بالقتال ، ~~وماليته ملك المولى ، فلا يجوز له أن يعرضها للتلف بالقتال ، غلا أن يجيء ~~حال ضرورة الملمين إليه ، بأن وقع النفير عاما ، فحينئذ لا بأس أن يخرج ، ~~لما بينا أن موضع الضرورة مستثنى من لزوم الطاعة شرعا ، ولأنه ليس للمولى ~~في مثل هذه الحالة أن يمنعه بل يفترض عليه دفع شر المشركين بنفسه وبما يقدر ~~عليه من ملكه ، فلذلك لا يجب على العبد أن يطيعه إن نهاه عن الخروج ، وكذلك ~~هذا الجواب في حق الولد إذا نهاه والداه في مثل هذه الحالة والله الموفق . ~~PageV01P183 # # | باب قتال النساء مع الرجال وشهودهن ms0116 الحرب # قال : لا يعجبنا أن يقاتل النساء مع الرجال في الحرب ؛ لأنه ليس للمرأة ~~بنية صالحة للقتال ، كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ~~هاه ، ما كانت هذه تقاتل ، وربما يكون في قتالها كشف عورة المسلمين ، فيفرح ~~به المشركون وربما يكون ذلك سببا لجرأة المشركين على المسلمين ويستدلون به ~~على ضعف المسلمين فيقولون : احتاجوا إلى الاستعانة بالنساء على قتالنا ، ~~فليتحرز عن هذا ، ولهذا المعنى لا يستحب لهن مباشرة القتال . إلا أن يضطر ~~المسلمون إلى ذلك ، فإن دفع فتنة المشركين عند تحقق الضرورة بما يقدر عليه ~~المسلمون جائز بل واجب . واستدل عليه بقصة حنين وقد بيناها وفي أواخر تلك ~~القصة : قالت أم سليم بنت ملحان وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب : ~~يا رسول الله ، أرأيت هؤلاء الذين فروا منك وخذلوك ، PageV01P184 فلا تعف ~~عنهم إن أمكنك الله منهم ، فقال : صلى الله عليه وسلم : يا أم سليم ، عافية ~~الله أوسع ، فأعادت ذلك ثلاث مرات ، وفي كل ذلك يقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' يا أم سليم ، عافية الله أوسع ، وفي المغازي أنها قالت : ألا ~~نقاتل يا رسول الله هؤلاء الفرارين فنقتلهم كما قاتلنا المشركين ؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم : ' عافية الله أوسع ' وأية حاجة إلى قتال النساء أشد من ~~هذه الحاجة حين فروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموه ، وفي هذا ~~بيان أنه لا بأس بقتالهن عند الضرورة ، لأن الرسول لم يمنعها في تلك الحالة ~~، ولم ينقل أنه أذن للنساء في القتال ، في غير تلك الحالة . قال : ولا بأس ~~بأن يحضر منهن الحرب العجوز الكبيرة ، فتداوي الجرحى وتسقي الماء ، وتطبخ ~~للغزاة ، إذا احتاجوا إلى ذلك ، لحديث عبد الله بن قرط الأزدي قال : ' كانت ~~نساء خالد بن الوليد ونساء أصحابه مشمرات ، يحملن الماء للمجاهدين يرتجزن ، ~~وهو يقاتل الروم ، والمراد العجائز فالشواب يمنعن عن الخروج الفتنة ، ~~الحاجة ترتفع بخروج العجائز . فالشواب يمنعن عن الخروج لخوف الفتنة ، ~~الحاجة ترتفع بخروج العجائز . وذكر عن أم مطاع وكانت شهدت خيبر ms0117 مع ~~PageV01P185 النبي صلى الله عليه وسلم قالت : رأيت أسلم ، حيث شكوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلقون من شدة الحال ، فندبهم إلى الجهاد ~~فنهضوا ، ولقد رأيت أسلم أول من انتهى إلى الحصن فما غابت الشمس من ذلك ~~اليوم حتى فتحه الله علينا وهو حصن الصعب بن معاذ بالنطاة ، ففي هذا بيان ~~أنها كانت خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يمنعها من ذلك ، ~~فعرفنا أنه لا بأس للعجوز أن تخرج لإعانة المجاهدين بما يليق بها من العمل ~~، والله الموفق . PageV01P186 # | باب الجهاد ما يسع منه وما لا يسع # قال أبو حنيفة رحمه الله : الجهاد واجب على المسلمين إلا أنهم في سعة من ~~ذلك حتى يحتاج إليهم ، فكان الثوري يقول : القتال مع المشركين ليس بفرض ، ~~إلا أن تكون البداية منهم فحينئذ يجب قتالهم دفعا لظاهر قوله : ' فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم ' البقرة : 191 ، وقوله : ' وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة ' التوبة : 36 ، ولكنا نستدل بقوله : ' يا أيها الذين آمنوا ~~قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ' التوبة : 123 ، وبقوله : ' وقاتلوا في ~~سبيل الله ' ، وبقوله : ' قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ' التوبة 29 ، ~~وبقوله : ' وجاهدوا في الله حق جهاده ' الحج : 78 ، PageV01P187 والحاصل أن ~~الأمر بالجهاد وبالقتال نزل مرتبا فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورا ~~في الابتداء بتبليغ الرسالة والإعراض عن المشركين قال الله تعالى : ' فاصدع ~~بما تؤمر وأعرض عن المشركين ' الحجر : 94 . وقال تعالى : ' فاصفح الصفح ~~الجميل ' الحجر : 85 ، ثم أمر بالمجادلة بالأحسن كما قال : ' ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ' ، النحل : 125 ، وقال : ' ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن ' العنكبوت : 46 ، ثم أذن لهم في القتال بقوله : ~~' إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ' الحج : 39 ، ثم أمروا بالقتال إن كانت ~~البداية منهم بما تلا من آيات ، ثم أمروا بالقتال بشرط انسلاخ الأشهر الحرم ~~كما قال تعالى : ' فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ' التوبة : 5 ~~، ثم أمروا بالقتال مطلقا بقوله تعالى ' وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن ~~الله سميع ms0118 عليم ' البقرة : 244 ، فاستقر الأمر على هذا ومطلق الأمر يقتضي ~~اللزوم ، إلا أن فريضة القتال لمقصود إعزاز الدين وقهر المشركين ، فإذا حصل ~~المقصود بالبعض سقط عن الباقين ، بمنزلة غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ~~ودفنه ، إذ لو افترض على كل مسلم بعينه ، PageV01P188 وهذا فرض غير موقت ~~بوقت ، لم يتفرغ أحد لشغل آخر من كسب أو تعلم وبدون سائر الأشغال لا يتم ~~أمر الجهاد أيضا فلهذا كان فرضا على الكفاية . حتى لو اجتمعوا على تركه ~~اشتركوا في المأثم ، وإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين ، وفي مثل هذا ~~يجب على الإمام النظر للمسلمين ، لأنه منصوب لذلك نائب عن جماعتهم فعليه أن ~~لا يعطل الثغور ، ولا يدع الدعاء إلى الدين ، وحث المسلمين على الجهاد وإذا ~~ندب الناس إلى ذلك فعليهم أن لا يعصوه بالامتناع من االخروج ، ولا ينبغي أن ~~يدع المشركين بغير دعوة إلى الإسلام أو إعطاء جزية إذا تمكن من ذلك ؛ لأن ~~التكليف بحسب الوسع . وإن كانوا قوما لا تقبل منهم الجزية كعبدة الأوثان من ~~العرب والمرتدين ، فإنه يدعوهم إلى الإسلام ، فإن أبوا قاتلهم ، وأما ~~المجوس وعبدة الأوثان من العجم في جواز أخذ الجزية منهم عندنا بمنزلة أهل ~~الكتاب ، فيدعوهم إلى إحدى هاتين الخصلتين ويجب الكف عنهم إذا أجابوا إلى ~~إحداهما وإن امتنعوا منهما ، فحينئذ يقاتلون ، PageV01P189 وفي أهل الكتاب ~~العربي ، وغير العربي سواء ، لقوله تعالى : ' من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، وكل مسلم في هذا خليفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فقد بعث داعيا إلى ما بينا ، وأمر بالقتال على ~~ذلك مع من أبى . قال : وإن قالوا للمسلمين : وادعونا على أن لا نقاتلكم ولا ~~تقاتلونا فليس ينبغي للمسلمين أن يعطوهم ذلك لقوله تعالى : ' ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا وأنتم الأعلون ' آل عمران : 139 ؛ ولأن الجهاد فرض ، فإنما طلبوا ~~الموادعة على أن تترك فريضة ، ولا يجوز إجابتهم إلى مثل هذه الوادعة ، كما ~~لو طلبوا الموادعة على أن لا يصلوا ولا يصوموا . إلا أن يكون لهم شوكة ms0119 ~~شديدة لا يقوى عليهم المسلمون ، فحينئذ لا بأس بأن يوادعهم إلى أن يظهر ~~للمسلمين قوة ثم ينبذ إليهم ، قال الله تعالى : ' وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها ' الأنفال : 61 ، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عام ~~الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ، ولأن حقيقة الجهاد في ~~حفظ المسلمين قوة أنفسهم أولا ، ثم في قهر المشركين وكسر شوكتهم ، فإذا ~~كانوا عاجزين عن كسر شوكتهم كان عليهم أن يحفظوا PageV01P190 قوة أنفسهم ~~بالموادعة ، إلى أن يظهر لهم قوة كسر شوكتهم ، فحينئذ ينبذون إليهم ~~ويقاتلونهم ، وهو بمنزلة إنظار المعسر إلى الميسرة ، كما قال الله تعالى : ~~' وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ' البقرة : 280 وكذلك لو قالوا للمسلمين ~~: وادعونا على أن نعطيكم في كل سنة مالا معلوما على ن تجروا علينا أحكامكم ~~، فليس ينبغي الموادعة على ذلك ، لأنهم لا يلتزمون شيئا من أحكامنا ، وإنما ~~ينتهي القتال بعقد الذمة لما فيه من التزام أحكام الإسلام فيما يرجع إلى ~~المعاملات ، والرضا منهم بالمقام في دار الإسلام مقهورين ، ولما فيه من ترك ~~المحاربة أصلا ، ولا يوجد ذلك فيما طلبوا ، ولأنهم لو أجيبوا إلى ذلك ربما ~~يظنون أنا إنما نقاتلهم طمعا في أموالهم ، بل لا يشكون في ذلك ، ولا يحل ~~للمسلمين أن يقصدوا ذلك أو يظهروه من أنفسهم . إلا أن يكون لهم شوكة شديدة ~~، فحينئذ تجوز الموادعة معهم بغير مال يؤخذ منهم ، فلأن يجوز بمال يؤخذ ~~منهم كان أولى ، وهذا المال لا يؤخذ عوضا عن ترك القتال وإنما يؤخذ لأن ~~مالهم مباح لنا فباعتبار تلك الإباحة يؤخذ هذا المال منهم . قال : فإذا ~~أراد الخروج إلى الجهاد وله أبوان ، فليس ينبغي له أن يخرج حتى يستأذنهما ؛ ~~PageV01P191 لأن بر الوالدين وترك ما يلحق الضرر والمشقة بهما فرض عليه ~~عينا ، والجهاد فرض على الكافية . إذا لم يقع النفير عاما فعليه أن يقدم ~~الأقوى ، وفي خروجه إلحاق الضرر والمشقة بهما ، فإن المجاهد على خطر في ~~التمكن من الرجوع . فإن أذنا له فليخرج ، وإن أذن له أحدهما ولم ms0120 يأذن له ~~الآخر فليس ينبغي له أن يخرج مراعاة لحق الذي يأبى منهما ، وكذلك إن أبيا ~~جميعا ، والأصل فيه ما روي : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال : إني جئت أجاهد معك ، وتركت والدي يبكيان ، فقال : ' اذهب فأضحكهما ~~كما أبكيتهما ' ، وأفضل الجهاد ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~أمره بالرجوع لكراهة الوالدين لخروجه ولما سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أفضل الأعمال قال : ' الصلاة لوقتها ، ثم بر الوالدين ثم الجهاد في ~~سبيل الله ' ، فهذا تنصيص على تقديم بر الوالدين على الجهاد ، والوالدان في ~~سعة من أن لا يأذنا له إذا كان يدخلهما من ذلك مشقة شديدة ، لأنهما يحملانه ~~على ما هو الأقوى في حقه وهو برهما ، وبهذا تبين أنه لا يسعه الخروج بغير ~~إذنهما ، لأنه لو كان يسعه ذلك لكانا يأثمان في منعه ولو كانا يأثمان في ~~منعه لكان هو في سعة من الخروج حتى يبطل عنهما الإثم . PageV01P192 وكذلك ~~إن كان مات أحد أبويه والآخر حي لأن السبب الموجب للبر في حق الحي منهما ~~كامل . وإن كانا كافرين أو أحدهما كافر ، والآخر مسلم فكرها خروجه للجهاد ، ~~أو كرهه الكافر منهما ، فإن كان إنما كره ذلك على وجه المخافة على نفسه ~~والمشقة التي تلحقه بخروجه ، فلا ينبغي له أن يخرج ؛ لأنه في بر الوالدين ~~يستوي الكافر والمسلم ، قال الله تعالى : ' وصاحبهما في الدنيا معروفا ' ~~لقمان : 15 ، والمراد الأبوان المشركان بدليل قوله تعالى : ' وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ' لقمان : 15 . وإن كان إنما ينهاه عن ذلك كراهة أن يقاتل ~~أهل دينه ، لا شفقة عليه ، فليخرج ولا يطعه ؛ لأنه إنما كره خروجه بسبب ~~دعاه الشرك إلى ذلك لا الولاد ، وليس عليه طاعة في داعية الشرك ، وإنما ~~يعرف ذلك بغالب الظن والرأي ، لأن فيما لا طريق إلى معرفة حقيقته يبنى ~~الحكم فيه على أكثر الرأي . وهذا إذا كان لا يخاف عليه الضيعة ، فإن كان ~~يخاف عليه من ذلك لم يحل له أن يخرج ms0121 ؛ PageV01P193 لأنه إذا كان معسرا ~~محتاجا إلى خدمته فخدمته فرض عليه ، وإن كان كافرا ، وليس من الصواب أن ~~يترك فرضا عينا ليتوصل إلى ما هو فرض كفاية ، ولن ما يفوته من تضييع والده ~~، لا يمكنه تداركه وهو يتمكن أن يتدارك الجهاد في وقت آخر . حكامكم ، فليس ~~ينبغي الموادعة على ذلك ، لأنهم لا يلتزمون شيئا من أحكامنا ، وإنما ينتهي ~~القتال بعقد الذمة لما فيه من التزام أحكام الإسلام فيما يرجع إلى ~~المعاملات ، والرضا منهم بالمقام في دار الإسلام مقهورين ، ولما فيه من ترك ~~المحاربة أصلا ، ولا يوجد ذلك فيما طلبوا ، ولأنهم لو أجيبوا إلى ذلك ربما ~~يظنون أنا إنما نقاتلهم طمعا في أموالهم ، بل لا يشكون في ذلك ، ولا يحل ~~للمسلمين أن يقصدوا ذلك أو يظهروه من أنفسهم . إلا أن يكون لهم شوكة شديدة ~~، فحينئذ تجوز الموادعة معهم بغير مال يؤخذ منهم ، فلأن يجوز بمال يؤخذ ~~منهم كان أولى ، وهذا المال لا يؤخذ عوضا عن ترك القتال وإنما يؤخذ لأن ~~مالهم مباح لنا فباعتبار تلك الإباحة يؤخذ هذا المال منهم . قال : فإذا ~~أراد الخروج إلى الجهاد وله أبوان ، فليس ينبغي له أن يخرج حتى يستأذنهما ؛ ~~لأن بر الوالدين وترك ما يلحق الضرر والمشقة بهما فرض عليه عينا ، والجهاد ~~فرض على الكافية . إذا لم يقع النفير عاما فعليه أن يقدم الأقوى ، وفي ~~خروجه إلحاق الضرر والمشقة بهما ، فإن المجاهد على خطر في التمكن من الرجوع ~~. فإن أذنا له فليخرج ، وإن أذن له أحدهما ولم يأذن له الآخر فليس ينبغي له ~~أن يخرج مراعاة لحق الذي يأبى منهما ، وكذلك إن أبيا جميعا ، والأصل فيه ما ~~روي : أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني جئت أجاهد ~~معك ، وتركت والدي يبكيان ، فقال : ' اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما ' ، وأفضل ~~الجهاد ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمره بالرجوع لكراهة ~~الوالدين لخروجه ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال ~~قال : ' الصلاة لوقتها ، ثم بر الوالدين ثم ms0122 الجهاد في سبيل الله ' ، فهذا ~~تنصيص على تقديم بر الوالدين على الجهاد ، والوالدان في سعة من أن لا يأذنا ~~له إذا كان يدخلهما من ذلك مشقة شديدة ، لأنهما يحملانه على ما هو الأقوى ~~في حقه وهو برهما ، وبهذا تبين أنه لا يسعه الخروج بغير إذنهما ، لأنه لو ~~كان يسعه ذلك لكانا يأثمان في منعه ولو كانا يأثمان في منعه لكان هو في سعة ~~من الخروج حتى يبطل عنهما الإثم . وكذلك إن كان مات أحد أبويه والآخر حي ~~لأن السبب الموجب للبر في حق الحي منهما كامل . وإن كانا كافرين أو أحدهما ~~كافر ، والآخر مسلم فكرها خروجه للجهاد ، أو كرهه الكافر منهما ، فإن كان ~~إنما كره ذلك على وجه المخافة على نفسه والمشقة التي تلحقه بخروجه ، فلا ~~ينبغي له أن يخرج ؛ لأنه في بر الوالدين يستوي الكافر والمسلم ، قال الله ~~تعالى : ' وصاحبهما في الدنيا معروفا ' لقمان : 15 ، والمراد الأبوان ~~المشركان بدليل قوله تعالى : ' وإن جاهداك على أن تشرك بي ' لقمان : 15 . ~~وإن كان إنما ينهاه عن ذلك كراهة أن يقاتل أهل دينه ، لا شفقة عليه ، ~~فليخرج ولا يطعه ؛ لأنه إنما كره خروجه بسبب دعاه الشرك إلى ذلك لا الولاد ~~، وليس عليه طاعة في داعية الشرك ، وإنما يعرف ذلك بغالب الظن والرأي ، لأن ~~فيما لا طريق إلى معرفة حقيقته يبنى الحكم فيه على أكثر الرأي . وهذا إذا ~~كان لا يخاف عليه الضيعة ، فإن كان يخاف عليه من ذلك لم يحل له أن يخرج ؛ ~~لأنه إذا كان معسرا محتاجا إلى خدمته فخدمته فرض عليه ، وإن كان كافرا ، ~~وليس من الصواب أن يترك فرضا عينا ليتوصل إلى ما هو فرض كفاية ، ولن ما ~~يفوته من تضييع والده ، لا يمكنه تداركه وهو يتمكن أن يتدارك الجهاد في وقت ~~آخر . قال : وإن أذن له الأبوان وله جدان وجدتان فكرهوا خروجه فلا بأس بأن ~~يخرج ؛ لأنه في حال قيام الوالدين الأجداد والجدات كالأجانب ، ألا ترى أن ~~في حكم الحضانة والولاية واستحقاق الميراث هم كالأجانب ، فكذلك في المنع ms0123 عن ~~الخروج لا أمر لهم ما دام الوالدان حيين . فإن مات الأبوان فأذن له الجد ~~الذي من قبل أبيه والجدة التي من قبل أمه ، ولم يأذن له الآخران - يعني : ~~أب الأم وأم الأب - فلا بأس بأن يخرج ؛ لأن أب الأب ، عند عدم الأب قائم ~~مقامه بدليل ثبوت الولاية له ، وأم الأم عند عدم الأم بمنزلتها ، بدليل ~~ثبوت حق الحضانة لها ، والآخران معهما بمنزلة سائر الأجانب . وإن أذن له ~~الآخران ولم يأذن له هذان لم يكن له أن يخرج PageV01P194 وإن لم يكن له جدة ~~من قبل أم ، ولا جد من قبل الأب ، فاستأذن الآخرين فلم يأذنا له ، أو لم ~~يأذن له أحدهما فالمستحب له أن لا يخرج ؛ لأن حق الحضانة لأن الأب عند عدم ~~أم الأم ، وهي في ذلك بمنزلة الأم والجد أب الأم ، وإن لم يجعل كالأب في ~~الولاية فقد جعل كالأب في حكم الأم والجد أب الأم ، وإن لم يجعل كالأب في ~~الولاية فقد جعل كالأب في حكم القصاص ، وفي منع قبول الشهادة له ، وحرمة ~~وضع الزكاة فيه ، فإذا لم يبق جد أقرب منه ، كان هو قائما مقام الأب في ~~منعه من الخروج أيضا . وإن كان له أم وأب أب فأذن له أحدهما دون الآخر لم ~~يسع له أن يخرج حتى تأذنا له ؛ لأن أب الأب بمنزلة الأب عند عدمه ، فكأن ~~هذا ومن كان أبوه وأمه حيين في الحكم سواء . وإن لم يكن له أم وكانت له جدة ~~من قبل الأم وجدة من قبل الأب ، فحق الإذن للتي من قبل الأم خاصة ، ألا ترى ~~أنها في الحضانة مقدمة على الأخرى والجدة التي من قبل الأب لا تقوم مقام ~~الأب بدليل أنه لا تثبت لها الولاية كما تثبت للجد . ولو كانت الأم حية فحق ~~الإذن إليها وليس إلى الجدات من ذلك شيء ، بمنزلة حق الحضانة ، وكذلك مع ~~بقاء الأب ليس للأجداد إذن في هذا الباب . PageV01P195 وإن كان له أب و أم ~~أب ، فليس يبغي له أن يخرج حتى يأذنا له ms0124 ، لأن أم الأب إذا لم يكن سواها ~~أحد من الأمهات بمنزلة الأم ، ألا ترى أن حق الحضانة لها ؟ . وأشار في ~~الكتاب إلى أن له مخالفا في هذه المسألة ، ولم يبين من هو فكأن هذا المخالف ~~يقول : أم الأب تدلي بالأب ، وإذا لم يعتبر إذن الجد الذي يدلي بالأب مع ~~الأب لم يعتبر إذن أم الأب بالطريق الأولى ، وهذا فاسد ، فإنه لو كان له أم ~~، وأم أب ، فأذنت له الأم كان له أن يخرج ولو كان أم الأب ، باعتبار هذا ~~الإدلاء كالأب أو كالجد أب الأب لم يكن له أن يخرج إلا بإذنهما ، قال : وكل ~~سفر أراد الرجل أن يسافر غير الجهاد لتجارة أو حج أو عمرة فكره ذلك أبواه ~~وهو لا يخاف عليهما الضيعة ، فلا بأس بأن يخرج ؛ لأن الغالب في هذه الأسفار ~~السلامة ولا يلحقهما في خروجه مشقة شديدة ، فإن الحزن بحكم الغيبة ، يندفع ~~بالطمع في الرجوع ظاهرا . إلا أن يكون سفرا مخوفا عليه منه ، نحو ركوب ~~البحر ، فحينئذ حكم هذا وحكم الخروج إلى الجهاد سواء ؛ لأن خطر الهلاك فيه ~~أظهر PageV01P196 والسفر على قصد التعلم إذا كان الطريق آمنا والأمن في ~~الموضع الذي قصده ظاهرا لا يكون دون السفر للتجارة ، بل هذا فوقه ، لقوله ~~تعالى : ' فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ' فلا بأس ~~بأن يخرج إليه وإن كره الوالدان ، إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما ، قال : ~~وإن كان يخرج في التجارة إلى دار الحرب بالأمان فكرها ذلك فإن كانوا قوما ~~يفون بالعهد معروفين بذلك فلا بأس بأن يخرج ؛ لأن الغالب هو السلامة ، فصار ~~هذا والخروج إلى بلدة أخرى من دار الإسلام سواء . وإن كان يخرج في تجارة ~~إلى دار الحرب مع عسكر المسلمين فإن كان عسكرا عظيما كالصائفة فلا بأس بأن ~~يخرج وإن كرها خروجه ؛ لأن الغالب من حاله السلامة ، فإنه لا يعرض نفسه ~~بالاشتغال بالقتال والعسكر العظيم يقوون على دفع شر العدو عنه وعن أنفسهم . ~~PageV01P197 وإن كانت سرية أو نحوها لم يسعه أن يخرج ms0125 إلا بإذنهما ؛ لأن خطر ~~الهلاك أظهر في خروجه مع قوم ليس لهم قوة الدفع عنه ، وإنكن لا يخرج للجهاد ~~مع هؤلاء بغير إذنهما لخطر الهلاك فكذلك لا يخرج للتجارة . وإن كره خروجه ~~للجهاد أولاده أو إخوانه أو أعمامه أو عماته أو زوجته ، فلا بأس بأن يخرج ~~إذا كان لا يخاف عليهم الضيعة ، وإنما يخاف منهم الجزع عليه ؛ لأن المنع من ~~ذلك باعتبار وجوب بر الوالدين وغيرهما من الأولاد والقرابات لا يساويهما في ~~ذلك ، فكذلك في المنع من الخروج ، إلا أن يخاف الضيعة على أحد من هؤلاء ~~فحينئذ لا يسعه أن يخرج ويدع من تلزمه نفقته ، لأن القيام بتعاهده والإنفاق ~~عليه مستحق عليه بعينه قال صلى الله عليه وسلم : ' كفى بالمرء إثما أن يضيع ~~من يقوته ' ، وهذا الحكم في الذكور من أولاده الصغار ، والإناث صغارا كن أو ~~كبارا إذا لم يكن لهن أزواج والزمنى من الكبار الذين لا حرفة لهم من ذوي ~~الرحم ، لأن نفقتهم واجبة عليه شرعا فكذلك زوجته . وأما بنوه الكبار ~~الأصحاء وإخوانه الذين لازمانة بهم فلا بأس بأن يخرج ويدعهم وإن خاف الضيعة ~~عليهم ؛ لأنه لو كان حاضرا لم يجبر على نفقتهم وإن ضاعوا فلا يمتنع خروجه ~~بسبب خوف الضيعة عليهم ، وهذا كله إذا لم يكن النفير عاما . PageV01P198 ~~فأما إذا جاء النفير عاما فقيل لأهل مدينة : قد جاء العدو يريدون أنفسكم أو ~~ذراريكم أو أموالكم ، فلا بأس بأن يخرج بغير إذن والديه ؛ لأن الخروج في ~~مثل هذه الحالة فرض عين على كل واحد ، قال الله تعالى : ' انفروا خفافا ~~وثقالا ' التوبة : 41 ، وما يفوته بترك هذه الفريضة لا يمكنه استدراكه ، ~~وما يفوته بالخروج بغير إذن الوالدين يمكنه استدراكه بعد هذا ، فيشغل بما ~~هو الأهم ، ولأن الضرر في تركه الخروج أعم ، فإن ذلك يتعدى إليه وإلى ~~والديه وإلى غيرهم من المسلمين ، ولأنه لا يحل لوالديه أن ينهياه عن هذا ~~الخروج ، فيكون له أن يخرج ليسقط به الإثم عنهما ، ولا طاعة لهما عليه ، ~~فيما كانا عاصيين فيه ، ألا ترى أن رجلا ms0126 لو قطع الطريق على رجل ليأخذ ماله ~~أو ليقتله ، أو أراد امرأة ليفجر بها وهناك من له قوة على أن يمنعه من ذلك ~~فعليه أن يمنعه ، وإن كره ذلك والداه لم يسعه أن يطيعهما في ذلك ولم يسعهما ~~أن يمنعاه ، لأن هذا فرض عليه بعينه ، وإنما يلزمه طاعة الوالدين فيما يكون ~~موسعا عليه بين الإتيان والترك ، فأما ما يفترض عليه مباشرته بعينه فليس ~~لوالديه أن يمنعاه من ذلك ، أرأيت لو أريد أحد والديه بشيء من ذلك فنهاه ~~الوالد الآخر أن يعينه شفقة عليه أينبغي له أن يطيعه ويدع والده ينتهك ~~حرمته ؟ ذكر هذا على سبيل الاستقباح لمراعاة إذن الوالدين فيما هو فرض عليه ~~بعينه . قال : ولا ينبغي للعبد أن يجاهد بغير إذن مولاه ما لم PageV01P199 ~~يكن النفير عاما ، فإذا كان ذلك فله أن يخرج ، وليس لمولاه أن يمنعه من ذلك ~~؛ لأن فرضية الخروج عند النفير العام كفرضية الصوم والصلاة وذلك مستثنى ~~للعبد مما ملكه عليه مولاه ، وإذا تبين هذا في العبد ، وللمولى عليه ملك ~~على الحقيقة ، تبين في حق الولد مع الوالدين بطريق الأولى . وكذلك النساء ~~إذا كانت بهن قوة القتال فليخرجن إذ كان النفير عاما ، وقد بينا ما صنعت أم ~~سليم يوم حنين ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد : ' لمقام نسيبة ~~بنت كعب خير من مقام فلان وفلان ' فسمى جماعة من الذين فروا ، وكان النفير ~~عاما فاستحسن قتال النساء ومدح من لم يهرب منهم بما قال . فأما إذا لم يكن ~~النفير عاما ، فلا ينبغي أن يشتغل النساء بالقتال ولا ينبغي للشواب أن ~~يخرجن أيضا في الصوائف ونحوها ؛ لأن مقامهن في البيوت أقرب إلى دفع الفتنة ~~. PageV01P200 فأما العجائز فلا بأس بأن يخرجن مع الصوائف لمداواة الجرحى ، ~~جاء عن أم عطية قالت : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبع غزوات ~~، فكنت أطبخ لهم وأداوي الجرحى وأسقيهم الماء . ولا يعجبني أن يباشرن ~~القتال ، لأن بالرجال غنية عن قتال النساء ، فلا يشتغلن بذلك من غير ضرورة ~~وعند تحقق ms0127 الضرورة بوقوع النفير عاما لا بأس للمرأة أن تقاتل بغير إذن ~~وليها وزوجها بلغنا أن صفية بنت عبد المطلب قتلت يهوديا تسور عليهم حصنا ~~كانوا فيه ، وإنما كان هذا يوم الخندق ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جمع ~~النساء في أطم من آطام المدينة ، وكان حسان بن ثابت معهن ، فجاء يودي من ~~بني قريظة ، وأراد أن يتسور الحائط فأمرت صفية حسان بن ثابت بأن يقوم إليه ~~بحجر أو خشب فيقتله ، فقال حسان : أنا من أرباب اللسان لست من أرباب الضرب ~~والطعان في شيء ، فقامت بنفسها فقتلته ، ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك استحسنه منها ، فعرفنا أنه لا بأس بذلك ، وكذلك الغلمان الذين لم ~~يبلغوا إذا أطاقوا القتال فلا بأس PageV01P201 بأن يخرجوا ويقاتلوا في ~~النفير العام ، وإن كره ذلك الآباء والأمهات ، وفي غير هذه الحالة لا ينبغي ~~لهم أن يخرجوا ، إلا أن تطيب أنفسهم بذلك . قال : بلغنا أن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن تسع سنين ، فلو ~~حضر قتالا لقاتل ، فهذا لا بأس به ، والروايات اختلفت في سن علي رضي الله ~~عنه حين أسلم ، فالذي ذكره محمد في هذا الكتاب التسع والعشر ، وفي رواية ~~أنه أسلم وهو ابن سبع سنين ، وفي رواية أنه أسلم وهو ابن خمس سنين ، ~~واختلاف الرواية بهذه الصفة يبتنى على اختلاف الناس في سنة حين قتل ، فقال ~~جعفر بن محمد : قتل وهو ابن ثمان وخمسين سنة ، وقال الجاحظ : قتل وهو ابن ~~ستين ، وقال العتبي : قتل وهو ابن ثلاث وستين ، ولا خلاف في أنه أسلم في ~~أول مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعدما بعث بمكة ثلاثة عشرة سنة ، وبالمدينة عشرا ، والخلافة بعده ~~ثلاثون سنة انتهى ذلك بقتل علي رضي الله عنه ، فذلك ثلاث وخمسون ، فإن كانت ~~سنة حين قتل ما قاله جعفر بن محمد ظهر أنه أسلم وهو ابن PageV01P202 خمس ~~سنين وإن كان على ms0128 ما قاله الجاحظ فقد أسلم وهو ابن سبع سنين ، وإن كان على ~~ما قاله فقد أسلم وهو ابن عشر سنين ، ولا خلاف أنه لم يكن بالغا حين أسلم ~~وعليه دل قوله : ا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أسلم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو ابن تسع سنين ، فلو حضر قتالا لقاتل ، فهذا لا بأس به ، ~~والروايات اختلفت في سن علي رضي الله عنه حين أسلم ، فالذي ذكره محمد في ~~هذا الكتاب التسع والعشر ، وفي رواية أنه أسلم وهو ابن سبع سنين ، وفي ~~رواية أنه أسلم وهو ابن خمس سنين ، واختلاف الرواية بهذه الصفة يبتنى على ~~اختلاف الناس في سنة حين قتل ، فقال جعفر بن محمد : قتل وهو ابن ثمان ~~وخمسين سنة ، وقال الجاحظ : قتل وهو ابن ستين ، وقال العتبي : قتل وهو ابن ~~ثلاث وستين ، ولا خلاف في أنه أسلم في أول مبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما بعث بمكة ثلاثة عشرة سنة ~~، وبالمدينة عشرا ، والخلافة بعده ثلاثون سنة انتهى ذلك بقتل علي رضي الله ~~عنه ، فذلك ثلاث وخمسون ، فإن كانت سنة حين قتل ما قاله جعفر بن محمد ظهر ~~أنه أسلم وهو ابن خمس ستين وإن كان على ما قاله الجاحظ فقد أسلم وهو ابن ~~سبع سنين ، وإن كان على ما قاله فقد أسلم وهو ابن عشر سنين ، ولا خلاف أنه ~~لم يكن بالغا حين أسلم وعليه دل قوله : # سبقتكم إلى الإسلام طرا . . . غلاما ما بلغت أوان حلم # وإنما حققنا هذا لاعتماد أصحابنا على هذا الحديث في صحة إسلام الصبي . ~~قال : وإذا خرج القوم إلى الصوائف فأرادوا أن يخرجوا معهم النساء بغير ~~منفعة إلا المباضعة والخدمة فالمستحب أن لا يفعلوا ذلك مخافة عليهن ؛ لأن ~~النساء لحم على وضم ، إلا ما ذب عنهن ، ومن خرج للقتال ربما يبتلى بعارض ~~يشغله بنفسه ، ولا يتمكن فيه من الذب عن حرمه واقتضاء الشهوة بالمباضعة ليس ~~من أصول حوائجه ولا ms0129 ينبغي أن يعرض حرمه للضياع لأجله ، ولو لم يكره له ~~الخروج بهن إلا لمخافة أن يشتغل بهن عن القتال لكان ذلك كافيا . ~~PageV01P203 فإن كان لا بد من إخراجهن ، فالإماء دون الحرائر ؛ لأن حكم ~~الاختلاط بالرجال في حق الإماء أخف ، ألا ترى أن جميع الناس لهن بمنزلة ~~المحرم في النظر والمس وأنه لا بأس للأمة أن تسافر بغير محرم وليس للحرة ~~ذلك إلا مع زوج أو محرم ، وما هو المقصود له من المباضعة ، والخدمة يتم ~~بالإماء . ولكن مع هذا رخص في إخراج الحرائر والإماء لمن يقوى على حفظهن إن ~~ابتلي المسلمون بهزيمة ، حتى يخرجهن إلى دار الإسلام إما بقوة نفسه ، أو ~~بما معه من الظهور والخدم ، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا أراد أن يغزو قرع بين نسائه وأخرج منهن معه التي تقرع ، قالت عائشة رضي ~~الله عنها : فأصابتني القرعة في السفر الذي أصابني فيه ما أصابني حين تكلم ~~أهل الإفك بما تلكموا وهي غزوة المريسيع عزوة بني المصطلق من خزاعة . ~~ومعلوم أنه كان يأمن عليهن من الضياع بمن معه من المسلمين ، فمن يكون بهذه ~~الصفة فلا بأس له بأن يخرجهن ، وإنما يكره هذا لمن إذا ابتلي المسلمون ~~بهزيمة لم يقو على إخراجهن واشتغل بنفسه فيكون مضيعا لهن والتعرض لمثل هذا ~~التضييع حرام شرعا . وكذلك إن كانوا سرية يدخلون أرض العدو فإنه لا ينبغي ~~لأحد من العجائز أن يخرج معهم لمداواة الجرحى ؛ لأنهم جريدة خيل إذا حزبهم ~~أمر اشتغلوا بأنفسهم ، ولا يتمكنون من الدفع عنها وهي عاجزة عن الدفع عن ~~نفسها ، وإنما يحل لها ذلك PageV01P204 في الصوائف التي أكبر الرأي فيها ~~أنهم قاهرون لا ينهزمون من العدو فيتمكنون من الدفاع عنها وعن أنفسهم . ~~والحاصل أن الحكم يبنى على الظاهر ، فيما يتعذر الوقوف على حقيقة الحال فيه ~~. ولا بأس بإدخال المصاحف في أرض العدو لقراءة القرآن في مثل هذا العسكر ~~العظيم ولا يستحب له ذلك إذا كن يخرج في سرية ؛ لأن الغازي ربما يحتاج إلى ~~القراءة من ms0130 المصحف إذا كن لا يحسن القراءة عن ظهر قلبه ، أو يتبرك بحمل ~~المصحف ، أو يستنصر به فالقرآن حبل الله المتين من اعتصم به نجا ، إلا أنه ~~مهني عن تعريض المصحف لاستخفاف العدو به ، ولهذا لو اشتراه ذمي أجبر على ~~بيعه ، والظاهر أنه في العسكر العظيم يأمن هذا قوتهم ، وفي السرية ربما ~~يبتلى به لقلة عددهم ، فمن هذا الوجه يقع الفرق ، والذي روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ' نهى أن يسافر بالقرآن في أرض العدو ' . تأويله هذا أن ~~يكون سفره مع جريدة خيل لا شوكة لهم . هكذا ذكره محمد ، وذكر الطحاوي أن ~~هذا النهي ، كان في ذلك الوقت لأن المصاحف لم تكثر في أيدي المسلمين ، وكان ~~لا يؤمن إذا وقعت المصاحف في أيدي العدو أن يفوت شيء من القرآن من أيدي ~~المسلمين ، ويؤمن من مثله في زماننا لكثرة المصاحف وكثرة القراء ، قال ~~الطحاوي : ولو وقع مصحف في يدهم لم يستخفوا به لأنهم وإن كانوا لا يقرون ~~بأنه كلام الله فهم يقرون بأنه أفصح الكلام بأوجز العبارات وأبلغ المعاني ~~فلا يستخفون به ، كما لا يستخفون بسائر الكتب ، PageV01P205 لكن ما ذكره ~~محمد أصح ، فإنهم يفعلون ذلك مغايظة للمسلمين وقد ظهر ذلك من القرامطة حين ~~ظهروا على مكة ، جعلوا يستنجون بالمصاحف إلى أن قطع الله دابرهم ، ولهذا ~~منع الذمي من شرى المصحف في هذا الحكم ، فأما كتب الشعر فلا بأس بأن يحمله ~~مع نفسه ، وكذلك إن اشتراه الكافر لا يجبر على بيعه . وإن دخل إليهم مسلم ~~بأمان فلا بأس بأن يدخل معه المصحف إذا كانوا ربما لا يوفون بالعهد فلا ~~ينبغي له أن يحمل المصحف مع نفسه إذا دخل دارهم بأمان ، وإذا قال الحربي أو ~~الذمي للمسلم : علمني القرآن فلا بأس بأن يعلمه ، وفقهه في الدين لعل الله ~~يقلب قلبه ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن على ~~المشركين وبه أمر قال الله تعالى : ' بلغ ما أنزل إليك من ربك ' المائدة : ~~67 ، وقال الله تعالى : PageV01P206 ' ادع إلى سبيل ربك ms0131 بالحكمة والموعظة ~~الحسنة ' النحل : 125 ، ومعلوم أن تمام هذه الصفة في القرآن المستنبط من ~~القرآن وهو الحكمة كما قال الله تعالى : ' ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا ' البقرة : 269 ، وفسره المفسرون بالفقه ، وإنما يتحقق دعاءه ، بهذا ~~الطريق إذا علمه ذلك وفهمه وقال تعالى : ' وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ' التوبة : 6 . يعني : يسمع فيفهم ، فربما يرغب ~~في الإيمان لما يقف عليه من محاسن الشريعة وهذا هو المراد من قوله : لعل ~~الله يقلب قلبه ، وفي حديث عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ' خير الناس من تعلم القرآن وعلمه ' ، ولم يفصل بين تعليم المسلمين ~~وتعليم الكفار ، وإذا كان يندب إلى تعليم غير المخاطبين رجاء أن يعملوا به ~~إذا خوطبوا فلأن يندب إلى تعليم المخاطبين رجاء أن يهتدوا به ويعملوا كان ~~أولى . وإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الأموال والذراري والنساء ثم ~~علم بهم جماعة المسلمين ، ولهم عليهم قوة ، فالواجب عليهم أن يتبعوهم ما ~~داموا في دار الإسلام لا يسعهم إلا ذلك ؛ لأنهم إنما يتمكنون من المقام في ~~دار الإسلام بالتناصر وفي ترك التناصر ظهور العدو عليهم ، فلا يحل لهم ذلك ~~، وفعل أهل الحرب بهذه الصفة منكر قبيح والنهي عن المنكر فرض على المسلمين ~~والذين وقع الظهور عليهم صاروا مظلومين ويفترض على PageV01P207 المسلمين ~~دفع الظلم عن المظلوم والأخذ على يدي الظالم ، قال لعيه السلام : لان حتى ~~تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطرا . فإن دخلوا بهم دار الحرب ~~نظر فإن كان الذي في أيديهم ذراري المسلمين ، فالواجب على المسلمين أيضا أن ~~يتبعوهم إذا كان غالب رأيهم أنهم يقوون على استنقاذ الذراري من أيديهم إذا ~~أدركوهم ، ما لم يدخلوا حصونهم ؛ لأنهم ما ملكوا الذراري بالإحراز بدار ~~الحرب ، فكونها في أيديهم في دار الحرب ، وفي دار الإسلام سواء ، والمعتبر ~~تمكن المسلمين من الانتصاف منهم وذلك قائم باعتبار الظاهر ما لم يدخلوا ~~حصونهم . فأما إذا دخلوا حصونهم فإن أتاهم المسلمون حتى يقاتلوهم لاستنقاذ ~~الذراري فذلك ms0132 فضل أخذوا به ، وإن تركوهم رجوت أن يكونوا في سعة من ذلك ؛ ~~لأن الظاهر أنم بعدما وصلوا إلى مأمنهم ودخلوا حصونهم يعجز المسلمون عن ~~استنقاذ الذراري من أيديهم ، إلا بالمبالغة في الجهد وبذل النفوس والأموال ~~في ذلك ، فإن فعلوه فهو العزيمة وإن تركوه لدفع الحرج والمشقة عن أنفسهم ~~كان لهم في ذلك رخصة ألا ترى أنا نعلم أن في يد الكفار بالروم PageV01P208 ~~والهند بعض أسارى المسلمين ولا يجب على كل واحد منا الخروج لقتالهم ~~لاستنقاذ الأسارى من أيديهم . فإما إذا كان ما ظهروا عليه المال دون ~~الذراري فإذا دخلوا دار الحرب وسع المسلمين أن لا يتبعوهم بعد ذلك وإن ~~كانوا تبعوهم فهو أفضل ؛ لأنهم ملكوا الأموال بالإحراز ، وانتهت العصمة ~~الثابتة فيها بالإحراز بدار الحرب فالتحقت بسائر أموالهم والمسلمون في سعة ~~من أن يتركوا أتباعهم لأخذ أموالهم من أيديهم ، وإن كانوا لو فعلوا ذلك ~~لإعزاز الدين وقهر المشركين كان أفضل ، فكذلك حكم هذه الأموال . أنهم ما ~~ملكوا الذراري بالإحراز بدار الحرب ، فكونها في أيديهم في دار الحرب ، وفي ~~دار الإسلام سواء ، والمعتبر تمكن المسلمين من الانتصاف منهم وذلك قائم ~~باعتبار الظاهر ما لم يدخلوا حصونهم . فأما إذا دخلوا حصونهم فإن أتاهم ~~المسلمون حتى يقاتلوهم لاستنقاذ الذراري فذلك فضل أخذوا به ، وإن تركوهم ~~رجوت أن يكونوا في سعة من ذلك ؛ لأن الظاهر أنم بعدما وصلوا إلى مأمنهم ~~ودخلوا حصونهم يعجز المسلمون عن استنقاذ الذراري من أيديهم ، إلا بالمبالغة ~~في الجهد وبذل النفوس والأموال في ذلك ، فإن فعلوه فهو العزيمة وإن تركوه ~~لدفع الحرج والمشقة عن أنفسهم كان لهم في ذلك رخصة ألا ترى أنا نعلم أن في ~~يد الكفار بالروم والهند بعض أسارى المسلمين ولا يجب على كل واحد منا ~~الخروج لقتالهم لاستنقاذ الأسارى من أيديهم . فإما إذا كان ما ظهروا عليه ~~المال دون الذراري فإذا دخلوا دار الحرب وسع المسلمين أن لا يتبعوهم بعد ~~ذلك وإن كانوا تبعوهم فهو أفضل ؛ لأنهم ملكوا الأموال بالإحراز ، وانتهت ~~العصمة الثابتة فيها بالإحراز بدار الحرب ms0133 فالتحقت بسائر أموالهم والمسلمون ~~في سعة من أن يتركوا أتباعهم لأخذ أموالهم من أيديهم ، وإن كانوا لو فعلوا ~~ذلك لإعزاز الدين وقهر المشركين كان أفضل ، فكذلك حكم هذه الأموال . والحكم ~~فيما إذا ظهر أهل الحرب على ذراري أهل الذمة أو على أموالهم على نحو ما ~~ذكرنا أيضا ؛ لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة فقد التزموا دفع الظلم عنهم ~~وهم صاروا من أهل دار الإسلام ، ألا ترى أن الإحراز بعقد الذمة للمال ، ~~والنفس في حمن الضمان والعقوبة بمنزلة الإحراز الذي للمسلم ، فيستوي الحكم ~~في وجوب الاتباع ، والدليل على الفرق بين الأموال والذراري بعد دخول دار ~~الحرب أنهم لو أسلموا سلمت لهم الأموال ، وأمروا برد الذراري ، وفي دار ~~الإسلام لو أسلموا أمروا برد الأموال والذراري ، والمسلمون وأهل الذمة في ~~ذلك سواء فيتضح الفرق . وإن كان المسلمون حين بلغهم هذا النفير أكبر الرأي ~~منهم أنهم إن خرجوا في إثرهم لم يدركوهم حتى يدخلوا حصونهم في PageV01P209 ~~الذراري ، أو حتى يدخلوا دار الحرب في الأموال رجوت أن يكونوا في سعة من ~~ترك الاتباع ؛ لأن البناء على الظاهر جائز في مثل هذا ، والظاهر أنهم في ~~الخروج يتعبون أنفسهم من غير فائدة ، وإنما الذي يفترض فيه الخروج بعينه ~~على كل من يبلغه إذا كان أكبر الرأي منه أنه إذا خرج أدركهم وقوي على ~~الاستنقاذ من أيديهم بمنعة من المسلمين على ما بينا . قال : ولا بأس للذين ~~يسكنون الثغور من المسلمين أن يتخذوا فيها النساء والذراري وإن لم يكن بين ~~الثغور وبين أرض العدو أرض للمسلمين ؛ لأنهم يندبون إلى المقام في الثغور ، ~~وإنما يتمكنون من المقام بالنساء والذراري فالنساء سكن للرجال ولأنهم إذا ~~أقاموا في ذلك الموضع بالنساء والذراري كثروا بمرور الزمان حتى يصير ذلك ~~الموضع مصرا من أمصار المسلمين ويتخذ المسلمون وراء ذلك ثغرا بالقرب من ~~العدو . ولكن هذا إذا كانوا بحيث لو نزلت بهم جلبة العدو قدروا على دفع ~~شرهم عن أنفسهم وعن ذراريهم وتمكنوا من أن يخرجوهم إلى أرض الإسلام ، ~~PageV01P210 فأما إذا لم يكن بهذه الصفة ms0134 ، أي كانوا عددا قليلا لا يتمكنون ~~من دفع جلبة العدو ولا يقدرون على إخراج الذراري إلى أرض الإسلام . فإنه لا ~~ينبغي لهم أن يتخذوا النساء في مثل هذه الثغور ؛ لأن الظاهر أنهم يضيعون في ~~مثل هذه الثغور ، ويأمنون الضياع في الفصل الأول ، وهو نظير ما سبق من ~~الفصل بين الصائفة والسرية ، إلا أن هناك كره إخراج النساء مع الجيش العظيم ~~للمباضعة ، ولم يكره ذلك في الثغر إذا كثر فيه المسلمون ، لأن أهل العسكر ~~لا يطول مقامهم في دار الحرب فلا يحتاجون إلى النساء مدة مقامهم في الظاهر ~~، فإما أهل الثغور يطول مقامهم في الثغر ، بل يؤمرون بأن لا يبرحوا منها ، ~~وإذا كانوا عزابا ضجروا بالمقام فيها ، فلهذا لم ير بأسا بأنه يتخذوا فيها ~~النساء والذراري . فإن قال أهل الثغر : لا نقدر على دفع العدو بأنفسنا إن ~~أتانا ، ولكن نستغيث بالمسلمين فيأتينا الغياث منهم فندفع بهم العدو ، فإنه ~~لا ينبغي لهم أن يحملوا النساء والذراري إلى مثل هذه الثغور أيضا ؛ لأنهم ~~لا يقوون على الدفع عنهم بأنفسهم ، ولحوق الغوث بهم للدفع موهوم ، ولا يبنى ~~الحكم على الموهوم خصوصا فيما يكون الواجب فيه الأخذ بالاحيتاط ، ألا ترى ~~أنه يتوهم أن تقع فتنة أو عصيبة بين المسلمين فيشتغل بعضهم ببعض . حتى لا ~~يقدروا على إغاثة تلك الثغور ، فيضيع من PageV01P211 فيها من النساء ~~والذراري ، فلهذا لا يستقيم البناء على الغوث وإنما يبنون ذلك على شوكة ~~أنفسهم . وذكر عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' من ترك ~~دابة بمهلكة فهي لمن أحياها ، وبظاهر هذا الحديث أخذ بعض العلماء فقالوا : ~~إذا ترك الغازي دابته في هزيمة فأخذها مسلم آخر وأخرجها فهو أحق بها ، لأن ~~الأول تركها معرضا عنها ، وإنما كان مالكا لها لكونه محرزا لها بيده ، فإذا ~~زال ذلك التحقق بالصيود فهي لمن أخذها وأحياها . ولسنا نأخذ به ، فإن هذا ~~تسييب أهل الجاهلية ، وقد نفاه الشرع قال الله تعالى : ' ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ' الآية المائدة : 103 ، وليس التسييب في الدواب ms0135 نظير ~~الإعتاق في العبيد ، فبالإعتاق تحدث فيه صفة المالكية فتنتفي المملوكية ، ~~وبالتسييب لا تحذف صفة المالكية في الدواب ، وإذا بقيت مملوكة كانت لصاحبها ~~وحرمة الملك باعتبار حرمة المالك ، فلا يملكها أحد بالأخذ . وذكر عن الشعبي ~~أنه قال : يأخذها صاحبها ولا نفقة له على الذي أحياها إن كان أنفق من ماله ~~، وبهذا تبين أن الحديث الأول وهم ، فالشعبي هو الذي رواه ، وما كان يفتي ~~بخلاف ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، PageV01P212 ثم مثل هذا ~~الحديث الشاذ لا يكون معمولا به ، إذ كان مخالفا للأصول ، فكان الرجوع إلى ~~المقام المتفق على قبوله وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا بطيبة نفس منه ' أولى ، وكذلك قوله عليه السلام : ' من وجد عين ~~ماله فهو أحق به ' دليل على صحة ما قلنا ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه ~~الله يقول : يأخذها صاحبها ويرد على النفق ما أنفق عليه من ماله ، وقال ~~الشعبي : ليس عليه شيء من النفقة إن كان أنفق بغير ما أنفق عليه من ماله ، ~~وقال الشعبي : ليس عليه شيء من النفقة إن كان أنفق بغير إذنه وبقول الشعبي ~~نأخذ لأنه متبرع بالإنفاق على مالك الغير إذنه ، وهو يريد أن يلزمه دينا في ~~ذمته لنفسه ، وليس لأحد هذه الولاية على غيره فأما عمر بن عبد العزيز كان ~~يقول : دلالة الإذن في الإنفاق من صاحبها معلوم بطريق الظاهر ، لأنه لو ~~تمكن من إخراجها أنفق عليها من مال نفسه ، فإذا عجز عن ذلك كان مستعينا بكل ~~من يقوى على ذلك راضيا بأن ينفق عليها من ماله ، ودلالة الإذن كصريح الإذن ~~، ولكنا نقول : هذه الاستعانة والرضا يحتمل أن يكون منه على وجه التبرع ، ~~ويحتمل أن يكون على وجه الرجوع عليه بما ينفق والمحتمل لا يصلح حجة لإيجاب ~~الذين له في ذمته ، وهو نظير المودع ينفق على الوديعة في حال غيبة صاحبها ~~بغير أمر القاضي ، فإنه لا يرجع على صاحبها بما أنفق لهذا المعنى ، كذا هذا ~~، والله الموفق . م ، ثم مثل ms0136 هذا الحديث الشاذ لا يكون معمولا به ، إذ كان ~~مخالفا للأصول ، فكان الرجوع إلى المقام المتفق على قبوله وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ' لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه ' أولى ، وكذلك ~~قوله عليه السلام : ' من وجد عين ماله فهو أحق به ' دليل على صحة ما قلنا ، ~~وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول : يأخذها صاحبها ويرد على النفق ما ~~أنفق عليه من ماله ، وقال الشعبي : ليس عليه شيء من النفقة إن كان أنفق ~~بغير ما أنفق عليه من ماله ، وقال الشعبي : ليس عليه شيء من النفقة إن كان ~~أنفق بغير إذنه وبقول الشعبي نأخذ لأنه متبرع بالإنفاق على مالك الغير إذنه ~~، وهو يريد أن يلزمه دينا في ذمته لنفسه ، وليس لأحد هذه الولاية على غيره ~~فأما عمر بن عبد العزيز كان يقول : دلالة الإذن في الإنفاق من صاحبها معلوم ~~بطريق الظاهر ، لأنه لو تمكن من إخراجها أنفق عليها من مال نفسه ، فإذا عجز ~~عن ذلك كان مستعينا بكل من يقوى على ذلك راضيا بأن ينفق عليها من ماله ، ~~ودلالة الإذن كصريح الإذن ، ولكنا نقول : هذه الاستعانة والرضا يحتمل أن ~~يكون منه على وجه التبرع ، ويحتمل أن يكون على وجه الرجوع عليه بما ينفق ~~والمحتمل لا يصلح حجة لإيجاب الذين له في ذمته ، وهو نظير المودع ينفق على ~~الوديعة في حال غيبة صاحبها بغير أمر القاضي ، فإنه لا يرجع على صاحبها بما ~~أنفق لهذا المعنى ، كذا هذا ، والله الموفق . PageV01P213 # ؟ # | باب صاحب الساقة إذا وجد في أخريات الناس رجلا مع دابته # وإذا جعل أمير العسكر على الساقة رجلا يلحق من تخلف بالمعسكر فهو حسن في ~~دخول دار الحرب والانصراف منها ؛ لأن فيه نظرا للمسلمين ، فالذي يغلبه ~~النوم أو يعيي ربما يجلس أو ينام للاستراحة في موضع الخوف ثم لا يلتحق ~~بالجيش فيضيع . وإذا كان على الساقة من يكلفه اللحوق بالعسكر يؤمن عليه ~~الضياع ، وفي نظيره قال عمر رضي الله عنه : لو تركتم لبعتم أولادكم . فإن ~~وجد صاحب ms0137 الساقة رجلا قامت عليه دابته فأمره أن يترك الدابة ويلتحق بالعسكر ~~كيلا يهلك ، فأخذه وألحقه بالعسكر وترك دابته فهلكت ، لم يضمن له شيئا ؛ ~~لأنه ما تعرض للدابة بشيء إنما أحسن إلى صاحبها حين ألحقه بالعسكر ، ~~PageV01P214 ولو أساء إلى صاحبها بأن حبس صاحب المواشي حتى ضاعت مواشيه لم ~~يضمن شيئا ، فإذا أحسن إليه كان أولى ، ولأن الرجل ابتلي ببليتين : إما ~~يضيع دابته أو يضيع نفسه ، إن وقف معها ، ومن دفع إلى شرين فعليه أن يختار ~~أهونهما ، وذلك ترك الدابة فصاحب الساقة أمره بما يحق عليه فعله شرعا فيكون ~~محسنا وما على المحسنين من سبيل . وإن كان أخذ الدابة من يد صاحبها فنحاها ~~عنه ثم منعه من أخذها فهلكت ، فهو ضامن له قيمتها ؛ لأنه فوت له يده بصنع ~~أحدثه في الدابة ، وذلك غصب منه ، توضيحه أنه أمر بإزالة يد صاحب الدابة عن ~~الدابة وإنما أمر بإلحاقه بالعسكر ، وهو فيما أمر به غير محتاج إلى التعرض ~~لدابته ، فيكون ضامنا له قيمتها إذا أخرجها من يده كغيره ، وكذلك إن ذبحها ~~صاحب الساقة أو ضربها فقتلها فهو ضامن وهذا أظهر . فإن أخذ صاحب الدابة ~~بلجام دابته ففك صاحب الساقة يده وألحقه بالعسكر وترك الدابة في موضعها لم ~~يضمن شيئا ؛ لأن صنعه حل بيد صاحبها لا بالدابة ، وهذا دليل لأبي حنيفة ~~وأبي يوسف رحمهما الله في أن ضمان الغصب لا يجب إلا باعتبار صنع في المغصوب ~~يفوت يد المالك بتحويله عن الموضع الذي كان يد المالك عليه ثابتا فيه ، ~~فإنه إذا أخذ لجام الدابة نحاها كان ضامنا وإذا فك يد صاحبها عن اللجام لم ~~يكن ضامنا ، وتلف الدابة في الموضعين PageV01P215 حاصل بسبب واحد ، إلا أن ~~محمدا رحمه الله يسلم هذا الأصل فيما يحتمل النقل ، ولكنه يقول فيما لا ~~يحتمل النقل : يقام غيره مقامه باعتبار تفويت ثمرات الملك على المالك ، كما ~~تشترط الإشارة في الدعوى والشهادة إلى العين فيما يحتمل ، النقل إلى مجلس ~~القاضي ، ثم فيما لا يحتمل يقام ذكر الحدود مقامه للتيسير . وكذلك لو كان ~~الرجل ms0138 راكبا فأنزله كرها وألحقه بالعسكر لم يضمن دابته ؛ لأنه لم يصنع فيها ~~شيئا ، إنما صنعه في صاحبها . وإن أخذ صاحب الساقة الرجل فألحقه بالعسكر ~~وترك دابته ، فمر بها سرية كانوا على إثرهم فعلفوها وقاموا عليه حتى ~~ألحقوها بالعسكر ، ثم حضر صاحبها فهو أحق بها ؛ لأن وجد عين ماله فيكون أحق ~~به ، وليس لهم أن يرجعوا عليه بما أنفقوا ، لأنه لم يأمرهم بذلك ، وقد بينا ~~هذا ، وحكي أن الزبير بن العوام رضي الله عنه كان له رمح طويل وكان إذا شق ~~عليه حمله ألقاه على الطريق فيمر به بعض الأعراب ممن يكون في آخر العسكر ~~فيأخذه ، وهو لا يعرف قصته ، حتى يأتي به المنزل ، فيجيء الزبير ويقول : ~~جزاك الله خيرا فيما حملت من رمحي ، فيأخذه فعل ذلك غير مرة فإن كانوا حين ~~أتوا بها العسكر أخبروا الأمير خبرها فأمرهم أن ينفقوا عليها حتى يجدوا ~~صاحبها ففعلوا ذلك ، ثم حضر صاحبها ، أخذها وأعطاهم ما أنفقوا بعد أمر ~~الأمير ولم يعطهم شيئا مما أنفقوا قبل ذلك PageV01P216 لأن في هذا الأمر ~~نظرا لصاحبها بإحياء ملكه وإمساكه عليه ، والدابة لا تبقى بدون النفقة ، ~~والإنسان لا يرضى بالتبرع بالإنفاق على ملك الغير ، وللأمير ولاية النظر ~~لكل من عجز عن النظر لنفسه من الجند ، فكان أمره بذلك كأمر صاحب الدابة حين ~~صدر عن ولاية شرعية . فإن قالوا : أنفقنا عليها بعد المر كذا ، وذلك نفقة ~~مثلها ، وقال صاحبها : لم ينفقوا عليه من ذلك شيئا فالقول قول صاحبها ؛ ~~لأنهم يدعون في ذمته دينا لأنفسهم وهو منكر ، فيكون القول قوله بعدما يحلف ~~على علمه ، لأنه استحلاف على فعل الغير ، وهو إنفاقهم عليها ، فيكون على ~~العلم دون الثبات . فإن أقاموا شاهدين مسلمين على ما ادعوا ، أو كان ~~إنفاقهم بعلم الأمير رجعوا على صاحبها ، ولا يلتفت إلى إنكاره لثبوت ما ~~ادعوا بحجة حكمية ، وذلك علم الأمير أو شهادة شاهدين . فإن كانوا حين ~~رفعوها إلى الأمير وشهد الشهود أنهم وجدوها لا يدرون لمن هي ، إن رأى ~~الإمام أن يبيعها فباعها جاز لأن ذلك ms0139 نظر منه لصاحبها ، فالإنفاق ربما يأتي ~~على ماليتها ، وحفظ ثمنها أيسر من حفظ عينها ، وللأمير ولاية النظر على ~~جنده PageV01P217 وليس لصاحبها إذا حضر أن يبطل البيع ، وإنما حقه في ثمنها ~~، فإن كان أمرهم بالإنفاق زمانا ثم باعها ، فقالوا : أعطنا من الثمن ما ~~أنفقنا ، وأقاموا البينة على ما ادعوا من النفقة قبل أن يحضر صاحبها أو ~~بعدما حضر أعطاهم ما أنفقوا بعد أمره ؛ لأنهم استوجبوا ذلك في ذمة صاحبها ~~أو بعدما حضر أعطاهم ما أنفقوا بعد أمره ؛ لأنهم استوجبوا ذلك في ذمة ~~صاحبها بإحيائهم مالية هذه الدابة ، ولهذا لو حضر صاحبها كان لهم أن ~~يحبسوها حتى يأخذوا ما أنفقوا بمنزلة راد الآبق ، يحبسه بالجعل والثمن بدل ~~تلك المالية ، فيعطيهم ، الأمير مقدار حقهم من ذلك ، وهذه البينة مقبولة ~~منهم قبل حضور صاحبها باعتبار أن الأمير خصم فيه عن صاحبها ، كما تقبل ~~البينة مقبولة كما تقبل البينة منهم في ابتداء الأمر بالإنفاق ، فإنهم لو ~~قالوا للأمير : وجدنا هذه الدابة ولا نعرف صاحبها أمرهم بأن يأتوه بشهود ~~على ذلك ، ويقبل بينتهم ليأمرهم بالإنفاق . فإن لم يأتوه بشهود ورأى الأمير ~~النظر في أن يأمرهم بذلك فلا بأس بأن يقول : أمرتهم أن ينفقوا عليها ، على ~~أنه إن كان الأمر كما زعموا رجعوا على صاحبها ، وإلا فلست آمرهم بشيء من ~~ذلك ، ويشهد على هذا ، أو يقول : أمرتهم ببيعها وإنفاق ثمنها إن كان الأمر ~~كما ذكروا ، وإن كان الأمر على غير ما زعموا فلست آمرهم بشيء من ذلك ، وهذا ~~لأن الإشهاد بهذه الصفة يتمحض نظرا لصاحبها بأنهم إن PageV01P218 كانوا ~~صادقين يحيا ملكه بهذا ، وإن كانوا غاصبين لا يستفيدون البراءة عما لزمهم ~~من الضمان بهذ 1 ، ولذلك لا يجوز البيع ، باعتبار هذا الأمر إذا كان من في ~~يده غاصبا . فإن حضر صاحبها وقد هلك الثمن في يد من باعها بعد أمر الأمير ~~بهذه الصفة فإن أقر بما أخبر المخبر به الأمير فهو بريء من ضمانه وضمان ~~ثمنه ؛ لأنه تبين أن البيع كان بإذن صحيح . وإن جحد صاحبها ذلك فالبائع ms0140 ~~ضامن لقيمتها حتى يقيم البينة على ما يدعي فرن أقام البينة على م يدعي ، ~~فالثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصم ، فإن وجد صاحبها الدابة في يد ~~المشتري كان له أن يأخذها إذا أقام البينة أنها له ؛ لأنه وجد عين ماله . ~~فإن أقام المشتري البينة . على ما قاله الواجد وعلى ما أمره به الأمير سلم ~~له ما اشترى ، لأنه أثبت سبب ملك صحيح لنفسه بالبينة . وإن لم يكن له بينة ~~أخذ الدابة صاحبها ورجع المشتري على البائع بالثمن ، لاستحقاق المبيع من ~~يده . PageV01P219 فإن أقام البائع البينة على ما ادعى ، من أنه وجدها ~~ضائعة وأن الأمير أمره ببيعها برئ هو من الثمن ، بمحضر من الذي استحقه ، ~~وهذا التقييد دليل على مسألة أخرى وهو أن المشتري إذا استحق منه المبيع ~~فأراد أن يرجع بالثمن على البائع ، فأقام البائع بينة على أمر يبطل به ~~استحقاق المستحق ، إن كان ذلك بحضرة المستحق تقبل ، وإلا فلا ، ورجع ~~المشتري فأخذها من المستحق ، لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، ~~وأي قاض رفع إليه هذه الحادثة وسئل إجازة البيع لم يجزه حتى تقوم البينة ~~عنده على جميع ما بينا ، لأن ولاية الإجازة إنما تثبت له إذا ظهر جميع ذلك ~~عنده ولا يظهر إلا بالحجة والله المعين . بالإنفاق زمانا ثم باعها ، فقالوا ~~: أعطنا من الثمن ما أنفقنا ، وأقاموا البينة على ما ادعوا من النفقة قبل ~~أن يحضر صاحبها أو بعدما حضر أعطاهم ما أنفقوا بعد أمره ؛ لأنهم استوجبوا ~~ذلك في ذمة صاحبها أو بعدما حضر أعطاهم ما أنفقوا بعد أمره ؛ لأنهم ~~استوجبوا ذلك في ذمة صاحبها بإحيائهم مالية هذه الدابة ، ولهذا لو حضر ~~صاحبها كان لهم أن يحبسوها حتى يأخذوا ما أنفقوا بمنزلة راد الآبق ، يحبسه ~~بالجعل والثمن بدل تلك المالية ، فيعطيهم ، الأمير مقدار حقهم من ذلك ، ~~وهذه البينة مقبولة منهم قبل حضور صاحبها باعتبار أن الأمير خصم فيه عن ~~صاحبها ، كما تقبل البينة مقبولة كما تقبل البينة منهم في ابتداء الأمر ~~بالإنفاق ، فإنهم لو قالوا للأمير : وجدنا هذه الدابة ولا ms0141 نعرف صاحبها ~~أمرهم بأن يأتوه بشهود على ذلك ، ويقبل بينتهم ليأمرهم بالإنفاق . فإن لم ~~يأتوه بشهود ورأى الأمير النظر في أن يأمرهم بذلك فلا بأس بأن يقول : ~~أمرتهم أن ينفقوا عليها ، على أنه إن كان الأمر كما زعموا رجعوا على صاحبها ~~، وإلا فلست آمرهم بشيء من ذلك ، ويشهد على هذا ، أو يقول : أمرتهم ببيعها ~~وإنفاق ثمنها إن كان الأمر كما ذكروا ، وإن كان الأمر على غير ما زعموا ~~فلست آمرهم بشيء من ذلك ، وهذا لأن الإشهاد بهذه الصفة يتمحض نظرا لصاحبها ~~بأنهم إن كانوا صادقين يحيا ملكه بهذا ، وإن كانوا غاصبين لا يستفيدون ~~البراءة عما لزمهم من الضمان بهذ 1 ، ولذلك لا يجوز البيع ، باعتبار هذا ~~الأمر إذا كان من في يده غاصبا . فإن حضر صاحبها وقد هلك الثمن في يد من ~~باعها بعد أمر الأمير بهذه الصفة فإن أقر بما أخبر المخبر به الأمير فهو ~~بريء من ضمانه وضمان ثمنه ؛ لأنه تبين أن البيع كان بإذن صحيح . وإن جحد ~~صاحبها ذلك فالبائع ضامن لقيمتها حتى يقيم البينة على ما يدعي فرن أقام ~~البينة على م يدعي ، فالثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصم ، فإن وجد ~~صاحبها الدابة في يد المشتري كان له أن يأخذها إذا أقام البينة أنها له ؛ ~~لأنه وجد عين ماله . فإن أقام المشتري البينة . على ما قاله الواجد وعلى ما ~~أمره به الأمير سلم له ما اشترى ، لأنه أثبت سبب ملك صحيح لنفسه بالبينة . ~~وإن لم يكن له بينة أخذ الدابة صاحبها ورجع المشتري على البائع بالثمن ، ~~لاستحقاق المبيع من يده . فإن أقام البائع البينة على ما ادعى ، من أنه ~~وجدها ضائعة وأن الأمير أمره ببيعها برئ هو من الثمن ، بمحضر من الذي ~~استحقه ، وهذا التقييد دليل على مسألة أخرى وهو أن المشتري إذا استحق منه ~~المبيع فأراد أن يرجع بالثمن على البائع ، فأقام البائع بينة على أمر يبطل ~~به استحقاق المستحق ، إن كان ذلك بحضرة المستحق تقبل ، وإلا فلا ، ورجع ~~المشتري فأخذها من المستحق ، لأن الثابت بالبينة ms0142 كالثابت بإقرار الخصم ، ~~وأي قاض رفع إليه هذه الحادثة وسئل إجازة البيع لم يجزه حتى تقوم البينة ~~عنده على جميع ما بينا ، لأن ولاية الإجازة إنما تثبت له إذا ظهر جميع ذلك ~~عنده ولا يظهر إلا بالحجة والله المعين . PageV01P220 ؟ ؟ # | باب سجدة الشكر # وإذا أتى الأمير أمر يسره فأراد أن يشكر الله تعالى عليه فلا بأس بأن ~~يكبر مستقبل القبلة ، فيخر ساجدا يحمد الله تعالى ويشكره ، ويسبح ويكبر ~~تكبيرة ويرفع رأسه ، وهذه سجدة الشكر ، وهي سنة عند محمد ، وكذلك في قول ~~أبي يوسف ، رواه عنه ابن سماعة فأما أبو حنيفة فكان لا يراها شيئا ، أي ~~شيئا مسنونا ، أو لا يراها شكرا تاما فإن تمام الشكر في أن يصلي ركعتين ، ~~كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وقد روي عن إبراهيم ~~النخعي أنه كان يكرهها ، وهكذا روي ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ، ~~لأنه لو فعله من يكون منظورا إليه ربما يظن ظان أن ذلك واجب أو سنة متبعة ~~عند حدوث النعم ، فيكون مدخلا في الدين ما ليس منه ، وقال عليه السلام : ' ~~من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد ' وما من ساعة إلا وفيها نعمة متجددة ~~لله تعالى على كل أحد من صحة أو غير ذلك ، فلو اشتغل بالسجود عند كل نعمة ~~لم يتفرغ لشغل آخر ولما وفق ، حتى سجد كان ذلك نعمة ، ينبغي أن يسجد لها ~~ثانيا ، ولكن استحسن محمد الآثار المروية في الباب . PageV01P221 منها ما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بشر ببشرى تسره خر ساجدا لله ، ~~وروي أنه عليه السلام مر برجل به زمانة فسجد ، ومر به أبو بكر وعمر ففعلا ~~ذلكن وفي كتب الحديث يروى أن النبي عليه السلام مر بنغاشي فسجد يعني ناقص ~~الخلق . وروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما أتاه فتح اليمامة سجد وعن أبي ~~موسى الأشعري قال : كنا مع علي بن أبي طالب بالنهروان فقال : التمسوه ، ~~يعني ذا الثدية ، فالتمسوه فلم يجدوه ms0143 ، فجعل PageV01P222 يعرق جبينه ويقول ~~: ما كذبت ول كذبت ، فوجدوه في ساقية أو بئر ، فسجد علي رضي الله عنه سجدة ~~، وأصل هذا ما روي أنه لما قاتل علي رضي الله عنه الحرورية قال : انظروا ، ~~فإن فيهم رجلا إحدى ثدييه مثل ثدي المرأة ، حدثني نبي الله أني صاحبه ~~فقلبوا القتلى فلم يجدوه ، فقال : انظروا ، فوالله ما كذبت ولا كذبت ، ~~قالوا : فإن سبعة نفر تحت نخل لم نقلبهم بعد ، قال : انظروا ، قال الراوي : ~~فرأيت في رجليه حبلا جروه به حتى ألقوه بين يديه فخر لله ساجدا ، وقال : ~~أبشروا ، وإنما فعل هذا لأنه أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره ~~بأن القوم الذي فيهم رجل بهذه الصفة يقاتلونك وهم على الضلالة ، فحين وجدوه ~~كان ذلك نعمة عظيمة ، فلهذا خر لله ساجدا ، وبالله العون والتوفيق . ~~PageV01P223 # | باب صلاة الخوف # قال محمد رحمه الله : اختلف الناس في الصلاة الخوف ، وأحسن الأقاويل فيها ~~ما قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وجامعهما عليه ابن عمر ، وهو أن يجعل ~~الإمام الناس طائفتين فتقف طائفة بإزاء العدو ويصلي بطائفة شطر الصلاة ، ثم ~~تذهب هذه الطائفة فتقف بإزاء العدو وتأتي الطائفة الأخرى ، فيصلي بهم شطر ~~الصلاة ثم يسلم الإمام ، وتذهب هذه الطائفة فتقف بإزاء العدو وتأتي الطائفة ~~الأولى فيتمون صلاتهم بغير قراءة لأنهم أدركوا أول الصلاة ، فهم في حكم ~~المقتدين في جميعها ثم تأتي الطائفة الثانية فيقضون ما فاتهم بقراءة لأنهم ~~مسبوقون فيها ، وقد بينا في كتاب الصلاة ما في هذا الباب من اختلاف الآثار ~~واختلاف العلماء وما في نوادر أبي سليمان لأبي يوسف من الفرق بينهما إذا ~~كان العدو في جهة القبلة أو في دبر القبلة في حكم صلاة الخوف . وذكر هاهنا ~~في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن الإمام يصلي بكل طائفة سجدة PageV01P224 ~~وإنما أراد به ركعة وهذه لغة معروفة عند أهل الحجاز يقولون : سجد فلان سجدة ~~: أي صلى ركعة . وذكر في حديثه أيضا : فإن كان خوفا هو أشد من ذلك صلوا ~~رجالا على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي ms0144 القبلة أو غير مستقبليها ، وإنما أراد ~~إذا كانوا قياما لا مشاة ، فإن المشي عمل لا يجوز الصلاة معه بمنزلة ~~السباحة في البحر والمسايفة في زمان القتال وذكر عن محمد بن يحيى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فنزل منزلا لم يقعد حتى يصلي ركعتين ، ~~وأهل الحديث يروون هذا الحديث أتم من هذا ، لأنه في كل منزل كان يعين مكان ~~الصلاة أولا فيصلي فيه ركعتين ، وهكذا ينبغي لكل مسافر أن يفعله ، فإن ~~النزول للاستراحة وذلك نصيب البدن ، فالأولى أن يقدم أمر الدين عليه ، وروي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته كان يصلي ويسعى في مهنة أهله ، وبه ~~أمر أمته فقال : ' لا تتخذوا بيوتكم قبورا ، قيل معناه : لا تصلوا فيه وقيل ~~معناه : بأن تناموا فيه من غير حاجة وأن تعينوا أهاليكم في حوائجهم ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم : ' جعلت قرة عيني في الصلاة ' ، وقرة عين أمته فيما ~~فيه قرة عينه ، فالبداية به عند النزول في المنزل أولى . PageV01P225 قال : ~~وإذا ابتلي المسلم بالقتل صبرا ، فإنه يستحب له أن يصلي عند ذلك ركعتين ~~ويستغفر بعدهما ذنوبه ، ليكون آخر عمله الصلاة والاستغفار قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ' من ختم كتابه بالطاعة غفر له ما سلف ' وقال : ' الأمور ~~بخواتيمها ' وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ' من كان أول كلامه وآخر كلامه قول : لا إله إلا الله غفر له ما بين ~~ذلك ' ، فلهذا استحبوا أن يلقن الصبي في أول ما يقدر على التكلم كلمة ~~التوحيد ويلقن ذلك عند موته أيضا ليكون أول كلامه وآخر كلامه هذا . ثم ~~الأصل في الباب حديث خبيب ، فإنه لما أسر فبيع بمكة خرجوا إلى الحل ليقتلوه ~~فقال : دعوني أصلي ركعتين ، فقالوا : صل ، فصلى ركعتين ، ثم قال : لولا أن ~~تظنوني جزعت من الموت لزدت ، وفي رواية : أوجزهما وقال : لو لا خشية أن ~~يقولوا : جزع من الموت لطولت صلاتي ثم نظر في وجوه المشركين فلم ير إلا ~~شامتا أو شاتما ms0145 أو إنسانا في يده حجر أو عصا ، فقال : والله ما أرى إلا وجه ~~عدو ، اللهم ليس هاهنا أحد يبلغ رسولك عني السلام ، فأقرئ رسولك وأصحابه ~~مني السلام ، PageV01P226 وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه السلام ~~وهو على المنبر بالمدينة ، ثم قال خبيب : اللهم أحصهم عددا والعنهم بددا ، ~~ولا تبق منهم أحدا ، زاد في كتب الحديث أنه التمس منهم أن يكبوه على وجهه ~~مستقبل القبلة ليقتلوه وهو ساجد ، فأبوا عليه ، فجعل يقول : # ولست أبالي حين أقتل مسلما . . . على أي جنب كان في الله مصرعي # ثم صلبوه بعد القتل مستدبر الكعبة ، فتحولت خشبته حتى صار مستقبل الكعبة ~~، وقد استحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنعه خبيب عند القتل من ~~الصلاة ركعتين وسماه سيد الشهداء وقال : ' هو رفيقي في الجنة ' ، فصارت سنة ~~من ذلك الوقت . قال : وصلاة الخوف إنما تكون إذا كانوا موافقين للعدو فأما ~~في حالة المسايفة والمطاعنة والرمي ، فلا تستقيم الصلاة لأن هذا عمل ، ولا ~~تستقيم الصلاة مع الاشتغال بعمل ليس منها ، ولكنهم يؤخرون الصلاة إلى أن ~~يفرغوا من ذلك ؛ لأن ما يفوتهم من الصلاة يمكنهم تداركه بعد هذا وما يفوتهم ~~بالاشتغال بالصلاة ، والكف عن القتال في هذه الحالة لا يمكنهم تداركه . ~~PageV01P227 والأصل فيه حديث أبي سعيد الخدري قال : حبسنا يوم الخندق عن ~~الصلاة إلى هوي من الليل حتى كفينا ، كما قال الله تعالى : ' وكفى الله ~~المؤمنين القتال ' الأحزاب : 25 فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا ~~فأمر فأقام الصلاة صلاة الظهر ، فصلاها كأحسن ما كان يصليها في وقتها ، ثم ~~أقام العصر فصلاها مثل ذلك ، ثم المغرب ، ثم العشاء وذلك قبل أن ينزل في ~~صلاة الخوف : ' فرجالا أو ركبانا ' البقرة : 239 ، وفي رواية ابن مسعود رضي ~~الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فأذن وأقام للأولى ، ثم ~~أقام لكل صلاة بعد الأولى ، وفي رواية عنه أنه أمره فأذن وأقام لكل صلاة ~~وبأي ذلك أخذت فهو حسن ، وفيه دليل جواز تأخير الصلاة لشغل القتال ms0146 ، وأن ~~المستحب في الفوائت أن تقضى بالجماعة كما فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وإن كانوا قياما على أرجلهم أو ركبانا لا يعملون شيئا ، صلوا بالإيماء ~~ولم يجز لهم تأخير الصلاة لأن عند العجز عن الركوع والسجود ، الفرض يتأدى ~~بالإيماء وعجزهم ظاهر . وذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نسي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الأحزاب ، حتى صلى المغرب ، ثم ذكر ~~بعد ذلك أنه لم يصل فصلاها ، PageV01P228 وفيه دليل على أن الترتيب يسقط ~~بعذر النسيان ، وقد بينا هذا في كتاب الصلاة ، ثم يوم الأحزاب هو يوم ~~الخندق أيضا وقد ذكر في الحديث الأول أنه ترك أربع صلوات ، وفي هذا الحديث ~~ذكر أنه ترك صلاة العصر وكلاهما صحيح فقد روي أنه قال : ' شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى ، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ' ، يعني : صلاة العصر ، فوجه ~~التوفيق أن كل واحد من الأمرين كان في يوم على حدة ، لأنهم بقوا في الخندق ~~سبعة عشر يوما ، وكانوا مشغولين بالقتال في أكثر تلك الأيام ليلا ونهارا ، ~~والله الموفق . PageV01P229 # | باب الشهيد وما يصنع به # قال محمد رحمه الله : الشهيد إذا قتل في المعركة لم يغسل ، ويصلى عليه في ~~قول أهل العراق وأهل الشام وبه نأخذ وفي قول أهل المدينة لا يصلى عليه ، ~~وممن قال ذلك مالك بن أنس ، واعلم أن محمدا رحمه الله سلك في هذا الكتاب ~~للترجيح طريقا سوى ما ذكره في سائر الكتب وهو أنه نظر فيما اختلف فيه أهل ~~العراق وأهل الشام وأهل الحجاز ، فرجع ما اتفق عليه فريقان ، وأخذ به دون ~~ما تفرد به فريق واحد ، وهذا خلاف ما هو المذهب الظاهر لأصحابنا في الترجيح ~~أنه لا يكون بكثرة العدد وعليه دل ظاهر قوله تعالى : ' إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ، وقليل ما هم ' ص : 24 ، وقال تعالى : ' ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون ' الآعراف : 187 وقال تعالى : ' وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ~~' يوسف : 103 ، ووجه ما اعتبره هاهنا أن مثل هذا الاختلاف إنما يترتب على ~~اشتباه ms0147 الأثر فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازي ، وكان ~~ذلك أمرا ظاهرا ، فتهمة الغلط فيما تفرد به فريق واحد يكون أظهر من تهمة ~~الغلط فيما اجتمع عليه فريقان كما في هذه المسألة . PageV01P230 فإن جابرا ~~روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد ، وأكثر الصحابة ~~يروون أنه صلى عليهم ، حتى رووا أنه صلى على حمزة رضي الله عنه سبعين صلاة ~~، كان موضوعا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما أتى رجل صلى عليه ~~وعلى حمزة معه ، وكان جابر رضي الله عنه يومئذ قتل أبوه وخاله ، فكان ~~مشغولا بهما ، لم يشهد صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء على ~~ما روي أنه حملهم إلى المدينة فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~ادفنوا القتلى في مضاجعهم فردهما ، ولا شك أن توهم الغلط في روايته أظهر . ~~ثم أهل المدينة يقولون : إن الصلاة على الميت استغفار له وترحم عليه ، ~~والشهيد يستغني عن ذلك ، فإن السيف محاء للذنوب ونحن نقول : الصلاة على ~~الميت من حق المسلم على المسلم كرامة له والشهيد أولى بهذه الكرامة ، ولا ~~إشكال أن درجة الشهيد دون درجة من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وقد ~~صلى عليه أصحابه ، والناس يقولون : وارحم محمدا وآل محمد في الصلاة ، ~~فعلمنا أنه لا يبلغ الشهيد درجة يستغنى بها عن استغفار المؤمنين والدعاء ~~بالرحمة له ، ومن يقول منهم : إن الشهيد حي بالنص ولا يصلى على الحي ، فهذا ~~ضعيف أيضا ، لأنه حي في أحكام الآخرة فأما في أحكام الدنيا فهو ميت في حقنا ~~، ويقسم ميراثه ، ويجوز لزوجته أن تتزوج بعد انقضاء العدة ، والصلاة على ~~الميت من أحكام الدنيا إلا أنه لا يغسل ليكون ما عليه شاهدا له على خصمه ~~يوم القيامة PageV01P231 # قال عليه السلام في شهداء أحد ' زملوهم بدمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة ~~وأوداجهم تشخب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك ، ولهذا لا ينزع ~~عنه جميع ثيابه ، على ما روي أن ms0148 حمزة رضي الله عنه كفن في نمرة كانت عليه ~~حين استشهد ، ولكن ينزع عنه السلاح لأنه كان لبسه لدفع البأس فقد انقطع ذلك ~~، ولأن دفن القتلى مع الأسلحة فعل أهل الجاهلية ، وقد نهينا عن التشبه بهم ~~، وكذلك ما لبس من جنس الكفن كالسراويل والقلنسوة والمنطقة والخاتم والخف ، ~~هكذا ذكر عن جماعة من أئمة التابعين ، لأهله أن يزيدوا في أكفانه ما أحبوا ~~، وبهذا اللفظ يستدل على أن التقدير بثلاثة أثواب أو بثوبين في كفن الرجال ~~غير لازم . وإن صار مرتثا ، فهو شهيد في أحكام الآخرة ولكن يصنع به ما يصنع ~~بالموتى من الغسل والتكفين ، والمرتث : من يصير خلقا في حكم الشهادة ، ~~مأخوذ من قول القائل ، ثوب رث أي خلق . فإذا حمل من مصرعه حيا فمات على ~~أيدي الرجال أو مرض في خيمته فهو مرتث ؛ لأنه نال بعض الراحة . PageV01P232 ~~فأما إذا جر برجله من بين صفين لكيلا تطأه الخيول فإنه لا يغسل ؛ لأن نقله ~~من صرعه لم يكن لإيصال الراحة إليه . ولو أكل أو شرب فإنه يغسل ؛ لأنه نال ~~بعض الراحة بذلك ، قال : وذكر عن زيد بن صوحان قال : لا تنزعوا عني ثوبا ~~إلا الخفين ، ولا تغسلوا عني دما ، وارمسوني في الأرض رمسا ، فإني رجل محاج ~~أحاج يوم القيامة من قتلني ، ففيه دليل على أنه لا ينزع عن الشهيد من ثيابه ~~إلا ما ليس من جنس الكفن ، وأنه لا يغسل ليكون ما عليه من الدم شاهدا له ~~يوم القيامة : وعن سعيد ابن عبيد : أنه خطب الناس بالقادسية فقال : إنا لا ~~قون غدا فمستشهدون ، فلا تغسلوا عنا دما ولا تكفنونا في ثوب إلا ما علينا ، ~~وهذا دليل على ما ذكرنا أيضا ، وكأنه كره شيئا مما يرجع إلى الزينة في كفنه ~~، لا لأن الزيادة لا تحل . وذكر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يوم أحد : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة زملوهم في ثيابهم ، ثم قال : أي ~~PageV01P233 هؤلاء كان أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى رجل قدمه في ~~اللحد قبل ms0149 صاحبه ، وكان يدفن في القبر الاثنين والثلاثة ، وفيه دليل على ~~أنه لا بأس عند الضرورة بدفن الجماعة في قبر واحد فالأنصار يومئذ أصابهم ~~قرح وجهد شديد حتى شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : إن الحفر ~~علينا لكل إنسان شديد ، فقال : ' أعمقوا وأوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة ~~' ، ولكن ينبغي عند الحاجة أن يجعل بين كل ميتين حاجز من التراب كي يصير في ~~حكم قبرين ، وعلى هذا الوجه لا بأس بدفن المرأة والرجل في قبر واحد ، على ~~ما رواه عن إبراهيم ويقدم إلى جانب القبلة أفضلهما وهو الرجل . فإن كانا ~~رجلين تقدم أفضلهما أيضا ، على ما قال عليه السلام : ' قدموا أكثرهم أخذا ~~للقرآن ' ، فإن أكثرهم أخذا للقرآن كان أفضلهم يومئذ ؛ لأنهم يتعلمون ~~القرآن بأحكامه . ثم روي حديث جابر أن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نادى يومئذ : ادفنوا القتلى في مضاجعهم ' ، وهذا حسن ليس بواجب ، وإنما صنع ~~هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه كره المشقة عليهم بالنقل مع ما ~~أصابهم من القرح . PageV01P234 وذكر عن محمد بن سيرين قال : استعمل يزيد بن ~~معاوية على جيش ، فكره أبو أيوب الأنصاري الخروج معه ، ثم ندم ندامة شديدة ~~فغزا ، معه بعد ذلك ، فحضر ، فأتاه يزيد بن معاوية بعوده فقال : ألك حاجة ؟ ~~قال : نعم ، إذا أنا مت فاغسلوني وكفنوني ثم احملوني حتى تأتوا بلاد العدو ~~ما لم يشق على المسلمين ، ثم تأمرهم فيدفنوني وهذا أيضا ليس من الواجب ~~ولكنه شيء أحبه إما ليكون أقرب في نحر العدو ، فينال ثواب من مات مرابطا ، ~~أو ليكون أبعد عن الشهرة بكثرة الزيارة فقد قال عليه السلام : ' لا تتخذوا ~~قبري بعدي معبدا ' وقال : ' قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ' ~~، وذكر في المغازي أنهم فعلوا ذلك به ودفنوه ليلا ، فصعد من قبره نور إلى ~~السماء ، ورأى ذلك من كان بالقرب من ذلك الموضع من المشركين فجاء رسولهم من ~~الغد فقال : من كان هذا الميت فيكم ؟ قالوا : صاحب لنبينا ، فأسلموا لما ~~رأو . وذكر عن ابن أبي مليكة ms0150 قال : مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشى فنقل ~~منه ودفن بمكة ، فجاءت عائشة رضي الله عنها حاجة أو معتمرة فزارت قبره ~~وقالت : . PageV01P235 # وكنا كندماني جذيمة حقبة . . . من الدهر حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا . . . لطول اجتماع لم نبت ليلة معا # أن والله لو شهدتك ما زرتك ، ولو شهدتك ما دفنتك إلا في مكانك الذي مت ~~فيه ، وإنما قالت ذلك لإظهار التأسف عليه حين مات في الغربة ، ولإظهار ~~عذرها في زيارته ، فإن ظاهر قوله عليه السلام : ' لعن الله زوارات القبور ' ~~يمنع النساء من زيارة القبور ، والحديث وإن كان مأولا فلحشمة ظاهرة ظاهرة ~~قالت ما قالت ، وفيه دليل أن الأولى أن يدفن القتيل والميت في المكان الذي ~~مات فيه في مقابر أولئك القوم ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~مات في حجرة عائشة رضي الله عنها دفن في ذلك الموضع ؟ قال : ولو نقل ميلا ~~أو ميلين أو نحو ذلك فلا بأس به ، وفي هذا بيان أن النقل من بلد إلى بلد ~~مكروه ، لأنه قدر المسافة ، التي لا يكره النقل فيها بميل أو ميلين وهذا ~~لأنه اشتغال بما لا يفيد فالأرض كلها كفات للميت ، قال الله تعالى : ' ألم ~~نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ' المراسلات : 25 ، 26 ، إلا أن الحي ينتقل ~~من موضع إلى موضع لغرض له في ذلك ، PageV01P236 وذلك لا يوجد في حق الميت ، ~~ولو لم يكن في نقله إلا تأخير دفنه أياما كان كافيا في الكراهة . وذكر عن ~~الحسن قال : إذا وجد ما يلي صدر القتيل إلى رأسه غسل وصلي عليه ، يعني : ~~إذا وجد أكثر البدن أو نصف البدن معه الرأس ، وبه نأخذ ، فإنه لا تعاد ~~الصلاة على ميت واحد ، فلو صلى على النصف أو ما دونه يؤدي إلى تكرار الصلاة ~~على ميت ، واحد بأن يوجد النصف الباقي ، وهذا لا يكون فيما إذا وجد أكثر ~~البدن أو النصف ومعه الرأس . فأما القتيل فإن علم أنه قتل في سبيل الله ~~تعالى لم يغسل وإن لم يعلم ذلك ms0151 غسل ؛ لأن الغسل سنة الموتى من بني آدم إلا ~~أنه يسقط في حق الشهيد لمقصود قد بيناه ، فما لم يعلم ذلك وجب غسله بمنزلة ~~سائر الموتى . وذكر عن أبي برزة الأسلمي أنه صلى ركعتين وهو آخذ بعنان فرسه ~~، ثم انسل قياد فرسه من يده ، فمضى الفرس على القبلة وتبعه أبو برزة حتى ~~أخذ بقياد فرسه ، ثم رجع ناكصا على عقبيه ، فصلى بقية صلاته ، فقال الرجل : ~~ما لهذا الشيخ فعل الله به وفعل ، PageV01P237 فانصرف أبو برزة من صلاته ~~فقال : من هذا الشاتم لي آنفا ؟ إنا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورأينا من يسره ، ولو كنت تركت فرسي حتى تباعد ثم طلبته شق علي فقال القوم ~~للرجل : ما كان ينتهي بك خبثك حتى تتناول رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تسبه ، ففي هذا دليل على أنه لا بأس للغازي أن يأخذ بعنان فرسه ~~في الصلاة ، لأنه يبتلى به من ليس له سائس وإن مشى في صلاته عند تحقق ~~الحاجة يسيرا وهو مستقبل القبلة ، لم تفسد صلاته ، ألا ترى أن أبا بكر رضي ~~الله عنه كبر عند باب المسجد وركع ودب راكعا حتى التحق بالصف ، ولو استدبر ~~القبلة في مشيه حتى جعلها خلف ظهره كان مفسدا لصلاته لا لمشيه بل لتفويت ~~شرط الجواز وهو استقبال القبلة ، وكأن الرجل استعظم مشيه في الصلاة لأجل ~~الفرس فنال منه لأنه لم يعرفه ، فاستعظم فعله ، ثم بين أبو برزة أنه صحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى من يسره ، يريد من تيسيره على الناس ~~فعلا وقولا ، على ما قال عليه السلام : ' خير دينكم اليسر ' ، فبين عذر ~~نفسه ، ولم يشتغل بمكافأة من نال منه ، ففعل ذلك القوم على وجه النيابة عنه ~~، وهذا هو الطريق المحمود في المعاشرة مع الناس . قال : ولا بأس للغزاة ~~وغيرهم من المسافرين أن يصلوا على دوابهم حيث ما كانت وجوههم تطوعا يومؤن ~~إيماء ، وهذا لأن التطوع مستدام غير مختص بوقت ، والظاهر أن المسافر يلحقه ~~الحرج في النزول واستقبال ms0152 القبلة في كل وقت ، فذلك يشبه بالعذر لإثبات هذه ~~الرخصة له إذا أراد استدامة الصلاة ، PageV01P238 والدليل عله حديث ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو ~~متوجه إلى خيبر وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصنع ذلك أيضا ، وعن جابر رضي ~~الله عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أبواء يصلي على ~~راحلته ووجهه قبل المشرق ورآه يصلي على راحلته وهو ذاهب إلى خيبر حيث ما ~~توجهت به مقبلا أو مدبرا ، فعرفنا أنه لا بأس بذلك . ثم ذكر أن ينبغي ~~للغزاة الذين لا ثياب لهم أن يصلوا قعودا وحدانا كأستر ما يكون يومون إيماء ~~وذلك مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم قال : ولا يعجبنا أن يصلوا ~~جماعة فإن صلوا جماعة قعد الإمام في وسط الصف لكيلا يقع بصرهم على عورته ~~كما هو السنة في صلاة النساء بالجماعة ، ثم ذكر الجمع بين الصلاتين في ~~الغزو وغيره من الأسفار أنهن لا بأس به فعلا لا وقتا ، بأن يؤخر الأولى إلى ~~آخر الوقت ثم ينزل فيصليها في آخر الوقت ويمكث ساعة حتى يدخل وقت الأخرى ~~فيصليها في أول الوقت ، وهكذا فعله ابن عمر رضي الله عنهما وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يفعل هكذا إذا جهد به السير ، وقد بينا تمام هذه ~~الفصول في كتاب الصلاة ، والله الموفق . PageV01P239 # ؟ # | باب صلاة القوم الذين يخرجون إلى العسكر ويريدون العدو # قال : إذا كان للمسلمين مدينتان بينهما مسرة يوم واحد هما أقرب إلى أرض ~~الحرب ، فكتب والي المدينة القريبة إلى والي المدينة البعيدة أن الخليفة ~~كتب إلي يأمرني بالغزو فأعلم من قبلك ذلك ليقدموا علي فإني شاخص من مدينتي ~~يوم كذا ، فخرج القوم من المدينة البعيدة على قصد الغزو مع والي المدينة ~~القريبة ولا يدرون أين يريد من أرض الحرب ، فإن كان بين المدينة القريبة ~~وبين أرض الحرب مسيرة يومين فأهل المدينة البعيدة يقصرون الصلاة كما خرجوا ~~من مدينتهم ms0153 ؛ لأنهم يتيقنون السفر ثلاثة أيام ، فإن من المدينة البعيدة إلى ~~المدينة القريبة مسيرة يوم ، ومنها إلى أرض الحرب مسيرة يومين ، والغزاة ~~يدخلون دار الحرب لا محالة فلهذا يقصرون الصلاة . وإن كانت المسيرة من ~~المدينة القريبة إلى دار الحرب دون يومين فإنهم يتمون الصلاة . لأنهم لا ~~يدرون أين يريد الوالي ، فلعله لا يريد أن يجاوز PageV01P240 أول دار الحرب ~~. وإنما يؤخذ في العبادة بالاحتياط . وطريق العبادة الاحتياط في البناء على ~~المتيقن به دون المحتمل ، والغزاة تبع للوالي في نية السفر والإقامة ، لأن ~~عليهم طاعته بمنزلة العبد مع مولاه والزوجة مع زوجها . وإن كان بين في ~~كتابه أين يريد المسير إليه من دار الحرب فقد زال الاشتباه ببيانه . فإن ~~كان المسير إلى ذلك الموضع مقدار ثلاثة أيام فصاعدا من مدينتهم قصروا ~~الصلاة وإلا أتموا . وإن قدموا على والي المدينة القريبة فلم يخرج أياما ~~فإنهم يقصرون الصلاة ما لم يعزموا على الإقامة خمس عشرة ليلة في المدينة ~~القريبة . لأنهم صاروا مسافرين ، فما لم يعزموا على الإقامة في موضعها أو ~~في مدة الإقامة كانوا مسافرين على حالهم . ألا ترى أنه روى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة ، وابن عمر رضي الله ~~عنهما أقام بأذربيجان ستة أشهر وكان يقصر الصلاة ؟ وأما أهل المدينة ~~القريبة فإنهم يتمون الصلاة حتى يخبرهم الأمير أنه يريد سفر ثلاثة أيام ~~فصاعدا ، وإذا أخبرهم بذلك فما لم يخرجوا من مدينتهم يتمون الصلاة أيضا . ~~PageV01P241 وإن خرجوا إلى العسكر ينتظرون أن يخرج الأمير فمن كان منهم لا ~~يعزم على الرجوع إلى منزله فإنه يقصر الصلاة وإن أقام في ذلك المكان شهرا . ~~لأنه صار مسافرا حين فارق عمران مصره على قصد السفر وإن كان من عزمه أن ~~يرجع إلى منزله ساعة من نهار ليقضى حاجته فإنه يتم الصلاة . لأن عزمه على ~~الرجوع إلى وطنه الأصلي إذا كان هو في فنائها بمنزلة مقامه في جوفها ، فيتم ~~الصلاة حتى يخرج من المدينة راجعا إلى العسكر ، وهو لا يريد الرجعة إلى ~~أهله ms0154 حتى يغزو ، فإذا جعلها خلف ظهره قصر الصلاة لأنه صار مسافرا بهذا ~~الخروج ، وإن عزموا على الإقامة في المعسكر خمس عشرة ليلة أتمو الصلاة ~~لأنهم نووا الإقامة في موضعها ، فإن فناء المصر كجوف المصر في صحة نية ~~الإقامة فيه ، ولو أن أهل المدينة البعيدة قصروا الصلاة إلى أن ينتهوا إلى ~~المدينة القريبة فقال الوالي : إن الخليفة كتب إلي أن تغزوا قبل أن تخرجوا ~~من مدينتكم إلي فصلاتهم التي أدوها تامة . لأنهم كانوا مسافرين وما لم ~~يعرفوا فسخ الوالي عزيمة السفر لا يصيرون مقيمين ، لأن التكليف يثبت بحسب ~~الوسع . ثم عليهم من حين سمعوا هذا الخبر أن يتموا الصلاة ، لأنهم عزموا ~~على الرجوع إلى وطنهم الأصلي ، وبينهم وبين وطنهم مسيرة يوم فكانوا مقيمين ~~في الحال . PageV01P242 وإن سمع بذلك بعضهم دون بعض فعلى الذين سمعوا أن ~~يتموا الصلاة ، وقصر الذين لم يسمعوا ، فصلاتهم صحيحة ليس عليهم إعادتها ، ~~لأن ما يبتنى على السماع لا يثبت حكمه في حق المخاطب ما لم يسمع به أصله ~~خطاب الشرع ، وهذا لأن حكم الخطاب إنما يلزم المخاطب إذا تمكن من العمل به ~~، وذلك لا يكون إلا بعد السماع ، فكانوا مسافرين ما لم يسمعوا السبب الذي ~~هو فاسخ لعزيمة سفرهم ، فإن كان والي المدينة القريبة كتب إلى أهل المدينة ~~البعيدة : من أراد منكم الغزو فليوافنى في موضع كذا ، ولم يخبر أين يريد ، ~~وذلك المكان على مسيرة يومين من المدينة البعيدة ، فإن أهلها يتمون الصلاة ~~حتى ينتهوا إلى ذلك المكان على مسيرة يومين من المدينة البعيدة ، فإن أهلها ~~يتمون الصلاة حتى ينتهوا إلى ذلك المكان ، لأنهم قصدوا أقل من مدة السفر ، ~~ولعل من رأى الإمام أن يقيم معهم في ذلك المكان ويبعث السرايا والجيوش من ~~غيرهم ، ويتمون الصلاة في ذلك المكان أيضا ، لأنهم إذا لم يصيروا مسافرين ~~بالقصد إلى ذلك المكان لا يصيرون مسافرين بالمقام في ذلك المكان أيضا ، فإن ~~أخبرهم الوالي بعد ما نزلوا ذلك المكان أن يسير بهم مسيرة شهر في دار الحرب ~~، فإنهم يتمون الصلاة ما ms0155 داموا في ذلك المكان ، لأنهم حصلوا فيه وهم مقيمون ~~، فبمجرد نية السفر لا يصيرون مسافرين ما لم يرتحلوا منه ، بمنزلة المقيم ~~ينوي السفر وهو في مصره ، PageV01P243 فإن قصروا الصلاة قبل أن يرتحلوا من ~~ذلك المكان فعليهم إعادة الصلاة ، لأنهم خرجوا منها قبل إكمال الفرض ، ثم ~~إن خرجوا من ذلك المكان قبل أن يمضي وقتها وقبل أن يعيدوها صلوها ركعتين ، ~~وإن خرجوا بعد مضي وقتها صلوها أربعا ، لأن تقرر الوجوب باعتبار آخر الوقت ~~، فإذا خرج الوقت وهم مسافرون كان عليهم صلاة السفر ، وإن خرج الوقت وهم ~~مقيمون كان عليهم صلاة المقيمين ، ولا يتغير هذا الحكم بما أدوا ، لأن ~~المؤداة كانت فاسدة حين سلموا على رأس ركعتين وهم مقيمون فكأنهم لم يصلوها ~~أصلا ، فإن سبق أهل المدينة البعيدة إلى ذلك المكان فلم يأتهم والي المدينة ~~القريبة عشرة أيام ، وأن ذلك المكان من مدينتهم على مسيرة يومين أتموا ~~الصلاة ، لما بينا . وإن كان على مسيرة ثلاثة أيام قصروا الصلاة فيها وإن ~~أقاموا شهرا أو أكثر ، لأنهم صاروا مسافرين بالخروج إليها ، فلا يصيرون ~~مقيمين ما لم يعزموا PageV01P244 على إقامة خمس عشرة ليلة وهم منتظرون ~~للوالي في هذا المكان غير عازمين على إقامة خمسة عشر ليلة ، فإن قصروا ~~الصلاة في ذلك المكان ثم أتاهم كتاب الوالي أنه قد أمر بالمقام فإنهم ~~يقصرون الصلاة على حالهم حتى يرجعوا إلى مدينتهم ، لأنهم انصرفوا وبينهم ~~وبين مواضع إقامتهم مسيرة سفر ، فلا يصيرون مقيمين حتى يدخلوا وطنهم . م ~~يصيروا مسافرين بالقصد إلى ذلك المكان لا يصيرون مسافرين بالمقام في ذلك ~~المكان أيضا ، فإن أخبرهم الوالي بعد ما نزلوا ذلك المكان أن يسير بهم ~~مسيرة شهر في دار الحرب ، فإنهم يتمون الصلاة ما داموا في ذلك المكان ، ~~لأنهم حصلوا فيه وهم مقيمون ، فبمجرد نية السفر لا يصيرون مسافرين ما لم ~~يرتحلوا منه ، بمنزلة المقيم ينوي السفر وهو في مصره ، فإن قصروا الصلاة ~~قبل أن يرتحلوا من ذلك المكان فعليهم إعادة الصلاة ، لأنهم خرجوا منها قبل ~~إكمال الفرض ، ثم إن خرجوا ms0156 من ذلك المكان قبل أن يمضي وقتها وقبل أن ~~يعيدوها صلوها ركعتين ، وإن خرجوا بعد مضي وقتها صلوها أربعا ، لأن تقرر ~~الوجوب باعتبار آخر الوقت ، فإذا خرج الوقت وهم مسافرون كان عليهم صلاة ~~السفر ، وإن خرج الوقت وهم مقيمون كان عليهم صلاة المقيمين ، ولا يتغير هذا ~~الحكم بما أدوا ، لأن المؤداة كانت فاسدة حين سلموا على رأس ركعتين وهم ~~مقيمون فكأنهم لم يصلوها أصلا ، فإن سبق أهل المدينة البعيدة إلى ذلك ~~المكان فلم يأتهم والي المدينة القريبة عشرة أيام ، وأن ذلك المكان من ~~مدينتهم على مسيرة يومين أتموا الصلاة ، لما بينا . وإن كان على مسيرة ~~ثلاثة أيام قصروا الصلاة فيها وإن أقاموا شهرا أو أكثر ، لأنهم صاروا ~~مسافرين بالخروج إليها ، فلا يصيرون مقيمين ما لم يعزموا على إقامة خمس ~~عشرة ليلة وهم منتظرون للوالي في هذا المكان غير عازمين على إقامة خمسة عشر ~~ليلة ، فإن قصروا الصلاة في ذلك المكان ثم أتاهم كتاب الوالي أنه قد أمر ~~بالمقام فإنهم يقصرون الصلاة على حالهم حتى يرجعوا إلى مدينتهم ، لأنهم ~~انصرفوا وبينهم وبين مواضع إقامتهم مسيرة سفر ، فلا يصيرون مقيمين حتى ~~يدخلوا وطنهم . قال : وإن دخل المسلمون أرض الحرب فانتهوا إلى حصن ووطنوا ~~أنفسهم على أن يقيموا عليه شهرا إلا أن يفتحوه قبل ذلك ، أخبرهم الوالي ~~بذلك ، فإنهم يقصرون الصلاة ، لأنهم لم يعزموا على إقامة خمس عشرة ليلة ~~لمكان الاشتثناء ، فالفتح قبل مضي خمس عشرة ليلة محتمل ، وإن أخبرهم الوالي ~~أنه لا يقيم بهم في ذلك المكان فتحوا أو لم يفتحوا فإنهم يقصرون الصلاة ~~أيضا ، لأنهم في دار الحرب محاربون لأهلها ، والمحارب بين أن يقهر عدوه ~~فيتمكن من المقام ، وبين أن يظهر عليه عدوه فلا يتمكن من المقام ، ومثل هذا ~~الموضع لا يكون موضع الإقامة في حقه ، ونية الإقامة في غير موضعها هدر ، ~~كأهل السفينة إذا نووا الإقامة في موضع من لجة البحر . PageV01P245 ولو ~~أطالوا المقام في دار الحرب حتى وقع الثلج فصاروا لا يستطيعون الخروج ، ~~فعزموا على الإقامة سنتهم حتى يذهب ms0157 عنهم الثلج ، فيخرجون وهم في غير أمان ~~من أهل الحرب ، فإنهم يقصرون الصلاة أيضا ؛ لأنهم لا يأمنون من أن يقاتلهم ~~العدو فيمنعوهم من القرار في ذلك الموضع وعن زفر رحمه الله أنه إن كانت لهم ~~منعة وشوكة على وجه ينتصفون من العدو إن أتاهم يصح بينهم الإقامة باعتبار ~~الظاهر وعن أبي يوسف رحمه الله قال : إذا كانوا في الأخبية والفساطيط لم ~~يصح بينهم الإقامة ، وإن كانوا في الأبنية وهم ممتنعون صحت منهم الإقامة ، ~~والأصح ما ذكر محمد رحمه الله لما قلنا إن موضع الإقامة ما يتمكن المرء من ~~المقام فيه بقدر ما نوى . واستدل عليه بحديث زائدة بن عمير قال : قلت لابن ~~عباس رضي الله عنهما : إنا نطيل الثواء بأرض العدو يعني القرار فيكيف أنوي ~~في الصلاة ؟ قال : ركعتين حتى ترجع إلى أهلك ، قلت : كيف تقول في العزل ؟ ~~قال : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فيه شيئا فهو كما ذكر وإلا ~~فإني أقول فيه : ' نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ' البقرة : 223 . ~~من شاء عزل ومن شاء ترك ، PageV01P246 وفيه دليل جواز العزل وهذا اللفظ ~~مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا ، واليهود كانوا يكرهون ذلك ويقولون ~~إنه الموءودة الصغرى فنزلت الآية ردا عليهم ، وقد روي عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أنه سئل عن العزل فقال : إذا أخذ الله ميثاق نسمة من صلب رجل فهو ~~خالقها ، وإن صب الماء على صخرة ، فإن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فاتركوا ، ~~وهكذا يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~إلا أنه في العزل عن الحرة يحتاج إلى رضاها ليحل له ذلك ، وفي العزل عن ~~أمته لا يحتاج إلى ذلك . قال : ولو دخل مسلم دار الحرب بأمان ونوى الإقامة ~~في موضع خمسة عشر يوما أتم الصلاة ؛ لأنه غير محارب لهم ، بل هو في أمان ~~منهم ، فيتمكن من المقام بقدر ما نواه ، كما يتمكن منه في دار الإسلام ومن ~~أسلم منهم في دار الحرب فلم ms0158 يأسروه أو لم يعلموا بإسلامه فهو يتم الصلاة ~~أيضا ما دام في منزله ؛ لأنه كان مقيما في هذا الموضع فلا يصير مسافرا ما ~~لم يرتحل منه . وإن سافر مسيرة ثلاثة أيام فقصر الصلاة ثم انتهى إلى مقصده ~~في دار الحرب ، نوى أن يقيم خمسة عشر يوما أتم الصلاة ؛ لأنه ما لم يتعرض ~~له أهل الحرب فهو يتمكن من القرار في موضعه وهو غير محارب لهم فيكون في حكم ~~المستأمن فيهم . PageV01P247 قال : والأسير من المسلمين في أيديهم إن ~~أقاموا به في موضع يريدون المقام فيه خمسة عشر يوما ، فعليه أن يتم الصلاة ~~وإن كان لا يريد المقام معهم بل يكون عازما على الفرار منهم إن تمكن من ذلك ~~، لأنه مقهور مغلوب في أيديهم ، فيكون المعتبر في حقه نيتهم في السفر ~~والإقامة لا نيته ، بمنزلة عبد الرجل وزوجته في دار الإسلام ، فإنه يعتبر ~~في حقهما نية المولى والزوج في السفر والإقامة لا نيتهما ، وكذلك من بعث ~~إليه الخليفة من عماله ليؤتى به من بلد إلى بلد لا تعتبر نيته في السفر ~~والإقامة ؛ لأنه غير متمكن من تنفيذ قصده ، فمن بعثه الخليفة لا يمكنه من ~~ذلك فكذلك حال الأسير في أيديهم : وإن كن الأسير انفلت منهم وهو مسافر فوطن ~~نفسه على إقامة شهر في غار أو غيره قصر الصلاة ؛ لأنه محارب لهم ، فلا تكون ~~دار الحرب موضع الإقامة في حقه حتى ينتهي إلى دار الإسلام . وكذا الذي أسلم ~~في دارهم إذا علموا بإسلامه فطلبوه فخرج هاربا يريد مسيرة ثلاثة أيام فهو ~~مسافر ، وإن أقام في موضع مختفيا شهرا منهم أو أكثر ؛ لأنه صار محاربا لهم ~~حين طلبوه ليقتلوه . PageV01P248 وكذلك المستأمن إذا غدروا به فطلبوه ~~ليقتلوه ؛ لأنه صار محاربا لهم ، وحال هؤلاء كحال من دخل دار الحرب متلصصا ~~فنوى الإقامة في موضع شهرا ، فإنه يكون مسافرا ، ونيته الإقامة لغو ؛ لأنه ~~في غير موضع إقامته . قال : وإن كان واحد من هؤلاء مقيما بمدينة من دار ~~الحرب ، فلما طلبوه ليقتلوه اختفى فيها منهم فإنه يتم الصلاة ms0159 أيضا ؛ لأنه ~~كان مقيما في هذه البلدة فلا يصير مسافرا ما لم يخرج منها وكذلك إن خرج ~~منها يريد مسيرة يوم أو يومين ؛ لأن المقيم لا يصير مسافرا بنية الخروج إلى ~~ما دون مدة السفر ، بمنزلة الرجل يخرج إلى ضيعته في بعض القرى . وهؤلاء ~~بمنزلة جيش دخلوا دار الحرب من مسيرة يوم من منازلهم ، ولا يريدون أن ~~يسيروا في أرض العدو إلا يوما آخر فلقوا العدو وقاتلوهم ، فإنهم يكملون ~~الصلاة وإن طال مقامهم ؛ لأنهم لم يكونوا مسافرين في دار الحرب ، فبالقتال ~~لا يصيرون مسافرين . ألا ترى أن أهل مدينة من أهل الحرب لو أسلموا فقاتلهم ~~أهل الحرب وهم مقيمون في مدينتهم فإنهم يتمون الصلاة ، PageV01P249 وكذلك ~~إن غلبهم أهل الحرب على مدينتهم فخرجوا منها يريدون مسيرة يوم فإنهم يتمون ~~الصلاة ، وإن خرجوا منها يريدون مسيرة ثلاثة أيام فقد صاروا مسافرين يقصرون ~~الصلاة ، فإن أقاموا في موضع من دار الحرب عند مدينتهم قصروا الصلاة أيضا ~~لأنهم محاربون ، ومن حصل مسافرا في دار الحرب محاربا للمشركين لا يصير ~~مقيما بنية الإقامة في موضع منها . وإن رجعوا إلى مدينتهم ولم يكن المشركون ~~عرضوا لها فعادوا فيها أتموا الصلاة ؛ لأن مدينتهم كانت دار الإسلام حين ~~أسلموا فيها ، وكانت موضع إقامة لهم ، فما لم يعرض لها المشركون فهي وطن ~~أصلي في حقهم ، فيتمون الصلاة إذا وصلوا إليها . وإن كان المشركون غلبوا ~~عليها وأقاموا فيها ثم إن المسلمين رجعوا إليها وخلا المشركون عنها ، فإن ~~كانوا اتخذوها دارا ومنزلا يبرحونها فصارت دار الإسلام يتمون فيها الصلاة ؛ ~~لأنها صارت في حكم دار الحرب حين غلب المشركون عليها ، فحين ظهر المسلمون ~~عليها وعزموا على المقام فقد صارت دار الإسلام ، ونية المسلم الإقامة في ~~دار الإسلام صحيحة . PageV01P250 وإن كانوا لا يريدون أن يتخذوها دارا ولكن ~~يقيمون فيها شهرا ثم يخرجون إلى دار الإسلام قصروا الصلاة ؛ لأن هذا الموضع ~~من جملة دار الحرب ، وهم محاربون لهم ، فلا يصيرون مقيمين بنية الإقامة ~~فيها . وكذلك عسكر من المسلمين دخلوا دار الحرب ، فغلبوا على مدينة ms0160 ، فإن ~~اتخذوها دارا فقد صارت دار الإسلام يتمون فيها الصلاة ، فإن لم يتخذوها ~~دارا ولكن هم أرادوا الإقامة بها شهرا أو أكثر ، فإنهم يقصرون الصلاة ؛ ~~لأنها دار الحرب ، وهم فيها محاربون ، فهذا التخريج بهذه الصفة على قولهما ~~، لأنه بمجرد ظهور أحكام الشرك في بلدة عند غلبة أهل الحرب عليها تصير دار ~~حرب ، فإما عند أبي حنيفة رحمه الله فيشترط مع هذا أن تكون ملاصقة لدار أهل ~~الشرك ، وأن لا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمنا على نفسه ، وبيان هذا يأتي في ~~موضعه ، وذكر بعد هذا باب من يغسل من الشهداء ، وباب صلاة الخوف في الخطا ، ~~وقد استقصينا شرح مسائل البابين فيما أمليناه من شرح الزيادات ، فإنه أعاد ~~تلك المسائل بعينها من غير زيادة ولا نقصان . وه ؛ لأنه صار محاربا لهم ، ~~وحال هؤلاء كحال من دخل دار الحرب متلصصا فنوى الإقامة في موضع شهرا ، فإنه ~~يكون مسافرا ، ونيته الإقامة لغو ؛ لأنه في غير موضع إقامته . قال : وإن ~~كان واحد من هؤلاء مقيما بمدينة من دار الحرب ، فلما طلبوه ليقتلوه اختفى ~~فيها منهم فإنه يتم الصلاة أيضا ؛ لأنه كان مقيما في هذه البلدة فلا يصير ~~مسافرا ما لم يخرج منها وكذلك إن خرج منها يريد مسيرة يوم أو يومين ؛ لأن ~~المقيم لا يصير مسافرا بنية الخروج إلى ما دون مدة السفر ، بمنزلة الرجل ~~يخرج إلى ضيعته في بعض القرى . وهؤلاء بمنزلة جيش دخلوا دار الحرب من مسيرة ~~يوم من منازلهم ، ولا يريدون أن يسيروا في أرض العدو إلا يوما آخر فلقوا ~~العدو وقاتلوهم ، فإنهم يكملون الصلاة وإن طال مقامهم ؛ لأنهم لم يكونوا ~~مسافرين في دار الحرب ، فبالقتال لا يصيرون مسافرين . ألا ترى أن أهل مدينة ~~من أهل الحرب لو أسلموا فقاتلهم أهل الحرب وهم مقيمون في مدينتهم فإنهم ~~يتمون الصلاة ، وكذلك إن غلبهم أهل الحرب على مدينتهم فخرجوا منها يريدون ~~مسيرة يوم فإنهم يتمون الصلاة ، وإن خرجوا منها يريدون مسيرة ثلاثة أيام ~~فقد صاروا مسافرين يقصرون الصلاة ، فإن أقاموا في موضع من ms0161 دار الحرب عند ~~مدينتهم قصروا الصلاة أيضا لأنهم محاربون ، ومن حصل مسافرا في دار الحرب ~~محاربا للمشركين لا يصير مقيما بنية الإقامة في موضع منها . وإن رجعوا إلى ~~مدينتهم ولم يكن المشركون عرضوا لها فعادوا فيها أتموا الصلاة ؛ لأن ~~مدينتهم كانت دار الإسلام حين أسلموا فيها ، وكانت موضع إقامة لهم ، فما لم ~~يعرض لها المشركون فهي وطن أصلي في حقهم ، فيتمون الصلاة إذا وصلوا إليها . ~~وإن كان المشركون غلبوا عليها وأقاموا فيها ثم إن المسلمين رجعوا إليها ~~وخلا المشركون عنها ، فإن كانوا اتخذوها دارا ومنزلا يبرحونها فصارت دار ~~الإسلام يتمون فيها الصلاة ؛ لأنها صارت في حكم دار الحرب حين غلب المشركون ~~عليها ، فحين ظهر المسلمون عليها وعزموا على المقام فقد صارت دار الإسلام ، ~~ونية المسلم الإقامة في دار الإسلام صحيحة . وإن كانوا لا يريدون أن ~~يتخذوها دارا ولكن يقيمون فيها شهرا ثم يخرجون إلى دار الإسلام قصروا ~~الصلاة ؛ لأن هذا الموضع من جملة دار الحرب ، وهم محاربون لهم ، فلا يصيرون ~~مقيمين بنية الإقامة فيها . وكذلك عسكر من المسلمين دخلوا دار الحرب ، ~~فغلبوا على مدينة ، فإن اتخذوها دارا فقد صارت دار الإسلام يتمون فيها ~~الصلاة ، فإن لم يتخذوها دارا ولكن هم أرادوا الإقامة بها شهرا أو أكثر ، ~~فإنهم يقصرون الصلاة ؛ لأنها دار الحرب ، وهم فيها محاربون ، فهذا التخريج ~~بهذه الصفة على قولهما ، لأنه بمجرد ظهور أحكام الشرك في بلدة عند غلبة أهل ~~الحرب عليها تصير دار حرب ، فإما عند أبي حنيفة رحمه الله فيشترط مع هذا أن ~~تكون ملاصقة لدار أهل الشرك ، وأن لا يبقى فيها مسلم أو ذمي آمنا على نفسه ~~، وبيان هذا يأتي في موضعه ، وذكر بعد هذا باب من يغسل من الشهداء ، وباب ~~صلاة الخوف في الخطا ، وقد استقصينا شرح مسائل البابين فيما أمليناه من شرح ~~الزيادات ، فإنه أعاد تلك المسائل بعينها من غير زيادة ولا نقصان . ~~PageV01P251 # | باب أمان الحر المسلم والصبي المرأة والعبد والذمي # قال رضي الله عنه : اعمل بأن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في أبواب ms0162 ~~الأمان ، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه ، وكان شاور فيها ~~علي ابن حمزة الكسائي رحمه الله تعالى فإنه كان ابن خالته وكان مقدما في ~~علم النحو ، وقيل : من أراد امتحان حفاظ الرواية من أصحابنا فعليه بباب ~~الأذان من كتاب الصلاة ، ومن أراد امتحان المتبحرين في الفقه فعليه بأيمان ~~الجامع ، ومن أراد امتحان المتبحرين في النحو والفقه فعليه بأمان السير . ~~قال : ثم أمان الرجل الحر المسلم جائز على أهل الإسلام كلهم عدلا كان أو ~~فاسقا ، لقوله عليه السلام : ' المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ~~، يسعى بذمتهم أدناهم ، والمراد بالذمة العهد ، مؤقتا كان أو مؤبدا ، وذلك ~~الأمان وعقد الذمة ، فإن كان PageV01P252 اللفظ مشتقا من الأدنى الذي هو ~~الأقل كما قال الله تعالى : ' ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ' الفتح : 7 ، فهو ~~تنصيص على صحة أمان الواحد ، وإن كان مشتقا من الدنو وهو القرب كما قال ~~الله تعالى : ' فكان قاب قوسين أو أدنى ' النجم : 9 ، فهو دليل على صحة ~~أمان المسلم الذي يسكن الثغور فيكون قريبا من العدو ، وإن كان مشتقا من ~~الدناءة فهو تنصيص على صحة أمان الفاسق ، لأن صفة الدناءة به تليق من ~~المسلمين ، ثم الحاصل أن في الأمان معنى النصرة ، فإن قوله : ' إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ' الفتح : 1 ، نزلت في صلح الحديبية ، وقد سماه الله فتحا ~~مبينا نصرا عزيزا ، وكل مسلم أهل أن يقوم بنصرة الدين ، ويقوم في ذلك مقام ~~جماعة المسلمين ، ألا ترى أنه إذا تحقق النصرة منه بالقتال على وجه يدفع شر ~~المشركين سقط به الفرض عن جماعتهم ، فكذلك إذا وجد منهم النصرة بعقد الأمان ~~والصلح ، كان ذلك كالموجود من جماعة المسلمين . ولهذا يصح أمان الحرة ~~المسلمة ، لأنها من أهل النصرة ، إلا أنه ليس لها بنية صالحة لمباشرة ~~القتال ، والأمان نصرة بالقول ، وبنيتها تصلح لذلك ، ألا ترى أنها تجاهد ~~بمالها ؛ لأن مالها يصلح لذلك كمال الرجل . والدليل على صحة أمانها أن زينب ~~بنت رسول الله PageV01P253 صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا ms0163 العاص بن ~~الربيع ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها ، وعن أم هانئ قالت : ~~أجرت حموين لي من المشركين ، أي قريبين فدخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~فتغلت عليهما ليقتلهما . أي قصدهما فجأة وقال : أتجيرين المشركين ؟ فقلت : ~~والله لا تقتلهما حتى تبدأ بي قبلهما ، ثم خرجت وقلت : أغلقوا دونه الباب ، ~~فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسف الثنية ، فلم أجده ووجدت ~~فاطمة فقلت : ماذا لقيت من ابن أمي علي ، أجرت حموين لي من المشركين ~~PageV01P254 فتفلت عليهما ليقتلهما ، فكانت أشد علي من زوجها ، إلى أن طلع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رهجة الغبار ، فقال : مرحبا بأم هانئ ~~فاخته ، فقلت : يا رسول الله ، ماذا لقيت من ابن أمي علي ، ما كدت أنفلت ~~منه ، أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما ، فقال : ما كان له ~~ذلك ، فقد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت ، ثم أمر فاطمة رضي الله عنها فسكبت ~~له غسلا فاغتسل ، ثم صلى ثماني ركعات في ثوب واحد يخالف بين طرفيه ، وذلك ~~ضحى فتح مكة ، فقد صحح رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها ، وبين أنه ما ~~كان لعلي أن يتعرض لهما بعد أمانها ، وقيل في معنى قوله : ثمان ركعات ، أن ~~ركعتين منهما للشكر على فتح مكة ، وركعتين كان يفتتح صلاة الضحى بهما على ~~ما رواه عمارة ابن رويبة ، فأربعا كان يواظب عليها في صلاة الضحى على ما ~~رواه ابن مسعود رضي الله عنه ومعنى قوله : ' مخالفا بين طرفيه ' : أي ~~متوشحا به من طرفيه ، فيكون فيه بيان أنه لا بأس بالصلاة في ثوب واحد ~~متوشحا به . وعن عمر رضي الله عنه قال : إن كانت المرأة لتأجر على المسلمين ~~فيجوز ذلك أي تعطي الأمان للمشركين وفي رواية : لتأخذ أي تأخذ العهد بالصلح ~~والأمان ، وهكذا قالت عائشة رضي الله عنها : إن كانت المرأة لتأخذ على ~~المسلمين ، فأما العبد المسلم فلا أمان له إلا أن يكون يقاتل ، وهذا قول ~~أبي حنيفة رحمه الله وهو إحدى ms0164 الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله ، وفي ~~الرواية الأخرى وهو قول محمد رحمه الله : أمانه صحيح قاتل أو لم يقاتل ، ~~لأنه مسلم من أهل نصرة الدين بما يملكه ، والأمان نصرة بالقول ، وهو مملوك ~~له بخلاف مباشرة القتال ، فإنه نصرة الدين بما لا يملكه من نفسه ومنافعه ، ~~ولأنه بالأمان يلتزم حرمة التعرض لهم في نفوسهم وأموالهم ثم يتعدى ~~PageV01P255 ذلك إلى غيره ، والعبد في مثل هذا كالحر أصله الشهادة على رؤية ~~هلال رمضان ، لكن أبا حنيفة رحمه الله يقول : معنى النصرة في الأمان مستور ~~فلا يتبين ذلك إلا لمن يكون مالكا للقتال ، والعبد المشغول بخدمة المولى ~~غير مالك للقتال ، فلا تظهر الخيرية أمانة بخلاف ما إذا كان مقاتلا بإذن ~~المولى فإنه يظهر عنده الخيرية في الأمان ، حتى يتمكن من مباشرة القتال ، ~~فيكون تصرفه واقعا على وجه النظر للمسلمين ، وإنما يكون بالأمان ملتزما ~~للكف عن قتالهم إذا كان متمكنا من القتال ، فأما إذا لم يكن متمكنا من ذلك ~~كان ملزما غيره ابتداء لا ملتزما ، وليس لعبد هذه الولاية . قال : والأمة ~~كالعبد في ذلك ، واستدل محمد رحمه الله فيه بحديث عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما وقال : أمان المرأة والعبد والصبي جائز ، وتأويل هذا عند أبي حنيفة ~~رحمه الله في العبد المقاتل . لمسلمين ، وإنما يكون بالأمان ملتزما للكف عن ~~قتالهم إذا كان متمكنا من القتال ، فأما إذا لم يكن متمكنا من ذلك كان ~~ملزما غيره ابتداء لا ملتزما ، وليس لعبد هذه الولاية . قال : والأمة ~~كالعبد في ذلك ، واستدل محمد رحمه الله فيه بحديث عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما وقال : أمان المرأة والعبد والصبي جائز ، وتأويل هذا عند أبي حنيفة ~~رحمه الله في العبد المقاتل . # وبحديث الفضل الرقاشي قال : حضرنا أهل حصن فكتب عبد أمانا في سهم ، ثم ~~رمى به إلى العدو ، فكتبنا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكتب : إنه رجل ~~من المسلمين ، وإن أمانه جائز ، وإنما علل لصحة أمانة بكونه مسلما لا بكونه ~~مقاتلا ، ولكن أبا حنيفة رحمه الله ms0165 قال : هذا العبد كان مقاتلا ؛ لأن الرمي ~~بالسهم من عمل المقاتلين ، وأمان المقاتل إنما يصح عنده ؛ لكونه رجلا من ~~المسلمين ، وفي المغازي ذكر أنه كتب على سهمه بالفارسية : مترسيد ~~PageV01P256 فأما أمان الذمي فباطل ، وإن كان يقاتل مع المسلمين بأمرهم ؛ ~~لأنه مائل إليهم للموافقة في الإعتقاد ، فالظاهر أنه لا يقصد بالأمان النظر ~~للمسلمين ، ثم هو ليس من أهل نصرة الدين والاستعانة بهم في القتال عند ~~الحاجة بمنزلة الاستعانة بالكلاب ، أو كأن ذلك للمبالغة في قهر المشركين ، ~~حيث يقاتلهم بمن يوافقهم في الإعتقاد ، وهذا المعنى لا يتحقق في تصحيح ~~أمانهم بل في إبطاله . قال : فأما أمان الغلام الذي راهق من المسلمين أو ~~كان من الكافرين فعقل الإسلام ووصفه ، فغير جائز على المسلمين في قول أبي ~~حنيفة رحمه الله وفي قول محمد رحمه الله جائز ؛ لأنه يصح إسلامه إذا كان ~~عاقلا ، ومن صح إيمانه صح أمانه بعد إيمانه وهذا لأن الأمان نصرة الدين ، ~~بالقول ، فإذا اعتبر قول مثله في أصل الدين فكذلك يعتبر في نصرة الدين ، ~~وأبو حنيفة رحمه الله يقول : في معنى الخيري والنظر في الأمان إنه مستور لا ~~يعرفه إلا من اعتدل حاله ، واعتدال الحال لا يكون قبل البلوغ ، ثم هو لا ~~يملك القتال بنفسه ، وإنما يتبين الخيرية في الأمان لمن يكون مالكا للقتال ~~مباشرا له ، ولم يذكر قول أبي حنيفة فيما إذا كان الصبي مأذونا في القتال ، ~~وكان أبو بكر الرازي يقول : يصح أمانه لكونه متمكنا من مباشرة القتال ~~بمنزلة العبد ، وغيره من مشايخنا كان يقول : لا يصح أمانه لأنه ليس بمعتدل ~~الحال فلا يتم معنى النظر للمسلمين في أمانه ، والله الموفق . PageV01P257 ~~؟ # | باب الأمان ثم يصاب المشركون بعد أمانهم # قال : رجل من المسلمين أمن قوما من المشركين فأغار عليهم قوم آخرون من ~~المسلمين فقتلوا الرجال وأصابوا النساء والأموال فاقتسموها ، وولد منهن لهم ~~أولاد ، ثم علموا بالأمان ، فعلى القاتلين دية القتلى ؛ لأن أمان الواحد ~~نافذ في حق جماعة المسلمين ، فيظهر به العصمة والتقوم في نفوسهم وأموالهم ، ~~والقتل من القاتلين كان بصفة ms0166 الخطأ حين لم يعلموا بالأمان ، أو بصفة العمد ~~إن علموا بالأمان ، ولكن مع قيام الشبهة المبيحة وهي المحاربة ، فتجب الدية ~~بقوله تعالى : ' وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة ' النساء : 92 ، والنساء والأموال مردودة عليهم لبطلان ~~الاسترقاق بعصمة المحل ، ويغرمون للنساء أصدقهن لأجل الوطء بشبهة ، فقد ظهر ~~أنهم باشروا الوطء في غير الملك وسقط الحد بشبهة ، فيجب المهر والأولاد ~~أحرار ؛ PageV01P258 لأنهم انفصلوا من حرائر فكانوا أحرار الأصل ، بغير ~~قيمة ، مسلمين تبعا لآبائهم ؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين دينا . وذكر فيه ~~حديث المهلب ابن أبي صفرة قال : حاصرنا مدينة بالأهواز على عهد عمر رضي ~~الله عنه ففتحناها وقد كان صلحا لهم من عمر ، فأصبنا نساء فوقعنا عليهن ، ~~فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه ، فكتب إلينا أن خذوا أولادكم وردوا إليهم ~~نساءهم ، وعن عطاء قال : كانت تستر فتحت صلحا وهو اسم موضع فكفر أهلها ، ~~فغزاهم المهاجرون فسبوهم ، وأصاب المسلمون نساءهم حتى ولدن لهم ، فأمر عمر ~~رضي الله عنه برد النساء على حريتهن وفرق بينهن وبين ساداتهن ، فتأويل هذا ~~أن القوم حين كفروا لم يغلبوا على الدار ولم يجر فيها حكم الشرك ولم تصر ~~دارهم دار حرب ، فلهذا لم ير عمر عليهم شيئا ، وعن شويس قال : لقد خشيت أن ~~يكون من صلبي بميسان رجال ونساء ، قالوا : وما ذاك يا فلان ؟ قال : كنت جئت ~~بجارية فنكحتها زمانا ، ثم جاء كتاب عمر فرددتها إذ رد الناس ، وإنما خاف ~~من ذلك لأنه ردها قبل أن تحيض عنده ، وما كان ينبغي له أن يردها حتى تحيض ~~ثلاث حيض لأنها حرة ، PageV01P259 وقد وطئها بشبهة فعليها أن تعتد بثلاث ~~حيض ، وليس عليه أن يردها حتى تعلم أنها حامل أو غير حامل . وعن أبي جعفر ~~محمد بن علي قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خالد ببني ~~جذيمة رفع يديه حتى روئي بياض إبطيه وهو يقول : ' اللهم إني أبرأ إليك مما ~~صنع خالد ثلاث مرات ' ثم دعا عليا رضي ms0167 الله عنه فقال : خذ هذا المال فاذهب ~~به إلى بني جذيمة واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ، يعني ما كان بينهم وبين ~~أهل مكة من الخماشات والذحول في الجاهلية ، قال : فدلهم ما أصاب خالد ، ~~فخرج إليهم علي بذلك المال فودى لهم كل ما أصاب خالد منهم ، حتى إنه أدى ~~لهم ميلغة الكلب ، حتى إذا لم يبق شيء يطلبونه وبقيت مع علي بقينة من المال ~~، قال علي رضي الله عنه : هذه البقية من المال لكم عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مما أصاب خالد PageV01P260 مما لا يعلمه ولا تعلمونه ، فأعطاهم ~~ذلك ، ثم انصرف علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~الخبر ، وفيه دليل أن المسلمين إذا أصابوا شيئا مما كان في أمان أو موادعة ~~فإنه يؤدى لهم كل شيء أصيب لهم من دم أو مال ، وكان خالد أصاب ذلك خطأ ، ~~وكانت عاقلته رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن قوته ونصرته كانت به ، ~~ولهذا أدى ذلك بنفسه أو تبرع بأداء ذلك من عنده ، وهذا هو الأظهر ، فإن ~~تحمل العقل في الدماء لا في الأموال ، وما أطلق من لفظ الدية في بذل المال ~~إنما أطلقه على وجه المجاز والاتباع لبذل النفس ، قاسم الدية حقيقة إنما ~~يتناول بذل النفس ، ولكن باعتبار معنى الأداء يجوز إطلاقه على بذل المال ~~مجازا ، وفيه دليل جواز الصلح عن الحقوق المجهولة على مال معلوم ، فإنه قال ~~: هذا لكم مما لا يعلمه ولا تعلمونه ، واستحسن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك منه . قال : وأيما عسكر من المسلمين حاصروا حصنا أو مدينة فأسلم ~~بعضهم ، كان آمنا على نفسه وماله ، وأولاده الصغار ، لقوله عليه السلام ' ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ' ، وقال الله تعالى : ' ~~فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتو الزكاة فخلوا سبيلهم ' التوبة : 5 ، فأما ~~زوجته وأولاده الكبار إن لم يسلموا معه فهم فيء ، لأن الصغار صاروا مسلمين ~~تبعا له ، فأما الكبار ما صاروا مسلمين بإسلامه ، وزوجته كذلك ، فهم بمنزلة ~~غيرهم من أهل الحرب ms0168 ، PageV01P261 واستدل عليه بحديث الزهري : أن ثعلبة ~~وأسيد ابني سعية وأسيد بن عبيد قالوا : لبني قريظة حين كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم محاصرا لهم : يا معشر بني قريظة ، أسلموا تأمنوا على دمائكم ~~وأموالكم ، هذا والله الذي كان أخبركم به بنو الهيبان ، قالوا : ليس به ، ~~وقصة الهيبان مذكورة في المغازي أنه كان حبرا من أحبار الشام قدم على يهود ~~يثرب قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضره الموت فجمعهم فقال : ~~أتدرون لم تركت أرض الخمر والخمير ؟ يعني الخصب من أرض الشام فنزلت بأرض ~~الجدب والشدة ؟ قالوا : لا ، قال : لأجل نبي قد أظل زمانه وهذا مهاجره وكنت ~~أرجو أن أدركه ، فمن يدركه منكم فليقرئه مني السلام وليؤمن به ، فإنه خاتم ~~النبيين وخير الخلائق أجمعين ، قال : فلما كانت الليلة التي في صبيحتها ~~نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ابنا سعية وابن عبيد حتى ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وأمنوا على دمائهم وأموالهم ، ~~وفي هذا دليل على أن المحاصر يأمن بالإسلام ، كما يأمن غير المحاصر . ~~PageV01P262 وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيما رجل من العدو ~~أشار إليه رجل بأصبعه : إنك إن جئت قتلتك ، فجاءه فهو آمن فلا يقتله ، وبعد ~~هذا نأخذ فنقول : إذا أشار إليه بإشارة الأمان وليس يدري الكافر ما يقول ~~فهو آمن ؛ لأنه بالإشارة دعاه إلى نفسه ، وإنما يدعى بمثله الآمن لا الخائف ~~، وما تكلم به : إن جئت قتلتك ، لا طريق للكافر إلى معرفته بدون الاستكشاف ~~منه ، ولا يتمكن من ذلك قبل أن يقرب منه ، فلا بد من إثبات الأمان بظاهر ~~الإشارة وإسقاط ما وراء ذلك للتحرز عن الغدر ، فإن ظاهر إشارته أمان له ، ~~وقوله : إن جئت قتلتك ، بمعنى النبذ لذلك الأمان ، فما لم يعلم بالنبذ كان ~~آمنا عملا بقوله تعالى : ' فانبذ إليهم على سواء ' الأنفال : 58 ، أي : ~~سواء منكم ومنهم في العلم بالنبذ ، وأشار إلى المعنى فيه فقال : ' إن الله ~~لا يحب الخائنين ' ، ومبنى الأمان على التوسع حتى ms0169 يثبت بالمحتمل من الكلام ~~، فكذلك يثبت بالمحتمل من الإشارة . وبيان هذا في حديث الهرمزان ، فإنه لما ~~أتي به عمر رضي الله عنه قال له : تكلم ، قال : أتكلم بكلام حي أم كلام ميت ~~؟ فقال عمر : كلام حي ، فقال : كنا نحن وأنتم في الجاهلية ، لم يكن لنا ولا ~~لكم دين فكنا نعدكم معشر العرب بمنزلة الكلاب ، فإذا أعزكم الله بالدين ~~وبعث رسوله منكم لم نطعكم ، فقال عمر : أتقول هذا وأنت أسير في أيدينا ؟ ~~اقتلوه ، فقال : أفيما علمكم نبيكم أن تؤمنوا أسيرا PageV01P263 ثم تقتلوه ~~؟ فقال متى أمنتك ؟ فقال : قلت لي تكلم بكلام حي والخائف على نفسه لا يكون ~~حيا . فقال عمر : قاتله الله ، أخذ الأمان ولم أفطن به ، فهذا دليل على ~~التوسع في باب الأمان . قال : فإذا أمن الإمام قوما ثم بدا له أن ينبذ ~~إليهم فلا بأس بذلك ، لقوله تعالى : ' فانبذ إليهم على سواء ' الأنفال : 58 ~~؛ لأن الأمان كان باعتبار النظر فيه للمسلمين ليحفظوا قوة أنفسهم وذلك يختص ~~ببعض الأوقات ، فإذا انقضى ذلك الوقت كان النظر والخيرية في النبذ إليهم ، ~~ليتمكنوا من قتالهم بعد ما ظهرت لهم الشوكة ، والنبذ لغة هو الطرح قال الله ~~تعالى : ' فنبذوه وراء ظهورهم ' آل عمران : 187 . وإنما يتحقق طرح الأمان ~~بإعلامهم وإعادتهم إلى ما كانوا عليه قبل الأمان ، حتى إن كانوا لم يبرحوا ~~حصنهم فلا بأس بقتالهم بعد الإعلام ؛ لأنهم في منعتهم ، فصاروا كما كانوا . ~~وإن نزلوا وصاروا في عسكر المسلمين فهم آمنون حتى يعود وإلى مأمنهم كما ~~كانوا ؛ لأنهم نزلوا بسبب الأمان ، فلو عمل النبذ في رفع أمانهم قبل أن ~~يصيروا ممتنعين كان ذلك خيانة من المسلمين ، والله لا يحب الخائنين . ~~PageV01P264 ودل على هذا قوله تعالى : ' وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ' التوبة : 6 واستدل عليه بحديث معاوية ~~، فإنه كان بينه وبين الروم عهد فكان يشير نحو بلادهم كأنه يقول : حتى نفي ~~بالعهد ثم نغير عليهم ، يعني أن العهد كان إلى مدة ، ففي آخر المدة سار ~~إليهم ليقرب منهم ms0170 حتى يغير عليهم مع انقضاء المدة . قال : وإذا شيخ يقول : ~~الله أكبر ، وفاء لا غدر ، وفاء لا غدر ، وكان هذا الشيخ عمرو بن عنبسة ~~السلمي ؛ تبين له بما قال أن في صنعه معنى الغدر ، لأنهم لا يعلمون أنهم ~~يدنو منهم يريد غارتهم ، وإنما يظنون أنه يدنو منهم للأمان . فقال معاوية : ~~ما قولك : وفاء لا غدر ؟ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أيما ~~رجل بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمدها وينبذ إليهم ~~على سواء ، وفي هذا دليل وجوب التحرز عما يشبه الغدر صورة ومعنى ، والله ~~الموفق . ولا يشدها حتى يمضي أمدها وينبذ إليهم على سواء ، وفي هذا دليل ~~وجوب التحرز عما يشبه الغدر صورة ومعنى ، والله الموفق . PageV01P265 ؟ # | باب ما لا يكون أمانا # قال : وإذا دخل المسلم دار الحرب بغير أمان فأخذه المشركون فقال لهم : ~~أنا رجل منكم ، أو جئت أريد أن أقاتل معكم المسلمين ، فلا بأس بأن يقتل من ~~أحب منهم ويأخذ من أموالهم ما شاء ؛ لأن هذا الذي قال ليس بأمان منه لهم ، ~~إنما هو خداع باستعمال معاريض الكلام ، فإن معنى قوله : أنا رجل منكم ، أي ~~: آدمي من جنسكم ، ومعنى قوله : جئت لأقاتل معكم المسلمين ، أي : أهل البغي ~~إن نشطتم في ذلك ، أو أضمر في كلامه ' عن أي : جئت لأقاتل معكم دفعا عن ~~المسلمين ، ولو كان هذا اللفظ أمانا منه لم يصح ، لأنه أسير مقهور في ~~أيديهم فكيف يؤمنهم ، إنما حاجته إلى طلب الأمان منهم ، وليس في هذا اللفظ ~~من طلب الأمان شيء . ثم استدل عليه بالآثار ، فمن ذلك ما روي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن أنيس سرية وحده إلى خالد بن سفيان بن ~~نبيح الهذلي إلى نخلة أو بعرنة ، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجمع ~~له ، أي : جمع الجيش لقتاله ، وأمره بقتله وقال : انتسب إلى خزاعة ، وإنما ~~أمره بذلك ؛ لأن ابن سفيان كان منهم ، PageV01P266 فقال : يا رسول الله ، ~~إني لا أعرفه ، فقال : إنك ms0171 إذا رأيته هبته وكنت لا أهاب الرجال ، فأقبلت ~~عشيشية الجمعة ، وهو تصغير العشية ، فحانت الصلاة فخشيت أن أصلي فأعرف ، ~~فأومأت إيماء وأنا أمشي ، وبه يستدل أبو يوسف على أن المنهزم ما شيا يومئ ~~ثم يعيد . قال : حتى أدفع إلى راعية له ، فقلت : لم أنت ؟ فقالت : لا بن ~~سفيان ، فقلت : أين هو ؟ قالت : جاءك الأن ، فلم أنشب أن جاء يتوكأ على عصا ~~أي لم ألبث ، فلما رأيته وجدتني أقطر ، وفي رواية أفكل ، أي : ترتعد فرائصي ~~هيبة منه ، فجاء فسلم ، ثم نسبني فانتسبت إلى خزاعة ، وذكر في الطريق الآخر ~~: كنت أعتزي إلى جهينة أي أنتسب إليهم ، PageV01P267 ثم قلت له : جئت ~~لأنصرك وأكثرك وأكون معك ، ومعناه لأنصرك بالدعاء إلى الإسلام ، وبالمنع عن ~~المنكر وهو قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قال عليه السلام : ' ~~انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، فقيل : كيف ينصره ظالما ، قال : يكفه عن ظلمه ~~' ، وقوله : أكثرك ، أي : أجعلك إربا إربا ، فأكثر أجزاءك إن لم تؤمن وأكون ~~معك إلى أن أقتلك . فقال للجارية : احلبي ، فحلبت ، ثم ناولتني فمصصت شيئا ~~يسيرا ، ثم دفعته إليه ، فعب فيه كما يعب الجمل ، حتى إذا غاب أنفه في ~~الرغوة صوبته ، وقلت للجارية : لئن تكلمت لأقتلنك ، وذكر بعد هذا : فمشيت ~~معه حتى استحلى حديثي ، ثم أريته أني وطئت على غصن شوك فشيكت رجلي ، فقال : ~~إلحق يا أخا جهينة ، فجعلت أتخلف ويستلحقني ، فلحقته وهو مولي ، فضربت عنقه ~~وأخذت برأسه ، ثم خرجت أشتد حتى صعدت الجبل فدخلت غارا وأقبل الطلب ، وفي ~~رواية : خرجت الخيل توزع في كل وجه في الطلب PageV01P268 وأنا متمكن في ~~الجبل ، فأقبل رجل معه إداوة ، ونعلاه في يده ، وكنت حافيا ، فجلس يبول ، ~~فوضع إداوته ونعليه ، وضربت العنكبوت على الغار ، أو قال : خرجت حمامة فقال ~~لأصحابه ، ليس فيه أحد ، فنزل وترك نعليه و إداوته ، فخرجت ولبست النعلين ~~وأخذت الإداوة فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار ، حتى جئت المدينة ، فوجدت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فلما رآني قال : أفلح الوجه وهذا لفظ ~~يتكلم به العرب ms0172 ، خطابا لمن نال المراد وفاز بالنصرة فقلت : وجهك الكريم يا ~~رسول الله فأخبرته خبري ، فدفع إلي عصا وقال : ' تخصر بهذه يا ابن أنيس في ~~الجنة ، فإن المتخصرين في الجنة قليل ' ، قيل معناه : تحكم بها في الجنة ~~كما يتحكم الملوك بما يشاءون ، وقيل معناه : ليكن هذا علامة بيني وبينك يوم ~~القيامة ، حتى أجازيك على صنيعك بسؤال الزيادة في الدرجة لك ، فإن مثلك ممن ~~يكون بينه وبين نبيه علامة فيجازيه على صنيعه في الجنة . قيل : فكانت عند ~~ابن أنيس حتى إذا مات أمر أهله أن يدرجوها في كفنه ، PageV01P269 ومراده من ~~القصة الاستدلال بقوله : جئت لأنصرك وأكثرك ، فإن ذلك لم يكن أمانا منه . ~~وذكر حديث يزيد بن رومان قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوم ~~كعب بن الأشرف وإعلانه بالشر وقوله الأشعار ، وكعب هذا من عظماء اليهود ~~بيثرب ، وهو المراد بالطاغوت المذكور في قوله تعالى : ' يريدون أن يتحاكموا ~~إلى الطاغوت ' النساء : 60 وكان يستقصي في إظهار العداوة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين قدم مكة بعد حرب بدر ، وجعل يرثي قتلاهم ، ويهجو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أشعاره ، ويحثهم على الانتقام فمن ذلك القصيدة ~~التي أولها : طحنت رحا بدر لمهلك أهله . . . ولمثل بدر يستهل ويدمع # فلما رجع إلى المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لي بابن ~~الأشرف ؟ فإنه قد آذاني ، فقال محمد بن مسلمة : أنا لك يا رسول الله ، ~~PageV01P270 وأنا أقتله ، قال : فافعل ، فمكث ابن مسلمة أياما لا يأكل ولا ~~يشرب ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تركت الطعام والشراب ؟ فقال ~~: يا رسول الله ، قلت لك قولا فلا أدري أفي به أم لا ، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : ' إنما عليك بالجهد ' ، ومعنى هذا أنه ترك الإصابة من اللذات قبل أن ~~يفي بما وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا ينبغي لمن قصد إلى خير أن ~~يقدمه على الإصابة من اللذات إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين له ~~أن ms0173 نفسه لا تتقوى إلا بالطعام والشراب كما قال تعالى : ' وما جعلناهم جسدا ~~لا يأكلون الطعام ' الأنبياء : 8 ، وأن عليه الجهد بالوفاء بالوعد لا غير . ~~قال : فاجتمع في قتله محمد وأناس من الأوس منهم عبادة بن بشر بن وقش ، وأبو ~~نائلة سكان بن سلامة بن وقش ، والحارث بن أوس ، وأبو عبس بن جبر ، فقالوا : ~~يا رسول الله ، نحن نقتله ، فائذن لنا فلنقل ، فإنه لا بد لنا منه ، أي : ~~نخدعه باستعمال المعاريض PageV01P271 وإظهار النيل منك ، قال : فقولوا ، ~~فخرج إليه أبو نائلة ، وكان أخاه من الرضاعة ، فتحدث معه وتناشد الأشعار ، ~~ثم قال أبو نائلة ، كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء ، يعني النبي ، ~~ومراده من ذكر البلاء النعمة ، فالبلاء يذكر بمعنى النعمة ، كما يذكر بمعنى ~~الشدة ، فإنه من الابتلاء ، وذلك يكون بهما كما قالت الصحابة : ابتلينا ~~بالضراء فصبرنا ، وابتلينا بالسراء فلم نصبر ، وقيل في تأويل قوله تعالى ' ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ' البقرة : 49 ، أي : في إنجائكم من فرعون ~~وقومه نعمة عظيمة ، وقيل : أي في ذبحه أبناءكم واستحيائه نساءكم محنة عظيمة ~~ثم قال : حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وتقطعت السبل عنا ، حتى جهدت ~~الأبدان وضاع العيال ، وأخذنا بالصدقة ، ولا نجد ما نأكل ، قال كعب : قد ~~والله كنت أحدثك بهذا يا ابن سلامة : إن الأمر سيصير إلى هذا ، قال سلكان : ~~ومعي رجال من أصحابي على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم لنبتاع منك طعاما ~~وتمرا ، وتحسن في ذلك إلينا ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة ، PageV01P272 قال ~~كعب : أما إن رفافي تتقصف تمرا من عجوة يغيب فيها الضرس ، والرفاف : جمع ~~الرف ، وهو الموضع الذي يجمع فيه التمر ، شبه الخنبق ، وقوله : تتقصف ، أي ~~: تتكسر من كثرة ما فيها من التمر ، ووصف جودتها بقوله يغيب فيها الضرس . ~~قال : أما والله يا أبا نائلة ما كنت أحب أن أرى هذه الخصاصة يعني شدة ~~الحاجة وإن كنت لمن أكرم الناس علي ، فماذا ترهنون ؟ أترهنونني أبناءكم ~~ونساءكم ؟ قال : لقد أردت أن تفضحنا وتظهر أمرنا ، ولكنا نرهنك من ms0174 الحلقة ~~ما ترضى به يا كعب ، قال : إن في الحلقة لوفاء ، يعني السلاح ، وإنما قال ~~ذلك سلكان كيلا ينكرهم إذا جاءوا إلى السلاح . فرجع أبو نائلة من عنده على ~~ميعاد ، فأتى أصحابه وأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسوا ، ثم أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عشاء فأخبروه ، فمشى معهم حتى أتى البقيع ، ثم ~~وجههم ، وقال : امضوا على ذكر الله وعونه ، ثم دعا لهم وذلك في ليلة مقمرة ~~مثل النهار PageV01P273 فمضوا حتى أتوه ، فلما انتهوا إلى حصنه هتف به أبو ~~نائلة ، وكان ابن الأشراف حديث عهد بعرس ، فوثب ، فأخذت امرأته بناحية ~~ملحفته فقالت : أين تذهب ؟ إنك رجل محارب ولا ينزل مثلك في مثل هذه الساعة ~~، قال : إنما هو أخي أبو نائلة ، والله لو وجدني نائما ما أيقظني ، ثم ضرب ~~بيده الملحفة فنزل وهو يقول : # لو دعي الفتي لطعنة لأجابا ثم نزل إليهم فحياهم ، وتحدثوا ساعة ، ثم ~~انبسط إليهم ، فقالوا : ويحك يا ابن الأشرف ، هل لك أن نمشي إلى شرج العجوز ~~فنتحدث فيه بقية ليلتنا ؟ فقال : نعم ، فخرجوا يتمشون ، فلما توجهوا قبل ~~الشرج أدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ، وقال : ويحك يا ابن الأشرف ، ما ~~أطيب عطرك هذا ، ثم مشى ساعة فعاد بمثلها ، حتى إذا اطمأن إليه أخذ بقرون ~~رأسه وقال لأصحابه : اقتلوا عدو الله ، فضربوه بأسيافهم ، فالتفت عليه فلم ~~تغن شيئا يعين رد بعضها بعضا قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغولا كان في سيفي ~~وهو يشبه الخنجر ، فانتزعته فوضعته في سرته ، ثم تحاملت عليه فغططته ، أي ~~غيبته فيه ، حتى انتهى إلى عانته ، فصاح عدو الله صيحة ما بقي أطم من ~~PageV01P274 آطام اليهود إلا أوقدت عليه نار ، وهذه عادة اليهود يوقدون ~~النار بالليل عند الفزع ، قال ابن سنينة يهودي من يهود بني حارثة : إني ~~لأجد ريح دم بيثرب مسفوح وذكر في المغازي أنه كان بينه وبين ذلك الموضع ~~مقدار فرسخ قال : وقد أصاب بعض القوم الحارث بن أوس بسيف وهم يضربون كعبا ~~فكلمه في رجله ، أي جرحه ، فلما فرغوا ms0175 منه خرجوا يشتدون حتى أخذوا على بني ~~أمية ، ثم على بني قريضة ، ثم على بعاث حتى إذا كانوا بحرة العريض وهذه ~~أسماء الواضع نزف الحارث الدم ، يعني كثر سيلان الدم من جراحته فعطفوا عليه ~~، أي رحموه أو حملوه على أعناقهم حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~أتوا البقيع كبروا وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي ، ~~فلما سمع تكبيرهم عرف أنهم قتلوه ، ثم أتوا يصاحبهم الحارث بن أوس إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فتفل على جرحه فلم يؤذه ، وأخبروه بخبر عدو الله ~~، ثم رجعوا إلى أهلهم ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' من ~~ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه ' ، وإنما قال ذلك لئلا يتجمعوا في كل موضع ~~للتحدث بما جرى والتدبير فيه ، وهذا من الحزم والسياسة . PageV01P275 قال : ~~فخافت اليهود ، ولم يخرج عظيم من عظمائهم ، ولم ينطقوا بشيء ، وخافوا أن ~~يبيتوا كما بيت ابن الأشرف ، وكان ابن سنينة من يهود بني حارثة ، وكان ~~حليفا لحويصة بن مسعود ، وكان أخوه محيصة قد أسلم ، فغدا محيصة على ابن ~~سنينة فقتله ، فجعل حويصة يضرب محيصة ، وكان أسن منه ، ويقول : أي عدو الله ~~، قتلته ، أما والله لرب شحم في بطنك من ماله لأنه كان ينفق عليهما فقال ~~محيصة : والله لو أمرني بقتلك الذي أمرني بقتله لقتلتك ، فقال له : لو أمرك ~~محمد بقتلي لقتلتني ؟ ، قال : نعم ، قال حويصة : والله إن دينا يبلغ منك ~~هذا لدين معجب ، فأسلم حويصة يومئذ وأنشأ محيصة يقول : # يلوم ابن أمي لو أمرت بقتله . . . لطبقت دفراه بأبيض قاضب # حسام كلون الملح أخلص صقله . . . متى ما أصوبه فليس بكاذب # وما سرني أني قتلتك طائعا . . . ولو أن لي ما بين بصري ومارب # ثم أعاد هذا الحديث برواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما من وجه آخر : ~~أن محمد بن مسلمة هو الذي أتى ابن الأشرف فقال : يا كعب ، قد جئتك لحاجة ، ~~قال : مرحبا بحاجتك ، قال : جئتك استسلفك تمرا ، قال : ما بغيتكم إلى مسألة ms0176 ~~التمر ؟ وإنما قال ذلك ، PageV01P276 لأنهم كانوا يجدون في الجاهلية ألف ~~وسق ، فقال محمد : إن هذا الرجل لم يدع عندنا شيئا وأصحابه وأراد به لم يدع ~~عندنا شيئا مما كان يضرنا من أمور الجاهلية أو شيئا من الشرك أو شيئا مما ~~يحتاج إليه من امور الدين والدنيا إلا هدنا إليه . قال كعب : الحمد لله ~~الذي أراك النصرة ، فانظر حاجتك ، ولكن لا بد من رهن ، قال : أرهنك درعي ، ~~قال : لعلها درع أبيك الزغباء ؟ قال : نعم ، قال : فائت بمن أحببته وخذ ~~حاجتك ، قال : فإني آتيك في خمر الليل ، أي في ظلمة الليل ، والخمر ما وراك ~~. فإني أكره أن يرى الناس أني أطلبك أو آتيك في حاجة أو أني احتجت . . . ~~الحديث ، إلى أن نزل إلى محمد وآنسه شيئا وحادثه ، ثم أدخل يده في رأسه ، ~~وكان جعدا ، فقال : ما أطيب دهنك ، قال : إن شئت أرسلت إليك منه ، ثم عاد ~~الثانية ، فقال : قد تركت يا محمد أنت وأصحابك هذا ، يعنى الدهن ، فلما أن ~~خلل أصابعه في رأسه ضرب بالخنجر سرته ، الحديث إلى آخره ، فقد أخبره أنه ~~يأتيه ليستسلفه تمرا ثم قتله ، ولم يك ذلك منه غدرا فتبين أنه لا بأس بمثله ~~، والله الموفق PageV01P277 . # | باب الأمان على الشرط # قال : وإذا آمن المسلمون رجلا على أن يدلهم على كذا ولا يخونهم ، فإن ~~خانهم فهم في حل من قتله ، فخرج عليهم من مدينته أو حصنه على ذلك حتى صار ~~في أيديهم ، ثم خانهم ، أو لم يدلهم فاستبانت لهم خيانته ، فقد برئت منه ~~الذمة ، وصار الرأي فيه إلى الإمام إن شاء قتله وإن شاء جعله فيئا ؛ لأن ~~الشرط هكذا جرى بينهم ، فقال عليه السلام : ' المسلمون عند شروطهم ' ، وقال ~~عمر رضي الله عنه الشرط أملك ، أي : يجب الوفاء به ، ولأنه كان مباح الدم ، ~~علقوا حرمة دمه بالدلالة وترك الخيانة ، وتعليق أسباب التحريم بالشرط صحيح ~~كالطلاق والعتاق ، فإن انعدم الشرط بقي حل دمه على ما كان ، ولأن النبذ بعد ~~الأمان والإعادة ، إلى مأمنه إنما كان معتبرا للتحرز عن الغدر ، وبالتصريح ~~بالشرط قد ms0177 انتفى معنى الغدر . واستدل عليه بحديث موسى بن جبير قال : أقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكتيبة أربع عشر يوما يعني حصنا من حصون ~~خيبر وكان آخر حصونهم ، فلما أيقنوا بالهلكه سألوا PageV01P278 النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصلح ، فأرسل إلى ابن أبي الحقيق : انزل فأكلمك ، فقال : ~~نعم ، فصالحه على حقن دمائهم ويخرجون من خيبر وأرضها ، ويخلون بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال أو أراض ، وعلى الصفراء ~~والبيضاء والحلقة ، وعلى البز إلا ثوب على ظهر إنسان ، قال : وبرئت منكم ~~ذمة الله إن كتمتموني شيئا ، فصالحوه على ذلك ، ثم كتم ابن أبي الحقيق آنية ~~من فضة ومالا كثيرا كان في مسك الجمل عند كنانة ابن أبي الحقيق ، وهذه كانت ~~أنواعا من الحلي كانوا يعيرونها أهل مكة ، ربما قدم القادم من قريش ~~فيستعيرها شهرا للعرس ، يكون فيهم ، فكان ذلك يكون عند الأكابر فالأكابر من ~~آل أبي الحقيق ، حتى ذكر في المغازي أنه ضاع منها شيء مرة بمكة فغرم من ضاع ~~على يده قيمة ذلك عشرة آلاف دينار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~فأين الآنية والأموال التي خرجتم بها من المدينة حين أجليتكم ؟ فقالوا : ~~ذهبت في الحرب يا أبا القاسم ، إنما كنا نمسكها لمثل يومنا هذا ، فلا والله ~~ما بقي عندنا منها شيء وحلفوا على ذلك ، فقال : أفرأيتم إن وجدته عندكم ~~أقتلكم ؟ قالوا : نعم ، PageV01P279 وفي رواية قال لكنانة وربيعة ابني أبي ~~الحقيق : برئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كان عندكما ؟ قالا : نعم ، قال ~~: فكل ما أخذت من أموالكم فهو حلال لي ولا ذمة لكما ؟ قالا : نعم ، قال : ~~فأشهد عليهما أبا بكر وعمر وعليا والزبير وعشرة من يهود ، فقام يهودي إلى ~~كنانة فقال : إن كان عندك أو تعلم علمه فأعلمه لتأمن على دمك ، فوالله ~~ليطلعن عليه ، فقد اطلع على غير ذلك مما لم يعلمه أحد ، فزبره ابن أبي ~~الحقيق ، فتنحى اليهودي فقعد ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما ~~إلى الزبير بن ms0178 العوام أن يعذبهما ويستأصل ما عندهما ، فعذب كنانة حتى أجافه ~~، فلم يعترف بشيء ، ويحتمل أن يكون هذا قبل نهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن المثلة ، وإن كان بعد ذلك فيحتمل أنه فعل ذلك على سبيل السياسية ؛ ليظهر ~~الأمر ويتم الزجر في حق غيره عن مثل هذا التلبيس . قال : فاعترف ربيعة بن ~~أبي الحقيق ، فقال : قد رأيت كنانة يطوف كل غداة بهذه الخربة ، فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم الزبير حتى حفرها واستخرج منها ذلك الكنز ، وفي رواية : ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثعلبة بن سلام بن أبي الحقيق ، وكان رجلا ~~ضعيفا مختلط العقل ، قال : ليس لي علم PageV01P280 غير أني كنت أرى كنانة ~~كل غداة يطوف بهذه الخربة ، فإن كان شيئا دفنه فهو فيها ، فأرسل النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى تلك الخربة فحفر فوجد ذلك الكنز ، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأن يدفع كنانة بن أبي الحقيق إلى محمد بن مسلمة ؛ لقتله ~~بأخيه محمود بن مسلمة ، فقد كان هو الذي دلى على محمود الرحى ، وإنما استحل ~~دماءهما وسبى ذراريهما ، لمكان الشرط الذي جرى بينه وبينهما فسبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب ، وكانت تحت كنانة ، ومعها ابنة ~~عمها ، لم يسب من أهل خيبر غيرهما ، وكان قد وعد دحية الكلبي من سبي خيبر ، ~~فسأله أن يعطيه صفية ، فأعطاه مكانها ابنة عمها ، وأمسك صفية لنفسه ، وهي ~~عروس بحدثان ما دخلت على زوحها ، وذكر في المغازي أنها كانت رأت في منامها ~~في بعض تلك الليالي أن القمر وقع في حجرها من السماء ، فلما أصبحت قصت ~~رؤياها على كنانة ، فلطمها لطمة على وجهها وقال : أتريدين أن تكوني زوجة ~~محمد ؟ ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يذهب بها إلى رحله ، فسر ~~بها وسط القتلى ، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ذهبت بجارية ~~حديثة السن إلى القتلى ، لقد ذهبت منك الرحمة ، فاعتذر بلال وقال : يا رسول ~~الله ، ما مررت بها إلا ms0179 إرادة أن ترى مصارع قومها ولم أدر أنك تكره يا رسول ~~الله ، وذكر في المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها فتزوجها ، فأمر ~~أم أيمن أن تصلحها له ، فبنى بها في الطريق قبل أن ينتهي إلى المدينة وكانت ~~PageV01P281 لها منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك ما روي ~~أنه لما قرب بعيرها لتركب بعدما بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يركبها بنفسه فأمرها أن تضع رجلها على فخذه ~~وتركب فوضعت ركبتها على ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستعظمت وضع ~~رجلها على ركبته وإن كان بأمره ، فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ~~، منها ، وبعدما قدموا المدينة دخلت عائشة متنكرة مع النساء منزلها لتراها ~~، فوجدت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة من نساء عشيرتها فعرف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بين من دخل من النساء ، ولم يذكر لها ~~شيئا حتى عادت إلى منزلها ، ثم جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~كيف رأيت صفية ؟ فقالت : ما رأيت شيئا غير ابنة يهودي بين يهوديات ، ولكني ~~سمعت أنك تحبها ، فقال : لا تقولي يا عائشة ، فإني لم أر في وجهها كبوة حين ~~عرضت عليها الإسلام ، ثم روي أنه كان إذا اجتمع نساء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم معها في موضع يخاطبنها يا ابنة اليهودي فشكت ذلك إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ' إذا قلن لك هذا ، فقولي : من منكن مثلي ؟ أبي ~~نبي وعمي نبي وزوجي نبي ' ، فإنها كانت من أولاد هارون عليه السلام ، فلما ~~قالت ذلك لهن ، قالت عائشة رضي الله عنها : ليس هذا من كيسك يا ابنة ~~اليهودي . ومن جوز التنفيل بعد الإصابة استدل بإعطاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم دحية ابنة عم صفية ، ولكن تأويل ذلك ما قال محمد : إن الكتيبة كانت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا فلذلك أعطاه الجارية ، واستدل من جوز ~~المعاملة بما ذكر ms0180 في هذا الحديث في بعض الطرق أنهم قالوا : يا محمد ، نحن ~~أرباب الأموال ونحن أعلم بها ، فلا تخرجنا ، عاملنا على النصف ، وتأويل ذلك ~~لأبي حنيفة رحمه الله قد بيناه في أول كتاب المزارعة ، والله الموفق . وجة ~~محمد ؟ ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يذهب بها إلى رحله ، فسر ~~بها وسط القتلى ، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ذهبت بجارية ~~حديثة السن إلى القتلى ، لقد ذهبت منك الرحمة ، فاعتذر بلال وقال : يا رسول ~~الله ، ما مررت بها إلا إرادة أن ترى مصارع قومها ولم أدر أنك تكره يا رسول ~~الله ، وذكر في المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها فتزوجها ، فأمر ~~أم أيمن أن تصلحها له ، فبنى بها في الطريق قبل أن ينتهي إلى المدينة وكانت ~~لها منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك ما روي أنه لما قرب ~~بعيرها لتركب بعدما بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يركبها بنفسه فأمرها أن تضع رجلها على فخذه وتركب فوضعت ~~ركبتها على ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستعظمت وضع رجلها على ~~ركبته وإن كان بأمره ، فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، منها ، ~~وبعدما قدموا المدينة دخلت عائشة متنكرة مع النساء منزلها لتراها ، فوجدت ~~عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة من نساء عشيرتها فعرف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عائشة بين من دخل من النساء ، ولم يذكر لها شيئا حتى ~~عادت إلى منزلها ، ثم جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف رأيت ~~صفية ؟ فقالت : ما رأيت شيئا غير ابنة يهودي بين يهوديات ، ولكني سمعت أنك ~~تحبها ، فقال : لا تقولي يا عائشة ، فإني لم أر في وجهها كبوة حين عرضت ~~عليها الإسلام ، ثم روي أنه كان إذا اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معها في موضع يخاطبنها يا ابنة اليهودي فشكت ذلك إلى رسول الله صلى ms0181 ~~الله عليه وسلم فقال : ' إذا قلن لك هذا ، فقولي : من منكن مثلي ؟ أبي نبي ~~وعمي نبي وزوجي نبي ' ، فإنها كانت من أولاد هارون عليه السلام ، فلما قالت ~~ذلك لهن ، قالت عائشة رضي الله عنها : ليس هذا من كيسك يا ابنة اليهودي . ~~ومن جوز التنفيل بعد الإصابة استدل بإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم دحية ~~ابنة عم صفية ، ولكن تأويل ذلك ما قال محمد : إن الكتيبة كانت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالصا فلذلك أعطاه الجارية ، واستدل من جوز المعاملة ~~بما ذكر في هذا الحديث في بعض الطرق أنهم قالوا : يا محمد ، نحن أرباب ~~الأموال ونحن أعلم بها ، فلا تخرجنا ، عاملنا على النصف ، وتأويل ذلك لأبي ~~حنيفة رحمه الله قد بيناه في أول كتاب المزارعة ، والله الموفق . # PageV01P282 ؟ # | باب الأمان # قال : وإذا نادى المسلمون أهل الحرب بالأمان فهم آمنون جميعا ، إذا سمعوا ~~أصواتهم بأي لسان نادوهم به ، العربية والفارسية والرومية ، والفبطية في ~~ذلك سواء ، لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه كتب إلى جنوده بالعراق : ~~إنكم إذا قلتم : لا تخف ، أو مترسي ، أو لا تذهل فهو آمن ، فإن الله تعالى ~~يعرف الألسنة ، والمعنى ما أشار إليه ، فإن الأمان التزام الكف عن التعرض ~~لهم بالقتل والسبي حقا لله تعالى والله لا يعزب عنه مثقال ذرة ، ولا يخفى ~~عليه خافية ، ثم فيما يرجع إلى المعاملات يعتبر حصول المقصود بالكلام من ~~غير أن يختص ذلك بلغة ، وإنما اعتبر ذلك أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في ~~العبادات حيث لم يجوزا التكبير والقراءة بالفارسية ، لأن تمام الإسلام في ~~وجوب مراعاة النص لفظا ومعنى ، وهذا لا يوجد في المعاملات وإذا كان الإيمان ~~يصح بأي لسان كان إذا حصل به ما هو المقصود وهو الإقرار والتصديق ، فالأمان ~~أولى وكذلك التسمية على الذيحة تصح بأي لسان كان الحصول المقصود فالأمان ~~أوسع من ذلك كله . PageV01P283 وإن نادوهم بلسان لا يعرفه أهل الحرب ، وذلك ~~معروف للمسلمين ، فهم آمنون أيضا ؛ لأن معرفتهم لذلك حقيقة أمر باطن لا ~~يمكن تعليق الحكم به ms0182 ، فتعلق الحكم بالسبب الظاهر الدال عليه هو إسماعهم ~~كلمة الأمان وهذا أصل كبير في الفقه ، ولهذا شرطنا الإسماع حتى إذا كانوا ~~بالبعد منهم على وجه يعلم أنهم لم يسمعوا ، فإنه لا يكون ذلك أمانا ، لأن ~~هذا ظاهر يمكن الوقوف عليه ، فيمكن تعليق الحكم بحقيقته ثم لعله كان فيهم ~~ترجمان يعف معنى نداء المسلمين فيوقفهم على ذلك ، فلو لم يثبت الأمان به ~~كان نوع غدر من المسلمين ، والتحرز عن صورة الغدر واجب ، يوضح الفرق أنهم ~~إذا لم يفهموا فإنما كان ذلك بمعنى من المسلمين حيث نادوهم بلغة لا ~~يعرفونها ، فلا يبطل به حكم الأمان في حقهم . فأما إذا كانوا بالبعد من ~~المسلمين بحيث لا يسمعون كلامهم ، فإنهم لم يقفوا على مقالة المسلمين لمعنى ~~من جهتهم وهو أنهم لم يقربوا من المسلمين فلهذا لا يثبت حكم الأمان لهم ، ~~قال : وإذا قال المسلمون للحربي : أنت آمن ، أو لا تخف ، أو لا بأس عليك ، ~~أو كلمة تشبه هذا فهو كله أمان ؛ لأنه إنما يخاطب الخائف بمثل هذا العبارات ~~، لإزالة الخوف عادة ، وإنما يزول عنه الخوف بثبوت الأمان وكل مسلم يملك ~~إنشاء الأمان له فيجعل بهذا اللفظ منشئا ، كمن يقول لعبده : أعتقتك ، أو ~~أنت حر يجعل منشئا عتقه بما وصفه ، PageV01P284 ثم ذكر أمان مختلط العقل ~~إذا كان يعقل الإسلام ويصفه وهو في ذلك بمنزلة الصبي الذي يعقل كما في أصل ~~الإيمان ، وقد بينا الخلاف في أمان الصبي فكذلك مختلط العقل . فإن كان لا ~~يعقل الإسلام ولا يصفه لا يجوز أمانه ؛ لأنه بمنزلة الصبي الذي لا يعقل ، ~~وإن كان عاقلا في أمر معيشته إلا أنه بالغ لا يصف الإسلام ولا يعقله فهذا ~~بمنزلة المرتد ، والمرتد لا يجوز أمانه ، بخلاف الصبي فإنه مسلم تبعا ~~لأبويه أو لأحدهما ، وإن كان لا يصف الإسلام ولا يعقله ، فإذا كان بحيث ~~يعقل الأمان صح أمانه عند محمد . قال : وإن أمر أمير العسكر رجلا من أهل ~~الذمة أن يؤمنهم ، أو أمره بذلك رجل من المسلمين فأمنهم فهو جائز ؛ لأن ~~الأمير يملك مباشرة ms0183 الأمان بنفسهن فيملك الذمي بعد أمره إياه بذلك ، وهذا ~~لأن أمان الذمي إنما لا يصح لتهمة ميله إليهم اعتقادا ، ويزول ذلك إذا أمره ~~المسلم به ، ويتبين بأمر المسلم إياه أن في أمانه معنى النظر للمسلمين وهذا ~~بخلاف ما إذا أمره بالقتال ، لأنه بأمره إياه بالقتال لا يتعين معنى الخيري ~~في الأمان ، فلو تعين ذلك إنما يتعين برأي الكافر وهو متهم في ذلك ، ثم ~~المسألة على وجهين : إما أن يقول له : أمنهم ، أو يقول : قل لهم إن فلانا ~~المسلم يؤمنكم ، وكل وجه من ذلك على وجهين ، إما أن يقول الذمي لهم : قد ~~أمنتكم ، أو يقول : إن فلانا المسلم قد أمنكم ، فأما إذا قال له المسلم : ~~أمنهم ، PageV01P285 فسواء قال لهم أمنتكم أو أمنكم فلان ، فهم آمنون ، ~~لأنه صار مالكا للأمان بهذا الأمر ، فيكون فيه بمنزلة مسلم آخر ، والمسلم ~~إذا قال لهم : أمنتكم أو أمنكم فلان كانوا آمنين في الوجهين ، لأنه أضاف ~~الأمان إلى من يملك إنشاءه ، فيكون ذلك إخبارا منه بأمان صحيح ، فيجعل في ~~حكم الإنشاء لرفع الغدر ، فإن كان المسلم قال له : قل لهم : إن فلانا أمنكم ~~، فإن كان على هذا الوجه فهم آمنون ، لأنه جعله رسولا إليهم ، وقد أدى ~~الرسالة على وجهها ، فيكون هذا بمنزلة ما لو كتب إليهم كتاب الأمان وبعث به ~~على يده ، فإذا بلغهم كانوا آمنين ، وإن قال لهم : أمنتكم فهذا باطل لأنه ~~خالف ما أمر به ، لأنه أمر بتبليغ الرسالة ، وهذا لا يتضمن تمليك الأمان ~~منه فإذا قال أمنتكم فهذا ليس بتبليغ للرسالة ولكنه إنشاء عقد منه مضاف إلى ~~نفسه ، وهو ليس من أهله فيكون باطلا . قال : والأسير في دار الحرب إذا ~~أمنهم لا يصح أمانه على غيره من المسلمين ؛ لأن أمانه لا يقع بصفة النظر ~~منه للمسلمين بل لنفسه ، حتى يتخلص منهم ولأن الأسير خائف على نفسه ، وإنما ~~يؤمن غيره من يكون آمنا في نفسه ، ولأنهم آمنون منه لكونه مقهورا في أيديهم ~~، فعقده يكون على الغير ابتداء وقل ما تخلو دارهم عن أسير ، فلو صححنا ms0184 ~~أمانه انسد باب القتال علينا ، فإنهم كلما حزبهم خوف أمروا الأسير حتى ~~يؤمنهم ، والقول بهذا فاسد ، إلا أنه فيما بينهم وبينه إن أمنوه وأمنهم ~~فينبغي أن يفي لهم كما يفون لهم ولا يسرق شيئا من أموالهم ، لأنه غير متهم ~~في حق نفسه وقد شرط أن يفي لهم فيكون بمنزلة المستأمن في دارهم PageV01P286 ~~وإن كان في أيديهم عبد مسلم أو أمة مسلمة لم ينبغ له أن يعرض لهم في ذلك ؛ ~~لأنهم لو أسلموا عليه كان سالما لهم ، فحكم هذا وحكم سائر أموالهم سواء ~~ولكن لا بأس بأن يأخذوا ما وجد في أيديهم من أسير حر مسلم أو ذمي أو مكاتب ~~أو أم ولد أو مدين لمسلم و ذمي ؛ لأن هؤلاء لا يجري عليهم السبي ، ألا ترى ~~أنهم لو أسلموا عليه لم يكن لهم ، فهم ظالمون في إمساكهم ، وهو بالأمان ما ~~التزم تقريرهم على الظلم فكان له أن يزيل ظلمهم بالسرقة أو الغصب حتى ~~يخرجهم ، وإنما يلزمه أن يراعي بالعهد ما يجوز إعطاء العهد عليه ، ولا يجوز ~~إعطاء الأمان على ترك هؤلاء في أيديهم بعد التمكن من أخذهم منهم . ولو حصل ~~المستأمنون في عسكر المسلمين غير ممتنعين منهم فبدا للأمير أن ينبذ إليهم ~~فعليه أن يلحقهم بمأمنهم فإن أبوا أن يخرجوا وقالوا : نكون مع ذرارينا ~~ونسائنا الذين أسرتموهم فإنه ينبغي للأمير أن يتقدم إليهم في ذلك على سبيل ~~الإعذار ، والإنذار ، ويؤجلهم إلى وقت يتيسر عليهم اللحوق بمأمنهم في ذلك ~~الوقت ولا يرهقهم في الأجل كيلا يؤدي إلى الإضرار بهم ، ويقول : إن لحقتم ~~بمأمنكم إلى أجل كذا ، وإلا فأنتم ذمة نضع عليكم الخراج ولا ندعكم ترجعون ~~إلى مأمنكم بعد ذلك ، فإن لم يخرجوا حتى مضت المدة كان ذلك دليل ~~PageV01P287 الرضا منهم بن يكونا ذمة فيكونا بمنزلة قبول عقد الذمة نصا ~~بمنزلة المستأمنين في دارنا إذا أطالوا المقام ، وإن خاف أمير العسكر إن ~~لقي المسلمون عدوهم أن يغيروا على عسكرهم ، أو خاف أن يقتلوا المسلمين ليلا ~~، فإنه يأمرهم بأن يلحقوا بمأمنهم ويوقت لهم في ms0185 ذلك وقتا ، كما بينا نظرا ~~منه للمسلمين ، ثم يأمرهم في كل ليلة حتى يمضي ذلك الوقت أن يجمعوا في موضع ~~فيحرسوا ؛ لأن الخوف منهم يزداد بالتقدم إليهم في الخروج ومفارقة النساء ~~والذراري ، والتوقيت كان نظرا منه لهم ، فينبغي أن ينظر للمسلمين كما ينظر ~~لهم ، وطريق النظر هذا فإن مضى ذلك الوقت فصاروا ذمة أمر بهم أن يجمعوا في ~~موضع كل ليلة ويجعل عليهم حراسا حتى يخرجوا إلى دار الإسلام ؛ لأن الأمن لم ~~يقع من جانبهم وإن جعلهم ذمة بمضي الوقت ، بل ازداد الخوف بما ألزمهم من ~~صغار الجزية إلا أن الخوف يكون بالليل غالبا فيجعل عليهم حراسا كل ليلة ~~فإذا أصبح المسلمون خلوا سبيلهم في العسكر ليكونوا عند ذراريهم ونساءهم ~~PageV01P288 وكذلك إذا حصر المسلمون العدو جمعهم في موضع وجعل عليهم حراسا ~~؛ لأن الخوف يزداد منهم عند التقاء الصفين ، ويحتاج المسلمون إلى ان يأمنوا ~~من جانبهم ليتفرغوا لقتال العدو ، وذلك إنما يحصل إذا جعل عليهم حراسا ~~يحرسونهم فإن لم يقدروا على أن يحرسهم إلا بأجر استأجر الإمام قوما ~~يحرسونهم من الغنيمة ؛ لأن في هذا الاستئجار منفعة للغانمين ، فهو نظير ~~الاستئجار على حفظ الغنائم ، أو على حفظ منفعة الغانمين ، فإن قيل : في هذا ~~الحفظ معنى الجهاد فكيف يجوز الاستئجار عليه ؟ قلنا : لا كذلك ، فالقوم ذمة ~~للمسلمين غير محاربين لهم ، فلا يكون حفظهم جهادا ، ولكن يخاف من جانبهم أن ~~يغيروا على غنائم المسلمين وأمتعتهم ، فلا فرق بين الاستئجار على حفظ ~~الغنائم وبين الاستئجار على حفظ هؤلاء ومنعهم من اخذ الغنائم وقتل المسلمين ~~. ولو أن مسلما أهل العسكر في منعتهم أشار إلى مشرك في حصن أو منعة لهم أن ~~تعال ، أو أشار إلى أهل الحصن أن افتحوا الباب ، أو أشار إلى السماء ، فظن ~~المشركون أن ذلك أمان ، ففعلوا ما أمرهم به ، وقد كان هذا الذي صنع معروفا ~~بين المسلمين وبين أهل الحرب من أهل تلك الدار أنهم إذا صنعوا كان أمانا ، ~~ولم يكن ذلك معروفا ، فهو أمان جائز بمنزلة قوله : قد أمنتكم ؛ PageV01P289 ~~لأن أمر ms0186 الأمان مبني على التوسع ، والتحرز عما يشبه الغدر واجب ، فإذا كان ~~معروفا بينهم فالثابت بالعرف كالثابت بالنص ، فلو لم يجعل أمانا كان غدارا ~~، وإذا لم يكن معروفا فقد اقترن به من دلالة الحال ما يكون مثل العرف أو ~~أقوى منه ، وهو امتثالهم أمره وما أشار عليهم به ، فهو من أبين الدلائل على ~~المسالمة ، ألا ترى أنهم لو قالوا لهم : اخرجوا حتى تهدموا هذا الحصن ~~فخرجوا كانوا آمنين . ثم استدل عليه بحديث عمر رضي الله عنه : أيما رجل من ~~المسلمين أشار إلى رجل من العدو أن تعال ، فإنك إن جئت قتلتك ، فأتاه فهو ~~آمن وتأويل هذا أنه إذا لم يفهم قوله : إن جئت قتلتك أو لم يسمع ، فأما إذا ~~علم ذلك وسمعه وجاءه مع ذلك فهو فيء ، لأن دلالة الحال والعرف يسقط اعتباره ~~إذا صرح بخلافه ، ألا ترى أنه لو قال : تعال إن كنت تريد القتال أو إن كنت ~~رجلا أو تعال حتى تبصر ما أفعله معك ، فإنه لا يشكل على أحد أن هذا كلام ~~تهديد لا كلام أمان ، فأما قوله : تعال ، مطلقا فكلام موافقة وكذلك إشارته ~~بالأصابع إلى السماء فيه بيان أني أعطيتك ذمة إله السماء ، أو أنت آمن مني ~~بحق رب السماء ، فهو بمنزلة قوله : أمنتك . ولو أن عسكر المسلمين في دار ~~الحرب وجدوا رجلا أو امرأة ، فقال حين وجدوه : جئت أطلب الأمان فإن لم يكن ~~لهم علم به حتى هجموا عليه فهو فيء ولا يصدق في ذلك ؛ لأن الظاهر يكذبه ~~فيما يقول ، فإنه كان مختفيا منهم إلى أن هجموا عليه ، وإنما يليق هذا بحال ~~من يأتيهم مغيرا لا مستأمنا ، فالظاهر أنه يحتال بهذه الحليلة بعدما وقع في ~~الشبكة فلا يصدق ، PageV01P290 وإن كان ممتنعا في موضع لا يقدر عليه ~~المسلمون وهم يسمعون كلامه إن تكلم ، فأرادوه ليقتلوه ، فلما رأى ذلك لم ~~يتكلم ولكنه أقبل فوضع يده في أيديهم ، فهو فيء ، وللإمام أن يقتله ، ولا ~~يقبل قوله إني جئت أطلب الأمان ؛ لأنه حين أراد المسلمون أسره أو قتله كما ~~متمكنا ms0187 على أن ينادي بالأمان فيعلم أيؤمنونه أم لا ، وقد كان ممتنعا في ذلك ~~الموضع ، فحين ترك النداء بالأمان فهو الذي لم ينظر لنفسه بعد التمكن ، ~~فالظاهر أنه أقبل رادا لقصد المسلمين فحين لم يتمكن من ذلك احتال بهذه ~~الحيلة وإن لم يعرض له المسلمون بقتل ولا أسر فأقبل إليهم حتى أتاهم فهو ~~آمن ؛ لأن إقباله إليهم دليل المسالمة ، فهو بمنزلة النداء بالأمان بخلاف ~~الأول ، فإقباله بعد قصد المسلمين دليل على أنه قصد رد قصدهم بالقتال ، ~~وأما إقباله قبل قصد المسلمين دليل على أنه قصد المسالمة ألا ترى أن تجارهم ~~هكذا يكون الحال بينهم وبين المسلمين يدخلون دار الإسلام من غير أن ينادوا ~~لطلب الأمان . وإن كان في منعة حيث لا يسمع المسلمون كلامه ولا يرونه ، ~~فانحط من ذلك الموضع ليس معه أحد ولا سلاح حتى أتى المسلمين ، فلما كان حيث ~~يسمعهم نادى بالأمان وهو في ذلك الموضع غير ممتنع من المسلمين ، فهو آمن ؛ ~~لأنه أتى بما في وسعه من مفارقة المنعة والنداء بالأمان إذ كان بحيث ~~PageV01P291 يسمع المسلمون ، وألقى السلاح ، فالظاهر أنه جاء طالبا للأمان ~~، فهو آمن ، أمنوا أو لم يؤمنوا ، لأن الشرع أمن مثله ، قال تعالى : ' وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره ' التوبة : 6 ، وقال تعالى : ' وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها ' الأنفال : 61 ، وكذلك لو كان معه السلاح إلا أنه ليس ~~عليه هيئة رجل يريد القتال ؛ لأنه ربما استصحب السلاح ليبيعه في عسكر ~~المسلمين ، أو خاف ضياعه إن خلفه عندهم ، فاستصحبه ضنة منه بسلاحه . وإن ~~كان أقبل سالا سيفه مادا رمحه نحو المسلمين ، فلما كان في موضع لا يكون ~~ممتنعا منهم نادى الأمان فهو فيء ؛ لأن الظاهر من حاله أنه أقبل مقاتلا ، ~~والحاصل أن البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقته جائز وغالب ~~الرأي يجوز تحكيمه فيما لا يمكن معرفة حقيقته ، وإن كان يرجع إلى إباحة ~~الدم ، ألا ترى أنه لو رأى إنسانا يدخل بيته ليلا ولا يدري أنه سارق أو ~~هارب من اللصوص فإنه حكم حاله : فإن ms0188 كان عليه سيماء اللصوص أو كان معه آخر ~~يجمع متاعه فلا بأس بأن يقتلهما قبل أن يدنوا منه ، وإن كان عليه سيماء أهل ~~الخير فعليه أن يؤويه ولا يسعه أن يرمي إليه . يدنوا منه ، وإن كان عليه ~~سيماء أهل الخير فعليه أن يؤويه ولا يسعه أن يرمي إليه . # والدليل على جواز تحكيم السيماء قوله تعالى : ' يعرف المجرمون بسيماهم ' ~~والدليل على جواز الرجوع إلى دلالة قوله تعالى : ' ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ' التوبة : 46 ، PageV01P292 ولو أن عسكرا نزل ليلا في أرض ~~الحرب فجاء مشرك على الطريق لا يعدو على غيره حتى لقي أول مسالح المسلمين ~~فسألهم الأمان ، إلا أنه في ذلك الموضع غير ممتنع كان آمنا ؛ لأنه أتى بما ~~في وسعه ، والظاهر أنه إذا صار بحيث يسمع المسلمين لا يكون ممتنعا منهم ، ~~والنداء بالأمان في موضع لا يسمع المسلمين لا يكون مفيدا شيئا فلا معنى ~~لاشتراطه ، وذكر في المغازي عن محمد بن مسلمة كان على حرس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعض الليلالي حين كان محاصرا لبني قريظة ، فخرج رجلان ~~ووجههما نحوه ، فلما وصلا إليه قال : ما الذي جاء بكما ، قال : جئنا ~~بالأمان فخلى سبيلهما ، وقال : اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام ، ولم ~~يوقف على أثرهما بعد ذلك ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعاتبه ~~على ذلك . ولو وجدوا رجلا عليه سلاحه في مؤخر العسكر أو عن يمينه أو عن ~~شماله يعارض العسكر ، فلما بصروا به دعا الأمان ، كان فيئا ، وللأمير أن ~~يقتله ؛ لأن الظاهر من حاله أنه جاء متجسسا ، أو جاء على قصد أن يبيت بعض ~~المسلمين ، وقد بينا أنه يؤخذ في مثل هذا بغالب الظن والرأي ، وإن أشكل ~~حاله وليس فيه أمر يستدل به على أنه مستأمن ولا ما يستدل به على أنه غير ~~مستأمن ، ولم يقع في القلوب PageV01P293 ترجيح أحد الجانبين من حاله ، فإنه ~~ينبغي للأمير أن يأخذه فيخرجه إلى دار الإسلام ويجعله ذمة ؛ لأن عند تحقق ~~المعارضة وانعدام الترجيح يجب الأخذ بالاحتياط ms0189 ، ومن الاحتياط أن لا يقتله ~~ولا يجعله فيئا لاحتمال أنه جاء مستأمنا ، وأن لا يرده إلى مأمنه لاحتمال ~~أنه جاء مغيرا ، فلا يبطل حكم حرمته بالمحتمل ، ولا يجوز إراقة دمه به أيضا ~~. فيبقى حرا محتبسا في دارنا على التأبيد فإن أسلم فهو حر لا سبيل عليه ، ~~وإن أبى وضع عليه الخراج ، وكذلك القوم من أهل الحرب يريدون دخول دار ~~الإسلام ولا يقدرون على أن ينادوا بالأمان إلا في موضع لا يكونون فيه ~~ممتنعين فنادوا بالأمان حين انتهوا إلى ذلك المكان فهم آمنون ؛ لأنهم أتوا ~~بما في وسعهم . ولو كانوا أهل منعة جاءوا فاستأمنوا ، فإن شاء المسلمون ~~أمنوهم وإن شاءوا لم يؤمنوهم ؛ لأن أهل المنعة في دارنا كهم في دار الحرب ~~أو في حصونهم ، ولكونهم ممتنعين ولو كانوا مستأمنين كان للمسلمين أن ينبذوا ~~إليهم إذا PageV01P294 كانوا في منعتهم ، فيكون لهم أيضا أن يمتنعوا من ~~إعطاء الأمان لهم بطريق الأولى ، فأما غير الممتنعين لو كانوا مستأمنين لم ~~يجز نبذ الأمان بيننا وبينهم حتى نلحقهم بمأمنهم ، فكذلك إذا جاءوا طالبين ~~الأمان حتى صاروا غير ممتنعين منا ، إلا أن يكون أمير المسلمين تقدم على ~~أهل تلك الدار من أهل الحرب أنه لا أمان لكم عندنا ، فلا يخرجن أحد منكم ~~إلينا فإذا علموا بذلك فلا أمان لهم ، ومن جاء يطلب الأمان فهو فيء ، لأنه ~~أعذر إليهم بما صنع ، وقد قال الله تعالى : ' وقد قدمت إليكم بالوعيد ' ، ~~ثم الحاصل أنه من فارق المنعة عند الاستئمان فإنه يكون آمنا عادة ، والعادة ~~تجعل حكما إذا لم يوجد التصريح بخلافه ، فأما عند وجود التصريح بخلافه يسقط ~~اعتباره ، كمقدم المائدة بين يدي إنسان إذا قال : لا تأكل . ولو وجد ~~المسلمون حربيا في دار الإسلام فقال : دخلت بأمان ، لم يصدق ؛ لأنه صار ~~مأخوذا مقهورا بمنعة الدار ، فهو منهم فيما يدعي من الأمان ، وقول المتهم ~~لا يكون حجة ، أرأيت لو أخذه واحد من المسلمين واسترقه ثم قال : كنت دخلت ~~بأمان أكان مصدقا في ذلك ؟ ولو قال رجل من المسلمين : أنا أمنته لم ms0190 يصدق ~~بذلك أيضا ؛ لأنه أخبر بما لا يملك إنشاءه ، وقد ثبت حق جماعة المسلمين في ~~منعه PageV01P295 من الرجوع إلى دار الحرب واسترقاقه ، وقول الواحد في ~~إبطال الحق الثابت بجماعة المسلمين غير مقبول . فإن شهد بذلك رجلان مسلمان ~~غير المخبر أنه أمنه فهو آمن ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولا ~~شهادة فيه للذي يقول : أنا أمنته ، لأنه يخبر عن فعل نفسه ، فيكون دعوى لا ~~شهادة ولا شهادة فيه للذي يقول : أنا أمنته ، لأنه يخبر عن فعل نفسه ، ~~فيكون دعوى لا شهادة ولا شهادة فيه لغير المسلمين ، لأنها تقوم على إبطال ~~حق المسلمين وكذلك لو قال : أنا رسول الملك إلى الخليفة لم يصدق وكان فيئا ~~؛ لأن هذا منه دعوى الأمان ، فإن الرسول آمن من الجانبين ، هكذا جرى الرسم ~~في الجاهلية والإسلام ، فإن أمر الصلح أو القتال لا يلتئم إلا بالرسول ولا ~~بد من أن يكون الرسول آمنا ليتمكن من أداء الرسالة ، فلما تكلم رسول قوم ~~بين يدي رسول اله صلى الله عليه وسلم بما كان لا ينبغي أن يتكلم به قال : ' ~~لولا أنك رسول لقتلتك ، فتبين بهذا أن الرسول آمن ، ولكن بمجرد دعواه لا ~~يصدق أنه رسول . فإن أخرج كتابا يشبه أن يكون كتاب ملكهم وادعى أنه كتاب ~~ملكهم فهو آمن حتى يبلغ الرسالة ، وإنما يثبت الأمان له هاهنا بغالب الظن ، ~~فلعل الكتاب مفتعل ولكن لما لم يكن في وسعه فوق هذا لأنه لا يجد مسلمين في ~~دار الحرب ليستصحبهما ؛ ليشهدا على أنه رسول من قبله ، يكتفى منه بهذا ~~الدليل . PageV01P296 فكذلك فيما سبق ، ولو لم يصحبه دليل ولا كتاب فأخذه ~~واحد من المسلمين في دار الإسلام فهو فئ لجماعة المسلمين عند أبي حنيفة ، ~~لأنه تمكن من أخذه بقوة المسلمين ، فهو بمنزلة من وجد في عسكر المسلمين في ~~دار الحرب فأخذه واحد ، إلا أن هناك يجب فيه الخمس ، فيه رواية واحدة ، وفي ~~هذا الفصل روايتان عن أبي حنيفة في إيجاب الخمس وعند محمد هو فيء لمن أخذه ~~، لأنه مباح في دارنا ، فمن سبقت ms0191 يده إليه يكون محرزا له مختصا بملكه ، ~~كالصيد والحشيش ، وفي إيجاب الخمس فيه روايتان عن محمد أيضا ، والحاصل أنه ~~عند أبي حنيفة رحمه الله يصير هو مقهورا لمنعة الدار مأخوذا حتى لو أسلم ~~قبل أن يوجد كان فيئا ، بمنزلة الأسير يسلم بعد الأخذ قبل أن يضرب الإمام ~~عليه الرق ، وعند محمد رحمه الله لا يصير مأخوذا بالدار ما لم يأخذه مسلم ، ~~حتى لو أسلم كان حرا ، لأن الإحراز في الحقيقة يكون باليد لا بالدار ، ~~ولهذا لو رجع إلى داره قبل أن يؤخذ كان حر الأصل ، فإذا أخذه إنسان كان ~~مختصا بملكه ، لاختصاصه بإحرازه ، فإن قال : إني أمنته قبل أن آخذه فهو آمن ~~عند محمد لأنه في الظاهر عبد له ، وقد أقر بحريته ، ولا تهمة في إقراره ، ~~وينبغي في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله أن لا يكون مصدقا في ذلك ، لأن ~~الحق ثابت فيه لجماعة المسلمين ، وهو غير مصدق في إبطال حقهم وإن لم يؤخذ ~~بعدما أسلم في دارنا حتى رجع إلى دار الحرب فهو حر لا سبيل عليه ، أما على ~~قول محمد فلا إشكال فيه ، لأنه لو لم يرجع كان حرا فكذلك إذا رجع وعند أبي ~~حنيفة ، فلأنه وإن صار مأخوذا لا يصير رقيقا ما لم يضرب عليه الرق ، فإذا ~~رجع إلى دار الحرب ، فقد انعدم عرضية الاسترقاق فيه ، وتقرر حريته في حال ~~إسلامه ، فلا يسترق بعد ذلك ، بمنزلة الأسير يسلم وينقلب إلى عسكر أهل ~~الحرب ، ثم يؤخذ بعد ذلك فكما يكون حرا هناك لا سبيل عليه فكذلك هاهنا . ~~وإذا مر عسكر المسلمين بمدينة من مدائن أهل الحرب ، PageV01P297 ولم يكن ~~لهم بهم طاقة ، فأرادوا أن ينفذوا إلى غيرهم ، قال لهم أهل المدينة : ~~أعطونا أن لا تمروا في هذا الطريق على أن لا نقتل منكم أحدا ولا نأسره ، ~~فإن كان ذلك خيرا للمسلمين فلا بأس بأن يعطوهم ذلك ويأخذوا في طريق آخر وإن ~~كان أبعد وأشق ؛ لأنهم لا يأمنون أن يتبعوهم فيقتلوا الواحد والاثنين ممن ~~في آخريات العسكر ، وهذه الموادعة ms0192 تؤمنهم من ذلك وقد قبل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الموادعة يوم الحديبية من الشرط ما هو أعظم من هذا ، فإن ~~أهل مكة شرطوا عليه أن يرد عليهم كل من أتي مسلما منهم ، ووفي لهم بهذا ~~الشرط ، إلا أن انتسخ ، لأنه كان فيه نظر للمسلمين لما كان بين أهل مكة ~~وأهل خيبر من المواطأة على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى ~~أحد الفريقين أغار الفريق الآخر على المدينة ، فوادع أهل مكة حتى يأمن من ~~جانبهم إذا توجه إلى خيبر . فعرفنا أن مثل هذا الشرط لا بأس بقبوله إذا كان ~~فيه نظر للمسلمين . فإن قبلوه ثم بدا لهم أن يمروا في ذلك الطريق فلينبذوا ~~إليهم ويعلموهم بذلك ؛ لأن هذا بمنزلة الموادعة والأمان ، فيجب الوفاء به ~~والتحرز عن الغدر إلى أن ينبذوا إليهم . فإن قال المسلمون : إن ممرنا في ~~هذا الطريق لا يضرهم شيئا قيل لهم : لعل لهم في هذا الطريق زروعا ونخلا ~~وكلأ يحتاجون PageV01P298 إليه ولا يحبون أن ترعوه ، أو لعل لهم مواشي ولا ~~يحبون أن تعرضوا لها ، فإن قالوا : نمر ولا نتعرض لشيء من ذلك فإن هذا أسهل ~~الطرق ، قيل لهم : وإن لم تأخذوا شيئا ، فلعل القوم يكرهون أن تروا حصونهم ~~ومواشيهم وتعرفوا الطريق إليهم ، فتأتوهم مرة أخرى بما رأيتم من العورة ، ~~فليس لكم إلا الوفاء بما قلتم أو النبذ إليهم عملا بقوله تعالى : ' فانبذ ~~إليهم على سواء ' الأنفال الآية 58 ، ولو قال أهل المدينة : أعطونا على أن ~~لا تشربوا من ماء نهرنا فأعطيناهم ذلك ، فإن كان شربنا يضرهم في مائهم ، أو ~~لا نعلم أيضر ذلك بمائهم أولا ، فينبغي أن نفي لهم بذلك ، وإن كنا نتيقن أن ~~ذلك لا يضر بماء نهرهم فلا بأس بأن نشرب من ذلك النهر ونسقي الدواب بغير ~~علمهم ؛ لأن الشرط إن كان مفيدا يجب مراعاته ، ومن اشترط مثله يكون متعنتا ~~لا طالب منفعة أو دافع ضرر ، فإذا علمنا أنه لا يضر بهم فهذا شرط غير مفيد ~~فيلغى ، وإذا كان ms0193 يضر بهم فهذا شرط مفيد لهم فيجب اعتباره بمنزلة ما يجري ~~من الشروط بين المسلمين في المعاملات ، وإن كان لا يدري أيضر PageV01P299 ~~بهم أم لا ، فالظاهر أنه لا يشترطون ذلك إلا لمنفعة لهم أو دفع ضرر عنهم ، ~~لأن العقل لا يشتغل بما لا يفيده شيئا والبناء على الظاهر واجب ما لم يتبين ~~خلافه . فإذا احتاج المسلمون إلى ذلك الماء لأنفسهم أو دوابهم فلينبذوا ~~إليهم ويخبروهم أنهم فاعلون ، ثم يشربون ، وكذلك الكلأ هو بمنزلة الماء ~~لأنه غير مملوك لهم ، وقد أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس ~~شركة عامة في الكلأ والماء فلا تنقطع شركتهم بهذا الشرط إذا علموا أنه لا ~~فائدة لهم فيه . فأما الزرع والأشجار والثمار إذا أعطوهم أن لا يتعرضوا ~~لذلك فليس ينبغي لهم أن يتعرضوا لشيء من ذلك أضر بأهل الحرب أو لم يضر بهم ~~؛ لأن هذا ملك لهم ، ونفوذ تصرف الإنسان في ملكه بحكم الملك لا باعتبار ~~المنفعة والضرر ، إلا أن يضطر المسلمون إليه فلينبذوا إليهم ثم يأخذون ~~ويأكلون ويعلفون ؛ لأن بهذا الشرط لا تنعدم صفة الإباحة الثابتة في أملاكهم ~~ولكن التحرز عن الغدر واجب ، وقد حصل ذلك بالنبذ إليهم ، وإن قالوا : ~~أعطونا على أن لا تحرقوا زروعنا ولا كلأنا فأعطيناهم ذلك فلا بأس بأن نأكل ~~منه ونعلف دوابنا ؛ PageV01P300 لأن الوفاء إنما يلزمنا بقدر ما قبلنا من ~~الشروط ، وذلك الإحراق والأكل ليس من الإحراق في شيء ، ألا ترى أنه يحل ~~للإنسان أن يأكل ملكه ولا يحل له أن يحرقه ، وأهل الشام يكرهون الإحراق في ~~أموال أهل الحرب ، ولا يكرهون التناول ، ولعلهم إنما شرطوا هذا الشرط لما ~~في الإحراق من الفساد ، والأصل أن ما ثبت بالشرط نصا لا يلحق به ما ليس في ~~معناه من كل وجه . وإن سألونا أن لا نخرب قراهم ، فأعطيناهم ذلك فلا بأس ~~بأن نأخذ ما وجدنا في قراهم من متاع أو علف أو طعام أو غيره ما ليس ببناء ؛ ~~لأن التخريب يكون في الأبنية ، أما أخذ الأمتعة فمن الحفظة لا ms0194 من التخريب ، ~~ولعلهم كرهوا ذلك لما في التخريب من صورة الإفساد ، ولكن كل ما كان في ~~قراهم من خشب أو غيره فليس ينبغي أن نعرض له ، وما كان من خشب موضوع ليس في ~~بناء فلا بأس بأن نأخذه ونوقد به لأن هذا انتفاع وليس بتخريب ، وإنما الذي ~~لا يحل بعد هذا الشرط هدم شيء من مساكنهم أو تخريبه بالنار ، لأن ذلك فوق ~~التخريب ، فيثبت حكم الشرط فيه بطريق الأول ، وإن وجدنا بابا مغلقا ، ولم ~~نقدر على فتحه فلا ينبغي أن نقلعه قبل النبذ إليهم ، لأن هذا تخريب ، بخلاف ~~ما إذا قدرنا على فتح الباب ، فإن فتح الباب ليس بتخريب ، فإن لم نقدر على ~~فتحه إلا بكسر الغلق ، فليس ينبغي لنا أن نفعل ، لأن هذا تخريب ، والقليل ~~والكثير فيما التزمناه بالشرط نصا سواء . PageV01P301 وإن شرطوا علينا أن ~~لا نأكل من زروعهم ولا نعلف منها ، فليس ينبغي لنا أن نحرق شيئا منها ؛ لأن ~~الإحراق فوق الأكل في تفويت مقصودهم بالشرط ، فيثبت الحكم فيه بالطريق ~~الأولى ، بمنزلة التنصيص على التأفيف في حق الأبوين يكون تنصيصا على حرمة ~~الشتم بالطريق الأولى ، وهذا بخلاف ما إذا شرطوا بأن لا يحرق ؛ لأن الأكل ~~دون التحريق ، فإن الإحراق إفساد للعين ، والأكل انتفاع بالعين ، فإذا ~~شرطوا كل فمقصودهم بقاء العين لهم ، وذلك ينعدم بالإحراق كما ينعدم بالأكل ~~، وإذا شرطوا أن لا نحرق لهم زروعا فقدرنا على أن نغرقها بالماء ، فليس لنا ~~أن نفعل ذلك ؛ لأن هذا في معنى المنصوص من كل وجه ، فإن كل واحد منهما ~~إفساد . وكذلك لو شرطوا أن لا نغرقها ، فليس ينبغي لنا أن نحرقها ، وكذلك ~~لو شرطوا أن لا نغرق سفينتهم ولا نحرقها لم ينبغ لنا أن نذهب بها ؛ لأن ~~مقصودهم من هذا بقاء عينها لهم لينتفعوا بها ، وذلك يفوت إذا ذهبنا بها ~~PageV01P302 أرأيت لو شرطوا أن لا نحرق منازلهم ولا نغرقها أكان ينبغي لنا ~~أن ننقضها فنذهب بخشبها وأبوابها ؟ هذا لا ينبغي ؛ لأنهم إنما أرادوا أن لا ~~نستهلكها عليهم ، إلا أنه تعذر عليهم ms0195 التنصيص على جميع أنواع الاستهلاك ، ~~وذكروا ما هو الظاهر من أسبابه ، وهو التغريق والإحراق . ولو شرطوا أن لا ~~نقتل أسراهم إذا أصبناهم ، فلا بأس بأن نأسرهم ، ويكونوا فيئا ولا نقتلهم ؛ ~~لأن الأسر ليس في معنى ما شرطوا من القتل ، فإن القتل نقص البنية ، ألا ترى ~~أنه لا بأس بأن نأسر نساءهم وذراريهم وإن كان لا يحل قتلهم شرعا ، وإن ~~شرطوا أن لا نأسر منهم أحدا فليس ينبغي لنا أن نأسرهم ونقتلهم ؛ لأن القتل ~~أشد من الأسر ، ومقصودهم بهذا الشرط يفوت بالقتل كما يفوت بالأسر . إلا أن ~~تظهر الخيانة منهم بأن كانوا التزموا أن لا يقتلوا ولا يأسروا منا أحدا ثم ~~فعلوا ذلك ، فحينئذ يكون هذا منهم نقضا للعهد ، فلا بأس بأن نقتل أسراهم ~~وأن نأسرهم كما كان لنا ذلك قبل العهد ، ألا ترى أن أهل مكة لما صاروا ~~ناقضين للعهد لمساعدة بني بكر على بني خزاعة PageV01P303 وكانوا حلفاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كيف قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ~~نبذ إليهم فإنه سأل الله تعالى أن يعمي عليهم الأخبار حتى يأتيهم بغتة ؟ ~~فإن فعل ذلك منهم رجل واحد لم يكن ذلك ينقض منهم لعهدهم ؛ لأن فعل الواحد ~~لا يشتهر في جماعتهم عادة ، وليس لهذا الواحد ولاية نقض العهد على جماعتهم ~~، ألا ترى أن مسلما لو ارتكب ما لا يحل في دينه لم يكن ذلك نقضا منه ~~لإيمانه ، ولو أن ذميا فعل ذلك لم يكن نقضا منه لأمانه فإن فعل ذلك جماعتهم ~~أو أميرهم أو واحد منهم على وجه المحاربة وهم يعلمون بذلك فلا يغيرونه ، ~~فحينئذ يكون نقضا للعهد منهم ؛ لأن فعل أميرهم يشتهر لا محالة والواحد منهم ~~إذا فعله مجاهرة فلم يغيروا عليه ، فكأنهم أمروه بذلك ، على ما قيل : إن ~~السفيه إذا فعله مجاهرة فلم يغيروا عليه ، فكأنهم أمروه بذلك ، على ما قيل ~~: إن السفيه إذا لم ينه مأمور ومباشرة ذلك الفعل على سبيل المجاهرة بمنزلة ~~النبذ للعهد الذي جرى بيننا وبينهم . فإن شرطوا على ms0196 أن لا نقتل أسراهم على ~~أن لا يقتلوا أسرانا ، وأسروا منا أسارى ، فلم يقتلوهم فلا بأس بأن نأسر ~~نحن أيضا أسراهم ولا نقتلهم ؛ لأن هذا ليس نقض العهد منهم ، فإنهم التزموا ~~بأن لا يقتلوا وما التزموا بأن لا يأسروا ، وإذا بقي العهد نعاملهم كما ~~يعاملوننا جزاء وفاقا ، PageV01P304 وإذا دخل حربي دارنا بأمان فقتل مسلما ~~عمدا أو خطأ أو قطع الطريق ، أو تجسس أخبار المسلمين ، فبعث بها إلى ~~المشركين أو زنى بمسلمة أو ذمية كرها ، أو سرق ، فليس يكون شيء منها نقضا ~~منه للعهد ، إلا على قول مالك فإنه يقول يصير ناقضا للعهد بما صنع ، لأنه ~~حين دخل إلينا بأمان فقد التزم بأن لا يفعل شيئا من ذلك ، فإذا فعله كان ~~ناقضا للعهد بمباشرته ، مما يخالف موجب عقده ، ولو لم يجعله ناقض العهد ~~بهذا رجع إلى الاستخفاف بالمسلمين ، ولكنا نقول : لو فعل المسلم شيئا من ~~هذا ليس بناقض لإيمانه فإذا فعله المستأمن لا يكون ناقضا لأمانه ، والأصل ~~فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه كتب إلى أهل مكة أن محمدا يغزوكم فخذوا ~~حذركم ، ولذلك قصة وفيه نزل قوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء ' الممتحنة : 1 فقد سماه الله تعالى مؤمنا مع ما فعله ، ~~وكذلك أبو لبابة بن عبد المنذر حين استشاره بنو قريظة أنهم إن نزلوا على ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا يصنع بهم ، فأمر يده على حلقه ~~يخبرهم أنه يضرب أعناقهم ، وفيه نزل قوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا الله والرسول ' الآية ، PageV01P305 فعرفنا أن هذا لا يكون نقضا ~~للإيمان من المسلم فكذلك لا يكون نقضا للأمان من المستأمن ولكنه إن قتل ~~إنسانا عمدا يقتل به قصاصا ، لأنه التزم حقوق العباد فيما يرجع إلى ~~المعاملات وإن قذف مسلما يضرب الحد ؛ لأن فيه حق العبد أيضا ، فإنه مشروع ~~صيانة لعرضه ، ولهذا تسمع خصومته في الحد ، ولا تستو في إلا به ، فأما ما ~~أصاب من الأسباب الموجبة للحد حقا لله تعالى كالزنا والسرقة ms0197 ، فالخلاف فيه ~~معروف أنه لا يقام عليه ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافا لأبي ~~يوسف واستدل بصحة مذهبه هنا ، بأن المسلمين اختلفوا في أهل الذمة هل تقام ~~عليهم هذه الحدود فقال أهل المدينة : لا يقام عليهم ذلك ، ولكن يرفعون إلى ~~حاكمهم ليقيمها عليهم ، وذلك مروي عن علي رضي الله عنه فاختلافهم في ذلك في ~~حق الذمي ، يكون اتفاقا منهم في حق المستأمن أنه لا يقام عليه ، ونحن لم ~~نأخذ بذلك في حق الذمي ، لورود النص ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر برجم اليهودي ولكن ورود النص في الذمي ، لا يوجب ذلك الحكم في حق ~~المستأمن ؛ لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، فإنه ~~من أهل دارنا ، فيقام عليهم الحدود كلها إلا حد الخمر ، فإنه لا يعتقد حرمة ~~شربه ، وبدون اعتقاد الحرمة لا يتقرر السبب ، فأما المستأمن لا يصير من أهل ~~دارنا ولا التزم شيئا من أحكامنا ، وإنما دخل دارنا ليقضي حاجته ثم يرجع ~~إلى داره ، ولهذا لا يمنع من الرجوع PageV01P306 ولا يجب القصاص على الذمي ~~بقتل المستأمن كما لا يجب على المسلم ، فلهذا لا يقام عليه ما كان محض حق ~~الله ، ولكنه يؤمر برد ما أخذ من أموال الناس ، ويغرم ما استهلك من ذلك ~~ويكون عليه صداق التي أصابهم ؛ لأن الوطء في غير الملك لا يخلو عن حد أو ~~مهر ، فإذا لم يجب عليه الحد يلزمه المهر ، لأن ذلك من حقها ، ويوجع عقوبة ~~على ما صنع ويجلس في السجن على قدر ما يرى الإمام ، ويعزر لأن في لفظ ~~التعزير من ينبئ عن معنى التطهير والتعظيم ، قال الله تعالى : ' وتعزروه ~~وتوقروه ' الفتح : 9 ، والكافر ليس من أهل فلهذا قال : يوجع عقوبة بما صنع ~~من إساءة الأدب والله الموفق . ة فلم يغيروا عليه ، فكأنهم أمروه بذلك ، ~~على ما قيل : إن السفيه إذا لم ينه مأمور ومباشرة ذلك الفعل على سبيل ~~المجاهرة بمنزلة النبذ للعهد الذي جرى بيننا وبينهم . فإن شرطوا على أن لا ~~نقتل أسراهم ms0198 على أن لا يقتلوا أسرانا ، وأسروا منا أسارى ، فلم يقتلوهم فلا ~~بأس بأن نأسر نحن أيضا أسراهم ولا نقتلهم ؛ لأن هذا ليس نقض العهد منهم ، ~~فإنهم التزموا بأن لا يقتلوا وما التزموا بأن لا يأسروا ، وإذا بقي العهد ~~نعاملهم كما يعاملوننا جزاء وفاقا ، وإذا دخل حربي دارنا بأمان فقتل مسلما ~~عمدا أو خطأ أو قطع الطريق ، أو تجسس أخبار المسلمين ، فبعث بها إلى ~~المشركين أو زنى بمسلمة أو ذمية كرها ، أو سرق ، فليس يكون شيء منها نقضا ~~منه للعهد ، إلا على قول مالك فإنه يقول يصير ناقضا للعهد بما صنع ، لأنه ~~حين دخل إلينا بأمان فقد التزم بأن لا يفعل شيئا من ذلك ، فإذا فعله كان ~~ناقضا للعهد بمباشرته ، مما يخالف موجب عقده ، ولو لم يجعله ناقض العهد ~~بهذا رجع إلى الاستخفاف بالمسلمين ، ولكنا نقول : لو فعل المسلم شيئا من ~~هذا ليس بناقض لإيمانه فإذا فعله المستأمن لا يكون ناقضا لأمانه ، والأصل ~~فيه حديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه كتب إلى أهل مكة أن محمدا يغزوكم فخذوا ~~حذركم ، ولذلك قصة وفيه نزل قوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء ' الممتحنة : 1 فقد سماه الله تعالى مؤمنا مع ما فعله ، ~~وكذلك أبو لبابة بن عبد المنذر حين استشاره بنو قريظة أنهم إن نزلوا على ~~حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا يصنع بهم ، فأمر يده على حلقه ~~يخبرهم أنه يضرب أعناقهم ، وفيه نزل قوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا الله والرسول ' الآية ، فعرفنا أن هذا لا يكون نقضا للإيمان من ~~المسلم فكذلك لا يكون نقضا للأمان من المستأمن ولكنه إن قتل إنسانا عمدا ~~يقتل به قصاصا ، لأنه التزم حقوق العباد فيما يرجع إلى المعاملات وإن قذف ~~مسلما يضرب الحد ؛ لأن فيه حق العبد أيضا ، فإنه مشروع صيانة لعرضه ، ولهذا ~~تسمع خصومته في الحد ، ولا تستو في إلا به ، فأما ما أصاب من الأسباب ~~الموجبة للحد حقا لله تعالى كالزنا والسرقة ، فالخلاف فيه معروف أنه ms0199 لا ~~يقام عليه ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافا لأبي يوسف واستدل ~~بصحة مذهبه هنا ، بأن المسلمين اختلفوا في أهل الذمة هل تقام عليهم هذه ~~الحدود فقال أهل المدينة : لا يقام عليهم ذلك ، ولكن يرفعون إلى حاكمهم ~~ليقيمها عليهم ، وذلك مروي عن علي رضي الله عنه فاختلافهم في ذلك في حق ~~الذمي ، يكون اتفاقا منهم في حق المستأمن أنه لا يقام عليه ، ونحن لم نأخذ ~~بذلك في حق الذمي ، لورود النص ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ~~برجم اليهودي ولكن ورود النص في الذمي ، لا يوجب ذلك الحكم في حق المستأمن ~~؛ لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، فإنه من أهل ~~دارنا ، فيقام عليهم الحدود كلها إلا حد الخمر ، فإنه لا يعتقد حرمة شربه ، ~~وبدون اعتقاد الحرمة لا يتقرر السبب ، فأما المستأمن لا يصير من أهل دارنا ~~ولا التزم شيئا من أحكامنا ، وإنما دخل دارنا ليقضي حاجته ثم يرجع إلى داره ~~، ولهذا لا يمنع من الرجوع ولا يجب القصاص على الذمي بقتل المستأمن كما لا ~~يجب على المسلم ، فلهذا لا يقام عليه ما كان محض حق الله ، ولكنه يؤمر برد ~~ما أخذ من أموال الناس ، ويغرم ما استهلك من ذلك ويكون عليه صداق التي ~~أصابهم ؛ لأن الوطء في غير الملك لا يخلو عن حد أو مهر ، فإذا لم يجب عليه ~~الحد يلزمه المهر ، لأن ذلك من حقها ، ويوجع عقوبة على ما صنع ويجلس في ~~السجن على قدر ما يرى الإمام ، ويعزر لأن في لفظ التعزير من ينبئ عن معنى ~~التطهير والتعظيم ، قال الله تعالى : ' وتعزروه وتوقروه ' الفتح : 9 ، ~~والكافر ليس من أهل فلهذا قال : يوجع عقوبة بما صنع من إساءة الأدب والله ~~الموفق . PageV01P307 # | باب ما يصدق المستأمن فيه من أهل الحرب وما لا يصدق # وإذا انتهى عسكر المسلمين إلى مطمورة أو حصن فأقاموا عليها فناداهم قوم ~~من أهلها ، أمنونا على أهلينا ومتاعنا على أن نفتحها لكم ، ففعلوا ذلك ~~وفتحوها لهم ، فالقوم الذين سألوا ms0200 ذلك آمنون وإن لم يذكروا أنفسهم بشيء ؛ ~~لأن النون والألف أو النون في قوله : أمنونا ، كناية لإضافة المتكلم ما ~~يتكلم به إلى نفسه ، وكلمة على للشرط ، قال الله تعالى : ' يبايعنك على أن ~~لا يشركن بالله شيئا ' الممتحنة : 12 ، وقال تعالى : ' حقيق على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق ' الأعراف : 105 أي بشرط ذلك ، فعرفنا أن تقرير كلامهم ~~نحن آمنون مع أهلينا وأموالنا إن فتحناها لكم ، وقد أعطاهم المسلمون ذلك ~~فإذا فتحوا كانوا آمنين فإذا خرج أهل المطمورة ، فقال الذين أومنوا : هذا ~~متاعنا PageV01P308 لجيد المتاع ، وهؤلاء أهلونا لفرهة السبي ، فالقياس في ~~هذا أنهم لا يصدقون إلا ببينة تقوم على ذلك من المسلمين العدول ، لأن حق ~~المسلمين قد ثبت في جميع ما وجد في المطمورة لظهور سببه فهم يدعون المانع ~~بعدما ظهر الاستحقاق بسببه فلا يصدقون على ذلك إلا بحجة ولا حجة على ~~المسلمين إلا بشهادة العدول من المسلمين بمنزلة ما لو ادعى أحد المتبايعين ~~شرط خيار لم يقبل ذلك منه إلا بحجة . قال : ولكن العمل بالقياس يتعذر في ~~هذا الموضع ، فإنهم لا يجدون في المطمورة قبل فتح الباب عدولا مسلمين ~~ليشهدوهم على ما لهم من المتاع والأهل ، وكما يسقط اعتبار صفة الذكورة في ~~الشهادة فيما لا يطلع عليه الرجال لأجل الضرورة يسقط ، اعتبار أصل الشهادة ~~هنا لأجل الضرورة ، ويجب العمل فيه بالاستحسان ، فنقول : إن صدقهم السبي ~~الذين أدعوهم بما قالوا فهم ، مصدقون وهم آمنون معم ؛ لأنهم كانوا في ~~المطمورة جملة . فإذا تصادقوا على شيء فعلينا أن نأخذ بذلك ؛ لأنه لا طريق ~~لنا إلى الوقوف على حقيقة ما كان بينهم فيبتنى الحكم على ما يظهر بتصادقهم ~~، PageV01P309 وإن كذبوهم بما قالوا كانوا فيئا ؛ لأنه عند التكذيب لم يثبت ~~السبب الذي بني الأمان عليه ودعوى المستأمنين لا يكون مقبولا على من كان ~~معهم في المطمورة أنهم أهلونا إلا بحجة ، فإن مجرد خبرهم لا يصلح حجة في ~~ذلك لأنهم عارضوهم بالتكذيب بخلاف الأول ، فالسبب هناك قد ثبت فيما بينهم ~~بالتصادق وعليه بنينا الأمان فلهذا ms0201 كانوا آمنين . فإن كانوا حين كذبهم ~~هؤلاء ادعوا غيرهم أنهم أهلونا لم يصدقوا على ذلك ؛ لأنه يتناقض كلامهم ، ~~والمناقض لا قول له ، ولأنا إنما نقبل قولهم عند التصديق لنوع من الاستحسان ~~، وهو الذي سبق إلى فهم كل أحد أنهم لا يتجاسرون على التصادق على الباطل في ~~مثل هذه الحالة ، وهذا المعنى ينعدم عند التناقض في الدعوى فكان جميع من في ~~المطمورة فيئا ، إلا المستأمنين ومن صدقهم في الابتداء أنه من أهليهم . وإن ~~ادعى بعض السبي رجلان منهم ، فقال كل واحد منهما : هذا من أهلي ، فإن صدق ~~المدعي به أحدهما فهو من أهله وكان آمنا ، وإن كذبهما جميعا كان فيئا ؛ لأن ~~السبب الذي رتبنا عليه الأمان لم يثبت بينه وبين وبين واحد منهم . وأهله ~~امرأته وولده الذين كانوا في عياله من الصغار والكبار من النساء والرجال ، ~~PageV01P310 وفي القياس أهله : زوجته فقط ، لأنه في العرف يقال لمن له زوجة ~~متأهل ولمن لا زوجة له غير متأهل ، وإن كان يقوله جماعة ، ولكنه استحسن ~~فقال : اسم الأهل يتناول كل من يعوله الرجل في داره وينفق عليه ، ألا ترى ~~في قوله تعالى : في قصة نوح عليه السلام : ' إني ابني من أهلي ' هود الآية ~~40 وقد استثنى الله الزوجة عن الأهل في قصة لوط عليه السلام قال تعالى : ' ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته ' النحل : 57 ، وفي قصة نوح : ' قلنا احمل فيها ~~من كل زوجين وأهلك إلا من سبق عليه القول ' هود : 45 يعني زوجته ، فعرفنا ~~أن اسم الأهل يتناول غير الزوجة ويقال : فلان كثير الأهل : إذا كان ينفق ~~على جماعة وهذا لأن بين الأهل والعيال مساواة في الاستعمال عرفا ، فأما ابن ~~له كبير هو معتزل عنه فليس من أهله وكذلك كل ابنة من بناته لها زوج وقد ~~ضمها زوجها إليه فهي ليست من أهله ؛ لأنها ليست في نفقته والأهل من يكون في ~~نفقته في داره سواء كان من قرابته أو لم يكن من قرابته . فإذا تصادقوا على ~~ذلك كانوا آمنين ، وأيهم ادعى ذلك وكذبه المستأمن أو ادعى ms0202 المستأمن وكذبه ~~المدعي فهو فيء ، PageV01P311 فإن رجع المكذب منهما إلى تصديق صاحبه ، وقال ~~أوهمت لم يلتفت إلى قوله ؛ لأنه مناقض في كلام ، ولأن حق المسلمين تقرر فيه ~~بالتكذيب ، فلا يبطل بمجرد رجوعه إلى الصديق ، ولو قالوا : أمنونا على أهل ~~بيوتاتنا ، فالمسألة بحالها ، فأهل بيت كل واحد منهم قرابته من قبل أبيه ~~الذين ينسبون إليه في بلادهم كما يكون في بلادنا أهل بيت أمير المؤمنين آل ~~عباس ، وأهل بيت علي بن أبي طالب ، وأهل بيت طلحة والزبير ؛ لأنه ليس ~~المراد بيت السكنى ، وإنما المراد بيت النسب ، والإنسان منسوب إلى قوم أبيه ~~، فعرفنا أن ذلك بيت نسبه وأن من يناسبه إلى أقصى أب يعرفون به فهم أهل ~~بيته وإن كانوا في عياله ؛ لأنهم ينسبون إلى غير من ينسب هو إليه ، ألا ترى ~~أن أولاد الخلفاء من الإماء يكونون من أهل بيت الخلافة يصلحون لها ؟ وكذلك ~~لو قال : آمنوني على آلي ، فالآل وأهل البيت في عرف الاستعمال سواء ~~PageV01P312 وكذلك لو قال : آمنوني على جنسي ؛ لأن الإنسان من جنس قوم أبيه ~~لا من جنس قوم أمه ، ألا ترى أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان من قريش وإن كانت أمه قبطية وكذلك إسماعيل كان من جنس قوم أبيه لا من ~~جنس قوم أمه هاجر . وإن قال : آمنوني على ذوي قرابتي ، أو على أقربائي ، أو ~~على أنسابي ، فهذا في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله على كل ذي رحم محرم ، ~~وقد بينا هذا في الوصايا في الزيادات ، إلا أنه يقع الفرق بين هذه المسألة ~~وبين مسألة الوصية في فصلين . بالتكذيب ، فلا يبطل بمجرد رجوعه إلى الصديق ~~، ولو قالوا : أمنونا على أهل بيوتاتنا ، فالمسألة بحالها ، فأهل بيت كل ~~واحد منهم قرابته من قبل أبيه الذين ينسبون إليه في بلادهم كما يكون في ~~بلادنا أهل بيت أمير المؤمنين آل عباس ، وأهل بيت علي بن أبي طالب ، وأهل ~~بيت طلحة والزبير ؛ لأنه ليس المراد بيت السكنى ، وإنما المراد بيت النسب ، ~~والإنسان منسوب إلى قوم أبيه ms0203 ، فعرفنا أن ذلك بيت نسبه وأن من يناسبه إلى ~~أقصى أب يعرفون به فهم أهل بيته وإن كانوا في عياله ؛ لأنهم ينسبون إلى غير ~~من ينسب هو إليه ، ألا ترى أن أولاد الخلفاء من الإماء يكونون من أهل بيت ~~الخلافة يصلحون لها ؟ وكذلك لو قال : آمنوني على آلي ، فالآل وأهل البيت في ~~عرف الاستعمال سواء وكذلك لو قال : آمنوني على جنسي ؛ لأن الإنسان من جنس ~~قوم أبيه لا من جنس قوم أمه ، ألا ترى أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان من قريش وإن كانت أمه قبطية وكذلك إسماعيل كان من جنس قوم ~~أبيه لا من جنس قوم أمه هاجر . وإن قال : آمنوني على ذوي قرابتي ، أو على ~~أقربائي ، أو على أنسابي ، فهذا في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله على كل ذي ~~رحم محرم ، وقد بينا هذا في الوصايا في الزيادات ، إلا أنه يقع الفرق بين ~~هذه المسألة وبين مسألة الوصية في فصلين . # أحدهما : أن على قول أبي حنيفة رحمه الله استحقاق الوصية للأقرب فالأقرب ~~، وهاهنا يدخل في الأمان كل ذي رحم محرم ، الأقرب والأبعد فيه سواء ، لأن ~~ذلك إيجاب بطريق الصلة والإنسان في الصلة يميز بني الأقرب والأبعد ويرتب ~~الأبعد على الأقرب ، وهذا استنقاذ ، والإنسان عند اكتساب سبب الاستنقاذ لا ~~يرتب الأبعد على الأقرب ، يوضحه : أن في التسوية هناك إضرارا بالأقرب فإنه ~~ينتقص حقه ولا يجوز الإضرار بالأقرب لمزاحمة الأبعد ، وهاهنا ليس في ~~التسوية إضرار بالأقرب ، لأنه يثبت الأمان له سواء ثبت للأبعد معه أو لم ~~يثبت . والفصل الثاني : أن في الوصية لذوي قرابته لا يدخل ولده ووالده ، ~~وإن كانوا لا يرثونه لمعنى من المعاني ، وفي الأمان يدخل ولده ووالده ~~استحسانا ، والقياس فيهما سواء ، لأن اسم القرابة إنما يتناول من يتقرب إلى ~~الغير بواسطة ، فأما من يتصل به بغير واسطة فهو أقرب من أن ينسب إلى ~~القرابة ، وأيد هذا PageV01P313 أن الله سبحانه وتعالى عطف الأقربين على ~~الوالدين فقال : ' الوصية للوالدين والأقربين ' البقرة : 18 ولكنه استحسن ms0204 ~~وقال : مقصوده من طلب الأمان لقرابته استنقاذهم للشفقة عليهم ، وشفقته على ~~والده وولده أظهر من شفقته على سائر القرابات ، فلمعرفة المقصود أدخلناهم ~~في الأمان ولأنا إنما لا ندخلهم في هذا الاسم لأنه يعد من الجفاء أن يقول ~~الرجل لأبيه : هو قريبي ، وفي فصل الأمان الجفاء في ترك استنقاذه أو طلب ~~الأمان لغيره أظهر ، فلو أدخلناهم في الاسم هاهنا يؤدي إلى تحقيق معنى البر ~~لا إلى الجفاء والعقوق فلهذا أدخلوا في الأمان ، قال ولو استأمنوا على ~~متاعهم ثم ادعوا جيد المتاع فإن كان ذلك المتاع أخذ من يد بعض أهل المطمورة ~~وسئل عن ذلك المأخوذ منه ، فإن صدقوهم فهم مصدقون ، وإن كذبوهم كان فيئا ، ~~لأنا عرفنا كون اليد في هذه الأمتعة له إلى أن أخذ منه ، ولصاحب اليد قول ~~فيما في يده ، كما أن للمرء قولا معتبرا في نفسه ، وقد بينا في الأصل أنه ~~يرجع إلى تصديق المدعي ؛ فكذلك في المتاع يرجع إلى تصديق من كان في يده ، ~~ولا يقال : يده زائلة في الحال ، لأن سبب زوالها الأخذ على وجه الاغتنام ~~وما ثبت في الأمان لا يكون محل الداخل بهذه الصفة ، وهذا المعنى في النفوس ~~موجود أيضا فقد صارت مأخوذة منهم بالاغتنام حكما ، ومع ذلك اعتبر تصديقهم ~~فيها باعتبار الأصل . فإن ادعوا بعد هذا التكذيب متاعا آخر لم يصدقوا على ~~ذلك ؛ PageV01P314 لأن في دعواهم الأولى بيان أنه ليس لهم في المطمورة سوى ~~ما ادعوا من المتاع ، وطريق المفهوم الذي نعتبره في هذا الكتاب ، وكانوا ~~متناقضين فيه يدعون بعد ذلك . وإن كذبهم من كان المتاع في يده وقال : هو ~~متاعي ثم صدقهم بعد ذلك لم يلتفت إلى هذا التصديق للتناقض ، ولتقرر حكم ~~الاغتنام فيه بالتكذيب ، فيكون المتاع فيئا ، وإن وجدنا المتاع في أيدي ~~المستأمنين فقالوا : هو متاعنا الذي أمنتمونا عليه ، فالقول فيه قولهم ، ~~لأن أصل اليد لهم وهي شاهدة لهم من حيث الظاهر ، فيبنى الحكم عليه ما لم ~~يعلم خلافه وكل من جعل القول قوله فغن الإمام يستحلفه ؛ لأن أكثر ما فيه ms0205 ~~أنه أمين فيما يخبر ، فالقول قوله مع اليمين ، فإن تهمة الكذب شرعا إنما ~~تنتفي باليمين ولا يستحلفه إلا بالله ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ' فمن ~~كامن منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر ' ، إلا أنه يغلظ اليمين . فإن كان ~~نصرانيا استحلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، وإن كان يهوديا ~~استحلفه بالله الذي أنزل التوراة على موسى ؛ PageV01P315 لأن انزجاره عن ~~اليمين الكاذب عند ذكر هذه الزيادة أظهر وهو المقصود بالاستحلاف هاهنا . ~~قال : وإن كان مجوسيا استحلفه بالله الذي خلق النار ، لهذا المعنى أيضا ، ~~وقد قال كثير من مشايخنا : لا يستحلف المجوس إلا بالله ، لأن ذكر هذه ~~الزيادة معنى تعظيم النار ، والنار بمنزلة سائر المخلوقات من الجمادات ، ~~بخلاف ما سبق فهناك فيما يزيد معنى تعظيم الكتابين والرسولين وذلك يستقيم . ~~فإن كانوا أمنوهم على أهليهم فقال قول المدعي ؛ لأنه استفاد الأمن بادعائه ~~الأول ، فهو بالكلام الثاني يريد إبطال الأمان الثابت له وهو لا يصدق في ~~ذلك لو لم يكن مناقضا فكيف إذا كان مناقضا ، ولو رجع المدعي دون المدعي كان ~~المدعى فيئا ؛ لأنه أقر على نفسه بالرق للمسلمين ، وبكونه من أهل المدعي لا ~~يخرج من أن يكون مقبول الإقرار على نفسه ، إلا أن يكون المدعي ادعى أنه عبد ~~أو أمة له وصدقه المدعى ثم قال بعد ذلك : لست بمملوك ، لم يصدق وكان مملوكا ~~له ؛ لأن بتصديقه صار مملوكا له ، فلا يبقى له قول معتبر في إبطال ملكه بعد ~~ذلك ، ومملوكه من أهله فإنه يعوله وينفق عليه فيتناوله الأمان . ~~PageV01P316 ولو قال المدعي : ليس من أهلي ، وليس بمملوك لي وكذبه المدعى ~~فهو فيء ؛ لأن المدعي أقر في ملكه بثبوت حق الغانمين ، وذلك إقرار منه على ~~نفسه إلا أنه ليس للأمير أن يقتله ؛ لأنه صار آمنا من القتل بتصادقهما في ~~الابتداء أنه مملوك له ، فبعد ذلك لو أبيح قتله إنما يباح بقول المدعي ~~وقوله ليس بحجة على مملوكه في إباحة دمه . وإن لم يكن مناقضا ، كما لو أقر ~~عليه بالقصاص فكيف إذا كان مناقضا ؟ وإن تصادقا جميعا ms0206 أنه ليس بمملوك له ~~فللأمير أن يقتله إن كان رجلا إن شاء ؛ لأن بقول المدعي انتفى ملكه بإقرار ~~المدعى وثبت أنه لم يتناول الأمان ، وهو غير منهم فيما يقر به على نفسه من ~~إباحة دمه . كما لو أقر على نفسه بالقصاص كان إقراره صحيحا حرا كان أو ~~مملوكا ، ولو قال المدعي : هو ابني في عيالي ، وصدقه المدعى وهو رجل ~~فاتهمهما الأمير ، فإنه يحلف المدعي ، فإن حلف كان حرا ، وإن لم يحلف كان ~~فيئا ، لإقراره على نفسه بثبوت حق الغانمين فيه ، فإن النكول بمنزلة ~~الإقرار ، PageV01P317 ولكنه لا يقتل ؛ لأنه آمن من القتل بتصادقهما ، فلو ~~جاز قتله بعد ذلك إنما يجوز بالنكول ، والنكول لا يصلح حجة لإباحة القتل ~~بدليل المدعى عليه بالقصاص ، في النفس إذا نكل عن اليمين ، فإنه لا يقضى ~~عليه بالقصاص ، فهذا مثله ، قال عيسى رحمه الله : هذا غلط ، أن إباحة القتل ~~هنا ليس باعتبار النكول بل باعتبار أصل الإباحة ، فإنه كان مباح الدم ~~فبنكوله ينتفي المانع ، وهو الأمان ، فيكون هذا بمنزلة ما لو ادعى القاتل ~~العفو على الولي وجحد الولي وحلف ، فإنه يستوفي القصاص ولا يكون هذا قتلا ~~باليمين ، ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ، لأن الإباحة التي كانت في الأصل قد ~~ارتفعت بتصادقهما على أنه من أهل المدعي ، فلو جاز قتله بعد هذا كان ذلك ~~بسبب نكوله ، وذلك لا يجوز لما في النكول من الشبهة والاحتمال ، فقد يكون ~~للتورع عن اليمين الكاذبة ، وقد يكون للترفع عن اليمين الصادقة ، ولا ~~يستحلف المدعى لأن المقصود من الاستحلاف لم يحصل ، لأنه لا قول له على ابنه ~~، فيما يرجع إلى استحقاق الرق وإباحة القتل ، والمقصود بالاستحلاف هذا . ~~وإن قال الذي استأمن على متاعه : لمتاع هذا من متاعي ، وليس ذلك في يد أحد ~~، فإن كان قال هذا بعد ما صار في أيدي المسلمين لم يصدق على ذلك إلا ببينة ~~عادلة من المسلمين ، PageV01P318 لأنه لما لم تعرف فيه أحد فيما مضى وجب ~~المصير إلى اليد الظاهرة في الحال . وهي للمسلمين موجبة الاستحقاق لهم . ~~فالمدعي ms0207 يبطل حقا ظهر سبب استحقاقه للمسلمين . وقوله لا يكون حجة في ذلك ~~فلا بد من بينة عادلة من المسلمين . وإن قال ذلك قبل أن يصل المتاع إلى ~~أيدي المسلمين فالقول قوله مع يمينه ؛ لأن ما كان في المطمورة فيده إليه ~~أقرب من يد المسلمين حين كان في المطمورة . فكأنه كان في يده حين ادعى ذلك ~~. وإن كن في يده ويد المسلمين جميعا فوصل ذلك إلى الأمير وهم متعلقون به ، ~~فهو للمستأمن بعدما يحلف ؛ لأن يده كانت أقرب إليه باعتبار الأصل ، وقد ~~علمنا أن يد المسلمين يد مستحدثة فيه ، فمع بقاء الأصل لا يعتبر يد ~~المسلمين فيه ، ألا ترى أنا لو علمنا أنهم أخذوه من المستأمن كان القول فيه ~~قول المستأمن ؟ فهذا أولى . وكذلك إن وصل إلى الأمير ، وقوم من أهل ~~المطمورة وقوم من المسلمين متعلقون به ، وأهل المطمورة يقرون أنه للمستأمن ~~فالقول قولهم ، باعتبار أن اليد في الأصل كانت لهم فلا يعتبر يد المسلمين ~~بتعلقهم به . فأما إذا وصلوا إلى الأمير وهو في يد المسلمين خاصة ، ~~PageV01P319 فقد عرفنا زوال اليد التي كانت في الأصل ، ولا يدرى لمن كانت ~~حقيقة للمدعي كان ، أو للمصدقين له ، أو لغيرهم . فلا يعتبر ذلك ، وإنما ~~يعتبر ما هو معلوم في الحال ، وهو في يد المسلمين ، فلا يجوز إزالتها إلا ~~ببينة عدول من المسلمين . فإن شهد قوم من المسلمين أن الذين في أيديهم ذلك ~~أخذوه من المستأمنين ، أو أقر الذين ذلك في أيديهم أنهم أخذوه من ~~المستأمنين أو أقروا أنهم أخذوه من قوم من أهل المطمورة ، وأقر أولئك أنه ~~للمستأمنين أو شهد شهود أنهم أخذوه من هؤلاء الذين هم من أهل المطمورة وأقر ~~أولئك أنه للمستأمنين فهو رد عليهم ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ~~، والثابت بالإقرار في حق المقر كذلك والاستحقاق للمسلمين الآن باعتبار يد ~~الأخذين في بيان جهة الوصول إلى أيديهم ؛ فلهذا وجب رده على المستأمنين ، ~~ولو لم يقر الذين أخذ ذلك من أيديهم أنه للمستأمنين إلا بعدما أخذه ~~المسلمون منهم ، فهذا وما لو أقروا ms0208 به قبل الأخذ منهم سواء لأنا قد علمنا ~~أن أصل اليد لهم وتلك اليد قائمة حكما لما وجب اعتبار تصادقهم مع ~~المستأمنين ، فكان إقرارهم بعد الأخذ منهم بمنزلة إقرارهم قبله ، فإن اقتسم ~~المسلمون المتاع ، أو بيع المتاع ، ثم ادعى المستأمنون أن المتاع متاعهم ، ~~لم يصدقوا على ذلك إلا ببينة تشهد أنه أخذ منهم أو من قوم كانوا مقرين ~~بالملك لهم قبل القسمة ؛ PageV01P320 لأن سبب الملك قديم لمن وقع في سهمه ~~أو للمشتري ، والملك لا يستحق بمجرد الظاهر بل بالحجة التامة ، وإنما ~~الظاهر حجة لدفع الاستحقاق ، وحاجة المستأمنين هنا إلى استحقاق الملك على ~~الملاك فلا بد من بينة تشهد بما ذكرنا . فإن أقر المسلمون الذين كانوا ~~أخذوه أنهم أخذوه من أيدي المستأمنين أو من أيدي قوم يقرون أنه للمستأمنين ~~، لم يصدقوا على ذلك ؛ لأنهم لم يبق لهم في المتاع يد ولا ملك ، فهم كسائر ~~المسلمين في هذا الإقرار . إلا أن يقع شيء من ذلك في سهم الذي أقر فيصدق ~~على نفسه ويؤخذ منه فيرد على المستأمنين ؛ لأن إقراره في ملك نفسه بمنزلة ~~البينة في حقه أو أقوى . ولكن لا يعوض ؛ لأن الاستحقاق كان بإقراره ، ~~وإقراره ليس بحجة على سائر الغانمين فكان هو في حقهم متلفا نصيب نفسه ، فلا ~~يستحق التعويض من الغنيمة . فأما السبي فهم مصدقون أنهم من أهل المستأمنين ~~وإن وقعوا في أيدي المسلمين ، ما لم يقتسموا أو يباعوا سواء كانوا في دار ~~الحرب أو قد أخرجوا منها ؛ لأن اعتبار يدهم وقولهم في أنفسهم لا يزول إلا ~~بضرب الرق عليهم وذلك بالقسمة أو البيع دون الإحراز ألا ترى أن للإمام أن ~~يقتلهم بعد الإحراز ، PageV01P321 وليس له بعد ضرب الرق عليهم أن يقتلهم ، ~~وكذلك له أن يمن عليهم فيجعلهم ذمة ، وإذا فعلوا ذلك كانوا أحرار الأصل ~~فأما إذا اقتسموا أو بيعوا لم يصدقوا على ذلك ؛ لان الرق قد تقرر فيهم ، ~~فلا قول لهم بعد ذلك ، ولا يد معتبرة في أنفسهم ، إلا أن يقوم لهم ببينة من ~~المسلمين أنهم تصادقوا مع المستأمنين ms0209 قبل القسمة والبيع أنهم من أهليهم ، ~~فحينئذ لا سبيل عليهم ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، وكذلك في ~~المتاع إذا قامت البينة على أنهم تصادقوا على ذلك قبل الآخذ من أيديهم ، ~~وكأنه جعل الأخذ من أيديهم في المتاع بمنزلة ضرب الرق عليهم بالقسمة والبيع ~~في نفوسهم ، ولكن هذا إنما يستقيم في متاع لم يعلم أن أصل اليد فيه لمن كان ~~، وإذا ثبت الاستحقاق بالبينة بهذه الصفة ، فإن كان مشتريا رجع بالثمن ، ~~وإن كان عازبا أصابه ذلك بالقسمة عوض قيمته من بيت مال المسلمين ، وإن كانت ~~الغنائم كلها قسمت ؛ لأن نصيبه قد استحق ، فيستوجب الرجوع بعوضه على ~~الغانمين ، والظاهر أنه يتعذر الرجوع عليهم لتفرقهم ، فتكون PageV01P322 ~~هذه نائبة من نوائب المسلمين ، ومال بيت المال معد لها ، ألا ترى أنه لو ~~بقي من الغنيمة شيء يتعذر قسمته كجوهرة ونحوها يوضع ذلك في بيت المال ، ~~فكذلك إذا ظهر درك يجعل ذلك في بيت المال ، لأن الغرم مقابل بالغنم ، وإن ~~كان الذين شهدوا على هذا هم الذين اشتروا أو وقع المتاع في سهامهم ، صدقوا ~~على أنفسهم لإقرارهم ، ولا يصدقون على بيت المال ، فلا يثبت لهم حق الرجوع ~~بعوض ولا ثمن ، فيؤخذ ما في أيديهم فيرد على المستأمنين ، وتركوا يرجعون ~~بذلك ، كله إلى دار الحرب ، إلا الكراع والسلاح والرقيق ، فإنهم قد احتبست ~~في دارنا حتى نفد فيها القسمة والبيع ، وهذا الاحتباس لحق الشرع وحق جماعة ~~المسلمين ، حتى لا يتقوى أهل الحرب بذلك عليهم فلا يصدق الملاك ففي إبطال ~~حق المسلمين ، وصار هذا بمنزلة ما لو وهبوه للمستأمنين أو باعوه منهم ، فلا ~~يمكنون من إدخاله دار الحرب ، بخلاف ما إذا ثبت بالبينة من المسلمين ، فإن ~~البينة حجة على المسلمين . ولو قال الذين أمنوا على أهليهم ومتاعهم : جميع ~~ما في المطمورة أهلونا ، وجميع ما فيها متاعنا ، ونحن بطارقتها ، وصدقهم ~~بذلك من فيها فهم مصدقون ؛ PageV01P323 لأن المعنى الذي لأجله وجب تصديقه ~~إذا ادعوا بعض ما فيها وذلك المعنى موجود في الكل . ولكن هذا إذا لم يعلم ~~خلاف ذلك بأن كانوا ms0210 قوما معروفين بأنهم رءوس أهل المطمورة وأما إذا كان ~~يعلم خلاف ذلك لا يصدقون ؛ لأن التصديق هنا باعتبار نوع من الظاهر ، ويسقط ~~اعتبار ذلك إذ ظهر دليل الكذب . قال : ولا يدخل في المتاع نقد ولا تبر ولا ~~حلي ولا جوهر ؛ لأن المتاع وإن كان اسما لما يستمتع به في الحقيقة ولكن ~~الذهب والفضة والحلي اختصت باسم آخر وهو العين أو الجوهر ، وذلك يمنع ~~دخولها في مطلق اسم المتاع ، ولأن المتاع ما يكون مبتذلا في الاستمتاع به ~~على وجه يفنى بالاستمتاع وهذا لا يوجد في مثل هذه الأعيان لنفاستها . ويدخل ~~في المتاع ما سواها من الثياب والفرش والستور وجميع متاع البيت ، وفي ~~القياس لا يدخل في ذلك الأواني ؛ لأن في عرف الاستعمال يعطف الأواني على ~~الأمتعة ، والشيء لا يعطف على نفسه ، والعطف دليل على أن الأواني غير ~~الأمتعة . وفي الاستحسان الأواني التي ينتفع بها في البيوت تدخل في المتاع ~~، لأن المفهوم عند الناس من مطلق اسم المتاع ما يستمتع به في البيوت ويتأتى ~~به السكنى والمقام في البيوت وهذا موجود في الأواني PageV01P324 ولهذا لا ~~يدخل السلاح والكراع والسروج في ذلك ؛ لأنه لا يستمتع بها في البيوت ، ~~وإنما يستمتع بها عند الركوب أو الحرب وذلك ليس من السكنى في البيوت في شيء ~~فلا يتناولها مطلق اسم المتاع كما لا يتناول النقود والمصاغ والجواهر . وإن ~~كانوا قالوا : آمنونا على مالنا من شيء ، دخل جميع ذلك في كلامهم ، لأن اسم ~~الشيء يعم كل موجود ، ولو قالوا : أمنونا على مالنا أو على جميع ما لنا من ~~مال ، دخل ذلك كله أيضا ؛ لأن اسم المال يعم ذلك كله باعتبار أنه متمول ~~منتفع به ، ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله لرجل دخل جميع ذلك ، فكذلك في ~~الأمان بل هذا نظير الوصية ؛ لأن الوصية أخت الميراث ، والإرث يثبت في كل ~~مال فكذلك الوصية ، وهاهنا إعطاء الأمان على المال نظير اغتنام المال ، ~~فكما أن الاغتنام يثبت في كل مال ، فكذلك حكم الأمان عند إعطائه بلفظ المال ~~وإن قالوا ms0211 للمسلمين : أمنوا أهلينا فقالوا : نعم ، قد أمناهم ، فهم فيء ، ~~وأهلوهم آمنون ، لأنهم طلبوا الأمان لأهليهم ولم يذكروا أنفسهم بشيء صريحا ~~ولا كناية ولا دلالة ، فالإنسان لا يكون من أهل نفسه ، وإنما أهله غيره لأن ~~المضاف غير المضاف إليه ، فإن الأمان إشفاقا على أهليهم وشفقتهم على أنفسهم ~~أظهر منه على أهليهم . PageV01P325 والثاني : أنهم قصدوا بهذا استبقاء ~~أهليهم ، وبقاؤهم بمن يعولهم وينفق عليهم ، وذلك أنفسهم قلنا : نعم ، هم ~~قصدوا هذا ، ولكن حرموا هذا المقصود حين خذلهم الله فلم يذكروا أنفسهم بشيء ~~، ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، ثم بمجرد القصد لا يثبت لهم الأمان بل ~~بإعطاء المسلمين إياهم الأمان أعطوا أهليهم فقالوا : أمناهم ولم يقولوا ~~أمناكم ، وقد حكي أن مثل هذه الحادثة وقع في زمن معاوية ، وكان الذي يسعى ~~في طلب الأمان لجماعة قد آذى المسلمين ، فقال معاوية رضي الله عنه : اللهم ~~أغفله عن نفسه ، فطلب الأمان لقومه وأهله ولم يذكر نفسه بشيء ، فأخذ وقتل ، ~~ثم الإنسان في مثل هذه الحالة قد يسعى في استنقاذ أهله من غير أن يقصد نفسه ~~بذلك ، إما لانقطاع طمعه بأنه لا يؤمن إن طلب ذلك لنفسه ، أو لأنه مل من ~~نفسه لفرط الضجر ، فباعتبار المقصود الدليل مشترك وباعتبار اللفظ لا ذكر له ~~، ألا ترى أنهم لو قالوا : نضع أيدينا في أيديكم على أن تؤمنوا أبناءنا ~~ونساءنا ، ففعل المسلمون ذلك ، لم ندخلهم في الأمان ، فإن معنى كلامهم : أن ~~نضع أيديكم لتفعلوا بنا ما شئتم فكذلك ما سبق ، فإن قالوا : نخرج إليكم على ~~أن نراوضكم في الأمان على أهلينا ، فقالوا لهم : اخرجوا ، فلما خرجوا أمنوا ~~أهليهم ، فلا سبيل للمسلمين عليهم ، لا باعتبار أنهم أمنوا أهليهم بل ~~باعتبار أنهم حين أمروهم أن يخرجوا للمراوضة على الأمان ، فهذا أمان منهم ~~لهم ، ألا ترى أنه لو لم يتهيأ بينهم أمان في شيء كان عليهم أن يردوهم إلى ~~مأمنهم ولا يتعرضوا لهم بشيء ، بخلاف الأول ، فهناك قالوا وهم في المطمورة ~~: أمنوا أهلينا ، فأمنا أهليهم ولم يتناولهم ذلك الكلام ، ثم خرجوا لا على ~~طلب ms0212 الأمان ، فهذا أمان منهم لهم ، ألا ترى أنه لو لم يتهيأ بينهم أمان في ~~شيء كان عليهم أن يردوهم إلى مأمنهم ولا يتعرضوا لهم بشيء ، بخلاف الأول ، ~~فهناك قالوا وهم في المطمورة : أمنوا أهلينا ، فأمنا أهليهم ولم يتناولهم ~~ذلك الكلام ، ثم خرجوا لا على طلب الأمان فكانوا فيئا . PageV01P326 وإن ~~قالوا : أمنونا على ذرارينا فأمنوهم على ذلك ، فهم آمنون وأولادهم ، وأولاد ~~أولادهم ، وإن سفلوا من أولاد الرجال ؛ لأن اسم الذرية يعم جميع ذلك ، ~~فذرية المرء فرعه الذي هو مستولد منه وهو أصل لذريته ، ألا ترى أن الناس ~~كلهم ذرية آدم ونوح صلوات الله عليهما قال سبحانه وتعالى : ' أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم ' مريم : 58 ، قال : ولا يدخل ~~أولاد البنات من ذرية آبائهم لا من ذرية قوم الأم ، ألا ترى أن أولاد ~~الخلفاء من الإماء من ذرية آبائهم كما قال المأمون : . وفي الاستحسان ~~الأواني التي ينتفع بها في البيوت تدخل في المتاع ، لأن المفهوم عند الناس ~~من مطلق اسم المتاع ما يستمتع به في البيوت ويتأتى به السكنى والمقام في ~~البيوت وهذا موجود في الأواني ولهذا لا يدخل السلاح والكراع والسروج في ذلك ~~؛ لأنه لا يستمتع بها في البيوت ، وإنما يستمتع بها عند الركوب أو الحرب ~~وذلك ليس من السكنى في البيوت في شيء فلا يتناولها مطلق اسم المتاع كما لا ~~يتناول النقود والمصاغ والجواهر . وإن كانوا قالوا : آمنونا على مالنا من ~~شيء ، دخل جميع ذلك في كلامهم ، لأن اسم الشيء يعم كل موجود ، ولو قالوا : ~~أمنونا على مالنا أو على جميع ما لنا من مال ، دخل ذلك كله أيضا ؛ لأن اسم ~~المال يعم ذلك كله باعتبار أنه متمول منتفع به ، ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ~~ماله لرجل دخل جميع ذلك ، فكذلك في الأمان بل هذا نظير الوصية ؛ لأن الوصية ~~أخت الميراث ، والإرث يثبت في كل مال فكذلك الوصية ، وهاهنا إعطاء الأمان ~~على المال نظير اغتنام المال ، فكما أن الاغتنام يثبت في كل مال ، فكذلك ~~حكم ms0213 الأمان عند إعطائه بلفظ المال وإن قالوا للمسلمين : أمنوا أهلينا ~~فقالوا : نعم ، قد أمناهم ، فهم فيء ، وأهلوهم آمنون ، لأنهم طلبوا الأمان ~~لأهليهم ولم يذكروا أنفسهم بشيء صريحا ولا كناية ولا دلالة ، فالإنسان لا ~~يكون من أهل نفسه ، وإنما أهله غيره لأن المضاف غير المضاف إليه ، فإن ~~الأمان إشفاقا على أهليهم وشفقتهم على أنفسهم أظهر منه على أهليهم . ~~والثاني : أنهم قصدوا بهذا استبقاء أهليهم ، وبقاؤهم بمن يعولهم وينفق ~~عليهم ، وذلك أنفسهم قلنا : نعم ، هم قصدوا هذا ، ولكن حرموا هذا المقصود ~~حين خذلهم الله فلم يذكروا أنفسهم بشيء ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، ثم ~~بمجرد القصد لا يثبت لهم الأمان بل بإعطاء المسلمين إياهم الأمان أعطوا ~~أهليهم فقالوا : أمناهم ولم يقولوا أمناكم ، وقد حكي أن مثل هذه الحادثة ~~وقع في زمن معاوية ، وكان الذي يسعى في طلب الأمان لجماعة قد آذى المسلمين ~~، فقال معاوية رضي الله عنه : اللهم أغفله عن نفسه ، فطلب الأمان لقومه ~~وأهله ولم يذكر نفسه بشيء ، فأخذ وقتل ، ثم الإنسان في مثل هذه الحالة قد ~~يسعى في استنقاذ أهله من غير أن يقصد نفسه بذلك ، إما لانقطاع طمعه بأنه لا ~~يؤمن إن طلب ذلك لنفسه ، أو لأنه مل من نفسه لفرط الضجر ، فباعتبار المقصود ~~الدليل مشترك وباعتبار اللفظ لا ذكر له ، ألا ترى أنهم لو قالوا : نضع ~~أيدينا في أيديكم على أن تؤمنوا أبناءنا ونساءنا ، ففعل المسلمون ذلك ، لم ~~ندخلهم في الأمان ، فإن معنى كلامهم : أن نضع أيديكم لتفعلوا بنا ما شئتم ~~فكذلك ما سبق ، فإن قالوا : نخرج إليكم على أن نراوضكم في الأمان على ~~أهلينا ، فقالوا لهم : اخرجوا ، فلما خرجوا أمنوا أهليهم ، فلا سبيل ~~للمسلمين عليهم ، لا باعتبار أنهم أمنوا أهليهم بل باعتبار أنهم حين أمروهم ~~أن يخرجوا للمراوضة على الأمان ، فهذا أمان منهم لهم ، ألا ترى أنه لو لم ~~يتهيأ بينهم أمان في شيء كان عليهم أن يردوهم إلى مأمنهم ولا يتعرضوا لهم ~~بشيء ، بخلاف الأول ، فهناك قالوا وهم في المطمورة : أمنوا أهلينا ، فأمنا ~~أهليهم ولم يتناولهم ms0214 ذلك الكلام ، ثم خرجوا لا على طلب الأمان ، فهذا أمان ~~منهم لهم ، ألا ترى أنه لو لم يتهيأ بينهم أمان في شيء كان عليهم أن يردوهم ~~إلى مأمنهم ولا يتعرضوا لهم بشيء ، بخلاف الأول ، فهناك قالوا وهم في ~~المطمورة : أمنوا أهلينا ، فأمنا أهليهم ولم يتناولهم ذلك الكلام ، ثم ~~خرجوا لا على طلب الأمان فكانوا فيئا . وإن قالوا : أمنونا على ذرارينا ~~فأمنوهم على ذلك ، فهم آمنون وأولادهم ، وأولاد أولادهم ، وإن سفلوا من ~~أولاد الرجال ؛ لأن اسم الذرية يعم جميع ذلك ، فذرية المرء فرعه الذي هو ~~مستولد منه وهو أصل لذريته ، ألا ترى أن الناس كلهم ذرية آدم ونوح صلوات ~~الله عليهما قال سبحانه وتعالى : ' أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~من ذرية آدم ' مريم : 58 ، قال : ولا يدخل أولاد البنات من ذرية آبائهم لا ~~من ذرية قوم الأم ، ألا ترى أن أولاد الخلفاء من الإماء من ذرية آبائهم كما ~~قال المأمون : لا عيب للمرء فيما أن يكون له . . . أم من الروم أو سوداء ~~عجماء # فإنما أمهات الناس أوعية . . . مستودعات وللأنساب آباء وذكر بعد هذا ما ~~يدل على أنه يدخل أولاد البنات في ذلك ، ووجهته ما بينا أن الذرية اسم ~~للفرع المتولد من الأصل ، والأب والأم أصلان للولد ، ثم الأم من ذرية أبيها ~~، فما يتولد منها يكون من ذريته أيضا ومعنى الأصلية والتولد في جانب الأم ~~أرجح ، لأن ماء الفحل يصير مستهلكا بحضانتها في رحمها ، فإنما يكون الولد ~~متولدا منها بواسطة ماء الفحل ، فإذا جعل النافلة من ذرية أب أبيه ، فكذلك ~~يجعل من ذرية أب أمه ، PageV01P327 وفيه حكاية يحيى بن يعمر ، فإن الحجاج ~~أمر به ذات يوم فأدخل عليه وهم بقتله فقال له : لتقرأن علي آية من كتاب ~~الله تعالى نصا على أن العلوية ذرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~لأقتلنك ولا أريد قوله تعالى : ' ندع أبناءنا وأبناءكم ' آل عمران : 61 ، ~~فتلا قوله تعالى : ' ومن ذريته داود وسليمان ' إلى أن قال : ' وزكريا ويحيى ~~وعيس ' الأنعام : 84 ، 85 ، ثم ms0215 قال : فعيسى من ذرية نوح من قبل الأب أو من ~~قبل الأم ، فبهت الحجاج ورده بجميل ، وقال : كأني سمعت هذه الآية الآن ، ~~ولو قالوا : أمنونا على أولادنا ، فهذا على أولادهم لأصلابهم ، وأولاد ~~أولادهم من قبل الرجال ، وأما أولاد البنات فليسوا بأولادهم ، هكذا ذكر ~~هاهنا ، وذكر الخصاف عن محمد رحمهما الله أنهم يدخلون في الأمان أيضا ، لأن ~~اسم الأولاد يتناولهم من الوجه الذي قلنا ، وأيد ذلك قوله عليه السلام حين ~~أخذ الحسن والحسين : ' أولادنا أكبادنا ' فأما على هذه الرواية يقول ذلك ~~نوع من المجاز بدليل قوله تعالى : ' ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ' ~~الأحزاب : 40 ، ومن كان ولدك ، حقيقة كنت أبا له حقيقة ، PageV01P328 أو ~~كان ذلك لأولاد فاطمة رضي الله عنها على الخصوص ، كما روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ' كل الأولاد ينتمون إلى آبائهم ، إلا أولاد فاطمة ~~فإنهم ينتسبون إلي ، أنا أبوهم ' ، ولكن هذا حديث شاذ ، وهو مخالف للكتاب ~~كما تلونا . ولو استأمنوا على أولاد أولادهم دخل في ذلك أولاد البنات ؛ لأن ~~اسم ولد الولد حقيقة لمن ولدته وهو ولده وابنة ولده ، فما ولد لابنته يكون ~~ولد ولده حقيقة ، بخلاف الأول ، فقد ذكر هناك أولاده وهم في الحقيقة ولده ~~هو ، ومن حيث الحكم من يكون منسوبا إليه بالولادة وذلك أولاد الابن دون ~~أولاد البنات . ولو قال : أمنونا على موالينا ، ولهم موال وموالي موال ، ~~فكلهم آمنون استحسانا ، وفي القياس لا يدخل موالي الموالي ، لأن الاسم ~~لمواليه حقيقة ، ولموالي الموالي مجازا ، ألا ترى أنه يستقيم نفسه عنهم ~~فيقال : هؤلاء ليسوا من مواليه ؟ ولهذا لا يدخلون في الوصية لمواليه ، حتى ~~لا يزاحمون مواليه ، ولكنه استحسن فقال : موالي الموالي ينسبون إليه ~~بالولاء بواسطة الموالي ، فهم بمنزلة أولاد الأولاد مع الأولاد ، وفي ~~الوصية يدخل موالي الموالي ، إذا لم يكن له موال ، إلا عند وجود الفريقين ، ~~PageV01P329 لو أثبتنا المزاحمة انتقض نصيب الموالي ، ولا يجوز إدخال ~~النقصان على الأقرب بمزاحمة الأبعد ، وهذا لا يوجد في الأمان ، فسواء دخل ~~موالي الموالي أو لم يدخلوا كان ms0216 الأمان لمواليه بصفة واحدة ، والظاهر أن ~~مقصوده استنقاذ الفريقين ، ثم لا نقول بالجمع بين الحقيقة والمجاز ، ولكن ~~هذا الاسم للموالي حقيقة ، ولموالي الموالي أيضا صورة ومجازا ، فباعتبار ~~هذه الصورة تتمكن شبهة في حقهم والأمان مبني على التوسع حيث يثبت بمجرد ~~الإشارة صورة فلأن يثبت بهذا اللفظ أولى وبه فارق الوصية ولو قالوا : ~~أمنونا على إخواننا ولهم إخوة وأخوات فهم آمنون ، لاسم الأخوة عند الإطلاق ~~للذكور والإناث ، قال الله تعالى : ' وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ' النساء ~~: 176 وفي الحقيقة هذه الصيغة للذكور ، إلا أن من مذهب العرب عند اختلاط ~~الذكور بالإناث تغليب الذكور وإطلاق علامة الذكور على الكل ، والمستعمل ~~بهذه الصيغة بمنزلة الحقيقة ، نقول : فإن كان لهم أخوات ليس معهن واحد من ~~الذكور لم يدخلن في الأمان ، لأن الإناث المفردات لا تتناولهن صيغة الذكور ~~، فإن قيل : أليس أن الله سبحانه وتعالى قال : ' فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس ' النساء : 11 ، ثم الأخوات المنفردات يحجبن الأم من الثلث إلى السدس ~~، قلنا : لا ، بهذه الآية بل باتفاق الصحابة واعتبار معنى الحجب ، وقد بينا ~~ذلك في الفرائض ولكن اعتبار المعنى في النصوص الشرعية جائز فأما في ألفاظ ~~العباد يراعى عين PageV01P330 الملفوظ به من غير أن يستقل بتعليله ، واسم ~~الإخوة لا يتناوله الإناث المفردات حقيقة ولا استعمالا . ولو قالوا : ~~أمنونا على أبنائنا ، ولهم بنون وبنات فهم آمنون جميعا ، لما بينا في ~~الإخوة ، ومن أصحابنا من يقول : جوابه في الفصلين قولهما وقول أبي حنيفة ~~الأول ، فأما قوله الآخر ، فيتناول الذكور خاصة ، بمنزلة الوصية لبني فلان ~~وفلان أب أولاد ، أو لإخوة فلان ، ولكن الأصح أن هذا قولهم جميعا ، لأنه ~~يتوسع في باب الأمان ما لا يتوسع في باب الوصية ، فأبو حنيفة في الوصية ~~اعتبر الحقيقة فقط فأما في الأمان فيعتبر الحقيقة وما يشبه الحقيقة بطريق ~~الاستعمال ، فإن لم يكن فيهم ذكر وإنما بنات خاصة ، فهن فيء جميعا ؛ لأن ~~هذه الصيغة لا تتناول الإناث المفردات إلا إذا كان المضاف إليه أبا قبيلة ، ~~وقد بينا هذا في الوصايا ، أنه ms0217 إذا أوصى لبني فلان ، وفلان أبو قبيلة ~~فالمراد بهذه النسبة إلى القبيلة ، والإناث المفردات في النسبة بهذا اللفظ ~~كالذكور بخلاف ما إذا كان فلان أبا أولاد ، وقد قال بعض مشايخنا : إذا تقدم ~~منه كلام يستدل به على أنه أراد الأمان لهن بأن قال : ليس لي إلا هؤلاء ~~البنات أو الأخوات فأمنوني على بني أو على إخوتي ، فحينئذ يستدل بتلك ~~المقدمة أن مراده الإناث فهن آمنات PageV01P331 وإن قالوا : أمنونا على ~~أولادنا دخل في هذا الذكور والإناث المفردات أيضا ؛ لأن الولاد حقيقة في ~~الفريقين قال الله تعالى : ' يوصيكم الله في أولادكم ' ، ثم قال : ' فإن كن ~~نساء فوق اثنتين ' النساء : 11 ، فقد فسر الأولاد بالإناث المفردات . وإن ~~قالوا : أمنونا على بناتنا وأخواننا ، فهذا على الإناث دون الذكور ؛ لأن ~~صيغة الكلام للإناث خاصة ، فلا يدخل فيه الذكور حقيقة ولا استعمالا ، ومن ~~حيث المقصود قد يطلب الأمان للإناث خاصة لضعفهن ، ولعلمه أنه لا يجاب إلى ~~الأمان لو طلبه للذكور بعدما اتصل منهم أذى بالمسلمين من حيث القتال : وإن ~~قالوا : أمنونا على بنينا ، فإذا لكلهم بنات إلا لواحد منهم فإن له ابنا ~~واحدا ، كان الأمان عليهم جميعا ؛ لأنهم استأمنوا للكل بكلمة واحدة ، وتلك ~~الكلمة تتناول الذكور والإناث عند الاختلاط وبالابن الواحد لأحدهم يتحقق ~~الاختلاط . وإن قالوا : أمنونا ، كل واحد منا على بنيه ، والمسألة بحالها ، ~~كان البنات كلهن فيئا إلا أولاد الرجل الذي له الابن ؛ PageV01P332 لأن ~~كلمة كل ، توجب الإحاطة على سبيل الانفراد ، وقد قال الله تعالى : ' كل نفس ~~ذائقة الموت ' آل عمران : 185 ، وباعتبار انفراد اللفظ في حق كل واحد منهم ~~لا يتناول هذا اللفظ إلا أولاد الجل الذي له الابن بخلاف الأول ، لأن ~~الكلمة هناك للإحاطة على وجه الاجتماع ، والإخوة والأخوات في هذا بمنزلة ~~البنين والبنات . ولو قالوا : أمنونا على أبنائنا ، ولهم آباء وأمهات فهم ~~آمنون جميعا ؛ لأن اسم الآباء يتناول الآباء والأمهات ، ألا ترى أنهما ~~يسميان أبوين قال الله تعالى : ' ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ' ~~النساء : 11 ، وكذلك إن لم يكن الأب ms0218 منهم إلا لإنسان واحد ، فالأمهات والأب ~~الذي معهن آمنون ، لأن الاسم حقيقة للكل استعمالا عند الاختلاط ولو قالوا : ~~أمنونا على أبنائنا ، ولهم أبناء وأبناء أبناء ، فالأمان على الفريقين ~~جميعا استحسانا ، وكان ينبغي في القياس أن يكون الأمان للأبناء خاصة ؛ لأن ~~الاسم حقيقة للأبناء ، مجاز في حق أبناء الأبناء ولا يجمع بين الحقيقة ~~والمجاز في لفظ واحد ، ولهذا جعل أبو حنيفة الوصية للأبناء خاصة بهذا اللفظ ~~، إلا إذا لم يكن هناك أبناء ، فحينئذ ، يتناول أبناء الأبناء ، لأن ~~الحقيقة لما تنحت وجب استعمال اللفظ بطريق المجاز ولكنه استحسن هاهنا فقال ~~: PageV01P333 وإنما يطلب الأمان لمن يكون مضافا إليه بالبنوة ، وباعتبار ~~الصورة ، وهذا يوجد في أبناء الأبناء ، فيصير ذلك شبهة يثبت به الأمان لهم ~~بخلاف الوصية ، فإنها لا تستحق بالصورة والشبهة ثم في إثبات المزاحمة هناك ~~بين الحقيقة والمجاز إدخال النقص في نصيب الأبناء ، ولا يوجد مثل ذلك في ~~الأمان ، وهذا نظير ما تقدم في قوله : لذوي قرابتي ، لأن طلب الأمان بهذا ~~اللفظ لإظهار الشفقة على ما ينسب إليه بالبنوة ، وربما يكون ذلك في حق ~~أبناء الأبناء أظهر منه في حق الأبناء على ما قيل : النافلة أحب إلى المرء ~~من الولد ، ولو كان لبعضهم أبناء لصلبه ، ولبعضهم أبناء أبناء فهم آمنون ~~جميعا لما قلنا ، وإن قالوا : أمنونا على آبائنا ، وليس لهم آباء ولهم ~~أجداد ، فليس يدخل الأجداد في ذلك ، وهذا الفصل مشكل ، فإن اسم الأب لا ~~يتناول الجد حقيقة حتى يجوز أن ينفي عنه بإثبات غيره ، فيقال : إنه جد ولي ~~بأب ، ولكن يتناوله مجازا ، ألا ترى إلى ما روي عن ابن عباس أنه قال لرجل : ~~أي أب لك أكبر ؟ فلم يفهم الرجل ما قال ، فتلا ابن عباس قوله تعالى : ' يا ~~بني آدم ' الأعراف : 26 ، وقال : أما علمت أن من كنت ابنه فهو أبوك ؟ ~~فباعتبار هذا المجاز ، أو باعتبار الصورة ينبغي أن يثبت الأمان لهم كما ~~ذكرنا في أبناء الأبناء ولكنه فرق بينها لمعنى آخر فقال : المجاز تبع ~~للحقيقة ، ويمكن تحقيق هذا في أبناء الأبناء ms0219 فإنهم تفرعوا من الأبناء ، ~~فكانوا تبعا لهم ، ولا يأتي مثل ذلك في الأجداد فإنهم أصول الآباء ، مختصون ~~باسم ، فيكف يتناولهم اسم الآباء على وجه الاتباع لفروعهم ، ألا ترى أنه لو ~~قال : أمنوني على أمي ، وليست له أم إنما له جدة ، أن الأمان لا يتناولها ؟ ~~فإن قال قائل : يتناولها باعتبار أن الجدة تسمى أما ، قلنا : قد سمى الله ~~تعالى الخالة أما في قوله تعالى : ' ورفع أبويه على العرش ' يوسف : 105 . ~~جد حقيقة حتى يجوز أن ينفي عنه بإثبات غيره ، فيقال : إنه جد ولي بأب ، ~~ولكن يتناوله مجازا ، ألا ترى إلى ما روي عن ابن عباس أنه قال لرجل : أي أب ~~لك أكبر ؟ فلم يفهم الرجل ما قال ، فتلا ابن عباس قوله تعالى : ' يا بني ~~آدم ' الأعراف : 26 ، وقال : أما علمت أن من كنت ابنه فهو أبوك ؟ فباعتبار ~~هذا المجاز ، أو باعتبار الصورة ينبغي أن يثبت الأمان لهم كما ذكرنا في ~~أبناء الأبناء ولكنه فرق بينها لمعنى آخر فقال : المجاز تبع للحقيقة ، ~~ويمكن تحقيق هذا في أبناء الأبناء فإنهم تفرعوا من الأبناء ، فكانوا تبعا ~~لهم ، ولا يأتي مثل ذلك في PageV01P334 الأجداد فإنهم أصول الآباء ، مختصون ~~باسم ، فيكف يتناولهم اسم الآباء على وجه الاتباع لفروعهم ، ألا ترى أنه لو ~~قال : أمنوني على أمي ، وليست له أم إنما له جدة ، أن الأمان لا يتناولها ؟ ~~فإن قال قائل : يتناولها باعتبار أن الجدة تسمى أما ، قلنا : قد سمى الله ~~تعالى الخالة أما في قوله تعالى : ' ورفع أبويه على العرش ' يوسف : 105 . # أي أباه وخالته وسمى العم أبا في قوله تعالى : ' قالوا : تعبد إلهك وإله ~~آبائك : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ' البقرة : 133 ، وإسماعيل كان عما ، ثم ~~أحد لا يقول إن العم والخالة يدخلان في الأمان للآباء ، لأن كل واحد منهما ~~مختص باسم الآخر ، به ينسب إليه ، فكذلك الجد والجدة ، بخلاف بني الابن ~~فإنهم ينسبون إليه ، باسم النبوة ، ولكن بواسطة الابن ، فكان الأمان بهذا ~~الاسم متناولا لهم ، وهذا بيان لسان العرب ، فإن كل قوم في لسانهم ، الذي ~~يتكلمون به ms0220 أن الجد ولد ، كما أن ابن الابن ابن ، فهو داخل في الأمان ، ~~وهكذا في لسان الفارسية فإنه يقال للجد : بدر بدر ، كما يقال للحفيد : يسر ~~يسر ، والله سبحانه وتعالى الموفق . PageV01P335 # | باب المرأة من أهل الحرب # تخرج مع رجل من المسلمين فيقول : أسرتهم وهي تقول : جئت مستأمنة وإذا دخل ~~العسكر دار الحرب فخرج إليهم مسلم كان أسيرا ، أو كن مستأمنا فهيم ، أو كان ~~أسلم منهم والتحقق بجيش المسلمين ، ومعه حربية فقالت : جئت مستأمنة إليكم ، ~~وقال المسلم : جئت بها قهرا ، فهذا إنما يكون على ما جاءت عليه المرأة ، ~~فإن كانت مخلاة غير مربوطة تمشي معه حتى إذا انتهت إلى أدنى مسالح المسلمين ~~، نادت بالأمان أو لم تناد فهي آمنة ؛ لأن الظاهر شاهد لها ، فإنها جاءت ~~مجيء المستأمنات . ولو جاءت وحدها بهذه الصفة كانت آمنة ، فكذلك إذا صحبها ~~مسلم في الطريق ، لأنه بمجرد هذه الصحبة لا تثبت اليد عليها للمسلم فهي في ~~يد نفسها ، فالذي يسبق إلى فهم كل أحد أنها طاوعته في المجيء مستأمنة ، وقد ~~بينا أنه فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته يعتبر الظاهر وغالب الرأي . ~~PageV01P336 وإن كان الرجل جاء بها وهو قاهر لها قد ربطها فنادت بالأمان أو ~~لم تناد فهي فيء ؛ لأن الظاهر أنه هو الذي أسرها وأخرجها ، وقد كانت يده ~~بطريق القهر ثابتة عليها ، وذلك سبب لاستحقاقه نفسها ، فإنها حربية لا أمان ~~لها ، إلا أنه حين أحرزها بمنعة الجيش ، فالجيش شركاؤه فيها ، لأن الإحراز ~~بالدار حصل بهم جميعا . ولو لم يخرجها إلى عسكر المسلمين ولكن أخرجها إلى ~~دار الإسلام فهذا والأول سواء ، إلا في خصلة واحدة وهو أنه يختص بها هنا ~~إذا جاء به قاهرا لها ؛ لأنه تفرد بإحراز بدار الإسلام ، ولا خمس فيها ؛ ~~لأنه ما أصابها على وجه إعلاء كلمة الله تعالى فهو بمنزلة ما أخذه المتلصص ~~، وأحرزه بدار الإسلام . فإن قالت : تزوجته وخرجت معه ، وقال هو : كذبت بل ~~قهرتها وأخرجتها ، أو هي أمة اشتريتها ، ووهبت لي ، لم يصدق على شيء من ذلك ~~إذا جاءت معه مخلاة ms0221 ؛ لأنها في يد نفسها ، فإقرارها بأنه تزوجها ، غير مسقط ~~حكم يدها في نفسها فكانت مستأمنة ، إلا أن يأتي بها مقهورة ، يعرف قهره ~~إياها في دار الحرب ، فحينئذ يكون القول قوله ؛ لأن باعتبار ما ظهر من ~~القهر في موضعه سقط حكم يدها في نفسها . PageV01P337 وكذلك إذا جاء معه ~~برقيق فقالوا : نحن أحرار ، فقال هو : بل هم عبيدي ، وقد جاءوا معه غير ~~مقهورين ولا مربوطين فالقول قولهم سواء نادوا بالأمان حين انتهوا إلى مسالح ~~المسلمين أو لم ينادوا ، لأنهم لو جاءوا وحدهم بهذه الصفة كانوا آمنين . ~~فكذلك إذا جاءوا معه . فإن أقام عليهم ببينة من المسلمين ، أو من أهل الذمة ~~أو من المستأمنين عدول ، أنه كان أسرهم وقهرهم ، قبلت البينة وكانوا عبيدا ~~له ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الخصم . ولو أقروا أنه قهرهم في ~~دار الحرب ، أو علمنا ذلك معاينة كانوا عبيدا له ، وفي زعم الخصوم أنهم من ~~أهل الحرب مستأمنون ، وشهادة الحربي المستأمن على المستأمن مقبولة ، فلهذا ~~قبلت شهادة الكل ، وإن كان انتهى إلى أدنى مسالح المسلمين وليس بقاهر لهم ~~ولا يعلم أنهم في يده ، فنادوا بالأمان حيث ينادون به ، أو لم ينادوا ، فهم ~~آمنون لا سبيل عليهم ، كما لو جاءوا وليس معهم مسلم ، وإن لم ينادوا ~~بالأمان ، وكانوا رجالا ، ولم يظهر منهم أمر يدل على أنهم جاءوا مستأمنين ~~ولا يعلم PageV01P338 أنه قاهر لهم أيضا ، فهو بمنزلة حربي خرج إلى دارنا ~~بغير أمان ، وقد بينا الحكم في ذلك ، والحاصل أنه لما لم يكن له يد عليهم ~~حسا فهم في يد أنفسهم حقيقة وحكما ، كان خروجهم دونه في الحكم سواء ، ولو ~~كان هذا المسلم خرج ومعه امرأة ولم يستأمن لها ، فأراد المسلمون أخذها ~~لتكون فيئا ، فقال : هذه امرأتي ، وصدقته بذلك ، فهي امرأته ، لتصادقهما ~~على النكاح في حال لم يتقرر لأحد فيها حق ، وإذا ثبت النكاح كانت حرة ذمية ~~؛ لأنه حين خرج بها بناء على النكاح الذي بينهما فقد أمنها ، وأمان الواحد ~~من المسلمين بعدما خرج من قهر أهل الحرب كأمان جماعتهم ثم ms0222 هي مستأمنة تحت ~~مسلم ، فتصير ذمية بمنزلة المستأمنة في دارنا فتصير هي من أهل دارنا تبعا ~~له ، وكذلك لو خرج بسبي فقال : هؤلاء عبيدي وإمائي وصدقوا بذلك ، لأنهم ~~تصادقوا على ذلك قبل أن يثبت الحق فيهم للمسلمين ومعنى الحاجة والضرورة ~~يتحقق هاهنا ، فالمستأمن في دارهم أو الذي أسلم يخرج PageV01P339 عبيده ~~وزوجته ، ولا يمكنه أن يستصحب شاهدين مع نفسه أنهم له ، فلا بد من بناء ~~الحكم على قولهم إذا تصادقوا عليه ، وإن كذبوه كانوا فيئا ، لأنهم من أهل ~~الحرب دخلوا في دارنا بغير أمان ، وإن قالوا : نحن عبيد وإماء لأهل الحرب ~~خرجنا نريد الأمان ولسنا لهذا الرجل ، فإن كان قاهرا لهم حين أخرجهم فهم له ~~؛ لأنهم أقروا بالرق على أنفسهم وذلك يسقط اعتبار يدهم في أنفسهم وقد ظهر ~~سبب استحقاقه لهم وهو القهر في موضعه وإن لم يعلم أنهم في يده . ه ؛ لأنهم ~~أقروا بالرق على أنفسهم وذلك يسقط اعتبار يدهم في أنفسهم وقد ظهر سبب ~~استحقاقه لهم وهو القهر في موضعه وإن لم يعلم أنهم في يده . فإذا كانوا ~~نادوا بالأمان حين دنوا من أدنى المسالح فهم آمنون ؛ لأنه لم يثبت له سبب ~~الاستحقاق منهم ، وهو اليد القاهرة عليهم وقد نادوا بالأمان في موضعه ، ~~فالظاهر أنهم صادقون جاءوا مستأمنين ولو جاءوا بهذه الصفة وحدهم كانوا ~~آمنين ، على ما بينا زن المستأمنين لا يقدرون على طلب الأمان إلا بهذه ~~الصفة فكذلك إذا جاءوا معه ، وكذلك إن كان المسلمون يرونهم على موضع بعيد ~~لا يسمعون فيه النداء بالأمان ، فوقع في قلب المسلمين ، أنهم يريدون الأمان ~~، فلما بلغوا إلى الموضع الذي يسمع فيه النداء بالأمان نادوا أو لم ينادوا ~~فهم آمنون ؛ PageV01P340 لأنهم جاءوا منقادين وذلك دليل على أنهم طالبون ~~للأمان والدليل في مثل هذا كالصريح ، فإن زعموا أنهم عبيد لأهل الحرب فهم ~~عبيد كما ذكروا ، يمكنون من الرجال إلى مواليهم كما هو حكم الأمان ، وإن ~~قالوا : جئنا مراغمين لموالينا نريد الذمة أو نريد الإسلام فهم أحرار لا ~~سبيل لمواليهم عليهم ، ولو جاءوا مستأمنين ms0223 وأقاموا البينة من المسلمين على ~~ذلك فكذلك ؛ لأنهم أحرزوا أنفسه بدارنا على مواليهم ، ولو قهروا مواليهم ، ~~فأحرزوهم بدارنا ملكوهم ، فكذلك إذا أحرزوا أنفسهم يملكون رقابهم . ومن ملك ~~نفسه عقت ، ولا ولاء عليه لأحد لأنه عتق بملك نفسه ، والأصل فيه ما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الطائف : ' أيما عبد خرج إلينا مسلما فهو ~~حر ' ، فخرج إليه سبعة أعبد فأعتقهم ، وكانوا يسمون عتقاء الله ثم لا فرق ~~بين أن يخرجوا مسلمين أو ذمة ؛ لأن الذمي من أهل دارنا كالمسلم ، فيتم فيهم ~~إحراز أنفسهم بالطريقين . PageV01P341 وإن قدم مواليهم فزعموا أنهم أذنوا ~~لهم في الخروج إلى دار الإسلام للتجارة ، فالقول قول الموالي ؛ لأنهم ~~تصادقوا على أنهم كانوا مملوكين لهم ، ثم ادعوا سبب زوال ملك الموالي عنهم ~~، وهو المراغمة ، فلا يصدقون على ذلك إلا بحجة ، بمنزلة العبد يدعي أن ~~مولاه أعتقه ، وهذا لأن الموالي يتمسكون بما هو الأصل ، والأصل أن العبد ~~غير مراغم ، والقول قول من يتمسك بالأصل مع يمينه . فيستحلف الإمام الموالي ~~بالله إن طلب العبيد ذلك ، ثم إذا حلفوا أنهم عبيد لهم ، وإن كانوا أسلموا ~~أجبروا على بيعهم ؛ لأن العبد المسلم كما لا يترك في يد الذمي لا يترك في ~~يد الحربي ليرجع به إلى دار الحب ، وفي الإجبار على البيع هاهنا ، مراعاة ~~حق العبد من حيث إزالة ذلك الكافر عنه ، والمستأمن يؤخذ بمثال هذا كالذمي ، ~~فأما من صار منهم قبول الذمة مقصودا ، ألا ترى أن الحربي المستأمن في دارنا ~~إذا كان معه عبد أدخله مع نفسه ، فطلب العبد أن يكون ذمة لنا لا نجيبه إلى ~~ذلك ، فإن كان الإمام أخذ منه الخراج قبل رده على مولاه لأنه كسب عبده ، ~~ولا بأس بأن يأخذ منه الخراج قبل أن يأتي مولاه لأنه يبني الحكم على الظاهر ~~، وهو في الظاهر مصدق فيما يقول ما لم يأت من يكذبه ، PageV01P342 وهذا كله ~~إذا علم أنه كان عبدا له ، بحجة سوى إقراره وإن لم يعلم ذلك ، إلا بإقرار ~~العبد ، فإن كان حين نادى بالأمان ms0224 أو رآه المسلمون أخبر أنه عبد جاء غير ~~مراغم لمولاه صدق أيضا ، ودفع إلى مولاه ؛ لأنه أقر بذلك قبل أن يصير من ~~أهل دارنا ، وقبل أن يتعلق حق المسلمين به ، فلا تتمكن التهمة في إقراره . ~~ولو لم يكن أقر أنه عبد حتى صار ذمة وأخذ منه الخراج ثم جاء مستأمن فادعى ~~أنه عبده بعثه إلى دار الإسلام للتجارة بأمان ، وصدقه بذلك الذمي ، فإن ~~الإمام لا يصدقه على ما قبض من الخراج ليرده ، ولا على رقبته ليعيده إلى ~~دار الحرب ، ولكنه يجعله عبدا له بإقراره على نفسه ؛ لأن الإقرار خبر محتمل ~~بين الصدق والكذب ، فلا يكون حجة فيما يتمكن فيه التهمة ، فيكون حجة على ~~المقر فيما لا تهمة فيه ، وفي صيرورته ملكا للمقر له لا تهمة فيه ، فأما في ~~رده إلى دار الحرب ، فتتمكن التهمة لأنه صار من أهل دارنا ممنوعا من الرجوع ~~إلى دار الحرب ، فلعله واضع هذا الرجل حين لم يعجبه المقام في دارنا حتى ~~يقر له بالرق فيرده إلى دار الحرب وليس من ضرورة صيرورته عبدا له أن يتمكن ~~من رده إلى دار الحرب كما لو اشترى عبدا ذميا في دارنا أو أسلم عبده فيجبر ~~على بيعه ، ولا يمكن من أن يرده إلى دار الحرب ولا إشكال أن ما قبض منه من ~~الخراج قد صار حقا للمقاتلة فلا يصدق هو في إيجاب رد ذلك على الحربي . ~~PageV01P343 فإن أقام الحربي بينة من المسلمين على ما ادعى من الرق ، فإنه ~~يدعه ليرده إلى دار الحرب ويرد عليه ما أخذه من الخراج ؛ لأنه أثبت حقه بما ~~هو حجة على المسلمين . وإن شهد على ذلك قوم من أهل الحرب مستأمنون لم يقبل ~~شهادتهم ، ولم يقض عليهم بالرق إذا كان هو منكرا لذلك ؛ لأنه ذمي وشهادة ~~الحربي لا تكون حجة على الذمي . ه من الخراج ؛ لأنه أثبت حقه بما هو حجة ~~على المسلمين . وإن شهد على ذلك قوم من أهل الحرب مستأمنون لم يقبل شهادتهم ~~، ولم يقض عليهم بالرق إذا كان هو منكرا ms0225 لذلك ؛ لأنه ذمي وشهادة الحربي لا ~~تكون حجة على الذمي . وإن شهد عليه قوم من أهل الذمة جعله عبدا له ، لأن في ~~هذا الحكم الشهادة تقوم عليه ، وشهادة أهل الذمة حجة على الذمي . ولم تقبل ~~شهادتهم في رد الخراج عليه ولا في رده إلى دار الحرب ؛ لأن في هذا الحكم ~~الشهادة تقوم على المسلمين وشهادة أهل الذمة ليست بحجة على المسلمين ، وليس ~~من ضرورة ثبوت أحد الحكمين ثبوت الحكم الآخر ولو كان أسلم لم يقبل عليه إلا ~~شهود مسلمون فإذا قضي بشهادتهم جعله عبدا له وأجبره على بيعه ، كما لو أقر ~~العبد بذلك . قال : فإذا استأمن الحربي إلى أهل الإسلام فآمنوه فخرج معه ~~بامرأة وبأطفال صغار فقال : هذه امرأتي ، وهؤلاء ولدي PageV01P344 ولم يكن ~~ذكرهم في الأمان فالقياس في هذا أنهم فيء غيره ؛ لأنه طلب الأمان لنفسه دون ~~غيره ، وحكم الأمان لا يتعدى إلى من كان منفصلا عنه ، ولأنه لم يوجد منه ~~استئمان لهؤلاء إشارة ولا دلالة ولكن هذا قبيح ، فيجعلون جميعا آمنين ~~بأمانه استحسانا ؛ لأنه إنما يستأمن إلينا فرارا منهم لمعنى هو أعلم به ، ~~أو ليقيم في دارنا زمانا ويتجر بما يتم له ، هذا المقصود إذا خرج بزوجته ~~أولاده الصغار ، فإن قلت : المرء مع عياله ، فهذا دليل استئمانه لهم ، ثم ~~هم تبع له من حيث إنه يعولهم وينفق عليهم ، والتبع يصير مذكورا بذكر الأصل ~~، إلا إذا كان هناك عرف يمنع منه ، والعرف هنا مؤيد لهذا المعنى ، ألا ترى ~~أن الذمي في دارنا يؤدي الجزية ، ولا جزية على اتباعه وذراريه من النساء ~~وأولاده الصغار ؟ وكذلك لو جاء معه بسبي كثير فقال هؤلاء رقيقي وصدقوه ، أو ~~كانوا صغارا لا يعبرون عن أنفسهم أو كان معه دواب عليها متاع ومعها قوم ~~يسوقونها فقال : هؤلاء غلماني فصدقوه في ذلك كان مصدقا مع يمينه ، لما بينا ~~أن الظاهر شاهد له ، فإنه يستصحب ماله سواء جاء للتجارة أو على قصد الفرار ~~منهم ، ولو جاء وحده لا شيء معه هلك جوعا في دارنا وإنما طلب الأمان لنفسه ms0226 ~~، حتى يتمكن من القرار في دارنا زمانا ، فدخل ماله في ذلك تبعا ، ~~PageV01P345 إلا أن الإمام يستحلفه لتنتفي تهمة الكذب بيمينه ، ومن كذبه من ~~الرقاب ، الذين معه كان فيئا وجميع ما معه ؛ لأن الرق لم يثبت في حقه إذا ~~كذبه ، والتبعية في الأمان تبتنى على ذلك فكان هذا حرا حربيا في دارنا لا ~~أمان له ، فيكون فيئا مع ما معه . وإن قال : ليست الدواب دوابي ، ولا الذين ~~يسوقونها بغلماني ، ولكن المتاع متاعي ، استأجرتهم ، ليحمل ذلك معي فصدقوه ~~، فالقياس أنهم فيء ودوابهم ؛ لأنه لم يستأمن لهم ولا استأمنوا لأنفسهم ~~إشارة ولا دلالة . وفي الاستحسان هم آمنون مع دوابهم ؛ لأن المستأمن لا ~~يمكنه أن يأتي بالأمتعة إلى دارنا على ظهره ليجر فيها ، ولكن من عادة ~~التجار الكراء في مثل هذا وثبوت الأمان لهم من جملة حوائجه ، ومما يتم به ~~مقصوده فيتعدى حكم الأمان إليهم بهذا الطريق ، كما يتعدى إلى زوجته وولده ~~ويصير كأنه استأمن لهم ، وإن كان معه رجال فقال : هؤلاء أولادي فهم فيء ؛ ~~لأنهم أصول قد خرجوا بالبلوغ من أن يكونوا تبعا له من حكم الأمان كما أنهم ~~في حكم الذمة والإسلام لا يتبعونه ، وكان ينبغي لهم أن يستأمنوا لأنفسهم ، ~~فإذا لم يفعلوا كانوا فيئا ، PageV01P346 وإن كانوا صغارا يعبرون عن أنفسهم ~~فقال : هم ولدي وصدقوه فهم آمنون ؛ لأنهم أتباعه ما لم يبلغوا ، ألا ترى ~~أنهم يتبعونه في الذمة والإسلام وإن كانوا يعبرون عن أنفسهم ، فكذلك في ~~الأمان ، وإن كذبوه فهم فيء للمسلمين ؛ لأن نسبهم لا يثبت منه عند تكذيبهم ~~إذا كانوا يعبرون عن أنفسهم ، وقد زعموا أنهم صاروا فيئا حين دخلوا بغير ~~أمان ، وقول من يعبر عن نفسه في هذا مقبول ، وإن كان صغيرا كمجهول الحال ، ~~إذا أقر على نفسه بالرق لإنسان وصدقه المقر له وإن كان معه صغار لا يعبرون ~~عن أنفسهم فقال : سرقتهم من دار الحرب وأخرجتهم ، أو هم أيتام كانوا في ~~عيالي فأخرجتهم معين فهم له لا سبيل عليه ؛ لأن يده عليهم مستقرة إذا كانوا ~~لا يعبرون عن أنفسهم ms0227 فيجب قبول قوله فيهم ، وقد زعم أنه استولى عليهم في ~~دار الحرب بطريق السرقة ، فهم مماليكه وأتباع له ، أو أنهم في عياله أتباعه ~~بسبب إنفاقه عليهم ، وما كانوا يجيئون إلى دارنا إلا معه ، فهم بمنزلة أهله ~~. ولو خرج بنساء قد بلغن فقال : هؤلاء بناتي ، وصدقنه ، فهن فيء في القياس ~~؛ لأن معنى التبعية يزول ببلوغهن حتى لا يصرن مسلمات بإسلامه ، فهن بمنزلة ~~الذكور البالغين من أولاده . PageV01P347 وفي الاستحسان هن آمنات ، لأنهن ~~في عياله ونفقته ، ما لم يتحولن إلى بيوت الأزواج وبنى هذا الحكم على ~~الظاهر ، فالنساء لا يستأمن لأنفسهن عادة ، ولكن يكن مع آبائهن أو أزواجهن ~~، بخلاف الذكور من الأولاد ، لأن الذكور بعد الإدراك مقاتلة فلا يحصل ~~الأمان لهم إلا بالاستئمان مقصودا والنساء آمنات عن القتل ، وإنما حاجتهن ~~إلى الأمان لدفع الاسترقاق عن أنفسهن ، ويمكن إثبات ذلك لهن بالاتباع ~~لآبائهن في حكم الأمان . وعلى هذا الأمهات والجدات والأخوات والعمات ~~والخالات ومن معه منهن فهن آمنات ، تبعا له ، بخلاف الآباء والأجداد ، فإنه ~~لا يتبعه في الأمان أحد من المقاتلة إلا عبده ، وأجيره استحسانا ، لتحقق ~~حاجته إلى استصحابهم مع نفسه ، إما للتجارة فيهم ، أو لنقل أمتعة التجارة ~~بهم وكل من كان آمنا بأمانه نعلم أنه كما قال إذا ادعى ذلك وصدقه الآخر ، ~~فهو آمن ، لتصادقه عليه قبل ثبوت حق المسلمين فيه ، وإن كذبه ثم صدقه كان ~~فيئا ؛ لأن بتكذيبه يثبت حق المسلمين فيه ، فتصديقه بعد ذلك إبطال لحق ~~المسلمين ، وهو مناقض في ذلك وإن صدقه ثم كذبه كان فيئا أيضا ؛ لإقراره على ~~نفسه بثبوت حق الاسترقاق فيه ، وذلك مقبول منه . PageV01P348 إلا رقيقه ~~وأولاده الصغار الذين يعبرون عن أنفسهم ، أما رقيقه فلأن ملكه تقرر فيهم ~~بالتصديق ، فلا يبقى لهم قول في إبطال ملكه . وأما أولاده فقد ثبت نسبهم ~~بالتصديق وتأكدت حريتهم باعتبار أمانه ، ولا قول لهم بعد ذلك في الإقرار ~~بالرق على أنفسهم ، بمنزلة معروف النسب وحر الأصل إذا أقر بالرق على نفسه ، ~~وهو صغير يعبر عن نفسه ، فإنه لا يقبل قوله . أما ابنته ms0228 وزوجته وأخته وعمته ~~إذا كذبت بعد التصديق كانت فيئا لإقرارها بالرق على نفسها ، فإن قيل : فقد ~~ثبت نسب الابنة منه حين صدقته ، قلنا : نعم ، ولكن ليس من ضرورة ثبوت نسبها ~~منه بطلان إقرارها بالرق على نفسها ، والبالغة مقبولة القول فيما يضرها ، ~~بخلاف الصغير الذي يعبر عن نفسه ، فإنه مقبول القول فيما ينفعه لا فيما ~~يضره ، ولا يمكن إثبات الرق بإقرار بعدما ظهرت حريته بتصديقه ، فإن قيل : ~~أليس أن هذا الصغير لو كان في يد رجل وهو مجهول الحال ، فأقر بأنه عبده كان ~~عبدا له ؟ قلنا : نعم ، ولكن لا بإقراره بل بدعوى ذلك الرجل ، إلا أن من ~~يعبر عن نفسه ، لم تكن يد الغير مستقرة عليه ، فإذا ادعى أنه حر وجب الأخذ ~~بقوله ، وحين قال : أنا عبد له ، فقد تقررت يد ذي اليد عليه ، فيثبت الق ~~بدعوا ذي اليد ، وباعتبار يده ، كما لو كان ممن لا يعبر عن نفسه ، فأما أن ~~ثبت الرق بإقراره ، فلا ؛ لأن إقرار الصبي بما يتردد بين النفع والضر لا ~~يصح فكيف يصح إقراره بما يضره . ولو أن المسلمين حاصروا حصنا فطلب إليهم ~~رجل الأمان PageV01P349 على أن ينزل إليهم ، فأعطوه ذلك ، فخرج ومعه امرأته ~~وولده الصغار ورقيقه وماله فذلك كله فيء غيره ؛ لأن هذا قد صار مقهورا ~~خائفا على نفسه ، وإنما يطلب الأمان لينجو بنفسه ، وفي تحصيل هذا المقصود ~~لا حاجة إلى اتباع شيء من هؤلاء معه بخلاف الأول فإنه كان في داره غير خائف ~~، وإنما استأمن إلى دارنا ليسكن فيها ، ويتجر ، ولا يتم له هذا المقصود إلا ~~باستصحاب هؤلاء . عياله ونفقته ، ما لم يتحولن إلى بيوت الأزواج وبنى هذا ~~الحكم على الظاهر ، فالنساء لا يستأمن لأنفسهن عادة ، ولكن يكن مع آبائهن ~~أو أزواجهن ، بخلاف الذكور من الأولاد ، لأن الذكور بعد الإدراك مقاتلة فلا ~~يحصل الأمان لهم إلا بالاستئمان مقصودا والنساء آمنات عن القتل ، وإنما ~~حاجتهن إلى الأمان لدفع الاسترقاق عن أنفسهن ، ويمكن إثبات ذلك لهن ~~بالاتباع لآبائهن في حكم الأمان . وعلى هذا الأمهات والجدات والأخوات ~~والعمات ms0229 والخالات ومن معه منهن فهن آمنات ، تبعا له ، بخلاف الآباء ~~والأجداد ، فإنه لا يتبعه في الأمان أحد من المقاتلة إلا عبده ، وأجيره ~~استحسانا ، لتحقق حاجته إلى استصحابهم مع نفسه ، إما للتجارة فيهم ، أو ~~لنقل أمتعة التجارة بهم وكل من كان آمنا بأمانه نعلم أنه كما قال إذا ادعى ~~ذلك وصدقه الآخر ، فهو آمن ، لتصادقه عليه قبل ثبوت حق المسلمين فيه ، وإن ~~كذبه ثم صدقه كان فيئا ؛ لأن بتكذيبه يثبت حق المسلمين فيه ، فتصديقه بعد ~~ذلك إبطال لحق المسلمين ، وهو مناقض في ذلك وإن صدقه ثم كذبه كان فيئا أيضا ~~؛ لإقراره على نفسه بثبوت حق الاسترقاق فيه ، وذلك مقبول منه . إلا رقيقه ~~وأولاده الصغار الذين يعبرون عن أنفسهم ، أما رقيقه فلأن ملكه تقرر فيهم ~~بالتصديق ، فلا يبقى لهم قول في إبطال ملكه . وأما أولاده فقد ثبت نسبهم ~~بالتصديق وتأكدت حريتهم باعتبار أمانه ، ولا قول لهم بعد ذلك في الإقرار ~~بالرق على أنفسهم ، بمنزلة معروف النسب وحر الأصل إذا أقر بالرق على نفسه ، ~~وهو صغير يعبر عن نفسه ، فإنه لا يقبل قوله . أما ابنته وزوجته وأخته وعمته ~~إذا كذبت بعد التصديق كانت فيئا لإقرارها بالرق على نفسها ، فإن قيل : فقد ~~ثبت نسب الابنة منه حين صدقته ، قلنا : نعم ، ولكن ليس من ضرورة ثبوت نسبها ~~منه بطلان إقرارها بالرق على نفسها ، والبالغة مقبولة القول فيما يضرها ، ~~بخلاف الصغير الذي يعبر عن نفسه ، فإنه مقبول القول فيما ينفعه لا فيما ~~يضره ، ولا يمكن إثبات الرق بإقرار بعدما ظهرت حريته بتصديقه ، فإن قيل : ~~أليس أن هذا الصغير لو كان في يد رجل وهو مجهول الحال ، فأقر بأنه عبده كان ~~عبدا له ؟ قلنا : نعم ، ولكن لا بإقراره بل بدعوى ذلك الرجل ، إلا أن من ~~يعبر عن نفسه ، لم تكن يد الغير مستقرة عليه ، فإذا ادعى أنه حر وجب الأخذ ~~بقوله ، وحين قال : أنا عبد له ، فقد تقررت يد ذي اليد عليه ، فيثبت الق ~~بدعوا ذي اليد ، وباعتبار يده ، كما لو كان ممن لا يعبر عن نفسه ms0230 ، فأما أن ~~ثبت الرق بإقراره ، فلا ؛ لأن إقرار الصبي بما يتردد بين النفع والضر لا ~~يصح فكيف يصح إقراره بما يضره . ولو أن المسلمين حاصروا حصنا فطلب إليهم ~~رجل الأمان على أن ينزل إليهم ، فأعطوه ذلك ، فخرج ومعه امرأته وولده ~~الصغار ورقيقه وماله فذلك كله فيء غيره ؛ لأن هذا قد صار مقهورا خائفا على ~~نفسه ، وإنما يطلب الأمان لينجو بنفسه ، وفي تحصيل هذا المقصود لا حاجة إلى ~~اتباع شيء من هؤلاء معه بخلاف الأول فإنه كان في داره غير خائف ، وإنما ~~استأمن إلى دارنا ليسكن فيها ، ويتجر ، ولا يتم له هذا المقصود إلا ~~باستصحاب هؤلاء . والثاني : أن حق المسلمين قد ثبت في جميع ما في الحصن هنا ~~، فإن المحصور كالمأخوذ ، فلهذا يتوقف حكم تصرفاته فالحاجة إلى إبطال حق ~~المسلمين عنهم بعدما ثبت ، وذلك بالنص يكون لا بدلالة الحال ، فأما الذي ~~استأمن إلى دارنا لم يثبت حق المسلمين فيمن استصحبهم معه ، وإنما حاجتهم ~~إلى منع ثبوت حق الاسترقاق فيهم ودلالة الحال يكفي لذلك ، ولكن هذا المحصور ~~إن خرج إلينا بسلاح كما يلبس الناس ، راكبا على دابة ، ومعه نقد بقدر نفقته ~~في حقويه ، فذلك سالم له استحسانا لأنه لا يمكنه أن يخرج عريانا ، ولو فعل ~~ذلك أنكرنا ما عليه ، ويحتاج إلى لبس السلاح أيضا ليرى أصحابه أنه يخرج إلى ~~القتال ، أو يدفع شرهم عن نفسه إن روموه بعدما خرج ، وربما لا يمكنه أن ~~يمشي فيحتاج إلى أن يخرج راكبا على دابته ، ويحتاج إلى نفقته أيضا لأنه ~~يعلم أنه لا يعطي شيئا في عسكر المسلمين ، فإنه يكفيه منهم أن ينجو رأسا ~~برأس ، ولو لم يستصحب نفقته مات جوعا ، فلا يحصل مقصوده ، فباعتبار هذا ~~المعنى يصير هذا القدر مستثنى من جملة ما يستصحبه مع نفسه ، فيسلم له ، كما ~~أن الطعام والكسوة مما يشتريه كل واحد من المتفاوضين يصير مستثنى عن مقتضى ~~الشركة لعلمنا بوقوع الحاجة إليه استحسانا . PageV01P350 ثم أوضح الفرق بين ~~المحصور وبين الذي جاء مستأمنا إلى دارنا فقال : ألا ترى أن المحصور لو ms0231 ~~نادى بالأمان وانحط إلى المسلمين من غير أن يؤمنوه كان فيئا ، والذي جاء ~~إلى أدنى مسالح المسلمين إذا نادى بالأمان ولم يقل المسلمون له شيئا كان ~~آمنا فبهذا تبين أن الدلالة هاهنا تكفي وفي المحصور لا . ولو أن المسلمين ~~أمنوا رجلا في الحصن ولم يذكر خروجه إليهم لأمر ينتفع به المسلمون من دلالة ~~أو غيرها فهو آمن على نفسه وماله وأولاده الصغار ؛ لأنهم أمنوه ليسكن في ~~موضعه ؛ وإنما يتأتى له السكنى بهذه الأشياء فيتبعونه في الأمان بخلاف ~~النازل من الحصن فإنه استأمن لينجو بنفسه . ولو تقدمت مسالح المسلمين إلى ~~أهل الحرب أن من استأمن منكم إلى دارنا أو إلى عسكرنا في تجارة فهو آمن ~~وحده دون ما يأتي به فعلموا بذلك ، فمن جاء منهم بعد ذلك بسبي لم يبينه ~~للمسلمين فهو فيء كله لا يسلم له إلا ما يسلم للمحصور الذي يخرج استحسانا ؛ ~~لأنهم قد نبذوا إليهم الأمان فيما يأتون به ، وإذا كان النبذ بعد الأمان ~~يرفع حكم الأمان فاقترانه يمنع ثبوت حكمه ، ولأنا إنما كنا نثبت الأمان له ~~، فيما يأتي به بطريق الدلالة ، ولا دلالة مع التصريح بخلافه ، ألا ترى ~~أنهم PageV01P351 لو أعلموهم أنه لا أمان لمن جاء منهم بطلب الأمان ثم ~~جاءوا بعد ذلك لم يأمنوا ، إلا أن يعطيهم المسلمون الأمان ، فعرفنا بأن ~~حالهم بعد هذا النبذ كحال المحصور . ولو خرج مسلم من دار الحرب ومعه حربي ~~ينادي بالأمان ، ومعهما مال ، فهو في أيديهما أو على دابة ممسكان لها ، ~~فقال المسلم : هذا عبدي والمال والدابة لي ، وقال المستأمن : كذب ، بل جئت ~~مستأمنا ، والمال مالي ، فإن كان الحربي مقهورا برباط أو غيره فالقول قول ~~المسلم ؛ لأنه صار عبدا له حين جاء به مقهورا ، وليس لعبد يد معارضة ليد ~~مولاه في المال . وإن كان غير مقهور فهو حر مستأمن ؛ لكون الظاهر شاهدا له ~~، ثم يد كل واحد منهما في المال معارضة ليد صاحبه ، فيكون المال والدابة ~~بينهما نصفين ، وإن كان أحدهما راكبا عليها والآخر ممسكا بلجامها ، فاليد ~~للراكب دون الممسك ms0232 باللجام أيهما كان ؛ لأن المركوب نفع للراكب ، وما على ~~الدابة فهو في يد من في يده الدابة . وكذلك إن كان ثوبا وأحدهما لابسه ~~والآخر ممسك به فالثوب للابس دون الممسك به ، فهو أحق به ، PageV01P352 ~~وكذلك اليد للراكب دون السائق والقائد للدابة فإذا كان المال في يد أحدهما ~~، فالقول فيه قوله دون صاحبه ، وإن كان أحدهما يقود الدابة والآخر يسوقها ~~فالدابة والمال للقائد ؛ لأنه ممسك بلجام الدابة فهي وما عليها في يده دون ~~السائق . فإن كانا خرجا إلى معسكرنا في دار الحرب فقال المستأمن : هو مالي ~~، وقال المسلم : هو مالي وهبه لي أهل الحرب أو اغتصبته منهم ، وقد كان ~~المسلم أسيرا فيهم ، فإن المال في أيديهما فنصفه للمستأمن باعتبار يده ، ~~ونصفه فيء لجماعة العسكر ؛ لأن هذا النصف في يد الأسير وقد أحرزه بمنعة ~~الجيش فهو فيما يدعى في الهبة يريد إبطال حق جيش المسلمين في المشاركة معه ~~. ولا يصدق على ذلك إلا ببينة من المسلمين ، فإن أقام بينة من أهل الذمة أو ~~من المستأمنين على ما ادعى ، قضي له على المستأمن بجميع المال ؛ لأن ما ~~أقام من البينة حجة على المستأمن . وذلك يكون كله فيئا لجماعة العسكر وهو ~~فيهم ؛ لأن ما أقام من البينة ليس بحجة في إبطال حق المسلمين فلا يثبت ما ~~ادعى من الهبة والصدقة في حق المسلمين ، PageV01P353 وإن شهد له بذلك قوم ~~من المسلمين ، فالمال سالم له ؛ لأنه أثبت ما ادعى بما هو حجة على المسلمين ~~فيجعل كالثابت معاينة . وإن كان المال في يد المستأمنين خاصة وشهد المسلمون ~~أنه كان للأسير تصدق به عليه ، وأنه أودعه هذا المستأمنين خاصة وشهد ~~المسمون أنه كان للأسير تصدق به عليه ، وأنه أودعه هذا المستأمن ، فإن ~~شهدوا أنه أودعه إياه في منعة أهل الإسلام رد المال عليه ، لأن الثابت ~~بالبينة كالثابت معاينة . وإن شهدوا أنه أودعه إياه في منعة أهل الحرب لم ~~يقض على المستأمن بشيء من ذلك ؛ لأن هذا سبب كان بينهما بالتراضي في دار ~~الحرب ، ألا ترى أن مسلما ومستأمنا ms0233 لو دخلا دار الإسلام فادعى أحدهما على ~~صاحبه أنه أدانه دينا في دار الحرب ، ألا ترى أن مسلما ومستأمنا لو دخلا ~~دار الإسلام فادعى أحدهما على صاحبه أنه أدانه دينا في دار الحرب أو أودعه ~~وديعة وأقام بينة مسلمين على ذلك لم يقض القاضي بينهما بشيء ، إلا أن يسلم ~~المستأمن أو يصير ذميا ، فحينئذ يسمع خصومة كل واحد منهما على صاحبه ، لأنه ~~صار من أهل دارنا ملتزما لأحكامنا وكذلك لو أن مستأمنين في دارنا ادعى ~~أحدهما على صاحبه دينا أو وديعة ، فإن كانت المعاملة بينهما في دارنا تسمع ~~الخصومة ؛ لأنه مأمور بالإنصاف والنظر بينهما مدة مقامهما في دارنا ، ~~PageV01P354 وإن كانت المعاملة في دار الحرب ، لم تسمع الخصومة في ذلك ، ~~إلا أن يسلما أو يصيرا ذمة ، وبعد ذلك إن ادعى أحدهما على صاحبه أنه غصبه ~~شيئا في دار الحرب لم تسمع هذه الخصومة أيضا ؛ لأنها دار نهبة فكل من ~~استولى على شيء ثم أسلم عليه أو صار ذميا كان سالما له ، بخلاف الدين ~~والوديعة ، فإن ذلك كانت معاملة جرت بينهما بالتراضي ، فتسمع الخصومة فيهما ~~بعد ما صارا من أهل دارنا . ة أو من المستأمنين على ما ادعى ، قضي له على ~~المستأمن بجميع المال ؛ لأن ما أقام من البينة حجة على المستأمن . وذلك ~~يكون كله فيئا لجماعة العسكر وهو فيهم ؛ لأن ما أقام من البينة ليس بحجة في ~~إبطال حق المسلمين فلا يثبت ما ادعى من الهبة والصدقة في حق المسلمين ، وإن ~~شهد له بذلك قوم من المسلمين ، فالمال سالم له ؛ لأنه أثبت ما ادعى بما هو ~~حجة على المسلمين فيجعل كالثابت معاينة . وإن كان المال في يد المستأمنين ~~خاصة وشهد المسلمون أنه كان للأسير تصدق به عليه ، وأنه أودعه هذا ~~المستأمنين خاصة وشهد المسمون أنه كان للأسير تصدق به عليه ، وأنه أودعه ~~هذا المستأمن ، فإن شهدوا أنه أودعه إياه في منعة أهل الإسلام رد المال ~~عليه ، لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة . وإن شهدوا أنه أودعه إياه في ~~منعة أهل الحرب لم ms0234 يقض على المستأمن بشيء من ذلك ؛ لأن هذا سبب كان بينهما ~~بالتراضي في دار الحرب ، ألا ترى أن مسلما ومستأمنا لو دخلا دار الإسلام ~~فادعى أحدهما على صاحبه أنه أدانه دينا في دار الحرب ، ألا ترى أن مسلما ~~ومستأمنا لو دخلا دار الإسلام فادعى أحدهما على صاحبه أنه أدانه دينا في ~~دار الحرب أو أودعه وديعة وأقام بينة مسلمين على ذلك لم يقض القاضي بينهما ~~بشيء ، إلا أن يسلم المستأمن أو يصير ذميا ، فحينئذ يسمع خصومة كل واحد ~~منهما على صاحبه ، لأنه صار من أهل دارنا ملتزما لأحكامنا وكذلك لو أن ~~مستأمنين في دارنا ادعى أحدهما على صاحبه دينا أو وديعة ، فإن كانت ~~المعاملة بينهما في دارنا تسمع الخصومة ؛ لأنه مأمور بالإنصاف والنظر ~~بينهما مدة مقامهما في دارنا ، وإن كانت المعاملة في دار الحرب ، لم تسمع ~~الخصومة في ذلك ، إلا أن يسلما أو يصيرا ذمة ، وبعد ذلك إن ادعى أحدهما على ~~صاحبه أنه غصبه شيئا في دار الحرب لم تسمع هذه الخصومة أيضا ؛ لأنها دار ~~نهبة فكل من استولى على شيء ثم أسلم عليه أو صار ذميا كان سالما له ، بخلاف ~~الدين والوديعة ، فإن ذلك كانت معاملة جرت بينهما بالتراضي ، فتسمع الخصومة ~~فيهما بعد ما صارا من أهل دارنا . وكذلك المسلم والمستأمن إذا خرجا وقد عصب ~~أحدهما صاحبه شيئا قائما بعينه ، ثم أسلم المستأمن ، لم يسمع القاضي ~~الخصومة في ذلك ؛ لأن المسلم إن كان هو الغاصب فقد استولى على مال المباح ~~والحربي إن كان هو الغاصب فقد تم إحرازه له ، بخلاف الدين والوديعة ، فإن ~~الاستيلاء والإحراز فيه لا يتحقق فتسمع الخصومة فيه لهذا ، ولو خرج المسلم ~~والمستأمن وفي أيديهما بغل عليه مال كل واحد منهما يقول : مالي وفي يدي ، ~~فقامت لأحدهما بينة من المسلمين . قضى القاضي به له ، لأنه نور دعواه ~~بالحجة ، وتبين بهذه المسألة خطأ بعض مشايخنا فيما قال : إن كل واحد من ~~المتداعيين إذا قال ملكي وفي يدي لا يسمع القاضي هذه الخصومة ويقول : إذا ~~كان ملكك في ms0235 يدك فماذا تطلب مني ؟ فقد نص هنا على قبول البينة من أحدهما ، ~~ووجهه أنه محتاج إليها لدفع منازعة الآخر ، والبينة لهذا المقصود مقبولة ، ~~وهو يقول للقاضي : أطلب منك أن تمنعه من مزاحمتي وتقرره في يدي ، ~~PageV01P355 فإن قيل لماذا لم يجعل هذا بمنزلة ما لو كان في يد أحدهما ، ~~فإن هناك لا تسمع الخصومة فيه ، وهنا في يد كل واحد منهما نصفه فينبغي أن ~~لا تسمع الخصومة بينهما فيه ما لم يصر المستأمن من أهل دارنا ؟ قلنا : في ~~هذا الموضع يدعي كل واحد منهما أنه في يده في دار الإسلام أو في عسكر ~~المسلمين ، فلا بد من أن يسمع الخصومة فيه بينهما بمنزلة ما لو ادعى أحدهما ~~على صاحبه أنه أخذه منه في دار الإسلام فإن شهدت الشهود أن الغصب وثب في ~~منعة أهل الحرب حتى تعلق بالبغل مع صاحبه قبل أن يستأمنا ، فإنه يسمع هذه ~~الخصومة أيضا ويقضي به لصاحبه ؛ لأنه لم يخرج من يد صاحبه ولم يحرزه غاصبه ~~ما دامت يد صاحبه معارضة ليده ، بخلاف ما إذا أخرجه نم يد صاحبه في منعة ~~أهل الحرب ، لأن هناك قد تم زوال يد صاحبه ، وقد تم الإحراز من الغاصب له ، ~~فلهذا لا يقضي للمغصوب منه عليه بشيء وإن أسلما . وإن قال المسلم الذي كان ~~أسيرا في دارهم : هذا البغل وهذا المال كان لهذا المستأمن أخذته منه في دار ~~الحرب ، أو بعد ما خرجنا ، وقال المستأمن : البغل وما عليه لي وهذا كاذب ، ~~والبغل في أيديهما ، ففي القياس نصفه للمستأمن باعتبار يده ، ونصفه فيء ~~لأهل العسكر إذا أخرجه إليهم ، لأن الأسير بإقراره يريد إبطال حق أهل ~~العسكر بعدما ثبت حقهم وهو غير مقبول القول في حقهم ، وفي الاستحسان يكون ~~ذلك كله للمستأمن ؛ PageV01P356 لأن حق أهل العسكر إنما ثبت باعتبار يد ~~الأسير ، ولا بد من قبول قول الأسير في بيان جهة ثبوت يده على هذا المال ، ~~وقد ثبت بقوله : إن أصل المال كان للمستأمن فما بقيت يده لا تتقرر يد ~~الأسير عليه فلا يكون ms0236 محرزا له ، فلهذا كان للمستأمن ، سواء خرجا إلى ~~المعسكر أو إلى دار الإسلام ، ولو كان ذلك في يد الأسير خاصة والمسألة ~~بحالها ، فإن صدقه المستأمن أنه أخذه منه في دار الحرب فلا سبيل للمستأمن ~~عليه ؛ لأنه قد تم استيلاء المسلم عليه حين انقطع يد المستأمن عنه ، فإن ~~أخرجه إلى المعسكر فهو فيء لجماعتهم ، ون أخرجه إلى دار الإسلام فهو له ~~خاصة ، بمنزلة ما يخرجه المتلصص ، ولا خمس فيه . وإن قال المستأمن : إنما ~~أخذه مني في منعة المسلمين فالقول قول المستأمن ؛ لأنهما تصادقا أن أصل ~~الملك كان للمستأمن ، وبأمانه صار ملكه مغصوبا محترما ، فالأسير يدعي سبب ~~تملك ماله عليه ، وهو منكر ، فالقول قوله مع يمينه بالله ، ولأن أخذه من ~~المستأمن حادث ، فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات وهو ما بعد حصولهما في دار ~~الإسلام ، كمن ادعى تاريخا سابقا في الآخذ لا يقبل في قوله من غير حجة ، ~~والله سبحانه هو الموفق . PageV01P357 # | باب ما يكون أمانا وما لا يكون # وإذا حاصر المسلمون حصنا في دار الحرب ، فناداهم رجل من المسلمين فقال : ~~أنتم آمنون ، وكان نداؤه إياهم في موضع لا يسمعون ذلك فليس هذا بأمان ؛ لأن ~~المقصود من الكلام إسماع المخاطب ، فإذا علم أنهم لا يسمعون كلامه كان ~~لاغيا في كلامه لا معطيا الأمان لهم ، ولو كان هذا أمانا لكان الواحد من ~~المسلمين في هذه البلدة يؤمن الروم والترك والهند فلا يسع للمسلمين قتالهم ~~حتى ينبذوا إليهم فكل أحد يعرف أن هذا ليس بشيء ، فإن قيل : في الأمان ~~إسقاط الحد أو تحريم القتل والاسترقاق وهذا يتم بالمتكلم به وحده بمنزلة ~~الطلاق والعتاق ، قلنا : لا كذلك ، بل فيه إثبات صفة الأمن لهم بكلام ، ألا ~~ترى أنهم لو ردوا أمانه لم يثبت الأمان ، ولا يكون إثبات صفة الأمن لهم ~~بكلامه في موضع يعلم أنهم لا يسمعونه ، ولو ناداهم بالأمان بحيث يسمعون ~~الكلام وهو النداء إلا أن العلم قد أحاط أنهم لم يسمعوا ، بأن كانوا نياما ~~أو متشاغلين بالحرب ، كان ذلك أمانا ، حتى لا يحل قتالهم إلا ms0237 بعد النبذ ~~إليهم ؛ PageV01P358 لأن حقيقة سماعهم باطن يتعذر الوقوف عليه ، وفي مثله ~~إنما يتعلق الحكم بالسبب الظاهر الدال عليه وهو أن يكون منهم بحيث يسمعون ~~نداءه ، وإذا قام السبب الظاهر مقام المعنى الباطن دار الحكم معه وجودا ~~وعدما ، وهذا لأن التحرز عن الغرور واجب ومعنى الغرور يتمكن إذا كان ~~المنادي منهم بحيث يسمعون نداءه ولا يتحقق ذلك إذا كان المنادي منهم بحيث ~~لا يسمعون نداءه ، قال : ألا ترى أنك لو انتهيت إلى رجل منهم نائما على ~~فراشه فناديته بالأمان وأنت قريب منه بحيث يسمع كلامك ، فلم يسمع ذلك لنومه ~~أو لصمم كان به ، فإنه يكون ذلك أمانا ، وهذا على أصل أبي حنيفة أظهر ، ~~لأنه يجعل النائم كالمنتبه ، على ما قال في مسألة الخلوة والصيد الذي يقع ~~عند النائم ، وقال في كتاب الإيمان : إذا حلف لا يكلم فلانا فناداه أو ~~أيقظه فهو حانث في يمينه ، وفي بعض النسخ : فناداه وأيقظه ، وبهذه المسألة ~~تبين أنه سواء أيقظه أو لم يوقظه إذا ناداه وهو منه بحيث يسمع كلامه ، فإنه ~~يكن متكلما له . ولو كتب كتابا فيه أمان ورمى به إليهم فنزلوا على ذلك ~~كانوا آمنين ؛ PageV01P359 لأن الكتاب أحد اللسانين ، فإن البيان بالبيان ~~كهو باللسان ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتبليغ ~~الرسالة ثم كتب إلى الآفاق وكان ذلك تبليغا منه ، ولأنهم لما وقفوا على ما ~~في الكتاب نزلوا على ذلك ، فلو لم يجعل ذلك أمانا لأدى إلى الغرور وقد بينا ~~فيه حديث عمر رضي الله عنه وإن وجدوا كتابا فيه أمان لم يرم به إليهم أحد ~~فليس هذا بأمان ؛ لأن الكتاب جماد لا يتصور منه الأمان ، وإنما يكون من ~~الكاتب ، وهو غير معلوم ، والأمان من المجهول لا يتحقق ، ثم لعل الكتاب ~~مفتعل ، أو كتبه بعض من لا يصح أمانه من أهل الذمة ، فلهذا لا يثبت الأمان ~~لهم حتى يعلم أن الرامي به مسلم ببينة تقوم من المسلمين على ذلك ، لأن حق ~~المسلمين قد ثبت في استرقاقهم ، وهذه البينة تقوم ms0238 لإبطال حقهم . فإن قال ~~مسلم : أنا رميت به إليهم ، فإن كان قال ذلك قبل أن يظفر بهم المسلمون ، ~~فهو مصدق ؛ لأنه أخبر بما يملك إنشاءه ولا تتمكن التهمة في خبره ، ولأن حق ~~المسلمين لم يتقرر فيهم بعد ، فيكون تأثير كلامه في منع ثبوت حق المسلمين ~~فيهم والواحد من المسلمين يملك ذلك . وإن قال ذلك بعدما أعطى القوم بأيديهم ~~لم يصدق على ذلك ، حتى يشهد الشاهدان من المسلمين سواء أنه رمى إليهم ، ~~PageV01P360 لأنه أخبر بما لا يملك إنشاءه وقصد بإخباره إبطال حق ثابت ~~للمسلمين فيهم ، فلا يقبل قوله على ذلك ولا شهادته لأنه شهد على فعل نفسه ~~وذلك دعوى لا شهادة . فإن شهد سواه مسلمان ، يثبت الأمان لهم ، وردوا حتى ~~يبلغوا مأمنهم ، وإن لم يقم بينة فقسموا ووقع بعضهم في سهم المقر ، كان حرا ~~لإقراره بحريته وكونه أمنا وإقراره على نفسه في ملكه صحيح ، إلا أنه لا ~~يترك ليرجع إلى دار الحرب ؛ لأن احتباسه في دارنا على التأبيد من حق ~~المسلمين وإقراره عليهم غير مقبول . فيجعل ذميا إن أبى أن يسلم ؛ لأن من ~~احتبس في دارنا على التأبيد يضرب عليه الجزية ، بمنزلة الذمي على ما يأتيك ~~بيانه ، وكذلك لو رأى الإمام بيعهم فاشتراهم المقر بالأمان فعليه الثمن ؛ ~~لأنهم في الظاهر أرقاء ثم يكونون أحرارا في يديه ، بمنزلة من اشترى عبدا قد ~~أقر بحريته ، ولا يمكنون من الرجوع إلى دار الحرب لما بينا . ولو أن مسلما ~~قال للمحصورين : إن الأمير قد أمنكم هو كاذب في مقالته ، ففتحوا حصنهم ~~كانوا آمنين ؛ PageV01P361 لأنه أخبرهم بأمان صحيح وهو يملك إنشاء مثله ، ~~فيكون إخباره به إظهارا لأمان سابق إن كان ، وإنشاء إن لم يكن سبق الأمان ، ~~بمنزلة قضاء القاضي في العقود على أصل أبي حنيفة ، ثم مقتضى كلامه أنتم ~~آمنون بأمان الأمير فافتحوا الباب . ولو صرح بهذا كانوا آمنين بأمانه ، ~~فكذلك إذا ثبت بمقتضى كلامه وإن كان المخبر بذلك لهم ذميا أو مستأمنا كانوا ~~فيئا ؛ لأن المخبر به إذا كان كذبا فبالإخبار لا يصير صدقا ، ولا ms0239 يمكن أن ~~يجعل هذا أمانا من جهته ، بمقتضى كلامه ، لأنه لا يملك إنشاء الأمان وإن ~~كان الأمير قال : أمنتهم في مجلسه فلم يبلغهم ذلك حتى نهاهم الأمير أن ~~يبلغوهم ، فذهب رجل سمع ذلك من الأمير فأبلغهم إياه ، فإن كان الذي قال لهم ~~ذلك مسلم فهم آمنون ؛ لأنه لو كان كاذبا في أصل الخبر كانوا آمنين من جهته ~~كما بينا ، فإذا كان صادقا في أصل الخبر إلا أنه أخبر به بعد نهي الأمير ~~أولى أن يكونوا آمنين ، فإن أبلغهم ذمي ذلك ، فإن كان سمع مقالة الأمير ~~الأولى ، ولم يسمع مقالته الثانية ، فالقوم آمنون ؛ لأن قول الإمام ذلك في ~~مجلسه أمر لكل سامع بالتبليغ إليهم دلالة والثابت بالدلالة كالثابت ~~بالإفصاح وبعد ثبوت ولاية التبليغ للسامع لا ينعزل ما لم يبلغه النهي ، ~~بمنزلة عزل الوكيل والحجر على العبد المأذون لا يثبت في حقه ما لم يعلم به ~~، فكان هذا مبلغا أمان الإمام إليهم بأمره ، وعبارة الرسول في مثل هذا ~~كعبارة المرسل PageV01P362 وإن كان سمع المقالتين جميعا والمسألة بحالها ~~فهم فيء ؛ لأنه حين بلغه النهي صار معزولا عن التبليغ وارتفع حكم ذلك الأمر ~~في حقه ، وهذا لأن النهي بمنزلة النبذ لذلك الأمان إلا أنه كان بعد وصول ~~الأمان إليهم لا يثبت النبذ في حقهم ما لم يعلموا به ، فإن كان قبل الوصول ~~إليهم يثبت حكمه قبل علمهم به ، ألا ترى أن من أذن لعبده في أهل سوقه ، ثم ~~حجر عليه في بيته لا ينحجر ما لم يعلم به أهل سوقه ، ولو أذن له في بيته ثم ~~حجر عليه قبل أن يعلم أهل سوقه بالإذن كان ذلك حجرا ، وعلى هذا لو قال ~~الأمير لذمي : اذهب فأخبرهم أني قد أمنتهم ، ثم قال له : ارجع ولا تخبرهم ~~أو كان كاتبه ذميا ، فقال : اكتب إليهم بأمانهم فأعلمهم ، ثم قال : لا تكتب ~~، فكتب إليهم بعد ذلك ، فنزلوا ، كانوا فيئا ولو لم ينه الرسول والكاتب عن ~~ذلك أو نهاه ولم يسمع حتى كتب إليهم ، أو بلغهم فنزلوا ، كانوا آمنين ، ~~والفقه ms0240 في الكل التحرز عن صورة الغرور وحقيقته . ولو أن مسلما قال لأهل ~~الحصن : إن هذا الرجل قد أمنكم وأشار إلى شخص معه فنزلوا فإذا المحكي عنه ~~ذمي أو مستأمن فهم فيء ، صدق عليه أو كذب ؛ PageV01P363 لأنه أخبرهم بأمان ~~باطل فلا يصير به معطيا أمانا صحيحا لهم وهو لم يغرهم في شيء ، ولكنهم ~~اغتروا بأنفسهم حين لم يتفحصوا عن حال المحكي عنه بعد ما عينه لهم منه ، أو ~~من الحاكي أو من غيرهما ، وإن أشار لهم إلى مسلم أو مسلمة كانوا آمنين صدق ~~في ذلك أو كذب ؛ لأنه أخبرهم بأمان صحيح فيكون معطيا الأمان لهم حين أضافه ~~إلى من يصح أمانه ، ولو أن ذميا قال لهم ذلك حكاية عن مسلم ، فإن علم أنه ~~صادق كانوا آمنين ، وإن علم أنه كاذب أو لم يعلم أصادق هو أم كاذب كانوا ~~فيئا ؛ لأنه لا يملك إعطاء الأمان بنفسه فهم إذا اعتمدوا خبر من لا يملك ~~الأمان بنفسه كانوا مغترين لا مغرورين . وإن قال المحكي عنه صدق فيما قال ، ~~فإن كان قال ذلك في حال بقاء منعتهم ثم نزلوا بعد ذلك فهم آمنون ؛ لأنه صدق ~~المخبر في حال يملك إنشاء الأمان لهم فلا يكون متهما في التصديق . وإن كان ~~قال لهم بعد ما صاروا في أيدينا غير ممتنعين لم يصدق على ذلك ؛ لأنه متهم ~~في هذا التصديق ، فقد صار بحال لا يملك إنشاء الأمان لهم فلا يكون متهما في ~~التصديق . وإن كان قال لهم بعد ما صاروا في أيدينا غير ممتنعين لم يصدق على ~~ذلك ؛ لأنه متهم في هذا التصديق ، فقد صار بحال لا يملك إنشاء الأمان لهم ~~ولأنه قصد بهذا التصديق إبطال حق ثابت للمسلمين في استرقاقهم ، PageV01P364 ~~إلا أنه إذا قسمهم الإمام فوقع بعضهم في سهم المقر أو فيما رضخ به الذمي ~~عتق عليهما ، وكذلك إن باعهم الإمام فاشتراهم الذمي المخبر أو المسلم ~~المصدق له ، عتقوا جميعا لتصادقهما ، على أنهم أحرار آمنون وذلك عامل في حق ~~من صار ملكا لهما منهم ، ولكن لا يمكنون ms0241 من الرجوع إلى دار الحرب ؛ لأن ~~احتباسهم في دارنا من حق المسلمين حين قسمهم الإمام إذا باعهم وهما لا ~~يصدقان فيما يرجع إلى حق المسلمين وبالله العون . وع إلى دار الحرب ؛ لأن ~~احتباسهم في دارنا من حق المسلمين حين قسمهم الإمام إذا باعهم وهما لا ~~يصدقان فيما يرجع إلى حق المسلمين وبالله العون . PageV01P365 # | باب الحربي يدخل الحرم غير مستأمن # وإذا دخل الحربي الذي لا أمان له الحرم فإنه لا يهاج له بقتل ولا أسر ، ~~وهذا أصل علمائنا أن من كان مباح الدم خارج الحرم يستفيد الأمن بدخول الحرم ~~قال الله تعالى : ' أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ' العنكبوت : 67 ، وقال ~~عز من قائل : ' ومن دخله كان آمنا ' آل عمران : 97 ، قال عليه السلام في ~~خطبة يوم الفتح : ' إنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي ~~إلا ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة ، وإنما قال ذلك لأنه قتل ~~منهم أناسا وهم غير مقاتلين له في تلك الحالة ولو كانوا مقاتلين له لم تظهر ~~فائدة تخصيصه ، بما قال ، لأن من استحل الحرم يستحل منه على ما بينه . ~~PageV01P366 قال ابن عمر رضي الله عنهما : لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما ~~هجته ، وقال ابن عباس : مثل ذلك ، ولم يقل أبوه ، ولكن إنما قال ذلك على ~~سبيل المبالغة في النهي عن قتل أحد في الحرم ابتداء وكما لا يقتل لا يؤسر ~~لأن فيه إتلافه حكما فالحرية حياة والرق تلف ، وحكم حرمة الحرم تمنع من ذلك ~~ألا ترى أن الصيد كما لا يقتل في الحرم لا يتملك بالأخذ ، فإن أسلم قبل أن ~~يخرج فهو حر لا سبيل عليه ؛ لأنه كان آمنا حرا ما دام في الحرم ، وقد تأكدت ~~حريته بالإسلام ، وإن سألنا أن يكون ذمة لنا ، فإن شئنا أعطيناه ذلك وإن ~~شئنا لم نعطه ؛ لأنه مأخوذ مشرف على الهلاك فالظاهر أنه لا يطلب عقد الذمة ~~ملتزما لأحكامنا اختيارا بل اضطرارا ، ليتمكن به من الفرار ، فالرأي إلى ~~الإمام في ms0242 إعطاء الذمة له ، بمنزلة المأسور قبل ضرب الرق عليه إذا طلب أن ~~يكون ذمة ، وإن أبى أن يسلم وجعل يتردد في الحرم فإنه لا يجالس ولا يطعم ~~ولا يبايع حتى يضطر ويخرج ، لأنه بسبب الأمن الثابت بالحرم يتعذر علينا ~~التعرض له بالإساءة ولا يلزمنا الإحسان إليه ، فإن منع الإحسان لا يكون ~~إساءة ، فلهذا لا يجب قبول الذمة منه إن طلب ، لأن ذلك إحسان إليه . ~~PageV01P367 إلا أنه لا يمنع منه الكلأ وماء العامة ؛ لأن ذلك حقه ، فقد ~~أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شركة عامة بين الناس في قوله : ' ~~الناس شركاء في ثلاث : الكلأ والماء والنار ' ، وفي منع حقه منه إساءة إليه ~~وهو معنى قوله : ولو كان لك أن تمنعه الماء كان لك أن تقتله ، فإن قال ~~الأمير : إني لا آسره ولكن أحبسه ، لم يكن له ذلك أيضا ؛ لأن في الحبس معنى ~~العقوبة ، وكذلك لو قال : أخرجه من الحرم ، لم يكن له ذلك ؛ لأن الأمن ~~الثابت بسبب الحرم يحرم التعرض له بالحبس والإخراج كما في حق اصيد ، ولو ~~كانوا جماعة دخلوا الحرم للقتال فلا بأس للمسلمين أن يقتلوهم لقوله تعالى : ~~' ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ' البقرة : 91 ، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : الحرم كله المسجد الحرام ، أي : كالمسجد الحرام ~~في هذا الحكم ، ولأن حرمة الحرم لا تلزمنا بحمل الأذى عنهم ، كما لا يلزمنا ~~تحمل الأذى عن الصيد حتى إن الضبع إذا صال على إنسان في الحرم جاز قتله ~~دفعا لأذاه . PageV01P368 فإن حمل عليهم المسلمون فانهزموا فأخذوا منهم ~~الأسرى فلا بأس بأن يقتلوهم ؛ لأنهم لم يراعوا حرمة الحرم فيكون الحرم في ~~حقهم بمنزلة الحل ابتداء وانتهاء بخلاف الصيد فإنه بعد الصيال إذا هرب لم ~~يحل قتله ؛ لأن الصيد غير عاقل ، وإنما يباح دفع أذاه عند قصده حسا ، وقد ~~اندفع ذلك بهربه ، فأما الآدمي ، عاقل يجوز دفع أذاه بقتله زجرا ، ولهذا ~~شرع القصاص لمعنى الحياة ، فكما يجوز قتالهم في الابتداء إذا قصدوا دفعا ~~لأذاهم وزحرا لهم عن ms0243 هتك حرمة الحرم ، فكذلك يجوز قتلهم بعد الانهزام ~~والأسر لمعنى الزجر عن هتك حرمة الحرم بطريق الاعتبار . وكذلك لو دخلوا ~~الحرم مقاتلين ومعهم عيالاتهم فهزموا وأخذت عيالاتهم فلا بأس بأن يؤسروا ؛ ~~لأنهم اتباع المقاتلة وحين التحقق الحرم بالحل في حق الأصول لهتكهم حرمة ~~الحرم فكذلك في حق الاتباع ، فإن ثبوت الحكم في حق التبع بثبوته في الأصل . ~~ولو كانوا قاتلوا في غير الحرم فقتلوا جماعة من المسلمين ثم انهزموا ~~بعيالاتهم حتى أدخلوهم الحرم فحصلوا في الحرم منهزمين لا فئة لهم ، لم يحل ~~أن يعرض لهم ولا لعيالاتهم ، PageV01P369 لأنهم التجئوا إلى الحرم معظمين ~~لها وكانوا آمنين فيها ، بخلاف الأول فإنهم دخلوا الحرم هاتكين حرمتها ~~بالقصد إلى قتال المسلمين فيها ، ولو كانت فئتهم تجمعت بالحرم وصارت لهم ~~منعة فهرب هؤلاء بعيالاتهم إلى فئتهم في الحرم فلا بأس بقتلهم وأسرهم ؛ لأن ~~الملتجئ إلى فئة يكون محاربا ولا يكون تاركا للحرب ، ألا ترى أن المنهزم من ~~أهل البغي يتبع فيقتل ، إذا بقيت لهم فئة فكذلك في هذا الموضع ، وجميع ما ~~ذكرنا في أهل الحرب هو الحكم في الخوارج وأهل البغي ، إلا أنه لا تسبى ~~ذراريهم ولا نساؤهم ؛ لأنهم مسلمون من أهل دارنا ، ولتأكد حريتهم بالإسلام ~~كانوا آمنين من السبي . فأما فيما سوى ذلك مما يحل فيه قتلهم ، ويحم فهم ~~كأهل الحرب ، والله الموفق . ن محاربا ولا يكون تاركا للحرب ، ألا ترى أن ~~المنهزم من أهل البغي يتبع فيقتل ، إذا بقيت لهم فئة فكذلك في هذا الموضع ، ~~وجميع ما ذكرنا في أهل الحرب هو الحكم في الخوارج وأهل البغي ، إلا أنه لا ~~تسبى ذراريهم ولا نساؤهم ؛ لأنهم مسلمون من أهل دارنا ، ولتأكد حريتهم ~~بالإسلام كانوا آمنين من السبي . فأما فيما سوى ذلك مما يحل فيه قتلهم ، ~~ويحم فهم كأهل الحرب ، والله الموفق . | PageV01P370 # الجزء الثاني # بسم الله الرحمن الرحيم # | باب من الأمان الذي يشك فيه # وإذا أحاط المسلمون بحصن من حصون أهل الحرب ، فأشرف منهم أربعة نفر ، ~~فقالوا : آمنونا على أن نخرج إليكم لنراوضكم على الصلح ms0244 ، ففعل ذلك بهم ، ~~فخرج منهم عشرون رجلا معا ، فإن عرفنا الأربعة بأعيانهم كانوا آمنين ، ومن ~~سواهم فيء للمسلمين ، إن شاءوا قتلوهم ، وإن شاءوا جعلوهم فيئا ؛ لأنهم ~~حصلوا في أيدينا بغير أمان ، فإن المحصور بمجرد الخروج لا يستفيد الأمن ما ~~لم يمط له الأمان نصا ، وكيف يستفيد الأمن ، وإنما حصر ليخرج ، وليس بين ~~الأربعة وبين من سواهم سبب يوجب الأمن لهم بطريق التبعة ، وأما حكم الأربعة ~~: فإن استقام بين المسلمين وبينهم صلح ، وإلا ردوهم إلى حصنهم ، كما هو ~~موجب الأمان ، وإن أبوا أن يرجعوا إلى الحصن لم يكن للمسلمين أن يجبروهم ~~على ذلك ، لأنهم حصلوا آمنين فينا . PageV02P409 # ولا يجوز التعرض لهم بحبس ، ولا أسر ، ولكن يقال لهم : اذهبوا إلى أرض ~~الحرب شئتم ، فإنا لا نتعرض لكم حتى تبلغوا مأمنكم ؛ لأن الوفاء بالأمان ، ~~والتحرز عن الغدر واجب . فإن قالوا : لا نفارق عسكركم ، فالسبيل أن يتقدم ~~الإمام إليهم ويؤجلهم في ذلك على حسب ما يراه ، ويخبرهم أنهم إن لم يذهبوا ~~جعلهم ذمة وأخرجهم إلى دار الإسلام ، وقد تقدم بيان هذا الفضل . # وليس للإمام أن يقول لهم : إن ذهبتم إلى وقت كذا وإلا جعلناكم عبيدا ، أو ~~: وإلا فدماؤكم حلالا ؛ لأنهم آمنون فينا ، ومن ضرورة الأمان ثبوت العصمة ~~عن الاسترقاق والقتل ، وكما لا يملك تنفيذ ذلك منهم في الحال لا يملك ~~تعليقه بمضي الزمان ، بخلاف تصييرهم ذمة على ذلك ، فإن ذلك لا ينافي الأمان ~~بل يقرره . والكافر لا يمكن من إطالة المقام فينا بدون صغار الجزية والتزام ~~أحكامنا في المعاملات لما في ذلك من الاستخفاف بالمسلمين . # ولو أن المسلمين قالوا لأربعة من أهل الحصن : انزلوا ، فأنتم آمنون حتى ~~نراوضكم على الصلح . فنزل عشرون رجلا فيهم أولئك PageV02P410 الأربعة ، ~~ولكن لا نعلم الأربعة بأعيانهم ، وكل واحد يقول : أنا من الأربعة ، فهم ~~جميعا آمنون ، لا يحل قتل أحد منهم ولا أسره ؛ لأن كل واحد منهم تردد حاله ~~بعدما حصل فينا بين أن يكون آمنا معصوم الدم ، وبين أن يكون مباح الدم ، ~~فيترجح جانب العصمة عملا بقوله صلى الله ms0245 عليه وسلم : ' ما اجتمع الحلال ~~والحرام في شيء إلا غلب الحرام الحلال ' . ولأن الأمان يتوسع في إثبات حكمه ~~لا في المنع من ثبوت حكمه ، ولأن ترك القتل والأسر ، وهو حلال له ، خير من ~~أن يقدم على قتل أو أسر في محل معصوم ، ثم هذا التجهيل من ناحية المسلمين ~~حين لم يعلموا الأربعة بعلامة يتمكنون من تمييزهم بتلك العلامة عن أغيارهم ~~، فلا يؤثر ذلك في أيطال الأمان الثابت بطريق الاحتمال لكل واحد منهم . ~~ولكنهم يبلغون مأمنهم بمنزلة ما لو أمنوا جميعا . # ولو أن الأمير أمن أربعة نفر من أهل الحصن بأعيانهم ولم يأمرهم بالنزول ، ~~ثم فتح الحصن ، فقال كل واحد منهم : أنا من الأربعة ، فإن عرف المسلمون ~~الذين أمنوهم وإلا كان القوم كلهم فيئا ؛ لأنهم أخذوا في منعة أهل الحرب ، ~~ومن كان في منعة أهل الحرب فهو مباح الأخذ ، إلا أن يعلم فيه مانع ، ولم ~~يعلم ذلك في واحد منهم ، بخلاف الأول ، فهناك الأربعة صاروا آمنين ، وهم في ~~منعة المسلمين ، ومن في منعة PageV02P411 المسلمين لا يكون محاربا لهم ، ~~باعتبار الحال ، فما لم يعلم أنه محارب باعتبار الأصل وأنه لم يتناوله ~~الأمان لا يجوز التعرض له . ألا ترى أنه لو أسلم أربعة في الحصن ، فأمرهم ~~المسلمون بالنزول ، فنزل عشرون وادعى كل واحد منهم أنه هو الذي أسلم في ~~الحصن ، لم يحل سبي أحد منهم . # لو أسلم أربعة في الحصن ولم يخرجوا حتى ظهر المسلمون على الحصن ، فادعى ~~كل واحد منهم أنه هو الذي أسلم ، كانوا جميعا فيئا ، إلا من عرف بعينه أنه ~~كان فيمن أسلم ، فحينئذ يكون حرا هو وأولاده الصغار ، ويسلم له ماله ، لأنه ~~هو المحرز له فأما الكبار من أولاده فلا يتبعونه في الإسلام ، فكانوا فيئا ~~أجمعين ، إلا أنه ليس للإمام أن يقتل أحدا هاهنا ؛ لأن كل واحد منهم قابل ~~للإسلام أو راغب فيه ، وإسلام الأسير يؤمنه عن القتل ولكنه لا يؤمنه عن ~~الاسترقاق . # قال : ولو لم أسب هؤلاء لم أسب أهل قسطنطينية إذا علمت أن فيها مسلما ~~واحدا أو ms0246 ذميا ولا أعرفه بعينه ، فهذا ليس بسبي ، وكل من وقع عليه الظهور ~~في دار الحرب فهو فيء ما لم يعلم المانع فيه ، واستوضح هذا الفرق بما ~~PageV02P412 لو دخل قوم من دار الحرب بغير أمان قرية من قرى أهل الذمة ~~فأتاهم المسلمون ليأخذوا أهل الحرب فادعى كل واحد في القرية أنه من أهل ~~الذمة ، فهم آمنون كلهم ؛ لأنهم في موضع الأمن والعصمة ، فلا يحل التعرض ~~لأحد منهم ما لم يعلم أنه من أهل الحرب ، ولو أن قوما من أهل الذمة دخلوا ~~بعض حصون أهل الحرب بمرأى العين من المسلمين ، ثم ظهرنا على أهل الحصن ، ~~فكل من في الحصن فيء ، إلا من عرف بالذمة بعينه ؛ لأنهم وجدوا في موضع ~~النهبة والإباحة فكانوا فيئا ، ما لم يظهر المانع في بعضهم ، وتحكيم المكان ~~في مثل هذا أصل في الشرع . # ألا ترى أنه من رأى شخصا في دار الحرب وهو لا يعلم حاله يباح له الرمي ~~إليه ما لم يعلم أنه مسلم أو ذمي ، ولو رآه في دار الإسلام لا يحل له ذلك ~~ما لم يعلم أنه حربي . # ولو أن ذميا دخل حصنا من حصونهم ، فافتتح الحصن حين دخل الرجل ، ولم يقتل ~~أحدا منهم حتى أخذوا ، وقد أحاط العلم بأن الذمي فيمن أخذ ولا يعلم أيهم هو ~~، فإنه لا ينبغي للإمام أن يقتل أحدا منهم ؛ PageV02P413 لأنه ليس بعضهم ~~بأن يقتله أولى من البعض ، ولو قتلهم جميعا كان متيقنا بقتل من لا يحل قتله ~~، ولا طريق له إلى التحرز عما لا يحل بالكف عن قتلهم جميعا . وهذا لأن ~~التحرز عن قتل الذمي فرض عليه ، وقتل الحربي الأسير مباح له ، ولا معارضة ~~بين المباح والفرض ، وفي الموضع الذي تتحقق المعارضة ، يترجح جانب الحل . ~~فهنا أولى . فإن كان القوم قتل بعضهم ، أو مات بعضهم ، أو خرج بعضهم ، فلم ~~يحط العلم بأن الذمي فيهم فلا باس بقتل الرجال كلهم ، لأنهم وجدوا في موضع ~~الحرب ، والمانع من قتلهم كون الذمي فيهم . وذلك غير متيقن به ، فلا بأس ~~بقتلهم بناء على ms0247 أن الذمي كان هو الذي مات أو خرج منهم ، وهذا لأن الظاهر ~~من حال كل واحد منهم أنه حربي مباح الدم . وإنما يبنى على الظاهر فيما لا ~~يمكن الوقوف على حقيقته ، إلا أن يعارض الظاهر يقين بخلافه . ففي الفصل ~~الأول عارض الظاهر يقين ، وهو العلم بكون الذمي فيهم ، وفي هذا الفصل لم ~~يعارض الظاهر يقين ، فبني الحكم عليه . فإن كان أكبر ظن الإمام أن الذمي ~~فيهم وكلهم يقول : أنا الذمي ، فالمستحب له أن لا يقتل أحدا منهم ؛ لأن ~~أكبر الرأي - وإن كان لا يعارض الظاهر - لكن يثبت به استحباب الاحتياط . ~~ألا ترى أن من وجد ماء وغلب على رأيه أنه نجس ولكن لم يخبره أحد بنجاسته ~~فالمستحب له أن يتوضأ بغيره ، وإن توضأ به أجزأه ، فها هنا أيضا المستحب أن ~~لا يقتل أحدا منهم . # وإن كان لو قتلهم ، جاز ، باعتبار الظاهر ، والأصل فيه قوله PageV02P414 ~~صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد : ' ضع يدك على صدرك واستفت قلبك ، فما ~~حك في صدرك فدعه ، وإن أفتاك الناس به ' ، وإن كان لا رأي له في ذلك فلا ~~بأس بأن يقتلهم باعتبار الظاهر ، وإن شك في اثنين أو ثلاثة منهم فلا بأس ~~بأن يقتل الباقين ويسبي الذين في أكبر رأيه أن الذمي فيهم . وكذلك لو أن ~~رجلا منهم أشرف على الحصن فدلنا على عورة من عوراتهم فأمنه الإمام ثم افتتح ~~الحصن من ساعته فهذا والذمي سواء ؛ لأن الذي أمناه معصوم عن القتل ، فإن ~~حرمة القتل بالأمان وبالذمة سواء . ولو وجدت المراوضة بين المسلمين وبين ~~أهل الحصن على الصلح فقال المسلمون : أخرجوا إلينا أربعة منكم ، فهم آمنون ~~حتى نراوضهم ، فخرج منهم عشرون معا ، فهم آمنون ؛ لأن أربعة من العشرين قد ~~صاروا آمنين بإعطاء المسلمين لهم الأمان ، فإن إعطاء الأمان لمجهول صحيح . ~~فإذا حصلوا في عسكرنا وبعضهم آمنون ثبت الأمان لهم جميعا إذ ليس بعضهم ~~بأولى من بعض ، ولا يحل التعرض لواحد منهم لتردد حاله بين أن يكون آمنا ~~معصوما وبين أن يكون مباحا . # ألا ترى ms0248 أن المسلمين لو قالوا : ليخرج إلينا رجل منكم فهو آمن ، فإذا فتح ~~الباب كان لكل واحد منهم أن يخرج ويكون آمنا . PageV02P415 فإذا خرج عشرة ~~معا فكل واحد منهم في صورة من سلطه المسلمون على الخروج ، ولو خرج وحده كان ~~آمنا ، فخروج غيره معه لا يبطل ما أوجب له المسلمون من الأمان . # ألا ترى أنهم لو قالوا : إن فتح رجل منكم الباب فهو آمن ، فوثب عشرة منهم ~~ففتحوه معا كانوا آمنين ؛ لأن كل واحد منهم لو فتحه وحده كان آمنا ، فلا ~~يبطل أمانه بفتح الغير معه . # ولو قال : إن خرج رجل منكم إلينا لنراوضه على الصلح فهو آمن فخرج رجل ، ~~ثم تبعه آخر ، ثم آخر ، فإن كان الأول صار في منعتنا قبل خروج الآخرين ~~فالثاني والثالث فيء للمسلمين ؛ لأن حكم الأمان تعين في الأول حين صار في ~~منعتنا وحده ، ثم خرج الثاني والثالث بغير أمان ، فإن النكرة في موضع ~~الإثبات يخص ، فبعد ما تعين الأول له لا يمس الثاني والثالث . وإن لم يصل ~~الأول إلى منعتنا حتى لحقه صاحباه فهذا وخروجهم معا سواء ؛ لأن المنصوص ~~عليه خروجه إلينا ، وإنما يتم ذلك بوصوله إلى منعتنا ، فقبل ذلك لم يتعين ~~الأمان في الأول ، فكان هذا وخروجهم معا سواء . # ألا ترى أن الأول لو رجع قبل أن يصل إلى منعتنا ثم خرج الآخر كان آمنا ~~إذا وصل إلى منعتنا . ولو وصل الأول إلى منعتنا ثم مات أو رجع فخرج الآخر ~~كان فيئا . PageV02P416 # أرأيت لو أن الثاني عجل فوصل إلى منعتنا قبل أن يخرج الأول من منعة ~~المشركين ألم يكن آمنا ؟ ، وهو أول رجل وصل إلى منعتنا ، فعرفنا أن المعتبر ~~حال الوصول إلى منعتنا ، وقد وصلوا إلينا معا فكأنهم خرجوا معا فكانوا ~~آمنين ، فإن قيل : إذا خرجوا معا كيف يثبت الأمان لهم والنكرة في الإثبات ~~لا تعم ؟ . # قلنا : هذه نكرة موصوفة بصفة عامة وهي الخروج إلينا ، ومثل هذه النكرة ~~تعم ، كالرجل يقول : لا أكلم إلا رجلا عالما ، ولكن ينتهي شرط الأمان بوصول ~~أحدهم إلينا قبل ms0249 خروج الآخرين ، فإذا خرجوا معا كانوا آمنين لهذا . # ولو كان قال : عشرة منكم آمنون على أن تفتحوا الباب ، فقال الإمام : نعم ~~، ففتحوا الباب ، فعشرة منهم آمنون ، والخيار في تعيينهم إلى الإمام ؛ لأنه ~~ما أوجب الأمان للفاتحين بأعيانهم ، وإنما أوجبه لعشرة منكرة منهم ، ولكن ~~إيجاب الأمان للمجهول يصح منجزا ، وكذلك معلقا بالشرط ، ثم البيان يكون إلى ~~من أوجب في المجهول كما في الطلاق والعتاق . وإنما يثبت الأمان لعشرة منهم ~~بغير عيال ولا مال ، إلا عليهم من الكسوة والسلاح استحسانا ؛ لأن ثبوت ~~الأمان لهم بعد فتح الباب وتمام القهر ، وقد بينا أن العيال لا يدخلون في ~~مثله . PageV02P417 وإن كانوا قالوا : عشرة من أهل حصننا آمنون على أن يفتح ~~لكم الباب . فقال الإمام : نعم ، فله الخيار ، إن شاء جعل العشرة من نسائهم ~~وصبيانهم وإن شاء جعلهم من رجالهم ؛ لأن اللفظ الذي به طلب الأمان يتناول ~~الكل ، والكل من أهل الحصن ، وفي الأول إنما خاطب الرجال ، فيثبت الأمان ~~لعشرة من الرجال يعينهم الإمام . # وينبغي أن يحتاط للمسلمين في ذلك ، حتى لا يختار للأمان من تكون منفعة ~~المسلمين في استرقاقه أقل ؛ لأنه نصب ناظرا لهم . وهذا بخلاف ما سبق من ~~قوله : ليخرج إلينا أربعة منكم . وقوله : ليخرج إلينا أحد منكم ؛ لأن هناك ~~الأمان إنما يثبت لهم بعدما وصلوا إلى منعتنا ، وكل واحد منهم لو خرج وحده ~~كان آمنا ، فبانضمام غيره إليه لا يبطل الأمان ، وهذا الأمان لعشرة منهم ~~بعد الفتح وهم في الحصن . وحقيقة هذا الفرق ما ذكرنا أن النكرة هنا غير ~~موصوفة ، وهناك النكرة موصوفة بالخروج إلينا . # ألا ترى أنه لو قال : إن رمى رجل منكم بنفسه إلينا وحده كان آمنا ، فرمى ~~عشرة معا كانوا آمنين ، لأن النكرة موصوفة ، وكل واحد منهم لو رمى بنفسه ~~وحده كان آمنا ، فبانضمام غيره إليه لا يبطل حقه . ولو قال : ليخرج إلينا ~~هؤلاء الأربعة حتى نراوضهم على الصلح ، فخرجوا فهم آمنون ، سواء قال : وهم ~~آمنون أو لم يقل ؛ PageV02P418 لأنه دعاهم إلى الخروج لطلب السلم والموافقة ~~، ولأن المراوضة على ms0250 الصلح إنما تتأتى ممن كان آمنا على نفسه . فهذا دليل ~~الأمان لهم . بخلاف ما إذا قال لأربعة منهم : اخرجوا إلينا ، فخرجوا ، فإنه ~~يكون له أن يقتلهم ؛ لأنه ليس في لفظه ما يدل على الأمان ، أو على الخروج ~~على سبيل الموافقة ، ولكن هذا طلب المبارزة . فكأنه قال : اخرجوا إلينا ~~للقتال إن كنتم رجالا ، ولو قال : أخرجوا إلينا فبيعوا واشتروا ، كانوا ~~آمنين ؛ لأن في كلامه ما دل على الأمان والخروج إلى الموافقة . فالتجارة ~~تكون عن مراضاة ، وإنما يتمكن منها من يكون آمنا ، ولو قال : ليخرج إلينا ~~هؤلاء الأربعة حتى نراوضهم على الصلح . فخرج أربعة غير أولئك الأربعة ، فهم ~~فيء للمسلمين ؛ لأن دلالة الأمان لا تكون فوق التصريح بعينه ، ولو قال ~~لأربعة بأعيانهم : أمنتكم ، فخرج غيرهم كانوا فيئا . # وإن أشكل على المسلمين فلم يدروا أيهم أولئك الأربعة أم غيرهم ، فإن ~~الإمام يسألهم عن ذلك فإن زعموا أنهم غيرهم ، كانوا فيئا لإقرارهم على ~~أنفسهم بحق الاسترقاق ، وإن زعموا أنهم أولئك الأربعة ، فالقول قولهم ؛ لأن ~~الظاهر شاهد لهم ، والظاهر أنه لا يتجاسر أحد على الخروج إلا من أومن بعينه ~~، PageV02P419 فإن اتهمهم ، استحلفهم بالله على ذلك ، فإن نكلوا عن اليمين ~~كانوا فيئا ، ولكن لا يقتلون ؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار ، ولكن فيه ضرب ~~شبهة واحتمال ، فلا يجب القتل به . وقد تقدم بيانه . وإن خرج عشرون رجلا ~~معا فقال كل واحد منهم : أنا من الأربعة ، وحلف على ذلك ، فهم آمنون جميعا ~~؛ لأن كل أربعة لو خرجوا وحدهم وحلفوا كان القول قولهم ، فخروج غيرهم لا ~~يبطل حكم الأمان في حقهم ، أو لأنه اختلط المستأمن بغير المستأمن في منعتنا ~~، وفي مثل هذا يثبت الأمان لهم جميعا احتياطا ، فعلى الإمام أن يبلغهم ~~مأمنهم . PageV02P420 # # | باب الخيار في الأمان # قال : وإذا حاصر المسلمون حصنا فأشرف عليهم رأس الحصن فقال : أمنوني على ~~عشرة من أهل هذا الحصن على أن أفتحه لكم . فقالوا : لك ذلك . ففتح الحصن . ~~فهوا آمن وعشرة معه ؛ لأنه استأمن لنفسه نصا بقوله : أمنوني ، فالياء ~~والنون يكني بهما المتكلم عن نفسه ، وقوله ms0251 : على عشرة ، كلمة عشرة للشرط ، ~~وقد شرط أمان عشرة منكرة مع أمان نفسه ، فعرفنا أن العشرة سواه ، ثم الخيار ~~في تعيين العشرة إلى رأس الحصن ؛ لأنه جعل نفسه ذا حظ من أمانهم وهو ليس ~~بذي حظ ، باعتبار أنه داخل في أمانهم ، فقد استأمن لنفسه بلفظ على حدة ، ~~وليس بذي حظ على أنه مباشر لأمانهم ، فإن ذلك لا يصح منه ، فعرفنا أنه ذو ~~حظ على أن يكون معينا لمن تناوله الأمان منهم ، باعتبار أن التعيين في ~~المجهول كالإيجاب المبتدأ من وجه . ولو كان قال : أمنوا لي عشرة من أهل ~~الحصن . فله PageV02P421 عشرة يختار أي عشرة شاء ، فإن اختار عشرة هو أحدهم ~~فلذلك جائز وإن اختار عشرة سواه فالعشرة آمنون وهو فيء ؛ لأنه ما استأمن ~~لنفسه عينا ، وإنما استأمن لعشرة منكرة ، ولكن بقوله : لي شرط لنفسه أن ~~يكون ذا حظ ، ولا يمكن أن يجعل ذا حظ على وجه مباشرة الأمان لهم ، فإن ذلك ~~لا يصح منه ، فعرفنا أنه ذو حظ ، على أن يكون هو المعين للعشرة ، ونفسه ~~فيما وراء ذلك كنفس غيره إذا لم يتناوله الأمان نصا . فإن عين نفسه في جملة ~~العشرة صار آمنا . بمنزلة التسعة الذين عينهم مع نفسه . وإن عين عشرة سواه ~~فقد تعين حكم الأمان فيهم وصار هو فيئا . كغيره من أهل الحصن ، وكان حقيقة ~~كلامه : أمنوا لأجلي عشرة ، وأوجبوا لي حق تعيين عشرة تؤمنونهم ، ولو قال ~~ذلك كان الحكم فيه ما بينا . قال : وبلغنا نحو ذلك عن الأشعث بن قيس أنه ~~قال ذلك يوم النجير ، وقد ذكر أهل الحديث نحو ذلك عن معاوية رضي الله عنه ~~وكذلك لو كانت البداية من رأس الحصن بأن يقول : فأفتح لكم الحصن على أني ~~آمن على عشرة . أو قال : على أن لي عشرة آمنين من أهل الحصن ، فهذا وما ~~تقدم سواء في الفصلين جميعا . PageV02P422 ولو قال : أفتح لكم على أن ~~تؤمنوني في عشرة من أهل الحصن ، أو على أني آمن في عشرة . فهو سواء ، وهو ~~آمن وتسعة معه ؛ لأن حرف في ms0252 للظرف . فقد جعل نفسه في جملة العشرة الذين ~~التمس الأمان لهم . فلا يتناول ذلك إلا تسعة معه ؛ لأنه لو تناول عشرة سواه ~~كان هو آمنا في أحد عشرة ، بخلاف الأول ، فهناك ما جعل نفسه في جملة العشرة ~~؛ فإن قيل : فقد جعل العشرة هنا ظرفا لنفسه والمظروف غير المظرف . قلنا : ~~هو كذلك فيما يتحقق فيه الظرف ، ولا يتحقق ذلك في العدد إلا بالطريق الذي ~~قلنا ، وهو أن يكون هو أحدهم ويجعل كأنه قال : اجعلوني أحد العشرة الذين ~~تؤمنونهم . فإن قيل : إذا لم يمكن حمله على معنى الظرف حقيقة فينبغي أن ~~يجعل بمعنى مع ، كقوله تعالى : ' فادخلي في عبادي ' أو يجعل بمعنى على ، ~~كقوله تعالى : ' ولأصلبنكم في جذوع النخل ' وباعتبار الوجهين يثبت الأمان ~~لعشرة سواه . قلنا : الكلمة للظرف حقيقة ، فيجب حملها على ذلك بحسب الإمكان ~~. وذلك أن يكون هو أحدهم داخلا في عددهم ، فلهذا لا نحمله على المجاز ، ثم ~~الخيار في التسعة الذين معه إلى الإمام هاهنا ، لا إلى رأس الحصن ؛ لأنه ~~جعل نفسه أحد العشرة ، فكما لا خيار له لمن سواه من العشرة في التعيين لا ~~خيار له . وهذا لأنه جعل نفسه ذا حظ من أمان العشرة على أن PageV02P423 ~~يتناوله حكم أمانهم ، لا أن يكون هو معنيا لهم . وقد نال ما سأل . وبقي ~~الإمام موجبا الأمان لتسعة بغير أعيانهم فإليه بيانهم ، ولو قال : أمنوني ~~وعشرة ، أو أفتح لكم على أني آمن أنا وعشرة . فالأمان له ولعشرة سواه ؛ لأن ~~حرف الواو للعطف . وإنما يعطف الشيء على غيره لا على نفسه . ففي كلامه ~~تنصيص على أن العشرة سواه هاهنا ، فإن لم يكن في الحصن إلا ذاك العدد أو ~~أقل ، فهم آمنون كلهم ؛ لأن الأمان بذكر العدد بمنزلة الأمان لهم بالإشارة ~~إلى أعيانهم ، وإن كان أهل الحصن كثيرا فالخيار في تعيين العشرة إلى الإمام ~~؛ لأن المتكلم ما جعل نفسه ذا حظ في أمان العشرة ، وإنما عطف أمانهم على ~~أمان نفسه . فكان الإمام هو الموجب للأمان لهم فإليه التعيين ، وإن رأى أن ~~يجعل العشرة من ms0253 النساء والولدان فله ذلك ؛ لأنهم من أهل الحصن ، إلا أن ~~يكون المتكلم اشترط ذلك من الرجال ، ولو قال : أمنوني بعشرة من أهل الحصن ، ~~كان هذا وقوله : وعشرة سواء ؛ PageV02P424 لأن الباء للإلصاق ، فقد ألصق ~~أمان العشرة بأمانه . وإنما يتحقق ذلك إذا كانت العشرة سواه . ولكن هذا غلط ~~زل به قلم الكاتب والصحيح ما ذكر في بعض النسخ العتيقة : أمنوني فعشرة . ~~لأن الفاء من حروف العطف وهو يقتضي الوصل والتعقيب ، فيستقم عطفه على قوله ~~: أمنوني وعشرة . فأما الباء فتصحب الأعواض فيكون قوله : أمنوني بعشرة ~~بمعنى : عشرة أعطيكم من أهل الحصن عوضا عن أماني . وهذا لا معنى له في هذا ~~الجنس من المسائل . فعرفنا أن الصحيح قوله : أمنوني فعشرة . نت العشرة سواه ~~. ولكن هذا غلط زل به قلم الكاتب والصحيح ما ذكر في بعض النسخ العتيقة : ~~أمنوني فعشرة . لأن الفاء من حروف العطف وهو يقتضي الوصل والتعقيب ، فيستقم ~~عطفه على قوله : أمنوني وعشرة . فأما الباء فتصحب الأعواض فيكون قوله : ~~أمنوني بعشرة بمعنى : عشرة أعطيكم من أهل الحصن عوضا عن أماني . وهذا لا ~~معنى له في هذا الجنس من المسائل . فعرفنا أن الصحيح قوله : أمنوني فعشرة . # ولو قال : أمنوني ثم عشرة . كان هذا والأول سواء ، فالعشرة سواه ؛ ~~PageV02P425 لأن كلمة ثم للتعقيب مع التراخي . وبهذا يتبين أيضا أن الصحيح ~~في الأول قوله : فعشرة ، لأنه بدأ بما هو للعطف مطلقا ثم بما هو للعطف على ~~وجه التعقيب بلا مهملة ثم لها هو للتعقيب مع التراخي ، ولو قال : أمنوا لي ~~عشرة ، فالخيار في تعيينهم إلى الإمام ؛ لأن المتكلم لم يجعل نفسه ذا حظ ، ~~وإنما التمس الأمان بعشرة منكرة . فكان الإمام هو الذي ابتدأ فقال : عشرة ~~منكم أمنوني على أن يفتحوا . فالخيار في تعيينهم إلى الإمام ؛ إن شاء جعل ~~المتكلم أحدهم ، وإن شاء لم يجعل ، ولو قال : أمنوني مع عشرة ، فالعشرة ~~سواه ؛ لأن كلمة مع للضم والقران . وإنما يضم الشيء إلى غيره لا إلى نفسه . ~~فعرفنا أن العشرة سواه ، والخيار في تعيينهم إلى الإمام ؛ لأنه هو الذي ~~أبهم ms0254 الإيجاب والمتكلم ما جعل نفسه ذا حظ من أمان العشرة ، ولو قال : ~~أمنوني في عشرة من أهل حصني . فهذا وقوله : من أهل الحصن سواء . والأمان له ~~ولتسعة يختارهم الإمام ، فإن قيل : هو جعل نفسه معرفة بإضافة الحصن إلى ~~نفسه والعشرة منكرة فينبغي أن لا يدخل المعرفة في النكرة ، كما قال في ~~الجامع : إن دخل داري هذه أحد فعبده حر فدخلها هو لم يحنث . # قلنا : هو معرفة هنا بإضافة الأمان إلى نفسه قبل إضافة الحصن إلى نفسه ~~بقوله : أمنوني . وإنما الحاجة إلى معرفة حكم في ، وقد بينا أنه للظرف . ~~ولا يتحقق ذلك إلا بعد أن يكون هو في جملة العشرة . والعمل بالحقيقة هاهنا ~~ممكن لأنه من أهل الحصن كغيره . # وكذلك لو قال : في عشرة من أهل بيتي ، أو في عشرة من بني أبي ، كان هو ~~وتسعة سواه ؛ لأنه من جملة أهل بيته والمراد بيت النسب . وهو من جملة بني ~~أبيه . فكان العمل بحقيقة الظرف هاهنا ممكنا ، فلهذا كان الأمان بعشرة ممن ~~سماهم هو أحدهم ، والبيان إلى الإمام . # ولو قال : في عشرة من إخواني ، فهو آمن وعشرة سواه من إخوانه ؛ ~~PageV02P426 لأنه صرح بما يمنع العمل بحقيقة الظرف هنا . والإنسان لا يكون ~~من إخوانه ، فوجب أن يجعل حرف في ، بمعنى مع ، كما هو الأصل أنه متى تعذر ~~العمل بحقيقة الكلمة وله مجاز متعارف يحمل على ذلك المجاز لتصحيح الكلام . ~~وكذلك لو قال : في عشرة من ولدي ؛ لأنه لا يكون من ولد نفسه ، فلا بد من أن ~~يجعل العشرة سواه ، وعلى هذا لو قال : أمنوا عشرة من إخواني أنا فيهم ، أو ~~قال : عشرة من أولادي أنا منهم فالأمان لعشرة سواه ، ولو قال : عشرة من أهل ~~بيتي أنا فيهم ، أو عشرة من أهل حصني أنا فيهم ، فالأمان لعشرة سواه ~~فالأمان لعشرة وهو أحدهم ولما بينا من الفرق ولو قال في أو عشرة من بني ، ~~فهو على عشرة من بنيه سواه يعينهم الإمام ؛ لأنه لم يجعل نفسه ذا حظ من ~~أمانهم ، فإن كانوا ذكورا كلهم أو ms0255 مختلطين فالإمام يعين أي عشرة شاء من ~~ذكورهم أو إناثهم . فإن لم يكن فيهم ذكر فهم فيء كلهم سوى الرجل المستأمن ؛ ~~لأنه إنما استأمن لبنيه . وقد بينا أن هذا الاسم لا يتناول الإناث المفردات ~~. PageV02P427 # فإن قيل : أليس إنهم لو كانوا مختلطين فعين الإمام عشرة من الإناث كان له ~~ذلك ، وإذا لم يتناولهم اسم البنين فكيف يعينهم الإمام ؟ قلنا : لأنه ما ~~أمن عشرة وهم بنوه ، وإنما أمن عشرة هم من بنيه . وعند الاختلاط البنات ~~العشرة هم عشرة من بنيه . فلهذا كان له أن يعينهم . فأما عند عدم الاختلاط ~~فالإناث المفرادت لسن من بنيه فكيف يتناولهن الأمان ؟ ولو كانوا بنين وبنات ~~، وبني بنين وبني بنات ، فله أن يختار عشرة ، إن شاء من الولدان وإن شاء من ~~ولد الولد ، وقد بينا أن هذا الاسم يتناول بني البنين في الأمان كما يتناول ~~البنين استحسانا . # ذكر في الكتاب بني البنات فمن أصحابنا من قال : هذا غلط من الكاتب ، ~~والصحيح : بنات البنين ، وقيل : بل هو صحيح ، وهو إحدى الروايتين اللتين ~~ذكرنا فيما سبق أنه يطلق اسم البنين على أولاد البنات كما يطلق على أولاد ~~البنين . والإخوة والأخوات في هذا بمنزلة البنين والبنات ، إلا أنه إذا قال ~~: في عشرة من إخواني وله أخوات منفردات وبني أخوة فهم فيء كلهم لأن اسم ~~الإخوة لا يتناول الأخوات المنفردات ولا بني الإخوة حقيقة ولا مجازا . ولو ~~قال : أمنوني في عشرة من أصحابي . فالعشرة سواه ؛ لأن أصحابه غيره ، ولا ~~وجه لإعمال حرف في هاهنا للظرف ، وكذلك لو قال : في عشرة من رقيقي ، أو في ~~عشرة من موالي . PageV02P428 # ولو نظر الإمام إلى فارس منهم فقال : أنت آمن في عشرة من فرسانكم . فهو ~~آمن وتسعة وسواه ، فإن حرف في هاهنا للظرف ، فإنه بصفة العشرة الذين أمنهم ~~الإمام ، فيمكن أن يجعل هو أحدهم ، وإن قال : أنت آمن في عشرة من الرجالة . ~~فالعشرة من الرجالة سواه ؛ لأنه ليس بصفة العشرة ؛ فإنه فارس ، فعرفنا أن ~~حرف في بمعنى مع هنا ، وكذلك لو كان على عكس هذا ms0256 ، قال : وإنما يؤخذ في هذا ~~بما عليه كلام الناس ، يعني الذي سبق إلى فهم كل أحد من هذه الألفاظ التي ~~ذكرت ، ولو قال : في عشر من بناتي ، وله بنون ، فالأمان للبنات خاصة ؛ لأن ~~اسم البنات لا يتناول الذكور بحال ، وكذلك لو كان له بنات بنين ، فهو عليهن ~~دون البنين ؛ لأن اسم البنات لا يتناولهن مجازا ، وإن لم يكن له إلا بنات ~~بنات ، فليس يدخلن في الأمان ، PageV02P429 وهذا بناء على أظهر الروايتين ~~أن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم لا إلى أبي أمهم . إلا أن يكون جرى ~~مقدمة بأن يقول : لي بنات بنات ، وقد ماتت أمهاتهن ، فأمنوني في بناتي . ~~فحينئذ يعرف بتلك المقدمة أنه إنما استأمن لهن . والرجوع إلى دلالة الحال ~~لمعرفة المقصود بالكلام أصل صحيح في الشرع ، ولو قال : أمنوني في موالي ، ~~وله موال ، وموالي موال ، كانوا آمنين استحسنا ؛ لأن الاسم لمعتقه حقيقة ، ~~باعتبار أنه أحياهم بالإعتاق حكما ، أو لمعتق معتقه مجازا ، باعتبار أنه ~~حين جعل المعتقين أهلا لإيجاب العتق لهم ، فكأنه سبب لإعتاقهم . وقد بينا ~~أن الأمان مبني على التوسع ، وأن مجرد صورة اللفظ يكفي لثبوت حقن الدم به ~~احتياطا ، وإنما لا يجمع بين الحقيقة والمجاز في محل واحد ، فأما في محلين ~~فيجوز أن يجمع على وجه لا يكون المجاز معارضا للحقيقة في إدخال الجنس على ~~صاحب الحقيقة ، وفي الأمان لا يؤدي إلى هذه المعارضة بخلاف الوصية ، وإنما ~~هذا نظير قوله تعالى : ' حرمت عليكم أمهاتكم ' حتى يتناول الأم والجدات ~~جميعا ، ولو قال : أمنوني في موالي ، وله موال أعتقوه وموال أعتقهم ، ~~فالأمان لا يتناول الفريقين بهذا اللفظ ؛ لأن مقصوده من طلب الأمان للأعلى ~~مجازاته على ما أنعم عليه ، وللأسفل الترحم والزيادة في الإنعام عليه . ~~وهما معنيان متغايران ، ولا عموم PageV02P430 للاسم المشترك ، باعتبار أنه ~~لا يتحقق اجتماع المعنيين المتغايرين في كلمة واحدة ، فلهذا كان الأمان ~~لأحد الفريقين كالوصية ، إلا أن الوصية للمجهول لا تصح ، فكانت باطلة بهذا ~~اللفظ . والأمان للمجهول صحيح ، فيكون ذلك على ما نواه الذي أمنهم ، وهو ~~مصدق في ذلك ms0257 ، لأنه لا يعرف من جهته ، فإن قال : ما نويت شيئا . فهم جميعا ~~آمنون استحسانا ، لا باعتبار أن اللفظ المشترك عمهم فالمشترك لا عموم له ، ~~ولكن باعتبار أن الأمان يتناول أحد الفريقين ، ولا يعرفون بأعيانهم . وعند ~~اختلاط المستأمن بغير المستأمن يثبت الأمان لهم احتياطا كما بينا . فإن قيل ~~: كان ينبغي أن يكون خيار التعيين إلى الإمام ، وإن لم ينو شيئا في ~~الابتداء ، لأنه أوجب في المجهول ، فإليه البيان . قلنا : لا كذلك ، فإن ~~المشترك غير المجمل ، واللفظ الذي أوجب الأمان هنا ليس بمجمل حتى يرجع في ~~البيان إلى المجمل ، وإنما هو مشترك باعتبار أنه يحتمل كل واحد من الفريقين ~~على وجه الانفراد ، كأنه ليس معه غيره . وفي مثل هذا لا بيان للموجب ، ~~وإنما يطلب البيان بالتأمل في صفة الكلام فإذا تعذر الوقوف عليه كانوا ~~جميعا آمنين ، لاختلاط المستأمن بغير المستأمن . وهذا لأن بيان المشترك بما ~~يكون مقارنا ، فأما ما يكون طارئا فهو نسخ ، فلا جرم إذا قال : نويت ~~الأسفلين أو الأعلين ، كان ذلك صحيحا ، لأنه بيان بما اقترن بالكلام ، فأما ~~إذا قال : اختار الآن ، فهذا ليس ببيان ، إنما هو في معنى النسخ ، وهو لا ~~يملك ذلك . PageV02P431 # وإن قال المتكلم : أنا نويت الأسفلين . وقال الإمام : أنا نويت الأعلين . ~~فهو على ما عني الإمام ؛ لأنه هو الموجب بالصيغة المشتركة . ألا ترى أنه لو ~~قال : أمنى على قريبي عباس بن عمر . فقال : أمنتك ، وله قريبان كل واحد ~~PageV02P432 منهما بهذا الاسم ، فقال الإمام : عنيت هذا . وقال المستأمن ~~عنيت الآخر . كان ذلك على ما عني الإمام ، وإن قال الأمير : لم أعن واحدا ~~منهما بعينه . وقال المستأمن كذلك فهما آمنان . لاختلاط من صار آمنا بغيره ~~على وجه لا يمكن تمييزه ، وإن قال المستأمن ؛ عنيت هذا . وقال الأمير لم ~~أعن واحدا بعينه . إنما أجبته إلى ما طلب فالأمان الذي عناه المستأمن لأن ~~الإمام بنى الإيجاب على كلامه ، وأحدهما في ذلك عين بإرادة المستأمن إياه . ~~فيجعل ذلك كالمعين في جواب الإمام أيضا ، ولو قال : أمني على عشرة من موالي ~~الأسفلين ms0258 . فالخيار في تعيينهم إلى المستأمن هنا ، كما في قوله : على عشرة ~~من أهل حصني ؛ لأنه جعل نفسه ذا حظ من أمانهم ، بذكر كلمة الشرط بعد أمان ~~نفسه ، وكذلك لو قال : علي ابن عمي ، فله أن يختار أيهما شاء إذا كان له ~~ابنا عم . # ولو قال : علي ابن عمي زيد بن عمرو . فإذا كان له ابنا عم كل واحد منهم ~~بهذا الاسم ، وأجمع المستأمن والذي أمن أنهما لم يعينا واحدا منهما ، فهما ~~آمنان ؛ لأن التعريف بالاسم والنسب كالتعريف بالإشارة ، وإنما وقع الأمان ~~بهذا اللفظ على أحدهما بعينه ، ولكنا لا نعرفه ، فاختلط المستأمن بغير ~~المستأمن ، وفي الأول إنما أوجب الأمان في منكر مجهول ، فكان له أن يعين ~~أيهما شاء . ألا ترى أنه لو أعتق عبدا بعينه من عبيده ، ثم اختلط بغيه على ~~وجه لا يمكن تمييزه لم يكن له خيار التعيين ، بخلاف ما لو أعتق أحد عبديه ~~بغير عينه . ولو قال : أمنوني في عشرة أنفس من بني . فقد تقدم بيان هذا . ~~إلا أن هنا ليس للإمام أن يعين عشرة من بناته ليس فيهن ذكر ؛ لأنه أوجب ~~الأمان لعشرة هم بنوه . وهذا لا يتناول الإناث المفردات ، بخلاف الأول . ~~فهناك أوجب الأمان لعشرة هم من بينه ، والإناث المفردات من بنيه إذا كان له ~~معهن ذكر . ولو قال : أمنوني على موالي . وليس له إلا مواليات إناث لا ذكر ~~فيهن . فهن آمنات معه استحسانا . وفي القياس هذا وما تقدم من الإخوة ~~والبنين سواء في أنه لا يتناول الإناث المفردات ولكنه استحسن فقال : وأهل ~~اللغة يستجيزون إطلاق اسم الموالي على الإناث PageV02P433 المفردات ، ~~ويعدون قول القائل : مواليات من باب التكلف ، بل يقولون للمعتقات : هن ~~موالي بني فلان المفردات ، ويعدون قول القائل : مواليات من باب التكلف ، بل ~~يقولون للمعتقات : هن موالي بني فلان كما يقولون للمعتقين ، وللعرف عبرة في ~~معرفة المراد بالاسم . فلهذا تناول هذا اللفظ الإناث المفردات في الأمان ~~والوصية بخلاف اسم الإخوة والبنين ، والله أعلم بالصواب . PageV02P434 # | باب الأمان على غيره # ما يدخل هو فيه وما لا يدخل ms0259 ، وما يكون فداء وما لا يكون قال : رجل من ~~المحصورين ، قال للمسلمين : أفتح لكم الحصن على أن تؤمنوني على فلان رأس ~~الحصن . فقالوا : نعم ، ففتح الحصن ، فهو والرأس آمنان . لأنه صرح باشتراط ~~الأمان لنفسه وللرأس على فتح الحصن ، فإنه أضاف الأمان إلى نفسه بالكناية ، ~~والى الرأس بالتصريح باسمه ووصل كلمة على الذي هو للشرط به ، وكذلك لو قال ~~: أنا آمن على فلان رأس الحصن إن فتحت الباب . فقالوا : نعم ، وهذا لأن نعم ~~غير مفهوم المعنى بنفسه ، فإذا ذكر في موضع الجواب يصير الخطاب معادا فيه ، ~~فكأن المسلمين قالوا له : أمناك على فلان رأس الحصن على أن تفتح الباب ، ~~وفي هذا إيجاب الأمان لهما ، بمنزلة PageV02P435 ما لو قالوا : أمناك على ~~أهلك وولدك ، أو على أهلك ومالك ، على أن تفتح الحصن ولو كان قال : اعقدوا ~~لي الأمان على فلان فهما آمنان أيضا . وكذلك لو قال : اجعلوا لي الأمان على ~~فلان ؛ لأنه صرح باشتراط الأمان لنفسه ولفلان . وهذا بخلاف ما قال في الباب ~~الأول آمنوا لي عشرة . فإنه لا يتناوله الأمان ، لأن تقدير كلامه هناك ~~آمنوا لأجلي ، فلا يصير مضيفا الأمان إلى نفسه بل يصير ملتمسا الأمان لعشرة ~~منكرة ، متشفعا في ذلك . وكم من شفيع لا حظ له فيما يشفع فيه ، ولا يتحقق ~~هذا المعنى هنا ، فإن قوله : اعقدوا لي الأمان تصريح بإضافة الأمان إلى ~~نفسه . ولأنه قال على فلان ، ولو حملنا قوله على معنى الشفاعة لم يبق لقوله ~~: على فائدة ، بل يصير كلامه اعقدوا أو اجعلوا لأجلي وبشفاعتي الأمان لفلان ~~. وكلمة على للشرط ، فلا بد من إعمالها إذا صرح بها ، وذلك في أن يلتمس ~~الأمان لنفسه ويشترط أمان فلان معه . وفي تلك المسألة لم يذكر كلمة على ، ~~إنما قال : آمنوا لي عشرة . # ولو قال : عاقدوني على أن الأمان على رأس الحصن ، فالرأس آمن والمتكلم ~~فيء ؛ لأنه أضاف العقد إلى نفسه دون الأمان . وكم من مباشر للعقد لا حظ له ~~من المقصود بالعقد خصوصا في هذا العقد الذي لا تتعلق الحقوق فيه بالعائد ms0260 . ~~ولا بد من الإضافة إلى من يقع العقد له ، ألا ترى : أن المسلمين لو قالوا : ~~عاقدناك الأمان على الرأس إن PageV02P436 فتحت . فكان الأمان على الرأس ~~دونه . لأن المعاقدة على ميزان المفاعلة ، فيه يصير العقد مضافا إليه دون ~~ما يتناوله العقد وهو الأمان ، ثم إنما يأمن الرأس وحده ، ولا يدخل في ~~الأمان عياله ورقيقه في هذين الفصلين ؛ لأن الأمان له بعد الفتح وتمام ~~القهر ، وفي مثله لا يدخل إلا ما عليه من اللباس . ولو قال : عاقدوني ~~الأمان ، أو اكتبوا إلي الأمان على فلان . فقالوا : نعم ، فالأمان لفلان ~~دونه ؛ لأنه التمس أن يكتبوا إليه أمان فلان . والمكتوب إليه قد لا يكون ذا ~~حظ من المكتوب ، فهذا وقوله : عاقدوا لي سواء ، ووقع في بعض النسخ : اكتبوا ~~لي الأمان على فلان ، وهو غلط ، فإن قوله : اكتبوا لي الأمان كقوله : ~~اجعلوا لي الأمان . لأن فيه تصريحا بإضافة الأمان المكتوب إلى نفسه ، ~~فعرفنا أن الصحيح : اكتبوا إلي . ولو قال : اعقدوا لي الأمان ، أو : ~~عاقدوني على الأمان على عيالي ، أو قال : على ولدي ، أو على مالي ، أو على ~~قرابتي . فهو آمن ، وجميع من اشترط عقد الأمان عليه . PageV02P437 أما في ~~قوله : اعقدوا لي ، فهو غير مشكل . وأما في قوله : عاقدوني فهو لا يدخل في ~~الأمان في القياس ، كما في الفصل الأول ، لأنه أضاف العقد إلى نفسه دون ~~الأمان ، ولكنه استحسن هنا لوجهين : أحدهما : أن في كلامه دلالة اشتراط ~~الأمان لنفسه ، لأنه شرط الأمان لولده ولعياله والمقصود به إبقاؤهم . وإنما ~~بقاؤهم ببقائه على وجه يعولهم بعد هذا ، كما كان يعولهم من قبل . ولا يتحقق ~~هذا إلا إذا تناوله الأمان ، فإنه إذا قتل أو استرق لا يعولهم بعد ذلك . ~~وهذا في قوله : على مالي ، أظهر . لأنه لا غرض له في طلب الأمان لماله سوى ~~أن يبقي على ملكه ، فيصرفه إلى حوائجه ، ولا يكون ذلك إلا بعد أن يثبت ~~الأمان له ، ولأنه ليس بسفير في هذا العقد . فالعاقد على مال نفسه يكون ~~عاملا لنفسه ، ولا يكون سفيرا عن غيره . وكذلك في ms0261 حق العيال والولد ، لأن ~~قصده إلى استنقاذهم لحاجته إلى ذلك حتى يقوموا بمصالحة ، أو لإظهار الشفقة ~~عليهم ، وذلك في حق نفسه أظهر . فعرفنا أنه طلب الأمان لنفسه دلالة بخلاف ~~ما سبق . ولو قال : عاقدوني على الأمان على عيال فلان أو على ولد فلان . ~~فهو لا يدخل في الأمان ؛ لأنه ليس في كلامه دليل على طلب الأمان لنفسه ، ~~فإن بقاء عيال فلان غير متعلق ببقائه ، وبقاؤه غير متعلق أيضا بقيامهم ~~بمصالحه . فكان هذا وقوله على رأس الحصن سواء ، ولم يذكر أن فلانا المنسوب ~~إليه العيال والولد هل يدخل في هذا الأمان أم لا ؟ وعلى أحد الطريقين ~~الاستحسان ينبغي أن يدخل ، لأن بقاء عيال فلان على ما كانوا عليه يتعلق ~~بأمان فلان ، وعلى الطريق الآخر لا يدخل ، لأن PageV02P438 المتكلم أظهر ~~الشفقة والترحم على ولد فلان وعياله ، وذلك لا يكون دليلا على شفقته على ~~فلان ؛ ثم أوضح هذا بما : لو قال الرأس : عاقدوني الأمان على أهل مملكتي ، ~~أو على بيتي ، فإنه بهذا اللفظ يعلم كل واحد أن مراده إبقاء نفسه على ما ~~كان عليه متصرفا في مملكته ، وذلك لا يكون إلا بعد ثبوت الأمان . ولو قال : ~~اعقدوا لي الأمان على أهل حصني على أن أفتحه لكم ، فهو آمن وأهل الحصن من ~~بني آدم ، فأما الأموال والسلاح والمتاع والكراع فهو فيء ؛ لأن ثبوت الأمان ~~بعد فتح الباب . وفي مثله لا تدخل الأموال تبعا ، ألا ترى أنهم شرطوا له ~~ذلك جزاء على فتح الباب ؟ ولو تناول الأمان جميع ما في الحصن من الأموال ~~والنفوس لم يبق للمسلمين فائدة في فتح الباب ، فبهذا يتبين أنهم قصدوا ذلك ~~ليتوصلوا إلى استغنام الأموال ، ولأن في اشتراط فتح الباب دليل على أن ~~الذين تناولهم الأمان غير مقرين على السكنى في الحصن ، وإنما تدخل الأموال ~~في الأمان لأن التمكن من المقام بها يكون ، فإاذ انعدم ذلك المعنى هنا لا ~~يدخل المال . PageV02P439 # ولو قال : اعقدوا لي الأمان على أهل حصني على أن أدلكم على الطريق إلى ~~موضع كذا ، ففعلوا ، وفتح الحصن ms0262 . فجميع من في الحصن ، وجميع ما فيه داخل ~~في الأمان هنا ؛ لأن شرط الأمان هنا جزاء على الدلالة لا على فتح الباب ، ~~ففي كلامه بيان أنه يدلهم ليتمكن القرار في حصنه مع أهل الحصن على ما كانوا ~~من قبل . وفي مثل هذا الأمان تدخل الأموال . وكذلك لو قال : اعقدوا لي ~~الأمان على أهل حصني على أن تدخلوه فتصلوا فيه . فليس لهم قليل ولا كثير من ~~النفوس ولا من الأموال ؛ لأن في كلامه تصريح بما هو فائدة فتح الباب ، وهو ~~الصلاة فيه دون إزعاج أهله منه . وقد يرغب المسلمون في ذلك ليفشو الخبر بأن ~~المسلمين صلوا بالجماعة في حصن كذا ، فيقع به الرعب في قلوب المشركين ، أو ~~ليعبد الله في مكان لم يبعده في ذلك المكان أهله . ومكان العبادة شاهد ~~للمؤمن يوم القيامة كما ورد به الأثر . ولو قال : أمنوني على أهل الحصن على ~~أن تدخلوه ، ولم يذكر غير ذلك ، فهذا الأمان على الناس خاصة ؛ لأن فائدة ~~دخول الحصن : الاستغنام ، هو الظاهر وما سواه محتمل . ولكن المحتمل لا ~~يقابل الظاهر . فإذا انعدم التصريح بالوجه المحتمل كان الكلام محمولا على ~~الظاهر . إليه أشار بقوله ، PageV02P440 وبعض هذا قريب من بعض ، ولكن هذا ~~على ما يقع عليه معاني الكلام . ولو قال : أفتح الحصن على أن تؤمنوني في ~~أهل حصني ، أو مع أهل حصني ، أو وأهل حصني ، لم يدخل الأموال في شيء من هذا ~~، لأن اشتراط الأمان لهم جزاء على فتح الباب مطلقا . ولو قال : أفتح الحصن ~~على أن تؤمنوني على ألف درهم . فهو آمن ، وماله كله فيء . إنما له ألف درهم ~~يعطيه الإمام من أي موضع شاء ؛ لأنه شرط ألف درهم مطلقا مع أمان نفسه ، ~~جزاء على الفتح وفي مثل هذا الأمان لا يدخل ماله ، ولكن يدخل ما شرط من ~~الألف عوضا على فتح الباب . فإذا فتح أعطي ما شرط له من العوض . وكذلك لو ~~قال : أفتح الحصن وتؤمنوني على ألف درهم ، فإن الواو هنا بمعنى الحال ، ~~يعني في الحال ما تؤمنوني على ألف ms0263 درهم . فيكون شرطا . كقوله لامرأته : أنت ~~طالق وأنت مريضة . فإن قال : أفتح الحصن فتؤمنوني على ألف درهم من مالي ، ~~أو على أن تؤمنوني ، فإنما له ألف درهم من ماله والباقي كله فيء . ~~PageV02P441 وإن لم يف ماله بألف درهم لم يكن زيادة على ماله ؛ لأنا علمنا ~~أنه لم يجعل الألف لنفسه عوضا ، فإنه أضاف الألف إلى نفسه بقوله : من مالي ~~. وماله لا يسلم له عوضا عن فتح الباب ، بل يسلم له بأن أعطي الأمان في ~~ماله كما في نفسه . وبطريق الأمان لا يسلم له زيادة على ماله ، بخلاف الأول ~~. فقد أطلق تسمية الألف بمقابلة منفعة شرطها على نفسه للمؤمنين ، فيكون ذلك ~~عوضا ، بمنزلة الأجير يقول : أعمل لك هذا العمل على درهم ، ولو قال : أعمل ~~لك هذا العمل على درهم من مالي لم يكن ذلك إجازة . وإن لم يكن ماله دراهم ~~ولكنه كان عروضا أعطي من ذلك ما يساوي ألفا ، لأنه قال : من مالي . فإنما ~~جعل المشروط فيه الأمان جزء من ماله ، وبصفة المالية الأموال جنس واحد ، ~~بخلاف ما إذا قال : علي ألف درهم من دراهمي . لان المشروط فيه الأمان هناك ~~جزء من دراهمه ، فإذا لم يكن له دراهم لم يصادف هذا الأمان جزء من ماله ، ~~وبصفة المالية جنس واحد ، بخلاف ما إذا قال : علي ألف درهم من دراهمي . لأن ~~المشروط فيه الأمان هناك جزء من دراهمه ، فإذا لم يكن له دراهم لم يصادف ~~هذا الأمان محله ، فكان لغوا . ونظيره الوصية إذا قال : أوصيت لفلان بألف ~~درهم من مالي . أعطي ألف درهم من ماله وإن لم يكن له دراهم وإن قال : من ~~دراهمي لم يعط شيئا ، ثم ذكر سؤالا فقال : إذا قال : علي ألف من مالي ، ~~لماذا لا يجعل شرطا للألف على نفسه للمسلمين عوضا عن الأمان ، فيصير كأنه ~~شرط لهم فتح الحصن وألف درهم عن نفسه عوضا عن أمانه ؟ . قلنا : لأن في هذا ~~إلغاء هذا الشرط . فإنه لو فتح الباب ولم يذكر هذه الزيادة كان ماله كله ~~فيئا . فعرفنا أنه ليس ms0264 مراده وتؤمنوني على ألف من مالي أن تكون الألف ~~للمسلمين من ماله ، وإنما مراده أن يكون الألف سالما له من ماله ~~PageV02P442 بطريق الأمان ، وما سواه فيء للمسلمين . ألا ترى أنه لو قال : ~~أفتح الحصن على أن تؤمنوني على دقيقي أو على مالي أو على سلاحي كان ذلك ~~محمولا على طلب الأمان لهذه الأشياء مع نفسه . فكذلك قوله : على ألف من ~~مالي ؟ ولو قال : على عشرة أرؤس من الرقيق أو على عشرة أفراس ، كان ذلك ~~عوضا ، بمنزلة قوله : على ألف درهم مطلقا ؛ لأن الرقيق يصلح عوضا عما ليس ~~بمال كالدراهم ، وفتح الباب بهذه الصفة ، فللمسلمين أن يعطوه الأرؤس من أي ~~موضع أحبوا ، بخلاف ما إذا قال : رقيقي أو كراعي ، ولو لم يشترط فتح الحصن ~~، ولكن قال : آمنوني حتى أنزل إليكم على ألف درهم ، أو قال : على ألف درهم ~~من مالي ، فأمنوه ، فعليه ألف درهم في الوجهين جميعا ؛ لأنه ما شرط في ~~مقابلة ما التمس من الأمان منفعة للمسلمين ، فعرفنا أن مراده بذكر الألف أن ~~يكون عوضا للمسلمين على أمانه سواء أطلق أو قال : من مالي وهذا لأن بنزوله ~~يتوصل المسلمون إلى ماله الذي في الحصن ، ليكون ذلك دلالة التماس الأمان في ~~هذا القدر من ماله . وإذا حملنا على اشتراط العوض كان مفيدا للمسلمين بخلاف ~~ما سبق . وكذلك لو قال : على عشرة أرؤس من الرقيق ، أو من رقيقي ، فهذا عوض ~~. وقد فدى به نفسه ، فعليه أن يدفع ذلك إلى المسلمين . PageV02P443 ولو قال ~~: على أهلي ، أو ولدي ، أو مالي ، فهو آمن ، وجميع ما نزل به من ذلك ، ولا ~~شيء عليه ، لأن أهله وولده ليس بمال ، ولم تجر العادة بأن يجعلهم المرء ~~فداء لنفسه ، بل يجعل نفسه وقاية دونهم . فعرفنا أن مراده التماس الأمان ~~لهم مع نفسه . وكذلك إذا ذكر المال مطلقا ، لأن ذلك مجهول الجنس والصفة ~~والقدر ، فلا يصلح أن يكون فداء ، ولأنه لا يفدي نفسه بجميع ماله عادة ، ~~إذا يهلك جوعا . ولو قال : أمنوني على رقيقي على أن أنزل ، فهو آمن ورقيقه ms0265 ~~. ولو قال : على نصف رقيقي كان هذا فداء ، وباعتبار حقيقة المعنى لا يتضح ~~الفرق بينهما ، ولكن باعتبار عرف الناس . فإن الإنسان يفدي نفسه ببعض ما ~~يأتي به معه ليتعيش آمنا بما بقى ، ولا يفدي بجميع ما ينزل به ، فإذا ذكر ~~نصف المال أو نصف جنس من المال فالغالب أن مراده الفداء ، وإذا ذكر جميع ~~المال أو جميع جنس من المال كالرقيق ، فالغالب أن مراده طلب الأمان لذلك ~~الجنس مع نفسه ، فإذا ذكر ما ليس بمال كالزوجة والولد فالغالب أن مراده ~~الاستئمان لهم لا الفداء ، سواء ذكر عددا منهم أو ذكر جماعتهم ، وهو بمنزلة ~~ما لو ذكر إنسانا آخر بقوله : آمنوني على فلان ، فإنه يكون ذلك طلب الأمان ~~لفلان لا جعله فداء لنفسه . فإن قال : أمنوني على عشرة من رقيقي حتى أنزل ، ~~فهذا فداء . PageV02P444 فإن نزل معه بماله وزوجته فهم فيء أجمعون ، لما ~~بينا أن في أمان النازل لا يدخل سوى ما عليه من اللباس ، ألا ترى أن في ~~الأمان بغير فداء لا يدخل المال والعيال ؟ فكذلك في الأمان بالفداء . ولكنه ~~إن نزل معه بمثل ما اشترط في فدائه فقال : جئت به للفداء الذي شرطتم علي ، ~~فالقياس أن يكون ذلك فيئا ، فيكون عليه فداء آخر ؛ لأن الأمان له بعد ~~النزول ، وذلك لا يتناول ما معه من المال ، فصار المال فيئا للمسلمين وهو ~~لا يتمكن من أداء ما التزمه من الفداء بفيء للمسلمين ولكنه استحسن فقال : ~~يحسب له هذا من الفداء ؛ لأنه يتمكن من أداء ما التزمه بماله ، وهو ينزل ~~إلينا ولا مال له عندنا . وإذا لم ينزل بهذا القدر مع نفسه لا يتمكن من ~~الفداء . فكان اشتراط الفداء عليه تسليطا له على أن يأتي به ، كما أن ~~اشتراط بدل الكتابة على المكاتب يكون تسليطا له على الاكتساب وتمليكا لليد ~~والكسب منه . فإن كان المشروط عليه عشرة أرؤس فجاء بأحد عشرة ، كان لنا أن ~~نأخذ الكل : عشرة بالفداء والباقي لأنه فيء ، لأن الاستحسان في مقدار حاجته ~~إلى الفداء ، وفيما زاد عليه يؤخذ ms0266 بالقياس ، PageV02P445 وكذلك لو جاء ~~بعشرين رأسا فقال : جئت بها لتبيعوها ، فإنه يؤخذ الكل منه ، باعتبار ~~القياس كما ذكرنا . وإن جاء بصنف غير الرقيق فقال : أردت أن أبيعه وأعطيكم ~~القيمة ، فإنه يقبل ذلك منه مع يمينه استحسانا ؛ لأن الرقيق في معاوضة ما ~~ليس بمال مطلقا يثبت مترددا بين العين وبين القيمة ، وبأيهما جاء قبل منه . ~~فكانت المجانسة بين الفداء وبين ما جاء به ثابتة ، باعتبار المالية ، فلهذا ~~يصدق في ذلك . وهذا إذا قال : على عشرة أرؤس من الرقيق ، وأما إذا قال : من ~~رقيقي ، ثم جاء بالدراهم ، فذلك فيء ، وهو مطالب بما التزمه من الفداء ؛ ~~لأنه بإضافة الرقيق إلى نفسه يصير معينا لهم . فكأنه عينهم بالإشارة ، وفي ~~مثل هذا لا يؤخذ منه القيمة مكان العين ، فإن قال : لم يدعني أهل الحصن ~~أنزل إليكم بذلك ، فجئت بالقيمة . لم يصدق على ذلك ؛ لأن ما جاء به من ~~الدراهم صار غنيمة للمسلمين ، فلا يصدق على أن يجعل ذلك محسوبا عليهم ~~بالفداء . وذلك لأنه كان متمكنا من أن يبين PageV02P446 للمسلمين قبل نزوله ~~أنهم يمنعونه من النزول بالرقيق حتى يأذنوا له في النزول بالقيمة . فإذا لم ~~يفعل كان التقصير منه ، وإن فعل ذلك فأذنوا له في النزول بالقيمة كان ما ~~يأتي به من الدراهم فداء ولا يكون فيئا . ولو أن صاحب القلعة قال : أمنوني ~~على قلعتي ، أو على مدينتي على أن أفتحها لكم . فإن جرى كلام يدل على أن ~~المراد عين القلعة والمدينة بأن قال : إني أخاف إن فتحت لكم أن تهدموا ~~قلعتي أو تخربوا مدينتي ، فقالوا له : أنت آمن على قلعتك ومدينتك . فهذا ~~عليهما خاصة دون ما فيهما من الأموال والنفوس ؛ لأن مطلق الكلام يتقيد بما ~~سبق من دلالة الحال . وإنما جعلوا له الأمان جزاء على فتح الباب . ومقصودنا ~~من ذلك الاستغنام ، فعرفنا أن الأمان يختص بما سمي له ، إلا أنه يأمن بماله ~~وولده وعياله ، لأنه استأمن على قلعته ليتمكن من القرار فيها ، وتمكنه بهذه ~~الأشياء . ففي هذا الحكم يشبه حاله حال المستأمن إلى دارنا للتجارة ms0267 . فأما ~~إذا لم يسبق كلام يكون دليلا على تخصيص ففي القياس الجواب كذلك أيضا ، لما ~~بينا أن المقصود من فتح الباب هو الاستغنام والاسترقاق . ثم ليس في لفظة ~~القلعة والمدينة ما ينبئ عن أهلها أو عما فيها ، ولعله إنما استأمن لهذه ~~الصفة لخوفه على القلعة أن تقلع وعلى المدينة أن تحرق أو تخرب . وقد كان ~~ذلك مسقط رأسه ومسكن آبائه ، فقصد بالأمان إبقاؤها دون إبقاء من فيها ، وفي ~~الاستحسان هذا أمان على القلعة والمدينة وعلى جميع ما فيها ، لدلالة العرف ~~؛ PageV02P447 فإنه إذا قيل هذه مدينة عامرة أو قلعة حصينة يفهم منه ~~عمارتها بكثرة أهلها لا بجدرانها . أرأيت لو قال : آمنوني على مملكتي على ~~أن أفتح لكم القلعة أليس يفهم من هذا اللفظ جميع ما في مملكته من النفوس ~~والأموال ؟ ولأن مقصوده أن تبقى له المدينة والقلعة على ما كانت من قبل ، ~~ويكون هو المتصرف في أهلها كما كان . وإنما يحصل هذا المقصود إذا دخلوا في ~~الأمان . # ولو أشرف رجل من أهل الحصن فقال : أفتح لكم على أن تؤمنوني من مالي على ~~ألف درهم . فله ألف درهم من ماله بطريق الأمان لا بطريق العوض . كما في ~~قوله : على أن تؤمنوني على ألف درهم من مالي . إذ التقديم والتأخير في هذا ~~لا يوجب اختلاف المعنى ، وكذلك لو قال : على ألف درهم ، فلا فرق بين أن ~~يقدم ذكر الألف على أمان نفسه أو يؤخره في أن يكون عوضا شرطه عليهم بفتح ~~الباب . ولو قال : أفتح لكم على أن تؤمنوني بألف درهم ، كان آمنا وحده . ~~وكان عليه ألف درهم يكتسبها فيؤديها ، لأن جميع ماله يصير فيئا بفتح الباب ~~لو لم يقل بألف درهم فكذلك إذا قال : بألف درهم . وهذا لأن حرف الباء يصحب ~~الأعواض . فإذا وصل الألف بأمان نفسه بحرف الباء كان ذلك تنصيصا على أن ~~الألف عوض عن الأمان ، PageV02P448 والأمان حاصل له . فكان الألف عليه ~~بمنزلة من يقول لغيره : وهبت هذه العين منك على أن تبيعني جاريتك هذه بمائة ~~دينار كانت المائة عوضا ms0268 عن الجارية . وكذلك لو قال : أفتح لكم وتؤمنوني ~~بألف درهم . ولو قال : أفتح لكم على أن تؤمنوني من مالي بألف درهم . فالألف ~~عوض عن أمانه أيضا إلا أنه يؤخذ منه من ماله مقدار الألف وجد ، مكان ما ~~عليه عوضا من الأمان بخلاف الأول ؛ لأن هاهنا عين لما التزم من العوض محلا ~~مخصوصا وهو ماله الذي في يده ، وعلى ذلك أعطيناه الأمان . ولا بد من أن ~~يأخذ ذلك القدر منه بطريق الفداء لا بطريق الاستغنام ، وفي الأول التزم ~~العوض في ذمته من غير أن عين له محلا ، فيبقى ماله فيئا كما هو موجب فتح ~~الباب على وجه إتمام القهر . وإن لم يجدوا له مالا هنا فعليه ألف درهم ~~يؤديها إلى المسلمين ؛ لأن الأمان قد سلم له فيلزمه العوض بمقابلته . ولكنه ~~كان يعطي ذلك العوض من المال الموجود في يده إن كان ، فإذا لم يكن فقد ~~عرفنا أن مراده من المال الذي يكسبه . ولو لم يذكر فتح الباب ولكن قال : ~~أمنوني حتى أنزل إليكم بألف درهم من مالي ، أو من مالي بألف درهم . فهذا ~~فداء ؛ لأن حرف الباء يصحب الأعواض . فإنما التمس أمانا بعوض . وقد نال ذلك ~~حين نزل فعليه إذا الألف . PageV02P449 وكذلك لو كان بحرف على هنا ؛ لأنه ~~لم يشترط على نفسه للمسلمين منفعة حتى يكون ذكر الألف شرطا شرطه لنفسه على ~~المسلمين ، عوضا ، فتكون الألف عوضا عن أمانه في الوجهين . ولو قال : أفتح ~~لكم على أن تؤمنوني على أهلي وألف درهم . أو قال : بأهلي وألف درهم فهو ~~سواء . وله ألف درهم من ماله مع أهله ، وما سوى ذلك فيء ؛ لأن الأهل ليس ~~بمال ، فلا يكون ذكره الألف على سبيل البدل عن أمانه ، سواء ذكره بحرف على ~~أو بحرف الباء ، ولكنه على وجه الاستئمان لهم . ثم الواو للعطف ، وحكم ~~العطف حكم المعطوف عليه . فإذا كان المعطوف عليه استئمانا كان المعطوف كذلك ~~. ولو بدأ بالمال فقال : أفتح لكم وتؤمنوني على ألف درهم وعلى أهلي وولدي ، ~~كان آمنا على ألف يعطونها إياه ، وعلى ms0269 أهله وولده ، وما سوى ذلك فيء ؛ لأن ~~شرط ذلك كله لنفسه جزاء على فتح الباب ، فما يصلح عوضا وهو الألف يعطوا له ~~إياه . وأهله وولده كنفسه في أنه شرط أمانهم جزاء على الفتح . ولو قال : ~~أفتح لكم على أن تؤمنوني بألف درهم وبأهلي وولدي . فعليه الألف وأهله وولده ~~كلهم فيء ؛ ل PageV02P450 لأن حرف الباء محكم في الأعواض . فقد قرنه بالألف ~~فكان عوضا عن أمانه ، وقرنه بالأهل والولد أيضا ، وعطفهما على العوض أيضا . ~~فكان تنصيصا على أن كل ذلك عوضا عن أمانه ، فإذا بدأ بالأهل فقال : على أن ~~تؤمنوني بأهلي وألف درهم ، فالقياس هكذا يقتضى . ولكن الاستحسان : الأهل ~~ليس بمال ليصلح أن يكون عوضا . فاستدللنا بذلك على أن المراد الاستئمان ~~للأهل جزاء على الفتح ، وقد عطف الألف عليه ، فيكون ذلك استثناء الألف من ~~ماله من جملة ما يكون فيئا . ألا ترى أنه لو قال : أفتح لكم على أن تؤمنوني ~~بجميع قرابتي وبأهلي وولدي وبألف درهم ، فالذي يسبق إلى وهم كل أحد أن هذا ~~كله استثناء لا فداء . ولو قال : أنزل إليكم على أن تؤمنوني على أهلي وألف ~~درهم ، أو بأهلي وألف درهم . فهو سواء . وله أهله وألف درهم من ماله الذي ~~نزل به . وما سوى ذلك فيء كما هو الحكم في أمان النازل ؛ لأنه عطف الألف ~~على الأهل ومراده في حق الأهل الاستئمان دون الفداء ، فكذلك فيما عطف عليه ~~. ولو قال : بألف درهم وأهلي . فهذا فداء . وعليه أن يعطيهم ألف درهم وأهله ~~؛ لأن الألف عوض حين قرن به حرف الباء ثم عطف الأهل عليه ، فكان ذلك تنصيصا ~~على الفداء . PageV02P451 قال : وبعض هذا أقرب من بعض . ولكن إنما يؤخذ ~~بالغالب من معاني كلام الناس في كل فصل ، إلا أن يكون قبل ذلك مراوضة تدل ~~على فداء أو على أمان عليه ، فيؤخذ بذلك ؛ لأن الكلام يحتمل كل واحد من ~~المعنيين . فإذا سبق ما يكون دليلا على أحد المعنيين ترجح ذلك ، وإذا لم ~~يسبق حمل على أغلب الوجهين . كما هو الحكم في المشترك إذا ms0270 ترجح أحد ~~المحتملين فيه بدليل في صيغته . ولو قال : أفتح لكم وأعطيكم مائة دينار على ~~أن تؤمنوني على عشرة آلاف درهم من مالي . فعليه بعد فتح الباب أن يعطيهم ~~مائة دينار ، وعليهم أن يسلموا له عشرة آلاف من ماله ، كما استثناه لنفسه ~~وهذا لا يكون فداء ؛ لأنه لو لم يذكر المائة الدينار كان ذلك استئمانا منه ~~على عشرة آلاف من ماله ، فكذلك إذا ذكر المائة الدينار شرطا للمسلمين على ~~نفسه مع فتح الباب . ولو قال : أفتح لكم وأعطيكم مائة دينار ، عل ان ~~تؤمنوني بألف درهم . فعليه مائة دينار وألف درهم ؛ لأنه صرح بكون الألف ~~عوضا عن أمانه حين وصل حرف الباء بذكره ، وصرح بكون الدنانير عوضا عن أمانه ~~حين شرط على نفسه أن يعطيها للمسلمين ، إلا أن يقول : بألف درهم آخذها ، أو ~~تعطونها ، فحينئذ يكون ذلك تنصيصا على اشتراط الألف على المسلمين لنفسه ~~عوضا . وهذا تفسير ما قال إن هذا الكلام يحتمل معنيين . يعني بقوله ألف ~~درهم . أي بألف درهم التزمها ، أو بألف آخذها منكم . فإذا جاء دليل أخذ به ~~، وإذا لم يأت دليل أخذ بما هو الغالب من معاني الكلام . والله أعلم . ~~PageV02P452 # | باب الحربي يستأمن إلى معسكر المسلمين # فإذا استأمن الحربي إلى العسكر من غير حصن ولا قلعة ولا مطمورة فقال : ~~أستأمن لأخرج إليكم ، ثم أرجع إلى أهلي ، فآتيكم بالتجارات ، فذهب ثم جاء ~~بتجارة أو سلاح أو غير ذلك ، وقال : هذا مالي . فالقول قوله وهو آمن على ما ~~جاء به ؛ لأنه استأمن في حال لم يصر مقهورا ، فهو بمنزلة من استأمن ليخرج ~~إلى دار الإسلام . وقد بينا أن هناك يدخل ماله في أمانه تبعا . وإن لم يذكر ~~، فكذلك الذي استأمن إلى العسكر إذا لم يكن محصورا ، وقوله في المال مقبول ~~اعتبار أن اليد له . فالظاهر شاهد له . وكذلك لو جاء بامرأة فقال : هذه ~~امرأتي ، أو ابنتي ، أو أختي ، أو جاء بصبيان فقال : هؤلاء ولدي ، فهو مصدق ~~على ذلك . وهم آمنون معه ، بمنزلة من استأمن إلى دار الإسلام . وقد ذكرنا ms0271 ~~هناك أنه يتبعه عياله في الأمان كما يتبعه ماله . ومن كلبه منهم فيما قال ~~فهو فيء ، لإقراره على نفسه بالرق حين كلبه في سبب التبعية في الأمان ، ~~PageV02P453 وإن صدقوه ثم رجع المستأمن فقال : لا قرابة بيني وبينهم ، ~~وكذبوه فهم آمنون ؛ لأنهم بالتصادق استفادوا الأمان في الابتداء ، فلا يبطل ~~ذلك بقول المستأمن ؛ لأن إقراره عليهم بالرق أو بما يبطل أمانهم مردود ، ~~وإن اتهم الأمير أحدا منهم حلفه ، فإن نكل أخذ مملوكا ، ولكن لا يقتل ~~بنكوله . ولو جاء معه رجال فقال : هؤلاء أولادي وإخواني فهم فيء أجمعون . ~~لما بينا أن المقاتلة لا يتبعونه في الأمان لو استأمن إلى دار الإسلام ، ~~فكذلك إذا استأمن إلى العسكر ولم يستأمن لهم نصا ولا استأمنوا لأنفسهم . ~~ولو جاء بمتاع أو رقيق فقال : هذا مالي ، أو بامرأة فقال : هذه عيالي . ~~فعلم أنه جاء بذلك من قرية أو مطمورة قريبة من العسكر ، فإن كان لم يعلم ~~بها أهل العسكر فذلك كله سالم ، سواء كانت بحيث لو علموا بها كانوا قاهرين ~~لأهلها أو لم يكونوا ؛ لأن معنى القهر لا يتحقق إذا لم يعلموا بهم ، ~~والقريب كالبعيد في حق من لا يعلم به . ألا ترى أن من تيمم والماء قريب منه ~~وهو لا يعلم به صح تيممه ، بمنزلة ما لو كان الماء بعيدا ؟ وكذلك لو كان ~~علم بهم ، إلا أنهم لم يقاتلوهم ولم يتعرضوا لهم وهم ممتنعون من المسلمين ؛ ~~PageV02P454 لأن أهل المنعة لا يصيرون مقهورين بمجرد العلم بهم ما لم يتعرض ~~لهم بالقتال . فإنما جاء بذلك من موضع لم يتناوله قهر المسلمين فيكون سالما ~~له . وإن جاء به من قرية قريبة من العسكر ليست لهم منعة وقد علم أهل العسكر ~~بها وبما فيها ، أو لم يعلموا بما فيها إلا أنهم لو دخلوها علموا ذلك ، ~~فليس له شيء مما جاء به ؛ لأن العسكر دخلوا دار الحرب على قصد قهر المشركين ~~، فإذا نزلوا بساحة قوم غير ممتنعين منهم ، وعلموا بحالهم ، كانوا قاهرين ~~لهم . ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0272 حين قرب من خيبر قال : ' ~~الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ' . ~~وإذا ثبت القهر بهذا الطريق عرفنا به إنما جاء بهذا مما كان في يد المسلمين ~~وتحت قهرهم ، ولا يسلم له شيء منه ، بمنزلة المحصور الذي يستأمن لينزل أو ~~ليفتح الباب . وإن كان إخرجه من مطمورة في قرية قد عرف المسلمون القرية ~~ولكنهم لم يعلموا المطمورة ، فجميع ذلك سالم ؛ لأن ما في المطمورة لا ~~يتناوله قهوهم إذا لم يعلموا بها ، دخلوا القرية أو لم يدخلوها ، فإنهم ~~عدموا آلة الوصول إليها . وإن جاء بذلك من حصن قد قاتلهم المسلمون وهم ~~مقيمون عليه ليفتحوه فجميع ما جاء فيه فيء ؛ PageV02P455 لأن قهر المسلمين ~~يتناول ما في الحصن ، بدليل أنه لو نزل رجل من أهل الحصن مستأمنا لم يسلم ~~شيء مما جاء به مع نفسه . فأي فرق بين أن يستأمن وهو خارج ، وبين أن يستأمن ~~ليخرج في حق المال الذي يخرجه من الحصن . فكما أن هناك لا يسلم له شيء في ~~المال والعيال بدون التصريح بالاستئمان منه له ، كذلك هذا . والله أعلم . ~~PageV02P456 # | باب الحربي يستأمن إلينا ثم نجده في أيديهم # وإذا استأمن الحربي إلى العسكر ليدلهم على عورات المشركين ولقي المسلمون ~~العدو ففقدوه . فلما هزموهم وجدوه فيهم وقال : أسروني من صف المسلمين ، ولا ~~يعرف كذبه من صدقه ، فإنه ينظر في حاله ، فإن كانت هيئته كهيئة المأسور بأن ~~كان مغلولا أو مربوطا أو مضروبا لم يعرض له ، وكان عندنا على أمانه الأول ؛ ~~لأنه عند تعذر الوقوف على حقيقة الحال يصار إلى تحكيم الظاهر وإلى العلامة ~~والزي . فإذا تبين بذلك أنه كان مأسورا فيهم قلنا : أسرهم إياه لا يبطل ~~أمانه ، كما لو أسروا ذميا لا يبطل ذلك عهده ، ولكنه يستحلف على ما يدعي من ~~ذلك ؛ لأن بما شاهدناه من دلالة الحال يصير الظاهر شاهدا له ولكن لا تنتفي ~~تهمة الكذب عن كلامه فالقول قوله مع يمينه . PageV02P457 وإن لم يكن عليه ~~شيء من علامات الأسر فهو فيء وللإمام أن يقتله ؛ لأن ms0273 الظاهر أنه فارق ~~عسكرنا باختياره ، والتحق بمنعة أهل الحرب ، فانتهى به الأمان الذي بيننا ~~وبينه ، وحال كحال غيره من أهل الحرب . وإن أشكل أمره بأن دل بعض العلامات ~~على أنه أتاهم اختيارا وبعض العلامات على أنهم أسروه فهو فيء . ولكن لا ~~ينبغي للإمام أن يقتله ؛ لأن عند تعارض العلامات يحكم الموضع الذي وجد فيه ~~، وإنما وجد في منعة أهل الحرب ، وفي موضع إباحة الاسترقاق . إلا أن تعارض ~~العلامات يمكن شبهة في أمره ، فمنع القتل ، إذا القتل مما يندرئ بالشبهات . ~~فإن قيل : عند تعارض العلامات لماذا لا يتمسك بالأصل وهو الأمان الذي كان ~~ثابتا له منا ؟ قلنا : التمسك بالأصل المعلوم هو لانعدام الدليل المزيل له ~~، لا لوجود الدليل المبقي . وقد ظهر الدليل المزيل لأمانه ، وهو كونه في ~~منعة أهل الحرب . فكان ينبغي على هذا القياس أن يكون فيئا على كل حال ، إلا ~~أنا تركنا هذا القياس فيما إذا ظهر أنه كان أسيرا فيهم بدليل فإذا انعدم ~~ذلك أو جاء ما عارضه وجب الاعتماد على ما هو معلوم في الحال ، وهو أنه حربي ~~وجد في منعتهم . # قال : ولو جالت خيل المسلمين جولة ثم إنهم عطفوا PageV02P458 فهزموهم ، ~~فوجدوه في أيديهم ، فهذا والأول سواء . إذا علم أنه كان في منعتهم قبل ~~هزيمتهم ، وإن هزمهم المسلمون فوجدوه لا يدرون أكان معهم أو مع أهل الحرب ، ~~إلا أنهم كانوا فقدوه . فلما وجدوه قال : لم أبرح عسكركم . فإن كان أهل ~~العسكر قليلا وأحاط العلم بأنه لا يخفى مثله إن كان في العسكر ، فهو فيء ؛ ~~لأنا تيقنا بأنه كاذب محتال ، وأنا حين فقدناه قد التحق بمنعة أهل الحرب ، ~~فانتهى حكم الأمان ، وإن كان العسكر عظيما قد يخفى مثله فيه ولا يدرى أصدق ~~أم كذب ، فهو على أمانه ؛ لأن الدليل المزيل للأصل المعلوم لم يظهر هنا ، ~~وهو وصوله إلى منعة المشركين ، ولكنا ندعي ذلك عليه وهو منكر ، فالقول قوله ~~مع يمينه . وإن كان قليلا ففقدوه ، فلما هزموا العدو إذا هم به لا يدرون ~~أكان مع العدو أو كان معهم ms0274 . فسئل عن ذلك فقال : ذهبت أتعلف العلف ، أو ~~ضللت الطريق ولم ألحق بالعدو . ففي القياس هو فيء ؛ PageV02P459 لأنا علمنا ~~مفارقته العسكر في دار الحرب ، ودار الحرب موضع أهل الحرب ، فكان ذلك ~~بمنزلة وصوله إلى منعتهم في حكم انتهاء الأمان . ولكنه استحسن وقال : هو ~~مصدق مع يمينه ؛ لأنه أخبر بخبر محتمل . فإنه لم يجد بدا من أن يخرج من ~~المعسكر ليقضي حاجته أو ليأتي بالعلف . وربما يضل الطريق عند الخوف وكثرة ~~الزحام ، كما أخبر به . وقد عرفنا ثبوت الأمان له . فيجب التمسك بذلك الأصل ~~ما لم يظهر مزيله بدليل . والله أعلم . PageV02P460 ؟ # | باب المراوضة على الأمان بالجعل وغيره # قال : ولو أن عسكر المسلمين أتوا حصنا من حصون أهل الحرب فناهضوه ، وقال ~~لهم أهل الحصن : يخرج عشرة منا يعاملونكم على الأمان ، وقد رضينا بما صنعوا ~~. فلما خرج العشرة سألوا المسلمين أن يسلموا السبي ويأخذوا ما سوى ذلك . ~~فأبى المسلمون ذلك . وصالحهم العشرة على أن يؤمنوهم خاصة وعيالاتهم . ~~فتراضوا على ذلك . ثم دخلوا الحصن وفتحوا الباب . فدخل المسلمون يسبون . ~~فقال أهل الحصن : أخبرنا العشرة بأنكم أمنتم السبي ، لم يلتفت إلى كلامهم ، ~~سواء صدقهم العشرة في ذلك أو كذبوهم . وجميع ما في الحصن فيء سوى العشرة مع ~~عيالاتهم ؛ لأنه لم يؤخذ من المسلمين أمان لغير العشرة صريحا ولا دلالة . ~~وأهل الحصن لا يدخلون في أمان العشرة تبعا فإن في أمان المحصور لا يدخل من ~~كان تبعا له حقيقة فكيف يدخل من لم يكن تبعا ؟ والعشرة وإن أخبروهم بأمان ~~السبي كما زعموا فقد كذبوا في ذلك . PageV02P461 # والمشركون إنما أتوا من قبل أنفسهم حين نصبوا الخائنين للسفارة بيننا ~~وبينهم ، وصاروا مغترين لا مغرورين من جهة المسلمين . وعلى هذا لو شهد قوم ~~من المسلمين كانوا في الحصن أن العشرة أخبروهم بذلك لم تنفعهم هذه الشهادة ~~. لما بينا ، فإن الثابت بالبينة لا يكون أقوى من الثابت بالمعاينة . # ولو عاينا أن العشرة أخبروهم بذلك حين دخلوا الحصن لم يمنعنا ذلك من ~~استرقاقهم ؛ لأنه لا أمان لهم منا . ولو كان أهل ms0275 الحصن أخذوا الأمان من ~~المسلمين على ما في حصونهم حتى يرجع إليهم العشرة بصلح أو غير صلح ، فهذا ~~والأول سوءا ؛ لأن ذلك الأمان قد انتهى برجوع العشرة إليهم ، فكأنه لم يكن ~~أصلا . ولو كانوا أخذوا الأمان حتى ترجع إليهم العشرة فيخبروهم بما جرى على ~~وجهه والمسألة بحالها ، فقال العشرة : قد أخبرناهم بذلك . وقال أهل الحصن : ~~لم تخبرونا بشيء من ذلك . فهم على أمانهم ؛ لأن العشرة يدعون انتهاء الأمان ~~الذي كان منا لأهل الحصن ، وأهل الحصن منكرون لذلك ، فالقول قولهم ولا ~~شهادة للعشرة على ذلك . لأنهم يشهدون على فعل أنفسهم ، ولأنهم يشهدون على ~~إجازة ما فعلوا ، فإنهم PageV02P462 يقولون : قد أخبرنا أهل الحصن ورضوا ~~بما فعلنا ، ولا شهادة للمرء على إجازة ما باشره . ولو شهد على مقالتهم قوم ~~مسلمون ، أو من أهل الذمة ، كانوا في الحصن ، قبلت الشهادة وكانوا فيئا ؛ ~~لأن شهادتهم حجة على أهل الحصن . فكان الثابت بشهادتهم كالثابت بإقرار أهل ~~الحصن . فإن كان الشهود من المسلمين على ذلك فساقا رد السبي إلى الحصن ، ~~وأعيد الأمر كما كان ، ثم ينبذ إليهم ويقاتلون ؛ لأن الأمر بالتوقف في خبر ~~الفاسق منصوص عليه ، ولا فرق بين أن يكون المشهود عليه مسلما أو حربيا في ~~أنه ليس للفاسق عليه شهادة مقبولة . وما لم يثبت إخبار العشرة إياهم بالأمر ~~على وجهه كانوا آمنين فلا يحل سبيهم . وإن كانوا حين دخل المسلمون عليهم ~~كسر حصنهم فصاروا لا منعة لهم ، فعليهم أن يلحقوهم بمأمنهم ؛ لأنهم في أمان ~~منا . فلا يجوز النبذ إليهم حتى نبلغهم مأمنهم . ولو قالت العشرة : ما ~~أخبرناهم بالصلح على وجهه ، ولكنا PageV02P463 أخبرناهم أنكم أمنتم السبي . ~~فهذا والأول سواء ، ولا يجوز التعرض بشيء مما في الحصن ؛ لأنهم كانوا في ~~أمان منا إلى غاية . وهو أن يخبرهم العشرة بالأمر على وجهه ، ولم يفعلوا . ~~فإن قال المسلمون : فنحن نسلم لكم السبي كما أخبركم به العشرة ونأخذ ما ~~سواه من المتاع ، لأنكم رضيتم بذلك وفتحتم الحصن عليه . وقال أهل الحصن : ~~لا نرضى بهذا الآن . فذلك لأهل الحصن ؛ لأن الأمان ms0276 منا يتناول جميع ما في ~~الحصن ، فهم على ذلك الأمان ، وإن رضوا بغيره ، ما ثم ينبذ إليهم أو ينتهي ~~بوجود غايته ، وغايته الإخبار بالأمر على وجهه . فإذا لم يوجد كان علينا أن ~~نعيدهم إلى منعتهم كما كانوا ، أو نبلغهم مأمنهم لم ننبذ إليهم ، ولو بعث ~~الأمير مع العشرة رجلا من المسلمين . فقال الرجل المسلم : قد أخبرهم العشرة ~~كيف كان الصلح . وأنكر ذلك أهل الحصن ، فالقول قولهم ؛ لأن شهادة الواحد في ~~الإلزام لا تكون حجة على المستأمنين كما لا تكون حجة على المسلمين . وإن ~~كان بعث معهم رجلين مسلمين أو أكثر فشهدا بذلك كانوا فيئا ؛ PageV02P464 ~~لأن شهادة المسلمين حجة تامة ، فيثبت بشهادتهما ما يوجب انتهاء الأمان به . ~~فإن قيل : كيف تقبل شهادتهما وهما يجران بها نفعا إلى نفسهما لأن لهما ~~نصيبا في الغنيمة ؟ قلنا : نعم . لكن الحق في الغنيمة لا يتأكد قبل الإحراز ~~. ولهذا من مات منهم لا يورث نصيبه ومثل هذا الحق الضعيف لا يورث تهمة ~~مانعة من قبول الشهادة . ألا ترى أن مسلمين من الجند لو شهدا على ذمي أنه ~~سرق من الغنيمة شيئا بعينة أو شهد عليه أنه سرق شيئا من مال بيت المال . ~~كانت شهادتهما مقبولة ولا ينظر إلى ما لهم فيه من المنفعة بناء على الشركة ~~العامة . وإن كان الرجلان ممن لم تقبل شهادتهما بين المسلمين فالقوم على ~~أمانهم ؛ لأن ما ينتهي به الأمان لم يثبت بهذه الشهادة ، فإن ثبوته بناء ~~على قبول شهادتهما . ولو كان بعث رجلين من أهل الذمة مع العشرة وهما ممن ~~تقبل شهادتهما على أهل الذمة فهم فيء أيضا ؛ لأنهم يشهدون على المستأمنين ، ~~ولأهل الذمة شهادة مقبولة على المستأمنين فيما يندرئ بالشبهات وفيما لا ~~يندرئ بالشبهات ، فكانا بمنزلة المسلمين في ذلك . PageV02P465 فإن شهد على ~~ذلك رجل وامرأتان ، جازت الشهادة وكانوا فيئا ، إلا أنهم لا يقتلون ؛ لأن ~~شهادة الرجال مع النساء حجة فيما يثبت مع الشبهات ، وليس بحجة فيما يندرئ ~~بالشبهات . لتمكن شبهة الضلال والنسيان في شهادتهن . ولو كان بعث مع العشرة ~~رجلين ms0277 من أهل الحرب مستأمنين ، فشهدا عليهم ، فإن كان من أهل تلك الدار ~~جازت شهادتهما ، وإن كان من غير تلك الدار بأن كانا من الترك ، وأهل الحصن ~~نصارى لم تقبل شهادتهما ، لتباين الدارين . فإن ذلك يقطع ولاية الشهادة كما ~~يقطع ولاية التوارث . وهذا لأن دار الحرب دار قهر ، ليس بدار حكم . ~~فباعتبار اختلاف المنعة يتباين الدار ، حتى لا تقبل شهادة المستأمنين بعضهم ~~على بعض ، إذا كانوا من أهل دور مختلفة ، وإن كانوا مجتمعين في دارنا بخلاف ~~أهل الذمة فإنهم صاروا من أهل دارنا ، ودار الإسلام دار حكم ، فإذا جمعهم ~~حكم واحد قبلت شهادة بعضهم على بعض ، وإن اختلفت مللهم ، كما تقبل شهادة ~~المسلمين بعضهم على بعض ، وإن اختلفت مذاهبهم . وكل شيء رددت فيه أهل الحصن ~~إلى مأمنهم فإني أرد فيه العشرة إلى مأمنهم أيضا ؛ PageV02P466 لأن الأمان ~~تناولهم يقينا ، فلا يجوز التعرض لهم قبل النبذ إليهم . # ولو شهد قوم من أهل الحصن سوى العشرة ممن يعدل في دينه أن العشرة أخبروهم ~~بالصلح لم تجز شهادتهم ؛ لأنهم صاروا عبيدا للمسلمين بزعمهم . فإن الشهود ~~يزعمون أن الأمان قد انتهى بإخبار العشرة إياهم بالأمر على وجهه ، فهم ~~أرقاء أو حالهم متردد بين الرق والحرية ، فيكونون بمنزلة المكاتبين لا ~~شهادة لهم . # وإذا لم تقبل شهادتهم فأهل الحصن آمنون غير العشرة وأموالهم ورقيقهم . ~~هكذا وقع في بعض النسخ وهو غلط والصحيح : غير الشهود على العشرة ؛ فإنه لا ~~إشكال في أمان العشرة ، فكيف يستثنيهم من جملة الآمنين ؟ ولكن هؤلاء الذين ~~شهدوا هم مقرون بانتهاء الأمان ، وإقرارهم صحيح على أنفسهم ، فكانوا فيئا ~~مع أموالهم ورقيقهم ومن صدقهم من عيالهم وأولادهم الصغار أيضا ، لأنهم في ~~حجر الأمهات ، وعند التكذيب هن آمنات ، فكذلك أولادهن . ومن لم يكن له أم ~~من أولادهم الصغار فهم مصدقون عليهم . وهذا لأنهم لما صاروا أرقاء والأمهات ~~حرائر فباعتبار بقاء الأمان لهن كان المعتبر في حق الأولاد حجر الأمهات . ~~ومن لم يكن له أم فلا بد من اعتبار حجر PageV02P467 الأب في حقه ، فيصير ~~رقيقا معه ، ولا يصدقون ms0278 على الكبار من أولادهم إلا أن يصدقوهم فحينئذ ~~يكونون أرقاء بإقرارهم . قال : ولو كتب الأمير كتابا إلى أمير الحصن يخبره ~~بما جرى ، وختمه بخاتمه ، وبعثه على يدي رسول من قبله مع العشرة ، فلما فتح ~~الحصن قال أميرهم : لم يأت بالكتاب ولم يدفعه إلي الرسول ، وقال الرسول : ~~قد دفعته إليه وقرأه بمحضر مني ، فأهل الحصن على أمانهم الأول ؛ لأن الرسول ~~يدعي انتهاء الأمان بإيصال الكتاب إليه ، وهو منكر لذلك ، فالقول قول ~~المنكر . وهذا لأن الذي يتعلق بانتهاء الأمان إباحة قتلهم واسترقاقهم ، ~~وهذا مما يندرئ بالشبهات ، فخبر الواحد فيه لا يكون حجة تامة وإن كان مسلما ~~. فن كان بعث معه رجلين مسلمين فشهدا بأنه قرأ عليه بمحضر منهما حتى سمعه ~~وعلم ما فيه فهم فيء أجمعون ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت بإقرارالخصم ، ~~وشهادة المسلمين حجة تامة . ولو شهدا أنه دفع الكتاب إليه ، فقرأه عليه ~~بالعربية ، وترجم له الترجمان ، ولكنهما لا يدريان ما قاله الترجمان ، ~~فالقياس فيه أنهم آمنون حتى نعلم أنه قد علم ما في الكتاب ؛ PageV02P468 ~~لأنا نعرف أنه لا يعرف العربية ، والشهود لم يعرفوا ما قال له الترجمان ، ~~فلا يثبت علمه بما في الكتاب بهذا القدر ، وما لم يصر ذلك معلوما له لا ~~ينتهي الأمان ولا تنتفي الشبهة . فلا يجوز لهم الإقدام على القتل والسبي ، ~~ولكنه استحسن . فقال : فيء ، لأنه ليس في وسع المسلمين فوق ذلك إذا أرادوا ~~النبذ إليهم . وإن خان الترجمان فذكر لهم غير ما في الكتاب فإنما أتوا من ~~قبل أنفسهم حين اتخذوا ترجمانا هو خائن . وما لا يمكن الوقوف عليه حقيقة لا ~~يجوز تعلق الحكم به ، وإنما يعلق بالسبب الظاهر ، وقد تم ذلك كما شهد ~~الشهود . # ولو أن رسل المؤمنين لم يحضروا مجلس أميرهم إلا أن الأمير رد جواب الكتاب ~~بكتاب مختوم ثم فتح الحصن فجحد الأمير الكتاب فقال : ما وصل إلي كتاب ، ولا ~~أخبرني العشرة بما جرى افتعل ذلك مفتعل على لسان أميرهم . وانتهاء الأمان ~~لا يثبت مبيحا للقتل والاستغنام بمثل هذا الكتاب المفتعل . PageV02P469 ~~وكذلك إن كان ms0279 هذا الكتاب من ملكهم الأعظم ثم أنكره بعد ما وقع الاستيلاء ~~على مملكته . فإنه لا يبطل به الأمان الذي كان بين المسلمين وبينهم . لما ~~بينا أن الكتاب محتمل قد يفتعل على لسان الأعظم كما يفتعل على لسان من هو ~~دونه . ولا يحل إراقة الدماء والاسترقاق باعتبار هذا الكتاب الذي لا يدرون ~~أحق هو أم باطل . فإن قيل : أليس أن كتاب القاضي إلى القاضي يجعل حجة في ~~الأحكام وهذا الاحتمال فيه موجود . قلنا : أما فيما يندرئ بالشبهات لا يجعل ~~حجة ، وفيما يثبت مع الشبهات في القياس لا يكون حجة أيضا . وإنما جعل حجة ~~فيما يثبت مع الشبهات استحسانا ، لتحقق الحاجة فيه بشرائط يقع بها الأمن عن ~~الافتعال ظاهرا ، وهو الختم ، وشهادة الشهود عليه وعلى ما فيه ، ومثل ذلك ~~لا يوجد في كتاب كبيرهم إلينا . والله أعلم . PageV02P470 # | باب أمان الرسول # قال : فإذا أرسل أمير العسكر رسولا إلى أمير حصن في حاجة له ، فذهب ~~الرسول وهو مسلم . فلما بلغ الرسالة قال : إنه أرسل على لساني إليك الأمان ~~، لك ولأهل مملكتك ، فافتح الباب . وأتاه بكتاب افتعله على لسان الأمير ، ~~أو قال ذلك قولا ، وحضر المقالة ناس من المسلمين . فلما فتح الباب دخل ~~المسلمون وجعلوا يسبون . فقال أمير الحصن : إن رسولكم أخبرنا أن أميركم ~~أمننا وشهد أولئك المسلمون على مقالتهم . فالقوم آمنون ، يرد عليهم ما أخذ ~~منهم ؛ لأن عبارة الرسول كعبارة المرسل فكان أمير العسكر أمنهم . فإن قيل : ~~عبارة الرسول كعبارة المرسل فيما جعله رسولا فيه ، فأما فيما افتعله فلا . ~~قلنا : هذا التمييز غير معتبر في حق المبعوث إليه ؛ لأنه لا طريق له إلى ~~ذلك . وإنما الذي في وسعه الاعتماد على ما يخبر به الرسول ، فلهذا يجعل ما ~~أخبر به كأنه حق بعد ما ثبت أنه رسول . وهذا لأن الواجب على المرسل أن ~~يختار لرسالته الأمين دون الخائن ، والصادق دون الكاذب . فلو لم يجعل ما ~~يخبر الرسول به كأنه حق من حقهم أدى ذلك إلى الغرور ، وذلك حرام . أرأيت لو ~~ناداهم الأمير : إن هذا رسولي ms0280 في كل ما يجري بيني وبينكم . PageV02P471 ثم ~~أتاهم بهذا لم يكن القوم آمنين . ومن تأمل قوله تعالى : ' ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين ، ثم لقطعنا منه الوتين ' الحاقة : 45 ، ~~46 ، يتضح عنده هذا المعنى . وقد تقول عليه غيره بعض الأقاويل ، نحو مسيلمة ~~ونظرائه ممن ادعى الرسالة ، ولم يصبهم في الدنيا . فعرفنا أن حال الرسل ~~فيما يخبرون به عمن أرسلهم ولا يكون كحال غيرهم وكذلك إن كان الرسول ذميا ~~أو حربيا مستأمنا ؛ لأن ثبوت هذا الأمان من جهة أمير العسكر لا من جهة ~~الرسول . فإن الرسول في حصنهم غير ممتنع منهم . فلا يصح أمانه من جهة نفسه ~~. ثم هذا التقصير كان من جهة الأمير حين اختار لرسالته كافرا خائنا وهو ~~منهي عن ذلك . ألا ترى إلى ما روي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي موسى رضي ~~الله عنه : مر كاتبك فليدخل المسجد وليقرأ هذا الكتاب . فقال : إن كاتبي لا ~~يدخل المسجد . قال : ولم ؟ أجنب هو ؟ قال : لا ، ولكنه نصراني . فقال : ~~سبحان الله ، اتخذت بطانة من دون المؤمنين ، أما سمعت قوله تعالى : ' لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ' آل عمران : 118 ، أي : لا يقصرون ~~في إفساد أموركم فإن قال الرسول : إني قلت لهم هذا الذي ادعوا ، ولا نعلم ~~ذلك إلا بقوله ، وقد فتح الحصن وسباهم المسلمون ، لم يصدق على ذلك ؛ ~~PageV02P472 لأنه أخبر بما لا يملك استئنافه ، وادعى ما يبطل حق المسلمين ~~بعد ما ظهر سبب ثبوت حقهم ، فلا يصدق فيه إلا بحجة . ولكن من وقع سهمه منهم ~~صار حرا ، لإقراره أنه آمن ، ولا يترك ليرجع إلى دار الحرب لأن ذلك من حق ~~المسلمين . وإن شهد على هذه المقالة قوم من أهل الذمة لا تقبل شهادتهم ؛ ~~لأنها تقوم على المسلمين . وإن كان الذي أتاهم بهذه الرسالة رجل ليس برسول ~~، ولكنه افتعل كتابا فيه أمانهم ، فدخل به إليهم ، أو قال لهم ذلك قولا ، ~~وقال : إني رسول الأمير ، أو رسل المسلمين ، والمسألة بحالها ، فهم فيء ~~كلهم . وللإمام أن يقتل مقاتلتهم ms0281 ؛ لأنه لا يمكن إثبات الأمان لهم من جهته ~~. فإنه غير ممتنع منهم حين قال لهم ذلك ، بل هو بمنزلة الأسير فيهم . وأمان ~~الأسير لا ينفذ على المسلمين . فلا يمكن تصحيحه من جهة أمير العسكر ؛ لأنه ~~ما أرسله حتى تكون عبارته قائمة مقام عبارة الأمير . وهذا لأن معنى الغرور ~~لا يتحقق هنا لو أبطلنا هذه المقالة ، وإنما جاء التقصير من جهتهم حين ~~اعتمدوا قول مجهول غير معروف بالرسالة ، ولا كان رسولا إليهم من جهة الأمير ~~، في وقت من PageV02P473 الأوقات ، والأمير لا يمكنه أن يتحرر عن هذا ، ~~لأنه لا يعرف المفتعل لمنعه من الافتعال . وكما أنه يسقط عنهم الوقوف على ~~ما ليس في وسعهم ، يسقط عن الإمام التحرز عما ليس في وسعه . ولو قال لهم ~~هذا الذي لم يكن رسولا هذه المقالة وهو في عسكر المسلمين ، ناداهم ففتحوا ~~الباب ، كانوا آمنين حتى ينبذ إليهم ، لأنه يجعل هذه المقالة أمانا من جهته ~~حين كان في منعة المسلمين . وقد بينا أن من يملك الأمان إذا أخبر عن من ~~يملك الأمان فذلك أمان صحيح لهم . سواء كان الخبر صدقا أم كذبا . إن كان ~~صدقا فمن جهة المخبر عنه ، وإن كان كذبا فمن جهة المخبر ، إلا أنه لا يثبت ~~ذلك إلا بشهادة العدول من المسلمين ، لأنها تقوم لإبطال حقهم في الاستغنام ~~. ولو أن رسول الأمير حين بلغ رسالة الأمير قال : إن فلانا القائد قد أمنكم ~~وأرسلني بذلك إليكم ، أو إن المسلمين على باب الأمير أمنوكم ، أو إني كنت ~~قد أمنتكم ، قبل أن أدخل إليكم ، وناديتكم بذلك . وشهد على هذه المقالة قوم ~~من المسلمين . فهم فيء أجمعون إذا كان ما أخبر به كذبا ؛ لأنه ليس برسول ~~القائد حتى يجعل عبارته كعبارة القائد ، ولا هو رسول المسلمين على باب ~~الأمير حتى تكون عبارته كعبارتهم ، ولا يملك هو أمانهم بنفسه في هذه الحالة ~~؛ لأنه في منعتهم فلهذا بطل حكم كلامه . PageV02P474 ولو كان رجل من ~~المسلمين أرسل في حاجته فقضى حاجته ثم أخبرهم أن من أرسله آمنهم . فهذا ~~أيضا باطل ms0282 ؛ لأن رسول الواحد من عرض العسكر ، في مثل هذا لا يشبه رسول ~~الأمير أو رسول جماعة المسلمين . فإن ذلك المرسل لو كان في هذا الموضع لا ~~يصح أمانه ، فكذلك رسوله إذا أخبر عنه . ير حين بلغ رسالة الأمير قال : إن ~~فلانا القائد قد أمنكم وأرسلني بذلك إليكم ، أو إن المسلمين على باب الأمير ~~أمنوكم ، أو إني كنت قد أمنتكم ، قبل أن أدخل إليكم ، وناديتكم بذلك . وشهد ~~على هذه المقالة قوم من المسلمين . فهم فيء أجمعون إذا كان ما أخبر به كذبا ~~؛ لأنه ليس برسول القائد حتى يجعل عبارته كعبارة القائد ، ولا هو رسول ~~المسلمين على باب الأمير حتى تكون عبارته كعبارتهم ، ولا يملك هو أمانهم ~~بنفسه في هذه الحالة ؛ لأنه في منعتهم فلهذا بطل حكم كلامه . ولو كان رجل ~~من المسلمين أرسل في حاجته فقضى حاجته ثم أخبرهم أن من أرسله آمنهم . فهذا ~~أيضا باطل ؛ لأن رسول الواحد من عرض العسكر ، في مثل هذا لا يشبه رسول ~~الأمير أو رسول جماعة المسلمين . فإن ذلك المرسل لو كان في هذا الموضع لا ~~يصح أمانه ، فكذلك رسوله إذا أخبر عنه . # وهذا هو القياس في رسول الأمير ورسول جماعة المسلمين أيضا ، غير أنا ~~استحسنا في هاتين الخصلتين ؛ لأن جماعة المسلمين من أهل المنعة حيث ما ~~كانوا ، ورسولهم قائم مقامهم . فإذا أضاف الأمان إليهم كان صحيحا ، وكذلك ~~الأمير أمانه صحيح حيث يكون أميرا ؛ لأنه لا يكون أميرا إلا باعتبار المنعة ~~. فلسان رسوله كلسانه في الإخبار بالأمان . وهذا لا يوجد في حق الواحد من ~~عرض الناس ، فلهذا لا يعتبر إخبار رسوله إياهم بالأمان عنه . قال : ولو أن ~~الأمير أرسل إليهم من يخبرهم أنه أمنهم ، ثم رجع إليه فأخبره أنه قد أتاهم ~~برسالته ، فهم آمنون ، وإن كانوا لا يعلمون أن الرسول قد بلغهم ، لأن ~~البناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته . والظاهر أن ~~الرسول بعدما يدخل عليهم لا يخرج حتى يؤدي الرسالة ، ولأن فيما يقوله ~~الرسول احتمال الصدق ، وإن لم يترجح جانب الصدق ms0283 . وبهذا القدر تثبت الشبهة ~~، وقد بينا أن الأمان يثبت في موضع الشبهة . فلا يجوز للمسلمين أن يغيروا ~~عليهم حتى ينبذوا إليهم ، PageV02P475 ولو كان الأمير والمسلمون أمنوهم ، ~~ثم بعثوا رجلا ينبذ إليهم ويخبرهم أنهم قد نقضوا العهد ، فرجع الرسول وذكر ~~أنه قد أخبرهم بذلك . فليس ينبغي للمسلمين أن يغيروا عليهم حتى يعلموا ذلك ~~؛ لأنه أتاهم بخبر متميل بين الصدق والكذب وذلك لا يكون حجة تامة في نقض ~~العهد ، وإن كان حجة في الأمان بمعنى ، وهو أن الذي يتعلق بنبذ الأمان ~~إباحة السبي ، واستحلال الفرج والدماء . وهذا مما لا يثبت مع الشبهة . ~~ومجرد الظاهر أو خبر الواحد لا ينفك عن الشبهة . فأما الذي يتعلق بالأمان ~~حرمة السبي ؛ وذلك مما يثبت مع الشبهة ، ولأن ما يتعلق بنبذ الأمان إذا وقع ~~فيه الغلط لا يمكن تداركه ، فلا يجوز أن يعتمد فيه بمجرد الظاهر ، وأما ما ~~يتعلق بالأمان إذا وقع فيه غلط يمكن تداركه ، فيجوز الاعتماد فيه على الخبر ~~الواحد إذا كان رسولا . فإن أغار عليهم المسلمون قبل التثبت فقالوا : لم ~~يبلغنا ما جاء به رسولكم ، فالقول قولهم ؛ لأنهم أنكروا نبذ الأمان ، وفيه ~~تمسك بالأصل المعلوم ، فيرد عليهم المسلمون ما أخذوا من أموالهم ، ويغرمون ~~ديات من قتلوا منهم ؛ لأنهم كانوا في أمان ما لم يعلموا بالنبذ ، فإن قيل : ~~فليس في وسع الأمير فوق هذا . قلنا : لا كذلك ، بل في وسعه أن يرسل إليهم ~~رسولا ينبذ إليهم ويرسل لهم معه برجلين عدلين من أهل الشهادة ، حتى يشهد ~~على تبليغه PageV02P476 النبذ . فهذا أدنى ما تتم به الرسالة في النبذ . ~~حتى لو أرسل إليهم رجلين فرجعا وشهد على تبليغ النبذ إليهم لم يجز ذلك ؛ ~~لأن أحدهما شهد على فعل نفسه ، وذلك لا يكون حجة في الأحكام . ولا يقبل في ~~مثل هذا إلا ما يكون حجة في الأحكام . ولو جاء رسول أميرهم بكتاب مختوم إلى ~~أمير العسكر : إني قد ناقضتك العهد . فليس ينبغي للمسلمين أن يعجلوا حتى ~~يعلموا حقيقة ذلك ؛ لأن الكتاب محتمل ولعله مفتعل . وإن كان الذي جاء ms0284 ~~بالكتاب رجلان من أهل الحرب فشهدا أن هذا الكتاب كتاب الملك وخاتمه ، جازت ~~شهادتهما على أهل الحرب ؛ لأن الرسولين عندنا في أمان ، والقوم كذلك ، قبل ~~أن يتم النبذ . وشهادة أهل الحرب على أمثالها من أهل دارهم حجة تامة . وبعد ~~تمام النبذ بشهادتهم لا بأس بقتلهم واسترقاقهم . إلا أن يكون اللذان شهدا ~~بالكتاب ممن لا تجوز شهادتهما منهم ، أو من أهل الذمة ، أو من المسلمين ، ~~فحينئذ لا يحل للمسلمين أن يعجلوا بقتالهم ؛ PageV02P477 لأن شهادة هؤلاء ~~ليس بحجة في الأحكام . ونبذ الأمان لا يثبت بمثل هذه الشهادة . فينبغي ~~للأمير أن يبعث إليهم رجلين عدلين ممن يثق به من المسلمين ليسألوهم عن ذلك ~~. ألا ترى انهم لو أسروهم فجحدوا الكتاب وحلفوا أنهم ما كتبوه ، كان القول ~~قولهم شرعا ، ولا يبطل إنكارهم بشهادة من لا شهادة له . فلا بد من أن يبعث ~~الأمير من تجوز شهادته ، حتى إذا أنكروا الكتاب شهدوا به عليهم . # ولو أن الأمير بعث إليهم عشرة معهم كتاب فيه نقض العهد ، وقال للرجل ~~المسلم : اقرأه عليهم . وقال للآخرين : اشهدوا عليهم بذلك . فاجتمع أميرهم ~~مع القواد والبطارقة . فقرأ الرجل عليهم بالعربية وترجم الترجمان بلسانهم ، ~~ثم رجع الرسل فأخبروا بما كان فلا بأس بأن يغير المسلمون عليهم ؛ لأنهم ليس ~~في وسعهم فوق هذا ، والتكليف يثبت بحسب الوسع فيما يندرئ بالشبهات وفيما ~~يثبت مع الشبهات . فإن أغاروا عليهم فقالوا : إن الترجمان لم يخبرنا بنقض ~~العهد ، وإنما أخبرنا أن في الكتاب : قد زدناكم في مدة الأمان كذا ، فقولهم ~~هذا باطل . PageV02P478 لما بينا أنهم أتوا من قبل أنفسهم حين اختاروا ~~للترجمة خائنا ، وليس في وسعنا أن نعلم حقيقة ما يخبرهم به الترجمان ، إلا ~~أن يستقر عند المسلمين الذين حضروهم أن الترجمان قال لهم غير ما في الكتاب ~~. فإن استيقن المسلمون بذلك فالقوم على أمانهم . أرأيت لو كان أهل الحرب ~~الذين أمناهم لهم لغات مختلفة ، وكانوا قوما من العرب لهم لغة ، فكلموهم ~~بلغة غير لغتهم أو أعربوا في الكلام . فذكروا الغريب من اللغات فقالوا : لم ~~تفهم اللغة ms0285 ، أينبغي أن نصدقهم على هذا ونحن نعلم أنهم من أهل المعرفة ~~باللغة ؟ لا نصدقهم على شيء من ذلك حتى نستيقن أنهم لم يفهموا . فإذا تيقنا ~~بذلك فقد سقط اعتبار الظاهر باليقين ، وكانوا هم على الأمان . وكذلك إن كان ~~أكبر الرأي منا أنهم لم يفهموا ، لأن أكبر الرأي بمنزلة اليقين فيما يبتنى ~~على الاحتياط . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو أن مسلما جاء برجل من ~~المشركين إلى الأمير وهم في المفازة ، وكانوا على حصن حاصروه وقال : إني ~~كنت أمنت هذا . فأتاني على أماني إياه ، لم يصدق حتى يشهد شاهدان سواء أنه ~~قدم أمنه ؛ لأنه صار فيئا للمسلمين حين جاء به إلى الأمير ، فإنه غير ممتنع ~~منهم . وهذا المسلم لا يتمكن من أن يؤمنه ابتداء ، فلا يصدق فيما يقر به من ~~أمانه ، وفي القياس : للإمام أن يقتله إن شاء بمنزلة غيره من المأسورين . ~~ولكن في الاستحسان : له أن يجعله فيئا ، ولا يقتله ؛ لأن احتمال الصدق في ~~خبره شبهة مانعة من إراقة الدم . وهذا لأن حرمة قتل المستأمن من حق الله ~~تعالى ، وخبر الواحد فيما يرجع إلى أمر الدين حجة شرعا ، وخصوصا فيما لا ~~يكون فيه إلزام على شخص بعينه ، وهو منكر لذلك الخبر . PageV02P479 ولو أن ~~مسلما غير الذي جاء به شهد أنه أمنه . لم تقبل شهادته حتى يشهد عل ذلك ~~رجلان مسلمان . واستدل بحديث الهرمزان ، فإن عمر رضي الله عنه قال له : ~~تكلم ، لا بأس عليك ، أو تكلم بكلام حي . ثم اشتبه ذلك على عمر . فشهد له ~~أنس ابن مالك . فأبى عمر أن يقبل ذلك حتى جاء معه رجل آخر فشهد بذلك ، ~~فأمنه عمر . ففي هذا بيان أنه لا بد من شهادة رجلين إذا شهد على أمان ~~غيرهما . لأن ذلك الغير منكر للأمان ، ولو كان مقرا به لم تكن شهادته حجة ~~على فعل نفسه ، فلا بد من أن يشهد به شاهدان سواء حتى يثبت الأمان إلا في ~~حق الرسول خاصة ، إذا علم المسلمون أنه قد أخبرهم بالأمان ؛ لأن المسلمين ~~ائتمنوه على ms0286 الرسالة . فإن ظهر منه خيانة فذلك على المسلمين . ألا ترى أن ~~الإمام إذا ولى قاضيا أمر المسلمين فأخطأ في إقامة حد من رجم أو قطع في ~~سرقة كان ذلك على بيت مال المسلمين . لأنهم ولوه ذلك على المسلمين ، فخطؤه ~~عليهم ، كذلك الرسول حين ولوه الرسالة فخطؤه وجنايته تكون عليهم دون أهل ~~الحرب . والله أعلم . PageV02P480 ؟ # | باب السرية تؤمن أهل الحصن # ثم تلحقها السرية الأخرى قال : ولو أن سرية صالحوا أهل حصن على خمسمائة ~~دينار على أن يؤمنوهم حتى يخرجوا إلى دار الإسلام صح ذلك ؛ لأنهم لو أمنوهم ~~بغير عوض إلى هذه الغاية جاز ، فمع العوض أجوز . لأن في الأمان تحريم القتل ~~والاسترقاق ، وهو صحيح بعوض وبغير عوض . بمنزلة الصلح ظن القصاص . ولا بأس ~~بأن يغيروا بعد هذا الصلح على غيرهم من أهل الحرب ؛ لأنهم خصوا بالأمان أهل ~~الحصن . ودخل في أمانهم أمتعتهم ومواشيهم تبعا لأنهم أمنوهم ، ليقيموا في ~~حصنهم . فلا يجوز أن يعرضوا لشيء من أموالهم إلا ما كانوا أخذوه قبل الصلح ~~، وليس عليهم رد شيء من ذلك ؛ لأن المأخوذ صار غنيمة لهم ، وما أمنوهم ~~ليردوا عليهم الغنائم إنما أمنوهم ليتركوا التعرض لأموالهم ، وقد خرج ~~المأخوذ من أن يكون من جملة أموالهم . PageV02P481 فإن مضت هذه السرية في ~~أرض الحرب ودخلت سرية أخرى من المسلمين ، فلما انتهوا إلى الحصن أخبروهم ~~بذلك الصلح ، وشهد على ذلك عدلان من المسلمين ، فليس ينبغي لهم أن يتعرضوا ~~لأهل الحصن بشيء ؛ لأن عقد السرية الأولى نافذ في حق المسلمين كافة . قال ~~عليه السلام : ' المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم يعقد عليهم ~~أولاهم ، ويرد عليهم أقصاهم ' . قيل : المراد بعقد أول السرايا : الأمان ~~فنفذ ذلك على المسلمين . وإذا ثبت أن حكم هذه السرية حكم السرية الأولى ، ~~وهم لو رجعوا إليهم لم يحل لهم أن يتعرضوا لأهل الحصن بشيء ، إلا أن ينبذوا ~~إليهم برد الدنانير التي أخذها أصحابهم ثم ينبذوا إليهم ويقاتلوهم . وهذا ~~لأنهم أعطوا الدنانير ليأمنوا إلى وقت خروج السرية الأولى من دار الحرب ، ~~فما لم يخرجوا ms0287 كانوا في أمان . ولو قاتلناهم من غير رد الدنانير كان في ~~إضرار وغرور وهو حرام . وإن ردوا الدنانير فقاتلوهم حتى ظفروا بهم ، ثم ~~التقواهم والسرية الأولى PageV02P482 فهم شركاء في أموال أهل الحصن ~~والدنانير التي أخذتها السرية الأولى ؛ لأن كل ذلك غنيمة . وقد اشتركوا في ~~إحرازها بدار الإسلام . وذلك سبب الشركة بينهم فيها . إلا أن السرية ~~الثانية إن كانوا غرموا الدنانير من أموالهم أخذوها من أموال أهل الحصن قبل ~~القسمة ؛ لأنهم توصلوا إلى هذه الأموال برد تلك الدنانير ، وما كانوا ~~متبرعين فيما أدوا منها ، وإنما كانوا متطرقين بها إلى الوصول إلى هذه ~~الغنيمة ، فيكون حقهم في ذلك القدر مقدما على حق الغانمين . ثم الباقي ~~مقسوم بين الكل على سهام الغنيمة . فإن كانوا غرموها من غنيمة أصابوها لم ~~يأخذوها ؛ لأن ما أدوا من جملة الغنيمة مشترك بينهم ، بمنزلة ما تواصلوا به ~~إلى أخذه . وهو بمنزلة ما لو قضى بعض الورثة دينا به رهن ، وهو من جملة ~~التركة . فإن قضاء من مال نفسه رجع به من التركة ، وإن قضاء من التركة لم ~~يرجع بشيء منه . وإن لم تلتق السريتان في دار الحرب سلمت للسرية الأولى ~~الدنانير التي أخذوها وللسرية الثانية غنائمهم التي غنموا ؛ PageV02P483 ~~لأن كل فريق اختص بإحراز ذلك بدارنا ، وليس للسرية الثانية أن يأخذوا ~~الدنانير من السرية الأولى ، وإن غرموها من أموالهم ؛ لأنهم اختصوا بمنفعة ~~ما أدوا حين سلمت لهم غنائم أهل الحصن ، بخلاف الأول فقد اشتركت السريتان ~~هناك في المنفعة وهو غنائم أهل الحصن ، مع أنه لا فرق . فهناك رجوعهم في ~~غنائم أهل الحصن خاصة ، وهنا غنائم أهل الحصن سالمة لهم ، وإن لم تظفر ~~السرية الثانية بالحصن فالتقوا مع السرية الأولى في دار الحرب ، لم يكن ~~للسرية الثانية أن يأخذوا شيئا من دنانيرهم من جملة ما أحرزوا بدارنا من ~~الغنائم ؛ لأنه لا منفعة للسرية الأولى فيما ردوا من الدنانير حين لم ~~يتوصلوا بها إلى غنائم أهل الحصن ، فكانوا متبرعين في حقهم ، بخلاف الأول . ~~وهذا لأن الغنم مقابل بالغرم . فإذا ظهرت المنفعة ms0288 لهم جميعا بسبب ما ردوا ~~من الدنانير ، نفذ الرد في حق الكل . وإذا لم تظهر المنفعة لا ينفذ ذلك في ~~حق غير الذين ردوا . وإن كانت السرية الثانية غنمت من غير أموال أهل الحصن ~~فأرادوا أخذ دنانيرهم من ذلك لم يكن لهم ذلك ؛ لأن هذه الغنائم كانوا ~~يتوصلون إليها بدون رد الدنانير ، فلا يظهر حكم رد الدنانير في حقها ، كما ~~لا يظهر في حق ما أصاب السرية الأولى ، PageV02P484 بخلاف ما إذا غنموا من ~~أهل الحصن ، فإن وصولهم إلى تلك الغنائم باعتبار رد الدنانير فيرفعون ~~دنانيرهم منها قبل القسمة . وإن كان أهل الحصن أخبروا السرية الثانية ~~بالأمان ، ولم يكن بينة على ذلك ، فمل يصدقوهم . ولكن قاتلوهم وظفروا بهم ، ~~ثم علموا بعد ذلك بالأمان فعليهم رد ما أخذوا وضمان ما استهلكوا من أموالهم ~~وديات من قتلوا منهم على عواقلهم ؛ لأنه ظهر أن القوم كانوا مستأمنين ، وأن ~~نفوسهم وأموالهم كانت معصومة متقومة . فكل من قتل منهم رجلا فإنما قتله خطأ ~~، فتجب الدية على عاقلته . هم ، ثم علموا بعد ذلك بالأمان فعليهم رد ما ~~أخذوا وضمان ما استهلكوا من أموالهم وديات من قتلوا منهم على عواقلهم ؛ ~~لأنه ظهر أن القوم كانوا مستأمنين ، وأن نفوسهم وأموالهم كانت معصومة ~~متقومة . فكل من قتل منهم رجلا فإنما قتله خطأ ، فتجب الدية على عاقلته . # بلغنا أن رجلين من المشركين جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستأمنين فأجازهما بحلتين ، ثم خرجا من عنده فلقيهما قومن من المسلمين ~~فقتلوهما ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، فعرفهما وعرف ~~الحلتين ، فوداها بدية حرين مسلمين . هكذا ذكر محمد رحمه الله الحديث ، وفي ~~كتب المغازي أن رجلين كانا من بني عامر ، قتلهما عمرو بن أمية الضمري حين ~~انصرف من بئر معونة ، وقد فعل بنو عامر بأصحابه ما فعلوا . PageV02P485 ~~وكذلك لو كان أهل الحصن قالوا للسرية الأولى : أمنونا أنتم . فهذا والأول ~~سواء ؛ لأنهم هم الذين يؤمنونهم ، سواء صرحوا بقولهم : أنتم أو لم يصرحوا . ~~ولو قالوا : على أن لا تعرضوا أنتم ms0289 لنا حتى تخرجوا إلى دار الإسلام . ~~ففعلوا ذلك . ثم جاءت السرية الثانية ، فلهم أن يقاتلوا أهل الحصن من غير ~~أن يردوا عليهم شيئا ؛ لأنهم إنما استأمنوا منهم خاصة ليزيلوا تعرضهم عنهم ~~. ومقصودهم من أداء الدنانير هنا أن تنصرف عنهم السرية التي أحاطت بهم ، ~~وقد حصل هذا المقصود لهم ، بخلاف الأول . فهناك التمسوا أمانا عاما إلى مدة ~~معلومة . # وكما أن الأمان يقبل التخصيص بالوقت ، يقبل التخصيص من حيث السرايا ، إلا ~~أن عند الإطلاق موجب اللفظ العموم ، وعند التنصيص على ما يوجب الخصوص يثبت ~~الحكم خاصة . ثم فرع على الأمان العام فقال : إن خرجت السرية الأولى قبل ~~وصول الثانية إلى أهل الحصن ، ثم وصلوا إليهم فلهم أن يقاتلوا أهل الحصن من ~~غير نبذ ، ورد الدنانير ؛ PageV02P486 لأن الأمان كان لهم إلى غاية ، وهو ~~خروج السرية الأولى إلى دار الإسلام . فانتهى الأمان بوجود الغاية . ألا ~~ترى أن السرية الأولى لو عادوا إليهم بعد ما خرجوا كان لهم أن يقاتلوهم ؟ ~~فكذلك السرية الثانية . ولو كان خرج بعضهم دون بعض فالمعتبر فيه خروج ~~الأمير مع جماعة القوم الذين لهم المنعة ؛ لأن الباعث لأهل الحصن على ~~التماس الصلح وأداء الدنانير خوفهم من السرية ، وذلك كان باعتبار جماعتهم ~~ومنعتهم . وكان ينبغي في القياس على قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، أنه وإن ~~بقي واحد منهم في دار الحرب لا يحل قتالهم بدون رد الدنانير ؛ لأن الحكم ~~إذا ثبت بجملة يبقى ببقاء الواحد ، كما قال في البلدة التي ارتد أهلها وبقي ~~فيها مسلم أو ذمي آمن أنها لا تصير دار حرب . ولكن هذا القياس متروك هاهنا ~~لأجل التعذر . أرأيت لو قتل رجل منهم أو مات أو أسر أو فقد ، ألم يحل قتال ~~أهل الحصن أيضا بعد خروج الجماعة ؟ ، ولو لم تخرج السرية الأولى ولكنهم ~~قتلوا حل قتال أهل الحصن أيضا . لأنهم إذا قتلوا فكأنهم خرجوا . يعني أن ~~أهل الحصن يأمنون جانبهم إذا قتلوا فوق ما يأمنون جانبهم إذا خرجوا . ~~PageV02P487 وإن قتل منهم ناس وبقي ناس فالمعتبر هو المنعة كما ms0290 في الخروج . ~~فإن كان من بقي منهم لا منعة له فلا بأس بقتال أهل الحصن ، وإن كانوا أهل ~~منعة لم يحل قتالهم ما لم يخرج هؤلاء إلى دارنا ، ولو كانوا صالحوهم على أن ~~يؤمنوهم هذه السنة فهذا جائز ؛ لأنهم وقتوا الأمان بما هو معلوم يقينا ، ~~ولو وقتوه بما هو غير معلوم وهو خروجهم إلى دار الإسلام جاز ، ففيما هو ~~معلوم أجوز . ثم لما عرفوا للسنة بالألف واللام ينصرف إلى السنة المعهودة ~~التي هم فيها ، ومضيها انقضاء ذي الحجة ، حتى إذا كان الباقي منها شهرا ~~فلهم ذلك خاصة . وإن قالوا : إنما صالحناكم على ما نحسب نحن عليه السنة لم ~~يلتفت إلى ذلك ؛ لأن المسلمين هم الذين أعطوهم الأمان ، والمدة المذكورة ~~تنصرف إلى ما يكون معلوما عند المسلمين دون ما يكون معلوما لهم . فإن ~~المسلمين لا يعرفون ذلك . وقد أمرنا ببناء الأحكام على ما نعرفه . قال الله ~~تعالى : ' وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ' يونس : 5 ، إلا أن ~~يكونوا بينوا ذلك في صلحهم فحينئذ الشرط أملك . إن قالوا : لنا سنة كاملة ~~من وقت الصلح اثنا عشر شهرا لم يلتفت إلى ذلك ؛ PageV02P488 لأنهم قالوا : ~~هذه السنة ، واثنا عشر شهرا مدة سنة منكرة لا سنة معرفة . ألا ترى أنه لو ~~قال : لله علي صوم سنة ينصرف نذره إلى سنة كاملة ؟ ولو قال : صوم السنة ~~ينصرف إلى بقية السنة ومضيها انقضاء ذي الحجة . وإن قالوا : عنينا هذه ~~السنة إلى انصرافكم من صائفتكم لم يلتفت إلى ذلك ؛ لأنهم ادعوا ما هو خلاف ~~الظاهر . فإن الظاهر ما يسبق إلى الأفهام ، والذي يسبق إلى الأفهام من ذكر ~~السنة المدة دون الانصراف ، إلا أن ذلك محتمل أيضا . فإن بينوا في الصلح ~~فهو على ما بينوا ، وإن قالوا : على أن تؤمنونا سنة ، فهذا على اثني عشر من ~~وقت الصلح ؛ لأنهم ذكروا سنة منكرة ، وذلك اثنا عشر شهرا . قال الله تعالى ~~: ' إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ' التوبة : 36 ، يعني شهور السنة ~~. ولو قالوا : نصالحكم على أن تؤمنونا على ms0291 ألف دينار ، ولم يوقتوا وقتا ، ~~فهذا على خروجهم إلى دار الإسلام ؛ | لأن مطلق الكلام يتقيد بدلالة الحال ~~وبما يعلم من مقصود المتكلم ، وبعد ما أحاطت بهم السرية يعلم أن مقصودهم ~~بهذا الصلح الأمن من الخوف الذي نزل بهم ، وإنما يتم ذلك بخروج السرية إلى ~~دار الإسلام . فكأنهم صرحوا بهذا وقالوا : أمنونا حتى تخرجوا إلى دار ~~الإسلام . PageV02P489 فإن خرجوا ثم عادوا ، هم أو غيرهم ، فلهم أن يقاتلوا ~~أهل الحصن من غير رد الدنانير . ولكن لا ينبغي أن يقاتلوهم حتى ينبذوا ~~إليهم ؛ لأن الأمان لهم مطلق . والمقصود الذي ذكرنا يرجع إلى ما أدوا من ~~الدنانير . فباعتبار ذلك المقصود تتم سلامة الدنانير لهم إذا خرجوا ، ~~وباعتبار كون الأمان مطلقا لا يحل قتالهم ما لم ينبذوا إليهم ، كما لم ~~أمنوهم بغير عوض ، بخلاف ما سبق : فهناك الأمان مؤقت نصا ، فلا يبقى بعد ~~مضي الوقت . ولو أن الإمام بعث إليهم من دار الإسلام من يدعوهم إلى الصلح ، ~~فصالحوه على أن يؤمنوهم على مال مطلقا . ثم بدا للإمام أن ينبذ إليهم ، ~~فليس ينبغي أن يقاتلهم حتى يرد إليهم ما أخذوا منهم ، بخلاف الأول ؛ لأن ~~هناك مقصودهم من بذل المال إزالة الخوف الذي حل بهم ، وهاهنا ما حل بهم خوف ~~، وإنما مقصودهم من بذل المال هاهنا تحصيل الأمن لهم مطلقا ، حتى لا يتعرض ~~أحد من المسلمين لجانبهم . والمطلق فيما يحتمل التأييد بمنزلة المصرح بذكر ~~التأييد ، فكأنهم قالوا : أمنونا أبدا . فلهذا لا يحل قتالهم إلا بعد رد ~~المال عليهم . فإن كانت السرية التي أحاطت بالحصن صالحوهم على أن يكفوا ~~عنهم على ألف دينار ولم يزيدوا على هذا شيئا ، فليس ينبغي لهم أن يتعرضوا ~~لهم ما داموا في تلك الغزاة . PageV02P490 ولا بأس بأن يغير عليهم غير تلك ~~السرية من المسلمين وإن لم تخرج تلك السرية من دار الحرب ؛ لأنهم عند بذل ~~المال شرطوا عليهم أن يكفوا عنهم . وهذا اللفظ يخصهم دون سائر المسلمين . ~~ومن حيث المقصود يعلم أنهم أرادوا أن يأمنوا جانبهم ، وهذا المقصود يتم ~~بخروجهم إلى دار الإسلام ms0292 ، فيتم سلامة الدنانير لهم عند ذلك ، فإن عادوا ~~إليهم بعد ذلك لم يكن عليهم رد الدنانير ، ولكن لا ينبغي لهم أن يغيروا ~~عليهم حتى ينبذوا إليهم ؛ لأن بينهم وبين أهل الحصن أمان خاص ، ولكن مطلق ~~غير مؤقت نصا وقد قلنا : إن مثل هذا الأمان لو كان بينهم وبين جماعة ~~المسلمين لم يحل قتالهم قبل النبذ إليهم للتحرز عن الغدر . فكذلك إذا كان ~~بينهم وبين السرية ، حتى أغاروا عليهم من غير نبذ وأخذوا منهم مالا ردوا ~~عليهم ما أخذوا ؛ لأنهم كانوا في أمان منهم حتى ينبذ إليهم . وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' لا أحل لكم شيئا من أموال المعاهدين ' . ولو ~~أن الخليفة بعث ثلاثة عساكر إلى دار الحرب . PageV02P491 فبعث أهل حصن لم ~~يأته المسلمون بعد إلى أمير عسكر من تلك العساكر أن أمنوا أهل حصن كذا - ~~على أن تكفوا عنهم حتى ترجعوا من غزاتكم هذه - على ألف دينار . وتراضوا على ~~هذا ، فليس للعسكرين الباقين ولا لغيرهم ممن يدخل من دار الإسلام أن يغيروا ~~عليهم ، حتى ترجع العسكر الثلاثة إلى دار الإسلام ، لأن هذا الأمان نافذ في ~~حق جماعة المسلمين . ولم يكن مقصود أهل الحصن بهذا أن يأمنوا جانب العسكر ~~المبعوث إليهم خاصة ، فإنهم لم ينزلوا بساحتهم بعد ؛ بل خوفهم منهم ومن ~~العسكرين الآخرين ومن جميع المسلمين بصفة واحدة ، فعرفنا أن مقصودهم من بذل ~~المال إزالة هذا الخوف من أنفسهم إلى غاية ، وهو خروج العسكر ، وذلك إنما ~~يحصل إذا علم الأمان كافة المسلمين ، فليس لأحد أن يغير عليهم إلا بعد ~~النبذ ورد الدنانير . بخلاف ما إذا دنا العسكر المبعوث إليهم من الحصن حتى ~~حاصروهم ، أو كانوا قريبا منهم ، فإن هناك مقصودهم الأمن من جانبهم خاصة ؛ ~~لأنهم صاروا محصورين مقهورين من جهتهم . وقد بينا أن مطلق الكلام يتقيد ~~بالمقصود ، فلهذا كان للعسكرين الباقيين أن يقاتلوهم من غير نبذ . ألا ترى ~~أنه لو كان أمير الشام أو الخليفة أو ولي العهد مع أحد العساكر الثلاثة ، ~~فأرسلوا إليه أن أمنونا على أن تكلفوا ms0293 عنا حتى ترجعوا من غزاتكم ففعل أن ~~ذلك على العساكر كلها ، وعلى جميع أهل الحرب أيضا ، حين PageV02P492 لم ~~يذكروا أهل حصن خاصة . لأن اللفظ عام ، فيكون موجبا الحكم في كل ما يتناوله ~~، إلا أن يقوم دليل الخصوص بأن يبينوا فيقولوا : أمنوا أهل حصن كذا . ولو ~~كان الخليفة مع عسكره أحاط بذلك الحصن فأمنهم ، والمسألة بحالها ، كان ~~الأمان لهم خاصة من العسكر الذين أحاطوا بهم دون غيرهم ، فكذلك ما سبق . ~~وكذلك لو كانوا بعثوا إلى أحد العساكر فقالوا : أمنونا أنتم خاصة . فهذا ~~والأول سواء ؛ لأنهم هم الذين يؤمنونهم خاصة ، وإن لم يذكروا هذه الزيادة ، ~~ولكن حكم أمانهم يثبت في حق المسلمين كافة . وإن قالوا : على أن تكفوا عنا ~~أنتم خاصة ، وذلك قبل أن ينتهوا إليهم ، فهذا على ذلك العسكر خاصة . لوجود ~~دليل للتخصيص . وكذلك إن كانوا قالوا للخليفة : أمنونا نحن خاصة . فالأمان ~~لهم دون غيرهم من أهل الحرب . للتصريح بما يوجب التخصيص في الكلام . ~~PageV02P493 إن لحق رجل من أهل هذا العسكر بغيره من العساكر فليس ينبغي له ~~أن يقاتل معهم أهل الحصن ؛ لأنه استفادوا الأمان من جانب أهل ذلك العسكر ~~خاصة ، وذلك حكم ثابت في حق كل واحد منهم على الانفراد . فكما لا يكون له ~~أن يقاتلهم مع عسكره لا يكون لهم أن يقاتلهم مع عسكر آخر . ولو أن سرية ~~حاصروا حصنا ، فسألهم أهل الحصن أن يؤمنوهم على أربعة أشهر ، على أن يعطوهم ~~خمسمائة دينار ففعلوا ، ثم دخلت سرية أخرى في دار الحرب وعلموا بذلك ، ليس ~~لهم يقاتلوهم حتى يردوا عليهم الدنانير أو ينتهي الأمان بمضي المدة . لنفوذ ~~أمانهم على كافة المسلمين . فإن ردوا الدنانير من أموالهم فقاتلوهم وظفروا ~~بهم ، ثم خرجوا بالغنائم إلى دار الإسلام بالدنانير التي أدوا ، فيعطون ذلك ~~قبل الخمس وقبل كل قسمة ؛ لأنهم إنا توصلوا إلى هذه الغنائم بما أدوا ، فلا ~~يكونون متبرعين فيما أدوا ، بل يكونون أحق بما أصابوا من الحصن حتى يأخذوا ~~دنانيرهم . أرأيت لو وجدوا في الحصن تلك الدنانير بعينها ما كانوا أحق بها ms0294 ~~قبل الخمس والقسمة ؟ فكذلك إذا وجدوا في الحصن مثلها . وهو نظير المرهون ~~إذا أسره العدو ، ثم اشتراه منهم مسلم فأخرجه ، وظفر به الراهن دون المرتهن ~~فأخذه بالثمن ، فإنه يسقط دين المرتهن ، إلا أن PageV02P494 يرد على الراهن ~~ما أعطى من الثمن ، فحينئذ يأخذ العبد ويكون رهنا عنده ، لأن الراهن ما ~~تمكن من أخذه وإحياء ملكه فيه إلا بما أدى ، فلم يكن متطوعا . وكذلك العبد ~~الموصى بخدمته لإنسان مدة معلومة ، وبرقبته لآخر ، فإن الموصى له بالخدمة ~~إذا فداه بالثمن من المشتري من العدو فهو أحق به ، ولا يكون متبرعا في هذا ~~الفداء ، لأنه ما كان يصل إلى خدمته إلا به ، حتى إذا انقضت مدة الخدمة بيع ~~العبد له في الفداء . إلا أن يرد عليه صاحب الرقبة مثل ما أدى فحينئذ يسلم ~~العبد له . # وكذلك المبيع في يد البائع إذا أسره العدو فاشتراه رجل منهم ، فللبائع أن ~~يأخذه بالثمن ، ثم يقال لمشتري : إن شئت فخذه بالثمنين جميعا ، وإن شئت فدع ~~. لأن البائع ما كان يتوصل إلى إحياء حقه إلا بأداء الفداء ، فلا يكون هو ~~متبرعا فيما أدى ، فكذلك حال السرية الثانية فيما أدوا من الدنانير ، فيسلم ~~لهم هذا قبل الخمس ، لأن الخمس في الغنيمة وما أدوا لم يكن من الغنيمة . ~~فمثله المردود عليهم لا يكون من الغنيمة أيضا ، ولكن بمنزلة النفل قبل ~~الخمس على ما نبينه في آخر الباب . ولو لم يظفروا بالحصن ، وجعلوا ~~يقاتلونهم ، حتى مضت أربعة أشهر ، ثم ظفروا بهم ، فليس لهم أن يأخذوا بتلك ~~الدنانير ولا مثلها قبل الخمس ، بل يخمس جميع ما أصابوا ، والباقي بينهم ~~على سهام الغنيمة ؛ PageV02P495 لأن تمكنهم من اغتنام ما في هذا الحصن لم ~~يكن برد الدنانير ، فإنهم لو لم يردوا حتى مضت مدة الأمان كان لهم أن ~~يغيروا عليهم من غير نبذ ، بخلاف المسألة الأولى ، فإنهم ما كانوا يتمكنون ~~من الاغتنام في المدة قبل رد الدنانير ، ولو فعلوا أمروا برد الأموال عليهم ~~وإعادتهم إلى مأمنهم . ولو أنهم لم يخرجوا إلى دارنا حتى التقوا هم والسرية ms0295 ~~الأولى ، في دار الحرب ، فإن كانوا ظفروا بأهل الحصن بعد الأربعة الأشهر ~~فهم شركاء فيما أصابوا ، وليس لهم من دنانيرهم شيء . ولو كانوا ظفروا بهم ~~في الأربعة الأشهر أخذوا دنانيرهم أولا ثم الشركة بينهم في الباقي ؛ لأنهم ~~اشتكوا في الإحراز بدارنا ، وذلك سبب الشركة في الغنيمة . وقد بينا أنهم ~~إذا كانوا ظفروا بهم بعد مضي المدة فجميع ما أصابوا غنيمة ، وإن كان قبل ~~مضي المدة بعد رد الدنانير عليهم . وقد قررنا هذا في الخمس فكذلك في شركة ~~السرية الأولى معهم . ولو أن السرية الثانية بعد رد الدنانير لم يقدروا فتح ~~الحصن ، فدخلوا أرض الحرب ثم أتى أهل الحصن سرية ثالثة ، فلا بأس بأن ~~يغيروا عليهم ؛ لأن حكم أمانهم قد بطل برد السرية الثانية الدنانير عليهم . ~~ألا ترى أنه كان يجوز لهم أن يغيروا عليهم . فكذلك يجوز للسرية الثالثة . ~~PageV02P496 فإن ظفروا بهم في المدة أو بعدها ، ثم التقت السرايا في أرض ~~الحرب . فهم شركاء في جميع الغنائم ؛ لأنهم اشتركوا في إحرازها . ولا سبيل ~~للسرية الثانية على أخذ دنانيرهم وإن وجدوها بعينها ؛ لأنهم ما ظفروا ~~بالحصن . فإن قيل : السرية الثالثة إنما تمكنوا من فتح الحصن في المدة برد ~~تلك الدنانير ، فينبغي أن يكون للسرية الثانية حق استرداد ذلك قبل القسمة . ~~قلنا : نعم ، ولكن لم يكن لأهل السرية الثانية ولاية على أهل السرية ~~الثالثة . ألا ترى أنهم لو خرجوا إلى دار الإسلام قبل أن يلتقوا لم يكن لهم ~~سبيل على شيء مما أصابوا . وملاقاتهم إياهم في دار الحرب سبب لثبوت حق ~~الشركة لهم في الغنيمة لا في غيرها . فإن لم يجعل هذه الدنانير من الغنيمة ~~فلا حق للسرية الثانية فيها . وإن جعلت من الغنيمة فليس لهم حق الاختصاص ~~بشيء منها ، إلا أن يكون الإمام أو من كان أميرا على السرايا هو الذي أمر ~~السرية الثانية برد الدنانير من أموالهم ، فحينئذ له ولاية على السرايا ~~كلها . فالذين أدوا بأمره لا يكونون متبرعين في حق أحد . فإن ظفر السرية ~~الثالثة بهم في المدة ردوا على ms0296 السرية الثانية دنانيرهم أولا ؛ لأنهم ما ~~تمكنوا من هذا الاغتنام إلا بذلك . وإن ظفروا بهم بعد المدة ، فليس عليهم ~~رد شيء من ذلك ، ولكن على الإمام أن يعطي الذين أدوا مالهم من بيت مال ~~المسلمين ، PageV02P497 لأنه أمرهم بأداء مال لأجل منفعة رجعت إلى المسلمين ~~، فكان ذلك دينا لهم على بيت المال . ولأن خمس تلك الغنيمة سلم لبيت المال ~~، فيرد عليهم ما غرموا من مال بيت المال أيضا ليكون الغرم بمقابلة الغنم . ~~ولو لم يأت أهل الحصن سرية أخرى حتى رجعت إليهم السرية الأولى فردت عليهم ~~الدنانير وظفروا بهم ، فلا سبيل عليهم على أخذ الدنانير من رأس الغنيمة ؛ ~~لأنهم أخذوا مثل ما أرادوا ، وفسخوا حكم فعلهم بالرد . فكأنهم لم يأخذوا ~~شيئا في الابتداء حتى ظفروا بالحصن ، فيكون لجميع ما أصابوا حكم الغنيمة . ~~وإن كان تلك الدنانير ضاعت منهم ، وحين رجعوا أعطوا إن كانوا ظفروا بهم في ~~المدة ؛ لأن حالهم عند الرجوع ورد الدنانير كحال سرية أخرى . ولو أن الإمام ~~وادع قوما من أهل الحرب سنة على مال دفعوه إليه ، فذلك جائز ، إنما ينبغي ~~له أن يوادع إذا كان خيرا للمسلمين . لما بينا أنه نصب ناظرا للمسلمين ، ~~ولا يجوز له ترك القتال والميل إلى أخذ المال إلا أن يكون فيه نظر للمسلمين ~~. PageV02P498 ثم هذا المال ليس بفيء ولا غنيمة حتى لا يخمس ، ولكنه بمنزلة ~~الخراج يوضع في بيت المال ، لأن الغنيمة اسم لمال مصاب بإيجاف الخيل ~~والركاب ، والفيء اسم لما يرجع من أموالهم إلى أيدنا بطريق المراضاة فيكون ~~بمنزلة الجزية والخراج يوضع في بيت مال المسلمين . لأن الإمام إنما تمكن ~~منه لمنعة جماعة المسلمين . فإن نظر الإمام فرأى هذه الموادعة شرا للمسلمين ~~فليس ينبغي له أن يقاتلهم حتى يرد عليهم ما أخذ ؛ لأن الوفاء بالعهد ~~والتحرز عن الغدر واجب . فإن رد عليهم عينه أو مثله من بيت المال ، ونبذ ~~إليهم ، ثم بعث جندا حتى ظفروا بهم ، فإنه يخمس جميع ما أصابوا ، ويقسم ~~الباقي بين الغانمين على سهام الغنيمة ، وليس له أن يرتجع ms0297 شيئا مما أعطي من ~~الدنانير ؛ لأنه كان في الأخذ عاملا للمسلمين . فقد ردها أو مثلها من مال ~~المسلمين . فإن مال بيت المال معد لنوائب المسلمين ، وهذا كان من جملة ~~النوائب . بخلاف ما ذكرنا في السرية الأولى إذا ردوا من أموالهم بعد ما ~~ضاعت تلك الدنانير منهم . لأن هناك المأخوذ الذي ضاع منهم كان من جملة ~~الغنيمة ، والمردود لم يكن من الغنيمة ، إنما كان من خاص أموالهم . وهاهنا ~~المأخوذ PageV02P499 كان لجماعة المسلمين ، والمردود أيضا من مال جماعة ~~المسلمين . فلهذا لا يرجع في شيء من ذلك . ثم عاد إلى مسألة السريتين فقال ~~: لو أن السرية الثانية ردوا الدنانير بأمر أميرهم خاصة ، ثم أدركتهم سرية ~~أخرى ، فافتتحت السريتان الحصن وأخذوا ما فيه ، فإنه يقسم المصاب على رءوس ~~الرجال من السريتين أولا ، ثم ينظر إلى ما أصاب السرية التي ردت الدنانير ~~فيبدأ بدنانيرهم من ذلك ؛ لأن أمر أميرهم غير نافذ على السرية الثالثة ، ~~وإنما ينفذ على أهل سريته خاصة . وأموال أهل الحصن مصاب السريتين جميعا ، ~~فلا بد من قسمتها بينهم ليتبين مصاب السرية الثالثة ، حتى يرفعوا دنانيرهم ~~منها قبل القسمة . وإنما قسمت هذه الغنيمة على عدد الرءوس ؛ لأنها ليست ~~بقسمة الغنيمة حتى يعتبر فيها سهام الفرسان والرجالة . ألا ترى أنها قبل ~~الخمس وقسمة الغنيمة بعد الخمس ؟ فإذا دفعوا دنانيرهم يضم ما بقي إلى ما ~~أصاب السرية الثالثة بالقسمة الأولى ، فيخمس جميع ذلك ، ثم يقسم الباقي بين ~~السريتين على سهام الغنيمة . # قال : وإنما مثل هذا مثل إمام بعث سريتين ونفل إحداهما بعينها ~~PageV02P500 الربع قبل الخمس . وهناك يقسم ما أصابوا أولا على رءوس الرجال ~~حتى يتبين نصيب المنفلين فيعطون نفلهم من ذلك ، ثم يضم ما بقي إلى ما أصاب ~~السرية الأخرى ، فيخمس ويقسم ما بقي بينهم على سهام الغنيمة ، وهذا بخلاف ~~ما سبق في أول الكتاب في مسألة المائة العصاة إذا كانوا بأعيانهم . فإن ~~هناك القسمة بينهم وبين الثلاثمائة على سهام الخيل الرجالة في أصح الروايات ~~، حتى يتبين نصيب الثلاثمائة فيعطون من ذلك نفلهم ؛ لأن هناك ms0298 إنما نفلهم ~~الربع بعد الخمس ، والقسمة التي تكون بعد الخمس قسمة الغنيمة . وهذا إنما ~~نفلهم الربع قبل الخمس . والقسمة الأولى هاهنا ليست بقسمة الغنيمة . فلهذا ~~قسم على عدد رءوس الرجال . فإن كان ما أصاب السرية الرادة لم يرد على ~~دنانيرهم ، سلم لهم جميع ذلك ، ويخمس ما أصاب السرية الآخرى ، ثم يقسم ما ~~بقي بين السريتين جميعا على الغنيمة ؛ لأن المغنوم هذا المقدار . وإن لم يف ~~ما أصابهم بدنانير فكذلك الجواب ؛ لأنه لا أمر لأميرهم فيما أصاب السرية ~~الثالثة ليأخذوا أشياء منها بحساب الدنانير . والله أعلم . PageV02P501 # | باب ما يتكلم به الرجل فيكون أمانا أو لا يكون # فإذا أخذ المسلم أسيرا من المشركين وطلب الأسير منه الأمان فأمنه ، فهو ~~آمن لا يحل له ولا للأمير ولا لغيره أن يقتله ؛ لأن أمان الواحد من ~~المسلمين نافذ على الجماعة . فكأن الأمير هو الذي أمنه ، ولكنه يكون فيئا ~~لأنه مقهور مأخوذ . وقد ثبت فيه حق المسلمين فلا يبطل بأمان الواحد الحق ~~الثابت لجماعتهم . وأمنا من القتل بسبب الأمان لا يكون فوق أمانه من القتل ~~بالإسلام . ولو أسلم بعد ما أسر لم يقتل ، ولكن يكون فيئا . فكذلك إذا أمنه ~~بعد الأسر . وهذا لأنه صار بمنزلة الرقيق ، وإن لم يتعين مالكه ما لم يقسم ~~. وإسلام الرقيق لا يزيل الرق عنه . ثم الدليل على أن إسلامه بعد الأخذ لا ~~يبطل الحق الثابت فيه للمسلمين حديث العباس رضي الله عنه . فإنه أسلم يوم ~~بدر بعد ما أسر . وحسن إسلامه ، على ما روي أن المسلمين قالوا فيما بينهم : ~~قد قتلنا الرجال وأسرناهم ، فنتبع العير الآن . فلما عزموا على ذلك قال ~~PageV02P502 العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق الأسر : هذا ~~لا يصلح . قال : لم ؟ قال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين . وقد ~~أنجزها لك فارجع سالما . فهذا دليل على حسن إسلامه في ذلك الوقت . ومع ذلك ~~أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفداء . وفيه نزل قوله تعالى : ' يا ~~أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن ms0299 يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم ~~خيرا مما أخذ منك ' الآية الآنفال : 67 ، فإن قال : لا أسلم ، ولكن أكون ~~ذمة لكم . فللأمام أن لا يعطيه ذلك ويقتله ؛ لأنه صار مأخوذا مقهورا . وقد ~~بينا أنه لا يفترض الإجابة إلى إعطاء الذمة في حق مثله . فإن كان حين أخذه ~~المسلمون خافوا أن يسلم فكعموه . أي : سدوا فمه ، والكعام اسم لما يسد به ~~الفم ، أو ضربوه حتى يشتغل بالضرب فلا يسلم ، فقد أساءوا في ذلك ؛ لأن ~~فعلهم في صورة المنع عن الإسلام لمن يريد الإسلام ، وذلك لا رخصة فيه . ~~ولكنهم إن كعموه كي لا ينفلت ولم يريدوا به أن يمنعوه من الإسلام فهذا لا ~~بأس به ، لقوله تعالى : ' حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ' محمد : 4 ، ~~PageV02P503 فإن قيل : إذا كعموه حتى لا يسلم ينبغي أن يكون ذلك كفرا منهم ~~لأنهم رضوا بكفره ، ومن رضي بكفر غيره يكفر . قلنا : لفعلهم ذلك تأويلان : ~~أحدهما : أنهم علموا أنه لا يسلم حقيقة ، ولكن يظهر الإسلام تقية لينجو من ~~القتل . فلا يكون ذلك رضا منهم بكفره . # والثاني : أن مقصودهم من ذلك الانتقام منه والتشديد عليه ، لكثر ما آذاهم ~~لا على وجه الرضا بكفره . ومن تأمل قوله تعالى : ' ربنا اطمس على أموالهم ~~واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ' يونس : 88 . يتضح له ~~هذا المعنى . وأيد هذا ما روي أن عثمان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعيد ~~بن أبي سرح يوم فتح مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بايع عبد ~~الله ، فأعرض عنه . حتى جاء إلى كل جانب هكذا ، فقال : بايعناه فلينصرف . ~~فلما انصرف قال لأصحابه : أما كان فيكم من يقوم إليه فيضرب عنقه قبل أن ~~أبايعه ؟ فقالوا : أهلا أو مأت إلينا بعينك يا رسول الله ؟ فقال : ما كان ~~لنبي أن تكون له خائنة الأعين . وأحد لا يظن أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يرضى بكفره ، ولكن علم أنه كان يظهر في ذلك تقية . فلهذا أعرض عنه ~~وقال ما قال . ولو ms0300 أن الأسير قال للمسلم حين أراد قتله : الأمان الأمان . ~~فقال له المسلم : الأمان الأمان . وإنما أراد رد كلامه على وجه التغليظ ~~عليه ، ولكنه لم يرد على هذا ، فهذا في حقه حلال الدم لا بأس بأن يقتله . ~~ولكن من سمع منه هذه المقالة يمنعه من قتله ، ولا يصدقه فيما ادعى من مراده ~~؛ PageV02P504 لأن سياق كلامه من حيث الظاهر أمان . ولكنه محتمل لما أراد . ~~إلا أن ذلك في ضميره فلا يقف عليه غيره . فأما الأمير والناس يتبعون الظاهر ~~فلا يمكنونه من قتله بعد ما أمنه . وفيما بينه وبين ربه هو في سعة من قتله ~~، لأن الله مطلع على ضميره . ولو كان قال له المسلم : الأمان الأمان تطلب ؟ ~~أو قال : لا تعجل حتى تنظر ما تلقى . فهذا لا يكون أمانا . و لا بأس بقتله ~~له ولغيره ؛ لأن في سياق كلامه تنصيصا على معنى التهديد ، وسياق النظم دليل ~~على ترك الحقيقة . ألا ترى إلى قوله تعالى : ' فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر . إنا أعتدنا للظلمين نارا ' الكهف : 29 . أنه زجر وتوبيخ لا تخيير ~~باعتبار سياق الكلام ؟ وكذلك قوله تعالى : ' اعملوا ما شئتم . إنه بما ~~تعملون بصير ' فصلت : 40 . تهديد وليس بأمر . وكذلك إذا قال الرجل لغيره : ~~افعل في مالي ما شئت إن كنت رجلا ، أو افعل به ما شئت إن كنت صادقا ، لا ~~يكون إذنا بل يكون زجرا وتقريعا . فكذلك هاهنا إذا قال المسلم : الأمان ، ~~ستعلم أؤمنك أو لا تعلم ، أنه أراد رد كلامه . وإذا قال : الأمان وسكت ، لا ~~يعلم ما في ضميره ، فجعل ذلك أمانا باعتبار الظاهر بمنزلة من يقول لغيره : ~~افعل في مالي كذا وكذا ، يكون إذنا ، وإن قال : أردت به التهديد ، لم يدن ~~في القضاء . PageV02P505 ولو أن المشرك نادى من الحصن قبل أن يظفر به : ~~الأمان الأمان . فقال له المسلم : الأمان الأمان . فرمى بنفسه إلى المسلمين ~~فقال الذي أمنه : إنما أردت التهديد ، لا يلفت إلى كلامه ، وخلي سبيله . ~~سواء كان الأمير قال له ذلك أو غيره ؛ لأن ما في ضميره لا ms0301 يعرفه المشرك ، ~~فلو اعتبر ذلك أدى إلى الغرور وهذا حرام ، وبهذا فارق الأسير لأنه صار ~~مقهورا مأخوذا ، فلا يتحقق معنى الغرور بينه وبين المسلم فيعتبر ما في ~~ضميره في حقه خاصة . ولو كان المسلم قال للمحصور : الأمان الأمان ، ما ~~أبعدك عن ذلك ! أو انزل إن كنت رجلا . فأسمعه الكلام كله بلسانه ، فرمى ~~المشرك بنفسه ، فهو فيء يجوز قتله ؛ لأنه لم يغره في شيء ، فقد أسمعه ما ~~هدده به ، وبين له أن كلامه تهديد وليس بإعطاء الأمان ، ألا ترى أن الرجل ~~يقول لآخر : لي عليكم ألف درهم ، فيقول الآخر : لك علي ألف درهم ؟ ما أبعدك ~~من ذلك ! فإنه لا يكون كلامه إقرارا لهذا المعنى . فأما إذا سمعه ذكر ~~الأمان ولم يسمعه ما وصل به فهو آمن ، لا يعتبر في حقه ما أسمعه دون ما لم ~~يسمعه . وما لم يسمعه هو بمنزلة ما في ضميره لو اعتبر أدى إلى الغرور ، ~~والغرور حرام والله أعلم . PageV02P506 # | باب ما يكون أمانا ممن يدخل دار الحرب والأسرى وما لا يكون أمانا # ولو أن رهطا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب فقالوا : نحن رسل ~~الخليفة ، وأخرجوا كتابا يشبه كتاب الخليفة ، أو لم يخرجوا ، وكان ذلك ~~خديعة منهم للمشركين ، فقالوا لهم : ادخلوا ، فدخلوا دار الحرب ، فليس يحل ~~لهم قتل أحد من أهل الحرب ، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم ؛ ~~لأن ما أظهروه لو كان حقا كانوا في أمان من أهل الحرب ، وأهل الحرب في أمان ~~منهم أيضا لا يحل لهم أن يتعرضوا لهم بشيء ، هو الحكم في الرسل إذا دخلوا ~~إليهم كما بينا . فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم ؛ لأنه لا طريق لهم إلى ~~الوقوف على ما في باطن الداخلين حقيقة ، وإنما يبنى الحكم على ما يظهرون ~~لوجب التحرز عن الغدر وهذا لما بينا أن أمر الأمان شديد ، والقليل منه يكفي ~~فيجعل ما أظهروه بمنزلة الاستئمان منهم . ولو استأمنوا فأمنوهم وجب عليهم ~~أن يفوا لهم . PageV02P507 فكذلك إذا ظهر ما هو دليل الاستئمان . وكذلك لو ms0302 ~~قالوا : جئنا نريد التجارة . وقد كان قصدهم أن يغتالوهم ؛ لأنهم لو كانوا ~~تجارا حقيقة كما أظهروا لم يحل لهم أن يغدروا بأهل الحرب ، فكذلك إذا ~~أظهروا ذلك لهم . وكذلك لو لقوهم في وسط دار الحرب إلا أن ما كانوا أخذوا ~~قبل أن يلقوهم ، فهو سالم لهم ، ولا يحل أن يتعرضوا لشيء بعد ذلك ؛ لأنهم ~~حين خلوا سبيلهم بناء على ما أظهروا فكأنهم أمنوهم الآن . وذاك يحرم عليهم ~~التعرض لهم في المستقبل ، ولا يلزمهم رد شيء مما أصابوا قبل ذلك . ولو ~~كانوا تشبهوا بالروم ولبسوا لباسهم ، فلما قالوا لهم : من أنتم ؟ قالوا : ~~نحن قوم من الروم كنا في دار الإسلام بأمان . وانتسبوا لهم إلى من يعرفونه ~~من أهل الحرب ، أو لم ينتسبوا ، فخلوا سبيلهم . ولا بأس بأن يقتلوا من ~~يقدرون عليه منهم ويأخذوا الأموال ؛ لأن ما أظهروا لو كان حقيقة لم يكن ~~بينهم وبين أهل الحرب أمان . فإن بعضهم ليس في أمان من بعض حتى لو استولى ~~عليه أو على ماله بملكه ، وإذا أسلم عليه كان سالما له . يوضحه أنهم ما ~~خلوا سبيلهم بناء على استئمان PageV02P508 منهم صورة أو معنى ، وإنما خلوا ~~سبيلهم على بناء أنهم منهم . فهذا وقولهم : نحن منكم ، سواء . وكذلك لو ~~أخبروهم أنهم قوم من أهل الذمة أتوهم ناقضين للعهد مع المسلمين ، فأذنوا ~~لهم في الدخول ، فهذا والأول سواء ؛ لأنهم خلوا سبيلهم على أنهم منهم ، وأن ~~الدار تجمعهم ، والإنسان في دار نفسه لا يكون مستأمنا . واستدل عليه بحديث ~~عبد الله بن أنيس المتخصر في الجنة حين قال لسفيان بن عبد الله : جئت ~~لأنصرك وأكثرك وأكون معك ، ثم قتله ، فدل أن مثل هذا لا يكون أمانا . وقد ~~بينا تفسير المتخصر فيما سبق . ومما يبين ذلك قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' خير العاملين في الدنيا بعد الأنبياء والمرسلين المتخصرون ' يعني ~~الذين يعملون في الدنيا من الطاعات ما يعتمدون عليها في الجنة وينالون بها ~~من الدرجات ، كما يتوكأ الرجل على عصاه في الدنيا يضعه على خاصرته . ~~PageV02P509 ولو أن رهطا ms0303 من المسلمين كانوا أسراء في أيديهم ، فخلوا سبيلهم ~~، لم أر بأسا أن يقتلوا من أحبوا منهم ، ويأخذوا الأموال ويهربوا إن قدروا ~~على ذلك ؛ لأنهم كانوا مقهورين في أيديهم ، وقبل أن يخلوا سبيلهم ، لو ~~قدروا على شيء من ذلك كانوا متمكنين منه . فكذلك بعد تخلية سبيلهم . لأنهم ~~ما أظهروا من أنفسهم ما يكون دليل الاستئمان ، وما خلوهم على سبيل إعطاء ~~الأمان بل على وجه قلة المبالاة بهم والالتفات إليهم . وكذلك لو قالوا لهم ~~: قد أمناكم فاذهبوا حيث شئتم . ولم تقل الأسراء شيئا ؛ لأنه إنما يحرم ~~عليهم التعرض لهم بالاستئمان صورة أو معنى ، فيه يلتزمون الوفاء ، ولم يوجد ~~منهم ذلك . وقول أهل الحرب لا يلزمهم شيئا لم يلتزموه . بخلاف ما إذا جاءوا ~~من دار الإسلام فقال لهم أهل الحرب : ادخلوا فأنتم آمنون ؛ لأن هناك جاءوا ~~عن اختيار مجيء المستأمنين ، فإنهم حين ظهروا لأهل الحرب في موضع لا يكونون ~~ممتنعين منهم بالقوة . فكأنهم استأمنوهم وإن لم يتكلموا به . وما الأسراء ~~فحصلوا في دراهم مقهورين لا عن اختيار منهم ، فلا بد للاستئمان من قول أو ~~فعل يدل عليه . ولو أن قوما منهم لقوا الأسراء فقالوا : من أنتم ؟ فقالوا : ~~PageV02P510 نحن قوم تجار دخلنا بأمان أصحابكم أو قالوا : نحن رسل الخليفة ~~، فليس ينبغي لهم بعد هذا أن يقتلوا أحدا منهم ؛ لأنهم أظهروا ما هو دليل ~~الاستئمان . فيجعل ذلك استئمانا منهم ، فلا يحل لهم أن يغدروا بهم بعد ذلك ~~. ما لم يتعرض لهم أهل الحرب . فإن علم أهل الحرب أنهم أسراء فأخذوهم ثم ~~انفلتوا منهم حل لهم قتالهم وأخذ أموالهم ؛ لأن حكم الاستئمان إليهم يرتفع ~~بما فعلوا . ألا ترى أن المستأمنين لو غدر بهم ملك أهل الحرب فأخذ أموالهم ~~وحبسهم ، ثم انفلتوا ، حل لهم قتل أهل الحرب وأخذ أموالهم ؟ باعتبار أن ذلك ~~نقض للعهد من ملكهم . وكذلك لو فعل ذلك بهم رجل بأمر ملكه أو بعلمه ولم ~~يمنعه من ذلك . فإن السفيه إذا لم ينه مأمور . فأما إذا فعلوا بغير علم ~~الأمير أو علم جماعتهم لم يحل ms0304 للمستأمنين أن يستحلوا حريم القوم بما صنع ~~هذا بهم ؛ لأن فعل الواحد من عرضهم لا يكون نقضا للعهد بينهم وبين المستأمن ~~، فإنه لا يملك ذلك وإنما هذا ظلم منه إياهم ، فيحل لهم أن ينتصفوا منه ~~باسترداد عين ما أخذ منهم أو مثله إن قدروا على ذلك . ولا يحل لهم أن ~~يتعرضوا له بشيء سوى هذا ، لأن الظالم لا يظلم ولكن ينتصف منه بالمثل فقط . ~~PageV02P511 ولو كان الأسراء قالوا لهم حين أخذوهم : نحن قوم منكم : فخلوا ~~سبيلهم . حل لهم قتلهم وأخذ أموالهم . لما بينا أن ما أظهروا ليس باستئمان ~~. وكذلك لو كانوا أسلموا في دار الحرب فهم بمنزلة الأسراء في جميع ما ذكرنا ~~؛ لأن حصولهم في دار الحرب لم يكن على وجه الاستئمان . ولو كان الذين لقيهم ~~أهل الحرب من المسلمين قالوا : نحن قوم من برجان جئنا من أرض الإسلام ~~بالأمان . أمننا بعض مسالحكم لنلحق ببلادنا . فخلوا سبيلهم ، لم يحل لهم أن ~~يعرضوا بعد هذا لأحد منهم . وبرجان هذا اسم ناحية وراء الروم ، بين أهلها ~~وبين أهل الروم عداوة ظاهرة . ولا يتمكن بعضهم من الدخول على بعض إلا ~~بالاستئمان فما أظهروا بمنزلة الاستئمان . ألا ترى أن ذلك لو كان حقا لم ~~يحل لهم أن يتعرضوا لهم ؟ فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم . ما لم يرجعوا ~~إلى بلاد المسلمين . فإن رجعوا فقد انتهى حكم ذلك الاستئمان وإذا دخلوا ~~دارهم بعد ذلك حل لهم أن يصنعوا بهم ما قدروا عليه ؛ PageV02P512 لأنهم ~~الآن بمنزلة المتلصصين فيهم ، سواء علموا برجوعهم أو لم يعلموا لأن رجوعهم ~~إنما يخفى على أهل الحرب لتقصير منهم في حفظ حريمهم ، بخلاف الوقوف على ~~حقيقة الحال فيما سبق . ولو أن المسلمين أخذوا أسراء من أهل الحرب فأرادوا ~~قتلهم . فقال رجل منهم : أنا مسلم . فلا ينبغي لهم أن يقتلوه حتى يسألوه عن ~~الإسلام . لا لأنه سيصير مسلما بهذا اللفظ ، ولكن بظاهر قوله تعالى : ' ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ' النساء ~~: 94 . ولأن تكلم بكلام مبهم فيستفسر ms0305 . وليس من الاحتياط المبادرة إلى قتله ~~قبل الاستفسار . فإن وصف الإسلام حين سألوه عنه فهو مسلم لا يحل قتله . وهو ~~فيء إلا أن يعلم أنه كان مسلما قبل ذلك ؛ لأن هذا منه ابتداء الإسلام لما ~~لم يعرف إسلامه قبل هذا . وذاك يؤمنه من القتل دون الاسترقاق . فإن كان ~~عليه سيماء المسلمين ، وأكبر الظن من المسلمين أنه كان مسلما فهذا بمنزلة ~~العلم بإسلامه ، حتى يجب تخلية سبيله ؛ PageV02P513 لأن أكبر الرأي بمنزلة ~~اليقين فيما بني أمره على الاحتياط ، وفيما يتعذر الوقوف فيه على حقيقة ~~الحال . ولو قال : لست بمسلم ، ولكن ادعوني إلى الإسلام حتى أسلم ، لم يحل ~~قتله أيضا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' فادعوهم إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله ' فكان لا يقاتل قوما حتى يدعوهم . ولو أردنا قتال قوم لم ~~تبلغهم الدعوة لا ينبغي لنا أن نقاتلهم حتى ندعوهم . وربما يجيبون وربما ~~يمتنعون . فهذا الذي طلب منا أن ندعوه وأظهر من نفسه الإجابة إلى ذلك أولى ~~أن لا يحل قتله قبل الدعاء إلى الإسلام . ولو قال : أنا مسلم . فاستوصف ~~الإسلام فأبى أن يصفه ، فإنه ينبغي للمسلمين أن يصفوا الإسلام ، ثم يقولون ~~له : أنت على هذا ؟ فإن قال : نعم ، فهو مسلم ، وإن قال : لست على هذا ، أو ~~قال : ما أعرف هذا الذي تقولون ، فهو حلال الدم . إلا أن الأولى أن يقول له ~~الإمام : أتدخل في هذا الذي دعوناك إليه ؟ فإن قال : نعم ، لم نقتله ، وكان ~~فيئا . وإن قال : لا ، فحينئذ يضرب عنقه . وبهذا الفصل يتبين الجواب في ~~مسألة الزوجة والجارية أنه إذا استوصفها الإسلام ، فلم تحسن أن تصفه ينبغي ~~له أن يصف الإسلام بين يديها ويقول : أنا على هذا ، وظني بك أنك على هذا ، ~~فإن قالت : نعم . فذلك يكفي ، وتكون مسلمة يحل له وطئها بالنكاح والملك . ~~PageV02P514 # | باب أمن الرسول والمستأمن # إذا خيف أن يدل على بعض عورات المسلمين # ولو أن رسول ملك أهل الحرب جاء إلى عسكر المسلمين فهو آمن حتى يبلغ ~~رسالته بمنزلة مستأمن جاء للتجارة ؛ لأن ms0306 في مجيء كل واحد منهما منفعة ~~للمسلمين . فإن أرادا الرجوع فخاف الأمير أن يكونا قد رأيا للمسلمين عورة ~~فيدلان عليها العدو ، فلا بأس بأن يحبسهما عنده حتى يأمن من ذلك ؛ لأن في ~~حبسهما نظرا للمسلمين ودفع الفتنة عنهم . وإذا جاز حبس الداعر لدفع فتنته ~~وإن لم نتحقق منه خيانة فلأن يجوز حبس هذين أولى . فإن قالا للإمام : خل ~~سبيلنا وإنا عندك بأمان . لم ينبغ له أن يخلي سبيلهما ؛ PageV02P515 لأن ~~الظاهر أنهما يدلان العدو على ما رأيا من العورة . فإن اعتقادهما يحملهما ~~على ذلك . وأيد هذا الظاهر قوله تعالى : ' لا يألونكم خبالا ' وإن قالا : ~~نحلف أن لا نخبر بشيء من ذلك . لم يصدقهما في ذلك ؛ لأن اليمني إنما تكون ~~حجة لمن شهد الظاهر له ، والظاهر هنا يشهد بخلاف ما يقولان ، فلا يلتفت إلى ~~يمينهما ، وأيد هذا قوله تعالى : ' إنهم لا أيمان لهم ' أي : لا أيمان يجوز ~~الاعتماد عليهم فيما يرجع إلى الإضرار بالمسلمين . وهذه اليمين بهذه الصفة ~~فلا يجوز للإمام أن يعتمدها ، ولكنه يحبسهما عنده حتى يأمن . إلا أنه ينبغي ~~له أن يقيدهما ولا أن يفلهما ؛ لأن فيه تعذيبا لهما ، وهما في أمان منه ، ~~فلا يكون له أن يعذبهما ما لم يتحقق منهما خيانة ، فإن قيل : ففي الحبس ~~تعذيب أيضا . قلنا : لا نعني بقولنا يحبسهما الحبس في السجن . فإن ذلك ~~تعذيب . وإنما نعني به أن يمنعهما من الرجوع ويجعل معهما حرسا يحرسونهما ، ~~وليس في هذا القدر تعذيب لهما بل فيه نظل للمسلمين ولئن كان فيه نوع تعذيب ~~من حيث الحيلولة بينهما وبين وطنهما فالمقصود دفع ضرر هو أعظم من ذلك وإذا ~~لم نجد بدا من إيصال الضرر إلى بعض الناس ، ترجح أهون الضررين على أعظمهما ~~. ثم هذا المقصود يحصل بحرس يجعله معهما . فليس له أن يعذبهما فوق ذلك ~~بالتقييد . PageV02P516 فإن حضر قتال وشغل عنهما الحرس وخاف انفلاتهما ، ~~فلا بأس بأن يقيدهما حتى يذهب ذلك الشغل ؛ لأن هذا موضع الضرر ، فإذا ذهب ~~ذلك الشغل حل قيودهما لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها . وإن ms0307 سار الإمام ~~راجعا إلى دار الإسلام فله أن يذهب بهما معه حتى يبلغ الموضع الذي يأمن فيه ~~مما يخاف عنهما ، ثم يخلى سبيلهما ؛ لأن النظر للمسلمين دفع الفتنة عنهم في ~~ذلك . فإن لم يأمن منهم حتى يدخل أرض الإسلام لم يخل سبيلهم حتى يدخل أرض ~~الإسلام ؛ لأن الفتنة في تخلية بيلهما في دار الحرب تعظم عسى ، وعلى الإمام ~~أن يتحرز ويجتهد لدفع ذلك عن نفسه وعن العسكر . فإن أبيا أن يبرحا مكانها ~~أكرههما على ذلك ؛ لأن في موضع النظر للإمام ولاية الإكراه . ألا ترى أنه ~~إذا وقع النفير عاما كان له أن يجبر الناس على الخروج ؟ وفي نظيره قال عمر ~~رضي الله عنه : ' لو تركتم لبعتم أولادكم ' . فإن وصل إلى مأمنه من دار ~~الإسلام ثم أمرهما بالإنصراف فسألاه أن يعطيهما مالا يتجهزان به إلى ~~بلادهما فإنه ينبغي PageV02P517 له أن يعطيهما من النفقة ما يبلغهم إلى ~~المكان الذي أبيا أن يصحباه منه ؛ لأنه جاء بهما مكروهين من ذلك الموضع ، ~~فعليه أن يردهما إليه . وكان ذلك منه نظرا للمسلمين ، فتكون تلك المؤنة من ~~بيت مال المسلمين بمنزلة نائبة تنوب المسلمين . وفيما يجاوز ذلك قد أتيا ~~اختبارا منها ، فلا يعطيهما للرجوع نفقة ، وإنما يعطى هذه النفقة من بيت ~~المال إذا لم تصب الجند غنيمة ، أو أصابوا واقتسموها . فأما إذا أصابوا ~~غنيمة ولم تقسم بعد ، فإنه يعطيها النفقة من تلك الغنيمة ؛ لأنه أكرههما ~~على ذلك نظرا منه للجند خاصة . فتكون المؤنة من مال هو حق للجند ، بمنزلة ~~ما لو استأجر لحمل الغنائم أو سوقها أو حفظها . وكذلك إذا منعهما من الرجوع ~~وأكرههما على المقام معه . فإنه ينبغي أن ينفق عليهما من غنائم المسلمين . ~~وإذا حملهما من ذلك الموضع مع نفسه على الدواب من غنائم المسلمين ؛ لأنهما ~~آمنان عنده ، والتحرز عن الغدر واجب ، فإذا حبسهما لمنفعة الغانمين أنفق ~~عليهما من أموالهم بمنزلة العامل على الصدقات يعطى الكفاية من PageV02P518 ~~مال الصدقة . والمرأة إذا كنت محبوسة عند الزوج لحقه استوجبت النفقة عليه . ~~فإن أراد تخلية سبيلهما بعد ms0308 ما أمن ، وكان هو في موضع يخافان فيه ، فينبغي ~~له أن ينظر لهما ولا يخلي سبيلهما إلا في موضع لا يخاف عليهما فيه ؛ لأنهما ~~تحت ولايته وفي أمانه ، وهو مأمور بدفع الظلم عنهما . فكلما ينظر للمسلمين ~~بما يزيل الخوف عنهم فكذلك ينظر لهما . أرأيت لو حملهما معه في البحر ، ~~فلما انتهى إلى جزيرة أمن فيها ، أينبغي له أن يتركهما في تلك الجزيرة ؟ لا ~~، ولكن يحملهما إلى موضع لا يخاف عليهما فيه الضيعة ، ثم يعطيهما ما ~~يكفيهما لجهازهم وحملاتهما . وإن كانا لا يأمنان من اللصوص فينبغي له أن ~~يرسل معهما قوما يبلغونهما مأمنهما ؛ لأن ذلك على الإمام ولكنه ربما لا ~~يقدر على مباشرته بنفسه فيستعين عليه بقوم من المسلمين . فإن كانا لا ~~يبلغان مأمنهما حتى يبلغا موضعا يخاف فيه الذين أرسلوا معهما ، فإنه ينبغي ~~أن يرسل معهما إلى أبعد موضع يأمن فيه أهل الإسلام ، ثم يخلى سبيلهما . ليس ~~عليه غير ذلك ؛ PageV02P519 لأن فيما وراء ذلك تعريض المسلمين للهلاك ، ~~وذلك لا يحل له لدفع الخوف عن المشركين ، ثم إن أجبر المسلمين على أن ~~يذهبوا معهما إلى الموضع الذي يخافون فيه فقتلوا كان هو الساعي في دمهم ، ~~وإن تركهما ليذهبا فأصيبا لم يكن هو ساعيا في دمهما . فكان هذا أهون ~~الأمرين والله أعلم . PageV02P520 # | باب أهل الحصن يؤمنه الرجل من المسلمين على جعل أو غير جعل # وإذا حاصر المسلمون حصنا وفيها أسير من المسلمين فأمنهم ، ثم جاء بهم ~~ليلا حتى أدخلهم المعسكر فهم فيء للمسلمين ، لأن الذي أمنهم كان مقهورا غير ~~ممتنع منهم ، وأمان مثله باطل . ولأنه ما قصد بهذا الأمان النظر للمسلمين ، ~~وإنما قصد تخليص نفسه ، ولو صححنا أمان مثله لم يتوصل المسلمون إلى فتح ~~الحصن من حصونهم قهرا ، فقل ما يخلو حصن عن أسير ، فإذا أيقنوا بالفتح ~~أمروا الأسير حتى يؤمنهم ، وإن لم يكن فيهم أسير ، أمروا رجلا منهم حتى ~~يسلم ثم يؤمنهم ، فيكون حكمه وحكم الأسير سواء فلأجل هذه المعاني قلنا : هم ~~جميعا فيء للمسلمين . وفي القياس : لا بأس بقتل رجالهم ms0309 ؛ لأن الأمان الباطل ~~لا يحرم القتل ، كما لو حصل من صبي لا يعقل أو من كافر ، ولكنه استحسن وقال ~~: لا ينبغي للإمام أن يقتل رجالهم . لوجهين : PageV02P521 أحدهما : أن ظاهر ~~قوله عليه السلام : ' يسعى بذمتهم أدناهم ' الحديث ، يعم الأسير وغيره وهذا ~~الظاهر وإن ترك العمل به لقيام الدليل بنفي شبهة فيما يندرئ بالشبهات ~~بمنزلة قوله : أنت ومالك لأبيك . # والثاني : أن القوم إنما جاءوا إلى المعسكر للاستئمان لا للقتال فإنهم ~~جاءوا باعتبار أمان الأسير إياهم ، وقد بينا أن المحصور إذا جاء على هيئة ~~يعلم أنه تارك للقتال بأن ألقى السلاح ونادى بالأمان وجاء فإنه يأمن القتل ~~. فهؤلاء أيضا يأمنون من القتل ولكنهم لا يأمنون من الاسترقاق ، فنخمسهم ~~ونقسمهم بين الغنائم . وكذلك لو كان الذي أمنهم مستأمنا فيهم ، أو كان رجلا ~~منهم أسلم فالمعنى يجمع الكل . ولو أمنهم مسلم من أهل العسكر فأمانه جائز ؛ ~~لأنه آمن منهم . ممتنع في عسكره فأمانه كأمان جماعة المسلمين . فإن لم ~~يخرجوا من حصنهم بعد نبذ الإمام إليهم ، ثم قاتلهم كما لو كان هو الذي ~~أمنهم بنفسه ، ثم رأى النظر في قتالهم ، فإن خرجوا إلى المعسكر وقالوا : ~~أمننا فلان ، لم نصدقهم على ذلك حتى يشهد عدلان من المسلمين ؛ PageV02P522 ~~لأنهم صاروا فيئا باعتبار الظاهر ، وقد ادعوا ما يسقط حق المسلمين عنهم . ~~فلا بد من شاهدين عدلين من المسلمين على ذلك . ولا يقبل قول ذلك الرجل : ~~إني أمنتهم ؛ لأنه يخبر بما لا يملك استئنافه . وكذلك لو شهد هو مع رجل آخر ~~؛ لأنه يشهد على فعل نفسه ولا شهادة للمرء على فعل نفسه . فإن شهد عدلان ~~سواء ، وجب تبلغيهم مأمنهم ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينة . وإن لم ~~تكن لهم بينة إلا قول ذلك الرجل ، كانوا فيئا . إلا أنه لا يقتل رجالهم ~~استحسانا للشبهة التي تمكنت فإن ذلك الرجل أخبر بحرمة قتلهم ، وهو محتمل ~~للصدق ، وحرمة القتل من أمر الدين ، وخبر الواحد في أمر الدين حجة وإن لم ~~يكن حجة في إلزام الحكم . فلهذا لا يقتلون . ولو كان المسلم أمنهم على ألف ms0310 ~~دينار أخذا منهم ثم علم بذلك الإمام وهم في حصنهم فهو بالخيار . ~~PageV02P523 إن شاء أجاز أمانه ولم يتعرض له حتى يخرج من دار الحرب ، وأخذ ~~الدنانير ، فكانت فيئا للمسلمين ، لأن الإمام لو رأى النظر في إنشاء الأمان ~~بهذه الصفة كان له أن يفعله ، فكذلك إذا رأى النظر في أن يجيز أمان غيره . ~~ثم المال مأخوذ بقوة العسكر فيكون فيئا لهم . وإن شاء رد عليهم الدنانير ~~للتحرز عن الغدر ثم نبذ إليهم وقاتلهم . بمنزلة ما لو أمنهم بنفسه على هذا ~~الوجه . وإن كانوا دخلوا عسكر المسلمين حين صالحهم الرجل أو خربوا حصنهم ~~فإن للإمام أن يأخذ ألف دينار فيجعلها فيئا للمسلمين ؛ لأن معنى النظر ~~هاهنا متعين في إجازة ذلك فإنهم آمنون في العسكر ولا سبيل للإمام عليهم حتى ~~يبلغهم مأمنهم وإن رد الدنانير عليهم . فعرفنا أن في أخذ الدنانير منفعة ~~للمسلمين . وهو نظير العبد المحجور عليه يؤاجر نفسه ويسلم من العمل . وإذا ~~قسم الدنانير بني الغانمين قال لهم : الحقوا حيث شئتم من بلاد أهل الحرب . ~~ولا يعرض لهم حتى يبلغوا مأمنهم . فيتم به الوفاء لما شرط لهم في الصلح . ~~وإذا فتح المسلمون الحصن فقال رجل منهم : إني كنت PageV02P524 صالحت القوم ~~قبل فتح الحصن على هذا الألف دينار . وصدقه أهل الحصن بذلك ، فإن الإمام ~~ينظر في ذلك ، فإن كان خيرا للمسلمين أن يصدقه صدقه وأخذ منه الدنانير ~~وأمرهم أن يلحقوا بمأمنهم ، وإن كان خيرا للمسلمين أن يكذبه كذبه ولم يعض ~~للدنانير وجعلهم فيئا ؛ لأنه نصيب ناظرا للمسلمين . فينظر ما يكون أنفع ~~للمسلمين فيعمل به . ألا ترى أنه لو رأى النظر للمسلمين في أن يمن عليهم ، ~~كان له أن يفعل ذلك . فهذا مثله . إلا أنه لا يقتل رجالهم على كل حال ~~للشبهة التي دخلت بإخبار الرجل أنه أمنهم . وإن كان حين أخبر الرجل بهذا ~~كانوا ممتنعين في حصنهم فهم آمنون ، والإمام بالخيار . كما بينا فيما إذا ~~أنشأ لهم الأمان في هذه الحالة . فإن الإخبار به في حق المسلمين بمنزلة ~~الإنشاء . والله أعلم . PageV02P525 # | باب ms0311 ما يكون أمانا وما لا يكون على شرط يشترطه # وإذا قال رجل من المحصورين : أمنوني حتى أنزل إليكم على أن أدلكم على ~~مائة رأس من السبي في موضع . فأمنوه على ذلك . فأنه ينبغي للمسلمين أن ~~يردوه إلى مأمنه إن لم يفتحوا الحصن . فإن افتتحوا الحصن فعليهم أن يبلغوه ~~مأمنه من أرض الحرب ؛ لأنه حصل أمنا في المعسكر ، فإن الأمان شرط يثبت ~~بوجود القبول ولا يتأخر إلى أداء المقبول ، بمنزلة العتق بجعل . فإنه لو ~~أعتق عبده على أن يؤدي إليه ألف درهم فقبل كان العتق واقعا ، وإن لم يؤد ، ~~فها هنا الأمان يثبت له أيضا إذا نزل عن منعته ، على أن PageV02P526 يدل . ~~فسواء وفى بما قال أو لم يف كان هو في أمان من المسلمين فيبلغوه مأمنه . ~~فإن قال المسلمون : إنما أمناه على أن يدلنا ولم يف بالشرط ، قيل لهم : إنه ~~لم يقل لكم : إني إن لم أدلكم فلا أمان بيني وبينكم . وهذا تنصيص من محمد ~~رحمه الله على أن مفهوم الشرط ليس بحجة ، وهو المذهب عندنا . وقد حكاه ~~الكرخي عن أبي يوسف رحمه الله ، في قوله تعالى : ' ويدرأ عنها العذاب أن ~~تشهد ' النور : 8 . أنه لا يدل على أنه لا يدرأ عنها العذاب إن لم تشهد . ~~وقال تعالى : ' فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ' النساء : 25 . وهذا لا يدل على ~~أنها إذا أتت بالفاحشة ولم تحصن أنه لا يلزمها ذلك العذاب . وهذا لأن مفهوم ~~الشرط كمفهوم الصفة . وذلك ليس بحجة . قال الله تعالى : ' وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك ' الأحزاب : 50 ، ثم لم يدل على حرمة اللاتي لم ~~يهاجرن معه وقال تعالى : ' فلا تظلموا فيهم أنفسكم ' التوبة : 36 . وهذا ~~يدل على إباحة الظلم في غير الأشهر الحرم . فكذلك قولهم : أمناك على أن ~~تدلنا لا يكون دليلا على أنه لا أمان لك إن لم تدلنا ، لأن ذلك محتمل ، ~~والمحتمل لا يعارض المنصوص ولا يدفع حكمه ، إلا أن ينص فيقول : على أني إن ~~لم أدلكم عليهم فلا أمان بيني وبينكم . فحينئذ هذا ms0312 نص يصلح معارضا لذلك ~~النص . وفي النبذ حل القتل والاسترقاق وذلك من باب الإطلاق يحتمل التعليق ~~PageV02P527 بالشرط ، فإذا لم يدل لم يكن له أمان ، وللإمام الخيار إن شاء ~~قتله وإن شاء جعله فيئا . ونظير هذا ما لو كفل بنفس رجل إلى شهر لم يبرأ ~~بمضي الشهر ما لم يسلم نفس الخصم إليه . وإن قال : على أني بريء من الكفالة ~~بعد شهر كان على ما قال . ولو كان هذا الرجل أسيرا في أيدينا وقال : ~~تؤمنوني على أن أدلكم على مائة رأس ، والمسألة بحالها ، ثم لم يدلهم ، ~~فللإمام أن يقتله ؛ لأنه صار مقهورا في أيدينا ، وحل للإمام قتله واسترقاقه ~~. وإنما علق على إزالة ذلك عنه بالدلالة ولم يفعل . ففي الأول كان في منعته ~~، وإن كان محصورا فإنما نزل على أمان فأخذه من المسلمين والتزم لهم بمقابلة ~~ذلك دلالة فيها منفعة للمسلمين . فإذا لم يف بما التزم كان على الإمام أن ~~يبلغه مأمنه ، وفي الحقيقة لا فرق بين الفصلين ، فإنه إذا لم يدل على ما ~~كان عليه قبل هذا الالتزام في الوجهين ، إلا أن هذا الأسير ، قبل هذا ~~الالتزام كان مباح القتل والاسترقاق في أيدينا ، فيعود كما كان . والمحصور ~~قبل هذا الالتزام كان في منعته ، فإذا لم يف بما التزم وجبت إعادته إلى ~~منعته كما كان . وإن كان المحصور قال : إني إن لم أدلكم كنت لكم فيئا . أو ~~قال : رقيقا ، لم يف بالشرط . فهو فيء للمسلمين ، وليس للإمام أن يقتله ؛ ~~لأنه لو لم يقل هذه الزيادة كان آمنا من القتل والاسترقاق وإن لم يف بالشرط ~~. فهذه الزيادة دليل معارض الكلام الأول في رفع PageV02P528 حكمه . وإنما ~~يعمل المعارض بحسب الدليل . ولأنه شرط إزالة ذلك الأمان في حكم الاسترقاق ~~خاصة دون القتل ، وفي هذا الشرط منفعة ، فيجب مراعاتها . وكذلك لو قال : ~~على أني إن لم أف كنت ذمة لكم ، فهو كما قال : وإذا لم يف بالشرط فهو ذمة ~~لا يقتلونه ولا يسترقونه ؛ لأن الوفاء بالشرط واجب . ولو قال : أمنونا حتى ~~يفتح لكم الحصن فتدخلون ، على ms0313 أن تعرضوا علينا الإسلام فنسلم ، ثم أبوا أن ~~يسلموا ، فهم منون وعلى المسلمين أن يخرجوا من حصنهم حتى يعودوا ممتنعين ~~كما كانوا ، ثم ينبذون إليهم ؛ لأنهم استفادوا الأمان بقبول الشرط قبل ~~الوفاء به . ثم لا يبطل حكم الأمان بالامتناع من الوفاء بما وعدوا ، وبحكم ~~الأمان يجب إعادتهم إلى مأمنهم ، ثم النبذ إليهم . فإن شرط المسلمون عليهم ~~: إنكم إن أبيتم الإسلام فلا أمان بيننا وبينكم . فرفضوا ذلك ، والمسألة ~~بحالها ، فلا بأس باسترقاقهم وقتل المقاتلة منهم إذا أبوا أن يسلموا ؛ لأن ~~الشرط هكذا كان ، وفيما يجري بيننا وبينهم الواجب الوفاء بالشرط فقط . ~~والدليل عليه حديث بني أبي الحقيق حيث قال رسول الله PageV02P529 : ' وبرئت ~~منكم الذمة إن كتمتموني شيئا ' . فقبلوا ذلك ثم ظهر ذلك عليهم فاستخار ~~قتلهم استرقاقهم . وقد بينا قصة ذلك . وقد روي أن رجلا من المشركين بعد ~~وقعه أحد حين رجع الجيش ضل الطريق ، فدخل المدينة ، وجاء إلى بيت عثمان بن ~~عفان ، رضي الله عنه سرا . وكن بينها قرابة . فأتى عثمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسأل له الأمان . فقال : ' قد أمناه على أنا إن أدركناه بعد ~~ثالثة فقد حل دمه ' . فخرج الرجل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ~~اطلبوه ، فإني أرجو أن تجدوه ' . فوجدوه بعد ثالثة ، قد سلط الله عليه ~~النوم . فأخذ فقتل . فبهذا تبين أن الشرط المنصوص عليه في الأمان معتبر وإن ~~كان ذلك يرجع إلى النبذ وإباحة القتل . بيننا وبينهم الواجب الوفاء بالشرط ~~فقط . والدليل عليه حديث بني أبي الحقيق حيث قال رسول الله : ' وبرئت منكم ~~الذمة إن كتمتموني شيئا ' . فقبلوا ذلك ثم ظهر ذلك عليهم فاستخار قتلهم ~~استرقاقهم . وقد بينا قصة ذلك . وقد روي أن رجلا من المشركين بعد وقعه أحد ~~حين رجع الجيش ضل الطريق ، فدخل المدينة ، وجاء إلى بيت عثمان بن عفان ، ~~رضي الله عنه سرا . وكن بينها قرابة . فأتى عثمان النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسأل له الأمان . فقال : ' قد أمناه على أنا إن أدركناه بعد ثالثة فقد حل ~~دمه ' . فخرج الرجل ، فقال النبي ms0314 صلى الله عليه وسلم : ' اطلبوه ، فإني ~~أرجو أن تجدوه ' . فوجدوه بعد ثالثة ، قد سلط الله عليه النوم . فأخذ فقتل ~~. فبهذا تبين أن الشرط المنصوص عليه في الأمان معتبر وإن كان ذلك يرجع إلى ~~النبذ وإباحة القتل . # ولو أسلم بعضهم وأبى البعض كان من أسلم منهم حرا لا سبيل عليه ، ومن أبى ~~الإسلام فهو فيء اعتبارا للبعض بالكل . وهذا لأن الجميع المضاف إلى جماعة ~~يتناول كل واحد منهم على الانفراد بدليل قوله تعالى : ' جعلوا أصابعهم في ~~آذانهم واستغشوا ثيابهم ' نوح : 7 . فكان هذا بمنزلة ما لو شرطنا على كل ~~واحد منهم : إنك إن أبيت الإسلام فلا أمان بيننا وبينك . وكذلك لو أن واحدا ~~من المحصورين قال : أمنوني على أن أنزل إليكم فأسلم ، ثم أبى أن يسلم ، يرد ~~إلى حصنه ؛ PageV02P530 لأنه أمن عندنا . وفي مثل حاله قال تعالى : ' وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ' التوبة ~~: 6 . وإن شرطوا عليه : إنك إن أبيت الإسلام فلا أمان بيننا وبينك ، ثم أبى ~~الإسلام . فهو فيء للمسلمين ؛ لأن الشرط هكذا جرى بيننا وبينه . فإن جعله ~~الإمام فيئا بعد ما عرض عليه الإسلام فأبى ، ثم أسلم ، لم يقبله بعد إسلامه ~~ولكنه يجعله فيئا ؛ لأن حكم ذلك الأمان انتهى حين أبى الإسلام بعدما عرض ~~عليه ، ويبقى هو أسيرا في أيدينا ، فإذا أسلم لم يقتل وكان فيئا ، وهذا إذا ~~حكم عليه بأنه فيء بعد ما أبى الإسلام ، فإن جعل الإمام يدعوه إلى الإسلام ~~وهو يأبى إلا أنه لم يحكم عليه بأنه فيء حين أسلم ففي القياس هو فيء ؛ لأن ~~شرط انتباذ الأمان قد تحقق بإبائه الإسلام ، والمتعلق بالشرط يثبت بوجود ~~الشرط ، وبمنزلة الطلاق والعتاق إذا علق بالشرط . وفي الاستحسان : هو حر ~~مسلم ؛ لأن الإباء متردد محتمل قد يكون لكراهة الإسلام فهو إباء حقيقة . ~~PageV02P531 وقد يكون للتأمل فيه إلى أن تزول الشبهة عن قلبه فلا تعين جهة ~~الإباء إلا بحكم الحكم . ألا ترى أنه إذا أسلم أحد الزوجين في دارنا فإن ~~الفرقة تتوقف ms0315 على إباء الآخر الإسلام . ثم لا يتحقق ذلك إلا بقضاء القاضي . ~~وكذلك النكول في باب الأموال بمنزلة الإقرار شرعا ، ولا يثبت ذلك إلا بقضاء ~~القاضي . ولو لم يأب الإسلام ولكن قال : دعوني حتى أنظر في أمري ؛ فإن ~~الإمام يؤجله ثلاثة أيام ، لا يزيد على ذلك ؛ لأن التأمل وإزالة الشبهة ~~يحتاج إلى مدة ، فإذا طلب ذلك من الإمام أجله ثلاثة أيام . فإنها مدة تامة ~~للنظر بدليل خيار الشرط . والأصل فيه المرتد ، فإنه إذا استمهل النظر في ~~أمره أمهله ثلاثة أيام . ورد به حديث عن عمر حين قدم عليه رجل من قبل أبي ~~موسى فسأله عن الناس فأخبره ، ثم قال : هل عندكم من مغربة خبر - يعني أمر ~~حادث وخبر غريب - فقال : نعم ، رجل كفر بعد إسلامه . فقال : ماذا فعلتم به ~~؟ فقال : قربناه فضربنا عنقه . قال : فهلا طينتم عليه بيتا ثلاثا وأطعمتموه ~~كل يوم رغيفا وأسقيتموه ، فلعله أن يتوب ويراجع أمر الله اللهم إني لم أحضر ~~، ولم آمر ، ولم أرض إذا بلغني ، PageV02P532 وبظاهره يأخذ الشافعي رحمه ~~الله ويقول : يجب تأجيله شرعا ، طلب ذلك أو لم يطلبه . فتأويله عندنا أنه ~~كان استمهلهم فأبوا ، فلهذا أنكره عمر رضي الله عنه وإذا كان المرتد وقف ~~على محاسن الشريعة يؤجل ثلاثة أيام فهذا الذي لم يقف عليها أصلا أحرى أن ~~يؤجل . فإن سكت حين عرض عليه الإسلام ولم يجب بقبول أو برد . فإن الإمام ~~يعرض عليه الإسلام ثلاث مرات ويخبره في كل مرة أنه إن لم يجبه ، حكم عليه ~~أنه فيء . وهذا لأن سكوته إباء منه للإسلام . إلا أنه محتمل في نفسه فيكرر ~~عليه العرض ثلاث مرات لإبلاء العذر ، ويخبره في كل مرة على سبيل الإنذار . ~~فإن أبى حكم عليه بأنه فيء . وهو بمنزلة الخصم إذا سكت عن الجواب في مجلس ~~القاضي جعله منكرا ، وإذا سكت عن اليمين بعدما طلب منه جعله ناكلا ، وعرض ~~عليه اليمين ثلاثا وأخبره في كل مرة أنه يحكم عليه إن لم يحلف ، ثم يحكم ~~بعد الثالثة . ولو كان قال : حين أراد النزول ms0316 : أمنوني على أن تعرضوا علي ~~الإسلام . فإن أسلمت فيما بيني وبين ثلاثة أيام وإلا فلا أمان بيني وبينكم ~~. ثم عرضوا عليه الإسلام ، فله مهلة ثلاثة أيام ولياليها من حين عرضوا عليه ~~الإسلام ؛ لأنه شرط ذلك لنفسه . فإنه بين أنه يسلم بعدما يعرض عليه الإسلام ~~PageV02P533 واستمهل في ذلك ثلاثة أيام . فعرفنا أن ابتداء المدة من ساعة ~~العرض . وذكر أحد العددين من الأيام والليالي بعبارة الجمع يقتضي دخول ما ~~بإزائه من العدد الأخر . فإن مضت المدة قبل أن يسلم كان فيئا ، ولا حاجة ~~إلى حكم الحاكم ؛ لأن الشرط هكذا جرى . فاشتراط الحكم عند الإطلاق ليتميز ~~به التأمل من الإباء ، وقد حصل ذلك بالمدة هنا . ثم التوقيت نصا يمنع أن ~~يكون لما بعد مضي الوقت حكم ما قبله ، كما في الإجازة . وإن كان لم يقل : ~~وإلا فلا أمان بيني وبينكم ، والمسألة بحالها ، فإنه يرد إلى مأمنه بعد مضي ~~ثلاثة أيام شرط للتروي والنظر لا للأمان . فبعد مضيها يتحقق الإباء . ولكنه ~~أمن حين لم يشترط عليه نبذ الأمان بعد الإباء ، فيجب تبليغه مأمنه من حصنه ~~. وإن كانوا قد افتتحوا حصنه ، بلغوه أدنى مأمن له من أرض الحرب ، ثم حل ~~قتاله ، وإن كان قال : فإن أسلمت فيما بيني وبين ثلاثة أيام PageV02P534 ~~وإلا كنت عبدا لكم . فإن أسلم فهو حر لا سبيل عليه ، وإن مضت المدة قبل أن ~~يسلم كان فيئا يقسم مع الغنيمة ولا يقتل ؛ لأن الشرط هكذا كان . وكذلك لو ~~قال : وإلا كنت ذمة لكم . أو قال ذلك جميع أهل الحصن ، ثم مضت المدة قبل أن ~~يسلموا ، فهم ذمة للمسلمين . كما التزموه بالشرط . ولو قال المحصور ~~للمسلمين : تؤمنوني على أن أنزل إليكم فأدلكم على قرية فيها مائة رأس فقال ~~المسلمون : إن دللتنا على قرية فيها مائة رأس فأنت آمن . ورضي بذلك ونزل . ~~ثم جاء بهم إلى قرية لا شيء فيها . فقال : قد كانوا هنا وذهبوا فهو فيء ~~للمسلمين ، وليس له أن يقول : ردوني إلى مأمني بخلاف ما سبق ؛ لأن المسلمين ~~علقوا الأمان له بالشرط ms0317 ، وهو الدلالة ، والمتعلق بالشرط معدوم قبل الشرط ، ~~وفي الأول أوجبوا له الأمان على أن يدل ، وقد قبل ذلك فيكون آمنا دل أو لم ~~يدل . ألا ترى أن من قال لعبده : أنت إن أديت إلي ألفا فأنت حر . فقبل ذلك ~~فإنه لا يعتق ما لم يؤد . ولو قال : أنت حر على أن تعطيني ألف درهم . فقبل ~~فهو حر ، أدى أو لم يؤد . فكذلك هاهنا . PageV02P535 وكذلك لو قال له : إن ~~نزلت وسلمت فأنت آمن . ثم نزل ولم يسلم فهو فيء ؛ لأن قولهم : فأسلمت معطوف ~~على الشرط ، فيكون شرطا . وإنما علقوا أمانه بشرط أن يسلم . فإذا لم يسلم ~~لم يكن له أمان . وإذا قالوا : أنت آمن على أن تنزل فتسلم . فهو آمن بعد ~~النزول قبل أن يسلم . فيجب أن تبلغه مأمنه وإن أبى الإسلام . وعلى هذا لو ~~قالوا : أنت آمن على أن تنزل فتعطينا مائة دينار ، فقبل ذلك ونزل ، ثم أبى ~~أن يعطي الدنانير ، فإنه يكون آمنا . بخلاف ما لو قالوا : إن نزلت فأعطيتنا ~~مائة دينار فأنت آمن ؛ لأن هنا الأمان معلق بشرط أداء الدنانير ، وفي الأول ~~بشرط أداء القبول . فإذا نزل وقبل ، كان آمنا وكانت الدنانير عليه ، فإذا ~~أبى أن يعطيها أو قال : ليست عندي ، حبس حتى يؤديها ولا يكون فيئا لأجل ~~الأمان الثابت له . فمتى ما أعطى الدنانير وجب تخلية سبيله ، حتى يلحق ~~بمأمنه . وإن أبى أن يعطيه حتى يخرجه الإمام مع نفسه إلى دار الإسلام ثم ~~أعطاها يخلى سبيله حتى يرجع إلى مأمنه ؛ PageV02P536 لأنه في أمان وقد كان ~~محبوسا في دين عليه ، فإذا قضى الدين لم يبق لنا عليه سبيل . وإن طال مكثه ~~في دارنا ولم يعط الدنانير جعله الإمام ذمة ؛ لأن الكافر لا يتمكن من إطالة ~~المقام في دارنا بدون صغار الجزية ، ولأنه احتبس عندنا إلى أداء الدنانير ، ~~وهو ممتنع عنه أو عاجز عن الأداء . والكافر إذا احتبس في دارنا تضرب عليه ~~الجزية ، بمنزلة الرهن . فإذا جعله الإمام ذمة أخرجه من الحبس وأبطل عنه ~~الدنانير ؛ لأن تلك الدنانير كان ms0318 التزمها عوضا عن أمان نفسه ، أو كن قد ~~افتدى بها نفسه ليلحق بمأمنه . فإذا كان الأمان فقد استفاد ذلك بأقوى ~~السببين وهو عقد الذمة أو الإسلام . إن أسلم فيسقط عنه أداؤها ، بمنزلة ~~المكاتب إذا أعتقه المولى ، أو أم الولد إذا أعتقت بموت المولى وهي مكاتبة ~~يسقط بدل الكتابة لوقوع الاستغناء عن أدائها . وإن كان فداء فقد انعدم ~~المعنى الذي لأجله كان يفدي بها نفسه ، لأنه حين أسلم أو صار ذميا فقد صار ~~من أهل دارنا ممنوعا من الرجوع إلى PageV02P537 دار الحرب ، وإن أعطى ~~الدنانير كغيره من أهل الذمة ، وإنما كان يفدي بها نفسه ليلحق بمأمنه . فإن ~~قيل : لماذا لم يجعل المال عليه عوضا عن رقبته ، حتى يطالب به بعد عقد ~~الذمة بسلامة رقبته له ؟ قلنا : لأنه لم يكن عبدا للمسلمين قط ، وإنما يكون ~~المال عوضا عن رقبته إذا كان عبدا في وقت ، فعتق بذلك المال . وكذلك لو ~~صالحوه على أن يعطيهم رأسا ، فعليه رأس وسط أو قيمته دراهم أو دنانير ؛ لأن ~~ما يلزمه بطريق الفداء لا يكون عوضا عن مال . والرأس المطلق في مثله يثبت ~~مقيدا بالوسط مترددا بين القيمة والعين ، كما في بدل الخلع ، والصلح عن دم ~~العمد . فإذا أعطى ما التزم ولم يفتح حصنه بعد ، فأراد أن يذهب إلى موضع ~~آخر ، لم يمنع من ذلك . وله أن يذهب حيث شاء من أرض الحرب ؛ لأنا عرفنا أنه ~~نزل من الحصن وفدى نفسه بالمال لا ليعود إلى الحصن بل ليأمن مما كان خائفا ~~منه في الحصن . وإنما يتم له ذلك إذا تمكن من الذهاب إلى حيث شاء من أرض ~~الحرب . PageV02P538 فإذا بلغ مأمنه منها حل قتله ؛ لأن مقصوده قد تم حين ~~وصل إلى منعة أخرى . فينتهي الأمان الذي كان بينه وبين المسلمين . إلا أن ~~يكون قد اشترط على المسلمين أنه آمن منهم حتى يخرجوا إلى دار الإسلام ، أو ~~كذا كذا شهرا . فحينئذ يجب الوفاء له بذلك الشرط ؛ لأنا إنما نجعل الأمان ~~منتهيا بيننا وبينه إذا وصل إلى مأمنه لدلالة الحال ms0319 وهو أنه كان خائفا ~~محصورا وإنما قصد إزالة ذلك الخوف عن نفسه ويسقط اعتبار دلالة الحال إذا ~~جاء التصريح بخلافها . وإذا لم يذكر شيئا من هذه الشروط ، ثم اختار الرجوع ~~إلى حصنه ، فرجع حتى صار فيه ممتنعا ، فقد خرج من أمان المسلمين أيضا ؛ ~~لأنه وصل إلى منعته باختياره ، وذلك سبب لانتهاء الأمان . إلا أن يكون شرط ~~أنه آمن كذا كذا شهرا ، أو حتى ينصرف المسلمون إلى دار الإسلام ، فحينئذ هو ~~آمن . وإن دخل الحصن لبقاء مدة الأمان ، بمنزلة ما لو التحق بمنعة أخرى . ~~PageV02P539 فإن ظهر المسلمون على الحصن خلوا سبيله لبقاء مدة الأمان . إلا ~~أن يكون قاتل المسلمين حين رجع إلى الحصن . فحينئذ يكون فيئا ؛ لأنه ~~بمباشرة القتال في مأمنه يصير ناقضا للأمان الذي كان له منا ، ولا حكم ~~للأمان بعد النقض في حرمة القتل والاسترقاق . ا الأمان معلق بشرط أداء ~~الدنانير ، وفي الأول بشرط أداء القبول . فإذا نزل وقبل ، كان آمنا وكانت ~~الدنانير عليه ، فإذا أبى أن يعطيها أو قال : ليست عندي ، حبس حتى يؤديها ~~ولا يكون فيئا لأجل الأمان الثابت له . فمتى ما أعطى الدنانير وجب تخلية ~~سبيله ، حتى يلحق بمأمنه . وإن أبى أن يعطيه حتى يخرجه الإمام مع نفسه إلى ~~دار الإسلام ثم أعطاها يخلى سبيله حتى يرجع إلى مأمنه ؛ لأنه في أمان وقد ~~كان محبوسا في دين عليه ، فإذا قضى الدين لم يبق لنا عليه سبيل . وإن طال ~~مكثه في دارنا ولم يعط الدنانير جعله الإمام ذمة ؛ لأن الكافر لا يتمكن من ~~إطالة المقام في دارنا بدون صغار الجزية ، ولأنه احتبس عندنا إلى أداء ~~الدنانير ، وهو ممتنع عنه أو عاجز عن الأداء . والكافر إذا احتبس في دارنا ~~تضرب عليه الجزية ، بمنزلة الرهن . فإذا جعله الإمام ذمة أخرجه من الحبس ~~وأبطل عنه الدنانير ؛ لأن تلك الدنانير كان التزمها عوضا عن أمان نفسه ، أو ~~كن قد افتدى بها نفسه ليلحق بمأمنه . فإذا كان الأمان فقد استفاد ذلك بأقوى ~~السببين وهو عقد الذمة أو الإسلام . إن أسلم فيسقط عنه ms0320 أداؤها ، بمنزلة ~~المكاتب إذا أعتقه المولى ، أو أم الولد إذا أعتقت بموت المولى وهي مكاتبة ~~يسقط بدل الكتابة لوقوع الاستغناء عن أدائها . وإن كان فداء فقد انعدم ~~المعنى الذي لأجله كان يفدي بها نفسه ، لأنه حين أسلم أو صار ذميا فقد صار ~~من أهل دارنا ممنوعا من الرجوع إلى دار الحرب ، وإن أعطى الدنانير كغيره من ~~أهل الذمة ، وإنما كان يفدي بها نفسه ليلحق بمأمنه . فإن قيل : لماذا لم ~~يجعل المال عليه عوضا عن رقبته ، حتى يطالب به بعد عقد الذمة بسلامة رقبته ~~له ؟ قلنا : لأنه لم يكن عبدا للمسلمين قط ، وإنما يكون المال عوضا عن ~~رقبته إذا كان عبدا في وقت ، فعتق بذلك المال . وكذلك لو صالحوه على أن ~~يعطيهم رأسا ، فعليه رأس وسط أو قيمته دراهم أو دنانير ؛ لأن ما يلزمه ~~بطريق الفداء لا يكون عوضا عن مال . والرأس المطلق في مثله يثبت مقيدا ~~بالوسط مترددا بين القيمة والعين ، كما في بدل الخلع ، والصلح عن دم العمد ~~. فإذا أعطى ما التزم ولم يفتح حصنه بعد ، فأراد أن يذهب إلى موضع آخر ، لم ~~يمنع من ذلك . وله أن يذهب حيث شاء من أرض الحرب ؛ لأنا عرفنا أنه نزل من ~~الحصن وفدى نفسه بالمال لا ليعود إلى الحصن بل ليأمن مما كان خائفا منه في ~~الحصن . وإنما يتم له ذلك إذا تمكن من الذهاب إلى حيث شاء من أرض الحرب . ~~فإذا بلغ مأمنه منها حل قتله ؛ لأن مقصوده قد تم حين وصل إلى منعة أخرى . ~~فينتهي الأمان الذي كان بينه وبين المسلمين . إلا أن يكون قد اشترط على ~~المسلمين أنه آمن منهم حتى يخرجوا إلى دار الإسلام ، أو كذا كذا شهرا . ~~فحينئذ يجب الوفاء له بذلك الشرط ؛ لأنا إنما نجعل الأمان منتهيا بيننا ~~وبينه إذا وصل إلى مأمنه لدلالة الحال وهو أنه كان خائفا محصورا وإنما قصد ~~إزالة ذلك الخوف عن نفسه ويسقط اعتبار دلالة الحال إذا جاء التصريح بخلافها ~~. وإذا لم يذكر شيئا من هذه الشروط ، ثم اختار الرجوع ms0321 إلى حصنه ، فرجع حتى ~~صار فيه ممتنعا ، فقد خرج من أمان المسلمين أيضا ؛ لأنه وصل إلى منعته ~~باختياره ، وذلك سبب لانتهاء الأمان . إلا أن يكون شرط أنه آمن كذا كذا ~~شهرا ، أو حتى ينصرف المسلمون إلى دار الإسلام ، فحينئذ هو آمن . وإن دخل ~~الحصن لبقاء مدة الأمان ، بمنزلة ما لو التحق بمنعة أخرى . فإن ظهر ~~المسلمون على الحصن خلوا سبيله لبقاء مدة الأمان . إلا أن يكون قاتل ~~المسلمين حين رجع إلى الحصن . فحينئذ يكون فيئا ؛ لأنه بمباشرة القتال في ~~مأمنه يصير ناقضا للأمان الذي كان له منا ، ولا حكم للأمان بعد النقض في ~~حرمة القتل والاسترقاق . وإن قال للمسلمين : أمنوني على أن أنزل إليكم ~~فأعطيكم مائة دينار ، فإن لم أعطكم فلا أمان بيني وبينكم . أو قال : إن ~~نزلت إليكم فأعطيتكم مائة دينار فأنا آمن . ثم نزل فطالبوه فأبى أن يعطيهم ~~. فهو فيء في القياس . لوجود شرط انتباذ الأمان في أحد الفصلين ، وانعدام ~~شرط الأمان في الفصل الثاني . وفي الاستحسان : لا يكوون فيئا حتى يرفع إلى ~~الإمام فيأمره بالأداء ، وإن أبى حكم عليه بأن يجعله فيئا . لما بينا أن في ~~امتناعه من الأداء لما طلب منه احتمال المعاني ، فلا تتعين جهة الإباء إلا ~~بحكم الحاكم . أرأيت لو قال لهم : لا أعطيكم وإنما أعطي الأمير . أو قال : ~~لا أعطيكم إلا بشهود . أكان فيئا بهذا الامتناع ؟ ليعلم أن القول بالقياس ~~في هذا قبيح . PageV02P540 ولو رفعوه إلى الإمام فقال : هات المائة الدينار ~~، فقال : أجلني فيها حتى أنحلها لها . فلا بأس للإمام أن يؤجله يومين أو ~~ثلاثة ؛ لأنه ليس في هذا القدر كثير ضرر على المسلمين ، وفيه منفعة له ، ~~والإمام مأمور بالنظر في كل جانب . ألا ترى أن من لزمه الدين إذا استمهل ~~هذا القدر من المدة أمهله الحاكم ولم يحبسه . فهذا الذي يفدي نفسه بالمال ~~أولى بأن يمهله ولا يعجله . وإن كان قال : تؤمنوني على أن أنزل إليكم ~~فأعطيكم رأسا أو مائة دينار ما بيني وبين ثلاثة أيام فنزل فهو آمن ، ولا ~~سبيل عليه ms0322 حتى يمضي الوقت ؛ لأنه شرط هذه المدة مهلة لنفسه . فلا يحبس قبل ~~مضيها . كما لا يحبس من عليه الدين المؤجل ، فإن مضت المدة فهو آمن لقبوله ~~. ولكن يحبس حتى يؤدي ما التزم به ، إلا أن يسلم أو يصير ذمة ، فحينئذ يبطل ~~المال عنه . لما بينا من الطريقين فيه . PageV02P541 ولو قال : تؤمنوني على ~~أن أعطيكم مائة دينار على أن أجل كذا . فإن لم أعطكم فلا أمان بيني وبينكم ~~. أو قال : إن أعطيتكم إلى أجل كذا فأنا آمن . ثم لم يعطهم حتى مضى الأجل . ~~فهو فيء ، ولا حاجة إلى قضاء القاضي هاهنا ؛ لأنه صرح باشتراط الوقت لنفسه ~~، فلا يزاد على الوقت الذي صرح به . ولو شرطنا قضاء القاضي بعد مضي الوقت ~~كان زيادة على الوقت . والزيادة على النص في معنى النسخ . ولو كان قال : ~~تؤمنوني على أن أنزل فأدلكم على قرية فيها مائة رأس ، على أني إن لم أدلكم ~~فلا أمان بيني وبينكم . ثم نزل فدلهم على قرية فيها مائة رأس قد أصابها ~~المسلمون قبل هذا الأمان أو بعده ، قبل نزوله أو بعد نزوله ، قبل أن يدلهم ~~فليست هذه بدلالة فإن دلهم على غيرها وإلا كان فيئا . وكذلك لو علم ~~المسلمون بها قبل دلالته ولم يصيبوها ؛ لأنه التزم دلالة فيها منفعة ~~للمسلمين . وذلك لا يوجد إذا دل على ما كان معلوما للمسلمين ولأن الدلالة ~~إنما تتحقق إذا كان التوصل إلى المقصود بتلك الدلالة ، ووصول المسلمين إلى ~~هذه القرية لم يكن بدلالته حين علموا بها قبل دلالته ؛ أصابوها أو لم ~~يصيبوها . PageV02P542 ألا ترى أن المحروم إذا دل على صيد كان المدلول ~~عالما بمكانه لم يكن ملتزما للجزاء بهذه الدلالة . ولو كانوا خرجوا معه ~~فدلهم على الطريق فجعلوا يسيرون أمامه حتى عرفوا مكانها قبل أن ينتهي إليها ~~فيدلهم عليها . فهذه دلالة ، وهو آمن لا سبيل لهم عليه ؛ لأنهم إنما أخذوا ~~في ذلك الطريق بدلالته . وإنما علموا بها حين أخذوا في ذلك الطريق ، فما ~~يحصل لهم من العلم يكون مضافا إلى أصل السبب وهو دلالته ms0323 . # ألا ترى أن دلالة المحرم على الصيد بهذا الطريق يتحقق حتى يلزمه جزاء ~~الصيد . وكذلك لو وصف لهم مكانها ولم يذهب معهم فذهبوا بصفته حتى أصابوها ~~فهو آمن ؛ لأن الدلالة هكذا تكون . فإن من يدل غيره على طريق قد يذهب معه ~~وقد لا يذهب ، ولكن يصف الطريق له فيصير معلوما بدلالته ، ويسمى دالا عليه ~~في الوجهين . PageV02P543 وكذلك لو قال : أمنوني على أن أدلكم على بطريق ~~بأهله وولده ، فإن لم أفعل فلا أمان لي عليكم . فلما نزل وجد المسلمين قد ~~أصابوا بطريقا فقال : هذا الذي أردت أن أدلكم عليه . فليس هذا بشيء ؛ لأنه ~~التزم الدلالة على بطريق منكر ، حتى ينتفع المسلمون بدلالته ولا يحصل هذا ~~المقصود بهذه الدلالة . وإن كان قال : على أن أدلكم على بطريق الحصن فإنه ~~قد نزل هاربا من الحصن . ثم لما نزل وجد المسلمين قد أصابوا ذلك البطريق ، ~~فهو آمن لا سبيل عليه ؛ لأنه التزم الدلالة على معرف معلوم بعينه أو بنسبه ~~، وقد دل عليه وهذا لأن في المعين لا يعتبر الوصف وفي غير المعين يعتبر . ~~ألا ترى أن من قال : لا أكلم هذا الشاب ، فكلمه بعد ما شاخ حنث في يمينه . ~~ولو قال : لا أكلم شابا ، فكلم شيخا كان شابا وقت يمينه لم يحنث . وحصول ~~العلم للمسلمين بدلالته أو انتفاعهم بدلالته وصف معتبر في المشروط . فإنما ~~يعتبر في غير المعين ، فأما في المعين فلا يعتبر شيء من ذلك . وعلى هذا لو ~~التزم أن يدلهم على حصن أو مدينة فإن لم يعينها لا تعتبر دلالته على ما ~~يعلم المسلمون بها ، وفي المعين : يعتبر ذلك . ثم في غير المعين : لو دلهم ~~على شيء من ذلك قد كانوا يعرفونه في دخلة PageV02P544 دخلوها أرض الحرب قبل ~~هذه الدخلة إلا أن موضعها أشكل عليهم في هذه المدة فهو آمن لا سبيل عليه ؛ ~~لأنهم توصلوا إليها بدلالته لا بما كان سبق من علمهم بها . ألا ترى أن ~~المحرم في مثل هذا يكون دالا على الصيد ملتزما للجزاء ، ولأن المقصود دلالة ~~فيها منفعة ms0324 للمسلمين ، وقد وجد ، فإنهم انتفعوا بهذه الدلالة . فأما علمهم ~~الذي سبق فما كان يوصلهم إلى هذه المنفعة بعدما اشتبه عليهم أو بعدما نسوها ~~. فيتحقق منه الوفاء بالشرط عند هذه الدلالة . والله أعلم . PageV02P545 ؟ # | باب من يكون آمنا من غير أن يؤمنه أهل الإسلام # ولو أن مسلما في دار الحرب تزوج منهم كتابية وأخرجها إلى دار الإسلام فهي ~~حرة . لا باعتبار أن النكاح أمان منه لها ، فإن أمان المسلم في دار الحرب ~~باطل ، أسيرا كان أو تاجرا أو رجلا أسلم منهم ، ولكن لأنها جاءت معه مجيء ~~المستأمنات . فإنها جاءت للمقام في دارنا مع زوجها ، وهذه صفة المستأمنة . ~~فإن أرادت أن ترجع إلى دار الحرب لم يكن لها ذلك ، لقيام النكاح بينها وبين ~~المسلم . ولو أن المستأمنة في دارنا تزوجت لمسلم صارت ذمية فكذلك إذا بقيت ~~في دارنا بنكاح مسلم . وهذا لأن المرأة تابعة للزوج في المقام والزوج من ~~أهل دارنا فتصير هي من أهل دارنا تبعا . وإن قال الزوج : قهرتها في دار ~~الحرب وأخرجتها قهرا . وقالت المرأة : بل خرجت على النكاح ولم يقهرني . ~~فهذا على ما يدل عليه الظاهر . فإن جاء بها مربوطة فالظاهر شاهد للزوج . ~~فيكون القول قوله وهي له أمة . PageV02P546 وإن جاءت معه غير مربوطة ~~فالظاهر يشهد لها فتكون حرة ذمية ، إلا أنه لا نكاح بينها وبين الزوج ، ~~لإقراره بما يبطل النكاح وهو الملك بطريق القهر . فإن إقرار الزوج بما ~~ينافي النكاح يبطله كما لو زعم أن زوجته قد أرتدت ونكرت هي ، فإن أقام بينة ~~من المسلمين أو من أهل الذمة أنه قهرها في دار الحرب كانت أمة له ، لأنه ~~أثبت سبب ملكه رقبتها بالحجة ، وهي ذمية في الظاهر لإقرارها أنها في نكاح ~~مسلم في دار الإسلام وشهادة أهل الذمة على الذمية تقبل . ثم إن كان المسلم ~~مستأمنا في دار الحرب كره له ما صنع وأمر بأن يعتقها ويخلي سبيلها ؛ لأنه ~~حين دخل عليهم بأمان فقد ضمن أن لا يغدر بهم ، وأن لا يتعرض لهم بشيء من ~~ذلك . فيؤمر بالوفاء ms0325 بما ضمن ولا يجبر عليه في الحكم ، لأنه غدر بأمان نفسه ~~خاصة دون أمان المسلمين ، وذلك أمر بينه وبين ربه . وإن كان أسيرا فيهم أو ~~كان أسلم منهم ، لم يؤمر بشيء من ذلك ؛ لأنه متمكن شرعا من استرقاقهم وأخذ ~~مالهم إذا قدر عليهم وقد بينا أن تزوجه إياها لا يكون أمانا منه لها ، ~~PageV02P547 ثم لا خمس فيها ؛ لأنه أخرجها على وجه التلصص . ولا يقبل على ~~قهره إياها شهادة أهل الحرب من المستأمنين ؛ لأنها ذمية في الظاهر ، وقد ~~تصادقا على أنها كانت زوجة له . وشهادة المستأمن بالرق على الذمية لا تقبل ~~. وإن قالت : ما تزوجني ولا قهرني ، ولكنه أمنني فخرجت معه . فهي حرة إن ~~خرجت طائعة لدلالة الحال ، ولا تكون زوجة له ؛ لأنه يدعي عليها النكاح وهي ~~تنكر . ولو ادعى أنه تزوجها في دار الإسلام لم يقبل قوله إلا بحجة . فكذلك ~~قولها إذا ادعت أنه تزوجها في دار الحرب . فإن أرادت الرجوع إلى دار الحرب ~~تمنع من ذلك ؛ لأن النكاح لم يثبت حين أنكرت ، وبه تصير ذمية تابعة للرجل . ~~وإن أقام الزوج البينة من المستأمنين في هذا الفصل على أنه قهرها في دار ~~الحرب تقبل البينة ؛ لأنها مستأمنة في الظاهر وشهادة المستأمنين على ~~المستأمنة بالرق مقبولة . PageV02P548 وإن أخرجها معه مقيدة فهي أمة له ، ~~ولا خمس فيها ؛ لأن الظاهر شاهد له . فإن لم يعلم أنه صنع بها هذا إلا في ~~دار الإسلام ففي قول أبي حنيفة رحمه الله : هي فيء لجماعة المسلمين . لأنها ~~لما أنكرت النكاح لم يثبت لها حكم الأمان في دارنا . فإن المستأمنة من تجيء ~~للمقام في دارنا . ولا نعلم لذلك سببا حين أنكرت النكاح فكانت حربية لا ~~أمان لها في دارنا . ومن أصل أبي حنيفة رحمه الله : أن الحربي إذا دخل ~~دارنا بغير أمان فأخذه مسلم يكون فيئا لجماعة المسلمين . وعندهما يكون ~~للأخذ ، وفي إيجاب الخمس فيه روايتان . ولو أن ذميا دخل دار الحرب بأمان ~~فتزوج منهم امرأة ، أخرجها مع نفسه بعدما استأمن المسلمين عليها ، فهي حرة ~~؛ لأنها جاءت ms0326 مجيء المستأمنات ، ولأن المسلمين أمنوها حين استأمن عليها . ~~ثم تكون ذمية من أهل دارنا تبعا لزوجها . بمنزلة ما إذا تزوجت المستأمنة ~~ذميا في دارنا ، فلا ترجع إلى دار الحرب . وإن أذن الزوج لها في ذلك أو ~~طلقها فالاستئمان عليها ليس بشرط ولكنها إذا خرجت معه طائعة فهي آمنة ؛ ~~لأنها جاءت للمقام مع زوجها ، وهو من أهل دارنا . PageV02P549 فإن استأمن ~~هذا الذمي على ابنته أو أخته فهي آمنة أيضا ؛ لأن المسلمين أمنوها . ولأنها ~~جاءت مجيء المستأمنات حين استأمن عليها . ولها أن ترجع إلى دار الحرب متى ~~شاءت ؛ لأنها ليست بتابعة لأبيها أو أخيها الذمي فإنها بالغة . وإن أخرجها ~~مع نفسه ولم يستأمن لها فهي فيء للمسلمين في قول أبي حنيفة ؛ لأنها جاءت ~~مجيء المستأمنات ، فإنها ليست بتابعة له في المقام ، ولم يستأمن لها نصا . ~~وإن قال الذمي : قد كنت قهرتها في دار الحرب وأخرجتها . وكذبته ، ولا قرابة ~~بينهما ، فإنه لا يصدق ؛ لأن ظاهر الحال يكذبه فيما قال . فإنها جاءت غير ~~مربوطة معه وقد ثبت فيها حق جماعة المسلمين . فلا يصدق الذمي فيه في إبطال ~~ذلك . وإن شهد له بذلك شهود من المسلمين كانت أمة له ؛ لأنه أثبت سبب الملك ~~فيها بالحجة . ولا يقبل في ذلك شهادة أهل الذمة ؛ PageV02P550 لأنها تقوم ~~على المسلمين وقد صارت هي أمة له في الظاهر . وإن أخرجها مغلولة قد علم ذلك ~~فالقول قوله ؛ لأن الظاهر شاهد له . وإن لم يعلم أنه قهرها إلا في دار ~~الإسلام فعند أبي حنيفة رحمه الله : هي فيء لجماعة المسلمين . وعندهما هي ~~له . ولكن يؤخذ منه الخمس . بمنزلة ما لو أصاب الذمي ركازا في دار الإسلام ~~فإنه يخمس وما بقي يكون له . ولو خرج علج من أهل الحرب مع مسلم إلى المعسكر ~~فقال المسلم : أخذته أسيرا . وقال الحربي : جئت مستأمنا . فالقول قول ~~الحربي ؛ لأنه جاء مجيء المستأمنين ، والظاهر شاهد له ، فإنه غير مقهور حين ~~جاء معه ؛ لأن الواحد ينتصف من الواحد ، ألا ترى أنه لو جاء وحده هكذا كان ~~آمنا ؟ فكذلك إذا ms0327 جاء مع مسلم ، ولو كان جاء به وهو مكتوف أو مغلول أو في ~~عنقه حبل يقوده ، فالقول قول المسلم ؛ لأن دلالة الحال تشهد له . وقد بينا ~~أن في مثل هذا يحكم بدلال الحال . PageV02P551 ولو كان هذا الحربي جاء مع ~~عدد من المسلمين وهو مخلى عنه فقالوا : هو أسيرنا ، وقال الحربي : جئت ~~مستأمنا معهم . فالقول قول المسلمين ؛ لأنه مقهور لجماعتهم لا يقدر على ~~الانتصاف والتخلص منهم لو أراد ذلك . فهو بمنزلة المربوط ألا ترى أنهم لو ~~كانوا مائة رجل قد أحدقوا به حتى صار لا يقدر على التخلص منهم فإنه يسبق ~~إلى وهم كل أحد أنه أسير لا مستأمن ، فيكون فيئا لجميع العسكر . وإن شهد ~~مسلمان أنه جاء مستأمنا قبلت الشهادة ؛ لأن شهادة المسلمين حجة تامة على ~~جماعة المسلمين . وإن لم يشهد به شاهدان ولكن أقر رجل واحد من القوم أنه ~~جاء مستأمنا لم يصدق في ذلك ؛ لأن قول الواحد ليس بحجة في الحكم ، وشركتهم ~~فيه شركة عامة فلا حكم لإقرار الواحد فيه ، إلا أن يقع في سهمه بالقسمة . ~~قال : ولو أن مسلما خرج من دار الحرب ومعه امرأة . فقال : ليست لي بزوجة ، ~~ولكني أمنتها فأخرجتها على الأمان . فهي في القياس فيء ؛ PageV02P552 لأن ~~أمانه إياها في دار الحرب باطل ، لكونه مقهورا في منعة أهل الحرب . وكما ~~حصلت في دار الإسلام فقد صارت فيئا مأخوذة بالدار . فلا يعمل أمانه في ~~إبطال حق المسلمين عنها . وفي الاستحسان : هي حرة مستأمنة ، ترجع إلى دار ~~الحرب متى شاءت ؛ لأنه لما خرج معها مستديما لذلك الأمان ، صار بمنزلة ~~المنشئ للأمان في أول جزء من أجزاء دار الإسلام . وإنما يثبت حق المسلمين ~~فيها إذا حصلت في دارنا غير آمنة . وهي ما حصلت في دارنا إلا آمنة . فأدنى ~~الدرجات أن يقترن أمان المسلم إياها بسبب ثبوت حق المسلمين فيها . وذلك ~~يمنع ثبوت حقهم فيها . يوضحه : أنهما لما وصلا إلى الموضع الذي لا يأمن فيه ~~المسلمون ولا أهل الحرب ، فقد خرجا من منعة أهل الحرب ، وصح أمان المسلم ~~إياها ms0328 في هذا الموضع . وهي لا تصير مأخوذة بدار الإسلام ما لم تصل إلى ~~الموضع الذي يأمن فيه المسلمون . وهذا بخلاف ما لو أمنها ثم خرجت هي وحدها ~~. لأن أمانه إياها في دار الحرب باطل وهو ليس معها في الموضع الذي يصح فيه ~~الأمان حتى يجعل كالمنشئ للأمان في ذلك الموضع . فلهذا كانت فيئا . ولو أن ~~مسلما في دار الحرب أمن جندا عظيما فخرجوا معه إلى دار الإسلام فظفر بهم ~~المسلمون كانوا فيئا ؛ PageV02P553 لأن هذا المسلم ليس ممتنعا منهم في دار ~~الإسلام ولا في دار الحرب ، بل هو مقهور في الموضعين بمنعتهم . فيكون أمانه ~~لهم باطلا . # ألا ترى أن هذا العسكر لو دخلوا دار الإسلام فدخل إليهم مسلم بأمان ثم ~~أمنهم كان ذلك باطلا ؟ لأنه غير ممتنع منهم ، فكذلك إذا خرج معهم من دار ~~الحرب مستديما لذلك الأمان بخلاف مالو أمن واحدا منهم وخرج معه ، لأن ~~الواحد لا يكون مقهورا بالواحد بل يمتنع منه وينتصف في الظاهر فيصح أمانه ~~له ، كما لو دخلا دار الإسلام . ولو كان أمن في دار الحرب عشرين رجلا منهم ~~، ثم خرج معهم إلى دار الإسلام فهم آمنون . بمنزلة ما لو أنشأ الأمان لهذا ~~العدد في دار الإسلام ابتداء . فإن قيل : هو غير ممتنع من هذا العدد أيضا ، ~~بل هو مقهور بهم في الظاهر ، فينبغي أن لا يصح أمانه . قلنا : نعم ، هو ~~مقهور باعتبار نفسه ، ولكنه قاهر ممتنع بقوة المسلمين . لأن هؤلاء لا ~~يمتنعون من جماعة المسلمين والقوة للمسلم في دار الإسلام بجماعة المسلمين ~~فإذا لم يكونوا ممتنعين من جماعة المسلمين كأن هذا الرجل قاهرا لهم في دار ~~الإسلام حكما لا مقهورا بهم فيصح أمانه لهم بخلاف الجند فإنهم ممتنعون من ~~أهل دار الإسلام بشوكتهم ، فيكون هو مقهورا فيهم في دارنا كما في دار الحرب ~~. PageV02P554 ألا ترى أن القوم الذين لا منعة لهم لو دخلوا دارنا بغير ~~أمان وأخذهم قوم من المسلمين كانوا فيئا لجماعة المسلمين ؟ ولو أن جندا ~~عظيما منهم دخلوا دارانا ، فقاتلهم قوم من المسلمين ms0329 حتى قهروهم كانوا لهم ~~خاصة . وما كان الفرق إلا بهذا . إن الذين لهم منعة ما صاروا مقهورين ~~بحصولهم في دار الإسلام بخلاف الذين لا منعة لهم . ثم تحقق ما قلنا : إنهم ~~إذا لم يكونوا ممتنعين من جماعة المسلمين ، فلو لم يجعل أمان الواحد الذي ~~جاء معهم صحيحا أدى إلى الغرور ، لأنهم فارقوا منعتهم بناء على ذلك الأمان ~~وفي الجند لا يؤدي إلى هذا . لأنهم ما فارقوا منعتهم بناء على أمانه بل هم ~~ممتنعون بشوكتهم في دارنا ، كما في دار الحرب . وعلى هذا لو أخرجهم هذا ~~المسلم إلى عسكر المسلمين في دار الحرب فإن كانوا بحيث لا يمتنعون من ~~العسكر فهم آمنون . لأن قوة العسكر في هذا الموضع بعسكر المسلمين ، فيكون ~~قاهرا لا مقهورا إذا وصل إلى عسكر المسلمين . وإن كانوا بحيث يمتنعون من ~~العسكر لكثرتهم فأمانه لهم باطل وإن خرج معهم لما بينا . ولو كان المسلمون ~~حاصروا حصنا وفيهم مسلم فأمن قوما لا منعة لهم وأخرجهم معه إلى العسكر لم ~~يكونوا آمنين ، بخلاف الأول ؛ لأن المحصورين قد صاروا مقهورين من وجه ، ~~فحالهم كحال المأسورين PageV02P555 فلا يصح أمان المسلم لهم إذا كان فيهم ، ~~لما فيه من إبطال حق المسلمين عليهم بخلاف الأول ، ولأنه لو جاز هذا الأمان ~~لم يقدر المسلمون على قهرهم بحال ، فإنهم إذا أيقنوا بالقهر أسلم بعضهم ، ~~ثم أمنهم على أن يخرج مع كل نفر منهم ، ولا يجوز القول بما يؤدي إلى سد باب ~~الاسترقاق على المسلمين . # يوضحه : أن يد المسلمين إلى المحصورين سابقة على قوة هذا المسلم الخارج ~~معهم ، فلا يبطل ، باعتبار هذه القوة حكم اليد السابقة . بخلاف جميع ما سبق ~~. ولو أن حربية أسلمت وزوجها حربي ، فهما على نكاحهما حتى تحيض ثلاث حيض ؛ ~~لأن يد الإمام لا تصل إلى الزوج لتعرض عليه الإسلام ، فتجعل ثلاث حيض قائمة ~~مقام ثلاث عرضات ، باعتبار أنها مؤثرة في الفرقة بينهما إذا صار غير مريد ~~لها ، كما بعد الطلاق . وبإصراره على الكفر يعلم أنه غير مريد لها . فإن لم ~~تحض حتى خرجا ms0330 إلى دار الإسلام كان الرجل فيئا للمسلمين ؛ لأنه خرج لا على ~~وجه الاستئمان ، ولكن يبقى النكاح بينهما ؛ لأن الرق الذي ثبت فيه لا ينافي ~~ابتداء النكاح فيما بينهما ، ولا ينافي بقاء النكاح أيضا . وإنما الموجب ~~للفرقة تباين الدارين ، ولم يوجد ذلك ، فالرجل لما صار عبدا للمسلمين كان ~~من أهل دارنا . PageV02P556 ثم لا تقع الفرقة بينهما وإن حاضت ثلاث حيض ، ~~حتى يعرض عليه الإسلام ، لأن الحيض كانت خلفا عن عرض الإسلام ، باعتبار ~~تعذر عرض الإسلام عليه ، وقد زال قبل حصول المقصود به . والقدرة على الأصل ~~قبل حصول المقصود بالخلف يسقط اعتبار الخلف . فلهذا يعرض عليه الإسلام . ~~فإن أسلم فهي امرأته ، وإن أبى فرق بينهما . # ولو كان الزوج هو الذي أسلم وهي من غير أهل الكتاب ، ثم خرجا إلى دارنا ~~قبل أن تحيض شيئا ، فهي امرأة آمنة حرة لا سبيل عليها ؛ لأنها جاءت مجيء ~~المستأمنات . فإنها تابعة للزوج في المقام ، ومن جاءت للمقام في دارنا كانت ~~مستأمنة . فأما الرجل فليس بتابع لامرأته في المقام ، وهو إنما جاء مغترا ~~لا مستأمنا ، إذ لم يطلب الأمان ولم يظهر منه علامة لذلك . ثم إن كانت من ~~أهل الكتاب فهي ذمية ؛ لأن النكاح بينهما مستقر ، وذلك يلزمها المقام في ~~دارنا مع زوجها . وإن كانت من غير أهل الكتاب فالنكاح بينهما غير مستقر ، ~~فلا تصير ذمية ، ولكن يعرض عليها الإسلام ، فإن أسلمت وإلا فرق بينهما ، ~~وكان لها أن ترجع إلى دار الحرب ؛ PageV02P557 لأنها مستأمنة . وقد بينا في ~~كتاب الطلاق اختلاف الروايات فيما إذا أسلم أحد الزوجين المستأمنين في ~~دارنا ، أن في إحدي الروايتين تتوقف الفرقة بينهما على مضي ثلاث حيض ، كما ~~لو كانا في دار الإسلام . # وفي الرواية الأخرى أي الأمرين يسبق إما عرض الإسلام على المصر منها أو ~~مضي ثلاث حيض تقع الفرقة به . وعليه نص هاهنا ، لأنهما تحت يد الإمام في ~~الحقيقة ، فيتمكن من عرض الإسلام ، والمصر من أهل دار الحرب حكما ، فتقع ~~الفرقة بينهما بمضي ثلاث حيض . فإن لم تسلم ولكنها تحولت إلى دين ms0331 أهل ~~الكتاب فقد تقرر النكاح بينهما ، بمنزلة ما لو كانت كتابية في الأصل فتكون ~~ذمية . وأشار إلى الفرق بين إسلام الزوج وإسلام المرأة ، فقال محمد رحمه ~~الله : الزوج ليس من عيال امرأته إذا أسلمت ، والمرأة من عيال الزوج إذا ~~أسلم ، فتكون آمنة إذا خرجت معه . ألا ترى أن حربيا لو استأمن إلى دار ~~الإسلام فأخرج معه امرأته كانت آمنة ؟ فكذلك إذا أسلم ، ولو أن امرأة منهم ~~استأمنت ثم أخرجت معها زوجها لم يكن آمنا تبعا لها فكذلك إذا أسلمت . ~~PageV02P558 ولو كانت التي أسلمت أمنت زوجها على أن أخرجته إلى دارنا فخرج ~~معها كان آمنا ، لما بينا أن استدامة ذلك الأمان حين حصلا في دارنا بمنزلة ~~الإنشاء . فإن قالت هي : أمنته وأخرجته معي . وقال المسلمون : خرج معك بغير ~~أمان . فالقول قولها ؛ لأن الظاهر شاهد لها . فقد علم أنه خرج معها ، وهو ~~لا يخرج معها مصرا على الكفر إلا بأمانها . البناء على الظاهر واجب يما لا ~~يمكن الوقوف على حقيقة الحال فيه . # ولو أسلم رجل من المحصورين وأخرج معه امرأته ، وهي كافرة ، كانت فيئا ~~للمسلمين ، لأنه لو استأمن وهو محصور فخرج بأمان لم تتبعه زوجته ، فكذلك ~~إذا أسلم . وكذلك لو أسلمت المرأة وأمنت زوجها فخرج معها ؛ لأن أمانها إياه ~~في منفعة أهل الحرب بالطل ، وهو كما لا يأمن تبعا لها في الأمان ، لا يأمن ~~بأيمانها أيضا . بخلاف ما لو لم يكن محصورا فاستأمن إلى عسكر PageV02P559 ~~المسلمين أو إلى دار الإسلام ، فإنه تتبعه زوجته والصغار من أولاده والكبار ~~من الإناث ؛ لأن حكم القهر لم يتناولهم هناك . وقد يتناول المحصورين ، ~~فيؤثر أمانه وأيمانه في إزالة القهر عنه خاصة . ولو أن ذميا تزوج امرأة في ~~دار الحرب وأخرجها مع نفسه ، فهي حرة ذمية ؛ لأن عقد الذمية أقوى من عقد ~~الأمان . ولو خرج مستأمنا مع زوجته كانت حرة آمنة ، فإذا خرج وهو ذمي مع ~~زوجته فأولى أن تكون أمنة ، ثم هي تابعة لمن هو من أهل دارنا في المقام ، ~~وهو الذمي ، فتصير ذمية . ولو خرج الذمي ms0332 بابنة له كبيرة ، أو أخت من أهل ~~الحرب ، كانت فيئا . إلا أن يكون استأمن عليها ؛ لأنها ليست بتابعة له في ~~المقام في دار الإسلام ، فلا يكون خروجها معه دليل الاستئمان ، بخلاف ~~الزوجة . # فإن قيل : أليس أن المستأمن لو أخرج مع نفسه ابنته أو أخته كانت آمنة معه ~~، وكان ينبغي أن يكون الحكم في الذمي هكذا ؟ PageV02P560 قلنا : هناك ~~الزوجة التي هي تابعة له لا تصير ممنوعة من الرجوع إلى دار الحرب ، بمنزلة ~~المستأمن نفسه ، ويمكن إثبات مثل هذا الحكم في الابنة والأخت أيضا . ~~وباعتبار الظاهر هو يعولهما كما يعول زوجته . فأما الذمي فتصير زوجته ذمية ~~ممنوعة من الرجوع إلى دار الحرب ، ولا يمكن إثبات مثل هذا الحكم في حق ~~الابنة والأخت لانعدام التبعية في حق الاحتباس في دارنا . ولا يجوز أن يثبت ~~في التابع حكم آخر سوى الثابت فيمن هو أصل . ولو أخرج الذمي معه امرأة وقال ~~: هي امرأتي ، وصدقته . كانت امرأته حرة ، وإن لم يعرف ذلك إلا بقولهما ؛ ~~لأنهما تصادقا على ذلك ، والظاهر أنهما لا يجدان في دار الإسلام شهودا على ~~نكاح كان بينهما في دار الحرب . فلأجل الضرورة يقبل قولهما إذا لم يكن هناك ~~من ينازعهما . # ألا ترى أنه لو أخرج معه برجال ونساء وقال : هم عبيدي وإمائي وصدقوه . ~~قبل قولهم في ذلك . وكذلك لو خرج مستأمنا فهو مصدق فيما يدعي من ذلك إذا ~~صدقه المدعي عليه لهذا المعنى . وإن كذبته المرأة وقالت : لا نكاح بيني ~~وبينه ولا قرابة ، كانت فيئا ؛ لأن السبب الموجب للتبعية لم يثبت عند ~~تكذيبهما فتبقى حربية في دارنا لا أمان لها فكانت فيئا . PageV02P561 # ولو أن مسلما خرج من دار الحرب ومعه رجل أو امرأة وقال : هذا مملوكي أو ~~هذه مملوكتي . وقال الآخر : ليس كذا ولكنه أمننا فخرجنا معه . ففي القياس : ~~هما فيء ؛ لأن ما ادعى هو من الملك قد انتفى بتكذيبهما ، وما ادعيا من ~~الأمان قد انتفى بإنكاره . وفي الاستحسان : هما حران مستأمنان يرجعان إذا ~~أحبا ؛ لأنهما مع الاختلاف تصادقا على أنه لا سبيل ms0333 للمسلمين عليهما . ~~والأسباب مطلوبة لأحكامها لا لأعيانها ، فبعد الاتفاق على الحكم لا يعتبر ~~الاختلاف في السبب . # يوضحه : أن اختلاف السبب في الصورة ، فأما في المعنى فالسبب واحد وهو ~~الأمان الثابت لهما تبعا أو مقصودا . فهو بمنزلة ما لو أقر أن لفلان عليه ~~ألف درهم قرضا ، وقال المقر له : هي غصب . فإن المال يلزمه لهذا المعنى . ~~ولو كان الذي أخرجهما ذمي أو حربي مستأمن وقال : هي امرأتي . فقالت المرأة ~~: لست بزوجة له ، ولكنه أمنني فأخرجني كانت فيئا للمسلمين ؛ لأن النكاح لم ~~يثبت لإنكارها ، وقد زعمت أنها خرجت بأمان الذمي أو الحربي ، وذلك باطل . ~~PageV02P562 # ولو خرج حربي مع مسلمين فقال : أمنني هذان . وكذباه فهو فيء ؛ لأنه يدعي ~~عليهما ما لا يعرف سببه ، فلا يصدق إلا بحجة . وقد ثبت حق المسلمين فيه ~~باعتبار الظاهر ، لأنه حربي في دارنا لا أمان له ، فلا يصدق في إبطاله . ~~فإن صدقه أحدهما فهو آمن يرجع إلى دار الحرب إن أحب ؛ لأن الأمان يثبت له ~~من جهة من صدقه بتصادقهما ، وإن لم يثبت من جهة الآخر ، فكأنه ما ادعى إلا ~~على هذا . وفي أمان الواحد كفاية له . وإن قال : أمنني هذا . وكذبه . وقال ~~الآخر : أنا الذي أمنته . وكذبه الحربي ، وثبت كل واحد على مقالته فهو فيء ~~؛ لأن الأمان لم يثبت له من جهة من ادعاه حين كذبه ، ولا من جهة من أقر له ~~لتكذيب الحربي إياه . فكان فيئا . بمنزلة ما لو قال المسلم : أنا أمنتك . ~~وقال الحربي : أبطلت ، بل كتب إلي من دار الإسلام رجل بالأمان . لم يصدق ~~وكان فيئا . وكذلك لو قال : أمني فلان المسلم . وهو غائب أو ميت ؛ ~~PageV02P563 لأن الأمان لم يثبت له بمجرد دعواه على الغالب والميت ، ومن ~~أقر بالأمان . فقد كذبه الحربي في ذلك . وهذا بخلاف ما تقدم . فهناك الأمان ~~من جهة واحد بعينه ، وإنما الاختلاف بينهما في السبب ، وهنا الاختلاف ~~بينهما فيمن كان الأمان من جهته ، فلا يثبت واحد من الأمرين مع التكذيب ، ~~ولو كان قال بعد هذا الذي أقر له بالأمان : صدقت ms0334 أنت أمنتني ، وقد غلطت ~~فيما قلت . ففي القياس : هو فيء ؛ لأن إقراره له قد بطل بالتكذيب ، فلا ~~يعمل التصديق بعد ذلك . إذ الأمان عقد محتمل للفسخ والتصديق بعد التكذيب ، ~~إنما يعتبر فيما لا يكون محتملا للفسخ كالنسب والولاء . وفي الاستحسان : هو ~~آمن إذا لم يصر على ذلك التكذيب ؛ لأن الغلط في هذا الباب قد يقع ، فإنه ما ~~رأى من أمنه قبل هذا الوقت ، وبالمرة الواحدة قل ما تثبت معرفته . فإذا ~~تبين له الغلط وجب اعتبار تصديقه لدفع الضرر ، بخلاف ما إذا ثبت على ~~التكذيب بعد الاستثبات . لأن توهم الغلط هناك قد انتفى . # وهو نظير ما لو قال الرجل لامرأة جالسة إلى جنبه : هي أختي من الرضاعة . ~~ثم قال : غلطت ، هي امرأتي . كان مصدقا في ذلك ، ولم يفرق بينهما . فإن ثبت ~~على ذلك بعد الاستثبات ثم قال بعد ذلك : قد غلطت لا يصدق وفرق بينهما ~~للمعنى الذي قلنا . # ولو قال الحربي : ما أمنني أحد من المسلمين ، لكني خرجت بغير أمان ، ~~بعدما قال له المسلم : أنا أمنتك ، ثم رجع إلى تصديقه ، لم يصدق ، وكان ~~فيئا ؛ PageV02P564 لأنه ليس في هذا يوهم الغلط ، فأهم الأشياء عند الحربي ~~الذي يخرج إلى دارنا هو الأمان . وبعدما خرج مسلم لا يشتبه عليه أصل الأمان ~~. فبعد إنكار أصل الأمان لا يعتبر تصديقه ، بخلاف الأول ، فقد يقع الاشتباه ~~له فيمن كان أمانه من جهته ، فلهذا يعتبر رجوعه إلى التصديق ويعذر بالغلط ~~في ذلك . # ولو خرج إلى دارنا رجل وامرأة من أهل الحرب ، فشهد مسلمان بأنهما خرجا ~~بأمان بعض المسلمين ، وهما يقولان كذبا : ما أمننا أحد . ففي قياس قول أبي ~~حنيفة رحمه الله : المرأة آمنة والرجل فيء ؛ لأنهما صارا رقيقين في الظاهر ~~، والشهادة على عتق الأمة مقبولة من غير الدعوى بالاتفاق ، وعلى عتق العبد ~~كذلك في قولهما ، ولا يقبل في قول أبي حنيفة رحمه الله . فإن كانا ادعيا ~~ذلك بعد الإنكار ثم شهد المسلمان به قبلت الشهادة ؛ لأن هذا تناقض في ~~الدعوى . والتناقض لا يمنع قبول البينة على الحرية . وإن ms0335 شهد لهما ذميان أو ~~مستأمنان بذلك لم تقبل الشهادة ؛ لأنها تقوم على المسلمين . PageV02P565 ~~وبعد شهادة المسلمين لو أرادا الرجوع إلى دار الحرب لم يمنعا من ذلك ؛ لأنه ~~قد ثبت بالحجة أنهما مستأمنان . فإن قيل : هما قد أقرا بالرق على أنفسهما ~~في الابتداء ، فكيف يتركان ليرجعا حربيين ؟ قلنا : لأن الإمام قد حكم ~~بكذبهما فيما قالا بالحجة ، والمقر إذا صار مكذبا في إقراره يسقط حكم ~~إقراره . ولو قالا : خرجنا بغير أمان . فشهد لهما شاهدان بأنهما أسلما في ~~دار الحرب قبل أن يخرجا ، وصدقا الشاهدين بذلك ، فإن كان الشاهدان مسلمين ~~فهما حران ، وإن كانا من أهل الذمة فهما رقيقان للمسلمين ؛ لأن شهادة أهل ~~الذمة لا تكون حجة على المسلمين ، وإسلامهما إنما ظهر بعدما صارا فيئا ، ~~فلا يبطل الرق عنها . ولو قالا للشاهدين المسلمين : كذبتما ، ما أسلمنا قط ~~على الإسلام ، لأن شهادة المسلمين عليهما بالإسلام عليهما حجة تامة . فإن ~~أسلما فهما حران . أما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : فهو غير مشكل ~~، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلأن في هذه الشهادة التزام حق على الرجل ، ~~والمسلمون PageV02P566 خصم في ذلك . فإنكاره لا يمنع قبوله البينة بمنزلة ~~ما لو أنكر العتق وهناك من يدعي حقا من حد قذف أو قصاص فيما دون النفس . ~~وإن أبيا أن يسلما قتل الرجل وحبست المرأة حتى تسلم ؛ لأنه ثبت بالحجة أنها ~~حران مرتدان . فلا يجري عليهما شيء في دارنا ولكن الحكم في المرتد والمرتدة ~~ما بينا . وإن قالا : ما أسلمنا قط . وشهد الشاهدان أنهما أسلما يوم كذا في ~~دار الحرب . فقالا : قد كنا على النصرانية في دار الحرب بعد هذا الوقت . ~~فإنهما يجبران على الإسلام ، فإن أسلما فالرجل حر والمرأة فيء للمسلمين ؛ ~~لأنه ظهر بإقرارهما ارتدادهما في دار الحرب وخروجهما إلى دارنا على ذلك . ~~والمرتدة في دار الحرب تسترق ، ولا يبطل الرق عنهما بإسلامهما . وهذا بخلاف ~~الأول فلم تظهر هناك الردة منهما بعدما ثبت إسلامهما إلا في دارنا . # فإن قيل : هناك قد أقرا أيضا أنهما كانا كافرين بعد ms0336 الوقت الذي شهد فيه ~~المسلمان عليهما بالإسلام . قلنا : نعم ، ولكنهما ما أقرا بكفر متجدد منهما ~~في تلك الحالة ليجعل ذلك ردة ، إنما أنكرا أصل الشهادة . فأما هنا فقد أقرا ~~بأنهما أظهرا كفرا حادثا بعد الوقت الذي ثبت فيه إسلامها بالحجة في دار ~~الحرب . فإن قيل : مع هذا في هذه الشهادة إثبات حرية المرأة فلماذا يعتبر ~~قولهما حتى تجعل أمة بعدما شهد الشهود بحريتها ؟ . PageV02P567 قلنا : لأن ~~هذا إقرار منها بالرق على نفسها ، وإقرار المرأة بالرق مقبول ، بمنزلة ~~اللقيط إذا كانت أنثى فأقرت بالرق . # ولو أن حربية أسلمت في دار الحرب وعرف إسلامها ، ثم أخذت في الأسراء ~~فقالت : قد ارتددت قبل أن تأخذوني . كانت فيئا ، وصدقت لإقرارها على نفسها ~~بالرق . وكذلك لو كانت مسلمة لحقت بدار الحرب ثم أخذت في الأسراء ، فزعمت ~~أنها لحقت بدار الحرب مرتدة ، فهي أمة ، وإن كذبها أبوها فيما قالت ؛ لأنها ~~أقرت على نفسها بالرق بسبب ظاهر . فإنها أخذت من دار الحرب ، وحكم الشرك ~~ظاهر فيها . وكذلك لو أن ذميا أو ذمية لحقتا بدار الحرب ، ثم أخذا فقالا : ~~خرجنا ناقضين للعهد ، كان القول قولهما ، وكانا فيئا ؛ لأنهما أقرا بالرق ~~على أنفسهما . وكل هذا يوضح ما سبق أن شهادة المسلمين بأنها أسلمت في دار ~~الحرب لا تمنع صحة إقرارها بالرق بعد ذلك بسبب ردتها في دار الحرب . # ولو أن مسلمة في دار الإسلام حرة معروفة الأبوين تعلق بها رجل وقال : هي ~~أمة لي فقالت : صدقت ، قد كنت PageV02P568 ارتددت ولحقت بدار الحرب فسباني ~~وأخرجني . فهي أمة له في القياس ؛ لأنها تصادقا على سبب يوجب الملك له فيها ~~. فيجعل ما تصادقا عليه كالثابت بالمعاينة أو بالبينة . # يوضحه : أنها تقر على نفسها بما يتلفها حكما وهو الرق . ولو أقرت على ~~نفسها بما يتلفها حقيقة من قصاص أو رجم وجب قبول قولها ، لأنها مخاطبة . ~~فهنا أولى . وفي الاستحسان : لا تصدق ، وهي حرة لا سبيل عليها ؛ لأنها تقر ~~بما لا تملك إنشاءه ، فإن حرية الأصل تثبت لها لحرية الأبوين على وجه لا ~~تملك إبطاله ms0337 . وهي متهمة فيما أقرت به من السبب ، فإن النساء جبلن على ~~الميل إلى الهوى ، فلعلها أحبت هذا الرجل وهو لا يرغب فيها بالنكاح فأقرت ~~له بالرق بهذا السبب كاذبة ليحصل مرادها . وهذا بخلاف ما إذا عرف لحاقها ~~بدار الحرب ؛ لأن هناك الظاهر يشهد لهما فيما قالا . فإن المسلمة لا تلحق ~~بدار الحرب ما دامت مصرة على الإسلام عادة . # يوضحه : أن اعتقادها باطن لا يمكن الوقوف عليه ، فلا بد من قبول قولها ~~فيه . فأما لحوقها بدار الحرب فظاهر يمكن الوقوف عليه ، فلا حاجة إلى قبول ~~قولها في ذلك . PageV02P569 تقريره : هو أن دار الحرب دار سبي واسترقاق . ~~فإذا عرفت لحاقها فإنما أصابها من موضع الاسترقاق ، فتكون أمة له ، ما لم ~~يظهر المانع وهو إسلامها عند الأخذ . فأما دار الإسلام فليس بدار استرقاق ~~بل دار حرية متأكدة ، فلا تبطل بمجرد قولها إذا لم يعلم صدقها في ذلك . ~~والذمية في هذا كالمسلمة . فما الحر الذمي إذا قال ذلك ولم يعرف صدقه ~~ولحوقه بدار الحرب ناقضا للعهد فعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى ~~هو والمرأة في ذلك سواء لأن عندهما معنى حق الله تعالى هو المعتبر في حرية ~~الرجل كما في حرية المرأة ، ولهذا قبلا الشهادة فيه من غير دعوى . وفي قول ~~أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو عبد سواء عرف لحاقه أو لم يعرف . لأن معنى ~~حقه هو المعتبر في حريته عنده ، ولهذا تقبل الشهادة على عتق العبد من غير ~~دعوى . ولأن معنى الميل إلى الهوى منعدم في حق الرجل ، وليس في هذا الإقرار ~~معنى حل الفرج بالملك بخلاف إقرار المرأة . # ولو خرج مسلم من دار الحرب ومعه حربي : رجل أو امرأة . فقال : أمنته ~~بالعربية وأخرجته . وقال الحربي : أبطل ، ولكنه أمنني بالفارسية ، وثبتا ~~على الاختلاف فهو آمن ؛ لأنهما اتفقا على السبب والحكم ، وإن اختلفا في ~~العبارة ، ولا معتبر بهذا الاختلاف ، خصوصا في الأمان . فقد ثبت من غير ~~عبارة . وإذا الاختلاف في العبارة ، لا يمنع قبول الشهادة فكيف يمنع ثبوت ~~الأمان ؟ . وكذلك لو ms0338 اختلفا في الوقت الذي أمنه فيه ، أو في المكان ، أو في ~~الكتاب والرسالة ، والأمان باللسان ؛ PageV02P570 لأنهما اتفقا على ما هو ~~المقصود . والأمان مما يعاد ويكرر . فالاختلاف في هذه الأشياء لا يمنع ~~الحكم بما هو المقصود . ولو قال المسلم : أسلم فخرج معي . وقال الحربي : بل ~~أمنني . فهو فيء ؛ لأن الاختلاف هنا بينهما في الحكم المطلوب بالسبب ، فإن ~~المسلم يستفيد الأمان من قبل إيمانه ، والمستأمن إنما يستفيد الأمان من جهة ~~من أمنه ، فمنع اختلافهما لا يثبت واحد من الأمرين . # وإن قال : سألني أن يخرج معي ويكون ذميا فأعطيته ذلك . وقال الحربي : بل ~~أمنني . فهو آمن هنا ؛ لأنهما اتفقا على الحكم ، وهو ثبوت الأمان له من جهة ~~هذا المسلم وإن اختلفا في سببه والمسلم يدعي عليه زيادة وهو احتباسه في ~~دارنا والتزامه الجزية ، فلا تثبت تلك الزيادة بمجرد قوله ، ويبقى أصل ~~الأمان له باتفاقهما عليه ، فيرجع إلى دار الحرب إن شاء . ولو كان مع ~~الحربي المستأمن في دارنا جارية له فأعتقها كان لها أن ترجع إلى دار الحرب ~~؛ لأنها مستأمنة تبعا له ، حتى لو أراد إعادتها إلى دار الحرب كان ممكنا من ~~ذلك ، فبإعتاقه إياها لا يبطل ذلك الحكم . # ولو باعها من مسلم أو ذمي صارت ذمية تبعا لمولاها ؛ PageV02P571 لأنه من ~~أهل دارنا . فإن أعتقها لم يكن لها أن ترجع إلى دار الحرب ؛ لأنه بعدما ~~صارت ذمية لا تعود حربية بالعتق . ولو وجد بها عيبا فردها لم يكن له أن ~~يعود بها إلى دار الحرب ، ولكن يجبر على بيعها ؛ لأنها صارت ذمية بالشراء ، ~~وثبت الملك لمسلم أو ذمي فيها ، فكانت بمنزلة أمة ذمية اشتراها المستأمن . ~~فإن كان باعها من مستأمن مثله فأعتقها المشتري فإأن كان من أهل دار البائع ~~، فلها أن تعود إلى دار الحرب كما لو كان البائع أعتقها بنفسه ؛ لأن حالهما ~~سواء . وإن كان المشتري من أهل أخرى لم يكن لها أن تعود إلى واحدة من ~~الدارين ، لأن تبعية البائع انقطعت بالبيع ، وما كان للمشتري أن يخرجها إلى ~~دار نفسه قبل ms0339 أن يعتقها ، فكذلك بعد العتق لا يكون لها أن ترجع إلى داره . ~~وهذا لأن المستأمن إنما يتمكن من إعادة ما أخرجه من داره ، وهو ما أخرج هذه ~~الأمة PageV02P572 من داره . وإذا كان هذا الحكم ثابتا في السلاح ففي ~~الآدمي أولى وإذا ثبت أنها احتبست في دارنا كانت بمنزلة الذمية بعد الاعتاق ~~. وقبل العتاق يجبر على بيعها من المسلمين أو من أهل الذمة كما هو الحكم في ~~الذمية . وإن ردها بعيب على البائع فكذلك الجواب ؛ لأنها بعدما صارت ذمية ~~باعتبار المعنى الذي قلنا لا تعود حربية . ولو كان باعها من مسلم فشهد ~~مسلمان أن الحربي كان أعتقها في دارنا قبل أن يبيعها قبلت هذه الشهادة لما ~~فيها من معنى حرمة الفرج ، فيبطل البيع ويرد البائع الثمن على المشتري . ~~فإن أرادت أن تخرج إلى دار الحرب لم تمنع من ذلك ؛ لأن البيع لها ظهر ~~بطلانه ، فقد تبين أنها حرة حربية . فإن قيل : هي تقر بأنها أمة للمسلم ، ~~وأنه لا سبيل لها إلى الرجوع إلى دار الحرب . # قلنا : نعم ، ولكن القاضي حكم ببطلان إقرارها بذلك ، فلا يبقى لإقرارها ~~حكم . ألا ترى أن المشتري مقر أيضا بأن الثمن سالم للبائع لأنه كان قبضها ، ~~وذلك لا يمنعه من الرجوع بالثمن على البائع لأن الحاكم حكم بخلاف زعمه . ~~ولو لم يبعها الذي أخرجها ولكنه قال : كانت زوجتي فقهرتها وأخرجتها ، فهي ~~أمة لي . فقالت : كنت زوجة له فخرجت معه غير مقهورة . فالقول قولها ؛ ~~PageV02P573 لأن الظاهر شاهد لها . فإنها خرجت وليس عليها أثر القهر . ثم ~~يفرق بينهما إن أسلما بإقراره . فقد أقر أنها صارت أمة له . وذلك مناف ~~للنكاح ، وإقراره حجة عليه . فإن قيل : فقد حكم الإمام هنا بأنها حرة ~~فلماذا يعتبر إقراره بعد ذلك في التفريق بينهما ؟ . # قلنا : لأنه حكم بذلك بمجرد قولها ونوع من الظاهر وذلك لا يوجب تكذيب ~~المقر لا محالة . ألا ترى أنه لو أقام البينة على ما ادعى قبلت بينته وقضى ~~بها أمة له ، بخلاف ما سبق فقد حكم هناك بحريتها بحجة تامة ms0340 . ألا ترى أنه ~~لا تقبل البينة على رقها بعد ذلك . واستوضح هذا بمسلم تحته مسلمة لم يدخل ~~بها إذا زعم أنها ارتدت من الإسلام وجحدت المرأة ذلك . فإنه يفرق بينهما ~~بإقراره ، ولها نصف الصداق ؛ لأنه غير مصدق عليها في إبطال حقها ، وإن كان ~~مصدقا على نفسه ، وكذلك في مسألة الحربي . فإن قال الإمام : استحلفها ما ~~كان الأمر على ما قلت : فلا يمين عليها في قياس أبي حنيفة رحمه الله تعالى ~~؛ لأنه يدعي عليها الرق ، وأبو حنيفة لا يرى الاستحلاف في دعوى الرق . ~~PageV02P574 وعندهما يستحلفها على ما ادعى من سبب الرق عليها ، فإن نكلت ~~قضى بكونها أمة ؛ لأن نكولها بمنزلة إقرارها . ومن أصلهما القضاء بالنكول ~~في دعوى الرق . والله أعلم بالصواب . PageV02P575 # | باب من الأمان بغير إذن الإمام وبعد نهي الإمام # وإذا حاصر المسلمون حصنا فليس ينبغي لأحد أن يؤمن أهل الحصن ولا أحدا ~~منهم إلا بإذن الإمام ؛ لأنهم أحاطوا بالحصن ليفتحوه ، والأمان يحول بينهم ~~وبين هذا المراد في الظاهر . ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يكتسب سبب ~~الحيلولة بين جماعة المسلمين وبين مرادهم ، خصوصا فيما فيه قهر العدو . ~~ولأن كل مسلم تجب طاعة الأمير عليه . فلا ينبغي أن يعقد عقدا يلزم الأمير ~~طاعته في ذلك إلا برضاه . ولأن ما يكون مرجعه إلى عامة المسلمين في النفع ~~والضرر فالإمام هو المنصوب للنظر في ذلك . فالإفتيات عليه في ذلك يرجع إلى ~~الاستخفاف بالإمام ، ولا ينبغي للرعية أن يقدموا على ما فيه استخفاف ~~بالإمام . فإن فعل ذلك فهو جائز ؛ لأن علة صحة الأمان ثابت ومتكامل في حق ~~كل مسلم ، على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ' يسعى ~~بذمتهم أدناهم ' . وعلى الإمام أن يكف عن قتالهم حتى ينبذ إليهم بعدما ~~يردهم إلى مأمنهم ؛ وإن كانوا أخرجوا . PageV02P576 وإن رأى أن يؤدب الذي ~~أمنهم فعل ؛ لأنه أساء الأدب حين فعل ما يرجع إلى الاستخفاف بالإمام ، ولو ~~لم يؤدبه اجترأ غيره على مثله ، وذلك يقدح في السياسة وتدبير الإمارة . إلا ~~أنه إذا أمنهم ms0341 على وجه النظر منه للمسلمين وظهر ذلك للإمام فإنه لا يؤدبه ~~في ذلك ؛ لأنه قصد بفعله توفي المنفعة على المسلمين ، فربما تفوتهم تلك ~~المنفعة لو أخره إلى استطلاع رأي الإمام . وفي مثل هذه الحالة يباح له ~~إعطاء الأمان . فإن الواحد منهم إذا قال له سرا : أمني على أن أدلكم على ~~عوراتهم ، أو على أن أفتح لك الحصن وخاف إن لم يؤمنه أن يفوته ما وعده من ~~ذلك ، فلا إشكال أن له أن يؤمنه من غير استئمان الإمام ؛ لأن الأمان في مثل ~~هذه الحالة يرجع إلى تحصيل مقصود المسلمين ، وهو يستوجب الشكر على ذلك لا ~~التأديب ، فلا يؤدبه في مثل ذلك الموضع . ولو أن مسلما أمن واحدا منهم على ~~مائة دينار على أن ينزل من حصنه إلى المعسكر . فلما قبض الدنانير وجاء به ~~إلى عسكر المسلمين علم به الإمام ، فقد أساء المسلم في ذلك وأمانه جائز ، ~~كما لو فعله بغير عوض ، ثم ينظر الإمام في ذلك . PageV02P577 فإن كان شرط ~~له المسلم أنه آمن حتى يخرجوا من أرض الحرب فالإمام بالخيار ، إن شاء رد ~~الدنانير عليه ورده إلى مأمنه ، وأن شاء وفى بما شرط له وأخذ الدنانير ~~فجعلها غنيمة لأهل العسكر ؛ لأن المعطي للأمان إنما يمكن من أخذ الدنانير ~~بقوة العسكر ، فلا يختص بها ولكن يجعل فعله لذلك كفعل الأمير أو فعل جماعة ~~المسلمين . وإن كان شرط له أن ينزل إلى العسكر فيلقى رجلا في حاجة له ، ثم ~~يعود إلى حصنه ، فإن الإمام يمضي هذا الأمان ويجعل الدنانير غنيمة لأهل ~~العسكر ؛ لأن معنى النظر هنا متعين في تنفيذ هذا الأمان . فإنه آمن فينا ~~حتى يعود إلى حصنه ، فإن رد عليه الدنانير فلا فائدة للمسلمين في ردها ~~بخلاف الأول . فإن لم يعد إلى حصنه حتى فتح الحصن فهو آمن فينا حتى يبلغ ~~مأمنه من أرض الحرب . ولا فائدة في رد الدنانير عليه ، ولكن لا يتعرض له ~~حتى يصل إلى مأمنه ، والدنانير فيء لأهل العسكر . وكذلك لو كان المسلم أمن ~~أهل الحصن شهرا على ms0342 مائة PageV02P578 دينار وأخذها منهم ، فالإمام بالخيار ~~إن شاء رد الدنانير ونبذ إليهم ، وإن شاء أجاز أمانه ولم يتعرض لهم حتى ~~يمضي شهر ، وأخذ المائة الدنانير فجعلها فيئا للمسلمين ؛ لأن في كل جانب ~~توهم المنفعة عسى ، فإنه إن طمع في فتح الحصن قبل مضي شهر فالمنفعة في رد ~~الدنانير ، وإن لم يطمع في ذلك فالمنفعة في أخذ الدنانير وإمضاء الأمان . ~~فلهذا يخير الإمام في ذلك . ولو أن الأمير أمر مناديا فنادى في العسكر : إن ~~من أمن منكم أهل الحصن أو واحدا منهم فأمانه باطل ، ثم أمنهم مسلم بجعل أو ~~بغير جعل فأمانه جائز ؛ لأن العلة الموجبة لصحة الأمان من المسلم لم تنعدم ~~بهذا النداء . وولاية الأمان لكل مسلم ثابتة شرعا كولاية الشهادة ، ولا ~~تنعدم هذه الولاية بنهي الإمام . ثم أهل الحرب لا يعلمون هذا النهي ، فلو ~~لم يصلح أمان هذا المسلم بعد هذا النهي رجع إلى الغرور وهو حرام . إلا أن ~~للأمير أن يؤدب الذي أمن بالحبس والعقوبة إن كان لم يؤمنهم على وجه النظر ~~للمسلمين ؛ لأن إساءة الأدب هاهنا أبلغ منها في الفصل الأول ، فإنه جاهر ~~بمخالفة الإمام فيستوجب الحبس والعقوبة بهذا . PageV02P579 فإن أمر بأن ~~ينادي أهل الحصن أو يكتب إليهم أو يرسل إليهم رسولا : إن أمنكم واحد من ~~المسلمين فلا تغتروا بأمانه ، فإن أمانه باطل ، ثم أمنهم رجل فنزلوا على ~~أمانه ، فهم فيء . لا باعتبار أن أمان المسلم لا يصح بعد هذا النهي ، ولكن ~~لأن هذا القول من الإمام بمنزلة النبذ إليهم ، وكما يصح نبذه إليهم بعد ~~الأمان يصح قبل الأمان ، إذ المقصود بالنبذ دفع الغرور . وذلك ينتفي في ~~الوجهين جميعا ، إذا كان النبذ لو طرأ على الأمان دفع ثبوت حكمه ، فإذا ~~اقترن بالأمان منع ثبوت حكمه . بخلاف الأول ، فهناك لا علم لأهل الحرب بنهي ~~الأمير ، والنبذ إليهم لم يتحقق ما لم يعلموا به . وإنما صح النبذ قبل ~~الأمان دفعا للضرر عن المسلمين . فإنه لو لم يصح ذلك تمكن بعض فساق ~~المسلمين أن يحول بينهم وبين فتح حصونهم بأن ms0343 يؤمنهم كلما نبذ الأمير إليهم ~~مرة بعد مرة ، فلا يظفرون بحصن أبدا . فلدفع هذا الضرر صح النبذ إليهم قبل ~~الأمان للإعذار والإنذار . ولو كان قال لهم : لا أمان لكم إن أمنكم رجل ~~مسلم حتى أؤمنكم أنا . ثم أتاهم مسلم فقال : إني رسول الأمير إليكم ، قد ~~أمنكم . فنزلوا على ذلك فهم آمنون . وإن كان الرجل كذب في ذلك ؛ لأن عبارة ~~الرسول كعبارة المرسل . فإن قيل : هذا إذا ثبتت الرسالة ، فأما إذا كذب فلا ~~يمكن أن تجعل PageV02P580 عبارته كعبارة الأمير ، لأنه لم يرسله ، ولا يمكن ~~تصحيح الأمان لهم من جهته ، لأنه لو قال أمنتكم لا يصح ، فينبغي أن يكون ~~أمانه باطلا . قلنا : نعم ، ولكن حين أخرج الكلام مخرج الرسالة فقد تحقق ~~معنى الغرور ، إذ لا طريق لهم إلى الوقوف على حقيقة كلامه أنه صادق في ذلك ~~أو كاذب . وإذا كان عقله ودينه يدعوه إلى الصدق ويمنعه من الكذب وسعهم أن ~~يعتمدوا على الظاهر ، فلو لم يصحح الأمان أدى إلى الغرور بخلاف ما إذا أضاف ~~الأمان إلى نفسه . فإن كان الأمير قال لهم : لا أمان لكم إن أمنكم مسلم أو ~~أتاكم برسالة مني ، حتى آتيكم أنا فأؤمنكم بنفسي . والمسألة بحالها فهم فيء ~~؛ لأن هذا بمنزلة النبذ لكل أمان إليهم إلا أمانا يسمعونه من لسانه . ولأن ~~دفع الضرر عن المسلمين واجب ، ولا طريق للأمير في دفع الضرر عنهم إلا ما ~~فعله من التقدمة إليهم ، فلو لم يصحح ذلك أدى إلى أن يتمكن الفاسق من إفساد ~~الجهاد على المسلمين ، وذلك لا يجوز . إلا أن في هذا الفصل إن كان الأمير ~~هو الذي أرسل إليهم ليبلغهم الأمان ففعل فهم آمنون . لأن عبارة الرسول ~~كعبارة المرسل فكأنه أمنهم بنفسه ، وهو بما تقدم إليهم قصد أن يمنعهم من ~~الاعتماد على خبر من يزعم أنه رسول كاذبا ولا يمنهم من الاعتماد على خبر من ~~يرسله إليهم حقيقة ، ولأنه إنما أبطلنا الخبر إذا كان PageV02P581 الرسول ~~كاذبا لدفع الضرر عن المسلمين ، وهذا لا يوجد فيما إذا كان الرسول صادقا . # يوضحه : أنه ms0344 إذا أرسل إليهم بعد تلك المقالة ، فذلك رجوع منه عن تلك ~~المقالة ، ورجوعه صحيح . # ألا ترى أنه لو قال لهم : إذا أمنتكم فأماني باطل . ثم أمنهم بعد ذلك كان ~~ذلك أمانا صحيحا . باعتبار أن هذا رجوع عما قاله لهم ، وذلك القول ما كان ~~ملزما إياه شيئا فيصح رجوعه عنه . ولو أن مسلما وادع أهل الحرب سنة على ألف ~~دينار جازت موادعته ، ولم يحل للمسلمين أن يغزوهم ، وإن قتلوا واحدا منهم ~~عزموا ديته ؛ لأن أمان الواحد من المسلمين بمنزلة أمان جماعتهم . وإن لم ~~يعلم الإمام بذلك حتى مضت سنة أمضى موادعته وأخذ المال فجعله في بيت المال ~~؛ لأن منفعة المسلمين متعينة في إمضاء الموادعة بعد مضي المدة ، فهو بمنزلة ~~العبد المحجور إذا أجر نفسه وسلم من العمل ، فإنه ينفذ العقد وتكون الأجرة ~~للمولى . وإن كان لو علم به المولى قبل مضي المدة كان متمكنا من فسخ ~~الإجارة PageV02P582 ثم إنما أخذ هذا المال منهم بقوة المسلمين ، فإن خوف ~~أهل الحرب من جماعة المسلمين لا من واحد منهم فلهذا يأخذ المال منهم فيجعله ~~في بيت المال معدا لنوائب المسلمين . وإن علم بموادعته قبل مضي السنة ، ~~فإنه ينظر في ذلك فإن كانت المصلحة في إمضاء ذلك الموادعة أمضاها وأخذ ~~المال فجعله في بيت المال ؛ لأن له أن ينشئ الموادعة بهذه الصفة إذا رأى ~~المصلحة فيها ، فلأن يمضيها كان أولى . وإن رأى المصلحة في إبطالها رد ~~المال إليهم ثم نبذ إليهم وقاتلهم ؛ لأن أمان المسلم كان صحيحا والتحرز عن ~~الغدر واجب . فإن كان مضي نصف السنة ، ففي القياس يرد نصف المال ويمسك ~~النصف للمسلمين . اعتبارا للبعض بالكل وقياسا للموادعة ، في مدة معلومة ~~بعوض معلوم . وقياسا على الإجارة وهناك إذا انفسخ العقد في بعض المدة يسقط ~~من الأجر بحساب ما بقي ، ويتقرر بحساب ما مضى . وفي الاستحسان : يرد المال ~~كله ؛ لأنهم ما التزموا المال إلا بشرط أن يسلم لهم الموادعة في جميع المدة ~~PageV02P583 والجزاء إنما يثبت باعتبار الشرط جملة ، ولا يتوزع على أجزائه ~~. وكلمة على للشرط ms0345 حقيقة . والموادعة في الأصل ليست من عقود المعاوضات ، ~~فجعلنا هذه الكلمة فيها عاملة بحقيقتها . فإذا لم يسلم لهم الموادعة سنة ~~كاملة وجب رد المال كله عليهم . وهذا لأنه ربما يكون خوفهم من بعض المدة ~~دون البعض ، فإنهم يأمنون في الشتاء أن يأتيهم العدو ، وإنما يخافون ذلك في ~~الصيف . فإذ نبذ إليهم في وقت خوفهم ، ومنعهم بعض المال ، لم يحصل شيء من ~~مقصودهم بهذا الشرط ، وذلك يؤدي إلى الغرور ، فلهذا يرد المال إن نبذ إليهم ~~قبل مضي المدة . وإن كانوا وادعوه ثلاث سنين ، كل سنة بألف دينار ، وقبض ~~المال كله ، ثم أراد الإمام نقض الموادعة بعد مضي السنة فإنه يرد عليهم ~~الثلثين ؛ لأن الموادعة كانت هاهنا بحرف الباء ، وهو يصحب الأعواض ، فيكون ~~المال عوضا ، فينقسم على المعوض باعتبار الأجزاء ، كيف وقد فرق العقود ~~هاهنا بتفريق التسمية حيث قال : كل سنة بألف دينار . بخلاف الأول فهناك ~~العقد واحد في جميع السنة ، والمال مذكور بحرف على ، وهو حرف الشرط . # فإن قيل : أليس أن في الإجارة بين أن يقرن بالبدل حرف الباء أو حرف على ~~في أنه يتوزع البدل على المدة ، وكذلك في باب البيع ، فلماذا فرق بينهما ~~هنا ؟ قلنا : لأن البيع والإجارة معارضة باعتبار الأصل ، ولا يحتمل التعليق ~~بالشرط وأما الموادعة فليست بمعاوضة باعتبار الأصل لا يحتمل التعليق بالشرط ~~، وأما الموادعة فليست بمعارضة باعتبار الأصل ، وإنما تصير معاوضة ~~PageV02P584 عند التصريح بحرف الباء الذي يصحب الأعواض وهي تحتمل التعليق ~~بالشرط . فإذا ذكر فيها حرف الشرط كان محمولا على الشرط حقيقة وبهذا الفصل ~~يستدل أبو حنيفة فيما إذا قالت المرأة لزوجها : طلقني ثلاثا على ألف درهم ~~فطلقها واحدة ، أنه لا يجب شيء من المال ، بخلاف ما إذا قالت : بألف درهم ؛ ~~لأن الطلاق يحتمل التعليق بالشرط ليس بمعاوضة ، باعتبار الأصل ، فيفصل فيه ~~بين حرف الباء وعلى كما في الأمان . ولكنهما قالا : الخلع معاوضة وما هو ~~المقصود لها - وهو زوال ملكه عنها - يحصل بالواحدة ، فرجحنا معنى المعاوضة ~~فيه بخلاف الأمان على ما قررنا . # ولو حاصر المسلمون حصنا ms0346 فقال أميرهم لأهل الحصن : إني لعلي أن أؤمنكم ، ~~فمتى أمنتكم فأماني باطل . أو قال : فلا أمان لكم أو فقد نبذت إليكم ، ثم ~~أمنهم . فأمانه باطل كما قال ؛ لأنه بين لهم على وجه انتفى شبهة الغرور من ~~كل وجه . وهو بما تقدم من الكلام يصير كأنه نبذ إليهم الأمان الذي يكون منه ~~. فإن قيل : لماذا لم يجعل إقدامه على الأمان رجوعا عن تلك المقالة كما في ~~المسألة المتقدمة ؟ قلنا : هناك في الوضع زيادة هو أنه أمنهم بعد مقالته ~~وقال : قد أبطلت قولي لكم أنه لا أمان لكم . فهذا البيان يظهر أنه رجوع . ~~فأما هنا فليس في كلامه ما يدل على الرجوع عن المقالة الأولى بل ما يدل على ~~تحقيقها . ألا ترى أنه لو قال لهم : إني أقاتل أهل هذا الحصن معكم ، وقد ~~دعوتهم إلى أن أؤمنهم فلم يجيبوني . فأنا أريد أن أظهر لكم الأمان ، لعلي ~~PageV02P585 إذا دعوتهم أجابوني . وهذا الأمان الذي أظهره لكم باطل وزور ~~فلا تغتروا به ثم أمنهم كان ذلك باطلا . وهذا لأن الأمان مما يحتمل النقض ، ~~فإذا أعلمهم أن تكلمه به باطل ثم تكلم بعد ذلك فهو بمنزلة من لم يتكلم به . ~~ونظائر هذا في فصول التلجئة في البيع وغيره . وقد بيناه في كتاب الإكراه ~~والإقرار . # وذكر بعد هذا باب النزول على الحكم وقد بينا تمام شرح هذا الباب فيما ~~أمليناه من شرح الزيادات . PageV02P586 # | باب الحكم في أهل الحرب إذا نزلوا على حكم رجل من المسلمين # قال : وإذا نزل أهل حصن قد حوصروا فيه على حكم رجل من المسلمين فذلك جائز ~~لقوله عليه السلام : ' ولكن أنزلوهم على حكمكم ، ثم احكموا فيهم ' . ولأن ~~الروايات اختلفت في نزول بني قريظة على الحكم . فذكر بعض أهل المغازي أنهم ~~نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه ابتداء . فإن النبي عليه السلام ~~لما حاصرهم خمس عشرة ليلة وكان قال لهم في الابتداء - حين أخبره علي رضي ~~الله عنه أنهم يسبونه - : ' يا إخوة القردة والخنازير ! أتسبونني ؟ انزلوا ~~على حكم الله وحكم رسوله ms0347 ' . فقالوا : لا يا أبا القاسم ! ما كنت فحاشا . ~~ثم لما طال عليهم الأمر . عرض عليهم أن ينزلوا على حكم من شاءوا من ~~المسلمين . وكانوا حلفاء الأوس قبل مبعث رسول الله PageV02P587 وكان سعد بن ~~معاذ سيد الأوس ، فرضوا بالنزول على حكمه رجاء أن يحسن إليهم لما كان بينه ~~وبينهم في الجاهلية . فأنزلهم رسول الله على حكمه . فهذا يدل على أنه لا ~~بأس بأن ينزلهم على حكم رجل من المسلمين . # والأشهر أنهم نزلوا على حكم رسول الله عليه السلام . ثم جعل رسول الله ~~عليه السلام الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ برضاهم . فإنما فعل ذلك لأن ~~الأنصار أحاطوا برسول الله فكلموه في شأنهم على سبيل الشفاعة . فأراد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مراعاة قلوبهم فقال : ألا ترضون أن يحكم فيكم رجل ~~منكم ؟ قالوا : نعم ، قال : فذاك إلى سعد بن معاذ . وإنما جعل ذلك إليه ~~لأنه كان أصابه سهم يوم الخندق فقطع أكحله . وكان لا يرقأ الدم . فدعا وقال ~~: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لذلك . فلا شيء أحب إلي من ~~قتال قوم أخرجوا رسولك من بين أظهرهم . وإن لم تبق من ذلك شيئا فاجعل هذا ~~سبب شهادتي ، ولا تمتني حتى تقر عيني في بني قريظة . فلما دعا بذلك رقأ ~~الدم . وإنما تكلم بهذا الدعاء لأنه كان أتى بني قريظة بأمر رسول الله ~~PageV02P588 صلى الله عليه وسلم مع جماعة من رءوس الأنصار حين أخبر أنهم ~~نقضوا العهد ليدعوهم إلى تجديد العهد . فأغلظوا له القول وشتموه . فانصرف ~~عنهم وهو يقول : أتشتموني ؟ بيننا وبينكم أهم من الشتم وهو السيف . فلما ~~هزم الله الأحزاب وحاصر المسلمون بني قريظة دعا هو بهذا الدعاء . فلما نزلت ~~بنو قريظة على حكم رسول الله جعل الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ ، وهو كان ~~مريضا في مسجد رسول الله ، فأتاه الأنصار وحملوه على حمار ليأتوا به معسكر ~~رسول الله . فجعلوا يكلمونه في الطريق ويقولون : حلفاؤك ومواليك ، أمكنك ~~الله منهم فأحسن إليهم . وقد علمت أن رسول الله عليه ms0348 السلام يحب الإحسان ~~والإبقاء . وقد علمت ما فعل عبد الله بن أبي في تخليص حلفاته من بني قينقاع ~~، وأنت أحق بذلك منه . فلما أكثروا من ذلك مسح لحيته بيده وقال : لقد آن ~~لسعد أن يأخذه في الله لومة لائم ، فقالوا فيما بينهم : هلكت قريظة والله . ~~فانصرفوا عنه إلى مجلس رسول الله . فلما أتى سعد إلى مجلس رسول الله قال ~~الأنصار : قوموا لسيدكم . فأنزلوه . جلس بين يدي رسول الله قال : قد جعلت ~~الحكم فيهم إليك فاحكم فيهم . PageV02P589 فأقبل سعد عليهم وقال : عليكم ~~عهد الله وميثاقه أن الحكم فيكم ما حكمت ؟ ! . قالوا : نعم ، ثم قال ~~للناحية التي فيها رسول الله عليه السلام ، وهو معرض إجلالا لرسول الله ، ~~وعلى من هنا بمثل ذلك ؟ ! . فقال : رسول الله ومن معه : نعم ، قال سعد : ~~فإني حكمت فيهم بأن تقتل الرجال ، وتسبى النساء والذرية وتقسم الأموال . ~~فقال عليه السلام : ' لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ' ، أي ~~سبع سموات . وهكذا روي في بعض الروايات . ففي هذا دليل أنهم إذا نزلوا على ~~حكم رجل فجعل الحكم إلى غيره برضاهم أنه يجوز ، وليس له أن يجعل الحكم إلى ~~غيره بغير رضاهم ، لأن سعدا أخذا عليهم العهد بين يدي رسول الله عليه ~~السلام ليسترضيهم بذلك ، ولم ينكر ذلك عليه رسول الله عليه السلام . وهذا ~~لأن الناس يتفاوتون في الرأي ، وهذا الحكم مما يحتاج فيه إلى الرأي . ~~فرضاهم بحكم شخص لا يكون رضا بحكم شخص آخر ، حتى إذا جعله إلى غيره بغير ~~رضاهم فحكم بشيء لم ينفذ حكمه إلا أن يجيزه المحكم الأول بعد ما يعلم به ، ~~فحينئذ ينفذ . لأن إجارته بمنزلة إنشائه . ولأنه إنما تم الحكم برأيه وقد ~~رضوا بذلك ثم إن حكم المحكم فيهم بأن يقتل المقاتلة أو بأن يجعلوا ذمة أو ~~بأن يجعلوا فيئا فذلك كله نافذ ، استلالا بما حكم به سعد . وذكر في بعض ~~الروايات أن سعدا حكم يومئذ بأن يقتل من جرت عليه الموسي . وبه يستدل من ~~يقول بأن البلوغ باعتبار نبات العانة ولسنا ms0349 نقول بهذا ؛ PageV02P590 لأن ~~نبات العانة يختلف في أحوال الناس . ألا ترى أن ذلك يبطئ في الأتراك ويسرع ~~في الهنود فلا يمكن أن يجعل حكما . وتأويل هذا أنه علم بإخبار رسول الله ~~إياه من طريق الوحي أن ذلك علامة بلوغ بني قريظة . وإنما حكم بذلك لأن من ~~جرت عليه الموسى منهم كان مقاتلا . وإنما حكم بقتل مقاتلهم . والمقاتل يقتل ~~بالغا كان أو غير بالغ . ولكن الأول أصح لأن غير البالغ إنما يقتل قبل ~~الأسر إذا قاتل ، فأما بعد ما أسر فلا يقتل . ثم ذكر : أنه لما حكم فيهم ~~سيقوا حتى حبسوا في دار بنت الحارث النجارية وأمر بهم أن يكتفوا . وهكذا ~~ينبغي أن يصنع بالأسراء . قال الله تعالى : ' حتى إذا اثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق ' محمد : 4 ، قال : ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني قريظة ~~حتى قتل من قتل منهم في يوم صائف . وسمي ممن قتل منهم بين يدي رسول الله في ~~المغازي : حيي بن أخطب ، وكعب بن أسيد ، وجماعة . فلما انتصف النهار قال ~~النبي عليه السلام : ' لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح . قيلوهم ~~واسقوهم حتى يبردوا ثم اقتلوا من بقي منهم ' . وفي المغازي ذكر أن رسول ~~الله عليه السلام قام وقال لسعد بن معاذ : شأنك ومن بقي منهم . وكان الذين ~~يلون قتلهم علي ابن أبي طالب والزبير وبن PageV02P591 العوام . فقتلوا عند ~~موضع دار ابن أبي الجهم . فسالت دماؤهم حتى بلغ أحجار الزيت . ولم يبين في ~~الكتاب عدد من قتل منهم . وقد اختلفت الروايات فيه ، فأظهر الروايتين أنهم ~~قتلوا سبعمائة رجل منهم . وقال مقاتل : قتلوا أربعمائة وخمسين . وكان عدد ~~السبي ستمائة وخمسين فكان كل من يشك في أمره يكشف عن عانته ، على ما قال ~~عطية القرظي : شكوا في أمري يومئذ فكشفوا عن عانتي ، فإذا أنا لم أنبت ، ~~فجعلوني في الذرية . وذكر عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد ~~أن اقتلوا من جرت عليه الموسى ، ولا تسبوا إلينا من العلوج أحدا . وإنما ~~نهى عن ذلك على سبيل ms0350 النظر للمسلمين حتى لا يقصدوهم بسوء . ألا ترى أنهم ~~حين لم يبالغوا في مراعاة نهيه ابتلي بمثل ذلك فقتله أبو لؤلؤة وكان ~~نصرانيا وكان مجوسيا . وذكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : عرضت على رسول ~~الله يوم أحد وأنا ابن ثلاث عشرة سنة ، فردني . ثم عرضت عليه يوم الخندق ~~وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني في المقاتلة . وإنما أورد هذا مستدلا به على ~~أنه لا يحكم في البلوغ نبات العانة ، وإنما يعتبر في العلامة بالاحتلام ، ~~أو بأن يتم له خمس عشرة سنة ، في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله . وفي قول ~~أبي حنيفة رحمه الله : ثمان عشرة سنة في رواية وتسع عشرة سنة في رواية . ~~وقد بينا هذه المسألة في كتاب الطلاق . # تم أبواب الأمان بحمد الله وتوفيقه أمننا الله من النار وأسكننا دار ~~القرار PageV02P592 # | أبواب الأنفال # الأنفال الغنائم في أصل الوضع . وأصلها نفل ومنه قول القائل : إن تقوى ~~ربنا خير نفل . . . وبإذن الله ريثي والعجل # وقال الله تعالى : ' يسألونك عن الأنفال ' الأنفال : 1 . أي : الغنائم . ~~وسبب نزول الآية ما روي عن عبادة بن الصامت قال : ساءت أخلاقنا يوم بدر ~~فحرمنا ، فقيل : وكيف ساءت أخلاقكم ؟ قال : لما هزم الله العدو افترقنا ~~ثلاث فرق . فرقة كانوا حول رسول الله عليه السلام يحرسونه ، وفرقة اتبعوا ~~المنهزمين ، وفرقة جمعوا الأموال . ثم ادعت كل فرقة أنها أحق بالغنائم ~~فاجتمعنا عند رسول الله عليه السلام ، وارتفعت أصواتنا ورسول الله ساكت . ~~فأنزل الله تعالى في تلك الحالة ' يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله ~~والرسول ' الأنفال : PageV02P593 والمراد في استعمال لفظ الأنفال في عبارة ~~الفقهاء ما يخص به الإمام بعض الغانمين . فذلك الفعل يسمى منه تنفيلا ، ~~وذلك المحل يسمى نفلا . # ولا خلاف أن التنفيل جائز قبل الإصابة ، للتحريض على القتال . فإن الإمام ~~مأمور بالتحريض . قال الله تعالى : ' يا أيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال ' الأنفال : 65 . فهذا الخطاب لرسول الله ولكل من قام مقامه . ~~والتحريض بالتنفيل . فإن الشجعان قل ما يخاطرون بأنفسهم إذا لم يخصوا بشيء ~~من ms0351 المصاب . فإذا خصهم الإمام بذلك فذلك يغريهم على المخاطرة بأرواحهم ~~وإيقاع أنفسهم في حلبة العدو . وصورة هذا التنفيل أن يقول : من قتل قتيلا ~~فله سلبه ، ومن أخذ أسيرا فهو له . كما أمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المنادي حين نادى يوم بدر ويوم حنين . أو يبعث سرية فيقول : لكم الثلث ~~مما تصيبون بعد الخمس ، أو يطلق بهذا الكلمة . فعند الإطلاق لهم ثلث المصاب ~~قبل أن يخمس يختصون به ، وهم شركاء الجيش فيما بقي بعد ما يرفع منه الخمس ~~وعند التنفيل بهذه الزيادة يخمس ما أصابوا ، ثم يكون لهم الثلث مما بقي ~~يختصون به ، وهم شركاء الجيش فيما بقي ، ولا يستحق القاتل بدون تنفيل ~~الإمام عندنا . PageV02P594 وعلى قول الشافعي : من قتل مشركا على وجه ~~المبارزة وهو مقبل غير مدبر استحق سلبه وإن لم يسبق التنفيل من الإمام . ~~لأن قول رسول الله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه ، لنصب الشرع ، ومثل ~~هذا الكلام في لسان صاحب الشرع لبيان السبب كقوله : ' من بدل دينه فاقتلوه ~~' . ولكنا نقول هذا لو أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة ~~بالمدينة بين يدي أصحابه . ولم ينقل أنه قال هذا إلا بعد تحقق الحاجة إلى ~~التحريض . فإن مالك بن أنس قال : لم يبلغنا أن النبي عليه السلام قال في ~~شيء من مغازيه : ' من قتل قتيلا فله سلبه ' إلا يوم حنين ، وذلك بعدما ~~انهزم المسلمون ووقعت الحاجة إلى تحريضهم ليكروا ، كما قال تعالى : ' ثم ~~وليتم مدبرين ' التوبة : 25 . وذكر محمد بن إبراهيم التيمي أنه قال ذلك يوم ~~بدر أيضا . وقد كانت الحاجة إلى التحريض يومئذ معلومة ، فإنهم كانوا كما ~~وصفهم الله تعالى به في قوله : ' وأنتم أذلة ' آل عمران : 123 . فعرفنا أنه ~~إنما قال ذلك بطريق التنفيل للتحريض ، لا بطريق نصب الشر . # وأيد ما قلنا ما ذكره عبد الله بن شقيق قال : كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم محاصرا وادي القرى ، فأتاه رجل فقال : ما تقول في الغنائم ؟ ~~PageV02P595 فقال : لله سهم ولهؤلاء أربعة ms0352 . قال : فالغنيمة يغنمها الرجل ؟ ~~قال : إن رميت في جنبك بسهم فاستخرجته فلست بأحق به من أخيك المسلم . فهذا ~~دليل ظاهر على أن القاتل لا يستحق السلب بدون التنفيل . وعلى هذا القول ~~اتفق أهل العراق وأهل الحجاز . # وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا تقل بعد إحراز الغنيمة . وهو مذهب أهل ~~العراق والحجاز . وأهل الشام يجوزون التنفيل بعد الإحراز ، وممن قال به ~~الأوزاعي ، وما قلنا دليل على فساد قولهم ؛ لأن التنفيل للتحريض على القتال ~~وذلك قبل الإصابة لا بعدها . ولأن التنفيل لإثبات الاختصاص ابتداء ، لا ~~لإبطال حق ثابت للغانمين ، أو لإبطال حق ثابت في الخمس لأربابها . وفي ~~التنفيل بعد الإصابة إبطال الحق . والدليل على أنه لا يجوز ذلك حديث الحسن ~~أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم زماما من شعر من المغنم ، فقال : ~~ويلك ! سألتني زماما من نار - مرتين أو ثلاثا - والله ما كان لك أن تسألنيه ~~، وما كان لي أن أعطيكه . PageV02P596 وعن مجاهد أن رجلا جاء إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بكبة من شعر أخذه من المغنم فقال : هب لي هذه ، فقال : ~~أما نصيبي منها فلك . وعن أبي الأشعث الصنعاني قال : جاء رجل إلى النبي ~~عليه السلام ومعه زمام من شعر . فقال : مر لي بهذا الزمام ، فإنه ليس ~~لراحلتي زمام . فقال : سألتني زماما من نار ، ما لك أن تسألنيه وما لي أن ~~أعطيكه . فرمى به في المغنم . ولو جاز التنفيل بعد الإصابة لما حرمه رسول ~~الله عليه السلام ذلك مع صدق حاجته . # والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل بعد الإحراز فإنما يحمل على ~~أنه أعطى ذلك من الخمس بعض المحتاجين باعتبار أنه من المساكين . أو أعطى ~~ذلك من سهم نفسه من الخمس أو الصفي الذي كان له على ما قال : ' لا يحل من ~~غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم ' . أو أعطى مما أفاء الله عليه لا ~~بإيجاف الخيل والركاب ، كأموال بني النضير . فقد كانت خالصة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . قال الله تعالى ms0353 : ' ما أفاء الله على رسوله ' الحشر : 7 . ~~PageV02P597 أو أعطى ذلك من غنائم بدر . فقد كان الأمر فيها مفوضا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : ' قل الأنفال لله والرسول ' ~~الأنفال : 1 . ثم انتسخ ذلك بقوله : ' واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله ~~خمسه ' الأنفال : 41 الآية . وذكر : عن موسى بن سعد بن يزيد - أو زيد - قال ~~: نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : من قتل قتيلا فله ~~سلبه ، وما أخذوا بغير قتال ، قسمة بينهم عن فواق . يعني على سواء . وهكذا ~~ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما نزلت الآية ' يسألونك عن الأنفال ' ~~إلى قوله : ' لكارهون ' فقسمها بينهم بالسواء . وقد اتفقت الروايات على أنه ~~أعطى كل قاتل سلب قتيله يومئذ على ما ذكر عن عاصم بن عمرو بن قتادة قال : ~~أخذ علي سلب الوليد بن عتبة ، وأخذ حمزة سلب عتبة ، وأخذ عبيدة بن الحارث ~~سلب شيبة PageV02P598 فدفعه إلى ورثته . وكان عبيدة قد جرح فمات في ذات ~~أجدال بالصفراء قبل أن ينتهي إلى المدينة . وهو اسم موضع . # واختلفت الروايات في قاتل أبي جهل . فروي عن عبد الرحمن بن عوف قال : كنت ~~يوم بدر بين شابين حديث أسنانهما ، أحدهما معوذ بن عفراء والآخر معاذ بن ~~عمرو بن الجموح فقال لي أحدهما : أي عم أتعرف أبا جهل ؟ قلت : وما شأنك به ~~؟ قال : بلغني أنه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله لو لقيته لما ~~فارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا موتا ، وغمزني الآخر إلى مثل ذلك ، ~~ثم لقيت أبا جهل وهو يسوي صف المشركين . فقلت : ذاك صاحبكما الذي تريدانه . ~~فابتدراه بسيفهما فقتلاه وجاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كل ~~واحد منهما : أنا قتلته فلي سلبه . فقال عليه السلام : أمسحتما سيفكما ؟ ~~فقالا : لا ، فقال : أرياني سيفكما . فأرياه فقال : كلاكما قتله . ثم أعطى ~~السلب معوذ بن عفراء . وذكر في المغازي أنه إنما خصه لأنه رأى أثر الطعان ~~على سيفه فعلم أنه هو ms0354 القاتل وأنه أعانه الآخر . PageV02P599 وروي أنه بعث ~~إلى عكرمة بن أبي جهل فسأله : من قتل أباك ؟ فقال : الذي قطعت أنا يده . ~~وإنما كان قطع يد معوذ بن عفراء من المنكب . # وأشهر الروايتين : أنه أثخنه علي بن بي طالب رضي الله عنه ، وأجهز عليه ~~ابن مسعود ، على ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنت أفتش القتلى ~~يوم بدر لأبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أراه مقتولا منهم . فرأيت ~~أبا جهل صريعا وبه رمق ، فجلست على صدره ، ففتح عينيه وقال : يا رويعي ~~الغنم ، لقد ارتقيت مرتقى عظيما . فقلت : الحمد لله الذي مكنني من ذلك . ~~فقال : لمن الدبرة ؟ فقلت : لله ورسوله . فقال : ماذا تريد أن تصنعه ؟ فقلت ~~: أحز رأسك . فقال : خذ سيفي فهو أمضى لما تريد ، واقطع رأسي من كاهلي ~~ليكون أهيب في عين الناظر وإذا رجعت إلى محمد فأخبره أني اليوم أشد بغضا له ~~مما كنت من قبل . فقال : قطعت رأسه وأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت : هذا رأس عدو الله أبي جهل . فقال عليه السلام : ' الله أكبر ، هذا ~~فرعون أمتي . كان شره علي وعلى أمتي أعظم من شر فرعون على موسى وأمته ' ، ~~ثم نفلني سيفه . زاد في بعض الروايات : وأخبرته بما قال ، فقال : ' إنه كفر ~~في الدنيا وعند موته ، وسيكفر في النار أيضا ' . قيل : وكيف يا رسول الله ؟ ~~قال : ' إذا دخل النار جعل ينظر ويقول PageV02P600 لأصحابه : أين محمد ~~وأصحابه ؟ فيقال له : هم في الجنة . قال : كلا إنما كان اليوم يوم زحمة ~~فهربوا ' . # والروايات متفقة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ابن مسعود ~~سيفه . وفي بعض الروايات أيضا أعطاه سلبه . # فإن صح هذا فإنما يحمل على أن الذي جرحه ما أثخنه ، فيكون قاتله من قطع ~~رأسه . وإن كان الصحيح أنه أعطى سلبه غير ابن مسعود فإنما يحمل على أن ~~الأول كان أثخنه وصيره بحال يعلم أنه لا يعيش ولا يتصور منه القتال ، فيكون ~~السلب له دون من قطع رأسه . وإنما أعطى ms0355 سيفه ابن مسعود لأن التدبير في ~~غنائم بدر كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بينا . وبهذا يستدل من ~~يجوز التنفيل بعد الإصابة فإنه يقول : أعطاه سيفه على طريق التنفيل . وهذا ~~ضعيف ؛ لأن ما كان مستحقا لغيره بالتنفيل لا يجوز أن ينفله الإمام لغيره ، ~~كيف وقد روي أنه كان على سيفه فضة ؟ وعلى قول أهل الشام : لا نفل في ذهب ~~ولا فضة ، على ما بينه ، وإن كان هذا تنفيلا فهو حجة لنا عليهم . وذكر عن ~~أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين : ~~' من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ' . وتمام هذا الحديث أن أبا قتادة ~~قال : كان للمسلمين جولة يوم حنين . فلقيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من ~~المسلمين . فأتيته من ورائه وضربت على حبل عاتقه ضربة ، فتركه وأقبل علي ~~فضمني إلى نفسه ضمة شممت ريح الموت . ثم أدركه الموت فأرسلني ، فأتيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : من قتل قتيلا وله عليه بينة فله ~~سلبه . فقلت : من يشهد لي ؟ فقال رجل : صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل ~~عندي فأرضه عني . PageV02P601 فقال أبو بكر : لاها الله ! أيعمد أسد من أسد ~~الله يقاتل عن الله وعن رسوله ثم يعطيك سلبه ؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : صدق أبو بكر . وأعطاني سلبه . # وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لا مغنم حتى يخمس ، ولا نفل حتى ~~يقسم جفة ، أي جملة . وإنما أراد بهذا نفي التنفيل بعد الإصابة ، نفي ~~اختصاص واحد من الغانمين بشيء قبل الخمس بغير تنفيل ، وهو مذهبنا . وذكر عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لا نفل في أول الغنيمة ، ولا بعد الغنيمة ~~، ولا يعطى من الغنائم إذا اجتمعت إلا راع أو سائق أو حارس غير محابى . ~~ومعنى قوله : لا نفل في أول الغنيمة ، أي بعد الإصابة : لا ينبغي للإمام أن ~~ينفل أحدا شيئا قبل رفع الخمس ولا بعد رفع الخمس . # وقيل ms0356 معناه : لا ينبغي له أن ينفل في أول اللقاء قبل الحاجة إلى التحريض ~~، لأن الجيش في أول اللقاء يكون لهم نشاط في القتال فلا تقع الحاجة إلى ~~التحريض ، فأما بعد ما طال الأمر وقل نشاطهم فتقع الحاجة إلى التحريض ، ~~فينبغي أن يكون التنفيل عند ذلك . فلا ينبغي أن ينفل بعد الإصابة . وقد جاء ~~في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل PageV02P602 في البداءة ~~الربع وفي الرجعة الثلث . فأهل الشام حملوا هذا على التنفيل بعد الإصابة ، ~~وليس كما ظنوا ، بل المراد به أنه كان ينفل أول السرايا الربع ، وآخر ~~السرايا الثلث لزيادة الحاجة إلى التحريض . فإن أول السرايا يكونون ناشطين ~~في القتال فلا يحتاجون إلى الإمعان في طلب العدو ، وآخر السرايا قد قل ~~نشاطهم ويحتاجون إلى الإمعان في الطلب . فلهذا زاد فيما نفل لهم ، وأما ~~الراعي والسائق والحارس فهم أجراء يعطيهم الإمام أجرهم باعتبار عملهم ~~للمسلمين ، وهو معنى قوله : غير محابى ، فإنما يعطيهم الأجر بقدر عملهم ، ~~وليس ذلك من النفل في شيء . وذكر عن خالد بن الوليد وعوف بن مالك أنهما ~~كانا لا يخمسان الأسلاب . وعن حبيب بن مسلمة ومكحول أن السلب مغنم وفيه ~~الخمس . وهكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه . وإنما يؤخذ بقول هؤلاء لقوله ~~تعالى : ' واعلموا إنما غنمتم من شيء ' الأنفال : 41 . والسلب من الغنيمة . ~~وتأويل ما نقل عن خالد وعوف إذا تقدم التنفيل من الإمام لقوله : ' من قتل ~~قتيلا فله سلبه ' . وعندنا في هذا الموضع لا يخمس السلب . فأما بدون ~~التنفيل يخمس ، على ما روي عن مكحول أن البراء PageV02P603 بن مالك أخو أنس ~~بن مالك قتل مرزبان الزارة وأخذ سلبه مذهبا بالذهب مرصعا بالجواهر تبلغ ~~قيمته أربعين ألفا . فكتب صاحب الجيش ذلك إلى عمر رضي الله عنه فكتب عمر أن ~~يأخذ منه الخمس ويدفع سائر ذلك إليه . وهذا مشكل ، فإنه إن كان سبق التنفيل ~~فلا خمس في السلب . وإن كان لم يسبق التنفيل فأعطى ما بقي إلى البراء فيكون ~~تنفيلا بعد الإصابة . وذلك لا ms0357 يجوز عندنا ، ولكن تأويله أنه كان تقدم ~~بتنفيل مقيد بأن كان الأمير قال : من قتل قتيلا فله سلبه بعد الخمس . وفي ~~هذا الموضع يخمس السلب عندنا والباقي للقاتل . وذكر عن ابن عباس رضي الله ~~عنه قال : الفرس والسلب من النفل . والمراد أن القاتل بعد التنفيل يستحق ~~الفرس ، لأن السلب اسم لما يسلب منه بإظهار الجزاء والعناء . وهذا يتحقق في ~~الفرس كما يتحقق في السلب ، فيدخل الكل في التنفيل بقوله . فإن جرح الكافر ~~رجل بعد تنفيل الإمام ثم قتله الآخر ، PageV02P604 فإن كان الأول صيره بحيث ~~لا يستطيع قتالا أو عونا بيد ، ويعلم أنه لا يعيش مع مثل تلك الجراحة ~~فالسلب للأول ، وإلا فالسلب للثاني ؛ لأن مقصود الإمام من هذا التنفيل أن ~~يظهر القاتل فضل جزاء وعناء بقتل المشرك . وهذا إنما حصل من الأول دون ~~الثاني . لأنه إذا صار بحيث لا يتوهم القتال منه ، فالثاني لا يحتاج إلى ~~عناء وقوة في حز رأسه ، وإن كان يتحامل مع تلك الجراحة ويتوهم أن يعيش ~~ويقاتل فقد أظهر الثاني بقتله العناء والقوة فيكون السلب له . ألا ترى أن ~~الصيد إذا رماه إنسان فأثخنه ، ثم رماه آخر فقتله كان للأول . ولو كان ~~يتحامل بعد رمي الأول حتى رماه الثاني فهو للثاني ، واستدل على هذا بحديث ~~محمد بن إبراهيم التيمي . # قال : قطع محمد بن مسلمة رجلي مرحب وضرب على عنقه . فأعطى النبي صلى الله ~~عليه وسلم سلبه محمد ابن مسلمة . وفي بعض الروايات أنهما اختصما إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فقال محمد : والله يا رسول الله ما قطعت رجليه ~~إلا وأنا قادر على قتله ، ولكني أردت أن يذوق من الموت ما ذاق أخي محمود . ~~وكان مرحب قد دلى عليه حجر الرحاء . فمكث ثلاثا حيا ثم مات . فقضى رسول ~~الله عليه السلام بسلبه لمحمد بن مسلمة . وروي أنه لما قطع محمد بن مسلمة ~~رجليه قال مرحب : أجهز علي PageV02P605 يا محمد ! فقال : لا ، حتى تذق ما ~~ذاق أخي محمود . وجاوزه . فجاء علي بن أبي طالب رضي الله ms0358 عنه فذفف عليه . ~~أي : حز رأسه وأخذ سلبه . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سلبه لمحمد بن ~~مسلمة . قال الراوي من أولاده : وكان سيف مرحب عندنا ، فيه كتاب كنا لا ~~نعرفه حتى جاء يهودي فقرأه ، فإذا فيه : هذا سيف مرحب ، من يذقه يعطب . ~~وذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال : عانق رجل رجلا ، وجاء آخر فقتله . ~~فأعطى سلبه للذي قتله . وعن علي رضي الله عنه أنه قال : هو بينهما ؛ لأن كل ~~واحد منها أظهر زيادة عناء وقوة أحدهما بإثباته والآخر بقتله . وإنما نأخذ ~~بقول عمر رضي الله عنه لأن الأول بإمساكه لم يخرجه من أن يكون مقاتلا ، ~~وإنما القاتل هو الثاني في الحقيقة فيكون السلب له بالتنفيل ، وقد كان ~~التنفيل من الإمام للقاتل لا للممسك ، والله أعلم بالصواب . PageV02P606 # | باب النفل وما كان للنبي خالصا # قال : لا بأس بأن يعطي الإمام الرجل المحتاج إذا أبلى من الخمس ما يعينه ~~، ويجعله نفلا له بعد الغنيمة ؛ لأنه مأمور بصرف الخمس إلى المحتاجين ، ~~وهذا محتاج . وإذا جاز صرفه إلى محتاج لم يقاتل فلأن يجوز صرفه إلى محتاج ~~قاتل وأبلى بلاء حسنا كان أولى . وهذا لأن بقتاله وقتال أمثاله حصل هذا ~~الخمس . وهو نظير من وجد ركازا فرآه الإمام محتاجا وصرف الخمس إليه . فإن ~~ذلك يجوز . ورد بنحوه أثر علي رضي الله عنه أنه قال للواجد : خمسها لنا ~~وأربعة أخماسها لك وسنتمها لك . ثم هذا تأويل ما رواه سعيد بن المسيب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' لا نفل إلا من الخمس ' . وعن سعيد ~~قال : كان النفل من الخمس . PageV02P607 يعني النفل بعد الإصابة للمحتاجين ~~كان يكون من الخمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتبين بهذا أن من ~~جوز التنفيل بعد الإصابة من جملة الغنيمة استدلالا بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نفل بعد الغنيمة ، فقد أخطأ . لأنه ترك التأمل ، ولم ~~يدر أنه من أي محل نفل وقد كان تنفيله مما كان له خاصة ، وقد كان لرسول ms0359 ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حظوظ من الغنائم : الصفي ، وخمس الخمس ، وسهم ~~كسهم أحد الغانمين . # ومعنى الصفي : أنه كان يصطفي لنفسه شيئا قبل القسمة من سيف أو درع أو ~~جارية ونحو ذلك . وقد كان هذا لولي الجيش في الجاهلية مع حظوظ أخر ، وفيه ~~يقول القاتل : # لك المرباع منها والصفايا . . . وحكمك والنشيطة والفضول # فانتسخ ذلك كله سوى الصفي . فإنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ولم يبق بعد موته بالاتفاق . حتى أنه ليس للإمام الصفي بعد وفاة الرسول ~~عليه السلام ، وإنما الخلاف في سهمه من الخمس أنه هل بقي للخلفاء بعده وقد ~~بينا ذلك في السير الصغير . # وذكر عن الزهري قال : كانت بنو النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . فقسمها بين المهاجرين ولم يعط أحدا PageV02P608 من الأنصار منها ~~شيئا ، إلا سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبا دجانة فإنهما كانا محتاجين ~~فأعطاهما . وبيانه أن ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة في قوله ~~تعالى : ' فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ' الحشر آية : 6 . فإنهم ما ~~فتحوا بني النضير عنوة وقهرا ، وإنما صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن لهم ما حملت الإبل ، وإلا الحلقة . وما سوى ذلك فهو لرسول الله عليه ~~السلام . وإنما حملهم عن ذلك ما ألقى الله من الرعب في قلوبهم . # فإن قيل : ففي زماننا لو حاصر الإمام حصنا ثم صالحهم على مثل هذا هل تكون ~~الأموال له خاصة أم تكون غنيمة للجيش ؟ . قلنا : بل تكون غنيمة ، لأن خوفهم ~~من منعة الإمام لا من نفسه ، ومنعته بالجيش . فأما في ذلك الوقت فمنعة رسول ~~الله ما كان بمن حوله من الناس ولكنهم كانوا يأمنون به . قال الله تعالى : ~~' والله يعصمك من الناس ' المائدة : 67 ، وقد روي أنه فيما صنع استرضى ~~الأنصار أيضا . فإن المهاجرين كانوا نازلين مع الأنصار في بيوتهم وقال عليه ~~السلام للأنصار : ' إما أن أقسم بني النضير بين المهاجرين برضاكم ليتحولوا ~~إليها فتسلم لكم منازلكم ، وإما أقسمها بين الكل ms0360 وهم يسكنون معكم في ~~منازلكم على حالهم ' PageV02P609 فقام سعد بن معاذ وقال : يا رسول الله ! ~~بل نرضى بأن تقسمها بينهم ، ويكونون معنا في منازلنا أيضا . وفيه نزل قوله ~~تعالى : ' والذين تبوءوا الدار والإيمان ' الحشر : 9 . وقد روي أن النبي ~~عليه السلام أعطى يومئذ سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق نفله إياه . وإنما ~~أعطاه تنفيلا بعد الإصابة لأنه كان له خاصة . # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاث صفايا : بنو النضير ، وفدك ، وخيبر . وكانت بنو النضير حبسا لنوائبه . ~~أي محبوسة لذلك كالموقوفة . وكانت فدك لابن السبيل . والمراد بنوائبه جوائز ~~الرسل والوفود الذين كانوا يأتونه . وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء : جزءان ~~للمهاجرين وجزء كان ينفق على أهله منه . فإن فضل رده على فقراء المهاجرين . ~~وإنما أراد بهذا بعض خيبر لا كلها فقد اتفقت الروايات على أنه قسم الشق ~~والنطاة على ثمانية عشر سهما بين المسلمين . وقد بينا هذا في أول القسمة . ~~PageV02P610 وذكر عن عروة أن النبي عليه السلام أقطع الزبير عامرا ومواتا ~~من أموال بني النضير . وعن الزهري أن النبي عليه السلام أقطع لأبي بكر وعمر ~~وسهيل وعبد الرحمن بن عوف أموالا من أموال بني النضير عامرة . وفي بعض ~~الروايات : غامرة ، وهي الخراب التي يبلغها الماء . قال محمد رحمه الله : ~~فمن يسمع هذه الآثار يتوهم أنه نفل بعد الإصابة على وجه نصب الشرع ، ولا ~~نعلم أنه إنما فعل ذلك لأنه كان خالص حقه . فإذا تأمل ما يروى عن عمر رضي ~~الله عنه قال : يا رسول الله ! ألا تخمس ما أصبت من بني النضير كما خمست ما ~~أصبت من بدر ؟ قال : لا أجعل شيئا جعله الله لي دون المؤمنين مثل ما هو لهم ~~. وتلا قوله تعالى : ' ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ' الحشر : 7 . ~~ثم ذكر : عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن الأنفال ، فقال : لا نفل بعد رسول ~~الله . وإنما أراد به ما بينا أن ما كان خالصا لرسول الله عليه ms0361 السلام فليس ~~لأحد بعده مثل تلك الخصوصية لينفل منه ، كما كان ينفل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . PageV02P611 وذكر عن ابن الحنفية أن النبي عليه السلام نفل يوم ~~بدر سعد بن أبي وقاص سيف العاص بن سعيد . وإنما يحمل هذا على أنه إنما نفله ~~من الخمس ، لأنه كان محتاجا ، أو على أن غنائم بدر كانت مفوضة إليه ، كما ~~قال تعالى : ' قل الأنفال لله والرسول ' الأنفال : 1 . وعلى أنه اصطفى ذلك ~~لنفسه ثم أعطاه سعدا . وهو نظير ما يروى أنه اصطفى يوم بدر ذا الفقار ثم ~~أعطاه عليا . وكان يقاتل به ، وقد كان سيف منبه بن الحجاج . # وفي رواية نبيه بن الحجاج ، بخلاف ما يزعم الروافض أن ذا الفقار كان نزل ~~من السماء لعلي رضي الله عنه ، وذلك كذب وزور . ومبنى مذهب الروافض على ~~الكذب . وإنما سمي ذا الفقار لكسر فيه . وعلى هذا أيضا يحمل حديث الزهري أن ~~النبي عليه السلام لما أمر يوم بدر أن يردوا ما في أيديهم من الغنائم ثم ~~جاء أبو أسيد الساعدي بسيف ابن عائذ المخزومي حتى ألقاه في الغنائم ، وكان ~~رسول الله لا يسأل شيئا إلا أعطاه . فجاءه الأرقم بن أبي الأرقم وعرف ذلك ~~السيف ، فسأل النبي عليه السلام فأعطاه إياه . وعليه يحمل أيضا حديث سلمة ~~بن الأكوع قال : جاء عين من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وهم PageV02P612 في سفر . فأكل معهم وخالطهم ثم ذهب . فقال رسول ~~الله عليه السلام : ' الحقوه فاقتلوه ' . وكان سلمة سباقا يسبق الفرس عدوا ~~. فلحقه وأخذ بخطام ناقته فقتله . وأتى رسول الله عليه السلام بناقته وسلبه ~~فنفله إياه . وكأنه جعل هذا من الخمس ، ثم نفله إياه لحاجته . # وللإمام رأي في مثل هذا . وذكر عن عكرمة قال : لما كان في حصار بني قريظة ~~قال رجل من اليهود : من يبارز ؟ فقام إليه الزبير بن العوام . فقالت صفية : ~~واحدي ! فقال رسول الله عليه السلام : أيهما علا صاحبه يقتله فعلاه الزبير ~~فقتله . ونفله رسول الله عليه السلام سلبه . وذكر الواقدي في ms0362 المغازي أن من ~~زعم أن هذا كان في بني قريظة فقد أخطأ ، وإنما كان هذا بخيبر . فقد كانت ~~المبارزة والقتال يومئذ . فأما بنو قريظة فلم يخرج أحد منهم للمبارزة ~~والقتال . وصفية كانت أم الزبير ، ولم يكن لها ولد سواه ، فتأسفت عليه حين ~~خرج للمبارزة ، وقالت : واحدي . أي وا أسفا على واحد لي لا ولد لي سواه . ~~فطيب رسول الله عليه السلام قلبها بما قال . ثم نفل الزبير سلبه . وكان ذلك ~~بالطريق الذي قلنا إنه جعله مما كان له خاصة ثم نفله إياه . وذكر عن ابن ~~عمر رضي الله عنه أن رسول الله عليه PageV02P613 السلام بعث بعثا قبل نجد ~~فغنموا إبلا كثيرة ، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرا . ونفلوا بعيرا بعيرا ، ~~وتأويل هذا أنهم نفلوا ذلك من الخمس لحاجتهم ، أو نفلوا ذلك بينهم بالسوية ~~. وقد كانوا رجالة كلهم ، أو فرسانا كلهم . وعندنا مثل هذا التنفيل بعد ~~الإصابة يجوز ؛ لأنه في معنى القسمة . وإنما لا يجوز النفل بعد الإصابة إذا ~~كان فيه تخصيص بعضهم . قال : ولو أن إماما نفل من الغنيمة بعد الإصابة قبل ~~القسمة بعض من كان له جزاء أو عناء على وجه الاجتهاد والنظر منه ، ثم رفع ~~إلى وال آخر لا يرى التنفيل بعد الإصابة فإنه يمضي ما صنع ولا يرده ؛ لأنه ~~أمضى تنفيلا مجتهدا فيه ، وقضاء في المجتهدات نافذ ، بمنزلة ما لو قضى على ~~الغائب بالبينة ، فإنه ينفذ قضاؤه لكونه مجتهدا فيه . واستدل عليه بحديث ~~ابن عمر رضي الله عنهما قال : بارزت دهقانا فقتلته ، فنفلني أميري سلبه . ~~فأجاز ذلك عمر رضي الله عنه وقد صح من مذهب عمر رضي الله عنه أنه كان لا ~~يجوز التنفيل بعد الإصابة ، عل ما روينا من قوله : لا نفل بعد الغنيمة . ~~PageV02P614 فلو كان هو الوالي ما نفل إليه شيئا بعد الإصابة ، ولكن لما ~~نفله الأمير وأمضاه أجاز ذلك عمر رضي الله عنه . وذكر عن شبر بن علقمة قال ~~: بارزت رجلا من الأعاجم فقتلته ، فنفلني سعد سلبه . ثم رفع ذلك إلى عمر ~~فأمضاه . # وإذا قال ms0363 الأمير لأهل العسكر جميعا : ما أصبتم فهو لكم نفلا بالسوية بعد ~~الخمس فهذا لا يجوز ؛ لأن المقصود من التنفيل التحريض على القتال ، وإنما ~~يحصل ذلك إذا خص البعض بالتنفيل ، فأما إذا عمهم فلا يحصل به ما هو المقصود ~~بالتنفيل ، وإنما في هذا إبطال السهمان التي أوجبها رسول الله عليه السلام ~~، وإبطال تفضيل الفارس على الراجل ، وذلك لا يجوز . وكذلك إن قال : ما ~~أصبتم فلكم ، ولم يقل : بعد الخمس . فهذا لا يجوز ؛ لأن فيه إبطال الخمس ~~التي أوجبها الله تعالى في الغنيمة . وذكر عن مكحول قال : لا يصلح للإمام ~~أن ينفل كل شيء إلا الخمس . لأنه حق على قوي المسلمين أن يرده على ضعيفهم . ~~ومعنى هذا أنه لا ينبغي له أن يقول : من أصاب شيئا فهو له بعد الخمس . لأن ~~التنفيل على هذا الوجه يكون إبطالا لحق ضعفاء المسلمين . وذلك لا يجوز ، ~~على ما روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : PageV02P615 أرأيت ~~الرجل يكون حامية القوم وآخر لا يقدر على حمل السلاح أيسوى بينهما في ~~الغنيمة ؟ فقال عليه السلام : وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفاتكم . # قال : والنفل في الأموال كلها من الذهب والفضة وغير ذلك . وإذا قال ~~الإمام : من قتل قتيلا فله سلبه . فقتل رجل قتيلا ، وكان معه دراهم أو ~~دنانير ، أو فضة سيف ، أو سوار من ذهب ، أو قرط ذهب ، أو منطقة من فضة أو ~~ذهب ، فذلك كله له . وعلى قول أهل الشام لا نفل في ذهب ولا فضة . وإنما ~~النفل فيما يكون من الأمتعة فأما في أعيان الأموال فلا . والذهب والفضة عين ~~مال ، فيكون حكم الغنيمة مقررا فيها . وقاسوا هذا بإباحة التناول لكل واحد ~~من الغانمين بقدر الحاجة فإن ذلك يثبت في الطعام والعلف دون الذهب والفضة ، ~~حتى لو أراد بعضهم أن يرفع الدراهم من الغنيمة فيشتري بها طعاما لنفسه لم ~~يكن له ذلك ، ولكنا نقول : التنفيل لتحريض على المخاطرة بالروح في قتال ~~العدو . وفي هذا المعنى يستوي الأموال ، بل الذهب والفضة أولى . لأنه إنما ~~يخاطر بأعز الأشياء ms0364 عنده ، فإذا علم أنه لا يسلم له المال النفيس يمتنع من ~~هذه المخاطرة . وقد بينا أن السلب اسم لما يسلب . فكل ما يكون مع الحربي ~~إذا قتله فقد استلبه منه . ويستحق كل ذلك بمطلق اسم السلب . PageV02P616 ثم ~~استدل عليه : بحديث عمر رضي الله عنه في قصة البراء بن مالك حين قتل مرزيان ~~الزارة . وذكر أنه كان عليه منطقة ذهب فيها جوهر فقوم فبلغ ثلاثين ألفا . ~~وقد ذكر قبل هذا أنه كان بلغ أربعين ألفا ، فإما أن يقال ثلاثون ألفا قيمة ~~المنطقة فقط ، وأربعون قيمة جميع السلب . أو يقال ما سبق ، فوهم من الراوي ~~. والصحيح ما ذكر هنا : فقد قال في الحديث عن أنس رضي الله عنه قال : بعثنا ~~إلى عمر بالخمس ستة آلاف درهم . فبهذا التفسير يتبين أن قيمة السلب كان ~~ثلاثين ألفا . وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل ابن مسعود سيف ~~أبي جهل يوم بدر وكان عليه فضة . فدل بهذا على أنه يجوز التنفيل في الذهب ~~والفضة . وذكر : عن مكحول قال : لا سلب إلا لمن أسر علجا أو قتله . ولا ~~يكون السلب في يوم هزيمة أو فتح . ويصلح في السلب الثياب والسلاح والمنطقة ~~والدابة ، وما كان مع العلج بعد هذا فلا سلب فيه ولا سلب في السلعة . أما ~~قوله لا سلب إلا لمن أسر علجا أو قتله فهو كما قال . PageV02P617 لأن ~~التنفيل إنما يكون باعتبار الجزاء والعناء ، وإنما يحصل ذلك بالأسر والقتل ~~. وأما قوله : لا سلب في يوم هزيمة ولا فتح . فالمراد به أنه لا ينبغي ~~للإمام أن ينفل الأسلاب من القتلى والأسرى في الهزيمة . ولكن ينبغي أن يقول ~~: من قتل قتيلا أو أسر قبل الهزيمة أو الفتح فله سلبه ، ليتم النظر منه ~~للمسلمين . وهذا لأنه لا يحتاج في قتل المنهزم إلى عظيم جزاء وعناء وكذلك ~~بعد الفتح . فأما إذا أطلق وقال : من قتل قتيلا فله سلبه ، ومن أسر أسيرا ~~فهو له . فلكل مسلم ما شرط الإمام له ، سواء كان ذلك منه في حالة الهزيمة ~~أو ms0365 غيرها ، لأن اللفظ عام ، وبمجرد المقصود لا يثبت تخصيص العام بل يجب ~~إجراؤه على عمومه . ألا ترى أن المسلمين يوم بدر أسروا كثيرا منهم بعد ~~الهزيمة ؟ بل كانت عامة الأسراء بعد الهزيمة . ثم سلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الأسرى لمن أسروهم ، حتى أخذوا فداءهم . وأما قوله : يصلح من ~~السلب السلاح والثياب والمنطقة والدابة ، فما كان مع العلج بعد هذا فلا سلب ~~فيه فهو كما قال . والمراد أن ما معه مما خلفه في المعسكر ليس عليه ولا على ~~فرسه الذي خرج يقاتل عليه ، فليس ذلك من السلب ، لأن السلب اسم لما يسلب ~~منه . فإنه يتناول ما معه خاصة مما إذا قتل هو لا يبقى مانع يمنع ذلك من ~~القاتل . وهذا غير موجود فيما خلفه في المعسكر فإنهم يمنعون ذلك من القتل . ~~فلا يتمكن هو من أخذه بقتل العلج . وكذلك إن كان معه بغلة عليها متاعه فليس ~~ذلك من سلبه . ويحتمل أن يكون هذا هو PageV02P618 المراد بقوله لا سلب في ~~السلعة ، يعني أنه لا يقود هذا مع نفسه لحاجته إليه في القتال ، فيكون ~~بمنزلة السلع التي يحملها للتجارة . والأظهر أن المراد من قوله : لا سلب في ~~السلعة ما يكون معه من المال العين ، وهذا مذهب أهل الشام لا نأخذ به ، ~~فأما عندنا ما معه في حقوة فهو من السلب يسلم للقاتل . PageV02P619 # | باب النفل في دار الحرب # قال : كل أمير كان في أرض الحرب يلي سرية أو جندا فله أن ينفل منها ~~أصحابه قبل إصابة الغنيمة . وهو في ذلك بمنزلة الإمام ؛ لأنه فوض إليه ~~تدبير القتال ، والتنفيل من تدبير القتال ، لما بينا أن المقصود به التحريض ~~على القتال . فكل أمير في ذلك بمنزلة الإمام . ألا ترى أنه إذا أمرهم بشيء ~~في القتال كان عليهم طاعته في ذلك كما تجب طاعة الإمام فيما يأمر به ، ~~فكذلك في التنفيل هو بمنزلة الإمام . ولو أن أمير الشام بعث جندا إلى أرض ~~الحرب وأمر عليهم أميرا ولم يأذن لأميرهم أن ينفل ولم ينهه عن ذلك ms0366 ، فرأى ~~أميرهم أن ينفل جاز تنفيله ، وإن كره ذلك بعض من تحت رايته ؛ لأنه ما أمر ~~بأن يتبع رأيهم ، وإنما أمروا أن لا يخالفوه فيما يراه صوابا ولأنه ولي ~~القتال فيدخل فيه ما يحصل به التحريض على القتال . وإن نهاه الذي وجهه أن ~~ينفل فليس له أن ينفل أحدا شيئا ؛ لأن سبب الإمارة التقليد ، وهو يقبل ~~التخصيص ، بمنزلة تقليد القضاء PageV02P620 فإنه يقبل التخصيص . ولأن إنما ~~صححنا تنفيله قبل النهي بطريق الدلالة ، فيسقط اعتبارها عند التنصيص ~~بخلافها . فإن رضي جميع من معه جاز تنفيله من أنصبائهم بعد رفع الخمس ؛ لأن ~~لهم ولاية على أنفسهم ، وإنما يعمل رضاه في حقهم . فأما الخمس حق غيرهم ، ~~فلا يعمل فيه رضاهم بالتنفيل . وإن كره ذلك بعضهم وأذن فيه بعضهم فله أن ~~ينفل من حصص الذين أذنوا له في ذلك . لما بينا أن ولايتهم مقصورة على حصصهم ~~دون حصص الباقين ممن كره تنفيله . قال : ولو أن أمير المصيصة بعث سرية لم ~~يكن له أن ينفل بعضهم على بعض . يريد به أنه لا ينبغي له أن ينفل السرية ما ~~أصابوا . بخلاف ما إذا دخل الإمام مع الجيش دار الحرب ، ثم بعث سرية ونفل ~~لهم ما أصابوا فإنه يجوز ؛ لأن السرية المبعوثة من المصيصة يختصون بما ~~أصابوا قبل تنفيل الإمام ، وليس لأهل المصيصة معهم شركة في ذلك . فإن ~~المصيصة من دار الإسلام ، PageV02P621 ومن يتوطن في دار الإسلام لا يشارك ~~الجيش فيما أصابوا ، فليس في هذا التنفيل إلا إبطال الخمس . وأما السرية ~~المبعوثة من الجيش في دار الحرب فلا يختصون بالمصاب قبل تنفيل الإمام ، ~~وإنما هذا التنفيل للتخصيص على وجه التحريض لهم ، فكان مستقيما . ثم لا ~~ينبغي للإمام أن ينفل أحدا شيئا إلا ببلاء يبليه . وذلك لا يحصل في التنفيل ~~للسرية المبعوثة في دار الإسلام ويحصل في السرية المبعوثة من الجيش في دار ~~الحرب ؛ لأنهم دخلوا جميعا للقتال ، ثم اختصت السرية بالتقديم في نحو العدو ~~، فيكون ذلك إظهار البلاء منهم ، فإذا نفلهم على ذلك كان صحيحا ، بمنزلة ~~التنفيل في ms0367 السلب للقاتل . ألا ترى أنه إذا برز علج من الصف ودعا إلى ~~البراز فقال الأمير : من برز إليه فقتله فله سلبه ، فذلك تنفيل صحيح ؟ ؛ ~~لأن الذي يبرز إليه يظهر فضل بلاء بصنعه ، فلا يجوز للأمير أن ينفله على ~~ذلك . وكذلك لو حاصروا حصنا فكره القوم التقدم فيقول الأمير : من تقدم إلى ~~القتال ، أو إلى الباب ، أو إلى حصر الحصن فله كذا . فذلك تنفيل مستقيم لما ~~فيه من معنى التحريض PageV02P622 والمنفعة للمسلمين . وكل من فعل ذلك استحق ~~ما سمي له من المصاب قبل الخمس والقسمة . فأما ما ليس فيه منفعة للمسلمين ~~فلا ينبغي فيه التنفيل ؛ لأنه لا مقصود فيه سوى إبطال الخمس ، أو تفضيل ~~الفارس على الراجل ، وذلك غير صحيح . ولو أن أمير العسكر في دار الحرب وجه ~~سريتين بعد الخمس إحداهما يمنة والأخرى يسرة ، ونفل لإحداهما الثلث بعد ~~الخمس مما يصيبون ولأخرى الربع بعد الخمس ، فهو جائز ؛ لأن التنفيل للترغيب ~~في الخروج ، وذلك يختلف باختلاف الطريق في القرب والبعد ، والوعورة ~~والسهولة والخوف والأمن ، وباختلاف حال المبعوث إليهم في المنعة والقوة ، ~~والأمير ناظر لهم فيجوز أن يفاوت في النفل بحسب ذلك . فإن جاءت كل سرية ~~بمال أخذ الخمس من ذلك ، ثم أعطوا نفلهم بينهم بالسوية ، لا يفضل فيه ~~الفارس على الراجل ؛ لأن الاستحقاق بالتسمية بخلاف الغنيمة ، فاستحقاقها ~~باعتبار العناء والقوة ، وهو بمنزلة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ، ~~والتسوية بين الذكر والأنثى في الوصية . ثم ما بقي بعد ذلك يقسم بني أصحاب ~~السريتين والجيش على سهام الغنيمة ؛ PageV02P623 لأنهم اشتركوا في إحرازها ~~بالدار . فإن ذهب رجل ممن بعثه الأمير في سرية الربع مع أصحابه سرية الثلث ~~فأصابوا غنائم ، ففي القياس لا شيء لهذا الرجل من النفل ؛ لأن استحقاق ~~النفل بالتسمية ، وما سمى الإمام له شيئا في أصحاب سرية الثلث ، وهو لم ~~يخرج مع الذين سمى لهم نفلا معهم ، فهو قياس ما لو تخلف مع العسكر ولم يخرج ~~، أو خرج رجل من العسكر مع أصحاب سرية الثلث ولم يؤمر بالخروج أصلا فكما لا ms0368 ~~يستحق هناك النفل فكذلك هنا . ولم يبين وجه الاستحسان هنا . فقال بعض ~~مشايخنا : على طريقة الاستحسان يكون له النفل مع أصحاب سرية الثلث . لأن ~~تسمية الإمام لهم ما كان باعتبار أعيانهم بل لتحريضهم على الخروج إلى ~~الطريق الذي وجهوا إليه وقد وجد هذا في حق الواحد . والأصح أن للاستحسان ~~فيه وجها آخر فسره في آخر الكتاب فنبينه عند ذلك . ولو أن الإمام قال : من ~~شاء فليخرج في هذه السرية ، ومن شاء في هذه فلجميع من خرجوا النفل الذي ~~نفلوا ، لأنهم خرجوا بإذن الإمام ، فبهذا تبين ضعف الاستحسان الذي ذكرنا في ~~المسألة الأولى ، لأن فيه تسوية ، بين ما إذا عين الإمام للخروج قوما في كل ~~جانب وبين ما إذا لم يعين وجعل الأمر مفوضا إلى رأيهم . PageV02P624 ولو ~~بعث سرية وعليهم أمير ونفلهم الثلث بعد الخمس ، ثم إن أمير السرية نفل قوما ~~نفلا لفتح الحصن أو للمبارزة ، ولم يكن أمره الأمير بذلك ، فإن نفل أمير ~~السرية يجوز من حصة السرية من النفل ، ومن سهامهم بعد النفل ، ولا يجوز من ~~سهام أهل العسكر مما أصابوا ؛ لأنه أمير على السرية ، فهو في حق العسكر ~~بمنزلة واحد من أصحاب السرية فلا ينفذ تنفيله عليهم . وهو في حق السرية ~~بمنزلة أمير العسكر ، فيجوز تنفيله فيما هو حقهم وحقهم ما نفل هلم وما ~~يصيبهم من السهام بالقسمة ، فينفذ تنفيل أميرهم من ذلك خاصة . ولو أن ~~السرية لما بعدوا من العسكر مسيرة يوم فقدوا رجلا منهم . فقالوا لبعضهم : ~~أقيموا على صاحبنا هاهنا . وبعضهم ذهبوا حتى أصابوا غنائم ورجعوا إلى ~~أصحابهم وقد وجدوا الرجل كانوا شركاء كلهم في النفل ؛ لأنهم فارقوا المعسكر ~~جملة ، وأحرزوا المصاب بالمعسكر جملة ، فكانوا شركاء في النفل ، بمنزلة ما ~~لو باشر القتال بعضهم والبعض كانوا رداءا لهم وهذا لأن إحراز المصاب ~~بالمعسكر في استحقاق النفل بمنزلة الإحراز بدار الإسلام في استحقاق السهم . ~~PageV02P625 ولو وقعت هذه الحادثة لبعض العسكر في دار الحرب ، ثم اجتمعوا ~~عند إحراز الغنائم بدار الإسلام كانوا شركاء في الغنيمة فهذا مثله . وعلى ms0369 ~~هذا لو أصاب الرجل المفقود غنائم ، والذين قاموا لانتظاره غنائم ، والسري ~~كذلك . ثم التقوا قبل أن ينتهوا إلى المعسكر ، فلهم النفل من جميع ذلك ~~بينهم بالسوية كما لو لم يتفرقوا ؛ لأنهم اشتركوا في إحراز المصاب بالمعسكر ~~. ولو لم يلتقوا حتى أتى كل فريق المعسكر ، فلكل فريق النفل مما أصاب خاصة ~~؛ لأنه تفرد بإحراز ذلك بالمعسكر . والإمام إما نفل نفل لهم الثلث مما ~~أصابوا ، فذلك يتناول كل فريق منهم . ثم الباقي يكون بينهم وبين أهل العسكر ~~على سهام الغنيمة . وعلى هذا لو أن السرية بعد ما بعدت من المعسكر تفرقوا ~~سريتين ، وبعدت إحداهما عن الأخرى بحيث لا تقدر إحداهما على عون الأخرى ، ~~فإن التقوا قبل أن ينتهوا إلى المعسكر كان لهم النفل في جميع ذلك بينهم ~~بالسوية . بمنزلة ما لو كانوا مجتمعين حين أصابوا . وإن لم يلتقوا حتى أتى ~~كل فريق المعسكر ، فلكل فريق النفل مما أصابوا خاصة PageV02P626 وكذلك لو ~~التقوا في مكان دون المعسكر بحيث يراهم أهل المعسكر ، لو قوتلوا لنصروهم ~~وما لو التقوا في المعسكر سواء لأن ما قرب من المعسكر بمنزلة جوف المعسكر ~~فهذا على معنى أن إحراز المصاب بالمعسكر يحصل بالاتصال إلى ذلك الموضع ، ~~وقد تفرد به كل فريق . ما نفل هلم وما يصيبهم من السهام بالقسمة ، فينفذ ~~تنفيل أميرهم من ذلك خاصة . ولو أن السرية لما بعدوا من العسكر مسيرة يوم ~~فقدوا رجلا منهم . فقالوا لبعضهم : أقيموا على صاحبنا هاهنا . وبعضهم ذهبوا ~~حتى أصابوا غنائم ورجعوا إلى أصحابهم وقد وجدوا الرجل كانوا شركاء كلهم في ~~النفل ؛ لأنهم فارقوا المعسكر جملة ، وأحرزوا المصاب بالمعسكر جملة ، ~~فكانوا شركاء في النفل ، بمنزلة ما لو باشر القتال بعضهم والبعض كانوا ~~رداءا لهم وهذا لأن إحراز المصاب بالمعسكر في استحقاق النفل بمنزلة الإحراز ~~بدار الإسلام في استحقاق السهم . ولو وقعت هذه الحادثة لبعض العسكر في دار ~~الحرب ، ثم اجتمعوا عند إحراز الغنائم بدار الإسلام كانوا شركاء في الغنيمة ~~فهذا مثله . وعلى هذا لو أصاب الرجل المفقود غنائم ، والذين قاموا لانتظاره ~~غنائم ms0370 ، والسري كذلك . ثم التقوا قبل أن ينتهوا إلى المعسكر ، فلهم النفل ~~من جميع ذلك بينهم بالسوية كما لو لم يتفرقوا ؛ لأنهم اشتركوا في إحراز ~~المصاب بالمعسكر . ولو لم يلتقوا حتى أتى كل فريق المعسكر ، فلكل فريق ~~النفل مما أصاب خاصة ؛ لأنه تفرد بإحراز ذلك بالمعسكر . والإمام إما نفل ~~نفل لهم الثلث مما أصابوا ، فذلك يتناول كل فريق منهم . ثم الباقي يكون ~~بينهم وبين أهل العسكر على سهام الغنيمة . وعلى هذا لو أن السرية بعد ما ~~بعدت من المعسكر تفرقوا سريتين ، وبعدت إحداهما عن الأخرى بحيث لا تقدر ~~إحداهما على عون الأخرى ، فإن التقوا قبل أن ينتهوا إلى المعسكر كان لهم ~~النفل في جميع ذلك بينهم بالسوية . بمنزلة ما لو كانوا مجتمعين حين أصابوا ~~. وإن لم يلتقوا حتى أتى كل فريق المعسكر ، فلكل فريق النفل مما أصابوا ~~خاصة وكذلك لو التقوا في مكان دون المعسكر بحيث يراهم أهل المعسكر ، لو ~~قوتلوا لنصروهم وما لو التقوا في المعسكر سواء لأن ما قرب من المعسكر ~~بمنزلة جوف المعسكر فهذا على معنى أن إحراز المصاب بالمعسكر يحصل بالاتصال ~~إلى ذلك الموضع ، وقد تفرد به كل فريق . قال : ولو أن هذه السرية حين بعدوا ~~من المعسكر وأصابوا غنائم لم يقدروا على الرجوع إلى المعسكر ، فخرجوا إلى ~~دار الإسلام من موضع آخر ، ولم يلتقوا مع أهل العسكر . فالغنيمة كلها لهم ، ~~يخمس ما أصابوا ، والباقي بينهم على سهام الغنيمة دون أهل العسكر ؛ لأنهم ~~تفردوا بالإحراز بدار الإسلام ، وهو سبب تأكد الحق . فإن قالوا : سلم لنا ~~نفلنا أولا ، لم يسلم لهم ذلك ؛ لان الغنيمة لما صارت لهم كلها بطل التنفيل ~~، بمنزلة ما لو كانوا دخلوا من أرض الإسلام . ولو أن الإمام بعث سرية من ~~دار الإسلام فنفل لهم الثلث بعد الخمس أو قبل الخمس كان هذا التنفيل باطلا ~~؛ لأنه ما خص بعضهم بالتنفيل ، ولا مقصود من هذا التنفيل سوى إبطال الخمس ، ~~وإبطال تفضيل الفارس على الراجل . وذلك لا يجوز . بخلاف ما إذا التقوا في ~~دار الحرب . ففي التنفيل ms0371 هناك معنى التخصيص لهم ، PageV02P627 لأن الجيش ~~شركاؤهم في الغنيمة ، ففي التنفيل يخصهم ببعض المصاب ، وذلك مستقيم . ولو ~~أن السرية أصابت الغنائم في موضع كان أهل العسكر فيه ردءا لهم ، يقدرون على ~~أن يغيثوهم إذا استغاثوا ، ثم خرجوا بالغنيمة إلى دار الإسلام قبل أن يأتوا ~~المعسكر ، فأهل المعسكر شركاؤهم في المصاب ؛ لأنهم اشتركوا في الإصابة حكما ~~حين كانوا ردءا لهم وقت الإصابة بخلاف الأول . وإذا ثبتت الشركة بينهم ~~فلأصحاب السرية نفلهم بمنزلة ما لو رجعوا بالمصاب إلى العسكر وهو بمنزلة ~~المدد يلحق الجيش بعد الإصابة فإنهم يشتركون في المصاب . وإن كان المدد لم ~~يلحق الجيش ولم يقربوا منهم حتى خرجوا فلا شركة لهم في المصاب . وإن قربوا ~~منهم بحيث لو استغاثوا بهم أغاثوهم ، ثم خرج الجيش قبل أن يجتمعوا ، فلهم ~~الشركة في المصاب ؛ لأنهم حين قربوا منهم فكأنهم خالطوهم في الحكم ، وإنما ~~حصل الإحرز بقوة الجماعة . # قال : ولو أن أمير السرية المبعوثة من العسكر في دار PageV02P628 الحرب ~~نفل قوما ما صعدوا الحصن بالسلاليم حتى فتحوه ، فنفله جائز في حصة أصحاب ~~السرية كما بينا . وإن لم ترجع السرية إلى المعسكر حتى خرجوا إلى دار ~~الإسلام جاز نفل أميرهم في جميع ما أصابوا ؛ لأنه لا شركة لهم لأهل العسكر ~~معهم في المصاب ، وإنما الحق لهم خاصة . ونفل الأمير جائز عليهم ، وقد يبطل ~~نفل أمير العسكر لهم لفوات ما هو المقصود بالتنفيل ، حتى اختصوا بالسرية في ~~المصاب دون العسكر . # فإن قيل : كان ينبغي أن يجوز تنفيل أمير السرية في جميع المصاب وإن رجعوا ~~إلى العسكر ، لأنهم لو لم يرجعوا كان المصاب لهم خاصة ، وإنما يثبت للعسكر ~~الشركة معهم بالرجوع ، وقد سبق تنفيله الرجوع إليهم فلا يتضمن هذا التنفيل ~~إبطال حق ثابت لهم . قلنا : هم لا يستحقون الشركة بالرجوع إليهم خاصة ، بل ~~إذا رجعوا إليهم كانوا بمنزلة الردء لهم فكأنهم لم يزالوا معهم . وبهذا ~~يتبين أن الحق كان ثابتا لهم ، ولو كان الاستحقاق بالرجوع إليهم لما ~~استحقوا ، إلا أن يلقوا قتالا فيقاتلوا عن الغنيمة ، بمنزلة ms0372 التجار ~~والأسراء من المسلمين . والذين أسلموا في دار الحرب إذا التحقوا بالجيش بعد ~~الإصابة لم يستحقوا الشركة إلا أن يلقوا قتالا . وهاهنا لما استحقوا عرفنا ~~أن الطريق فيه ما ذكرنا . وعلى هذا لو بعث الإمام سرية من دار الإسلام ونفل ~~PageV02P629 لهم الثلث وقال : تقدموا حتى نلحقكم ، فأصابوا غنائم ، ثم ~~تبعهم العسكر ، فإن التقوا في دار الحرب فلهم النفل ، وإن لم يلتقوا بدار ~~الحرب بأن أخطأ العسكر الطريق أوبدا للإمام أن لا يبعث أهل العسكر فلا شيء ~~لأصحاب السرية من النفل ؛ لأن المصاب غنيمة لهم خاصة . وإذا التقوا في دار ~~الحرب فالمصاب بينهم وبين العسكر ، فيحصل ما هو المقصود بالتنفيل ، فلهذا ~~استحقوا نفلهم . وهذا بناء على مذهبنا ، وأما على قول أهل الشام فلا نفل ~~للسرية الأولى المبعوثة من دار الإسلام . ويروون فيه أثرا بهذه الصفة . ~~وتأويله عندنا : لا نفل للسرية المبعوثة من دار الإسلام إذا لم يلتحق بهم ~~الجيش في دار الحرب ؛ لأن في هذا التنفل إبطال الخمس ، وإبطال تفضيل الفارس ~~على الراجل . ولو قال الإمام لهم : لا خمس عليكم فيما أصبتم ، أو الفارس ~~والراجل سواء . فيما أصبتم ، كان ذلك باطلا منه ، فكذلك كل تنفيل لا يفيد ~~إلا ذلك . فإن قيل : أليس أن في قول الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه إبطال ~~الخمس عن الأسلاب ومع ذلك كان مستقيما ؟ قلنا : هناك المقصود بالتنفيل ~~التحريض على القتال ، أو تخصيص القاتلين بإبطال شركة أهل العسكر عن الأسلاب ~~، ثم تثبيت إبطال حق أرباب PageV02P630 الخمس عن خمس الأسلاب تبعا ، وقد ~~يثبت تبعا ما لا يثبت مقصودا ، بمنزلة الشرب ، والطريق في البيع ، والوقوف ~~في المنقول ، يثبت تبعا للعقار وإن كان لا يثبت مقصودا . والذي يوضح هذا أن ~~الإمام لو ظهر على بلدة من بلاد أهل الحرب كان له أن يجعلها خراجا ، ويبطل ~~منها سهام من أصابها والخمس . ولو أراد أن يقسم أربعة أخماسها بين الغانمين ~~ويجعل حصة الخمس خراجا للمقاتلة الأغنياء لم يكن له ذلك ؛ لأنه ليس في هذا ~~الإبطال الخمس مقصودا ، وذلك لا يجوز . وفي ms0373 الأول إبطال الخمس يثبت تبعا ~~لإبطال حق الغانمين في الغنيمة ، فيجوز ، وإن كان في الموضعين يخلص المنفعة ~~للمقاتلة . ولو قال الإمام للسرية المبعوثة من أرض الإسلام : من قتل قتيلا ~~فله سلبه ، ومن أصاب منكم شيئا فهو له ، دون من بقي نم أصحابه ، كان هذا ~~جائزا ؛ لأن في هذا التنفيل معنى التخصيص . فإن المقاتل والمصيب يختص ~~بالنفل ، ويحصل به معنى التحريض . بخلاف ما إذا نفل لهم الثلث ، لأنه ليس ~~في ذلك التنفيل تخصيص البعض ولا إبطال حق أحد من الغانمين . ولو بعث الإمام ~~رجلا أو رجلين من أرض الإسلام لقتال ، وأصابوا غنائم ، خمس ما أصابوا ، ~~لأنهم أصابوا على وجه إعزاز الدين ، فإنهم حين خرجوا بإذن الإمام ~~PageV02P631 كانوا ظاهرين بقوة الإمام فعلى الإمام أن يمدهم إذا حزبهم أمر ~~، فلهذا يخمس ما أصابوا ، بخلاف ما يصيب المتلصص الخارج بغير إذن الإمام . ~~ولو قال الإمام لهم : ما أصبتم فهو لكم على سهامكم ولا خمس فيه ، فهو جائز ~~. بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة . فقال لهم الإمام ذلك فإنه لا يجوز ؛ لأن ~~الذين لا منعة لهم إنما يثبت الخمس فيما أصابوا باعتبار إذن الإمام . ~~فللإمام أن يبطل بقوله ما كان وجوبه باعتبار قوله . فأما وجوب الخمس فيما ~~أصابوا أهل المنعة فلم يكن بإذن الإمام ، فإنهم لو خرجوا مغيرين بغير إذنه ~~خمس ما أصابوا ، لأنهم إذا كانوا أهل منعة فمعنى إعزاز الدين يحصل بقتالهم ~~فإن كانوا خرجوا بغير إذن الإمام فلا يجوز أن يسقط حق أرباب الخمس من ~~مصابهم بإسقاط الإمام أيضا . وهذا المعنى وهو أن الإمام هناك كالمبين لهم ~~بقوله : لا خمس عليكم أنه لا يريد أن يمدهم وأن يغيثهم إذا استغاثوا به ، ~~فالتحقوا في ذلك بالمتلصصين ، وانعدم به السبب الذي كان يجب الخمس لأجله في ~~مصابهم . وفي حق أهل المنعة لم ينعدم السبب بقول الإمام ، لأن السبب قوتهم ~~ومنعتهم ، وذلك باق بعد قول الإمام : أبطلت الخمس عنكم . ولو بعث الإمام ~~سرية في دار الحرب ونفلهم الربع بعد الخمس كان جائزا . وكان ينبغي على قياس ms0374 ~~ما تقدم أن لا يجوز ، لأن في هذا التنفيل تخصيص حق أهل العسكر بالإبطال دون ~~حق أرباب الخمس . وإذا كان لا يجوز تخصيص حق أرباب الخمس بالإبطال بسبب ~~التنفيل فكذلك ينبغي PageV02P632 أن لا يجوز تخصيص حق أهل العسكر بالإبطال ~~، ولكن الفرق بينهما أن أرباب الخمس يستحقون بغير قتال ، ولا عناء من جهتهم ~~، فلا يجوز إبطال حقهم إلا تبعا لحق المقاتلة . وأما المقاتلة فإنما ~~يستحقون أربعة الأخماس بالعناء والقتال ، فيجوز أن يخص بعضهم بشيء قبل ~~الإحراز لفضل عناء كان منه ، وإن كان فيه إبطال حق الباقين . ولو بعث ~~الإمام سرية في دار الحرب وقال : لكم مما أصبتم الربع بعد الخمس ، وبعث ~~سرية أخرى وقال : لكم الثلث بعد الخمس . فضل رجل من كل سرية الطريق ووقع مع ~~السرية الأخرى فذهب معهم . وأصابت كل سرية الغنائم ، ثم لم يلتقوا حتى ~~انتهوا إلى العسكر . فإن ما أصابت كل سرية يقسم على رءوسهم ، ويدخل فيهم ~~الرجل الذي التحق بهم ، على قدر ما جعل لهم الإمام في الاستحسان . وهذا ~~الذي بينا أنه الوجه الصحيح من الاستحسان فيما سبق . فإن كان ممن جعل له ~~الإمام الثلث أخذ الثلث من حصته ، وإن كان ممن جعل له الربع أخذ الربع ، ~~وكان ما بين الربع إلى الثلث من نصيبه غنيمة لجماعة المسلمين . يعني أهل ~~العسكر ؛ لأن نفل كل واحد منهم في المصاب ، فيجعل فيما يستحقه كل واحد ~~PageV02P633 منهم كان شركاؤه كانوا في مثل حاله في حكم النفل ، حتى إذا ~~كانت كل سرية مائة رجل قسم مصاب كل سرية على مائة سهم ليتبين مصاب كل واحد ~~منهم ، فيأخذ نفله من جزئه ثلثا كان أو ربعا ، ثم الباقي يكون غنيمة . وإن ~~لحق رجل من إحدى السريتين بالأخرى خاصة قسم مصابهم على مائة سهم وسهم ؛ لأن ~~عددهم مائة و واحد . فتكون القسمة على عدد رءوسهم . ثم يأخذ الرجل اللاحق ~~بهم من جزئه ما كان سمى الإمام له من النفل ؛ لأن استحقاقه بالتسمية ، ولكن ~~عند الإصابة إنما يستحق من جزئه بالنفل مقدار ما سمى ms0375 له ، ولا يلتفت إلى ~~نفل الذين كانوا معه ، لأن الإمام فرق بينهم في التسمية ، ولا يجوز أثبات ~~المساواة بينهم في المستحق بالتسمية . فإن التقت السريتان قبل أن يقربوا من ~~المعسكر فالجواب فيه على ما بينا ، إلا في خصلة واحدة . وما أصاب اللاحق ~~بالسرية من النفل ضمه إلى نصيب أصحابه الذين كان أخرجه الإمام معهم ~~فاقتسموا نفلهم بالسوية على ما كان جعل لهم الإمام ، وإن لم تصب تلك السرية ~~شيئا دخلت معه في نفله . لما بينا أن الإحراز بالمعسكر هنا حصل بهم جميعا ، ~~فكأنهم اشتركوا في الإصابة . PageV02P634 وهو نظير ما لو ضل رجل منهم ~~الطريق ، فذهب وحده فأصاب غنيمة ، ولم تصب السرية شيئا ثم التقوا قبل أن ~~ينبهوا إلى المعسكر ، فإنهم يدخلون معه في النفل . بمنزلة ما لو أصابوه ~~جميعا . ولو لم يلقوه حتى انتهوا إلى المعسكر كان النفل له خاصة . ولو أن ~~السريتين أصابتا الغنيمة وهما متقاربتان بحيث يغيث بعضهم بعضا ، إلا أن كل ~~سرية أصابت غنيمة على حدة ، لم يدخل بعضهم في نفل بعض ؛ لأن استحقاق النفل ~~بالتسمية . الا ترى أن الغمام لو سمى النفل لبعض السرية خاصة لم يكن ~~للباقين معهم شركة في ذلك وإن شاركوهم في الإصابة حقيقة . فكذلك هاهنا . ~~وإن شاركت إحدى السريتين الأخرى في الإصابة حكما باعتبار القرب لم يكن ~~للبعض أن يدخل في نفل البعض . ألا ترى أن السريتين لو قاتلتا في موضع يقدر ~~أهل العسكر على أن يعينوهما ، لم يكن لأهل العسكر معهم شركة في النفل ، ~~باعتبار هذا القرب ، فكذلك الحكم فيما بين أهل السريتين . ولكنهم لو أصابوا ~~جميعا غنيمة واحدة قسمت على عدد رءوسهم ليتبين محل النفل لكل سرية فإن محل ~~النفل ما أصابت . PageV02P635 وإنما يتبين مصاب كل سرية بهذه القسمة . ثم ~~تأخذ كل سرية نفلها مما أصابها ، والباقي بينهم وبين جميع أهل العسكر . وقد ~~بينا أن في النفل يستوي الفارس والراجل . إلا أن يكون الأمير بين لهم بأن ~~يقول : لكم الربع بعد الخمس ، للفارس منكم سهم الفارس وللراجل سهم الراجل ؛ ~~لأن ms0376 الاستحقاق باعتبار التسمية . فإذا فضل بعضهم على بعض في التسمية ثبت ~~الاستحقاق بتسميته وإذا لم يفضل ثبت الاستحقاق لهم بالسوية ولا يقال : وإن ~~لم يبين الإمام فينبغي أن يكون الاستحقاق لهم على هذا بناء على الاستحقاق ~~الثابت لهم من الغنيمة ؛ لأن كل واحد منهما يستحق بسبب القتال ، وهذا لأن ~~النفل غير الغنيمة فإن هذا شيء رضخ لهم الإمام باعتبار جزائهم وعنائهم . ~~ومن أصلنا أن المطلق لا يحمل على المقيد في حكمين مختلفين ، وإن كانا في ~~حادثة واحدة فلا يجوز أن يجعل التقييد في الغنيمة بمنزلة التقييد في النفل ~~، ولكن يعتبر في النفل إطلاق التسمية فيكون بينهم بالسوية . ألا ترى أنه لو ~~قال : من قتل قتيلا فله سلبه ، فاعتور القتيل فارس وراجل حتى قتلاه ، كان ~~سلبه بينهما نصفين ؟ ، ولو قال الأمير لقوم من أهل الذمة بعثهم سرية : لكم ~~PageV02P636 الربع مما أصبتم ، فكان فيهم فرسان ورجالة ، كان الربع بينهم ~~بالسوية وكذلك في حق المسلمين . أن النفل غير الغنيمة فإن هذا شيء رضخ لهم ~~الإمام باعتبار جزائهم وعنائهم . ومن أصلنا أن المطلق لا يحمل على المقيد ~~في حكمين مختلفين ، وإن كانا في حادثة واحدة فلا يجوز أن يجعل التقييد في ~~الغنيمة بمنزلة التقييد في النفل ، ولكن يعتبر في النفل إطلاق التسمية ~~فيكون بينهم بالسوية . ألا ترى أنه لو قال : من قتل قتيلا فله سلبه ، ~~فاعتور القتيل فارس وراجل حتى قتلاه ، كان سلبه بينهما نصفين ؟ ، ولو قال ~~الأمير لقوم من أهل الذمة بعثهم سرية : لكم الربع مما أصبتم ، فكان فيهم ~~فرسان ورجالة ، كان الربع بينهم بالسوية وكذلك في حق المسلمين . # فإن قال قائل : ليس لأهل الذمة سهام معروفة ليعتبر النفل بها بخلاف ~~المسلمين . قلنا أرأيتم لو بعث الإمام سرية فيها مائتا رجل : مائة مسلمون ~~ومائة من أهل الذمة ، ونفلهم الربع . فإن قسم النفل بينهم فجعل لأهل الذمة ~~نصفه بينهم بالسوية وللمسلمين نصفه ، وفضل فيه الفارس على الراجل ، كأن ~~الراجل من أهل الذمة قد أخذ أكثر مما يأخذ راجل المسلمين ، وقد عملا عملا ~~واحدا ، وأجزيا ms0377 جزاء واحدا ، فأي فعل يكون أقبح من هذا . فكأنه أشار في هذا ~~إلى مخالف له في هذه المسألة . ولكن لم يبين من المخالف ، والأشبه أن يكون ~~المخالف له من يقول بأن المطلق يحمل على المقيد ، وإن كانا في حادثين . وقد ~~بيناه في أصول الفقه ، والله أعلم بالصواب . PageV02P637 # | باب النفل الذي ينفله أمير العسكر # وإذا خرج أمير العسكر مع السرية وخلف الضعفة في المعسكر ، وأمر عليهم ~~أميرا ، فابتلوا بالقتال فنفل لهم أميرهم ، فهو جائز على ما يجوز عليه نفل ~~أمير السرية ؛ لأن الذين خلفهم في المعسكر بمنزلة سرية وجههم من المعسكر ~~إلى ناحية ، فكما أن لأميرهم الولاية عليهم خاصة دون الذين خرجوا مع أمير ~~العسكر ، فهنا لأمير الضعفة الولاية عليهم خاصة دون الذين خرجوا مع أمير ~~العسكر في حكم التنفيل . ولو أن أمير السرية الذين نفل لهم الإمام الثلث ~~بعد الخمس بعد من المعسكر ، ثم بعث سرية من سريته ونفلهم أقل من النفل ~~الأول وأكثر ، فذلك جائز في حصة أصحاب سريته . ثم المسألة على وجهين : ~~أحدهما أن نصيب السرية الثانية غنيمة ، ثم يرجع إلى السرية الأولى ثم ~~يلحقون جميعا بأهل المعسكر . وفي هذا يجوز النفل للسرية الأولى ، ويرفع ذلك ~~مما جاءوا به ، ثم يقسم ما بقي حتى يتبين حصة السرية الأولى ، ثم ينفذ ~~PageV02P638 من ذلك كله نفل السرية الثانية ، لأن تنفيل أمير السرية الأولى ~~إنما يجوز في حصة أصحابه خاصة من النفل والغنيمة جميعا دون حصة أهل العسكر ~~. فإذا تبين من ذلك حصتهم يعطي من ذلك نفل السرية الثانية ، فإن كان يأتي ~~ذلك على جميع حصتهم ويفضل أيضا لم يكن لهم من الفضل شيء ، لأنه لا ولاية ~~لأميرهم على حصة أهل العسكر ، إلا أن يكون أمير العسكر أذن له في التنفيل ، ~~فحينئذ هو نائب عن الأمير ينفذ تنفيله للسرية الثانية . في حق جميع أهل ~~العسكر . والفصل الثاني : فيما إذا لم يلقوا أهل العسكر حتى خرجوا إلى دار ~~الإسلام . فهاهنا يبطل نفل السرية الأولى ، لأن الحق في المصاب لهم خاصة ، ~~والنفل العام ms0378 في مثله باطل . كما لو كانوا بعثوا من دار الإسلام وجاز نفل ~~السرية الثانية ؛ لأنهم بمنزلة سرية مبعوثة من جيش في دار الحرب وقد نفل ~~لهم أميرهم فيعطيهم النفل من المصاب أولا ثم يقسم الباقي بينهم وبين جميع ~~أهل السرية على قسمة الغنيمة . ولو بعث الإمام من المعسكر سرية ونفل لهم ~~الربع قبل الخمس ، فهو تنفيل صحيح في جميع ما أصابوا من ذهب أو فضة أو رقيق ~~أو متاع ؛ لأنه سمى لهم بلفظ عام . فإن خص شيئا فهو على ما خص ؛ لأن الوجوب ~~لهم بالتسمية ، فيراعى صفة التسمية . PageV02P639 فإن جاءت السرية بغنائم ~~فيها رجال ونساء وصبيان ، فأعتق واحد من أهل السرية بعض السبي فعتقه باطل ؛ ~~لأن الاستحقاق لهم بطريق الاغتنام ، كاستحقاق أصل الغنيمة للجيش . فكما أن ~~هناك الملك لا يثبت قبل القسمة حتى لا ينفذ العتق من بعض الغانمين في شيء ~~من الغنيمة فكذلك هاهنا . # فإن قيل : لا كذلك ، بل الاستحقاق للنفل بالتسمية . وقد صحت من الإمام ~~فينبغي أن يثبت له الملك بنفس الإصابة . قلنا : تسمية الإمام لقطع شركة ~~الجيش معهم في مقدار ما نفل لهم ، لا لإثبات الاستحقاق ، وإنما يستحقون بعد ~~هذه التسمية بالإصابة . # فإن قيل : أليس قد قلتم لا يفضل في هذا الفارس على الراجل ؟ ولو كان ~~الاستحقاق بالإصابة لثبت التفضيل . قلنا : الإمام بهذه التسمية كما قطع ~~شركة الجيش معهم قطع حق الفارس في التفضيل ، لضرورة أنه سوى بينهم في النفل ~~. ثم من ضرورة انقطاع الشركة للغير واختصاصهم في النفل أن يتأكد حقهم فيه ، ~~وليس من ضرورة ثبوت الملك لهم قبل القسمة ، فيكون المنفل في حقهم بمنزلة ~~الغنائم المحرزة بدار الإسلام . ولو أن الجيش بعد إحراز الغنائم بدار ~~الإسلام أعتق واحد منهم بعض السبي لم ينفذ عتقه ، فكذلك هاهنا ، وكان ~~المعنى فيه أنه لايدري أين يقع نصيبه منها بالقسمة ، وأن للإمام أن يبيع ~~الغنائم ويقسم الثمن بينهم . وأن له أن يقتل الرجال من السبي . فهذا موجود ~~في النفل قبل الإحراز أيضا . ثم خرج المسائل على هذا فقال : PageV02P640 ~~ولو ms0379 كان في السبي قريب لبعض أهل السرية لم يعتق عليه بالقرابة ؛ لأنه لم ~~يملكه قبل القسمة . ولو أراد الإمام أن يقتل الرجال فليس لأصحاب السرية أن ~~يمنعوه من ذلك لأجل نفهلم . كما لا يكون للجيش ذلك في الغنائم المحرزة بدار ~~الإسلام . ولو ظهر المشركون على الغنيمة التي جاءت بها السرية فأحرزوها ثم ~~إن المسلمين قاتلوهم حتى استنقذوا ذلك من أيديهم ردوا النفل إلى أهله ؛ لأن ~~حقهم تأكد في المنفل ، وهو بمنزلة الغنائم المحرزة بدار الإسلام إذا استولى ~~عليها المشركون فأحرزوها ثم استنقذها منهم جيش آخر فهناك الرواية واحدة . ~~أن الأولين إن ظفروا بما قبل القسمة أخذوها بغير شيء ؛ لأن حقهم تأكد فيها ~~بالإحراز ، والحق المتأكد في الحكم بمنزلة الملك . # ألا ترى أن المرهون إذا أحرزه المشركون ثم وقع في الغنيمة فإنه يكون ~~للمرتهن أن يأخذه قبل القسمة بغير شيء لما له فيه من الحق المتأكد . ~~واختلفت الرواية فيما إذا وجدوها بعد القسمة فذكر هنا : أنهم يأخذونها ~~بالقيمة إن شاءوا على قياس المرهون ، PageV02P641 فإن المرتهن إذا وجده بعد ~~القسمة أخذه بالقيمة لما له من الحق المتأكد فيه وذكر بعد هذا : أنهم لا ~~يأخذونها بعد القسمة وهو الأصح ؛ لأن الحق للجيش الأول إنما تأكد في ~~المالية دون العين . ألا ترى أن للإمام أن يبيع الغنائم ويقسم الثمن بينهم ~~، فلا يكون الأخذ بالقيمة مفيدا لهم شيئا بخلاف الأخذ قبل القسمة . ولصاحبه ~~أن يأخذه قبل القسمة . وهو بمنزلة ما لو أحرز الكفار شيئا من ذوات الأمثال ~~لبعض المسلمين ، ثم وقع في الغنيمة ، فلصاحبه أن يأخذه قبل القسمة بغير شيء ~~، وليس له حق الأخذ بعد القسمة ، لأنه لو أخذه أخذه بالمثل ، فلا يكون ~~مفيدا ، بخلاف المرهون ، فإن حق المرتهن في حبس العين ثابت ، فيكون الأخذ ~~مفيدا في حقه . وإذا ثبت هذا في الغنائم المحرزة فكذلك الحكم في المنفل قبل ~~الإحراز ، فإنهم أحق به قبل القسمة بغير شيء ، وبعد القسمة فيه روايتان . ~~وهذا بخلاف الغنيمة التي لا نفل فيها قبل الإحراز ، فإنه إذا ظهر عليها ~~العدو ms0380 وأحرزوها ثم استنقذها منهم جيش آخر ، فلا سبيل للجيش الأول عليها قبل ~~القسمة ، وبعد القسمة . لأن الثابت لهم كان حقا ضعيفا . # ألا ترى أن من مات منهم لم يورث نصيبه بخلاف ما بعد الإحراز . وكذلك لو ~~لحقهم مدد شاركوهم في ذلك ، بخلاف ما بعد الإحراز . والحق الضعيف يبطل ~~إحراز المشركين المال بدارهم فكأنها ما أخذت منهم حتى الآن . وأما في ~~المنفل فالحق متأكد لهم قبل الإحراز ، حتى أن من مات منهم يورث نصيبه ، ولا ~~يشركهم المدد في ذلك إذا لحقوهم . فلهذا وجب الرد عليهم قبل القسمة . ~~PageV02P642 ولو قسمت الغنائم في دار الحرب أو بيعت ولم يقسم الثمن بعد ~~القبض من المشتري حتى ظهر المشركون على الغنائم وعلى الثمن فأحرزوها ، ثم ~~استنقذها منهم عسكر آخر ، فإنهم يردون الغنائم على المشتري قبل القسمة بغير ~~شيء ، وبعد القسمة بالقيمة ؛ لأن المشتري ملك العين بالشراء ، فيردون الثمن ~~على الفريق الأول كما يردون هذا الجيش من أموال سائر الناس . لأن بيع ~~الإمام حين نفذ موجب الملك للمشتري في المبيع ، فهو موجب الملك في الثمن ~~لمن وقع البيع لهم أيضا . ولو أن السرية لما جاءت بالغنائم ولهم فيها النفل ~~استهلك رجل من أهل العسكر جميع تلك الغنائم . فهو ضامن لحصة النفل خاصة ، ~~إلا من قتل من الرجال فإنه لا ضمان في ذلك ؛ لأن النفل بمنزلة الغنائم ~~المحرزة . ولو أن واحدا من الغانمين استهلك الغنائم قبل الإحراز لم يضمن ~~شيئا لضعف حقهم فيها ولو استهلك بعد الإحراز بالدار كان ضامنا لتأكد الحق ~~فيها بالإحراز ، إلا من قتل من الرجال فإنه لا يكون ضامنا لها ؛ لأن الحق ~~في الرجال لا يتأكد بالإحراز ما لم يضرب عليهم الإمام الرق . ألا ترى أن له ~~أن لا يقتلهم ، وأن يمن عليهم فيجعلهم ذمة ، فكذلك هذا الحكم في المنفل قبل ~~الإحراز . PageV02P643 ولو أن السرية جاءت بغنائم فيها طعام وعلف فلأهل ~~العسكر أن يأكلوا ذلك بقدر حاجتهم ؛ لأنهم شركاء للسرية فيها بسهامهم . ~~فكما أن لكل واحد من أهل السرية أن يتناول فيها مقدار ms0381 حاجته فكذلك لأهل ~~العسكر أن يتناولوا ؛ لأن الشركة تقتضي المساواة . # فإن قيل : فأين ذهب قولكم أن المنفل بمنزلة الغنائم المحرزة . فإن بعد ~~الإحراز بالدار ليس لواحد من الغانمين أن يتناول من الطعام والعلف من غير ~~ضرورة ولا ضمان . فكان ينبغي أن يكون الجواب في المنفل قبل الإحراز كذلك . ~~قلنا : إنما افترقا في هذا الحكم ، لأن إباحة التناول من الطعام والعلف قبل ~~الإحراز ، باعتبار أنه يصير مستثنى من شركة الغنيمة لضرورة الحاجة لكل واحد ~~منهم إلى ذلك ، فإنهم لا يقدرون على أن يستصحبوا من دار الإسلام ما يحتاجون ~~إليه من الطعام والعلف للذهاب والرجوع ، ولا يجدون ذلك في دار الحرب شراء . ~~وما يأخذونه يكون غنيمة . وهذه الضرورة لا تتحقق في دار الإسلام فإذا صار ~~مستثنى من الشركة باعتبار هذه الضرورة . بقي على أصل الإباحة ، بمنزلة شراء ~~كل واحد من المتفاوضين الطعام والكسوة لنفسه وعياله ، فإنه يصير مستثنى من ~~موجب المفاوضة لضرورة الحاجة إليه ، ثم هذه الضرورة تتحقق في الغنائم التي ~~فيها نفل في دار الحرب كما تحقق في الغنائم التي لا نفل فيها فيصير مستثنى ~~من حكم النفل أيضا ، ولهذا جاز لأصحاب السرية التناول منها ، فكذلك لغيرهم ~~. # فإن قيل : لا كذلك ، فإنهم إذا قسموا في دار الحرب أو في دار الإسلام ~~أعطوهم النفل من الطعام والعلف كما أعطوهم من سائر الأموال ، ولو صار هذا ~~مستثنى من التنفيل لما استحق النفل منه . PageV02P644 قلنا : هذا الاستثناء ~~باعتبار الضرورة والثابت بالضرورة ، يتقدر بقدر الضرورة . ألا ترى أن ~~الغنيمة التي لا نفل فيها إذا قسمت بين الغانمين فالطعام وغير الطعام في ~~ذلك سواء ؟ ولم يدل ذلك على أن قبل القسمة لم تكن باقية على أصل الإباحة ، ~~فكذلك حكم المنفل . ولهذا لا يباح التناول من الطعام والعلف للتجار الذين ~~لا يقاتلون ، لأن ثبوت هذه الأشياء باعتبار الضرورة . وإنما يتحقق في حق ~~الغزاة الذين لهم شركة في القسمة دون التجار . ولو تناول التجار شيئا من ~~ذلك أو علفوا دوابهم لم يغرموا شيئا ، لأن باعتبار الاستثناء الذي قلنا ms0382 لا ~~يتأكد الحق فيها ، ما داموا في دار الحرب ، فمن استهلك شيئا منها لم يكن ~~ضامنا المنفل ، وغير المنفل فيه سواء ، بمنزلة قتل الرجال على ما قررنا . # قال : ولو أن السرية أصابوا أراض بما فيها . فلهم النفل من ذلك كله ، ~~لتعميم التنفيل من الإمام . فإن رأى الإمام أن يمن بها على أهلها ويجعلهم ~~ذمة فلا بأس بذلك ؛ لأنه نصب ناظرا ، فربما رأى النظر في ذلك . وليس لأصحاب ~~النفل أن يأبوا ذلك عليه ؛ لأن حقهم في النفل كحق الغانمين في الغنائم ~~المحرزة . وللإمام ولاية المن هناك فكذلك هنا . إلا أنه ينبغي له أن ~~يسترضيهم بأن يعطيهم عوضا من محل آخر واستدل عليه بفعل عمر رضي الله عنه ~~فإنه حين بعث الناس إلى PageV02P645 العراق قال لجرير بن عبد الله البجلي : ~~لك ولقومك ربع ما غلبتم عليه ففتحوا السواد . ثم جعل عمر رضي الله عنه ~~الأرض بعد ذلك أرض خراج . ولم يمنعه ما نفل جريرا وقومه من ذلك ، قال : ~~وبلغنا أن امرأة أتته فقالت : إن ذا قرابة لي مات من الغزاة فترك نصيبه من ~~ذلك ميراثا ، ولست أسلم ما صنعت إلا أن تعطيني دنانير ، فأعطاها كفا من ~~دنانير . وفي المغازي يروى هذا الحديث أنها قالت : لست أرضى حتى تملأ كفي ~~ذهبا وتحملني على ناقة حمراء . ففعل ذلك عمر رضي الله عنه . فهذا دليل على ~~أن من مات بعد الإحراز يورث نصيبه . وأنه ينبغي للإمام أن يسترضي أصحاب ~~النفل بأن يعطيهم شيئا إذا أراد المن على أهل الأراضي بها . والله أعلم . ~~PageV02P646 # | باب ما يبطل فيه النفل وما لا يبطل # . # وإذا بعث الخليفة عسكرا إلى دار الحرب وعليهم أمير فبعث أميرهم سرية ونفل ~~لها الربع . ثم بعث الخليفة عسكرا آخر من ناحية أخرى ، فلقوا السرية بعدما ~~غنمت الغنائم ، ثم لحقوا جميعا بالمعسكر الأول ، وأخرجوا الغنائم إلى دار ~~الإسلام ، فالنفل سالم للسرية من جميع ما أصابوا على ما سمى أميرهم لهم ؛ ~~لأن أمير ذلك العسكر مبعوث الخليفة . فهو فيما ينفل كالخليفة ، ينفذ تنفيله ~~في حق العسكرين ms0383 وجماعة المسلمين . بخلاف ما سبق من نفل أمير السرية لمن ~~بعثه من سريته . لأن ولايته هناك مقصورة على أهل سريته . # ألا ترى أنه بعد الرجوع إلى المعسكر هو كسائر الرعايا ؟ وهاهنا لأمير ~~العسكر ولاية كاملة ، باعتبار تقليد الخليفة إياه . فينفذ تنفيله في حق ~~الكل ، ثم ما يبقى بعد النفل والخمس يشترك فيه أهل العسكريين والسرية على ~~سهام الغنيمة ، لأنهم اشتركوا في إحراز ذلك بدار الإسلام . ولو أن السرية ~~والعسكرين لقوهم خرجوا إلى دار الإسلام قبل أن يلقوا العسكر الأول فللسرية ~~أيضا نفلها ؛ لأن نفلهم قائم مقام الخليفة في التنفيل لهم ، فيستحقون النفل ~~بتسميته لهم . PageV02P647 سواء رجعوا إليه في دار الحرب أو لم يرجعوا ، ثم ~~الباقي بينهم وبين العسكر الثاني دون العسكر الأول ؛ لأنهم هم الذين أحرزوه ~~. ولو لم تلق السرية واحدا من العسكرين حتى خرجت إلى دار الإسلام فقد بطل ~~نفلهم ؛ لأنهم هم المختصون بالإحراز . وثبوت الحق في المصاب هنا . والنفل ~~العام في مثل هذا يكون باطلا ، بمنزلة السرية المبعوثة من دار الإسلام . ~~ولو أن الإمام قال للسرية المبعوثة من دار الإسلام : من أصاب منكم شيئا فهو ~~له ، دون أصحابه . كان هذا جائزا ، بخلاف ما إذا قال : لكم الربع ؛ لأن ~~التنفيل قطع شركة غير المصيب مع المصيب ، وذلك جائز فيبطل فيه الخمس . ~~ويفضل الفارس على الراجل أيضا ، تبعا ومثل هذا لا يوجد فيما إذا نفل لهم ~~الربع . أرأيت لو قال لهم : من دخل منكم فارسا فأصاب فهو له . أما كان يصح ~~هذا التنفيل وفيه تحريضهم على التزام مؤنة الفرس ، ولو قال لهم : ما أصبتم ~~؟ فلو صح هذا التنفيل كان فيه تقليل نشاطهم في التزام مؤنة الفرس ؛ لأنهم ~~إذا علموا أنه لا يزداد نصيبهم بالتزام مؤنة الفرس فقل ما يرغبون في ذلك ~~فبهذا وقع الفرق بينهما . PageV02P648 ولو أن العسكر الثاني لحقوا السرية ~~المبعوثة في دار الحرب قبل أن يصيبوا شيئا ، ثم قاتلوا جميعا فأصابوا غنائم ~~، ثم لحقوا بالعسكر الأول وخرجوا ، فالغنائم تقسم بين السرية والعسكر الذين ~~لحقوهم على قسمة الغنيمة كأنه ms0384 لا نفل فيها ، ثم ينظر إلى حصة السرية فيخرج ~~نفلهم من ذلك ؛ لأن أميرهم إنما نفل لهم الربع مما أصابوهم دون ما أصابه ~~عسكر آخر ولا يتبين مصابهم إلا بالقسمة ، فلا بد من هذه القسمة ليتبين محل ~~حقهم فيعطون النفل بعد ذلك . ثم يجمع ما بقي إلى ما أصاب أهل العسكر ، ~~فيقسم بين السرية والعسكرين على قسمة الغنيمة ؛ لأنهم اشتركوا في الإحراز . ~~ولو لم يلقوا العسكر الأول حتى خرجوا قسم بينهم أولا ليتبين حصة السرية ، ~~ثم يعطون نفلهم من ذلك ؛ لأن تنفيل الأمير لهم صح مطلقا . ثم يجمع ما بقي ~~إلى حصة العسكر فيقسم بينهم على سهام الغنيمة لا شيء فيه لأهل العسكر الأول ~~، لأنهم لم يشاركوهم في الإحراز . PageV02P649 ولو أن أمير العسكر في دار ~~الحرب بعث سرية وقال : ما أصبتم فهو لكم ، فهذا جائز ؛ لأن المقصود قطع ~~شركة الجيش معهم في المصاب إذا رجعوا إليهم ، بخلاف السرية المبعوثة من دار ~~الإسلام . فإن افتتحوا حصنا متاخمة لدار الإسلام ، ثم لحقهم أهل العسكر بعد ~~ذلك ، فجميع ما أصابوا لهم دون أهل العسكر ؛ لأن الإمام قطع شركة أهل ~~العسكر معهم بتنفيل صحيح . لكن لو أعتق رجل منهم نصيبه من الرقيق ، أو كان ~~فيهم ذات رحم محرم من بعضهم لم تعتق ؛ لأنها لم تصر مملوكة لهم بالإصابة ~~قبل القسمة . وإن انقطعت شركة الغير معهم ، بمنزلة الغنائم المحرزة بالدار ~~قبل القسمة . ألا ترى أن الإمام لو رأى أن يجعلهم ذمة ، أو رأى أن يقتل ~~الرجل كان له ذلك . # قال : والنفل بمنزلة رضخ لهم من الغنيمة ، فإذا PageV02P650 كان سهام ~~الغنيمين لا يمنعه من هذا فالرضخ كيف يمنعه ؟ ، ولو كان قال لهم : من أصاب ~~منكم شيئا فهو له ، ثم أعتق رجل منهم أسيرا قد أصابه ، فإنه ينفذ عتقه ، ~~ولو أصاب ذا رحم محرم منه عتق عليه ؛ لأنه اختص بملكه هنا بنفس الإصابة ، ~~وهذا لأنه ليس هنا أمر آخر منتظر لوقوع الملك سوى الإصابة ، حتى يتوقف ~~الملك عليه ، بخلاف الأول ، فإن هناك أمرا آخر منتظرا وهو القسمة ms0385 بينهم فلا ~~يثبت الملك قبل وجودها . # وفي هذا الفصل ليس للأمير أن يقتل أحدا من رجال الأسراء ، لأن الملك ثبت ~~فيه للمصيب بنفس الإصابة . فكأن الإمام ضرب عليه الرق . وكذلك من استهلك ~~شيئا على المصيب في هذا الموضع غرم له . وليس لغير المصيب من أهل العسكر ، ~~ولا من أهل السرية أن يرد أشياء من الطعام والعلف ، بخلاف الأول ، وهذا لأن ~~هذا التنفيل من الإمام بمنزلة القسمة بعد الإصابة في دار الحرب ، ولو قسم ~~بينهم ثبت هذه في الأحكام فيما أصاب كل واحد منهم ، وكذلك إذا نفل لكل واحد ~~منهم ما أصابه خاصة ، بخلاف ما سبق ، فإن قوله ما أصبتم فلكم ، قطع لشركة ~~الجيش . فليس فيه معنى القسمة بينهم والملك في المصاب لا يثبت إلا بالقسمة ~~. ولو قال : للسرية المبعوثة في دار الحرب : من أصاب منكم أسيرا فهو له ، ~~فأصابوا جميعا أسيرا واحدا ، فهو لهم ؛ لأن من اسم مبهم فهو عام فيما ~~يتناوله . فكما يتناوله الفرد منهم PageV02P651 يتناول جماعتهم ، بمنزلة ~~قول الرجل لعبيده : من شاء منكم العتق فهو حر . فشاءوا ، عتقوا ، بخلاف قول ~~أبي حنيفة رحمه الله فيما إذا قال : من شئت عتقه من عبيدي ، لأنه أضاف ~~المشيئة هناك إلى من لم يتناوله من وهاهنا أضاف الإصابة إلى من تناوله من . ~~وإذا ثبت الاستحقاق لهم بالإصابة صار الأسير مملوكا لهم . حتى إذا كانوا ~~قريبا لبعضهم عتق حصته منه . ولو أعتقه أحدهم عتق حصته ؛ لأن الإمام حين خص ~~المصيب بالمصاب فلذلك منه بمنزلة القسمة بعد الإصابة ، لا فرق بين أن يصيب ~~الأسير جماعة وبين أن يصيب الواحد في ثبوت الملك به ، فكذلك في الغنيمة قبل ~~الإصابة . ولو كان قال لهم : ما أصبتم فهو لكم ، والمسألة بحالها ، لم يعتق ~~الأسير بأعتاق أحدهم إياه ولا بقرابته منه ؛ لأن هذا التنفيل ليس في معنى ~~القسمة من الإمام . ألا ترى أن المصيب لا يختص بالمصاب ، ولكن ما يصيب ~~الواحد منهم يكون بين جماعتهم ، وبدون القسمة وما في معناها لا يثبت الملك ~~بنفس الإصابة . # يوضح الفرق أن ms0386 في كل موضع يختص المصيب بالمصاب على وجه لا يشاركه فيه ~~غيره فتلك الإصابة في معنى الاصطياد . فكما أن الملك في الصيد يثبت بنفس ~~الإصابة ، للواحد كان أو للجماعة فكذلك الملك يثبت للسرية بمثل هذه الإصابة ~~، وفي كل موضع لا يختص المصيب بالمصاب ولكن يشاركه فيه أصحابه . فتلك ~~الإصابة في معنى إصابة الغنيمة . ومجرد الأخذ في الغنيمة لا يوجب الملك قبل ~~القسمة فكذلك ما يكون في معناه . PageV02P652 ولو بعث الأمير في دار الحرب ~~ثلاثة طليعة ، ونفل لهم الربع مما يثيبون ، فأصابوا أسيرا ، ثم أعتقه أحدهم ~~أو كان قريبا منه لم يعتق ؛ لأن أهل العسكر وأرباب الخمس شركاؤهم في المصاب ~~، فلا يثبت الملك لهم قبل القسمة قلوا أو كثروا . ألا ترى أن للإمام ولاية ~~البيع وقسمة الثمن ، وأن نصيبهم لا يدرى أن يقع بالقسمة . ولو كان قال لهم ~~: لكم ما أصبتم ، والمسألة بحالها ، عتق المصاب بإعتاق أحدهم أو بقرابته ~~منه استحسانا ، وفي القياس لا يعتق ؛ لأن بهذا التنفيل لا يختص المصيب ~~بالمصاب ، ولكن يشاركه فيه أصحابه ، فلا يثبت الملك لهم قبل القسمة . ~~بمنزلة أهل السرية على ما بينا . وفي الاستحسان نقول : قد ثبت الاختصاص لهم ~~بالمصاب بسبب تنفيل الإمام . وقد بينا أن هذا وإن كان من الإمام قبل ~~الإصابة فهو في المعنى كالموجود بعد الإصابة ، فيكون بمنزلة القسمة ، يثبت ~~لهم الملك حتى ينفذ العتق فيه من بعضهم . وهو نظير ما لو قسم الإمام ~~الغنيمة على الرايات بين العرفاء ، ثم أعتق واحد منهم من أهل رأية عبدا مما ~~أصاب أهل تلك الراية . قبل أن يقسم العريف بينهم ، فإنه ينفذ عتقه . # والمعنى في الكل أن الشركاء متى قلوا فالشركة بينهم تكون شركة خاصة وهي ~~لا تمنع الملك لهم في المشترك ، بمنزلة الشركة بين الورثة في الميراث . ~~PageV02P653 وعند الكثرة الشركة عامة ، فيمنع ذلك ثبوت الملك . بمنزلة شركة ~~المسلمين في بيت المال وشركة الغانمين في الغنيمة . # فإن قيل : فما الحد الفاصل بين القليل والكثير في ذلك ؟ ، قلنا : قد ذكر ~~في ذلك وجوها كلها محتملة . # أحدها ms0387 : أنهم إذا كانوا أقل من تسعة جاز عتقهم ، وإن كانوا تسعة فصاعدا ~~لم يجز ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث تسعة سرية ؛ لأن الجمع في حد ~~الكثرة والقلة جمع متفق عليه . فالتسعة تكون جمع الجمع . # والثاني : أنهم إذا كانوا أقل من أربعين جاز عتقهم ؛ لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنا أظهر الدعاء إلى الدين بمكة حين تموا أربعين بإسلام عمر ~~رضي الله عنه ، فتبين بهذا أن الأربعين أهل عزة ومنعة . فقد كان دعاء رسول ~~الله عليه السلام فقال : ' اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك ' . والعزة ~~والمنعة إنما تحصل بالعدد الكثير من المسلمين . والثالث : أنهم إن كانوا ~~أقل من مائة جاز عتقهم ، لأن الله تعالى يقول : ' الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن PageV02P654 تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ' الأنفال ~~: 66 . فكل هذا محتمل ، إن قال به قائل وسعه اجتهاد الرأي فيه ، وأما أنا ~~فلست أوقت في ذلك وقتا ولكني أقول : إن كانوا قوما لا منعة لهم جاز العتق ، ~~وإلا فلا ؛ لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون ، وليس في هذا نص ، والمنعة ~~تختلف باختلاف أحوال الناس ، فالسبيل أن يفوض إلى رأي الإمام ليحكم برأيه ~~فيه . هذا هو الأقرب إلى معاني الفقه . وهذا نظير ما بينا في كتاب الشفعة ~~في الفرق بين الشركة الخاصة في النهر والشركة العامة في استحقاق الشفعة . ~~فكل فصل ذكرناه ثمة ، فإنه يستقيم القول به هنا ، ثم في كل فصل ذكرنا أنه ~~ينفذ العتق فإنه ليس للإمام أن يقتل الرجال من الأسراء . لأنهم قد ملكوا ~~فصار ذلك بمنزلة الغنيمة المقسومة ، وكذلك بعد القسمة بين العرفاء ليس ~~للإمام أن يقتل أحدا من الرجال ، وهذا أظهر ؛ لأن الملك هنا يثبت بالقسمة ~~الأولى ، وهي قسمة الجمل . وإن لم توجد القسمة بين الأفراد بعد . وإن كان ~~العدد القليل بعثهم الإمام من دار الإسلام فأصابوا غنائم ثم أعتق بعضهم ~~الرقيق فعتقه باطل في القياس ؛ لأن المصاب هنا غنيمة . ألا ترى أنهم لو ~~لحقهم المدد في دار الحرب شاركوهم ms0388 ، فلا يثبت الملك لهم قبل القسمة . ولا ~~أرباب الخمس شركاؤهم ، والإمام رأى PageV02P655 باعتبار ذلك ، فلا يدرى أين ~~يقع نصيب من أعتق عند القسمة ، فينبغي أن لا ينفذ عتقه . وفي الاستحسان : ~~ينفذ عتقه ؛ لأن الشركة بينهم شركة خاصة ، لقلة عددهم . وقد تأكد حقهم ~~بالإحراز حسب ما يتأكد حق الطليعة المبعوثة في دار الحرب بالإصابة ، بعد ~~تنفيل الإمام . فكما أن هناك ينفذ العتق فكذلك هاهنا ينفذ . ألا ترى أن ~~المبعوث لو كان رجلا واحدا فأعتق السبي ، أو كانوا أقرباءه بعد الإحراز ، ~~لم يشكل أنه ينفذ عتقه . وإن كان لو أعتقهم في دار الحرب لم ينفذ عتقه ؛ ~~لأن الحق لم يتأكد فيهم قبل الإحراز . ثم بعد نفوذ العتق إن كان المبعوث ~~رجلا واحدا فهو ضامن الخمس لأرباب الخمس إن كان موسرا . وكذلك إن كانوا ~~نفرا فهو ضامن نصيب أصحابه ممن أعتقه . وإن كان معسرا سعى الرقيق في حصة ~~أصحابه ، كما هو الحكم في عتق العبد المشترك . وأما في حصة الخمس فينبغي ~~للإمام أن لا يستسعيهم ؛ لأن الخمس للمحتاجين ، ولا حاجة أظهر من حاجة ~~المعتقين فإنهم لا يملكون شيئا حتى يلزمهم السعاية . فلهذا ينبغي للإمام أن ~~لا يسلم حصة الخمس لهم . PageV02P656 وعلى هذا الوجه لو جاءوا برجال فليس ~~للإمام أن يقتلهم بعد الإحراز ؛ لأن الشركة في المصاب خاصة بين العدد ~~القليل . وقد تأكد حقهم بالإحراز . وله أن يقتلهم قبل الإحراز ؛ لأن الحق ~~لم يتأكد بالإصابة قبل الإحراز ، والمصاب غنيمة على الإطلاق . PageV02P657 # | باب النفل الذي يبطل بأمر الأمير والذي لا يبطل # ولو أرسل الأمير في دار الحرب سرية من المعسكر ونفلهم الربع فلما بعدوا ~~منه خاف عليهم فأرسل سرية أخرى وقال : الحقوا بأصحابكم ، فما أصبتم فأنتم ~~شركاؤهم في ذلك كله من النفل وغيره فأدركوهم بعدما أصابوا الغنيمة . ورجعوا ~~إلى المعسكر جملة ، فلا شيء للسرية الثانية من النفل ؛ لأن أصحاب السرية ~~الأولى قد تأكد حقهم في المنفل بنفس الإصابة على وجه لا يشركهم في ذلك ~~غيرهم . بمنزلة تأكد حق الغانمين بالإحراز ، ولو أراد الإمام أن يثبت ms0389 ~~الشركة بين المدد والجيش بعدما أحرزوا الغنيمة بالدار لم يملك ذلك بقوله ، ~~فهذا مثله . وإن غنموا جميعا بعدما لحقوهم فلهم النفل في الغنيمة الثانية ؛ ~~لأن ثبوت الحق المنفلين بالإصابة ، وقد أشركوا جميعا في الإصابة والتنفيل ~~من الإمام لهم جميعا في الدفعتين . PageV02P658 قال : فإن كانت السرية ~~الأولى مائة فارس والثانية خمسين فارسا وخمسين راجلا فلما أتوهم لم يعلموهم ~~بما جعل لهم الإمام من النفل حتى أصابوا غنائم ، فإنهم تقسم بين السريتين ~~أولا على سهام الفرسان والرجالة ، ثم ينظر إلى ما أصاب السرية الأولى ~~فيعطون من ذلك نفلهم لا ينقصون منه شيئا ، وإلى ما أصاب السرية الثانية ~~فيعطون منه نفلهم أيضا ، ثم الباقي يخمس ويقسم بين السريتين وأهل العسكر ~~على قسمة الغنيمة ؛ لأن السرية الأولى استحقوا ربع ما يصيبون بالتنفيل ~~الأول ، فكما لا يملك الأمام إبطال حقهم بالرجوع عن ذلك التنفيل بعد علمهم ~~، فكذلك لا يملك إدخال ضرر النقصان عليهم ، باشتراك الغير معهم بدون عملهم ~~. لأن الاشتراك والإبطال كل واحد منهما خطاب من الإمام إياهم ، فلا يثبت ~~حكمه في حقهم ما لم يعلموا به ، بمنزلة خطاب الشرع في حق المخاطبين . ولو ~~أخبرت السرية الثانية السرية الأولى بما جعل لهم الأمير من الشركة معهم في ~~النفل قبل أن يصيبوا الغنيمة والمسألة بحالها ، فالنفل بينهم بالسوية . ~~وهذا لأن التنفيل الأول من الإمام لم يكن لازما قبل الإصابة . # ألا ترى أنه لو رجع عنه بعلمهم كان صحيحا ؟ فكذلك إذا نقص حقهم بالاشتراك ~~بعلمهم . وكذلك إذا أعلموا بذلك أمير السرية الأولى . فإن إعلام أميرهم ~~كإعلام جماعتهم ، إذ الأمير نائب عنهم . PageV02P659 وكذلك إن أظهروا ذلك ~~حتى علم به عامتهم ؛ لأنه يتعذر عليهم إعلام كل واحد من آحادهم ، وإنما ~~يمكنهم إظهار ذلك الخبر في عامتهم . فإذا فعلوا ذلك فهو بمنزلة الواصل إلى ~~كل واحد منهم ، كالخطاب الشائع في دار الإسلام يشترك في حكمه من علم به ومن ~~لم يعلم ممن أسلم من أهل المدينة ، حتى يلزمه قضاء الصلوات المتروكة بعد ~~الإسلام ، بخلاف من أسلم في دار الحرب والفرق ms0390 باعتبار شيوع الخطاب . ولو ~~كان الأمير قال للسرية الثانية : أنتم شركاؤهم في النفل . لكم ثلثاه ولهم ~~ثلثه . والمسألة بحالها . فإن كانوا لم يعلموهم حين أدركوهم حتى أصابوا ~~غنائم فللسرية الأولى نفلهم مما أصابوا كاملا ؛ لأن حكم الخطاب بالتفضيل لا ~~يثبت في حقهم ما لم يعلموا ، لما فيه من الإضرار بهم . فإنه ينتقص حقهم ~~بذلك . وإن كانوا أعلموهم ذلك ثبت حكم الخطاب في حقهم ، فيكون النفل بينهم ~~على الثلث والثلثين كما بين الإمام . # قال : ولو جاز من الإمام أن ينقص حق السرية الأولى بغير علمهم لجاز أن ~~يقول للسرية الثانية النفل كله لكم دون الأولى ، فلا ينبغي لأحد أن يجيز ~~هذا ؛ PageV02P660 لأن ما هو المقصود بالتنفيل - وهو التحريض - يفوت بتجويز ~~هذا فإن السرية لا يعتمدون ذلك التنفيل بعدما بعدوا من الإمام ، إذا كان هو ~~متمكنا من إبطاله بغير علمهم . أرأيت لو قال لأهل العسكر بعدما مضت السرية ~~الأولى : قد أبطلت نفلها . كان يصح ذلك في حقهم قبل أن يعلموا به . فكما لا ~~يصح منه الإبطال فكذلك لا يصح منه تحويله إلى السرية الثانية قبل علم ~~السرية الأولى به . ولو علموا به صح ذلك كله ، إبطالا كان ذلك أو نفلا إلى ~~غيره . ألا ترى أنه لو قال لرجل : إن قتلت هذا القتيل فلك سلبه . فلما خرج ~~للمبارزة قال : قد أبطلت نفله ، لم يبطل ذلك ما لم يعلم به المبارز ، فكذلك ~~ما سبق . ولو بعث أمير المصيصة سرية منها . وهي اسم بلدة من دار الإسلام في ~~وسط الروم . فنفل أصحاب الخيل دون الرجالة لم يجز ؛ لأن هذه السرية مبعوثة ~~من دار الإسلام . وهذا تنفيل عام . فإن أهل السرية أصحاب الخيل كلهم . وقد ~~بينا أن التنفيل العام في مثل هذه السرية لا يجوز ؛ لأنه ليس فيه إلا إبطال ~~الخمس وتفضيل الفارس على الراجل . ولكنه لو أرسل معهم قوما من أصحاب ~~المجانيق وقوما يحضرون الحصن فنفلهم شيئا لجزائهم وعنائهم فهذا جائز ؛ ~~PageV02P661 لأنه تنفيل خاص لبعض أهل السرية . بمنزلة قوله : من قتل قتيلا ~~فله سلبه وهذا ms0391 . بخلاف السرية المبعوثة في دار الحرب لو نفل أصحاب الخيل ~~جاز ؛ لأن التعميم في حقهم لا يمنع صحة التنفيل ، إذ المقصود قطع شركة ~~الجيش معهم . وكذلك إن نفل أصحاب الخيل العرب على البراذين جاز . والعراب ~~أفراس العرب والبراذين أفراس العجم ، وأفراس العرب أقوى في الطلب والهرب ، ~~والبراذين أصبر على القتال وألين عند العطف ، والتنفيل بحسب العناء والجزاء ~~، فلا بأس للإمام أن يختص أحد الفريقين بالفعل على حسب ما يرى فيه من النظر ~~. والله أعلم . PageV02P662 # | باب نفل الأمير # وإذا قال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ، ثم لقي الأمير رجلا فقتله ، ~~فله السلب استحسانا . وفي القياس : لا يستحق ؛ لأن الغير إنما يستحق ~~بإيجابه ، وهو لا يملك الإيجاب لنفسه بولاية الإمارة . بمنزلة القاضي لا ~~يملك أن يقضي لنفسه . ألا ترى أنه لو خص نفسه فقال : إن قتلت قتيلا فلي ~~سلبه ، لم يصح ذلك . ولو كان هو كغيره في هذا الحكم يصح إيجابه خاصا كان أو ~~عاما ، كما في حق غيره . ولأن التنفيل للتحريض ، وإنما يحرض غيره على ~~القتال لا نفسه . فالإمارة تكفيه لذلك . # ووجه الاستحسان أنه وجب النفل للجيش بهذا اللفظ ، وهو رجل منهم فيستحق ~~كما يستحق غيره . ألا ترى أن فيما يجب شرعا وهو السهم هو كواحد من الجيش ، ~~فارسا أو راجلا ؟ فكذلك فيما يستحق بالإيجاب . أرأيت لو برز علج ودعا إلى ~~البراز . فقال الأمير : من قتله فله سلبه فلم يتجاسر أحد على الخروج ، حتى ~~خرج هو بنفسه فقتله ، كان لا يستحق سلبه ، وهذا بخلاف ما إذا خص نفسه ، ~~لأنه منهم فيما يخص به نفسه من التنفيل ، بمنزلة القاضي يكون منهما فيما ~~يقتضي به لنفسه . فأما عند التعميم فتنتفي التهمة ، فيثبت الحكم في حقه كما ~~يثبت في حق غيره . ألا ترى أن إباحة التناول من الطعام والعلف يثبت في حق ~~الإمام كما يثبت في حق العسكر ، باعتبار أنه لا تتمكن تهمته فيما لا يختص ~~الأمير به . PageV02P663 وإذا خص غيره بالتنفيل لا تتمكن التهمة في ذلك ولا ~~يخرج فعله من أن يكون ms0392 واقعا بصفة النظر . ولو كان قال : من قتل منكم قتيلا ~~فله سلبه ، ثم قتل الأمير قتيلا لم يكن له سلبه ؛ لأنه خصهم بقوله : منكم ~~فلا يتناوله حكم الكلام بخلاف الأول . ألا ترى أن من قال لعبده : اعتق ~~مماليكي ، فقال العبد لسائر المماليك : أنتم أحرار . لم يدخل هو في جملتهم ~~لهذا المعنى . ولو قال : إن قتلت قتيلا فلي سلبه ، ثم لم يقتل أحدا . حتى ~~قال : ومن قتل منكم قتيلا فله سلبه . ثم قتل الأمير بعد ذلك قتيلا استحق ~~سلبه ؛ لأن التنفيل صار عاما ، باعتبار كلاميه ، ولا فرق بين تنفيل العام ~~بكلامين وبينه بكلام واحد . وهذا لأن كلامه الأول لم يكن صحيحا للتهمة ~~المتمكنة بسبب التخصيص ، وقد زال ذلك بكلامه الثاني ، وبعد ما انعدم المانع ~~من صحة الإيجاب يكون الإيجاب صحيحا عاما في حقهم . ولو كان قتل قتيلين : ~~أحدهما قبل الكلام الثاني ، والأخر بعده ، فله سلب القتيل الثاني دون الأول ~~؛ لأن القتل الذي جعله سببا تم منه في الأول قبل صحة الإيجاب . فصار ذلك ~~السبب غنيمة . ثم صح الإيجاب بالكلام الثاني ، فيجعل عند الكلام الثاني ~~PageV02P664 كأنه أنشأ تنفيلا عاما الآن ، فإنما يستحق به سلب ما نفل بعد ~~ذلك . لأن التنفيل لا يعمل فيما صار غنيمة قبله ، باعتبار أن الكلام غير ~~متناول له ، ولو كان متناولا له لم يصح أيضا ، لأنه تنفيل بعد الإصابة . ~~ولو قال : إن قتلت قتيلا فلي سلبه . ومن قتل منكم قتيلا فله سلبه . ثم قتل ~~الأمير قتيلين ، ورجل من القوم قتيلين فللأمير سلب الأول دون الثاني ؛ لأنه ~~أوجب لنفسه بحرف لا يقتضي التكرار ، وهو حرف الشرط . ألا ترى أن من قال ~~لزوجته : إن دخلت الدار فأنت طالق . فدخلت دخلتين لم تطلق إلا واحدة . أوجب ~~للقوم بكلمة من وهي عامة كما بينا فيتناول كل قتيل كل واحد منهم ، حتى لو ~~قتل رجل عشرين قتيلا كان له أسلابهم جميعا . ولو قال لرجل منهم : إن قتلت ~~قتيلا فلك سلبه . فقتل رجلين ، كان له سلب الأول خاصة . لما بينا أنه علق ~~استحقاقه بالشرط ms0393 ، وذلك ينتهي بقتل الأول ، وليس في لفظه ما يدل على ~~التكرار والعموم . ولو قال لجميع أهل العسكر : إن قتل رجل منكم قتيلا فله ~~سلبه فقتل رجل عشرة منهم استحق أسلابهم جميعا . وهذا استحسان . وفي القياس ~~: لا يستحق إلا القتيل الأول ، كما لو خصه بالإيجاب بهذا اللفظ . ووجه ~~الاستحسان أنه لما من يقصد لإنسان بعينه ، فقد خرج الكلام منه عاما . ~~PageV02P665 ألا ترى أنه يتناول جميع المخاطبين . فكما يعم جماعتهم يعم ~~جماعة المقتولين بخلاف الأول ، ألا ترى أن في هذا الفصل إن قتل عشرة من ~~المسلمين عشرة منهم استحق كل واحد منهم سلب قتيله ؟ . فكذلك إذا كان الواحد ~~هو القاتل لعشرة . وحقيقة معنى الفرق أن مقصود الإمام هنا تحريضهم على ~~المبالغة في النكاية فيه . وفي معنى النكاية لا فرق بين أن يكون القاتل ~~للعشرة عشرة من المسلمين أو واحدا منهم . وفي الأول مقصوده معرفة ذلك الرجل ~~وجلادته ، وذلك يتم بدون إثبات معنى العموم في المقتولين . ولو قال لعشرة ~~هو أحدهم : من قتل منا قتيلا فله سلبه . أو إن قتل رجل منا قتيلا فله سلبه ~~ثم قتل بنفسه قتيلين أو ثلاثة ، استحق اسلابهم ؛ لأن معنى التهمة قد انتفى ~~باشتراك التسعة مع نفسه في الإيجاب ، وصار كلامه عاما باعتبار المعنى الذي ~~قلنا . فيستحق هو من سلب المقتولين ما يستحقه تسعة معه إذا قتلوا . ولو قال ~~لرجل بعينه . إن قتلت قتيلا فلك سلبه ، فقتل قتيلين معا . فله سلب أحدهما ؛ ~~لأن هذا الإيجاب لا يتناول إلا الواحد ؛ ثم يختار أي السلبين شاء ؛ لأن ~~الحق ثابت له ، فالخيار في البيان إليه . ولا يقال : كان ينبغي أن يكون ~~الخيار إلى الإمام ، شاء ، لأن الحق ثابت له ، فالخيار في البيان إليه . ~~ولا يقال : كان ينبغي أن يكون الخيار إلى الإمام ؛ لأنه هو الموجب له . ~~وهذا لأن مثل هذا الكلام من الإمام على وجه بيان السبب ، وإنما يكون الخيار ~~لم باشر السبب ، وأكثر ما فيه أنه يختار أفضلهما سلبا ، ولو لم يقتل إلا ~~ذلك الرجل بضربته كان مستحقا لسلبه . فإن ms0394 قتل معه غيره لا يجوز أن يصير ~~محروما ؛ لأنه أظهر زيادة القوة بما صنع . PageV02P666 وكذلك لو قال : إن ~~أصبت أسيرا فهو لك . فأخذ أسيرين معا . فله أن يختار أرفعهما ؛ لهذا المعنى ~~. # ولو خرج أمير العسكر في سرية ونفل لهم الربع فأصابوا غنائم . كان للأمير ~~النفل مع السرية ؛ لأنه أوجب النفل لأصحاب السرية . وهو واحد منهم . وبهذا ~~الفصل يتبين ما سبق أنه عند التعميم يكون الإمام في استحقاق النفل كغيره . ~~والكلام في فصل السرية أظهر ، فإن استحقاقهم للنفل على هيئة استحقا الغنيمة ~~. ألا ترى أن المباشر منهم والردء في ذلك سواء . ثم في استحقاق الغنيمة ~~الإمام بمنزلة الجيش . فكذلك في استحقاق السرية إذا خرج وهو معهم . والله ~~أعلم بالصواب . PageV02P667 # | باب من النفل الذي يصير لهم ولا يبطل إذا نفل بعضهم دون بعض # ولو قال الأمير : إن قتل رجل فله سلبه . فقتل رجلان قتيلا واحدا ، فلهما ~~سلبه ؛ لأنه حين أخرج الكلام مخرج العموم فقد قصد به التحريض على النكاية . ~~وفي هذا لا فرق بين أن يكون القاتل واحدا أو جماعة إلا أن يبين فيقول : إن ~~قتل رجل منكم وحده قتيلا ، فحينئذ لا شيء للقاتلين من السلب ؛ لأنه تبين ~~بهذه الزيادة أن مقصوده التحريض على إظهار الجلادة بالاستبدال القتل ~~وبالاشتراك لا يحصل ذلك . ولو برز عشرة للقتال فقال الأمير لعشرة من ~~المسلمين : إن قتلتموهم فلكم أسلابهم . فقتل رجل رجلا منهم استحق كل قاتل ~~سلب قتيله خاصة ؛ PageV02P668 لأن تعميم العشرة بالخطاب بمنزلة تعميم الكل ~~بقوله : من قتل قتيلا فله سلبه . وهذا لأن العدد إذا قوبل بذي عدد ينقسم ~~الآحاد على الآحاد . كقول الرجل : أعط هؤلاء العشرة هذه العشرة الدارهم . ~~والفعل المضاف إلى جماعة بعبارة الجمع يقتضي الانقسام على الأفراد . كما ~~قال : ركب القوم دوابهم ، فإنه يفهم منه ركوب كل أحد دابته . ولو قتل تسعة ~~من المسلمين تسعة منهم ، وقتل المشرك المسلم العاشر أو هرب فلم يقدر عليه ، ~~فلكل واحد من القاتلين سلب قتيله ؛ لأن المقصود من هذا الكلام جعل القتل ~~سببا لاستحقاق السلب لا ms0395 اشتراط قتلهم ، حتى لا يبقى منهم أحد . إلا أن يبين ~~ذلك فيقول : لكم أسلابهم إن قتلتموهم كلهم ، ولم تغادروا منهم أحدا . ~~فحينئذ يتبين بتنصيصه أنه علق الاستحقاق بشرط قتل الكل ، والشرط يقابل ~~المشروط جملة ولا يقابله جزوا فجزوا . وما لم يتم الشرط لا يثبت شيء من ~~الجزاء . فأما إذا لم يبين فإنما يحمل مطلق كلامه على ما هو المفهوم عادة ، ~~وهو التحريض على دفع شرهم عن المسلمين بقتلهم ، فبقدر ما حصل من المقصود ~~يستحق السلب . # وكذلك لو قال لسرية : ائتوا حصن كذا ، فإن قتلتم وفتحتموه فلكم الربع . ~~فقتلوا بعضهم أو قتلوا رأسهم وتفرق جمعهم وفتحوا الحصن ، فلهم النفل ؛ ~~PageV02P669 لأن ما هو المفهوم من كلامه قد حصل ، وهو تقريق الجمع وفتح ~~الحصن بالقتال . وإن فتحوا الحصن بغير قتال لم يكون لهم نفل ؛ لأن ما جعله ~~سبب الاستحقاق لهم وهو القتال لم يوجد . ألا ترى لو قال : إن قتلتم مقاتلته ~~وسبيتم ذريته فلكم كذا . فقتلوا البعض وسبوا من بقي منهم كان لهم النفل ، ~~ولو أخذوهم بغير قتال لم يكن لهم نفل ، ولو أخذوهم بغير قتال لم يكن لهم ~~نفل لما قلنا . ولو قال : إن قتل إنسان منكم قتيلا ، فقتل رجلان من ~~المسلمين قتيلا ، كان سلبه بينهما نصفين ولو قتل مسلم ومشرك مشركا أخطأ به ~~فقتله مع المسلم كان نصف السبب للمسلم ونصفه في الغنيمة ؛ لأن في حق المسلم ~~يجعل كأن القاتل معه مسلم . وفي حصة المشرك يجعل كأن القاتل معه مشرك . ~~وهذا لأن الإيجاب بالتنفيل من الإمام كان للمسلمين فإنما يستحق المسلم بقدر ~~ما باشر من السلب . وإنما باشر هو قتل نصف النفس حين شارك غيره فيه . ألا ~~ترى أنه لو قتل مسلما خطأ مع غيره كان عليه نصف الدية ، فإذا كان فيما يجب ~~من الغرم بالقتل يجعل هذا قاتلا نصف النفس فكذلك فيما يستحق من الغنم به . ~~ولو قال : من قتل بطريقا فله سلبه ، فقتل مشركا ليس ببطريق لم يستحق السلب ~~؛ PageV02P670 لأن المقصود التحريض على قتل من تنكسر شوكتهم بقتله ، ولم ms0396 ~~يحصل هذا المقصود . ألا ترى أنه لو قال : من قتل الملك فله سلبه . فقتل ~~رجلا غير الملك لم يستحق شيئا ؟ ، ولو قال : من قتل بطريقا فله من الغنيمة ~~ألف درهم فقتل رجل بطريقا استحق ما أوجب له الإمام من الغنيمة ألف درهم ، ~~لمباشرته سلبه ، ولكن مما يغنمون بعد هذا حتى لو لم يغنموا بعد هذا شيئا لم ~~يعطه مما كانوا غنموا قبل هذا شيئا ؛ لأن سهام المسلمين قد وجبت فيه ، وهذا ~~التنفيل فيما كانوا غنموا ؛ لأنه يكون تنفيلا بعد الإصابة ، وذلك لا يجوز ، ~~ولو قال : من قتل منكم صعلوكا فله سلبه . فقتل رجل بطريقا ، أو قتل الملك ، ~~لم يستحق شيئا ؛ لأنه أوجب له سلب الصعلوك . وسلب الملك والبطريق أفضل من ~~سلب الصعلوك لا محالة فبإيجاب الأدنى لا يستحق الأعلى . بخلاف ما لو قال : ~~من قتل صعلوكا فله مائة درهم ، فقتل رجل بطريقا فإنه يستحق المائة ؛ لأنه ~~أتى بما شرط عليه وزيادة . فانكسار شوكتهم بقتل البطريق أظهر منه بقتل ~~الصعلوك . والمسمى بمقابلته وهو المائة معلوم . والمسائل بعد هذا إلى آخر ~~الباب مبينة على أصل وهو أنه : PageV02P671 إن أوجب له بالتنفيل شيئا بعينه ~~لم يستحق شيئا آخر سواء أتى بأدون مما شرط عليه أو أعلى ؛ لأن محل ~~الاستحقاق لم يوجد ، والإيجاب لا يعمل بدون المحل . وإن كان أوجب له مالا ~~مسمى ، فإن أتى بخلاف ما شرط لم يستحق شيئا من المسمى ؛ لأن مع مخالفة ~~الجنس لا يحصل الامتثال . وإن كان ما أتى به من جنس ما شرطه عليه : فإن كان ~~أدون مما شرط عليه في المنفعة لم يستحق شيئا ؛ لأنه لم يمتثل الأمر ولم ~~يحصل المقصود بكماله . فإن كان أعلى مما شرط عليه استحق المسمى ؛ لأنه أتى ~~بالمشروط وزاد عليه . فإذا قال : من قتل شيخا فله سلبه ، فقتل شابا استحقه ~~؛ لأنه أتى بالمشروط وزيادة ، فإن النكاية وإظهار الجلادة في قتل الشاب ~~أكثر ، والسلب لا يتفاوت بالشباب والشيخوخة . وإن قال : من قتل شابا فقتل ~~شيخا لم يستحق ؛ PageV02P672 لأن ما أتى به أدنى مما ms0397 شرط عليه في معنى ~~النكاية والجلادة . ولو قال : من جاء بأسير فهول له . فجاء بوصيف ، أو على ~~عكس هذا لم يستحق شيئا ؛ لأن المحل الذي أوجب صفة النفل فيه لم يوجد ، فإن ~~الأسير غير الوصيف . وكذلك لو قال : من جاء بوصيف فهو له ، فجاء برضيع أو ~~على عكس هذا لم يكن له ؛ لأن الوصيف غير الرضيع . فالمحل الذي أوجب حقه لم ~~يوجد . ولو قال : من جاء بألف درهم فله منها مائة . فجاء بألف دينار ، لم ~~يكن له منها شيئا ؛ لأنه أوجب له بعض ما يأتي به من الدراهم ، وبين الدراهم ~~والدنانير مخالفة في الجنس . ولو قال : من جاء بوصيف فله مائة درهم فجاء ~~بوصيفة لم يستحق شيئا ؛ لان الذكور والإناث من بني آدم جنسان مختلفان ~~لتباين المقصود . ولهذا لو اشترى شخصا على أنه عبد فإذا هي أمة لم ينعقد ~~البيع ، ومع اختلاف الجنس لا يتحقق الامتثال . PageV02P673 ولو قال : من ~~جاء بشاب فله مائة درهم فجاء بشيخ ، لم يستحق شيئا . ولو كان على عكس هذا ~~استحق ؛ لأن الجنس واحد والشاب فيما هو المقصود هاهنا خير من الشيخ . فإذا ~~جاء بما هو أزيد من المشروط عليه استحق النفل . وإن جاء بأنقص منه لم يستحق ~~بمنزلة ما لو قال : من جاء بألف درهم غلة فله مائة درهم . فجاء بألف درهم ~~جياد أخذ مائة درهم غلة ؛ لأن الجنس واحد وما جاء به أفضل ، ولكن لا يستحق ~~إلا قدر ما سمي له وذلك مائة درهم غلة . وكذلك لو قال : من جاء بألف درهم ~~غلة فله عشرها . فجاء بألف نقد بيت المال استحق عشرها من دراهم غلة ؛ لأن ~~ما أوجب له الفضل والاستحقاق بالتسمية ، ولا يثبت إلا بقدر المسمى . ولو ~~قال : من جاء بألف درهم جياد فله مائة . فجاء بألف غلة ، لم يكن له شيء ؛ ~~لأن ما جاء به دون ما شرط عليه . ولو قال : من جاء بعشر شياة فله شاة . ~~فجاء بعشر بقرات ، لم يستحق شيئا لاختلاف الجنس . وكذلك لو قال : من جاء ~~بعشرة أثواب ms0398 ديباج فله PageV02P674 كذا ، فجاء بعشرة أثواب بزيون لم يكن له ~~شيء . وكذلك إن كان على عكس هذا ؛ لأن الجنس مختلف . ولو قال : من جاء ~~بعشرة أثواب بزيون أحمر ، فجاء بالأخضر أو الأصفر ، فإن كان الأحمر أفضل ما ~~جاء به لم يستحق شيئا . وإن كان مثل ما جاء به أو دونه استحق ما سمي له ؛ ~~لأن الجنس واحد وإنما الاختلاف في الصفة هنا . ألا ترى أن من اشترى ثوب ~~بزيون على أنه أحمر فإذا هو أخضر فإن البيع يكون صحيحا . وكذلك على هذا ~~الأصل البغل والفرس والحمار . ولو قال : من جاء بفرس فله مائة ، فجاء ~~ببرذون لم يستحق شيئا ، وإن كان على عكس هذا استحق ؛ لأن الجنس واحد والفرس ~~أفضل من البرذون . بخلاف ما إذا جاء بحمار أو بغل فإنه لا يستحق شيئا ؛ لأن ~~الجنس مختلف . PageV02P675 ولو قال : من جاء بفرس فله مائة . فجاء رجل بفرس ~~، فإنما يعطى نفله مما يغنمون بعد هذا . حتى إذا لم يغنموا شيئا آخر فإن ~~نفله من الفرس خاصة دون ما غنموا قبل هذا . فإن كان الفرس لا يساوي مائة لم ~~يزد على مقدار ثمنه شيئا وإن كان يساوي مائة أو أكثر فرأى الإمام أن يجعل ~~الفرس فيما غنموا قبل هذا ويعطيه المائة منها ، فذلك مستقيم ؛ لأن له ولاية ~~بيع الغنائم ، وهذا التصرف منه بمنزلة بيع شيء من الغنائم بمثل قيمته فيجوز ~~. وإن كانت المائة أكثر من قيمة الفرس لم يعطه من الغنيمة إلا مقدار قيمة ~~الفرس ؛ لأن له ولاية المبادلة بشرط النظر لا بالمحاباة الفاحشة . ~~PageV02P676 # | باب ما يجب من السلب بالقتل وما لا يجب # ولو قال الأمير : قتل قتيلا فله سلبه ، فبرز علج للقتال ، وخرج إليه مسلم ~~فضربه ضربة أبانه عن فرسه وأخذ فرسه وجره إلى المسلمين حيا ، فمات بعد أيام ~~. وقد كان صاحب فراش أو لم يكن ، إلا أنه علم أنه مات من ضربته ، فله السلب ~~والفرس والسلاح من جملة السلب ؛ لأنه صار قاتلا له حين مات من ضربته . ~~وفيما يجب على القاتل لا ms0399 فرق بين أن يموت المقتول بضربته في الحال وبين أن ~~يموت منها بعد مدة ، فكذلك فيما يجب له بالقتل . ويستوي إن كان مات قبل ~~إحراز الغنيمة بدار الإسلام أو بعدها ، ما لم يقسم ، فأما إذا قسمت الغنائم ~~أو بيعت والرجل حي بعد فإن سلبه يقسم في الغنيمة بين الغانمين ؛ لأن سبب ~~الاستحقاق فيه للقاتل لم يتم بعد وهو القتل ، فإن تمام القتل لا يكون بدون ~~الموت والرجل حي بعد . وسبب ثبوت حق الغانمين PageV02P677 فيه قديم وهو ~~الاغتنام ، فيقسم بينهم وبالقسمة يتعين الملك ، فمن ضرورته إبطال حق حكم ~~التنفيل فيه وبعد ما نفذ الحكم من الإمام بإبطاله التنفيل فيه لا يستحقه ~~بالتنفيل وإن تم السبب . # فإن قيل : لماذا لا تؤخر الغنيمة والبيع في السلب حتى تنظر إلى ماذا يئول ~~حال الرجل ؟ . قلنا : لأن السبب الموجب للقسمة وهو الاغتنام قديم فيه ، فلا ~~يؤخر الحكم الذي يثبت بتقرير سببه لأجل سبب موهوم . ألا ترى أن المضروب ~~نفسه يقسم في الغنيمة ، فكيف لا يقسم سلبه ؟ . # فإن قيل : لأنه ليس في نفسه حق منتظر لأحد ، فأما في السلب فحق منتظر ~~للقاتل . فقد وجد سببه منه . قلنا : قد بينا أن السبب لا يتم إلا بموت ~~المضروب . ثم لا يتأخر قسمة الغنيمة لحق أقوى من هذا ، وهو حق المالك ~~القديم في المأسور ، فإنه حق ثابت لو جاء قبل القسمة أخذه بغير شيء . ثم لا ~~تؤخر القسمة والبيع لحقه ، فلأن لا يؤخرها هاهنا لحق الضارب ، وهو غير ثابت ~~في الحال ، كان أولى . # فإن قيل : فعلى هذا ينبغي إذا مات المضروب بعد القسمة أن يكون للقاتل حق ~~أخذ السلب بالقيمة ، كما في المأسور إذا جاء المولى بعد القسمة . قلنا : ~~هناك الملك كان ثابتا للمولى في الأصل فيتمكن من أخذه بالقيمة على وجه ~~الفداء لذلك الملك ، وهاهنا الملك للضارب في السلب لم يكن ثابتا قط ليفديه ~~بالقيمة ، وإنما كان يثبت له الحق ابتداء بسبب التنفيل إن لو مات المضروب ~~قبل القسمة ، فأما بعد القسمة فلا يمكن إثبات حقه لانعدام محله ms0400 . فإنما ~~وزان هذا من المأسور إن لو خرج الحربي بالعبد إلينا بأمان ثم أسلم ، أو ~~باعه من مسلم . وهناك لا يثبت للمولى حق الأخذ منه لانعدام محله ، فكذلك ~~حكم السلب . PageV02P678 # وعلى هذا لو أن المسلم حين رمى به عن فرسه اجتره المشركون فذهبوا به حيا ~~فلا شيء للضارب من فرسه وسلبه ما لم يعلم بموته من ضربته ؛ لأن تمام السبب ~~به يكون ، فالاستحقاق يثبت له ابتداء ، فلا بد فيه من التيقن بالسبب ، ولا ~~يكفي وجوده ظاهرا ، بمنزلة الشرط الذي تعلق به عتق أو طلاق ، فإنه ما لم ~~يتيقن به لا ينزل الجزاء . وإنما طريق معرفة ذلك أن يشهد به عدلان من ~~المسلمين ؛ لأن السلب باعتبار الظاهر غنيمة المسلمين . وإنما الحاجة إلى ~~الاستحقاق عليهم . فلا يكون ذلك إلا بينة تقوم من المسلمين على موته قبل ~~القسمة . فأما إذا مات المضروب بعد القسمة والبيع لم يكن للقاتل من السلب ~~شيء ولو قامت البينة به . لفوات المحل بنفوذ القسمة والبيع من الإمام فيه . ~~ولو كان قال : من قتل قتيلا فله مائة درهم . فهذا والأول سواء ، إلا في ~~خصلة واحدة : وهو أنه إذا بيع الغنائم ثم مات المضروب استحق المائة هاهنا ، ~~ما لم يقسم الثمن ، أما إذا قسم الثمن أو قسمت الغنيمة ثم مات المضروب فلا ~~نفل له ؛ لأن محل حقه الغنيمة هاهنا . والبيع لا يفوت هذا المحل . فإن ~~الثمن غنيمة باعتبار أنه قائم مقام المبيع يقسم بين الغانمين . فأما ~~بالقسمة يفوت محل حقه فيبطل نفله ، وفي الأول محل حقه السلب ، وهو يفوت ~~بالسلب . فإن الثمن ليس من السلب في شيء ، ففي هذا يقع الفرق بينهما . ~~والله أعلم . PageV02P679 # | باب من النفل لأهل الذمة والعبيد والنساء وغيرهم # وإذا قال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ، فقتل ذمي ممن كان يقاتل مع ~~المسلمين قتيلا استحق سلبه ؛ لن الإمام أوجب السلب للقاتل بلفظ عام يتناول ~~المسلم والذمي ، والعام كالنص في إثبات الحكم في كل ما يتناوله . ولو خص ~~الذمي بهذا استحق السلب بالقتل ، فكذلك إذا تناوله اللفظ ms0401 العام . وهذا لأن ~~الذمي إذا قاتل معنا استحق الرضخ من الغنيمة كما يستحق المسلم السهم . ومن ~~استحق الرضخ فهو شريك في الغنيمة . بمنزلة من يستحق السهم . ولهذا كان له ~~أن يتناول من الطعام والعلف مقدار حاجته . وكذلك لو قتل رجل من التجار ~~قتيلا سواء كان يقاتل قبل هذا أو كن لا يقاتل ؛ لأنه قاتل الآن ، وبه يصير ~~شريكا في الغنيمة فيتناوله حكم التنفيل . وكذلك لو قتلت امرأة مسلمة أو ~~ذمية قتيلا ؛ PageV02P680 لأنها شريكة بما يستحق من الرضخ . وكذلك لو قتل ~~عبد كان يقاتل مع مولاه قبل هذا ، أو كان لا يقاتل حتى الآن ؛ لأنه شريك ~~بما يستحق من الرضخ . فليستحق السلب بالتنفيل ، ويكون ذلك لمولاه ؛ لأنه ~~كسب عبده . إلا أن يكون الأمير خص فقال : من قتل من الأحرار قتيلا ، أو قال ~~: من قتل من المسلمين قتيلا ، فحينئذ يبنى الأمر على تخصيصه ؛ لأن ~~الاستحقاق بإيجابه . فكما يعتبر عموم كلامه يعتبر خصوصه . وإذا لم يستحق ~~الذمي السلب عند التخصيص يرضخ له من الغنيمة على قدر ما يرى الإمام ؛ لأنه ~~تبع للمسلمين ، ومن يكون تبعا في القتال يستحق الرضخ دون السهم ، كالعبيد ~~والنساء . وهذا لأنه لا بد من أن يعطى شيئا ليكون ذلك تحريضا له على الخروج ~~. ولا وجه للتسوية بين التبع والمتبوع . ولهذا أعطيناه الرضخ ، ولا يزاد ~~رضخه إن كان فارسا على سهم فارس من المسلمين وإن كان راجلا على سهم راجل ~~منهم . لأنه لا يكون ذمي أبدا إلا وفي المسلمين من هو أعظم غناء منه . فإذا ~~كان لا يزاد للمسلم العظيم الغناء على السهم فكيف يزاد للذمي ؟ . ~~PageV02P681 # وظاهر ما يقول في الكتاب يدل على أنه يجوز أن يبلغ برضخه سهم المسلم إذا ~~كان عظيم الغناء . والصحيح أنه لا يبلغ به أيضا ولكن ينقص بقدر ما يراه ~~الإمام كما لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر . # فإن قيل : أليس في التنفيل العام يسوى بينهما في السلب ، وربما يكون سلب ~~قتيل الذمي أكثر قيمة من سهم المسلم فلماذا لا يجوز أن يسوى بينهما أو ms0402 يفضل ~~الذمي فيما يرضخ له ؟ . # قلنا : لأن استحقاق السلب بعد التنفيل إما أن يكون بالقتل أو بالإيجاب من ~~الإمام ، ولا تفاوت بينهما في ذلك . بخلاف استحقاق الغنيمة ، فإنه باعتبار ~~معنى الكرامة . ألا ترى أن في الاستحاق بالتنفيل يسوى بين الفارس والراجل ، ~~وذلك لا يدل على أنه يجوز التسوية بينهما في استحقاق الغنيمة . ولو كان ~~الأمير قال : من قتل قتيلا فله سلبه . فسمع ذلك بعض الناس دون البعض . ثم ~~قتل رجلا قتيلا فله سلبه ، وإن لم . . . الإمام ؛ لأنه ليس في وسع الإمام ~~إسماع كل واحد منهم . وإنما في وسعه أن يجعل الخطاب شائعا وقد فعل . فيكون ~~هذا كالواصل إلى كل من تناوله الخطاب حكما . ألا ترى أن أبا قتادة رضي الله ~~عنه كان قتل قتيلا يوم حنين قبل أن يسمع التنفيل ، ثم أعطاه رسول الله عليه ~~السلام سلبه على ما روينا . ولأن سماع الخطاب إنما يشترط لدفع الضرر عن ~~المخاطب وفي هذا محض منفعة له . PageV02P682 # وعلى هذا لو بعث سرية وقال لأميرهم . لكم نفل الربع فإن إعلام أميرهم ~~كإعلام جماعتهم . وكذلك لو سمع بعضهم دون بعض فإن لم يسمع أحد منهم ولا من ~~غيرهم لم يكن له نفل ؛ لأن المقصود بالتنفيل التحريض على القتال ، ولا يحصل ~~هذا إذا لم يسمع كلامه أحد . فهو نظير ما لو تفكر هذا في نفسه ولم يتكلم به ~~، فأما إذا سمع أميرهم أو بعضهم فقد حصل المقصود وهو التحريض . يوضحه : أن ~~كلام الأمير يفشو إذا سمعه بعض الناس عادة . لأن السامع يبلغ من لم يسمع ~~كما قال عليه السلام : ' ألا فليبلغ الشاهد الغائب ' . وأما ما لم يسمع منه ~~أحد فلا يتصور أن يفشوا فلا يكون ذلك منه إشاعة الخطاب . ولو قال في أهل ~~عسكره : قد جعلت لهذه السرية نفل الربع . ولم يسمع ذلك أحد من السرية ، ففي ~~القياس : لا نفل لهم ؛ لأن المقصود وهو التحريض لا يحصل إذا لم يسمعه أحد ~~منهم . فتكلمه بذلك مع أهل العسكر وتكلمه به مع عياله ليلا أو في نفسه وحده ms0403 ~~سواء فيما هو المقصود بالتنفيل . وفي الاستحسان : لهم النفل . لما بينا أن ~~ما يتكلم به الإمام في أهل عسكره فإنه يفشو ، أو كأنه أمرهم بتبليغ أهل ~~السرية به دلالة . وليس في إثبات هذا الحكم في حقهم قبل التبليغ إضرار بهم ~~، وإن كان الأولى التبليغ لهم ليتم معنى التحريض ، يوضحه أن أصحاب ~~PageV02P683 السرية قد يكونون قوما لا يخاطبهم الإمام بنفسه عادة . ومن ~~عادة الملوك أنهم يتكلمون بين يدي خواصهم بما يريدون أن يظهر للعامة ، ~~فبهذا الطريق يصير هذا منه بمنزلة إشاعة الخطاب والأمر إياهم بالتبليغ . ~~ولو قال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ، ثم لحقهم مدد من المسلمين ، فقتل ~~رجل من المسلمين منهم قتيلا ، كان له سلبه ؛ لأن المدد في استحقاق الشركة ~~في الغنيمة يكون كالحضر وقت التنفيل ، فله سلب قتيله ، علم بمقالة الأمير ~~أو لم يعلم . ولو كان جاء مع المدد أمير آخر وعزل الأمير الأول بطل التنفيل ~~فيما يستقبلون ؛ لأن صحة تنفيه باعتبار ولايته ، وقد زالت ولايته بالعزل . ~~والعارض قبل حصول المقصود بالشيء كالمقترن بأصل السبب . ولو كان معزولا حين ~~نفل لم يعتبر تنفيله . فكذلك إذا صار معزولا بعد التنفيل قبل القتل ، أو ~~بعد بعث السرية قبل إصابة الغنائم . فأما إذا أصابوا الغنائم قبل أن يصير ~~الأول معزولا فلهم النفل من ذلك ؛ لأن المقصود قد تم بالتنفيل قبل العزل . ~~ثم إذا كان الأمير الأول قد أخبر بأن الأمير الثاني قادم PageV02P684 بعزله ~~فما دام بالبعد من معسكره لا يصير هو معزولا . فإذا صار قريبا من المعسكر ~~بحيث يغيث أهل العسكر إن طلبوا منه فإنه يصير معزولا ويبطل نفل الأول ؛ ~~لأنه لما قرب منهم فكأنه خالطهم ، وهذا لأنه بعد ما بعث الخليفة الثاني ~~بعزل الأول ، إنما لا ينعزل الأول ما لم يقرب منهم ، لحاجة أهل العسكر إلى ~~من يدبر أمورهم . والثاني عاجز عن ذلك لبعده عنه . فإذا قرب منهم فقد ارتفع ~~هذا المعنى . ولو لم يقدم عليهم أمير آخر ، ولكن مات أميرهم فأمروا عليهم ~~أميرا آخر ، وكان الأول قد نفل لهم ms0404 ، لم يبطل حكم تنفيله ؛ لأن الثاني ~~خليفة الأول قائم مقامه ولا يبطل شيء مما صنعه الأول . إلا أن يبطل ذلك ~~الأمير الثاني . فإن أبطله بعلم المخاطبين بطل ؛ لأنه بمنزلة الأول . ولو ~~أبطل الأول ذلك بعلمهم بطل . فكذل الثاني . ولو كان الخليفة قال لهم : إن ~~مات أميركم أو قتل فأميركم فلان . فهذا صحيح ؛ لأنه تعليق الإطلاق بالشرط . ~~فيصح ، كالعتق والطلاق . والأصل فيه ما روي أن النبي عليه السلام قال يوم ~~مؤتة : ' إن قتل زيد فجعفر أميركم ، وإن قتل جعفر فإن رواحة أميركم ' . ~~الحديث . PageV02P685 # ثم في هذا الفصل إذا مات الأول بطل تنفيله ، لأن الثاني نائب الخليفة ~~بتقليده من جهته ، فكأنه قلده ابتداء بعد موت الأول ، بخلاف ما سبق ، وهذا ~~لأن التنفيل رأي رآه الأول ، وحكم رأيه ينقطع برأي فوق رأيه ، وهو تقليد ~~الخليفة للثاني . فأما في الفصل الأول فلم يعترض على رأيه رأي فوقه ، إنما ~~نظر الجند له ولأنفسهم في نصب خليعة . فيبقى حكم رأيه باعتبار خليفته ، كما ~~لو استخلف هو بنفسه . ألا ترى أن في الاستخلاف في الصلاة لا فرق بين أن ~~يفعله الإمام الأول وبين أن يفعله القوم فهذا مثله . ولو قال لأهل العسكر : ~~من قتل منكم قتيلا فله سلبه ثم لحق بهم مدد أو تجار أو قوم أسلموا من أهل ~~الحرب . فقتل رجل منهم قتيلا ، ففي القياس : لا يستحق السلب ؛ لأنه خص ~~الحاضرين بالخطاب بقوله : منكم بخلاف ما سبق ، فقد عم الخطاب هناك بقوله : ~~من قتل قتيلا . وذلك يتناول الحاضر ومن يحضر . وفي الاستحسان : له السلب ؛ ~~لأنه ما قصد الحاضرين لأعيانهم ، بل لتحريضهم على القتال وفي هذا المعنى من ~~يحضر ومن حضر سواء . ألا ترى أن الذين لحقوا بهم شركاؤهم فيما أصابوا قبل ~~ذلك إذا قاتلوا وجعلوا كالحاضرين وقت الإصابة . فكذلك هم شركاؤهم في حكم ~~التنفيل ، وجعلوا كالحاضرين وقت التنفيل . PageV02P686 ولو كان في العسكر ~~قوم مستأمنون ، فإن كانوا دخلوا بإذن الإمام فهم بمنزلة أهل الذمة في ~~استحقاق الرضخ واستحقاق النفل إذا قاتلوا . وإن كانوا دخلوا بغير إذن ~~الإمام ms0405 فلا شيء لهم مما يصيبون من السلب ولا من غيره ، بل ذلك كله للمسلمين ~~؛ لأن هذا الاستحقاق من المرافق الشرعية لمن هو من أهل دارنا ، فلا يثبت في ~~حق من ليس من أهل دارنا ، إلا أن يكون الإمام استعان بهم ، فباستعانته بهم ~~يلحقون بمن هو من أهل دارنا حكما . # ونظيره الركاز والمعدن . فإن المستأمن إذا استخرج ذلك من دارنا بغير إذن ~~الإمام أخذ كله منه ، وإن استخرجه بإذن الإمام فهو بمنزلة الذمي يخمس ما ~~أصاب والباقي له . ولو أن قوما من المسلمين دخلوا دار حرب غير دارهم ، على ~~إثر جيش من المسلمين ، وكانوا أهل منعة ، فأصابوا غنائم ، وأصاب المسلمون ~~أيضا غنائم ، ثم خرجوا ، فما أصاب المسلمون يخمس ، والباقي بينهم على سهم ~~الغنيمة . وما أصاب المستأمنون فهو لهم لا خمس فيه ؛ لأن إصابتهم لذلك لم ~~تكن على وجه إعزاز الدين . وإنما يخمس المصاب إذا أصيب بأشرف الجهات ، وهذا ~~لا يتحقق في مصاب المسلمين دون مصاب PageV02P687 المستأمنين ، وإنما كان ~~ذلك منهم اكتسابا محضا ، فيسلم لهم كسبهم ، بخلاف ما سبقه فالإصابة هناك ~~كانت بمنعة المسلمين ، لأن المستأمنين إنما قاتلوا تحت رايتهم ، والاستعانة ~~بهم بمنزلة الاستعانة بالكلاب ، فلهذا خمس جميع المصاب . ولو كان الذين ~~فعلوا ذلك قوم من أهل الذمة ، لهم منعة جمع ما أصاب الفريقان ، أخرج خمسه ، ~~والباقي غنيمة بينهم جميعا ؛ لأن أهل الذمة من أهل دارنا ، فإنما يقاتلون ~~للذب عن دار الإسلام . ألا ترى أنه يجب علينا نصرة أهل الذمة إن قهروا إن ~~قوينا على نصرتهم . وليس علينا ذلك في حق المستأمنين بعدما دخلوا دار الحرب ~~. # يوضحه : أن أهل الذمة تبع للمسلمين في السكنى حين صاروا من أهل دارنا ، ~~فيكونون تبعا للمسلمين فيما يصيبون في دار الحرب أيضا . وقد تم الإحراز ~~بالكل . فلهذا يخمس جميع المصاب . فأما المستأمنون لا يكونون تبعا للمسلمين ~~في السكنى حتى يتمكنوا من الرجوع إلى دار الحرب فكذلك في الإصابة . ولو أن ~~حربيا في دار الحرب أخذ مالا من مالهم ، ثم استأمن إلى أهل العسكر ، فله ما ~~جاء ms0406 به ؛ لأنه بنفس الأخذ ملك المأخوذ لا بقوة المسلمين فالتحق بسائر ~~أمواله . وكذلك لو أسلم بعد الأخذ وصار ذميا وخرج إلى دارنا مع العسكر فذلك ~~المال له ؛ PageV02P688 لأنه ما أصاب بقوة المسلمين ، فلا يثبت حقهم فيه ~~وروي أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه كان فعل ذلك فإنه قتل الذين صحبوه في ~~السفر وأخذ أموالهم وجاء إلى المدينة وأسلم ، فلم يخمس رسول اله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك المال ، ولم يأخذ منه شيئا . وروي أنه قال له : ' أما إسلامك ~~فمقبول ، وأما مالك فمال غدر لا حاجة لنا فيه ' . وإنما قال ذلك لأنه كان ~~غدر بهم . ولذلك قصة معروفة . ولو كان أسلم قبل إصابة المال ثم قتل بعضهم ~~وأخذ ماله ولحق به العسكر فهو غنيمة بينه وبين أهل العسكر ؛ لأنه أصابه ~~بقوة المسلمين ، وقد تم الإحراز بمنعة المسلمين . ولو فعل ذلك أحد من أهل ~~العسكر سواه كان الحكم فيه هذا ، فكذلك إذا فعله الذي أسلم منهم . وكذلك لو ~~خرج فصار ذمة للمسلمين ثم رجع فأصاب ذلك ؛ لأنه صار ذمة للمسلمين ، فهو ~~بمنزلة الذمي الداخل مع الجيش من دار الإسلام ، وإنما تمكن من هذا المال ~~بقوة المسلمين . وكذلك لو استأمن إلى أهل العسكر ثم عاد بإذن الأمير وفعل ~~ذلك . لما بينا أنه بعد إذن الأمير بمنزلة الذمي فيما يصيب . PageV02P689 ~~ولو فعل بغير إذن الأمير كان ذلك لأهل العسكر إذا كان المستأمن غير أهل تلك ~~الدار ؛ لأنه بمنزلة مستأمن دخل مع العسكر من دار الإسلام . وهذا لأنه لا ~~منعة له ، فإنما أصاب ذلك بقوة المسلمين ، فيكون لهم ، بخلاف ما إذا كان ~~المستأمنون أهل منعة . ولو أن العسكر أسروا الأسراء من العدو ، فقال الأمير ~~: من قتل قتيلا فله سلبه ، فقتل أسير رجلا من العدو ، فسلبه من الغنيمة إن ~~لم يقسم الأمير الأسراء ، وإن كان قسمهم أو باعهم فالسلب لمولى القاتل ؛ ~~لأن بالقسمة صار عبدا له ، وسلب قتيله كسبه ، فأما قبل القسمة فالأسير من ~~الغنيمة . فسلب قتيله يكون من الغنيمة أيضا والله أعلم . PageV02P690 # | باب من ms0407 الشركة في النفل وما يؤخذ بحساب # وإذا قال الأمير : من أصاب أسيرا فهو له ، فأصاب رجل أسيرين أو ثلاثة فهم ~~له ؛ لأن صيغة كلامه عامة في المصيب والمصاب جميعا . وكذلك لو قال : إن ~~أصاب إنسان منكم أسيرا فهو له ؛ لأنه صرح بما يدل على التعميم في المصيب ~~والمصاب ، وفي مثله لا فرق بين حرف الشرط وحرف من ، وقوله : إنسان . لما لم ~~يصمد عينا به كان للجيش ، حتى إذا أصاب جماعة أسيرا واحدا فهو لهم باعتبار ~~هذا المعنى . ولو قال : من أصاب منكم عشرة أرؤس فهم له . فأصاب رجل منهم ~~عشرين رأسا فهم له كلهم . للتصريح بما يوجب التعميم . وهذا كله بمنزلة قوله ~~: من أصاب شيئا فهو له . PageV02P691 ولو قال : من أصاب عشرة أرؤس فله ~~عشرهم . فأصاب رجل عشرين فله عشر ما أصاب . وذلك رأسان . وكذلك لو قال : من ~~أصاب عشرة أرؤس فله رأس منهم ، ثم أصاب رجل عشرين فله رأسان . وإن أصاب ~~عشرة فله رأس وإنما يعطى الوسط مما أصاب ، لا يعطى أرفعهم ولا أخسهم ؛ لأن ~~الأمير أوجب له ذلك بإزاء منفعة المسلمين بعمله ، وذلك التسعة التي تبقى ~~لهم ، وتسمية الرأس مطلقا بمقابلة ما ليس بمال ينصرف إلى الوسط ، كما في ~~الخلع والصلح عن دم العمد . ولأن الإمام مأمور بالنظر له وللمسلمين ، وفي ~~إعطاء أرفعهم إياه ترك النظر للمسلمين . وفي إعطاء الأخس ترك النظر له ، ~~فيعطيه الوسط ليعتدل النظر . وخير الأمور أوساطها . وإن أصاب خمسة أرؤس ~~أعطي نصف واحد من أوساطها اعتبارا للبعض بالكل . # فإن قيل : الإمام شرط لاستحقاقه المجيء بعشرة أرؤس والشرط لا ينقسم على ~~المشروط باعتبار الأجزاء ، فإذا أتى بما دون العشرة ينبغي أن لا يستحق شيئا ~~. # قلنا : لا كذلك ، ولكنه أوجب له ذلك بمقابلة منفعة المسلمين بعمله ، ~~فبقدر ما يحصل من المنفعة للمسلمين يعطيه من المسمى . PageV02P692 وهذا لأن ~~المقصود من التنفيل التحريض على الأخذ والأسر . وهذا المقصود لا يحصل إذا ~~اعتبرنا الشرط صورة ، لأنه إذا تمكن من أخذ تسعة فلعم أنه لا يستحق شيئا لو ~~جاء بهم ms0408 لم يرغب في ذلك ، لأنه يحتاج إلى معالجة ومؤنة ، فإذا علم أن نصيبه ~~فيه كنصيب سائر الغانمين قل ما يرغب في التزام ذلك . فإنما تمام معنى ~~التحريض في اعتبار ما قلنا أنه يستحق بقدر ما جاء به . أرأيت لو قال : من ~~قتل منكم عشرة فله عشر أسلابهم . فقتل تسعة ، أما كان يستحق المسمى بحساب ~~ما قتل ؟ فكل أحد يعلم أنه لم يكن مقصود الإمام اشترط العشرة ، لأن الواحد ~~قل ما يتمكن من قتل عشرة منهم أو أخذ عشرة أرؤس . ولو أصاب رجلان عشرة أرؤس ~~فلهما واحد من أوساطهم ؛ لأن تمام المنفعة المشروطة للمسلمين كان بهما . ~~فالمسمى يكون مشتركا بينهما أيضا . ولو قال لرجل من أهل العسكر : إن أصبت ~~رأسا فهو لك . فأصاب رأسين لم يكن له إلا واحد منهما ؛ لأنه أخرج الكلام ~~مخرج الخصوص في المصيب والمصاب ، فينتفي معنى العموم عنه فيهما . ~~PageV02P693 ثم إن أصابهما على الترتيب فله أولهما ، وإن أصابهما معا فله ~~أن يختار أفضلهما ؛ لأنه لو لم يصب إلا الأفضل كان سالما له ، فلا يحرم ذلك ~~بإصابة آخر معه . ولو قال : إن أصبت عشرة أرؤس فلك منهم رأس فأصاب عشرين ، ~~لم يكن له إلا رأس واحد ؛ لاعتبار معنى الخصوص في كلامه . فإن أصاب بعضهم ~~قبل بعض فله واحد من العشرة الأولى ، من أوساطهم ، وإن أصابهم معا فله واحد ~~من أوساطهم . فإن قيل : لماذا لم يكن له أن يختار الأفضل هنا كما في ~~المسألة المتقدمة ؟ قلنا : لأن هناك ما شرط عليه منفعة المسلمين بمقابلة ما ~~أوجب له ، وهنا قد شرط ذلك عليه حين سمى له جزاء مما يأتي به ، فلهذا يعتبر ~~الوسط هاهنا . وإن أصاب خمسة فله نصف رأس من أوساطهم . اعتبارا للبعض بالكل ~~، وتحقيقا لمراعاة معنى التحريض . ولو قال لعشرة من العسكر : إن أصبتم عشرة ~~أرؤس فلكم منها راس . فهذا وقوله للواحد سواء في جميع ما ذكرنا ؛ لأنه لما ~~جمع بينهم في ذكر الإصابة فقد خصهم ، والتخصيص في المصيب يدل على التخصيص ~~في المصاب ، لكونه مبنيا عليه . PageV02P694 ولو ms0409 قال لعشرة : إن أصاب رجل ~~منكم عشرة أرؤس فله منها واحد ، فأصاب رجل عشرين رأسا فله رأسان من أوساطهم ~~، لأنه أفرد كل واحد بالإصابة وجعل خطابه عاما فيهم . فتعميم الخطاب في ~~المصيبين يثبت حكم العموم في المصاب كما لو خاطب به جميع أهل العسكر . ألا ~~ترى أن هنا لو أصاب كل رجل منهم عشرة أرؤس كان لكل رجل منهم رأس مما أصاب ؟ ~~فكذلك إذا أصاب المائة واحد منهم يكون له عشرة أرؤس . ولو قال لرجل واحد : ~~ما أصبت من عشرة أرؤس فلك منهم واحد فأصاب عشرين فله رأسان من أوساطهم ؛ ~~لأن كلمة ما توجب العموم ، ولا يمكن إثبات العموم به في المصيب ، لأنه خص ~~الواحد به . فأثبتنا العموم به في المصاب ، بخلاف قوله إن أصبت لأنه ليس في ~~كلامه ما يوجب العموم صورة ولا معنى . ولو قال لرجل من أهل العسكر : يا ~~فلان ؟ إن قتلت هذا الذي برز من المشركين فلك سلبه . فسمع ذلك رجل آخر من ~~المسلمين ، فبرز للمشرك وقتله ، لم يكن له سلبه ؛ لأن الأمير خص به من ~~خاطبه ، والاستحقاق باعتبار تنفيله . والتنفيل قابل للتخصيص ، فيجعل في حق ~~غيره كأن التنفيل لم يوجد أصلا . فلو قتله المخاطب بالتنفيل مع مسلم آخر ~~كان للمخاطب نصف السلب والنصف الآخر في الغنيمة ، لأن كل واحد منهما قتل ~~نصفه ، والبعض يعتبر بالكل في حق كل واحد من القاتلين . ؟ PageV02P695 # | باب من النفل المجهول # ولو قال الأمير : من جاء منكم بشيء فله منه طائفة . فجاء رجل بمتاع أو ~~ثياب أو برءوس فذلك إلى الأمير يعطيه من ذلك بقدر ما يرى ، على وجه النظر ~~منه لم جاء به ولأهل العسكر ؛ لأنه عبر عما يأتي به بأعم ما يكون من أسماء ~~الموجودات ، وهو اسم الشيء ، فيتناول كل ما يأتي به . وقد أوجب له طائفة من ~~ذلك . وذلك اسم لجزء مجهول . إلا أن هذه الجهالة لا تمنع صحة الإيجاب فيما ~~كان مبنيا علىالتوسع ، وبعد صحة الإيجاب البيان إلى الموجب أو إلى من يقوم ~~مقامه . والموجب الإمام هنا ms0410 . وهو مأمور بالنظر للكل . فينبغي أن يبين على ~~وجه يراعى النظر فيه ، ويكون ذلك البيان مقبولا منه بمنزلة من أوصى للإنسان ~~بطائفة من ماله ، فإن الوارث يعطيه من ذلك ما يشاء ، لأنه قائم مقام الموجب ~~، فإن لم يكن له وارث فميراثه للمسلمين . ويكون ذلك إلى الإمام يعطيه ما ~~يشاء على وجه النظر له وللمسلمين . # ولو قال : من جاء بشيء فله منه شيء ، أو له منه قليل أو يسير ، فهو على ~~قياس ما سبق . إلا أنه لا ينبغي للأمير هنا أن يبلغ ما يعطيه نصف ما جاء به ~~؛ PageV02P696 لأنه أوجب له يسيرا مما جاء به أو قليلا ، أو شيئا منكرا ، ~~وذلك دليل القلة أيضا ، والقلة والكثرة من الأسماء المشتركة إنما تظهر ~~بالمقاتلة . فالقليل من الشيء دون نصفه ، حتى إذا قوبل بما بقي منه كان ما ~~بقي أكثر . ولو قال : من جاء بشيء فله منه جزء ؛ فذلك إلى الأمير أيضا . ~~إلا أنه لا يزيده على النصف هنا ، وله أن يبلغ به النصف ؛ لأن أدنى ما يكون ~~جزء من جزءين وذلك النصف . ولو قال : بعضه ، فهو بمنزلة قوله : وله طائفة ؛ ~~لأن الأقل والأكثر يكون بعض الشيء وطائفة منه ، فليس في اللفظ ما يدل على ~~شيء من ذلك . فلهذا كان الرأي فيه إلى الإمام . ولو قال : من جاء بشيء فله ~~منه سهم . ففي قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه يعطيه سدس ما جاء به ؛ لأن ~~السهم عنده عبارة عن السدس ، حتى قال : إذا أوصى رجل لرجل بسهم من ماله لم ~~ينقص حقه عن السدس . وذلك مروي عن ابن مسعود رضي الله عنه فأما على قول أبي ~~يوسف ومحمد رحمهما الله في الوصية : له سهم كسهام أحد الورثة . وهو قول ~~شريح رحمه الله . وقد بينا هذا في الوصايا . وهنا على قياس قولهم : إذا قال ~~فله سهم يعطيه قدر ما يرى بعد أن لا يزيده على النصف ، بمنزلة الجزء ، لأن ~~الأدنى سهم من سهمين . كجزء من جزءين . PageV02P697 وإن قال : فله سهم رجل ~~من القوم ، كان ms0411 له مقدار سهم راجل . وإن كان في القوم فرسان ورجالة ؛ لأنه ~~لا يعطى إلا القدر المتيقن ، وهو الأقل . بمنزلة ما لو أوصى بسهم من ماله ~~وقد ترك خمس بنين وخمس بنات ، فإنه يكون للموصى له سهم كسهم إحدى البنات ~~حتى تكون القسمة من ستة عشر سهما . ولا يعطى إلا الأقل لكونه متيقنا به ، ~~فكذلك هنا . ثم في جميع هذا إذا أخذ نفله فالباقي بينه وبين أهل العسكر على ~~سهام الغنيمة . ولا يحرم سهمه باعتبار ما أوجب له من النفل . # فإن قيل : فإذا كان هو شريكا فيما يأتي به كيف يستحق النفل ؟ ، هذا يمتنع ~~إذا كان النفل عوضا ، والغازي فيما ينكئ في العدو لا يستحق عوضا بالشرط ، ~~وإنما يستحق ذلك بطريق التنفيل للتحريض ، ثم هو شريك القوم فيما بقي ~~باعتبار معنى الكرامة . ولو قال : من جاء بألف درهم فله ألفا درهم . فجاء ~~رجل بما قال لم يكن له غير ما جاء به ؛ لأن معنى التحريض والنظر متعين في ~~إيجاب جميع ما يأتي به له أو بعضه ، فأما الزيادة على ذلك فليس فيه من معنى ~~التحريض شيء فلا يستحق . وكذلك هذا في كل ما يشترط عليه المجيء به مما لا ~~مقصود فيه سوى العالية كالدنانير والوصفاء والأفراس وما أشبه ذلك . ~~PageV02P698 فإنه إذا كان قيمة ما جاء به دون ما أوجب له لم يستحق إلا بقدر ~~قيمة ما جاء به . ولو قال : من جاء بأسير فهو له وخمسمائة درهم . فهذا صحيح ~~ويعطى الخمسمائة مما يغنمون بعد هذا . بخلاف ما سبق ، لأن المقصود هنا ~~الكناية في العدو بأسر المبارزين منهم ، وفيما تقدم لا مقصود سوى المالية ~~ألا ترى أنه لو قال : من جاء ببطريق فهو له وألف دينار أو قال : من جاء ~~بالملك فهو له وعشرون رأسا ، فجاء به رجل استحق من الغنيمة ما سمي له ، وإن ~~كان أكثر مما جاء به ، لحصول معنى الكناية بفعله . ألا ترى لو قال : من قتل ~~الملك فله عشرة آلاف دينار ، فقتله رجل أعطي ذلك ، وإن لم يحصل ms0412 للمسلمين ~~بقتله شيء من المال . ولو نظر إلى مشرك على سور الحصن يقاتل ، فقال : من ~~صعد السور فأخذه فهو له وخمسمائة درهم ، ففعل ذلك رجل استحق ما سمي له ؛ ~~لأن المقصود النكاية في العدو بفعله وقد حصل . فإن وقع الرجل من فوق السور ~~إلى الأرض خارجا من الحصن في موضع يمتنع فيه من المسلمين ، فأخذه رجل من ~~المسلمين أو قتله لم يكن له شيء ؛ PageV02P699 لأن الأمير أوجب له ذلك إذا ~~صعد السور فأخذه وقتله ، وفي ذلك من النكاية في العدو ما لا يحصل إذا قتله ~~بعدما وقع على الأرض خارجا من الحصن . أرأيت لو وقع وسط المسلمين حيث لا ~~يمتنع منهم فقتله رجل أكان يستحق شيئا ؟ ، ولو وقع في داخل الحصن فصعد إليه ~~رجل فأخذه أو قتله استحق النفل ؛ لأنه أتى بالمشروط عليه وزيادة . ولو كان ~~على السور على حاله فطعنه حتى رمى به إلى المسلمين في موضع يمتنع فيه من ~~المسلمين ، ثم أخذه فقتله كان له النفل ؛ لأنه أتى بالمشروط عليه معنى ، ~~فإنه سقط من الحصن بفعله ، فكان هذا والصعود إليه قريبا من السواء . ألا ~~ترى أنه لو توهقه حتى جرده فألقاه من السور ثم قتله فإنه يستحق نفله ؟ . ~~ولو كان الأمير قال : من أخذه فهو له . ولم يذكر صعودا إليه . فوقع من ~~السور خارجا من الحصن . فإن كان في موضع لا يمتنع فيه عن المسلمين فأخذه ~~رجل كان له . وإلا فهو فئ لجماعة المسلمين . PageV02P700 لأنه إذا وقع في ~~موضع لا يمتنع فيه من المسلمين فقد صار مأخوذا بجماعتهم فلا يعتبر فيه فعل ~~الأخذ بعد ذلك . وإذا كان في موضع يمتنع فيه فإنما صار مأخوذا بالآخذ فيكون ~~له . ولو قال : من صعد الحصن ثم نزل عليهم فله خمس مائة درهم . ففعل ذلك ~~رجل من استحق النفل . لحصول النكاية . وإن صعد فلم يستطع أن ينزل فرجع لم ~~يكن له من النفل شيء ؛ لأن ما أتى به دون المشروط عليه في النكاية . ولو ~~كان المسلمون على ثلمة في الحصن فقال الأمير ms0413 : من دخل فيها فله عشرة دنانير ~~. فدخل رجل ولم يقتل أحدا أخذ الدنانير ؛ لأنه أتى بما كان مشروطا عليه . ~~والمقصود النكاية فيهم ، وقد حصل . وإن دخل من ثلمة أخرى أو صعد حائطا فنزل ~~عليهم ، فإن كان فعل ذلك من موضع مثل هذا الموضع أو أشد فيما يرجع إلى جرأة ~~الداخل والنكاية فيهم والمنفعة للمسلمين فله نفله ؛ لأنه أتى بالمشروط معنى ~~وزيادة . وإن كان ذلك الموضع أيسر في الدخول من هذا الموضع أو أشد ، إلا ~~أنه أقل منفعة للمسلمين لم يكن له النفل . PageV02P701 وهو الأصل فيما ذكر ~~إلى آخر الباب . أنه متى أتى بما هو أقل من المشروط عليه فيما يرجع إلى ~~المقصود لا يستحق شيئا . وإن كان مثله أو فوقعه يستحق مقدار ما سمي له ، ~~حتى إذا قال : من جاء بألف درهم جياد فله منها مائة فجاء بألف غلة لم يكن ~~له شيء ؛ لأن المقصود هنا منفعة المال ، وما جاء به دون المشروط عليه . ولو ~~قال : من جاء بألف غلة فله منها مائة فجاء بألف جياد أخذ منها مائة غلة ؛ ~~لأنه جاء بأنفع من المشروط عليه . ولكن لا يستحق إلا المسمى ؛ لأن ~~الاستحقاق باعتبار التسمية . ولو قال : من جاء بألف جياد فهي له ، فجاء ~~بألف غلة كانت له ؛ لأنه ما شرط للمسلمين علي منفعة هاهنا . فإنما يعتبر ~~الصفة فيما جاء به لأجل منفعة المسلمين . فإذا كان المشروط له بعض ما جاء ~~به اعتبر معنى المنفعة . فإذا كان جميع ما جاء به فلا معتبر بالصفة فيه ، ~~PageV02P702 ولو قال : من جاء بألف إلى فيه له ، فجاء بألف نقد بيت المال ~~كان له ألف غلة ؛ لأن الاستحقاق باعتبار التسمية وهو ما أوجبه له فجاء بألف ~~نقد بيت المال كان له ألف غلة ؛ لأن الاستحقاق باعتبار التسمية وهو ما ~~أوجبه له أكثر من ألف غلة ، فما زاد على صفة ما أوجب له يكون في الغنيمة . ~~وعلى هذا ذكر هنا بعده من قوله : من جاء بنقرة . PageV02P703 ؟ # | باب من النفل الذي يستحق بقتل القتيل ولا يستحق ms0414 إذا اختلف فيه # . # وإذا قال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه . فضرب مسلم مشركا فصرعه ، ~~وأجتز آخر رأسه فإن كان الذي ضربه قتله ، واجتز الآخر رأسه بعد الموت ~~فالسلب للضارب ؛ لأنه هو القاتل . فإن تمام فعل القتل بالمقتول . وقد صار ~~مقتولا بضربته . وإن كان لم يقتله ، وكان بحيث يقدر على التحامل مع ضربته ~~أو العون بالكلام أو غيره فالسلب للذي أجتز رأسه ؛ لأنه هو القاتل . فإنه ~~بعد فعل الأول كان مضروبا مقتولا . وإنما صار مقتولا بعد فعل الثاني . ~~والإمام لم يقل : من صرعه أو ضربه . وإنما قال : من قتله . فإن قيل : لولا ~~فعل الأول لما تمكن الثاني من جز رأسه . قلنا : ولولا خروجه إلى هذا الموضع ~~ما تمكن القاتل من قتله فيه ، ثم بهذا لا يتبين أنه يكون قاتلا نفسه . ~~أرأيت لو توهقه إنسان فرمى به عن برذونه ولم يخرجه فوثب آخر فجز ~~PageV02P704 رأسه أكان القاتل هو الأول ؟ لا ، PageV02P705 ولكن القاتل من ~~جز رأسه ، وإن كان لولا ما سبق من فعل الآخر لم يتمكن منه . وكذلك إن كان ~~ضربه الأول بحيث يعلم أن آخره يكون إلى الموت إلا أنه ربما عاش يوما أو ~~يومين فاجتز آخر رأسه فالسلب للثاني ، لأنه هو القاتل حقيقة . ألا ترى أن ~~في نظيره في قتل العمد يكون القود على الثاني ، ويجعل فعله الثاني في حق ~~الأول كالبرء ، لأنه قاطع لسراية فعل الأول . واستدل عليه : بحديث عمر رضي ~~الله عنه ، فإن الذي ضربه في المحراب أصاب مقتله حتى شرب اللبن فخرج من ~~جرحه ، وعلم أن آخر أمره إلى الموت . ومع هذا كن حيا ما لم يمت ، حتى لو ~~مات له ولد ورثه عمر ولم يرث ذلك الولد منه شيئا . وإن كان الأول ضربه فنثر ~~ما في بطنه فألقاه ، أو قطع أوداجه إلا أن فيه الروح بعد ، فاجتز الآخر ~~رأسه فالسلب للذي ضربه ؛ لأنه صار بمنزلة الميت بفعل الأول ، والذي بقي فيه ~~بمنزلة اضطراب المذبوح فلا يعتبر به . ألا ترى أن الذئب لو عدى على شاة ~~فقطع ms0415 أوداجها أو نثر ما في بطنها ثم أدركها صاحبها فذبحها لم يحل أكلها ، ~~وإن كانت تضطرب عند الذبح . ومثله لو عقرها الذئب عقرا يعلم أن آخر ذلك ~~الموت إلا أنها تعيش يوما أو يومين فذبحها صاحبها جاز أكلها . وهو معنى ~~قوله تعالى : ' وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ' . وذلك مروي عن ابن عباس رضي ~~الله عنه ، في شاة بقر الذئب بطنها فخرج قصبها فأدركها صاحبها فذبحها . قال ~~: لا بأس بأكلها . وهذا لأن المتيقن به لا يتبدل إلا بمثله . فالروح قبله ~~كان متيقنا به فلا يحكم بموته إلا بفعل يتيقن به بأنه لا يبقى فيه الروح ~~بعده ، وما يتوهم أن يعيش بعده يوما أو أكثر ليس بهذه الصفة فلا يجعل ~~مقتولا ، بل إنما يجعل مقتولا بحز الرأس . فإن قال الذي اجتز رأسه : اجتززت ~~رأسه قبل أن يموت ، وقال الضارب : بل اجتززت رأسه بعد ما مات ، فإنه يجعل ~~القول قول من يشهد له الظاهر ، فإن كان فعل الضارب على نحو ما ذكرنا من قطع ~~الأوداج أو إلقاء ما في البطن فالقول قوله ؛ لأنا نتيقن أن فعله قاتله وفعل ~~الثاني كذلك . وعند المساواة في الأثر يترجح الأول بالسبق . وإن كان فعل ~~الأول بحيث يعاش من مثله يوما أو أكثر فالقول قول الثاني والسلب له . ؛ ~~لأنا نتيقن أن فعل الثاني قتل ، ولا نتيقن به في فعل الأول ، ولا معارضة ~~PageV02P706 بين الأضعف والأقوى ، فإنما يحال بزهوق الروح على الأقوى الذي ~~نتيقن به . وإن كانت جراحة الأول مشكلة ، أو كان خفي عليه موضعها من الجسد ~~، أو أخذه أصحابه فاحتملوه فالسلب للذي اجتز رأسه ؛ لأنا نتيقن بأن فعله ~~قتل ، وفي فعل الأول تردد إذا لم يوقف على صفته ، والمتردد لا يعارض ~~المتيقن به ، لأن من علم حياته يقينا لا يعمل يجعل ميتا إلا بتيقن مثله ، ~~وذلك بعد فعل الثاني . ولو أن مسلما احتمل رجلا من المشركين عن فرسه حتى ~~جاء به إلى صف المسلمين ثم ذبحه لم يكن له سلبه ، ولم يحل له أن يقتله ؛ ~~لأنه لما ms0416 جاء به إلى الصف حيا فقد صار هذا أسيرا للمسلمين ، ولا يحل قتل ~~الأسير بغير إذن الإمام ، لأن للإمام في الأسير رأي بين أن يقتله وبين أن ~~يجعله فيئا . ولم يكن مقصود الإمام من قوله : من قتل قتيلا فله سلبه الأسير ~~، وكيف يكون قصده هذا وإنما نفل للتحريض . وقتل الأسير بغير إذن الإمام لا ~~يحل شرعا . فلو كان حين احتمله أنزله عن دابته فقتله بين الصفين كان له ~~سلبه ؛ لأنه قتل مقاتلا على وجه المبارزة ، فإنه لم يصر أسيرا بمجرد إنزاله ~~عن دابته . PageV02P707 ألا ترى أنه لو أخذه لكان ينتصف منه في ذلك الموضع ~~، بخلاف الأول فإنه بعدما حصل في صف المسلمين فقد صار مقهورا لا ينتصف من ~~المسلمين ، وإن لم يكن مأخوذ هذا الرجل . والذي يوضح الفرق أنه لو أسلم ~~بعدما جاء به إلى صف المسلمين كان عبدا للمسلمين . ولو أسلم بين الصفين ~~بعدما أنزله عن دابته كان حرا لا سبيل عليه . وكذلك لو توهقه حتى أنزله عن ~~دابته ثم قتله بين الصفين ، فله سلبه ، فلو جره بوهقة إلى صف إلى صف ~~المسلمين ثم قتله لم يكن له سلبه ، إلا أن يكون المشرك ممتنعا مع ذلك يعالج ~~نفسه ويقاتله بعدما أتى به صف المسلمين فقتله ، فحينئذ يستحق سلبه ؛ لأنه ~~لم يتم أسره بعد إذ كان ممتنعا مقاتلا . ألا ترى أنه لو حمل فوقع في صف ~~المسلمين وهو يقاتل مع ذلك فقتله إنسان استحق سلبه ؟ ، ولو أسلم حين وقع في ~~الصف وألقى سلاحه ثم قتله رجل لم يكن له سلبه ؛ لأنه صار أسيرا مقهورا بما ~~صنعه . ولو قال الأمير حين اصطف الفريقان للقتال : من PageV02P708 جاء برأس ~~فله مائة دينار . فهذا جائز ، وهو على رءوس الرجل ليس على السبي ؛ لأن ~~المقصود في هذه الحالة التحريض على القتال . ومطلق الكلام يتقيد بما هو ~~المعلوم من دلالة الحال . فكل من قتل إنسانا وجاء برأسه استحق النفل من ~~الغنيمة كما سمى له الإمام . فإن جاء رجل برأس وقال : أنا قتله . وقال آخر ~~: بل أنا ms0417 قتلته ، وهذا أخذ برأسه فالقول قول الذي جاء بالرأس ؛ لأن الظاهر ~~شاهد له . فإن تمكنه من جز رأسه والمجيء به دليل على أنه هو القاتل . ~~فالقول مع يمينه . لأنه لم يتم أسره بعد إذ كان ممتنعا مقاتلا . ألا ترى ~~أنه لو حمل فوقع في صف المسلمين وهو يقاتل مع ذلك فقتله إنسان استحق سلبه ؟ ~~، ولو أسلم حين وقع في الصف وألقى سلاحه ثم قتله رجل لم يكن له سلبه ؛ لأنه ~~صار أسيرا مقهورا بما صنعه . ولو قال الأمير حين اصطف الفريقان للقتال : من ~~جاء برأس فله مائة دينار . فهذا جائز ، وهو على رءوس الرجل ليس على السبي ؛ ~~لأن المقصود في هذه الحالة التحريض على القتال . ومطلق الكلام يتقيد بما هو ~~المعلوم من دلالة الحال . فكل من قتل إنسانا وجاء برأسه استحق النفل من ~~الغنيمة كما سمى له الإمام . فإن جاء رجل برأس وقال : أنا قتله . وقال آخر ~~: بل أنا قتلته ، وهذا أخذ برأسه فالقول قول الذي جاء بالرأس ؛ لأن الظاهر ~~شاهد له . فإن تمكنه من جز رأسه والمجيء به دليل على أنه هو القاتل . ~~فالقول مع يمينه . # فإن قيل : بالظاهر يدفع الاستحقاق ، وحاجته إلى إثبات الاستحقاق . قلنا : ~~نعم ، ولكن التكيف بحسب الوسع ، وهو عند قتل المشرك لا يمكنه أن يشهد على ~~ذلك شاهدين عادة ، فلا بد من تحكيم العلامة لاستحقاقه . وإن أقام الآخر ~~البينة أنه هو الذي قتله فالسلاب له ؛ لأنا علمنا أن مقصود الأمير التحريض ~~على القتل وحث المبارزين على ما لا يقدر عليه غيرهم ، وذلك فعل القتل دون ~~جز رأس المقتول ، فكأنه جعل قوله : من جاء برأس كناية عن هذا ، واللفظ متى ~~صار مجازا عن غيره بدليل سقط اعتبارا حقيقته . أرأيت أنه لو قتل مشركا ~~فاجتره أصحابه إليهم . PageV02P709 فلم يقدر على رأسه أو ضرب رأسه فأندره ~~فوقع في نهر فذهب به الماء أكان لا يستحق السلب لهذا ؟ . أرأيت لو ضرب رأسه ~~فأندره فوقع في كف آخر أكان السلب للذي وقع في كفه ؟ . لا ، ولكنه للقاتل . ~~ولو جاء برأس ms0418 فقال بعض الناس : هذا رجل مات فاجتز رأسه . وقال الذي جاء ~~برأسه : بل قتلته ، فالقول قوله مع يمينه ؛ لأنا وجدنا معه علامة يستدل بها ~~على أنه هو القاتل ، وتحكيم العلامة في مثل هذا أصل . ولو قال بعض الناس : ~~هذا رأس مسلم نظر إلى السيماء . فإن كانت عليه سيماء المشركين فله النفل ، ~~وإلا فلا ؛ لأن تحكيم السيماء فيما يحكم فيه بالعلامة أصل ، بدليل ما إذا ~~اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ، فإن تحكيم السيماء في الصلاة عليهم ~~والدفن . وإن أشكل فلم يدر أرأس مسلم هو أو رأس مشرك لم يعط شيئا حتى يعلم ~~أنه رأس مشرك ؛ بدليل ما إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ، فإن ~~تحكيم السيماء فيما يحكم فيه بالعلامة أصل ، بدليل ما إذا اختلط موتى ~~المسلمين بموتى المشركين ، فإن تحكيم السيماء في الصلاة عليهم ودفن . وإن ~~أشكل فلم يدر أرأس مسلم هو أو رأس مشرك يعط شيئا حتى يعلم أنه رأس مشرك ؛ ~~لأن معه علامة يستدل بها على أ ، ه مشرك ، وبدونه لا يستحق القاتل فما لم ~~يعلم بما هو المشروط لا يستحق شيئا . وإن جاء برأس يزعم أنه قتله ، ومعه ~~آخر يزعم أنه قتله PageV02P710 فالقول قول الذي في يده الرأس مع يمينه . ~~فإن حلف أخذ النفل ، وإن نكل ففي القياس لا نفل لكل واحد منهما ؛ لأن ~~الناكل قد صار مقرا أنه لا حق له ، ولم يجد مع الآخر علامة يستدل بها على ~~أنه قاتل ، إذ الرأس لم يكن في يده ، وحاجته إلى نكول الناكل كإقراره . ولو ~~أقر أن القاتل هذا ، بعدما جحد ، أو قيل أن بجحد كان النفل له . فكذلك إذا ~~نكل عن اليمين ، والمعنى في الكل أن الذي جاء بالرأس مستحق للنفل بوجود ~~العلامة معه ، فهو بإقراره أو نكوله حول ما كان مستحقا له إلى الثاني ، ~~وذلك صحيح . كمن أقر بعين لإنسان ، وقال المقر له : ليس لي ولكنه لفلان ، ~~فإنه يكون للمقر له الثاني ، ويجعل محولا إليه ما صار مستحقا له بإقراره . ~~وكذلك لو جاء رجلان برأس وهما ms0419 يزعمان أنهما قتلاه فالنفل بينهما ، سواء كان ~~الرأس في أيديهما أو في يد أحدهما ، وهو مقر أنهما قتلاه ؛ لأن العلامة ~~ظهرت في حقهما بتصادقهما ، أو بكون الرأس في أيديهما . وإن قال الذي في يده ~~الرأس : قتلته أنا وهذا الرجل ، وقال الآخر : قتلته دونه ، فالنفل لهما ؛ ~~PageV02P711 لأن العلامة لمن في يده الرأس . وهو ما حول بإقراره إلى صاحبه ~~، إلا بنصف ما صار مستحقا له . فيبقى استحقاقه للنصف الآخر . ولو جاء ~~بالرأس وهما آخذان به ، وكان واحد منهما يقول أنا قتلته وحدي . استحلف كل ~~واحد منهما على دعوى صاحبه لقطع المنازعة بينهما ، فإن نكل أحدهما فالنفل ~~لصاحبه خاصة . فإن حلفا فالنفل بينهما نصفان . لاستوائهما في العلامة وهو ~~المجيء بالرأس والاستحقاق مبني عليه . ولو نظر المسلمون إلى رجل يجتز رأس ~~مقتول فقال : أنا قتلته . وحلف على ذلك أعطي نفله . لوجود العلامة معه . ~~فإن كانوا رأوه جاء من موضع بعيد لا يقتله في مثل ذلك الموضع حتى اجتز رأسه ~~وهو مقتول فهذا لا نفل له ؛ لأن تحكيم العلامة إنما يكون في موضع لا يعارضه ~~دليل أقوى منه هاهنا ، وهو علمنا بأنه مقتول حال ما كان الرجل بالبعد منه ~~على وجه لا يتمكن من ضربه . والذي سبق إلى وهم كل واحد في هذه الحالة أنه ~~كاذب . فإن قال : إني كنت قتلته ثم قاتلت ثم رجعت إليه فجتززت رأسه لم ~~يلتفت إلى قوله ؛ PageV02P712 لأنه أخبر بما لا يشهد له الظاهر به ، وبما ~~ليس معه علامة يستدل به على صدقه . فلو أعطي شيئا إنما يعطى بمجرد الدعوى ، ~~وذلك لا يجوز بالنص . ولو كان الأمير قال حين انهزم : من جاء برأس فله مائة ~~درهم . فهذا أيضا على رءوس الرجال ؛ لأن في انهزام المسلمين في آثارهم ~~يقتلونهم . فالظاهر أن المراد التحريض على الاتباع والقتل . ولو قال الإمام ~~: عنيت السبي لم يلتفت إلى قوله ؛ لأنه أضمر خلاف ما أظهر ، ولا طريق لهم ~~إلى معرفة ما في ضميره فإنما يبنى الحكم في حقهم على ما أظهر وعلى ما عليه ~~الغالب من ms0420 الأمور إلا أن يبين فيقول : من جاء برأس من السبي فله كذا . وإن ~~كانوا قد انهزموا وتفرقوا وكف المسلمون عن القتل ، وقال الأمير : من جاء ~~برأس فله كذا فهذا على السبي ؛ لأنه قد انقضى وقت القتال . وإنما الآن وقت ~~جمع الغنائم . فعرفنا أن مراده التحريض على الطلب والجمع . وإن قال : عنيت ~~به رأس القتيل لم يلتفت إلى قوله ، لما بينا أن الحكم يبنى على ما هو ~~الغالب من المراد في كل فصل . ولو قال في حالة القتال : من جاء برأسين فله ~~أحدهما فهذا فله أحدهما فهذا على السبي ؛ لأنه ملكه بعض ما يأتي به . وذلك ~~إنما يتحقق في السبي لا في رأس القتيل ، فإنه جيفة لا يحتمل التمليك ولا ~~يحصل به معنى التحريض ، بخلاف PageV02P713 ما إذا قال : فله مائة درهم ؛ ~~لأن معنى التحريض على القتل هناك يحصل بما أوجب له . ولو قال : بطريق القوم ~~قتل . فقال الأمير : من جاء برأسه فله مائة . فإن كان في موضع لا يقدر عليه ~~إلا بقتال فقاتل رجل من المشركين عن رأسه حتى جاء به فله النفل . وكذلك إن ~~كان في موضع يخالف فيه أن يقاتل المشركون عنه فأخذه وجاء به ولم يقاتلهم ~~فله النفل ، لأنا نعلم أن مقصود الأمير التحريض على أن يأتي برأسه ، فقد ~~أتى به ، وفي هذا كبت وغيظ للعدوا ، لأنه قصد أن ينصب رأس بطريقهم حتى يعلم ~~أنه قتل فتنكسر شوكتهم . وهذا نوع من الجهاد فيستحق النفل عليه . فإن تنحى ~~العدو عن ذلك الموضع فذهب رجل حتى اجتز رأسه وجاء به من موضع لا يخاف فيه ~~العدو فليس له قليل ولا كثير ؛ لأن فعله هذا ليس بجهاد ، وإنما هذا من ~~الأمير على وجه الاستئجار بحمل الجيفة إليه ، ولم يصمد لقوم بأعيانهم ، ~~وإنما قال : من جاء برأسه ، وفي مثل هذا الاستئجار باطل . فإن عمد لرجل ~~بعينه فقال : إن جئتني برأس البطريق فلك كذا أو لقوم بأعيانهم فقال : أيكم ~~جاء برأسه فله كذا والمسألة بحالها . فللذي جاء به أجر مثله لا يجاوز به ms0421 ما ~~سمي له ؛ PageV02P714 لأن هذا كان من الإمام على وجه الاستئجار ، ولكنه ~~أجارة فاسدة . فإن مقدار العمل كان مجهولا ، لأنه ما كان يعلم موضعه حين ~~استأجره . والحكم في الإجازة الفاسدة وجوب أجر المثل عند إقامته العمل ، ~~ولا يجاوز به ما يسمى له ، لأنه قد رضي بالمسمى . وإنما يعطيه ذلك من ~~الغنيمة ، لأنه استأجره لمنفعة المسلمين . فإن مقصوده أن ينصب رأسه لتنكسر ~~قلوبهم فلا يكروا على المسلمين . فهو بمنزلة ما لو استأجر رجلا ليدلهم على ~~الطريق أو يسوق الغنم أو الرمك ، أو ليحمل الأمتعة ، ويعطيه ذلك مما غنموا ~~قبل هذا ، لأن استحقاقه على وجه الأجر لا على وجه النفل ، وإنما الذي لا ~~يجوز التنفيل بعد إحراز الغنيمة ، فإما الاستئجار لمنفعة المسلمين من ~~غنائمهم بعد الإحراز فصحيح . والله أعلم . PageV02P715 # | باب ما يجوز فيه السلب إذا قتله وما لا يجوز # وإذا قال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه . فقتل رجل أجيرا من المشركين ~~لم يكن يقاتل معهم فله سلبه ؛ لأن المقصود بهذا التنفيل التحريض على القتال ~~. فيتناول كل من يباح قتله منهم ، وقتل الأجير منهم مباح ، لأن بنية صالحة ~~للقتال ، وهو يقاتل إذا احتيج إليه ، وإنما يتمكن القاتل من القتال بعلمه ~~لأنه يهيئ له أسباب ذلك . وكذلك لو قتل تاجرا منهم ، أو عبدا كان مع مولاه ~~يخدمه ، أو رجلا كان ارتد ولحق بهم ، أو ذميا نقض العهد ولحق بهم ، لأن قتل ~~هؤلاء كلهم مباح . ولو قتل امرأة منهم لم يكن له سلبها ؛ لأن قتل النساء ~~ممنوع منه شرعا . على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى امرأة ~~مقتولة استعظم ذلك فقال : ' هاه ! ما كانت هذه تقاتل ، وقد علمنا أن الأمير ~~لم يرد بكلامه التحريض على قتل من لا يحل قتله . إلا إذا علم أنها كانت ~~تقتل فحينئذ له سلبها ؛ PageV02P716 لأن قتلها مباح في هذه الحالة . ألا ~~ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم استعظم قتلها باعتبار أنها لا تقاتل . ~~وكذلك الغلام الذي لم يبلغ منهم إن قتله مسلم فليس سلبه ms0422 ؛ لأن قتل الصبيان ~~منهم لا يحل ، فعلمنا أن الأمير لم يرد ذلك بالتحريض . إلا أن يعلم أنه ~~يقاتل معهم . فحينئذ يباح قتله ، وللقاتل سلبه . ولو قتل مريضا أو مجروحا ~~منهم فله سلبه ، سواء كان يستطيع القتال أو لا يستطيع ؛ لأنه مباح القتل في ~~الوجهين ، فإنه يقاتل برأيه ، وإن كان عاجزا عن القتال بنفسه في الحال لما ~~به من المرض . فإن قتل شيخا منهم . فإن كان شيخا فاتيا لا يتوهم منه قتال ~~بنفسه ولا برأيه ولا يرجى له نسل لم يكن له سلبه ؛ لأن مثل هذا لا يباح ~~قتله . وإن كان بحيث يرجى له نسل أو كان له في الحرب رأي فهذا يباح قتله ~~على ما روي أن دريد بن الصمة قتل وهو ابن مائة وستين سنة ولكن كان ذا رأي ~~في الحرب ، فإذا كان بهذه الصفة فلقاتله سلبه . ولو قتل مسلما كان في صف ~~المشركين يقاتل المسلمين معهم لم يكن له سلبه ؛ PageV02P717 لأن هذا وإن ~~كان مباح القتل ولكن سلبه ليس بغنيمة ، لأن مال المسلم ومال المسلم لا يكون ~~غنيمة للمسلمين بحال كأموال أهل البغي . فإن كان السلب الذي عليه للمشركين ~~أعادوه إياه فذلك للذي قتله ؛ لأن ما عليه من السلب غنيمة ، وهو مباح القتل ~~في هذه الحالة ، فيدخل في تحريض الإمام عليه . ألا ترى أنه لو صمد له نفسه ~~فقال : إن قتلته فلك سلبه ، استحق ذلك فكذلك إذا عم به . ولو قتل صبيا أو ~~امرأة ، وسلبه لرجل من المشركين لم يكن له سلبه ؛ لأنه لو كان السلب للقتيل ~~لم يستحقه ، لا باعتبار أنه ليس بمحل الاغتنام ، بل باعتبار أن كلام الإمام ~~لم يتناوله أصلا ، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن يكون السلب الذي عليه ملكا ~~أو عارية . ولو قتل رجلا من المشركين يعلم أن سلبه لرجل آخر منهم ، أو ~~امرأة ، أو شيخ ، أو صبي ، فالسلب للقاتل ؛ لأن الذي قتله مباح القتل ، ~~والسلب الذي عليه محل الاغتنام لمن كان منهم ، فيستحقه القاتل بالتنفيل . ~~ولو كان السلب الذي عليه لمسلم ms0423 أو معاهد غير ناقض للعهد لم يكن له سلبه ؛ ~~PageV02P718 لأنه ليس بمحل الاغتنام ، وهذا إذا كان المسلم دخل إليهم بأمان ~~. فإن كان لرجل منهم أسلم ولم يهاجر ، فالسلب للقاتل في قول أبي حنيفة رضي ~~الله عنه ؛ لأن من أصله أن بمجرد الإسلام يصير ماله معصوما في الإثم دون ~~الحكم ، بمنزلة نفسه ، فما التقوم والعصمة عن الاغتنام فإنما يكون بالإحراز ~~بالدار ، ولم يوجد ذلك . ألا ترى أنه لو خرج إلى دارنا وترك أمواله في دار ~~الحرب ، ثم ظهر المسلمون على الدار ، كان جميع ماله فيئا ، ولو لم يخرج حتى ~~ظهر المسلمون على الدار فعقاره وعروضه فيء ، إلا ما كان في يده منه ، لأنه ~~يصير محرز السبق يده إليه ، وهذا لا يوجد فيما أعاره من الحربي المقتول ، ~~فلهذا استحقه القاتل بالتنفيل . وكذلك إذا كان الحربي أخذ هذا السلب غصبا ~~فقتله هذا المسلم كان له سلبه . لما بينا أنه لا يد للمسلم عليه ، حتى يصير ~~محرزا له بها فيكون محل الاغتنام . ولو أن عبدا من عبيد هذا الذي سلم قاتل ~~المسلمين فأخذ كان فيئا ؛ لأنه صار غاصبا نفسه من مولاه حتى قاتل المسلمين ~~، فلم يبق له عليه يد محرزة له ، فيكون فيئا كغيره من أهل الحرب ، وهذا ~~وغاصب السلب سواء . PageV02P719 فإن كان الحربي إنما عصب السلب من مسلم دخل ~~إليهم بأمان والمسألة بحالها فالسلب للقاتل ؛ لأن الحربي بالغصب صار محرزا ~~لمال المسلم ، وهم يملكون أموالنا بالإحراز فيصير للقاتل بالتنفيل ، إلا أن ~~لصاحب السلب أن يأخذه منهم بالقيمة إن شاء ، لأن التنفيل بمنزلة القسمة حين ~~اختص المنفل له بملكه . والمالك القديم إذا وجد عين ماله في الغنيمة بعد ~~القسمة يكون أحق به بالقيمة إن شاء فهذا قياسه . والله أعلم . PageV02P720 # | باب السلب الذي لا يحرزه المنفل له # ولو قال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه . فرمى مسلم من صف المسلمين رجلا ~~في صف المشركين فقتله فله سلبه ؛ لأنه قتل مقاتلا يحل له قتله ، وهو السبب ~~لاستحقاق السلب بتنفيل الإمام . فإن لم يعرض المشركون لسلبه حتى ms0424 انهزموا ~~فظفر المسلمون به قتيلا عليه سلبه وعنده دابته فلذلك كله للقاتل ؛ لأن حقه ~~تأكد فيه بمباشرة السبب ، ولم يعترض عليه ما يبطله ، إنما تأخر أخذه لعدم ~~تمكنه ، أو لغفلة منه ، وذلك غير مبطل لحقه . وإن كان المشركون أخذوا دابته ~~وسلاحه ، والمسألة بحالها ، لم يكن للقاتل من سلبه شيء ؛ لأنه لم يحرزه حتى ~~أخذه المشركون ، ولو كان محرزا له فأخذه المشركون وأحرزوه بطل ملكه فكيف ~~إذا لم يحرزه ؟ . وبهذا تبين أن سبب استحقاقه قد انفسخ ؛ لأن الإمام إنما ~~جعل القتل سببا لاستحقاق السلب بالتنفيل ، لأن القاتل به يتمكن من الأخذ ، ~~وقد زال PageV02P721 هذا التمكن بأخذ المشركين إياه ، وبعد ما انفسخ السبب ~~لا يكون له أثر في الحكم ، فيبقى هذا ما لهم وقع في أيدي المسلمين فهو ~~غنيمة . ولو لم يعلم أنهم أخذوا سلبه أو لم يأخذوه ، فما وجد عليه من سلبه ~~فهو للقاتل ، وما وجد وقد نزع عنه فهو فيء لاعتبار الظاهر عند تعذر الوقوف ~~على الحقيقة . فإن كانوا جروه إليهم حين قتل وسلبه عليه ، ثم انهزموا فهو ~~للذي قتله ؛ لأنهم جروه لكيلا تطأه الخيول ، لا لإحراز سلبه ، ألا ترى أن ~~المجروح من المسلمين إذا جر برجله من بين الصفين لكيلا تطأه الخيول عمات ~~كان شهيدا لا يغسل ؟ ، وهذا إذا كان الذين جروه غير ورثته . فإن كان الوارث ~~هو الذي جره فسلبه غنيمة ؛ لأن الظاهر أن الوارث إنما جره لإحراز سلبه . ~~فإنه يخلفه فيما كان له . وقد كان هو محرزا سلبه بلباسه ، فكذلك من يخلفه ~~يجره إليهم . فأما الأجنبي فما كان يخلفه في ملكه ، وإنما يكون محرزا له ~~إذا نزعه عنه ، لأنه يتملكه ابتداء . والملبوس تبع اللابس . فإذا تركه عليه ~~عرفنا أنه لم يقصد تملكه ابتداء . PageV02P722 وإن لم يدر أن الذي جره كان ~~وارثا أو وصيا أو أجنبيا فالسلب للقاتل ؛ لأن سبب استحقاقه معلوم ، فما لم ~~يعلم اعتراض ما يبطله يجب اعتباره في الحكم . وكذلك إن وجدوا دابته عنده ~~فهي للقاتل . وإن وجدوها في يد رجل منهم كانت غنيمة ؛ لأن ms0425 باعتراض يد أخرى ~~عليها ينفخ حكم السبب الأول . ولو وجدت بعدما سار العسكر منقلة أو منقلتين ~~فهي للقاتل في القياس ؛ لأنه لا يظهر اعتراض يد أخرى مبطلة لحقه . ولعها ~~اتبعت العسكر عابرة من غير أن يأخذها أحد . وفي الاستحسان هي غنيمة ؛ لأنها ~~لم توجد في يد القتيل ، ولا في الموضع الذي كان يد القتيل عليها ثابتة فيه ~~. ولو أخذنا فيها بالقياس لزمنا أن نقول : هي للقاتل . PageV02P723 وإن ~~ساروا شهرا فرجعوا إلى مدائنهم - وهذا يقبح - فالظاهر أنها لا تمشي عابرة ~~هكذا ولكنها تقف للعلف أو تتحول يمنة أو يسرة عن الطريق ، فإذا سارت مستوية ~~على الطريق عرفنا أن سائقا ساقها ، فكانت غنيمة ، إلا أن نعلم أنها ذهبت ~~عابة فهي للقاتل حينئذ ؛ لأنه لم تعترض عليها يد أخرى ، وفعلها جبار لا ~~يصلح أن يكون فاسخا لسبب الاستحقاق الثابت للقاتل . ولو أنهم أخذوا دابته ~~فحملوا عليها القتيل مع سلاحه وساقوها منهزمين ثم ظفرنا بهم فذلك كله ~~للقاتل ؛ لأنهم ما قصدوا إحراز ما عليه ، وإنما حملوه على دابته ليردوه إلى ~~أهله . فلا يكون ذلك غنيم ؛ لأن الابن لا يفعل ذلك إلا محرزا له . باعتبار ~~أنه خليفة القتيل . غيره يرد عليه وهو لا يرد على أحد . وأحد الورثة في هذا ~~المعنى كجماعتهم . ألا ترى أنه يقوم مقام الميت في إثبات حقه وملكه ؟ ، ~~وكذلك لو أوصى إلى رجل ففعل الوصي ذلك ؛ PageV02P724 لأن الوصي خليفته بعد ~~موته ، ففعله يكون إحرازا كفعل الوارث ، سواء نزع منه سلبه أو لم ينزعه . ~~فإن كان الأجانب حين حملوه عليها مع سلاحه حملوا عليها أيضا أمتعة لأنفسهم ~~وساقوها ، فالدابة وما عليها غنيمة ، إلا ما على القتيل من السلب ؛ لأنهم ~~قصدوا إحراز الدابة حين استعملوها في حوائجهم ، ولم يقصدوا إحراز سلبه حين ~~لم ينزعوه عنه . فإن كانوا علقوا عليها إداوة أو مخلاة فقط ، فالدابة وما ~~عليها من سلب القتيل كله للقاتل ؛ لأن بهذا القدر لا يكونون محرزين لها . ~~فالإحراز بثبوت يدهم عليها . وإنما تثبت اليد على الدابة بحمل مقصود بتعليق ~~إداوة . ألا ترى ms0426 أن رجلين لو تنازعا في دابة لأحدهما عليها حمل وللأخر ~~إداوة فإنه يقضى بها لصاحب الحمل المقصود . ولو غيروا سرجها بإكاف ، أو ~~بسرج غيره ، ولم يحملوا عليها غير القتيل وسلبه كله للقاتل ؛ لأن تغيير ~~السرج بسرج آخر لا يكون دليلا على أنهم قصدوا إحرازها ، أو أثبتوا أيديهم ~~عليها . وإنما يؤخذ في هذا ونحوه بما يكون عليه أكثر الرأي . وما يكون فيه ~~العلامات من أخذهم ذلك لأنفسهم أو غير ذلك . والله أعلم . PageV02P725 # | باب الاستثناء في النفل والخاص منه # وإذا قال الأمير : من أصاب ذهبا أو فضة فله من ذلك الربع . فهذا على ~~التبر والمضروب ، سواء كان من ضرب المسلمين أو المشركين ؛ لأن اسم الذهب ~~والفضة يتناول الكل حقيقة . والاستحقاق بناء عليه . ألا ترى أنه لو استثنى ~~بهذا الاسم وقال : من أصاب شيئا فهو له ، إلا ذهبا أو فضة ، كان الكل ~~مستثنى بهذا الاسم . فكذلك إذا بني الإيجاب عليه . ألا ترى أن وجوب الزكاة ~~في الذهب والفضة باعتبار العين ؟ وكذلك وجوب التقايض عند مبادلة البعض ~~بالبعض ، وحرمة الفضل عند اتحاد الجنس . وكان التبر والمضروب في ذلك سواء . ~~وهذا بخلاف ما إذا حلف لا يشتري ذهبا أو فضة فاشترى دراهم أو دنانير لم ~~يحنث . لأنه عقد اليمين هناك على المشتري ، وذلك لا يتم إلا بالبائع . ~~وبائع المضروب يسمى صيرفيا . وإنما يسمى بائع الذهب من يبيع غير المضروب ، ~~فأما هاهنا فعلق الاستحقاق بحقيقة الاسم ، فعروضه من اليمين أن لو حلف لا ~~يمس ذهبا ولا فضة . وذلك يتناول المضروب وغير المضروب . ثم الإيجاب بطريق ~~التنفيل بمنزلة الإيجاب بالوصية . PageV02P726 ولو أوصى لغيره بالذهب أو ~~الفضة من ماله يتناول ذلك المضروب وغيره ، ولو قال : من أصاب حديدا فهو له ~~، ومن أصاب غير ذلك فله نصفه . فما أصاب رجل من الحديد تبرا أو إناء من ~~حديد ، أو سلاح ، أو سكاكين ، أو سيوف ، فهو له كله ؛ لأن اسم الحديد لذلك ~~كله . فإن بالصنعة لا يتبدل اسم العين ، لأنه لا ينعدم به ما هو المقصود ~~بالعين ، بل يتقرر ، وهو معنى ms0427 البأس . قال الله تعالى : ' وأنزلنا الحديد ~~فيه بأس شديد ' ، فأما جفون السيف وأنصبة السكاكين وغلفها فله نصفه ؛ لأنه ~~ليس بحديد . فإنما يستحق النفل بقوله : ومن أصاب غير ذلك فله نصفه . إلا ~~أنه يؤخذ نصف ذلك منه ، أو نصف قيمته إن كان نزع ذلك يضر به ؛ لأنه صاحب ~~الأصل ، وحق الغانمين ثابت في نصف ما هو تبع . إلا أن الضرر مدفوع عنه . ~~فإذا احتبس عنده لوجوب دفع الضرر عنه كان PageV02P727 عليه قيمته . بمنزلة ~~بناء مشترك بين اثنين في أرض أحدهما ، فإن لصاحب الأرض أن يتملك على شريكه ~~نصيبه من البناء بالقيمة لهذا المعنى . ولو قال : من أصاب بزا فهو له ، ~~فأصاب ثوب ديباج أو بزبون أو أكسية صوف ، لم يكن له ؛ لأن اسم البز لا ~~يتناول هذه الأشياء ، إنما يتناول اسم القطن والكتان خاصة . ألا ترى أن ~~البزاز في الناس من يبيع ثوب القطن والكتان ، وسوق البزازين الموضع الذي ~~فيه ثوب القطن والكتان دون الديباج والكساء ، فكأنه بني على عادة أهل ~~الكوفة . فأما في ديارنا فمن يبع ثوب القطن والكتان يسمى كرابيسا . فلو ~~أصاب كتانا أو قطنا غير مغزول ، أو مغزولا غير منسوج لم يكن له من ذلك شيء ~~، لأن اسم البز يتناول الملبوس ولا يتناول الغزل عادة . ألا ترى أن بائعه ~~يسمى قطانا وغزالا ولا يسمى بزارا ؟ ، ولو قال : من أصاب ثوبا فهو له ، ~~فأصاب ثوب ديباج أو بزيون مما يلبسه الناس ، أو فروا أن كساء فهو له ؛ لأن ~~اسم الثوب عادة يطلق على ملبوس بني آدم ، فكل ما يلبسه الناس عادة فهو داخل ~~في هذا الإيجاب ، ما خلا الخف والعمامة والقلنسوة لا يحصل بهما الاكتساء . ~~ألا ترى أن كفارة اليمين لا تتأدى بالكسوة إذا أعطي كل مسكين PageV02P728 ~~قلنسوة أو عمامة أو خفين ، إلا أن يجعل ذلك مكان الطعام إذا كان يساوي ذلك ~~. ومن حلف لا يلبس ثوبا فلبس عمامة أو قلنسوة لم يحنث . ولو أصاب مسحا أو ~~بساطا أو سترا ، أو فراشا ، لم يكن ذلك له ؛ لأن هذا لا ms0428 يلبسه الناس عادة ~~وإنما يتمتعون به في البيوت . وإنما يتناوله اسم المتاع لا اسم الثوب . حتى ~~لو قال : من أصاب متاعا فهو له ، استحق ذلك كله ، وملبوس الناس أيضا ؛ لأن ~~ذلك كله من المتاع ، فالمتاع اسم لما يستمتع به . وكذلك يستحق الأواني عند ~~إطلاق اسم المتاع وإن لم يذكره نصا ؛ لأنه لو قال : من أصاب متاعا دون ~~الآنية ، فأصاب طاسا أو إبريق ، وقماقم وقدورا من نحاس ، لم يكن له من ذلك ~~شيء ؛ لأن هذا من الآنية وقد استثناها من المتاع ، فهو دليل على أنه عند ~~عدم الاستثناء يستحق ذلك كله . ولو قال : من أصاب فضة أو ذهبا فأصاب سيفا ~~محلى بفضة أو ذهب كان له الحلية ؛ لأن الاسم يتناوله حقيقة . ألا ترى أن ~~حكم الصرف يثبت في حصة الحلية في البيع وكذلك إن أصاب سرجا مفضضا فله الفضة ~~من ذلك كله خاصة . PageV02P729 ولو وجد أبوابا فيها مسامير فضة أو ذهب إن ~~نزعت تفككت الأبواب لم يكن له من ذلك شيء . قال : لأن الغالب غير الفضة ~~والذهب . يعني أن المسامير في حكم المستهلكة حين كانت مغيبة . والمقصود من ~~الذهب والفضة التزين بها وفي المسامير المقصود الانتفاع لا التزين ، بخلاف ~~حلية السرج والسيف ، فهو - ظاهرا - يقصد به التزين . ولأن المسمار صار تبعا ~~محضا من حيث أنه إذا نزع لا يبقى اسم الباب ، والمصاب باب . وفي العادة لا ~~يسمى هذا بابا من ذهب ، وإن كان فيه مسامير ذهب ، بخلاف السرج واللجام ، ~~فإنه يقال : إنه مفضض لما عليه من الفضة . ولو وجد حلي فضة أو ذهب مرصعا ~~بفصوص ، أو خاتم فضة فيه فص ، فالفصوص كلها غنيمة ؛ لأن اسم الذهب والفضة ~~لا يتناولها حقيقة . والحلي له ؛ لأن اسم الذهب والفضة يتناوله حقيقة ، ولم ~~يغلب عليه اسم آخر . | ألا ترى أنه يقال خاتم فضة وخاتم ذهب ، ولا ينسب إلى ~~الفص ، وإن كان الفص مرتفعا ؟ # وكذلك لو جدنا صليبا من ذهب أو فضة فيه فصوص . PageV02P730 لأنه لم يغلب ~~على اسم الذهب والفضة اسم الآخر ألا ترى أن ms0429 الصليب ينسب إلى ما صيغ منه من ~~الذهب أو الفضة دون ما فيه من الفصوص . ولو قال : من أصاب ياقوتا أو زمردا ~~فأصاب حليا مفضضا فيه الياقوت والزمرد فأن ذلك ينزع ويدفع إليه ؛ لأن الاسم ~~باق له حقيقة ، وإن ركب في الفضة أو الذهب ، لأنه لم يعترض عليه اسم آخر ~~يزيله . وكذلك لو أصاب خاتما فيه فص ياقوت أو زمرد فإن ذلك يقلع ويدفع إليه ~~؛ لأنه ليس في نزعه ضرر على المسلمين فيما هو المقصود لهم وهو المالية . ~~ولو قال : من أصاب حديدا فهو له . فأصاب سرجه ركاباه من حديد ، نزع ~~الركابان له ؛ لأن الاسم فيهما باق حقيقة . يقال : ركاب من حديد وركاب من ~~خشب وليس في النزع ضرر . ولو كان في السرج مسامير حديد . أو ضبة حديد إن ~~نزعت تفكك السرج لم يكن له منه شيء ؛ PageV02P731 لأن هذا بمنزلة المستهلك ~~فيه ، على معنى أنه استعمل لمنفعة السرج ، لا للزينة بمنزلة المسامير في ~~الأبواب . ألا ترى أنه لو أصاب سفينة مضببة بالحديد إن نزعت تخلعت السفينة ~~لم يكن له من ذلك شيء ، وهذا هو الأصل في جنس هذه المسائل إن كل شيء كن ~~مستعملا في عين آخر ، لا للزينة بل لينتفع به ، باسم غير الاسم الذي أوجب ~~به المطلوب من الانتفاع بالعين ، ثم إن كان ينزع بغير ضرر فاحش نزع لحقه . ~~وإن تفاحش الضرر في نزعه بيع ، فيقسم الثمن على قيمة ما يتناوله النفل ، ~~وقيمة ما لم يتناوله النفل ، بمنزلة ما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ غيره ، ~~وأبى صاحب الثوب أن يغرم قيمة الصبغ ، فإنه يباع الثوب ، ويقسم الثمن ~~بينهما على قيمة ملك كل واحد منهما . ولو قال : من أصاب قزا فهو له ، فأصاب ~~قباء أو جبة حشوها قز لم يكن له ذلك ؛ لأن الحشو مغيب . وكان المقصود من ~~اتخاذه في البقاء والجبة الانتفاع به دون الزينة للرجال في غير حالة الحرب ~~. ولو قال قائل : يستحق هذا لم يجد بدا من أن يقول : إذا أصبا ثوبا سداه قز ~~ولحمته غير ms0430 القز أليس أنه يستحق السدي ؟ وهو بعيد جدا . ولو قال : من أصاب ~~ثوب قز فهو له ، فأصاب جبة PageV02P732 ظهارتها أو بطانتها قز ، فله الثوب ~~الذي هو قز منهما ، والآخر في الغنيمة ؛ لأن اسم الثوب يتناول كل واحد من ~~الظهارة والبطانة على انفراد . وأحدهما غير غالب على صاحبه ، بل كل واحد ~~منهما ظاهر على الحقيقة ، ومن حيث الحكم يكره للرجال ليس هذا الثوب فهو ~~بمنزلة حلية السيف . ثم يباع ويقسم الثمن كما بينا ؛ لأن الضرر فاحش في نزع ~~الظهارة من البطالة . ولو قال : من أصاب جبة حرير فهي له . فأصاب جبة ~~ظهارتها أو بطانتها حرير ، فالمعتبر الظهارة هاهنا ؛ لأن الجبة منسوبة إلى ~~الظهارة عادة ، والبطانة في النسبة تبع للظهارة ثم الإيجاب له كان باسم ~~الجبة . وهذا الاسم لا يتناول الظهارة بدون البطانة ، فلهذا استحق الكل . ~~بخلاف ما سبق ، فالإيجاب هناك باسم الثوب ، والظهارة بدون البطانة تسمى ~~ثوبا . ولو قال : من أصباب ذهبا فهو له ، فأصاب ديباجا منسوجا بالذهب فإن ~~كان الذهب مستعملا في سدي الثوب فليس له منه شيء . بمنزلة القز الذي هو سدي ~~الثوب . وإن كان الذهب فيه بينا يرى فإنه يستحق الذهب دون غيره . والطريق ~~فيه البيع كما ذكرنا ، لأن المعتبر هو اللحمة دون السدي . PageV02P733 ألا ~~ترى أن ما يكون سداه قزا وإبريسما يحل لبسه للرجال كالعتابى وما يكون لحمته ~~إبريسما لا يحل لبسه للرجال . سامير في حكم المستهلكة حين كانت مغيبة . ~~والمقصود من الذهب والفضة التزين بها وفي المسامير المقصود الانتفاع لا ~~التزين ، بخلاف حلية السرج والسيف ، فهو - ظاهرا - يقصد به التزين . ولأن ~~المسمار صار تبعا محضا من حيث أنه إذا نزع لا يبقى اسم الباب ، والمصاب باب ~~. وفي العادة لا يسمى هذا بابا من ذهب ، وإن كان فيه مسامير ذهب ، بخلاف ~~السرج واللجام ، فإنه يقال : إنه مفضض لما عليه من الفضة . ولو وجد حلي فضة ~~أو ذهب مرصعا بفصوص ، أو خاتم فضة فيه فص ، فالفصوص كلها غنيمة ؛ لأن اسم ~~الذهب والفضة لا يتناولها حقيقة . والحلي له ؛ لأن ms0431 اسم الذهب والفضة ~~يتناوله حقيقة ، ولم يغلب عليه اسم آخر . ألا ترى أن الصليب ينسب إلى ما ~~صيغ منه من الذهب أو الفضة دون ما فيه من الفصوص . ولو قال : من أصاب ~~ياقوتا أو زمردا فأصاب حليا مفضضا فيه الياقوت والزمرد فأن ذلك ينزع ويدفع ~~إليه ؛ لأن الاسم باق له حقيقة ، وإن ركب في الفضة أو الذهب ، لأنه لم ~~يعترض عليه اسم آخر يزيله . وكذلك لو أصاب خاتما فيه فص ياقوت أو زمرد فإن ~~ذلك يقلع ويدفع إليه ؛ لأنه ليس في نزعه ضرر على المسلمين فيما هو المقصود ~~لهم وهو المالية . ولو قال : من أصاب حديدا فهو له . فأصاب سرجه ركاباه من ~~حديد ، نزع الركابان له ؛ لأن الاسم فيهما باق حقيقة . يقال : ركاب من حديد ~~وركاب من خشب وليس في النزع ضرر . ولو كان في السرج مسامير حديد . أو ضبة ~~حديد إن نزعت تفكك السرج لم يكن له منه شيء ؛ لأن هذا بمنزلة المستهلك فيه ~~، على معنى أنه استعمل لمنفعة السرج ، لا للزينة بمنزلة المسامير في ~~الأبواب . ألا ترى أنه لو أصاب سفينة مضببة بالحديد إن نزعت تخلعت السفينة ~~لم يكن له من ذلك شيء ، وهذا هو الأصل في جنس هذه المسائل إن كل شيء كن ~~مستعملا في عين آخر ، لا للزينة بل لينتفع به ، باسم غير الاسم الذي أوجب ~~به المطلوب من الانتفاع بالعين ، ثم إن كان ينزع بغير ضرر فاحش نزع لحقه . ~~وإن تفاحش الضرر في نزعه بيع ، فيقسم الثمن على قيمة ما يتناوله النفل ، ~~وقيمة ما لم يتناوله النفل ، بمنزلة ما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ غيره ، ~~وأبى صاحب الثوب أن يغرم قيمة الصبغ ، فإنه يباع الثوب ، ويقسم الثمن ~~بينهما على قيمة ملك كل واحد منهما . ولو قال : من أصاب قزا فهو له ، فأصاب ~~قباء أو جبة حشوها قز لم يكن له ذلك ؛ لأن الحشو مغيب . وكان المقصود من ~~اتخاذه في البقاء والجبة الانتفاع به دون الزينة للرجال في غير حالة الحرب ~~. ولو قال قائل : يستحق هذا ms0432 لم يجد بدا من أن يقول : إذا أصبا ثوبا سداه قز ~~ولحمته غير القز أليس أنه يستحق السدي ؟ وهو بعيد جدا . ولو قال : من أصاب ~~ثوب قز فهو له ، فأصاب جبة ظهارتها أو بطانتها قز ، فله الثوب الذي هو قز ~~منهما ، والآخر في الغنيمة ؛ لأن اسم الثوب يتناول كل واحد من الظهارة ~~والبطانة على انفراد . وأحدهما غير غالب على صاحبه ، بل كل واحد منهما ظاهر ~~على الحقيقة ، ومن حيث الحكم يكره للرجال ليس هذا الثوب فهو بمنزلة حلية ~~السيف . ثم يباع ويقسم الثمن كما بينا ؛ لأن الضرر فاحش في نزع الظهارة من ~~البطالة . ولو قال : من أصاب جبة حرير فهي له . فأصاب جبة ظهارتها أو ~~بطانتها حرير ، فالمعتبر الظهارة هاهنا ؛ لأن الجبة منسوبة إلى الظهارة ~~عادة ، والبطانة في النسبة تبع للظهارة ثم الإيجاب له كان باسم الجبة . ~~وهذا الاسم لا يتناول الظهارة بدون البطانة ، فلهذا استحق الكل . بخلاف ما ~~سبق ، فالإيجاب هناك باسم الثوب ، والظهارة بدون البطانة تسمى ثوبا . ولو ~~قال : من أصباب ذهبا فهو له ، فأصاب ديباجا منسوجا بالذهب فإن كان الذهب ~~مستعملا في سدي الثوب فليس له منه شيء . بمنزلة القز الذي هو سدي الثوب . ~~وإن كان الذهب فيه بينا يرى فإنه يستحق الذهب دون غيره . والطريق فيه البيع ~~كما ذكرنا ، لأن المعتبر هو اللحمة دون السدي . ألا ترى أن ما يكون سداه ~~قزا وإبريسما يحل لبسه للرجال كالعتابى وما يكون لحمته إبريسما لا يحل لبسه ~~للرجال . يوضحه أنه باللحمة يصير ثوبا . فعرفنا أنه منسوب إلى اللحمة دون ~~السدي . ولو قال : من أصاب حريرا فأصاب جبة لبنتها من حرير ، أو ثوبا عمله ~~من حرير ، لم يكن له منه شيء ؛ لأن هذا تبع محض . ألا ترى أنه لا بأس بلبس ~~هذا الثوب للرجال ؟ ، وكذلك لو قال : من أصاب ذهبا فأصاب ياقوتا فيه مسمار ~~ذهب ، أو خاتم فضة في فصها مسمار ذهب ، لم يكن له من ذلك شيء ؛ لأنه مضبب ~~وتبع محض . ألا ترى أنه لو أصاب أسيرا مضبب الأسنان ms0433 بالذهب لم يكن له ذلك ~~الذهب . ولو أصاب أسيرا قد اتخذ أنفا من ذهب كان له الذهب ؛ لأن الأنف بائن ~~من جسده فإنه يربطه بخيط وينزعه متى شاء فلم يكن تبعا محضا . بخلاف الأسنان ~~، وهذا كله استحسان . وفي القياس : يستحق ذلك كله لبقاء الاسم حقيقة . ~~PageV02P734 ولو قال : من أصاب ثوب خز فهو له . فأصاب جبة خز بطانتها سمور ~~أو فنك ، لم يكن له إلا الظهارة ؛ لأنه أوجب باسم الثوب . وقد بينا في هذا ~~أن البطانة لا تكون تبعا للظهارة في القز . فكذلك في الخز ، ولو كان ~~التنفيل باسم الجبة كان الجواب كذلك ههنا . لأن السمور والفنك لا يكون تبعا ~~للخز في النسبة بحال . وكذلك لو قال : من أصاب ثوب فتك ، فله الفنك دون ~~الظهارة ؛ لأن اسم الثوب والجبة يتناول الفنك بدون الظهارة ، والظهارة لا ~~تتبع البطانة في النسبة . ولو قال : من أصاب شيئا من البزيون . فأصاب جبة ~~البدن منها بزيون ، والكمان والدخاريص ديباج ، فله البدن خاصة ؛ لأن بعض ~~هذا ليس يتبع للبعض . فلو كانت كلها بزيونا إلا اللبنة فهي للمصيب كلها ؛ ~~PageV02P735 لأن اللبنة تبع محض . ولو قال : من أصاب جبة بزيون ، ، فأصاب ~~جبة بدنها بزيون وما سوى البدن ديباج ، أو على عكس ذلك ، للم يكن له منها ~~شيء ؛ لأن ما أصاب ليس بجبة بزيون . ألا ترى أنه إذا نزع منها الديباج لا ~~يسمى ما بقي جبة . وإنما جعل الشرط إصابة جبة بزيون . ولو قال : من أصاب ~~فضة أو ذهبا . فأصاب قصعة مضببة بهما . فإن كان جعل ذلك للزينة فله الذهب ~~والفضة . وعلامة ذلك أنها لو نزعت تبقى قصعة . وإن كانت الضبة جعلت لكسر ~~القصعة بحيث لو نزعت لم تكن قصعة ، أو سقط منها كسرة . فهذا بمنزلة ~~المسامير ؛ لأنها استعملت فيها للمنفعة لا للزينة . فكانت تبعا محضا . ولو ~~قال : من أصاب شعرا فهو له ، فأصاب جلود معز عليها الشعر ، أو أنماط شعر ، ~~أو ستر شعر ، أو مسوحا ، لم يكن له ذلك ؛ PageV02P736 لأن اسم الشعر لا ~~يتناول غير المحلوق من الجلد عادة ms0434 ، ولا يتناول الثوب المتخذ من الشعر . ~~بمنزلة اسم القطن والكتان فإنه لا يتناول الثوب المتخذ منه . ألا ترى أنه ~~لا مجانسة بين مثل هذا الثوب وبين الأصل الذي اتخذ منه ؟ ، فعرفنا أنه ~~بالصنعة صار شيئا آخر . ولو قال : من أصاب خزا ، فأصاب جلود خز ، أو خزا قد ~~حلق من الجلود ، فله الخز في الوجهين جميعا ؛ لأن اسم الخز يتناولهما حقيقة ~~. فإن قيل : بعد الحلق أينسب الجلد إلى الخز ؟ ، فيقال : هو خز ، بخلاف ~~جلود المعز والضأن فإنها لا تنسب إلى ما عليها من الشعر والصوف ؛ لأن أحدا ~~لا يقول جلد الصوف . ولو أصاب ثوب خزز فهو له ؛ لأن الثوب منسوب إلى الخز ~~مطلقا ، بخلاف ما لو قال : من أصاب صوفا أو بزيونا ، فأصاب ثوب بزيون أو ~~ثوب صوف ؛ لأن بعد النسج لا يسمى صوفا ولا بزيونا مطلقا ، بل مقيدا بالثوب ~~، بمنزلة القطن والكتان . ولو أصاب خزا مغزولا كان له ؛ لأن بعد الغزل يسمى ~~خزا مطلقا ، بخلاف القطن والكتان ، فصار الحاصل في الخز أن الاسم ينطلق ~~عليه على أي وجه كان . ولو قال : من أصاب جبة خز أو جبة مروية PageV02P737 ~~فهي له ، فأصاب جبة بطانتها وظهارتها فنك أو سمور ، فهي غنيمة وكذلك لو ~~كانت ظهارتها مروية وبطانتها من فنك أو سمور ؛ لأن هذه تنسب عادة إلى الفنك ~~والسمور دون الخز والمروي . على معنى أن الاسم ينطلق على الفنك والسمور ~~مقصودا دون الظهارة ، فإنه يسمى جبة ، ولا ينطلق على الخز والمروي . على ~~معنى أن الاسم ينطلق على الفنك والسمور مقصودا دون الظهارة ، فإنه يسمى جبة ~~، ولا ينطلق على الخز والمروي الذي هو ظهارة بدون البطانة . فإنما الأصل في ~~النسبة ما يتناوله الاسم وحده دون ما لا يتناوله الاسم وحده . وإن أصاب جبة ~~خز بطانتها مروية أو قوهية . كانت له الظهارة دون البطانة . من قبل أن هذه ~~الجبة لا تنتسب إلى البطانة ، إذ البطانة بانفرادها لا تسمى جبة . وقد ~~ينطلق اسم الجبة على الظهارة من الخز بغير البطانة . فلهذا يستحق الظهارة ~~دون البطانة . وقد ms0435 ذكر قبل هذا في الحرير أنه يستحق الظهارة والبطانة جميعا ~~. فقيل : فيه روايتان ، وقيل : بينهما فرق ؛ لأن الظهارة من الحرير بدون ~~البطانة لا تسمى جبة حقيقة ولا مجازا ، ومن الخز تسمى جبة ، وإن كان مجازا ~~. فإذا كانت البطانة من سمور أو فنك يستعمل اللفظ حقيقة فيسقط اعتبار ~~المجاز . وإذا كان مرويا فقد تعذر استعمال اللفظ حقيقة فيستعمل بطريق ~~المجاز ويجعل له الظهارة خاصة . ألا ترى أنه لو قال : من أصاب جبة خز أو ~~سمور أو فنك . فأصاب شيئا من ذلك ظهارته وشي أو حرير ، لم يكن له الظهارة ~~وكان له ما سوى ذلك ؟ لأن اسم الجبة يتناول ما سوى الظهارة ، إما حقيقة أو ~~مجازا ، والظهارة لا تكون تبعا للبطانة بحال . PageV02P738 ولو قال : من ~~أصاب قلنسوة ظهارتها على ما قال وبطانتها وحشوها من غير ذلك كان له الكل ؛ ~~لأنها لا تكون قلنسوة بدون البطانة ، والحشو . ولو صمد الجبة على رجل بعينه ~~فقال : من أصاب هذه الجبة الخز فهي له . فأصابها إنسان ، فإذا هي مبطنة ~~بفنك أو سمور فالكل للمصيب هاهنا ؛ لأنه بنى الاستحقاق هنا على اليقين ~~بالإشارة دون الاسم ، والنسبة ، فكل واحد منهما للتعريف . إلا أن التعريف ~~بالإشارة يسقط اعتبار النسبة ؛ لأن الإشارة أبلغ ، بخلاف جميع ما سبق . ~~واستوضح هذا بالوصية بجبة الخز والجواب فيه كالجواب في النفل . ولو قال : ~~من أصاب جبة مروية فهذا على الظهارة . لما بينا أن النسبة إلى الظهارة ، ~~وهي لا تسمى جبة بدون البطانة ، والحشو يتبع لهما ، فيستحق الكل . ولو قال ~~: من أصاب جبة خز ، فاصاب جبة خز بطانتها غير الخز ، وهي محشوة بقز أو قطن ~~، فله الظهارة خاصة ؛ PageV02P739 لأن الظهارة من الخز تسمى جبة بانفرادها ~~مجازا . فلا يستحق البطانة بهذا الاسم ، وإذا لم يستحق البطانة لم يستحق ~~الحشو . ولو قال : من أصاب قباء مرويا ، فأصاب قباء بطانته غير مروي ، ~~وحشوه كذلك ، فله الظهارة وحدها هناك تسمى قميصا لا جبة . ولو كانت الظهارة ~~والبطانة مرويتين والحشو من غيره استحق الكل ؛ لأنه لما استحق الظهارة ~~والبطانة استحق ms0436 الحشو تبعا . الا ترى أنه لو قال : من أصاب قباء ، استحق ~~الحشو تبعا للظهارة والبطانة ، وإن لم يكن الحشو قباء ، فكذلك عند التقيد ~~يستحق الحشو وإن لم يكن مرويا . والسروايل بمنزلة القباء في جميع ما قلنا ، ~~لأنه لا يسمى سراويل مبطنا كان أو غير مبطن . PageV02P740 # | باب النفل من أسلاب الخوارج # وأهل الحرب يقاتلون معهم بأمان أو بغير أمان قال : أمان الخوارج لأهل ~~الحرب جائز كأمان أهل العدل ، لأنهم مسلمون من أهل فئة ممتنعة وبيان هذا ~~الوصف في قوله تعالى : ' وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ' الحجرات : 9 ، ~~وفي قول علي رضي الله عنه : إخواننا بغوا علينا ، ثم أمان الواحد من ~~المسلمين كأمان جماعتهم ؛ لأن أهل الحرب لا يقفون على السبب الموجب للقتال ~~بين أهل العدل وأهل البغي ، حتى يميزوا أهل العدل من أهل البغي فيستأمنوا ~~منهم ، فإذا استأمنوا من أهل البغي فقد سالمونا على أن ينجزوا فينا ، وذلك ~~أمان نافذ . فلا ينبغي لأهل العدل أن يغيروا عليهم حتى ينبذوا إليهم . إن ~~كانوا في منعة ، أو يبلغوهم مأمنهم إن كانوا في غير منعة . ولو استعان ~~الخوارج بأهل الحرب على قتال أهل العدل فخرجوا إليهم فظهر عليهم أهل العدل ~~، سبوا أهل الحرب ، ولا يكون استعانة الخوارج بهم أمانا لهم . من أصحابنا ~~من قال : كان ذلك أمانا لهم . ولكنهم حين قاتلوا أهل العدل PageV02P741 ~~صاروا ناقضين لذلك الأمان ، وهذا غلط ، فإنهم لو أمنوهم ثم قاتلوا معهم أهل ~~العدل لم يكن ذلك نقضا للأمان إذا كانوا تحت راية الخوارج على ما ذكره بعد ~~هذا ولكن . الوجه فيه أنهم ما خرجوا مسالمين للمسلمين ، إنما خرجوا مقاتلين ~~. أما في حق أهل العدل فغير مشكل ، وأما في حق الخوارج فلأنهم انضموا إليهم ~~ليعينوهم لا ليكونوا في أمان منهم . ألا ترى أن الجيش في دار الحرب يعين ~~بعضهم بعضا من غير أن يكون بعضهم في أمان من بعض ، فإذا ظفرنا بهم كانوا ~~فيئا ، سواء قاتلونا مع الخوارج أو لم يقاتلونا . ولكن إن أراد الخوارج ~~قتلهم وأخذ معهم أهل العدل ، أو ms0437 لا يتمكنون من ذلك إلا بهذا . ومن ضمن ~~لغيره شيئا فعليه الوفاء بذلك . فإن سبوهم وأخذوا أموالهم لم يحل لنا أن ~~نشتري شيئا من ذلك ؛ لأنها جعلت لهم بسبب حرام شرعا . ولو اشتراها مشتر جاز ~~شراؤه ؛ PageV02P742 لأن الحرمة ليست لعصمة المحل بل لمعنى الغدر . فلا ~~يمنع ذلك ثبوت الملك وصحة الشراء من المتملك . وهو بمنزلة مسلم يدخل إليهم ~~بأمان كأنه لا يكون معطيا لهم أمانا بهذا ، ولكن يكره له أن يسبي بعضهم ~~ويأخذ شيئا من مالهم ، لما فيه من معنى الغدر . فإن فعل ذلك أمر برده ولم ~~يجبر عليه في الحكم ، وإن اشترى رجل منه ذلك المال جاز الشراء مع الكراهية ~~. فإن قاتلوا فقال أمير أهل العدل : من قتل قتيلا فله سلبه فقتل رجل قتيلا ~~من الخوارج لم يكن له سلبه ؛ لأنهم مسلمون وأموالهم محرزة بدار الإسلام فلا ~~تكون غنيمة . وإن قتل حربيا فله سلبه ؛ لأنهم مسلمون وأموالهم محرزة بدار ~~الإسلام فلا تكون غنيمة . وإن قتل حربيا فله سلبه ؛ لأن ماله مباح الاغتنام ~~إذا لم يكن له أمان من جهة أحد من المسلمين . فإن أخذ أهل الحرب رقيقا ~~وأموالا من أهل العدل فأحرزوها بمنعة الخوارج ثم أسلموا فعليهم رد جميع ما ~~أخذوا ؛ لأنهم لم يحرزوها بدارهم ، وإنما يملكون أموالنا بالإحراز بدارهم . ~~PageV02P743 ولو كانت المنعة لهم في دارنا فأحرزوا المال بها لم يملكوها . ~~فإذا كانت للخوارج فأولى أن لا يملكوها . فإن كانوا أدخلوها دارهم ثم ~~أسلموا أو صاروا ذمة فهي له ؛ لأنهم ملكوها بتمام الإحراز . وقال عليه ~~السلام : ' من أسلم على مال فهو له ' . ولو أصابوا من نساء أهل العدل ~~وصبيانهم لم يسع الخوارج تركهم يذهبون بهم إلى دار الحرب ؛ لأنهم ظالمون في ~~حبس أحرار المسلمين . وليس عليهم الوفاء لهم بالتقرير على الظلم ، ولكنهم ~~يأمرونهم بتخلية سبيلهم . فإن أبوا قاتلوهم لاستنقاذ ذراري المسلمين من ~~أيديهم لم يسعهم غير ذلك . ألا ترى أن المسلمين في دار الحرب إذا تمكنوا من ~~استنقاذ ذراري المسلمين من أيديهم لم يسعهم غير ذلك . وكذلك لو أرادوا ms0438 ~~إدخال الأموال دارهم فالواجب على الخوارج أخذ ذلك منهم ليردوها على أهلها ؛ ~~PageV02P744 لأنهم لم يملكوها قبل الإحراز ، فهم ظالمون في حملها ، بخلاف ~~المستأمن في دار الحرب ؛ لأن هناك قد ملكوا المال بالإحراز ، وهو قد ضمن أن ~~لا يتعرض لهم في أخذ أموالهم ، فلا يسعه أن يأخذها ، وإذا علم هذا الحكم في ~~الأموال في حق الخوارج ففي الإحراز أولى . وإن كانوا استهلكوا ما أخذوا من ~~أموال أهل العدل ثم أسلموا لم يضمنوا شيئا من ذلك ؛ لأنهم فعلوه وهم ~~محاربون ؛ ولأنهم حين انضموا إلى أهل البغي كانوا بمنزلتهم في هذا الحكم ~~وأهل البغي إذا استهلكوا أموال أهل العدل ثم تابوا لم يضمنوا ، فكذلك أهل ~~الحرب . وعلى هذا لو كان الذين أعانوهم على المسلمين ، لم يكونوا خوارج ~~ولكنهم لصوص غير متأولين ؛ لأن في حق أهل الحرب حكم سقوط الضمان لا يختلف ~~بالتأويل وعدم التأويل ، إنما ذلك فيما بين المسلمين . فأما أهل الحرب فلا ~~يضمنون في الوجهين لأنهم فعلوه وهم محاربون . ولو استعار بعضهم من بعض ~~السلاح ، ثم قال أمير أهل العدل : من قتل قتيلا فله سلبه . فقتل خارجي عليه ~~سلاح حربي أو على عكس ذلك ، لم يكن السلب للقاتل في الوجهين . PageV02P745 ~~أما إذا كان سلاح الخارجي على الحربي فلأن هذا المال ليس بمحل للاغتنام . ~~وأما إذا كن سلاح الحربي على الخارجي فلأنه حين استعاره منه وأثبت يده على ~~ذلك المال فقد ثبت حكم الأمان فيه . ألا ترى أنهم لو بعثوا إلى أهل الحرب ~~فاستعار منهم سلاحا أو كراعا فأخرجوه إليهم أنه يثبت حكم الأمان في ذلك ~~المال ، لحصوله في يد الخوارج ، حتى لا يكون غنيمة ، فكذلك ما سبق ، إلا أن ~~أهل العدل إذا ظفروا بذلك لم يردوه على أهل الحرب . ولكنهم يبيعونه ويقفون ~~ثمنه حتى يجيء أصحابه من أهل الحرب فيأخذون الثمن . ومن استهلك من أهل ~~العدل شيئا لم يضمن ، كما هو الحكم في أموال أهل البغي إذا وقعت في يد أهل ~~العدل . وهذا لأن ثبوت الأمان في هذا المال بثبوت يد أهل ms0439 البغي عليه . ~~واليد لا تكون فوق الملك . ولو ملكوها من أهل البغي كان الحكم فيه هذا ، ~~ولو لم يبع ذلك أهل العدل حتى تفرق الخوارج ثم جاء أصحاب السلاح والكراع من ~~أهل الحرب يطلبون ذلك ، ففي القياس : يرد عليهم ذلك ليردوهم إلى دارهم ؛ ~~لأن حكم الأمان كان ثابتا في هذا المال من جهة بعض المسلمين ، PageV02P746 ~~ولأنه بمنزلة مال الخوارج ، وهو مردود عليهم بعدما تفرق جمعهم ولم يبق لهم ~~فئة . وفي الاستحسان يجبرون على بيعه في دار الإسلام وأخذ ثمنه ؛ لأنه صار ~~محبوسا في يد أهل العدل ، والكراع والسلاح بعدما صار محتبسا في دار الإسلام ~~لا يمكن الكافر من رده إلى دار الحرب فيتقوى به على المسلمين . وهو قياس ما ~~لو كانوا عبيدا فأسلموا . مين ، لم يكونوا خوارج ولكنهم لصوص غير متأولين ؛ ~~لأن في حق أهل الحرب حكم سقوط الضمان لا يختلف بالتأويل وعدم التأويل ، ~~إنما ذلك فيما بين المسلمين . فأما أهل الحرب فلا يضمنون في الوجهين لأنهم ~~فعلوه وهم محاربون . ولو استعار بعضهم من بعض السلاح ، ثم قال أمير أهل ~~العدل : من قتل قتيلا فله سلبه . فقتل خارجي عليه سلاح حربي أو على عكس ذلك ~~، لم يكن السلب للقاتل في الوجهين . أما إذا كان سلاح الخارجي على الحربي ~~فلأن هذا المال ليس بمحل للاغتنام . وأما إذا كن سلاح الحربي على الخارجي ~~فلأنه حين استعاره منه وأثبت يده على ذلك المال فقد ثبت حكم الأمان فيه . ~~ألا ترى أنهم لو بعثوا إلى أهل الحرب فاستعار منهم سلاحا أو كراعا فأخرجوه ~~إليهم أنه يثبت حكم الأمان في ذلك المال ، لحصوله في يد الخوارج ، حتى لا ~~يكون غنيمة ، فكذلك ما سبق ، إلا أن أهل العدل إذا ظفروا بذلك لم يردوه على ~~أهل الحرب . ولكنهم يبيعونه ويقفون ثمنه حتى يجيء أصحابه من أهل الحرب ~~فيأخذون الثمن . ومن استهلك من أهل العدل شيئا لم يضمن ، كما هو الحكم في ~~أموال أهل البغي إذا وقعت في يد أهل العدل . وهذا لأن ثبوت الأمان في هذا ~~المال ms0440 بثبوت يد أهل البغي عليه . واليد لا تكون فوق الملك . ولو ملكوها من ~~أهل البغي كان الحكم فيه هذا ، ولو لم يبع ذلك أهل العدل حتى تفرق الخوارج ~~ثم جاء أصحاب السلاح والكراع من أهل الحرب يطلبون ذلك ، ففي القياس : يرد ~~عليهم ذلك ليردوهم إلى دارهم ؛ لأن حكم الأمان كان ثابتا في هذا المال من ~~جهة بعض المسلمين ، ولأنه بمنزلة مال الخوارج ، وهو مردود عليهم بعدما تفرق ~~جمعهم ولم يبق لهم فئة . وفي الاستحسان يجبرون على بيعه في دار الإسلام ~~وأخذ ثمنه ؛ لأنه صار محبوسا في يد أهل العدل ، والكراع والسلاح بعدما صار ~~محتبسا في دار الإسلام لا يمكن الكافر من رده إلى دار الحرب فيتقوى به على ~~المسلمين . وهو قياس ما لو كانوا عبيدا فأسلموا . يوضحه أن هذا المال لو ~~كان للخوارج لم يجز رده عليهم مع بقاء توهم الاستعانة على قتال المسلمين ، ~~إن كانت منعتهم باقية ، فكذلك لا يجوز رده على أهل الحرب ليستعينوا به على ~~قتال المسلمين ، فإن منعة أهل الحرب باقية . ولو أن الخوارج أمنوا تجارا ~~دخلوا عسكرهم من أهل الحرب ، ثم استعاروا منهم كراعا أو سلاحا ، أو أخذوا ~~منهم غضبا ، ثم قتل رجل من الخوارج عليه ذلك السلاح بعد تنفيل الإمام ، فإن ~~سلبه لا يكون للقاتل ؛ لأن بأمانهم صار هذا المال معصوما من الاغتنام ، فإن ~~أمانهم في ذلك كأمان أهل العدل يبيعون ما أصابوا م ذلك ويقفون ثمنه حتى ~~يجيئوا فيأخذوه . وإن احتاج أهل العدل إلى أن يقاتلوا بشيء من ذلك فلا بأس ~~للإمام أن يدفع إليهم ليقاتلوا به عند الحاجة ؛ لأن هذا المال لو كان عنده ~~للمسلمين جاز له أن يفعل ذلك عند PageV02P747 الحاجة ، فإذا كان للمستأمنين ~~فأولى . ولأن المستأمنين حين أعاروهم هذا المال ليقاتلوا به أهل العدل فقد ~~رضوا بأن يكون هذا بمنزلة أموال الخوارج في حقنا . ولو ظفرنا بأموال ~~الخوارج جاز أن نفعل به هذا ، فكذلك في أموال المستأمنين إذا كانوا هم ~~الذين أعاروهم . وإن كانوا أخذوا ذلك منهم غصبا فليس ينبغي ms0441 لإمام أهل العدل ~~أن يدفعه إلى أحد من أهل العدل ليقاتل به عند عدم الضرورة . لأنه لم يوجد ~~من المستأمنين الرضا بأن يقاتل أحد بمالهم . والعصمة ثابتة في أموالهم بسبب ~~الأمان ، بخلاف الأول ، فقد رضوا هنالك بأن يقاتل بمالهم . وعلى هذا لو ~~استهلك بعض أهل العدل ذلك المال هنا ضمنه للمستأمنين ، وفي الفصل الأول لم ~~يضمنه ، كما لا يضمن مال الخوارج . وكذلك لا ينبغي لأمير أهل العدل أن يبيع ~~هذا المال هنا ، إلا أن يخاف التلف عليه فيبيعه حينئذ ؛ لأن عين المال ~~محفوظ على المستأمنين كما هو محفوظ على المسلم . فهذا بمنزلة مال لبعض أهل ~~العدل في يده وصاحبه غائب ، فيحفظ عينه ، إلا أن يتعذر ذلك فيبيعه ويحفظ ~~ثمنه عليه . PageV02P748 فإن تفرق الخوارج قبل أن يبيع الإمام ذلك فإنه يرد ~~المال في الفصلين على أصحابه ليردوه إلى دار الحرب ؛ لأن هذا بمنزلة مال ~~الخوارج . وهناك يرد عليهم عين مالهم بعد ما تفرقوا . ولأنهم أعطوا المال ~~هنا إلى الخوارج بعدما ثبت العصمة فيها بالأمان فلا يحبس في دارنا ، بمنزلة ~~ما لو كان الأمان لهم من أهل العدل ثم أعاروا الخوارج كراعهم وسلاحهم . ولو ~~أن الخوارج أمنوا قوما من أهل الحرب على أن يقاتلوا معهم أهل العدل ، ~~فخرجوا فقاتلوا ، أو لم يقاتلوا ، حتى ظهر أهل العدل عليهم ، فليس يقع على ~~أهل الحرب سبي ولا تكون أموالهم غنيمة ؛ لأنهم حين أعطوهم الأمان فقد ثبت ~~لهم العصمة في نفوسهم وأموالهم ، وبسبب القتال لا ينبذ ذلك الأمان ، لأنهم ~~قاتلوا بمنعة الخوارج . فكما أن القتال من الخوارج لا يكون نقضا لأمانهم ، ~~فكذلك القتال من المستأمنين معهم لا يكون نقضا للأمان . ولكن حكمهم كحكم ~~الخوارج فيما يحل منهم وما يحرم ، وفي حكم التنفيل في السلب . وهذا بخلاف ~~ما سبق إذا قالوا لهم : اخرجوا فقاتلوا معنا ، ولم يذكروا الأمان ؛ لأن ~~أولئك لم تثبت لهم العصمة في نفوسهم وأموالهم ، فإن انضمامهم إلى الخوارج ~~للقتال معنا لا يوجب ذلك . PageV02P749 ولو أن الخوارج كانوا هم الداخلين ~~عليهم في دار الحرب فأمن ms0442 القوم بعضهم بعضا ، ثم ظهر عليهم أهل العدل ، فإن ~~كان أهل الحرب في عزهم ومنعتهم فهم فيء . ومن قتل منهم قتيلا فله سلبه ؛ ~~لأنهم في عزهم ومنعتهم لا يكونون مستأمنين ، وإنما الخوارج هم المستأمنون ~~إليهم ، ولأنهم حين قاتلوا في منعتهم ودارهم فقد انتبذ الأمان الذي كان ~~بيننا وبينهم ، فكانوا أهل حرب ظفرنا بهم . وإن كانوا خرجوا إلى عسكر ~~الخوارج بأمان ، وكانوا غير ممتنعين إلا بمنعة الخوارج فإنه لا يقع على أحد ~~منهم سبي ؛ لأنهم مستأمنون في منعة الخوارج ، والمستأمن في عسكر المسلمين ~~في دار الحرب كالمستأمن في دار الإسلام في حكم العصمة . ولأن الأمان لم ~~ينبذ بقتالهم حين لم يكونوا أهل منعة بأنفسهم . ولو أن الخوارج طلبوا إلى ~~تجار أهل الحرب مستأمنين فيهم أن يعينوهم على أهل العدل ، فأنعموا لهم ، ~~وعلم ذلك أهل العدل لم يحل لهم التعرض لهم بقتل ولا أخذ مال حتى ينصبوا ~~الحرب لأهل العدل ؛ لأنهم مستأمنون ، فحكمهم كحكم أهل الذمة ، ولو أن أهل ~~الذمة قصدوا أن يقاتلوا المسلمين فما لم يظهروا ذلك لا يحل التعرض لهم ، ~~ولأنهم حين أنعموا للخوارج كانوا بمنزلة الخوارج ، والخوارج ما لم ينصبوا ~~لقتال أهل العدل لا يحل التعرض لهم في نفس أو مال . PageV02P750 فإن قاتلوا ~~فحكمهم كحكم الخوارج فيما يحل ويحرم ؛ لأنه قاتلوا تحت راية الخوارج ، فلا ~~ينتبذ أمانهم بذلك . ولو كان أهل الحرب قالوا لمسلم : أنت آمن فادخل إلينا ~~، فدخل ، لم يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم إن كان من أهل العدل أو من ~~الخوارج ؛ لأنه ضمن أن لا يتعرض لهم ، وعليه الوفاء بما ضمن ، لقوله عليه ~~السلام : ' وفاء لا غدر فيه ' . وكذلك إن لم يدخل إليهم حتى أمنهم وأمنوه ، ~~وهذا أظهر من الأول في حقه ؛ لأنهم في أمان صحيح من جهته . إلا أن في هذا ~~الفصل ليس لإمام المسلمين أن يعرض لهم بشيء ، ولا أخذ مال ، حتى ينبذ إليهم ~~، فإن فعل ذلك كان ضامنا لجميع ما استهلك بخلاف الأول ؛ لأن القوم هنا في ~~أمان صحيح من جهة واحدة ms0443 من المسلمين . فإنه أمنهم وهو في منعة المسلمين ، ~~فصح أمانه ، وفي الأول للإمام أن يقاتلهم من غير نبذ لأنه أمنهم المسلم ، ~~ولكنهم أمنوه إلا أن من ضرورة كونه في أمانهم أن لا يعرض لهم كما لا يعرضون ~~له ، وليس من ضرورته أن يكونوا في أمان من المسلمين . PageV02P751 ولو سأل ~~الخوارج من أهل الحرب أن يعينوهم على أهل العدل فقاتلوا : لا نعينكم إلا أن ~~يكون الأمير منا ، ويكون حكمنا هو الجاري . ففعلوا ذلك . ثم ظهر عليهم أهل ~~العدل ، فأهل الحرب وأموالهم فيء . أما إذا كانت الخوارج لم يؤمنوهم ~~فالجواب ظاهر . لأنهم أهل حرب لا أمان لهم . وأما إذا كانوا أمنوهم حتى ~~خرجوا فلأنهم نقضوا ذلك الأمان حين قاتلوا أهل العدل لمنعتهم وتحت رايتهم ، ~~بخلاف ما تقدم ، فهناك إنا قاتلوا تحت راية الخوارج ، وكان حكم الخوارج هو ~~الجاري ، فلم يكن ذلك نقضا لأمانهم . هر عليهم أهل العدل ، فأهل الحرب ~~وأموالهم فيء . أما إذا كانت الخوارج لم يؤمنوهم فالجواب ظاهر . لأنهم أهل ~~حرب لا أمان لهم . وأما إذا كانوا أمنوهم حتى خرجوا فلأنهم نقضوا ذلك ~~الأمان حين قاتلوا أهل العدل لمنعتهم وتحت رايتهم ، بخلاف ما تقدم ، فهناك ~~إنا قاتلوا تحت راية الخوارج ، وكان حكم الخوارج هو الجاري ، فلم يكن ذلك ~~نقضا لأمانهم . وأما أموال أهل البغي فهي مردودة عليهم إذا وضعت الحرب ~~أوزارها ؛ لأن مال المسلم لا يكون غنيمة في دار الإسلام للمسلمين بحال . ~~وحكم تنفيل السلب على هذا . حتى إذا قتل خارجي وعليه سلاح حربي فهو للقاتل ~~؛ لأنه لا عصمة في أموال أهل الحرب هنا . فإن قتل خارجي لم يكن للقاتل ؛ ~~PageV02P752 لأنه مال معصوم عن الاغتنام . واستوضح هذا بما : لو اجتمع قوم ~~من المستأمنين في دار الإسلام فأمروا عليهم أميرا ، أو امتنعوا وقاتلوا ~~المسلمين ، فإنه يكون ذلك نقضا لأمانهم . بخلاف ما إذا لم يكونوا أهل منعة ~~ففعلوا ذلك . وحكمهم في هذا كحكم أهل الذمة . وكذلك إن كان أهل الحرب الذين ~~دخلوا لإعانة الخوارج قاتلوا أهل العدل من ناحية ، وقاتلهم الخوارج من ~~ناحية ms0444 أخرى . فإن كان أهل الحرب أميرهم منهم وهم ممتنعون بغير منعة الخوارج ~~فهم فيء إذا ظهرنا عليهم ؛ لأنهم صاروا ناقضين للأمان باعتبار منعتهم . وإن ~~كانت منعتهم بالخوارج فحكمهم حكم الخوارج ، وإن كان أميرهم منهم ؛ لأن ~~التمكن من القتال بالمنعة لا بالأمير . ولو أن عشرة من الخوارج لا منعة لهم ~~آمنوا عشرة من أهل الحرب على أن يخرجوا فيغيرون معهم ، فهؤلاء إذا وقع ~~الظهور عليهم لا يجري عليهم السبي . ولا تكون أموالهم غنيمة ؛ PageV02P753 ~~لأنهم في أمان قوم من المسلمين . وما نقضوا ذلك الأمان بالإغارة والقتال ~~حين لم يكونوا أهل منعة . ولكنهم يؤخذون بجميع ما استهلكوا من الأموال ، ~~ويقتلون بمن قتلوه عمدا ؛ لأنهم بمنزلة اللصوص حين لم يكن لهم منعة . ألا ~~ترى أن في حق الخوارج يثبت هذا الحكم باعتبار أنه لا منعة لهم فكذلك في حق ~~المستأمنين معهم . ولو كانوا لم يؤمنوهم وإنما قالوا لهم : اخرجوا فأغيروا ~~معنا ، والمسألة بحالها ، فالجواب في حق الخوارج في هذا والأول سواء . وأما ~~أهل الحرب فهم فيء وجميع ما معهم ، ولا يقتلون بمن قتلوا ، ولا يضمنون ما ~~استهلكوا ، لأنهم لا أمان لهم من جهة أحد من المسلمين ولكنهم لصوص من أهل ~~الحرب ، ولصوص أهل الحرب لا فرق بين أن يقع الظهور عليهم في دار الإسلام ~~وبين أن يقع في دار الحرب في هذا الحكم . وعلى هذا يبتنى حكم التنفيل في ~~السلب . فإن أموالهم لما كانت فيئا كان للقاتل منهم السلب بالتنفيل . فصار ~~الحاصل إن المستأمنين من جهة الخوارج والمستأمنين من جهة PageV02P754 أهل ~~العدل سواء في حكم التلصص وقطع الطريق ، وفيما يكون نقضا للعهد إذا كانوا ~~أهل منعة حين قاتلوا . ولو أن الخوارج صالحوا أهل الحرب ووادعوهم ثم دخل ~~رجل منهم إلى أهل العدل بغير أمان كان آمنا بتلك الموادعة ؛ لأنهم بمنزلة ~~أهل العدل في الموادعة مع أهل الحرب . ألا ترى أن في عقد الذمة وإعطاء ~~الأمان هم بمنزلتهم ؟ فكذلك في الموادعة . ولا ينبغي لأهل العدل أن ~~يقاتلوهم حتى ينبذوا إليهم كما لو كانت الموادعة من ms0445 جهتهم ، فإن استعان بهم ~~الخوارج فخرجوا وقاتلوا معهم أهل العدل فوقع الظهور عليهم لم يسب أحد منهم ~~؛ لأن تلك الموادعة كانت بمنزلة إعطاء الأمان لهم . وقد بينا أن من يكون في ~~أمان من الخوارج إذا قاتل أهل العدل تحت راية الخوارج لم يكن ذلك نقضا ~~للأمان ، فهؤلاء كذلك ، وحالهم كحال الخوارج فيما يحل ويحرم منهم ومن ~~أموالهم . وإن كانوا خرجوا على أن يكون الأمير من أهل الحرب يحكم فيهم بحكم ~~أهل الشرك ، والمسألة بحالها ، ثم وقع الظهور عليهم فهم فيء ؛ لأنهم صاروا ~~ناقضين لتلك الموادعة حين قاتلوا بمنعتهم أهل العدل ، وحكم التنفيل في ~~السلب على هذا يخرج في الفصلين . PageV02P755 وكذلك إن كانوا خرجوا هم من ~~ناحية ليقاتلوا أهل العدل ، والخوارج من ناحية أخرى فإن كان أمير أهل الحرب ~~منهم فهم فيء ؛ لأنهم قاتلوا تحت رايتهم بمنعتهم . وإن كان الخوارج بعثوا ~~إليهم أميرا منه فحكمهم كحكم الخوارج ؛ لأنهم قاتلوا تحت راية الخوارج . ~~ولو خرج من الموادعين قوم لا منعة لهم فأغاروا في دار الإسلام ، فوقع ~~الظهور عليهم فهم بمنزلة اللصوص في حكم الضمان والقصاص ؛ لأنهم ما قاتلوا ~~عن منعة لهم ، فلا يكون ذلك نقضا منهم للموادعة . ولو أن قوما من أهل الحرب ~~أمنهم واحد من المسلمين ، ثم نبذ الإمام إليهم ، فأمنهم ذلك المسلم أيضا ~~فهم آمنون ؛ لأن المعنى الذي لأجله صح أمان المسلم في المرة الأولى موجود ~~في المرة الثانية . فإن قال لهم الأمير : إن هذا قد أمنكم غير مرة فلا ~~تلتفتوا إلى أمانه ، فإنه كلما أمنكم فقد نبذنا إليكم ، كان ذلك صحيحا منه ~~؛ PageV02P756 لأن نبذ الأمان تأثيره في إطلاق الأمان والاستغنام ، فيجوز ~~تعليقه بالشرط كالطلاق ، ولأن النبذ يحتاج إليه لنفي الغرور ، وذلك يحصل ~~بالنبذ بهذه الصفة . ولو أن مسلما أمن حربيا فكره الإمام مقامه في دار ~~الإسلام فإنه يتقدم إليه في الخروج . ولأن للإمام ولاية النبذ بعد صحة ~~الأمان ، فلا يكون ذلك إلا بعد أن يبلغه مأمنه ، فيتقدم إليه في الخروج ، ~~ويجعل له من المهلة ما يتمكن فيها من الخروج ms0446 بغير ضرر ، بمنزلة المستأمن ~~إذا طال المقام في دارنا ، وقد تقدم بيان الحكم فيه . ولو قال الإمام لحربي ~~: لا تدخل دارنا بأمان فلان فإنك إن دخلت بأمانه فأنت فيء ، ثم دخل بأمانه ~~لم يكن فيئا ؛ لأن حجر المسلم عن إعطاء الأمان باطل ، فإنه لا تنعدم بحجره ~~العلة المصححة لأمانه ، فيكون حجره إبطالا لحكم الشرع ، ولا يمكن جعل كلامه ~~نبذا لأمان وهو في دارنا ، لأن نبذ الأمان بعد إعطاء الأمان لا يصح ما لم ~~يبلغ مأمنه ، فكذلك قبل إعطاء الأمان . وبه فارق المواعدين ، لأن أولئك في ~~منعتهم ، ونبذ الأمان صحيح لو حصل مه بعد الأمان ، فكذلك قبله ، فأما هذا ~~في دارنا فلا يملك أحد نبذ أمانه ما لم يبلغ مأمنه . والإمام وغيره فيه ~~سواء . ولو قال الإمام لأهل الحرب : من دخل منكم دارنا بأمان فلان فهو ذمة ~~لنا . فدخل رجل قد علم تلك المقالة بأمان فلان فهو ذمة ، ولا يترك يرجع إلى ~~دار الحرب ؛ PageV02P757 لأن دخوله بعد العلم بمقالة الأمير دلالة الرضا ~~بقبول الذمة ، والدلالة في هذا كالصريح بمنزلة مقام الذمي الذي يقدم إليه ~~الإمام في دارنا بعد مضي المدة . وهذا بخلاف قوله : فهو فيء ؛ لأن ذلك نبذ ~~الأمان ، فلا يصح إذا لم يكن في منعته ، وهذا تأكيد للأمن الثابت بذلك ~~الأمان وليس نبذا وعلى هذا لو قال للمحصورين : إن أمنكم فلان فقد نبذت ~~إليكم ، فخذوا حذركم ، ثم أمنهم فلان ، كان ما تقدم نبذا صحيحا وحل به ~~قتالهم ؛ لأنهم في منعتهم . ولو قال : من خرج منكم بأمان فلان فهو فيء ، أو ~~: فقد حل دمه . فخرج رجل فهو آمن ؛ لأن النبذ إليه وهو في منعتنا باطل . ~~ولو قال : من خرج منكم بأمان فلان فهو ذمة لنا فهذا صحيح ؛ لأنه ليس فيه ~~نبذ الأمان ، إنما فيه تقرير حكم الأمن . فكونه في منعتنا لا يمنع منه . ~~والله أعلم . # PageV02P758 ؟ # | باب من نفل الخيل ما يكون على العرب دون البراذين # وإذا قال الأمير من قتل قتيلا فله فرسه ، فقتل مسلم رجلا من المشركين ، ~~وله فرس مع ms0447 غلامه ، فإنه لا يستحق فرسه ؛ لأن إيجاب فرس القتيل له من أبين ~~الدلائل على أن مراده قتل من هو فارس في حال ما يقتله ، وهذا لم يكن فارسا ~~في حال ما قتله بالفرس الذي مع غلامه ، والغلام ليس بحاضر عنده . ألا ترى ~~لو قتل آخر الغلام وهو على ذلك الفرس استحق الفرس بقتله ؟ فعرفنا أن الأول ~~إنما قتل راجلا لا فارسا . ولأن الإمام خص الفرس من بين سائر الأشياء الذي ~~يعلم أن الحربي حمله مع نفسه ، ولا فائدة في هذا التخصص سوى أن يكون مراده ~~الفرس الذي يقاتل عليه ، وأنه كان قصده التحريض على قتل فرسانهم لتنكسر به ~~شوكتهم . وإن كان قد نزل عن فرسه وهو معه يقوده في القتال فله فرسه ؛ لأنه ~~فارس بما معه من الفرس ، فإنه يتمكن من القتال عليه في الحال . وإنما كان ~~نزوله لزيادة جد في الحرب ، أو لضيق الطريق ، أو كثرة الزحام . فلا يخرج به ~~من أن يكون فارسا حين قتل . PageV02P759 ولو قتل رجلا على برذون أو برذونة ~~فله ذلك ؛ لأنه فارس ، سواء كان على برذون أو فرس أو عربي . ألا ترى ان ~~مثله من المسلمين يستحق سهم الفرسان ؟ . فإن قيل : هذا فيما إذا كان الفرس ~~مع غلامه في المعسكر موجودا . قلنا : لا كذلك ، فإن في حق المسلمين ، غلامه ~~بهذا الفرس ، لا يستحق سهم الفرسان ، فيتمكن أن يجعل هو فارسا به ، وهنا في ~~حكم التنفيل غلامه فارس بهذا الفرس فلا يكون هو فارسا به ، ولو قتل رجلا ~~على بغل أو حمار أو بعير لم يكن له ؛ لأنه غير فارس بهذا المركوب ، ولأن ~~اسم الفرس لا يتناوله بحال . ولو قال : من قتل قتيلا فله فرسه . فقتل راجلا ~~أو فارسا فله من الغنيمة فرس عربي وسط ، أو قيمته . ولا يكون له برذون ؛ ~~لأنه أطلق اسم الفرس فيما أوجبه نفلا له ، ومطلقه يتناول العربي خاصة ، ~~وبمطلق التسمية يستحق الوسط من عين المسمى ، أو قيمته ، بخلاف ما سبق ، فقد ~~أضاف الفرس هنا إلى القتيل بحرف الهاء ، وبه يتبين ms0448 أن مراده ما يكون القتيل ~~فارسا به . وذلك يعم البرذون والفرس العربي . وعلى هذا لو قال : من دخل من ~~باب المدينة على فرسه أو من قاتل على فرسه فله مائة درهم . فهذا على العراب ~~والبراذين جمعيا . PageV02P760 ولو قال : على فرس فهو على العراب خاصة . ~~وكذلك لو قال : من نزل عن فرسه فقاتل راجلا فله مائة . فهذا على العراب ~~والبراذين . ولو قال : على فرس ، ففي القياس : لا يستحق النفل إلا من نزل ~~عن فرس عربي ؛ لأنه أطلق اسم الفرس فلا يتناول إلا العربي ، كما في الفصول ~~المتقدمة . وفي الاستحسان : كل من نزل عن برذون أو فرس عربي فقاتل راجلا ~~فله نفله ؛ لأن مقصود الأمير هنا التحريض على مباشرة القتال راجلا . ألا ~~ترى أن من نزل عن فرس عربي ولم يقاتل لا يستحق النفل ؟ وفيما هو المقصود لا ~~فرق بين أن ينزل عن برذون أو عن فرس عربي . ولأنه وغن أطلق الفرس فقد علمنا ~~أن المراد فرسه ، إذ الإنسان ينزل عن فرسه لا عن فرس غيره ، فكان هذا وقوله ~~: عن فرسه ، سواء . واسم البرذون في التنفيل يتناول الذكر والأنثى ولا ~~يتناول الفرس العربي بحال ، لأن هذا اسم نوع خاص من الخيل ، فلا يتناول ~~نوعا آخر ، بمنزلة ما لو قال : من قتل رجلا على فرس عربي . فإن ذلك على ~~الذكر والأنثى من ذلك النوع خاصة . دون البراذين ، بخلاف الفرس ، فإنه ~~يستعمل في البراذين وفرس العرب جميعا كالخيل . وإن كان الاسم حقيقة في ~~العربي فعند الإطلاق يحمل على الحقيقة PageV02P761 وعند الإضافة يعتبر عرف ~~الاستعمال ، والفرس الشهري من نوع البراذين دون العراب . ولو قال : من قتل ~~قتيلا فله دابته . فاسم الدابة يتناول الخيل والبغال والحمير . كما قال ~~تعالى : ' لتركبوها وزينة ' النخل : 16 . ولهذا لو حلف لا يركب دابة يتناول ~~الاسم هذه الأشياء الثلاثة . وإن قتل رجلا على بعير أو ثور لم يكن له ذلك . ~~إلا أن يكونوا قوما دوابهم الإبل والثيران . فباعتبار الحال يصير معلوما أن ~~مراد الإمام ذلك . والكلام يتقيد بدلالة الحال واسم البغل ms0449 في التنفيل ~~يتناول الذكر والأنثى ، وكذلك اسم البغلة ؛ لأن الهاء تستعمل فيه لعلامة ~~الوحدان لا لعلامة التأنيث ، كاسم البقرة ، يتناول الذكر والأنثى ، واسم ~~الحمار والبعير يتناول الذكر والأنثى جميعا . فأما اسم الأتان فلا يتناول ~~إلا الأنثى ، وكذلك اسم حمارة ؛ لأنه لا تستعمل الهاء هنا إلا لعلامة ~~التأنيث . واسم الجمل والبعير يتناول الذكر والأنثى أيضا . فأما اسم الناقة ~~فلا يتناول إلا الأنثى خاصة ، وقد بينا هذا في الجامع . ولو قال : من قتل ~~فارسا فله دابته ، فقتل رجلا على حمار أو بغل أو بعير لم يكن له شيء ؛ ~~PageV02P762 لأنه ما كان فارسا بدابته ، وإنما شرط الاستحقاق أن يقتل فارسا ~~. ولو قتل رجلا على برذون ذكر أو أنثى ، استحق دابته ؛ لأنه فارس بدابته . ~~PageV02P763 # | باب من يكون له النفل ومن لا يكون # وإذا قال : من قتل قتيلا فله سلبه ، فالقياس أن يكون السلب للقاتل ، ~~واحدا كان أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك ؛ لأن ' من ' من أسماء العموم ~~، فيتناول المخاطبين على سبيل الاجتماع والانفراد جميعا . ولكن الأخذ ~~بالقياس في هذا قبيح ؛ إذ يؤدي إلى القول بأن العسكر كلهم لو اجتمعوا على ~~قتل رجل واحد استحقوا سلبه . وقد علمنا أن الإمام لم يرد ذلك بالتنفيل ؛ ~~لأن معنى التحريض يفوت به . ولكن للاستحسان فيه وجوه . أحدها أنه إن قتله ~~رجل أو رجلان فلهما السلب وإن قتله ثلاثة لم يكن لهم سلبه ؛ لأن الثلاثة ~~أدنى الجمع المتفق عليه . فإن الكلام وحدان وتثنية وجمع ، فبه يبين أن ~~الجمع غير التثنية . ثم أدنى الجمع المتفق عليه كأعلى الجمع ومراد الإمام ~~بهذا تحريض الآحاد على القتال لا تحريض الجماعة . ولأنه يجوز للمسلم ~~PageV02P764 أن يفر من الثلاثة ولا يحل له أن يفر من الواحد ولا من الاثنين ~~. قال تعالى : ' وإن يكن منكم ألف يغلبون ألفين بإذن الله ' فيه تبين الفرق ~~بين الاثنين والثلاثة ، وأن حكم الاثنين كحكم الواحد . ولكن هذا إذا لم يكن ~~معه السلاح ، وهو يطمع في أن ينتصف من اثنين ، فأما إذا لم يكن معه سلاح ~~ولا يطمع ms0450 في أن ينتصف منهما فلا بأس بأن ينحاز إلى فئة ولا يلقي بيده إلى ~~التهلكة . والوجه الثاني للاستحسان : أنه إن قتله قوم لا منعة لهم من ~~المسلمين فلهم السلب . وإن قتله قوم لهم منعة لم يكن لهم السلب ؛ لأن الذين ~~لا منعة لهم حكمهم حكم الواحد . ألا ترى أنهم لو دخلوا دار الحرب على وجه ~~التلصص لم يخمس ما أصابوا ، بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة في حكم التنفيل ، ~~لأنه بصحة التنفيل فيه يبطل حق أرباب الخمس عنه . # والوجه الثالث : أنه إن قتله قوم يرى الإمام والمسلمون أن ذلك القتيل كان ~~ينتصف منهم لو خلى بينه وبينهم فلهم سلبه ، وإن كان لا ينتصف منهم لم يكن ~~لهم سلبه ؛ لأن المقصود التحريض ، وإنما يتحقق معنى التحريض على قتل من ~~ينتصف منهم دون من لا ينتصف . # قال : وكل هذا واسع إن أمضاه الإمام ورآه عدلا . وليس مراده أن كل هذا حق ~~، وإنما مراده أن كل هذا طريق الاجتهاد . PageV02P765 وهو نظير قول ابن ~~مسعود رضي الله عنه : فيما صنع مسروق وجندب : ' كلاكما أصاب ' يعني طريق ~~الاجتهاد . قال : وأحسن الوجوه عندي وأقربها من الحق الوجه الأخير ، لأن ~~فيه تحقيق ما هو المقصود بالتنفيل وهو التحريض . ألا ترى أنهم لو انتهوا ~~إلى مطمورة فقال الأمير : من ناهضها أي قام بأخذها فله ما فيها بعد الخمس ، ~~ففعل ذلك جماعة منهم فإن كان ينتصف منهم أهل المطمورة استحق النفل ، وإن ~~اجتمع على المطمورة من العسكر من يعلم أن أهل المطمورة لا ينتصفون منهم لم ~~يكن لهم النفل . لمراعاة التحريض . ولو قتل رجل قتيلين أو أكثر بضربة واحدة ~~فله سلبهم جميعا ، كما لو قتلهم بضربات مختلفة ؛ لأن كلمة من عامة ، فيتعمم ~~به المقتولون أيضا . وإذا دخل الأمير مع العسكر أرض الحرب فقال لهم قبل أن ~~يلقوا قتالا : من قتل منكم قتيلا فله سلبه . فهذا جائز . ويبقى حكم هذا ~~التنفيل إلى أن يخرجوا من دار الحرب ؛ PageV02P766 لأن المقصود تحريضهم على ~~الإمعان والطلب ، فيتقيد مطلق كلامه بهذا المقصود . حتى إذا ms0451 انتهى مسلم إلى ~~مشرك نائم أو غافل في عمله فقتله ، فله سلبه . بمنزلة ما لو لقوا العدو ~~فقتله في الصف أو بعد ما انهزموا ؛ لأن تنفيل الإمام عم المقتولين على أي ~~حال كانوا بعد أن يكونوا بحيث يحل قتلهم . وكذلك عم القاتلين ممن يكون لهم ~~سهم في الغنيمة أو رضخ ، كالنساء والصبيان والعبيد . فأما إذا قال الأمير ~~هذه المقالة بعدما اصطفوا للقتال فهذا على ذلك القتال حتى ينقضي ؛ لأن ~~الحال دليل عليه . وهذا لأنه لما أخر الكلام إلى أن حضر القتال فقد علمنا ~~أن مقصوده التحريض على ذلك القتال بخلاف الأول ، فهناك إنما تكلم به حين ~~دخلوا دار الحرب ، فعرفنا أن مراده التحريض على الجد في الدخول والطلب . ثم ~~إن بقوا في ذلك القتال أياما فحكم ذلك التنفيل باق . وكذلك إن دخل ~~المنهزمون حصنهم فتحصنوا فيه وأقام المسلمون يقاتلونهم فقتل رجل قتيلا فله ~~سلبه ؛ PageV02P767 لأن ذلك القتال باق إذا لم يتركوه حينا ، ولا حصل ~~مقصودهم به ، وهو تمام القهر . وإن لم يتبعهم المسلمون بعد ما انهزموا حتى ~~لحقوا بحصونهم ، ثم مروا بعد ذلك بحصونهم فقتل مسلم رجلا ممن كان انهزم ~~منهم أو من غيرهم لم يكن له سلبه ؛ لأنهم حين تركوا أتباعهم فقد انقضت تلك ~~الحرب حقيقة وحكما ، والتنفيل كان مقيدا بها . ولو كانوا على إثرهم فمروا ~~بحصن آخر ، فقتل رجل منهم قتيلا ، لم يكن له سلبه ؛ لأن النفل كان على ~~الحرب الأولى ، وهي ما كان بينهم وبين أهل هذا الحصن . إنما كانت بينهم ~~وبين الذين حضروا . فهذا إنشاء حرب أخرى لم يكن التنفيل متناولا لها . ولو ~~أن أصحاب الحرب الأولى انهزموا ، فدخلوا حصنا آخر ، والمسلمون في إثرهم فإن ~~كان الغالب في هذا الحصن غير المنهزمين ، والمنعة منعتهم ، ثم قتل مسلم ~~قتيلا ، لم يستحق سلبه سواء كان المقتول من المنهزمين أو من غيرهم ؛ لأن ~~هذه حرب سوى الأولى . PageV02P768 وإن كان عظم القوم الذين انهزموا من ~~المسلمين ، والمنعة لهم ، فحكم ذلك التنفيل باق وأهل الحصن الثاني بمنزلة ~~مدد لحقهم . فتبقى الحرب ms0452 الأولى . ومن قتل من المنهزمين أو من غيرهم فله ~~سلبه . وهذا ملا بينا أن الحكم للمنعة والغلبة . ولو جاء ملكهم الأعظم ~~بجنده فانحاز إليه الذين كانوا يقاتلون المسلمين ثم قتل مسلم منهم قتيلا لم ~~يكن له سلبه ؛ لأن هذه منعة أخرى ، والتنفيل كان مقيدا بالحرب الأولى ، ~~فبعدما حدث لهم منعة أخرى تكون الحرب غير الأولى . فإذا لم يجدد الإمام ~~تنفيلا لم يستحق القاتل السلب وإن جدد الإمام التنفيل فسمعه بعض الناس دون ~~البعض . فكل من قتل قتيلا استحق سلبه ، الذي سمع والذي لم يسمع فيه سواء ؛ ~~لأن هذا محض منفعة في حق القاتلين . ولأن كلام الإمام لما اشتهر في الناس ~~فذلك بمنزلة الواصل إلى جماعتهم في الحكم . PageV02P769 # | باب من النفل على الدلالة من المسلمين وأهل الحرب الأسراء # وإذا قال الأمير : من دلنا من المسلمين على عشرة من الرقيق فله رأس . ~~فدلهم رجل بكلام ولم يذهب معهم . فذهبوا إلى ذلك الموضع وجاءوا بالرقيق كما ~~قال . فلا شيء له من النفل . وكان ينبغي في القياس أن يستحق النفل ؛ لأنه ~~شرط عليه الدلالة وقد فعل . ألا ترى أن الدلالة على الصيد من المحرم بهذه ~~الصفة يلزمه الجزاء ؟ ولكنه استحسن فقال : استحقاق النفل يكون بالعمل لا ~~بمجرد الكلام والمقصود به التحريض ، وإنما يكون التحريض على عمل هو من جنس ~~الجهاد والقتال . وبمجرد وصف الموضع بكلامه لا يحصل ذلك العمل إذا لم يذهب ~~معهم ، فلا يستحق النفل . PageV02P770 ولو أمنوا حربيا على أن يدلهم على ~~مثله ، فدلهم بكلامه فهو دال . أرأيت لو كان المسلم في منزلة بالكوفة أو ~~الشام فقال : إن دللتكم على عشرة أرؤس في موضع من دار الحرب قد مررت بهم ~~أتجعلون لي رأسا ؟ فقالوا : نعم ، فدلهم ولم يذهب معهم ، أكان يستحق النفل ~~؟ فكذلك إذا دلهم وهو في دار الحرب فهو شريكهم بسهم في الغنيمة ، إلا أنه ~~إذا ذهب معهم في دار الحرب فهو شريكهم بسهمه في الغنيمة ، بمنزلة ما لو لم ~~تسبق الدلالة والتنفيل . ولو ذهب معهم حتى دلهم على عشرة أرؤس فله ms0453 منهم رأس ~~؛ لأنه باشر عملا يجوز أن يستحق النفل به وهو الذهاب . وإنما يعطيه رأسا ~~وسطا . وكذلك لو دل على مائة رأس بهذه الصفة فله من كل عشرة رأس وسط . ولو ~~دلهم على خمسة كان له نصف واحد من أوساطهم ؛ لأنه أوجب له ذلك بمقابلة عمل ~~فيه منفعة للمسلمين ، فيكون هذا بمنزلة قوله : من جاء بعشرة أرؤس فله رأس . ~~وقد تقدم بيان هذا الفصل . ولو أسر الأمير أسراء من أهل الحرب فقال : من ~~PageV02P771 دلنا منكم على عشرة أرؤس فهو حر فدلهم رجل بكلام ولم يذهب معهم ~~، فوجدوا الأمر كما وصف لهم ، فهو حر ؛ لأن هذا تعليق عقته بالشرط ، فيراعى ~~وجود الشرط فيه حقيقة . وبالدلالة بالوصف يتم الشرط حقيقة . وهذا لأن ~~الإمام ما أوجب له هنا شيئا لا يستحق إلا بعمل ، فلا حاجة بنا إلى ترك ~~حقيقة الدلالة هنا ، بخلاف الأول فقد أوجب له هناك نفلا لا يستحق إلا ~~بالعمل . فلأجله تركنا حقيقة لفظ الدلالة ، وحملناه على نوع من المجاز . ثم ~~لا يترك هذا الأسير يرجع إلى داره ، ولكنه يخرج إلى دارنا ليكون ذمة لنا ؛ ~~لأنه بالأسر قد احتبس عندنا ، وإنما أوجب له بالدلالة الحرية ، وليس من ~~ضرورته التمكن من الرجوع إلى داره . ويستوي في هذا الحكم إن ذهب معهم أو لم ~~يذهب . إلا أن يقول : إن دللتكم فأنا حر وتدعوني أرجع إلى بلادي . فحينئذ ~~يوفى له بالشرط ، ويمكن من الرجوع إلى بلده إن أحب ؛ لأن هذا بمنزلة صلح ~~جرى بين الإمام وبينه ، وفي الصلح يجب الوفاء بشرط . إلا أنه لا ينبغي ~~للأمير أن يفعل هذا إلا أن يكون فيه حظ للمسلمين ؛ PageV02P772 لأنه نصب ~~ناظرا ، فلا يدع الأسير ليعود حربا لنا إلا بمنفعة عظيمة للمسلمين فيما يدل ~~عليه أكثر من حظهم في أسره ، فحينئذ لا بأس بإجابته إلى ذلك . وإن دلهم ~~الأسير على تسعة وذهب معهم أو لم يذهب لم يكن له شيء من رقبته ؛ لأن عتقه ~~هنا باعتبار الشرط ، والشرط يقابل المشروط جملة . فما لم يأت بكمال الشرط ~~لا يستحق ms0454 العتق . أو هذا صلح من رقبته على شرط التزمه ، فما لم يأت بذلك ~~الشرط بكماله لم يتم الصلح ولا يستحق شيئا مما وقع الصلح عليه ، بخلاف ~~المسلم ، فإن استحقاقه للنفل كان باعتبار عمل فيه منفعة للمسلمين فبقدر ما ~~يحصل من المنفعة بعمله يستحق النفل . وكذلك لو كان الأمير قال للأسير : إن ~~دللتنا على عشرة فأنت آمن من أن نقتلك . فدل على تسعة . كان له أن يقتله ؛ ~~لأنه علق الأمان له بالشرط ، فما لم يتم الشرط لا يستفيد الأمن . وكذلك لو ~~أن أهل حصن نزل عليهم المسلمون قالوا : إن دللناكم على عشرة من البطارقة ~~أتؤمنوننا وترجعون عنا ؟ فقالوا : نعم ، فدلوهم على خمسة أو على تسعة ، ~~فليسوا بآمنين ، وليس على المسلمين أن يرجعوا عنهم ؛ لأن الشرط لم يتم ، ~~فلا ينزل شيء من الجزاء . PageV02P773 ولو قالوا للمسلمين : نعطيكم مائة من ~~الرءوس ، أو ألف دينار على أن تؤمنونا وترجعوا عنا عامكم هذا ، ثم أعطوا ~~بعض المال فللمسلمين أن يقاتلوهم ؛ لأن الأمان تعلق بأداء جميع المال ، فلا ~~يثبت بأداء بعض المال . ولكن إن أرادوا قتالهم فليردوا عليهم ما أخذوا ، ثم ~~ينابذوهم للتحرز عن الغدر ودفع الضرر عنهم . فإنهم إنما أعطوا مالهم على ~~سبيل الدفع عن نفوسهم . وهذا بخلاف ما سبق من الدلالة على عشرة من الطارقة ~~فإنه هناك إن دلوا على بعضهم فلنا أن نقاتلهم من غير رد شيء عليهم ؛ لأنا ~~ما تملكنا عليهم شيئا من المال بمقابلة ما وعدنا لهم من الأمان ، ولو ~~قاتلناهم من غير رد شيء لا يؤدي إلى الإضرار بهم بطريق إهدار ملكهم وهاهنا ~~تملكنا المال بمقابلة ما شرطنا لهم ، فيجب الرد عليهم إذا لم يحصل لهم ~~منفعة الأمان به . وإن أبى الإمام أن يرد عليهم فليرجع عنهم ولا يقاتلهم ، ~~إظهارا للمسامحة وإتماما للوفاء بالشرط وإن هلك بعض السبي المأخوذ منهم ثم ~~أردنا قتالهم فلا بد من رد ما بقي من السبي وقيمة من هلك منهم ؛ لأن ~~المقصود بالرد دفع الضرر والخسران عنهم ، و التحرز عن الغدر . وذلك يحصل ~~برد القيمة ms0455 عند تعذر رد العين ، كما يحصل برد العين . PageV02P774 ولو ~~صالحوهم على مائة رأس على أن يؤمنوهم سنتهم هذه وينصرفوا عنهم ، ثم رأوا أن ~~النظر لهم في قتالهم فليردوا المال ثم ينبذوا إليهم وهم في منعتهم ؛ لأنه ~~مع بقائهم حربا لنا لا يحرم قتالهم لإعزاز الدين ، وإنما يحرم الغدر ~~وبالنبذ إليهم ، وهم في منعتهم ، ينتفي معنى الغدر . ولكن المال مأخوذ منهم ~~بطريق الجعل . فإذا لم يسلم لهم المشروط وجب رده عليهم . بمنزلة العوض يجب ~~رده إذا لم يسلم المعوض . فإن كان أسلم السبي فليرد عليهم قيمتهم لأنه تعذر ~~رد عينهم بعدما أسلموا ؛ لأن تمليك المسلم من الحربي لا يحل . فصار كما لو ~~تعذر ردهم بالهلاك . ولو كانوا لم يقبضوا منهم المال حتى بدا لهم أن ينبذوا ~~إليهم فلا بأس بذلك ؛ لأنهم يختارون ما فيه النظر للمسلمين ، والحال فيما ~~يرجع إلى النظر يتبدل ساعة فساعة . فكما أنه لو كان النظر في الابتداء في ~~القتال لم يميلوا إلى الصلح فكذلك إذا صار النظر في القتال كان لهم أن ~~ينقضوا الصلح . ألا ترى أنه لو وادعهم على أن يؤدوا إليه كل سنة مائة رأس ~~من رقيقهم ، ثم بدال له بعد مضي سنة أو سنتين أن يقاتلهم لأنه رأى ~~بالمسلمين قوة فلا بأس بأن ينبذ إليهم . ولو وادعهم على أن يعطوهم مائة من ~~أسراء المسلمين . PageV02P775 ليرجعوا عنهم عامهم هذا فأعطوهم تسعين ، فلا ~~بأس بالنبذ إليهم وقتالهم ، لانعدام تمام الشرط الذي علق الأمان به ، ولا ~~يرد عليهم شيء من المأخوذ ؛ لأن الأحرار من الأسراء ما كانوا في ملكهم قط ، ~~ولا تملكناهم عليهم بطريق الجعل ، فلا يكون في الامتناع من الرد معنى ~~الإضرار بهم ، وإنما فيه كف عن الظلم . وكذلك إن أعطوا ذلك من مدبرين ، أو ~~مكاتبين ، أو أمهات ، أو أولاد كانوا للمسلمين أسرى في أيديهم ؛ لأنهم لم ~~يتملكوا شيئا من ذلك فإن ثبوت حق العتق في المحل ، كثبوت حقيقة العتق في ~~إخراجه من أن يكون محلا للتمليك بالقهر . ولكنا نردهم على مواليهم بغير شيء ~~. وإن أعطوا ms0456 ذلك من عبيد مسلمين كانوا أسرى في أيديهم رد عليهم قيمتهم ؛ ~~لأنهم كانوا تملكوا العبيد بالإحراز ، ثم تملكنا عليهم بطريق الجعل ، فيجب ~~ردهم إذا لم يسلم لهم المشروط ، ولكن يتعذر رد عينهم لإسلامهم فيجب رد ~~قيمتهم . وإن ردوا المائة كما شرطوا ممن لا يملكونهم من الأسراء فللإمام أن ~~يقاتلهم بعد النبذ إليهم من غير رد شيء عليهم ؛ لأنا نتملك عليهم شيئا ~~كانوا يملكونه . PageV02P776 ولكن الأفضل له أن يفي لهم . كما وفوا له ~~بالمشروط ، ليطمئنوا إليه فيما يستقبل ، فإنه إن لم يفعل لم يركنوا إلى مثل ~~ذلك في المستقبل ، بناء على ما عندهم أن هذا غدر في تخليص الأسارى من ~~أيديهم ، وإن لم يكن غدرا في الحقيقة . وإن انصرف عنهم بعدما أخذ المشروط ~~منهم ، فإن كانوا أحرارا خلى سبيلهم ، وإن كانوا مدبرين ردهم على الموالي ~~بغير قيمة ، وإن كانوا عبيدا فإن وجدهم الموالي قبل القسمة والبيع أخذوهم ~~بغير شيء ، وإن وجدوهم بعد القسمة أو البيع أخذوهم بالقيمة أو الثمن إن ~~أحبوا ؛ لأن التمليك عليهم بطريق الجعل بمنزلة التملك بطريق القهر ، ألا ~~ترى أن المأخوذ فيء يجب قسمته بينهم في الوجهين . ولو قال الأمير للأسراء : ~~من دلنا على عشرة من المقاتلة فهو حر ، فدلهم أسير على عشرة ممتنعين في ~~قلعة لا يقدر عليهم ، لم يكن حرا ؛ لأنا علمنا أنه لم يكن هذا مقصود الإمام ~~، وإنما كان مقصوده دلالة فيها منفعة للمسلمين ، ولم يحصل . عنهم ولا ~~يقاتلهم ، إظهارا للمسامحة وإتماما للوفاء بالشرط وإن هلك بعض السبي ~~المأخوذ منهم ثم أردنا قتالهم فلا بد من رد ما بقي من السبي وقيمة من هلك ~~منهم ؛ لأن المقصود بالرد دفع الضرر والخسران عنهم ، و التحرز عن الغدر . ~~وذلك يحصل برد القيمة عند تعذر رد العين ، كما يحصل برد العين . ولو ~~صالحوهم على مائة رأس على أن يؤمنوهم سنتهم هذه وينصرفوا عنهم ، ثم رأوا أن ~~النظر لهم في قتالهم فليردوا المال ثم ينبذوا إليهم وهم في منعتهم ؛ لأنه ~~مع بقائهم حربا لنا لا يحرم قتالهم لإعزاز الدين ms0457 ، وإنما يحرم الغدر ~~وبالنبذ إليهم ، وهم في منعتهم ، ينتفي معنى الغدر . ولكن المال مأخوذ منهم ~~بطريق الجعل . فإذا لم يسلم لهم المشروط وجب رده عليهم . بمنزلة العوض يجب ~~رده إذا لم يسلم المعوض . فإن كان أسلم السبي فليرد عليهم قيمتهم لأنه تعذر ~~رد عينهم بعدما أسلموا ؛ لأن تمليك المسلم من الحربي لا يحل . فصار كما لو ~~تعذر ردهم بالهلاك . ولو كانوا لم يقبضوا منهم المال حتى بدا لهم أن ينبذوا ~~إليهم فلا بأس بذلك ؛ لأنهم يختارون ما فيه النظر للمسلمين ، والحال فيما ~~يرجع إلى النظر يتبدل ساعة فساعة . فكما أنه لو كان النظر في الابتداء في ~~القتال لم يميلوا إلى الصلح فكذلك إذا صار النظر في القتال كان لهم أن ~~ينقضوا الصلح . ألا ترى أنه لو وادعهم على أن يؤدوا إليه كل سنة مائة رأس ~~من رقيقهم ، ثم بدال له بعد مضي سنة أو سنتين أن يقاتلهم لأنه رأى ~~بالمسلمين قوة فلا بأس بأن ينبذ إليهم . ولو وادعهم على أن يعطوهم مائة من ~~أسراء المسلمين . ليرجعوا عنهم عامهم هذا فأعطوهم تسعين ، فلا بأس بالنبذ ~~إليهم وقتالهم ، لانعدام تمام الشرط الذي علق الأمان به ، ولا يرد عليهم ~~شيء من المأخوذ ؛ لأن الأحرار من الأسراء ما كانوا في ملكهم قط ، ولا ~~تملكناهم عليهم بطريق الجعل ، فلا يكون في الامتناع من الرد معنى الإضرار ~~بهم ، وإنما فيه كف عن الظلم . وكذلك إن أعطوا ذلك من مدبرين ، أو مكاتبين ~~، أو أمهات ، أو أولاد كانوا للمسلمين أسرى في أيديهم ؛ لأنهم لم يتملكوا ~~شيئا من ذلك فإن ثبوت حق العتق في المحل ، كثبوت حقيقة العتق في إخراجه من ~~أن يكون محلا للتمليك بالقهر . ولكنا نردهم على مواليهم بغير شيء . وإن ~~أعطوا ذلك من عبيد مسلمين كانوا أسرى في أيديهم رد عليهم قيمتهم ؛ لأنهم ~~كانوا تملكوا العبيد بالإحراز ، ثم تملكنا عليهم بطريق الجعل ، فيجب ردهم ~~إذا لم يسلم لهم المشروط ، ولكن يتعذر رد عينهم لإسلامهم فيجب رد قيمتهم . ~~وإن ردوا المائة كما شرطوا ممن لا يملكونهم من ms0458 الأسراء فللإمام أن يقاتلهم ~~بعد النبذ إليهم من غير رد شيء عليهم ؛ لأنا نتملك عليهم شيئا كانوا ~~يملكونه . ولكن الأفضل له أن يفي لهم . كما وفوا له بالمشروط ، ليطمئنوا ~~إليه فيما يستقبل ، فإنه إن لم يفعل لم يركنوا إلى مثل ذلك في المستقبل ، ~~بناء على ما عندهم أن هذا غدر في تخليص الأسارى من أيديهم ، وإن لم يكن ~~غدرا في الحقيقة . وإن انصرف عنهم بعدما أخذ المشروط منهم ، فإن كانوا ~~أحرارا خلى سبيلهم ، وإن كانوا مدبرين ردهم على الموالي بغير قيمة ، وإن ~~كانوا عبيدا فإن وجدهم الموالي قبل القسمة والبيع أخذوهم بغير شيء ، وإن ~~وجدوهم بعد القسمة أو البيع أخذوهم بالقيمة أو الثمن إن أحبوا ؛ لأن ~~التمليك عليهم بطريق الجعل بمنزلة التملك بطريق القهر ، ألا ترى أن المأخوذ ~~فيء يجب قسمته بينهم في الوجهين . ولو قال الأمير للأسراء : من دلنا على ~~عشرة من المقاتلة فهو حر ، فدلهم أسير على عشرة ممتنعين في قلعة لا يقدر ~~عليهم ، لم يكن حرا ؛ لأنا علمنا أنه لم يكن هذا مقصود الإمام ، وإنما كان ~~مقصوده دلالة فيها منفعة للمسلمين ، ولم يحصل . فإن قيل : إنما يعتبر ظاهر ~~كلامه وهو قوله عشرة من المقاتلة ، والمقاتل من يكون ممتنعا . قلنا : نعم . ~~ولكن مقصوده دلالة يستفيد بها علما لم يكن حاصلا له PageV02P777 قبل ~~الدلالة ، وذلك لا يحصل بهذه الدلالة ، فكم من عشرة مقاتلة لا يقدر عليهم ~~يعلمهم الأمير والمسلمون في دار الحرب . فعرفنا بهذا أن مراده الدلالة على ~~عشرة يتمكنون من أخذهم . فإن دلهم على عشرة غير ممتنعين إلا أنهم دروا بهم ~~فهربوا ، فإن هربوا قبل وصول المسلمين إلى موضع يقدرون على أخذهم فليست هذه ~~أيضا بدلالة ؛ لأن ما هو المقصود وهو التمكن من الأخذ لم يحصل بها . وإن ~~كانوا قد قدروا على أخذهم ففرطوا في ذلك حتى هربوا فالأسير حر ؛ لأنه قد ~~أتى بالمشروط عليه من الدلالة وهو التمكن من أخذ العشرة فالتفريط الذي يكون ~~منا بعد ذلك لا يكون محسوبا عليه . وإن دل على العشرة في موضع ms0459 فقاتلوا حتى ~~نجوا فليست هذه بدلالة ؛ لأنه إنما دل على قوم ممتنعين ، إذ لا فرق بين أن ~~يكون امتناعهم بقوة أنفسهم أو بحصن كانوا فيه . إلا أن يكونوا إنما نجوا ~~لتفريط من المسلمين في أخذهم بعد القدرة عليهم ، فحينئذ يكون للدال ما شرط ~~له . PageV02P778 وإن قاتل العشرة التي دل عليهم المسلمون فقتلوا بعضهم ثم ~~ظفر المسلمون بهم فالأسير حر ؛ لأنهم إنما تمكنوا من أخذهم وأسرهم بدلالته ~~. وإن لم يتمكن المسلمون من أسرهم ولكن قاتلوهم حتى قتلوا فليست هذه بدلالة ~~؛ لأن ما هو المقصود وهو التمكن من الأسر لم يحصل بهذه الدلالة ، وهذا لأن ~~مثل هذه العشرة كانوا يجدونهم قبل دلالته فعرفنا أن المقصود بالدلالة غير ~~هذا . ولو قتل المسلمون منهم واحدا وظفروا بالبقية ، فإن كانوا قتلوا ذلك ~~الواحد وهم ممتنعون لم يكن الأسير حرا ؛ لأن التمكن إنما حدث بعد قتله ، ~~والباقون بعد قتله تسعة . فكأنه دلهم ابتداء على تسعة نفر ، وإن كانوا ~~قتلوه بعدما ظفروا بالعشرة فهو حر ؛ لأنهم تمكنوا بدلالته من أخذ العشرة . ~~وكذلك إن كانوا قتلوا بعض المسلمين ثم ظفروا بهم أحياء ؛ لأنهم تمكنوا من ~~أسر العشرة بدلالته ، وإن كان ذلك بعد جهد وقتال . PageV02P779 فإن انتهى ~~إليهم المسلمون ولا سلاح عليهم ، ففرطوا في أخذهم حتى تسلحوا أو امتنعوا ~~فالأسير حر ، لأنه مكنهم بالدلالة من أخذ العشرة ، وإنما جاء التقصير من ~~المسلمين . ولو كان الأسير قال : أدلكم على عشرة على أني إن دللتكم عليهم ~~فامتنعوا أنو لم يمتنعوا فأنا حر . فرضي المسلمون بذلك فهو حر . إذا دل ~~عليهم وإن امتنعوا ؛ لأنه أتى بما التزمه بالشرط نصا ، وإنما تعتبر دلالة ~~الحال والمقصود بالكلام إذا لم يوجد التنصيص بخلافه . ولو قال الأمير ~~للأسراء : من دلنا على حصن كذا أو على عسكر فلان البطريق ، أو على عسكر ~~الملك فهو حر ، فدلهم رجل ثم لم يظفروا بهم فالأسير حر ؛ لأنه أتى بما شرط ~~عليه من الدلالة . والمشروط عليه الدلالة على قوم ممتنعين هنا ، وقد أتى به ~~بخلاف ما تقدم ، والغالب أن المراد هناك ms0460 الدلالة على عشرة غير ممتنعين . ~~ألا ترى أنه لو قال : من دلنا على عشرة من السبي من نساء أو صبيان فهو حر ، ~~فدلهم رجل على ذلك بين يدي جند يمنعونهم أنه لا يعتق ؟ لأن الغالب أن ~~المراد الدلالة عليهم في غير منعة ، وإنما يحمل مطلق الكلام في كل موضع على ~~ما هو الغالب . ولو تحير الأمير في رجوعه إلى دار الإسلام فقال للمسلمين : ~~من دلنا منكم على الطريق فله رأس ، أو قال : فله مائة درهم PageV02P780 ~~فدلهم رجل بوصف ذكره ، فمضوا على دلالته حتى أصابوا الطريق ولم يذهب هو ~~معهم ، فلا شيء له ؛ لأن ما أوجب كان على سبيل الأجرة لا على سبيل التنفيل ~~. إذ التنفيل بعد إحراز الغنيمة لا يجوز . وإرشاد المتحير إلى الطريق ليس ~~من الجهاد ليستحق عليه النفل ، فعرفنا أنه إجازة ، واستحقاق الأجر بعمل لا ~~بقول . فلهذا لا يستحق شيئا إذا لم يذهب معهم . وإن ذهب معهم حتى دلهم على ~~الطريق فله أجر مثله في ذهابه معهم ؛ لأنه أتى بالعمل بحكم إجارة فاسدة . ~~فإن المقصود عليه من العمل لم يكن معلوما حين لم يتبين إلى أي موضع يذهب ~~معهم ، وربما يوصلهم إلى الطريق بعشرة خطى ، وربما لا يوصلهم إلا بمسيرة ~~عشرة أيام . وجهلة المعقود عليه تفسد العقد . ثم إن كان المشروط له مائة ~~درهم فإنه يستحق به أجر المثل لا يجاوز به مائة . كما هو الحكم في الإجارة ~~الفاسدة إذا كان المسمى معلوما . وإن كان المشروط له رأسا من السبي فله أجر ~~مثله بالغا ما بلغ ؛ لأن تسمية الرأس مطلقا في باب الإجارة لا يكون تسمية ~~صحيحة . وهذا لأنه إنا لا يجاوزه المسمى لتمام الرضا به ، وذلك يتحقق في ~~المائة ولا يتحقق في الرأس ، لأن الرءوس تتفاضل في المالية ، PageV02P781 ~~ولو قال : من دلنا على الطريق حتى يبلغ بنا موضع كذا فله مائة درهم ، أو ~~فله هذا الرأس بعينه ، فذهب رجل معهم إلى ذلك المكان فله المسمى ؛ لأن ~~المعقود عليه معلوم هنا ، والبدل معلوم . به ، وذلك يتحقق في المائة ms0461 ولا ~~يتحقق في الرأس ، لأن الرءوس تتفاضل في المالية ، ولو قال : من دلنا على ~~الطريق حتى يبلغ بنا موضع كذا فله مائة درهم ، أو فله هذا الرأس بعينه ، ~~فذهب رجل معهم إلى ذلك المكان فله المسمى ؛ لأن المعقود عليه معلوم هنا ، ~~والبدل معلوم . فإن قيل : المخاطب بالعقد مجهول فكيف ينعقد العقد صحيحا ؟ ، ~~قلنا : إنما ينعقد العقد حين يأخذ في الذهاب معهم ، ويستوجب الأجر بحسب ما ~~يأتي به من العمل ، وعند ذلك لا جهالة فيه . ولو لم يتحير الإمام ولكن قال ~~: من ساق هذه الأرماك منكم حتى يبلغ الطريق فله مائة درهم ، ففعل ذلك قوم ، ~~استحقوا أجر المثل لا يجاوز به المائة ؛ لأن المعقود عليه من العمل مجهول ~~لجهالة المسافة . ولو كان قال : إلى موضع كذا فلهم المسمى ؛ لأن المعقود ~~عليه معلوم والبدل معلوم . وإن خاطب قوما بأعيانهم فسمع قوم آخرون فساقوها ~~إلى ذلك المكان فلا شيء لهم ؛ لأن العقد إنما كان بينه وبين من خاطبهم به ، ~~فغيرهم يكون متبرعا في إقامة العمل . PageV02P782 ولو نادى بذلك في جميع ~~أهل العسكر فساقها قوم سمعوا النداء فلهم الأجر ؛ لأنهم أقاموا العمل على ~~وجه الإجارة . ولو ساقها قوم لم يسمعوا النداء فلا شيء لهم ؛ لأنهم أقاموا ~~العمل متطوعين لا على وجه الإجازة حين لم يسمعوا النداء ، وبهذا تبين أن ~~الاستحقاق هنا ليس على وجه التنفيل . ولو أن الأمير أخطأ الطريق فتحير . ~~فقال الأسير في يده : إن دللتنا على الطريق فلك أهلك وولدك ، فدلهم بصفة أو ~~بذهاب معهم حتى أوقفهم على الطريق ، كان على حاله فيئا للمسلمين مع أهله ~~وولده ؛ لأن الأمير لم يذكر نفسه بشيء في الجزاء ، فيبقى هو أسيرا على حاله ~~وإذا كان هو عبدا للمسلمين فما يكون له يكون للمسلمين أيضا ، أهله وولده ~~وغيرهم في ذلك سواء . ولو كان قال : لك نفسك وأهلك وولدك والمسألة بحالها ~~فهو حر لا سبيل عليه ؛ لأنه جعل له نفسه جزاء على دلالته . وقد أتى بها ~~فكان حرا ، وله أهله وولده أيضا ، أهله وولده أيضا . لأنه شرط ms0462 له ذلك . إلا ~~أنه لا يدخل في اسم الأهل هنا إلا زوجته . PageV02P783 بخلاف ما تقدم في ~~فصول الأمان ، لأنهم هنا قد صاروا مملوكين بالأسر ، فلا يزول الملك عنهم ~~إلا بيقين ، وهذا اليقين في زوجته خاصة . وكذلك في اسم الولد لا يدخل هنا ~~إلا ولد لصلبه ، وأما ولد ولده فهم فيء ؛ لأن اليقين في ولد الصلب خاصة . ~~وهذا الاستحقاق له يبتنى على المتيقن به . وإن لم يكن في الأسراء ولد لصلبه ~~فله أولاد بنيه ؛ لأنهم قائمون مقام أبيهم في هذا الاسم ، فيتناولهم عند ~~عدم آبائهم . ولا يكون ولد بناته من ذلك في شيء ، إلا أن يسميهم ؛ لأنهم ~~ليسوا من أولاده ، ثم لا يترك يرجع إلى دار الحرب ولكنه يخرجهم إلى دار ~~الإسلام ليكونوا ذمة للمسلمين ؛ لأنه بعد تقرر الأسر لا يجوز تمكينهم من ~~الرجوع إلى دار الحرب . ويستوي إذا كان دلهم بكلام أو ذهب معهم . بخلاف ما ~~تقدم من دلالة المسلمين . فإن ذلك على وجه الإجارة فلا يثبت بالكلام . وهذا ~~على وجه الصلح والأمان ، فيعتبر فيه وجود الشرط حقيقة . فإن كان الأمير قسم ~~السبي في دار الحرب أو باعهم ثم PageV02P784 تحير فقال للأسراء : من دلنا ~~على الطريق فهو حر . أو قال : فله مائة درهم ، ففعل ذلك بعضهم ، فإن كان ~~شرط له مائة فله أجر مثله لا يجاوز به المائة ويكون ذلك لمولاه ؛ لأن الملك ~~قد تعين فيهم هنا ، فما أوجبه يكون على وجه الإجازة دون الصلح والأمان . ~~ولهذا لو دلهم بمجرد كلام ولم يذهب معهم لم يستحق شيئا ، وإن كان قال : فهو ~~حر ، فهذا باطل ؛ لأن الأمير لا يملك أن يعتق أرقاء الملاك بعدما تعين ~~ملكهم فيهم . ولو تحير قبل قسمتهم فقال : من دلنا منكم على الطريق فهو حر ، ~~فدلهم أسير على طريق بين ، إلا أنه طريق يأخذ إلى دار الحرب لا إلى دار ~~الإسلام . فإن كانوا تحيروا في الدخول فهذه دلالة والأسير حر . وإن كانوا ~~تحيروا في الانصراف فليست هذه بدلالة . وإن دلهم على طريق يأخذ إلى دار ~~الإسلام لا ms0463 إلى دار الحرب فالتقسيم فيه على عكس هذا ؛ لأن مطلق الكلام ~~يتقيد بدلالة الحال ، وقد علمنا أن مراده في حالة الدخول على طريق يوصله ~~إلى مقصده من دار الحرب ، وفي الانصراف مقصوده الدلالة على طريق يوصله إلى ~~مقصده من دار الإسلام . PageV02P785 وإن قال : إن دللتنا على طريق حصن كذا ~~فأنت حر ، ولذلك الحصن من ذلك المكان طريق ، فدلهم على طريق آخر هو أبعد من ~~الطريق المعهود ، فله شرطه ؛ لأن كل واحد من الطريقين طريق ذلك الحصن إذا ~~كان بحيث يعتاد الناس الذهاب إلى ذلك الحصن من ذلك الطريق . والأمير أطلق ~~اللفظ ، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل . وليس في كلامه ذلك . وإن دلهم ~~على طريق ليس بطريق إلى ذلك الحصن ولكنه طريق إلى غيره ، إلا أنهم يقدرون ~~على أن يدوروا من ذلك المكان حتى يأتوه ، ليست هذه بدلالة ؛ لأن الإنسان قد ~~يتمكن من أن يأتي من هذا الموضع كاشغر ثم يدور حتى يأتي بخارى ، ثم لا يعد ~~أحد الطريق من هنا إلى كاشغر طريق بخارى . فعرفنا أنه ما أتى بالمشروط عليه ~~فلا يكون حرا . وإن قال : إن دللتنا على طرق حصن كذا ، وهو الطريق الذي كان ~~يقال له كذا ، فدلهم على طريق غيره حتى أقامهم على الحصن . فإن كانت لهم ~~منفعة في الطريق الذي عينوا له من حيث قرب الطريق أو أمنه أو كثرة العلف أو ~~كثرة القرى أو كثرة ما يجدون من السبي فهو فيء على حاله ؛ لأنه ما وفى ~~بالشرط فإنهم عينوا له طريقا وكانت لهم فيه منفعة . والتعيين متى كان مفيدا ~~يجب اعتباره . PageV02P786 وإن كان الذي دلهم عليه أكثر منفعة من الذي ~~عينوا له فهو فيء في القياس أيضا ؛ لأنه ما أتى بالمشروط . وفي إيجاب ~~العباد يعتبر اللفظ دون المعنى لجوازه أن يخلو كلامهم عن حكمة وفائدة حميدة ~~. وفي الاستحسان : هو حر ؛ لأنه أتى بمقصودهم وزيادة . وإنما يعتبر التعيين ~~إذا كان مفيدا . فإذا علم أن فائدتهم فيما أتى به أظهر ، سقط اعتبار ~~التعيين لكونه غير مفيد . وإن ms0464 لم يعلم أيهما أنفع فهو فيء على حاله ؛ لأن ~~التعيين كلام من عاقل ، فيكون معتبرا في الأصل ، ما لم يعلم بخلوه عن ~~الفائدة . ولم يعلم بذلك . وعلى هذا لو قال : من دلنا على طريق درب الحدث ~~فهو حر . فدلهم رجل على طريق المصيصة أو على طريق ملطية . فإن كان ذلك أقرب ~~وأكثر منفعة فهو حر . وإن كان ليس كذلك ، أو لا يدرى أهو كذلك أم لا فهو ~~فيء ؛ PageV02P787 لأنه ما أتى بالمشروط عليه . أرأيت لو ذهب بهم إلى طريق ~~غير ما ذكروا له ، فكان فيه الملك وجنده . فقاتلهم وقتل منهم أو ذهب بهم في ~~طريق لا علف فيه فهلكت دوابهم ، أو ماتوا جوعا أكان يوفى له بشرطه ؟ وإنما ~~قصده بهذا بيان أن التقييد متى ما كان مفيدا يجب اعتباره . PageV02P788 # | باب ما يجوز من النفل في السلاح وغيره # وإذا رأى أمير العسكر دروع المسلمين قليلة عند دخولهم دار الحرب فقال : ~~من دخل بدرع فله من النفل كذا ، أو فله به سهم كسهمه في الغنيمة . فهذا ~~جائز لا بأس به ؛ لأن هذا التنفيل يقع منه العدو ، فيجوز أن ينفل على ذلك ~~لتحريضهم على تحمل هذه المؤنة لإرهاب العدو . ألا ترى أن الشرع أوجب للغازي ~~السهم لفرسه لهذا المعنى ؟ وهو أنه يحتمل المؤنة فيما يحصل به إرهاب العدو ~~، فللإمام أن يوجب ذلك بطريق النفل اعتبارا بما أوجبه الشرع . وكذلك لو قال ~~: من دخل بدر عين فله كذا ؛ لأن المبارز قد يظاهر بين درعين إذا أراد ~~القتال ، على ما روي أن النبي عليه السلام ظاهر بين درعين يوم أحد . فكان ~~هذا منه على وجه النظر والاجتهاد . PageV02P789 وإن قال : من دخل بدرع ومن ~~دخل بدرعين فله مائتان ، ومن دخل بثلاثة دروع فله ثلاث مائة . وساق الكلام ~~هكذا . فليس ينبغي له أن ينفل هكذا ، ولا يجوز منه هذا التنفيل في أكثر من ~~درعين ؛ لأن هذا لا يقع على وجه الاجتهاد والنظر ، والمقاتل لا يمكنه أن ~~يلبس أكثر من درعين عند القتال ، لأن ذلك يثقل عليه ، ولا ms0465 يمكنه أن يقاتل ~~معه . فعرفنا أنه ليس في التنفيل على أكثر من درعين منفعة . # فإن قيل : معنى التزام المؤنة وإرهاب العدو يتحقق في الثالث والرابع ~~والخامس . قلنا : ليس كذلك . فإن الإرهاب بالدارع لا بالدرع ، يقال : انفصل ~~كذا وكذا دارع ، وكذا وكذا حارس . فيحصل به الإرهاب . والدارع هو وحده ، ~~لأنه ما حمل الدروع مع نفسه ليعطيها غيره ، وإنما حمل للبس عند القتال . ~~وذلك لا يتأتى منه في أكثر من درعين . وعلى هذا لو قال لأصحاب الخيل بتجفاف ~~فله كذا . فإن معنى التزام المؤنة وإرهاب العدو يحصل بالتجفاف للخيل كما ~~يحصل بالدروع للفارس ، فيجوز أن ينفل على تجفاف وتجفافين . ولا يجوز أكثر ~~من ذلك ؛ PageV02P790 لأن التجفاف للفرس ، فالتنفيل عليه بمنزلة التنفيل ~~على الفرس . ولو كن الأمير ممن لا يرى أن يسهم إلا لفرس واحد فقال : من دخل ~~بفرسين فله كذا ، كان ذلك تنفيلا صحيحا ، ولا يجوز أن ينفل على أكثر من ~~فرسين ؛ لأن المبارز قد يقاتل بفرسين ولا يقاتل بأكثر منهما ، فإنما يجوز ~~من تنفيله ما يكون فيه منفعة دون ما لا منفعة فيه . إلا أن يكون أمرا ~~معروفا قد يحتاج الرجل فيه إلى ثلاثة أفراس . فحينئذ يجوز تنفيله لثلاثة ~~أفراس في ذلك . وكذلك لثلاثة تجافيف ؛ لأنه يكون على كل فرس تجفاف ، ومتى ~~علم أن تنفيله كان على وجه النظر يجب تنفيذه مما أصاب من الغنائم بعد ~~التنفيل . ولو لم يقل شيئا لهم حتى حاصروا حصنا فقال : من تقدم إلى الباب ~~دارعا فله كذا . أو قال : من تقدم متجففا فله كذا ، أو قال : من تقدم ~~مظاهرا درعين فله كذا ، فلذلك تنفيل صحيح ؛ لأن فيه منفعة للمسلمين من حين ~~إظهار الجلادة والقوة وإيقاع الرعب في قلوب المشركين ، والتنفيل على مثله ~~يكون . ولو لم يقل ذلك حتى فتحوا الحصن ثم أراد أن ينفل منه للدارع ~~والمتجفف على قدر العناء فليس له أن ينفله ؛ PageV02P791 لأن التنفيل ما ~~يكون قبل الإحراز ، فأما بعد الإحراز فيكون صلة لا تنفيلا ، وليس للإمام أن ~~يخص بعض الغانمين بالصلة من ms0466 الغنيمة بعدما ثبت حقهم فيها . فإن نفل الإمام ~~بعد الإحراز على قدر العناء والجزاء فكان ذلك من رأيه فهو نافذ ؛ لأنه أمضى ~~باجتهاده فصلا مختلفا فيه ، فليس لأحد من القضاة أن يبطل ذلك . ويحل للمنفل ~~أن يأخذ ذلك وإن كان هو ممن لا يرى التنفيل بعد الإصابة ؛ لأن الرأي يسقط ~~اعتباره إذا جاء الحكم بخلافه ، فإن قضاء القاضي ملزم غيره ، ومجرد ~~الاجتهاد غير ملزم غيره ، وهو نظير ما لو قال لامرأته : أنت طالق ألبتة . ~~ومن رأيه أن ذلك تطليقة بائنة فقضى القاضي بأنها تطليقة رجعية كما هو قول ~~عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ، فإنه ينفذ قضاؤه ، ويسعه أن يقيم عليها ، ~~ولكن هذا على قول محمد وأما على قول أبي يوسف : فالمجتهد لا يدع رأيه إذا ~~كان ذلك أشد عليه بقضاء القاضي بخلافه . وقد بينا ذلك في شرح المختصر في ~~آخر الاستحسان والله أعلم . PageV02P792 # | باب ما يجوز من النفل بعد إصابة الغنيمة ومن يجوز ذلك منه # قال : ولو أن سرية في دار الحرب أصابوا غنائم فعجزوا عن حملها إلى دار ~~الإسلام وأراد الأمير إحراقها أو تركها ، ثم بدا له فقال للمسلمين : من أخذ ~~منها شيئا فهو له ، فهذا جائز . ومن تكلف منهم فأخرج شيئا فهو له ، ولا خمس ~~فيه ؛ لأن هذا تنفيل وقع على وجه النظر ، وإنما كرهنا التنفيل بعد الإصابة ~~لما فيه من إبطال حق بعض الغانمين بعدما ثبت حقهم في المصاب . والإبطال ~~إنما يكون عند التمكن من الحفظ وتأكيد حقهم بالإخراج . فأما بعد تحقق العجز ~~عن ذلك فهذا لا يكون إبطالا لحق أحد . يوضحه : أن له إحراق الجمادات منها ، ~~وذبح الحيوانات ثم الإحراق أو تركها في مضيعة . وفي ذلك إبطال حق الكل . ~~فمن ضرورة جواز ذلك جواز إبطال حق البعض بتخصيص البعض بطريق التنفيل . ولأن ~~في الإحراق إبطال حق لا منفعة فيه لأحد من المسلمين ، وفي التنفيل توفير ~~المنفعة على بعضهم . فكان الميل إلى هذا الجانب أولى . فأما إذا كان قادرا ~~على الإخراج أو البيع أو البيع أو ms0467 القسمة PageV02P793 فهو متمكن من إيصال ~~المنفعة إلى جماعتهم . فلا ينبغي له أن يبطل حق بعضهم . وكذلك لو قال عند ~~العجز : من أخذ شيئا فهو له بعد الخمس ، أو قال : فله نصف ما أخذ قبل الخمس ~~أو بعده ، فلذلك كله صحيح . ينبغي له أن يفعل من ذلك ما يكون أقرب إلى ~~النظر ، ثم القسمة بعد الإخراج ، على ما أوجبه الأمير بالتنفيل . وإن أحد ~~وجد منهم شيئا كان المسلمون يقدرون على إخراجه ، ولم يكن للإمام علم به من ~~جوهر أو غير ذلك ، فإن هذا يخمس ، الباقي بينهم على سهام الغنيمة ؛ لأن صحة ~~هذا التنفيل لضرورة العجز عن الإحراز . والثابت بالضرورة لا يعدو مواضعها ، ~~فلا يتناول هذا التنفيل ما لم يتحقق فيه الضرورة . وإذا ثبت هذا الحكم فيما ~~أخذوا من أموالهم ثبت فيما لم يأخذوه بطريق الأول ، حتى إذا مروا ببناء من ~~بنائهم فيه السلاح والرخام وماء الذهب ولم يقدروا على أخذه وإخراجه فقال ~~الأمير : من أخذ منه شيئا فهو له . فذلك صحيح . ومن خرب شيئا من ذلك وأخرجه ~~اختص به . لأنهم وإن كانوا قادرين على هدمه فقد كانوا عاجزين عن إخراجه ، ~~PageV02P794 ولهم أن يتركوه فيصح تنفيل أميرهم في ذلك أيضا ، ويستوي إن كان ~~ذلك مما يقدر على حمله بعد الهدم أو لا يقدر عليه ؛ لأن التنفيل من الأمير ~~قبل الهدم ، وإنما صار بحيث يقدر على حمله بعد الهدم أو لا يقدر عليه ؛ لأن ~~التنفيل من الأمير قبل الهدم ، وإنما صار بحيث يقدر على حمله بما أحدث فيه ~~من الهدم بعد تنفيل الإمام . إلا أن يكون شيئا من ذلك موضوعا نائيا عن ~~البناء يقدرون على إخراجه حين نفل الإمام ولم يعلم به ، فإن ذلك يقسم بين ~~الجماعة ، وإن أخرجه واحد منهم ؛ لأن التنفيل لم يتناوله . ولو أن الأمير ~~لم ينفل أحدا ولكنه أمرهم بإحراق ذلك ، فتكلف بعضهم إخراجها على دوابهم إلى ~~دار الإسلام ، فذلك يخمس ويقسم بين جميع السرية . لأن تخصيص البعض بتنفيل ~~الإمام ولم يوجد ، إنما الموجود الأمر بالإحراق ، ولا تأثير له ms0468 في تخصيص ~~بعضهم بشيء ، وأدنى الدرجات أن الذي أخرج أحيا بفعله ما كان مشرفا على ~~الهلاك مما كان مشتركا بينه وبين غيره ، فلا يكون ذلك سببا لقطع الشركة ~~وتخصيصه به . ولو قسم ما أصاب في أرض الحرب ، أو باعه من التجار ، أو أخرجه ~~إلى دار الإسلام فلحقهم العدو ، وابتلوا بالهرب ، فينبغي أن يحرقوا ذلك ~~بالنار لينقطع منفعة العدو عنه . فإن في ذلك PageV02P795 معنى الكبت لهم ، ~~وإن كان يجوز للغزاة أن يفعلوا ذلك بما ثقل عليهم من متاعهم وسلاحهم في دار ~~الحرب ، لئلا ينتفع به العدو ، كما فعله جعفر فإنه حين أيس من نفسه عقر ~~فرسه . فلأن يجوز ذلك فيما أخذوا من أمتعة أهل الحرب كان أولى . فإن نبذوا ~~ذلك ليحرقوه فقال الأمير : من أخذ شيئا فهو له ، فأخذ ذلك قوم وأخرجوه من ~~المهلكة ، فذلك كله مردود إلى أهله ؛ لأنه بالقسمة والبيع قد تعين الملك ~~فيه . وليس للإمام ولاية التنفيل في أملاك الناس بحال . وكذلك بالإخراج إلى ~~دار الإسلام وقد تأكد الحق فيه لهم على وجه يورث عنهم ، فلا يبقى للإمام ~~فيه ولاية التنفيل أصلا . بخلاف ما قبل الإحراز . فالثابت هناك حق ضعيف ثبت ~~بالإحراز بالدار فالحق قد يتأكد بتمام السبب بالإحراز بالدار ، فلا يبطل ~~ذلك بالإلقاء للإحراق . فلا يكون للإمام فيه ولاية التنفيل ، وهذا بعد ~~القسمة . والبيع أظهر ؛ لأن الملك قد تعين فيه . PageV02P796 ألا ترى أنهم ~~لو طرحوا ذلك في دار الحرب فلم يقطن بها أهل الحرب حتى دخلت سرية أخرى ~~فأخرجوها ، وأخذها أهل الحرب التي لم تؤخذ منهم . ولو طرحوها للإحراق بعد ~~القسمة والبيع ثم تركوها مخافة العدو ، ولم يعلم بها المشركون حتى جاءت ~~سرية أخرى فأخذوها وأخرجوها فهي مردودة على الملاك لبقاء ملكهم فيها . وإن ~~أخذها المشركون ثم استنفذها من أيديهم سرية أخرى ، فإن وجدها الملاك قبل ~~القسمة أخذوها بغير شيء . وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة ، بمنزلة ~~سائر أموالهم إذا أصابها أهل الحرب وأحرزوها وكذلك بعد الإحراز بدار ~~الإسلام . وإن طرحوها ثم جاءت سرية أخرى فأخذوها ولم ms0469 يعلم بها أهل الحرب ~~فهي مردودة على السرية الأولى ، لتأكد حقهم فيها وإن أحرزها أهل الحرب ثم ~~أخذها منهم سرية أخرى فإن وجدها السرية الأولى قبل القسمة أخذوها بغير شيء ~~، وإن وجدوها بعد القسمة فلا سبيل لهم عليها . وهذه هي الرواية الثانية ~~التي بينا أنها أصح في هذه المسألة ؛ لأنهم لو أخذوها بالقيمة ، وحقهم قبل ~~القسمة في المالية . PageV02P797 إذ لا ملك لأحد في العين ، ولهذا كان ~~للإمام أن يبيعها ويقسم الثمن ، فلا يكون الأخذ بالقيمة مفيدا لهم شيئا ، ~~وإنما ثبت لهم حق الأخذ إذا كان مفيدا . ولو أن المشترين ، أو الذين وقع ~~ذلك في سهامهم . أو الذين رموا بمتاعهم قالوا حين رموا به : من أخذ شيئا ~~فهو له . فأخذ ذلك قوم من المسلمين فهو لهم ، أخرجوه أو لم يخرجوه ؛ لأن ~~هذا هبة من الملاك للآخذين . وقد تمت الهبة بقبضهم . فإن أرادوا الرجوع فيه ~~فلهم ذلك قبل أن يخرجه الآخذون إلى دار الإسلام كما هو الحكم في الهبة . ~~وإن أخرجوه أو بلغوه موضعا يقدر فيه على حمله لم يكن لهم أن يرجعوا فيه ؛ ~~لأنه حدث فيه زيادة بصنع الموهوب له . فإنه كان مشرفا على الهلاك في مضيعة ~~، وقد أحياه بالإخراج من ذلك الموضع ، فالزيادة في عين الموهوب تمنع الواهب ~~من الرجوع ، ولكن هذا الحكم فيما إذا أخذه من سمع مقالة المالك منه ، أو ~~ممن بلغه فأما من لم يسمع ذلك أصلا إذا أخذ شيئا فأخرجه كان عليه أن يرده ~~إلى مالكه ؛ لأن من علم بمقالته فإنما أخذه على وجه الهبة . فيكون ذلك قبضا ~~متمما للهبة ، ومن لم يعلم ذلك فهو إنما أخذه لا على وجه الهبة بل على وجه ~~الإعانة لمالكه في الرد عليه . فلا يثبت الملك له بهذا الأخذ . ت سرية أخرى ~~فأخذوها ولم يعلم بها أهل الحرب فهي مردودة على السرية الأولى ، لتأكد حقهم ~~فيها وإن أحرزها أهل الحرب ثم أخذها منهم سرية أخرى فإن وجدها السرية ~~الأولى قبل القسمة أخذوها بغير شيء ، وإن وجدوها بعد القسمة فلا سبيل ms0470 لهم ~~عليها . وهذه هي الرواية الثانية التي بينا أنها أصح في هذه المسألة ؛ ~~لأنهم لو أخذوها بالقيمة ، وحقهم قبل القسمة في المالية . إذ لا ملك لأحد ~~في العين ، ولهذا كان للإمام أن يبيعها ويقسم الثمن ، فلا يكون الأخذ ~~بالقيمة مفيدا لهم شيئا ، وإنما ثبت لهم حق الأخذ إذا كان مفيدا . ولو أن ~~المشترين ، أو الذين وقع ذلك في سهامهم . أو الذين رموا بمتاعهم قالوا حين ~~رموا به : من أخذ شيئا فهو له . فأخذ ذلك قوم من المسلمين فهو لهم ، أخرجوه ~~أو لم يخرجوه ؛ لأن هذا هبة من الملاك للآخذين . وقد تمت الهبة بقبضهم . ~~فإن أرادوا الرجوع فيه فلهم ذلك قبل أن يخرجه الآخذون إلى دار الإسلام كما ~~هو الحكم في الهبة . وإن أخرجوه أو بلغوه موضعا يقدر فيه على حمله لم يكن ~~لهم أن يرجعوا فيه ؛ لأنه حدث فيه زيادة بصنع الموهوب له . فإنه كان مشرفا ~~على الهلاك في مضيعة ، وقد أحياه بالإخراج من ذلك الموضع ، فالزيادة في عين ~~الموهوب تمنع الواهب من الرجوع ، ولكن هذا الحكم فيما إذا أخذه من سمع ~~مقالة المالك منه ، أو ممن بلغه فأما من لم يسمع ذلك أصلا إذا أخذ شيئا ~~فأخرجه كان عليه أن يرده إلى مالكه ؛ لأن من علم بمقالته فإنما أخذه على ~~وجه الهبة . فيكون ذلك قبضا متمما للهبة ، ومن لم يعلم ذلك فهو إنما أخذه ~~لا على وجه الهبة بل على وجه الإعانة لمالكه في الرد عليه . فلا يثبت الملك ~~له بهذا الأخذ . # فإن قيل : هذا إيجاب لمجهول ، فكيف يصح بطريق الهبة ؟ ، قلنا : لأن هذه ~~جهالة لا تقضي إلى المنازعة . فالملك إنما يثبت عند PageV02P798 الأخذ ، ~~وعند ذلك ، الأخذ متعين معلوم ، وكان الملك بهذا اللفظ أباح أخذه على وجه ~~الهبة منه ، وهذه الإباحة تثبت مع الجهالة . أصله : ما رواه عبد الله بن ~~قرط الثمالي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' أفضل الأيام يوم النحر . ~~ثم يوم القر ' يعني الثاني من أيام النحر ؛ لأن الحاج يقون فيه بمنى . قال ~~: وقرب إلى ms0471 رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمسا أو ستا ، فطفقن يزدلفن ~~إليه بأيتهن يبدأ ، فملا وجبت جنوبها قال كلمة لا أفهمها . فسألت بعض من ~~يليه : ماذا قال رسول الله ؟ فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~من شاء اقتطع ' . فهذه إباحة الأخذ على وجه التمليك ، والانتفاع بالمأخوذ ، ~~أوجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الجهالة . فما يكون من هذا الجنس ~~يتعدى إليه حكم هذا النص . يقرره أن مجرد الإلقاء بغير كلام يفيد هذا الحكم ~~. فإن الإنسان ينثر السكر والدراهم في العرس وغيره ، وكل من أخذ شيئا من ~~ذلك يصير مملوكا له ، ويجوز له أن ينتفع به من غير أن يتكلم الناثر بشيء . ~~وقيل : بأن الحال دليل على الإذن في الأخذ ، فإذا وجد التصريح بالإذن في ~~الأخذ ، فلأن يثبت هذا الحكم كان أولى . وعلى هذا لو وضع الإنسان الماء ~~والحمد على داره فإنه يباح PageV02P799 الشرب منه لكل من مر به من غني أو ~~فقير لوجود الإذن دلالة . وإذا غرس شجرة في موضع لا ملك فيه لأحد وأباح ~~للناس الإصابة من ثمارها فإنه يجوز لكل من مر بها أن يأخذ من ثمارها ~~فيتناوله . وكل ذلك مأخوذ من الحديث الذي روينا . ولو أن الأمير بعد انهزام ~~المشركين نظر إلى قتلى منهم ، عليهم أسلابهم ، وهو لا يدري من قتلهم ، فقال ~~: من أخذ سلب قتيل فهو له . فأخذها قوم ، فلذلك لهم نفل ؛ لأن المسلمين لم ~~يأخذوها ، فيكون هذا في معنى التنفيل قبل الإصابة والأصح أن نقول : هذا ~~تنفيل بعد الإصابة . ولكن الإمام أمضاه باجتهاده والمختلف فيه بإمضاء ~~الإمام باجتهاده يصير كالمتفق عليه ، حتى إذا مات أو عزل وولي غيره لم ~~يسترد من الآخرين شيئا من ذلك . وإن لم يأخذوا حتى عزل الأول وجاء أمير آخر ~~ثم أخذوا ذلك قبل أن يعلموا بعزله أو بعد ذلك فإن الثاني يأخذ كله منهم ~~فيرده في الغنيمة ؛ لأن التنفيل الأول قد بطل بعزله قبل حصول المقصود ، ~~فالمقصود هو الأخذ ، فإذا بطل تنفيله قبل حصول هذا المقصود ms0472 صار كأن لم يكن ~~وقد تقدم نظيره فيما إذا نفل قبل الإحراز ثم مات أو عزل قبل الإصابة ~~واستعمل غيره ، فإنه يبطل حكم ذلك التنفيل . ففي التنفيل بعد الإصابة هذا ~~أولى . وهو بمنزلة قضاء لم ينفذه قاض حتى عزل واستقضى غيره ممن يرى خلاف ~~ذلك ، PageV02P800 ثم فرع على الأصل الذي بينا أن التنفيل عند حضرة القتال ~~يكون على ذلك القتال خاصة ، وعند دخول دار الحرب قبل أن يلقوا قتالا يكون ~~باقيا إلى أن يخرجوا إلى دار الإسلام . يقول : فإن خرجوا إلى دار الإسلام ~~ثم قفلوا إلى دار الحرب فقتل رجل قتيلا من المشركين فلا سلب له ؛ لأن حكم ~~ذلك التنفيل قد انتهى بخروجهم إلى دار الإسلام ، وهذه دخلة أخرى ، فإن لم ~~يجدد الإمام تنفيلا غيرها ثم يكن للقاتل السلب . ألا ترى أنهم لو أقاموا ~~سنة ثم رجعوا لم يكن للقاتل السلب بالتنفيل الأول ؟ ، ولو بلغهم أن العدو ~~دخلوا دار الإسلام فخرجوا يريدونهم ، فقال الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ~~. فهذا على ما أصابوا في وجههم ذلك ، في دار الإسلام ودار الحرب ، إلى أن ~~يرجعوا إلى منازلهم . وإن لقوا العدو في دار الإسلام ثم قال الأمير ذلك ~~فهذا على ذلك القتال خاصة . لما بينا أن المطلق من الكلام يتقيد بما هو ~~الغالب من دلالة الحال في كل فصل . PageV02P801 ولو أن الأمير بعث في دار ~~الحرب سرية إلى حصن وقال : ما أصبتم منه فلكم الربع من ذلك ، فأقاموا عليهم ~~أياما يقاتلون ، ثم لحقهم العسكر فقاتلوا معهم حتى فتحوا الحصن فلا نفل ~~للأولين ؛ لأنه إنما أوجب لهم النفل فيما يصيبون من قتالهم دون من بقي من ~~العسكر . والمقصود كان تحريضهم على فتح الحصن والإصابة . ولم يحصل ذلك بهم ~~. ألا ترى أن العسكر لو فتحوا الحصن دون أهل السرية لم يكن لأهل السرية من ~~النفل شيء ، وإن كان الفتح بمحضر منهم ، فكذلك إذا كان الفتح بقتال جميع ~~أهل العسكر . قال : ولو بعث الإمام سرية من دار الإسلام وعليهم أميرهم ثم ~~عزل أميرهم وبعث أميرا ms0473 آخر . وقد نفل الأول قوما نفلا فأخذوه ، فإن كانوا ~~أخذوا ذلك قبل علمه بعزله فذلك سالم لهم وكذلك إن كان ابتداء التنفيل منه ~~قبل أن يعلم بالعزل ؛ لأنه أمير ما لم يعلم بعزله أو يأتيه من هو صارفه ~~ويخبره بعزله . فأما إذا نفل الأول بعدما جاء الثاني وأخبره بعزله فتنفيله ~~باطل ؛ لأنه التحق بسائر الرعايا . وإن جاءه الكتاب بأن الإمام قد بعث ~~فلانا أميرا على السرية ، فما لم يقدم عليه فلان فهو أمير على حاله يجوز ~~تنفيله . PageV02P802 ألا ترى أنه لو كان أمير مصر كان له أن يصلي الجمعة ~~إلى أن يقدم صارفه . الثاني وأخبره بعزله فتنفيله باطل ؛ لأنه التحق بسائر ~~الرعايا . وإن جاءه الكتاب بأن الإمام قد بعث فلانا أميرا على السرية ، فما ~~لم يقدم عليه فلان فهو أمير على حاله يجوز تنفيله . ألا ترى أنه لو كان ~~أمير مصر كان له أن يصلي الجمعة إلى أن يقدم صارفه . # وهذا لأنه لا يجوز ترك المسلمين سدى ليس عليهم من يدبر أمورهم في دار ~~الإسلام ولا في دار الحرب . فما لم يقدم الثاني كان التدبير إلى الأول ، ~~فيصح منه التنفيل ، إلا أن يكون الإمام كتب إليه : إنا قد عزلناك واستعملنا ~~فلانا ، أو لم يذكر هذه الزيادة ، فحينئذ يصير هو معزولا لا يجوز تنفيله ~~بعد ذلك ؛ لأنه صار أميرا بخطاب الأمير إياه ، عند التقليد فيصير معزولا ~~بخطابه إياه بالعزل ، والخطاب ممن نأى كالخطاب ممن دنا . ولو كان الأمير ~~الأول حين استعمل أمر بأن يدخل بالقوم أرض الحرب فلم يدخل بهم حتى جاءه ~~كتاب الإمام : إنا قد أمرنا فلانا ، فلا يبرح حتى يأتيك . فعجل فدخل بهم ~~أرض الحرب ونفل لهم نفلا ، فذلك باطل ؛ لأن نهي الإمام إياه عن دخول أرض ~~الحرب قد وصل إليه بكتابه فصار كما لو واجهه به . ولو واجهه بذلك فدخل بهم ~~دار الحرب بغير أمره ، ولم يكن أميرا ، فلا يجوز تنفيله . ولو كان الكتاب ~~أتاه : إنك الأمير فادخل بهم ، فإذا أدركك PageV02P803 فلان فهو الأمير ~~دونك ، فجميع ما صنع ms0474 الأول من النفل جائز حتى يلقاه الأمير الآخر ؛ لأنه ~~علق عزله بالتقائه مع الثاني ، فما لم يلتقيا فهو الأمير على حاله . وبعدما ~~التقيا صار الأمير هو الثاني ، إن نفل جاز تنفيله دون الأول . ولو كتب إليه ~~: أنت الأمر حتى يلقاك فلان ، فهذا والأول سواء ؛ لأنه جعل لولايته غاية ، ~~ومن حكم الغاية أن يكون ما بعده بخلاف ما قبله . ويستوي إن كان قلده قبل ~~هذا مطلقا أو لم يقلده ؛ لأن بعد التقليد مطلقا له ولاية العزل ، فله ولاية ~~التوقيت في ذلك التقليد أيضا . وإذا ثبت التوقيت بهذا الكتاب صار كأنه هو ~~صرح بقوله : فإذا أتاك فلان فهو الأمير دونك . ولو أن قوما من المسلمين لهم ~~منعة أمروا أميرا ودخلوا دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأصابوا غنائم ~~خمس ما أصابوا وكان ما بقي بينهم على سهام الغنيمة ؛ لأنه باعتبار منعتهم ~~يكون المال مأخوذا على وجه إعزاز الدين فيكون حكمه حكم الغنيمة . فإن نفل ~~أميرهم فذلك جائز منه ، على الوجه الذي كان يجوز من أمير سرية قلده الإمام ~~وبعثه ؛ PageV02P804 لأنهم رضوا به أميرا عليهم ، ورضاهم معتبر في حقهم ، ~~فصار أميرهم باتفاقهم عليه . ألا ترى أن الإمامة العظمى ، كما تثبت ~~باستخلاف الإمام الأعظم تثبت باجتماع المسلمين على واحد ؟ والأصل فيه إمامة ~~الصديق رضي الله عنه فكذلك الإمارة على أهل السرية تثبت باتفاقهم كما تثبت ~~بتقليد الإمام . ألا ترى أن أهل البغي لو أمروا عليهم أميرا ودخلوا دار ~~الحرب فنفل أميرهم شيئا ثم تابوا جاز ما نفله أميرهم ؟ ، باعتبار المعنى ~~الذي ذكرنا . ولو أن الخليفة غزا بجند فمات في دار الحرب أو قتل ، فقالت ~~طائفة من الجند : نؤمر فلانا ، فأمروه واعتزلوا . وقالت طائفة أخرى : نؤمر ~~فلانا فأمروه واعتزلوا ، فأخذت كل طائفة وجها في أرض العدو ، فأصابوا غنائم ~~، ونفل كل أمير نفلا لقومه قبل الخمس أو بعد الخمس ، ثم التقوا في أرض ~~الحرب واصطلحوا ، فالخليفة الذي قام مقام الأول ينفذ تنفيل كل أمير . ~~باعتبار أن قومه قد رضوا به أميرا عليهم ، وهم الذين أصابوا ما ms0475 أصابوا من ~~الغنيمة . فيجوز تنفيل كل أمير سواء التقوا في دار الحرب أو بعد ما خرجوا ~~إلى دار الإسلام ، إلا أنهم إذا التقوا في دار الحرب فما بقي بعد النفل ~~يقسم بين الفريقين على سهام الغنيمة ؛ PageV02P805 لأنهم اشتركوا في ~~الإحراز . ولو بعث الخليفة عاملا على الثغور ولم يذكر له النفل بشيء . فله ~~أن ينفل قبل الخمس وبعد الخمس ؛ لأنه إنما استعمل على الثغور ليحفظها ويغزو ~~أهل الحرب حتى ينقطع طمعهم عنها ، والنفل من أمر الحرب ، فإنه تحريض على ~~القتال ، فمن ضرورة تفويض أمر الحرب إليه ، وجعل التدبير في ذلك إلى رأيه ، ~~أن يكون أمر التنفيل مفوضا إليه . إلا أن ينهاه الخليفة عن النفل ، فحينئذ ~~لا يجوز له أن ينفل ؛ لأن الدلالة يسقط اعتبارها إذا جاء التصريح بخلافها ، ~~بمنزلة تقديم المائدة بني يدي الإنسان ، فإنه أذن في التناول دلالة ، إلا ~~أن ينهاه عن ذلك . فإن استعمل هذا العامل عاملا آخر فنفل الثاني فإن كان ~~الخليفة لم ينه الأول عن التنفيل جاز التنفيل من الثاني . وإن كن نهى الأول ~~عن ذلك لم يجز التنفيل من الثاني ؛ لأنه عامل للعامل الأول فيقوم مقام ~~الأول . ألا ترى أن القاضي إذا استخلف وقد نهى عن القضاء في الحدود لم يكن ~~لخليفته أن يقضي فيها وإن لم ينه عن ذلك كان لخليفته أن يقضي فيها فكذلك ~~فيما سبق . PageV02P806 ولو أن هذا العامل بعث سرية من الثغور وأمر عليهم ~~أميرا فنفل أميرهم في دار الحرب للسرية سلب القتلى ، فذلك جائز منه ، كما ~~يجوز من العامل لو غزا بنفسه ؛ لأنه فوض إليه أمر الحرب وجعله نافذ الأمر ~~على أهل السرية . وإنما بعثهم من دار الإسلام فكان أميرهم كأمير العسكر . ~~وتنفيل أمير العسكر جائز ، وإن لم يؤمر به نصا ، لأن الحق في المصاب لمن ~~تجب ولايته خاصة ، فكذلك تنفيل أمير السرية . ولو نهاه العامل أن ينفل أحدا ~~شيئا فنفل لم يجز تنفيله ؛ لأن من قلده صرح بالنهي عن التنفيل ، فيكون حاله ~~في التنفيل كحال العامل إذا نهاه الخليفة عن ms0476 التنفيل ، ولأنه ليس بأمير ~~عليهم فيما لم يوله العامل ، فكان تنفيله كتنفيل سائر الرعايا . ويستوي إن ~~رضي الجند بذلك أو لم يرضوا . وكان ينبغي أن يجوز تنفيله إذا رضوا به ، كما ~~تثبت الإمارة له عليهم بعد موت أميرهم إذا رضوا به . ولكن الفرق بينها أن ~~هناك رضاهم لم يحصل على مخالفة أمر العامل ، بل حصل فيما لم يأمر العامل ~~فيه بشيء ، فكان معتبرا . وهاهنا حصل رضاهم على مخالفة ما أمر به العامل ~~فلا يكون معتبرا . كما لو أرادوا عزل أميرهم وتقليد غيره . فإن نفل أميرهم ~~ثم لم يقسموا الغنائم حتى أخرجوها PageV02P807 وأخبر أميرهم العامل بما نفل ~~فرأى أن يجيز ذلك فليس ينبغي له أن يفعله ؛ لأن إجازته بمنزلة تنفيله بعد ~~الإصابة . فإن أجاز ذلك جاز النفل وحل لمن أصابه أن يأخذ ما أصاب ؛ لأن هذا ~~حكم من جهته في فصل مجتهد فيه ، وهو التنفيل بعد الإصابة ، فيكون نافذا . # فإن قيل : أصل التنفيل كان باطلا ، وإجازة ما كان باطلا يلغو ، وإن حصل ~~ممن يملك الإنشاء كمما لو طلق رجل امرأة الصبي ، ثم بلغ الصبي فأجاز ذلك ~~كانت إجازته لغوا ، وإن كان هو يملك إنشاء الطلاق الآن وعن هذا الكلام ~~جوابان . # أحدهما : أن هناك أصل الإيقاع لم يكن موقوفا ، لأنه لا مجيز له عند ذلك ~~وهاهنا أصل التنفيل حين وقع كان موقوفا ، حتى لو أجازه العامل قبل أن ~~يصيبوا الغنايم كان صحيحا . فإن أراد أن يجيزه بعد الإصابة قلنا بأنه يجوز ~~أيضا . والثاني : أن إجازته هاهنا إنما تتم بالتسليم إلى من نفل له الأمير ~~، فيجعل هذا التسليم بمنزلة الإنشاء ، لا قوله أجزت ، ووزانه من الطلاق أن ~~لو قال الصبي بعد البلوغ : جعلت ذلك تطليقة واقعة ، فإنه يجعل ذلك إنشاء ~~للطلاق منه ، وأوضح هذا لمن اشترى شيئا إلى العطاء ، فإن الشراء فاسد ، فإن ~~رأى القاضي أن يجيز هذا البيع حين خوصم فيه إليه نفذ البيع بإجازته وحل ~~للمشتري إمساكه ، وإن كان أصل البيع فاسدا عندنا . ولو كان العامل دخل دار ~~الحرب مع العسكر ms0477 ثم بعث PageV02P808 سرية ولم يأمر أميرهم بالتنفيل ولم ~~ينهه عن ذلك ، فنفل أصحاب السرية نفلا ، ثم جاءوا بالغنيمة إلى العسكر ، ~~فإن تنفيل أمير السرية يجوز في نصيب أصحاب السرية خاصة ؛ لأن الجيش شركاء ~~أصحاب السرية في المصاب هنا ، وليس لأمير السرية ولاية على الجيش ، إنما ~~ولايته على أهل السرية خاصة ، فيجوز تنفيله في نصيبهم خاصة . وإن كان ~~العامل حين بعثهم نفل لهم نفلا ، ثم نفل أميرهم أيضا نفلا ، فجاءوا ~~بالغنائم ، فما نفل لهم العامل يرفع مزن رأس الغنيمة ، ويقسم ما بقي حين ~~تبين حصة أصحاب السرية ، ثم ينفذ ما نفل أمير السرية من حصتهم من الغنيمة ~~ومما نفل هلم العامل ، لأن ذلك كله لهم خاصة ، ولأميرهم ولاية عليهم ، ~~فينفذ تنفيله فيما لهم خاصة . بخلاف الأول ، فهناك السرية مبعوثة من دار ~~الإسلام ولا شركة لغيرهم معهم في المصاب ، حتى لو أن هذه السرية لم ترجع ~~إلى العسكر ولكنهم خرجوا إلى دار الإسلام من جانب آخر فإنه يكون الحكم ~~كالحكم في السرية المبعوثة من دار الإسلام ؛ لأنه لا شريك لهم في المصاب . # وفي الوجهين لو أصابوا طعاما كان لهم أن يأكلوا من ذلك ما أحبوا . ~~PageV02P809 ألا ترى أنهم بعدما رجعوا إلى العسكر يباح لهم التناول من ~~الطعام كما يباح لأهل العسكر ؟ وفي إباحة تناول الطعام المصاب كالباقي على ~~أصل الإباحة بخلاف حكم التنفيل . ولو أنهم أصابوا غنما أو بقرا أو رمكا ، ~~فاستأجر الأمير من يسوقها إلى العسكر فذلك جائز في حق أصحاب السرية وحق أهل ~~العسكر ؛ لأنه نظر لهم فيما صنع ، ومنفعة فعله يرجع إليهم جميعا ، بخلاف ~~النفل فالمنفعة فيه للمنفلين خاصة ، فلهذا لا يجوز تنفيله في حصة أهل ~~العسكر . ولو أن العامل كان نفلهم الربع ، ثم نفلهم أميرهم حين لقوا العدو ~~على وجه الاجتهاد منه ، ثم لم يرجعوا إلى العسكر حتى رجعوا إلى دار الإسلام ~~، فإن نفل العامل لهم باطل ، ونفل أميرهم لهم جائز ؛ لأنهم حين خرجوا إلى ~~دار الإسلام قبل أن يلقوا العسكر منهم في المصاب بمنزلة السرية المبعوثة من ms0478 ~~دار الإسلام ، وإنما نفل العامل لجماعتهم بالسرية ، وهذا التنفيل باطل على ~~ما ورد به الأثر ولا نفل للسرية الأولى . فأما نفل أميرهم لهم فحصل على وجه ~~الاجتهاد لبعض الخواص ، فيكون ذلك صحيحا لاختصاصهم بالحق في المصاب . وإن ~~رجعوا إلى العسكر جاز نفل العامل لهم ؛ لأن العسكر شركاؤهم في المصاب ، ~~فكان في هذا التنفيل إبطال شركة العسكر معهم ، فيصح وإن كان يتعدى إلى ~~إبطال الخمس وتفضيل الفارس على الراجل . PageV02P810 وأما نفل أميرهم فإنما ~~يجوز فيما هو حقهم خاصة دون ما يكون حصة أهل العسكر على ما بينا ، وإن كان ~~العامل نهى أمير السرية عن التنفيل فنفله باطل لنهي العامل إياه عن ذلك . ~~ونفل الإمام لهم جائز إن رجعوا إلى العسكر . وإن خرجوا من جانب آخر إلى دار ~~الإسلام ، فذلك أيضا باطل ويخمس جميع ما أصابوا ، والباقي بينهم على سهام ~~الغنيمة ؛ لأن الحق في المصاب لهم خاصة . فليس في هذا التنفيل إلا إبطال ~~الخمس وتفضيل الفارس على الراجل وذلك باطل . والله أعلم . PageV02P811 # | باب من النفل الذي يكون للرجل في الشيء الخاص ولا يدري ما هو # وإذا قال الأمير : من جاء بعشرة أثواب فله ثوب . فجاء بعشرة أثواب مختلفة ~~الأجناس فله عشر كل ثوب منها ؛ لأنه أوجب له بالتنفيل عشر ما يأتي به . فإن ~~معنى كلامه : فله ثوب منها ، وإن لم ينص عليه . وهذا لا وجه لتصحيح كلامه ~~إلا هذا ، فإن إيجاب الثوب مطلقا لا يصح في شيء من العقود لاختلاف أجناس ~~الثياب ، ثم ليس بعض الأثواب بأن يجعل له نفلا بأولى من البعض ، والثياب ~~إذا كانت مختلفة الأجناس لا تقسم قسمة واحدة ، فلهذا كان له عشر كل ثوب ~~منها . وكذلك لو قال : من جاء بثلاثة من الدواب فله دابة ؛ لأن هذا الاسم ~~يتناول الأجناس المختلفة كالثياب . ولو جاء بالكل من جنس واحد فله واحد ~~منها وسط ؛ لأن الجنس الواحد محتمل للقسمة . وعلى الأمير أن يراعي النظر ~~للغانمين ولمن جاء به ، وتمام النظر في أن يعطيه الوسط مما جاء به . ~~PageV02P812 ولو قال : من ms0479 جاء بدابة فله ثلثها ، فجاء ببقرة أو جاموس أو ~~بعير ، لم يكن من ذلك شيء ؛ لأن اسم الدابة لا يتناول إلا الحمار والفرس ~~والبغل استحسانا . ألا ترى أنه لو حلف لا يركب دابة لا يتناول يمينه غير ~~هذه الأنواع الثلاثة ؟ وحقيقة اللفظ هاهنا غير معتبر بلا شبهة . فإن أحدا ~~لا يقول لو جاء بجارية يستحق النفل منها . واسم الدابة يتناولها في قوله : ~~' وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ' فعرفنا أنه إنما يبنى هذا على ~~معاني كلام الناس . فإن كان القوم في موضع دوابهم الجواميس أو البقر ، ~~إياها يركبون وإياها يسمون الدواب فهو على ما يتعارفونه . فأما في ديارنا ~~فالدواب هي الخيل والبغال والحمير . ولو قال الأمير : من أصاب جزورة فهي له ~~. فجاء رجل بجزور أو بقرة لم يكن له من ذلك شيء ، وإن جاء بشاة ماعز أو ضأن ~~فهي له ؛ لأن هذا الاسم وإن كان حقيقة في كل ما يجزر ، لكن الناس اعتادوا ~~استعماله في الغنم خاصة فإن الواحد منهم إذا قال لغيره : اجزرني من نعمك ~~فإنما يفهم منه سؤال الشاة دون الإبل والبقر . ولو قال : من جاء بجزور فهو ~~له ، لم يستحق بهذا اللفظ البقر والغنم ، وإنما يستحق الإبل خاصة . وإن كان ~~كل ذلك مما يجزر ولكن اسم الجزور لا يستعمل إلا في الإبل . PageV02P813 ثم ~~في القياس : إذا جاء ببعير قد ركب أو ناقة قد ركبت لم يستحق منها شيئا ؛ ~~لأن الجزور اسم لما يكون معدا من هذا النوع للكر دون الركوب . وإنما ذلك ~~قبل أن يركب . فأما ما ركب فهو لا ينحر للأكل عادة بعد ذلك . وفي الاستحسان ~~: له النفل إذا جاء بذلك كله ؛ لأن الاسم يطلق استعمالا على ذلك كله في ~~العرف . ولو قال : من جاء ببعير أو جمل فهو له ، فجاء ببختي فهو له ؛ لأن ~~الاسم يتناول الكل . بخلاف ما لو قال : من جاء ببختي أو بختية ، فجاء بجمل ~~عربي أو ناقة ؛ لأن البختي اسم خاص لجمال العجم فلا يتناول العربي . كما أن ms0480 ~~اسم العجمي في التنفيل لا يتناول العربي ، واسم البختي يتناول الذكر ~~والأنثى كما أ اسم الجمل يتناول الذكر والأنثى من الإبل العربي واسم البقر ~~في التنفيل لا يتناول الجاموس ، فكان ينبغي على هذا القياس أن يتناوله لأنه ~~اسم جنس . ألا ترى أنه يكمل نصاب البقر به في الزكاة وأنه يتناول قوله عليه ~~الصلاة والسلام : ' في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة ' لكنه اعتبر العرف . ~~وفي العرف ينفى عن الجاموس اسم البقر ، ولا يطلق عليه هذا الاسم إلا مقيدا ~~كما يقال بالفارسية كاؤميش بخلاف اسم البعير والجمل فإنه يطلق على البختير ~~في كل لسان . PageV02P814 ولو قال : من جاء بشاة فهي له . فذلك يتناول ~~الذكر والأنثى معزا كان أو ضانا ، وكان ينبغي على هذا القياس أن لا يدخل ~~فيه الماعز ؛ لأنه يختص باسم آخر ، وينفي عنه اسم الشاة كما في الجاموس ، ~~ولكن اعتبر فيه معنى أخرى وهو أنه يخلط البعض بالبعض عادة . ويعد الكل شيئا ~~واحدا فيطلق اسم الشاة والغنم على الكل وهذا الوجه بخلاف الجواميس . واسم ~~الكبش والتيس لا يتناول النعجة لأنه اسم نوع خاص ، واسم الدجاج يتناول ~~الديك والدجاجة جميعا . ألا ترى إلى قول لبيد : # باكرت حاجتها الدجاج بسحرة . . . لأعل منها حين هب نيامها # وقال آخر : # لما مررت بدير الهند أرقني . . . صوت الدجاج وضرب بالنواقيس فأما اسم ~~الدجاجة فلا يتناول الديك ، واسم الديك لا يتناول الدجاجة أيضا وقد بينا ~~هذا في أيمان الجامع فيما إذا قال : لا آكل لحم دجاج . فأكل لحم ديك حنث ~~ولو عقد اليمين باسم الدجاجة لم يحنث . ولو عقد اليمين باسم الديك لم يحنث ~~إذا أكل دجاجة . لحكم التنفيل في قياس اليمين . والله أعلم . PageV02P815 # | باب من التنفيل في العسكرين يلتقيان # وإذا دخل العسكران من المسلمين أرض الحرب من طريقين ، فبعث أمير كل عسكر ~~سرية ونفل لهم الثلث أو الربع . فالتقت السريتان عند حصن وأصابوا الغنائم ، ~~ثم أرادوا أن يتفرقوا حتى ترجع كل سرية إلى عسكرهم . فإن الغنيمة تقسم ~~بينهم على سهام الغنيمة . كأنه لا نفل فيها ms0481 ولا مستحق لها سواهم ؛ لأن كل ~~أمير إنما نفل سريته مما أصابت ، ولا يتبين مصاب كل سرية إلا بالقسمة . ~~فلهذا يقسم بين السريتين على سهام الخيل والرجالة من غير أن يرفع الخمس ~~أولا . إذ ليست إحدى السريتين بأن تذهب بالخمس بأولى من الأخرى ، ثم ترجع ~~كل سرية بما أصابها من القسمة إلى العسكر ، فيعطيهم أميرهم النفل من ذلك ~~ويضم ما بقي إلى غنائمهم . فيخرج الخمس منها ويقسم ما بقي بين السرية وأهل ~~العسكر . حتى إذا كانت إحدى السريتين ثمانمائة : أربعمائة فرسان وأربعمائة ~~رجالة ، والسرية الأخرى أربعمائة : مائة فرسان وثلاثمائة رجالة . فإنما ~~يقسم المصاب في الابتداء على خمس مائة فرسان وسبع مائة رجالة . PageV02P816 ~~ثم ما أصاب الفرسان يقسم أخماسا : خمس ذلك للسرية التي هي قليلة العدد ~~وأربعة أخماسه للسرية الأخرى . وما أصاب الرجالة يقسم أسباعا : ثلاثة ~~أسباعه للقليلة وأربعة أسباعه للأخرى . فبهذا الطريق يتبين حصة كل سرية من ~~المصاب . ويستوي في هذا الحكم إن كان الأميران كل واحد منهما نفل لسريته أو ~~لم ينفل واحد منهما أو نفل أحدهما دون الآخر ؛ لأن تنفيل كل أمير لا يجوز ~~فيما هو حصة السرية الأخرى . فإنهم من أهل العسكر لا ولاية له عليهم . ~~والله أعلم . | PageV02P817 الجزء الثالث # بسم الله الرحمن الرحيم # # | باب النفل لمن يجب إذا جعله الأمير جملة # وإذا قال الأمير : من خرج من أهل العسكر فأصاب شيئا فله من ذلك الربع ، ~~فهذا اللفظ يتناول كل من له في الغنيمة سهم ، أو رضخ من مسلم أو ذمي ، رجل ~~وامرأة ، حر أو عبد ، صغير أو بالغ ، تاجر أو مقاتل ، قاتل قبل هذا ، أو لم ~~يقاتلن لأن المقصود التحريض على القتال والإصابة ، وكل هؤلاء يتحقق فيهم ~~معنى التحريض . ألا ترى أنهم يستحقون السهم أو الرضخ من الغنيمة للتحريض ؟ ~~والتاجر وإن لم يقاتل قبل هذا فقد قاتل الآن حين أصاب شيئا وجاء به ، فلهذا ~~استحق النفل من ذلك كله . فأما المستأمن ، فإن كان خرج بغير إذن الإمام فلا ~~شيء له من ذلك ، لأنه لا حق له ms0482 في الغنيمة رضخا و لا سهما . وإن كان خرج ~~بإذن الإمام فهو بمنزلة الذمي في ذلك . ولو أن أسيرا من أهل الحرب سمع هذه ~~المقالة من الأمير ، فخرج وأصاب سيئا فذلك كله للمسلمين ، PageV03P835 لأن ~~الأسير فيء لهم ، وما أصابه فهو كسبه ، وكسب العبد لمولاه ، فلهذا كان هو ~~مع ما جاء به فيئا للمسلمين . ولو كانوا مستأمنين في عسكر المسلمين من أهل ~~تلك الدار ، فلما سمعوا هذه المقالة خرجوا فأصابوا غنائم ، فأتوا بها ~~العسكر ، فإن كانوا وصلوا إلى موضع قد أمنوا فيه من المسلمين ثم أصابوا هذا ~~المال ، فعادوا واستأمنوا عليها أمانا مستقبلا ، فذلك كله لهم ، لا خمس ~~فيها ، لأنه بوصولهم إلى ذلك الموضع قد انتهى حكم الأمان بيننا وبينهم ، ~~فهم أهل حرب أغاروا على أموال أهل الحرب فملكوها ، ثم استأمنوا عليها . وإن ~~كانوا أصابوا ذلك كله للمسلمين إن كانوا خرجوا بغير إذن الإمام ، وإن كانوا ~~خرجوا بإذنه فلهم النفل من ذلك ، لأن الأمان بيننا وبينهم باق ما لم يبلغوا ~~إلى مأمنهم ، فحكمهم ، في هذا كحكم المستأمنين في عسكرنا من أهل دار أخرى . # والذي يوضح الفرق بين الذين خرجوا بإذن الأمير ، والذين خرجوا بغير إذنه ~~: أنه يجب على الأمير والمسلمين نصرة الخارجين بإذنه من المستأمنين إذا ~~بلغوا أن العدو أحاطوا بهم ، كما يجب نصرة أهل الذمة ، ولا يجب عليهم نصرة ~~الخارجين بغير إذنه ، فكذلك في حكم التنفيل الذين خرجوا فإذنه ، بمنزلة أهل ~~الذمة دون الذين خرجوا بغير إذنه ، والله أعلم بالصواب . PageV03P836 # | باب النفل في دخول المطمورة # وإذا وقف المسلمون على باب مطمورة فيها العدو يقاتلون ، فقال الأمير : من ~~دخل من باب المطمورة فله نفل مائة درهم ، فاقتحم الباب قوم من المسلمين ، ~~فإذا للمطمورة باب آخر دون ذلك الباب مغلق ، وإذا ليس بين البابين أحد ، ~~فقاتل عامة المسلمين على الباب الثاني حتى اقتحموا ، فاللذين اقتحموا الباب ~~الأول نفلهم لكل إنسان مائة درهم ، لأن لإمام أوجب لهم ذلك ، فإن كلمة من ~~توجب العموم ، على أن يتناول كل واحد على سبيل الانفراد . فإن قال ms0483 جماعة ~~المسلمين : لا نعطيهم النفل ، فإنه لم يكن بين البابين أحد ، وقد اجتمعنا ~~على القتال على باب المطمورة . قيل لهم : إن الأمير حرض الداخلين على باب ~~الدخول الأول بما أوجب لهم ، فكانت الحاجة إلى التنفيل ماسة يومئذ ، فإنكم ~~كنتم لا تدرون أن وراء الباب بابا آخر ، وأنه ليس بين البابين أحد . فإن ~~قيل : هذا لو قال الإمام : من دخل من هذا الباب ، وهو ما صمد PageV03P837 ~~لباب بعينه ، وإنما قال : من دخل من باب المطمورة ، وباب المطمورة الباب ~~الأقصى . قلنا : لا كذلك ، فإن باب المطمورة عند الأمير ، والمسلمين حين ~~نفل كان الباب الأول ، وكانوا لا يتجاسرون على الدخول فيه ، فالذين دخلوه ~~بعد التنفيل خاطروا بأنفسهم وأتوا بما أوجب لهم الإمام النفل عليه . # فإن قيل : ينبغي أن يعطي جماعتهم مائة درهم ، فإنه إنما أوجب الإمام ذلك ~~للداخلين . قلنا : مطلق الكلام محمول على ما يتسارع إلى الإفهام ، وهو أن ~~يكون لكل رجل مهم المائة نقلا ، فإن نكر المائة ، وذلك دليل على أن المستحق ~~لكل واحد منهم غير المستحق لصاحبه . وكذلك ، لو قال : من دخل قله الربع من ~~الغنيمة - فدخل عشرة ، فلهم الربع بينهم ، لأن هناك عرف ما أوجب للداخلين ~~بالإضافة إلى الغنيمة ، والغالب أن مراده الإشراك بين الداخلين في الجزء ~~المسمى ألا ترى أن الداخلين يزيدون على الأربعة عادة ، ولا تكون الغنيمة ~~إلا أربعة أرباع ؟ فبهذا يتبين أن مراده الإشراك بينهم الربع ، وإن كثروا . ~~وإن دخل واحد ، ثم واحد ، هكذا حتى كملوا عشرة ، فالربع بينهم بمنزلة ما ~~دخلوا معا ، لأنه أوجب النفل على الدخول من غير أن يتعرض بجمع أو ترتيب . ~~PageV03P838 ولكن هذا لكل من دخل قبل أن يتنحى العدو من الباب ، فإذا تنحوا ~~أو علم أنه ليس بين البابين أحد فلا نفل لمن يدخل بعد ذلك ، لأن المقصود هو ~~التحريض على الدخول ، وذلك يختص بحال بقاء الخوف . وكذلك إن فتح المسلمون ~~الباب وهابوا أن يدخلوا مخافة كمين خلف الباب ، فهذا والأول سواء ، لأن ~~المقصود التحريض على الدخول فيتقيد بحال بقاء الخوف ، وكذلك ms0484 لو قال : من ~~دخل فله بطريق المطمورة ، فدخل العشرة معا أو على الترتيب حال قيام الخوف ، ~~لأنع عرف البطريق بالإضافة ، فعرفنا أن مراده الإشراك بين الداخلين فيه . ~~ولو قال : فله بطريق من بطارقتهم ، فلكل داخل بطريق ، أن ما أوجبه هناك ~~منكر . إلا أنه إذا لم يكن في المطمورة إلا بطريقان أو ثلاثة ، فذلك بينهم ~~بالسوية لا يعطون شيئا آخر ، لأن صحة الإيجاب باعتبار المحل ، فلا يصح إلا ~~في مقدار الموجود في المحل . PageV03P839 وعلى هذا لو قال : فله جارية من ~~جواريهم ، ثم لم يوجد فيهم إلا ثلاث جوار ، فذلك بينهم بالسوية ، لأنه ليس ~~بعضهم بأولى من البعض . ولا يعطون شيئا آخر ، لأن التنفيل لم يوجد فيما سوى ~~الجواري الموجودات فيها . بخلاف ما لو قال : فله جارية ، ولم يقل من ~~جواريهم ، فإن هناك يعطي كل داخل جارية أو قيمة جارية ، وسط من المال ~~الموجود فيها ، لأنه سمي لكل داخل جارية مطلقا ، وهذه التسمية توجب الحق في ~~مالية جارية إما عينها أو قيمتها . ولكن يتقيد بالمال الموجود بالمطمورة ، ~~لأن المقصود إيصال المنفعة إلى المسلمين ، وإنما يتحقق ذلك إذا تقيد النفل ~~بالمال الموجود فيها . حتى إذا لم يجدوا في المطمورة شيئا فلا شيء للداخلين ~~، لانعدام المحل الذي أوجب الإمام حقهم فيه ، وأوضح هذا الفرق بالوصية : ~~PageV03P840 فإن من قال : أوصيت لفلان بجارية من جواري ، فمات وليس له جوار ~~، لم يكن للموصى له شيء . ولو قال بجارية ، أعطي قيمة جارية من ماله ، فإن ~~مات ولا مال له ، فلا شيء للموصى له ، فكذلك حكم التنفيل ، إن لم يوجد في ~~المطمورة شيء ، وأصابوا غنائم من موضع آخر لم يكن لهم النفل ، لأن ما يقيد ~~من الكلام بمقصود المتكلم بمنزلة ما يتقيد بتنصيص المتكلم عليه . فإن دخل ~~واحد من المسلمين ، ونادى أنه ليس خلف هذا الباب أحد ، ثم دخل جماعة ، ~~فالنفل للأول خاصة ، أنه تقيد بحال بقاء الخوف ، وقد زال ذلك حين سمعوا ~~النداء من الأول . بخلاف ما إذا كانت المطمورة مظلمة ، ولم يسمعوا م الأول ~~كلاما حتى دخلوا ms0485 على إثره قبل أن يستبين لهم شيء ، لأنهم دخلوا في حال بقاء ~~الخوف ، فهم كالداخل أولا في استحقاق النفل . ولو دخل قوم من بابها ، وتدلى ~~قوم من فوقها ، دلاهم غيهم بإذنهم ، حتى دخلوا وسطها ، فلكل واحد منهم ~~النفل إذا كان الأمير قال : من دخلها ، PageV03P841 لأنه شرط الدخول مطلقا ~~، وقد وجد ذلك من كل واحد منهم ، بخلاف قوله : من دخل م باب المطمورة ، لأن ~~هناك قيد الكلام باشتراط الدخول من الباب . ألا ترى أن من قال لزوجته : إن ~~خرجت من هذا الباب ، فخرجت من باب السطح ، لم يقع عليها شيء ، بخلاف ما إذا ~~قال : إن خرجت من الدار . فإن الذين تدلوا جعلهم أنفسهم في قدور من حديد ، ~~ثم أمروا أصحابهم فدلوهم ، وكانوا معلقين بين السماء والأرض ، يقاتلون أهل ~~المطمورة ، حتى فتح المسلمون الحصن ، فلهم النفل ، لأنهم انتهوا إلى الموضع ~~الذي كان مقصود الأمير ، وهو موضع القتال ، وما انتفع المسلمون بما صنعوا ، ~~فلا شيء لهم من النفل . ولو انقطعت الحبال حين دلوهم ، فوقعوا في الحصن ، ~~وأخذوا النفل . لأنهم دولهم بأمرهم فكأنهم طرحوا أنفسهم فيها ، فيستحقون ~~النفل ، لإتيانهم بما شرط عليهم . PageV03P842 فإن كان الذين دلوهم قطعوا ~~الحبال بغير أمرهم ، فوقعوا في المطمورة فقاتلوا حتى فتحوا ، لم يكن لهم من ~~النفل شيء ، لأنهم ما دخلوها ، وإنما ألقوا فيها ، لأن القطع إذا كان بغير ~~أمرهم لا يكون فعل القاطع مضافا إليهم ، بخلاف ما إذا كان بأمرهم . ألا ترى ~~أنهم لو عطبوا في هذا الفصل من وقعتهم ضمن القاطعون دياتهم ، وفي الأول لا ~~يضمنون شيئا ، بمنزلة ما لو ألقوا أنفسهم فيها ، فكيف يستقيم أن يجمع لهم ~~بين النفل والديات . ولو زلقت رجل أحد من الواقفين فوق المطمورة وهو يقاتل ~~فيها فله النف ، لأنه هو الذي وضع قدمه في ذلك الموضع ، وما طرأ على فعله ~~فعل آخر معتبر ، فيكون حصوله فيها مضافا إلى فعله ، كأنه دخلها قصدا ، ولو ~~دفعه إنسان فيها لم يكن له من النقل شيء ، لأنه طرأ عل فعله فعل معتبر ، ~~فيكون هو ملقى فيها ms0486 لا داخلا ، إلا أن يكون أمر بعض أصحابه بأن يرمي به ~~فيها ، فإن فعل الغير بأمره كفعله بنفسه ، وهذا لأنه المقصود إظهار الجرأة ~~، وذلك يحصل فيما لو فعل به غيره بأمره ، ولا يحصل إذا فعل به بغير أمره . ~~ولو أن أصحابه دلوه فيها ، فقطع أهل الحرب الحبال بالسيوف ، فوقع فيها ~~وقاتل حتى فتحت المطمورة فله النفل ، لأنه قد بلغ موضع القتال حيث وصلت ~~السيوف إلى الحبال فقطعوها ، أو إلى القدور فكسروها . PageV03P843 فإن كان ~~في موضع من الهواء أعلى من أن يصل سلاح العدو إليه ، فتوهقه أهل الحرب بوهق ~~حتى رموا به في المطمورة لم يكن له من النقل شيء ، لأنه ملقى في المطمورة ~~بفعل فاعل معتبر ، وليس بداخل فيها على وجه يكون في إظهار الجرأة ، فلا ~~يستحق النفل . ولو أن أهل المطمورة طلبوا الصلح على أن يؤمنوا الرجال ، ~~ويأخذوا الأموال والذرية ، وأدخلوا الناس من المسلمين فنظروا فإن عدة ~~الرجال خمسون ، فأجابوهم إلى ما التمسوا من الصلح ، ثم لما دخلوا فيها ألف ~~رجل ، فإذا المطمورة أميال في الأرض إلا أن بابها الذي يخرج أهلها منه إلى ~~الأرض واحد ، فهذه المطمورة واحدة ، وجميع من فيها من الرجال آمن لا سبيل ~~عليهم ، لأن باب المطمورة على وجه الأرض واحد ، فتكون مطمورة واحدة ، ~~بمنزلة دار على وجه الأرض ، فيها حجر ومقاصير ولكن بابها إلى السكة واحد ، ~~فإنها تكون بمنزلةدار واحدة ، ثم قد أمنوا الرجال الذين هم في المطمورة ، ~~وإنما ظنوا قلة عددهم ، ولا يبنى الحكم على الظن ، وإنما يبنى على ما صرحوا ~~به ، فكانوا جميعا آمنين . PageV03P844 وإن كان لأقصى المطمورة من الجانب ~~الآخر باب يخرج إلى أعلى الأرض ، فهاتان مطمورتان ، باختلاف المدخل ، ~~بمنزلة دار على وجه الأرض عظيمة ، لكل جانب منها باب ، فإنها تجعل في حكم ~~دارين . ثم الأمان أيضا وقع على المطمورة التي تلي المسلمين ، فمن وجد فيها ~~من الرجال فهو آمن ، ومن وجد في المطمورة الأخرى من الرجال فهو فيء . فإن ~~قالوا : نح من المطمورة الأولى لم يلتفت إلى كلامهم ، لأنهم وجدوا ms0487 في غير ~~موضع الأمان ، فلا يقبل قولهم فيما يدعون من الأمان . إلا أن يعرفوا ~~بأعيانهم . بمنزلة أهل الذمة إذا دخلوا قرية من قرى أهل الحرب ، ثم ظفر ~~المسلمون بها ، فهم فيء أجمعون إلا من عرف أنه ذمي . ومن وجد في المطمورة ~~الأولى ، فهو آمن ، لأنه وجد في موضع الأمن . إلا من عرف أنه من أهل ~~المطمورة الأخرى ، بمنزلة قوم من أهل الحرب دخلوا قرية من قرى أهل الذمة ~~فلا سبيل PageV03P845 للمسلمين على استرقاق واحد منهم ، إلا من عرف بعينه ~~أنه من أهل الحرب . ثم إن كان بين المطمورتين حائط وعليه باب يصل بعضهم إلى ~~بعض ، فالحائط هو المفرق بين المطمورتان . وإن لم يكن بينهما حاجز ينقطع ~~منه وصول بعضهم إلى بعض ، فهذه كلها مطمورة واحدة . بمنزلة مدينة على وجه ~~الأرض لها أبواب ، فإن باختلاف الأبواب ، لا يخرج من أن يكون الكل مدينة ~~واحدة . والمطامير تحت الأرض بمنزلة الأبنية فوقها ، يدخل في الأمان جميع ~~من فيها من الرجال . والله الموفق . ابها الذي يخرج أهلها منه إلى الأرض ~~واحد ، فهذه المطمورة واحدة ، وجميع من فيها من الرجال آمن لا سبيل عليهم ، ~~لأن باب المطمورة على وجه الأرض واحد ، فتكون مطمورة واحدة ، بمنزلة دار ~~على وجه الأرض ، فيها حجر ومقاصير ولكن بابها إلى السكة واحد ، فإنها تكون ~~بمنزلةدار واحدة ، ثم قد أمنوا الرجال الذين هم في المطمورة ، وإنما ظنوا ~~قلة عددهم ، ولا يبنى الحكم على الظن ، وإنما يبنى على ما صرحوا به ، ~~فكانوا جميعا آمنين . وإن كان لأقصى المطمورة من الجانب الآخر باب يخرج إلى ~~أعلى الأرض ، فهاتان مطمورتان ، باختلاف المدخل ، بمنزلة دار على وجه الأرض ~~عظيمة ، لكل جانب منها باب ، فإنها تجعل في حكم دارين . ثم الأمان أيضا وقع ~~على المطمورة التي تلي المسلمين ، فمن وجد فيها من الرجال فهو آمن ، ومن ~~وجد في المطمورة الأخرى من الرجال فهو فيء . فإن قالوا : نح من المطمورة ~~الأولى لم يلتفت إلى كلامهم ، لأنهم وجدوا في غير موضع الأمان ، فلا يقبل ~~قولهم فيما يدعون من ms0488 الأمان . إلا أن يعرفوا بأعيانهم . بمنزلة أهل الذمة ~~إذا دخلوا قرية من قرى أهل الحرب ، ثم ظفر المسلمون بها ، فهم فيء أجمعون ~~إلا من عرف أنه ذمي . ومن وجد في المطمورة الأولى ، فهو آمن ، لأنه وجد في ~~موضع الأمن . إلا من عرف أنه من أهل المطمورة الأخرى ، بمنزلة قوم من أهل ~~الحرب دخلوا قرية من قرى أهل الذمة فلا سبيل للمسلمين على استرقاق واحد ~~منهم ، إلا من عرف بعينه أنه من أهل الحرب . ثم إن كان بين المطمورتين حائط ~~وعليه باب يصل بعضهم إلى بعض ، فالحائط هو المفرق بين المطمورتان . وإن لم ~~يكن بينهما حاجز ينقطع منه وصول بعضهم إلى بعض ، فهذه كلها مطمورة واحدة . ~~بمنزلة مدينة على وجه الأرض لها أبواب ، فإن باختلاف الأبواب ، لا يخرج من ~~أن يكون الكل مدينة واحدة . والمطامير تحت الأرض بمنزلة الأبنية فوقها ، ~~يدخل في الأمان جميع من فيها من الرجال . والله الموفق . PageV03P846 # | باب من النفل يفضل فيه بعضهم على بعض بالتقدم # وإذا وقف المسلمون على باب حصن ، فقال الأمير : من دخل منكم أولا فله ~~ثلاثة أرؤس ، الثاني رأسان ، وللثالث رأس . فهذا تنفيل صحيح ، حصل من ~~الإمام على وجه النظر ، يحسب الجزاء والعناء ، فعناء الداخل أولا أكثر من ~~عناء الثاني ، وعناء الثاني أكثر من عناء الثالث . فإذا دخل ثلاثة تباعا ~~كان للأول ثلاثة أرؤس ، وللثاني رأسان ، وللثالث رأس . وكذلك لو قال : من ~~دخل منكم فله ثلاثة أرؤس ، وللثاني رأسان ، وللثالث رأس ، لأن بالعطف بلفظ ~~الثاني والثالث عرفنا مراده من أول كلامه من دخل منكم أول ، فكأنه صرح بذلك ~~. وكذلك لو قال : أيكم دخل ، لأن أي كلمة جمع تتناول كل واحد من المخاطبين ~~على سبيل الانفراد ، بمنزلة كلمة من . PageV03P847 وإنما يستحق الثاني ~~والثالث النفل إذا دخلوا في الفصلين في حال بقاء الخوف ، فأما من دخل بعد ~~زوال الخوف فلا شيء له . وإن دخل في هذه الفصول الثلاثة جميعا معا بطل نفل ~~الأول والثاني ، وإنما الثلث ، وهو رأس بينهم أثلاثا ، لأن الأول اسم لفرد ~~سابق ، والثاني ms0489 اسم لفرد هو تال للسابق ، والثالث : اسم لفرد هو تال للسابق ~~الثاني ، هذا هو الحقيقة ، ولكن مقصود الإمام التنفيل بحسب إظهاره الجلادة ~~والقوة ، وما كان من الجلادة التي تحصل بدخول أول القوم لا تحصل إذا دخل ~~اثنان ، فلهذا يبطل نفل الأول ، وكذلك ما يحصل من الجلادة بدخوله بعد واحد ~~لا يحصل بدخوله مع اثنين . فأما ما يحصل بدخوله بعد اثنين يحصل معهما بيقين ~~أو أكثر من ذلك ، فلهذا يجب نفل الثالث . ثم ليس أحدهم بأن يجعل ثالثا ~~بأولى من صاحبيه ، ولهذا كان نفل الثالث بينهم بالسوية أثلاثا . فإن قيل : ~~لماذا لا يعطى لكل واحد منهم ترأس على أنه ثالث ؟ . قلنا : لأن الإمام أوجب ~~للثالث رأسا واحدا ، وقد بينا أن اسم الثالث لا يتناول إلا الفرد ، فلا ~~يمكن أن يجعل الإيجاب بهذا اللفظ عاما ، أو متناولا لهم جميعا ، وإنما ~~يتناول أحدهم بغير عينه ، ثم المشاركة بينهم في المستحق باعتبار المعارضة ، ~~والمساواة في سبب الاستحقاق . PageV03P848 ولو دخل اثنان معا ، ثم ثالث ~~بعدهما بطل نفل الأول ، لأنه لا أول بينهما ، ويكون لهما نفل الثاني . وذلك ~~رأسان ، لأن الثاني فيهما يتعين ، فجزاء كل واحد منهما في الدخول مع صاحبه ~~أظهر جزائه في الدخول بعد صاحبه . وللثالث رأس ، لأنه دخل بعد اثنين فهو ~~الثالث بعينه . ولو دخل اثنان معا ، ثم اثنان معا ، فللأولين نفل الثاني ، ~~لما قلنا . ولا شيء للآخرين ، لأنه دخل مع الثلث رابع ، والثلث اسم لفرد ~~يدخل بعد اثنين ، ولم يكن واحد منهما بهذه الصفة ، لكون صاحبه معه ، وإن ~~دخل أربعة من القوم معا لم يكن لهم شيء ، لأنه ليس فيهم أول ، ولا ثان ، ~~ولا ثالث ، فإن الرابع مزاحم لهم . أرأيت لو دخل عشرون معا ، أو دخل العسكر ~~جميعا ، أكانوا يستحقون شيئا ؟ PageV03P849 ولو دخل أول مرة واحدا ، ثم ~~اثنان ، فالداخل أولا يستحق نفل الأول ، لأنه فرد سبق بالدخول . وبطل نفل ~~الثاني ، لأنه يأتي في الآخرين ، ولكن لهما نفل الثالث ، لأنا تيقنا أن ~~الثالث فيهما ، ولو دخل واحد ، ثم واحد ، ثم اثنان ، فلا شيء ms0490 للآخرين ، ~~لأنه لا ثالث فيهما . فكل واحد منهما رابع مع صاحبه ، الإمام ما أوجب ~~للرابع شيئا ، ولو صمد الأمير لرجل بعينه فقال : PageV03P850 لست أطمع في ~~أن تدخل أولا ، ولكن إن دخلت ثانيا فلك رأسان ، فدخل أول القوم ، فلا شيء ~~له في القياس ، لأن الإمام ما أوجب للأول شيئا ، وإنما أوجب له التنفل بشرط ~~أن يدخل ثانيا ، ولم يوجد ذلك الشرط . وفي الاستحسان له رأسان ، لأنا نتيقن ~~أنه صنع ما طلب الإمام منه زيادة في إظهار القوة والجلادة ، فإن ما تقدم من ~~قول الإمام : لست أطمع في أن تدخل أولا . يتبين أنه لم يكن مراده أن يشترط ~~عليه الدخول ثانيا ، وإنما مراده التحريض على إظهار الجد في القتال ، وقد ~~أتى به على أكمل الوجوه . وهذا بخلاف ما إذا لم يذكر هذه المقدمة ، ولكن ~~قال : إن دخلت ثانيا فلك رأسان ، فدخل أولا ، إبقاء على نفسه ، فإنه علم ~~أنه يقتحم المهالك ، فأراد أن لا يدخل وحده حتى يدخل غيره قبله أو معه ، ~~ليكون أقوى له ، فإذا لم يدخل وحده حتى يدخل غيره قبله أو معه ، ليكون أقوى ~~له ، فإذا لم يدخل بتلك الصفة لا يستحق النقل . ثم هذا المعنى الذي قلنا ~~محتمل ، والمعنى الأول الذي ذكرنا في وجه الاستحسان محتمل أيضا ، ولكن لا ~~يتعين أحد المحتملين إلا بدليل ، وقد وجد الدليل في الفصل الأول ، وهو ~~المقدمة التي جرت ، ولم يوجد الدليل في الفصل الثاني فيبقى الاحتمال ، ومع ~~الاحتمال لا يثبت الاستحقاق . ولو دخل مع آخر فله رأسان ، لأنه دخل ثانيا ~~كما شرط عله الأمير . ولو دخل ثلاثة هو أحدهم لم يستحق شيئا بإيجاب النفل ~~له إذا دخل ثانيا ، فإن أوجب له نفلا إن دخل ثالثا استحق ذلك ، أنه ثالث في ~~الدخول ، إذا دخل مع اثنين ، كما هو ثالث إذا دخل بعدهما . ولو قال للقوم : ~~من دخل منكم ثانيا فله رأس ، فدخل واحد أولا ، لم يستحق شيئا ، لأنه أوجب ~~النفل الثاني دون الأول . الدليل في الفصل الثاني فيبقى الاحتمال ، ومع ~~الاحتمال لا يثبت الاستحقاق ms0491 . ولو دخل مع آخر فله رأسان ، لأنه دخل ثانيا ~~كما شرط عله الأمير . ولو دخل ثلاثة هو أحدهم لم يستحق شيئا بإيجاب النفل ~~له إذا دخل ثانيا ، فإن أوجب له نفلا إن دخل ثالثا استحق ذلك ، أنه ثالث في ~~الدخول ، إذا دخل مع اثنين ، كما هو ثالث إذا دخل بعدهما . ولو قال للقوم : ~~من دخل منكم ثانيا فله رأس ، فدخل واحد أولا ، لم يستحق شيئا ، PageV03P851 ~~لأنه أوجب النفل الثاني دون الأول . فإن قيل : فأين ذهب قولكم إن معنى ~~العناء والقوة في الدخول أولا أكثر ، فإن هذا الرجل قد أتى بأفضل مما كان ~~شرط ؟ قلنا : نعم ، ولكن هذا إنما يعتبر فيما إذا كان الإيجاب لشخص بعينه ، ~~فأما إذا كان لغير معين فلا بد من اعتبار الوصف الذي رتب الإيجاب عليه . ~~أرأيت لو استحق هذا النفل لأنه صنع خيرا مما طلب منه ، ثم دخل الثاني بعد ~~ذلك ، هل يستحق شيئا ؟ فلا يجوز القول بأنه لا يستحق ، لأنه أتى بالوصف ~~الذي أوجب الإمام النفل به ، وإذا ثبت الاستحقاق له عرفنا أنهلا شيء للأول ~~، ومثل هذا لا يتحقق فيما إذا كان التنفيل لمعين . ولو قال لثلاثة نفر ~~بأعيانهم : من دخل منكم أولا فله ثلاثة أرؤس ، فدخل رجل منهم مع رجل من ~~المسلمين من غير الثلاثة ، فللداخل من الثلاثة ثلاثة أرؤس ، لأنه أوجب له ~~النفل على أن يكون أول الثلاثة دخولا ، لا على أن يكون أول الناس دخولا ، ~~وهو أول الثلاثة حين لم يدخل معه صاحباه ، فلا يبطل نفه بدخول قوم معه من ~~غير الثلاثة . ولو كان قال : من دخل منكم قبل الناس فله ثلاثة أرؤس ، ~~والمسألة بحالها ، لم يكن له شيء ، لأنه شرط أن يكون منفردا بالدخول ، ~~سابقا على الناس كلهم ، ولم يوجد حين دخل معه غيره ، وفي الأول شرط أن يكون ~~سابقا لصاحبه ، وقد وجد ذلك . PageV03P852 وكذلك لو دخل اثنان من الثلاثة ~~معا في هذا الفصل لم يكن لهما شيء ، لأنه أوجب النفل لفرد يسبق الناس كلهم ~~ولم يوجد . ولو قال : من دخل ms0492 من الشبان أولا فله رأسان ، وللثاني رأس ، ومن ~~دخل من الشيوخ أولا فله ثلاثة أرؤس ، وللثاني رأسان ، فدخل شاب وشيخ معا ~~كان للشاب رأسان ، لأنه أول شاب دخل ، فإن الذي معه ليس بشاب ، فعرفناه أنه ~~أول الشبان دخولا ، وللشيخ ثلاثة أرؤس ، لأنه أول الشيوخ دخولا ، والذي معه ~~ليس بشيخ ، ولو دخل شابان وشيخ ، فللشيخ ثلاثة أرؤس ، لأنه أول شيخ دخل . ~~وبطل نفل الشاب الأول ، لأنه أول فيهما ، فصاحب كل واحد منهما يزاحمه . ~~ولكن لهما نفل الثاني رأس بينهما نصفان ، لأن فيهما الثاني . PageV03P853 ~~وعلى هذا لو دخل شابان ، وشيخان معا ، فللشيخين أيضا نفل الثاني من الشيوخ ~~، لأن كل واحد منهما مزاحم لصاحبه ، فلا يكون فيهما أول شيخ دخولا . ولو ~~قال : من دخل من أهل الشام أولا فله كذا ، فدخل رجل من غير أهل الشام ، ثم ~~دخل شامي ، فله النفل ، لأنه أول شامي دخل ، وهو الذي شرطه الإمام . إلا أن ~~يكون قال في كلامه أول الناس ، فحينئذ لا يستحق شيئا ، لأنه ليس بأول الناس ~~دخولا ، وعلى هذا لو قال : من دخل من الأحرار أولا ، أو قال : من أول الناس ~~، أو قال : من دخل من المسلمين أولا ، أو قال : أول الناس ، فهو على ما ~~ذكرنا من الفرق ، ألا ترى أنه لو قال : أول عبد مسلم أشتريه فهو حر ، ~~فاشترى نصرانيا ، ثم اشترى مسلما ، عتق المسلم . ولو قال : أو ل عبد مسلم ~~أشتريه أول العبيد ، والمسألة بحالها ، لم يعتق ، وكذا لو قال : من دخل من ~~عبيد الأتراك أولا الدار فهو حر ، فدخل هندي ، ثم دخل تركي ، عتق التركي . ~~ولو قال : أول عبيدي لم يعتق . وكان الفرق ما ذكرنا . PageV03P854 ولو قال ~~: أي فارس دخل فله رأس ، فدخل راجل ، ثم فارس ، كان له النفل ، لأنه أوجب ~~لأول فارس يدخل ، وهذا أول فارس ، وإن قال : أول الناس ، ولم يكن له شيء ، ~~لأنه ليس بأول داخل من الناس ، فالراجل الذي دخل قبله من الناس ، وكذلك لو ~~قال : أي حاسر دخل أول ، فدخل دارع ، ثم حاسر فله النفل ، لأنه ms0493 أراد أن ~~يجري الحسر بالتنفيل ، وهو أول حاسر دخل . بخلاف ما إذا قال : أول الناس ، ~~فكذلك لو قال : أي دارع دخل أولا ، لأنه أراد بهذا القوة في القتال ، فإن ~~الدارع يعمل ما لا يعمل الحاسر ، فسواء دخل دارع أو حاسر معا ، أو دخل ~~الدارع بعد الحاسر ، فللدارع النفل ، إلا أن يكون قال : أول الناس . وكذلك ~~لو قال : أي ناشب رمى أول ، فرمى نابل ، ثم ناشب PageV03P855 لأن هذا أول ~~ناشب رمى . إلا أن يكون قال : أول الناس ، فحينئذ لا شيء لواحد منهما . ولو ~~قال : أي فارس دخل أول فله رأس ، وأي راجل دخل أول فله رأس ، فدخل فارس ~~وراجل ، فلكل منهما رأس ، سواء دخلا معا أو أحدهما قبل صاحبه ، لأن أحدهما ~~أول فارس دخل ، والآخر أول راجل دخل في الوجهين جميعا . فلو دخل فارسان ، ~~وراجلان معا لم يكن لهم شيء ، لأنه ليس فيهما فرد سابق مطلق ، وقوله : أي ~~فارس أو راجل دخل اولا ، فدخل فارس وراجل معا ، لم يكن لواحد منهما شيء ، ~~لأنه ليس فيهما فرد سابق مطلق ، وقوله : أي فارس أو راجل ، إنما يتناول ~~فردا سابقا مطلقا ، بخلاف ما تقدم ، فأخذ الكلاميين هناك يتناول فردا سابقا ~~مقيدا بالفرسان خاصة ، والآخر مقيدا بالرجالة خاصة ، وعلى هذا مثله الشامي ~~والخرساني . ولو قال : لكل من دخل منكم هذا الحصن أول فله رأس ، فدخل خمسة ~~معا ، فلكل واحد منهم رأس ، PageV03P856 لأن كلمة كل تجمع الأسماء على أن ~~يتناول كل واحد منهم على الانفراد ، فعند ذكره يجعل كل واحد من الداخلين ، ~~كأن اللفظ تناوله خاصة ، وكأنه ليس معه غيره ، فلكل واحد منهم رأس . ولو ~~دخلوا متواترين كان للأول النفل خاصة ، لأن كل الداخل أولا هو ، فإن من دخل ~~بعده ليس بأول حين سبقه غيره بالدخول ، وفي الفصل الأول لم يسبق كل واحد ~~منهم غيره بالدخول ، وعلى اعتبار إفراد كل واحد منهم كما هو موجب كلمة كل ~~يكون كل واحد منهم أول داخل . وهذا بخلاف قوله : من دخل منكم أول ، فإن ~~هناك إذا دخل منكم أول ms0494 ، فإن هناك إذا دخل الخمسة معا لم يكن لهم شيء ، لأن ~~كلمة منقا مطلقا ، بخلاف ما تقدم ، فأخذ الكلاميين هناك يتناول فردا سابقا ~~مقيدا بالفرسان خاصة ، والآخر مقيدا بالرجالة خاصة ، وعلى هذا مثله الشامي ~~والخرساني . ولو قال : لكل من دخل منكم هذا الحصن أول فله رأس ، فدخل خمسة ~~معا ، فلكل واحد منهم رأس ، لأن كلمة كل تجمع الأسماء على أن يتناول كل ~~واحد منهم على الانفراد ، فعند ذكره يجعل كل واحد من الداخلين ، كأن اللفظ ~~تناوله خاصة ، وكأنه ليس معه غيره ، فلكل واحد منهم رأس . ولو دخلوا ~~متواترين كان للأول النفل خاصة ، لأن كل الداخل أولا هو ، فإن من دخل بعده ~~ليس بأول حين سبقه غيره بالدخول ، وفي الفصل الأول لم يسبق كل واحد منهم ~~غيره بالدخول ، وعلى اعتبار إفراد كل واحد منهم كما هو موجب كلمة كل يكون ~~كل واحد منهم أول داخل . وهذا بخلاف قوله : من دخل منكم أول ، فإن هناك إذا ~~دخل منكم أول ، فإن هناك إذا دخل الخمسة معا لم يكن لهم شيء ، لأن كلمة من ~~توجب عموم الجنس ، ولا توجب أفراد كل واحد من الداخلين ، كأنه ليس معه غيره ~~، وعلى اعتبار معنى العموم ليس فيهم أول ، فأما كلمة كل فتوجب تناول كل ~~واحد على الانفراد ، كأنه ليس معه غيره . ألا ترى أنه لو قال : كل رجل دخل ~~أول ، فدخل خمسة معا ، كلن لكل واحد منهم رأس . وكلمة كل قد توجب العموم ~~أيضا ، ولكن لو حملناها على معنى العموم لم يبق لها فائدة ، لأن ذلك ثابت ~~بقوله : من دخل ، ولا بد من أن يكون لها فائدة ، وليس ذلك إلا ما قلنا ، ~~وهو أنها توجب الجمع في كل داخل لم يبقه غيره ، على أن يتناول كل واحد على ~~الانفراد ، وهذا بخلاف كلمة PageV03P857 أي ، فإنها لا توجب الجمع ، وغنما ~~توجب العموم ، فيكون قوله : أي رجل دخل أول ، وقوله : من دخل أولا سواء ، ~~حتى إذا دخل خمسة معا لم يكن لأحد منهم شيء . ولو قال : جميع من دخل أول ms0495 ، ~~فدخل خمسة معا ، فلهمم رأس واحد بينهم على السوية ، لأن ما ألحق بكلمة من ~~هاهنا يدل على الجمع دون الإفراد ، فيصير باعتبار جميع الداخلين كشخص واحد ~~، فإنهم أول ، فلهم رأس واحد ، فكلمة كل تقتضي الجمع على سبيل الإفراد ، ~~فيجعل باعتبارها كأن كل واحد من الداخلين تناوله الإيجاب خاصة . ولو قال : ~~من دخل منكم خامسا فله رأس ، فدخل خمسة معا ، فلهم رأس بينهم أخماسا ، لأن ~~الخامس فيهم بيقين ، وليس بعضهم بالنفل الذي أوجبها للخامس بأولى من البعض ~~. وإن دخلوا متواترين ، فالرأس للخامس خاصة ، لأنه مختص بالاسم الذي أوجب ~~النفل له لا مزاحمة معه فيه لمن سبقه بالدخول . وإن دخل ثلاثة ، ثم اثنان ~~فالرأس بين الاثنين ، لأن الخامس فيهما دون الثلاثة . وإن دخل ثلاثة ، ثم ~~ثلاثة لم يكن لأحد منهم شيء ، PageV03P858 لأن كل واحد منهم سادس ، داخل ~~بانضمام صاحبيه إليه ، وما أوجب النفل للسادس . ولو قال : كل من دخل منكم ~~خامسا ، فدخل خمسة متواترين ، كان النفل للخامس ، لأنه مختص باسم الخامس ~~حين سبقه أربعة بالدخول . وإن دخل الخمسة معا فلكل واحد منهم رأس ، لأن كل ~~توجب الجمع على وجه الإفراد ، فيكون كل واحد منهم خامسا لوجود الأربعة معه ~~، كما يكون خامسا أن لو دخلوا قبله . ولو قال : جميع من دخل منكم خامسا ، ~~فدخل خمسة معا ، كان لهم رأس واحد ، لأنه ليس في لفظه ما يوجب إفراد كل ~~واحد منهم ، فإنما يتناولهم الإيجاب جملة ، وذلك رأس واحد بينهم ، بخلاف ~~كلمة كل . ولو قال : كل من دخل منكم خامسا فله رأس ، فدخل خمسة معا ثم خمسة ~~معا والخوف قائم على حاله ، فلكل واحد منهم رأس حتى يأخذوا عشرة أرؤس ، لأن ~~معنى هذا الكلام : كل من دخل منكم خامس خمسة ، وكل واحد من الفريق الأول ~~خامس خمسة ، وكذلك ك واحد من الفريق الثاني خامس خمسة ، وإنما جعلنا تقدير ~~كلامه هذا لأنه أوجب للخامس ، ونحن نعلم أنه لا يكون الخامس إلا في خمسة . ~~PageV03P859 ولو دخل أربعة ، ثم اثنان معا لم يكن لأحدهم شيء ، لأن كل واحد ms0496 ~~من الآخرين سادس ستة . فإن دخل اثنان بعد ذلك معا ، ثم دخل واحد ، فلهذا ~~الآخر النفل ، لأن الأربعة الأولى لا يحتسب لهم إذ لم يوجد بعدهم خامس ، ~~فيسقط اعتبار دخولهم ، بقي اثنان ، ثم اثنان ، ثم واحد ، فهذا الواحد خامس ~~خمسة ، فله النفل . ولو دخل أربعة معا في الابتداء ، ثم خمسة معا ، كان لكل ~~واحد من الخمسة رأس ، لأنه لا يحتسب بالأربعة لما بينا ، فإذا سقط اعتبار ~~دخولهم صار كأن الخمسة دخلوا ابتداء ، فكل واحد منهم خامس خمسة . ولو قال : ~~كل من دخل منكم عاشرا ، فدخل تسعة معا ، أو متواترين ، ثم دخل بعدهم اثنان ~~، لم يكن لواحد منهم شيء ، لأنه لا عاشر فيهم ، فكل واحد من الآخرين مع ~~أصحابه واحد من أحد عشر لا من عشرة . فإن قيل : هذا يستقيم فيما إذا دخل ~~تسعة معا ، فأما إذا دخلوا متواترين فينبغي أن يسقط اعتبار الأول حتى يكون ~~كل واحد من الاثنين عاشر عشرة ، كما فعلتم في الأربعة . PageV03P860 قلنا : ~~فعلنا في الأربعة ذلك ، لأن الذي تأخر دخوله وحده ، فيكون خامس خمسة ، فأما ~~هاهنا فإنما دخل اثنان معا آخرا ، وكما يمكن إثبات عاشر العشرة منهم بإلغاء ~~الأول ، يمكن إثباته بإلغاء أحدهما ، وليس أحد الجانبين بأولى من الآخر . ~~فإن دخل بعد الاثنين ثمانية ، فلكل واحد من الثمانية رأس ، لأن التسعة يسقط ~~اعتبارهم حين لم يجيء بعدهم العاشر ، بقي اثنان ، ثم ثمانية ، فكل واحد من ~~الثمانية عاشر عشرة . ولو دخل بعد الاثنين عشرة معا كان لكل واحد من العشرة ~~رأس . لأنه يسقط اعتبار الاثنين هاهنا كما يسقط اعتبار تسعة ، يبقى دخول ~~العشرة معا ، فيكون كل واحد منهم عاشر عشرة ، فيستحق النفل ، والله أعلم ~~بالصواب . PageV03P861 # | باب من الاستئجار في أرض الحرب والنفل فيه # ولو أقام المسلمون على المطمورة في أرض الحرب ، فقال الأمير : كل رجل ~~يحفظ المطمورة الليلة حتى لا يخرج منها العدو ، فله دينار ، وأقام عليها ~~مائة رجل حتى أصبحوا ، فإن كان الدينار جعله لكل رجل منهم مما يصيبون من ~~المطمورة فهو نفل صحيح ، لأن أهل ms0497 المطمورة ممتنعون ، والحاجة إلى التحريض ~~على حفظهم بالتنفيل ماسة ، وحفظهم حتى لا يهربوا من الجهاد ، فلهذا صح ~~التنفيل . وإن كان الأمير جعل لهم ذلك من الغنائم التي أصابها المسلمون ~~فذلك باطل ، لأنه لا يمكن ذلك لهم بطريق التنفيل ، فإن بعد الإصابة لا يجوز ~~و لا بطريق الأجرة ، لأن هذا العمل من الجهاد ، واستئجار المسلم على الجهاد ~~باطل . وهذا لأنهم على عمل الجهاد يستحقون السهم من الغنيمة ، فكيف يستحقون ~~الأجر مع ذلك ، . ولأن الجهاد وإن كان فرضا على الكفاية ، فكل من باشره ~~يكون مؤديا فرضا ، والاستئجار على أداء الفرض باطل ، كالاستئجار على الصلاة ~~. PageV03P862 وإن لم يبين الأمير من أي موضع يعطيهم ذلك فهذا تنفيل صحيح ~~من المطمورة ، لأن مطلق كلام العاقل محمول على الوجه الذي يصح شرعا لا على ~~الوجه الذي يكون باطلا شرعا . وإن لم يكن في المطمورة مقاتلة ، وإنما فيها ~~الذراري والأموال ، والمسألة بحالها ، فلكل واحد منهم دينار في الغنيمة ~~هاهنا ، لأن حفظهم ليس بجهاد هاهنا ، وإنما استئجار على عمل معلوم ، ببدل ~~معلوم . فكل من سمع مقالة الأمير ، وأقام العمل فله الأجر ، ومن يسمع ~~مقالته فلا أجر له ، لأنه ما أقام العمل على وجه الإجارة ، ولكن على وجه ~~التبرع حين لم يسمع بمقالة الأمير . وإنما هذا نظير قوله : كل من ساق هذه ~~الأرماك إلى موضع كذا فله دينار ، فساقها قوم سمعوا مقالته ، فلكل رجل منهم ~~أجرة دينار ، يبدأ به من الغنيمة قبل كل نفل وقسمة ، وإن ذهبت الغنائم كلها ~~لم يكن للأجراء على الإمام شيء ، لأنه استأجرهم على وجه الحكم منه لمنفعة ~~الغانمين ، فإنما أجرهم في الغنيمة ، ولم يبق بيده شيء من الغنيمة ، ~~والإمام فيما يحكم به على وجه النظر لا يكون ملتزما للعهد ، فلا يلزمه إذا ~~شيء من مال نفسه ، PageV03P863 ولا يرجع على الغنيمة بشيء ، لأن ولايته ~~عليهم مقيدة بتوفير المنفعة دون الإضرار بهم ، ولأنهم لم يملكوا الغنيمة ~~بعد . ألا ترى أن للإمام أن يقتل الأسارى ، وإنما يجب البدل عليهم بالعقد ~~إذا سلم العمل إليهم ، ولم يوجد ذلك ms0498 حقيقة ، ولا حكما بالتسليم إلى ملكهم . ~~ولو قال الأمير : من نصب رماح المسلمين حول العسكر فله دينار ، ففعل ذلك ~~رجل ، استحق الدينار ، لأن هذا ليس من الحرب ، ولا مما يجب على ذلك الرجل ~~أن يفعله ، فيجوز استئجار الإمام إياه على ذلك بأجر معلوم . ولو قال : من ~~نصب رمحه فله دينار أجر له ، لم يجز ذلك ، لأن ما يفعله في ملك نفسه لا ~~يكون فيه أجيرا لغيره ، ولأن نصب رمحه من عمل الحرب ، كالطعن به ، فلا ~~يستحق الأجر عليه ، بخلاف نصب رماح غيره من المسلمين . ولو قال : من قتل ~~قتيلا وجاء برأسه فله دينار ، فهذا تنفيل صحيح ، ويعطى الدينار من فعل ذلك ~~من الغنائم التي تصاب بعد هذا ، أو من بيت المال إن رأى الإمام ذلك ، فأما ~~مما أحرز من الغنائم قبل هذا فلا ، لأنه لا تنفيل بعد الإصابة ، فلا يمكنه ~~أن يعطيه الدينار من ذلك نفلا ولا أجرة ، لأن قتل أهل الحرب من الجهاد ، ~~فلا يستحق المسلم عليه الأجر . PageV03P864 وكما يثبت هذا الحكم في حق ~~المقاتلة من المسلمين ، فكذلك في حق التجار والعبيد من المسلمين ، لأن ~~فعلهم ذلك من الجهاد أيضا ، ولهذا يستحق التاجر إذا فعل ذلك السهم من ~~الغنيمة والعبد الرضخ . وأما أهل الذمة إذا فعلوا ذلك ، وقد استعان بهم ~~الإمام وأوجب لهم مالا معلوما ، على عمل من ذلك معلوم فلهم الأجر ، لأن ~~فعلهم ليس بجهاد ، فإن الجهاد ينال به الثواب ، والكافر ليس بأهل لذلك ، ~~والجهاد ما يتقرب العبد به إلى ربه ، وهم لا يتقربون بذلك ، بخلاف المسلم . ~~قال : ألا ترى أن رجلا لو خرج بآخر يجاهد في سبيل الله بديلا عن إنسان لم ~~يكن له أجر ، لأنه يتقرب إلى الله تعالى ، فأجره على الله تعالى ، والمتقرب ~~إلى الله تعالى عامل لنفسه ، فكيف يكون له الأجر على غيره ، وعند إصابة ~~الغنيمة السهم يكون له دون من استأجره ، فعرفنا أنه عامل لنفسه . ثم بين أن ~~: الاستئجار على الجهاد بمنزلة الاستئجار على الحج ، وعلى الأذن ، والإقامة ~~. وقد بينا الكلام في الاستئجار ms0499 على الطاعات في شرح المختصر . PageV03P865 ~~ولو حاصر المسلمون حصنا ، ولأهل الحصن ملاعب وكنائس خارج منه ، وليس فيها ~~أحد ، فاستأجر الإمام على تخريبها قوما من المسلمين بأجرة معلومة فذلك جائز ~~، لأن تخريب ذلك ليس من عمل الجهاد ، وقد حصل في أيدي المسلمين ، ولا تحتاج ~~إلى قتال . بخلاف ما إذا استأجرهم على تخريب حصن أهله ممتنعون فيه أو كسر ~~باب ، لأن ذلك من عمل الجهاد يحتاج في إقامته إلى القتال . ولو أن قوما من ~~أهل الحرب أقبلوا في سفنهم يريدون المسلمين ، فاستأجر الإمام قوما من ~~المسلمين من أحرارهم ، أو عبيدا للمسلمين كفارا أو مسلمين ، يرمونهم ~~بالمحرقات فلا أجر لهم ، لأن هذا من عمل الجهاد ، وإنما يعتبر فيه دين ~~المولى لا دين العبد ، لأن المسلم يكون مجاهدا بعبيده كما يكون مجاهدا ~~بفرسه . وإن جعل ذلك نفلا لهم مما يصيبون فهو جائز للحاجة إلى التحريض . ~~وكذلك لو استأجر قوما في البر يرمون بالمجانيق الحصون ، وإن استأجر قوما من ~~أهل الذمة على ذلك جاز ، لأن عملهم ليس بجهاد لانعدام الأهلية فيهم . ~~PageV03P866 ولو استأجر قوما من المسلمين يجذفون بهم في البحر فهذا جائز ، ~~لأن هذا ليس من عمل الجهاد ، وهو عمل معلوم يجوز الاستئجار عليه . ألا ترى ~~أنهم يفعلون ذلك إذا لقوا العدو أو لم يلقوهم ، وأن الملاحين يأخذون الأجر ~~على ذلك وهو حلال لهم . ولو ظفر المسلمون بغنائم متفرقة ، وليس معها من ~~يمنعها ، فقال الأمير : من جمعها فله دينار ، فهذا جائز ، لأنه ليس من عمل ~~الجهاد ، وهو معلوم في نفسه ، فيجوز إجارة فاسدة ، إلا أن يبين المدة فيقول ~~: استأجرتك عشرة أيام بكذا لتبيع الغنائم ، لأن بيان المدة ، العقد يتناول ~~منافعه ، ولهذا استحق الأجر بتسليم النفس ، باع أو لم يبع ، وإذا لم يبين ~~المدة فالمعقود عليه البيع ، وهو مجهول ، وقد يتم البيع بكلمة واحدة ، وقد ~~لا يتم بعشر كلمات ، فكذلك لا يتهيأ منه البيع بدون مساعدة المشتري ، فلهذا ~~كان الاستئجار على البيع فاسدا ، وليس هذا فيمن يبيع الغنائم خاصة ، ولكن ~~في جميع الباعة الحكم هكذا . PageV03P867 وكذلك ms0500 لو استأجر من يقسم الغنائم ~~بين الغانمين بأجر معلوم ، فذلك جائز ، لأن القسمة عمل معلوم يتم بالقسام ، ~~ويجوز أخذ الجر عليه . على أنه كان لعلي رضي الله عنه قاسم يقسم بالأجر ، ~~ويستوي أن يبين المدة هاهنا أو لم يبين ، لأن العمل معلوم بنفسه . ثم يبدأ ~~بأجره قبل النفل والغنيمة ، لأن هذا دين ، وقسمة الغنيمة كقسمة الميراث ، ~~والنفل فيه كالوصية ، والدين مقدم عليهما . فإن كان استأجر بأكثر من أجر ~~مثله نظر ، فإن كانت الزيادة يسيرة فذلك جائز ، وإلا لم يكن له إلا مقدار ~~أجر مثله ، لأن الأمير في هذا التصرف ناظر ، فتتقيد ولايته بشرط النظر ، ~~كولاية الأب والوصي في الاستئجار لليتيم . فإن استرد منه الفضل على أجر ~~مثله ، فقال الأجير : أنا أرجع بذلك على من استأجرني ، لم يكن له ذلك ، لأن ~~الذي استأجره ما عقد العقد لنفسه ، وإنما عقد للمسلمين على وجه الحكم منه ، ~~إلا أنه أخطأ في ذلك ، فلا يلزمه شيء من العهدة بخلاف الوكيل PageV03P868 ~~بالاستئجار ، فإنه إذا باشر العقد بأكثر من أجر المثل ، فذلك كله لازم عليه ~~، ليس على الأمير منه بشيء ، وأما الأمير فالعقد لا ينفذ عليه ، لأنه لا ~~تلحقه العهدة فيما يحكم به ، وإنما يشبه الأمير هاهنا القاضي إذا استأجر ~~رجلا يعمل لليتيم عملا بأجر معلوم ، فإذا فيه غبن فاحش ، فإنه يعطي الأجير ~~أجر مثله ، ويرد ما بقي على اليتيم ، ولا شيء على القاضي ، لأن استئجاره ~~منه كان على وجه الحكم منه . ولو قال الأمير والقاضي : فعلنا ونحن نعلم أنه ~~لا ينبغي لنا أن نفعله ، فجميع الأجر عليهما في ماليهما ، قال : لأنهما ~~تعمدا الجور فصار فيه حاكمين . وبهذا اللفظ يستدل من يزعم أن الحاكم ينعزل ~~بالجور ، وليس هذا بمذهب لنا ، وقد بينا ذلك فيما أملينا من شرح الزيادات ~~في باب التحكيم . وإنما تأويل ما ذكر هاهنا : أن حكمه إنما ينفذ إذا صدر عن ~~دليل شرعي ، وهذا الحكم خلا عن ذلك ، فهو بمنزلة القاضي إذا قضى بغير حجة ، ~~أو قضى برأيه مخالفا للنص ، لا ينفذ قضاؤه ، وهو قاض ms0501 على حاله ، فإذا لم ~~ينفذ قضاؤه بهذا الطريق نفذ عقده عليه ، على ما هو الأصل أن العقد متى وجد ~~نفاذا على العاقد ينفذ عليه . وقد ذكرنا في آداب القاضي أن القاضي إذا أخطأ ~~في قضائه ، فإن كان ذلك في حقوق العباد ، ملاعب وكنائس خارج منه ، وليس ~~فيها أحد ، فاستأجر الإمام على تخريبها قوما من المسلمين بأجرة معلومة فذلك ~~جائز ، لأن تخريب ذلك ليس من عمل الجهاد ، وقد حصل في أيدي المسلمين ، ولا ~~تحتاج إلى قتال . بخلاف ما إذا استأجرهم على تخريب حصن أهله ممتنعون فيه أو ~~كسر باب ، لأن ذلك من عمل الجهاد يحتاج في إقامته إلى القتال . ولو أن قوما ~~من أهل الحرب أقبلوا في سفنهم يريدون المسلمين ، فاستأجر الإمام قوما من ~~المسلمين من أحرارهم ، أو عبيدا للمسلمين كفارا أو مسلمين ، يرمونهم ~~بالمحرقات فلا أجر لهم ، لأن هذا من عمل الجهاد ، وإنما يعتبر فيه دين ~~المولى لا دين العبد ، لأن المسلم يكون مجاهدا بعبيده كما يكون مجاهدا ~~بفرسه . وإن جعل ذلك نفلا لهم مما يصيبون فهو جائز للحاجة إلى التحريض . ~~وكذلك لو استأجر قوما في البر يرمون بالمجانيق الحصون ، وإن استأجر قوما من ~~أهل الذمة على ذلك جاز ، لأن عملهم ليس بجهاد لانعدام الأهلية فيهم . ولو ~~استأجر قوما من المسلمين يجذفون بهم في البحر فهذا جائز ، لأن هذا ليس من ~~عمل الجهاد ، وهو عمل معلوم يجوز الاستئجار عليه . ألا ترى أنهم يفعلون ذلك ~~إذا لقوا العدو أو لم يلقوهم ، وأن الملاحين يأخذون الأجر على ذلك وهو حلال ~~لهم . ولو ظفر المسلمون بغنائم متفرقة ، وليس معها من يمنعها ، فقال الأمير ~~: من جمعها فله دينار ، فهذا جائز ، لأنه ليس من عمل الجهاد ، وهو معلوم في ~~نفسه ، فيجوز إجارة فاسدة ، إلا أن يبين المدة فيقول : استأجرتك عشرة أيام ~~بكذا لتبيع الغنائم ، لأن بيان المدة ، العقد يتناول منافعه ، ولهذا استحق ~~الأجر بتسليم النفس ، باع أو لم يبع ، وإذا لم يبين المدة فالمعقود عليه ~~البيع ، وهو مجهول ، وقد يتم البيع بكلمة واحدة ، وقد لا ms0502 يتم بعشر كلمات ، ~~فكذلك لا يتهيأ منه البيع بدون مساعدة المشتري ، فلهذا كان الاستئجار على ~~البيع فاسدا ، وليس هذا فيمن يبيع الغنائم خاصة ، ولكن في جميع الباعة ~~الحكم هكذا . وكذلك لو استأجر من يقسم الغنائم بين الغانمين بأجر معلوم ، ~~فذلك جائز ، لأن القسمة عمل معلوم يتم بالقسام ، ويجوز أخذ الجر عليه . على ~~أنه كان لعلي رضي الله عنه قاسم يقسم بالأجر ، ويستوي أن يبين المدة هاهنا ~~أو لم يبين ، لأن العمل معلوم بنفسه . ثم يبدأ بأجره قبل النفل والغنيمة ، ~~لأن هذا دين ، وقسمة الغنيمة كقسمة الميراث ، والنفل فيه كالوصية ، والدين ~~مقدم عليهما . فإن كان استأجر بأكثر من أجر مثله نظر ، فإن كانت الزيادة ~~يسيرة فذلك جائز ، وإلا لم يكن له إلا مقدار أجر مثله ، لأن الأمير في هذا ~~التصرف ناظر ، فتتقيد ولايته بشرط النظر ، كولاية الأب والوصي في الاستئجار ~~لليتيم . فإن استرد منه الفضل على أجر مثله ، فقال الأجير : أنا أرجع بذلك ~~على من استأجرني ، لم يكن له ذلك ، لأن الذي استأجره ما عقد العقد لنفسه ، ~~وإنما عقد للمسلمين على وجه الحكم منه ، إلا أنه أخطأ في ذلك ، فلا يلزمه ~~شيء من العهدة بخلاف الوكيل بالاستئجار ، فإنه إذا باشر العقد بأكثر من أجر ~~المثل ، فذلك كله لازم عليه ، ليس على الأمير منه بشيء ، وأما الأمير ~~فالعقد لا ينفذ عليه ، لأنه لا تلحقه العهدة فيما يحكم به ، وإنما يشبه ~~الأمير هاهنا القاضي إذا استأجر رجلا يعمل لليتيم عملا بأجر معلوم ، فإذا ~~فيه غبن فاحش ، فإنه يعطي الأجير أجر مثله ، ويرد ما بقي على اليتيم ، ولا ~~شيء على القاضي ، لأن استئجاره منه كان على وجه الحكم منه . ولو قال الأمير ~~والقاضي : فعلنا ونحن نعلم أنه لا ينبغي لنا أن نفعله ، فجميع الأجر عليهما ~~في ماليهما ، قال : لأنهما تعمدا الجور فصار فيه حاكمين . وبهذا اللفظ ~~يستدل من يزعم أن الحاكم ينعزل بالجور ، وليس هذا بمذهب لنا ، وقد بينا ذلك ~~فيما أملينا من شرح الزيادات في باب التحكيم . وإنما تأويل ما ذكر هاهنا : ~~أن ms0503 حكمه إنما ينفذ إذا صدر عن دليل شرعي ، وهذا الحكم خلا عن ذلك ، فهو ~~بمنزلة القاضي إذا قضى بغير حجة ، أو قضى برأيه مخالفا للنص ، لا ينفذ ~~قضاؤه ، وهو قاض على حاله ، فإذا لم ينفذ قضاؤه بهذا الطريق نفذ عقده عليه ~~، على ما هو الأصل أن العقد متى وجد نفاذا على العاقد ينفذ عليه . وقد ~~ذكرنا في آداب القاضي أن القاضي إذا أخطأ في قضائه ، فإن كان ذلك في حقوق ~~العباد فعزم ذلك على من قضى له ، وإن كان ذلك في حدود الله فخطأه على بيت ~~المال ، وإن قال : تعمدت ذلك كان الغرم عليه من ماله ، فكذا ما صنعه الأمير ~~يكون الحكم فيه ذلك ولو استأجر الأمير قوما يسوقون الأرماك ، فساقوها ، ~~فعطب منها شيء من سياقهم ، أو هلكت في أيديهم ، فإن كان PageV03P869 ذلك ~~وهم في دار الحرب قبل أن ينتهوا إلى دار الإسلام ، فلا ضمان عليهم في شيء ~~من ذلك ، سواء تلفت بعملهم أو بغير عملهم ، لأنهم لو استهلكوا الغنائم في ~~دار الحرب لم يضمنوها ، باعتبار أن الحق لم يتأكد فيها للغانمين بعد . وإن ~~كان ذلك بعد ما وصلوا إلى دار الإسلام فحالهم كحال الأجير المشترك . وقد ~~بينا في شرح المختصر أن ما تلف في يد الأجير المشترك بغير صنعه لم يكن عليه ~~ضمانه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - سواء تلف بسبب يتأنى الاحتراز عنه أو ~~لا يتأنى ، وعندهما هو ضامن له ، إلا أن يتلف بسبب لا يمكن الاحتراز عنه ، ~~وما تلف بجناية يده فهو ضامن له في قول علمائنا الثلاثة ، بمنزلة ما لو ~~استهلكه ، فهاهنا أيضا ما عطب بسياقهم أو بتناطحها ، فذلك من جناية يد ~~الأجراء ، فعليهم ضمان قيمة ذلك . ولكن إنما يضمنون قيمته في المكان الذي ~~تلف فيه ، ويكون لهم الأجر إلى ذلك الموضع ، بخلاف القصار وغيره ، فهناك ~~لصاحب المتاع الخيار إن شاء ضمنه قيمته معمولا وله الأجر ، لأن هناك فسخ ~~العقد باعتبار تفرق الصفقة على العاقد ممكن ، فإن إيجاب الضمان على الأجير ~~من وقت القبض بهذا ms0504 الطريق يتأتى ، لأنه لو استهلكه عند ذلك كان ضامنا ، ~~فأما هنا لا يمكن بإيجاب الضمان عليهم باعتبار وقت التسليم إليهم ، لأنهم ~~لو استهلكوا عند ذلك ، وهم في دار الحرب ، لم يضمنوا PageV03P870 شيئا ، ~~فلا بد من إبقاء العقد بقدر ما أوفوا من العمل ، ليتأتى إيجاب الضمان عليهم ~~، فلهذا كان لهم الأجر إلى ذلك الموضع . وكذلك هذا الفرق لهما فيما يتلف ~~بغير صنعهم فيما يتأنى الاحتراز عنه ، ولو تلف شيء من ذلك في دار الحرب فلا ~~ضمان عليهم لما قلنا ، ولكن على قول أبي حنيفة : إن تلف بغير صنعهم فلهم ~~أجر بقدر ما أتلفوا من العمل ، لأنهم ما صاروا مستردين لما سلموا حين هلك ~~بغير صنعهم . وإن هلك يصنعهم فلا أجر لهم لأنهم صاروا كالمستردين للعمل ، ~~ولأنه لم يسلم للغانمين بعملهم شيء حين لم يجب الضمان عليهم ، فلا يجب ~~الأجر أيضا لهم ، بخلاف ما إذا أعطب من فعلهم في دار الإسلام ، والضمان قد ~~وجب عليهم هاهنا ، فعرفنا أن العمل قد سلم للغانمين بهذا الطريق . وأما على ~~قولهما فلا أجر لهم فيما يتلف في دار الحرب بغير صنعهم أيضا ، لأنه فيما ~~يمكن الاحتراز عنه بكون التلف مضافا إليهم حكما ، ولهذا لو كان في دار ~~الإسلام ضمنوا قيمته . فبهذا الطريق يثبت استرداد ما أقاموا من العمل حكما ~~، فلا يكون لهم الأجر على ذلك . وشبه هذا بمن استأجر رجلا في دار الإسلام ~~يحمل له جلود ميتة ليدبغها ، فحملها ، فعثر في فسقطت فاحترقت ، أو أحرقها ~~الذي حملها بالنار ، لم يكن عليه ضمان ، لأنه ليس بمال متقوم ، ولا أجر له ~~، لأن صار مستردا لعمله بما فعله من الإتلاف ، فلا يستوجب الأجر . فكذلك ~~حكم الغنائم فيما وصفنا إذا تلف في دار الحرب شيء منها بصنعه أو بغير صنعه ~~. وإن كان أخذ العدو ذلك منهم مجاهرة فلهم الأجر إلى ذلك المكان ، ~~PageV03P871 لأن التلف هاهنا حصل بما لا يتأتى لهم الاحتراز عنه ، فلا ~~يكونوا به مستردين لما أقاموا ، إلا أنهم إذا ادعوا ذلك فعلى قول أبي حنيفة ~~القول قولهم مع ms0505 اليمين ، لأن أصل قبضهم كان على وجه الأمانة عنده ، فكان ~~القول قول الأمين على اليمين . وعندهما لا يصدقون على ذلك إلا ببينة ، لأن ~~قبضهم قبض ضمان عندهما ، ولهذا لو تلف بعد الخروج إلى دار الإسلام كانوا ~~ضامنين ، والضامن لا يقبل قوله إلا بحجة ، بمنزلة الغاصب . ولو استأجر أمير ~~العسكر رجلا يحمل رقيقا وسبيا من الغنيمة ، صغارا أو كبارا ، على دوابه إلى ~~مكان معلوم ، فحملهم ، فعطبوا في دار الحرب من سياقه ، بما يمكن التحرز عنه ~~أو بما لا يمكن التحرز عنه ، فلا ضمان عليه . وكذلك إن هلكوا في دار ~~الإسلام إذا لم يعلم من جهته استهلاك أو تضييع أو عنف في سوق الدابة . ~~بخلاف ما إذا كان المحمول متاعا سوى بني آدم ، فهناك يضمن ما عطب من سياقه ~~في دار الإسلام . وهذا الضمان الواجب في الآدمي ضمان جناية ، وهو ليس من ~~جنس ضمان العقد ، ووجوب الضمان على الأجير المشترك باعتبار العقد ، ولا ~~يمكن اعتبار العقد عليه يصير مسلما إلى الراكب إذا كان من بني آدم فيخرج من ~~ضمان الأجير ، بخلاف الأمتعة . ثم يكون له الأجر إلى الموضع الذي حملهم ~~إليه ، PageV03P872 لأن المعقود عليه صار مسلما إلي من أمر المستأجر ~~بالتسليم إليه ، ولأنه لما لم يجب الضمان على الأجير عرفنا أنه لم يصر ~~مستردا شيئا . وأما إذا عنف عليهم في السوق ، أو استهلكهم ، فإن فعله في ~~دار الحرب ، فلا ضمان عليه . لعدم تأكد الحق للغانمين . ولا أجر له ، لأنه ~~صار مستردا لما سلم بما أحدث من فعل الاستهلاك . والأمير يؤدبه فيما صنع ، ~~لأنه متعد بإتلاف ما ثبت حق الغانمين فيه . فإن فعل ذلك في دار الإسلام فهو ~~ضامن قيمة ما استهلك . لتأكد الحق فيه بالأحرار . وله الأجر إلى الموضع ~~الذي حملهم إليه ، لأنه إنما يضمن القيمة في هذا المكان ، وذلك يقرر تسليمه ~~لا أن يجعله مستردا . إلا الرجال من الأسراء ، فإنه لا ضمان عليه فيهم ، ~~لأن الحق فيهم لا يتأكد بالإحراز . ألا ترى أن للإمام أن يقتلهم ؟ فكان ~~فعله ذلك في دار ms0506 الإسلام ، وفي دار الحرب سواء ، ولا أجر له في حملانهم ، ~~لأنه صار مستردا لعمله في حملهم حتى لم يجب عليه الضمان فيهم . PageV03P873 ~~ولو أن الأمير استأجر قوما مياومة أو مشاهرة لسوق الأرماك ، فهو جائز ، ~~لأنه عقد العقد على منفعة معلومة ببدل معلوم . ثم لا ضمان على الجير هاهنا ~~فيما يعطب من سياقه أو لا من سياقه في دار الحرب أو في دار الإسلام ، لأنه ~~أجير الوحد ، وأجير الوحد لا يضمن ما جنت يده إذا كان فعله حاصلا على الوجه ~~المعتاد ، لأن المعقود عليه منافعه . ألا ترى أن سلم النفس في المدة استوجب ~~الأجر ، ومنافعه في حكم العين ؟ فلا يعتبر فيه صفة سلامة العمل عن العيب ، ~~بخلاف الأجير المشترك . فإن عنفوا في السوق أو استهلكوا في دار الإسلام ~~كانوا ضامنين . لوجود التعدي منهم بعد تأكد الحق . ولهم أجورهم لما مضى ، ~~لأنه تقرر الأجر بتسليم النفس في المدة ، فلا يبطل حقهم بوجود التع ي منهم ~~، وأوضح هذا الفرق فقال : ألا ترى أن للأمير هنا أن يزيد عليهم أرماكا بعد ~~أرماك بقدر PageV03P874 ما يطيقون ، ولو مات بعضها كان له أن يخلف مكانها ~~مثلها ، وفي الأجير المشترك ليس له أن يفعل شيئا من ذلك . فبه يتبين أن ~~العقد هناك يتناول العمل ، وبقضية المفاوضة تثبت صفة السلامة عن العيب ، ~~وهاهنا العقد يتناول المنفعة دون العمل . ولو قال الأمير لمسلم حرا أو عبدا ~~إن قتلت ذلك الفارس من المشتركين فلك على أجر مائة دينار ، فقتله ، لم يكن ~~له أجر ، لأنه لما صرح بالأجر لا يمكن أن يحمل كلامه على التنفيل ، والفعل ~~الذي حرضه على جهاد ، والاستئجار على الجهاد لا يجوز . وإن قال ذلك لرجل من ~~أهل الذمة ، فكذلك الجواب . في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، ولأبي يوسف ~~رحمه الله ، وفي قول محمد رحمه الله للذمي الأجر المسمى . # وأصل هذه المسألة : أن الاستئجار على القتل لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف ، سواء كان بحق ، أو بغير حق ، حتى لو استأجر ولي الدم رجلا ليستوفي ~~القصاص ms0507 في النفس لم يكن له أجر عندهما ، وفي قول محمد : يجوز الاستئجار على ~~القتل ، لأنه عمل معلوم يقدر الأجير على إقامته ، فيجوز الاستئجار عليه ~~كذبح الشاة ، وقطع بعض الأعضاء ، فإن الإمام لو استأجر رجلا ليقطع يد ~~السارق أو من له القصاص في الطرف إذا استأجر في الطرف إذا استأجر رجلا ~~ليستوفي ذلك جاز بالاتفاق . وبيان ذلك الوصف : القتل يكون بجز الرقبة ، وفي ~~قدرة الأجير على ذلك ، لا فرق بين إبانة الرأس من البدن ، وبين إبانة الطرف ~~من الجملة . وجه قوهما : أن القتل ليس من عمله ، لأن القتل إنما يحصل بزهوق ~~الروح ، PageV03P875 وذلك مصان عن محل قدرته ، فلا يكون من عمله ، بمنزلة ~~حصول الولد ، ونبات الزرع ، والإضافة إلي باعتبار أنه يحصل بكسبه لا ~~باعتبار أنه من عمله . ألا ترى أن فعله الضرب بالسيف ، وقد يفعل ذلك ولا ~~يحصل القتل به ؟ وإنما يجوز الاستئجار على منافعه ، أو على ما يكون من عمله ~~، وهذا بخلاف الذبح ، لأن الاستئجار على ما يحصل به الزكاة ، وهو مميز ~~الطاهر من النجس ، وذلك قطع الحلقوم والأوداج ، وذلك من عمله ، وكذلك قطع ~~الأطراف ، فإنه ليس في ذلك من إزهاق الروح شيء ، ولكنه فصل الجزء من الجملة ~~، وهذا من عمله بمنزلة قطع الحبل والخشبة . ولو كان الأسراء قتلى ، فقال ~~الأمير : من قطع رؤوسهم فله أجر عشرة دراهم ، ففعل ذلك مسلم ، أو ذمي كان ~~له الأجر ، لأن ليس من عمل الجهاد ، وهو عمل معلوم في محل قدرة الأجير ، ~~فيجوز استئجاره عليه كقطع الخشبة أو الحبل . ولو نظر الأمير إلى فارس من ~~أهل الحرب فقال لمسلم حر أو عبد : إن جئتني بسلبه فلك أجر عشرة دنانير ، ~~فقتله ، وجاء بسلبه ، وأفلت منه ، فلا شيء له ، لأنه استأجره على عمل ~~الجهاد . وإن قال ذلك لذمي ، فله الأجرف منه ، لأن فعله ليس بجهاد . وكذلك ~~لو قال : إن قطعت يده فلك كذا ، PageV03P876 لأن قطع يد الممتنع المقاتل من ~~الجهاد ، فلا يستوجب المسلم عليه أجرا ، ويكون عليه للذمي الأجر ، لأن فعله ~~ليس بجهاد . ولو أراد قتل ms0508 الأساري فاستأجر على ذلك مسلما أو ذميا ، فهو على ~~الخلاف الذي ذكرنا في الاستئجار على قتل المقضي عليه بالقصاص . ولو قال ~~الأمير لقوم من أهل العسكر : : احفروا هذا الموضع من هذا النهر إلى موضع ~~كذا حتى ينبثق الماء فيغرق أهل هذه المدينة ، ولكم أجر مائة دينار ، ففعلوا ~~ذلك ، فإن كان على ذلك الموضع قوم من أهل الرحب يقاتلون ويمنعون من ذلك فلا ~~شيء للأجراء إذا كانوا مسلمين ، لأن ما استئوجروا عليه من عمل الجهاد . وإن ~~كانوا من أهل الذمة فلهم الأجر ، وإن كانوا عشرين نفرا : عشرة مسلمين ، ~~وعشرة ذميين ، فلأهل الذمة نصف الأجر ، لأنه يجعل في حق كل فريق ، كان ~~الفريق الثاني مثلهم . PageV03P877 وإن لم يكن في ذلك الموضع من يقاتل من ~~أهل الرحب ، فلهم الأجر المسمى ، لأن حفر الأرض ليس من عمل الجهاد ، ~~فيستوجب المسلم الأجر عليه ، كما يستوجب الذمي ، وهو نظير ما تقدم من تخريب ~~الملاعب ، والكنائس الخارجة عن الحصن بعد ما صارت في أيدي المسلمين . وكذلك ~~إن استأجرهم لقطع الأشجار ، فهو على هذا التقسيم ، لأن ما استأجروا عليه ~~عينه ليس بجهاد ، وإنما يصير في معنى الجهاد إذا كان هناك من يمنعك عنه حتى ~~يحتاج إلى أن تجاهده في إتمام ذلك العمل ، فإذا لم يكن هناك من ينابذك لم ~~يكن من الجهاد في شيء . ولو استأجر قوما يرمون بالمنجنيق ، فإن كانوا من ~~أهل الذمة فلهم الأجر ، وإن كانوا مسلمين أحرارا ، أو عبيدا فلا أجر لهم ، ~~لأن هذا من عمل الجهاد ، فالرمي بالمنجنيق لتخريب الحصن الذي هم فيه ~~ممتنعون ، وعلى الدفع عنه يقاتلون ، بمنزلة الرمي بالسهم لإصابة النفوس ، ~~ولا يقال : إنهم يرمون في منعة المسلمين ، فلا يكون فعلهم جهادا ، لأنهم ~~وإن كانوا في منعة المسلمين فالرمية وقعت في منعة المشركين ، وهو المقصود . ~~فإن قيل : ففي حفر النهر إذا لم يكن هناك من يمنع ، يوجد هذا المعنى ، لأن ~~الماء يسيل في ذلك الموضع حتى يغرقهم في منعتهم ، كما أن ما يرمى من ~~المنجنيق يذهب حتى يخرب ، ويقتل في منعتهم . قلنا ms0509 : نعم ، ولكن المنجنيق ، ~~والسهم عمل القوم بأيديهم ، على معنى : أن ما حصل يكون مضافا إليهم ~~بالمباشرة ، وأما الغرق فلا يصير مضافا إلى PageV03P878 حافر النهر ~~بالمباشرة ، وإنما عملهم هناك الحفر فقط ، وتبين هذا الفرق في فعل هو جناية ~~، فإن من وقف في ملك نفسه ، ورمى سهما إلى إنسان فقتله ، كان قاتلا له ~~مباشرة مستوجبا للقصاص ، وبمثله من الحفر نهرا في ملكه فغلبه الماء ، ~~وانبثق على أرض جار له فغرق الزرع ، لم يكن على الحافر في ذلك ضمان ، فبهذا ~~تبين الفرق . والله أعلم بالصواب . PageV03P879 # | باب الأنفال بالأثمان والهبات # وإذا قال الأمير : من جاء برمكة فهي له بيعا بعشرة دراهم ، فذهب المسلمون ~~وجاءوا بذلك ، فإن هذا البيع باطل ، لنهي النبي عليه السلام عن البيع الغرر ~~، وعن بيع ما ليس عند الإنسان . فإن المراد بيع ما ليس في ملكه ، والأمير ~~هاهنا باع ما ليس في ملكه ، ولا في يده ، وهو على خطر الحصول في يد ~~المسلمين مجهول في نفسه ، ولو كان معلوما لم ينجز البيع فيه ، إذا لم يكن ~~عنده ، فكيف إذا كان مجهولا ؟ . ولكن إن رغب الذي جاء به أن يأخذه بذلك ~~الثمن فعلى الإمام أن يتقبل بيعا منه بذلك الثمن ، لأنه ذكر ذلك على وجه ~~التنفيل ، والقصد تحريض المسلمين على المجيء بها . فليس له أن يرجع عن ~~التنفيل بعد ما أتوا بما شرط عليهم ، ولكن يحصل مقصودهم بطريق صحيح شرعا ، ~~وهو البيع ابتداء . PageV03P880 وإن لم يرغب فيه الذي جاء به أخذه الأمير ~~منه فجعله في الغنيمة ، وليس على الرجل شيء من ثمنه ، لأن التنفيل لمراعاة ~~حقه ، وذلك ينعدم إذا لم يرض به . وأصل الثمن لم يكن واجبا عليه بما تقدم ~~من السبب ، ولو كان واجبا كان له الخيار في رده ، لأنه اشترى ما لم يره ، ~~فكيف إذا لم يكن البيع صحيحا أصلا . ثم لا نفل له ، لأن التنفيل كان في ضمن ~~البيع ، فيبطل ببطلانه ، بمنزلة الوصية بالمحاباة ، فإنه لما ثبت في ضمن ~~البيع بطل ببطلان البيع بالرد . وعلى هذا لو قال : من ms0510 جاء برمكة بعناها ~~إياه بعشرة ، فهذا والأول سواء ، لأنه وعد البيع هاهنا ، ولكن فيه معنى ~~التنفيل ، فعليه أن يفي به إذا رغب فيه الذي جاء بها . ألا ترى أ ، ه لو ~~قال : وهبناها له ، أو وهبنا له نصفها ، فإنه يلزمه أن يفي لمن جاء بذلك ~~بما وعد له ، إلا أنه لا يصير مالكا لذلك ما لم يجعلها الأمير له ، بخلاف ~~ما لو قال : فهي له ، لأنه إذا قال : فهي له ، فهذا تنفيل منفذ ، فبنفس ~~الإصابة يصير له . PageV03P881 وإذا قال : وهبناها له ، فهذا تنفيل موعود ، ~~فعيه الوفاء بما وعد ، ولكن لا يثبت المال له قبل أن يهبها منه ، حتى لو ~~كانت جارية وأعتقها لم يجز عتقه ، وإن قال : فهي له هبة ، أو فهي عليه صدقة ~~، فذلك لمن جاء بها من غير تمليك جديد من الأمير ، لن ، قوله : فهي له ، ~~تنفيل تام ، وقوله : هبة ، يكون تأكيدا لقوله : فهي له ، فلا يتغير حكمه . ~~وإن قال : من جاء بسيف وهبناه له ، أو بعناه منه بعشرة دراهم ، فجاء رجل ~~بذلك ، ثم رأى الإمام أن لا يسلمه له لشدة حاجة المسلمين إليه ، فلا بأس ~~بأن ينعه منه ، ولكن بشرط أن يعطيه قيمته إذا كان الموعود هبة ، وإذا كان ~~بيعا يعطيه قيمته ، لكن يرفع من ذلك الثمن المشروط عليه ، لأن التمليك ~~موعود هاهنا غير منفذ ، والإمام ناظر للكل ، فإذا رأى بالمسلمين حاجة إلى ~~ذلك ، فلو أعطاه المشروط تضرر به المسلمون ، ولو أعطاه القيمة توفر عليه ~~مقصوده ، وارتفعت حاجة المسلمين من ذلك العين ، فيعتدل النظر من الجانبين ~~بهذا الطريق . وإن لم يكن بالمسلمين حاجة فليسلمه له على ما شرط ، ~~PageV03P882 لأن ذلك الشرط كان على وجه التنفيل منه ، فعليه الوفاء بذلك ، ~~لقوله عليه السلام : ' المسلمون عند شروطهم ' . ولو جمعت الغنائم فقال ~~الأمير : من أخذ جبنة فعليه ثمنها درهم ، ومن أخذ شاة فعليه خمسة دراهم ، ~~ومن أخذ جارية فهي له بمائة درهم ، فأخذ رجل شاة فذبحها وأكلها ، وأخذ آخر ~~جبنة فأكلها ، وأخذ آخر جارية فأعتقها ، فعلى كل واحد قيمة ما ms0511 أخذه ، لأن ~~هذا الكلام من الأمير ليس على وجه التنفيل ، فإن التنفيل بعد الإصابة لا ~~يجوز ، ولكنه على وجه البيع ، وهو فاسد لجهالة المبيع عند العقد ، فكل من ~~أخذ شيئا ولم يستهلكه فللإمام أن يسترده منه ، لفساد البيع ، أو يسلمه له ~~بذلك الثمن بيعا مستقبلا إن رضي به المشتري ، لأنه بأخذه قد تعين ، فيجوز ~~بيعه منه ابتداء ، ولكن ابتداء البيع يعتمد التراضي من الجانبين ، وإن ~~استهلكها فعليه ضمان القيمة ، كما هو الحكم في المشترى شراء فاسدا إذا ~~استهلكه المشتري بعد القبض ، ولهذا نفذ العتق في الجارية لأنه قبضها بحكم ~~بيع فاسد فتملكها ، حتى لو باعها جاز البيع ، وغرم قيمتها ، فكذلك إذا ~~أعتقها . فإن قيل : كيف يضن القيمة وهو لو أكل الجبنة ، أو بح الشاة ، ~~فأكلها قبل هذا كان مباحا له ؟ ولم يكن عليه ضمان في ذلك ، وكذلك لو أتلف ~~الجارية في دار الحرب لم يكن ضامنا شيئا . قلنا : لأن هذا الكلام لم يتأكد ~~حق الغانمين فيها ، فأما بعد هذا القول فقد تأكد حق الغانمين فيها ، لأن ~~البيع الفاسد معتبر بالجائز ، وبيع الإمام الغنائم في دار الحرب بمنزلة ~~الإحراز في تأكد حق الغانمين فيها . # يوضحه أنه قد تملك المأخوذ هاهنا بالأخذ بجهة العقد ، ولهذا لو باعه جاز ~~بيعه فيه ، والتمليك بعقد المعاوضة لا يكون إلا بعوض ، وذلك بالقيمة ، ~~PageV03P883 إذا لم يجب المسمى لفساد البيع . فأما قبل هذا القول فهو لا ~~يتملكه الأخذ حتى لو باء ، لا يجوز بيعه فيه . فإذا أتلفه لم يجب عليه ضمان ~~، لأن الغانمين لم يتأكد قبل الإحراز . # ولو كان الآخذ لم يسمع مقالة الأمير حتى أكل الشاة لم يضمن شيئا ، ولو ~~باعها لم يجز بيعه ، لأنه ما أخذها على وجه البيع حين لم يسمع مقالة الأمير ~~، فكان هو بمنزلة ما لو أخذها قبل مقالة الأمير ، فأما السامع فإنما أخذها ~~على جهة البيع والملك ، وهذا بخلاف ما لو قال قبل إحراز الغنيمة : من جاء ~~بجارية فهي له بيعا بألف درهم ، فجاء رجل بجارية فأعتقها ، لم يجز عنقه ، ~~لأن ms0512 ذلك البيع لم يكن منعقدا أصلا ، لأن البيع بدون المحل لا ينعقد لا ~~جائزا ، ولا فاسدا ، وهاهنا المحل كان موجودا ، لكنه كان مجهولا حين أوجب ~~البيع ، فينعقد البيع بصفة الفساد ، ويثبت الملك بالقبض . ولو قال : من جاء ~~بشاة فهي له بيعا بدرهم ، فجاء رجل بشاة فذبحها وأكلها ، لم يكن عليه فيها ~~ضمان ، لأن البيع لم يكن منعقدا هاهنا ، فكأنه أخذها قبل مقالة الأمير ~~وأكلها ، فلهذا لا يضمن شيئا . PageV03P884 # | أبواب سهمان الخيل والرجالة # وإذا أصاب المسلمون الغنائم فأحرزوها ، وأرادوا قسمتها ، فعلى قولي أبي ~~حنيفة رضي الله عنه : يعطى الفارس سهمين ، سهما له ، وسهما لفرسه ، والراجل ~~سهما . وقال : لا أجعل سهم الرفس أفضل من سهم الرجل المسلم ، وهو قول أهل ~~العراق من أهل الكوفة والبصرة ، لأن تفضيل البهيمة على الآدمي فيما يستحق ~~بطريقة الكرامة لا وجه له ، والاستحقاق باعتبار إرهاب العدو ، وذلك بالرجل ~~أظهر منه بالفرس . ألا ترى أن الفرس لا يقاتل بدون الرجل ، والرجل يقاتل ~~بدون الرفس ؟ وكذلك مؤنة الرجل قد تزداد على مؤنة الفرس ، فالفرس لا يجتري ~~بالحشيش ، وما لا قيمة له ، ومطعوم الآدمي لا يوجد إلا بثمن مع أنه لا ~~يعتبر بالمؤنة ، فإن السهم لا يستحق بالبغل ، والبعير ، والحمار ، وصاحبه ~~يلتزم مؤنة مثل مؤنة الفرس أو أكثر ، وبالفيل لا يستحق السهم ، ومؤنته أكثر ~~من مؤنة الفرس . وبهذا تبين أن استحقاق السهم بالفرس ثابت بخلاف القياس ~~بالنص ، لأن الفرس آلة للخرب ، وبالآلة لا يستحق السهم ، ومجرد حصول إرهاب ~~العدو به لا يوجب استحقاق السهم به كالفيل ، ولكن تركنا القياس PageV03P885 ~~في الفرس بالسنة ، وإنما اتفقت الأخبار على استحقاق سهم واحد بالفرس ، ~~فيترك القياس فيه لكونه متيقنا ، وفيما تعارض فيه الأثر يؤخذ بأصل الرفس . ~~وعلى قول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : للفارس ثلاثة أسهم ، سهم له ، ~~وسهمان لفرسه ، وهو قول أهل الحجاز وأهل والشام . قال محمد : وليس في هذا ~~تفضيل البهيمة على الآدمي ، فإن السهمين لا يعطيان للفرس ، وإنما يعطيان ~~للفارس ، فيكون في هذا تفضيل الفارس على الراجل ، وذلك ثابت بالإجماع ، ثم ms0513 ~~هو يستحق أحد السهمين بالتزام مؤنة فرسه ، والقيام بتعاهده ، والسهم الآخر ~~لقتاله على فرسه ، والسهم الثالث لقتاله ببدنه ، وقال : أرجح القول ، لأنه ~~اجتمع عليه فريقان ، وقد بينا أنه يرجح بهذا في مسائل الكتاب ، وعلل فيه ~~فقال : لأنه أقوى مما تفرد به فريق واحد ، يعني : طمأنينة القلب إلى ما ~~اجتمع عليه فريقان أظهر . وهو نظير ما قال في الاستحقاق إذا أخبر مخبر ~~بنجاسة الماء ، وأخبر اثنان بطهارته ، فإنه يؤخذ بقول الاثنين ، لأن ~~طمأنينة القلب في خبر الاثنين أظهر . ثم بين أن الآثار جاءت صحيحة مشهورة ~~لكل قول ، وروى PageV03P886 الأخبار بالأسانيد في الكتاب ، فالحاجة إلى ~~التوفيق ، والترجيح لكل واحد من الفريقين . فأما أبو حنيفة رحمه الله فقال ~~: أوفق بين الأخبار ، فأحمل ما روى : أنه أعطى الفرس سهمين على أن أحد ~~السهمين للفارس لفرسه ، والآخر كان من الخم لحاجته ، أو كان نفل لذلك قبل ~~الإصابة ، أو المراد بذكر الفرس الفارس لعلمنا أنه إنما أعطى الفارس ، ~~وعليه حمل حديث خبير في قوله : وكانت الرجال ألفا وأربعمائة ، والخيل مائتي ~~فرس . فقال : الماد بالرجال : الرجالة ، وبالخيل : الفرسان ، قال الله ~~تعالى : ' وأجلب بخيلك ورجلك ' . أي : بفرسانك ورجالتك ، ووجه الترجيح أن ~~السهمين للفارس متيقن به لاتفاق الآثار عليه ، وفيما يكون مستحقا بخلاف ~~القياس لا يثبت إلا المتيقن به ، وهما قالا : المثبت للزيادة من الأخبار ~~أولى من النافي . ووجه التوفيق : أن المراد بما يروي أنه أعطى الفارسين ~~سهمين : بيان ما فضل الفارس به على الراجل ، لا بيان جملة ما أعطاه . ثم ~~ذكر حديث قسمة غنائم خبير أنها كانت على ثمانية عشر ، وقال في آخر ذلك ~~الحديث : ولم يكن قسمها النبي ، إنما كانت فوضى ، وكان الذي قسمها وأرفها ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه . PageV03P887 ومعنى قوله : فوضى ، أي متساوية ~~، ومنه اشتقاق المفاوضة ، قال القائل : # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم . . . ولا سراة إذا جهالهم سادوا ومعنى ~~قوله : أرفها عمر بن الخطاب ، أي أخرج القرعة ووضعها على كل سهم . وقال أبو ~~حنيفة رحمه الله : لا سهم للرجل إلا لفرس واحد ms0514 ، وإن حضر بأفراس ، وبه أخذ ~~محمد ، لأنه اجتمع على هذا القول أهل العراق ، وأهل الحجاز ، فأما أهل ~~الشام فيقولون بسهم لفرسين ، ويجعل ما وراء ذلك جنيبة ، وبه أحذ أبو يوسف ~~رحمه الله ، لأن المبارز قد يحتاج إلى فرسين ليقاتل عليهما ، ولا يحتاج إلى ~~أكثر من ذلك ، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا : لا يقاتل عادة إلا على ~~فرس واحد ، فكأن الثاني والثالث غير محتاج إليه عادة . وهذا نظير اختلافهم ~~في نفقة الخادم أيضا ، فإن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله : القاضي ~~لا يفرض النفقة إلا لخادم واحد من خدم المرأة ، وعند أبي يوسف يفرض لها ~~نفقة خادمين ، وقد بينا ذلك في كتاب النكاح من شرح المختصر . ثم جاءت ~~الآثار بما يشهد كل قول على ما رواها في الكتاب بالأسانيد ، والتوفيق ~~والترجيح من كل جانب . PageV03P888 على نحو ما ذكرنا في المسألة الأولى ، ~~وذكر : عن مالك بن عبد الله الخثعمي قال : كنت بالمدينة ، فقام عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه فقال : هل هاهنا من أهل الشام أحد ؟ فقلت : نعم يا أمير ~~المؤمنين ، قال : فإذا أتيت معاوية فأمره إن فتح الله عليه أن يأخذ خمسة ~~أسهم ، ثم يكتب في أحدها الله ، ثم يقرع ، فحيث ما وقع فليأخذه . وفي هذا ~~بيان أنه لا ينبغي للأمير أن يتخير إذا ميز الخمس من الأربعة الأخماس ، ~~ولكنه يميز بالقرعة ، وقد دل عليه بحديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : ~~كانت الغنائم تجزأ خمسة أجزاء ، ثم يسهم عليها ، فما كان للنبي فهو له ، ~~ولا يتخير . فكأن المعنى فيه : أن كل أمير مندوب إلى مراعاة قلوب الرعية ، ~~وإلى ني تهمة الميل ، والأثرة عن نفسه . وذلك إنما يحصل باستعمال القرعة ~~عند القسمة ، ولهذا تستعمل القرعة في قسمة الأربعة الأخماس بين العرفاء ، ~~ثم يستعمل كل عريف القرعة في القسمة بين من القسمة بين من تحت رايته ، ~~فكذلك يستعمل القرعة في تمييز الخمس من الأربعة الأخماس . PageV03P889 ~~والأصل فيه ما روى : ' أن النبي عليه السلام كان إذا أراد سفرا أقرع بين ~~نسائه ms0515 ' ، وقد كان له أن يسافر بمن شاء منهن بغير اقراع ، فإنه لا حق ~~للمرأة في القسم عند سفر الزوج ، ومع هذا كان يقرع تطييبا لقلوبهم ، ونفيا ~~لتهمة الميل عن نفسه ، فكذا ينبغي للأمير أن يفعل في القسمة أيضا . ~~PageV03P890 # # | باب سهمان البراذين # قال علماؤنا رحمهم الله : البرذون في استحقاق السهم كالفرس ، كذا الهجين ~~، والمقرف ، هو قول أهل العراق ، وأهل الحجاز . فالفرس : اسم لفرس العربي ، ~~والبرذون للفرس العجمي . والهجين : ما يكون الفحل عربيا ، والأمر من أفراس ~~العجم . والمقرف على عكس هذا . ثم في استحقاق السهم من الغنيمة ، العربي ~~والعجمي سواء ، فكذلك في الاستحقاق بالخيل ، وهذا لأن الاستحقاق بالخيل ~~لإرهاب العدو به ، قال الله تعالى : ' ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~عدوكم ' ، واسم الخيل يتناول البرذاين على ما روي : أنه سئل سعيد بن المسيب ~~عن صدقة البراذين فقال : أو في الخيل صدقة ؟ ، وقال ابن عباس رضي الله عنه ~~: ' الفرس والبرذون سواء ' PageV03P891 إذا الاستحقاق بالقتال على الفرس ، ~~وأهل العلم بالحرب يقولون : البرذون أفضل في القتال عند اللقاء من الفرس ، ~~فإنه ألين عطفا ، وأشد متابعة لصاحبه على ما يريد ، وأصبر في القتال ، فما ~~يفضلها العراب إلا للطلب والهبر ، ففي كل واحد منهما نوع زيادة فيما هو من ~~أمر القتال ، فيستويان ، إذ الاستحقاق بالتزام مؤنة الفرس ، ومؤنة البرذون ~~لا تكون دون مؤنة الفرس . فأما أهل الشام فيقولون : لا سهم للبرذون إلا أن ~~يكون مقاربا للفرس ، ويستدلون في ذلك بما روي : أن أبا موسى الأشعري كتب ~~إلى عمر رضي الله عنه : أما بعد ، فأنا أصبنا من خيل القوم خيلا دكا عراضا ~~، فما يرى أمير المؤمنين في إسهامها ؟ . فكتب إليه : إن ذلك يسمى البراذين ~~، فانظر ، فما كان منها مقاربا للخيل فأسهمها سهما ، وألغ ما سواها . وهكذا ~~روي عن عمر بن عبد العزيز ، فإنه قال لعامله : فإن كان برذونا رائع الجري ~~والمنظر فأسهم له ، ولا تسهم لما سوى ذلك . وأتى خال بن الوليد رض الله عنه ~~بهجين ، فقال : لئن أستف التراب أحب إلي من أن أقسم له . PageV03P892 وعن ms0516 ~~كلثوم بن الأقمر قال : أغارت الخيل بالشام ، فأدركت العرب من يومها ، ~~وأدركت الكوادن ضحى الغد ، وعليهم المنذر بن أبي حمصة الوادعي ، فقال : لا ~~أجعل ما أدرك سابقا كما لم يدرك ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : هبلت ~~الوادعي أمه ، لقد أذكت به ، أي : أتت به ذكيا . وفي رواية : لقد أذكرته ، ~~أي : أتت به ذكرا ، فأمضوها على ما قال . إلا أنا نقول : هذه الآثار تحمل ~~على ما لا يكون صالحا للقتال مما يعد لحمل الأمتعة عليه دون القتال به . ~~وقد نقل ذلك مفسرا عن عمر بن عبد العزيز قال : ما كان من فرس ضرع ، أو بغل ~~فاجعلوا صاحبه بمنزلة الرجالة . ثم في حديث المنذر ما يدل على أن الإسهام ~~للبراذين كان معروفا بينهم ، فإن عمر تعجب من صنيعه ، وما تعجب إلا أنه لم ~~يكن صنع ذلك قبل هذا ، ثم المنذر كان عاملا فحكم فيما هو مجتهد فيه ، وأمضى ~~عمر حكمه لهذا ، لا لأن رأيه كان موافقا لذلك ، ونحن هكذا نقول : إن الحاكم ~~إذا قضى في المجتهد بشيء ، فليس لمن بعده من الحكام أن يبطل ذلك . ثم قال ~~بعض أهل الشام : يسهم للبرذون سهما لفرس سهمين . وهكذا ذكر قبل ذلك مفسرا ~~في حديث المنذر . PageV03P893 وقال بعضهم : لا يسهم للبرذون أصلا . كما ~~ذكره في حديث خال بن الوليد . وقال : صاحب البرذزن بمنزلة صاحب الحمار ~~والبغلة . وذكر عن عمر رضي الله عنه قال : إذا جاوز الفرس الدرب ، ثم نفق ~~أسهم له . وبه أخذ علماؤنا فقالوا : معنى إرهاب العدو يحصل بمجاوزة الدرب ~~فارسا ، فإن الواوين إنما تدون ، والأسامي إنما تكتب عند مجاوزة الدرب ، ثم ~~ينتشر الخبر في دار الحرب بأنه جاوز كذا كذا راجل ، فلحول معنى الإرهاب به ~~يستحق السهم . ولا يعارض هذا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : الغنيمة ~~لمن يشهد الوقعة ، لأن عندنا من نفق فرسه بعد مجاوزة الدب فإنما يأخذ ~~الغنيمة إذا شهد الوقعة . على أن دخول دار الحرب فارسا بمنزلة شهود الوقعة ~~فارسا ، ولذلك جعلنا للمدد شركة مع ms0517 الجيش في المصاب ، وإن لم يشهدوا الوقعة ~~. وهذا لأن إعزاز الدين يحصل بدخول دار الحرب على قصد الجهاد ، قال علي رضي ~~الله عنه : ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا . PageV03P894 ولا يسهم عندنا ~~لصبي ولا لامرأة ولا لعبدة ولا لذمي وإنما يسهم للمقاتلة من أحرار المسلمين ~~، قاتلوا أو لم يقاتلوا ويرضخ لمن سواهم إذا قاتلوا ، وللنساء إذا خرجن ~~لمداواة الجرحى ، والطبخ ، والخبز للغزاة . وأهل الشام يقولون : يسهم ~~للمرأة ، والصبي ، والعبد ، واستدلوا فيه بحديث مكحول : ' أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسهم يوم حنين للنساء والصبيان ' . وفي صحة هذا الخبر نظر . ~~والمشهور أن القسمة يومئذ كانت على ألف وثمانمائة سهم ، فكان الرجال ألفا ~~وأربعمائة ، والخيل مائتي فرس ، ولم يذكر في ذلك امرأة ، ولا صبي ، ولو ~~كانوا لكان ينبغي أن يقال : كانت الرجال كذا كذا ، والصبيان كذا ، والنساء ~~كذا ، لاستحالة أن يقال : ذكرت الخيل ولم تذكر النساء والصبيان ، والدليل ~~على ضعف الحديث ما اشتهر من قول الكبار من الصحابة ، فإن عمر رضي الله عنه ~~كان يقول : ليس للعبد في المغنم نصيب . وقال ابن عباس : لا يسهم للنساء ، ~~ولكن يخدين من الغنائم ، أي : يعطي لهن رضخا . هكذا رواه سعيد بن المسيب عن ~~رسول الله عليه السلام . وروى أبو هريرة رضي الله عنه : ' أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان لا يسهم للعبيد والصبيان ' . PageV03P895 وعن فضالة بن ~~عبيد قال : ' كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسهم للمملوكين ' . وروي ~~: أن شقران - غلام النبي عليه السلام - شهد بدرا معه ، فلم يسهم له ، ~~واستعمله على الأسارى ، حتى كان حظه كحظ رجل من الثمانية من بني هاشم ، ~~وسماهم في الكتاب . وعن عمير - ولى أبي اللحم - قال : شهدت خبير وأنا مملوك ~~، فلم يسهم لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعطاني من خرثي المتاع . ~~فبهذا يتبين أن المراد بالحديث أنه رضخ لهؤلاء يوم خبير ، وبه نقول : إنه ~~يرضخ لهم ، وهذا لأنهم اتباع ، ولا يسوى بين التبع والمتبوع في الاستحقاق ، ~~بخلاف الخيل ، فإنه لا يستحق ms0518 شيئا ، وإنما المستحق صاحبه ، فلا يتحقق فيه ~~معنى المساواة بين التبع والمتبوع . وكذلك أهل الذمة أتباع ، فإن فعلهم لا ~~يكون جهادا ، فيرضخ لهم ولا يسهم ، إلا أن عطاء كان يقول : إن خرج الإمام ~~بهم كرها فلهم أجر مثلهم . وابن سيرين كان يقول : يضع عنهم الجزية ، ~~ومرادهم من ذلك بيان الرضخ ، أنه يكون بحسب العناء والقتال . وكان الزهري ~~يقول : يسهم لهم كما يسهم للمسلمين . وروي : ' أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غزا بأناس من اليهود ، فجعل لهم سهمانا مثل سهمان المسلمين ' . ولأجل ~~هذا الاختلاف قال محمد رحمه الله : PageV03P896 ولو أن واليا جعل لهؤلاء ~~السهم كما للمسلمين نفذ حكمه ، حتى لو رفع إلى وآل آخر يرى خلافة فعليه أن ~~يمضي ذلك الحكم وليس له أن يبطله ، لأنه أمضى الحكم في فصل مجتهد به والحكم ~~في المجتهدات نافذ بالإجماع ففي إبطاله مخالفة الإجماع وذلك لا يجوز . ولا ~~يسهم للأجير الذي يستأجره غاز فيخدمه أنه أخذ على خروجه مالا فلا يستوجب ~~لهذا الخروج شيئا من الغنيمة . ، ولم يذكر في ذلك امرأة ، ولا صبي ، ولو ~~كانوا لكان ينبغي أن يقال : كانت الرجال كذا كذا ، والصبيان كذا ، والنساء ~~كذا ، لاستحالة أن يقال : ذكرت الخيل ولم تذكر النساء والصبيان ، والدليل ~~على ضعف الحديث ما اشتهر من قول الكبار من الصحابة ، فإن عمر رضي الله عنه ~~كان يقول : ليس للعبد في المغنم نصيب . وقال ابن عباس : لا يسهم للنساء ، ~~ولكن يخدين من الغنائم ، أي : يعطي لهن رضخا . هكذا رواه سعيد بن المسيب عن ~~رسول الله عليه السلام . وروى أبو هريرة رضي الله عنه : ' أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان لا يسهم للعبيد والصبيان ' . وعن فضالة بن عبيد قال : ' ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسهم للمملوكين ' . وروي : أن شقران - ~~غلام النبي عليه السلام - شهد بدرا معه ، فلم يسهم له ، واستعمله على ~~الأسارى ، حتى كان حظه كحظ رجل من الثمانية من بني هاشم ، وسماهم في الكتاب ~~. وعن عمير - ولى أبي اللحم - قال : شهدت خبير ms0519 وأنا مملوك ، فلم يسهم لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعطاني من خرثي المتاع . فبهذا يتبين أن ~~المراد بالحديث أنه رضخ لهؤلاء يوم خبير ، وبه نقول : إنه يرضخ لهم ، وهذا ~~لأنهم اتباع ، ولا يسوى بين التبع والمتبوع في الاستحقاق ، بخلاف الخيل ، ~~فإنه لا يستحق شيئا ، وإنما المستحق صاحبه ، فلا يتحقق فيه معنى المساواة ~~بين التبع والمتبوع . وكذلك أهل الذمة أتباع ، فإن فعلهم لا يكون جهادا ، ~~فيرضخ لهم ولا يسهم ، إلا أن عطاء كان يقول : إن خرج الإمام بهم كرها فلهم ~~أجر مثلهم . وابن سيرين كان يقول : يضع عنهم الجزية ، ومرادهم من ذلك بيان ~~الرضخ ، أنه يكون بحسب العناء والقتال . وكان الزهري يقول : يسهم لهم كما ~~يسهم للمسلمين . وروي : ' أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا بأناس من ~~اليهود ، فجعل لهم سهمانا مثل سهمان المسلمين ' . ولأجل هذا الاختلاف قال ~~محمد رحمه الله : ولو أن واليا جعل لهؤلاء السهم كما للمسلمين نفذ حكمه ، ~~حتى لو رفع إلى وآل آخر يرى خلافة فعليه أن يمضي ذلك الحكم وليس له أن ~~يبطله ، لأنه أمضى الحكم في فصل مجتهد به والحكم في المجتهدات نافذ ~~بالإجماع ففي إبطاله مخالفة الإجماع وذلك لا يجوز . ولا يسهم للأجير الذي ~~يستأجره غاز فيخدمه أنه أخذ على خروجه مالا فلا يستوجب لهذا الخروج شيئا من ~~الغنيمة . والأصل فيه ما روى أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - استأجر ~~أجيرا بثلاثة دنانير ، فلما طلب سهمه من الغنيمة قال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' هذه الدنانير حظك في الدنيا والآخرة ' وعن عكرمة أن أجيرا ~~كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فلم يسهم له شيئا ، وقد روي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه يسهم للأجير . وتأويل هذا أنه إذا قاتل ~~وترك العمل الذي استأجره فإنه لا يستحق الأجر في ذلك الوقت ، فيستحق السهم ~~، وإذا لم يفعل ذلك فهو يستحق الأجر ، فلا يستحق السهم ، وحاله كحال التاجر ~~في العسكر : إن قاتل استحق السهم وإن لم ms0520 يقاتل لا يستحق السهم . والله أعلم ~~. PageV03P897 # | باب سهمان الخيل في دار الحرب # قد بينا أن من نفق فرسه بهد مجاوزة الدرب فهو يستحق سهم الفرسان . قال : ~~ألا ترى أنه لو عقر فرسه في القتال أو قتل أو قتل استحق سهم الفرسان . وإن ~~كانت إصابة الغنائم بعد ذلك في حال ما كان هو راجلا . كذلك لو أخذ العدو ~~فرسه وأحرزوه . إذ لو قلنا يحرم سهم الفرس بهذا امتنع الناس من القتال على ~~الخيل مخافة أن تبطل سهامهم بها . وإنما ينبغي للإمام أن يفعل ما فيه زيادة ~~تحريض للمسلمين . ثم الاستحقاق بالتزام مؤنة الفرس في دار الحرب على قصد ~~القتال لا بمباشرة القتال فارسا . ألا ترى أن قتالهم لو كانت في المغائض أو ~~على أبواب الحصون أو في السفن ، فإن من كان فارسا منهم استحق سهم الفرسان ؟ ~~. وقد PageV03P898 أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين للفرسان ~~وكانت حصونا افتتحوها بالقتال رجالة . فعرفنا أن المعتبر التزام مؤنة الفرس ~~في دار الحرب لا القتال عليه . ولو ضن بفرسه فربطه في المعسكر على آري ~~فقاتل راجلا استحق سهم الفرسان . فإذا أصيب فرسه في القتال لأن يستحق سهم ~~الرجالة . وفي رواية ابن المبارك - رحمه الله - يستحق سهم الفرسان ، لأنه ~~التزم مؤنة الفرس في دار الحرب للقتال عليه ، ولأن مجاوزة الدرب بمنزلة ~~القتال حكما . فإذا كان يستحق به سهم الفرسان فلأن يستحق بحقيقة القتال ~~فارسا كان أولى . # ووجه ظاهر الرواية أن انعقاد سبب الاستحقاق يكون مجاوزة الدرب ، وقد ~~انعقد له سبب استحقاق سهم الراجل ، فلا يتغير بعد ذلك . وهذا لأنه يشق على ~~الإمام مراعاة حال كل واحد من الغزاة في كل وقت ، فيجب اعتبار حال مجاوزة ~~الدرب تيسيرا ، لأن العادة أن عرض الجيش عند ذلك يكون في حال الدخول ~~والخروج . فمن أثبت فارسا في الديوان PageV03P899 عند ذلك يستحق سهم ~~الفرسان وإن تغير حاله . ومن أثبت في ديوان الرجالة لا يستحق إلا سهم راجل ~~وإن تغير حاله . فإن دخل بفرس لا يستطيع القتال عليه ، لضعف كبر ms0521 ، أو مهر ~~لم يركب ، لم يضرب له بسهم فارس ، لأن ما دخل به ليس بصالح للقتال عليه ، ~~فعرفنا أنه دخل راجلا ، وحاله دون حال من دخل ببغله أو حمار أو بعير ، وقد ~~بينا أنه أن لا يسهم له إلا سهم راجل . فإن كان الفرس مريضا لا يستطاع ~~القتال عليه حين قتل به فلم يغنم المسلمون غنيمة حتى صح الفرس ، ففي القياس ~~لهم سهم راجل ، لأنه عند مجاوزة الدرب لم يكن معه فرس صالح للقتال عليه ، ~~وإنما صار بعد ذلك حين صح فيجعل كما لو اشترى فرسا في هذه الحالة ، أو دخل ~~بمهر ثم طال مقامهم حتى صار بحال يركب . ولكنه استحسن فقال : يضرب لهم بسهم ~~فارس في كل غنيمة أصابوها قبل برئه أو بعد برئه ، لأنه ما دخل بهذا الفرس ~~إلا للقتال عليه ، وما التزم مؤنته إلا لذلك فإنه كان صالحا للقتال عليه ~~إلا أنه تعذر ذلك بعارض على شرف الزوال ، فإذا زال صار كأن لم يكن بخلاف ~~المهر فإنه ما كان صالحا للقتال عليه ، PageV03P900 وإنما صار صالحا لذلك ~~ابتداء في دار الحرب ، فيكون حاله كحال من اشترى فرسا في دار الحرب . والذي ~~يوضح هذا الفرق أن الصغيرة لا تستوجب النفقة على زوجها ، لأنها لا تصلح ~~لخدمة الزوج ، والمريضة التي لا يجامع مثلها لا تستوجب النفقة عليه ، لأنها ~~كانت صالحة لخدمته ، وإنما تعذر ذلك بعارض على شرف الزوال . فكذلك الفرس ~~إذا ضلع أو مرض عند مجاوزة الدرب ، بخلاف ما إذا كان ضعفه لكبر ، فإن ذلك ~~ليس على شرف الزوال . ولو أن مسلما دخل دار الحرب فارسا فقتل فرسه وأخذ ~~أسيرا قبل أن تصاب الغنائم ، ثم أصاب الجيش الغنائم فلم يخرجوها حتى انفلت ~~فلحق بهم ، فله سهم الفرسان ، PageV03P901 لأنه انعقد له بسبب استحقاق معهم ~~عند مجاوزة الدرب ، وشاركهم في إحراز الغنائم بدار الإسلام فيجعل في الحكم ~~. كأنه لم يفارقهم ، لأنه ابتلى بمفارقتهم بعارض على شرف الزوال فإذا زال ~~صار كأن لم يكن . ولو كان خرج ذلك الجيش ودخل جيش آخر فانفلت ms0522 إليهم راجلا ، ~~ثم أصابوا غنائم بد ما لحق بهم ، فله في ذلك سهم راجل ، ولا يشركهم فيما ~~أصابوا قبل أن يلتحق بهم ، لأنهما انعقد له سبب الاستحقاق معهم ، وقد تم ~~ذلك السبب الذي انعقد له بخروج ذلك الجيش إلى دار الإسلام ، ولم يكن هو ~~معهم ، فبطب ذلك الاستحقاق ، ثم قد انعقد له باللحوق بالجيش الثاني سبب ~~الاستحقاق الآن ابتداء ، فيعتبر حاله في هذا الوقت . فإن لحق بهم راجلا ~~استحق سهم الرجالة ، وإن لحق فارسا استحق سهم الفرسان ، بمنزلة من أسام في ~~دار الحرب والتحق بالجيش ، أو كان تاجرا مستأمنا في دار الحرب فالتحق ~~بالجيش ، ولهذا لا شركة له فيما أصيب قبل ذلك ، لأن سبب لاستحقاق ما كان ~~منعقدا له حين أصيب ذلك . إلا أن يبتلي المسلمون بقتال فيقاتل معهم عند بك ~~فحينئذ يستحق الشركة فيهم بسهم راجل إن التحق بهم راجلا ، وبسهم فارس إن ~~التحق بهم فارسا على فرس اشتراه من أهل الحرب أو وهبوه له ، لأن ذلك الفرس ~~له على الخلوص فيكون به فارسا . وإن كان أخذ ذلك الفرس من أهل الحرب بغير ~~طيب أنفسهم فهو راجل ، وذلك الفرس يكون نيئا ، لأنه أحرزه بمنعة الجيش ، ~~فكان من جملة الغنيمة ، ويشاركه فيه الجيش ، وهو لا يكون فارسا بفرس هو من ~~الغنيمة . PageV03P902 ألا ترى أنه لا يكون له أن يقاتل على ذلك الفرس ؟ . ~~ولو كان ارتد ولحق بالعدو ، ثم أسلم ولحق بالعسكر ، فهو بمنزلة الأسير ~~والذي أسلم في دار الحرب في جميع ما ذكرنا . فإن لم يتنبهوا إلى العسكر حتى ~~نفقت خيولهم فهم رجالة ، لأن حالة اللحوق بالعسكر في حقهم بمنزلة مجاوزة ~~الدرب في حق من دخل دار الإسلام . إلا أن يكونوا قد قربوا من العسكر بحيث ~~يكون العسكر رداءا لهم بغيثونهم إن طلبوا الغياث ، ثم نفق الفرس فحينئذ ~~يستحقون سهم الفرسان ، لأنهم وصلوا إلى العسكر فرسانا ، فكأنهم خالطوهم ، ~~ثم نفقت أفراسهم بعد ذلك . ولو دخل مسلم دار الحرب بأمر الإمام فارسا على ~~إثر العسكر ، فنق فرسه ثم أدركهم راجلا ، يضرب ms0523 له بسهم فارس ، لأنه دخل دار ~~غازيا على فرس ، فذلك بمنزلة لحوقه الجيش في استحقاق أصل الشركة ، على ما ~~بينا أن المدد بمنزلة من شهد الوقعة في استحقاق السهم ، فكذلك في صفة ~~الاستحقاق وهذا مدد حين دخل بإذن الإمام . PageV03P903 فإن كان الإمام نهى ~~الناس لأن يدخلوا بعد العسكر والمسألة بحالها فإنما ينظر الآن إلى حاله يوم ~~لحوقهم ، لأنه دخل لصا مغيرا ، وما دخل غازيا حين دخل بغير إذن الإمام . ~~ألا ترى أنه لو أصاب وحده شيئا لم يخمس ذلك ، بخلاف من دخل بإذن الإمام ، ~~وأن هذا لا يشارك الجيش فيما أصابوه قبل أن تلتحق ، بخلاف الأول ، فيكون ~~حال هذا كحال الأسير . . والذي أسلم في دار الحرب ، في أنه يعتبر حاله وقت ~~اللحوق لأنه صار غازيا حينئذ . ولو أن التجار في عسكر من المسلمين أو من ~~أهل الذمة كانوا فرسانا فقاتلوا مع المسلمين فإنما ينظر إلى حالهم حين ~~قاتلوا ، لأن سبب الاستحقاق ينعقد لهم ابتداء في هذا الوقت ، فإنهم كانوا ~~تجار قبل هذا لا غزاة . فمن كان من المسلمين في هذه الحالة فارسا استحق سهم ~~الفرسان ، ومن كان من أهل الذمة فارسا استحق الرضخ بحسب ذلك ، ومن كان منهم ~~راجلا استحق الرضخ بحسب ذلك ، ولو أسلموا ثم قاتلوا معهم فإنما يعتبر حالهم ~~في صفة استحقاق السهم حين قاتلوا معهم ، لأن حالهم كحال الأسراء والذين ~~أسلموا من أهل الحرب من حيث أن سبب الاستحقاق ينعقد لهم الآن . # ولو لحقوا بالعسكر وهم على يدنهم ، فجعلوا يقاتلون PageV03P904 معهم ، ثم ~~أسلموا ، فمن كان منهم فارسا حين لحقوا بالمسلمين فله سهم الفرسان ، ومن ~~كان منهم راجلا فله سهم الرجالة . وكذلك لو دخلوا من دار الإسلام مع الجيش ~~للقتال فرسانا أو رجالة ، ثم أسلموا قبل إصابة الغنائم أو بعدها ، فمن كان ~~منهم راجلا حين دخل استحق سهم الرجالة ، ومن كان منهم فارسا استحق سهم ~~الفرسان . وقد طعنوا في هذين الفصلين وقالوا : قبل الإسلام ما انعقد لهم ~~سبب استحقاق السهم ، لأنهم ليسوا بأهل لذلك ، وانعقاد السبب بدون أهلية ms0524 ~~المستحق لا يكون ، فينبغي أن يعتبر حالهم بعد الإسلام لا حال مجاوزة الدرب ~~وحال اللحوق بالجيش إذا كانوا في دار الحرب . ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ، ~~لأنهم من أهل أن يستحقوا شيئا من الغنيمة . ألا ترى أن قبل الإسلام يستحقون ~~الرضخ ، وذلك شيء من الغنيمة . فيه يتبين انعقاد سبب الاستحقاق لهم عند ~~اللحوق بالجيش أو مجاوزة الدرب على قصد القتال ، ثم إذا أسلموا قبل تمام ~~الاستحقاق بإحراز الغنائم بدار الإسلام ، يجعل بمنزلة ما لو كانوا مسلمين ~~عند ابتداء السبب في صفة الاستحقاق ، لأن الصفة تتبع الأصل فيبتنى عليه . ~~وعلى هذا لو دخلوا مددا للجيش بإذن الإمام ثم اسلموا قبل أن يلحقوا الجيش ~~أو بعد ما لحقوهم ، قبل الإحراز . ولو أن عبدا دخل دار الحرب مع مولاه ~~فارسا يريد القتال بإذن مولاه ، فغنموا غنائم ، ثم أعتقه مولاه ، ووهب له ~~ذلك PageV03P905 الفرس ، فغنموا غنائم بعد ذلك فإنه يرضخ لمولاه مما غنم ~~المسلمون قبل أن يعتق العبد ، ولا يبلغ بذلك الرضخ سهم فارس ولا بأس بأن ~~يزاد على سهم الراجل ، لأن العبد في حكم الرضخ كالذمي ، ولا يبلغ برضخ ~~الذمي إذا كان فارسا سهم فارس من المسلمين . لأنه لا يوجد من أهل الذمة ~~مقاتل إلا وفي المسلمين من هو أقوى منه ، فكذلك حال العبد إلا أنهما ~~يفترقان من حيث إن المستحق للعبد وهو الرضخ ، ولا يتغير بعتقه فيما أصيب ~~قبل ذلك ، والمستحق للذمي يتغير حين يستحق السهم في جميع ذلك . لأن بإسلام ~~الذمي لا يتبدل المستحق ، فهو المستحق للسهم والرضخ جميعا ، فيمكن أن يجعل ~~إسلامه كالموجود عند ابتداء السبب . ويعتق العبد يتبدل المستحق ، لأن الرضخ ~~يكون لمولاه مستحقا بالعبد ، كما يكون السهم مستحقا له بالفرس ، وبعد العتق ~~الاستحقاق للعبد ، فلا يمكن أن يجعل العتق كالموجود عند ابتداء السبب ، لأن ~~ذلك يبطل استحقاق المولى أصلا ، ولهذا المعنى قلنا يبقى حكم الرضخ فيما ~~أصيب قبل عته ، وفيما يصاب بعد العتق يكون للعبد سهم الفرسان ، لأنه كان ~~فارسا عند انعقاد أصل السبب ، وإن كان الفرس ms0525 لغيره ، بمنزلة من دخل فارسا ~~على فرسه عارية ، أو هو بعد العتق حين وهب له المولى الفرس ، بمنزلة من ~~التحق بالعسكر فارسا من أسير أو تاجر فيستحق سهم الفرسان . قال : وكذلك ~~الذمي والمكاتب يدخلان فارسن ، ثم يصيب المسلمون غنائم ، ثم يعتق المكاتب ~~ويسلم الذمي ، ثم يصيبون غنائم بعد ذلك ، فإنه يرضخ لهما في الغنيمة الأولى ~~رضخ فارسين ويعطيان بعد العتق والإسلام سهمين فارسين . PageV03P906 وهذا ~~الجواب غير صحيح في الذمي ، فقد أجاب قبل هذا أن له السهم في جميع ذلك . ~~وهذا مخالف لذلك ، وهو تناقض بين ، وإنما يقع مثل هذا الغلط من المكاتب ، ~~والصحيح في حق الذمي الجواب الأول لما بينا من المعنى . فأما في حق المكاتب ~~: فمنهم من يقول : الجواب أيضا غير صحيح ، لأن المكاتب هو المستحق لكسبه ~~دون مولاه ، فبعتقه لا يتبدل المستحق بل يكون حاله كحال الذمي وقد نص عليه ~~بعد هذا في الباب في الموضعين بخلاف العبد . ومنهم من يقول : بل هو صحيح ، ~~لأن كسب المكاتب دائر بينه وبين مولاه ، لكل واحد منهما فيه حق الملك . ألا ~~ترى أنه ينقلب حقيقة ملك المولى عجز المكاتب فيثبت معنى تبدل المستحق بعتقه ~~من هذا الوجه ؟ فلهذا يعتبر الرضخ فيما كان قبل العتق وأما بعد العتق فله ~~سهم الفارس ، فلا يكون فرسه دون الفرس المستعار . ولو جعل راجلا بعد العتق ~~أدى إلى أن يكون استحقاقه بعد العتق دون استحقاقه قبله ، لأن رضخ الفارس قد ~~يزداد على سهم الراجل ، ومعلوم أن العتق يزيده خيرا لا شرا ، فعرفنا أن ~~يستحق سهم الفارس بعد العتق . ولو كان العبد غير مأذون في القتال ، وإنما ~~دخل للخدمة مع مولاه فقاتل ، فلا شيء له في القياس ، لأنه ليس من أهل ~~القتال ، وإنما يصير أهلا له عند إذا المولى فيكون حال كحال الحربي ~~المستأمن إن قاتل بإذن الإمام استحق الرضخ ، وإلا فلا . PageV03P907 وفي ~~الاستحسان يرضخ له ، لأنه غير محجوز عن الاكتساب ، وعما يتمحص منفعته ، ~~واستحقاق الرضخ بهذه الصفة . فيكون هو كالمأذون فيه من جهة المولى دلالة . ~~وهو ms0526 نظير القياس والاستحسان في العبد المحجوز إذا أجر نفسه وسلم من العمل ، ~~ثم بين أن المكاتب لا ينبغي له أن يغزو إلا بإذن مولاه كالقن ، لأنه في ~~الغزو يعرض نفسه للخطر ، وهو مملوك للمولى ، فلا يجوز له أن يخاطر بنفسه ~~بغير إذنه كالعبد ، بخلاف الخروج للتجارة إلى دار الحرب ، فإن ذلك من باب ~~الاكتساب ، فيلتحق هو بالحر . وإن شرط عليه مولاه في الكتابة أن لا يخرج ~~إلى دار الحرب فإن شرطه لغو . وقد بيناه في كتاب المكاتب . فإن قاتل بغير ~~إذن مولاه وأبلى بلاء ، فإنه يرضخ له على قدر بلائه ، إن كان فارسا أو ~~راجلا ، لأن فعله هذا كان اكتسابا للمال ، وعند الكتابة يطلق ذلك له ، فإذا ~~ثبت في حق المكاتب فهو كذلك في حق العبد إذا قاتل بغير إذن مولاه . ولو أن ~~عبدا دخل دار الحرب مع مولاه فأعتقه ووهب له فرسا ، ثم لحق بالجند فإنما ~~يعتبر حاله حين لحق بهم . فإن كان فارسا فله سهم الفرسان ، وإن كان راجلا ~~فله سهو الرجالة فيما يصيبون بعدما يلحق بهم ، ولا شركة له فيما أصابوا قبل ~~ذلك إلا أن يقاتل معهم ، PageV03P908 لأن سبب الاستحقاق ما انعقد له حين ~~دخل لا على قصد القتال ، وإنما ينعقد له السبب حين يلتحق بالجيش ، فيكون ~~حاله كحال التاجر والذي أسلم في دار الحرب . ول كان مكاتبا حين دخل فأعتقه ~~المولى ، أو أدى بدل الكتابة قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام ، فإنما ينظر ~~إلى حاله ين دخل ، فإن كان فارسا استحق سهم الفرسان فيما أصابوا قبل عتقه ~~وبعده ، لأن دخوله كان على قصد القتال ، سواء أذن له المولى في الغزو أو لم ~~يأذن . إذ لا خدمة للمولى عليه . وقصده إلى القتال يكون معتبرا في حقه ، ~~فانعقد له السبب بالدخول ، وقد كمل حاله قبل تمام الإحراز ، فيلتحق بما لو ~~كان كامل الحال عند الدخول . وبهذا تبين أن ما ذكر من الجواب قبل هذا في ~~المكاتب غلط من المكاتب . فإن لم يعتق حتى قسمت الغنائم أو بيعت ، فليس ms0527 له ~~في تلك الغنائم إلا الرضخ ، لأن الحق تأكد فيها قبل كماله لحاله ، فإن ~~القسمة والبيع وقد تأكد الحق في الغنيمة كالإحراز . ولهذا ينقطع بها شركة ~~المدد . فيكون هذا وما لو عنق بعد الإحراز بدار الإسلام سواء ، والرضخ ~~الواجب يكون له لأنه كسب المكاتب ، فيسلم له بعد العتق . وإن خاصمه مولاه ~~في دار الحرب في المكاتبة يفسخ القاضي الكتابة ، لأنه أخل ببعض النجوم . ~~PageV03P909 وفي القياس لا يستحق شيئا إن كان دخل بغير إذن مولاه ، لأن ~~الكتابة لما انفسخت صارت كأن لم تكن ، وكأنه حاله كحال العبد الداخل بغير ~~إذن مولاه على قصد القتال وقد بينا أن هناك في القياس لا يستحق الرضخ ، وفي ~~الاستحسان يستحق ، ويكون ذلك لمولاه فهذا مثله . ولو مات عاجزا أو عن وفاء ~~. فإن كان ذلك قبل قسمة الغنائم أو الإخراج ، لم يكن له ولا لمولاه من ذلك ~~شيء ، وإن أديت كتابته ، لأن استحقاق الرضخ لا يكون أقوى من استحقاق السهم ~~، وموت الغازي قبل الإحراز والقسمة يبطل سهمه من الغنيمة ، فموت المكاتب ~~أولى . وإن كان ذلك بعد القسمة أو البيع والإخراج فله نصيبه منها ، كما لو ~~مات الحر في هذه الحالة ، إلا أنه إذا مات عاجزا كان ذلك لمولاه ، إلا أن ~~يمون فيه وفاء بالمكاتبة ، فيقبضه المولى من مكاتبه ويحكم بحريته . وإن كان ~~مات عن وفاء فذلك لورثته . فإن قيل : عتقه يستند إلى حال حياته ، فعلى هذا ~~ينبغي أن يستحق السهم . بمنزلة ما لو عتق قبل الإحراز في حياته . قلنا : ~~على إحدى الطريقتين لا يستند عتقه ، وإنما يجعل هو حيا حكما إلى وقت أداء ~~بدل الكتابة ، وعلى الطريق الأخرى ، هذا الإسناد لأجل PageV03P910 الضرورة ~~. فلا يظهر فيما وراء ما تحققت فيه الضرورة وهو حكم الكتابة ، فأما استحقاق ~~السهم فليس من ذلك في شيء . ولو كان عبدا مأذونا له في القتال أو غير مأذون ~~، فمات قبل الإحراز والقسمة فلا شيء لمولاه من ذلك ، اعتبار بموت من له سهم ~~. فإن قيل : استحقاق الرضخ هاهنا للمولى بسبب عبده كاستحقاق السهم للفارس ms0528 ~~بفرسه ، ثم بموت الفرس في دار الحب لا يبطل سهم الفارس فكذلك بموت العبد ~~ينبغي أن لا يبطل ح المولى في الرضخ . قلنا : لا كذلك ولكن الاستحقاق للعبد ~~هاهنا ، ثم يخلفه المولىفي ملك المستحق كما يخلفه في سائر أكسابه ، وهذا ~~لأن العبد آدمي مخاطب ، وهو من أهل أن ينعقد له سبب الاستحقاق على أن يخلفه ~~مولاه في ملك المستحق . أترى أنه لو مات العبد بعد مجاوزة الدرب قبل القتال ~~لم يستحق مولاه الرضخ ؟ بخلاف الفرس ، وإن كان موته بعد الإحراز والقسمة ~~فرضخه يكون لمولاه ، لأن سبب استحقاقه قد تأكد ، فلا يبطل بموته ، ولكن ~~يخلفه مولاه فيه كما يخلف الوارث المورث . وإن باعه مولاه قبل الإحراز فإنه ~~لا يبطل رضخه ، لأنه لم يخرج من أن يكون أهلا للاستحقاق ، وإن تحول الملك ~~فيه من شخص إلى شخص فيكون رضخه لمولاه الأول . أما إذا باعه بعد الإحراز ~~فظاهر ، وأما قبل فلأن سب الاستحقاق انعقد له في ملك المولى الأول ، ويثبت ~~أصل الاستحقاق بالإصابة ، فلا يبطل حق المولى فيه يبيعه كما في سائر أكسابه ~~. ألا ترى أن المأذون إذا اشترى شيئا بشرط الخيار ، ثم باعه مولاه فإن ~~المشتري يكون للبائع دون المشتري . PageV03P911 فإن غنموا غنيمة أخرى بعدما ~~باعه مولاه فنصيبه من الغنيمة الثانية للمشتري ، لأن الاستحقاق إنما يثبت ~~له عند الإصابة ، وعند ذلك هو ملك المشتري فيخلفه المشتري في الملك المستحق ~~. ولو كان حرا دل دار الحرب عاقلا ثم صار معتوها قبل الإحراز ، فإنه لا ~~يمنع نصيبه من الغنيمة ، لأنه أحرزت وهو حي من أهل الاستحقاق ، وإن كان ~~معتوها ، بخلاف ما إذا مات قبلا قبل الإحراز . ولو لم يصر معتوها ولكنه ~~ارتد وخرج مع المسلمين ، فإن أبي أن يسلم حتى قتل ، فإن نصيبه لورثته ~~المسلمين ، يرضخ له من ذلك رضخا كما يصنع بالذمي ، لأن المرتد بمنزلة ~~الكافر الأصلي ، وإنما أحرزت الغنائم وهو أهل لاستحقاق الرضخ دون السهم ~~لكونه من أهل دارنا . قال : وهذا يدلك على أن الذمي إذا سلم ، أو عتق ~~المكاتب قبل إحراز ms0529 الغنائم أنه يضرب لهما بسهم كامل ، لأنه إنما ينظر إلى ~~حالهما يوم تحرز الغنائم بالدار أو تقسم أو تباع وبهاذ تبين أيضا أن جوابه ~~الأول في الذمي والمكاتب جميعا غلط كمل بينا . PageV03P912 ولو لحق بدار ~~الحرب مرتدا بعد إصابة الغنيمة ثم رجع مسلما قبل الإحراز أو بعده فليس له ~~من ذلك شيء ، لأنه التحق بحربي الأصل ، والحربي إذا أسلم ولحق بالجيش بعد ~~الإحراز أو قبله ولكن لم يلقوا قتالا بعد ذلك ، لم يكن له شركة في المصاب ، ~~فالمرتد مثله ، وكيف يستحق الشركة في غنائم المسلمين وقد صار بحال لو أصيب ~~ماله كان فيئا ، ولو أخذ من الغنيمة شيئا فأحرزه ثم أسلم كان له . فعرفنا ~~أنه صار كحربي الأصل . ولو لم يلتحق بدار الحرب بعد الردة حتى أحرزت ~~الغنائم أو قسمت أو بيعت فنصيبه منها ميراث لورثته ، لأن حقه قد تأكد فيها ~~، فهو كسائر أمواله ، ولحاقه في هذه الحالة بدار الحرب مرتدا كموته . ولو ~~لم يرتد ولكن المشركين أسروه قبل الإحراز ولم يقتلوه فإنه ينبغي للمسلمين ~~أن يعزلوا نصيبه فيما غنموا قبل أن يؤسر ، لأن حقه ثبت فيه ، وبالأسر لم ~~يخرج من أن يكون أهلا لتقرر حقه بالإحراز . ولا شيء له فيما غنموا بعد ما ~~أسر ، لأن المأسور في يد أهل الحرب ر يكون مع الجيش حقيقة ولا حكما . فهو ~~لم يشاركهم في إصابة هذا ولا في إحرازه بالدار . PageV03P913 فإن لم يدر ما ~~فعلوا به حين أسر ، قسمت الغنائم ولم يوقف له منها قليل ولا كثير ، لأن ~~تمام الاستحقاق إنما يكون بالإخراج والمفقود كالميت فيما يستحقه ابتداء ، ~~حتى إذا مات قريب له لم يرثه ، ولم يوقف لأجله شيء فهذا مثله . وإن قسمت ~~الغنائم ثم جاء بعد ذلك حيا مسلما لم يكن له شيء ، لأن حق الذين قسم بينهم ~~قد تأكد بالقسمة وثبت ملكهم فيها ، ومن ضرورته إبطال الحق الضعيف . وإن ~~بيعت الغنائم أو أخرجت وتخلف هو في دار الحرب لحاجة بعض المسلمين فاسر ، ~~فإنه يوقف نصيبه حتى يجيء فيأخذه ، أو يظهر ms0530 موته ، فيكون لورثته ، لأن حقه ~~قد تأكد في المصاب بالإحراز في البيع ، فيكون الحكم فيه ما هو الحكم في مال ~~المفقود . PageV03P914 ؟ # | باب سهمان الخيل في دار الإسلام والشركة في الغنيمة # ولو أن جيشا من دار الحرب دخلوا دار الإسلام ، فقاتلهم المسلمون حتى ~~ظفروا بهم ، فإنما الغنيمة لمن شهد الوقعة . هكذا روي عن عمر - رضي الله ~~عنه - قال : الغنيمة لمن شهد الوقعة . وهذا لأن الاستحقاق بالجهاد ، ~~والمجاهد في دار الإسلام من شهد الوقعة خاصة ، بخلاف ما إذا دخل المسلمون ~~دار الحرب ، فهناك للمدد شركة في المصاب ، وإن لم يشهدوا الوقعة ، لأنهم ~~دخلوا دار الحرب على قصد الجهاد وكانوا مجاهدين بذلك . ولأن دار الحرب موضع ~~القتال ، فكل من حصل في دار الحرب على قصد القتال يجعل في الحكم كمن شهد ~~الوقعة ، ودار الإسلام ليس بموضع القتال ، فإنما المقاتل فيها من شهد ~~الوقعة خاصة ، وهو بمنزلة ما لو وقف في المسجد بالبعد من الإمام واقتدى به ~~، فإنه يصح الاقتداء ، لأن المسجد مكان الصلاة . فيجعل هو كالواقف خلف ~~الإمام ، بخلاف ما إذا كان في الصحراء . ولو أن عسكرا من المسلمين افتتحوا ~~بلدة وصيروها دار الإسلام ، ثم لحق بهم مدد قبل قسمة الغنائم فلا شركة لهم ~~في المصاب ، PageV03P915 لأن الغنائم بما صنعوا صارت محرزة بدار الإسلام . ~~فكأنهم أخرجوها ، ثم لحقهم مدد ، وهذا لأن استحقاق الشركة للمدد باعتبار ~~أنهم شاركوهم في الإحراز ، وذلك غير موجود هنا . وكذلك لو قسموا الغنائم في ~~دار الحرب أو باعوها ثم أصابهم مدد ، لأن بالقسمة والبيع يتأكد الحق كما ~~بالإحراز . وإنما الشركة للمدد فيما إذا لحقوا بهم في دار الحر قبل أن ~~يتأكد حقهم فيها ، استدلالا بالأثر المروي عن الصديق - رضي الله عنه - في ~~أهل النجير باليمن . وقد بينا في السير الصغير . ولو أن عسكرا من أهل الحرب ~~دخلوا دار الإسلام ، فانتهوا إلى مدينة مثل المصيصة أو المليطة ، فخرج قوم ~~من أهلها وقاتلوهم حتى ظفروا بهم ، فالغنيمة لهم دون أهل المدينة . وإن قال ~~أهل المدينة : قد كنا ردءا لكم ، لم يلتفت ms0531 إلى ذلك ، لأنهم ما كانوا ~~مجاهدين ، إنما كانوا مستوطنين في مساكنهم ، والشركة في المصاب لمن كان ~~مجاهدا ، ولأنهم لم يشاركوهم في الإصابة ولا في الإحراز . فإن كانوا تسلحوا ~~وركبوا الخيل وأتوا باب المدينة فتضايق الناس على الباب ، فخرج بعضهم في ~~المدينة ، فهم شركاء في المصاب هاهنا ، PageV03P916 لأنهم قد شهدوا الوقعة ~~، وكانوا مجاهدين حين تسلحوا وأتوا باب المدينة على قصد القتال . ألا ترى ~~أن القوم يلقون العدو محصرين فلا يلي القتال منهم إلا قوم قليل ، ثم تكون ~~الغنيمة مشتركة بين جماعتهم ، لأنهم جميعا شهدوا الوقعة فهذا مثله . وإن ~~كان المسلمون بلغوا باب رجل من المسلمين قد خرج من داره متسلحا فمنعه ذلك ~~الزحام من المضي إلى باب المدينة ، فهو شريكهم في المصاب ، لأنه مجاهد فيما ~~صنع ، شاهد للوقعة . وإن كان واقفا على باب داره ، أو في جوف داره فارسا أو ~~راجلا ، إذا لم يمنعه من المضي إلا الزحام ، فإن كان باب داره مفتوحا كان ~~له سهم من الغنيمة . وإن كان باب داره مغلقا ، عليه لم يكن له من الغنيمة ~~نصيب ، لأن هذا متحصن بمنزله ليس بمتوجه إلى موضع القتال على قصد القتال ، ~~بخلاف ما إذا كان باب داره مفتوحا . قال : ولو كان لهذا سهم لكان لغيره ممن ~~هو مع امرأته PageV03P917 في جوف بيته يجامعها . وبعض هذا قريب من البعض ، ~~ولكن إنما يؤخذ فيه بالاستحسان ومل يقع عليه من أمور الناس . وإن كانوا على ~~سور المدينة يرمون أو يصيحون بما فيه تحريض للمسلمين وإرهاب للمشركين كانوا ~~شركاءهم في الغنيمة ، لأنهم من جملة من شهد الوقعة وجاهد نوعا من الجهاد . ~~وإن كان الأمير أمرهم بالكينونة على سورها ليمنعوا العدو من دخول المدينة ~~إن هزموا المسلمين ، ونهاهم أن يعينوا المسلمين بشيء فهم شركاء في الغنيمة ~~أيضا ، لأنهم شهدوا الوقعة واشتغلوا بما فيه قوة المسلمين ، وهو فراغ ~~قلوبهم من أن يظفر العدو بمدينتهم . والأصل فيه ما روى عن النبي عليه ~~السلام أنه أمر الرماة يوم أحد أن لا يبرحوا مراكزهم . ولا شك كانوا من ~~جملة ms0532 من شهد الوقعة ، شركاء في المصاب أن لو أصابوا الغنائم . ولو خرج ~~المسلمون إلى باب المدينة وقاتلوهم رجالة ، وقد سرجوا خيولهم في منازلهم ، ~~لم يضرب لهم إلا بسهم الرجالة ، PageV03P918 لأنهم ما قاتلوا على الأفراس ~~حقيقة ولا حكما ، فإسراج الفرس ليس من عمل القتال في شيء . وإن كان خرجوا ~~من منازلهم على الخيل ثم نزلوا في المعركة وقاتلوا رجالة استحقوا سهم ~~الفرسان ، لأنهم شهدوا الوقعة فرسانا ، وإنما ترجلوا لضيق المكان أو لزيادة ~~جد منهم في القتال ، فلا يحومون به سهم الفرسان . وكذلك من حضر المعركة ~~راجلا ومعه غلام يقود من فرسه إلى جنبه فإنه يستحق سهم الفرسان ، لأنه ~~مقاتل بفرسه حكما لتمكنه من أخذه من يد الغلام ، والقتال عليه . ولو حضر ~~فارسا ثم أمر غلامه أن يرد فرسه إلى منزله ، فرده وقاتل راجلا ، فله سهم ~~الراجل فقط ، لأن الغلام حين رد فرسه فكأنه ما أحضره موضع القتال أصلا . ~~ألا ترى أنه لو احتاج إلى القتال عليه لم يتمكن منه . ولو أن أهل الحرب لم ~~يدنوا من المدينة ولكنهم عسكروا على أميال منها ، فخرج المسلمون إليهم ~~رجالة وفرسانا حتى هزموهم وأصابوا الغنائم ، فمن كان منهم فارسا يستحق سهم ~~الفرسان سواء قاتل راجلا أو فارسا PageV03P919 # لأنه لما أحضر فرسه العسكر فقد صار مقاتلا بفرسه . # وإن باشر القتال راجلا بخلاف الأول فهناك الفرس في منزله على آريه ، فلا ~~يكون هو مجاهدا به ، لا حقيقة ولا حكما . وإن كان المسلمون حين عسكروا ~~بحذائهم يتنحى المشركون عن معسكرهم ، فاتبعهم المسلمون حتى لحقوهم فقاتلوهم ~~رجالة ، وخيولهم في المعسكر ، فإن كانوا لقوهم في موضع يقدر من المعسكر على ~~أن يعينهم ، وإن أرادوا أن يبعثوا إلى خيلهم بعثوا إليهم ، فهم شركاء في ~~المصاب ، للفارس منهم سهم الفارس ، لأنهم جميعا في الحكم قد شهدوا الوقعة ~~لقرب المعسكر من موضع الوقعة . وإن كانوا قد تباعدوا من المعسكر فليس لمن ~~في المعسكر معهم شركة ، وليس لأحد منهم سهم الفرسان إلا لمن حضر المعركة ~~على فرسه ، لأنهم ما كانوا متمكنين من القتال على ms0533 الفرس . ألا ترى أنهم لو ~~ركبوا الإبل في آثارهم حتى ساروا أياما كانوا رجالة ولم ينظر إلى ما كان ~~لهم من الخيل في المعسكر ؟ ، لأن في دار الإسلام الاستحقاق بشهود الوقعة ، ~~فيعتبر في حق من يستحق . وما يستحق بشهود الوقعة بالحضور حقيقة . أو بأن ~~كانوا بالقرب PageV03P920 منه حكما على وجه لو استغاثوا بهم أمكنهم أن ~~يغيثوهم ، فيكونون كالردء لهم ، فأما إذا انعدم ذلك لم يكونوا من جملة من ~~شهد الوقعة . ولو خرجوا إلى عسكرهم فرسانا فنفق فرس بعضهم كان لهم الفارس ، ~~لأنه حضر المعسكر فارسا فيصير به مجاهدا بفرسه ، إذا كان القتال في ذلك ~~الموضع أو بالقرب منه ، وهذا في حق هؤلاء بمنزلة مجاوزة الدرب فارسا أن لو ~~كان القتال في دار الحرب . وإن كان خرج إلى العسكر راجلا فلم يلق قتالا حتى ~~أتى بفرسه ، أو اشترى فرسا فله الفارس أيضا ، وذلك لو اصطف الفريقان للقتال ~~وهو راجل ثم أتى بفرسه أو اشترى فرسا فله سهم الفرسان ، لأن المعتبر هنا ~~شهود الوقعة ، وحقيقة شهود الوقعة إنما تكون عند القتال ، فحضور المعسكر ~~وإن أقيم مقامه حكما لا يسقط به اعتبار الحقيقة . فإن التحم القتال وهو ~~راجل ثم أصاب فرسا بعد ذلك لم يكن له إلا سهم راجل ، لأن شهود الوقعة حقيقة ~~وحكما قد وجد منه وهو راجل ، فلا يتغير حاله بإصابة الفرس بعد ذلك . ~~PageV03P921 ألا ترى أنه لو قتل بعضهم وأخذ فرسه فقاتل عليه لم يضرب له إلا ~~بسهم راجل . ومن مات من المسلمين أو قتل في حال تشاغلهم بالقتال قبل أن ~~ينهزم العدو فلا شركة لهم في المصاب ، لأن الإصابة لا تتم مع بقاء القتال ، ~~فإن المشركين ممتنعون بعد ، دافعون عن أموالهم . وإن مات أو قتل بعد ما ~~انهزموا ضرب له بسهم في الغنيمة ، لأن القتال في دار الإسلام ، فبانهزام ~~العدو يتأكد سبب الاستحقاق وتصير الغنائم في حكم المحرزة بدار الإسلام ، ~~وقد بينا أن من مات بعد الإحراز لا يبطل نصيبه ، فهذا مثله . ولو أصاب مسلم ~~في حال تشاغلهم بالقتال ms0534 فرسا ، هبة أو شراء ، فقاتل عليه وغنموا غنيمة ~~ورجعوا إلى عسكرهم لم يضرب له فيها إلا بسهم راجل ، لأن المعتبر حال شهود ~~الوقعة ، وذلك عند أول القتال ، وقد كان راجلا . فإن عادوا من الغد للقتال ~~وعاد معهم فارسا وأصابوا غنيمة ضرب له فيها بسهم فارس ، لأن هذه وقعة أخرى ~~غير الأولى ، وقد شهدها فارسا ، فالأولى قد انقضت حين كف بعضهم من بعض . ~~PageV03P922 ألا ترى أن لو كان أصاب الفرس قبل القتال في المرة الأولى كان ~~له سهم فارس في المصاب في المرة الأولى ، ا فارسا ، فالأولى قد انقضت حين ~~كف بعضهم من بعض . ألا ترى أن لو كان أصاب الفرس قبل القتال في المرة ~~الأولى كان له سهم فارس في المصاب في المرة الأولى ، فكذلك في المرة ~~الثانية . ولو قاتلوا المشركين فلم يصيبوا شيئا حتى جاء قوم من المدينة ~~مددا لهم ، فرسانا أو رجالة ، فقاتلوا معهم ، أو وقفوا ردءا لهم ، حتى ~~أصابوا غنيمة شاركوهم فيها ، فمن كان فارسا ضرب له بسهم فارس ومن كان راجلا ~~ضرب له بسهم راجل ، لأنهم شهدوا الوقعة قبل إصابة الغنيمة ، فكان حالهم ~~كحال من خرج مع الجيش . وكذلك لو انتهوا إلى عسكرهم فأقاموا فيه ، ولم ~~يأتوا موضع القتال ، أو عسكروا قريبا منهم حيث يقدرون على أن يغيثوهم ، ~~لأنهم فارقوا منازلهم على قصد الجهاد ، وعلى أ ، يكونوا مددا للجيش يقاتلون ~~معهم ، فإذا وصلوا إلى موضع لو استغاثوا بهم أغاثوهم قبل إصابة الغنيمة ~~كانوا ردءا لهم ، والدرء كالمباشرة في استحقاق المصاب . وكذلك لو كانوا قد ~~غنموا غنائم قبل أن يأتوهم وغنائم بعدما أتوهم ، PageV03P923 لأن القتال ما ~~دام قائما بين الفريقين فإصابة لا تتم . إذا المشركون قاصدون إلى الاستنقاذ ~~من أيدي المسلمين ، فإنما تمت الإصابة في الكل بقوة الذين أتوهم ردءا . ولو ~~كانوا حين غنموا غنائم كفوا عن القتال ، فأتى كل فريق عسكره ، ثم داء المدد ~~لم يشاركوهم في شيء من تلك الغنائم ، لأن الوقعة التي أصيب فيها تلك ~~الغنائم قد انقضت ، فإنما الشركة لمن شهد الوقعة حقيقة ms0535 وحكما ، ولأن ~~الإصابة قد تمت في تلك الغنيمة حقيقة بتفريق الفريقين ، وحكما بالإحراز ~~بدار الإسلام ، لأنهم إنما يقاتلون العدو في دار الإسلام . ولا شركة للمدد ~~بعد الإحراز حقيقة وحكما . فإن عادوا إلى العدو من الغد وقاتلوهم وأصابوا ~~غنائم ، شاركوهم في الغنيمة الثانية ، لأنهم شهدوا الوقعة فيها ، وإنما ~~صارت محرزة بمباشرتهم القتال أو قربهم بأن كانوا ردءا للجيش ، وإن كانوا ~~حين لقوا العدو من الغد قاتلوهم فأنهزم المسلمون إلى خندقهم فمنعهم المدد ~~الذين جاءوا حتى هزموا عنهم المشركين ، فقالوا : نشارككم في الغنائم الأولى ~~لأنا دفعنا المشركين عنها بالقتال لم يلتفت إلى قولهم ، لأنها صارت محرزة ~~بدار الإسلام قبل هذا القتال ، والقتال للدفع PageV03P924 عن المال في ~~الغنائم المحرزة بالدار كالقتال للدفع عن ثياب الجيش وأسلحتهم فلا يكون ~~موجبا لهم الشركة فيها . وإن كان المشركون حين هزموا المسلمين أخذوا تلك ~~الغنائم فاستنقذها منهم المدد فإنهم يردونها إلى أهلها ، لأن حقهم كان تأكد ~~فيها بالإحراز بدار الإسلام ، والتحقت بأموالهم ، فيجب الرد عليهم ، ولأن ~~المشركين وإن أخذوا لم يحرزوها بدارهم ، فبقيت حقا للأولين كما كانت . ~~بخلاف ما لو كانت هذه الحادثة في دار الحرب ، لأن حق الأولين هناك لم يتأكد ~~لانعدام الإحراز ، وإحراز أهل الحرب لها بالأخذ يتم فيبطل حق الأولين عنها ~~ويلتحق بالغنائم التي يصيبونها الآن ابتداء . ولو كان العدو في السفن في ~~البحر في أرض الإسلام فركب المسلمون البحر في السفن وحملوا معهم الخيل رجاء ~~أن يخرجوا إلى البر فيقاتلوهم ، فالتقوا في البحر فاقتتلوا ، فأصابوا غنائم ~~، فإنهم يقسمونها على الخيل والرجالة ، لأنهم التزموا مؤنة الفرس لقصد ~~الجهاد عليه ، فلا يحرمون سهم الفرسان بقتالهم رجالة في موضع لم يتمكنوا من ~~القتال على الفرس . ألا ترى أنهم لو لقوهم في بعض المضايق فترجلوا أو ~~قاتلوا رجالة PageV03P925 استحقوا سهم الفرسان ؟ وكذلك لو قاتلوهم على باب ~~حصن رجالة استحقوا سهم الفرسان لهذا المعنى كذلك هنا . فإن كانوا تركوا ~~تباعدوا من خيولهم ، حتى لو كانوا في البر لم يكن لمن تخلف في المعسكر على ~~الساحل شركة معهم ، لأنهم ms0536 لو كانوا يشهدوا الوقعة فكذلك إذا كانوا في البحر ~~. وإن كانوا لقوا العدو قريبا من المعسكر حيث يغيثوهم إن أرادوا غنائمهم ~~فلهم الشركة ، ويضرب لأصحاب الخيل فيها بسهام الخيل ، لأنهم شهدوا الوقعة ~~وصاروا بقربهم من موضع القتال كأنهم في موضع القتال . وإنما انهزم العدو ~~وظفر المسلمون بقوة من كان في المعسكر فيشاركونهم . ألا ترى أن المشركين لو ~~كانوا في جزيرة في أرض المسلمين ، وبين PageV03P926 عسكر المسلمين وبينهم ~~شيء يشير مثل عرض الدجلة . فركب المسلمون في السفن حتى أصابوا غنائم ، فإن ~~من في العسكر يشاركهم فيها إذا رجعوا إليهم فكذلك في الأول . وعلى هذا لو ~~دخل المسلمون غيضة في دار الإسلام مثل غياض طبرستان ، فلم يقدر المسلمون ~~على أن يدخلوها على الخيل ، فدخلوها رجالة . # وقاتلوا العدو قريبا من معسكرهم حيث يسمعون صهيل خيولهم ، فإن أهل العسكر ~~شركائهم فيما غنموا ، ولأصحاب الخيل سهم الفرسان ، لأن الكل للقرب من موضع ~~القتال كالحضور في ذلك الموضع وإن أمعنوا في الغيضة على إثر العدو حتى ~~اقتتلوا في موضع لو طلبوا الغياث لم يغثهم أصحابهم فلا شركة لمن في المعسكر ~~معهم في المصاب ، لأنهم لم يشهدوا الوقعة ولا حكما لبعدهم من موضع القتال . ~~وكذلك لو تحصن المسلمون في قلعة في أرض الإسلام أو في جبل لا تقدر الخيل ~~على صعود ذلك الموضع ، أو تحصنوا في حصن وجعلوا الماء في الخندق ، حتى صار ~~ما حول المدينة شبه البحيرة PageV03P927 فركبوا السفن حتى انتهوا إلى الحصن ~~، وصعدوا القلعة رجالة حتى فتحوا القلعة ، وأصابوا الغنائم ، فإن أهل ~~العسكر شركائهم فيها ، ولأصحاب الخيل سهم الفرسان ، لأن الذين ظفروا بالعدو ~~بقوة أهل العسكر حين كانوا بالقرب منهم . إلا أن يكون المعسكر نائيا عن ~~القلعة والحصن بحيث لا يغيثونهم ولا يكونون ردءا لهم ، فحينئذ لا شركة معهم ~~لأهل العسكر ، لأن تمكنهم من الإصابة بقوة أنفسهم لا بقوة من في المعسكر ، ~~والإصابة تتم قبل الرجوع إلى المعسكر هاهنا ، وتصير الغنيمة محرزة بدار ~~الإسلام فلا يشاركونهم فيها . ألا ترى أنهم لو فعلوا هذا في دار ms0537 الحرب ثم ~~لم يرجعوا إلى المعسكر ولكنهم خرجوا من جانب آخر إلى دار الإسلام ، فإن أهل ~~المعسكر لا يشاركونهم فيها ، إلا إذا كانوا بالقرب منهم حين اقتتلوا ~~وأصابوا على وجه لو استغاثوا بهم أغاثوهم ؟ فكذلك إذا كان القتال في دار ~~الإسلام . إلا أن دار الحرب من كان من أصحاب السرية خلف فرسه في المعسكر ~~استحق سهم الفرسان ، وإن كانت الإصابة بعدما بعدوا من المعسكر ، بخلاف ما ~~إذا كان القتال في دار الإسلام ، لأن هناك سبب الاستحقاق له قد انعقد ~~بمجاورة الدرب فارسا . ألا ترى أنه لو نفق فرسه استحق سهم الفرسان ؟ فكذلك ~~إذا خلفه في المعسكر ، ولكن هذا المعنى غير معتبر في حق المستحق . ألا ترى ~~أن من مات من الجند في دار الحرب لم يضرب له بسهم PageV03P928 فلهذا لا ~~شركة لمن تخلف في المعسكر ، ومن كان من أهل السرية خلف فرسه في المعسكر ~~استحق السهم به . فأما إذا كان القتال في دار الإسلام فإنما ينعقد سبب ~~الاستحقاق هاهنا بشهود الوقعة فارسا وحين كان فرسه بالبعد منه في موضع لا ~~يتمكن من القتال عليه إن لو احتاج إليه ، فهو ما شهد الوقعة إلا رجلا ، فلا ~~يستحق سهم الفارس . والله أعلم . PageV03P929 # # | باب دخول المسلمين دار الحرب بالخيل # ومن يسهم له منهم في الغضب والإجارة والعارية والحبس قال : قد بينا فيما ~~سبق أنه ينبغي للأمير أن يعرض الجيش حين دخل دار الحرب فيكتب أصحاب الخيل ~~بأسمائهم ، وأسماء آبائهم ، وحلاهم ، ويكتب الرجالة كذلك ، لأن سبب ~~الاستحقاق ينعقد لهم الآن ، وهو محتاج إلى معرفة حال كل واحد منهم عند ذلك ~~ليتمكن من القضاء بينهم بالحق . ثم إذا رجعوا إلى ذلك الموضع عرضهم أيضا ، ~~لأن القسمة إنما تكون بعد الإحراز بدار الإسلام ، فلا بد أن يعرضهم عند ذلك ~~ليتمكن من القسمة بينهم ، وهذا لأنه يشق عليه عرضهم في كل يوم ، فلدفع ~~المشقة يكتفي بالعرض عند انعقاد السبب ابتداء وعند تأكد الحق بالإحراز . ~~فمن مر به في العرض الثاني راجلا وقد كان في العرض الأول فارسا ms0538 سأله عن ~~فرسه ما حاله . فإن قال : عقر أو نفق أو أخذه المشركون فالقول قوله مع ~~يمينه ، PageV03P930 لأنه يتمسك بما عرف ثبوته ، وانعقاد سبب الاستحقاق له ~~معلوم ، وأصحابه بقولهم : إنه باع فرسه يدعون عليه ما يبطل استحقاقه من ~~معنى هو عارض وهو منكر ، لذلك فالقول قوله مع يمينه ، حتى يثبت العارض ~~المسقط . فإن شهد شاهدان من المسلمين أنه باع فرسه قبل إصابة الغنيمة فقد ~~ثبت بالحجة العارض المسقط لاستحقاقه ، والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ~~ولو عايناه أنه باع فرسه قبل إصابة الغنيمة لم يستحق به السهم . إلا في ~~رواية شاذة عن أبي حنيفة برواية الحسن . وقد بينا هذا في ' شرح المختصر ' . ~~ويستوي إن كان الشاهدان من أهل العسكر أو من التجار ، لأن شركتهم في ~~الغنيمة قبل القسمة شركة عامة . فإنهم لا يملكون شيئا قبل القسمة ، وبمثل ~~هذه الشركة لا تتمكن التهمة في الشهادة ، كما في مال بيت المال . فإذا حضر ~~الرجل بفرسه دار الحرب غازيا فغضب مسلم فرسه وأدخله دار الحرب ، ثم وجد ~~المغضوب منه فرسه في دار الحرب وأقام عليه البينة فأخذه ، ففي القياس ليس ~~له إلا سهم الرجالة ، PageV03P931 لأنه كان راجلا حين انعقد له سبب ~~الاستحقاق بدخول دار الحرب إذا لم يكن في يده فرس يتمكن من القتال عليه إن ~~لو احتاج إليه ، وقد أثبت اسمه في ديوان الرجالة ، فلا يتغير حاله بعد ذلك ~~بعود الفرس إلى يده ، وتمكنه من القتال عليه في دار الحرب ، بمنزلة ما لو ~~اشترى فرسا . وفي الاستحسان له سهم الفرسان ، لأنه التزم مؤنة الفرس للقتال ~~عليه ، حين خرج من أهله فارسا وقاتل وهو فارس أيضا ، فلا يحرم سهمه بعارض ~~غضب فيما بن ذلك ، يزيل تمكنه من القتال عليه ، كما لو مرض فرسه . أرأيت ~~أنه لو بقي بينه وبين دخول دار الحرب مقدار نصف ميل ، فنزل ليقضي حاجته ~~ودخل دار الحرب ، فاتبعه الرجل فأخذه ، أكان يحرم سهم الفرس ؟ ، أرأيت لو ~~أنه حين عار الفرس أخذه مسلم فركبه أو لم يركبه . حتى دخل دار الحرب ، ثم ms0539 ~~وجد صاحبه فأخذه منه ، أكان يحرم سهم الفرس ؟ ، لا يستجيز أحد أن يقول : ~~بهذا القدر يحرم سهم الفرس . فكذلك الأول ، ولكنه إن مر بالذي يعرضهم وهو ~~راجل وأخبره هذا الخبر لم يصدقه على قوله ، وكتبه راجلا ، لأنه يعلمه راجلا ~~حقيقة ، وما أخبر به محتمل للصدق والكذب ، فلا يدع الحقيقة لأجله . فإن ~~كتبه راجلا ثم مر به في العرض الثاني وهو فارس ، فقال : هذا الفرس الذي كنت ~~أخبرتك خبره ، لم يصدقه بقوله ، لأنه يدعي استحقاق PageV03P932 سهم الفرس ~~بسبب لم يعرف ، والاستحقاق بمجرد قوله لا يثبت ، فيحتاج إلى إقامة البينة ~~على ما ادعى من ذلك ، وإذا أقام البينة كان الثابت بالبينة كالثابت ~~بالمعاينة . ولو أن الغاصب حين أدخل فرس الغازي دار الحرب قاتل عليه حتى ~~غنم المسلمون وخرجوا ، فإنه يضرب له في الغنيمة بسهم الفارس ، لأنه التزم ~~مؤنة الفرس للقتال عليه وحقق ذلك بالقتال ، فإن مؤنة المغصوب على الغاصب ما ~~لم يرده . ولا فرق في التمكن من القتال حسا بين الفرس المغصوب والفرس ~~المملوك له ، ثم يرد الفرس إلى صاحبه ويغرم له ما نقص إن كان نقص شيء ، لأن ~~ما استحق من السهم إنما استحقه لقتاله على الفرس ، فهو بمنزلة ما لو أجر ~~المغصوب وأخذ الأجر ، فإنه يكون مملوكا له وليس للمغصوب منه على الأجر سبيل ~~، و إنما له نقصان الفرس إن تمكن فيه نقصان ، فهذا مثله . ولا يضرب لصاحب ~~الفرس في الغنيمة إلا بسهم راجل ، لأنه ما كان متمكنا من القتال على الفرس ~~في موضع من دار الحرب ، ولأن بالفرس الواحد لا يستحق رجلان كل واحد منهما ~~السهم الكامل ، وقد استحق الغاصب السهم بهذا الفرس فلا يستحق المالك به ~~شيئا . ولو كان غصبه منه بعدما دخل دار الحرب والمسألة بحالها ، فلصاحب ~~الفرس سهم فارس ، PageV03P933 لأن زوال تمكنه من القتال على الفرس بالغصب ~~بعدما جاوز الدرب كزوال تمكنه بموت الفرس . والغاصب لا يضرب له إلا بسهم ~~راجل ، لأن المالك لما جعل فارسا بهذا الفرس فغيره لا يكون فارسا به أيضا . ~~ولأنه لو ms0540 اشترى فرسا في دار الحرب لم يستحق به سهم الفرسان ، فإذا غصب فرسا ~~أخرى أن لا يستحق به سهم الفرسان أولى . ولو غصب الفرس قبل مجاوزة الدرب ثم ~~أصابوا في دار الحرب غنائم والفرس قي يد الغاصب ، ثم استحقه المالك ، ~~وأصابوا غنائم بعد ذلك بقتال أو بغير قتال . ففي الغنائم الأولى يضرب ~~للغاصب بسهم فارس ، لأنه انفصل إلى دار الحرب فارسا ، وقاتل حين أصيبت تلك ~~الغنائم وهو فارس ، فيستحق سهم الفرسان . ويضرب فيها لصاحب الفرس بسهم راجل ~~. لما بينا أنه لا يكون بالفرس الواحد فارسان . وما أصابوا من الغنائم ~~بعدما استحق صاحب الفرس فرسه فإنه يضرب لصاحب الفرس فيه بسهم الفارس ، لأنه ~~استرده قبل هذه الوقعة ، فهو قياس ما لو استرده قبل أن يلقوا قتالا فيما ~~أصيب بعد ذلك ، ويضرب للغاصب فيها بسهم راجل لأن صاحب PageV03P934 الفرس ~~لما كان فارسا في هذه الغنيمة بهذا الفرس لم يكن غيره فارسا بها ، ولأن ~~الفرس أخذ من يده بحق مستحق كان سابقا على دخوله دار الحرب ولو أخذ بحق ~~مستحق اعترض بعد دخوله بأن باعه يخرج من أن يكون فارسا فيما يصاب بعد ذلك ، ~~فهاهنا أولى . وكذلك إن لقوا قتالا فقاتل صاحب الفرس عن الغنائم الأولى ~~بعدما استرد فرسه ، فإنه لا يضرب له فيها إلا بسهم راجل . لأن حقه كان ~~ثابتا في الغنائم الأولى بقدر سهم راجل ، فهو ما قاتل إلا دفاعا عن ذلك ~~الحق ، فلا يزداد به حقه ولا يبطل ما كان مستحقا للغاصب من سهم فرسه . ولو ~~كان صاحب الفرس حين جاء يريد دخول دار الحرب أعار مسلما فرسه وقال : قاتل ~~عليه في دار الحرب . فلما أدخله المستعير دار الحرب بدا للمعير فأخذه منه ~~قبل لإصابة الغنيمة أو بعدها ، فلصاحب الفرس في جميع ذلك سهم راجل ، لأنه ~~أزال الفرس عن يده باختياره قبل مجاوزة الدرب ، وإنما انعقد له سبب ~~الاستحقاق عند مجاوزة الدرب وهو راجل ، ثم لا يتغير بعد ذلك باسترداد الفرس ~~، كما لا يتغير بشراء الفرس . وليس هذا نظير ما ms0541 استحسنا فيه من فصل الغصب ، ~~فإن هناك ما أزال يده باختياره ، وبينهما فرق . ألا ترى أنه لو دخل دار ~~الحرب 6 فارسا ثم أخذ المشركون فرسه استحق سهم الفرسان ؟ ولو باع فرسه لم ~~يستحق سهم الفرسان . وما كان الفرق إلا بهذا ، إن تمكنه في أحد الموضعين ~~زال في أحد الموضعين لا باختياره وفي الموضع الآخر أزاله باختياره . ~~PageV03P935 وأما المستعير فله سهم الفارس فيما أصيب قبل رده الفرس على ~~المعير . # لأن سبب الاستحقاق بمجاوزة الدرب انعقد وهو فارس ، والإصابة له وهو فارس ~~، والإصابة وجدت وهو فارس أيضا ، وقد قررنا هذا في الغاصب ففي المستعير ~~أولى . وأما ما أصيب بعد رد الفرس في ذلك سهم راجل ، لأن الفرس أخذ منه بحق ~~مستحق سابقا على دخوله دار الحرب ، وذلك يخرجه من أن يكون فارسا فيما يصاب ~~بعد ذلك . ولو نفق الفرس عند المستعير ضرب له في الغنائم كلها بسهم فرس ، ~~لأنه كان فارسا حين انعقد له السبب ، ثم لم يؤخذ منه بحق حتى نفق في يده ، ~~فيكون هو كالمالك في ذلك . وإن أخذه المشركون من يده فأحرزوه ، ثم أخذه ~~المسلمون فردوه عليه ، فإنه يعود إلى يده كما كان حتى إذا أصابوا غنائم ثم ~~قبل أن يردوه على المعير كان له سهم الفرسان في ذلك . وإن رده إلى المعير ~~ثم أصيبت الغنائم بعد ذلك فله سهم راجل ، وذلك بمنزلة ما لو لم يأخذه ~~المشركون أصلا . ولو كان صاحب الفرس دخل بالفرس أرض الحرب ثم PageV03P936 ~~أعاره غيره ، فلم يزل معه يقاتل عليه حتى نفق وقد أصاب المسلمون غنائم قبل ~~ذلك وبعده ، فلصاحب في ذلك كله سهم فارس ، لأنه دخل دار الحرب ملتزما مؤنة ~~الفرس للقتال عليه ، فإن بإعارته الفرس من غيره للقتال بعدما دخل دار الحرب ~~لا يخرج من أن يكون قصده القتال على الفرس ، بخلاف ما إذا باعه ، فإنه ~~يتبين بالبيع أن قصده كان التجارة لا القتال عليه ، وإذا ثبت أن للمعير سهم ~~الفارس في جميع ذلك ثبت أن للمستعير سهم الرجالة ، لأنه لا ms0542 تكون بالفرس ~~الواحد فارسان ، ولأن استعارة الفرس في دار الحرب لا يكون فوق شراء الفرس . ~~ولو لم يدخل صاحب الفرس دار الحرب حتى أعاد رجلا فرسه ليركبه من غير أن ~~يقاتل عليه ، فركبه حتى دخل أرض الحرب ، ثم رده على صاحبه ، فصاحب الفرس في ~~ذلك كله فارس ، لأنه دخل دار الحرب وهو متمكن من القتال على الفرس إن لو ~~احتاج إليه ، فإنه يسترده من المستعير متى شاء وقد استرده وقاتل فارسا ~~فيستحق سهم الفرسان . والمستعير راجل في ذلك كله ، لأنه ما كان متمكنا من ~~القتال على الفرس عند مجاوزة الدرب ، فإنه استعاره للركوب لا للقتال عليه . ~~بخلاف الأول ، فإن هناك إذا قاتل حتى أصيبت الغنائم قبل الرد استحق سهم ~~الفرسان ، لكونه متمكنا من القتال على الفرس . وبهذا يتضح الفرق أيضا في حق ~~المعير . فإن في الفصل الأول المستعير PageV03P937 لما كان فارسا بهذا ~~الفرس عرفنا أن المعير ليس فارسا به ، وفي الفصل الثاني وهو الإعارة للركوب ~~، المستعير لم يصر فارسا به في استحقاق السهم ، فجعلنا المعير فارسا به ، ~~لتمكنه من أخذه متى شاء . ولو كان المستعير حين دخل دار الحرب ادعى أن ~~الفرس له وجحد حق صاحبه ، وقاتل على الفرس حتى أصيبت الغنائم ، ثم أقام ~~المعير البينة وأخذ فرسه ، فصاحب الفرس فارس في ذلك كله ، لأن المستعير ~~بالجحود صار غاصبا ، وإنما جحد في دار الحرب فكان هذا بمنزلة ما لو غصب ~~الفرس من صاحبه في دار الحرب ابتداء . وقد بينا صاحب الفرس بهذا الغصب لا ~~يخرج من أن يكون فارسا والغاصب به لا يصير فارسا ، فكذلك هاهنا . ولو كان ~~صاحب الفرس آجره من رجل أياما ليركبه حين يدخل دار الحرب ، وانقضت الإجازة ~~قبل إصابة الغنائم أو بعدها ، فصاحب الفرس راجل في جميعها ، لأنه حين دخل ~~دار الحرب لم يكن متمكنا من القتال على الفرس ، فقد أوجب للمستأجر فيه حقا ~~مستحقا ، وبه فارق الإعارة . فإذا استرده بعد انقضاء المدة في حكم المشتري ~~للفرس الآن ، فلا يصير به فارسا ، والمستأجر راجل أيضا في ms0543 جميع الغنائم ، ~~PageV03P938 لأنه ما استأجره للقتال عليه ، وإنما استأجره للركوب ، فلم يصر ~~به متمكنا من القتال على الفرس أن لو احتاج إليه ، فهو بمنزلة ما لو ~~استأجره ليحمل عليه ثقله . ولو استأجره شهرا أو أكثر ليركبه ويقاتل عليه ، ~~والمسألة بحالها ، فصاحب الفرس راجل في جميع ما يصاب إلى أن يخرجوا إلى دار ~~الإسلام . لما بينا أنه دخل دار الحرب ، ولغيره حق مستحق في فرسه ، فلا ~~يكون متمكنا من القتال عليه . وأما المستأجر فهو فارس فيما أصيب قبل انقضاء ~~الإدارة ، لأنه دخل دار الحرب على فرس هو متمكن من القتال عليه حقيقة وحكما ~~، وأصيبت الغنائم في حال بقاء تمكنه . فأما ما أصيب بعد انقضاء مدة الإجازة ~~فليس له فيها إلا سهم راجل ، لأن الفرس أخذ من يده بعد انقضاء المدة بحق ~~مستحق كان سابقا على دخوله دار الحرب ، فيخرج من أن يكون فارسا به . ولو ~~كان صاحب الفرس دخل به أرض الحرب فأصابوا غنائم ، ثم آجره من رجل للركوب أو ~~القتال عليه مدة معلومة ، وأصابوا غنائم ، ثم استرده بعد انقضاء المدة ، ~~فأصابوا غنائم أيضا ، فإن المستأجر راجل في جميع ذلك ، PageV03P939 لأن ~~استئجاره الفرس بعد دخوله دار الحرب لا يكون أقوى من شرائه . وأما صاحب ~~الفرس فهو فارس فيما أصيب قبل أن يؤجر فرسه ، لأنه دخل الدار فارسا ، ~~وأصيبت تلك الغنائم ، وهو فارس أيضا فاستحق سهم الفرسان ثم إجازة الفرس بعد ~~ذلك لا تكون أقوى من بيعه . وهو فارس أيضا فيما أصيب بعد انقضاء المدة ، ~~لأن بالإجازة لم يخرج الفرس من ملكه ، وقد باشر القتال عليه فارسا كما ~~انعقد له سبب الاستحقاق حين جاوز الدرب . فأما فيما أصيب في مدة الإجازة ~~فهو راجل ، لأن الفرس أخذ منه بحق أوجبه لغير باختياره ، وقد زال به تكنه ~~من القتال عليه ، فيجعل كأنه باعه فيما أصيب في هذه المدة ، إذ الإجازة ~~كالبيع في إزالته تمكنه من القتال عليه . وكذلك إن لقوا قتالا بعد انقضاء ~~المدة فقاتل فارسا عن ذلك المصاب ، لأن له فيها سهم راجل ms0544 ، وإنما قاتل دفعا ~~عن سهمه فلهذا لا يزداد حقه في تلك الغنائم بهذا القتال . وإذا صب مسلم من ~~مسلم فرسا ولم يكن من قصد صاحبه أن يدخل دار الحرب بالفرس . فأدخله الغاصب ~~دار الحرب . PageV03P940 ثم بدا للمغصوب منه فاتبعه وأخذ الفرس منه ، وقد ~~كانوا أصابوا غنائم قبل أن يأخذ فرسه ، وأصابوا بعد ذلك ، فصاحت الفرس راجل ~~في جميع ذلك ، لأنه دخل دار الحرب راجلا ، ثم استرداده الفرس في دار الحرب ~~بمنزلة شرائه ، وهذا بخلاف المستحسن المذكور في أول الباب ، فإن هناك كان ~~ملتزما مؤنة الفرس لجل القتال عليه حتى دنا من دار الحرب ، ثم أخذه الغاصب ~~بغير اختياره ، فإذا استرده منه جعل ما اعترض كأن لم يكن ، وهاهنا ما كان ~~ملتزما مؤنة الفرس للقتال عليه قبل أن يدخل دار الحرب ولا عند دخوله دار ~~الحرب ، فلم يكن فارسا به أصلا وإنما صار ملتزما مؤنته للقتال عليه حين ~~استرده في دار الحرب فكأنه اشتراه الآن . وأما الغاصب فهو فارس فيما أصيب ~~قبل استرداد الفرس منه ، لأنه دخل الدار فارسا وأصيبت هذه الغنائم وهو فارس ~~، فثبت له فيها سهم الفرسان . ثم لا يتغير ذلك باستحقاق الفرس من يده ، وهو ~~راجل فيما أصيب بعد ذلك ، لأن الفرس أخذ منه بحق . وكذلك لو كان صاحب الفرس ~~أعاره إياه ليقاتل عليه ، ثم بدا له فغزا بنفسه ، فلما التقيا في دار الحرب ~~استرد الفرس منه ، فهذا كالأول في جميع ما ذكرنا ، PageV03P941 لأن صاحب ~~الفرس دخل دار الحرب راجلا ، فيكون راجلا إلى أن يخرج ، وهذا لأنه حين دخل ~~الغزو لم يكن الفرس في يده أصلا ، ولا كان هو ملتزما مؤنته ، فإن مؤنة ~~المستعار على المستعير حتى يرده على صاحبه . ولو كان أعاره إياه للركوب لا ~~للقتال عليه . والمسألة بحالها ، فهذا والأول في حق صاحب الفرس سواء ، وأما ~~المستعير فهو راجل في جميع الغنائم هاهنا ، لأنه ما كان متمكنا من القتال ~~على هذا الفرس ، فقد استعاره للركوب لا للقتال عليه . فإن غدر صاحبه حين ~~دخل دار الحرب فقاتل ms0545 عليه فهو راجل أيضا ، لأنه صار غاصبا للفرس بالقتال ~~عليه ، بعدما دخل دار الحرب ، وقد بينا أن من غصب فرسا بعدما دخل دار الحرب ~~، قاتل عليه لم يستحق به سهم الفرسان . وأما صاحب الفرس فهو راجل في جميع ~~الغنائم ، لأن الإعارة للركوب والإعارة للقتال قبل قصد الغزو في حقه سواء . ~~فإنه في الموضعين لم يصر ملتزما مؤنة الفرس للقتال عليه إلا بعد دخول دار ~~الحرب ، فلهذا لا يكون له إلا سهم راجل في جميع ذلك ، ولأنه حين قصد الغزو ~~ما كان يدري أنه يصيب فرسه أو لا يصيبه . وإنما استحسنا فيما إذا حضر ليدخل ~~دار الحرب غازيا ثم أعاره غيره ليركبه ، فجعلناه فارسا إذا استرده منه ~~بعدما دخل دار الحرب . PageV03P942 وجعلنا هذا بمنزلة ما لو مر براجل لا ~~يقدر على المشي فحمله على فرسه أميالا ، حتى دخلوا دار الحرب ، ثم أنزله ~~وأخذ فرسه ، فلا إشكال في هذا الفصل أنه يكون هو فارسا . فكذلك فيما يكون ~~في معناه . ولو كان آجره ليركبه ولا يقاتل عليه ، أو يقاتل ، والمسألة ~~بحالها ، فصاحب الفرس راجل في جميع الغنائم ، لأنا قد بينا إذا كان حضر ~~يريد الدخول للقتال ثم أجر فرسه حتى أدخله المستأجر دار الحرب أن صاحب ~~الفرس يكون راجلا في جميع الغنائم فهاهنا أولى ، لأنه ما بدا له قصد الغزو ~~إلا والفرس في يد المستأجر بحق مستحق . وأما المستأجر فإن كان استأجره ~~للركوب فكذلك الجواب . وإن كان استأجره للقتال عليه فهو فارس فيما يصاب قبل ~~انقضاء مدة الإجازة ، راجل فيما يصاب بعد ذلك ، لأن الفرس أخذ منه بحق ~~مستحق . إلا أن يكون منع الفرس من صاحبه بعد انقضاء المدة أو جحد إياه ~~فحينئذ هو فارس في جميع الغنائم ، وكذلك المستعير لأنهما دخلا فارسين ، ~~فكانا فارسين حتى يؤخذ الفرس منهما بحق وهذا لأنهما صارا غاصبين بالمنع . ~~وقد بينا أن ابتداء سبب الاستحقاق ينعقد له بالفرس المغصوب إذا قاتل عليه ، ~~فلأن يبقى له ما كان منعقدا من السبب بالفرس المغصوب كان أولى ، فإن حالة ~~البقاء ms0546 أسهل من حالة الابتداء . ولو أن رجلا آجر فرسا يغزوا عليه على أن ~~يكون سهم الفرس لصاحب الفرس ، فهذا إجارة فاسدة ، PageV03P943 لأن ما يصاب ~~مجهول الجنس جهالة فاحشة . ثم الإجارة الفاسدة تعتبر بالجائزة في الحكم ، ~~فيكون سهم الفرس للمستأجر ، ولصاحب الفرس أجر مثله بالغا ما بلغ ، لأن ~~المستأجر استوفى المعقود عليه بحكم عقد فاسد . وكذلك لو كان أعاره إياه ~~بهذا الشرط ، لأن هذا اشتراط الأجر عليه ، وعند اشتراط الأجر لا فرق بين ~~لفظ الإجارة ولفظ الإعارة . ولو لم يصيبوا شيئا حتى خرجوا كان على المستأجر ~~مثله ايضا ، لأنه استوفى المعقود عليه بحكم إجارة فاسدة ، فيلزمه أجر المثل ~~أصاب شيئا أو لم يصب ، وهو بمنزلة المضارب في المضاربة الفاسدة إذا عمل ، ~~فإنه استوجب أجر المثل ، حصل الربح أو لم يحصل . ولو استأجر رجلا يغزو عنه ~~مدة معلومة بأجر مسمى أو لم يذكر المدة وقال : هذه الغزوة إلى حيث يبلغ ~~المسلمون ، فهذا العقد باطل . لما بيننا أن الجهاد من باب العبادات ، فإنه ~~سنام الدين ، والاستئجار على الطاعات باطل . وهو فرض كفاية فمن باشره مؤديا ~~فرضا عليه ، والاستئجار على أداء الفرض باطل PageV03P944 ثم السهم للأجير ، ~~شرطه المستأجر لنفسه أو لم يشترط ، لأن الاستئجار لما بطل صار كأن لم يكن ، ~~فيكون السهم للغازي . وإن كان أخذ الأجر من المستأجر رده عليه ، لأن العقد ~~باطل ، وبالعقد الباطل لا يجب الأجر أصلا ، ولأنه في الغزو كان عاملا لنفسه ~~، فلا يستوجب الأجر على غيره . وإن كان دفع إليه سلاحه وفرسه فعلى الأجير ~~أجر مثل فرسه وأجر مثل سلاحه بالغا ما بلغ ، وإن كان الشرط بينهما أن السهم ~~للمستأجر ، لأنه شرط لنفسه بإزاء منفعة الدابة والسلاح عوضا مجهولا ، وقد ~~استوفى الأجير تلك المنفعة بعقد فاسد ، فعليه أجر المثل . وإن كان المستأجر ~~لم يشترط السهم لنفه فليس على الأجير من أجر السلاح والدابة شيء ، لأن ~~المستأاجر ما شرط لنفسه عوضا ماليا ، فيكون هو معير الفرس والسلاح منه ، أو ~~باذلا ليقاتل به في سبيل الله ، فلا يستوجب أجرا على من ms0547 استعمله في القتال ~~. ولو استأجر فرسا ليركبه ويقاتل عليه مدة معلومة ، أو استأجر غلاما لخدمه ~~في دار الحرب مدة معلومة ببدل معلوم ، فهو جائز سواء مسمي لكل يوم أجرا على ~~حدة أو لم يسم ، PageV03P945 لأن المعقود عليه معلوم ، ببيان المدة ، ~~والبدل معلوم ، وليس في هذا العقد من معنى الطاعة وإقامة الفرض ، فيصح ~~الاستئجار . وإن لم يبين المدة ولكن قال : استأجره لغزاتي هذه حتى أرجع إلى ~~موضع كذا ، فهذا فاسد . لأن المعقود عليه مجهول ، فإنه لا يدري إلى أين ~~يبلغ المسلمون ، ويطول مقامهم أو يقصر ، ولو استوفى المنفعة على هذا الشرط ~~فله أجر المثل على المستأجر ، لأن العقد هاهنا منعقد لوجود المعقود علي . ~~ولكنه فاسد للغرور والجهالة . فيستوجب أجر المثل بالغا ما بلغ ، لأن الأجر ~~وإن كان مسمى فصاحب الدابة يقول : أنا ما رضيت بهذا المسمى إلى الموضع الذي ~~انهيتم إليه ، وقد كان عندي أنكم ترجعون قبل الوصول إلى ذلك الموضع فلهذا ~~يستحق أجر المثل بالغا ما بلغ . ولو أن رجلا في يده أفراس حبس في سبيل الله ~~فأعطى أقواما منها أفراسا يغزون عليها في سبيل الله ، والذي في يده كان ~~القيم في ذلك يعطى من شاء ويأخذ ممن شاء ، فلما دخلوا دار الحرب أخذها منهم ~~ودفعها إلى غيرهم ، وقد كان السلمون أصابوا غنائم قبل أن يأخذوها ~~PageV03P946 وغنائم بعد ذلك ، فلهم سهم الفرسان فيا أصيب قبل أخذ الأفراس ~~منهم ، ولهم سهم الرجالة فيما أصيب بعد ذل . والمراد بالأفراس الحبس ~~الموقوفة للجهاد ، وذلك جائز . أما على أصل محمد ظاهر ، كثياب الجنازة ~~والآلات التي يغسل بها الموتى ، فكذلك يجوز في الأفراس التي يقاتل عليها في ~~سبيل الله . والأصل فيه ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه حين قبض ، كان ~~في يده ثلاثمائة فرس مكتوب على أفخاذها : حبس في سبيل الله . ثن الغازي على ~~مثل هذا الفرس قد دخل دار الحرب وهو متمكن من القتال على الفرس ، ودام ~~تمكنه إلى أن أصيبت الغنائم ، فيستحق سهم الفرس بمنزلة المستعير . ثم أخذ ~~الفرس منه بعد ms0548 ذلك بحق مستحق ، فلا يبقي فارسا فيما يصاب بعد ذلك كالمستعير ~~، ويستوي إن كان القيم هو الذي يسترده منه في دار الحرب أو الواقف . ثم لا ~~يصير الواقف ولا القيم به فارسا ، لأنه إنما استرده في دار الحرب ، وهذا لا ~~يكون أقوى في حقه من شراء الفرس ، فكذلك إن دفعه إلى راجل آخر لم يصر به ~~فارسا كما لو اشتراه في دار الحرب . PageV03P947 ولو أن رجلا في يده خيل ~~حبس آجرها ليقاتل عليها في سبيل الله وهي له أو ليست له ، فقد أساء فيما ~~صنع ، لأن من جعلها حبسا فقد جعلها لله خالصا ، بمنزلة من جعل أرضه مسجدا ~~فلا يجوز التصرف فيها بالإجارة لاكتساب المال بعد ذلك . لأن صاحبها إنما ~~أعدها لاكتساب الأجر في الآخرة بالقتال عليها في سبيل الله ، فاكتساب القيم ~~المال بها في الدنيا يكون تغييرا للشرط . وقال الله تعالى : ' فمن بدله ~~بعدما فإنما إثمه على الذين يبدلونه ' ، فإن قاتل عليها المستأجرون فلهم ~~سهام الفرسان ، لأنهم حصلوا في دار الحرب فرسانا وتمكنوا من القتال عليها ، ~~واستحقاق سهم الفرس به ، ويكون عليهم أجور الخيل لأنهم استوفوا المنفعة ~~التي تناولها العقد ، وحالهم كحال من استأجر الخيل من الغاصب ، لأن القيم ~~أو الواقف فيما صنع لا يكون أسوأ حالا من الغاصب ، والغاصب يستوجب الأجر ~~إذا استوفى المستأجر المنفعة بعقده ، وينبغي للذي آجرها أن يتصدق بأجرها ~~ولا يأكله ، لأنه اكتسبه بسبب خبيث ، فإنه ممنوع من هذه الإجازة لحق الشرع ~~. وسبيل مثله التصدق به . وإن عطبت تحت بعض من استأجرها ، أو عقرها العدو ، ~~ضمن الذي آجرها قيمة الفرس ، وإن شاء الوالي ذلك ، وإن شاء ضمن المستأجر ~~القيمة ، PageV03P948 لأن كل واحد منهما متعد ، بمنزلة الغاصب يؤاجر ~~المغصوب ، فيتلف في استعمال المستأجر . فإن ضمن المستأجر رجع بالقيمة على ~~الأجر ، لأنه صار مغرورا من جهته بسبب عقد ضمان . وإن ضمن الآجر لم يرجع ~~على المستأجر بشيء ثم يشتري بهذه القيمة فرسا مكانه فيجعل حبيسا ، لأنه ~~قائم مقام الأول ، فإن القيمة إنما تسمى قيمة لقيامها مقام العين ms0549 . والعين ~~حبيسا في سبيل الله ، فيجعل بله بتلك الصفقة أيضا ، كما لو قتل وغرم القاتل ~~القيمة . وإنما يصير البدل بتلك الصفة إذا اشترى به الفرس فجعل حبيسا ، لأن ~~الفرس والسلاح لا يكون حبيسا حتى يخرجه صاحبه من يده ، لأن هذا بمنزلة ~~الوقف ، والتسليم إلى المتولي شرط لتمام الوقف في قول محمد - رحمه الله - ~~وهو قول ابن أبي ليلى . فإذا سلمه إلى القيم لم يكن له أن يرجع فيه ، وإن ~~كان اشترط الذي جعله حبيسا أن التدبير فيه إليه بعد موت القيم ، أو يكون هو ~~القيم فيه حتى يموت فذلك جائز ، لأن التسليم شرط لإتمام الوقف ، وقد وجد ، ~~فالعود إلى يده بعد ذلك لا يضر . واستدل على جواز الحبس في العراك والسلاح ~~بما بلغه عن علي وابن مسعود والشعبي والنخغي - رضي الله عليهم - إنما ~~أجازوا ذلك . PageV03P949 فإن أعطي رجلا فرسا حبيسا يغزو عليه فدخل دار ~~الحرب ، وأصابوا الغنائم ، ثم أخذ الفرس منه ثم أصابوا غنائم بعد ذلك ، ~~فإنما يضرب له في الغنيمة الأولى بسهم الفارس ، وفي الغنيمة الثانية بسهم ~~الراجل ، لأن الفرس أخذ منه بحق . وأما القيم إذا لم يكن في يده فرس آخر ~~حين دخل دار الحرب فإنه يضرب له بسهم راجل في جميع الغنائم ، لأنه دخل ~~الدار راجلا ، فلا يصير فارسا بعد ذلك بأخذ الفرس من يد الغازي ، كما لا ~~يصير فارسا بشراء فرس . PageV03P950 # | باب ما يبطل فيه سهم الفارس في دار الحرب وما لا يبطل # رجل وهب لرجل فرسا في دار الإسلام فقبضه الموهوب له ودخل به مع العسكر ~~دار الحرب ، فأصابوا غنائم ، ثم أراد الواهب أن يرجع فرسه فله ذلك ، لأن ~~الموهوب قائم عند الموهوب له على حاله ، ولم يصل إلى الواهب عوض من جهته ، ~~فيثبت له حق الرجوع فيه ، لتمكن الخلل في مقصوده . فإن رجع فيه ثم أصابوا ~~غنائم بع ذلك ، وقد كان الواهب دخل الدار راجلا فالواهب راجل في الغنائم ~~كلها ، لأنه انفصل إلى دار الحرب راجلا ، ولا معتبر بتحصيل الفرس في دار ~~الحرب في ms0550 استحقاق السهم به . وأما الموهوب له فهو فارس في الغنائم الأولى ، ~~لأنه انفصل فارسا وأصيبت تلك الغنائم وهو فارس . وهو راجل في الغنائم ~~الأخرى ، لأن الفرس أخذ من يده بحق مستحق . فإن حق الواهب ثابت في الرجوع ~~شرعا ، ما لم يتصل إليه العوض . PageV03P951 فإن قيل : قد انفصل هو على فرس ~~مملوك له ، ثم أزيل ملكه في دار الحرب لا باختياره ، فينبغي أن لا يخرج به ~~من أن يكون فارسا ، كما لو أخذه أهل الحرب فأحرزوه . قلنا : إنما أخذ الفرس ~~منه بحق مستحق شراعا . وذلك الحق كان سابقا على دخوله دار الحرب فيخرج من ~~أن يكون متمكنا من القتال على الفرس مطلقا ، وإنما كان تمكنه من القتال على ~~الفرس مقيدا بما قبل رجوع الواهب . ولهذا لو رجع الواهب قبل أن يصيبوا شيئا ~~لم يكن الموهوب له فارسا بعد رجوعه ، وكذلك إذا رجع بعدما أصيب بعض الغنائم ~~. ولو جعل هو فارسا بهذا المقدار أدى إلى القول بأن من كان معه عشرة أفراس ~~فوهب من كل رجل من الرجالة فرسا حتى دخلوا عليها دار الحرب ثم استرد ~~الأفراس منهم أن يكونوا فرسانا بذلك القدر فيما يصيبون ، وهذا بعيد ، فإن ~~من قال بهذا البعد لم يجد بدا من أن يقول : إذا أعاد الأفراس منهم ثم ~~استردوها في دار الحرب ، كانوا فرسانا أيضا ، إذ في كل واحد من الموضعين ~~عند الانفصال كانوا متمكنين من القتال على الأفراس ، إلى أن يرجع فيها ~~صاحبها ، وعلى هذا لو اشترى فرسا فاسدا فقبضه ودخل عليه دار الحرب ، لأن حق ~~البائع في الاسترداد ثابت لفساد البيع ، كحق الواهب في الرجوع ، بل أظهر . ~~فالبائع هاهنا مأمور بالاستيراد شرعا ، والواهب منهي PageV03P952 من الرجوع ~~ندبا . ثم هناك بالاسترداد يخرج الموهوب له من أن يكون فارسا فيما يصاب بعد ~~ذلك فهاهنا أولى . ولو كان البيع صحيحا ثم استحق الفرس من يد المشتري في ~~دار الحرب بالحجة فهذا بمنزلة البيع الفاسد ، لأنه أخذ منه بحق مستحق كان ~~ثابتا قبل دخوله دار الحرب ، ولأنه تبين بالاستحقاق ms0551 أنه كان غاصبا للفرس ، ~~فإذا استرده المغصوب منه يخرج هو من أن يكون فارسا به . وكذلك رجلان اشترى ~~أحدهما من صاحبه فرسا ببغل وتقاضيا ، فلما دخلا دار الحرب وجد العيب ~~بأحدهما ، فرد بالعيب بقضاء أو بغير قضاء . فما كانوا غنموا قبل التراد ~~يضرب فيه لمشتري الفرس سهم الفرس سواء كان هو الراد أو المردود عليه ، وما ~~أصيب بعد التراد يضرب له فيه بسهم راجل ، لأنه إن كان هو الراد فقد أزال ~~الملك عن فرسه باختياره . وإن كان هو المردود عليه فقد أخذ الفرس من يده ~~بحق ، فأما مشتري البغل فهو راجل في الغنيمتين جميعا ، لأنه دخل دار الحرب ~~راجلا . وعلى هذا لو تقايلا البيع ، أو كان أحدهما لم ير PageV03P953 ما ~~اشترى فرده بخيار الرؤية ، أو كان مشتري الفرس قبض الفرس ولم يسلم البغل ~~حتى هلك عنده فرد الفرس في دار الحرب بعدما أصاب بعض الغنائم ، لأن ملكه ~~أزيل بسبب مستحق ، فيخرج به من أن يكون فارسا فيما يصاب به بعد ذلك . ولو ~~رهن في دار الإسلام فرسا من رجل بدين له عليه ، ثم دخلا دار الحرب مه ~~العسكر ، فقضي الراهن المرتهن ماله وأخذ الفرس فقاتل عليه ، فهما راجلان : ~~أما المرتهن فلأنه لم يكن متمكنا من القتال على الفرس المرهون ، فلا يكون ~~هو فارسا به . وأما الراهن فلأنه لم يكن متمكنا من القتال على فرسه حين دخل ~~دار الحرب ، لأن عقد الرهن يوجب ملك اليد للمرتهن ، حتى لا يتمكن الراهن من ~~إثبات يده على المرهون ما لم يقض دينه . ولو كان إنما رهن الفرس في دار ~~الحرب بعد إصابة بعض الغنائم ثم أصيبت غنيمة أخرى ، ثم قضى الدين واسترد ~~الفرس ، ثم أصيبت غنيمة أخرى ، فهو فارس في الغنيمة الأولى والآخرة ، راجل ~~في الغنيمة الوسطى ، لأنه أزال تمكنه من القتال على الفرس باختياره ، مع ~~قيام ملكه ، فيكون بمنزلة ما لو آجره في دار الحرب ، وقد بينا الإجازة في ~~هذا الفصل PageV03P954 وقررنا المعنى فيه ، فالرهن قياسه ، لأن كل واحد من ~~العقدين يوجب استحقاق ms0552 اليد على صاحب الفرس مع قيام ملكه . ولو باع فرسه في ~~دار الحرب بعد إصابة بعض الغنائم ، ثم أصيبت غنيمة أخرى ، ثم وجد المشتري ~~به عيبا ورده بقضاء أو بغير قضاء ، ثم أصيبت غنيمة أخرى ، فصاحب الفرس فارس ~~في الغنيمة الأولى والأخرى ، راجل في الغنيمة الوسطى ، لأنه أزال تمكنه من ~~القتال عليه بإخراجه من ملكه ، فسواد عاد إليه بسبب هو فسخ من كل وجه أو ~~بسبب هو فسخ في حقه بيع جديد في حق غيره لا يتبين به أنه كان متمكنا من ~~القتال عليه حين أصيبت الغنيمة الوسطى . فإن قيل : كان ينبغي أن يكون راجلا ~~في الغنيمة الثالثة أيضا ، لأن البيع يتبين أن التزامه مؤنة الفرس كان لقصد ~~التجارة لا لقصد القتال عليه ، فبعد ذلك وإن عاد الفرس إلى يده يجعل ~~كالمشتري للفرس الآن ابتداء ، ولو دخل دار الحرب راجلا ثم اشترى فرا لم ~~يستحق سهم الفرسان . قلنا : بيعه الفرس في دار الحرب محتمل يجوز أن يكون ~~لقصد التجارة ، ويجوز أن يكون لقصد استبدال هذا الفرس بفرس آخر يكون أقوى ~~منه في القتال عليه ، فما انعقد له من سبب الاستحقاق لا يبطل بهذا المحتمل ~~، وإنما يبطل بما هو متيقن به ، وهو زوال تمكنه من القتال على الفرس . ~~وإنما وجد ذلك في الغنيمة الوسطى خاصة . وعلى هذا قال : لو لم يرد عليه ذلك ~~الفرس ولكن اشترى فرسا آخر مكانه أو وهب له فرس آخر ، والمسألة بحالها ، ~~فإنه لا يكون راجلا إلا في الغنيمة الوسطى ، رة ، ويجوز أن يكون لقصد ~~استبدال هذا الفرس بفرس آخر يكون أقوى منه في القتال عليه ، فما انعقد له ~~من سبب الاستحقاق لا يبطل بهذا المحتمل ، وإنما يبطل بما هو متيقن به ، وهو ~~زوال تمكنه من القتال على الفرس . وإنما وجد ذلك في الغنيمة الوسطى خاصة . ~~وعلى هذا قال : لو لم يرد عليه ذلك الفرس ولكن اشترى فرسا آخر مكانه أو وهب ~~له فرس آخر ، والمسألة بحالها ، فإنه لا يكون راجلا إلا في الغنيمة الوسطى ~~، PageV03P955 لأنها أصيبت ms0553 وهو لم يكن متمكنا من القتال على الفرس يومئذ . ~~فأما في الغنيمة الأولى والآخرة فهو فارس ، لأنه كان متمكنا من القتال على ~~الرفس حين أصيبت بعدما انعقد له سبب الاستحقاق بالانفصال إلى دار الحرب ~~فارسا . وكذلك إن قاتل المشركون المسلمين على الغنيمة الوسطى ليستردها ~~فقاتل هو معهم على الفرس الثاني ، لأنه قاتل وله فيها نصيب ، وهو سهم ~~الراجل ، فلا يزداد بهذا القتال حقه فيها . وكذلك لو كان الفرس الذي اشترى ~~دون الذي باعه إلا أنه بحيث يقاتل عليه ، لأنه لو دخل على هذا دار الرحب في ~~الابتداء استحق سهم الفرسان ، وحالة البقاء أسهل ، فإذا جاز أن ينعقد له ~~سبب الاستحقاق بهذا الفرس فالبقاء به يكون أجوز . ولو كان رجلان لكل واحد ~~منهما فرس فتبادلا ، أو باع كل واحد منهما صاحبه فرسا بدراهم ، فهما فارسان ~~على حالهما ، لأن كل واحد منهما دخل دار الحرب فارسا ، ودام تمكنه من ~~القتال على الفرس . إما بما باعه أو بما اشتراه . PageV03P956 ولو دخل دار ~~الحرب فارسا فقتل مسلم فرسه وضمن له قيمته فلم يشتر بها صاحب الفرس فرسا ~~حتى أصابوا غنائم ، فصاحب الفرس فارس في جميع ذلك ، لأن سبب الاستحقاق قد ~~انعقد له ، وما أزال الفرس عن ملكه بعد ذلك باختياره وإنما تلف بغير صنع من ~~جهته فهو كما لو مات . فإن قيل : حين ضمن المتلف قيمته فقد ملكه بما استوفى ~~من القيمة ، فلماذا لا يجعل هذا كبيعه منه ؟ . قلنا : هو ما قصد التمليك ~~منه ، وإنما دفع الخسران عن نفسه باسترداد القيمة منه ، بعد تعذر استرداد ~~العين ، إلا من شرط تقرر ملكه في القيمة انعدام ملكه في الأصل لكيلا يجتمع ~~البدلان في ملك واحد ، فكان التمليك هاهنا ثابتا بطريق الضرورة لا باعتبار ~~قصد أو فعل كان من جهة صاحب الفرس ، فلا يبطل به حقه . وعلى هذا لو قتله ~~مسلم ثم فر فلم يقدر عليه ، أو غصبه منه مسلم فغيبه وضمن له قيمته ، أو هرب ~~عليه فأخرجه إلى دار الإسلام فهو بمنزلة الأول في جميع ما ms0554 ذكرنا . ولو كان ~~الغاصب غيبه فقضى القاضي عليه بقيمته ، ثم ظهر الفرس في يده ، وقد كانوا ~~أصابوا غنائم قبل غصب الفرس وبعده ، وبعدما ظهر الفرس ، فما كان من غنيمة ~~قبل غصب الفرس وبعده ، قبل أن يضمن الغاصب القيمة فالمغصوب منه في ذلك فارس ~~، لأن ملكه بالغصب لم يزل وإنما زال تمكنه من القتال عليه لا باختياره . ~~وما أصيب بعدما ضمن الغاصب القيمة قبل أن يظهر الفرس أو بعده فاللمغصوب منه ~~في ذلك كله سهم راجل ، PageV03P957 لأن زوال تمكنه من القتال عليه في هذه ~~الحالة كان باختياره ، وقد كان متمكنا من أن يتلوم ولا يعجل بتضمين القيمة ~~لعل فرسه يظهر فيأخذه ، فإذا لم يفعل ذلك ، ولكنه طلب القيمة وقضى له بها ~~فقد صار في حكم البائع لفرسه ، فيجعل زوال تمكنه من القتال على فرسه مضافا ~~إلى اختياره . أرأيت لو غصبه إنسان ساعة من نهار فضمنه قيمته ، ثم ظهر ~~الفرس لكان هذا فارسا بعد هذا . وقد أخرجه من ملكه باختياره ، إلا أن يكون ~~حين استوفى القيمة اشترى بها فرسا آخر قبل إصابة الغنائم ، فحينئذ هو يكون ~~فارسا في جميع ذلك ، لقيام تمكنه من القتال على الفرس . ولو دخل دار الحرب ~~فارسا فأصابوا غنائم ، ثم باع فرسه واستأجر فرسا وقاتل عليه فأصابوا غنائم ~~أيضا ، فهو فارس في الغنائم الأولى راجل في الغنائم الثانية ، لأن سبب ~~الاستحقاق إنما انعقد له بفرس مملوك له ، والمستأجر لا يكون مملوكا له ، ~~فلا يصلح أن يكون قائما مقام الأول في إبقاء سبب الاستحقاق المنعقد بالفرس ~~الأول ، ولا ينعقد يه سبب آخر ابتداء ، لأنه حصل في دار الحرب . وكذلك لو ~~استعار فرسا . فإنه مثل الاستئجار أو دونه . فأما إذا وهب له فرس ، أو تصدق ~~به عليه وقبضه فهو فارس في جميع الغنائم ، PageV03P958 لأن الموهوب مملوك ~~له ، فيصلح أن يكون قائما مقام الأول في إبقاء ما انعقد به من سبب ~~الاستحقاق . يوضحه : أن باستئجار الفرس والاستعارة لا يتبين أنه لم يكن ~~مقصوده التجارة بالتزام مؤنة الفرس الأول ، وبالشراء يتبين أنه ms0555 لم يكن ~~مقصوده ذلك ، فيمكن إقامة المشتري مقام ما باع ، ثم يجعل الموهوب كالمشتري ~~، لأن كل واحد من السببين يثبت له الملك في غير الفرس . ولو كان في ~~الابتداء دخل على فرس مستأجر ، فأصابوا غنائم ، ثم انقضت الإجازة فأخذه ~~صاحبه ، ثم أصابوا غنائم ، ثم استأجر فرسا آخر فقاتل عليه ، فأصابوا غنائم ~~، فهو فارس في الغنائم الأولى والأخيرة ، راجل في الغنيمة الوسطى ، لأن سبب ~~الاستحقاق لنعقد له باعتبار فرس هو متمكن من القتال عليه ، من غير أن يكون ~~مالكا الاستحقاق انعقد له باعتبار فرس هو متمكن من القتال عليه ، من غير أن ~~يكون مالكا لعينه ، والثاني مثل الأول في هذا ، فيقوم مقامه في إبقاء ذلك ~~الاستحقاق به ، كما قام المشتري مقام الفرس الذي كان مملوكا له ، وإنما لا ~~يستحق سهم الفارس فيما أصيب في حال لم يكن هو متمكنا من القتال على الفرس ، ~~وهو الغنيمة الوسطى فقط . ثم لا فرق في هذا المعنى بين أن ينتهي العقد بمضي ~~المدة أو ينتقض بموت المؤاجر ، أو بتقايل الإجارة في المدة . ولو كان ~~استعار فرسا والمسألة بحالهم لم يكن له إلا سهم راجل فيما أصيب بعد ذلك ، ~~PageV03P959 لأن الاستعارة دون الاستئجار في الاستحقاق ، فإن الاستئجار ~~يثبت له استحقاقه المنفعة وبالاستعارة لا يثبت ، فلا يمكن إبقاء ما انعقد ~~له من السبب باعتبار الفرس من المستأجر بهذا الفرس المستعار . ولو كان ~~اشترى فرسا حين انقضت الإجارة ، أو وهب له فهو فارس في جميع الغنائم ، لأنه ~~لو استأجر كان فارسا ، فإذا اشترى أو وهب له كان أولى . إذا قد وجد في ~~الثاني المعنى الذي لأجله انعقد له سبب الاستحقاق وزيادة . ولو كان الفرس ~~في يده حين دخل الحرب عارية وأصابوا غنائم ، ثم استرده المعير فأصابوا ~~غنائم ، ثم استعار فرسا آخر ليقاتل عليه فأصابوا غنائم ، فإن كان الذي ~~أعاره الفرس ممن يستحق السهم بسبب الفرس الذي أعار فقد بينا أنه لا يبطل ~~استحقاقه بالإعارة للقتال ، لأنه يزول به تمكنه من القتال على الفرس ، فإذا ~~بقي هو مستحقا للسهم ms0556 باعتبار هذا الفرس ، فلا يستحق المستعير باعتباره شيئا ~~، لأن بالفرس الواحد لا يكون رجلان فارسين ، وإنما يضرب للمستعير بسهم ~~الفارس في الغنيمة الأولى خاصة . وإن كان المعير معه خيل كثير وهو يستحق ~~سهم الفرس بغير هذا الفرس ، فللمستعير سهم الفرس في الغنائم الأولى ~~والأخيرة ، وله سهم راجل في الغنيمة الوسطى ، لأن الثاني مثل الأول الذي ~~انعقد له سبب الاستحقاق باعتباره ، فيجعل ذلك السبب باقيا ببقاء ما هو مثله ~~، كما يجعل باقيا عينه . PageV03P960 ألا ترى أنه لو استعار ذلك الفرس ~~بعينه ثانيا وقاتل عليه كان فارسا ؟ وكذلك لو أنه اشترى فرسا أو وهب له أو ~~استأجره ، لأن الثاني فوق الأول في المعنى الذي انعقد به سبب الاستحقاق له ~~، فيبقى ذلك الاستحقاق باعتباره . ويستوي إن كان الذي استأجره فرسا ، كان ~~صاحبه فارسا أو لم يكن ، لأن بالإجازة يخرج صاحبه من أن يكون فارسا به ، ~~بخلاف الإعارة ، وهذا لأن بالإجارة يزول تمكن صاحبه من القتال عليه ، بما ~~أوجب من الحق للمستأجر ، وبالإعارة لا يزول ذلك . ألا ترى لو أنه آجر نفسه ~~للخدمة مدة معلومة في دار الحرب لم يكن له سهم ؟ ولو أعان غازيا وخدمه في ~~دار الحرب لا يبطل به سهمه ، فكذلك الحكم في سهم فرسه . ولو اشترى في دار ~~الإسلام فرسا ولم يقبضه ، حتى دخلا دار الحرب ، ثم نقد الثمن وقبض الفرس ، ~~فكل واحد منهما راجل في جميع الغنائم . أما البائع فلأن الفرس زال من ملكه ~~قبل أن يدخل دار الحرب ، فهو قد دخل وليس له فرس ، وأما المشتري فلأنه دخل ~~وهو غير متمكن من القتال على فرسه ، لكونه محبوسا عند البائع بالثمن ، ~~بمنزلة المرهون وإنما صار متمكنا حين نقد الثمن في دار الحرب ابتداء ، ~~فكأنه اشترى الفرس الآن ، PageV03P961 ولو كان نقد الثمن قبل أن يدخل دار ~~الحرب ولم يقبض الفرس حتى دخل أو كان الثمن إلى أجل ، ففي القياس المشتري ~~راجل فيما أصيب من الغنائم ، لأن القتال على الفرس تصرف ، وملك التصرف يحصل ~~للمشتري عند القبض ابتداء ، وإنما ملك القتال ms0557 عليه في دار الحرب بعدما قبضه ~~. يوضحه : إن الفرس في ضمان ملك البائع ، وإن كان المشتري قد نقده الثمن ~~بدليل أنه لو هلك يهلك على ملكه ، والبائع إذا وجد الثمن زيوفا فرده يكون ~~له أن يحبسه إلى استيفاء الثمن ، فعرفنا أن المشتري حين دخل دار الحرب لم ~~يكن متمكنا من القتال عليه مطلقا ، فلا يستحق به سهم الفارس ، كما قبل نقد ~~الثمن . وفي الاستحسان للمشتري سهم الفرس ، لأن انعقاد سبب الاستحقاق له ~~باعتبار تمكنه من القتال على الفرس عند مجاوزة الدرب ، وهذا ثابت باعتبار ~~ملكه وخلوه عن حق الغير وتمكنه من الأخذ متى شاء بإقرار البائع له بذلك ، ~~وقد تقرر هذا التمكن بقبضه ، فيستحق سهم الفرس به . كما لو أعار فرسه غيره ~~للركوب أو أودعه منه . ولو دخل مسلمان دار الحرب بفرس مشترك بينهما يقاتل ~~عليه هذا مرة وهذا مرة ، فهما راجلان في الغنائم كلها ، لأن كل واحد منهما ~~لا يتمكن من القتال عليه بغير إذن صاحبه ، فلا يكون فارسا باعتباره . فإن ~~كان أحدهما أجره من صاحبه أو أعاده في دار الإسلام فالمستعير والمستأجر ~~فارس به ، PageV03P962 لأنه انفصل وهو متمكن من القتال عليه . إلا أن يأخذ ~~المعير حصته أو تنقضي الإجازة ، فحينئذ يكون هو راجلا فيما يصاب بعد ذلك ، ~~لأنه زال تمكنه من القتال عليه بحق مستحق كان سابقا على دخوله دار الحرب . ~~ولو دخلا بفرسين بينهما نصفين ، وطيب كل واحد منهما لصاحبه في دار الحرب أن ~~يقاتل على فرس منهما بعينه أو بغير عينه ، فهما راجلان ، لأن كل واحد منهما ~~انفصل وهو غير متمكن من القتال على الفرس ، وإنما صار متمكنا من ذلك بسبب ~~حادث في دار الحرب ، وهو أن صاحبه طيب له ذلك ، وذلك لا ينفعه شيئا . ولو ~~كان طيب كل واحد منهما لصاحبه قبل دخول دار الحرب فهما فارسان ، إلى أن ~~يرجع كل واحد منهما عما أذن لصاحبه فيه ، لأن كل واحد منهما انفصل وهو ~~متمكن من القتال على الفرس ، فينعقد له سبب الاستحقاق به ما بقي ms0558 تمكنه ، ~~فإذا أرجعا عن ذلك التمكن ، فيكون كل واحد منهما راجلا بعد ذلك . وكذلك إذا ~~تهايئا على الركوب قبل دخول دار الحرب . فإن المهايأة قسمة المنفعة . وقد ~~بنا الخلاف في التهايؤ على ركوب الدابتين في كتاب الصلح من شرح المختصر . ~~PageV03P963 ولا خلاف أن أحدهما إذا طلب ذلك وأبى صاحبه فإنه لا يجبر كل ~~واحد منهما على المهيأة على الركوب للقتال ، لأن اعتبار المعادلة في ذلك ~~غير ممكن ، فلا يجري فيه الإجبار . ولكن إن اجتمعا عليه فلهما ذلك بوجود ~~التراضي منهما ، ويجبران على التهايؤ على الركوب لغير الحرب عند محمد - ~~رحمه الله - ، لأن اعتبار المعادلة فيه ممكن ، فإذا طلب أحدهما أجبر الآخر ~~عليه اعتبارا لقسمة المنفعة بقسمة العين . ثم لا يستحق واحد منهما بذلك سهم ~~فارس ، لأن واحدا منهما لا يصير متمكنا من القتال على الفرس بالمهايأة على ~~الركوب . ولو كان كل واحد منهما أذن لصاحبه في ركوب أي الفرسين شاء ولم ~~يدفع إلى صاحبه فرسا بعينه ، فكل واحد منهما راجل ، سواء كان هذا الإذن ~~منهما في دار الإسلام أو في دار الحرب ، لأن إعارة نصيبه من صاحبه لا تتم ~~بمجرد الإذن ما لم يسلم إليه . ولو دخل مسلم دار الحرب بأفراس فباعها كلها ~~إلا واحدا منها لم يحرم سهم الفارس ، لأن متمكن من القتال على الفرس بما ~~بقي عنده ، ولأنه تبين بما صنع PageV03P964 أنه قصد التجارة فيما باع فيسقط ~~اعتبار ذلك في استحقاق السهم به ، ويجعل في الحكم كأنه حين دخل لم يكن معه ~~إلا هذا الفرس . وهذا لأن ما زاد على الواحد فضل هو غير محتاج إليه ، إنما ~~يبنى حكم الاستحقاق ثبوتا ، وبقاء على ما يحتاج إليه خاصة . ألا ترى أنه لو ~~رجع بعض الشهود لم ينتقض نصاب الشهادة برجوع من رجع ، فإن القاضي لا يمنع ~~من القضاء بالشهادة لهذا المعنى ، ولو كان بعد القضاء لم يجب شيء من الضمان ~~على الراجعين . ول نفق منها واحد أو عقر في دار الحرب ثم باع بقية خيله فهو ~~فارس أيضا ، لأنه ms0559 لو نفق بعد بيع البعض بقي فارسا باعتباره ، فكذلك قبله ، ~~وهذا لأن ما باع صار كأن لم يكن ، فكأنه دخل بفرس واحد ، ثم نفق قبل القتال ~~عليه أو بعده ، وهو يستحق سهم الفرسان في هذا . ولو دخل مراهق دار الحرب ~~فارسا أو راجلا فأصابوا غنائم فله الرضخ على التفسير الذي قلناه . فإن لم ~~يخرجوا إلى دار الإسلام ولم يقسموا الغنائم حتى بلغ الغلام ضرب له بسهم ~~فارس إن كان فارسا ، وبسهم راجل إن كان راجلا ، سواء لقوا قتالا بعد ذلك أو ~~لم يلقوا ، لأن سبب الاستحقاق قد انعقد له حين جاوز الدرب ، ثم قبل تمام ~~الاستحقاق كمل حاله ، فيجعل ما اعترض كالمقترن بأصل السبب في استحقاقه ~~السهم الكامل ، بمنزلة الذمي إذا أسلم ، وقد بيناه فيما مضى . أشار هاهنا ~~إلى حرف آخر فقال : PageV03P965 من العلماء من يقول يسهم له وإن لم يبلغ ، ~~وللذمي وإن لم يسلم ، فاختلافهم في استحقاق السهم الكامل قبل البلوغ ~~والإسلام يكون اتفاقا منهم على استحقاق ذلك إذا كان بالغا مسلما عند تمام ~~الاستحقاق . والله أعلم . PageV03P966 # | باب مما يختلف فيه صاحب الفرس وصاحب المقاسم فيما يجب للفرس # ولو أن غازيا باع فرسه في دار الحرب فله سهم الفرسان فيما أصيب قبل بيعه ~~، وفيما أصيب بعد البيع له سهم الرجالة . فإن قال الذي يلي المقاسم : إنما ~~بعت فرسك قبل الإصابة ، وقال الغازي : ما بعته إلا بعد الإصابة . فالقول ~~قول الذي يلي المقاسم . وكان ينبغي أن يكون القول قول الغازي ، لأن سبب ~~الاستحقاق قد انعقد له بمجاوزة الدرب ، ولأن البيع حادث ، فإنما يحال ~~بحدوثه على أقرب الأوقات ، ما لم يثبت سبق التاريخ بالحجة ولكنه قال : سبب ~~الرحمن قد ثبت بإقراره ، وهو بيع الفرس ، فلا يثبت له الاستحقاق بعد ذلك ~~إلا بحجة . ألا ترى أن مسلما لو مات وله أخ مسلم ، فجاء ابنه مرتدا ، وزعم ~~أنه ارتد بعد موت أبيه ، فالميراث له وقال الأخ : إنما ارتد في حياته ، ~~فالقول قول الأخ ، وإن كان يدعي تاريخا سابقا في ردته ، لأن سبب حرمانه ms0560 ~~ظاهر ، فلا يثبت استحقاقه بعد ذلك إلا بحجة . PageV03P967 وكذلك لو كان ~~ابنه نصرانيا فزعم أنه أسلم قبل موت أبيه ، لأن سبب حرمانه وهو المخالفة في ~~الدين معلوم ، فلا يثبت الاستحقاق إلا بحجة . يوضحه : أن سبب الاستحقاق ~~التزام مؤنة الفرس عند مجاوزة الدرب على قصد القتال . وبالبيع في دار الحرب ~~قد صار ذلك محتملا فلا يثبت استحقاقه إلا بترجيح جانب القصد إلى القتال . ~~وهو يعلم أنه باعه بعد القتال وإصابة الغنائم . فما لم يثبت ذلك بالبينة لا ~~يثبت سبب استحقاقه . فأما الإحالة بالبيع على أقرب الأوقات فهو نوع من ~~الظاهر وبالظاهر يدفع الاستحقاق ، ولا يثبت الاستحقاق . وإن أقام البينة من ~~الجند على أنه باعه بعد الإصابة قبلت بينته لخلوها عن التهمة . وإن شهد ~~بذلك شاهد واحد فالحاجة لا تتم بشهادته فإن قال المشهود له : أشارك هذا ~~الفارس الذي شهد لي في نصيبه لإقراره لم يكن له ذلك ، لأنه لم يكن لواحد ~~منهما ملك في شيء من الغنيمة قبل القسمة ، وإقرار من ردت شهادته إنما يعتبر ~~إذا صادف ملكه أو كان أقر بملك للغير فيه ولم يوجد ذلك هاهنا فلهذا لا ~~يشاركه في نصيبه . PageV03P968 وإن قال الفارس : نفق فرسي أو عقر . وقال ~~الذي يلي المقاسم : أراك بعته ، فالقول للفارس ، وله سهم الفرسان ، لأن سبب ~~الاستحقاق له معلوم ، وما يبطل حقه وهو بيع الفرس مختلف فيه ، صاحب المقاسم ~~يدعيه والغازي ينكره ، فالقول قوله مع يمينه ، بمنزلة ما لو ادعى الأخ ~~المسلم على الابن أنه ارتد في حياة أبيه ثم أسلم بعد موته ، وقال الابن : ~~ما ارتددت قط ، فإنه يكون القول قول الابن ، والميراث له ، فإنه قال : دخلت ~~بفرس فنفق ، وقال صاحب المقاسم : ما أدخلت بفرس أم لا ؟ فهو راجل حتى يعلم ~~أنه دخل بفرس ، لأن الغازي هاهنا يدعي سبب استحقاق سهم الفرس ، وهو غير ~~معلوم ، فلا يستحق شيئا إلا بحجة . بمنزلة ما لو ادعت امرأة ميراث ميت ~~وزعمت أنه كان تزوجها في حياته ، لم تصدق إلا بحجة وإن علم صاحب المقاسم ~~والمسلمون أنه ms0561 كان فارسا ، وأنه استهلك فرسه بعد إصابة بعض الغنائم ببيع أو ~~هبة ولكنهم لا يدرون ما أصابوا قبل استهلاكه ، ولا ما أصابوا بعده ، فله في ~~ذلك سهم راجل ، إلا ما علم أن إصابته كان قبل استهلاكه ، لأن السبب المبطل ~~لحقه هاهنا عن البعض معلوم ، فلا يعطي إلا القدر المتيقن به ، ولأن كل جزء ~~من المصاب يحتمل أن يكون مصابا بعد استهلاكه . PageV03P969 ويحتمل أن يكون ~~قبله ، وبالاحتمال لا يثبت الاستحقاق ، وصار كل جزء هاهنا كجميع المصاب في ~~مسألة أول الباب . ولا يمين على صاحبت المقاسم في شيء من هذا ، لأنه ليس ~~بخصم ، وإنما هو بمنزلة الحاكم . وإن كان باع فرسه واشترى فرسا آخر فقد ~~بينا أنه فارس في كل مصاب ، إلا ما كان بعد بيعه الفرس قبل شرائه الفرس ~~الثاني . فإن اختلفوا في ذلك لم يضرب له إلا بسهم راجل في جميع ذلك لبقاء ~~الاحتمال في كل جزء من المصاب حقه إلا بحجة . ولأنا علمنا أنه كان راجلا في ~~دار الحرب في وقت ، فلا يستحق سهم الفرسان ، ما لم يعلم أن الإصابة كانت في ~~غير ذلك الوقت ، بمنزلة الابن الذي علم أنه كان نصرانيا في وقت فجاء مسلما ~~بعد موت الأب ، وزعم أنه كان أسلم في حياته ، لم يصدق إلا بحجة . وكذلك لو ~~علم أن الابن كان مرتدا في وقت فقال : أسلمت قبل موت الأب . وقال الأخ : ~~أسلمت بعد موته فإنه لا يستحق الميراث ما لم يثبت بالبينة إسلامه قبل موت ~~أبيه . ولو أقر بأنه بادل فرسه بهذا الفرس الذي في يده ، PageV03P970 وقال ~~صاحب المقاسم : أظنك بعت فرسك ثم اشتريت هذا الفرس فالقول قول الغازي مع ~~يمينه ، لأنه لم يعلم كونه راجلا في دار الحرب في وقت من الأوقات . فقد ~~بينا أن مبادلة الفرس بفرس آخر لا تجعله في حكم الراجل . فصاحب المقاسم ~~هاهنا يدعي السبب المبطل لحقه ، وهو منكر . فالقول قوله مع يمينه . بخلاف ~~الأول . ومن لحق بالجيش من تاجر أو حربي أسلم في دار الحرب ، أو عبد كان ~~يخدم ms0562 مولاه فأعتقه ، فقد بينا أن له الشركة فيما يصاب بعدما التحق بهم ، ~~ولا شركة فيما أصيب قبل ذلك . إلا أن يلقوا قتالا فيه ، فيقاتل دفعا عن ذلك ~~، فإن لم يعلم ما أصابوا قبل أن يلحق بهم ، ولا ما أصابوا بعدما لحق بهم ، ~~ولم يلقوا قتالا بعد الإصابة فلا شيء له ، ما لم يقم البينة على شيء أنه قد ~~أصيب بعدما لحق بهم ، لأن الاحتمال قائم في كل جزء من المصاب . وبالاحتمال ~~لا يثبت الاستحقاق ابتداء . فإن سهد له بذلك . لما بينا أنهم لم يشهدوا ~~بملك له في شيء . PageV03P971 ألا ترى أنه لو قبلت شهادتهم لم يملك شيئا ~~قبل قسمة الغنائم ؟ وحق الاشتراك ينبني على الملك فيما هو خاص . ألا ترى أن ~~جيشا لو اقتسموا غنائم ، ثم ادعى رجل أنه كان معهم فأقر بذلك بعض الجيش لم ~~يشارك المقر في نصيبه ؟ وهذا مما لا يشكل فإنه لو علم أنه كان مع الجيش لم ~~يكن له سبيل على ما أصاب كل واحد منهم استحسانا ، ولكن إن بقيت من الغنيمة ~~بقية . أعطاه الإمام نصيبه من ذلك وإن لم يبق أعطاه عوض نصيبه من بيت المال ~~. فإذا لم يعلم كان أولى . وهذا نوع استحسان ، باعتبار أن الغرم مقابل ~~بالغنم . ولو بقي شيء تتعذر قسمته بين الغانمين يجعل في بيت المال . فكذلك ~~إذا ظهر سهو يجعل ذلك على بيت المال . وكذلك لو ادعى هذا الرجل أن المسلمين ~~لقوا قتالا بعدما لحق بهم ، أنه قاتل دفعا عن المصاب معهم ، وقد علم ~~المسلمون أنهم لقوا قتالا بعد الإصابة ولكن لا يدرون أن ذلك القتال كان قبل ~~أن يلحق بهم هذا الرجل أو بعده فلا شركة له معهم ، حتى تقوم البينة من ~~المسلمين على ما يدعي من ذلك ، لأن سبب استحقاقه هاهنا المقاتلة معهم دفعا ~~عن المصاب ، وذلك لا يظهر بقوله ، فلا بد من إقامة البينة عليه . ~~PageV03P972 # | باب دفع الفرس باشتراط السهم وإعادته وإيداعه في دار الحرب # قال : وإذا دخل الغازي في دار الحرب فارسا ، ثم دفع فرسه ms0563 إلى رجل ليقاتل ~~عليه على أن سهم الفرس لصاحبه فهذا جائز ، لأنه شرط موافق لحكم الشرع ، وقد ~~بينا أن إعادة الفرس في دار الحرب لا يبطل استحقاقه ، وأنه لو لم يشترط هذا ~~كان له سهم الفرس له والشرط لا يزيده إلا وكادة . ولو كان شرط أن سهم الفرس ~~وسهم الراجل الذي قاتل عليه كله لصاحب الفرس فذها فاسد ، لأنه شرط لنفسه ما ~~هو حق الذي يقاتل على فرسه ، فيكون هذا إجازة منه لفرسه بما شرط عليه . ~~وهذه إجازة فاسدة لجهالة البدل المشرط عليه . فيكون له أجر مثله على الذي ~~قاتل عليه ، ولا سهم هاهنا . أما الذي قاتل عليه فإنه استأجر في دار الحرب ~~إجازة فاسدة ، ولو استأجره إجارة صحيحة أو اشتراه لم يستحق به شيئا فهذا ~~أولى . وأما صاحب الفرس فلأنه لو أجره إجارة صحيحة بطل به حقه كما لو باعه ~~في دار الحرب . فكذلك إذا آجره إجارة فاسدة ، لأن العقد الفاسد معتبر ~~بالجائز في الحكم ، ولأنه استحق عوضا عن منفعة فرسه وهو أجر المثل ، فلا ~~يستحق به السهم مع ذلك . PageV03P973 ولو كان مع صاحب الفرس فرس غير هذا ~~فله سهم فارس باعتبار الفرس الآخر سواء بقي في يده أو نفق ، لأن الذي آجره ~~بهذه الصفة صار كأن لم يكن . ولو لم يدخلوا دار الحرب حتى أعطى فرسه رجلا ~~على أن يكون سهم الفرس لصاحبه ، فإن سهم الفرس هاهنا للذي أدخله دار الحرب ~~، لأن سبب الاستحقاق قد انعقد له وهو الانفصال فارسا . فيكون صاحب الفرس ~~مؤاجرا فرسه ببذل مجهول فيستوجب عليه أجر المثل ، وليس له من سهم الفرس شيء ~~، لأنه انفصل راجلا ، فإن كان معه فرسان فصنع هذا بأحدهما والمسألة بحالها ~~فله سهم الفارس باعتبار فرسه الذي بقي له ، وأما سهم الفرس الآخر فهو للذي ~~قاتل عليه ، ولصاحب الفرس عليه أجر المثل في قول محمد ، وهو قياس قول أبي ~~حنيفة ، لأن من أصلهما أن الغازي لا يستحق السهم إلا بفرس واحد ، وإن قاد ~~بأفراس فكان في هذا الشرط معنى إجازة ms0564 الفرس كما بينا . فأما في قياس قول من ~~يقول بسهم لفرسين ، وهو قول أبي يوسف ، فينبغي أن يكون الشرط صحيحا والسهم ~~كله لصاحب الفرس ، لأنه بدون هذا الشرط كان يستحق سهم الفرسين ، فالشرط لا ~~يزيده إلا وكادة . PageV03P974 لكن هذا إذا كان الإعطاء بهذا الشرط فالشرط ~~لا يزيده إلا وكادة . لكن هذا إذا كان الإعطاء بهذا الشرط في دار الحرب ، ~~فأما إذا كان في دار الإسلام فسهم الفرس للذي قاتل عليه ، ولصاحب الفرس ~~عليه أجر مثله في الوجهين ، لأنه ما انعقد لصاحب الفرس سبب استحقاق السهم ~~بهذا في دار الإسلام ، وإنما انعقد ذلك لمن كان فارسا به عند الانفصال ، ~~فيكون معنى الإجازة متقررا بينهما هاهنا . وإن كان لكل واحد من الرجلين فرس ~~غير الفرس الذي أعطى أحدهما صاحبه بهذا الشرط . ففي قول أبي حنيفة ومحمد - ~~رحمهما الله - : لا يسهم لهذا الفرس ، ولا شيء لصاحبه على من أخذه منه ، ~~لأن كل واحد منهما فارس عند الانفصال بالفرس الآخر ، دون هذا الفرس . وأما ~~في قول أبي يوسف فللذي قاتل على الفرس سهم فرسين لأنه انفصل إلى دار الحرب ~~ومعه فرسان ، فيكون لصاحب الفرس عليه أجر مثله ، باعتبار الشرط الذي جرى ~~بينهما في دار الإسلام . وإذا أودع المسلم فرسه في دار الحرب مسلما أو ذميا ~~، ثم خرج راجلا في سرية فأصابوا غنائم ورجعوا إلى العسكر ، أو خرجوا من ~~جانب آخر إلى دار الإسلام ، فصاحب الفرس فارس في ذلك الوجهين ، PageV03P975 ~~لأن سبب استحقاق سهم الفرس قد انعقد له ، ثم يبطل ذلك بإيداعه إياه من رجل ~~معه في المعسكر لبقاء تمكنه من الأخذ بعد الإيداع وقد قررنا هذا في الإعارة ~~. فهو بمنزلة ما لو تركه مع غلامه في المعسكر . فكما لا يبطل هناك سهمه لا ~~يبطل هاهنا . ألا ترى أن العدو لو حضروا العسكر فخرج إليهم راجلا وهو محتاج ~~إلى فرسه ، ولكن تركه إبقاء عليه ، كان له سهم الفرس ؟ فكذلك إذا خرج في ~~سرية وتركه في المعسكر عند بعض أصحابه ليقوم عليه ويسمنه وهو محتاج إلى ms0565 ذلك ~~أو غير محتاج . ولو كان الإمام نفل للفرسان من السرية نفلا فليس لهذا الرجل ~~من النفل شيء ، لأنه قصد بالتنفيل تحريضهم على إخراج الأفراس معهم إلى ~~الموضع الذي وجههم إليه ، فمن ترك فرسه في المعسكر لا يدخل في هذا التنفيل ~~، حتى لو خرج القوم كلهم رجالة وتركوا الأفراس في المعسكر لم يكن لهم من ~~نفل الفرسان شيء لهذا المعنى . ولو مر عسكر المسلمين بحصن من حصونهم ~~ممتنعين من أهل الإسلام ، فأودع مسلم فرسه من رجل كان ساكنا في الحصن مسلما ~~مستأمنا أو ذميا أو أسيرا أو حربيا ، بينه وبينه قرابة ، ثم قاتل راجلا وهو ~~بالقرب من باب الحصن أو بالبعد منه ، فليس له فيما يصاب إلا سهم راجل ، ~~PageV03P976 لأنه صار مضيعا فرسه حين جعله في منعة أهل الحرب ، فهو بمنزلة ~~ما لو استهلك فرسه ، وهذا لأنه أزال تمكنه من القتال على الفرس باختباره . ~~فإن أهل الحرب إذا منعوه منه لا يتمكن من إثبات يده على الفرس بقوته . ولا ~~بقوة الإمام ، إذ لا ولاية له على من هو في منعة أهل الحرب ، بخلاف ما سبق ~~. فهناك إنما جعل الفرس في يد مسلم من أهل العسكر ، وهو متمكن من الاسترداد ~~منه متى شاء ، فلا يزول به تمكنه من القتال عليه . فإن رجع إليهم بعد إصابة ~~الغنائم وأخذ فرسه لم يكن له فيها إلا سهم راجل سواء لقوا قتالا بعد ذلك أو ~~لم يلقوا . أما إذا لم يلقوا قتالا فلا أشكال . وحاله كحال من باع فرسه ثم ~~اشترى فرسا بعد إصابة الغنيمة . وأما إذا لقوا قتالا فلأن له في المصاب سهم ~~راجل . وإنما قاتل دفعا عن ذلك ، فلا يزداد به سهمه ، وكذلك لو دخل مدينة ~~من مدائنهم بأمان مع فرسه ، فأصابوا غنائم ، ثم خرج إلى المعسكر بعد ذلك ، ~~فلا نصيب له في تلك الغنيمة ، لأنه خرج من أن يكون مقاتلا حين دخل في ~~منعتهم بأمان فلا يكون هو ممن شهد الوقعة حقيقة ولا حكما ولكن حاله كحال من ~~كان من المسلمين مستأمنا ms0566 في هذه المدينة ، فخرج والتحق بالعسكر ، فلا شركة ~~له فيما أصيب قبل ذلك ، إلا أن هاهنا PageV03P977 إن لقي المسلمون قتالا ~~فقاتل معهم دفعا كان له سهم الفارس فيما أصيب قبل ذلك ، لأنه ما كان مستحقا ~~لشيء من هذا المصاب حتى يكون قتاله دفعا عن ذلك ، فيثبت الحق له بهذا ~~القتال ، وإنما التحق بهم فارسا فيستحق سهم الفرسان ، بخلاف ما سبق . ولو ~~كان أسر على فرسه والمسألة بحالها كان له سهم الفارس ، سواء التحق بهم ~~فارسا أو راجلا ، لأنه انعقد له سبب الاستحقاق معهم بدخول دار الحرب للقتال ~~، ثم لم يعترض بعد ذلك ما يبطله ، فإنه أسر بغير اختياره ، ولم يخرج به من ~~أن يكون محاربا . ألا ترى أنه يجوز له قتلهم وأخذ أموالهم إن قدر على ذلك ، ~~بخلاف الأول ، فهناك ترك القتال معهم باختياره . ألا ترى أنه لا يحل له ~~قتلهم ولا أخذ أموالهم ما دام مستأمنا فيهم . ول كان الأمير بع إليهم رسولا ~~في بعض حوائج المسلمين ، فلما دخل الرسول إليهم بأمان أصاب المسلمون غنائم ~~بعد ذلك ، ثم خرج الرسول ، فإنه يستحق سهم الفرسان معهم إن كان فارسا ، ~~سواء خرج إليهم فارسا أو راجلا ، لأن الرسول لم يترك المحاربة معهم . وإنما ~~أتاهم ليدبر أمر الحرب ، فهو بمنزلة من يكون في المعسكر ، بخلاف المستأمن ~~إليهم لحاجة نفسه . PageV03P978 ألا ترى أن الرسول من الجانبين يكون آمنا ~~من غير استئمان لاعتبار هذا المعنى ؟ ولأن الرسول إنما أتاهم لمنفعة ~~المسلمين ، فمن يكون ساعيا فيما ترجع منفعته إلى المسلمين لا يكون مفارقا ~~لهم حكما والمستأمن ما أتاهم لمنفعة المسلمين بل منفعة له خاصة ، فيصير به ~~مفارقا للعسكر حكما . # والأصل في هذا الباب ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لطلحة ~~بن عبيد الله من غنائم بدر ، وقد كان وجهه إلى ناحية الشام لمنفعة المسلمين ~~، ولم يكن حاضرا عند القتال . وروي أنه بعث محصية الأنصاري إلى أهل فدك ، ~~وهو محاصر خيبر ، ففتحها وهو غايب ، ثم جاء فضرب له سهم . فعرفنا أن من ms0567 كان ~~سعيه في توفير المنفعة على المسلمين فهو في الحكم كأنه معهم . ولو أن رجلين ~~من المسلمين أو من أهل الذمة دخلا يريدان القتال فقاتلا مع المسلمين ، فلم ~~يصيبوا شيئا حتى استأمنا إلى المشركين ، ثم رجعا إلى العسكر ، بآخرين لا ~~يريدان قتالا ، فأصاب المسلمون غنائم ، لم يكن لهم فيها شيء ، لأنهما حين ~~استأمنا إلى أهل الحرب فقد تركا المحاربة معهم . ويكون حالهما بعد ذلك كحال ~~من كان تاجرا فيهم بأمان والتحق بالعسكر على قصد PageV03P979 القتال ، وإذا ~~ثبت هذا فيما إذا العسكر لا على قصد القتال ثبت فيما إذا كانا مستأمنين في ~~دار الحرب بطريق الأولى . ألا ترى أنهما لو لم يستأمنا إليهم ولكنهما تركا ~~القتال واشتغلا بالتجارة في المعسكر ، وتبين ذلك للمسلمين ، ثم أصاب ~~المسلمون الغنائم بعد ذلك لم يكن لهما شركة فيها ، فبعد الاستئمان إليهم ~~أحرى أن لا يكون لهما شركة . ولو دخل مسلم فارسا مع الجيش وليس له اسم في ~~الديوان ، فلما أصابوا غنائم قال : دخلت للقتال متطوعا ، وقال المسلمون : ~~دخلت تاجرا . فالقول قوله مع يمينه ، لأن المسلم محارب للمشركين في الأصل ، ~~فإن مخالفته إياهم في الدين والدار تحمله على المحاربة معهم ، فما لم يظهر ~~منه خلاف ذلك يكون هو محاربا ، والمسلمون بقولهم : دخلت تاجرا يدعون عليه ~~سبب الحرمان ، وهو منكر ، فالقول قوله مع يمينه . وإن كان الداخل ذميا أو ~~عبدا أو صبيا أو امرأة والمسألة بحالها ، فلا شيء لأحد منهم ، ما لم يعلم ~~أنه دخل للقتال ، وأن المرأة دخلت لمداواة الجرحى ، لأن هؤلاء باعتبار ~~الأصل غير مقاتلين ، فليس للمرأة والصبي بينة صالحة للمحاربة ، والعبد ~~محجور عن القتال لحق مولاه ، والذمي موافق لهم في الإعتقاد وذلك يمنعه من ~~المحاربة معهم ، فما لم يعلم بالحجة قصدهم إلى المحاربة لا يكون لهم في ~~النصاب شيء ، بخلاف ما سبق . والدليل على الفرق أن من لا يعلم حاله من أهل ~~الحرب PageV03P980 إذا كان رجلا بالغا يباح قتله ، وإنما يباح لكونه محاربا ~~، ومن كان صبيا منهم أو امرأة لا يباح قتله ما لم ms0568 يوجد منه مباشرة القتال . ~~يوضحه : أن من قاتلوا فعرفنا أنهم ليسوا مقاتلين في الأصل . ولو أن فارسا ~~في دار الحرب أعار فرسه بعض التجار ، أو رسولا أرسله الأمير إلى الخليفة ، ~~فركب المستعير وانطلق إلى دار الإسلام ، فأصاب أهل العسكر غنائم بعد ذلك ، ~~فإن كان المستعير خرج إلى دار الإسلام قبل إصابة تلك الغنائم فليس للمعير ~~فيها إلا سهم راجل ، لأنه جعل فرسه في دار الإسلام باختياره ، فيزول به ~~تمكنه من القتال عليه حقيقة وحكما ، ويبعد أن يكون هو في دار الحرب فارسا ~~بفرس له في دار الإسلام . ألا ترى أنه لو رد الفرس مع غلامه إلى الإسلام ~~فأتى به أهله لم يكن هو فارسا به ، فكذلك ما سبق . وإن كان المستعير لم ~~يخرج إلى دار الإسلام فهو فارس فيما أصيب ، PageV03P981 لأن سبب استحقاق ~~سهم الفرس قد انعقد له بالانفصال إلى دار الحرب على قصد القتال عليه فما ~~بقي فرسه في دار الحرب يبقى ذلك الاستحقاق ، وإن لم يكن من القتال عليه ~~حقيقة لبعده منه . ألا ترى أنه لو أعاره في المعسكر ثم خرج في سرية راجلا ~~وبعد من المعسكر كان له سهم الفارس في المصاب ؟ وإن لم يرجع إليهم ، فكذلك ~~ما سبق . أرأيت لو بدا للمستعير فرجع إلى العسكر قبل أن يخرج إلى دار ~~الإسلام ، فرد الفرس عليه ، أما كان له سهم الفرسان فيما أصيب قبل رجوعه ؟ ~~وهو فارس في جميع ذلك ؟ . وهذا لأن دار الحرب في حكم موضع واحد فيما يبتني ~~عليه استحقاق الغنيمة ، ولهذا فهاهنا ما دام فرسه في دار الحرب يجعل في ~~الحكم كأنه حاضر معه بخلاف ما بعد إخراجه إلى دار الإسلام ، وهو نظير ~~المسجد في حكم صحة الاقتداء بالإمام ، وإن لم تكن الصفوف متصلة مع الموضع ~~الذي هو خارج المسجد . ولو عاد المستعير بالفرس إلى المعسكر بعدما خرج إلى ~~دارالإسلام فللمعير سهم الفارس فيما أصيب بعد دخول المستعير دار الحرب ، ~~كما أن له سهم الفارس فيما أصيب قبل خروج المستعير من دار الحرب . وأما ~~فيما ms0569 أصيب بعد خروج المستعير إلى دار الإسلام فله سهم الرجالة خاصة . ~~للمعنى الذي بينا . PageV03P982 فإذا لم يعلم متى كانت الإصابة وقد علم أن ~~الفرس وصل إلى دار الإسلام فليس للمعير إلا سهم الراجل . لما بينا أ ، كل ~~جزء فيه احتمال أن يكون إصابته بعدما حصل الفرس في دار الإسلام فلا يعطي ~~إلا قدر المتيقن به . وإن قال صاحب الفرس : لم يخرج الفرس من دار الحرب . ~~وصدقه المستعير في ذلك أو كذبه فالقول قوله ، لأن سبب استحقاقه معلوم وما ~~يبطله وهو حصول الفرس في دار الإسلام غير معلوم ، بل هو منكر ، لذلك فالقول ~~قوله ، وكما لا يصدق صاحب المقاسم عليه فيما يبطل حقه لا يصدق المستعير إذا ~~كذبه ، لأن قول المستعير ليس بحجة عليه ، وإن كان الفرس عنده ، وبدون الحجة ~~لا يثبت سبب الحرمان . وأما المستعير فهو يكون فارسا بهذا الفرس في شيء من ~~الغنائم سواء حصل في دار الإسلام أو لم يحصل ، لأنه استعاره للركوب لا ~~للقتال عليه ، فلا يكون هو متمكنا من القتال عليه أصلا . ولوكان الفرس نفق ~~في يد المستعير ، فإن كان قبل أن يخرج إلى دار الإسلام فالمعير فارس في ~~الغنائم كلها ، لأن موته في يد المستعير في دار الحرب كموته في يد المعير ، ~~ف ، بالإعارة لا يصير مبطلا استحقاقه بالفرس . PageV03P983 وإن كان نفق في ~~دار الإسلام فهو فارس في كل غنيمة أصيبت قبل إخراج الفرس إلى دار الإسلام ، ~~لأن حصول الفرس في دار الإسلام باختياره مانع من استحقاق السهم به ، غير ~~مبطل لما استحقه قبل ذلك ، فإنما يكون هو راجلا فيما يصاب بعد خروجه إلى ~~دار الإسلام . وإن كان بعدما رده المستعير إلى دار الحرب فهو فارس فيما ~~يصاب بعدما رده إلى دار الحرب . لزوال المانع . وموت الفرس في يد المستعير ~~كموته في يد المعير ، ولو مات بعدما سلمه إلى المعير كان هو فارسا ، إلا ~~فيا أصيب حال كون الفرس في دار الإسلام فهذا مثله ، وأما بيان سهم المستعير ~~فنقول : إن يعث رسولا إلى دار الإسلام ms0570 فله السهم فيما أصيب قبل خروجه إلى ~~دار الإسلام ، عاد إلى الحرب أو لم يعد ، لأنه وإن بعد من العسكرفهو في دار ~~الحرب ، وإنما ذهب لمنفعة العسكر فيجعل في الحكم كأنه معهم ، سواء عاد ~~إليهم أو لم يد . وما أصيب بعدما دخل دار الإسلام فإن عاد هو إلى ~~PageV03P984 دار الحرب قبل أن يقتسموا أو يبيعوا فهو شريكهم فيها ، بمنزلة ~~المدد ، وإن لم يعد أو عاد بعدما اقتسموها أو باعوها لم يكن له شركة فيها ، ~~لأنه بعدما حصل في دار الإسلام التحق هو بمن لم يدخل دار الحرب قبل هذا في ~~الشركة فيما يصاب ، كيف يكون له الشركة في ذلك وهو عند امرأته وولده في ~~منزله حيث أصيب ذلك ؟ . وإن لم يكن رسولا فله سهمه فيما أصيب حال كونه مع ~~الجيش أو بالقرب منهم ، على وجه يمكنه أن يغيثهم لو احتاجا إليه ، فأما ما ~~أصيب بعدما بعد منهم أو بعدما خرج إلى دار الإسلام فلا سهم له في ذلك إذا ~~لم يعد إليهم ، لأنه فارقهم لا منفعة ترجع إليهم فيخرج به من أن يكون شاهدا ~~للوقعة معهم حكما . كما لو اشتغل بالتجارة وترك القتال . إلا أن يعود إليهم ~~قبل القسمة والبيع . فحينئذ يكون هو بمنزلة المدد يشاركهم في جميع ذلك ، ~~وهكذا كان القياس في الرسول ، ولكنا استحسنا باعتبار أن الرسول إنما بعد ~~عنهم في أمر اترجع منفعته إليهم ، وهو نط ظير الاستحسان الذي قلنا . ~~PageV03P985 فيما إذا دخل منعه أهل الحرب رسولا أو مستأمنا إليهم لحاجة ~~نفسه ، فالفرق الذي ذكرنا هناك هو الفرق بين الفصلين هاهنا . ولو أودع ~~الغازي فرسه بعض من في منعة أهل الحرب فقد بينا أن يصير مضيعا فرسه بما صنع ~~فلا يضرب له فيما يصاب بعد ذلك إلا بسهم راجل . كما لو باع فرسه ، وإن غنم ~~المسلمون فرسه فردوه عليه قبل القسمة بغير شيء ، أو باعه الإمام فأخذه من ~~الشمتري بالثمن ، ثم غنمنوا غنائم بعد ذلك فهو فارس فيما أصيب بعد عود ~~الفرس إليه ، راجل فيما أصيب قبل ms0571 ذلك بمنزلة ما لو اشترى فرسا ابتداء ، ~~لأنه بما صنع في الابتداء صار مبطلا استحقاقه حين أزال تمكنه من القتال على ~~الفرس ، فما لم يعد الفرس إلى يده لا يعود تمكنه من القتال عليه . ولو كان ~~لو يودع الفرس أحدا ولكنه غنمه المشركون ، والمسألة بحالها ، فهو فارس فيما ~~يصاب بعد ذلك ، لأنه زال تمكنه باختياره ، فهو بمنزلة ما لو نفق الفرس في ~~يده ، وكذلك إن أبى أن يأخذه بالثمن من يد المشتري من العدو ، فهو فارس ~~حكما فيما يصاب بعد ذلك ، لأنه لا يتوصل إلا بالثمن ، وهو غير مجبر على ~~إعطاء الثمن . PageV03P986 بمنزلة ما لو نفق فرسه فلم يشتر فرسا آخر في دار ~~الحرب ، مع تمكنه منه ، ولو أعر فرسه مسلما ليخرج إلى دار الإسلام ، وأمره ~~أن يسلمه إلى أهله ، فأخرجه المستعير ثم ركبه راجعا إلى دار الحرب ، ~~فالمعير راجل في كل غنيمة أصيبت ، والمستعير في دار الإسلام أو بعدما رجع ~~إليهم قبل أن يعود الفرس إلى يده . أما ما أصيب والفرس في دار الإسلام فقد ~~بينا الحكم فيه . وأما في المصاب بعد الرجوع ، فلأن المستعير يستحق سهم ~~الفرسان باعتبار هذا الفرس ، لأنه مدد التحق بالجيش على فرس مغصوب ، فإنه ~~بالرد صار غاصبا ضامنا ما لم يسلمه إلى صاحبه . وإذا كان المستعير فارسا به ~~فالمعير لا يكون فارسا به . وفيما أصيب بعد ما أخذ المعير فرسه فالمستعير ~~راجل ، لأن الفرس أخذ منه حق مستحق ، والمعير فارس لأنه عاد تمكنه من ~~القتال عليه ، كما لو اشترى فرسا آخر . ولو لم يرده المستعير إلى دار الحرب ~~حتى ظهر عليه المشركون في دار الإسلام فأحرزوه ، فالمعير راجل فيما يصاب ~~بعد حصول الفرس في دار الإسلام وبعد إحراز أهل الحرب إياه ، PageV03P987 ~~لأنهم أحرزوه لأنفسهم ، فلا يعود تمكنهم من القتال عليه . إلا أن يأخذه ~~المسلمون فيردونه عليه قبل القسمة بغير شيء ، أو بعد البيع بالثمن ، فحينئذ ~~يكون هو فارسا فيما يصاب بعد ذلك ، لأنه عاد تمكنه من القتال عليه . كما ~~كان قبل أن يبعث به ms0572 إلى دار الإسلام ، ولو كان الغازي خلف فرسه في دار ~~الإسلام ودخل مع الجيش راجلا ، ثم أحرز المشركون فرسه بدارهم ، ثم ظهر ~~المسلمون على الفرس فردوه عليه فهو راجل ، لأن سبب الاستحقاق انعقد له ~~بالانفصالوهو راجل ، فلا يتغير بعد ذلك بوصول الفرس إلى يده في دار الحرب . ~~كما لو اشترى فرسا ابتداء ، بخلاف الأول ، فهناك انعقد له السبب وهو فارس ، ~~ثم اعترض ما نع باختياره فزال به تمكنه من القتال على الفرس ، فإذا ارتفع ~~ذلك المانع صار كأن لم يكن ، وكذلك لو أنه دخل راجلا ، ثم كتب إلى أهله حتى ~~بعثوا إليه فرسه ، فهو راجل في جميع الغنائم بمنزلة ما لو اشترى فرسا آخر ، ~~PageV03P988 وهذا لأن التمكن من القتال على الفرس لا يصلح أن يكون مغيرا ~~لما انعقد من السبب ، ويصلح أن يكون مقررا له رافعا للمانع الذي كان يمنع ~~ظهور الحكم بعد انعقاد السبب . ولو كان دخل فارسا ثم رد فرسه إلى ~~دارالإسلام واشترى فرسا آخر فله سهم الفرسان في جميع الغنائم ، لأنه كان ~~متمكنا من القتال على الفرس بعدما لنعقد له سبب الاستحقاق . وإن وقعت ~~المنازعة بينه وبين صاحب المقاسم فقال هو ما وصل فرسي إلى دار الإسلام حتى ~~اشتريت هذا الفرس ، وقال صاحب المقاسم : لا أدري لعله كان وصل فرسك إلى دار ~~الإسلام قبل أن تشتري هذا الفرس فأصبنا غنائم ، فالقول فيه قول الغازي مع ~~يمينه ، لأنه ما لم يصل فرسه إلى دار الإسلام لا يصير هو في حكم الراجل . ~~وصاحب المقاسم يدعي عليه شيئايصير به في حكم الراجل ، وهو منكر لذلك ، ~~فالقول قوله مع يمينه ، بمنزلة ما لو باع فرسه واشترى فرسا ثم قال : اشتريت ~~هذا الفرس قبل أن أبيع فرسي ، أو بادلت بفرسي هذا الفرس ، فإنه يكون القول ~~قوله مع يمينه ، لأنه لم يقر بكونه راجلا في دار الحرب في شيء من الأحوال ، ~~فهو منكر ما يدعي عليه من سبب الحرمان . PageV03P989 ولو دخل مع العسكر ~~راجلا فأصابوا غنائم ثم رجع وحده إلى دار الإسلام فركب ms0573 فرسه وكر إلى العسكر ~~راجعا فهو فارس في جميع ما أصيب ، إلا في غنيمة أصيبت قبل خروجه إلى دار ~~الإسلام ، فإنه راجل في تلك الغنيمة ، لأنه استحق سهم الرجالة سهم الرجالة ~~في تلك الغنيمة بالدخول الأول فلا يتغير ذلك بالدخول الثاني . وإن صار هو ~~مددا للجيش ملتحقا بهم ، لأن التحاق المدد بالجيش لا يكون أقوى من القتال ~~وقد بينا أن من له سهم الرجالة في غنيمة فقاتل عليها فارسا لا يستحق سهم ~~الفرسان . وإذا قاتل فارسا عن غنيمة لا حق له فيها استحق سهم الفرسا ، ~~فكذلك حكم التحاقه بالجيش . فإنه لا حق له فيما أصيب بعد خروجه ، فيستحق ~~بهذا الالتحاق سهم الفرسان في ذلك ، وفيما أصيب قبل الخروج كان له سهم ~~الرجالة . فلا يتغير ذلك ، وعلى هذا الأصل قال : لو دخل معه رجل من ~~المسلمين فارسافإن لهذا الثاني سهم الفارس في جميع الغنائم ، لأنه ما كان ~~له حق فيها قبل أن يلتحق بالجيش . فإذا التحق بهم فارسا PageV03P990 استحق ~~سهم الفرسان في جميع ذلك بخلاف الأول على ما قررنا ، وهذا لأن الأول عاد ~~ليحرز ما هو شريك فيه ، والثاني جاء ليحرز ما لم يكن له فيه شركة ، وإنما ~~يصير هو شريكا الآن ابتداء ، فيراعى في صفة الشركة حالهالآن . ولو أعار ~~الغازي فرسه في دار الحرب مسلما ليخرج إلى دار الإسلام فيقضي حاجته ثم يرده ~~إليه ، فلما دخل المستعير دار الإسلام لم يقدر على الرجوع إلى دار الحرب ، ~~فدفعه إلى غيره ليبلغه صاحبه في دار الحر . فجاء به الرجل فدفعه إليه ، فإن ~~كان الذي جاء به بعض من في عيال المستعير فلا ضمان عليه ولا علي الذي جاء ~~به ، لأن يد من في عياله كيده في الحفظ ، فكذلك في الرد . ولو رد بنفسه كان ~~المعير فارسا في جميع الغنائم ، إلا فيما أصيب حال كون الفرس في دار ~~الإسلام ، فهذا مثله . وإن لم يكن المدفوع إليه من عيال المستعير فالمعير ~~راجل في كل ما أصيب بعد خروج الفرس إلى دار الإسلام إلى أن ms0574 يعود إلى يده ، ~~لأن الذي جاء به الآن غاصب للفرس ، فلا تكون يده عليه في دار الحر كيد ~~المعير . PageV03P991 ألا ترى أنه لو نفق الفرس في يد الذي جاء به كان ~~للمعير الخيار إن شاء ضمن المستعير ولا يرجع هو على أحد بشء وإن شاء ضمن ~~الذي جاء به ويرجع هو بما ضمن على المستعير وعلل فقال : لأنه بمنزلة ~~الوديعة له في يده ، فهذاتنصيص على أنه ليس للمستعير أن يودع . وإذا فعله ~~صار ضامنا ، بخلاف الإعارة ، فإن للمستعير أن يعير فيما لا يتفاوت الناس في ~~الانتفاع به . وقد بينا اختلاف المشايخ في هذا الفصل في شرح الجامع الصغير ~~، وقررنا الفرق بين الإعارة والإيداع في حق المستعير . وأما الذي جاء به ~~ليرده على صاحبه فهو راجل في جميع الغنائم وإن كان قصده القتالحين دخل ، ~~وكان ينبغي أن يكون فارسا باعتبار أنه ضامن للفرس كالغاصب ولكن قال : هو ما ~~أدخل الفرس ليغزوا عليه ، ولكن أدخله ليرده على صاحبه ، ولأ نالضمان غير ~~مستقر . ألا ترى أن يرجع على المستعير إذا ضمنهفكيف يصير هو فارسا بفرس لو ~~لحقه فيه ضمان يرجع به علعلى غيره . ألا ترى أن من كان راجلا من الغزاة إذا ~~أودعه رجل فرسا فأدخله مع نفسه دار الحرب لم يكن هو فارسا به فكذلك هذا . ~~PageV03P992 ولو كان المستعير أعاره هذا الداخل ليقاتل عليه والمسألة ~~بحالها ، فالداخل فارس في كل غنيمة ، إلا فيما أصيب قبل خروج الفرس إلى دار ~~الإسلام ، لأن الداخل الآن ضامن للفرس ضمانا يستقر عليه ولا يرجع به على ~~أحد فيكون في حكم الغاصب ، وإنما دخل فارسا ليقاتل على الفرس ، فكان ينبغي ~~على هذا أن يكون فارسا في كل غنيمة إلا أن فيما أصيب قبل حصول الفرس في دار ~~الإسلام للمستعير سهم الفارس بسبب هذا الفرس ، فلا يستحق الغاصب فيه سهم ~~الفارس أيضا بهذا الفرس لاستحالة أن يستحق رجلان كل واحد منهما السهم بفرس ~~واحد . وأما المستعير فلا شيء له في الغنائم ، إلا فيما أصيب قبل أن يبعد ~~هو ms0575 من العسكر ، فإن له في ذلك سهم راجل ، لأنه كان دخل مع الجيش راجلا . ~~وفيما سوى ذلك لا حق له ، لأنه لم يعد إلى العسكر ولم يشاركهم في الإصابة ~~ولا في الإحراز ولا حكما . ولو أراد الأمير أن يرسله رسولا إلى دار الإسلام ~~في شيء من أمر المسلمين ، فسأل فارسا أن يعطيه فرسه ففعل ذلك صاحب ~~PageV03P993 الفرس طائعا ، ثم أصابوا غنائم والفرس في دار الإسلام ، ~~فالمعير راجل في تلك الغنائم رجع إليه فرسه أو لم يرجع ، لأنه أزال تمكنه ~~من القتال على الفرس باختياره . وإن أبى أن يعطيه الفرس ولم يجد الإمام بدا ~~من أن يأخذ الفرس منه فيدفعه إلى الرسول لضرورة جاءت للمسلمين ، فلا بأس ~~بأن يأخذه منه كرها ، لأنه نصب ناظرا ، وعند الضرورة يجوز له أن يأخذ مال ~~الغير بشرط الضمان كمن أصابه مخمصة . ثم المعير يكون فارسا في جميع الغنائم ~~هاهنا ، لأنه ما زال تمكنه من القتال على الفرس باختياره ، وإنما أخذ الفرس ~~منه بغير اختياره ، فلا يصير هو مضيعا للفرس . بمنزلة ما لو أخذه المشركون ~~، بل أولى ، لأن هناك لا منفعة للمسلمين في ذلك الأخذ ، وهاهنا لهم منفعة ~~في ذلك فإذا لم يسقط هناك سهمه وإن زال تمكنه فهاهنا أولى أن لا يسقط سهمه ~~. والله الموفق . PageV03P994 # | باب من يرضخ له ومن لا يرضخ له من الأدلاء وغيرهم # وإذا دخل العسكر دار الحرب ومعهم قوم من أهل الذمة يدلونهم على الطريق ~~ولا يقاتلون معهم ، فإنه ينبغي للإمام أن يرضخ لهم م الغنيمة ولا يسهم له ~~كسهام الخيل . ولا كسهام الرجالة ، لأنهم غير مجاهدين حكما . ولا مقاتلين ~~مع المسلمين حسا ، ولكنهم جاءوا لأمر فيه منفعة للمسلمين ، وهو الدلالة على ~~الطريق ، فيرضخ لهم من مال المسلمين بحسب عملهم ، ليرغبوا في مثله في كل ~~وقت حتى إذا كانت في دلالتهم منفعة عظيمة للمسلمين فلا بأس بأن يرضخ لهم ~~على قدر ما يرى ، وإن كان أكثر من سهام الفرسان والرجالة ، لأن سبب ~~استحقاقهم هاهنا ليس من جنس السبب في حق المقاتلين ms0576 ، ولكنه منفعة أخرى ، ~~فإنما يرضخ لهم بحسب ما يكون من المنفعة بدلالتهم . وإن كان جعل لهم على ~~الدلالة نفلا مسمى من الغنيمة فلا بأس بذلك أيضا ، PageV03P995 لأن التنفيل ~~في الأصل للتحريض على ما فيه منفعة للمسلمين . فإن أصابوا غنائم بدأ بنفلهم ~~قبل القسمة ، لأن النفل في الغنائم كالوصية في التركة يبدأ بها قبل الميراث ~~. وإن لم يصيبوا شيئا إلا قدر النفل فذلك سالم لهم ، لأنه مقدم في جميع ~~الغنيمة بمنزلة الدين في التركة . وإن لم يصيبوا شيئا أصلا فلا شيء لهم ، ~~لانعدام حقهم ، كما لا شي للغريم والموصى له إذا لم توجد التركة أصلا . فإن ~~خرجوا في غزاة أخرى وسموا لهم أيضا نفلا على الدلالة ، وأصابوا غنائم ، ~~أعطوهم من ذلك النفل الآخر دون الأول ، لأن استحقاقهم بالتسمية الثانية ، ~~فأما الأولى فقد بطلت الغنائم لانعدام محلها حين رجعوا قبل أن يصيبوا شيئا ~~. إلا أن يصيبوا شيئا . إلا أن يكونوا شرطوا لهم أن يعطوهم مما يغنمون ~~النفل الأول والثاني فحينئذ يجب الوفاء بذلك ، لأن في هذا الشرط تنصيصا على ~~تسمية الكل ، فيستحقون جميع ذلك بهذه التسمية . كما لو لم يكن الأول . ~~وفيما يستحقه الذمي والحربي والمستأمن بطريق التنفيل PageV03P996 على ~~الدلالة لا فرق بين أن يذهب معهم وبين أن يدلهم بخبره من غير أن يذهب معهم ~~إذا وجدوا الأمر على ما قال ، لأنه سمى ذلك على الدلالة ، والدلالة بالخبر ~~تتحقق . إلا أنه إذا لم يذهب معهم فليس ينبغي للإمام أن يعطيهم رضخا ولا ~~نفلا مما أصيب قبل دلالته ، لأنه لا نفل مما أصيب من الغنائم قبل التنفيل ، ~~وإنما يجوز إعطاء الأجر من ذلك ، وبالدلالة بالخبر من غير ذهاب لا يستحق ~~الأجر . فإن رضي المسلمون بأن يعطيه ذلك أعطاه من أنصبائهم دون الخمس لأن ~~رضاهم يعتبر في حقهم لا في حق أرباب الخمس . وإن استأجره الإمام على أن ~~يدله على موضع كذا فدله بخبره ولم يذهب معه فلا أجر له لما بينا أن استحقاق ~~الأجر بالعمل لا بمجرد الكلام ، وهو لم يعمل للمسلمين شيئا ms0577 ، إنما أخبرهم ~~بخبر . فإن أصابوا غنائم في ذلك المكان فرأى الإمام أن يرضخ له للدلالة فلا ~~بأس بذلك ، بمنزلة ما لو دل عليه من غير اشتراط الأجر ، PageV03P997 وقد ~~بينا أن هناك للإمام أن يرضخ له مما أصاب بدلالته قدر ما يرى فهذا مثله . ~~فإن كان الإمام قال له : اذهب معنا إلى موضع كذا ، ولك من الأجر كذا ، فذهب ~~معهم فله الأجر المسمى ، لأنه وفى بالعمل المشروط عليه . ثم يعطيه الإمام ~~أجره مما أصابوا بعد دلالته أو قبل دلالته ، بخلاف النفل والرضخ ، فإن ~~الاستحقاق هاهنا بعقد لازم وهو عقد الإجارة ، فلا يختص به بعض المصاب دون ~~البعض ، كما لو استأجر قوما لسوق الغنم والرمك . فأما استحقاق الرضخ والنفل ~~باعتبار منفعة المسلمين فيتعين له المصاب بدلالته وعمله ، لأن ذلك منفعة ~~عمله . وإن لم يصيبوا شيئا من الغنائم ، فإنه ينبغي للإمام أن يعطي الأجير ~~أجره من بيت المال ، لأنه في هذا الاستئجار كان ناظرا للمسلمين ، وهو لا ~~يلحقه العهدة فيما يباشر من العقود للمسلمين ، ولكنه يرجع به في مال ~~المسلمين وهو مال بيت المال . ولو استأجر مسلما أو ذميا أو حربيا ليدخل ~~معهم دار PageV03P998 الحرب فيدلهم على الطريق فقد بينا أن الإجارة فاسدة ~~على هذا بخلاف التنفيل ، لأن في الإجارة لا بد من بيان مقدار المعقود عليه ~~، وإذا لم يسم له مكانا فالمعقود عليه لم يصر معلوما ، وفي التنفيل لا حاجة ~~إلى إعلام المقدار فيما سمى النفل للتحريض عليه . ثم إذا ذهب معهم على ~~الإجارة الفاسدة فلا سهم له في الغنيمة وإن كان مسلما لأنه لم يدخل على قصد ~~القتال . ولكن له أجر مثله لا يجاوز به ما سمي ، لأنه أقام العمل المشروط ~~عليه ، وقد وجد منه الرضى بالمسمى ، فلا يزاد على ذلك ، وإن مثله أكثر منه ~~. ولو أن الأجير من أهل الذمة أو المستأمنين لم يدلهم على الموضع الذي ~~طلبوا منه ولكن هجم بهم على العدو ، فلا أجر له . سواء ذهب معهم أو لم يذهب ~~، لأنه ما أتى بالعمل المشروط عليه . وليس ms0578 للإمام أن يقتله وإن تعمد ذلك ، ~~لأن المسلم لو فعل هذا لم يكن به ناقضا لإيمانه ، فكذلك إذا فعله صاحب ~~العهد لا يصير ناقضا لأمانه . PageV03P999 ولكن للإمام أن يؤدبه بقدر ما ~~يرى ، إن رأى أنه كما يؤدب المسلم على مثله لأنه قصد إلحاق الضرر بالمسلمين ~~. إلا أن يكون الحربي المستأمن إنما أمنوه على شرط ذلك ، فحينئذ للإمام أن ~~يقتله ، لا باعتبار أنه ناقض للأمان ، ولكن لأن الأمان كان معلقا بالشروط ~~فيكون معدوما قبل الشرط . وإن جعل الإمام للدليل نفلا من غنيمة وقد أصابها ~~المسلمون على أن يذهب معه إلى موضع كذا ، حتى يدله ، ففعل ذلك ، فلا بأس ~~بأن يعطيه ذلك بغير رضى المسلمين ، لأن هذا بمنزلة الإجازة وقد استأجره على ~~عمل معلوم ببدل معلوم ، فيعطيه ذلك من الغنيمة لأنه استأجر لمنفعة المسلمين ~~. ولو دله بخير ولم يذهب معه ، فليس له أن يعطيه فيما أصيب قبل الدلالة ~~شيئا ، إلا برضى المسلمين ، وعند وجود الرضى يعطيه ذلك من أنصبائهم دون ~~الخمس لأنه لا يستحق الأجر إلا على مجرد الخبر من غير أن يذهب معهم . ولو ~~بعث الأمير بشيرا إلى الخليفة ليخبره بما صنع PageV03P1000 بالعدو بعدما ~~أصابوا الغنائم ، فليس له أن يعطي البشير إلا سهمه من الغنيمة ، فارسا كان ~~أم راجلا ، لأن الغنيمة قد صارت مستحقة للغانمين ، فلا ينبغي للإمام أن ~~يعطي منها أحدا شيئا بغير رضى المسلمين . والأصل فيه حديث الكبة ، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل : ' أما نصيبي منها فهو لك ' ، ~~فحين تحرز رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يجعل له الكبة من الشعر مع ~~حاجته إلى ذلك وسؤاله إياه ، وكان لا يمنع أحدا شيئا سأله ، عرفنا أن ذلك ~~لا يجووز لأحد بغده ، إلا أن البشير إن كان محتاجا فلا بأس لإمام أن يعطيه ~~من الخمس شيئا لحاجته ، لأن الخمس مصروف إلى المحتاجين ، وهو محتاج . وقد ~~كان يجوز له أن يدفعه من غير أن يرسله بشيرا فبعد إرساله أولى . فإن رضي ~~المسلمون بما يعطي الإمام البشراء ms0579 ، فإن كانوا أهل حاجة ، فلا بأس بأن ~~يعطيهم ذلك من جميع الغنيمة ، وإن كانوا أغنياء أعطاهم ذلك من الأربعة ~~الأخماس دون الخمس ، لأن رضاهم إنما يعتبر في نصيبهم دون الخمس . وإن كانوا ~~محتاجين فقد كان له أن يعطيهم من الخمس بغير رضا الغانمين ، ورضاهم معتبر ~~في نصيبهم أيضا ، PageV03P1001 فإذا قدم البشراء على الخليفة فرأى أن ~~يعطيهم جائزة من بيت المال على وجه النظر والاجتهاد فلا بأس بذلك ، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيز الرسل والوفود الذين ينزلون عليه . وهذا ~~لأن بيت المال معد لنوائب المسلمين ، والصرف إلى ما فيه منفعة المسلمين ، ~~بخلاف الغنيمة فإنها مستحقة للغانمين . ألا ترى أنه يقسم الغنائم بين ~~الغانمين ولا يقسم نال بيت المال بين الأغنياء من المسلمين ، ولكنه يعده ~~لنوائب المسلمين . وكذلك لو أتى أمير العسكر رسول من ملك الحرب ، فليس ~~ينبغي أن يجيزه بشيء من الغنيمة إلا برضى المسلمين ، لأنه إذا لم يجز له أن ~~يخص بعض المسلمين بشيء منها ، فلأن لا يجوز له أن يخص حربيا بذلك كان أولى ~~. فإن رضي المسلمون بذلك أجازه من أنصبائهم دون الخمس ، لأنه لا حق للحربي ~~في الخمس ، ورضاهم إنما يعتبر في نصيبهم خاصة . فإن أجاز الأمير البشراء ~~والرسل من الغنيمة على وجه PageV03P1002 الاجتهاد ، ثم رفع ذلك إلى قاض من ~~قضاة المسلمين فإنه ينفذ ما صنع وإن كان رأيه مخالفا لذلك ، لأن هذا مما ~~يختلف فيه الفقهاء ، وقد أمضاه باجتهاده ، فلا يبطله حد بعد ذلك ، وقد ~~قررنا هذا في التنفيل بعد الإصابة . واستدل عليه أيضا بما لو جعل الأمير ~~للمقاتلين من أسلاب القتلى من غير تنفيل ، ثم رفع ذلك إلى من يرى خلاف رأيه ~~فإنه لا يبطل شيئا مما فعله ، لأنه أمضى باجتهاده فصلا مختلفا فيه . ألا ~~ترى أنه فيما هو أهم من ذلك وهو حرمة الفرج ينفذ قضاء القاضي باجتهاده ، ~~فليس لأحد أن يبطله بعد ذلك ، وإن كان مخالفا لرأيه ، حتى إذا قال لامرأته ~~أنت خلية أو برية أو بائن أو بتة ، فإن عمر ms0580 وابن مسعود - رضي الله عنهما - ~~قالا : يقع به تطليقه رجعية . وقال علي - رضي الله عنه - : ثلاث تطليقات . ~~فإن قضى قاض بأحد القضاءين ثم رفع إلى من يرى خلاف ذلك لم يبطل قضاؤه ، ~~لأنه حصل في محل مختلف فيه ، وإبطال القضاء في المجتهدات يكون قضاء ، بخلاف ~~الإجماع فيكون باطلا ، وإذا ثبت هذا في تحريم الفرج مع كونه مبنيا على ~~الاستقصاء ثبت في النفل بطريق الأولى ، والله أعلم . PageV03P1003 # | باب كيفية قسمة الغنيمة وبيان من يستحقها ممن جاء بعد الإصابة # وإذا وقع القتال في دار الإسلام بين المسلمين وأهل الحرب فالغنيمة لمن ~~شهد الوقعة ، ولا شيء لمن جاء بعد الفراغ من القتال ، لأن بنفس الإصابة ~~تصير محرزة بدار الإسلام ، فمن يلحق بعد ذلك مددا فهو لم يشارك الجيش في ~~الإصابة ولا في الإحراز . وكذلك لو فتح المسلمون أرضا من أرض العدو حتى ~~صارت في أيديهم وهرب أهلها عنها ، لأنها صارت دار الإسلام بظهور أحكام ~~الإسلام فيها ، فتصير الغنائم محرزة بدار الإسلام قبل لحوق المدد . وكذلك ~~لو أصابوا غنائم فأخرجوها إلى دار الإسلام ثم لحقهم مدد ، PageV03P1004 لأن ~~بالإحراز باليد قد تأكد حقهم فيها . ولهذا لو مات بعضهم كان نصيبهم ميراثا ~~. فأما إذا أصابوا الغنائم في دار الحرب ثم لحقهم مدد قبل الإحراز وقبل ~~القسمة والبيع ، فإنهم يشاركونهم في المصاب عندنا ، لأن الحق لا يتأكد بنفس ~~الأخذ ، فإن سبب ثبوت الحق القهر ، وهو موجود من وجه دون وجه ، لأنهم ~~قاهرون يدا مقهورون دارا . ألا ترى أنهم لا يتمكنون من القرار في تلك ~~البقعة وتصييرها دار الإسلام ، فإنما تم السبب بقوة المدد ، وكانوا شركاءهم ~~ولهذا قلنا من مات منهم في هذه الحالة لا يورث نصيبه ، وهو قول علي - رضي ~~الله عنه - ، لأن الإرث في المتروك بعد الوفاة ، والحق الضعيف لا يبقى بعد ~~موته ليكون متروكا عنه . وعلى قول عمر - رضي الله عنه - يورث نصيبه ، لأن ~~وارثه يخلفه فيما كان حقا مستحقا له ، ثم استدل على هذه الجملة بالآثار ~~منها : ما روى أن أبا بكر الصديق - رضي ms0581 الله عنه - بعث عكرمة بن أبي جهل في ~~خمسمائة نفر مددا لأبي أمية وزياد بن لبيد البياضي فأدركوهم حين افتتحوا ~~النجير ، فأشركهم في الغنيمة ، PageV03P1005 وبه يستدل من يقول من أهل ~~الشام إن للمدد شركة ، وإن أدركوهم بعد الفتح . ولكنا نقول : النجير هذا ~~اسم قرية وهي كانت تابعة للبلدة ، فما لم تفتح البلدة لا تصير القرية دار ~~الإسلام ، أو يحتمل أنهم أدركوا على أثر الفتح قبل إظهار حكم الإسلام فيها ~~. وفي مثل هذا تثبيت الشركة عندنا ، فأما بعد تمام الفتح فلا ، على ما روى ~~عن طارق بن شهاب قال : لما فتحت ماه دينار أمد أهل الكوفة بأناس عليهم عمار ~~. فأراد أن يشاركوهم في الغنيمة . فقال رجل من بني عطارد : أيها العبد ~~الأجدع ! أتريد أن تشاركنا في غنائمنا ؟ فقال : خير أذني سبب ، وإنما قال ~~ذلك لأن إحدى أذنيه قطعت في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكتب ~~فيه إلى عمر رضي الله عنه ، فكتب عمر : إن الغنيمة بين من شهد الوقعة ، ~~وإنما قال ذلك لأن ماه دينار صارت دار الإسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها . ~~PageV03P1006 ألا ترى إلى ما روى ، أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد بن ~~أبي وقاص : من وافاك من الجند ما لم تتفقأ القتلى فأشركة في الغنيمة ، أي ~~ما لم يتشقق القتلى بتطاول الزمان ، أو معناه ، ما لم يتميز قتلى المشركين ~~من قتلى المسلمين بالدفن ، وفي بعض الروايات ما لم تتقفا القتلى ، أي ~~تجعلهم على قفاك بالانصراف إلى دار الإسلام ، والأشهر هو الأول ، فإن الفقأ ~~عبارة عن التمييز والتشقق ومنه سمي الفقيه ، لأنه يميز الصحيح من السقيم ، ~~ومنه قول الشاعر : # تفقأ فوقه القلع السواري . . . وجن الخازباز به جنونا وذكر عن عبد الله ~~بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لجعفر بن علي بن ~~أبي طالب ولمن معه من أهل السفينتين والدوسيين ، فيهم أبو هريرة والطفيل بن ~~عمرو مع سهمان أهل خيبر ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم المسلمين ms0582 ~~في حقوقهم أن يدخلوهم ، فسلوا ، فأسهم لهم ، هكذا روي مفسرا ، وفي هذا بيان ~~أن من لحق بعد الفتح لم يكن له شركة ، لأنه لو كان شريكا ما احتاج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يسترضي المسلمين إلى أن يسهم لهم . ~~PageV03P1007 وروي أن أبان بن سعيد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~سرية من المدينة قبل نجد ، فقدموا عليه بخيبر بعد الفتح ، فقال أبان : اقسم ~~لنا يا رسول الله ، فقال : ' اجلس يا أبان ' . ولم يقسم لهم ، ففي هذا دليل ~~على أن من أدرك بعد الفتح لم يكن له شرطة إلا أ ، يكون رسولا بعثه الإمام ~~في بعض حوائج أهل العسكر وقد بينا أنه في الحكم كالحاضر معهم . وقد روي أنه ~~أسهم لمحيصة وأصحابه من غنائم خيبر ، لأنه كان أرسلهم إلى فدك حين كان ~~محاصرا أهل خيبر فرجعوا إليه بعد الفتح . فأسهم لهم في الشق والنطاة ، ~~وأطعمهم طعمة سوى ذلك ، من الخمس في الكتيبة جارية عليهم . وقيل في ذلك ~~تأويل آخر وهو أن غنائم أهل خيبر كانت عدة من الله تعالى لأهل الحديبية كما ~~قال الله تعالى : ' وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ' . فكل ~~من كان من أهل الحديبية أسهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم ~~خيبر من شهد فتحها ومن لم يشهد ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسهم لعثمان بن عفان PageV03P1008 - رضي الله عنه - من غنائم بدر ، وكان ~~تخلف بالمدينة على ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية ليمرضها . وأسهم ~~لطلحة بن عبيد الله ولسعيد بن زيد ، وكان بعثهما نحو الشام ، يتجسسان أخبار ~~عير قريش ، وأسهم لخمسة من الأنصار - وقد سماهم في الكتاب - وقد كان ردهم ~~إلى المدينة لخبر بلغه عن المنافقين وفي تأويل ذلك وجوه أحدها : أن المدينة ~~يومئذ ما كان لها حكم دار الإسلام بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه منها ، لكثرة اليهود والمنافقين بها ، فكانوا جميعا في دار الحرب ~~مشغولين بما فيه ms0583 منفعة للمسلمين ، وبما فيه فراغ قلب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وقيل : إن غنائم بدر كان الأمر فيها مفوضا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعطي من يشاء ويحرم من شاء كما قال - تعالى - : قل الأنفال ~~لله والرسول ' . فلهذا أسهم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم ذكر أن ~~المنهزمين يوم حنين قد كانوا بلغوا إلى مكة ، PageV03P1009 ثم جاءت النصرة ~~فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم ، وأن حرب حنين كان بعد ~~فتح مكة ، فقد وصلوا إلى دار الإسلام ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأسهم لهم ، فبهذا تبين أن للمدد شركة مع الجيش إذا أدركوا قبل إحراز ~~الغنيمة بدار الإسلام . قال : ولا ينبغي للإمام أن يقسم الغنائم ولا يبيعها ~~حتى يخرجها إلى دار الإسلام ، لأن بالقسمة تنقطع الشركة في حق المدد ، ~~فيكون فيها تقليل رغبة المدد في اللحوق بالجيش ، وفيها تعريض المسلمين ~~لوقوع الدبرة عليهم بأن يتفرقوا ويشتغل كل واحد منهم بحمل نصيبه فيكون ~~عليهم العدو ، ثم القسمة والبيع تصرف والتصرف إنما يكون بعد تأكد الحق ~~بتمام السبب ، وذلك لا يكون إلا بعد الإحراز بالدار . وإن قسمها في دار ~~الحرب جاز ، لأنه أمضى فصلا مختلفا فيه باجتهاده . ثم استدل بحديث رافع بن ~~خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بالمدينة مع غنائم أهل ~~نخلة وكانت تلك غنيمة أصيبت PageV03P1010 قبل بدر ، فوقفها رسول الله صلى ~~عليه وسلم ومضى إلى بدر ثم رجع فقسم الغنيمتين بالمدينة جملة ، وفي رواية ~~قال : قسمها بسبر وهي شعب بمضيق الصفراء ، فإن كانت القسمة بالمدينة فهو ~~دليل ظاهر لما قلنا . وإن كانت بسبر فقد بينا أن دار الإسلام يومئذ كان ~~الموضع الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه . لأنه ما كان ~~للمسلمين يومئذ منعة سوى ذلك . فأما غنائم خبير فإنه لم يقسمها حتى أتى ~~الجعرانة . وروي أنهم طالبوه بالقسمة حتى ألجثوه إلى سمرة فتعلق بها رادؤه ~~ثم جذبوا رادءه فتخرق ، فقال : اتركوا ms0584 إلى ردائي ، فوالله لو كانت هذه ~~العضاة إبلا وبقرا وغنما لقسمتها بينكم ، ثم لا تجدوني جبانا ولا بخيلا . ~~فقد أخر القسمة مع كثرة سؤالهم حتى انتهى إلى دار الإسلام ، فإن جعرانة ~~قرية من قرى مكة وقد صارت مفتوحة بفتح مكة ، ففي هذا بيان أنها لا تقسم في ~~دار الحرب . PageV03P1011 ثم بين أن : من شهد الوقعة فهو شريك في الغنيمة ، ~~قاتل أو لم يقاتل ، مريضا كان أو صحيحا ، والأصل فيه حديث سعد بن أبي وقاص ~~- رضي الله عنه - قال : يا رسول الله ! أرأيت الرجل يكون حامية القوم ويدفع ~~عن أصحابه ، وترزقون إلا بضعفائكم ! . ونظير هذا ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يؤثر عن ربه : ' لولا الصبيان الرضع والشيوخ الركع لصببت ~~عليكم العذاب صبا ' ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أطيب كسب ~~المؤمن سهمه في سبيل الله - تعالى - ، وصفقة يده ، وما تعطيه الأرض ، ~~PageV03P1012 في هذا دليل على أنه ينبغي للغازي أن يظهر الرغبة في سهمه ~~غنيا كان أو فقيرا قل سهمه أو كثر ، فإنه أطيب كسبه ، على معنى أنه مصاب ~~بطريق فيه إعلاء كلمة الله - تعالى - وإعزاز الدين ، وذلك أشرف جهات إصابة ~~المال ، والمراد بصفقة يده التجارة ، ولكنها بشرط أداء الأمانة ومراعاة ~~حدود الشرع ، وما تعطيه الأرض المراد الزراعة ، فهي تجارة على ما قال عليه ~~السلام : ' الزارع يتاجر ربه ' . وإذا أراد الإمام قسمة الغنائم ينبغي أن ~~يجعل عليها رجلا من المسلمين عدلا وصيا عالما بالأمور مجربا لها ، فإذا ميز ~~الخمس جعل على الخمس أيضا رجلا أمينا حافظا كاتبا عالما ، لأنه يعجز بنفسه ~~على مباشرة القسمة لكثرة أشغاله فيستعين بغيره ويختار لذلك من يكون أقدر ~~على ما هو مقصود من الحفظ والقسمة وذلك بأن يكون مستجمعا للشرائط التي ~~قالها . ة قرية من قرى مكة وقد صارت مفتوحة بفتح مكة ، ففي هذا بيان أنها ~~لا تقسم في دار الحرب . ثم بين أن : من شهد الوقعة فهو شريك في الغنيمة ، ~~قاتل أو لم يقاتل ، مريضا كان أو صحيحا ، والأصل ms0585 فيه حديث سعد بن أبي وقاص ~~- رضي الله عنه - قال : يا رسول الله ! أرأيت الرجل يكون حامية القوم ويدفع ~~عن أصحابه ، وترزقون إلا بضعفائكم ! . ونظير هذا ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يؤثر عن ربه : ' لولا الصبيان الرضع والشيوخ الركع لصببت ~~عليكم العذاب صبا ' ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أطيب كسب ~~المؤمن سهمه في سبيل الله - تعالى - ، وصفقة يده ، وما تعطيه الأرض ، في ~~هذا دليل على أنه ينبغي للغازي أن يظهر الرغبة في سهمه غنيا كان أو فقيرا ~~قل سهمه أو كثر ، فإنه أطيب كسبه ، على معنى أنه مصاب بطريق فيه إعلاء كلمة ~~الله - تعالى - وإعزاز الدين ، وذلك أشرف جهات إصابة المال ، والمراد بصفقة ~~يده التجارة ، ولكنها بشرط أداء الأمانة ومراعاة حدود الشرع ، وما تعطيه ~~الأرض المراد الزراعة ، فهي تجارة على ما قال عليه السلام : ' الزارع يتاجر ~~ربه ' . وإذا أراد الإمام قسمة الغنائم ينبغي أن يجعل عليها رجلا من ~~المسلمين عدلا وصيا عالما بالأمور مجربا لها ، فإذا ميز الخمس جعل على ~~الخمس أيضا رجلا أمينا حافظا كاتبا عالما ، لأنه يعجز بنفسه على مباشرة ~~القسمة لكثرة أشغاله فيستعين بغيره ويختار لذلك من يكون أقدر على ما هو ~~مقصود من الحفظ والقسمة وذلك بأن يكون مستجمعا للشرائط التي قالها . والأصل ~~فيه ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل محمية ابن جزء الزبيدي على ~~خمس بني المصطلق ، وكانت تجمع إليه الأخماس ، وكانت الصدقات على حدة لها ~~أهل ، وللفيء أهل وكان يعطي من الصدقة اليتيم والضعيف والمسكين . فإذا ~~احتلم اليتيم وجب عليه الجهاد نقل إلى الفيء ، وإن كره الجهاد لم يعط من ~~الصدقة شيئا ، وأمر بأن يكسب لنفسه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يمنع سائلا شيئا فأتاه PageV03P1013 رجلان يسألانه عن خمس بني المصطلق فقال ~~: إن شئتما أعطيتكما منه ولاحظ فيه لغني ولا لقوي مكتسب . ثم روي أن عبيدة ~~السلماني كان يقسم أعطيات قومه ، ففضل بين رجلين درهم فقال : اقترعا أيكما ~~يأخذه ms0586 . فقام إليه رجل فساره . فقال : أتأمرهما أيهما يذهب بنصيب صاحبه . ~~فقال : اذهبا فاشتريا وبه شيئا بينكما فاقتسما . وبه نقول أنه لا يجوز ~~الإقراع في تعيين المستحق ، وأن المشترك إذا كان بحيث لا يحتمل القسمة ~~بنفسه ، فإما أن يمسكه الشريكان مشتركا بينهما نصفان أو يشتريا به شيئا به ~~فيقسمانه نصفين ، وكذلك إذا لم يعلم أنه لأيهما فإنه يجعل بينهما نصفين ~~لاستوائهما في سبب الاستحقاق . وذكر عن الأحنف بن قيس قال : كنا بباب عمر - ~~رضي الله عنه - فمرت جارية فتخشخش لها القوم أي تحركوا وأوسعوا لها . ~~فقالوا : لعلها من أمهات أولاد أمير المؤمنين . فقالت : إني لا أحل لأمير ، ~~إني من خمس مال الله - تعالى - . فقلنا فيما بيننا : ما يحل لأمير المؤمنين ~~من مال الله - تعالى - الحديث . . . إلى أن قال عمر - رضي الله عنه - : إني ~~أستحل من مال الله - تعالى - حلتين حلة بالشتاء وحلة بالصيف ، وظهري الذي ~~أحج عليه PageV03P1014 وأعتمر . وقوت أهلي ، وقوتي قوت أهل رجل من قريش ، ~~ولا وكس ولا شطط ، ثم أنا شريك المسلمين بعد ، ففي هذا دليل على أن الإمام ~~إنما يأخذ مقدار الكفاية من مال المسلمين ثم هو يساويهم فيما سوى ذلك . ~~لأنه بمنزلة الوصي في مال اليتيم وقال - تعالى : ' ومن كان غنيا فليستعفف ، ~~ومن كانفقيرا فليأكل هاشم وبني عبد المطلب ، حتى كلمه عثمان بن عفان وجبير ~~بن مطعم . وقد بينا تمام ذلك في السير الصغير ، والذي زاد هاهنا . أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لهما : إن بني عبد المطلب وبنو هاشم شيء واحد ، ففي ~~هذا تنصيص على أن المراد قرب النصرة بالانضمام إليه في حال ما هجره الناس ~~لأقرب القرابة . PageV03P1015 وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار ~~جبريل عليه السلام في ذلك ، فأشار عليه أن يقسمه بين بني هاشم وبين بني ~~المطلب . وذكر عن مجاهد قال : كان خمس الخمس لذوي القربى ، لأنهم كانوا لا ~~يأكلون الصدقة . والأول أصح ، لأن حرمة الصدقة عليهم كان بطريق الإكرام لهم ~~فما كانوا يحتاجون إلى عوض ذلك ، ثم حرمة الصدقة ms0587 في حق بني هاشم خاصة . وقد ~~أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب أيضا ، فعرفنا أن السبب قرب ~~النصرة لما بيناه ، والله أعلم . PageV03P1016 # | باب ما يستعمل في دار الحرب ويؤكل ويشرب # وإن أصاب المسلمون غنائم في دار الحرب فليس ينبغي لواحد منهم أن ينتفع من ~~ذلك بشيء إلا المأكول والمشروب ، لهم ولدوابهم ، ولا بأس بأن يذبحوا البقر ~~والغنم ليأكلوا بغير خمس ، لأن حاجتهم إلى الطعام والعلف حاجة ماسة ، ولا ~~يمكنهم أن يستصبحوا ذلك من دار الإسلام ، ولا يجدونها في دار الحرب بشراء ، ~~وما يأخذون يكون غنيمة . فلأجل الحاجة يصير ذلك مستثنى من شركة الغنيمة ، ~~فيبقى على أصل الإباحة كما كان قبل الإصابة . وهو نظير شركة المفاوضة ، ~~فإنه يستثنى منها ما يشتري كل واحد منهما من الطعام والكسوة لنفسه وعياله ، ~~حتى يختص بذلك العلم بوقوع الحاجة إلى ذلك في مدة الشركة . والأصل فيه حديث ~~عمر - رضي الله عنه - حيث كتب إلى عاماه جواب كتابه أن دع الناس يأكلوا ~~ويعلفوا ، فمن باع شيئا من ذلك فقد وجب فيه خمس الله وسهام المسلمين ، وروي ~~هذا المعنى أيضا عن فضالة بن عبيد وبه نأخذ . PageV03P1017 فنقول : إنما ~~يباح التناول من ذلك للحاجة دون التجارة ، فما يدخل تحت التجارة بالبيع ~~يكون بدله كسائر الغنائم ، فلا ينبغي لأحد أن يخص نفسه بذلك . وذكر حديث ~~سلمان حين أتاه غلامه بسلة يوم نهاوند . فقال : هاتها ، فإن كان مالا ~~دفعناه إلى هؤلاء ، وإن كان طعاما أكلناه ، فإذا فيها أرغفة حواري وجبنة ~~وسيكن . فجعل سلمان يطرح لأصحابه من ذلك الخبز ويقطع لهم من جبنه فيأكلون ، ~~ويخبرهم كيف يصنع الجبن ، ثم ذكر عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه رخص في ~~الأكل ، وقال : فإن خرجوا بشيء منه تصدقوا به ، والمراد إنما يتصدقون إذا ~~قسمت الغنائم ، فأما قبل القسمة فيرد ذلك في المغنم ، لأن قبل القسمة يتيسر ~~إيصاله إلى مستحقه بالإلقاء في الغنيمة وبعد القسمة يتعذر ذلك ، فيكون ~~سبيله التصدق به كاللقطة . إلا أن يكون محتاجا فيأكله ، وإن أكله وهو غني ms0588 ~~تصدق بقيمته كما هو الحكم في اللقطة . وقد روى ذلك عن ابن عمر - رضي الله ~~عنه - . وذكر عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى اله عليه ~~وسلم قال يوم خيبر : ' ردوا الخيط والمخيط . وكلوا واعلفوا ولا تحملوا ' ، ~~ففيه دليل على أن ما سوى المأكول والمشوب يكون غنيمة لا يحل لأحد أن يختص ~~بشيء منه ، فأما المأكول والمشروب فمستثنى في حكم الأكل PageV03P1018 خاصة ~~لا في حكم الحمل والتصرف فيه ، ولهذا قال سليمان بن يسار : بيع الطعام إذا ~~خرج من أرض العدو من الغلول ، وكذلك بيعه في أرض العدو من الغلول إن لم يرد ~~ثمنه في الغنيمة . وذكر عن ابن أبي أوفى قال : لم يخمس الطعام يوخيبر ، ~~وكان الرجل يأخذ منه ما شاء ، ففي هذا دليل أنه مستثنى من أصل شركة الغنيمة ~~، حتى لا يجب فيه الخمس ، ويستوي في ذلك ما يكثر وجوده في ذلك الموضع وما ~~يعز وجوده فيه ، بخلاف ما يقوله بعض أهل الشام ، أن هذه الإباحة تختص بطعام ~~يكون في ذلك الموضع واعتمادنا فيه على حديث مكحول : أن رجلا نحر جزورا بأرض ~~الروم ، ثم نادى في الناس : هلموا إلى هذا اللحم فخذوا منه ، فقال مكحول ~~لرجل من غسان : ألا تقوم فتأتينا من لحم هذا الجزور ؟ فقال : إنها نهبى ، ~~أي لم تخمس ، فقال مكحول : إنه لا نهبى في المأذون فيه . ومعلوم أن الإبل ~~مما لايكون بأرض الروم ، وقد جوز نحورها والأكل منها ، فدل أن الأكل في ذلك ~~سواء . وعن مكحول قال : كل ما حمل من أرض العدو مما لا قيمة له ~~PageV03P1019 هناك فحمله في حاجة نفسه فهو له . وهذا عندنا صحيح فيما لا ~~قيمة له في دارنا أيضا . فعليه أن يرده في الغنيمة ، لأن بمجرد النقل من ~~مكان إلى مكان لم تتبدل العين ، وإنما تمكن من إخراجه بقوة المسلمين ، فهو ~~من جملة الغنائم . وكأن مكحولا جعل النقل محدثا صفة التقوم فيه ، بمنزبة ~~الصنعة حتى قال : فا اقتطعت من شجر العدو فعلمته قدحا أو مزرية أو مزادة ms0589 ~~فلا بأس به ، وما وجدت من ذلك معمولا فرده في الغنيمة ، وبهذا نأخذ . فإن ~~المعمول مال متقوم بصنعته ، وقبل العمل لا يكون مالا متقوما ، فإذا صيره ~~مالا متقوما بصنعته فهو لهخاصة بمنزلة من اتخذ الكوز من تراب غيره ، لكنا ~~نفرق بين الصنعة والنقل ، لأن بالصنعة تتبدل العين ، فيكون المتقوم شيئا ~~آخر ، هو حادث بصنعته ، فأما بالنفل فلا تتبدل العين . ثم روي أن الرسول ~~صلى اله عليه وسلم قال : ' إياكم وربا الغلول ' . وفس ذلك بأن يركب دابة من ~~الفيء ، حتى إذا أعجفها ردها في المغنم ، أو يلبس ثوبا حتى إذا خلق رده في ~~المغنم ، أو ينكح الجارية قبل أن تحيض ، PageV03P1020 وبهذا نأخذ . فإن ليس ~~له أن يختص بشيء من هذه الأعيان قبل القسمة فكذلك بمنافعها . وبالجزء الذي ~~يفوت من عينها لتمكن النقصان باستعماله . وذكر عن أبي الدرداء قال : لا بأس ~~بما أصابت السرية من الطعام أن يرجعوا به إلى أهلهم فأكلون ويهدون ما لم ~~يبيعوا ، فكأنه جعل الإهداء من جملة الحاجة كالأكل ، ولسنا نأخذ بهذا فإن ~~الأكل من أصول الحوائج تتحقق فيه الضرورة ، والإهداء ليس من أصول الحوائج ، ~~فهو كسائر التصرفات . وذكر أن البراء بن مالك أخذ سيفا مما أصابوا يوم ~~الزارة وقاتل به ، وبه نأخذ عند الحاجة ، بأن ينكسر سلاحه ، فأما إذا أراد ~~الإبقاء على سلاحه والقتال بسلاح أخذه من العدو فهو من ربا الغلول لأن ما ~~أخذه يكون غنيمة ، ولكن عند الضرورة لا بأس بأن يستعمله عند الضرورة في ~~القتال . ألا ترى أنه لو ضربه المشرك بسيف أخذه من يدهه وضربه به لم يكن به ~~بأس ؟ قال : ولا بأس بأ يوقح دابته ، ويدهن رأسه من المغنم ، PageV03P1021 ~~وإنما أراد أن يفعل ذلك بما يؤكل من الزيت والسمن ، فإن له أن يختص بذلك ~~العين أكلا فكذلك له أن يختص به انتفاعا بوجه أخر . فأما سوى ذلك من ~~الأدهان كالبنفسج والزنبق والخيري فليس له أن يدهن بشيء من ذلك ، لأن هذا ~~مما لا يؤكل . ألا ترى أنه لو وجد غالية أو بانا ms0590 لم يكن له أن يستعمل هذا ، ~~لأن هذا مما لا يؤكل ، وأما الزيت ونحوه فلا بأس بأن يأكله أويستصبح به في ~~السراج فكذلك لا بأس بأن يدهن به . وذكر أن رجلا من المسلمين وجد يوم خبير ~~دراهم في خربة ، فأخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ، وبهذا نأخذ ~~، فإن واحدا من الغانمين إذا وجد في دار الحرب راكازا أو معدنا فهو غنيمة ، ~~لأنه ما توصل إلى ذلك المكان واستخراج ذلك المال إلا بقوة المسلمين . فإن ~~نهى الإمام الجيش أن يأكلوا من البقر أو الغنم أو غيرهما وأقسم عليهم أن لا ~~يفعلوا ذلك حتى يقسم فعلتهم طاعته ، ولا يحل لهم أن يتعرضوا لشيء منه ، لأن ~~الإمام مجتهد فيما يأخذ عليهم الميثاق به وبتنصيصه ينعدم معنى الاستثناء في ~~هذا المال من شركة الغنيمة ، فيكون حكمه كحكم سائر الغنائم . PageV03P1022 ~~إلا أنه ينبغي للإمام أن ينظر لهم ، فإذا عرف حاجتهم إلى ذلك أخذ منه الخمس ~~وقسم ما بقي ، ليتناول كل واحد منهم من نصيبه ، فإن الحاجة إلى ذلك قد ~~تحققت ، وعند الضرورة تجوز القسمة في دار الحرب ، والله أعلم . ~~PageV03P1023 # | باب قتل الأسارى والمن عليهم # قال : الإمام بالخيار في الرجال من أسارى المشركين بين أن يقتلهم وبين أن ~~يخمسهم ويقسم بين من أصابهم ، وكان الحسن - رضي الله عنه - يكره قتل الأسير ~~إلا في الحرب ليهيب به العدو وحماد بن أبي سليمان - رحمه اتلله - كان يكره ~~قتل الأسير بعدما وضعت الحرب أوزارها . وجه قولهما إن إباحة القتل لدفع ~~محاربتهم . قال الله - تعالى - : ' لإغن قاتلوكم فاقتلوهم ' . وقد اندفع ~~ذلك بالأسر وانقضاء الحرب ، فليس في القتل بعد ذلك إلا إبطال حق المسلمين ~~بعدما ثبت في رقابهم حق لا يجوز . واستدلوا على ذلك بما روي أن عبد الله بن ~~عامر بعث إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - بأسير ليقتله فقال : أما والله ~~مصروا فلا أقتله . يعني بعدما شددتموه وأسرتموه فلا أقتله ، PageV03P1024 ~~وقال الله تعالى - : ' فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ، حتى إذا ~~أثخنتموهم ' ، وإنما أمرنا بالقتال إلى ms0591 غاية الأسر ، ثم جعل الحكم بعد ذلك ~~المن أو الفداء . ودليلنا على جواز القتل بعد الأسر قصة بني قريظة . فقد ~~قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأسر ، وبعدما وضعت الحرب أوزارها ~~، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ~~بالأثيل ، وكان من أساري بدر ، وقتل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - معبد ~~بن وهب وقد كان أسره أو بردة ابن نيار يوم بدر فسمعه يقول : يا عمر ! ~~أتحسبون أنكم غلبتم ! ، كلا واللآت والعزى . فقال : أتقول هذا وأنت أسير في ~~أيدينا ، ثم أخذه من أبي بردة وضرب عنقه ، ولأن الأمن عن القتل إنما يثبت ~~بالأمان أو بالإيمان ، وبالأسر لا يثبت شيء من ذلك ، فبقي مباح الدم علي ما ~~كان قبل الأسر ، وهو بالأسر لم يخرج من أن يكون محاربا ، ولكنه عجز عن ~~المحاربة لكونه مقهورا في أيدينا مع قيام السبب الذي يحمله على ذلك وهو ~~المخالفة في الدين . فيجوز قتله كالمرتد المقهور في أيدينا ، وقوله - تعالى ~~- : ' فإما منا وإما فداء ' فمنسوخ . PageV03P1025 هكذا نقل عن السدي أنه ~~نسخه قوله - تعالى - : ' فاقتلوا المشر كين حيث وجدتموهم ' . وتأويل حديث ~~ابن عمر أنه كره قتله مشدود اليدين ، لا أن يقال : تحرز عن قتله يعدما أسر ~~، ونحن هكذا نقول : الأولى أن لا يقتل مشدود اليدين إذا كان لا يخاف أن ~~يهرب أو يقتل بعض المسلمين ، ثم يستوي في ذلك ما بعد الإحراز بدار الإسلام ~~وما قبله ، لانعدام السبب الموجب لحرمه دمائهم . فإن الحق لا يتأكد ~~للمسلمين في الأساري بعد الإحراز بالدار ، ألا ترى أن للإمام أن يجعلهم ~~أحرار الأصل بأن يمن عليهم برقابهم وأراضيهم ويضع الجزية عليهم والخراج على ~~أراضيهم ، كما فعل عمر - رضي اللهعنه - بالسواد . وإذا لم يتأكد الحق فيهم ~~كان الحكم فيهم بعد الإحراز كالحكم قبله ، والإمام ناظر للمسلمين ، فإن رأى ~~الصواب في قسمتهم قسمهم ، وإن رأى الصواب في قتلهم لدفع فتنتهم . قال الله ~~- تعالى - : ' وقاتلهم حتى لا تكون فتنة ' ، ومن أسلم منهم حرم قتله لقوله ms0592 ~~- تعالى - : ' فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ' . وقد PageV03P1026 ~~خرج بالإسلام من أن يكون ظالما ، وقال عليه السلام : فإذا قالها فقد عصموا ~~مني دمائهم وأموالهم ولكنه يقسم بين المسلمين ، لأن الإسلام يؤمنه من القتل ~~، ولكن لا يبطل الحق الثابت فيه للمسلمين ، وقد كان الإمام مخيرا بين القتل ~~والقسمة فإذا تعذر أحدهما بالإسلام تعين الآخر . وأيما مسلم قتل أسيرا قبل ~~أن يسلم أو يباع أو يقسم فلا شيء عليه ، لأنه أراق دما مباحا فهو كمن قتل ~~مرتدا أو مقضيا عليه بالرجم . ولكن يكره له ذلك ، لأنه إن كان الأسير غيره ~~فهو بالقتل يفوت عليه يده فيه ، وذلك ممنوع . بحديث جابر - رضي الله عليه - ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' لا يتعاطى أحدكم أسير صاحبه إذا أخذه ~~قبله فيقتله ' ولكن مع هذا لا شيء عليه ، لأنه أزال يده عما ليس بمال متقوم ~~لحقه ، فهو كمن أراق خمرا على مسلم وهو يمسكه للتخليل . وإن كان هو الذي ~~أسره فهو في القتل يفتات على رأي الإمام ، ويبطل الخيار الثابت له ، وذلك ~~مكروه ، وقال عليه السلام : ' ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه ' ، ~~PageV03P1027 إلا أن يعالجه الأسير ويقصد الانفلات من يده حتى يعجزه عن أن ~~يأتي به الإمام ، فحينئذ لا بأس بأن يقتله ، قد فعل ذلك غير واحد من ~~الصحابة ، وإن أسلم في يده فهو آمن من القتل وهو رقيق ، فإن قسم الإمام ~~الأسارى أو باعهم حرمت دماؤهم ، لأنه آمنهم بما صنع ، فإنه ملكهم من الذين ~~وقعوا في سهامهم ، والملك يكون محترما بحرمة المالك . فمن قتلهم بعد ذلك ~~خطأ فعليه قيمة من قتل والكفارة ، كما هو الحكم في قتل غيرهم من عبيد ~~المسلمين ، بخلاف ما قبل القسمة والبيع ، فهناك الملك لم يثبت لمن في يده ~~الأسير ، فإذا قتله غيره لا يلزمه شيء ، وإنكره ذلك لحرمة يد المسلم . قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : ' لا تخبروا سعدا بقتل أخيه فيقتل كل ~~أسير في أيديكم ' ، وذكر عن محمد بن إبراهيم التيمي قال : ردت ms0593 الغنائم ~~PageV03P1028 في المغنم يوم بدر ، وأقرت الأساري في أيدي من أسرهم ، ~~والأسلاب في أيدي من قتلهم . وإنما فعل ذلك لأن التنفيل كان قد سبق من ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ' من قتل قتيلا فله سبله ، ومن أسر أسيرا ~~فهو له ' فأما إذا لم يسبق التنفيل من الأمير بذلك فكل ذلك مردود في المغنم ~~. وإن رأى الإمام قتل الأساري فينبغي له أن لا يعذبهم بالعطش والجوع ولكنه ~~يقتلهم قتلا كريما ، يعني لا ينبغي أن يمثل بهم ، فقد نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور . وقال عليه السلام في بني ~~قريظة بعدما احترق النهار في يوم صائف : ' لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم ~~وحر السلاح ، قيلوهم حتى يبردوا فقتلوهم حتى أبردوا ، ثم راحوا ببقيتهم ~~فقتلوهم ، وقد كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحمال التمر فنثرت ~~بين أيديهم فكانوا يكدمونها كدم الحمر ، PageV03P1029 قال : وليس ينبغي ~~للإمام أن يمن على القتيل فيتركه ولا يقتله ولا يقسمه ، لأنه لو أراد إبطال ~~حق المسلمين عنه بأن يختص به أحدهم لم يكن له ذلك ، فإذا أراد إبطال حق ~~جميع المسلمين بالمن عليه أولى أن يكون ممنوعا منه . وهذا لأن في المن ~~تمكينه من أن يعود حربا للمسلمين بعد الظهور عليه وذلك لا يحل . وقد بينا ~~أن حكم المن الثابت بقوله - تعالى . ' فأما منا بعد وإما فداء ' قد انتسخ ~~بقوله - تعالى - ' فاقتلوا المشركين ' والذي روى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من على أبي غزة الجمحي يوم بدر ، فقد كان ذلك قبل انتساخ حكم المن ، ~~ألا ترى أنه لما وقع أسيرا يوم أحد وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يمن عليه أبى وقال : ' لا تحدث العرب بأني خدعت محمدا مرتين ، ثم أمر به ~~فقتل ' وذكر محمد - رحمه الله - للحديث تأويلا آخر وهو : أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقاتل عبدة الأوثان من العرب ، وأولئك ما كان يجري عليهم حكم ~~السبي ، وإنما من على بعض الأسراء ، لأنه ms0594 ليس فيه إبطال حق ثابت للمسلمينفي ~~رقابهم . ونحن نقول به في مثلهم من المرتدين وعبدة الأوثان من العرب الذين ~~لا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام ، فإنهم إن أسلموا كانوا أحرارا ، وإن ~~أبوا قتلوا ، PageV03P1030 وإن رأى الإمام النظر للمسلمين في المن عليهم ~~على بعض الأسارى فلا بأس بذلك أيضا لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~على ثمامة بن أثالة الحنفي حين أسره المسلمون وربطوه بسارية من سواري ~~المسجد ، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ' ما وراءك يا ~~ثمامة ؟ ' فقال : إن عاقبت عاقبت ذا ذنب ، وإن مننت على شاكر ، وإن أردت ~~المال فعندي من المال ما شئت ، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرط ~~أن يقطع الميرة عن أهل مكة ، ففعل ذلك حتى قحطوا ، والدليل عليه أن له أن ~~يمنعلى الرقاب تبعا للأراضي ، لأن فيه منفعة للمسلمين من حيث الجزية ~~والخراج ، فعرفنا أنه يجوز ذلك عند المنفعة للمسلمين وذكر : عن جابر - رضي ~~الله عنه - قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين ~~فنزلنا منزلا للمقيل ، ثم دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وعنده ~~رجل جالس ، فقال عليه السلام : ' إن هذا جاء وأنا نائم ، فسل سيفي ثم قال : ~~يا محمد ، من يمنعك مني اليوم ؟ فقلت : الله ، ثم قال : يا محمد ! من يمنعك ~~مني اليوم ؟ فقلت : الله ، ثم شام PageV03P1031 السيف . وهاهو جالس . فما ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ولا عاقبة ، وتأويل ذلك أنه حين سقط ~~السيف من يده وتبين له الحق أسلم ، فلهذا لم يعاقبه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، أو إنما تمكن منه النبي صلى الله عليه وسلم بتأييد إلهي لا ~~بقوة المسلمين ، فرأى أن يمن عليه رجاء أن يسلم . وإذا قال الأمير : من أخذ ~~أسيرا فهو له ، فوجد الأسير في يد رجلين كل واحد منهما يدعيه ، فهو بينهما ~~نصفان لاستوائهما في سبب الاستحقاق . إلا أن يكون عقره أحدهما بعينه ، ~~وأخذه الآخر ، فإنه إن ms0595 كان عقر عقرا لا يقدر على البراح فهو للذي عقره لأنه ~~صار مأخوذا بفعله . وإن كان يقدر معه على الفرار فهو للذي أخذه ، لأنه لم ~~يصر مأخوذا بفعل الأول ، ونظيره الصيد إذا رماه إنسان فأثخنه ثم أخذه آخر . ~~وروى حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال : رميت يوم بدر سهيل بن ~~عمرو ، فانقطع نساه ، ثم اتبعت أثر الدم حتى وجدته في يد مالك بن الدخشم ~~وقد جز ناصيته فاختصمنا فيه إلى رسول الله PageV03P1032 صلى الله عليه وسلم ~~فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ، وإنما أخذه منهما لما بينا أن ~~غنائم بدر كانت مخالفة لسائر الغنائم كمن حيث إن الأمر فيها لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعطي من شاء ويحرم من شاء . وذكر عن يحيى بن أبي كثير : قال ~~: قلت للحسن البصري : أرأيت رجلا من المسلمين اشترى أسيرا من المسلمين ~~أيصلح له أن يربح فيه ؟ قال : لا ، وبه نأخذ . فإن المسلم وإن وقع أسيرا ~~فهو حر على حاله ، ومن اشتراه من العدو لا يملكه ، فكيف يربح عليه ؟ ولكن ~~إن اشتراه بغير أمره فهو متطوع فيما أدى من فدائه ، فعليه أن يخلي سبيله ، ~~وإن اشتراه بأمره فإنه يرجع عليه بالثمن الذي اشتراه به ، وهذا استحسان وفي ~~القياس لا يرجع عليه إلا أن يشترط ذلك نصا ، لأن مجرد الأمر متنوع ، قد ~~يكون لطلب الإحسان والأخذ بمكارم الأخلاق ، وقد يكون للاستقراض ، ولكنه عين ~~جهة الاسقراض للعادة الظاهرة فيه ، بمنزلة من أمر غيره أن ينفق على عياله ~~من مال نفسه ، ثم يصير هذا رواية في فصل اختلف فيه المشايخ وهو أن السلطان ~~إذا صادر رجلا فأمر الرجل غيره أن يؤدي المال فقد قال هناك بعض مشايخنا : ~~لا يثبت له حق الرجوع إلا بشرط ، لأن المال ما كان واجبا على الآمر ، وإنما ~~كان مظلوما فيه ، ومن دفع ظلما عن غيره بسؤاله لم يرجع عليه بشيء ولكن ~~PageV03P1033 الأصح أن يرجع عليه ، فإن أهل الحرب ظالمون في حبس الأسير ~~أيضا ، ومن اشتراه منهم ms0596 فقد دفع ظلمهم عنه ، ومع ذلك يثبت له حق الرجوع ~~عليه إذا كان بأمره . وذكر عن بشر بن غالب : قال : سئل الحسين بن علي - رضي ~~الله عنهما - متى يجب السهم للمولود ؟ قال : إذا استهل ، يريد به نصيبه من ~~الميراث . فإنه إنما يستحق ذلك إذا انفصل حيا ، وإنما يعلم ذلك بالاستهلال ~~. وسئل عن فكاك الأسير فقال على الأرض التي يقاتل عنها ، يعني من خراج تلك ~~الأرض ، لأنه قبل الأسر كان يذب عن أهل تلك الأرض ، فهم أولى بفكاكه ، ~~ليكون الغرم بمقابلة الغنم ، وإنما يفك من الخراج لأنه معد لنوائب المسلمين ~~وسد خلة المحتاجين منه . وهذا من جملة ذلك . وسئل عن الشرب قائما ، فحلب ~~ناقة ثم ضرب قائما ، وإنما قصد البيان بفعله أنه لا بأس بذلك ، وقد اقتدى ~~فيه بأبيه علي - رضي الله عنه - فإنه حين بلغه عن قوم أنهم يكرهون الشرب ~~قائما توضأ في رحبة المسجد بالكوفة ثم أخذ الإناء وشرب فضلة فيها قائما ، ~~وكان قصده من ذلك رد قولهم في كراهة شرب الماء قائما . وذكر أن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - أتى بأسير PageV03P1034 يوم صفين ، فقال : لا تقتلني ~~، قال : لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين ، وجعل سلاحه للذي جاء به ~~. وإنما جعل ذلك ليتقوى به على العدو ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها رده على ~~صاحبه أن كان حيا ، وعلى ورثته إن كان ميتا ، وهو أيضا تأويل ما نقل عن ~~الشعبي - رضي الله عنه - أن عليا - رضي الله عنه - لم يغنم من أموال أهل ~~الجمل إلا الكراع والسلاح ، أي دفع ذلك إلى أصحابه ليتقووا به على عدوهم من ~~غير أن يملكهم ذلك ، فإن مال المسلم لا يصير غنيمة للمسلمين بحال . ألا ترى ~~أنه لم يخمس شيئا من ذلك ، وأنهم لما طالبوه القسمة بينهم قال : فمن يأخذ ~~منكم عائشة ؟ وإنما قال ذلك على وجه الإنكار عليهم ، فعرفنا أنه دفع السلاح ~~إلى من دفع لحاجته ، حتى يقاتل به ثم يرده على صاحبه بعدما وضعت الحرب ~~أوزارها . وإذا وقع الظهور ms0597 على قوم من مشركي العرب فقد بينا أنه لا يقبل من ~~رجالهم إلا السيف أو الإسلام . فأما نساؤهم وصبيانهم فهم فيء لا يجبرون على ~~الإسلام لقوله عليه السلام : ' اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم ' ، ~~والمراد بالاستحياء الاسترقاق قال الله - تعالى - : ' ويستحيون نساءكم ' . ~~والمراد بالشرخ النساء والصبيان ، ثم قد بينا أن حالهم كحال المرتدين ، ~~والنساء والذراري من المرتدين بعدما صاروا أهل حرب يسترقون ، بخلاف الرجال ~~إلا أن أولئك يجبرون PageV03P1035 على الإسلام ، لأن حكم الإسلام قد لزمهم ~~فأما عبدة الأوثان من العرب فلم يسبق منهم الإقرار بالإسلام ، فلهذا لا ~~يجبر على الإسلام من استرق من ذراريهم . ثم كل من يجوز استرقاقه من الرجال ~~يجوز أخذ الجزية منه بعقد الذمة ، كأهل الكتاب وعبدة الأوثان من العجم ، ~~ومن لا يجوز استرقاقه لا يجوز أخذ الجزية منه كالمرتدين وعبدة الأوثان من ~~العرب لأن في كل واحد منهما إبقاء الكافر بمنفعة تحصل للمسلمين من حيث ~~المال والأصل فيه حديثان ، أحدهما : حديث الزهري قال : لم يبلغنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل من أحد من أهل الأوثان من العرب الجزية إلا ~~الإسلام أو القتل . المسلمين اشترى أسيرا من المسلمين أيصلح له أن يربح فيه ~~؟ قال : لا ، وبه نأخذ . فإن المسلم وإن وقع أسيرا فهو حر على حاله ، ومن ~~اشتراه من العدو لا يملكه ، فكيف يربح عليه ؟ ولكن إن اشتراه بغير أمره فهو ~~متطوع فيما أدى من فدائه ، فعليه أن يخلي سبيله ، وإن اشتراه بأمره فإنه ~~يرجع عليه بالثمن الذي اشتراه به ، وهذا استحسان وفي القياس لا يرجع عليه ~~إلا أن يشترط ذلك نصا ، لأن مجرد الأمر متنوع ، قد يكون لطلب الإحسان ~~والأخذ بمكارم الأخلاق ، وقد يكون للاستقراض ، ولكنه عين جهة الاسقراض ~~للعادة الظاهرة فيه ، بمنزلة من أمر غيره أن ينفق على عياله من مال نفسه ، ~~ثم يصير هذا رواية في فصل اختلف فيه المشايخ وهو أن السلطان إذا صادر رجلا ~~فأمر الرجل غيره أن يؤدي المال فقد قال هناك بعض مشايخنا : لا يثبت له حق ~~الرجوع ms0598 إلا بشرط ، لأن المال ما كان واجبا على الآمر ، وإنما كان مظلوما ~~فيه ، ومن دفع ظلما عن غيره بسؤاله لم يرجع عليه بشيء ولكن الأصح أن يرجع ~~عليه ، فإن أهل الحرب ظالمون في حبس الأسير أيضا ، ومن اشتراه منهم فقد دفع ~~ظلمهم عنه ، ومع ذلك يثبت له حق الرجوع عليه إذا كان بأمره . وذكر عن بشر ~~بن غالب : قال : سئل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - متى يجب السهم ~~للمولود ؟ قال : إذا استهل ، يريد به نصيبه من الميراث . فإنه إنما يستحق ~~ذلك إذا انفصل حيا ، وإنما يعلم ذلك بالاستهلال . وسئل عن فكاك الأسير فقال ~~على الأرض التي يقاتل عنها ، يعني من خراج تلك الأرض ، لأنه قبل الأسر كان ~~يذب عن أهل تلك الأرض ، فهم أولى بفكاكه ، ليكون الغرم بمقابلة الغنم ، ~~وإنما يفك من الخراج لأنه معد لنوائب المسلمين وسد خلة المحتاجين منه . ~~وهذا من جملة ذلك . وسئل عن الشرب قائما ، فحلب ناقة ثم ضرب قائما ، وإنما ~~قصد البيان بفعله أنه لا بأس بذلك ، وقد اقتدى فيه بأبيه علي - رضي الله ~~عنه - فإنه حين بلغه عن قوم أنهم يكرهون الشرب قائما توضأ في رحبة المسجد ~~بالكوفة ثم أخذ الإناء وشرب فضلة فيها قائما ، وكان قصده من ذلك رد قولهم ~~في كراهة شرب الماء قائما . وذكر أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أتى ~~بأسير يوم صفين ، فقال : لا تقتلني ، قال : لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب ~~العالمين ، وجعل سلاحه للذي جاء به . وإنما جعل ذلك ليتقوى به على العدو ، ~~حتى إذا وضعت الحرب أوزارها رده على صاحبه أن كان حيا ، وعلى ورثته إن كان ~~ميتا ، وهو أيضا تأويل ما نقل عن الشعبي - رضي الله عنه - أن عليا - رضي ~~الله عنه - لم يغنم من أموال أهل الجمل إلا الكراع والسلاح ، أي دفع ذلك ~~إلى أصحابه ليتقووا به على عدوهم من غير أن يملكهم ذلك ، فإن مال المسلم لا ~~يصير غنيمة للمسلمين بحال . ألا ترى أنه لم يخمس شيئا من ذلك ms0599 ، وأنهم لما ~~طالبوه القسمة بينهم قال : فمن يأخذ منكم عائشة ؟ وإنما قال ذلك على وجه ~~الإنكار عليهم ، فعرفنا أنه دفع السلاح إلى من دفع لحاجته ، حتى يقاتل به ~~ثم يرده على صاحبه بعدما وضعت الحرب أوزارها . وإذا وقع الظهور على قوم من ~~مشركي العرب فقد بينا أنه لا يقبل من رجالهم إلا السيف أو الإسلام . فأما ~~نساؤهم وصبيانهم فهم فيء لا يجبرون على الإسلام لقوله عليه السلام : ' ~~اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم ' ، والمراد بالاستحياء الاسترقاق قال ~~الله - تعالى - : ' ويستحيون نساءكم ' . والمراد بالشرخ النساء والصبيان ، ~~ثم قد بينا أن حالهم كحال المرتدين ، والنساء والذراري من المرتدين بعدما ~~صاروا أهل حرب يسترقون ، بخلاف الرجال إلا أن أولئك يجبرون على الإسلام ، ~~لأن حكم الإسلام قد لزمهم فأما عبدة الأوثان من العرب فلم يسبق منهم ~~الإقرار بالإسلام ، فلهذا لا يجبر على الإسلام من استرق من ذراريهم . ثم كل ~~من يجوز استرقاقه من الرجال يجوز أخذ الجزية منه بعقد الذمة ، كأهل الكتاب ~~وعبدة الأوثان من العجم ، ومن لا يجوز استرقاقه لا يجوز أخذ الجزية منه ~~كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب لأن في كل واحد منهما إبقاء الكافر ~~بمنفعة تحصل للمسلمين من حيث المال والأصل فيه حديثان ، أحدهما : حديث ~~الزهري قال : لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل من أحد من أهل ~~الأوثان من العرب الجزية إلا الإسلام أو القتل . والثاني : حديث معاذ - رضي ~~الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين : ' لو ثبت على ~~أحد من العرب ولاء أو رق لثبت اليوم ، ولكن إنما هو القتل أو الفداء وقد ~~بينا أن حكم الفداء قد انتسخ ، فبقي القتل إلا أن يسلم ' . PageV03P1036 ~~وإذا وقع السبي في سهم رجل من المسلمين فأخرج مالا كان معه لم يعلم به ~~فينبغي للذي وقع في سهمه أن يرده في الغنيمة ، لأن الأمير إنما ملكه ~~بالقسمة رقبة الأسير لا ما معه من المال ، فإن ذلك لم يكن معلوما له وهو ~~مأمور بالعدل في القسمة ، وإنما ms0600 يتحقق العدل إذا كانت القسمة لا تتناول إلا ~~ما كان معلوما له . فإن تفرق الغانمون وذلك السبي مما لا يحتمل القسمة ~~لقلته ، فليتصدق به على المساكين ، لأنه عجز عن إيصاله إلى صاحبه ، فيكون ~~بمنزلة اللقطة في يده يتصدق به ، هكذا نقل عن مكحول : أنه قال لمن ابتلى ~~بذلك : ما أرى وجها أحسن من أن يتصدق به ، والذي روى إن عبد الرحمن بن خالد ~~بن الوليد أعطى ذلك من وقع الأسير في يده . فتأويله أنه إنما أعطاه لأنه لم ~~يعلم أن ذلك لم يكن معلوما للذي قسم الغنيمة بين الغانمين . وإنما حسب أن ~~الذي قسم أعطاه ذلك بنصيبه مع الأسير الذي أعطاه إياه . PageV03P1037 وذكر ~~أن رجلا اشترى جارية من المغنم ، فلما رأت أنها قد خلصت له أخرجت حليا كان ~~معها ، فقال الرجل : ما أدري هذا ، وأتى سعد بن أبي وقاص فأخبره ، فقال : ~~اجعله في غنائم المسلمين ، وانطلق آخر يغتسل ، فأمر الماء التراب عن لبنة ~~من ذهب ، فأتى سعدا فأخبره ، فقال : اجعلها في غنائم المسلمين ، وبه نأخذ ، ~~فإن المال الذي مع الأسير كان غنيمة ، وبيع الأمير إنما تناول الرقبة دون ~~المال ، فيبقى المال غنيمة . ومن وجد في دار الحرب كنزا وقد دخل مع الجيش ، ~~فإن ذلك يكون غنيمة ، لأنه ما تمكن من ذلك المال إلا بقوة المسلمين . وإذا ~~وقعت الجارية من السبي في سهم رجل فقالت : أنا جارية ذمية سباني أهل الحرب ~~، ثم أخذني المسلمون ، ولا يعلم ذلك إلا بقولها لم يقبل قولها ، لأنها صارت ~~رقيقة حين سبيت من أرض العدو ، فلا يقبل قولها في إسقاط الرق عنها . ولا ~~بأس بأن يطأها مولاها بالملك ويبيعها حتى تقوم البينة العادلة على ما قالت ~~، PageV03P1038 لأن كل مسلم مأمور باتباع الظاهر ، ما لم يتبين غير ذلك ~~بالحجة وذكر عن الحسن - رضي الله عنه - أنه قال للسائل في هذه الحادثة : لا ~~تقع عليها وبعها ، فإنما كره مواقعتها على طريق التنزه ، لا لأنه لم يرها ~~حلالا له ، ألا ترى أنه أمره ببيعها ، ولو رآها حرة كما زعمت ms0601 ما أمر ببيعها ~~. وإذا ظهر الإمام على أرض من أرض المشركين فهو بالخيار إن شاء خمسها وخمس ~~أهلها وقسم أربعة أخماس ذلك بين من أصابها ، كما فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك بخيبر ، وأن فعل ذلك كانت الأراضي أرض عشر ، لأن المسلم لا ~~يبتدىء بتوظيف الخراج عليه ، وإنما يوضع عليه العشر لأن فيه معنى الصدقة . ~~وإن شاء تركها وأهلها يؤدون منها الخراج ، كما فعل عمر - رضي الله عنه - ~~بأرض السواد وأرض الشام ، وما خالفه في ذلك إلا نفر يسير ولم يحمدوا على ~~خلافه حتى دعا عليهم فقال : اللهم اكفني بلالا وأصحابه ، فما حال الحول ~~وفيهم عين تطرف . يعني مالوا في الطاعون ، وقد بينا تمام هذا في السير ~~الصغير . وذكر أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد بن أبي PageV03P1039 ~~وقاص : أما بعد ، فقد بلغني كتابك يذكر أن الناس قد سألوا أن تقسم بينهم ~~غنائمهم ، فانظر ما أجلب الناس عليك من كراع أو سلاح فاقسمه بين من حضر من ~~المسلمين ، واترك الأرض والأنهار لعمالها ، وبه نأخذ ، وإنما أصيب قبل لفتح ~~والظهور وقد تحقق انفصاله عن أهل الأرض وخروجه من أيديهم ، فيجب قسمة ذلك ~~بين الغانمين ، ولا يبطل ذلك بفتح الأرض والمن على أليها ، قال : وانظر أن ~~لا توله والدة عن ولدها ، أي لا تفرق بين الصغير ووالدته ، وبنحو هذا جاء ~~الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى جارية والهة في الغنيمة فقال : ~~ما حالها ؟ فقال : بيع ولدها ، قال : لا توله والدة بولدها . قال : ولا تمس ~~امرأة حتى يطيب رحمها أي حتى يستبريها ، وهو نظير ما جاء في الأثر . ولا ~~الحبالى حتى تستبرئن بحيضة . قال : ولا تتخذ أحدا من المشركين كاتبا على ~~المسلمين ، فإنهم يأخذون الرشوة في دينهم ، ولا رشوة في دين الله ، وبه ~~نأخذ ، PageV03P1040 فإن الوالي ممنوع من أن يتخذ كاتبا من غير المسلمين ~~لقوله تعالى : ' لا تتخذوا بطانة من دونكم ' . ثم قال : ولا عشر على مسلم ~~ولا على صاحب ذمة ، إنما العشور على أهل الحرب إذا ms0602 استأذنوا أن يتجروا في ~~أرضنا ، وفي هذا نظر ، فقد اشتهر عن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر عماله أن ~~يأخذوا من أهل الذمة نصف العشر ، فإن صح هذا الحديث فالمراد أنه ليس على ~~أهل الذمة العشر الكامل في أموال التجارة إذا مروا به على العاشر ، وإنما ~~ذلك على أهل الحرب خاصة ، فأما أهل الذمة فعليهم نصف العشر . وذكر عن مجاهد ~~قال : أيما مدينة فتحت فأسلم أهلها قبل أن تقسم فهم أحرار وتأويل ذلك فيما ~~إذا كانوا مرتدين أو عبدة الأوثان من العرب ، أو كان رأي الإمام أن يدعهم ~~في أرضهم يؤدون الخراج فأما إذا رأى الإمام أن يقسمهم وأرضهم فهم عبيد ، ~~لما بينا أنهم أسلموا بعد تمام القهر ، وذلك يؤمنهم من القتل ولا يبطل حق ~~المسلمين عن رقابهم والله أعلم بالصواب . ، إنما العشور على أهل الحرب إذا ~~استأذنوا أن يتجروا في أرضنا ، وفي هذا نظر ، فقد اشتهر عن عمر - رضي الله ~~عنه - أنه أمر عماله أن يأخذوا من أهل الذمة نصف العشر ، فإن صح هذا الحديث ~~فالمراد أنه ليس على أهل الذمة العشر الكامل في أموال التجارة إذا مروا به ~~على العاشر ، وإنما ذلك على أهل الحرب خاصة ، فأما أهل الذمة فعليهم نصف ~~العشر . وذكر عن مجاهد قال : أيما مدينة فتحت فأسلم أهلها قبل أن تقسم فهم ~~أحرار وتأويل ذلك فيما إذا كانوا مرتدين أو عبدة الأوثان من العرب ، أو كان ~~رأي الإمام أن يدعهم في أرضهم يؤدون الخراج فأما إذا رأى الإمام أن يقسمهم ~~وأرضهم فهم عبيد ، لما بينا أنهم أسلموا بعد تمام القهر ، وذلك يؤمنهم من ~~القتل ولا يبطل حق المسلمين عن رقابهم والله أعلم بالصواب . PageV03P1041 # | باب ما يحمل عليه الفيء وما يركبه الرجل من الدواب # وما يجوز فعله بالغنائم في دار الحرب من القسمة وغير ذلك قال رضي الله ~~عنه : قد بينا أنه لا ينبغي للإمام أن يقسم الغنائم في دار الحرب ولا ~~يبيعها ، وإن كان لو فعل ذلك نفذ منه ، إلا أن يحتاج المسلمون إليها ، فعند ms0603 ~~الحاجة تقسم الثياب والسلاح بينهم بعد رفع الخمس ، لأن ما يشبه القسمة يجوز ~~له أن يفعله قبل الإصابة عند الحاجة أجوز ، لأنه إنما لا يقسم مراعاة لحق ~~المدد ، كي لا تقل رغبتهم في اللحوق بالجيش ، وعند الحاجة مراعاة جانب ~~الذين هم معهم أولى . فأما الرقيق فلا تتحقق الحاجة إلى قسمتهم في دار ~~الحرب ، فلا يتأكد الحق فيهم أيضا ، حتى حل للإمام قتلهم ، فلا ينبغي له أن ~~يقسمهم قبل الإحراز بالدار ، فإن لم يكن معه ظهر يحمل عليه الغنائم نظر ، ~~فإن كانت في الغنائم دواب فليحمل عليها الغنائم ، وإن لم يكن وكان مع عامة ~~الجيش فضل حمولة حمل الغنائم عليها ، PageV03P1042 لأن الغنائم حقهم ~~والدواب كذلك لهم ، ففي الحمل عليها مراعاة النظر لهم ، فلا يمتنع ذلك لأجل ~~الخمس ، فإنه تبع لحق الغانمين ، على أنه يستحق بإصابتهم ، وثبوت الحكم في ~~البيع كثبوته في الأصل . وإن كانت فضل الحمولة مع خواص منهم فإن طابت ~~أنفسهم بأن تحمل الغنائم عليها فعل ، وإن أبوا لم يكرههم على ذلك ، لأن ~~الدواب للخاص منهم ، والغنيمة لعامتهم ، فاعتبار جانب غير صاحب الدابة ~~يمنعه من حملها على دابته بغير رضاه ، وليس حق البعض تبع لحق البعض . ألا ~~ترى أنه لو أراد أن يحمل بعضهم على دواب البعض لم يكن له ذلك بينهم ، حتى ~~يتولى كل واحد منهم حمل نصيبه بالطريق الذي يمكنه لأن الحاجة قد تحققت إذ ~~لو لم يقسم في هذه الحالة احتاج إلى تركها وفيه أبطال حقهم عنها أصلا . وإن ~~كان بحضرته تجار يشترون ذلك فلا بأس بأن يبيعها منهم لأنه لما جاز له ~~القسمة في هذه الحالة جاز البيع ، فإن كل واحد منهما له تصرف يبتني على ~~تأكد الحق . ثم بعد البيع يقسم الثمن بين الغانمين ، ولا يؤخر ذلك إلى ~~الخروج من دار الحرب PageV03P1043 لأن بنفوذ البيع يتأكد حق الغانمين ~~وتنقطع شركة المدد معهم في الثمن ، فلا معنى لتأخر القسمة بعد ذلك ، كما ~~بعد الإحراز بدار الإسلام . وإن رأى الإمام لأن يستأجر الحمولة من أصحابها ~~تاجر معلوم ms0604 فذلك صحيح ، ويكون الأجر من الغنائم يبدأ به قبل الخمس ، لأن في ~~هذا الاستئجار منفعة للغانمين ، فهو كالاستئجار لسوق الغنم والرماك . وحق ~~أصحاب الحمولة في ذلك لا يمنع من صحة الاستئجار ، لأنه لا ملك لهم فيها قبل ~~الإحراز والقسمة ، وشركة الملك هو الذي يمنع من صحة الاستثمار لا شركة الحق ~~كما في حال بيت المال . ويستوي في ذلك إن رضي به أصحاب الحمولة أو أبوا كان ~~بهم غنى تلك الحمولة ، لأنهم بهذا الإباء قصدوا التعنت ، فإن في هذا ~~الاستئجار منفعة لهم ، من حيث إنه لم يحصل لهم الأجرة بمقابلة منفعة لا ~~تبقى لهم بدون هذا الاستئجار ، وفيه منفعة للغانمين أيضا ، فكانوا متعنتين ~~في الإباء ، والقاضي لا يلتفت إلى إباء المتعنت ، ولأن ابتداء الاستئجار ~~وبقاء الإجارة عند تحقق الحاجة صحيح من غير الأمير ، فمن الأمير أولى . ~~وبيانه في استئجار السفينة مدة معلومة ، إذا انتهت المدة أو مات صاحب ~~السفينة والسفينة في لجة البحر . وكذلك استئجار الأوعية لحمل المائع فيها ~~مدة معلومة إذا انتهت المدة وهم في المفازة ، وكذلك إذا استأجر دابة لحمل ~~أمتعة من موضع إلى موضع مدة معلومة فانتهت المدة وهم في المفازة ، أو مات ~~صاحب الدابة ، فإنه يبتدأ بالعقد بعد انتهاء المدة ، ويبقى بعد الموت ~~PageV03P1044 في هذه المواضع بأجر المثل ، وبالمسمى في حالة البقاء ، وكان ~~ذلك لأجل الحاجة ، فكذلك في الغنائم إذا تحققت الحاجة إلى حملها ، إلا أن ~~يكون الإمام يقدر على حمل الغنيمة بغير إجبار منه لأصحاب فضل الحمولة ، ~~فحينئذ لا يتعرض لحمولتهم ، لأن الحاجة لم تتحقق ، وقال عليه السلام : ' لا ~~يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ' ، وإن كانت الغنيمة سبيا يقدر على أن ~~يمشيهم فعل ذلك ، ولم يجبر أصحاب الحمولة لأنه ليس في هذا أكثر من أن السبي ~~يلحقهم تعب في المشي ، ولأجل ذلك لا يجوز له إجبار أصحاب الحمولة على ما لا ~~تطيب به نفوسهم . وإن لم يقدر على ذلك ولم يكن مع أحد فضل حمولة فإنه ينبغي ~~له أن يحرق بالنار ما يحترق ms0605 من غير الحيوان ، وما لا يحترق كالحديد يدفنه ~~في موضع لا يطلع عليه أهل الحرب ، ومن كان من رجال السبي يضرب أعناقهم ، ~~وما كان من النساء والصبيان خلى سبيلهم في موضع يعلم أنهم يضيعون فيه ، وما ~~كان من حيوان ذبحه ذبحا ثم أحرقه بالنار ، ولا ينبغي له أن يحرق شيئا من ~~ذلك وفيه الروح ، لأن ذلك مثلة ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' لا ~~يعذب بالنار إلا ربها ' ، والحاصل أنه بعد ما وقع في يده شيء ، فالواجب ~~عليه شيئان . ان من حيوان ذبحه ذبحا ثم أحرقه بالنار ، ولا ينبغي له أن ~~يحرق شيئا من ذلك وفيه الروح ، لأن ذلك مثلة ، ولأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ' لا يعذب بالنار إلا ربها ' ، والحاصل أنه بعد ما وقع في يده ~~شيء ، فالواجب عليه شيئان . PageV03P1045 أحدهما : قطع منفعة المشركين عن ~~ذلك أصلا ، والآخر إيصال المنفعة للمسلمين ، فإن قدر عليهما فليأت بهما ، ~~وإن عجز عن أحدهما فليأت بالآخر ، وهاهنا قد عجز عن أحدهما وهو قادر على ~~الآخر ، وهو قطع منفعتهم عنا لكيلا يتقووا بها على المسلمين بحال . ولأنه ~~مأمور بأن يفعل ما فيه الكبت والغيظ للعدو ، وفي جميع ما قلنا تحقيق معنى ~~الغيظ والكبت لهم ، ثم لا يكون هو متلفا للصبيان وللنساء بتركهم في مضيعة ، ~~ولكن يكون ممتنعا من الإحسان إليهم بالنقل إلى العمران وترك الإحسان لا ~~يكون إساءة . ألا ترى أن من مر بامرأة أو صبي في مفازة وهو يقدر على نقله ~~إلى العمران فلم يفعل لم يكن ضامنا شيئا من بدله ، وكذلك يصنع بما قام على ~~المسلمين من دوابهم وبما ثقل عليهم من متاعهم . وإذا اشترى الرجل دابة في ~~دار الإسلام وغزا عليها فوجد بها عيبا في دار الحرب ، فإن كان البائع معه ~~في العسكر خاصمه حتى يردها عليه . لأنه صار مظلوما من جهته بتدليس العيب ، ~~فله أن ينتصف منه . وإن لم يكن حاضرا فإنه ينبغي له أن لا يركبها ، ولكن ~~يسوقها معه في العسكر خاصمه حتى يردها عليه . لأنه ms0606 صار مظلوما من جهته ~~بتدليس العيب ، فله أن ينتصف منه . وإن لم يكن حاضرا فإنه ينبغي له أن لا ~~يركبها ، ولكن يسوقها معه حتى يخرجها فيردها لأن الركوب بعد العلم بالعيب ~~يكون رضى منه بها ، فليتحرر من ذلك ، إلا أن يركبها ليسقيها أو ليسوقها إلى ~~معلفها ، أو حمل عليها علفها ، فإن هذا لا يكون رضى منه بالعيب ، ~~PageV03P1046 لأنه لا يتمكن من ردها إلا بأن يسقيها ويعلفها ، فربما لا ~~تنقاد له في ذلك ما لم يركبها ، فلا يكون ذلك دليل الرضى منه ، وأما الركوب ~~لحاجة نفسه أو لحمل أمتعته عليها فدليل الرضا منه ، من حيث إنه انتفاع ~~بملكه ، فيكون ذلك آية رضاه بتقرر ملكه . ويستوي في ذلك إن لم يجد دابة ~~أخرى أو وجدها ، لأن العذر الذي له غير معتبر فيما يرجع إلى حق البائع ، ~~والركوب لحاجته دليل الرضا ، فيكون بمنزلة التصريح بالرضا . فإن أتى الإمام ~~وأخبره خبرها فقال له الإمام : اركبها فركبها بأمره ، لم يستطع ردها أيضا ، ~~لأنه هو الذي التمس ذلك من الإمام ، وقد كان متمكنا منه قبل أمره ، فلا ~~يتغير الحكم باعتبار أمره بعد أن يركبها طائعا . فإن أكرهه الإمام على ذلك ~~حين خاف الهلاك عليه ، فإن نقصها ركوبه فكذلك الجواب بمنزلة ما لو تعيبت في ~~يده بآفة سماوية وإن لم ينقصها ركوبه فله أن يردها بالعيب . لأن عند ~~الإكراه ينعدم الفعل من المكره ، ويصير آلة له ، إن كان الإكراه بالقتل ، ~~وإن كان بالحبس والقيد ينعدم به الرضا وإنما كان لا يستطيع درها بعد الركوب ~~لوجود دليل الرضا ، فإذا انعدم ذلك في الركوب مكرها يتمكن من ردها . ~~PageV03P1047 وإن لم يكرهه ولكن قال : اركبها وأنت على ردك لها ، فركبها ، ~~لزمته ، وكان هذا القول من الأمير باطلا ، لأنه فتوى بخلاف حكم الشريعة ، ~~وليس بقضاء من جهته لأن القضاء مستدع مقضيا له ومقضيا عليه . فإذا رفعها ~~إلى قاض يعد ذلك فردها بالعيب على طريق الاجتهاد لما قال له الأمير ذلك ، ~~ثم رفعت إلى قاض آخر يرى ما صنع الأول خطأ فإنه ms0607 يمضي قضاء الأول ولا يرده ~~لأن القضاء الأول حصل في موضع الاجتهاد ، فإن ظاهر النصوص الموجبة لطاعة ~~الأمير تخرج ركوبه من أن يكون رضا بالعيب . وكذلك التنصيص من الأمير بقوله ~~: وأنت على ردك ، يسقط اعتبار دليل الرضا بالعيب منه عند الركوب لأن الدليل ~~إنما يعتبر إذا لم يوجد التنصيص بخلافه . ثم إذا تعذر ردها فإن كان ذلك ~~لوجود دليل الرضا منه لو يرجع بحصة العيب من الثمن ، وإن كان لنقصان دخلها ~~، بأن كان ركبها مكرها فإنه يرجع بحصة العيب من الثمن ، إلا أن يرضى البائع ~~بالرد عليه وهذا لأن دليل الرضا كصريحه ولو أكره على الرضا بالعيب صريحا لم ~~يسقط به حقه في الرد ، فكذلك إذا أكره على ما يكون دليل الرضا PageV03P1048 ~~فإذا انعدم الرضا بقي اعتبار النقصان ، فكان ذلك حصل بغير صنيع أحد وذلك ~~يمكنه من الرجوع بنقصان العيب ، إلا أن يرضى البائع بالرد عليه . وإذا أصاب ~~المسلمون غنائم فكان فيها مصحف لا يدري أن المكتوب فيه توراة أو إنجيل أو ~~زبور أو كفر ، فليس ينبغي للأمير أن يبيع ذلك من المشركين مخافة أن يضلوا ~~به فيكون هو المسبب لفتنتهم وإصرارهم على الكفر ، وذلك لا رخصة فيه ، وكذلك ~~لا يبيع من مسلم ، لأنه لا يأمن أن يبيع ذلك منهم أيضا فيفضلوا بسببه . ~~وكذلك لا يقسم بين الغانمين ، لأنه لا يأمن على من وقع في سهمه أن يبيعه من ~~المشركين فيفضلوا بسبب . ولا ينبغي له أن يحرق بالنار ذلك أيضا ، لأن من ~~الجائز أن يكون فيه شيء من ذكر الله - تعالى - ، ومما هو كلام الله وفي ~~إحراقه بالنار من الاستخفاف ما لا يخفى . والذي يروى أن عثمان - رضي الله ~~عنه - فعل ذلك بالمصاحف المختلفة حين أراد جمع الناس على مصحف واحد لا يكاد ~~يصح ، فالذي ظهر منه من تعظيم الحرمة لكتاب الله - تعالى - والمداومة على ~~تلاوته آناء الليل والنهار دليل على أنه لا أصل لذلك الحديث ، PageV03P1049 ~~ولكنه ينظر في ذلك ، فإن كان لورقه قيمة محي الكتاب وجعل الورق في الغنيمة ms0608 ~~، وإن لم يكن لورقه قيمة فليغسل ورقة الماء حتى يذهب الكتاب ثم يحرقه بعد ~~ذلك إن أحب ، لأنه لا كتاب فيه ، وربما يكون في إحراقه بعد غسله المكتوب ~~فيه معنى الغيظ لهم ، وهو المشركون ، فلا بأس بأن يفعله . ولا ينبغي له أن ~~يدفن شيئا من ذلك قبل محو الكتاب ، لأنه لا يأمن أن يطلبه المشركون ~~فيستخرجونه ، يأخذون بما فيه فيزيدهم ذلك ضلالا إلى ضلالهم . وفي هذا ~~التعليل إشارة إلى أنه كان يأمن ذلك فلا بأس بأن يدفنه ، فيكون دليلا لقول ~~من يقول من أصحابنا فيما إذا انقطع أوراق المصحف إنه لا بأس بدفنه في مكان ~~طاهر ، والغسل بالماء أحسن الوجوه فيه على ما ذكر . وإن أراد شراءه رجل ثقة ~~من المسلمين يؤمن عليه أن لا يبيعه من المشركين فلا بأس بأن يبيعه منه ~~الإمام ، لأنه مال متقوم ، ولهذا لو باعه جاز بيعه ، إلا أن كراهة بيعه ~~لخوف الفتنة ، وذلك ينعدم هاهنا ، فهو نظير بيع العصير ممن يعلم أنه لا ~~يتخذه خمرا ، قال مشايخنا : وكذلك الجواب فيما يجده المسلم من كتب الباطنة ~~وأهل الأهواء المضلة فإنه يمنع من بيع ذلك مخافة أن يقع في يد أهل الضلالة ~~فيفتتنوا به ، وإنما يفعل به ما ذكرنا في هذا الموضع . PageV03P1050 ولو ~~وجدوا في الغنائم صليبا من ذهب أو فضة وتماثيل أو دراهم ، أو دنانير فيها ~~التماثيل ، فإنه ينبغي للإمام أن يكسر ذلك ويجعله تبرا ، لأنه لو قسمه أو ~~باعه كذلك ، ربما يبيعه من يقع سهمه من بعض المشركين بأن يزيدوا له في ثمنه ~~رغبة منهم في لباسه ، أو في أن يعيدوه فليتحرز عن ذلك بكسر الصليب ~~والتماثيل . والذي يروى أن معاوية بعث بها لتباع بأرض الهند فقد استعظم ذلك ~~مسروق على ما ذكر محمد في كتاب الإكراه ثم بينا ذلك الحديث في شرح المختصر ~~. فأما الدراهم والدنانير فلا بأس بقسمتها وبيعها قبل أن تكسر ، لأن هذا ~~مما لا يلبس ، ولكنه يتبدل في المعاملات . ألا ترى أن المسلمين يتبايعون ~~بدراهم الأعاجم فيها التماثيل بالتيجان ، ولا ms0609 يمتنع أحد عن المعاملة بذلك ، ~~وإنما يكره هذا فيما يلبس أو يعبد من دون الله من الصليب ونحوها وحكم هذه ~~الأشيلء كحكم ما لو أصابوا برابط وغيرها من المعازف ، فهناك ينبغي له أن ~~يكسرها ثم يبيعهل أو يقسمها حطبا ، قال : إلا أن يبيعها قبل أن يكسرها ممن ~~هو ثقة من المسلمين لا يعلم أنه يرغب فيها للحطب لا للاستعمال على وجه لا ~~يحل فحينئذ لا بأس بذلك ، لأنه مال منتفع به ، فيجوز بيعه للانتفاع به ~~بطريق مباح شرعا . PageV03P1051 وما وجدوا في الغنائم من كلب صيد أو فهد أو ~~بازي فلا بأس بقسمة ذلك بين المسلمين ، لأنه مال متقوم يجوز الانتفاع به ~~بطريق مباح شراعا ، ولهذا جوز علماؤنا رحمهم الله ببيعه ، واستدل عليه ~~بحديث إبراهيم قال : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل البيت القاصي ~~في الكلب يتخذونه ، يعني للحرس ' . ثم شبه الكلب بالهرة ، وبيع الهرة جائز ~~، لأنه منتفع به ، وإن ككان لا يحل أكله فالكلب المنتفع به مثله . ومن وجد ~~الغزاة في دار الحرب فهدا أو بازيا ، لأو صقراغير مملوك لأحد فأخرجه إلى ~~دار الإسلام ، فإنه يجعل ذلك في الغنيمة ، لأن هذا مال متقوم بعد إخراجه ، ~~وهو لم يتوصل إلى المكان الذي أخذ ذلك فيه إلا بقوة المسلمين فعليه أن يجهل ~~ذلك في الغنائم . بمنزلة ما لو أخذه من بعض المشركين ، ونظيره ما تقدم فيما ~~إذا وجد كنزا أو معدنا في دار الحرب واستخرج منه مالا . PageV03P1052 وكذلك ~~لو استخرج من البحر لؤلؤا ، أو عنبرا في موضع من دار الحرب فإنه يرد ذلك ~~كله في الغنيمة ، لأنه ما توصل إلى ذلك إلا بقوة المسلمين . وكذلك إن أصاب ~~سمكا في ذلك الموضع ، إلا أنه لا بأس بأن يتناول السمك ويطعم أصحابه ، كما ~~هو الحكم في طعام الغنيمة . وكذلك لو اصطاد بكلب أو فهد أو بازي من الغنيمة ~~، فإن ما يصاد به يكون من جملة الغنيمة ، إلا أنه لا بأس بأن يتناوله كسائر ~~الأطعمة . وأهل الشام يفرقون بين ما يكون من ذلك ms0610 مملوكا للعدو يأخذه منهم ، ~~وبين ما لا يكون مملوكا ، فيقولون فيما لا يكون مملوكا : هو سالم له ، ~~لظاهر قوله عليه السلام : الصيد لمن أخذه ، ولأن الغنيمة اسم لمال مصاب ~~بطريق فيه أعلاه كلمة الله وإعزاز الدين ، وذلك فيما يتملك على المشركين ~~بطريق القهر ، أما ما يؤخذ من المال المباح الذي هو تافه بين الناس فإنه لا ~~يكون غنيمة ، وبهذا الحرف يفرقون بين هذه الأشياء وبين ما ليس بتافه كالذهب ~~والفضة والعنبر واللؤلؤ . ألا ترى أن ما يوجد في دار الإسلام مما يكون ~~تافها كالصيد والحطب والحشيش لا يجب فيه الخمس ، وما لا يكون تافها كالذهب ~~والفضة المستخرجة من المعادن يجب فيها الخمس ، وكذلك اللؤلؤ والعنبر على ~~قولهم بخلاف السمك . PageV03P1053 إلا أن نقول : ما أصيب في دار الحرب بقوة ~~الجيش فإنه يكون من جملة الغنيمة ، وفي هذا يستوي ما كان مملوكا لهم وما لم ~~يكن مملوكا لهم ، لأن دار الحرب موضع ولايتهم ، وفي إصابة ذلك في موضع ~~ولايتهم معنى المغايظة بهم ، فإذا حصلت تلك الإصابة بمنعة الجيش يكون حكمها ~~حكم الغنيمة . ألا ترى أن الغزاة لو استخرجوا من بعض جبالهم الياقوت ~~والزبرجد فإنه يكون ذلك ذلك غنيمة ، وإن كان المسسلم لو لو وجد شيئا من ذلك ~~في جبال أرض الإسلام لم يكن فيه خمس ، على ما قال عليه السلام : ليس في ~~الحجر زكاة ، وهذا كله حجر ، إلا أن بعض الأحجار أضوأ من بعض ، فعرفنا أن ~~ما يوجدم ذلك في دار الحرب فيخرج بقوة الجيش لا يكون قياس ما وجد في دار ~~الإسلام . ولو أراد الغازي أن يصطاد بكلب أو فهد أو بازي من الغنيمة فذلك ~~مكروه له ، لأنه انتفاع بما هو من الغنيمة من غير حاجة ، فهو بمنزلة ركوب ~~الدابة ، ولبس الثوب من الغنيمة . فإن أرسله فذهب ولم يعد إليه فلا ضمان ~~عليه فيه ، لأن أكثر ما فيه أنه بالإرسال مستهلك له ، ومن استهلك شيئا من ~~الغنائم في دار الحرب لم يضمن . ولكنه يؤدب على ذلك إن فعله بغير إذا ~~الأمير ms0611 ، فهذا مثله . PageV03P1054 ولو وجد في الغنائم فرس مكتوب عليه : ~~حبيس في سبيل الله - تعالى - فإن كانوا إنما وجدوا ذلك في عسكر المسلمين ، ~~أو بالقرب منه بحيث يكون أغلب الرأي فيه أنه للمسلمين فهو بمنزلة اللقطة ، ~~فالسبيل فيه التعريف ، بمنزلة ما لو وجد ذلك فبدار الإسلام ، ولا يكون ~~حبيسا بما عليه من السمة ، لأن السمة ليست بحجة حكيمة ، ألا ترى أنه لا ~~يستحق بها الملك ولا اليد . وإن وجدوا ذلك في موضع هو في يد أهل الحرب مما ~~يكون غالب الرأي فيه أنه للمشركين فإن هذا غنيمة كسائر الغنائم ، لأن بهذه ~~السمة لا يثبت استحقاق شيء في الحكم ، فوجدها كعدمها ، فيحتمل أن يكون ~~المشركون فعلوا ذلك ليلبسوا على المسلمين إذا خرج بعضهم إلى المعسكر عينا ~~يتجسس أخبار المسلمين ، والمحتمل لا يكونحجة . والدليل عليه أن مثل هذا ~~الفرس لو كان في يد مسلم يبيعه لم يمنع من بيعه ، باعتبار هذه السمة ، ~~فبهذا يتبين أن السمة لا تكون حجة في الأحكام . ولكن لو شهد قوم من ~~المسليمين أنه من الخيل الحبس ، وقد حضر صاحبه الذي كان في يده ، فإن ~~الإمام يرده إليه قبل القسمة وبعد القسمة ، بغير شيء ، PageV03P1055 لأن ~~على قول من يجيز الوقف الفرس الحبيس ، كالوقف في الحكم ، لا يباع ولا يوهب ~~ولا يورث ولا يتملكه المشركون بالإحراز ولا المسلمون بالأخذ منهم ، فيجب ~~رده على القيم الذي كان في يده ، وتعويض من وقع في سهمه قيمته من بيت المال ~~، ورد الثمن على المشتري إن كان باعه الإمام ، ويكون الحكم فيه كالحكم في ~~المدبر يأسره المشركون ثم يصيبه المسلمون . فأما على قول أبي حنيفة - رحمه ~~الله - فالحكم في هذا كالحكم في غيره من أفراس المسلمين يحرزها المشركون ، ~~لأن عنده هذا محل للتمليك بالإرث والبيع ، فيكون محل التمليك بالاغتنام ~~أيضا . وإذا قسم الإمام الغنائم في دار الإسلام وعزل الخمس ، ثم أغار العدو ~~على ما عزله للخمس فأحرزه ، ثم ظهر عليه المسلمون ، فإن عرف ذلك قبل القسمة ~~رد في الخمس كما كان ، لأن حق أرباب ms0612 الخمس تأكد في الخمس ، كما أن حق ~~الغانمين قد تأكد في الأربعة أخماس . وإن كان لم يعرف ذلك حتى قسم بين ~~الغانمين فهو سالم لهم ، لأن الإمام لو أخذه لأرباب الخمس بعد القسمة أخذه ~~بالقيمة ولا فائدة لهم في ذلك . ولو كان باعه قبل القسمة ثم علم أنه من ~~الخمس ، فإن كان باعه بقسمته أو أكثر فهو سالم للمشتري ، PageV03P1056 لأنه ~~لو أخذه من يده أخذه بالثمن ، ولا فائدة لأرباب الخمس . وإن كان باعه بأقل ~~من قيمته فله أن يأخذه بالثمن ، لأن الأخذ هاهنا مفيد لأرباب الخمس . فإنه ~~يعطي الثمن من الخمس ويجعل ما بقي مقسوما بينهم ، وما وجد المسلمون من متاع ~~على ساحل البحر و وجدوا سفينة قد ضربتها الريح فرمت بها على الساحل ، وفيها ~~أمتعة ، فإن كان ذلك الموضع الذي وجد فيه من أرض الحرب فهو فيء يخمس ، سواء ~~كان ذلك المتاع مما يتخذه المسلمون أو المشركون ، لأنهم إنما توصلوا إلى ~~ذلك الموضع بقوة الجيش ، فيكون المصاب غنيمة ، وبأن كان ذلك من متاع ~~المسلمين لا يخرج به من أن يكون غنيمة . كما لو وجدوا ذلك في حصن من حصونهم ~~، وهذا لأنه يتوهم أن يكونوا اشتروا ذلك من تجار المسلمين ، أو أخذوه من ~~المسلمين قهرا ، أو أحرزوه . وإن وجدوا ذلك في موضع من الساحل هو من أرض ~~أهل الإسلام فالحكم فيه ما هو الحكم في اللقطة ، ويستوي إن كان ذلك من متاع ~~يتخذه المسلمون أو المشركون ، إلا أن يكون أكثر الرأي منه أنه كان للعدو ، ~~فحينئذ يخمس ، وما بقي يكون للغانمين ، لأن ما يوجد على ظاهر ذلك الموضع ~~بمنزلة ما يوجد في باطنه . PageV03P1057 ولو استخرجوا كنزا من موضع هو من ~~دار الحرب يكون حكمه حكم الغنيمة . وإن استخرجوا ذلك من موضع من دار ~~الإسلام يجب الخمس فيه ، ويكون ما بقي لمن أصابه ، سواء كان الموجود من ~~دراهم الأعاجم أو غير ذلك ، إلا أن يكون أكبر الرأي أن ذلك من وضع أهل ~~الحرب ، وهذا لأن البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف ms0613 فيه على الحقيقة ~~وغالب الرأي ، بمنزلة اليقين فيما لا يمكن إثباته بحجة أخرى . فإذا دخل ~~المسلمون دار الحرب فدلوا على قبور الكفار ، فيها الأموال والسلاح قد دفنت ~~معهم ، فلا بأس بأن يحفروا تلك القبور ويستخرجوا ما فيها ، وهذه عادة بعض ~~أهل الحر أنهم يدفنون الأبطال منهم بأسلحتهم وأعيان أموالهم ، ثم في ~~استخراج ذلك منفعة للمسلمين ، فإنهم يتقوون بتلك السلحة على قتالهم ، وحرمه ~~قبورهم لا تكون فوق حرمة بيوتهم ، فإذا جاز الهجوم عليهم في بيتهم لأخذ ما ~~فيها من الأموال فكذلك يجوز حفر قبورهم ، وهذا لأن هذه الأموال ضائعة ، ~~والموضع الذي تدفن فيه الأموال يكون كنزا لا قبرا ، وبه فارق ما لو أرادوا ~~حفر القبور لنبش أكفان الموتى ، لأن ذلك ليس بمال ضائع ، بل هو مصروف إلى ~~حاجة الميت . PageV03P1058 ثم من استخرج شيئا من هذه الأموال فهو غنيمة ~~بخمس ، لأنه ما يوصل إليه إلا بقوة العسكر . وما وجدوا من متاع المشركين أو ~~المسلمين شيئا قد سقط منهم ، مثل الوسط والحذاء والحبل ، فإنه لا يحل لمن ~~كان غنيا أن ينتفع بشي من ذلك ، ولكنه إن كان من متاع المشركين فهو غنيمة ، ~~وإن كان من متاع المسلمين فهو بمنزلة اللقطة ، فإن كان محتاجا إلى ذلك ~~انتفع به ، وهو ضامن لما نقصه إذا جاء صاحبه ، بمنزلة ما لو وجد ذلك في دار ~~الإسلام ، فإن قيل : فقد جاءت الرخصة في السوط ونحو ذلك ، كما في حديث ابن ~~معبد الضبي على ما رواه في كتاب اللقطة ، قلنا : تأويل ذلك في السوط ~~المنكسر ونحوه مما لا قيمة له ، ولا يطلبه صاحبه بعدما سقط منه ، وربما ~~ألقاه واستبدل به ، فأما إذا كان شيئا له قيمة ويعلم أن صاحبه ما ألقاه بل ~~سقط عنه ، وهو في طلبه ، فحكمه حكم اللقطة ، اعتبار القليل بالكثير . ألا ~~ترى إلى ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' ردوا الخيط ~~والمخيط ' ، فقيل له : إن فلانا أخذ قبالين من شعر ، فقال : ' قبالين من ~~نار ' ، وإذا كان هذا الحكم في الغنيمة فما ms0614 ظنك في مال المسلمين ؟ ، وقد ~~أشار في الكتاب إلى أن له مخالفا في المسألة ، وهم بعض أهل الشام ، فإنهم ~~يرخصون في السوط ونحوه ، ثم بين فساد مذهبهم فقال : PageV03P1059 أرأيت لو ~~كان سوطا يساوي عشرة دراهم ، أكان يجوز له أن يتملكه ، وهو بحيث لو سرقه من ~~صاحبه قطعت يده فيه أرأيت لو كان عشرون سوطا بهذه الصفة ؟ ، فعرفنا أن الذي ~~لا بأس بأن ينتفع به هو ما ليس بمتقوم ، ولا يطلبه صاحبه ، مثل النوى ، ~~وقشور الرمان ، وبعر الإبل ، وجلد الشاة الميتة ، وما أشبه ذلك ، فأما ما ~~يعلم أن صاحبه يطلبه فهو بمنزلة اللقطة في يده . والدابة العجفاء التي يعلم ~~أن صاحبها تركها إذا أخذها إنسان فأخرجها فعليه ردها ، ولا يجعل ذلك بمنزلة ~~السوط يلقيه صاحبه ، والقايس في الكل واحد ، إلا أنا استحسنا في السوط لأن ~~صاحبه ألقاه رغبه عنه ، فقد كان قادرا على حمله ، وما ترك الدابة رغبة عنها ~~، وإنما تركها لعجزه عن إخراجها فلا يزول ملكه عنها بذلك . أرأيت لو كانت ~~جارية مريضة تركها لعجزه عن إخراجها فأخذها إنسان وأحسن إليها حتى برئت من ~~مرضها كان يحل له أن يطأها من غير سبب من أسباب الملك له فيها ؟ فلهذا ~~وشبهه أخذنا في الحيوان بالقياس . ولو ادعى الذي في يده الدابة على صاحبها ~~: إنك قلت حين خلت سبيلها : من أخذها فهي له ، وجحد ذلك صاحبها ، فالقول ~~قوله مع يمينه ، لأن دعواه هذا السبب عليه كدعواه منه . PageV03P1060 فإن ~~أقام البينة أو نكل صاحبها عن اليمين ، سلمت الدابة للذي أخذها ، سواء كان ~~حاضرا حين قال صاحبها هذه المقالة أو لم يكن . للحديث الذي روينا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال في الهدايا : ' من شاء فليقتطع ' ، وقد تقدم بيان ~~هذا الجنس من المسائل ، وبعد صحة الهبة لما صلحت في يد الموهوب له وسمنت ~~فليس للواهب أن يرجع فيها ، لأن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهبة . ~~عنها ، وإنما تركها لعجزه عن إخراجها فلا يزول ملكه عنها بذلك . أرأيت لو ~~كانت جارية مريضة تركها لعجزه ms0615 عن إخراجها فأخذها إنسان وأحسن إليها حتى ~~برئت من مرضها كان يحل له أن يطأها من غير سبب من أسباب الملك له فيها ؟ ~~فلهذا وشبهه أخذنا في الحيوان بالقياس . ولو ادعى الذي في يده الدابة على ~~صاحبها : إنك قلت حين خلت سبيلها : من أخذها فهي له ، وجحد ذلك صاحبها ، ~~فالقول قوله مع يمينه ، لأن دعواه هذا السبب عليه كدعواه منه . فإن أقام ~~البينة أو نكل صاحبها عن اليمين ، سلمت الدابة للذي أخذها ، سواء كان حاضرا ~~حين قال صاحبها هذه المقالة أو لم يكن . للحديث الذي روينا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال في الهدايا : ' من شاء فليقتطع ' ، وقد تقدم بيان هذا ~~الجنس من المسائل ، وبعد صحة الهبة لما صلحت في يد الموهوب له وسمنت فليس ~~للواهب أن يرجع فيها ، لأن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهبة . ~~PageV03P1061 # | باب قسمة الغنائم التي يقع فيها الخطأ # وإذا رأى صاحب المقاسم أن يقسم الأجناس المختلفة بين الغانمين فيعطي كل ~~واحد منهم جنسا بنصيبه فذلك جائز ، بعد أن يعتبر المعادلة في المالية ، لأن ~~حق الغانمين في المالية دون العين ، ألا ترى أن له أن يبيع الكل ويقسم ~~الثمن بينهم ، وفي القسمة بهذه الصفة اعتبار معنى المعادلة فيما هو حقهم . ~~وهذا بخلاف قسمة المال المشترك الموروث والمشتري ، فإن هناك عند اختلاف ~~الجنس لا يجيز القاضي الشركاء على القسمة جملة واحدة ، لأن الشركة هناك ~~ثابتة في العين ، ألا ترى أنه لو أراد أن يبيع العين ويقسم الثمن لم يكن له ~~ذلك دون رضاهم ، يوضحه أن الملك هناك ثابت لكل واحد منهم في كل جنس ولهذا ~~لو عتق بعضهم نفذ عتقه في نصيبه ، فيتحقق معنى المعوضة في قسمة الأجناس ~~جملة واحدة . PageV03P1062 وهاهنا لا ملك للغانمين قبل القسمة ، ولهذا لو ~~أعتق بعضهم شيئا من الرقيق لم ينفذ عتقه ، ولو استولد جارية منها في سهم ~~رجل ، فأقامت البينة أنها حرة ذمية قد سباها المشركون ، فإن كان شهودها من ~~أهل الذمة لم تقبل شهاتهم ، لأن هذه الشهادة تقوم على المسلم ms0616 في إبطال ملكه ~~. وإن كان شهودها مسلمين قبلت الشهادة وقضى بأنها حرة ، ثم في القياس يرجع ~~المستحق عليه على الجند فيأخذ منهم حصته مما أخذوا ، كما في قسمة الميراث ~~إذ استحق نصيب بعض الشركاء ، ولكنه استحسن وقال : الإمام يعوض الذي وقعت في ~~سهمه قيمتها من بيت مال المسلمين ولا ينتقض بتلك القسمة ، وكذلك لو قامت ~~البينة أنها مدبرة لمسلم أو أم ولد له ، وهذا من نوائب المسلمين ، ولأنه لو ~~بقي PageV03P1063 شيء من الغنيمة مما يتعذر قسمته فإنه يوضع ذلك في بيت ~~المال ، فكذلك إذا لحقه غرم يجعل ذلك على بيت المال ، لأن الغرم مقابل ~~بالغنم ، ولأن هذا خطأ من الإمام فيما عمل فيه للمسلمين ، فيكون في بيت مال ~~المسلمين . وكذلك إن استحقت جاريتان أو ثلاثة أو نحو ذلك ، مما لا يكون فيه ~~ضرر بين في بيت المال ، وكذلك لو أغفل رجلا أو رجلين عند القسمة فهذا وما ~~لو استحق نصيبهم سواء . فأما إذا قامت البينة على ألف رأس أو أكثر أنهم من ~~أهل الذمة وقضي بحريتهم ، فإن القاضي لا يعوض المستحق عليهم من بيت المال ، ~~ولكن يقول لهم : ائتوني بمن قدرتم عليه من الجند حتى أدركم عليهم بحصصكم من ~~الغنيمة ، لأنه كما يجب دفع الضرر عن المستحق عليهم يجب دفع الضرر عن عامة ~~المسلمين ، وفي التزام التعويض من بيت المال ، عند كثرة المستحق إضرار ~~بالمسلمين في بيت مالهم ، وربما يأتي ذلك على جميع بيت مال المسلمين أو ~~يزيد على ذلك ، فلهذا أخذ بالاستحسان إذا قل المستحق ، وعاد إلى القياس إذا ~~كثر المستحق . وأي رجل جاءوا به قد أخذ من الغنيمة شيئا أعطاهم بحصتهم مما ~~في يده ، وأعطى أيضا نصيبهم من الخمس إن لم يقسم PageV03P1064 ذلك بين ~~المساكين ، وإن كان قسم أعطاهم ذلك من أموال الصدقات ، فإن لم يكن في بيت ~~المال من أموال الصدقات شيء كان ذلك دينا فيما يأتيه من ذلك ، لأن حقهم كان ~~ثابتا فيما دفعه للخمس ، وفيما دفعه إلى غيرهم ، فلا يسقط حقهم عن ذلك إلا ~~بسلامة ms0617 نصيبهم لهم من محا آخر وقد تبين أنه لم يسلم . فإن جاءوا بقوم كثير ~~ممن أخذوا الغنائم وقال للأمير : اجمع ما في أيديهم فاقسمه بيننا وبينهم ~~بالسوية لأنا وإياهم شرعا سواء ، لم يفعل ذلك ، ولكن ينظر إلى حصتهم مما في ~~أيدي الذين أحضروهم فيعطيهم ذلك القدر ، لأن التمليك من الإمام بالقسمة قد ~~صح من كل واحد منهم ، فلا يبطل ذلك إلا في قدر ما يتقين بالسبب المبطل فيه ~~، وذلك مقدار حصتهم من ذلك ، وما وراء ذلك من حقهم في يد سائر الغانمين ، ~~فما لم يحضروهم لا يقضي لهم به . وهذا بخلاف ما إذا كان المقسوم بينهم جنسا ~~واحدا من المكيل والموزون ، فإن هناك يقسم ما في يد الذين أحضروهم بين ~~جماعتهم ، كأن الغنيمة لم تكن إلا ذلك ، وكأنهم الغانمون خاصة ، لأن القسمة ~~في المكيل والموزون تمييز محض ، ألا ترى أنه ينفرد به بعض الشركاء ، وأن ~~تلك القسمة بين المشترين PageV03P1065 لا تمنع كل واحد منهم من بيع نصيبه ~~مرابحة ، فالذي لم يقدر عليهم قد أخذوا مقدار حقهم وزيادة ، فتجعل الزيادة ~~كالتساوي ، فأما في العروض والأجناس المختلفة فيتمكن معنى المعارضة في ~~القسمة . ألا ترى أنه لا ينفرد به بعض الشركاء ، وأنه ليس لواحد من ~~المشترين بعد القسمة أن يبيع نصيبه مرابحه على قدر ما غرم فيه من الثمن ، ~~فلهذا يعتبر مقدار نصيب المستحق عليهم فيما في يد الذين أحضروهم في الأصل ، ~~فيردهم عليهم بذلك القدر . قال : ألا ترى أن رجلا لو مات عن ثلاثة أعبد ~~وثلاث بنين ، فقسم القاضي العبيد بينهم ، وأخذ كل واحد منهم عبدا ، ثم ~~استحق نصيب أحدهم ، أو ظهرت حريته ، فوجد أحد صاحبيه لم يأخذ مما في يده ~~إلا قدر نصيبه في الأصل ، وهو الثلث من العبد الذي في يده ، ولو كان ~~الموزون بينهم مكيلا أو موزونا والمسألة بحالها فإنه يأخذ منه نصف ما في ~~يده ، والفرق بينهما ما ذكرنا ، فإذا كان هذا الحكم في القسمة التي تبتنى ~~على الملك وهي لا تتضمن التمليك ابتداء ففي القسمة التي تبتنى ms0618 على الحق ~~وفيها تمليك العين ابتداء أولى . ولو سمع بهذا الاستحقاق بقية الجند الذين ~~أخذوا الرقيق فهم في سعة من بيع ما في أيديهم ، وجماع الأمة التي أصابت ~~PageV03P1066 كل واحد منهم ، ما لم يقض الحاكم عليه لمن استحق نصيبه بحصته ~~مما في يده ، لأنه تملكها بالقسمة بتمليك الإمام ابتداء منه ، فلا يبطل ~~ملكه في شيء منها ما لم يقض القاضي بإبطال ذلك التمليك عليه ، وهذا بخلاف ~~الميراث ، فإن هناك لا يحل لمن لم يستحق نصيبه أن يطأها ولا يبيعها بعدما ~~استحق نصيب أحدهم ، لأن هناك القسمة كانت تمييزا للملك لا تمليكا ابتداء ، ~~ويمكن فيها معنى المعاوضة ، بحيث أن ما أخذ كل واحد منهم أخذ بعضه بنصيبه ~~فيها وبعضه عوضا عن نصيبه فيما أخذه صاحبه . فإذا ثبت بالبينة حرية الأصل ~~الاستحقاق في نصيب أحدهم ، فقد بطلت تلك القسمة وعاد الحكم فيها كما كان ~~قبل القسمة ، فلهذا لا يحل له وطؤها ولا بيع نصيب شريكه منها ، وحقيقة هذا ~~الفرق تتبين بما قدمنا أنه لا ملك للغانمين قبل القسمة ، حتى لو استولد لم ~~يصح استيلاده ، فعرفنا أن الملك يثبت بالقسمة ابتداء ، وفي الموروث الملك ~~ثابت للشركاء حتى ينفذ العتق والاستيلاد فيه من بعضهم قبل القسمة ، فإذا ~~بطلت القسمة بالاستحقاق كان المستحق عليه مالكا لنصيبه مما في يد صاحبه ، ~~قبل قضاء القاضي ، كما كان قبل القسمة ، وفي الغنيمة المستحق عليه بعد ~~بطلان القسمة لا يملك شيئا مما في يده قبل قضاء القاضي ، كأن لم يكن مالكا ~~قبل القسمة ، PageV03P1067 يوضحه أن في الغنيمة لو رأى الإمام أن لا تبطل ~~القسمة ، وأن يعوض المستحق عليه قيمة نصيبه من بيت المال كان له ذلك ، وفي ~~الميراث لو أراد القاضي أن يفعل ذلك لم يتمكن منه ، وكان للمستحق عليه أن ~~يرجع بنصيبه فيما أخذه شريكه ، شاء الحاكم أو أبى ، وبه اتضح الفرق بين ~~الفصلين . ولو أن المولى لقسمة الغنائم عزل الخمس والأربعة الأخماس ولم يعط ~~أحدا شيئا حتى سرق الخمس أو هلك ، أو سرقت الأخماس الأربعة ، فإنه يستقبل ms0619 ~~القسمة فيما بقي ويجعل ما هلك كأن لم يكن ، لأن القسمة لا تتم بتمييزه ~~البعض من البعض قبل التسليم ، فالواحد لا يكون مقاسما مع نفسه ، وإنما تتم ~~القسمة بين اثنين ، فلهذا كان هلاك ما هلك قبل التمييز وبعده سواء . ولو ~~أعطى المساكين االخمس ثم سرقت الأخماس الأربعة فقد سلم للمساكين ما أخذوا ، ~~ولم يكن للغانمين أن يرجعوا عليهم بشيء ، لأن القسمة قد تمت هنا بينه وبين ~~أربا الخمس يدفع نصيبهم إليهم على اعتبار أنه كالوكيل من جهة الغزاة ، ~~وبينه وبين أربا الخمس بدفع نصيبهم إليهم على اعتبار أنه كالوكيل للمساكين ~~فإنه يصلح PageV03P1068 للنيابة من الجانبين ، وهو بمنزلة ما لو أوصى الرجل ~~بثلب ماله للمساكين فقسم القاض وأعطى الثلثين للورثة ، ثم ضاع الثلث في يده ~~، أو أعطى المساكين الثلث ثم ضاع نصيب الورثة في يده ، فإن القسمة تكون ~~ماضية ، ولا رجوع لأحد الفريقين على الآخر بشيء ، باعتبار أن القاضي ~~كالنائب عن الذين بقي نصيبهم في يده ، فوصول نصيبهم إلى نائبهم بمنزلة ~~وصوله إليهم ، فيكون هلاكه بعد ذلك عليهم . وكذلك لو كان قسم الأخماس ~~الأربعة وجزأها على سهام الخيل والرجالة ، ولكن لم يعط أحدا شيئا حتى ضاع ~~بعض ما عزل ، فإن القسمة تنتقض ويقسم ما بقي بينهم قسمة ميتقبلة ، فالقسمة ~~لا تتم . لأنه لا يكون مقاسما بنفسه عليهم ، ولكن ما هلك يهلك من نصيب ~~جماعتهم وما بقي لجماعتهم . ولو كان أعطى الرجالة سهامهم ، وبقيت سهام ~~الخيل ولم يعط المساكين الخمس أيضا ، ثم ضاعت سهام الخيل جاز للرجالة ما ~~أخذوا ، لأن القسمة في حقهم تمت على اعتبار أن الإمام نائب عن أصحاب الخيل ~~. ثم ينبغي له أن يقسم ما في يده في الخمس على حق أرباب الخمس وعلى سهام ~~الخيل ، لأن القسمة لم تتم فيما بين أرباب الخمس وأصحاب الخيل حين لم يعط ~~واحدا من الفريقين نصيبه ، فما يتوى يتوى عليهم ، وما يبقى يبقى لهم . ~~PageV03P1069 وكذلك لو كان الذي ضاع ما عزله للخمس ، فإنه يقسم ما عزله ~~لأصحاب الخيل بينهم وبين أربا الخمس ms0620 على مقدار حقهم ، ولا يرجع على الرجالة ~~بشيء . لأن القسمة قد تمت في حقهم حين قبضوا نصيبهم ، وفرق بين هذه المسائل ~~وبين ما إذا استحق نصيب البعض لحرية أو غير ذلك على ما بينا ، وووجه الفرق ~~أن بالاستحقاق يتبين أن القاسم أخطأ ، وأن القسمة كانت فاسدة ، وأما هاهنا ~~فبهلاك البعض لم يتبين خطأ القاسم ، فلهذا كانت القسمة باقية في نصيب من ~~تمت القسمة في حقه ، والله أعلم . PageV03P1070 # | باب أثمان الغنائم التي يبرىء الإمام منها أهلها # قال : قد بينا أن الإمام لو قسم الغنائم في دار الحر أو باعها ، ثم لحقهم ~~مدد لم يشاركوهم فيها ، لأن بالقسمة قد ثبت الملك لكل واحد منهم في نصيبه ، ~~فلو ثبت للمدد شركة لثبت بطريق الغنيمة ، فالمسلم لا يثبت له الحق في ملك ~~المسلم بطريق الغنيمة . وكذلك بالبيع قد ثبت الملك للمشتري ، فتعذر اثبات ~~الشركة للمدد في المبيع ، ولا يثبت لهم الشركة في الثمن أيضا ، سواء قبض من ~~المشتري أو لم يقبض ، لأن وجوب الثمنللغانمين بالبيع . والشركة في الغنيمة ~~لا فيما صار مستحقا لهم بالعقد . ولأن العقد يقتضي تقابل البدلين في الملك ~~، وكما ثبت اللكللمشتري في المبيع يثبت للغانمين في الثمن ، فكان ذلك أقوى ~~في قطع الشركة من تأكد حقهم بالإحراز ، لأن الإمام نائب عنهم في البيع ، ~~فكأنهم باعوه بأنفسهم ونفوذ البيع من جهتهم أية تأكد حقهم فيه ، فكأنه ~~قسمها بينهم ، وباع كل واحد منهم نصيبه . فلو أن المشترين لم ينقدوا الثمن ~~وقبضوا ما اشتروا ، ثم لحقهم المشركون ، وقد علم الأمير أنه لا طاقة ~~للمسلمين PageV03P1071 بهم ، فأمر مناديا فنادى : من اشترى منا شيئا ~~فليطرحه ، وتجمعوا حتى تبلغوا مأمنكم من دار الإسلام ففعلوا ذلك ، ثم ~~طالبهم الأمير بالثمن بعد ما خرجوا ، فقالوا : قد طرحنا ما اشترينا بأمرك ، ~~فلا ثمن لك علينا ، أو قالوا : اضمن لنا قيمته ، فإذا كانوا طرحوا ذلك ~~طائعين فلا شيء لهم على الأمير ، وعليهم ما التزموا من الثمن ، لأن حكم ~~البيع في المبيع قد انتهى بالتسليم والتحق بسائر أملاكهم ، فهم قوم أتلفوا ~~ملكهم ms0621 طوعا ، والأمير أشار عليهم بمشورة ، فلا يوجب ذلك غرما لهم عليه ، ~~ولا يسقط به الثمن الذي تقرر دينا في ذمتهم . وإن كان أكرههم على ذلك بوعيد ~~متلف نظر الخليفة في ذلك ، فإن علم أنه فعل ذلك نظرا لهم لم يضمن لهم شيئا ~~مما طرحوا ، لأنه كان مأمورا من جهته بالنظر لهم ، وقد فعل ، لأنه أكرههم ~~على ما يحق عليهم فعله شرعا ، فإن المسلم مأمور عند الضرورة بأن يجعل ماله ~~وقاية لنفسه ، وهو ما أمرهم إلا بذلك ، والمكره بحق يكون محسنا ، وما على ~~المحسنين من سبيل . وإن علم أن أكرههم لا على وجه النظر لهم ضمن لهم قيمة ~~ما طرحوا ، لأنه ما كان متعديا فيما أكرههم عليه فخالفا لأمر الخليفة ، ~~فكانوا بمنزلة الآلة له بعد تحقق الإكراه ، فكأنه أخذ المال منهم وطرحه ، ~~فيضمن لهمن قيمته . PageV03P1072 والثمن واجب على المشترين في الوجهين ، ~~لأنه تقرر ذلك دينا في ذمتهم ، وإتلاف البيع بعد تقرر الثمن وانتهاء العقد ~~لا يسقط الثمن ، سواء حصل بفعل المشتري أو بفعل البائع ، . ولو كان قال : ~~ليطرح كل واحد منكم ما اشترى مني وهو بريء من الثمن ، أو على أنه بريء من ~~الثمن ، أو إن طرحه فقد أبرأته من الثمن ، فطرحوها طائعين أو مكرهين ، ~~فالثمن واجب عليهم ، لأن هذه الزيادة من الأمير باطل ، فإنه ليس له ولاية ~~الإبراء عن الثمن فيما باعه للغانمين ، أما عند أبي يوسف رحمه الله فظاهر ، ~~لأنه بمنزلة الأب والوصي أو الوكيل في ذلك ، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما ~~الله فلأنه مما لا يتزم العهدة في هذا التصرف ، لأنه بمنزلة الحكم منه ، ~~فيكون كالرسول في البيع لا يملك الإبراء من الثمن . وكذلك لو كانوا في ~~السفينة فاحتاجوا إلى أن يخففوها ، فأمرهم بالطرح في الماء ، فهو كالأول في ~~جميع ما ذكرنا ، وكذلك لو كان بائع الأطعمة في السفينة متصرفا لنفسه ثم ~~ناداهم : من طرح شيئا مما اشتراه مني في الماء فهو بريء من ثمنه ، أو ~~اطرحوا على أنكم برآء من الثمن ، فهذا باطل ، وعليهم الثمن له وكان ms0622 ينبغي ~~أن لا يجب الثمن هان ، لأنه كان مالكا للإبراء عن الثمن ، ولكن نقول : إنه ~~علق الإبراء بالشرط ، والإبراء لا يحتمل التعليق بالشرط كالعقد . ~~PageV03P1073 ولو قال لهم رجل آخر : اطرحوا على أن علي ثمنه ، أو قيمته لكم ~~، لم يصح ذلك ولك يلزمه شيء ، وكذلك إذا قال البائع ذلك ، وهذا لأن المبيع ~~قد صار في ملكهم وضمانهم ، فمن يناديهم بالطرح بعد ذلك يكون مشيرا عليهم ~~بما يفعلونه في ملكهم ، وذلك لا يكون سببا في الضمان عليه ، إذا فعل المرء ~~في ملك نفسه لا ينتقل إلى من أشار عليه فيبقى الإبراء أو العقد متعلقا ~~بالشرط ، وذلك باطل ، وبهذا الطريق يتضح الكلام في بيع الأمير الغنيمة . ~~ولو كان الأمير أمر المنادي فنادى : أيها الناس إنا قد أقلنا المشترين ~~العقد فيما اشتروا منا فمن كان اشترى شيئا فليطرحه ، ففعلوا ذلك ، لم يكن ~~عليهم من الثمن شيء لأنه أقالهم البيع ، وذلك صحيح منه ، كأصل البيع ، ألا ~~ترى أن الأب والوصي يصح منهما الإقالة فيما باعه لليتيم كما يصح أصل البيع ~~، وبعد صحة الإقالة لا يبقى الثمن على المشتري ، ثم البيع عاد كما كان ~~غنيمة ، وقد طرحوه بأمر الأمير ، فكأنه طرحه بنفسه ، فلا يجب عليهم شيء ~~بسببه ، وهو بمنزلة ما لو اشترى ثوب رجل فقال له البائع : قد أقلتك البيع ، ~~فاقطعه لي قميصا ، ففعل ذلك ، أو كان المشتري طعاما فقال : قد أقلتك البيع ~~فيه فتصدق به عني على هؤلاء المساكين ، ففعل ذلك ، فإن الإقالة تكون صحيحة ~~، وعلى البائع رد الثمن ، وهذا لأن الإقالة معتبرة بأصل العقد . ولو قال : ~~قد اشتريت منك هذا الطعام بكذا فتصدق به عني ، أو هذا الثوب بكذا فاقطعه لي ~~قميصا ففعل الرجل ذلك كان البيع صحيحا بينهما ، وعلى الآمر الثمن ، فكذلك ~~الإقالة . PageV03P1074 أرأيت لو أن المشترين وجدوا عيبا بالمبيع فقبل ~~الأمير منهم بغير قضاء لم يكن ذلك صحيحا ، والرد بالعيب بعد القبض بغير ~~قضاء يكون بمنزلة الإقالة فيه ، فتبين أن يصح الإقالة منه معهم في حق ~~الغانمين ، وهذا لأن حقهم قد تأكد ms0623 في الثمن ، ولكن لم يتعين ملكهم قبل ~~القسمة ، وذلك لا ينفي ولاية التصرف للأمير كما في الغنائم المحرزة بالدار ~~، وكما في مال الخراج إذا أخذ الإمام في ذلك ثيابا أو باعها ، ثم رأى أن ~~يقبل المشتري العقد فيها صحت الإقالة منه ، فكذلك ما سبق . وإن لم يطرحوا ~~ذلك حين سمعوا النداء حتى إذا ساروا منقلة ، أو منقلتين عملوا عملا آخر مما ~~يستدل به على قطع المجلس طرحوا ذلك فعليهم الثمن ، لأن الإقالة معتبرة بأصل ~~البيع ، وكما أن إيجاب البيع يبطل بالتفرق قبل القبول فكذلك في المجلس لم ~~تثبت الإقالة وبقي الثمن عليهم . وإن ادعى المشترون أنهم طرحوا كما سمعوا ~~ولا يعلم ذلك إلا بقولهم لم يصدقوا على ذلك إلا ببينة ، لأنهم ادعوا ما ~~يسقط الثمن عنهم بعد تقرر السبب الموجب ، فهو كما لو ادعوا قبول الإقالة في ~~المجلس ، والبائع منكر ذلك ، فلا يقبل قولهم إلا بحجة . ولو كان أمر ~~المنادين حتى قال : من طرح منكم المتاع الذي اشترى مني فقد أقلته البيع فيه ~~، فهذا في القياس لا يصح ، PageV03P1075 لأنه تعليق الإقالة بالشرط . وفي ~~الاستحسان هو صحيح ، لأن المقصود تحقيق الإقالة والحث لهم على الطرح . وكذا ~~لو قال : أقلتكم على أن تطرحوا ، أو اطرحوا على الإقالة منكم لي ، وكذا غير ~~الأمير من باع متاعه فهو على قياس الأمير ، وهو نظير القياس والاستحسان في ~~أصل البيع إذا قال : إن أديت إلي كذا درهما ثمن الثوب فقد بعته منك ، فأدى ~~الثمن في المجلس ، فإنه يكون ذلك بيعا صحيحا استحسانا ، فكذلك الإقالة . ~~ولو كان سمع النداء من المنادي بعض الناس ، ثم أخبروا بذلك من لم يسمع ~~النداء فهذا وما لو سمعوا جميعا من المنادي سواء ، لأن الأمير أذن بتبليغ ~~كلامه إلى من لم يسمع دلالة لكل من سمع ، كما أنه أذن للمنادي في ذلك أيضا ~~، وهذا بخلاف ما لو كان البائع تاجرا باع متاعه في السفينة فإن هناك إذا لم ~~يسمع كلامه في إيجاب الإقالة بعض المشترين وأخبره بذلك من سمع فطرح معهم ~~فإنه ms0624 يجب عليه الثمن ، لأن المبلغ لم يرسله البائع ، ولم يأمره بالتبليغ ~~صريحا ودلالة ، فصار كأنه لم يسمع أصلا ، فأما الأمير فإنه أذن في التبليغ ~~دلالة لأن مبنى كلام الأمير فيما يخاطب به رعيته على الانتشار والاستفاضة ، ~~ومثل هذا لا يوجد في كلام التاجر الذي يتصرف لنفسه ، ثم الإقالة تعتبر ~~بالعقد . ولو قال التاجر : قد بعت عبدي هذا من فلان بكذا ، فبلغه من سمع ~~منه ذلك الكلام من غير أن يجعله رسولا إليه ، فقبل لم ينعقد البيع به ، ولو ~~قال : فأبلغه يا فلان ، فذهب فأبلغه كان ذلك بيعا صحيحا إذا قبله . ~~PageV03P1076 وكذلك لو ذهب رجل آخر فأبلغه ، لأنه حين قال : فأبلغه يا فلان ~~فقد أظهر من نفسه الرضا بالتبليغ إليه ، فكل من بلغه فقبل البيع ، كان ~~البيع صحيحا ، وإذا ثبت هذا العقد فكذلك في الإقالة ، وبه يتضح فصل الأمير ~~حين أمر المنادي به ، لأنه قد صرح بالأمر بالتبليغ للمنادى ، فتبليغه ~~وتبليغ غيره بعد ذلك سواء . وكذلك لو قال الأمير نفسه : قد أقلتكم البيع ، ~~فاطرحوا ما اشتريتم مني ، وليبلغ شاهدكم غائبكم . فهذا والأول سواء ، لأنه ~~نص على الأمر بالتبليغ ، فعبارة كل مبلغ تكون بمنزلة عبارته . ولو كان ~~الأمير لم يذكر هذه الزيادة ففي القياس لا يبرأ من الثمن إلا من سمع مقالة ~~الأمير ، كما في حق البائع لنفسه ، ولكنه استحسن فقال : هم براء من الثمن ~~إذا طرحوا حين بلغهم مقالة الأمير . لما بينا أن مبنى كلام الأمير على ~~الانتشار والظهور عادة والعادة تعتبر في تقييد مطلق الكلام ، فكان هذا ~~التصريح بقوله فليبلغ شاهدكم غائبكم سواء ، والله أعلم . PageV03P1077 # # | باب قسمة الخمس من الأربعة الأخماس # ولو أن الأمير في دار الحرب عزل الخمس من الأربعة الأخماس ولم يفع إلى ~~أحد شيئا حتى أتاهم جيش آخر مدد أقلهم الشركة ، لما بينا أن الأمير لا ~~يقاسم نفسه ، وأن الملك لا يثبت لأحد في شيء بهذا العزل . ألا ترى أنه لو ~~سرق المعزول للخمس كان الباقي مشتركا بين الغانمين وأرباب الخمس أخماسا ، ~~بمنزلة ما لو سرق البعض ms0625 قبل العزل وإذا ثبت أهذ لم يكن قسمة فقد ظهر أن ~~المدد لحقوهم قبل القسمة والبيع ، وكانوا شركاء الجيش في الأخماس الأربعة . ~~ولو كان الأمير أعطى الخمس المساكين ، ولم يقسم الأخماس الأربعة بين الجند ~~حتى لحقهم المدد ، فلا شركة لهم مع الجيش في الأخماس الأربعة هاهنا ، لأن ~~القسمة قد تحققت بتسليم الخمس إلى أرباب الخمس ، وقد ثبت الملك لهم ، ألا ~~ترى أن الأخماس الأربعة لو هلكت بعد ذلك لم يكن على الغانمين رجوع على ~~أرباب الخمس بشيء . PageV03P1078 وقد بينا أنه لا شركة للمدد بعد القسمة ، ~~فإن قيل : شركة المدد إنما تثبت في الأخماس الأربعة بعد الخمس ، ولم توجد ~~القسمة فيما هو محل حقهم فكيف تنقطع شركتهم بقسمة وقعت لا في محل حقهم ؟ ~~قلنا : لا كذلك ، فإن القسمة لا يتصور وقوعها من أحد الجانبين دون الآخر ، ~~فمن ضرورة تقرر القسمة في المصروف إلى أرباب الخمس ثبوت حكم القسمة في ~~الأخماس الأربعة ، يوضحه أن المدد لو استحقوا الشركة فإنما يستحقون ذلك ~~بطريق الغنيمة ، وإذا صار نصيبهم كالغنيمة ابتداء فلا بد من إيجاب الخمس ~~فيها ، إذ الخمس يجب في كل ما يصاب بطريق الغنيمة ، وهذا لا وجه له هاهنا ، ~~ثم أدنى درجات هذه القسمة هاهنا أن تجعل الأخماس الأربعة بمنزلة التنفيل ، ~~لأنه لا يتمكن إيجاب الخمس فيما يجعل للمدد من ذلك فيكون بمنزلة النفل . ~~ولو أن الأمير نفل سرية بعض ما أصابوا ، ثم لحقهم المدد بعد الإصابة لم يكن ~~له شركة مع السرية في النفل ، وكذلك هاهنا ، لا يكون للمدد شركة في الأخماس ~~الأربعة إذا لحقوهم بعدما صرف الخمس إلى أربابها . وكذلك لو كان الأمير قسم ~~الأخماس الأربعة بين أهلها ، ولم يقسم الخمس حتى لحق المدد ، أو كان أخذ ~~بعض القوم سهامهم وبقي الخمس وسهام بعضهم ، فلا شركة للمدد لثبوت حكم ~~القسمة بما صنعه الأمير ، PageV03P1079 ولو لم يصنع شيئا من ذلك ولكنه عجل ~~لرجل أو رجلين نصيبهما من الغنيمة ، ثم لحقهم جيش آخر شركوهم في المصاب ، ~~ولو عجل ذلك لأناس كثيرة لم يشركهم ms0626 المدد بعد ذلك ، والقياس في الفصلين ~~واحد ، أنه لا شركة للمدد فقد وجد منه نوع القسمة ، ولكنه فرق بين القليل ~~والكثير على طريقة الاستحسان ، وهو نظير ما سبق ، إذا ظهر الاستحقاق في ~~نصيب واحد أو اثنين لم تبطل القسمة ، ويعوض المستحق عليه قيمة نصيبه من بيت ~~المال ، بخلاف ما إذا استحق نصيب جماعة منهم ، فلما فصل بين القليل والكثير ~~في بعض القسمة بالاستحقاق ، فكذلك في ابتداء القسمة يفصل بين أن يعجل لنفر ~~يسير نصيبهم أو لجمع كثير ، فلا يجعل تعجيله للواحد والمثنى قسمة ، لأن ~~الشركة في الغنيمة شركة عامة فلا يتغير ذلك بما صنعه مع واحد أو اثنين ، ~~وإنما يتغير إذا صنع ذلك في حق جمع عظيم منهم ، لتحقق معنى العموم فيما ~~صنعه ، أرأيت لو أعطى نصيب الفرسان وبقيت الرجالة ، أو أعطى نصيب أكثر ~~الجند وبقي في يده نصيب مائة رجل أو نحو ذلك ، أكان للمدد شركة إذا لحقوا ~~بعد ذلك ؟ هذا مما لا يقول به أحد . ولو أن المدد دخلوا دار الحرب قبل ~~القسمة ، ولكنهم لم يصلوا إلى الجيش حتى قسم الإمام بين الغانمين ، فلا ~~شركة للمدد إذا لحقوهم بعد ذلك ، لأن ثبوت الشركة للمدد عند اللحوق بالجيش ~~، ألا ترى أنهم لو دخلوا دار الحرب ولم يلحقوا بهم حين خرجوا من جانب آخر ~~إلى دار الإسلام لم يكن للمدد معهم شركة ، فعرفنا أن المعتبر PageV03P1080 ~~حال لحوقهم بهم لا حال دخولهم دار الحرب ، وعند اللحوق بهم إنما يستحقون ~~الشركة في الغنيمة لا في ملك الغانمين ، وقد تعين الملك بالقسمة هاهنا قبل ~~أن يلحقوا بهم . ولو كانوا نزلوا قريبا منهم قبل القسمة حتى يكونوا عونا ~~لهم إن احتاجوا إليهم إلا أنهم لم يخالطوهم فهم شركاؤهم فيها ، لأن ثبوت ~~الشركة للمدد في الغنيمة باعتبار أن الجيش يتقوون بهم ، وفي هذا المعنى لا ~~فرق بين ما إذا خالطوهم وبين ما إذا نزلوا بالقرب منهم . فإن قسم الإمام ~~الغنيمة بين أهل العسكر الأول بعد ذلك ولم يعط العسكر الثاني من ذلك شيئا ، ~~ثم رفع ms0627 العسكر الثاني الأمر إلى الخليفة فإنه يمضي ما صنع الأول لأن ثبوت ~~الشركة للمدد مع الجيش إذا لم يشهدوا الوقعة مختلف فيه بين العلماء ، ~~والأمير الأول فيما يصنع القسمة بمنزلة الحاكم ، وحكم الحاكم في المجتهد ~~نافذ إذا رفع إلى حاكم آخر يرى خلافة لم ينقضه ، فكذلك ما صنعه الأمير ~~هاهنا . ولو كان الأمير باع الغنائم في دار الحرب شرط المشترون الخيار ~~لأنفسهم ، أو كانوا لم يروا فردوا بخيار الرؤية أو بخيار الشرط ، أو ردوا ~~ذلك بعيب قبل القبض أو بعده ، ثم لحقهم المدد لم يكن لهم شركة في تلك ~~الغنيمة ، لأن البيع فيها قد نفذ ولزم من الأمير ، PageV03P1081 ألا ترى أن ~~الملك ثبت للمشترين مع خيار الرؤية والعيب عندهم جميعا ، ومع خيار الشرط ~~عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : المشترون إن ~~لم يملكوا فقد صاروا أحق بالتصرف فيها بحكم الشراء ، فيتبين بهذا أنها خرجت ~~من أن تكون غنيمة والتحقت بسائر أملاك المسلمين ، فلا يكون للمدد فيها شركة ~~بعد ذلك ، ألا ترى أنهم لو لحقوا بهم ، والمشترون على خيارهم لم ينقضوا ~~البيع ، لم يكن لهم شركة في الثمن إذا تم البيع ؟ فكذلك لا يكون لهم شركة ~~في المبيع إذا نقض البيع وصاروا عوده إلى يد الإمام ، ينقض البيع ببعض هذه ~~الأسباب ، بمنزلة العود بالإقالة إذا التمس ذلك المشترون منه . ولو قسم ~~الأمير الخمس وأعطى للمساكين ، ثم رأى أن يبيع الأخماس الأربعة ويقسم ثمنها ~~فذلك جائز منه ، لأن القسمة وإن تحققت بين الغزاة وأربا الخمس فالملك لم ~~يثبت للغزاة في نصيبهم قبل القسمة بينهم . ألا ترى أنهم لو باعوا ذلك لم ~~يجز بيعهم ، وما لم يثبت الملك لهم كانت ولاية الإمام في البيع وقسمة الثمن ~~باقية . ألا ترى أنه لو قسم الأخماس الأربعة بينهم ثم باع الخمس كان ذلك ~~جائزا منه ؟ فكذلك الأول . ولو كان الإمام شرط الخيار لنفسه في البيع ثلاثة ~~أيام ، ثم لحقهم المدد بيع نقض البيع أو قبله ، فهم شركاء الجيش في المبيع ~~إن ms0628 انتقض البيع في الثمن ، وفي الثمن إن تم البيع ، PageV03P1082 لأن الملك ~~لا يثبت للمشتري مع خيار الشرط للبائع ، فكذلك لا يثبت لهم حق التصرف في ~~المبيع فلم يخرج به من أن يكون باقيا على حكم الغنيمة بخلاف الأول ، وهذا ~~لأن البيع بشرط الخيار للبائع في حق الحكم كالمتعلق بالشرط ، والمتعلق ~~بالشرط معدوم قبل وجود الشرط ، وإنما يثبت حكم البيع ابتداء عن إسقاط ~~الخيار ، ولهذا لو كان لمشتري أعتق قبل ذلك لم ينفذ عتقه ، فيكون هو ~~كالبائع ابتداء بعدما لحقهم المدد . ولو أن الأمير عزل الخمس وأعطاه ~~المساكين ولم يقسم الأخماس الأربعة حتى أعتق رجل جارية من الغنيمة أو ~~استولدها لم يصح شيء من ذلك منه ، لأن الملك لم يثبت بهذه القسمة للغانمين ~~، وبدون الملك في المحل لا يثبت الاستيلاء والإعتاق ، وبأن لا يكون للمدد ~~شركة إذا لحقوا في هذه الحالة ، فإن ذلك لا يدل على ثبوت الملك لهم ، كما ~~يعد الإحراز بالدار قبل القسمة ، فإن الملك لا يثبت لهم حتى لا ينفذ العتق ~~والاستيلاء . وإن كان لو لحقهم المدد لم يشاركوهم ، ولهذا وجب العقر على ~~الوطء هاهنا ، لأن بما صنع الإمام صارت هذه كالغنائم المحرزة بالدار في ~~تأكد الحق فيها ، وقد سقط الحد عن الواطئ للشبهة ، فيجب العقر ، وتكون ~~الجارية مع ولدها في الغنيمة تقسم بينهم ، ولأن الأخماس الأربعة في هذه ~~الحالة بمنزلة النفل ، والاستيلاء والإعتاق من بعض أصحاب النفل لا يكون ~~صحيحا . PageV03P1083 وإن لم يكن للمدد منهم شركة فكذلك هذا ، وإن كان ~~الأمير قسم الأخماس الأربعة بين العرفاء وأهل الرايات ، ثم أعتق بعضهم عبدا ~~، فقد بينا أن عتقه ينفذ هاهنا استحسانا ، فيكون الحكم فيه كالحكم في العبد ~~المشترك يعتقه بعضهم . وعلى هذا الأصل لو مات بعض الغانمين بعدما أعطى ~~الأمير الخمس للمساكين فإن نصيبه يصير ميراثا ، لأن نفوذ القسمة فيما يرجع ~~إلى تأكد الحق بمنزلة البيع أو الإحراز بالدار والإرث يجري في الحق المتأكد ~~كما يجري في الملك . وكذلك لو ظهر المشركون على الأخماس الأربعة وأحرزوها ~~بالدار ، ثم ظهر ms0629 جيش آخر عليها بعد ذلك ، فإن وجدها الجيش الأول قبل القسمة ~~فهم أحق بها بغير شيء ، وإن وجدها بعد القسمة فلا سبيل لهم عليها ، كما هو ~~الحكم في الغنائم المحرزة بالدار قبل القسمة ، وهذا لأن الجيش الثاني ~~ملكوها بالقسمة ، والجيش الأول ما كانوا يملكونها ، فلا يثبت لهم حق الأخذ ~~مجانا ولا بالقيمة ، لأن ذلك لا يفيدهم شيئا ، فأما قبل القسمة فالجيش ~~الثاني لا يملكونها ، وإن تأكد حقهم فيها بالإحراز ، وقد كالحق لأولين ~~متأكدا فيها فيترجحون بالسبق . PageV03P1084 وإن كان حضور الجيش الأول بعد ~~قسمة الأمير الخمس بين المساكين فهم أحق بالأخماس الأربعة ، لأنها لم تصر ~~ملكا للجيش الثاني بهذه القسمة . ولا سبيل لهم على ما أخذه المساكين ، ~~لأنها قد صارت ملكا لهم . ولو كان قسم الأخماس الأربعة بين الجند الثاني ~~وبقي الخمس فالجيش الأول يأخذون الخمس بغير شيء ، ولا سبيل لهم على الأخماس ~~الأربعة ، لثبوت الملك فيها للجند الثاني . وإن لم يفعل شيئا من ذلك ولكن ~~باع الغنائم كلها قبل الإحراز أو بعده ثم حضر الجيش الأول فلا سبيل لهم ~~عليها . لأنها بالبيع صارت ملكا للمشترين ، فنفذ فيها عتقهم ، وليس للأولين ~~ولاية أبطال الملك المتعين لمكان ملك حق كان لهم فيها ولم يصر ملكا بعد . ~~لكونها ، وإن تأكد حقهم فيها بالإحراز ، وقد كالحق لأولين متأكدا فيها ~~فيترجحون بالسبق . وإن كان حضور الجيش الأول بعد قسمة الأمير الخمس بين ~~المساكين فهم أحق بالأخماس الأربعة ، لأنها لم تصر ملكا للجيش الثاني بهذه ~~القسمة . ولا سبيل لهم على ما أخذه المساكين ، لأنها قد صارت ملكا لهم . ~~ولو كان قسم الأخماس الأربعة بين الجند الثاني وبقي الخمس فالجيش الأول ~~يأخذون الخمس بغير شيء ، ولا سبيل لهم على الأخماس الأربعة ، لثبوت الملك ~~فيها للجند الثاني . وإن لم يفعل شيئا من ذلك ولكن باع الغنائم كلها قبل ~~الإحراز أو بعده ثم حضر الجيش الأول فلا سبيل لهم عليها . لأنها بالبيع ~~صارت ملكا للمشترين ، فنفذ فيها عتقهم ، وليس للأولين ولاية أبطال الملك ~~المتعين لمكان ملك حق كان لهم ms0630 فيها ولم يصر ملكا بعد . # ولو كان الإمام خمسها وقسمها بين أهل الرايات وبين الأشخاص من الجند ~~الأول ، ثم ظهر المشركون عليها وأحرزوها ، ثم استنفذها من أيديهم جيش آخر ~~فأخرجوها ، وحضر أصحابها PageV03P1085 الأولون فإن حضروا قبل القسمة أخذوها ~~بغير شيء ، وإن حضروا بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن شاءوا ، لأن الملك كان ~~ثبت لعم بالقسمة بين الأشخاص أو ببين أهل الرايات حتى كان ينفذ تصرفهم فيها ~~والاستيلاء الوارد عليها بعد ذلك بمنزلة الاستيلاء الوارد على سائر أملاكهم ~~والله أعلم بالصواب . PageV03P1086 # | باب العيب يوجد في بعض الغنيمة بعد القسمة أو قبلها # وإذا عزل الأمير الخمس على حدة والأخماس الأربعة على حدة ، وعدل في ~~القسمة ، ثم وجد ببعض الرقيق الذين جعلهم في أحد القسمين عيبا قبل دفع نصيب ~~كل فريق إليهم ، فإن كان ذلك عيبا يسيرا أمضى القسمة على حالها ، لأن قسمة ~~الغنائم مبنية على التوسع ، والعيب اليسير فيما بني على التوسع غير معتبر ، ~~كما في الصداق وبدل الخلع ، ألا ترى أنه لو وجد هذا العيب بعد تمام القسمة ~~لم يلتفت إليه ؟ فكذلك إذا وجده قبل تمام القسمة قلنا : لا يمتنع لأجله ~~إتمام القسمة . وإن كان ذلك عيبا فاحشا وجده ببعضهم ، أو عيوبا كثيرة غير ~~فاحشة وجدها بجماعة الرقيق ، بحيث إذا جمعت كانت بمنزلة العيب الفاحش ، ~~فإنه لا ينقض القسمة أيضا ، ولكن ينظر إلى هذا النقصان فيجمعه ثم يزيد عليه ~~من القسم الآخر حتى تحصل المعادلة ، لأن العيب الفاحش معتبر لما في اعتبار ~~الفائدة فيما بني على التوسع ، وفيما بني على الضيق ، إلا أنه لا حاجة به ~~إلى نقض ما باشره من عمل القسمة ، والمقصود هو المعادلة ، وذلك يحصل ~~بالزيادة PageV03P1087 من أحد القسمين في القسم الآخر ، فلا ينبغي أن ينقض ~~ما صنعه من غير حاجة ، فإن قيل : القسمة لا تقع قبل التسليم ، فينبغي أن ~~يؤمر بالاستئناف على وجه يعتدل فيه النظر من الجانبين . قلنا : ما أتى بهمن ~~العزل هو من عمل القسمة وإن لم يتم ، فبظهور العيب الفاحش تبين أنه أقام ~~بعض العمل ms0631 دون البعض ، فإنما يشتغل بمباشرة ما لم يأت به من العمل لا بنقض ~~ما قد أتى به . وكذلك لو وجد بعض الرقيق الذين جعلهم للخمس حرا مسلما أو ~~ذميا ، أو أم ولد مسلم ، فإنه لا ينقض ما صنع من القسمة ، ولكنه يأخذ من ~~الأخماس الأربعة مقدار أربعة أخماس هذا الذي وجده حرا ، لأن المعادلة بذلك ~~تحصل . وفي هذا الجواب نظر . فإن خمس هذا الذي وجده حرا من نصيب أرباب ~~الخمس ، وأربعة أخماسه من نصيب الغانمين ، كما كان قبل القسمة إذا القسمة ~~لا تؤثر فيه ، فأما إذا أخذ أربعة أخماس قيمته مما بقي وجعله لأرباب الخمس ~~يزداد نصيبهم ، لا أن يحصل به المعادلة . ولكنا نقول : هو حين جعل هذا في ~~حصة أرباب الخمس فقد جعل خمسه لأرباب الخمس ، باعتبار أصل حقهم وأربعة ~~أخماسه لهم عوضا عما سلمه للغانمين من نصيب أرباب الخمس فيما دفعه إليهم ، ~~فإنما يكون له الرجوع عند استحقاق المعوض بالعوض . وكذلك إن كان وجد ذلك ~~بعدما قسم الخمس PageV03P1088 بين أهله دون الأخماس الأربعة ، فإنه لا ينقض ~~القسمة ، ولكته يرجع بقدر ما يحصل به المعادلة عند الكثرة ، وعند القلة ~~يصير إلى التعويض من مال بيت المال إن كان وقع ذلك في قسم الغانمين وإن كان ~~وقع ذك في قسم الخمس يرجع بحصته فيما صار للغانمين ، ثم إن شاء أعطى ذلك من ~~كان دفع إليه وإن شاء أعطاه مسكينا آخر ، لأن بظهر الحرية فيه تبين أنه لم ~~يصح دفعه فيما دفعه إليه ، فيبقى رأيه في اختيار المصرف في ذلك القدر ، كما ~~لو لم يدفعه إلى أحد ، وكذلك في الرجوع بنقصان العيب الفاحش ، فالرأي إليه ~~في أن يصرفه إلى ذلك المسكين أو غيره ، وما بعد هذا إلى آخر الباب معاد كله ~~. PageV03P1089 $ باب ما يجوز لصاحب المقاسم أن يأخذ لنفسه # وما لا يجوز وما يكون قبضا في البيع وما لا يكون $ وإذا باع المولى ~~للقسمة الغنائم في دار الحرب أو في دار الإسلام ، بأقل من قيمتها ، فإن كان ~~النقصان بقدر ما يتغابن ms0632 الناس في فبيعه جائز ، وإن كان مما لا يتغابن الناس ~~فيه فبيعه مردود ، لأن فعل المولى كفعل الإمام بنفسه ، والمعنى في الكل ~~واحد ، وهو أن الغنيمة حق الغانمين ، ونفوذ البيع فيه من غير رضاهم باعتبار ~~النظر لهم في ذلك ، والبيع بالغبن الفاحش لا يتحقق فيه معنى النظر ، فأما ~~بالغبن اليسير فيتحقق فيه معنى النظر ، لأن ذلك مما لا يستطاع الامتناع منه ~~عدة . ألا ترى أن الأب والوصي يملكان بيع مال الصغير بالغبن اليسير ولا ~~يملكان ذلك بالغبن الفاحش . فإن قيل : لمن باشر البيع في الغنيمة نصيب وله ~~ولاية البيع في نصيبه مطلقا ، فينبغي أن ينفذ بيعه فيه على كل حال . قلنا : ~~لا ملك له في شيء منه قبل القسمة . ألا ترى أنه لا ينفذ بعه في شيء إذا لم ~~يوله الإمام ذلك ؟ فعرفنا أن تنفيذ بعه في الكل باعتبار معنى النظر . يوضحه ~~: أن المحاباة الفاحشة ممن لا يملك الهبة بمنزلة الهبة ، وهو لو وهب شيئا ~~من ذلك لم تصح هبته في الكل . PageV03P1090 فكذلك إذا باع بغبن فاحش ، ~~واستدل عليه بحديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فإنه حين افتتح العراق ~~باع من المسور بن مخرمة طستا بألف درهم ، فباعها المسور بألفي درهم ، فقال ~~له سعد : لا تتهمني ، ورد الطست ، فإني أخشى أن يسمع ذلك عمر - رضي الله ~~عنه - فيرى أني قد جابيتك فرده ، ثم ذكر لعمر - رضي الله عنه - فقال : ~~الحمد لله الذي جعل رعيتي تخافني في آفاق الأرض ، وما زادني على ذلك شيئا ، ~~ولو كان هذا البيع جائزا لأمر عمر - رضي الله عنه - برد الطست عليه . فإن ~~اشترى المولى شيئا من الغنيمة لنفسه بأقل من قيمته ، أو أكثر فإن ذلك لا ~~يجوز ، لأنه لا يكون مشتريا من نفسه ولا بائعا منها ، فإن الواحد لا يتولى ~~العقد من الجانبين لما فيه من تضاد الأحكام . من أصحابنا من يقول هذا ~~الجواب قول محمد - رحمه الله - فأما على قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - ~~فينبغي أن يجوز ذلك إذا اشتراه بأكثر ms0633 من قيمته ، على وجه يكون فيه منفعة ~~ظاهرة للغانمين ، بمنزلة الوصي يشتري من مال اليتيم لنفسه ، والأصح أنه ~~قولهم جميعا لأن بيعه هذا بمنزلة الحكم ، ولهذا لا يلزمه العهدة في ذلك ، ~~فيكون هذا قضاء منه لنفسه ، والإنسان لا يكون قاضيا في حق نفسه عندهم جميعا ~~، ولو لا هذا المعنى لكان ينبغي أن يجوز البيع عندهم PageV03P1091 جميعا ~~وإن لم يكن فيه منفعة ظاهرة ، لأن الوصي إنما لا يبيع من نفسه لأن العهدة ~~تلحقه فيؤدي إلى ضاد الأحكام ، وذلك لا يجوز . فإن كان المشترى جارية وأشهد ~~أنه يأخذها لنفسه بثمن قد سماه فحبلت منه وولدت ردت في الغنيمة مع عقرها ، ~~لأن البيع كان باطلا وقد سقط الحد للشبهة فعليه اعقر . وفي القياس الولد ~~مردود في الغنيمة أيضا ولا يثبت نسبه منه ، كما لو كان فعل هذا قبل الشراء ~~لنفسه . ولكنه استحسن فجعل الولد حرا بالقيمة ثابت النسب منه ، لأجل الغرور ~~الثابت باعتبار النظر للمولى عليه ، وهذا القدر يكفي لإثبات حكم الغرور ~~فلهذا كان ابنه حرا بالقيمة . فيجعل ذلك كله في الغنيمة إن لم يقسمها ، وإن ~~كان قسمها وقسم الثمن الذي غرم مع ذلك فإن الإمام يعطيه الثمن من قيمة ~~الولد الذي غرم ، ومن العقر ، PageV03P1092 لأن ذلك دين عليه للغانمين ~~والثمن الذي في الغنيمة لبطلان البيع ، فيجعل أحدهما قصاصا بالآخر . وإن لم ~~يكن في ذلك وفاء بالثمن باع الجارية فأوفاه بقية الثمن ، ثم أخذ ما بقي ~~فجعله في بيت المال ، لأن هذا من جملة الغنيمة وقد تعذر قسمته بين الغانمين ~~لتفرقهم ثم بين الحيلة للمولى إذا أراد أن يشتري شيئا لنفسه . فقال : ينبغي ~~ذلك ممن يثق به بأقصى ثمنه ويسلمه إليه ، ثم يشتريه من لنفسه بعدما يقبض ~~الثمن من ، كله إن أراد أن يشتريه منه لنفسه بعدما يقبض الثمن منه ، كله إن ~~أراد أن يشتريه بأقل من ذلك الثمن ، وإن أراد أن يشتريه بمثل ذلك الثمن أو ~~أكثر فلا حاجة إلى قبض الثمن . لأن حاله في هذا كحال القاضي فيما يريد أن ~~يشتريه ms0634 لنفسه من مال اليتيم ، ثم استدل علي أنه لا يملك الشراء من نفسه ~~لنفسه ، بحديث عثمان - رضي الله عنه - . فإن إبلا من إبل الصدقة أتى بها ~~عثمان فأعجبته ، فأقامها في السوق حتى بلغت أقصى ثمنها ، ثم أخذها بذلك ، ~~فأتى الناس عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وأخبروه بما صنع ، فأتاه ~~وقال له : هل رأيت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه صنع من ذلك شيئا ؟ وأمره ~~برد ذلك ، وكان هذا أول ما عيب على عثمان - رضي الله عنه - فإذا كان هذا ~~يرد على مثل عثمان فعلى غيره ممن يلي المقاسم أولى PageV03P1093 ولو أن ~~المولى للقسمة جزأها وبين نصيب كل رجل ، وأقرع عليها فخرج نصيبه فيما خرج ~~جاز قبض المولى لنصيب نفسه ، وإن هو الذي ولي القسمة ، كما يجوز القبض من ~~غيره في نصيب نفسه ، لأنه لا يكون منهما في تمييز نصيب نفسه بالقرعة ، ~~وإنما تتمكن التهمة فيما يخص به نفسه ، لا فيما تستوي نفسه فيه بغيره ، وقد ~~بينا هذا في التنفيل ، يوضح الفرق بين القسمة والبيع أن القسمة بهذه الصفة ~~لا تتم بهد وحده ، بل به وبالمسلمين ، فإنهم يقبضون أنصباءهم كما يقبض هو ~~نصيبه ، ولا تتم القسمة إلا بالقبض ، فإذا كان تمام القسمة بهم جميعا كان ~~مستقيما ، فأما البيع لو صح كان تمامه به وحده ، والبيع لا يتم بالواحد ~~مباشرة من الجانبين . ألا ترى أن أحد الورثة لو قسم التركة برضاء سائر ~~الورثة ، وقبض كل واحد منهم نصيبه بعد الإقراع جاز ؟ وبمثله لو اشترى أحد ~~الورثة نصيب سائر الورثة من التركة من نفسه برضاهم لم يجز ذلك ، فكذلك حال ~~المولى للقسمة في الغنيمة . ولو أن المولى لبيع الغنائم جعل رمكا في حظيرة ~~ثم باع رمكة بعينها وقبض الثمن وقال للمشتري : ادخل الحظيرة فأقبضها ، فقد ~~خليت بينك وبينها ، فدخل الرجل وعالجها ، فانفلتت منه ، وخرجت من باب ~~الحظيرة ، فيطالبه المشتري برد الثمن ، لأنه لم يقبضها ، فالأصل في جنس هذه ~~المسائل أن قبض المعقود عليه يكون من المشتري ، تارة بالتمكن منه بعد تخلية ms0635 ~~البائع بينه وبينها ، وتارة يكون بمباشرة التسليم إليه ، ففي التخلية يعتبر ~~التمكن من إثبات اليد عليه ليصير PageV03P1094 قابضا ، وفي مباشرة التسليم ~~إليه لا يعتبر التمكن من تقرير اليد فيه ، لأن هذا تسليم حقيقة ، وحقيقة ~~الشيء تثيت بوجوده ، والأول تسليم من طريق الحكم فيستدعي التمكن من قبضه . ~~إذا عرفننا هذا فنقول : إذا كانت الرمكة في الحظيرة بحيث يقدر المشتري على ~~أخذها إلا أن ذلك ربما يصعب عليه إلا بتوهيق أو نحوه ، وكانت لا تقدر أن ~~تخرج من الحظيرة قبل فتح الباب فهذا قبض من المشتري ، لتمام التسليم من ~~البائع بالتخلية ، فإنه صار متمكنا من قبضها . وإن كانت بحيث لا يقدر على ~~أخذها ، أو كانت في موضع تقدر أن تنفلت منه ولا يضبطها فليس هذا بقبض من ~~المشتري ، لأن التخلية لم توجد حكما فإنها تمكين من القبض والتمكين لا ~~يتحقق بدون التمكن . وإن كان المشتري لا يقدر على أخذها وحده ويقدر على ذلك ~~إن كان معه أعوان فكذلك الجواب ، لأنه ما صار متمكنا من قبضها ، فإن تمكن ~~الإنسان من شيء عند وجود أعوان له على ذلك لا يكون دليلا عل تمكنه منه ~~بنفسه ، ألا ترى أنه قد يتمكن من نقل الخشبة الثقيلة بأعوان يعينونه على ~~ذلك ولا يدل ذلك على تمكنه منه بنفسه ؟ وكذلك إن كان يقدر على أخذها وحده ~~ولو كان معه حبل وإنما انفلتت لأنه لم يكن معه حبل فهذا لا يكون قبضا ، ل ~~PageV03P1095 أن تمكنه من الشيء بوجود آلته لا يدل على أنه متمكن منه مع ~~انعدام تلك الآلة ، فإن كان يقدر على أخذها بغير حبل ولا عون ، أو بحبل ~~ومعه حبل ، أو بعون ومعه عون وقد خلي بينه وبينها ، فالثمن لازم عليه ، ~~لأنه قد تمكن من قبضها ، فإذا لم يفعل حتى انفلتت كان مضيعا لها بعد القبض ~~فتهلك من ماله . وإن كانت الرمكة في يد البائع هو ممسك لها فقال المشتري : ~~هاك الرمكة ، فوضعها في يده فهي من مال المشتري ، لأنه أثبت يده عليها ~~حقيقة حين وضعها في ms0636 يده وتقرر الثمن على المشتري باعتبار أصل القبض دون ~~استدامته والمستحق على البائع بالعقد التسليم إلى المشتري لإبقاء يده فيها ~~. فإن كانت في يد البائع على حالها ويد المشتري جميعا ، والبائع يقول : قد ~~خليت بينك وبينها ، ولست أمسكها منعا مني لها ، إنما أمسكها حتى تضبطها ، ~~فانفلتت فهذا أيضا قبض من المشتري ، والبائع قد أثبت يده عليها ، وهو في ~~استدامة يد نفسه معين للمشتري على تقرير يده عليها لا مانع لها منه ، فلا ~~يمنع ذلك صحة قبض المشتري ، فإن قيل : كانتالرمكة في يد البائع ، فبقاء يده ~~فيها تمنع ثبوت اليد للغير ، بمنزلة المغصوبة فإنه ما بقي يد المالك عليها ~~لا تدخل في ضمان الغاصب ، قلنا : بقاء يده عليها يمنع يد الغير على طريق ~~المنازعة والمقاتلة ، فأما PageV03P1096 على طريق التمكين إياه فلا ، ثم ~~وجوب الضمان في الغصب إنما يكون بتفويت يد المالك لا بمجرد إثبات اليد ~~لنفسه ، وهاهنا دخول المبيع في ضمان المشتري باعتبار ثبوت يده عليه ، ولهذا ~~يدخل في ضمان المشتري بالتخلية قبل النقل في حكم البيع ولا تدخل في ضمانة ~~بالتخلية في حكم الغصب حتى لو هلك قبل النقل ثم جاء مستحق لم يكن له أن ~~يضمن المشتري شيئا . وإن كانت الرمكة في يد البائع : قد خليت بينك وبينها ~~فاقبضها فإني أمسكها لم فانفلتت ، لم يكن هذا قبضا من المشتري ، وإن كان ~~يقدر على أخذها وضبطها ، لأن للبائع فيها يد حقيقة ، ولا ينسخ حكم ذلك اليد ~~إلا ما هو مثلها وتمكن المشتري من قبضها بالتخلية لا يكون مثل حقيقة يد ~~البائع فيها ، وهذا بخلاف ما إذا وضع البائع المبيع بين يدي المشتري بأن ~~كان نائبا ، فرضعها بين يديه ، وقال : خليت بينك وبينها ، ثم هلكت ، لأن ~~هناك لم يبق للبائع عليه يد حقيقية ، وقد صار المشتري متمكنا من قبضها ، ~~حتى إذا كان البائع يمسكها بيده وقال للمشتري : خليت بينك وبنها فاقبضها ، ~~فإنه لا يصير قابضا ، إلا أن تصل إلى يد المشتري فحينئذ تكون يده فيها ~~حقيقة معهارضة ليد البائع ، فيجعل قابضا ms0637 لذلك . ولو كان البائع وضع الثوب ~~بالبعد من المشتري وناداه أن قد خليت بينك وبينه فاقبضه ، فإنه لم يصر ~~قابضا حتى يقرب منه فيصير بحيث تصل يده إليه ، PageV03P1097 لأن هذا تسليم ~~بطريق التمكين ، فلا يتحقق بدون التمكن ، وتمكنه من القبض لا يكون إلا بعد ~~أن يقرب منه ، فبل ذلك وجود الخلية كعدمها . ولو أن المولى باع جميع الرمك ~~التي في الحظيرة وخلى بينهوبينهلا ، وهي لا تقدر على الخروجليد لنفسه ، ~~وهاهنا دخول المبيع في ضمان المشتري باعتبار ثبوت يده عليه ، ولهذا يدخل في ~~ضمان المشتري بالتخلية قبل النقل في حكم البيع ولا تدخل في ضمانة بالتخلية ~~في حكم الغصب حتى لو هلك قبل النقل ثم جاء مستحق لم يكن له أن يضمن المشتري ~~شيئا . وإن كانت الرمكة في يد البائع : قد خليت بينك وبينها فاقبضها فإني ~~أمسكها لم فانفلتت ، لم يكن هذا قبضا من المشتري ، وإن كان يقدر على أخذها ~~وضبطها ، لأن للبائع فيها يد حقيقة ، ولا ينسخ حكم ذلك اليد إلا ما هو ~~مثلها وتمكن المشتري من قبضها بالتخلية لا يكون مثل حقيقة يد البائع فيها ، ~~وهذا بخلاف ما إذا وضع البائع المبيع بين يدي المشتري بأن كان نائبا ، ~~فرضعها بين يديه ، وقال : خليت بينك وبينها ، ثم هلكت ، لأن هناك لم يبق ~~للبائع عليه يد حقيقية ، وقد صار المشتري متمكنا من قبضها ، حتى إذا كان ~~البائع يمسكها بيده وقال للمشتري : خليت بينك وبنها فاقبضها ، فإنه لا يصير ~~قابضا ، إلا أن تصل إلى يد المشتري فحينئذ تكون يده فيها حقيقة معهارضة ليد ~~البائع ، فيجعل قابضا لذلك . ولو كان البائع وضع الثوب بالبعد من المشتري ~~وناداه أن قد خليت بينك وبينه فاقبضه ، فإنه لم يصر قابضا حتى يقرب منه ~~فيصير بحيث تصل يده إليه ، لأن هذا تسليم بطريق التمكين ، فلا يتحقق بدون ~~التمكن ، وتمكنه من القبض لا يكون إلا بعد أن يقرب منه ، فبل ذلك وجود ~~الخلية كعدمها . ولو أن المولى باع جميع الرمك التي في الحظيرة وخلى ~~بينهوبينهلا ، وهي لا تقدر ms0638 على الخروج إلا بعد فتح الباب ، ففتح الباب ~~ليأخذ بعضها ، فغلبته وخرجت من الحظيرة ، فالثمن لازم للمشتري ، سواء كان ~~يقدر على أخذها إذا دخل الحظيرة ، أو لا يقدر على ذلك ، لأنها كانت محرزة ~~بالباب المسدود ، وقد تناول البيع كلها ، ثم صار المشتري بفتح الباب ~~مستهلكا لها ، واستهلاك المشتري للمعقود عليه بمنزلة القبض منه ، ومن ~~أصحابنا من يقول : هذا قول محمد - رحمه الله - فإن فتح الباب عنده استهلاك ~~بطريق المتسبب حتى قال : إذا فتح باب الاصطبل فندت الدابة من ساعتها فهو ~~ضامن من قيمتها لما ذكرنا . فأما على قول أبي حنيفة - رحمه الله - ينبغي أن ~~لا يجب الثمن على المشتري ، لأنه لا يجعل فتح الباب استهلاكا ، وإنما يحيل ~~بهلاك الدابة على الفعل الموجود منها ، ولهذا لا يضمن به ملك الغير ، ~~والأصح أن هذا قولهم جميعا لأن أبا حنيفة - رحمه الله - يجعل فعله تسببا ، ~~ولكن في حكم الضمان يقول : قد طرأ على ذلك التسبب فعل معتبر ، لأن فعل ~~الدابة يعتبر في إزالة السبب الموجب للضمان وإن كان لا يعتبر في إيجاب ~~الضمان . ألا ترى أم من ساق دابة في الطريق فجالت يمنة أو يسرة ، والسائق ~~ليس معها ، فأصابت شيئا لم يكن السائق ضامنا لها ؟ باعتبار ما أحدثت الدابة ~~من السير باختيارها ، لا على نهج سوق السائق وإذا ثبت أن فتح الباب كان ~~تسببا منه لإتلاف الدابة فقد تقرر عليه الثمن بحكم العقد ، ثم فعل الدابة ~~لا يصلح مزيلا لذلك فيبقى ضامنا للثمن . PageV03P1098 وإن كان الذي فتح ~~الباب رجلا آخر فإن كان المشتري قد صار بحال لو دخل الحظيرة واجتهد تمكن من ~~قبضها فعليه الثمن ، لأنه لم يوجد منه الإتلاف تسببا ولا مباشرة ، فإنما ~~يعتبر لتقرر الثمن عليه تمكنه من قبضها بتخلية البائع بينه وبينها قبل فتح ~~الباب . ألا ترى أن البائع لو كان هو الذي فتح الباب ولم يكن المشتري ~~متمكنا من قبض شيء منها لم يكن عليه من الثمن شيء ؟ فكذلك إذا فتح الباب ~~أجنبي آخر ، وهو نظير ما لو باع ms0639 طيرا يطير في بيت عظيم وخلي بينه وبين ~~البيت ، فإن كان المشتري هو الذي فتح الباب فطار كان عليه الثمن ، وإن فتح ~~غيره الباب أو فتحت الريح الباب فخرج الطير لم يكن عليه من الثمن شيء . إذ ~~لم يكن متمكنا من أخذها . فكذلك الرمك ، وبعض هذا قريب من بعض وإنما يؤخذ ~~بالاستحسان في كل فصل . ولو أن المولى باع الغنائم ولم يقبض الثمن ، فسأله ~~الإمام أن يضمن الثمن عن المشتري ففعل ذلك ، فهو جائز . وهذا بخلاف الوكيل ~~بالبيع إذا ضمن الثمن للموكل عن المشتري ، لأن الوكيل في حقوق العقد ~~كالعاقد لنفسه ، ولهذا لو ظهر الاستحقاق أو العيب كانت الخصومة معه ، فإذا ~~ضمن الثمن عن المشتري فهو إنما يضمن لنفسه عن غيره في الحكم وذلك لا يجوز ، ~~فأما المولى فهو نائب محض في هذا العقد ليس عليه من حقوق العقد شيء ، ~~بمنزلة الرسول ، فيكون هو في ضمان الثمن عن PageV03P1099 المشتري كغيره من ~~الأجانب إن ضمن بأمره رجع عليه إذ أدى وإن ضمن بغير أمره لم يرجع عليه بشيء ~~إذا أدى ، والدليل على الفرق أن المولى لو أبرأ المشتري عن الثمن هاهنا لم ~~يصح إبراؤه ، والوكيل بالبيع إذا أبرأ المشتري على الثمن صح إبراؤه في حق ~~المشتري ، وإن كان يصير ضامنا مثله للموكل . ثم المولى في هذا البيع بمنزلة ~~القاضي في بيع مال اليتيم ، والوكيل بمنزلة الوصي في بيع مال اليتيم ، ولو ~~أن قاضيا باع مال اليتيم ثم عزل واستقضى آخر ، فضمن القاضي الأول للقاضي ~~الثاني الثمن من المشتري ، أو كبر اليتيم فضمن له القاضي الأول ذلك ، وهو ~~قاض على حاله ، كان ضمانه جائزا ، ولو كان الوصي هو الذي باع مال اليتيم ، ~~ثم ضمن الثمن للقاضي عن المشتري أو لليتيم بعدما كبر فإن ضمانه يكون باطلا ~~وكذلك الوالد إن كان هو الذي باع ثم ضمن الثمن والفرق ما ذكرنا أن الأب ~~والوصي يلزمهما العهدة ، ويكون خصومة المشتري في العيب والاستحقاق معهما ، ~~والقاضي لا يلزمه العهدة ، ولا يكون للمشتري معه خصومة في شيء ms0640 من ذلك ، ~~وأمي القاضي بمنزلة القاضي في أنه لا تلحقه العهدة ، فيصح ضمانه عن الثمن ~~عن المشتري ، فكذلك المولى يبيع الذي وقع الحق له ، ليأخذ منه الثمن ، وفي ~~العيب الإمام ينصب للمشتري خصما إن شاء ذلك المولى ، وإن شاء غيره ، حتى ~~إذا ثبت حق المشتري رجع بالثمن في غنائم المسلمين ، إن كانت لم تقسم ، وإن ~~قسمت غرم ذلك للمشتري من بيت المال ، وليس على الذي باشر البيع عهدة في شيء ~~من ذلك ، ولهذا صح ضمانه للثمن ، والله أعلم | PageV03P1100 # الجزء الرابع # بسم الله الرحمن الرحيم # $ باب المسلم يخرج من دار الحرب # ومعه مال فيما يصدق فيه ما لا يصدق $ ولو أن مستأمنا من المسلمين في دار ~~الحرب التحق بعسكر المسلمين ، ومعه مال ، فزعم أن أهل الحرب ملكوه ببعض ~~الأسباب ، أو أنه أدخله معه من دار الإسلام ، فالقول قوله ، لأن يده ثابتة ~~على المال ، وهي يد محترمة ، ولأن الظاهر شاهد له ، فإنه دخل إليهم تاجرا ~~ليعاملهم ، والتاجر لا يدخل إليهم إلا مع مال في العادة . وما يصل إليه من ~~مالهم ، فإنما يكون وصوله ببعض الأسباب التي تبتنى على المرضاة ، لأن عقد ~~الأمان يقتضي ذلك ، والقول قول من يشهد له الظاهر . وإن قال : غصبته منهم ~~فهو فيء ، وينبغي للأمير أن يأخذه منه فيرده إلى أهل الحرب ، لأنه تملكه ~~بطريق القهر ، وإنما تم ذلك بقوة الجيش حين التحق بهم ، وشاركوه في الإحراز ~~. ألا ترى أنه لو لم يكن مستأمنا فيهم كان ذلك المال غنيمة بينهم ، وبثبوت ~~حق الجيش فيه تثبت الولاية للأمير في ذلك المال ، وقد حصله بسبب حرام شرعا ~~، وهو غدر الأمان ، PageV04P1115 لأنه حين استأمن إليهم فقد لزمه ألا يغدر ~~بهم ، وألا يأخذ شيئا من أموالهم بغير طيبة أنفسهم . وما حصل بسبب خبيث ~~فالسبيل رده ، فلهذا كان على الأمير أن يرده إليهم ، سواء كانوا في دار ~~الحرب أو بعد ما خرجوا ، فإن أسلم بعض الرقيق باعه الأمير ، وبعث بالثمن ~~إليهم ، أو كتب إليهم حتى يأتوه فيأخذوه ، لأن بالإسلام تعذر رد عينه عليهم ~~، فيجب ms0641 بعه ورد ثمنه عليهم كالمستأمن إذا أسلم عبده في دارنا وهو هاهنا ، ~~أو قد رجع إلى داره . وإن كانوا أحرارا قد أخذهم قهرا فأخرجهم ، فإن أسلموا ~~فهم أحرارا ، لا سبيل عليهم ، لأنه ما تم قهره حين كان ممنوعا من أخذهم ~~شرعا بسبب الأمان فيكون حكمهم في حقه كحكم المستأمنين في دارنا لا يملكون ~~بالقهر ، فإذا أسلموا فقد تأكدت حريتهم بالإسلام . وإن لم يسلموا أو قالوا ~~: نصير ذمة ، فإن كانوا أحرارا فلهم ذلك لبقاء صفة الحرية لهم بعد ما حصلوا ~~في دارنا ، وإن كانوا عبيدا لأهل الحرب لم يلتفت إلى قولهم ، لأن الحق فيهم ~~لمواليهم ، ووجوب الرد لحق المولى فحكمهم كحكم سائر الأموال ترد عليهم ~~العين . PageV04P1116 فإن تعذر عليهم ذلك ، أو خيف الضيعة على شيء من ذلك ، ~~فإنه يباع ويبعث إليهم بثمنه ، أو يوقف حتى يجيء صاحبه فيأخذه . ولو كان ~~هذا امستأمن أخذ شيئا مما كانوا أحرزوه من أموال المسلمين ، فهذا وما سبق ~~سواء ، لأنهم بالإحراز قد ملكوه حتى لو أسلموا كان لهم ، فحكمه كحكم سائر ~~أموالهم ، إلا أن الرقيق يباع هاهنا ، لأنهم كانوا من أهل دار الإسلام ، ~~فلا يرد إليهم أعيانهم وإنما يملكونه بالقهر ، ولكن يباع ويبعث إليهم ~~بالثمن . وإن كان شيئا مما لا يملك بالقهر من رقاب المسلمين فهو مردود على ~~حاله كما كان ، لأنهم بالقهر ما تملكوه ، حتى لو اسلموا وجب عليهم قصر اليد ~~عنه ، وبه يتبين أن هذا الرجل محسن فيما صنع ، حيث قصر عنهم يد الظلم ، ~~فعليه أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه من قبل ، ولا يكون هذا من غدر الأمان في ~~شيء . ولو كان هذا المستأمن أحرز المأخوذ منهم غصبا بدار الإسلام ، ~~والمسألة بحالها ، فإن كان شيئا مما لم يملكه أهل الحرب فهذا وما سبق سواء ~~، لأنه إنما يتملك عليهم بالإحراز ما كان مملوكا لهم ، وما يكون محلا ~~للتملك بالقهر . PageV04P1117 وإن كان ذلك شيئا مما هو مملوك لهم وكان بحيث ~~يسلم لهم لو أسلموا ، فإن الإمام يفتيه بالرد عليهم ، ولا يجبره على ذلك في ~~الحكم ms0642 ، لأنه تفرد بإتمام سبب الملك فيه هاهنا ، وهو الإحراز بدار الإسلام ~~، فلا يثبت فيه حق المسلمين ، وولاية الإمام فيه تبتنى على ثبوت حق ~~المسلمين ، فإذا لم يثبت لا يمكنه أن يجبره على الرد ، بخلاف الفصل الأول . ~~إلا أنه حصل هذا المال بسبب حرام شرعا ، فيفتيه بالرد فيما بينه وبين ربه ، ~~وهذا لأنه أخفر ذمة نفسه لا ذمة المسلمين ، فإن أهل الحرب ما كانوا في أمان ~~من المسلمين ، وإنما كانوا في أمان منه خاصة . ألا ترى أنه كان يباح لغيره ~~من المسلمين أخذ هذا المال من أيديهم ، فعرفنا أنه ما أخفر أمان المسلمين ~~حتى يثبت للإمام عليه ولاية الإجبار في الرد ، لمراعاة ذلك الأمان ، ولكنه ~~أخفر أمان نفسه ، وذلك بينه وبين ربه ، والطريق في مثله الفتوى دون الإجبار ~~، فإن الإجبار يبتنى على الخصومة ولا خصومة لأحد معه في ذلك . ولكن لا ~~ينبغي لأحد من المسلمين أن يشتري ذلك منه لأنه كسب خبيث ، وفي شرائه منه ~~تقرير لمعنى الخبث فيه ، ولأنهم إذا امتنعوا من الشراء كان فيه زجر له عن ~~العود إلو مثل هذا الصنع وحث له على الرد كما هو المستحق عليه . ~~PageV04P1118 وإن اشترى إنسان منه ذلك جاز الشراء وإن كان مسيئا ، لأنه ملك ~~نفسه فإن فساد السبب شرعا لا يمنع ثبوت الملك بعد تمامه ، والنهي عن هذا ~~الشراء ليس لمعنى في عينه . وبعد ما جاز الشراء يؤمر فيه المشتري بمثل ما ~~كان يؤمر به البائع من الرد على أهل الحرب ، لأن المعنى الموجب للرد لا ~~يزول بهذا الشراء ، وهذا بخلاف المشتري شراء فاسدا إذا باعه المشتري من ~~غيره بيعا صحيحا ، فإن المشتري الثاني لا يؤمر بالرد ، وإن كان البائع ~~مأمورا بذلك ، لأن هناك المعنى الموجب للرد قد زال ببيعه من غيره ، لأن ~~وجوب الرد لفساد البيع حكم مقصود على ملك المشتري وقد انقطع ملكه بالبيع من ~~غيره ، أما هنا فوجوب الرد إنما لمراعاة ملكهم في ذلك المال ، ولأجل غدر ~~الأمان ، وهذا المعنى قائم في ملك المشتري كما هو في ملك ms0643 البائع الذي أخرجه ~~، فلهذا يفتي بالرد كما كان يفتي به البائع ، وهو نظير المشتري من المكره ~~إذا باعه من غيره ، فإن للمكره حق الاسترداد من الثاني كما هو له ذلك قبل ~~شرائه ، لأن حقه لا يتغير ببيع المشتري ، وثبوت حق الاسترداد كان لعدم رضاه ~~به ، ولو كان هذا الرجل أمنهم وهو في دار الإسلام ، أو PageV04P1119 في ~~عسكر المسلمين ، والمسألة بحالها ، فإنه يؤخذ ذلك المتاع منه فيرد عليهم ، ~~لأن أمانة وهو في منعة المسلمين ، كأمان جماعة المسلمين ، فهو إنما أخذ مال ~~المستأمنين بالقهر ولا يملك مال المستأمن بالقهر ، فكان مجبرا على رده ، ~~وفي الأول هو ما أخذ مال المستأمنين ، لأنه كان فيهم بأمان ، وما كانوا ~~مستأمنين منه إلا أن غدر ذلك الأمان كان حراما عليه شرعا ، وتمكن الخبث ~~بهذا السبب ، ولكن يثبت الملك له في المال لكونه محل التملك بالقهر ، فلا ~~يجبر على رده في الحكم ، ولأنه غدر بأمان المسلمين . ألا ترى أن حكم ذلك ~~الأمان ثابت في حق جميع المسلمين ، حتى لا يحل لأحد منهم أخذ شيء من ~~أموالهم ، وللإمام ولاية المنع للغادر بأمان المسلمين ، وإذا كان هو الذي ~~دخل إليهم فإنما غدر بأمان نفسه خاصة . ألا ترى أنه كان لسائر المسلمين حق ~~أخذ هذا المال من أيديهم فلهذا يفتيه بالرد ولا يجبره عليه . وإن كان الذي ~~أخرجه هذا المستأمن إليهم متاعا للمسلمين قد أحرزوه بدارهم ، فأراد صاحبه ~~أن يأخذه منه بالقيمة ، لم يقض له الإمام بذلك ، PageV04P1120 لأن في ~~القضاء به تقرير ملكه ، فإن القيمة لا تسلم إلا على وجه قيامها مقام العين ~~، وملكه غير متقرر شرعا ما دام هو مأمورا بالرد عليهم ، فليس فلإمام أن ~~يقرره بقضائه . ألا ترى أنه لو رده عليهم ثم أسلموا أو صاروا ذمة ، كان ~~سالما ولا سبيل عليه للمالك القديم ، بخلاف ما إذا وهبوه له ، لأن ملكه ~~هناك ملك متقرر شرعا ، فلهذا كان للمالك القديم أن يأخذه بالقيمة بقضاء ~~القاضي ، ولأن المالك القديم بالأخذ يعيده إلى قديم ملكه ، وما يعطى من ~~القيمة هو فداء ms0644 يفدي به ملكه ، بمنزلة العبد الجاني يفديه مولاه بالدية ، ~~وفي إعادته إلى ملكه إبطال حقهم عنه لا محالة ، وفيه تقرير ما كان منه غدر ~~من الأمان . ولو كان هو الذي باعه من مسلم كان البيع جائزا ، وإذا خوصم فيه ~~إلى القاضي ، فإن القاضي ينفذ ذلك البيع ، لأنه ليس فيه إبطال حقهم ، فإن ~~الثاني إنما يتملكه ملكا جديدا ويؤمر من ملكه بالرد ، كما كان يؤمر به ~~البائع ، وأما المالك القديم إنما يعيده إلى قديم ملكه وذلك سابق على ثبوت ~~حقهم فيه ، فعرفنا أن في القضاء به إبطال حقهم ، ثم المالك القديم إن أراد ~~أن يأخذه بالقيمة أو بالثمن من المشتري الثاني لم يقض له الإمام بذلك ، لأن ~~في هذا القضاء إعادته إلى قديم ملكه كما بينا . ولو كان الذي جاء به عبدا ~~أو أمة مسلمة لم يكن لمولاه أن يأخذه بقيته ، PageV04P1121 لما بينا أن حق ~~أهل الحرب لم ينقطع عنه ، وما لم ينقطع حقهم عن المستولى عليه لا يثبت ~~للمالك القديم حق الأخذ . ألا ترى أن المستولي لو دخل إلينا بأمان ، ومعه ~~ذلك العبد ، فإنه يجبر على بيعه لإسلامه ولا يكون لمولاه القديم أن يأخذه ~~منه بقيمة ولا ثمن . ولو كان هذا المستأمن أحرز هذا المتاع بمنعة الجيش في ~~دار الحرب فلا سبيل لمالكه القديم على أخذه بثمن ولا قيمة ، لأن حقهم لم ~~ينقطع عنه ، ولكن الإمام يبيع الرقيق ويقف الثمن مع سائر الأموال حتى يأتوه ~~فيأخذوه ، لأن بقاء حقهم هاهنا أبين من الفصل الأول ، فإن الإمام هاهنا ~~يجبر على الرد عليهم ، وفي الفصل الأول يفتى بذلك فإذا لم يثبت هناك للمولى ~~القديم حق الأخذ بالقيمة ولا بالثمن فهاهنا أولى . ولو كان المسلم الخارج ~~من دار الحرب أسيرا فيهم ، والمسألة بحالها ، فإن كان خرج إلى دار الإسلام ~~فجميع ما أخرج سالم له ، لأنه ما كان مستأمنا فيهم بل كان مقهورا وكان ~~متمكنا من قتلهم وأخذ أموالهم لو قدر على ذلك فما أحرز من أموالهم يكون ~~طيبا له . PageV04P1122 وإن كان شيء من ms0645 ذلك مما أحرزوه من متاع المسلمين ~~فللمالك القديم أن يأخذ منه بالقيمة إن شاء ، لأن حقهم انقطع بإحرازه عليهم ~~واختص هو بملكه فيكون هو بمنزلة ما لو أصاب بسهمه في الغنيمة ، يأخذ مولاه ~~بالقيمة إن شاء . وإن كان جاء به إلى عسكر المسلمين في دار الحرب ، فقال : ~~وهبه لي أهل الحرب ، أو اشتريته منهم لم يصدق ، وكان ما جاء به فيئا لأهل ~~العسكر ، لأن الظاهر يكذبه فيما يقول ، فإنه كان مقهورا فيهم ، وهم لا ~~يعاملون الأسراء بمثل هذه المعاملة عادة ، فلهذا لا يصدق . ويجعل هذا ~~بمنزلة ما لو أخرجه غصبا فيكون فيئا ، لأن أهل العسكر يشاركونه في الإحراز ~~بدار الإسلام ، وتمام القهر به يكون إلا ن يقيم بينة عادلة من المسلمين على ~~ما يدعي ، فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة . ولو عايناهم وهبوا له ~~شيئا وخلوا سبيله لم يكن لأهل العسكر معه شركة في ذلك ، لأن الملك يثبت له ~~بطريق المراضاة ، والشركة في المصاب بطريق القهر ، لأن ذلك السبب يتم بقوة ~~الجيش ، فأما تمام الهبة والشراء لا يكون بقوة الجيش . PageV04P1123 ولو ~~كان الخارج إلى العسكر أسيرا أو مستأمنا ، والمسألة بحالها ، ففيما في يد ~~المستأمن القول قبوله فيما يدغي من الهبة والشراء ، إذا حلف على ذلك ، ~~وفيما في يد الأسير لا يصدق هو إلا ببينة من المسلمين ، اعتبارا لحال ~~اجتماعهما بحال انفراد كل واحد منهما . وإن قالا دخلنا بها معنا من دار ~~الإسلام فالمستأمن يصدق فيما في يده مع يمينه ، والأسير لا يصدق سواء أقام ~~البينة أو لم يقم البينة ، لأنهم أحرزوه بدارهم ، وأحرزوا ما معه من المال ~~أيضا ، فيملكون بهذا الإحراز ما يكون محلا للتمليك ، ويلتحق هذا المال ~~بالمال الذي كان لهم في الأصل . فإذا أحرزه الأسير بمنعة الجيش كان فيئا ، ~~إلا أن يكون ذلك شيئا يخفى عليهم نحو درة ، قال الأسير : كانت في فمي أو ~~كنت ابتلعتها فكانت في بطني ، فإنه في القياس لا يصدق على ذلك أيضا ، لأنه ~~مال محتمل للتمليك أيضا ، وقد كان معه حين صار مقهورا ، حين ms0646 تم إحرازهم فيه ~~، فلا يبقى مملوكا له كسائر الأموال ، ولكنه استحسن فقال : يسلم له ذلك ~~المال إذا أثبت أنه أدخله معه من دار الإسلام . لأن إحرازهم يكون بالقهر ، ~~وذلك إنما يثبت حسا لا حكما ، فإن دار الحرب ليست بدار حكم ومن حيث الحس ~~إنما يتحقق قهرهم فيما يعلمون به دون PageV04P1124 ما لا يعلمون ، وما كان ~~في فمه أو بطنه فلا علم لهم بذلك ، وإذا لم يثبت الملك لهم فيه بطريق القهر ~~، وقد ثبت بالبينة أنه كان مملوكا له في الأصل ، فهو على ذلك الملك ، ولا ~~شركة للجيش معه فما كان في الأصل مملوكا له . فإن قيل : هذا إذا ثبت ما ~~أخبر به أنه كان في بطنه أو في فمه ، قلنا : هو أمين فيما يخبر به مما يكون ~~محتملا ولا يكذبه الظاهر فيه . ذا لم يثبت هناك للمولى القديم حق الأخذ ~~بالقيمة ولا بالثمن فهاهنا أولى . ولو كان المسلم الخارج من دار الحرب ~~أسيرا فيهم ، والمسألة بحالها ، فإن كان خرج إلى دار الإسلام فجميع ما أخرج ~~سالم له ، لأنه ما كان مستأمنا فيهم بل كان مقهورا وكان متمكنا من قتلهم ~~وأخذ أموالهم لو قدر على ذلك فما أحرز من أموالهم يكون طيبا له . وإن كان ~~شيء من ذلك مما أحرزوه من متاع المسلمين فللمالك القديم أن يأخذ منه ~~بالقيمة إن شاء ، لأن حقهم انقطع بإحرازه عليهم واختص هو بملكه فيكون هو ~~بمنزلة ما لو أصاب بسهمه في الغنيمة ، يأخذ مولاه بالقيمة إن شاء . وإن كان ~~جاء به إلى عسكر المسلمين في دار الحرب ، فقال : وهبه لي أهل الحرب ، أو ~~اشتريته منهم لم يصدق ، وكان ما جاء به فيئا لأهل العسكر ، لأن الظاهر ~~يكذبه فيما يقول ، فإنه كان مقهورا فيهم ، وهم لا يعاملون الأسراء بمثل هذه ~~المعاملة عادة ، فلهذا لا يصدق . ويجعل هذا بمنزلة ما لو أخرجه غصبا فيكون ~~فيئا ، لأن أهل العسكر يشاركونه في الإحراز بدار الإسلام ، وتمام القهر به ~~يكون إلا ن يقيم بينة عادلة من المسلمين على ما يدعي ms0647 ، فحينئذ الثابت ~~بالبينة كالثابت بالمعاينة . ولو عايناهم وهبوا له شيئا وخلوا سبيله لم يكن ~~لأهل العسكر معه شركة في ذلك ، لأن الملك يثبت له بطريق المراضاة ، والشركة ~~في المصاب بطريق القهر ، لأن ذلك السبب يتم بقوة الجيش ، فأما تمام الهبة ~~والشراء لا يكون بقوة الجيش . ولو كان الخارج إلى العسكر أسيرا أو مستأمنا ~~، والمسألة بحالها ، ففيما في يد المستأمن القول قبوله فيما يدغي من الهبة ~~والشراء ، إذا حلف على ذلك ، وفيما في يد الأسير لا يصدق هو إلا ببينة من ~~المسلمين ، اعتبارا لحال اجتماعهما بحال انفراد كل واحد منهما . وإن قالا ~~دخلنا بها معنا من دار الإسلام فالمستأمن يصدق فيما في يده مع يمينه ، ~~والأسير لا يصدق سواء أقام البينة أو لم يقم البينة ، لأنهم أحرزوه بدارهم ~~، وأحرزوا ما معه من المال أيضا ، فيملكون بهذا الإحراز ما يكون محلا ~~للتمليك ، ويلتحق هذا المال بالمال الذي كان لهم في الأصل . فإذا أحرزه ~~الأسير بمنعة الجيش كان فيئا ، إلا أن يكون ذلك شيئا يخفى عليهم نحو درة ، ~~قال الأسير : كانت في فمي أو كنت ابتلعتها فكانت في بطني ، فإنه في القياس ~~لا يصدق على ذلك أيضا ، لأنه مال محتمل للتمليك أيضا ، وقد كان معه حين صار ~~مقهورا ، حين تم إحرازهم فيه ، فلا يبقى مملوكا له كسائر الأموال ، ولكنه ~~استحسن فقال : يسلم له ذلك المال إذا أثبت أنه أدخله معه من دار الإسلام . ~~لأن إحرازهم يكون بالقهر ، وذلك إنما يثبت حسا لا حكما ، فإن دار الحرب ~~ليست بدار حكم ومن حيث الحس إنما يتحقق قهرهم فيما يعلمون به دون ما لا ~~يعلمون ، وما كان في فمه أو بطنه فلا علم لهم بذلك ، وإذا لم يثبت الملك ~~لهم فيه بطريق القهر ، وقد ثبت بالبينة أنه كان مملوكا له في الأصل ، فهو ~~على ذلك الملك ، ولا شركة للجيش معه فما كان في الأصل مملوكا له . فإن قيل ~~: هذا إذا ثبت ما أخبر به أنه كان في بطنه أو في فمه ، قلنا : هو أمين فيما ~~يخبر ms0648 به مما يكون محتملا ولا يكذبه الظاهر فيه . ولو كان الخارج إلى العسكر ~~رجلا أسلم في دار الحرب فالقول قوله فيما يقول : إن أهل الحرب وهبوه لي ، ~~أو أنه كان ملكا لي في الأصل ، لنه أمين أخبر بخبر محتمل فيما في يده فيكون ~~الثابت بخبره كالثابت بالمعاينة ، ولو عاينا ذلك كان المال سالما له ولا ~~شركة للجيش معه فيه . وإن قال : قد اغتصبته منهم ، فالمال فيء . لأهل ~~العسكر ، لا يرد على أهل الحرب ، بخلاف المستأمن كان ممنوعا عن الغدر بهم ، ~~وأخذ شيء من المال بغير طيبة من أنفسهم ، فأما الذي أسلم منهم فهو غير ~~ممنوع من ذلك ، لأنه باق فيهم على ما كان في الأصل ، وقبل الإسلام ما كان ~~بعضهم في أمان من بعض ، ولكن كان لا يتعرض بعضهم لبعض لأجل الموافقة في ~~الدين ، فيكون هو فيما يأخذ من أموالهم غصبا بمنزلة الأسير ، فإن قيل : ~~فكان ينبغي ألا يصدق في قوله : وهبوه لي ، كما لا يصدق الأسير في ذلك ، ~~قلنا : إنما لا يصدق الأسير ، PageV04P1125 لأن الظاهر يكذبه فيما يقوله ~~باعتبار كونه مقهورا فيهم ، فأما الذي أسلم منهم في أيديهم فالظاهر غير ~~مكذب له فيما يقول ، لأنه ما كان مقهورا في أيديهم ، وما كانوا يعلمون ~~بإسلامه ، وقبل العلم بذلك ما كانوا قاصدين إلى التعريض له ولماله ، بل ~~كانوا يعاملونه على الوجه الذي يعامل بعضهم بعضا ، فلهذا صدقناه فيما يخبر ~~به . ولو كان هذا الرجل خرج إلى دار الإسلام فجميع ما جاء به سالم له ، ~~لأنه تقرر ملكه بإحرازه بالدار . وإن كان فيما جاء به من متاع المسلم وقد ~~كانوا أحرزوه ، فإان صاحبه يأخذه بالقيمة إن شاء ، لأن تملكه عليهم بالقهر ~~كتملك مسلم آخر إلا أن يكون هو المستولي على ذلك المتاع فحينئذ يكون سالما ~~له لقوله صلى الله عليه وسلم : ' من أسلم على مال فهو له ' ، ولأن حقه قد ~~تقرر بإسلامه ، وقد بينا أن حق المولى القديم إنما يثبت إذا انقطع حق ~~المستولي . يوضحه : الفرق بين هذا وبين الأسير أن المسلمين ms0649 لو ظهروا على ~~الدار قبل أن يخرج الأسير وهذا الذي أسلم ، فإن ما كان من مال الذي أسلم في ~~يده يكون سالما له ، وما كان من مال الأسير يكون غنيمة للمسلمين ، لأن أهل ~~الحرب قد تملكوا ذلك بالإحراز ، فيكون كسائر أموالهم ، فإن قهروا هذا الذي ~~أسلم فيهم واستعبدوه فحاله كحال الأسير في جميع ما ذكرنا . PageV04P1126 ~~ولو أن قوما من الجيش في دار الحرب خرجوا في العلاقة وجاءوا بمتاع فقالوا : ~~اشتريناه من أهل الحرب ، أو وهبوه لنا ، لم يصدقوا ، وكان ذلك فيئا ، لأن ~~الظاهر يكذبهم ، فإنهم محاربون لأهل الحرب ، قصدوهم للغارة عليهم لا ~~للمعاملة معهم ، فإذا أقاموا بينة عادلة من المسلمين على ما قالوا فإن شهد ~~الشهود أن أهل الحرب فعلوا ذلك بهم ، وهم ممتنعون منهم ، فذلك سالم لهم ، ~~لأنه تبين بالحجة أنهم ملكوه بسبب تم المراضاة . فإن قالوا : فعلوا ذلك وهم ~~غير ممتنعين منهم كان ذلك فيئا ، لأنهم لما صاروا غير ممتنعين منهم فقد ~~تثبت اليد بطريق القهر عليهم وعلى ما في أيديهم ، وتثبت الشركة فيه لأهل ~~العسكر ، فلا يتغير ذلك بالهبة منهم بعد ذلك . فإن قالوا : قد كنا آمناهم ، ~~وهم ممتنعون ، ثم فعلوا ذلك بنا لم يصدقوا على ذلك إلا ببينة عادلة ، لأن ~~دعواهم الأمان حين كانوا ممتنعين منهم ، وقد بينا أنهم لا يصدقون في ذلك ~~إلا بحجة ، فكذلك في هذا . فإن شهد لهم بذلك قوم من أهل العسكر فردت ~~شهادتهم لفسقهم كان ذلك فيئا ، لأن الحجة ما قامت لهم فيما ادعوا . ~~PageV04P1127 فإن وقع شيء من ذلك في سهام الذين شهدوا أخذه منهم المشهود ~~لهم ، لأنهم ملكوا ما أقروا بملكه لغيرهم ، ومن أقر بالملك لآخر في عين ثم ~~ملكه بعد ذلك أمر بالتسليم إليه لأن إقراره حجة عليه . ولو قالوا : هذا ~~المتاع مما كان معنا أدخلناه من دار الإسلام حين دخلنا ، فإن كان ذلك مما ~~يشكل على المسلمين ولا يدري لعلهم صادقون فيه ، فالقول قولهم مع إيمانهم ، ~~لأن الظاهر غير مكذب لهم فيما أخبروا به ، فإن الغازي يستصحب طائفة ms0650 من ماله ~~في دار الحرب لحاجته إليه . وإن كان ذلك مما لا يشكل فإنه يكون ذلك من ~~الغنيمة ، لأن الظاهر يكذبهم فيما أخبروا به ، لأن البعير وغيره مما لا ~~يمكن إخفاؤه . ولو كان ذلك معهم قبل أن يخرجوا في العلاقة لعلم المسلمون به ~~، ومن أخبر بما يكذبه الظاهر فيه لم يكن مصدقا ، فإن كان فيما جاءوا به ~~رقيق ، وهم مشكلون ، فإنه يرجع إلى قول الرقيق ، فإن صدقوهم بما قالوا ~~فالقول قولهم ، لأنهم في أيدي أنفسهم فلا بد من الرجوع إلى قولهم إذا زعم ~~هؤلاء أنهم ملكهم أدخلوهم من دار الإسلام ، PageV04P1128 ألا ترى أنهم لو ~~ادعوا ذلك في دار الإسلام كان يجب الرجوع فيه إلى قول الرقيق . وإن قال ~~الرقيق : نحن قوم أحرار من أهل الحرب قد أسرنا هؤلاء ، فالقول قولهم ، وهم ~~فيء لجماعة المسلمين ، لأنهم كذبوهم في دعوى الملك عليهم . ولو كانوا ادعوا ~~ذلك عليهم في دار الإسلام فكذبوهم وزعموا أنهم أحرار كان القول قولهم ، ~~فكذلك إذا ادعوا ذلك عليهم في دار الحرب ، وإذا ثبت بقولهم إنهم أحرار من ~~أهل الحرب كانوا فيئا لجماعة المسلمين ، لأنهم صاروا مقهورين في أيدينا ~~بغير أمان . وإن قالوا : كنا عبيدا لأهل الحرب فأخذنا هؤلاء ، فالقول قول ~~الذين جاءوا بهم ، لأنهم قد أقروا بأنهم أرقاء وأنهم لا يد لهم في أنفسهم ، ~~ولا قول فلا يصدقون على أن يصرفوا ملكهم إلى غيرهم ، بخلاف الأول ، وهو ~~نظير ما لو ادعى على مجهول الحال ، وهو في يده أنه ملكه ، فقال مجهول الحال ~~: أنا عبد لفلان ، فإنه لا يصدق ، والقول قول قول ذي اليد ، ولو قال : أنا ~~حر كان القول قوله في ذلك ، فهذا مثله . PageV04P1129 والذي يوضح ذلك الفرق ~~أن ما أخبروا به لو كان معلوما في الوجهين فوقع للإمام فيهم رأي المن كانوا ~~أحرارا في الفصل الأول ، وكانوا عبيدا في الفصل الثاني يردون على مواليهم ، ~~فيه يتضح الفرق . وإن كان فيهم غلام لم يبلغ ، فإن كان ممن يعبر عن نفسه ~~فالقول قوله كالبالغ ، وإن كان ممن لا يعبر ms0651 عن نفسه فالقول قول الذي في يده ~~مع يمينه ، بمنزلة متاع آخر ، وإن كان مع الصبي أحد أبويه ، وهو معروف بذلك ~~، فإن كان الصبي يعبر عن نفسه ، فالقول قوله في نفسه ، وإن كان ممن لا يعبر ~~عن نفسه فالقول قول والده ، لأنه في يد والده ، وهو تابع له في الحكم ، ألا ~~ترى أنه لا يحكم بإسلامه إذا سببي مع والده . وإن كان ممن يعبر عن نفسه ~~فقال قولا ثم رجع عن ذلك إلى قول آخر ، فالأمر على القول الأول لأنه في ~~القول الثاني مناقض ، ولأنه إن قال أولا : أنا حر ، فقد ثبت فيه حق العسكر ~~، فلا يصدق بعد ذلك في إبطال حق لهم وإن قال : أنا عبد ، فقد تقرر فيه ملك ~~ذي اليد ، فلا يقبل قوله بعد ذلك في إبطال ملكه . ولو قال الذين جاءوا ~~بالمتاع : قد اشترينا في دار PageV04P1130 الحرب من مسلم ، كان مستأمنا ~~فيهم أو أسيرا ، أو كان أسلم منهم ، لم يصدقوا على ذلك إلا بحجة ، لأنهم ~~ادعوا خلاف ما يشهد به الظاهر لأنهم ذهبوا للإغارة لا للمعاملة ، ولأن وجود ~~الذين زعموا أنهم عاملوهم في ذلك الموضع غير ظاهر ، فلا يصدقون إلا بحجة . ~~فإذا أقاموا بينة من المسلمين كان المتاع لهم إن زعموا أنهم اشتروا ذلك ~~المتاع من مستأمن أو ممن أسلم منهم ، لأن ثبوت ذلك بالبينة كالثبوت ~~بالمعاينة . وإن زعموا أنهم اشتروا ذلك من أسير فإن ذلك فيء لأهل العسكر ، ~~لأن المشترين في إخراج هذا المتاع قاموا مقام البائع في الفصلين جميعا . ~~ولو كانوا قالوا : لقينا قوما من المسلمين مستأمنين أو أسراء ، أو اسلموا ~~من أهل الحرب ، فأودعونا هذا ، وأمرونا أن نخرجه إلى دار الإسلام ، فصدقهم ~~الرقيق في ذلك لم يصدقوا ، لأن الرقيق قد أقروا برقهم ، فلا قول لهم بعد ~~ذلك ، والذين جاءوا بهم أخبروا بما لا ظاهر يصدقهم فيه ، فلا يقبل قولهم ~~إلا بحجة . فإن أقاموا بين على ذلك فما كان من وديعة أو PageV04P1131 عارية ~~للمستأمنين أو الذين أسلموا في دار الحرب ، فلا سبيل لأهل العسكر ms0652 عليه ، ~~لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولا شك أن أهل العسكر لا يثبت حقهم ~~في ملك المستأمنين ، وكذلك في ملك الذين أسلم في دار الحرب ، لأن يد مودعه ~~كيده ، فيكون إحرازه في هذا المال أسبق من إحراز المسلمين ، وما كان أودعهم ~~الأسير أو أهل الحرب أو مرتدون في دار الحرب ، فهو فيء كله ، لأن يد المودع ~~وهو بنفسه لو أحرز ذلك بمنعة الجيش كان فيئا ، فكذلك إذا جاء به مودعه إلا ~~في خصلة واحدة ، إن شهد الشهود أنهم آمنوه وهو ممتنع ، ثم أودعهم فحينئذ ~~للمسلمين أن يتعرضوا لشيء من ذلك ، لأنه قد ثبت بالبينة أنه مال مستأمن وهو ~~لو جاء بنفسه مستأمنا إلينا لم يكن لنا أن نعرض لشيء من ماله ، فكذلك إذا ~~جاء به مودعه . وإن كان الأسير من المسلمين آمنه حين دفع ذلك إليهم ، فهو ~~فيء ، لأن أمان الأسير إياه ، وهو مقهور في أيديهم باطل ، فكان وجوده كعدمه ~~، أو يجعل في الحكم كأن الأسير هو الذي جاء بنفسه فأودعهم هذا المال حتى ~~رجع . ولو زعم الذين جاءوا بالمال أنهم غصبوه من مستأمن PageV04P1132 مسلم ~~أو ممن أسلم من أهل دارهم ، أو من حربي ، فقامت البينة على ذلك ، فإن ~~المغصوب من المستأمن مردود عليه ، لأن ماله ليس بغرض التملك بالقهر ~~للمسلمين ، والمغصوب من الحربي فيء ، والمغصوب من الذي أسلم في دار الحرب ~~في قياس أبي حنيفة - رحمه الله - يكون فيئا ، لأن من أصله أن إسلامه يوجب ~~العصمة في نفسه وماله في الآثام دون الأحكام ، ألا ترى أنه لو قتله قاتل لم ~~تلزمه إلا الكفارة إذا كان خطأ ، ولو أتلف ماله إنسان في دار الحرب لم يضمن ~~شيئا ، وكذلك في المعاملة بالربا أو غيره يتبين هذا الحكم . وكذلك لو ظهر ~~المسلمون على الدار فإن عقاره يكون فيئا ، وما ليس في يده من المنقول ولا ~~في يد محترمة قائمة مقام يده فهو فيء أيضا في القضاء ، وإنما لا يكون فيئا ~~ما يكون في يده من المنقول أو في يد مسلم ، أو معاهد ms0653 قد أودعه ، لأنه قد ~~سبق إحرازه باعتبار ملك اليد ، فأما ما يكون في يد غاصب غصبه منه فهو فيء ، ~~وإذا كان ذلك الغاصب مسلما ، أو معاهدا ، لأن يد الغاصب لا تكون كيد ~~المغصوب منه في حكم الإحراز ، فإذا كان هذا هو الحكم فيما غصبه منه مسلم أو ~~معاهد فكذلك فيما غصبه منه الذين لقوه في دار الحرب من المسلمين ، إلا أن ~~يكونوا غصبوا ذلك منه بعدما صار في منعتهم ، فحينئذ يكون مردودا عليه ، ~~لأنه صار محرزا لذلك المال منعتهم ، فكانت يده إليه PageV04P1133 أسبق من ~~يد غيره ، بمنزلة مال في يده حين ظهر المسلمون على الدار ، ثم أخذه منه بعض ~~المسلمين وذلك مردود عليه ، فهذا مثله . وفقهه في هذا كله أن العصمة ~~المقومة إنما يثبت بالإحراز باليد لا بالدين وتمام الإحراز باليد إنما يكون ~~بمنعة المسلمين أو بدارهم ، وبدون هذه العصمة لا يخرج المال من أن يكون ~~محلا للأغنام ، أما على قول محمد - رحمه الله - : فحال الذي أسلم في دار ~~الحرب كحال المستأمن فيهم في ظهور حكم العصمة في ماله ، ولهذا لا تجوز ~~معاملة من عامل معه من المسلمين على وجه الربا وفيما يغضبه الذين خرجوا في ~~العلاقة من المستأمنين لا يثبت حق أهل العسكر ، بل يجب رده عليه ، فكذلك ~~فيما يغصبونه من الذي أسلم في دار الحرب ، وكذلك أيضا إذا ظهر المسلمون على ~~الدار فما في يده من المنقول ، أو ما غصبه من مسلم أو معاهد فهو مردود عليه ~~، إلا ما غصبه منه أهل الحرب فإن هذا يكون فيئا ، لأنهم قد تملكوه عليه ~~بالاستيلاء ، حتى لو أسلموا كان ذلك سالما لهم ، فأما ما أودعه مسلما أو ~~معاهدا أو حربيا ، فإنه لم يملك عليه حتى لو كان أسلم في دار الحرب ، ثم ~~خرج وترك أمواله فلم يعرض له أهل الحرب حتى ظهر المسلمون على الدار فللمسلم ~~جميع ماله ، في قول محمد - رحمه الله - بخلاف ما إذا خرج إلينا بأمان ثم ~~أسلم ثم ظهر المسلمون على ماله فإنه يكون فيئا . PageV04P1134 لأنه لم ms0654 يحرز ~~ماله بإسلامه في دار الإسلام ، فإنه أسلم ولا ولاية له على ماله ، ولا ~~يتحقق الإحراز بدون الولاية والتمكن من المال ، وفي الأول صار محرز المال ~~بإسلامه ، لأنه كان تحت ولايته حين أسلم وكان متمكنا منه . ألا ترى أنه حين ~~أسلم في دارنا فأولاده الصغار الذين في دار الحرب لا يحكم لهم بالإسلام ~~تبعا له ، حتى إذا ظهر المسلمون عليهم كانوا فيئا ، ولكن يجبرون على ~~الإسلام ، لأنهم بعدما حصلوا في دارنا لزمهم حكم الإسلام تبعا للأب . ولو ~~كان أسلم في دار الحرب ، كان أولاده الصغار مسلمين بإسلامه ، حتى إذا وقع ~~الظهور عليهم كانوا أحرارا لا سبيل عليهم ، وبأن لم يجب الضمان على من أتلف ~~ماله في دار الحرب فذلك لا يدل على أنه لا يكون محرزا له بإسلامه كرقبته ~~فإن من قتله عمدا أو خطأ لم يلزمه قصاص ولا دية ، ومع ذلك كان محرزا رقبته ~~بإسلامه حتى لا يملك بالاستيلاء عليه . وكذلك أموال أهل البغي ورقابهم لا ~~يملكوا أهل العدل بالاستيلاء ، وإن كانوا لا يضمنون لو أتلفوا شيئا من ذلك ~~، فالذي مكث في دار الحرب بعد إسلامه لا يكون أعظم جرما من الخوارج وأهل ~~البغي . وأيد جميع ما قلينا قوله صلى الله عليه وسلم : ' أيما رجل أسلم في ~~دار الحرب ثم خرج إلى المسلمين ، ثم اتبعه ماله فهو له ' ، و المراد بماله ~~هاهنا عبده ، فلو لم يكن محرزا له بإسلامه لكان عبده حرا إذا خرج بعده ، ~~كما يكون حرا . PageV04P1135 إذا خرج قبل إسلامه مسلما مراغما له ، والحرف ~~الذي ذكرنا لأبي حنيفة - رحمه الله - يجيب عن كلام محمد - رحمه الله - فإن ~~دفع التملك في الأموال يكون بالإحراز المقوم للمال ، وذلك يكون بالدار لا ~~بالدين ، بخلاف النفوس ، فإنها في الأصل ليست بعرضة التملك ، وإنما تصير ~~عرضة للتملك جزاء على الجريمة ، وبالإسلام تنعدم تلك الجريمة ، ولو كان هذا ~~محرزا لماله بإسلامه لكان المتلف له ضامنا بمنزلة المستأمن في دار الحرب ~~إذا استهلك إنسان ماله ، ومحمد - رحمه الله - فرق بين المستأمن وبين الذي ~~أسلم ms0655 في دار الحرب في استهلاك المال ، كما فرق الكل بينهما في قتل النفس ، ~~فإن قتل المستأمن في دار الحرب يوجب الدية في ماله عمدا قتله أو خطأ ، لا ~~العاقلة لا تعقل ما كان في دار الحرب ، والقود لا يجب باعتبار سبب كان في ~~دار الحرب ، لتمكن الشبهة فيه ، وهذا لأن تقوم الدم والمال يكون بالإحراز ~~بالدار فإن الدين دافع في حق من يعتقد لا في حق من لا يعتقد ، ومنعة الدار ~~دافعة في حق من يعتقد وبدخول المسلم إليهم بأمان لا يسقط سبب إحرازه نفسه ~~وماله بالدار ، والذي أسلم في دار الحرب لو بوجد منه إحراز النفس والمال ~~بالدار ، فباعتبار هذا المعنى يقع الفرق بينهما في حكم الضمان عند ~~الاستهلاك وعلى هذا قال : ولو أن رجلا من أهل العسكر أغار في دار الحرب ~~فأخذ مالا من مال الذي أسلم في دار الحرب ثم إن المسلم المأخوذ ~~PageV04P1136 ماله لحق بالمسلمين ، فذلك مردود عليه قبل القسمة وبعد القسمة ~~بغير شيء ، لأنه بمنزلة المستأمن في أن المسلمين لا يملكون ماله بالاستيلاء ~~، ويمنعون من استهلاك ذلك المال أشد المنع ، إلى أن يأتي صاحبه فيأخذه ، ~~ولو جاء صاحبه إلى عسكر المسلمين ثم استهلك إنسان ذلك المال كان ذامنا له ، ~~لأن صاحبه لما صار في منعة المسلمين فقد تقومت نفسه ، حتى لو قتله قاتل ، ~~فإنه يغرم على الوجه الذي يغرم لو قتل غيره من أهل العسكر فكذلك يغرم ماله ~~بالاستهلاك بخلاف ما قبل لحقوق المسلم بالعسكر فإنه لو قتله قاتل لا يغرم ~~شيئا فكذلك إذا استهلك لم يكن ضامنا ، إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - يقول ~~: المال صار محرزا بمنعة العسكر قبل خروجه فإن كان هذا الإحراز له فينبغي ~~أن يضمن متلفه ما لو أحرز نفسه بها ، وإن لم يكن له فهو إحراز لأهل العسكر ~~، فينبغي أن يكون المال فيئا لهم . والقياس ما ذهب إليه أبو حنيفة - رحمه ~~الله - لا إلا أن محمدا - رحمه الله تعالى - استحسن القول بأن مال المسلم ~~لا يكون فيئا للمسلمين أبدا ms0656 وأشار فقال : قد كان هو مأمورا بأداء الزكاة عن ~~ماله بعد إسلامه ، إذا استجمع شرائطه ، ويرثه المسلمون من ورثته إذا مات ~~فكيف يجتمع حكم الزكاة والتوريث للمسلمين من الورثة وحكم الاغتنام في مال ~~واحد ، PageV04P1137 ولو أن رسولا لإمام المسلمين دخل إليهم فأخذ متاعا من ~~متاعهم غصبا ، أو رقيقا وأخرجه إلى عسكر المسلمين في دار الحرب أخذه الأمير ~~ورده على أهله ، لأن الرسول فيهم كالمستأمن ، وقد بينا هذا الحكم في ~~المستأمن إذا أحرزه بمنعة الجيش فكذلك الرسول . فإن لم يعلم الأمير بذلك ~~حتى قسم بين الغانمين مع الغنائم ثم علم به فإنه يأخذه ويرده ، لأن المعنى ~~الذي لأجله كان الرد مستحقا فيه وهو غدر الأمان لا ينعدم بقسمته . فإن كان ~~أعتقه الذي وقع في سهمه نظر ، فإن كان الذي أخرجه حرا من أحرارهم فعتقه ~~باطل ، ويقال للمعتق : الحق حيث شئت ، لأن باعتبار غدر الأمان الذي كان منه ~~يمنع ثبوت الملك في رقبته ، ألا ترى أنه لو علم بحاله قبل القسمة كان حرا ~~آمنا يخلى سبيله حتى يعود إلى بلاده ، فكذلك إذا علم بعد القسمة أو بعد ~~الإعتاق ، كان باطلا فيما لم يصر مملوكا . PageV04P1138 ولو كان ذلك عبدا ~~من عبيد المشركين فالعتق نافذ من الذي وقع في سهمه ، لأن الإمام ملكه ~~بالقسمة ، وله هذه الولاية ، ألا ترى أنه لو كان عالما بحاله كان له أن ~~يملكه غيره بالبيع ، ويبعث ثمنه إلى مولاه ، فكذلك قبل ان يعلم بحاله إذا ~~ملكه بالبيع أو بالقسمة غيره يكون ذلك تمليكا صحيحا وينفذ العتق من الملك ~~فيه لمصادفته ملكه ، ثم يبعث بقيمته إلى مولاه لمراعاة أمانه . فإذا فعل ~~ذلك وقبض مولاه القيمة لم يترك المعتق يرجع إلى دار الحرب ، لأن ملك المسلم ~~قد تقرر فيه حين انتهى بالعتق ، وقد وصل عوضه إلى دار الحرب فارتفع به حكم ~~غدر الأمان حسبما يرتفع برده إلى دار الحرب . فإن أبى مولاه أن يأخذ قيمته ~~قيل للمعتق : إن شئت فأقم وإن شئت فالحق بأرض الحرب ، لأن رده إلى دار ~~الحرب كان ms0657 مستحقا لأجل ذلك الأمان ولم يبطل ذلك الاستحقاق بعوض قائم مقامه ~~، إلا أنه صار حرا بإعتاق المسلم إياه كما بينا فيكون الرأي إليه في الرجوع ~~إلى دار الحرب . PageV04P1139 ألا ترى أن قبل العتق إذا أبى مولاه أن يأخذ ~~القيمة فإن الأمير ينقض فيه القسمة والبيع ويرده إلى دار الحرب ، فكذلك بعد ~~الإعتاق يكون الرأي إليه في ذلك . # ولو كان الرسول لم يحرزه بمنعة الجيش ولكنه أدخله دار الإسلام فهو له ، ~~ويفتى برده إلى دار الحرب من غير أن يجبره عليه في الحكم ، لأنه بمنزلة ~~المستأمن إليهم ، وإنما أخفر بذمته خاصة . فإن لم يرده ولكن باعه كان بيعه ~~جائزا مكروها سواء كان الذي أخرجه حرا منهم أو مملوكا ، ذكرا كان أو أنثى ، ~~لأنه تم إحرازه له وهو محل للتمليك ، فيصير مملوكا له ، بخلاف ما سبق فهناك ~~ولاية الأمير في رده إلى دار الحرب ثابتة فذلك يمنع تمام الإحراز فيه . فإن ~~أعتقه الذي أخرجه أو الذي اشتراه منه نفذ عتقه لمصادفته ملكه ، وله أن يرجع ~~إلى دار الحرب إن شاء ، لأن رده كان مستحقا شرعا ، ولهذا كان هو مأمورا ~~برده قبل الإعتاق ، إن لم يكن مجبرا عليه في الحكم ، فإذا صار المعتق مالكا ~~أمر نفسه فله أن يرجع إلى دار الحرب . PageV04P1140 ولو كان دبره أو كاتبه ~~أو كانت أمة فاستولدها فأرادت أن ترجع إلى دار الحرب لم يمنعها المسلمون من ~~ذلك وإن منعها مولاها لم يحل المسلمون بينه وبين ذلك ، لأن ملكه قائم بعد ~~هذه التصرفات ، بخلاف ما بعد الإعتاق ، فهناك لم يبق له عليها ملك ، فيكون ~~هو ظالما في منعها وعلى المسلمين أن يمنعوه من الظلم . وإن أرادت أن تذهب ~~بولدها لم تترك ، وذلك لأن ولدها مسلم على دين أبيه . وصار حاصل هذه ~~المسائل أن في كل موضع وصل العرض إلى المولى في دار الحرب ، فإنه لا يبقى ~~للمعوض حق الرجوع إلى دار الحرب بحال ، وفي كل موضع لم يصل عوضه إلى دار ~~الحرب فإنه يكون متمكنا من الرجوع إلى دار ms0658 الحرب إلا أن مالكه إذا منعه ففي ~~كل موضع هو مجبر على دره في الحكم لا يلتفت إلى منعه ، وفي كل موضع لا يجبر ~~على رده في الحكم فإنه لا يعرض له فيما يحدث من المنع إبقاء لملكه ، فأما ~~بعد زوال ملكه فلا حق له في المنع وهو في ذلك كغيره من الناس ، والله أعلم ~~. PageV04P1141 # | باب قسمة الغنائم # وإذا قسم الأمير غنيمة فبقي منها شيء يسير لا يستقيم أن يقسم لكثرة الجند ~~وقلة ذلك الشيء ، فإن الإمام يتصدق بذلك على المساكين ، ولا يجعله في بيت ~~مال المسلمين ، وقد أشار قبل هذا في تعليل بعض المسائل أن يجعل ذلك في بيت ~~المال وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع ، فموضوع المسألة هناك فيما إذا ~~لم يأخذ الخمس من ذلك الشيء أصلا ، حتى لم يكن داخلا تحت القسمة وموضوع ~~المسألة هاهنا فيما إذا أخذ الخمس من جميع الغنيمة أو لا ، ثم بقي شيء يسير ~~مما هو نصيب الجند ، وهذا قد دخل تحت القسمة وصار حقا للجند خاصة ، فإذا ~~تعذر إيصاله إليهم كان بمنزلة اللقطة في يد الإمام ، فسبيله التصدق به ، ~~إلا أن في اللقطة يعرفها سنة لأنه على رجاء من أن يأتي صاحبها فيتمكن من ~~ردها عليه ، ولا يرجو مثل ذلك هاهنا ، فلا معنى لتأخير التصديق به أو ~~الاشتغال بتعريفه ، فلهذا يتصدق به في الحال . ولو أن قوما أتوا صاحب ~~المقاسم وقالوا : إن منازلنا بعيدة ، ولسنا نقدر على المقام إلى أن تقسم ، ~~فأعطنا حصصنا من الغنيمة على الحزر والظن ، وأنت في حل ، فأعطاهم وذهبوا ، ~~PageV04P1142 ثم تبين بالقسمة أن حصة القوم كانت بأكثر مما أخذوا ، فإن ما ~~تبقى من فضل نصيبهم في يد صاحب المقاسم يكون بمنزلة اللقطة ، فإما أن ~~يتركها الإمام في يده أو يأخذها فيعرفها حولا ويخبر بذلك المسلمين ، لعل ~~ذلك ينتهي إلى أهلها ، لأن هذا الفضل معلوم أنه حق الذين غابوا ويرجى ~~حضورهم إذا انتهى الخبر إليهم . فيكون حكمه كحكم اللقطة في التعريف ثم ~~التصديق به بعد مضي مدة التعريف ، والرأي في ms0659 ذلك إلى الأمير ، لا إلى صاحب ~~المقاسم ، لأن الأمير إنما ولاه القسمة فقط ، وقد انتهت ولايته بإتمام ~~القسمة فيكون هو كغيره من الناس فيما يجعله الأمير في يده من نصيب بعض ~~الغانمين لا يتصدق به . إلا أن يأذن له الأمير في ذلك ، وإن تصدق به بغير ~~إذن الأمير كان للأمير أن يضمنه ذلك ، لأنه وصل إلى يده من جهته فإذا باشر ~~فيه فعلا سوى ما أمر به كان خائنا ضمانا في حق من أعطاه ذلك بمنزلة المودع ~~إذا أتلف المال فإنه يكون للمودع أن يضمنه قبل أن يحضر صاحبه ، وإن أخذ ~~الأمير منه ذلك وتصدق به كان جائزا . PageV04P1143 فإن حضر أصحابه بعد ذلك ~~كان لهم أن يضمنوا الأمير مثل ذلك من ماله ، ولا يرجع به الأمير في بيت مال ~~المسلمين ، لأن حاله في ذلك كحال الملتقط إذا تصدق باللقطة ثم جاء صاحبها ~~فإنه يتخير بين الأجر والضمان فهذا مثله وإنما لم يرجع الأمير به في بيت ~~المال ، لأن تصدقه به لم يكن على وجه الحكم ، وإنما كان على وجه تصدق ~~الملتقط باللقطة ، ولو كان على وجه الحكم لم يتصدق به أبدا ، ولكن بعزله في ~~بيت مال المسلمين وحتى يأتي صاحبه فيأخذه أو يبقى في بيت مال المسلمين أبدا ~~، فعرفنا أنه إنما تمكن من التصدق به ، لا على وجه الحكم ، وفيما يفعله ~~يرجع لا على وجه الحكم لا يكون عاملا للمسلمين ، فإذا لحقه فيه ضمان لا ~~الأمير في بيت مالهم . فإن رأى الإمام أن يستقرضه للمساكين ويقسمه بينهم ~~على هذا الوجه فهو جائز منه ، لأنه في هذا الاستقراض ناظر لأصحاب هذا المال ~~وللمساكين ، وهو منصوب للنظر . PageV04P1144 فإن جاء له طالب بعد هذا رجع ~~فيما في يده من أموال المساكين ، حتى يدفع ذلك إلى طالبه ، لأن تصرفه نفذ ~~عن ولاية ، والأمير في هذا كالقاضي إذا وصلت اللقطة إلى يده فكما أن تصدقه ~~هناك لا يكون على وجه الحكم حتى إذا صاحبه ضمنه ولم يرجع بشيء مما يضمن على ~~أحد فكذلك حال الأمير ms0660 ، لأن الخليفة هو الذي ولاه فهو فيما ولاه الخليفة ~~كالقاضي ، بخلاف صاحب المقاسم فإن ما فعل ليس من الصدفة في شيء لأنه ما ~~ولاه لأخذ ذلك . ولو أن جندا عظيما أصابوا غنائم بسيرة فأخرجوها ثم تفرقوا ~~لقلة غنائمهم وبقي بعضهم فإن الأمير يعطي من بقي حصته ويقف حصة الباقين سنة ~~، لأنه دخل تحت الغنيمة ، فيكون بمنزلة اللقطة في يده ، والحكم فيه مثل ما ~~بينا فيما سبق . وإن أراد أن يمضي فيه ما هو الحكم حقيقة ، فليضعه في بيت ~~المال موقوفا ويكتب عليه أمره ، ولمن هو وما قضيته ، فيكون في بيت المال ~~أبدا إلى أن يحضر طالبه وكذلك يصنع باللقطة إذا أراد أن يصنع ما هو الحكم ~~فيه حقيقة ، PageV04P1145 لأن جواز التصدق بعد التعريف باللقطة رخصة فأما ~~العزيمة فهو الكف عن مال الغفير وحفظه عليه إلى أن يأتي هو أو وارثه فيأخذه ~~. وإن كان شيئا مما يخاف عليه الفساد باعه ، ووقف ثمنه ، لأن حفظه لا يتأتى ~~إلا بهذا الطريق ، ثم هذا البيع يكون منه على وجه الحكم ، حتى إذا حضر ~~صاحبه لم يكن له أن يضمنه قيمته بخلاف التصدق به ، فإن بيعه تقرير لما هو ~~الحكم فيه ، وهو حفظ المالية على صاحبه بحسب الإمكان ، فإن التصدق به لا ~~يكون تقريرا لحفظ المالية عليه ، ولكنه إيصال لثوابه إليه إن رضي به ، ~~فلهذا لم يكن ذلك واقعا منه على وجه الحكم . ولو أن رجلا غل شيئا من ~~الغنائم ثم ندم ، فأتى به الإمام بعد القسمة وتفرق الجيش ، فللأمام في ذلك ~~رأي إن شاء كذبه فيما قال ، وقال : أنا لا أعرف صدقك ، وقد التزمت وبالا ~~بزعمك ، وأنت أبصر فيما التزمه ، حتى توصل الحق إلى مستحقه ، وإن شاء أخذ ~~ذلك منه وجعل خمسه لمنسمى الله - تعالى - ، لأنه وجد المال في يده وصاحب ~~المال مصدق شرعا فيما يخبر به من حال من في يده ، وباعتبار صدقه خمسه ~~لأرباب الخمس فيصرف إليهم والباقي PageV04P1146 يكون بمنزلة اللقطة في يده ~~، إن طمع في أن يقدر على أهله فالحكم فيه ms0661 ما ذكرنا ، وإن لم يطمع في ذلك ~~قسمه بين المساكين إن أحب ، وإلا جعله موقوفا في بيت المال وكتب عليه أمره ~~وشأنه ، ولو أن صاحب الغلول لم يأت به الإمام ، ولكنه تاب من الغلول ، وهو ~~في يده ، فإن لم يطمع في أن يقدر على أهله ، فالمستحب له أن يتصدق به ، وإن ~~طمع في ذلك فالحكم فيه ما هو الحكم في اللقطة في جميع ما ذكرنا ، ودفعه ذلك ~~إلى الإمام أحب إلي كما هو الحكم في القطة أيضا ، وبعد ما دفعه إليه ~~فالإمام بالخيار في تصديقه ، إلا أنه ينبغي له ألا يدع الخمس في يده ، لأنه ~~قد أقر أن خمس ما في يده لمن سمى الله - تعالى - في كتابه ، وإقراره فيما ~~في يده صحيح في حقه ، فينبغي له أن يأخذ الخمس منه ، ويصرفه إلى المصارف ، ~~حتى لا يكون مضيعا حق أرباب الخمس ، والله أعلم . PageV04P1147 # | باب الحكم في الأساري عبيدهم وأحرارهم في أمورهم # حكم الأساري بعد الأخذ قبل القسمة حكم العبيد قبل الإحراز ويعد الإحراز ، ~~لأن الرق قد ثبت فيهم بالقهر ، وإن لم يتعين الملك ، فإن الرق عبارة عن ~~الضعف ، وقد كان الضعف موجودا فيهم قبل الأخذ ، باعتبار أنهم عرضة للتملك ~~لكنه كان لا يظهر ذلك للقوة الموجودة من طرريق الحس باعتبار المنعة وقد زال ~~ذلك بالأسر ، فثبت الرق فيهم . وإن توقف ثبوت الملك على القسمة أو البيع ~~حتى وجد قتيل من المسلمين فشهد منهم نفر على رجل منهم أنه قتله بالسيف عمدا ~~فإن شهادتهم لم تقبل ، لأن الرقيق ليس من أهل الشهادة ، فإنها نوع ولاية ~~والرق يعدم الولاية . ولكن للإمام أن يقتل المشهود عليه ، لأنه أسير لا ~~أمان له ، حتى إذا قسمه أو باعه لم يكن له أن يقتله بعد ذلك ، كما لو لم ~~يشهد عليه الشهود بشيء . PageV04P1148 ولو شهدوا على امرأة منهم بذلك لم ~~يقبلها الإمام ، لأنه لا شهادة لهم عليها ، فيكون حالها بعد هذه الشهادة ~~كحالها قبلها وواضح هذا بما نقل عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن واحدا ms0662 من ~~الجند لو أعتق منهم نصيبه من عبد أو أمة أو استولدها فإن ذلك ينفذ في ~~القياس ولا ينفذ في الاستحسان ولو لم يثبت الرق فيهم لم يكن للقياس ~~والاستحسان في نفوذ العتق والاستيلاد لهم معنى ولو ظهر الإمام على دار أهل ~~الحرب فصيرها دار الإسلام فهو بالخيار بين أن يخمسها ويقسمها بين الغانمين ~~وبين أن يمن على أهلها ، فيجعلهم ذمة يؤدون الجزية عن جماعتهم ، والخراج عن ~~أراضيهم ، كما فعله - رضي الله تعالى عنه - بالسواد فإن لم يفرق له فيهم ~~رأي حتى شهد بعضهم على رجل منهم أنه قتل امرأة منهم عمدا أو خطأ ثم فرق له ~~فيهم أحد الرأيين فشهادتهم الأولى باطلة ، لأنهم شهدوا وهم بمنزلة العبيد ~~لكونهم مقهورين . وإن عادوا تلك الشهادة فإن كان الإمام قد قسمهم لم تقبل ~~شهادتهم أيضا ، لأن الملك قد تعين فيهم بالقسمة . PageV04P1149 وإن من ~~عليهم قبل شهادتهم الثانية ، لأنه قد تقرر فيهم حكم الحرية بالمن عليهم ، ~~فقد جعلهم أحرارا الأصل والعبد إذا شهد في حال رقه فردت شهادته ثم أعادها ~~بعد الحرية وجب قبولها ، ثم يغرم القاتل الأقل من قيمته ومن قيمة المقتولة ~~في ماله ، فيكون ذلك لأوليائها على القاتل عمدا كان أو خطأ ولا قود في ذلك ~~لبقاء شبهة الهدر في دمها حين قتلها ولاشتباه المستحق للقود حين قتلها ~~ولاشتباه المستحق للقود حين قتلها لتردد حالها ، ثم حال القاتل والمقتول ~~عند القتل كحال المكاتب فإن كل واحد منهما رقيق متردد الحال بين أن يتقرر ~~الملك فيه بالقسمة أو الحرية بالمن فيكون كالمكاتب والمكاتب إذا قتل مكاتبا ~~على وجه العمد لا يجب فيه القود ، فإنه يجب فيه الأقل من قيمة القاتل ومن ~~قيمة المقتول ، ويكون ذلك في كسب القاتل لورثة المقتول إذا حكم بحريته ~~بأداء بدل الكتابة ، فكذلك هاهنا ، وكذلك لو أن أحدهم قتل حرا من المسلمين ~~خطأ فإن قسمهم الإمام دفع به وإن جعلهم ذمة غرم القاتل قيمته لأولياء ~~المقتول ، كما هو الحكم في المكاتب يقتل حرا خطأ . وإن كان المقتول رجلا ms0663 ~~منهم فلا شيء على قاتله ، لأن دمه حلال ومن أراق دما حلالا لم يجب عليه ~~الضمان . PageV04P1150 ولو أسلم منهم قوم قبل أن يفرق له فيهم رأي فشهدوا ~~بشهادة لم تجز شهادتهم على أحد ، لأن الرق الذي ثبت فيهم بالقهر لا يزول ~~بالإسلام ، ألا ترى أن للإمام أن يقسمهم ، فحالهم كحال مكاتب مسلم ، شهد ~~بشهادتهم ، وإذا رد الإمام شهادتهم ثم جعلهم في أراضيهم ، يؤدون عنها ~~الخراج فذلك جائز ، لأنه كان له فيهم هذا الرأي قبل أن يسلموا ، فبعد ~~الإسلام أولى فإن قيل : كيف يضع الخراج على أراضيهم والمسلم لا يبتدأ ~~بالخراج . ألا ترى أنه لو قسمها بين الغانمين لم يجعل عليهم الخراج في ~~الأراضي ولكن يجعلها أرض عشر لأن أهلها مسلمون ، قلنا : لأنه إذا أولى فإن ~~قيل : كيف يضع الخراج على أراضيهم والمسلم لا يبتدأ بالخراج . ألا ترى أنه ~~لو قسمها بين الغانمين لم يجعل عليهم الخراج في الأراضي ولكن يجعلها أرض ~~عشر لأن أهلها مسلمون ، قلنا : لأنه إذا قسمها فقد ملكها الغانمين ابتداء ~~فكان هذا توظيفا على المسلم ابتداء في أرضه فأما إذا من بها على أهلها فقد ~~قرر ملكهم فيها على ما كان ، وقد كان ثبت له حق توظيف الخراج على هذه ~~الأراضي في ملك أهلها قبل أن يسلموا ، فيكون هذا إبقاء لما ثبت من الحق ، ~~وإبقاء الخراج في أرض المسلم مستقيم . ألا ترى أنه لو وظف عليهم الخراج ثم ~~أسلموا بعد ذلك فإنه يسقط عنهم خراج الرءوس ، ولا يسقط عنهم خراج الأراضي ، ~~فكذلك هذا ، فإن أعادوا تلك الشهادة قبلها الإمام ، لأن حريتها قد تقررت ، ~~وهو بمنزلة ما لو قسمها ، ثم أعتقهم الموالي فأعادوا تلك الشهادة . ~~PageV04P1151 فإن أسلم بعضهم قبل أن يفرق له فيهم الرأي وفيمن أسلم رجل له ~~أب مسلم من أهل دار الإسلام ، فمات أحدهما ، ولا وارث له غير صاحبه ، ثم ~~رأى أن يجعلهم ذمة فإن كان الميت غير الأسير منهما لم يرثه الأسير وإن كان ~~الميت هو الأسير منهما ورثه المسلم الآخر . لأن الأسير بمنزلة المكاتب ms0664 ~~لتردد حاله بين الرق والحرية والمكاتب لا يرث أحدا ، ويرثه قريبه المسلم ~~إذا حكم بحريته بعد موته بمنزلة مكاتب يموت عن وفاء فيؤدي كتابته ويحكم ~~بحريته . وإن كان أحد الأسراء الذين أسلموا مات ، ووارثه أسير في المسلمين ~~أيضا ، فرأى الإمام أن يمن عليهم ، فإنه يجعل مال الميت ميراثا لوارثه ~~المسلم ، لأنه تقرر حكم الحرية في الوارث والموروث باعتبار سبب واحد فهو ~~بمنزلة مكاتب يموت ، وله مولود في كتابته ، ثم يؤدي كتابته بعد موته ، ~~بخلاف ما سبق فهناك حين مات الذي هو من أهل دار الإسلام فحريته حين مات ~~متقررة ، والأسير متردد في الحال فلا يمكن تورثته عنه ، وإن ظهرت حريته بعد ~~ذلك . PageV04P1152 لأن حكم التوريث في ذلك المال يتقرر بنفس الموت ، ~~وهاهنا الميت كان متردد الحال عند الموت كالوارث ، فإنما يتقرر حكم الحرية ~~فيها وحكم الإرث في المال في وقت واحد . فإن قيل : في المكاتب الحرية تستند ~~إلى حالة الحياة ، أو يجعل هو كالحي حكما إلى وقت أداء بدل الكتابة ، ولا ~~يمكن تحقق ذلك المعنى هاهنا ، فكيف يجري الإرث بينهما ؟ قلنا : ذلك المعنى ~~هاهنا أظهر ، لأن هاهنا إذا جعلهم ذمة فقد قرر فيهم حرية كانت ، وهناك عند ~~الأداء ثبتت حرية لم تكن حرية لم تكن موجودة قط في المكاتب ، فإذا صح أن ~~يجعل حيا حكما لإثبات الحرية فيه ابتداء لحاجته إليه ، فلأن يصح ذلك هاهنا ~~لتقرير حكم الحرية فيه كان أولى ، وكذلك إن كان له ورثة مسلمون من أهل ~~دارنا مع هذا الأسير ، فالميراث بينهم بالحصص ، بمنزلة المكاتب يموت ، وله ~~ولد حر وولد مولود في الكتابة . ولو أن مسلما قتل رجلا من الأسراء الذين ~~أسلموا عمدا أو خطأ ، ثم جعلهم الإمام ذمة ، فإن القاتل يغرم قيمته إن كان ~~عمدا ، ففي ماله وإن كان خطأ فعلى عاقلته ، لأن صفة الحل في دمه قد زالت ~~بإسلامه ، وهو بمنزلة المكاتب إلا أنه لا يجب القود على القاتل لاشتباه ~~المستحق فإن الإمام إن يجعلهم ذمة كان المستحق ورثته ، وإن بدا له القسمة ~~لم يكن ms0665 لورثته حق في استيفاء القود فلاشتباه المستحق لا يجب القود ولكن تجب ~~قيمته في ماله إن كان عمدا وعلى عاقلته إن كان خطأ ويكون ذلك ميراثا لجميع ~~ورثته ، لأن بدل نفسه بمنزلة سائر أملاكه في التوريث . PageV04P1153 فإن ~~مات بعض ورثته الذين هم من أهل دار الإسلام بعده ومات بعض ورثته من الأسراء ~~بعده ، ثم جعلهم الإمام ذمة فإن ما تركه الأسير الأول يرثه ورثته من ~~الأسراء ، وممن هو من أهل دارنا ، لأنه كان حيا عند موته ، وبعدما حكم ~~بحريته يستند الإرث إلى ذلك الوقت . ولا يرث الأسير الذي مات آخر ممن هو من ~~أهل دارنا ، ولا يرثه أيضا من هو من أهل دارنا ، لأن من هو أهل دارنا قد ~~مات قبله ، فكيف يرثه ؟ والأسير وإن كان حيا عند موته ولكنه كان متردد ~~الحال بين الرق والحرية فلا يرث شيئا ممن هو متيقن الحرية عند موته ، وهو ~~نظير مكاتب مات عند وفاء ، وترك ابنا حرا أو ابنا مولودا في الكتابة ، ثم ~~مات ابنه الحر عن مال ، ثم مات المولود في الكتابة عن مال ، ثم أديت كتابته ~~، فإن بقي من كسب الأب يرثه الابنان جميعا ، ولا يرث واحد من الابنين من ~~صاحبه لما بينا . ولو أن بعض الأسراء كاتب عبدا له فإن تصرفه موقوف ، ~~PageV04P1154 لأن ملكه متردد بين أن يسلم بالمن وبين أن يبطل بالقسمة ~~فيتوقف تصرفه لتوقف ملكه ، فإن قيل : لماذا لم يجعل بمنزلة المكاتب في ~~تصرفه في كسبه ؟ قلنا : لأن هناك المولى جعله أحق بكسبه وأطلق عنه الحجر في ~~التصرف في كسبه ، وهاهنا الحجر بسبب القهر ثابت في كسبه كما هو ثابت في ~~نفسه فلهذا يتوقف تصرفه في كسبه ، فإن جعلهم الإمام ذمة نفذ تصرفه . فإن ~~كان المكاتب أدى إليه الكتابة ، ثم جعلهم ذمة فإن كانت المكاتبة في يد ~~المولى لم يستهلكها فهو حر ، لأن حكم قبضه كان موقوفا وقد نفذ ذلك بالمن . ~~ألا ترى أن يسلم له المقبوض فيجعل ذلك بمنزلة ما لو استوفاه منه بعد المن ~~فيحكم بعتقه ms0666 . وإن كان قد استهلك المقبوض لم يعتق المكاتب إلا بأداء المال ~~مرة أخرى ، لأن الكتابة إنما نفذت بعد المن ، ولا بد من قبض بدل الكتابة ، ~~بعد نفوذ العقد حقيقة أو حكما ، ولم يوجد ذلك ، فإن حكم التوقف لا يبقى في ~~المقبوض بعد الاستهلاك ، لأنه فات لا إلى بدل ، فإنه غير مضمون على القابض ~~، سواء قسمهم الإمام أو جعلهم ذمة . PageV04P1155 وإن كان أعتق العبد أو ~~دبره أو تصدق به ، ثم جعلهم الإمام ذمة فجميع ما صنع من ذلك باطل ، لأنه ~~كان بمنزلة المكاتب أو دونه في حكم التصرف وجهة البطلان في هذه التصرفات من ~~المكاتب متعين ، لأنها تعتمد حقيقة الملك ، وليس له بحقيقة الملك فيما في ~~يده ، فكذلك من الأسير ، بخلاف البيع والكتابة . ولو ظهر الإمام على دارين ~~من أهل الحرب فلم يقسمهم ولم يجعلهم ذمة حتى مات بعضهم ، وترك ورثة من أهل ~~داره وورثة من أهل الدار الأخرى ، ثم جعلهم الإمام ذمة ، فيمراث الميت ~~لورثته من أهل داره خاصة ، لأن أهل الدارين من أهل الحرب لا يتوارثون فيما ~~بينهم ، لانقطاع الولاية بتباين المنعة فيما بينهم ، وهذا المعنى يبقى إلى ~~أن يجعلهم الإمام ذمة ، أو يقسمهم . وإنما حالهم في هذا الوجه كحال ~~المكاتبين ، هم إخوة ومكاتبتهم واحدة ، ولبعضهم ابن مكاتبته على حدة ، فمات ~~الأب عن مال ثم أدى ابنه فعتق ثم أديت مكاتبة الميت فإن إخوته يرثونه دون ~~ابنه ، لأن الابن كان مكاتبا على حدة ، فلا تستند ما استندت إليه حرية أبيه ~~، فكذلك ما سبق من أهل دارين مختلفين . PageV04P1156 وإن كان الإمام صيرهم ~~ذمة قبل موت الرجل توارثوا جميعا ، لأنهم جميعا من أهل دار الإسلام . وإن ~~صير من إحدى الدارين ذمة ، ثم مات رجل من أهل الدار الأخرى ثم صيرهم ذمة ~~بعد ذلك ، ورث الميت جميع ما ورثته من أهل الدارين ، أما من كان الميت من ~~أهل داره فغير مشكل ، وأما من كان من أهل الدار الأخرى فلأنهم صاروا أحرارا ~~من أهل دارنا قبل موته فيرثونه ، والله تعالى أعلم . PageV04P1157 # # | باب الشركة ms0667 في الغنيمة # وإذا بعث الإمام سرية من دار الإسلام إلى حصن وسرية أخرى إلى حصن آخر ، ~~فدخلت السرية الأولى وظفروا بأهل حصنهم ، وغنموا أموالهم ، ثم مرت بهم ~~السرية الأخرى وظفروا بأهل حصنهم وغنموا أموالهم ، ثم لم تلتق السريتان بعد ~~ذلك ، حتى خرجتا إلى دار الإسلام ، فجميع ما غنمت السرية الأولى يشترك فيها ~~السريتان ، وما غنمت السرية الثانية فهو لهم خاصة . لأن السرية الثانية حين ~~التقت بالسرية الأولى في دار الحرب بعد إصابة الغنيمة ، فقد ثبت لهم في ~~الشركة في المصاب ، لأنهم بمنزلة المدد لهم ، ثم لا تبطل تلك الشركة ~~بإمعانهم في دار الحرب ، وخروج السرية الأولى قبلهم إلى دار الإسلام ، وما ~~أصابت السرية الثانية فهم الذين تفردوا فيها بالإصابة والإحراز ، وما لقيهم ~~السرية الأولى بعد هذه الإصابة في موضع من دار الحرب فلا يشاركونهم فيها . ~~ولو كانوا التقوا جميعا في دار الحرب اشتركوا في جميع الغنائم ، ~~PageV04P1158 لأنهم اشتركوا في إحرازها بدار الإسلام ، فيجعل كأنهم اشتركوا ~~في الإصابة في حق كل غنيمة . ولو كانت السرية الثانية لم يبعثها الإمام ~~تقاتل الروم ، ولكنه بعثهم يقاتلون عدوا غير الروم وطريقهم في ارض الروم ، ~~والمسألة بحالها ، لم يشرك بعضهم بعضا فيما أصابوا هاهنا ، بخلاف ما تقدم ، ~~ويستوي إن التقوا في دار الحرب أو لم يلتقوا ، لأن السرية الثانية هاهنا ما ~~قصدوا قتال الروم ، فلا يكونون في حكم المدد للسرية المبعوثة لقتال الروم ، ~~بل كل سرية في حق ما أصابت السرية الأولى ، بمنزلة التجار في أرض الحرب ، ~~فلا يشرك بعضهم بعضا في المصاب ، وإن التقوا في دار الحرب ، وفي المسألة ~~الأولى قصد كل سرية قتال أهل الدار التي تقاتلها السرية الأخرى ، فكان ~~بعضهم مددا لبعض إذا التقوا في دار الحرب ، وهذا لأن أهل الدار الواحدة إذا ~~قهر بعضهم بظهر أثر ذلك القهر في حق الباقين منهم ، وأهل الدارين المختلفين ~~لا يصير بعضهم مقهورين بقهر البعض ، وربما يزدادون قوة بذلك . فإذا بعثت ~~السريتان لقتال أهل دار واحدة ، يمكن جعل إحداهما مددا للأخرى ، باعتبار أن ~~قصد كل ms0668 واحدة منهما قهر أهل تلك الدار ، وذلك لا يتأتى فيما إذا بعثت كل ~~واحدة لقتال أهل دار أخرى ، فإذا التقت السريتان في دار PageV04P1159 الحرب ~~بغنائم ، فلقوا جندا من الروم فقاتلوهم عن غنائمهم فهزموا أهل الروم ~~وأصابوا غنائم ثم خرجوا اشتركوا في جميع ذلك ، لأن المال صار محرزا بقتالهم ~~ونصرتهم جميعا ، وحالهم الآن كحال التجار إذا لحقوا بالجيش في دار الحرب ، ~~وقاتلوهم معهم دفعا عن الغنائم فإن قيل : كان ينبغي ألا يكون للسرية الأولى ~~شركة مع السرية الثانية ، فيما أصابوا من غير الروم ، لأنهم أخرجوا ذلك من ~~الدار التي أصابوا فيها ، قبل أن تلحق بهم السرية الأولى ، فلا يشاركونهم ~~فيها بمنزلة ما لو التحق المدد بالجيش بعد الإحراز بدار الإسلام ، ثم ~~قاتلوا معهم العدو دفعا عن تلك الغنائم ، قلنا : لا كذلك ، فإن حقهم لا ~~يتأكد في المصاب بالإخراج إلى تلك الدار ما داموا في دار الحرب ، وإنما ~~يتأكد حقهم بالإحراز بدار الإسلام ، وهذا لأن حكم اختلاف الدار فيما بينهم ~~، فأما في حق المسلمين الكل في حكم واحد ، لأن حق المسلمين إنما يتأكد إذا ~~تم السبب ، وذلك بأن يصيروا قاهرين يدا ودارا ، وهذا المعنى لا يحصل ، وإن ~~أخرجوها إلى دار حرب أخرى ، ما لم يحرزوها بدار الإسلام . ألا ترى أن ~~الإمام لو بعث جندا إلى عدو خلف الروم ثم عمى عليهم خبرهم فبعث جندا آخر في ~~طلبهم لنصرتهم ، فوجودهم في أرض الروم ومعهم الغنائم قد جاءوا بها من ~~الموضع الذي بعثوا إليه ، فإنهم يشاركونهم فيها للمعنى الذي قلنا ، فكذلك ~~ما سبق . PageV04P1160 ولو بعث سرية إلى أرض الروم ، فأصابوا فيها غنائم ، ~~ثم بعث سرية أخرى ، إلى عدو خلف الروم ، فلقوا السرية الأولى ، وحضر الشتاء ~~فلم يقدروا على الذهاب ، وكتب إليهم الإمام يأمرهم بالرجعة مع أصحابهم ، ~~وبنصرتهم ، فخرجوا جميعا بغنائم السرية الأولى ، فلا شركة للسرية الثانية ~~معهم في ذلك ، لأنهم ما دخلوا لنصرتهم ، فكانوا كالتجار في حقهم ، إلا أن ~~يلقوا قتالا بعد انصرافهم ، قبل أن يخرجوا فحينئذ يشاركونهم فيها بمنزلة ~~التجار . وهذا بخلاف ما ms0669 لو كانت السرية الثانية مبعوثة إلى ناحية من الروم ~~أيضا ، لأن هناك كل واحدة م السريتين إنما بعثت لقتال الروم ، فكانت كل ~~واحدة في حكم المدد للأخرى ، سواء علموا بمكانهم أو لم يعلموا . فإذا ~~التقوا في دار الحرب كلنوا شركاء فيما أصابوا ، ولو بعث الإمام سرية ~~فأصابوا غنائم فخلفوا معها إناسا ، ومضوا أياما فأصابوا غنائم ، ودخلت سرية ~~أخرى فأخذت الغنائم التي خلفوها ، وخرجوا إلى دار الإسلام ، ثم ~~PageV04P1161 أقبل الذين أتوا بالغنائم الأخرى حتى خرجوا بها إلى دار ~~الإسلام فإن الغنيمة الأولى تشترك فيها السريتان جميعا ، لأن السرية الأولى ~~أصابوها والثانية أحرزوها بدار الإسلام . فأما الغنيمة الأخرى فهي للذين ~~مضوا خاصة ، لا شركة فيها للسرية الثانية ، ولا لأصحابهم الذين كانوا ~~تخلفوا مع الغنائم الأولى ، لأنهم هم الذين أصابوها وأحرزوها بالدار ، لم ~~يشاركهم في شيء من ذلك غيرهم . ولو بعث الإمام سرية فأصابوا غنائم ، ثم ~~أسلم رجل في دار الحرب ، فقتل قوما منهم ، وأخذ أموالهم ، والتحق بالسرية ، ~~ثم خرجوا إلى دار الإسلام ولم يلقوا قتالا ، فللسرية شركة مع الرجل فيما ~~أصاب ، لأنه أحرزه بمنعتهم ، وشاركوه في إحراز ذلك بدار الإسلام . ولا شركة ~~للرجل مع السرية فيما أصابوا ، لأنه التحق بهم على قصد النجاة من المشركين ~~، فكان حاله كحال التاجر يلتحق بالسرية بعد إصابة الغنيمة . وإن لقوا قتالا ~~بعدما التحق بهم الرجل اشتركوا في المصاب كله ، لأن الرجل قاتل عن غنائمهم ~~فيشركهم فيها كالتاجر . PageV04P1162 وكذلك لو كان الرجل الذي التحق بهم ~~أسيرا في دار الحرب ، أسر قبل ذلك بزمان ، لأن حاله كحال الذي أسلم منهم ~~فإنه لا ينعقد له سبب الاستحقاق معهم ، وإنما قصد النجاة بالالتحاق بهم . ~~وإن كان مأسورا من هذه السرية والمسألة بحالها . فإنه يشاركهم فيما أصابوا ~~، وإن لم يلقوا قتالا ، لأنه كان انعقد له سبب الاستحقاق معهم ، ثم اعترض ~~له عارض غير قادح في ذلك السبب ، فإذا زال صار كأن لم يكن ، فإن لم يلتحق ~~هذا الأسير بهم حتى خرجوا إلى دار الإسلام فلا شركة للسرية مع الأسير فيما ~~أصاب ms0670 ، لأنهم ما شاركوه في الإصابة ولا في الإحراز . ولا شركة له معهم فيما ~~أصابوا بعد ما أسر هو ، لأنه شاركهم في الإصابة ولا في الإحراز . ولكنه ~~يشاركهم فيما كانوا أصابوا قبل أن يؤسر ، لأنه شاركهم في الإصابة فثبت حقه ~~فيها . ثم بالأسر لا يبطل ما كان ثابتا في حقه ، PageV04P1163 وحاله في ذلك ~~كحال السرية التي امتنعت في دار الحرب بعد إصابة الغنيمة . ولو أن سرية ~~حاصروا أهل حصن لهم كنائس خارجة من حصنهم فأرادوا هدمها فقالوا : نفديها ~~منكم بألف دينار ، فأخذوها ومضوا في أرض الروم ، ثم جاءت سرية أخرى فأرادوا ~~هدم الكنائس فلا بأس بأن يخربوها ، وإن ثبت عندهم ما جرى بين أهل الحصن ~~وبين السرية الأولى ، لنهم إنما بذلوا الدنانير ليدفعوا أهل السرية الأولى ~~عما قصدوا من الهدم ، ولينصرفوا عنهم بأنفسهم ، وقد حصل لهم ذلك المقصود ، ~~فكانت السرية الثانية في سعة من هدمها . إلا أن يصالحوهم أيضا ، فإن ~~صالحوهم على ألف دينار أخرى وأخذوها ثم اتقت السريتان في دار الحرب ، ~~اشتركوا في الفداءين مع الغنائم كلها ، لأن المأخوذ على سبيل الفداء فيء ~~فإنه مأخوذ منهم بطريق القهر ، لأن أهل الحصن ما دفعوا ذلك إلا ليزيلوا ~~قهرهم عنهم ، والمأخوذ بهذا الطريق يكون غنيمة . فإن مرت السريتان بذلك ~~الحصن فليس لهم أن يخربوا شيئا منه ما لم يخرجوا إلى دار الإسلام ، وقد ~~بينا هذا PageV04P1164 فيما سبق أن صلح كل سرية مطلقا يتقيد بمدة بقائها في ~~دار الحرب ، ف ، الخوف لأهل الحرب إنما كان بذلك السبب فإن خرجوا ثم رجعوا ~~غزاة فلا بأس بتخريبها ، لأن حكم ذلك الصلح قد انتهى بخروجهم إلى دار ~~الإسلام ، إذا حالهم في الرجعة كحال جيش آخر ، فلا بأس بهدم ما قدروا عليه ~~. إلا أن يفديه العدو مرة أخرى ، وإن كانوا حين انصرفوا عنها داخلين في دار ~~الحرب قد صار العدو دونها ، وقاتلوا المسلمين عنها ، ومنعوها منهم ، ثم ~~قاتلهم المسلمون حتى أجلوهم عنها ، فلا بأس بأن يخربوها ، أهل السرية ~~وغيرهم سواء في ذلك ، لأنهم حين قاتلوا المسلمين دفعا ms0671 عنها فقد أحرزوها من ~~المسلمين وانتبذ ما كان لهم فيها من أمان بهذا الإحراز . وهو نظير ما لو ~~صالحوهم في الابتداء على أن يكفوا عنهم مجانيقهم ، وينصرفوا عن حصنهم ، ~~ففعلوا ذلك ثم رجعوا إليهم ، فوجدوهم قد خرجوا من الحصن وقاتلوهم حتى ~~انهزموا ودخلوا الحصن ، فإنه يحل للمسلمين قتالهم وهدم حصنهم ، ولو أنهم ~~بعد الخروج من الحصن لم يقاتلوا المسلمين PageV04P1165 حتى مروا بهم ، فإن ~~كانوا أخذوا منهم الفداء على أن يكفوا عنهم وعن حصنهم ما داموا في حصنهم حل ~~قتالهم أيضا ، لانتهاء الصلح بخروجهم منها ، وإن كان وقع الفداء على أن ~~يكفوا عنهم وعن حصنهم ، فليس ينبغي لهم أن يعرضوا لهم ما لم يقاتلوهم ، وإن ~~كان ملكهم بعث قوما فأنزلهم الحصن فقاتلهم أولئك الذين بعثوا وسع المسلمين ~~قتال أهل الحصن وتخريب الحصن والكنائس ، لأن أولئك منهم ، وإنما نزلوا ~~حصنهم لينصرهم ، وليزدادوا قوة بهم فكان قتالهم كقتال أهل الحصن . ولو كانت ~~السرية مبعوثة من الجند في دار الحرب ، فأخذوا من أهل الحصن الفداء من ~~كنائسهم ، ثم مضت وجاء العسكر فأرادوا هدم الكنائس ، وعلموا ما صنعت السرية ~~فإن كان أهل العسكر عند الصلح بالقرب من الحصن ، على وجه لو استعانت بهم ~~السرية قدروا على أن يعينوهم ، فليس لأهل العسكر أن يخربوا كنائسهم ، لأنهم ~~كانوا ردءا للسرية والردء في الحكم كالمباشر ، فيما يكون من أمر الحرب . ~~PageV04P1166 ولو كانوا مع السرية حين وقع الصلح لم يكن لهم أن يهدموا ~~الكنائس بدون رد المال ، كما لا يكون ذلك للسرية ، فكذلك إذا كانوا بالقرب ~~منهم ، بخلاف ما إذا كانوا بالبعد منهم ، فإن حالهم الآن كحال جيش آخر جاء ~~من أرض الإسلام ، ألا ترى أن السرية لو خرجت إلى دار الإسلام قبل الالتحاق ~~بالجيش كان للجيش معهم الشركة في الدنانير المقبوضة ، في المسألة الأولى ~~دون الثانية ، وبه يتضح الفرق . ولو أن السرية المبعوثة من دار الإسلام ~~أصابت غنائم وخلفوها مع أجرائهم ، وخرجوا إلى دار الإسلام ، ثم دخلت سرية ~~أخرى فلقوا الأجراء ، وأصابوا غنائم ، وخرجوا مع الأجراء إلى دار ms0672 الإسلام ، ~~فغنيمة السرية الأولى تشترك فيها السريتان لوجود الإصابة من إحداهما ، ~~والإحراز من الأخرى ، ولا شركة للسرية الأولى فيما أصابت السرية الثانية ، ~~لأنهم لم يشاركوهم في الإصابة ولا في الإحراز . ولو كانت السرية الأولى ~~بعثوا الغنائم مع الأجراء إلى دار الإسلام ، ثم دخلت سرية أخرى فأصابت ~~غنائم ، PageV04P1167 ثم التقت السريتان في دار الحرب ، وخرجوا فلا شركة ~~للسرية الثانية في غنائم السرية الأولى . لأنهم ما شاركوهم في الإصابة ولا ~~في الإحراز . ولأهل السرية الأولى الشركة في غنائم السرية الأخرى ، لأنهم ~~شاركوهم في إحرازها بالدار حين التقوا في دار الحرب وخرجوا معهم . فإن لم ~~يلتقوا فلا شركة لهم في ذلك أيضا ، لأن السرية الأخيرة تفردت بالإصابة ~~والإحراز ، فإن أهل السرية الأولى ما كانوا معهم عند القتال ، ولا بالقرب ~~منهم بحيث لو استغاثوا بهم أغاثوهم . ولو أن السرية الأولى خلفوا غنائمهم ~~في دار الحرب ومضوا حتى التقوا مع السرية الأخرى ، فأصابوا غنائم ثم خرجوا ~~قبل أن يلقوا الذين خلفوهم مع غنائمهم الأولى لأهل السرية الأولى خاصة ، ~~لأن السرية الثانية ما شاركوهم في الإصابة ، ولا في الإحراز ، والغنيمة ~~الثانية بين الذين أحرزوها من أهل السريتين . PageV04P1168 وإن كان الذين ~~مضوا لقوا السرية الثانية في موضع قريب من الذين خلفوا على الغنائم اشترك ~~الكل في جميع ما أصابوا ، لأنه إذا كان بعضهم بحيث يتمكن من أن يغيث البعض ~~لو استغاثوا بهم فهم بمنزلة جيش واحد ، بعضهم ردء للبعض وإن كانوا بالبعد ~~منهم فهم بمنزلة عسكرين متفرقين دخلوا أرض الروم من جانبين . ولو أن السرية ~~التي حاصرت حصنا أصابوا غنائم فيهم سبايا ، ثم لم يقدروا على فتح الحصن ، ~~فسألهم أهل الحصن المفاداة بالمال ، فإنه يكره للمسلمين أن يفعلوا ذلك ، ~~لأنه قد ثبت عندنا انتساخ قوله - تعالى - : ' فإما منا بعد وإما فداء ' ، ~~بقوله - تعالى - : ' فقتلوا المشركين ' ، على ما ذكره السدي . فإن فعلوا ~~جاز ذلك ، لأن فعلهم حصل في موضع الاجتهاد ، فإن الاختلاف بين العلماء في ~~مفاداة الأسير بالمال ظاهر ، وقد بيناه في السير الصغير ، فإن دخلت سرية ~~أخرى ms0673 فالتقوا مع السرية الأولى لم يشاركوهم في فداء أولئك السبي بخلاف ما ~~تقدم من فداء الكنائس ، PageV04P1169 لأن ما أخذوه عوضا عن السبي بمنزلة ~~الثمن ، فقد كانوا أثبتوا اليد على السبي ثم سلموهم إلى دار الحرب بما ~~أخذوا منهم ، فيكون هذا بمنزلة الجيش أصابوا غنائم وباعوها أو قسموها في ~~دار الحرب ثم لحقهم مدد ، وأما الكنائس فلم تصر محرزة لأهل الإسلام على وجه ~~يجوز بيعهم فيها فكان ما أخذوا من الفداء في حكم مال أصابوه غنيمة ابتداء . ~~والذي يوضح هذا الفرق أن الإمام لو باع السبي في دار الحرب من تجار ~~المسلمين جاز بيعه ، ولو باع كنائسهم قبل أن تصير الأرض دار الإسلام لم يجز ~~بيعه . ولو كانت السرية مبعوثة من العسكر في دار الحرب ثم لحقهم العسكر ، ~~والمسألة بحالها ، فإن كان العسكر حين أخذت السرية السبي بالقرب منهم ~~شركوهم في فداء السبي ، بمنزلة ما لو كانوا حضروا معهم ، وإن كانوا بالبعد ~~منهم فلا شركة بينهم في ذلك ، إلا أن يكون أمير العسكر قد نهى أمير السرية ~~أن يبيع شيئا من السبي ، أو يفادي به ، فحينئذ يكون فداء السبي بينهم وبين ~~أهل العسكر ، لأنه بعدما نهي عن ذلك لا يكون له ولاية البيع ، ففعله لا ~~يكون بيعا لكنه يكون ردا للسبي عليهم ، فكأن ردهم بغير شيء ، ثم أخذ منهم ~~مالا بطريق المعاوضة ، فلو كان بهذه الصفة كانوا شركاء في المال بخلاف ~~الأول فهناك حين فوض إليه تدبير السرية مطلقا فقد ثبت له ولاية البيع ، ~~ويكون PageV04P1170 الفداء منهم مأخوذا بطريق الثمن ، فلا شركة فيه لمن ~~يلحقهم بعد ذلك إلا أن تكون شركته ثابتة في السبي قبل البيع بأن كانوا ~~بالقرب منهم . ولو قال أهل الحصن للسرية نهب لكم ألف دينار نتصدق بها عليكم ~~، على أن تنصرفوا ، ففعلوا ذلك ، ثم لحق بهم العسكر فهم شركاؤهم في المال ، ~~لأن هذا مأخوذ بطريق الفداء حين شرطوا عليهم أن ينصرفوا عنهم ، ألا ترى أنه ~~لا ينبغي لهم بعدما قبضوا المال أن يعرضوا لهم إلا أن يردوا ms0674 المال عليهم . ~~وهذا بخلاف ما لو وهبوا لهم المال بغير شرط فانصرفوا عنهم ، لأن المال هناك ~~مأخوذ بجهة التبرع المحض أو بسبب تعمد المراضاة بأن كانوا اشتروا من السرية ~~شيئا بها فلا يأخذ حكم الغنيمة . ولو باعت السرية منهم بألف دينار ، وشرط ~~عليهم أهل الحصن في الشراء الانصراف عنهم ، فإنه يسلم للسرية من ذلك قدر ~~قيما ما باعوا ، وما زاد على ذلك فهو غنيمة بينهم وبين أهل العسكر ، لأنهم ~~إنما أعطوا الزيادة بإزاء ما شرطوا عليهم من الانصراف فكان ذلك ~~PageV04P1171 غنيمة ، وأما مقدار القيمة فإنما أعطوه عوضا عما أخذوا من تلك ~~السرية فيختصون به . ولو أن السرية المبعوثة من دار الإسلام أصابت سبيا ~~وغنائم فجعلوها في الكنيسة وقيدوا السبي فيها وأغلقوا الباب عليهم ، ودفنوا ~~الأموال ، ثم مضوا في دار الحرب وجاءت سرية أخرى ففتحوا باب الكنيسة ، ~~وأخذوا الأساري ، واستخرجوا الأموال ، وخرجوا بها إلى دار الإسلام ، ثم ~~جاءت السرية الأولى ، فهذه الموال يشترك فيها أهل السريتين ، لأن إحداهما ~~أصابت والأخرى أحرزتها بالدار . فإن لم تنته السرية الثانية إلى تلك ~~الكنيسة حتى خرجت السرية الأولى إلى دار الإسلام من ناحية أخرى ، والمسألة ~~بحالها ، فتلك الأموال كلها للسرية الثانية خاصة ، لأن أهل السرية الأولى ~~حين تركوها في دار الحرب وخرجوا فقد سقطت يدهم عنها من كل وجه ، والتحقت ~~بسائر أموال أهل الحرب ، مما هو ضائع ليس في يد إحداهما ، فإنما أصابها ~~السرية الثانية وهم الذين أحرزوها . PageV04P1172 وكذلك لو كانوا لم يخرجوا ~~إلى دار الإسلام ، ولكن علم أهل الحرب بحال تلك الكنيسة فجاءوا وأخذوا ~~الأموال منها ، ثم جاءت السرية الثانية فاستنقذوها من أيديهم وأخرجوها إلى ~~دار الإسلام ، قبل أن يلتقوا مع السرية الأولى فذلك كله للسرية الثانية ~~خاصة ، لأن أهل الحرب بالأخذ صاروا محرزين لها ، فتلحق بسائر أموالهم التي ~~لم يأخذها منهم أحد ، حتى الآن وقد تفردت السرية الثانية خاصة بالأخذ ~~والإحراز منها . ولو كان بعض السرية الأولى ترك في تلك الكنيسة شيئا من ~~متاعه أيضا ، فإن لم يأخذه أهل الحرب حتى أخذته السرية ms0675 الثانية فهو مردود ~~على صاحبه ، قبل القسمة وبعد القسمة بغير شيء ، لأنه وجد عين ماله ، فإن ~~أهل الحرب ما أحرزوه ولا علموا به حتى يزول ملكه بذلك وإن كان أهل الحرب قد ~~أخذوه ثم وجده صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء ، وإن وجده بعد القسمة أخذه ~~بالقيمة . لأن أهل الحرب صاروا محرزين له بنفس الأخذ ، لكونه في دراهم ~~والله الموفق . PageV04P1173 # | باب ما أخذه الرجل في دار الحرب فيكون أهل العسكر فيه شركاء وما لا ~~يكون # ولو أن رجلا من أهل العسكر صار في دار الحرب ، وأصاب عسلا ، أو لؤلؤا أو ~~جوهرا ، أو معدن ذهب ، أو فضة ، فذلك كله فيء ، لأنه مال تمكن من أخذه في ~~دار الحرب بقوة الجيش ، والجيش حين دخلوا فقد كان قصدهم إعلاء كلمة الله - ~~تعالى - وإعزاز الدين ، فكل مال يصل إلى يد بعضهم في دار الحرب ، باعتبار ~~قوتهم فهو غنيمة وتحقيق ما ذكرنا ، أنه ما كان يتمكن من إثبات اليد على هذا ~~المال ما لم يصل إلى هذا المكان ، وما وصل إلى هذا المكان إلا بقوة الجيش ، ~~فكانوا ردءا له في السبب الذي يتمكن به من أخذ هذا المال . وإن باعه قبل أن ~~يعلم الأمير به من تاجر ، وأخذ ثمنه ، فرأى الإمام أن يجيز بيعه ، فإنه ~~يأخذ الثمن فيجعله في الغنيمة ، لأن أهل العسكر كانوا شركاءه فيما باع قبل ~~البيع ، فيكون لهم الشركة في الثمن أيضا . PageV04P1174 ولو كان احتش حشيشا ~~وباعه جاز ذلك ، وكان طيبا له ، وكذلك لو كان يستقي الماء على ظهره أو ~~دابته فيبيعه ، لأن الحشيش والماء مباح ليس من الغنيمة في شيء ، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أثبت فيهما شركة عامة بين المسلمين بقوله : ' ~~الناس شركاء في ثلاث : في الماء والكلأ والنار ' ، فإذا لم يأخذ حكم ~~الغنيمة بأخذه كان هو المنفرد بإحرازه فيكون مملوكا له ، فإذا باعه طاب ~~ثمنه له بخلاف ما تقدم . ولو كان قطع خشبا أو حطبا وباعه من تاجر في العسكر ~~أخذ الأمير الثمن منه فجعله في الغنيمة ms0676 ، لأن الحطب والخشب مال مملوك فيكون ~~كسائر الأموال ، ألا ترى لو أن رجلا أخذ من أرض رجل كلأ من بئره ماء في دار ~~الإسلام ، كان ذلك له ، ولو باعه كان الثمن طيبا له ، فإذا أخذه في دار ~~الحرب أولى أن يكون ذلك له ، ولو أخذ خشبا أو حطبا من شجر نابتة في أرض ، ~~لم ينتبه أحد كان صاحب الأرض أحق به حتى لو باعه الآخذ لم يجز بيعه ، ولو ~~استهلكه ضمن قيمته لصاحب الأرض ، فتبين أن الحطب بمنزلة سائر الأموال التي ~~يتحقق فيها الإحراز بالمكان ، وأن الكلأ والماء لا يتأتى ذلك فيهما ، وإنما ~~يكون الإحراز فيهما باليد خاصة . ولو كان باع الحطب من جندي للوقود أمر برد ~~الثمن على المشتري ، PageV04P1175 لأن ما باع كان من الغنيمة ، والبائع ~~والمشتري في الانتفاع به على السواء فلهذا يلزمه رد الثمن عليه ، بخلاف ما ~~إذا باعه من تاجر . وكذلك لو كان المبيع طعاما من الحنطة والعسل أو علف ~~الدواب ، من الشعير والقت والتبن فإن هذا كله من الغنيمة ، ولكل واحد من ~~الغانمين حق الانتفاع به ، وبهذا تبين أن القت من جملة الأشجار لا من ~~الحشيش ، حتى لو أخذه من أرض غيره فلصاحب الأرض أن يسترده منه ، قال - رضي ~~الله تعالىعنه - : وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة - رحمه الله - يفتي بأنه ~~بمنزلة الحشيش ، فإنه تافه لا قيمة له قبل الأخذ ، في أكثر المواضع ، ولكن ~~ما ذكره محمد - رحمه اله - اصح ، فإن الحشيش ما ينبت على وجه الأرض ، ولا ~~يقوم على ساق والشجر ما يقوم على ساق القت من جنس ما ينبت على ساق . وقيل ~~في تأويل قوله - تعالى - : ' النجم والشجر يسجدان ' ، النجم ما ينتشر على ~~وجه الأرض ، والشجر ما ينبت على ساق ، والقت من جنس ما ينبت على ساق ، فكان ~~بمنزلة الشجر . ولو ظفر أهل العسكر بحشيش للمشركين ، قد احتشوه وأحرزوه ، ~~فأخذ ذلك رجل وباعه ، واستهلكه المشتري ، فإن كان المشتري تاجرا كان الثمن ~~في الغنيمة ، وإن كان من أهل العسكر كان الثمن مردودا عليه ، PageV04P1176 ~~لأن امشركين ms0677 كانوا أحرزوه هذا وملكوه ، فإذا ظفر به العسكر فأخذوه كان في ~~حكم الغنيمة ، بخلاف ما سبق مما لم يحرزه أحد حتى أخذه هذا البائع وأحرزه . ~~ولو كان في الجند تاجر وجد في دار الحرب من هذا الخشب الخلنج فعمل منه ~~قصاعا وأخونة ثم أخرجها إلى دار الإسلام ، فإن الإمام يأخذ ذلك ويبيعه ~~وينظر إلى قيمة الخشب ، غير معمول وإلى قيمته معمولا فيقسم الثمن على ذلك ، ~~ويعطيه حصة عمله ، ويجعل الباقي في الغنيمة ، لأن الخشب الذي أخذه قبل ~~العمل كان مالا متقوما ، فكان من جملة الغنيمة ثم هذه الصنعة فيها منه ~~استهلاك من وجه ، ولهذا لو فعله الغاصب بالمغصوب كان متملكا له بالضمان ، ~~إلا أن هاهنا لا يمكن أن يجعل الغاصب ضامنا ، لأن استهلاك الغنائم في دار ~~الحرب ، لا يوجب عليه الضمان ، وإذا لم يكن ضامنا لا يملك أصل الخشب ، ثم ~~الصنعة التي اتصلت به حقه من الغنيمة في شيء ، وأصل الخشب غنيمة ولا يمكن ~~تميز أحدهما عن الآخر بالقسمة ، فيصار فيه إلى البيع وقسمة الثمن بمنزلة ما ~~لو هبت الريح على ثوب إنسان وألقته في صبغ غيره فانصبغ ، ثم أبى صاحب الثوب ~~أن يغرم لصاحب الصبغ قيمة صبغه ، وعلى هذا لو أخذ جلود الغنم التي كانت ~~تذبح PageV04P1177 فجعلها فروا ، أو اصطاد سمكا وملحه ، لأن المعنى الذي ~~قلنا يجمع الفصول كلها . ولو كان الذي عمل ذلك عملا بعد إخراج الغنائم إلى ~~دار الإسلام ، والمسألة بحالها ، فهو ضامن قيمة الخشب ، وكان المعمول له ، ~~لأن بعد الإحراز هو ضامن لما يستهلك من المال ، فيتملك محل العمل بالضمان ، ~~قبل العمل ، ثم إنما اتخذ المعمول من ملك نفسه . وعلى هذا لو قسمت الغنائم ~~في دار الحرب ثم أخذ الخشب ممن وقع في سهمه وعمل ذلك منه ، لأنه صار غاصبا ~~ضامنا وبالعمل صار مستهلكا له من وجه ، فيقرر عليه ضمان قيمته لصاحبه وأوضح ~~هذا الفرق بما لو أخذ جلودا ذكية لرجل فدبغها وجعلها فروا كان الفرو له ~~وغرم قيمة الجلود لصاحبها ، لأن المغصوب مال مضمون قبل ms0678 العمل . ولو أخذ ~~جلودا ميتة فدبغها وجعلها فروا قوم الفرو وجلدا غير معمول وقوم معمولا ، ~~فإن شاء العامل أعطاه قيمة PageV04P1178 جلده ذكيا غير معمول ، وإن شاء بيع ~~الفرو وقسم ثمنه على قيمة الجلد ذكيا غير معمول ، وعلى قيمته فروا معمولا ، ~~لأن الغاصب لم يكن ضامنا للجلد هاهنا فإنه ما كان متقوما قبل الدبغ ولو كان ~~دبغ الجلد دباغا لا يزيد فيه شيئا أخذه صاحبه بغير شيء وإن دبغه بما له ~~قيمة ، ولكن لم يتغير عن حاله ، فلصاحب الجلد أن يأخذه ويعطيه ما زاد الدبغ ~~فيه وليس له أن يضمنه قيمة جلده ، لأنه لو استهلكه قبل الدبغ لم يكن ضامنا ~~. فكذلك حكم الغنائم قبل الإحراز إذا صنع منها شيئا ، ألا ترى أن واحدا من ~~العسكر في أرض الترك لو أصاب دواب من هذه السمور موتى فسلخها ثم دبغها ، ~~وجعل منها فروا يساوي ألف دينار ثم أخرجه إلى دار الإسلام لم يكن له ذلك ~~لأنه ما تمكن منه إلا بقوة الجيش ، فلا يسلم له ولكنه يباع على ما ذكرنا . ~~وكذلك لو أصاب معدن نحاس أو رصاص فجعل منه أباريق وكذلك لو كان معدن ذهب أو ~~فضة فاتخذ مما استخرج من الأباريق ، PageV04P1179 في قول محمد - رحمه الله ~~- فأما في قياس قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : يؤخذ من أباريق ~~الذهب والفضة فيرد في الغنيمة ، ولا شيء له بسبب صنعته ، بناء على مذهبه ~~أنه لا يعتبر الصنعة في الذهب والفضة ولا تصير العين بها في حكم المستهلك ، ~~كما قال فيمن غصب نقرة واتخذ منها قلبا وقد بينا في شرح المختصر ، والله ~~الموفق . PageV04P1180 # | باب التجار وغيرهم وما يحل لهم من الغنيمة # قد بينا أن من لا شركة له في الغنيمة بسهم أو رضخ فإنه لا يحل له تناول ~~الطعام والعلف من الغنيمة ، لأنه ليس من جملة الغزاة ، وحل ذلك للغزاة كان ~~بطريق الضرورة ، فإنهم لا يقدرون على حملها من دار الإسلام ، ولا يجدونها ~~في دار الحر شراء ، لأنهم مقاتلون للعدو ، لا معاملون معهم . فأما ms0679 التجار ~~لا تتحقق الضرورة في حقهم ، لأنهم لا يجدون ذلك بطرق الشراء . ثم الغزاة ~~يتقوون بما يأكلون ويعلفون دوابهم على نصرة الدين وتحصيل الغنائم في ~~المستقبل بخلاف التجار ، ومع هذا لا ضمان على التجار فيما أكلوا من ذلك في ~~دار الحرب ، لنهم لو استهلكوا ذلك لا على وجه الانتفاع لم يضمنوا فعلى وجه ~~الانتفاع أولى . PageV04P1181 وكما أن للغزاة أن يتناولوا من ذلك فلهم أن ~~يطعموا من يجب عليهم نفقته من العبيد والنساء والأولاد إذا كانوا معهم في ~~دار الحرب ، لأن حاجة هؤلاء إلى النفقة كحاجة أنفسهم ، ولو لم يطعموهم من ~~الغنيمة احتاجوا إلى أن يكتسبوا للإنفاق عليهم ، وما كان من أجير لا يقاتل ~~فلا ينبغي له أن يرزأ شيئا من ذلك ، لأنه لا نصيب له في الغنيمة ، وهو غير ~~مستوجب نفقته على من استأجره وإنما له الأجر فقط . والمدد إذا لحق الجيش ~~قبل القسمة والبيع فلهم أن يتناولا من ذلك الطعام والعلف ، لأنهم شركاء ~~الجيش في الغنيمة بعدما لحقوا بهم ، فإن قسمت الغنيمة أو بيعت فليس لأحد أن ~~يأخذ من ذلك شيئا بدون إذن من وقع في سهمه ، وإن فعل ذلك ضامنا له بمنزلة ~~سائر أملاكه ، ولو أخذ جندي شيئا من طعام الغنيمة فأهداه إلى تاجر في ~~العسكر ، لا يريد القتال لم يستحب للتاجر أن يأكل ذلك ، PageV04P1182 لأن ~~التناول منه مباح للجندي وذلك لا يتعدى إلى الإهداء ، ألا ترى أن المباح له ~~الطعام لا يملك أن يهديه إلى غيره ، ولأن الإباحة للجندي لأجل الضرورة ولا ~~ضرورة في الإهداء إلى الغير ، وإذا سقط اعتبار إهدائه كان هذا وما لو أخذه ~~التاجر بنفسه من الغنيمة سواء ، ويستوي أن لو كان الجندي المهدي هو الذي ~~أتى بذلك الطعام من بعض المطامير أو غيره أتى به ، لأنه غنيمة في الوجهين . ~~بخلاف ما لو احتش الجندي أو استقى ماء ثم بعث به إلى تاجر فلا بأس للتاجر ~~أن ينتفع به ، لأن ذلك ليس من الغنيمة وقد صار ملكا خالصا لمن أحرزه ، فله ~~أن يهديه إلى ms0680 من أحب . ألا ترى أنه ليس لغيره أن يأخذه شيئا من ذلك بغير ~~رضاه ، PageV04P1183 لأنه إنما يأخذه لحاجته ، وقد تعين لحاجة صاحبه ، وبعد ~~ما استويا في المعنى ، الترجيح يقع بالسبق ، وقد سبقت يده إليه فكان هو أحق ~~به عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : ' منى مناخ من سبق ' . واستدلالا بمن ~~حضر الجامع ، وجلس في موضع ينتظر الصلاة ، فإنه لا يكون لأحد أن يزعجه من ~~ذلك ليجلس فيه بنفسه . والدليل على الفرق بين الحشيش والطعام أن الحشيش لو ~~أخذه الإنسان من المحرز بغير إذنه فاستهلكه كان ضامنا له ، والطعام لو أخذه ~~جندي أو تاجر ممن جاء به فاستهلكه لم يكن عليه ضمانا له ، لأنه من الغنيمة ~~، والغنيمة لا تضمن بالاستهلاك في دار الحرب . ولو أن جنديا ذبح شاة من ~~الغنيمة فسلخها وطبخ لحمها ، أو أخذ حنطة من الغنيمة فطحنها وخبزها ، ثم ~~دعا تاجرا إلى طعامه حتى أكله معه ، أو أهداه إليه لم أر بأسا بذلك ، لأنه ~~قد استهلك طعام الغنيمة بما صنع . ألا ترى أن الغاصب لو فعل ذلك بملك الغير ~~كان متمكنا ضامنا PageV04P1184 للمغصوب منه ، فإذا فعله بالغنيمة أولى أن ~~يصير متملكه ، ثم الملك يطلق له الإباحة والإهداء إلى الغير بخلاف ما إذا ~~لم يتغير الطعام حاله . والذي يوضح الفرق بينهما ، أن بعد التغير لو جاءه ~~إنسان فأتلفه كان ضامنا له ، وقبل ذلك لو أتلفه إنسان لم يكن ضامنا ، ثم ~~مبنى الطعام المهيأ للأكل على التوسع فيه . ألا ترى أن العبد المأذون إذا ~~صنع طعاما فدعا إليه غيره بغير إذا مولاه لم يكن بأكل ذلك بأس وكسبه مملوك ~~لمولاه فهذا الذي لا ملك فيه لأحد يكون أيسر منه لا محلة . ولو أن تاجرا ~~ذهب مع الجند إلى بعض المطامير وهي نائية عن العسكر ، فجاء منها بطعام فلا ~~بأس بأن يأكل من ذلك ويعلف دابته ، لأنه هو الذي أصابه وإنما يثبت حق سائر ~~الغانمين فيه بإصابته ، فلا يكون حقهم في ذلك مانعا له من الانتفاع به ألا ~~ترى أنه لو أصاب ms0681 مالا آخر كان هو شريكا للعسكر في ذلك المال ، وإن لم يكن ~~شريكا لهم فيما أحرزوه دونه وكذلك في الطعام ، ولذلك يشترط أن يأتي به من ~~موضع بعيد ، لأن ما كان بالقرب من العسكر فقد صار مأخوذا بقوة أهل العسكر ~~قبل إصابته ، فهو نظير المحرز بأخذ أهل العسكر دونه . والغنم والبقر من ~~جملة الأطعمة ، لا بأس لكل PageV04P1185 واحد من الغانمين أن يذبحه ويتناول ~~منه لحاجته في دار الحرب ما لم يخرجوا إلى دار الإسلام ، فأما بعد الخروج ~~فلا يحل شيء من ذلك إلا عند تحقق الضرورة بشرط الضمان ، لأن الحق يتأكد في ~~الغنيمة بالإحراز ، فحكم الشركة يتقرر في الطعام والعلف بتأكد الحق ، كما ~~يتقرر الملك بالقسمة والحق بالبيع . وإن كانوا فصلوا من دار الحرب ، ولكنهم ~~في الدرب بعد ، في موضع لا يأمن فيه المسلمون إلا بالجند العظيم ، ولا يقدر ~~أهل الحرب على المقام فيه أيضا ، فهذا وما لو كانوا في دار الحرب سواء ، في ~~إباحة تناول الطعام والعلف ، لأن هذه البقاع كانت في يد أهل الحرب ، فكل ~~موضع لا يأمن فيه المسلمون ولا يقدرون على المقام فيه فهو باق على ما كان ، ~~ولأن إباحة التناول لأجل الحاجة ، والحاجة متحققة في هذا الموضع ، لعوز ~~الطعام والعلف فيه بالشراء . فإذا أخرجوا إلى الموضع الذي يأمن فيه ~~المسلمون فقد ارتفعت الحاجة ، وليس لهم أن يتناولوا بعد ذلك شيئا من الطعام ~~والعلف ، قال : ثم ما داموا في دار الحرب فلا فرق في إباحة PageV04P1186 ~~التناول بين أن يكون عند المتناول طعام كثير من ذلك الجنس وبين ألا يكون ، ~~لأن باعتبار الحاجة صار الطعام مستثنى من شركة الغنيمة ، ما داموا في دار ~~الحرب ، باقيا أصل الإباحة ، وباعتبار بقائه على أصل الإباحة يستوي في ~~الانتفاع به المستغني عنه والمحتاج إليه . قال : وإذا ذبحوا غنما أو بقرا ~~للأكل فليردوا جلودها في الغنيمة ، لأن هذا مما لا يدخل تحت مصلحة الأكل ، ~~خصوصا بعد ما جف ويستوي في إباحة التناول ما يؤكل على سبيل الغذاء عادة ، ~~سواء كان مما يكون ms0682 في ذلك الموضع أو مما ينقل إليه من موضع آخر ، وقد بينا ~~فيه خلاف بعض أهل الشام في هذا . وما يكون من التوابل للقدور فهو بمنزلة ما ~~يتغذى به ، لأنه مأكول في الناس عادة . وما يحتاجون إليه في الوقود فالجواب ~~فيه كالجواب في الطعام ، لأن الحاجة إليه معلوم وقوعها ، وإصلاح الطعام ~~للأكل لا يكون إلا به . وكل ما يجوز أن يوقدوا به لطبخهم من أنواع الحطب ~~فكذلك يجوز أن يفعلوا ذلك لبرد أصابهم ، PageV04P1187 لأن ذلك من أصول ~~حوائجهم . ألا ترى أنهم لو أوقدوا للطبخ لم يمنعوا من الاصطلاء بها . فكذلك ~~إذا أوقدوا للاصطلاء بها في الابتداء ، وكل ما يكون من الأدهان لهم أن ~~يأكلوا كالزيت ونحوه ولم أن يستصحبوا به ، لأنه انتفاع بالعين على وجه يصير ~~مستهلكا فيه من الوجهين ، فأما البزر للسراج فهو كالحطب للوقود ، وكل واحد ~~منهما يعلم وقع الحاجة إليه ، فيكون مستثنى من شركة الغنيمة . فأما البنفسج ~~والخيري والزنبق فلا ينبغي لهم أن يستصحبوا بشيء م ذلك لأن هذا ليس مما ~~يؤكل عادة ، لأنه لا يحل لهم الأدهان به ، إذ الأدهان ليس من أصول الحوائج ~~، فهو كالغالية والطيب لا يجوز لهم أن يتطيبوا بشيء من ذلك ، لأن ذلك ليس ~~من أصول حوائجهم ، فإذا لم يحل الأدهان به الاستصباح به أولى . ~~PageV04P1188 وكذلك لا ينبغي أن يتناولوا شيئا من الزنجبيل المربى ~~والإهليلج المربى وكذلك من سائر الأدوية التي تؤخذ وقد صنعها العدو ، لأن ~~هذه ليست بأطعمة الناس ، يعني أنها ليست من أصول الحوائج ، ومما يتعلق بها ~~بقاء النفس ، فلا تكون مستثنى نم شركة الغنيمة ، بخلاف الطعام ، ألا ترى أن ~~المرأة تستوجب على زوجها بعقد النكاح النفقة ، ولا تستوجب عليه الدواء . ~~إلا أن يبيع الإمام شيئا من ذلك ، واشتراه رجل فحينئذ يكون له أن يتناوله ، ~~لأنه اختص بملكه حين باشر سببه . فإن وجد شيئا من الأدوية نابتافي أرضهم ~~فأخذ من ذلك ، فإن كان للمأخوذ قيمة في ذلك الموضع فهو من جملة الغنيمة ، ~~فلا ينتفع بشيء منه ، لأن مأخوذه ومأخوذ غيره ms0683 فيما هو من الغنيمة سواء . ~~وإن كان شيئا لا قيمة له في ذلك الموضع فلا بأس بأن يتداوى به ، ~~PageV04P1189 لأنه بمنزلة الحشيش في جواز الانتفاع به في هذا الموضع ، إذا ~~لم يكن متقوما وإن كان لو نقله إلى موضع آخر يصير متقوما . وعلف الدواب ~~فيما ذكرنا قياس طعام بني آدم ، لأن حاجة الغازي إلى علف دابته أصلية ، ~~بمنزلة حاجته إلى الطعام . وما جاز له أكله جاز أن يعلف دابته أيضا ، ألا ~~ترى أن السمن لما جاز له أن يوقح دابته ، وكذلك لا بأس له بأن ينتفع بالخل ~~لأنه مطعوم ، وهو إدام الطعام ، وهو بمنزلة التوابل في إصلاح المرقة به ، ~~فأما الثياب والأواني وسائر الأموال فليس ينبغي لأحد أن ينتفع بشيء من ذلك ~~، لأن حاجته إلى الانتفاع ه غير معلوم وقوعها ، فلا يصير مستثنى من شركة ~~الغنيمة ولا يباح الانتفاع به ، إلا عند تحقق الضرورة ، فإن عند تحقق ~~الضرورة يجوز له أن ينتفع بملك الغير ، فلا يجوز الانتفاع بالغنيمة أولى . ~~ثم إذا ذهبت الضرورة يرده في الغنيمة ، ولا ضمان عليه في النقصان ، بخلاف ~~ملك الغير ، فإن هناك يضم بالاستهلاك ، ويضمن بإدخال النقصان فيه باستعماله ~~، أما الغنيمة فلا يضمنها بالاستهلاك في دار الحرب ، إلا أن في ~~PageV04P1190 الاستهلاك من غير حاجة يؤدبه الأمير ، وعند الحاجة يعذره ~~والضرورة في الثياب أن يصيبه البرد حتى يخاف على نفسه ، وفي الأواني بأن ~~يحتاج إلى الأكل والشرب فيها وليس عنده شيء من ذلك ، وكذلك ركوب الدابة ، ~~فقد جاء في الأثر أن ركوب دواب لا غنيمة من الغلول ، فإن وجد حمارا أو فرسا ~~أو بغلا أو برذونا ، ولا حاجة به إلى ركوبها بأن كان عنده غيرها ، أو كان ~~راجلا ولكن لم يلحقه عناء شديد ، فليس له أن يركبها ، وإن ركب شيئا منها ~~ليسقيها أو يحمل عليها علفا ، أو علف الغنيمة فلا بأس به ، لأن هذا من حاجة ~~ما هو غنيمة ، وهذه الدابة في نفسها غنيمة ، وليس له أن يركبها بحاجة نفسه ~~. ولا يحمل شيئا من متاعه أو علف ms0684 دوابه التي يملكها ، ولا يقاتل عليها أيضا ~~حتى تجيء الضرورة ، وهو المارد من الأثر إن ذلك من الغلول ، والضرورة في ~~الركوب أن يكون قد أعيى وهو يخاف العدو إن لم يركب ، أو لا يخاف العدو ~~ولكنه قد PageV04P1191 بلغ منه الجهد ، بحيث يخاف على نفسه ، أو يكون قد ~~قتل فرسه فلا يستطيع أن يقاتل راجلا ، فحينئذ لا بأس بأن يركبه ، وإن تلف ~~لم يضمن شيئا في الحكم ، ولا فيما بينه وبين الله - تعالى - ، لأن الركوب ~~مباح له شرعا . بخلاف ما يستهلكه من غير حاجة ، فإنه لا يكون ضامنا في ~~الحكم لعدم تأكد الحق فيه ، ولكن عليه أن يغرم قيمة ذلك ، فيما بينه وبين ~~الله - تعالى - ، لأنه آثم في الاستهلاك فيفتي بأداء الضمان . والانتفاع ~~بالأسلحة بمنزلة ركوبه الدابة في جميع ما ذكرنا متى كان مباحا له شرعا لأجل ~~الضرورة ، فهو غير ضامن لما يتلف به في الحكم ، وفيما بينه وبين الله - ~~تعالى - ومتى كان آثما في الاستعمال فإنه يفتي بالغرم فيما بينه وبين ربه ~~وإن كان لا يجبر عليه في الحكم ، لأن التوبة تلزمه في هذا الموضع تمام ~~التوبة برد قيمة ما أتلفه من الغنيمة . والجلال للدواب بمنزلة الثياب للناس ~~، واللجم PageV04P1192 والسروج للدواب بمنزلة السلاح للرجال في جميع ما ~~بينا ، ولو وجدوا في دار الحرب أشنانا أو صابونا فأراد بعضهم غسل ثيابه ~~بذلك فهو مكروه ، لأن هذا ليس من أصول الحوائج ، فباعتبار لا يثبت ~~الاستثناء من شركة الغنيمة . إلا أن الأشنان إن كان نابتا في موضع لا قيمة ~~له فلا بأس لمن أخذه أن ينتفع به ، وإن كان في موضع له قيمة فبأخذه يصير ~~ذلك من الغنيمة ، فهو بمنزلة مأخوذ غيره وما أحرزه العدو في بيوتهم ، فإن ~~قيل : قد رخص له أن يوقد النار بالحطب ، وإن كان له قيمة في ذلك الموضع ~~فلماذا لا يرخص له في غسل الرأس بالخطمي ، وغسل اليد والثياب بالأشنان ~~والصابون ؟ قلنا : لأن في الوقود معنى إصلاح الطعام الذي هو من أصول ~~الحوائج ، فباعتباره يصير مستثنى من شركة ms0685 الغنيمة ، وذلك لا يوجد في هذه ~~الأشياء ، فلا يصير مستثنى ، ولو وجد مجمرا لم يكن له أن يتجمر به ، ~~PageV04P1193 لأن هذا ليس من أصول الحوائج كالطيب . وكذلك لا يوقد به ، لأن ~~هذا ليس من الوقود في الناس . فإن كان في موضع من أرض العدو ، وذلك خشبهم ~~الذي يوقدون به ، فلا بأس بأن يوقدوا به ، وعند ذلك يتجمر به أيضا بطريق ~~الأولى . ولو وجدوا أخونة وقصاعا وأوتادا ، فليس ينبغي لهم أن ينتفعوا بها ~~للوقود إلا عند تحقق الضرورة ، لأن هذا بمنزلة الأمتعة لا يستعمل في الوقود ~~عادة . فأما الخشب الذي هو غير معمول ، فإن كان له قيمة في ذلك الموضع ، ~~فإنه لا يحل الانتفاع به إلا للوقود وإن كان لا قيمة له في ذلك المكان فلا ~~بأس بالانتفاع به ، وقد ذكرنا حكم اتخاذ القصاع والأقداح منه بعد إخراجها ~~إلى دار الإسلام فأما قبل الإخراج إلى دار الإسلام ، إذا أراد الانتفاع ~~بشيء م ذلك ، فلا بأس به ، لأن قبل الصنعة كان الانتفاع به مباحا له ، ~~باعتبار أنه غير متقدم في ذلك الموضع ، فصنعته لا تحول بينه وبين الانتفاع ~~به أيضا PageV04P1194 وإن أراد الأمير قسمة الغنائم في دار الحرب فإنه يأخذ ~~ذلك من العامل فيجعله في الغنيمة ، بعد أن يعطيه قيمة عمله ، بأن يقوم ~~الخشب معمولا وغير معمول ، فإن كان باعها أعطاه فضل ذلك من الثمن ، وإن كان ~~الخشب المعمول لا قيمة له غير معمول في دار الحرب ولا في دار الإسلام فهو ~~سالم لصاحبه ، لأنه بعمله صار مالا متقوما فيكون كسبا له ، ألا ترى أن من ~~اتخذ كوزا من تراب غيره يكون مملوكا له ، والطين الذي يتخذ منه القدور في ~~هذا بمنزلة الخشب الذي تعمل منه القصاع على ما بينا . وإذا ذهب قوم في طلب ~~الغنائم فوجدوا أرماكا للمشركين وأمتعة وطعاما وسبيا فلا بأس بان يحملوا ~~ذلك كله على الأرماك حتى يأتوا به العسكر ، لأن ذلك كله للغانمين ، والحمل ~~وما يحمل عليه ، وإذا ثبت الحكم بهذه العلة في الأمتعة فكذلك في الطعام ms0686 ، ~~لأنهم إنما يأتون بالطعام لينتفع به الجيش كلهم . وإن وجدوا شيئا يسيرا من ~~العلف والطعام ، فأخذوه PageV04P1195 لحاجة أنفسهم ، فإنه لا يستحب لهم أن ~~يحملوه على الأرماك التي للعدو ، ولا على حمرهم وبغالهم ، ولا على عجلهم ~~إلا عند تحقق الضرورة ، لأنهم أحق الناس بذلك الطعام ، إذا لم يكن فاضلا عن ~~حاجتهم فكان حكمه حكم الطعام الذي أدخلوه من دار الإسلام لحاجتهم ، ولو ~~وجدوا بقرا وثيرانا وإبلا فلا بأس بأن يحملوا عليها ما أخذوا من الطعام ~~لحاجة أنفسهم ، لأن هذا من جملة الطعام أيضا . ألا ترى أن لهم أن يذبحوه ~~للأكل ويكون أخص به إذا لم يكن فاضلا عن حاجتهم ، فكذلك لا بأس بأن يحملوا ~~عليها ما أخذوا من الطعام لحاجة أنفسهم بخلاف ما تقدم . فإن وجدوا الطعام ~~اليسير على الأرماك ، وذلك لا يفضل عن حاجتهم ، فعليهم أن يأخذوا ذلك عنها ~~ويحمولها على دوابهم ثم يسوقن الأرماك عريا إلى المعسكر ، لأن استدامة ~~الحمل عليها كإنشائه . PageV04P1196 ولو كان معهم طعام أدخلوه من دار ~~الإسلام ، فأرادوا أن يحملوا ذلك على الإبل والبقر من الغنيمة ، لم يحل لهم ~~ذلك إلا عند الضرورة ، لأنها وإن كانت أطعمة فهي من الغنيمة ، ألا ترى أن ~~ما يفيضمنها عن حاجتهم فلسائر الغانمين أخذه منهم والمحمول ملك خاص لهم ، ~~لا سبيل لأحد على شيء منه ، فلا يكون لهم أن ينتفعوا بما هو من الغنيمة من ~~وجه فيما ليس من الغنيمة في شيء من الوجوه ، بخلاف الطعام الذي أخذوه لحاجة ~~أنفسهم ، وإنما يحمل طعامهم ومتاعهم عليها بمنزلة ركوبهم إياها . وإن وجدوا ~~غرائر لأهل الحرب فيها الطعام فذها والأرماك التي يوجد عليها الطعام سواء ، ~~لأن الغرائر ظروف فهي من الغنيمة لا من الطعام كالأرماك فأرادوا ذبحها ~~وأكلها لم يؤذن لهم في ذلك إلا عند تحقق الضرورة وهذا على أصل أبي حنيفة - ~~رصي الله عنه - ظاهر ، أنه يكره لحم الخيل كما هو قول ابن عباس - رضي الله ~~تعالى عنهما - فلا يكون الخيل من جملة الطعام في الغنيمة وعلى قولهما وإن ~~كان أكله مباحا ms0687 لمالكه ولكن ما يكون من جملة الغنيمة لا يعد من جملة الطعام ~~، الذي يرخص لكل واحد منهم في الاختصاص به أكلا ، إلا أن يكون معدا لذلك ~~عرفا ، أو منصوصا عليه شرعا ، PageV04P1197 ومنفعة الأكل في الأنعام منصوص ~~عليه قال الله تعالى : ' ومنها تأكلون ' وفي الخيل غير منصوص عليه ، وهو ~~مما لا يعتاده الناس غالبا أيضا ، وإنما الغالب عليها الركوب ، فلهذا يكره ~~ذبحها وأكلها في الغنائم إلا من ضرورة . وإن رأى الأمير أن يمنعهم من تناول ~~الطعام والعلف فلا بأس بذلك ، إذا كان على وجه الاعتبار والنظر فيه لهم بأن ~~كانوا أغنياء عن ذلك ، ألا ترى أنه لو رأى أن يبيعها أو يقسمها في دار ~~الحرب كان ذلك نافذا منه ، ويرتفع به حكم إباحة التناول ، فكذلك إذا رأى أن ~~يمنعهم من التناول ، إلا أن يكونوا محتاجين إلى ذلك فحينئذ يكره له أن ~~يمنعهم من التناول أصلا ويمنعهم من التناول إلا بثمن ، لأنه يقصد إلى رخصة ~~شرعية فيريد رفعها برأيه مع حاجة الناس إليها ، وذلك منهي عنه ، بمنزلة ما ~~لو منعهم من الانتفاع بالماء للعامة ، أو التطرق في الطريق الجادة . فإن ~~فعل ذلك وأخذ منهم الثمن فجعله في الغنيمة ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلافه ~~فإنه يمضي قضاءه ، لأن ذلك حصل منه في موضع الاجتهاد . وقد بينا أن قضاء ~~مثله في المجتهدات نافذ . قال : PageV04P1198 وقد قال بعض الناس : لا ينبغي ~~للأمير أن يعرض بشيء من ذلك المال وإن كان الناس عنه أغنياء ، ولم يتبين ~~هذا المخالف من هو ، فكأنه اعتمد ما ذكرنا من النكتة أنه يمنعهم من الرخصة ~~الشرعية ، ولكن علماءنا - رحمهم الله تعالى - قالوا : بثبوت الرخصة لأجل ~~الحاجة ، فعند تحقق الحاجة هو في منعهم عن الرخص قاصد إلى الإضرار بهم ، لا ~~إلى توفير المنفعة عليهم ، حتى لو كان في ذلك منفعة ظاهرة للمسلمين ، كان ~~هو في سعة من أن يفعله أيضا ، فأما في غير موضع الحاجة فهو ناظر لهم ، وله ~~ولاية النظر ، ولو لم يكن فيه سوى أن عند المنع لا ms0688 يسرفون في التناول من ~~طعامهم ، وعند الإطلاق يسرفون في التناول من طعام الغنيمة ، لكان هذا كافيا ~~، في سعة الرأي والاجتهاد له في المنع . وما وجدوا في منازل أهل الحرب من ~~طين قد أحرزوه لغسل الرأس ، أو من الطين الذي للدواء فليس أحب لهم أن ~~يستعملوا شيئا من غير حاجة ، لأن بالإحراز صار ذلك مملوكا لهم ، وما يصاب ~~من ملكهم بطريق القهر يكون غنيمة ، وهذا الاستعمال ليس من أصول الحوائج ، ~~فإن وجدوا طينا لم يحرزوه فإن كان له قيمة في ذلك الموضع فلا بأس بأن ~~يستعملوه ، وهذا وما تقدم من نظائره سواء . PageV04P1199 وكذلك الحكم فيما ~~وجدوا من دم الأخوين والحرمل ، بخلاف الوقود فإنهم وإن وجدوا من ذلك ما قد ~~أحرزوه فلهم أن ينتفعوا به ، وهو استحسان ، وفي القياس لا يكون لهم ذلك إلا ~~باعتبار الحاجة ولكن قد بينا أن الوقود يتحقق فيما هو من أصول الحوائج . ~~فإن وجدوا أوتادا أو عمودا لفسطاط ، قد جعله أهل الحرب ، فهذا مال متقوم من ~~جملة الغنيمة ، فلا ينبغي لأحد منهم أن ينتفع به من غير حاجة ، وكذلك ما ~~وجدوا من خشب أحرزه أهل الحرب لغير الوقود ، فجعل بعضهم من ذلك أوتادا أو ~~قصاعا ، لم ينبغ له أن ينتفع بشيء من ذلك ، لأن حكم الغنيمة ثابت في أصله ، ~~وإن لم ثابتا في الصنعة ، حتى أن على الإمام أن يبيع ذلك ويقسم الثمن على ~~قيمته غير معمول ، وعلى قيمته معمولا ، فيعطيه حصة عمله ويجعل الباقي في ~~الغنيمة ، أو يعطيه حصة قيمة عمله ، ويجعل ذلك في الغنيمة . وكذلك لو كان ~~الصانع هو الذي أخذ الخشب من شجرهم ، وكان له قيمة في ذلك الموضع ، فإذا لم ~~يكن له قيمة PageV04P1200 فلا بأس بأن ينتفع به في دار الحرب ، فإذا خرج ~~إلى دار الإسلام فحكمه كحكم ما سبق ، لأن الأصل غنيمة ف الوجهين ، ولكن في ~~الموضع إنما صار غنيمة بأخذه ، وهو ما قصد بأخذه سوى الانتفاع به ، فجعل ~~انتفاعه به مقدما باعتبار قصده ، وهناك قد كان ذلك غنيمة باعتبار الاستيلاء ~~عليه ms0689 ، بعد إحراز المشركين له ، فلا يكون له أن ينتفع به من غير حاجة ، ثم ~~ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله تعالى عنهما - أنه كان يأمر ~~أهل العسكر إذا فصلوا من الدرب أن يردوا الأوتاد في الغنيمة . قال : ولا ~~بأس بأن يدهنوا سروجهم وجلودهم التي يقاتلون عليها بالزيت والشحم الذي ~~يصبونه في دار الحرب ، فأما ما حملوا من ذلك معهم للتجارة لا للقتال فلا ~~ينبغي لهم أن يدهنوا به شيئا من ذلك ، والقياس في الكل واحد ، لأن ما ~~أصابوه من جملة الغنيمة ، ولكنه استحسن فقال : لهم أن يأكلوا ذلك ليتقووا ~~به على القتال ، فكذلك لهم أن يدهنوا به ما يستعملونه في القتال بأدهان ~~فأما دهان ما حملوه للتجارة معهم ليس مما يحصل لهم به التقوى على القتال ، ~~PageV04P1201 فهو نظير التجار في العسكر لا يكون لهم أن يتناولوا شيئا من ~~ذلك . ولو أودع الأمير شيئا من الغنائم في دار الحرب مسلما فاستهلكه لم يكن ~~ضامنا ، لأن الحق فيه غير متأكد قبل الإحراز ، فاستهلكه قبل الإيداع وبعده ~~سواء إذ الإيداع ليس من الإحراز في شيء . وللإمام أن يؤدبه ، لأنه خان فيما ~~ائتمنه . ولو استهلكه قبل الإيداع أدبه على ذلك فبعده أولى ، إلا أيكون ~~طعاما فأكله ، فحينئذ لا يؤدبه فيه ، إذا كان من جملة الغانمين ، كما لو ~~أكله قبل الإيداع ولو كان قال له : إن استهلكته فأنت ضامن له كان هذا الشرط ~~باطلا ، لأنه مخالف لحكم الشرع من حيث اشتراط الضمان على الأمين ، واشتراط ~~الضمان قبل تأكد الحق فيه بالإحراز . وإن قال حين دفعه إليه : هو عليك ~~بقيمته ، أو هو عليك بألف درهم ، فرضي به القابض فهذا بيع ، لأنه صريح ~~بالبيع الصحيح ، أو بالبيع الفاسد ، والبيع فاسدا كان PageV04P1202 أو ~~صحيحا بمنزلة الإحراز من الإمام ، فإن الملك يثبت له إما بنصيبه أو عند ~~القبض كما يثبت بالقسمة . ولو نقل أمير العسكر لسرية بعثها الربع بعد الخمس ~~فجاءوا بطعام فلا بأس بأن يتناولا منه وإن كانوا أغنياء عنه ، أهل العسكر ~~وأهل السرية ms0690 في ذلك سواء ، لأن التنفيل لا يؤثر في حكم تناول الطعام والعلف ~~، فإن حق المنفل بمنزلة سهام الغانمين ، وفي السهام التفاوت بين الفرسان ~~والرجالة ثابت ، ولم يمنع ذلك التسوية بينهم في إباحة التناول ، فكذلك ~~النفل . ولو نفل للسرية جميع ما أصابت فلا بأس لأهل السرية أن يتناولا منها ~~، لقيام شركتم فيها بسهامهم ، وليس لأهل العسكر أن يتناولا من ذلك شيئا ، ~~لأنه لا نصيب لهم فيه فحالهم فيما جاء به أهل السرية بعد التنفيل كحال ~~التجار في الغنيمة . ولو كان الأمير قال للسرية : من أصاب منكم شيئا فهو له ~~خاصة فليس لأحد منهم أن يتناول من طعام قد أخذه صاحبه إلا بالثمن ، أو أن ~~يعطيه صاحبه ، PageV04P1203 لأن هذا التنفيل بمنزلة القسمة ، فكل من أصاب ~~شيئا بعد هذا فقد اختص بملكه ، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه ، ~~فإن تناول رجل من ذلك شيئا بغير رضاه من أصابه فهو ضامن له ، كما هو الحكم ~~في الغنائم بعد القسمة . ألا ترى أن أحدهم لو أصاب جارية فاشتراها بحصته ~~فله أن يطأها ، وقد بينا هذا في السير الصغير . ولو لم ينفل الأمير للسرية ~~شيئا فاستأجر أميرهم قوما يسوقون الغنائم إلى العسكر جاز ذلك من جملة ما ~~أصابوا ، لأن الأمير إنما أرسله للقتال وإحراز الغنائم ، فيمون ذلك إذنا له ~~، فيما يحصل به الإحراز وهو السوق للدلالة ، وإن لم يصرح بذلك . ثم ينبغي ~~لأمير العسكر أن يبيع مما جاءوا به من الطعام ما يؤدي أجر الأجراء ويخلي ما ~~بين الناس وبين ما بقي حتى يأكلوا ، وهذا إذا لم يصب أهل العسكر غنيمة أخرى ~~، فإن كانوا أصابوا أعطى أجر الأجراء من ذلك ، وخلى بين الناس وبين ما جاء ~~به أهل السرية من الطعام والعلف ليأكلوا بقدر حاجتهم ، فإن أكلوا ذلك كله ~~قبل أن يباع فللأجراء مقدار أجرهم ، فلا ضمان على أحد فيما يأكل منه ولكن ~~إن PageV04P1204 غنموا أخرى قبل أن يخرجوا إلى دار الإسلام ، أعطى من ذلك ~~أجر الأجراء وإلا أعطاهم أجرهم من بيت المال ms0691 ، لأن هذا دين وجب لحاجة ~~المسلمين ، ولأن الغرم مقابل بالغنم ، والله الموفق . PageV04P1205 # # | باب وما جاء في الغلول # وإذا وجد الغلول في رحل رجل أوجع ضربا ، ولم يبلغبه أربعين سوطا ، لأنه ~~ارتكب جريمة ليس فيها حد مقدر فيعزر عليها ، ولا يبلغ بالتعزير شيئا من ~~الحد لقوله صلى الله عليه وسلم : ' من بلغ حدا في غيره فهو من المعتدين ' . ~~ولا يحرق رحله بما صنع ، لأنه خائن والخيانة لا توجب عليه إحراق رحله . ولا ~~قطع عليه أيضا ، لأن له فيها نصيبا ، ومن سرق مالا له فيه نصيب لم يلزمه ~~قطع اليد . وهذا قول الجمهور من الفقهاء ، فأما أهل الشام كانوا يقولون : ~~يحرق رحل الغال ، ويروون فيه حديثا عن الحسن - رضي الله تعالى عنه - قال : ~~يؤخذ الغلول من رحله ثم يحرق رحله إلا أن يكون فيه مصحف ، وأصحاب الحسن ~~PageV04P1206 يروون عنه موقوفا ، وقد ذكر الأوزاعي عن الحسن هذا الحديث ~~مرفوعا ، ولكن الفقهاء لم يصححوا هذا الحديث ، لأنه شاذ يرويه مجهول ، ولا ~~يعرف ، فإن الأوزاعي لم يذكر لم يذكر اسم الرجل الذي بينه وبين الحسن ، ثم ~~هو مخالف للآثار المشهورة ، وقد ذكر في الكتاب بعضها . أن رسول الله صلى ~~عليه وسلم ألحق الوعيد بكل من ظهر منه غلول ، ولم يشتغل بإحراق رحل أحد ، ~~فمن ذلك حديث مدعم - عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم - قد وهبه له رفاعة ~~بن زيد ، فبينا هو بحذاء رحل النبي عليه الصلاة والسلام ، إذ جاءه سهم عائر ~~فقتله ، أي لا يدري من رمى به ، فقال الناس : هنيئا له الجنة ، فقال صلى ~~الله عليه وسلم : ' كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من ~~الغنائم ، لم تصبها القسمة ، لتشتعل عليه نارا ' فلما سمع الناس ذلك جاء ~~رجل بشراك أو بشراكين ، فقال صلى اله عليه وسلم : ' شراك من نار ' ، وقيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم : استشهد فلان فقال : ' كلا إني ~~PageV04P1207 رأيته يجر إلى النار بعباءة غلها ' ، وقال ابن عباس - رضي ~~الله تعالى عنهما - : ما ظهر الغلول في قوم قطر ms0692 إلا ألقي في قلوبهم الرعب ~~ولا فشا الربا في قوم إلا كثر فيهم الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ~~قطع عنهم الرزق ، ولا حكم على قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم ، ولا نقض قوم ~~العهد إلا سلط عليهم العدو ، ولما قال رجل لسلمان - رضي الله عنه - : إني ~~أخذت خيطا من الغنيمة فخطت به ثوبي ، قال : كل شيء وقدره . فهذا كله دليل ~~على عظم الوزر في الغلول وأنه ليس فيه إحراق الرحل ، لأن تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة لا يجوز . وقال جابر - رضي الله عنه - : ليس في الغلول قطع ولا ~~نكال ، وهذا بنفي إحراق الرحل ، فإن ذلك أعظم النكال . وكما لا يحرق رحل ~~الغال لا يحرم سهمه من الغنيمة ولا من العطاء ، لأنه لو سرق مالا ، لا نصيب ~~له فيه لا يحرم سهمه به ، فإذا كان له نصيب أولى . والذين يقولون بإحراق ~~رحله يقولون لا يحرق المصحف ولا الحيوان ولا السلاح فيه يقاس سائر الأمتعة ~~. PageV04P1208 فإن قالوا : إنما لا يحرق الحيوان لمعنى المثلة ، فينبغي ~~لهم أن يذبحه ثم يحرقوه ، وإن قالوا : لا يحرق السلاح لأنه يتقوى به على ~~القتال ، فكذلك سائر الأمتعة ، لأن الغازي لا يستصحب في العادة إلا ما ~~يحتاج إليه للقتال . والدليل على ضعف هذا الحديث المروي فيه أن الغلول فيما ~~نرى ما كان في زمن من الأزمنة أكثر منه في زمان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكثرة المنافقين والأعراب ، الذين يغزون معه ، وهم كانوا أصحاب غلول ، ~~وكان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يفعلون وما يعتقدون ~~، وأهل المغازي لم يدعوا شيئا مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مغازية إلا رووه ، فلو كان أحرق رحل أحد لنقلوا ذلك مستفيضا وحيث لم يوجد ~~ذلك في شيء من الكتب المشهورة عرفنا أن الحديث لا أصل له ، ثم فيه إثبات حد ~~بحديث شاذ وإثبات ما يخالف الأصول مما يثبت مع الشبهات ، بمثل هذا الحديث ~~الشاذ لا يجوز فكيف يثبت به ما يندرئ ms0693 الشبهات ؟ ! أرأيتم ثيابه التي عليه ؟ ~~أتحرق ويترك عريانا فلعله لا يؤمن عليه أن يموت من البرد ، PageV04P1209 ~~أرأيتم إن لم يكن له رحل ؟ أيحرق متاعه الذي في بيته بالثغر أو ما عنده من ~~وديعة أو عارية لإنسان في رحله ؟ أرأيتم رجلين أعار كل واحد منهما صاحبه ~~متاعا ثم غل كل واحد منهما ، أيحرق ما عند كل واحد منهما من متاع صاحبه ؟ ~~أرأيتم قوما مجتمعين في رحل غل بعضهم ، وعلم به أصحابه ولم يخبروا بما صنع ~~أيحرق متاعه خاصة أو متاعهم بكتمانهم عليه ؟ ، واستكثر من الشواهد في تبعيد ~~قول من يقول بحرق رحل الغال ، ثم ذكر الأصل الذي بينا في كتاب الاستحسان . ~~إن الكبار من الصحابة - رضي الله تعالى عليهم - كانوا لا يعملون بخبر ~~الواحد حتى يشهد به غيره معه أو حتى يحلف كما هو قول علي - رضي الله تعالى ~~عنه - فإذا كان هذا مذهبهم فيما يثبت مع الشبهات كالميراث ، وفي الاستئذان ~~الذي لا يتعلق به حكم ملزم ، فكيف يعتمد على حديث شاذ في إقامة حد عظيم ، ~~وهو إحراق رحل الغال فإن ذلك مما لا يجوز إثباته مع الشبهة ، PageV04P1210 ~~ألا ترى أن الصحابة - رضي الله تعالى عليهم - اتفقوا على حد الخمر ، ثم كان ~~علي - رضي اله تعالى عنه - يقول : ' ما كنت لأقيم على رجل حدا فيموت فيكون ~~في نفسي من ذلك شيء إلا حد الخمر ' ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبا بكر - رضي الله تعالى عنه - لم يسناه ، فبهذا تبين أن قول من يقول ~~بإحراق رحل الغال ضعيف جدا ، والله الموفق . PageV04P1211 # | باب الشراء فيمن يزيد وبيع السهام # ولا بأس ببيع الغنائم فيمن يزيد ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم باع قعبا ~~وطستا بيع من يزيد ، وإنما أوردت هذا لأن من الناس من يكره بيع المزايدة ، ~~وقال : إنه استيام على سوم الغير ، وقال صلى الله عليه وسلم : ' لا يستام ~~الرجل على سوم أخيه ' ، وليس كما ظنوا فالاستيام على سوم الغير إنما يكون ~~بعد أن سركن كل واحد منهما إلى صاحبه ، والمزايدة ms0694 تكون قبل ذلك حتى أن صاحب ~~المتاع إذا كان هو المنادي على سلعته ، فإن طلبه إنسان بثمن سماه فلم يسكت ~~عن النداء فلا بأس لغيره أن يزيد ، وإن سكت عن النداء وركن إلى ذلك لم يحل ~~لأحد أ ، يزيد ، لأن ذلك يكون استياما على سوم الغير . وإن كان المنادي هو ~~الدلال فما لم يخبر به صاحب المتاع ، يجوز لغيره أن يزيد ، وإذا أخبره بلك ~~فركن إليه لم يحل PageV04P1212 لأحد أن يزيد بعد ذلك ، وذكر عن مكحول أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السهام حتى تقسم ، وبه نأخذ فإن ~~بيع الغازي سهمه قبل القسمة باطلا ، لأنه باع ما لا يملك . ألا ترى أنه لو ~~أعتق كان عتقه باطلا فالبيع أحرى أن يكون باطلا ، ألا ترى أنه لا يدري أن ~~نصيبه أين يقع ؟ وما دام في دار الحرب لا يدري أنه هل يبقى حيا حتى يكون له ~~نصيب أو يموت قبل الإحراز ؟ . وهذا هو المراد بما يرويه عمر بن عبد العزيز ~~- رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الغنائم حتى تقسم ، وقد بينا أن بيع الإمام الغنائم قبل القسمة جائز ، ~~فيكون المراد بالنهي بيع الرجل سهمه . وذكر عن الشعبي - رحمة الله عليه - ~~في الرجل يشتري الجارية من المغنم ، ثم يجد بها داء ، قال : يردها ، وبه ~~نأخذ ، فإن المشتري يستحق بمطلق العقد سلامة المعقود عليه ، سواء اشتراه من ~~الغنيمة أو من المالك ، فإذا لم يسلم له ذلك ردها بالعيب ، فإن كانت ~~الغنيمة لم تقسم رد عليه ثمنها ، وإن كانت قد قسمت بيعت الجارية مع بيان ~~عيبها ، ويعطى الأول ثمنها من PageV04P1213 الثمن الثاني ، فإن فضل شيء منه ~~جعل في بيت المال ، وإن نقص الثمن الثاني عن الثمن الأول فذلك على بيت ~~المال أيضا ، ثم ذكر بابا في كيفية الرد بالعيب ، وقد بينا ذلك فيما أملينا ~~من شرح الزيادات والله أعلم بالصواب . PageV04P1214 # | باب من السبايا والنفقة عليهم والعهدة في بيعهم # وإذا سبى أهل رجل ms0695 من أهل الحرب وولده فوقعوا في سهم رجل فجاء الحربي ~~بأمان فقال : آتيك بثمنهم حتى أشتريهم وأودعهم في دار الإسلام ووقع له أن ~~يسلم أو يكون ذميا فيقول المسلم : نعم ، فالرقيق على حالهم رقيق للذي وقع ~~في سهمه ، لأنه ما جرى بينه وبين الحربي عقد ، وإنما جرى بينهما الميعاد أو ~~الاستيام ، وبه لا يثبت الملك للحربي فيهم ، ولا يلزم المسلم الامتناع من ~~التصرف فيهم ، ولكن يستحب له أن يفي بعدته ، لأن الوفاء بالعهد من أخلاق ~~المؤمنين ، وخلف الوعد من صفات المنافقين به ورد الأثر . فلا ينبغي له أن ~~يخرجهم من ملكه حتى يخلف الحربي الموعد إلا العتق فإنه لا بأس بأن يعتقهم ~~قبل مجيء الحربي ، لأن في هذا تحصيل مقصود الحربي . PageV04P1215 فلا يكون ~~من خلف الوعد في شيء إلا الزوجة فإنه لا ينبغي له أن يعتقها حتى يخلف ~~الحربي الموعد ، لأن الحربي إذا اشتراها لم تعتق وكانت أمة له ، بخلاف ~~الأولاد ففي إعتاقه إياها قبل مجيئه خلف الوعد ، وهو نظير ما قلنا في ~~المكاتب يشتري زوجته مع أولاد له منها ، فأعتق المولى بعض أولاده ينفذ عتقه ~~فيه ، ولو أتعق زوجته لم ينفذ عتقه فيها ، لأن في إعتاقه الولد يحصل ~~للمكاتب مقصوده وليس في إعتاق الزوجة تحصيل مقصوده فإنها بعد أداء بدل ~~الكتابة تكون مملوكة له يطؤها بملك اليمين . فإن أخلف الحربي الوعد فلا بأس ~~للمسلم بأن يتصرف فيهم بما شاء ، لأن بإخلاف الحربي يرتفع حكم ذلك الوعد ، ~~وإنما يتبين ذلك بان لا يجيء إلى الوقت الذي وقت له ، فإن كان لم يوقت له ~~في ذلك وقتا فذلك على قدر الذهاب والمجيء ومقدار أيام على قدر ما يرى أنه ~~يحتبس لجمع المال ، لأن البناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على ~~حقيقة الحال . # فإن كان الحربي حين ذهب ليأتي بالثمن دفع دنانير أو دراهم إلى المولى ~~وقال : أنفق هذا عليهم ففعل ذلك ، PageV04P1216 ثم جاء الحربي فأراد أن ~~يجعل ذلك من الثمن ، وقال : دفعته إليك قرضا وقال المولى : دفعته إلي صلة ms0696 ، ~~فالقول قول الحربي مع يمينه ، لأنه هو الدافع للمال ، فالقول في المدفوع ~~قول الدافع ، لأن بمطلق الدفع لا PageV04P1217 يثبت إلا الأقل المتيقن به ، ~~وذلك القرض فيكون القول قول الحربي في ذلك . سواء قال : قد ذكرت لك أنه قرض ~~، أو قال : نويت ذلك في نفسي ، وكذلك لو كان أعطاه شيئا من الطعام مما ~~يتأتى فيه الإدخار ، لينفقه عليهم ، وإن كان أعطاه شيئا مما لا يمكن إدخاره ~~كالخبز واللحكم والثريد ، فالقول فيه أيضا قول الحربي في القياس ، لأن ذلك ~~كله ملكه ، ولكنه استحسن في هذا فقال : القول قول المسلم ولا شيء للحربي ~~عليه ، لأن الظاهر أن الدفع في مثله يكون على سبيل الهدية دون القرض ~~والبناء على الظاهر واجب . وهذا القياس والاستحسان نظير ما قالوا في الزوج ~~إذا بعث إلى زوجته شيئا قبل أن يبني بها ، ثم زعم أنه بعث ذلك إليها بجهة ~~الصداق وقالت المرأة : بل هي هدية ، فالقول قول الزوج في ذلك كله ، إلا في ~~الطعام الذي لا يمكن ادخاره فإن القول في ذلك قولها استحسانا . وكذلك إن ~~كان الحربي أعطاه ثيابا ليكسوهم ، والحاصل أنهم مماليك المسلم ، فدفع ذلك ~~إليهم بنفقتهم وكسوتهم بمنزلة دفعه إليه لينفق على نفسه ، فلا يتعين فيه ~~جهة الصلة إلا بالتصريح به ، ثم ذكر ثلاث أبواب قد تقدم بيان شرحها في ~~الزيادات . PageV04P1218 # | باب من الشهادات في الغنائم والفيء # ولو صالحوا أهل الحصن على أن يؤمنوا أحرارهم ويكون للمسلمين رقيقهم ~~ففتحوا الحصن ، ثم قال المسلمون لناس منهم : هؤلاء من أرقائك ، وقال أولئك ~~القوم : نحن من أحرارهم ، فالقول قول أولئك القوم مع إيمانهم ، لأن من في ~~يد نفسه القول قوله فيما يدعي من الحرية ، ما لم يثبت رقه بالحجة فإن قيل : ~~هذا نوع ظاهر يدفع به الاستحقاق ولا يثبت به استحقاقهم أنفسهم بعدما ظهر ~~المسلمون عليهم ، قلنا : هم بهذا الظاهر يدفعون ظهور الاستحقاق على أنفسهم ~~، لأن الظهور عليهم إنما يوجب الاستحقاق في حق من لم يتناوله الصلح والأمان ~~، فما لم يثبت أن هؤلاء من جملة من لم يتناوله ms0697 الصلح لا يثبت الاستحقاق ~~عليهم ، وبهذا تبين أنهم يدفعون الاستحقاق عن أنفسهم ، فالقول قولهم مع ~~إيمانهم . فإن شهد عليهم شهود عدول من المسلمين ، أو من أهل الذمة ، أنهم ~~من أرقائهم قبلت الشهادة ، لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت بإقرار ~~الخصم . PageV04P1219 ولا يمتنع بول هذه الشهادة بسبب ما للشهود في المشهود ~~به من النصيب بالسهم أو الرضخ ، لأن ذلك ليس بشركة ملك ، وقد بينا أن مثل ~~هذه الشركة لا يمنع قبول الشهادة . ألا ترى أنه لو شهد به قوم ممن لا نصيب ~~بهم في الغنيمة كان للقاضي أن يقضي بشهادتهم ، وإن كان القاضي من جملة ~~الغانمين ، ومعلوم أن ولاية الشهادة دون ولاية القضاء ، فإذا كان النصيب ~~للقاضي بهذا الطريق فلا يمنع صحة قضائه فيه ، فالنصيب للشاهد أولى يمنع ~~قبول شهادته فيه . ثم استكثر من الشواهد لذلك حتى قال : لو شهد قوم من ~~الغزاة على واحد منهم بالغلول قبلت شهادتهم ، مع وجود النصيب لهم في ~~المشهود به ، ولو لم تقبل شهادتهم في ذلك لأجل نصيبهم لم يقبل فيه أيضا ~~شهادة آبائهم وأولادهم ، لأن شركة الملك كما تمنع قبول شهادة الشريك في ~~المال المشترك تمنع قبول شهادة أبائه وأولاده في ذلك ، ولو بطلت الشهادة ~~لهذا بطلت فيه شهاد الفقراء والمساكين ممن لم يشهد القتال ، لأن لهم في ~~المشهود به نصيبا باعتبار الخمس وبطلت أيضا شهادة المسلمين على من سرق من ~~بيت المال شيئا لثبوت الحق للشاهد في ذلك ، وأحد لا يقول PageV04P1220 بهذا ~~فعرفنا أن الشركة العامة لا تمنع قبول الشهادة وإنه إنما يمنع قبول الشهادة ~~باعتبار شركة المالك ، لأن الشاهد يثبت الملك لنفسه بشهادته ، فأما من يثبت ~~حقا عاما لا ملكا فإنه لا يمنع قبول شهادته ، ألا ترى أنه لو شهد مسلمان ~~على رجل أنه بنى داره هذه في طريق المسلمين أمره الإمام بهدمها ، حتى ~~يعيدها طريقا كما كانت ، ومعلوم أن في الطريق حقا لكل أحد فكان الشاهد ~~منتفعا بشهادته من هذا الوجه ، ولكن لما انعدم الملك له في المشهود به ~~واليد ، وكانت شهادته ms0698 مقبولة ، فكذلك ما سبق ، والله أعلم . PageV04P1221 # | باب ما يتبايع أهل الإسلام بينهم مما يأخذونه من الأطعمة والأعلاف # قد بينا أن لكل واحد من الغانمين حق التناول من الطعام والعلف قبل إحراز ~~الغنيمة بالدار ، فإن أصاب أحدهم شيئا من ذلك كثيرا فليأخذ منه مقدار ~~كفايته وليقسم سائر ذلك بين أصحابه ، لأنه باعتبار سبق يده إليه صار أحق به ~~بقد حاجته ، فعليه فيما يفضل عن حاجته أن يوصله إلى المحتاجين منهم . فإن ~~أراد أن يحمل الفضل إلى منزل آخر نظر فإن كان يعلم أنه لا يصيب في ذلك ~~المنزل شيئا فلا بأس له بذلك ، لأنه من جملة حاجته وتجدد الحاجة إلى الطعام ~~والعلف في كل منزل معلوم ، وما يعلم وجوده بطريق الظاهر فهو كالموجود حقيقة ~~. ألا ترى أن من لا يملك من الزاد والراحلة وما يحتاج إليه في الذهاب ~~والرجوع في طريق الحج وما يترك للعيال في هذه المدة لا يلزمه الحج وباعتبار ~~حق يده صار هو أحق بما كان مشغولا بحاجته ، فكان له ألا يعطيه غيره . ~~PageV04P1222 وإن كان يعلم أنه يصيب في المنزل الآخر مثل هذا ولكنه يكره ~~الطلب في المنزل الآخر ، فلعله يشق ذلك عليه أن يدفع الفضل إلى المحتاجين ~~من أصحابه ، لأنه فاضل عن حاجته بتمكنه من إصابة مقدار حاجته في المنزل ~~الآخر ، وحاجة أصحابه إلى ما في يده متحققة في الحال . فليس له أن يمنعهم ~~حقهم لتحصيل الراحة لنفسه أو لطمأنينة قلبه ، فإن أبى أن يعطيهم فأخذوا ذلك ~~منه فلا بأس في الفصل الثاني ، ومكروه في الفصل الأول ، لأنه إذا ظفر بجنس ~~حقه ، وإذا كان له حق المنع شرعا فليس لهم أن يبطلوا عليه هذا الحق بالأخذ ~~منه لحرمة يده هاهنا . وفي الوجهين لاضمان عليهم ، لأنها غير محرزة بالدار ~~فلا يضمن مستهلكها شيئا . وإن أخذوا ذلك منه فخاصمهم إلى الإمام قبل أن ~~يأكلوا فإن كان هو محتاجا إلى ذلك رده الإمام عليه ، لأن الأخذ منه مع قيام ~~حاجته تعد وعلى الإمام إزالة اليد المتعدية . PageV04P1223 وكذلك إن كانا ~~جميعا ms0699 غنيين عنه ، لأن يده إلى ذلك كانت أسبق ، وإنما يجوز الأخذ منه ~~باعتبار الحاجة للمحتاج . فإذا لم يكن الآخذ محتاجا إليه كان متعديا في ~~إزالة يده ، وإن كان الثاني محتاجا إليه دون الأول لم يسترده منه الإمام ، ~~لأنه يحق أخذه منه ، وعلى الإمام تقرير اليد المحقة . فأما إذا كانا غنيين ~~عنه فللإمام أن يأخذه منهما فيدفعه إلى غيرهما ، وإذا ثبت بهذا الطريق أن ~~له ولاية الاسترداد من الثاني ثبت له ولاية الرد على الأول ، لمراعاة قلبه ~~، كما لو تخاصما عنده ، قبل أن يأخذه منه ، وهكذا الحكم الذي ذكرنا في كل ~~ما يكون للمسلمين فيه حق ، كالنزول في الرباطات والجلوس في المساجد لانتظار ~~الصلوات ، والنزول بمنى أو عرفات للحج ، حتى إذا ضرب رجل فسطاطا في مكان ~~وقد كان ذلك المكان ينزل فيه غيره قبل ذلك ومعروف بذلك ، فالذي بدر إلى ذلك ~~المنزل أحق به ، وليس للآخر أن يحوله منه ، لأن يده سبقت إليه ، والإحراز ~~في المباح يحصل بسبق اليد كالصيد والحطب والحشيش ، فإن كان أخذ من ذلك ~~موضعا واسعا فوق ما يحتاج إليه فلغيره أن يأخذ منه ناحية لا يحتاج إليها ~~فينزلها معه ، PageV04P1224 لأنه باعتبار سبق يده إنما صار أحق به لحاجته ، ~~ولو طلب ذلك منه رجلان كل واحد منهما يحتاج إلى أن ينزل فيه فأراد الذي بدر ~~إليه أن يعطيه أحدهما دون الآخر كان له ذلك ، لأن حاجة من اختاره كحاجته ~~وعند قيام حاجته هو أحق به باعتبار يده ، فكذلك عند قيام حاجة من اختاره ، ~~لأنه قد يرغب في مجاورة بعض الناس دون البعض ، ويعد الإنسان ذلك من حوائجه ~~، والدليل أن حديث الزبير - رضي الله تعالى عنه - فإنه كان يسبق الناس إلى ~~المنازل فيجعل على كل موضع علامة فإذا جاء أصحابه أعطاهم تلك المنازل التي ~~كان أخذها ، ولو بدر إليه أحدهما فنزله فأراد الذي كان أخذه في الابتداء ~~وهو عنه غني أن يخرجه عنه وينزله محتاجا آخر لم يكن له ذلك ، لأن هذا الرأي ~~كان له باعتبار يده ، وقد اعترض ms0700 عليهما يد أخرى هي محقة باعتبار حاجة ~~صاحبها ، فليس له ولاية إبطالها عليه ، فإن قال : إنما كنت أخذته لهذا ~~الآخر بأمره لا لنفسي استحلف على ذلك ، لأنه أخبر بخبر محتمل فيحلف على ذلك ~~، لإنكار خصمه ، وبعد الحلف له أن يأخذه من يد الذي بدر إليه ، لأنه تبين ~~أن يده فيه كانت الذي أمره بذلك ، وقيام حاجة الآمر يمنع غيره من إثبات ~~اليد عليه ، فإذا ظهر أن يده يد متعدية أمر بإزالتها وهذا هو الحكم أيضا ~~فيما يفضل من حاجة الآخذ من الطعام والعلف إذا قال أخذته لفلان بأمره . ولو ~~أن رجلين من أهل العسكر أصاب أحدهما شعيرا والآخر قضبا فتبادلا ، وكل واحد ~~منهما محتاج إلى PageV04P1225 ما اشترى ، فلكل واحد منهما أن يتناول ما ~~اشترى من صاحبه ، وليس هذا ببيع بينهما ، لأن لكل واحد منهما أن يصيب من ~~العلف مقدار حاجته إلا أن قيام حاجة صاحبه كان يمنعه من الأخذ منه بغير ~~رضاه ، فيسترضي كل واحد منهما صاحبه بهذه المبايعة ، ثم يتناول بأصل ~~الإباحة . بمنزلة الأضياف على المائدة إذا تناول اثنان طعاما بين يدي كل ~~واحد منهما لم يكن ذلك بيعا ، ولكن كل واحد منهما كان ممنوعا من أن يمد يده ~~إلى ما بين يدي غيره بغير رضاه ، فبعد وجود التراضي بهذا السبب يتناول كل ~~واحد منهما على ملك المضيف باعتبار الإباحة منه . وإن كان كل واحد منهما ~~محتاجا إلى ما أعطى صاحبه ، وصاحبه محتاج إلى ذلك أيضا فأراد أحدهما نقض ما ~~صنع فليس له ذلك ، لأنه اعترض على يده يد محقة فإن صاحبه أخذه بطيبة نفسه ، ~~فقيام حاجته يمنعه من الأخذ منه ، كما لو كان هو الذي بدر إليه في الابتداء ~~. وإن كان البائع محتاجا إلى ما أعطي وكان المشتري غنيا عنه ، فللبائع أن ~~يأخذ ما أعطى ويرد ما أخذ ، لأن صاحبه لو كان هو الذي بدر إليه في الابتداء ~~وهو غني عنه ، كان له أن يأخذه منه لحاجته إليه ، فكذلك إذا كان هو الذي ~~سلمه إليه ، PageV04P1226 إلا أن هناك ms0701 يأخذه منه من غير أن يعطيه شيئا ، ~~وهاهنا يرد عليه ما أخذه منه بمقابلته ، لأنه لو لم يرد ذلك عليه كان غرورا ~~منه ، والغرور حرام ، حتى لو كان وهبه له كان له أن يأخذه لحاجته إليه إذا ~~كان الموهوب له غنيا عنه من غير أن يعطيه شيئا بمقابلته . وإن كان حين قصد ~~الاسترداد م صاحبه أعطاه صاحبه محتاجا إليه لم يكن له أن يأخذه منه ، لأنه ~~هو الذي سلطه على الدفع إلى غيره ، فكأنه دفعه بنفسه إلى هذا المحتاج ، ثم ~~أراد أن يأخذه منه ، وقيام حاجة من في يده في مثل هذا بمنعه من الأخذ منه . ~~ولو تبايعا ، وهما غنيان أو محتاجان أو أحدهما غني والآخر محتاج ، فلم ~~يتقابضا حتى بدا لأحدهما ترك ذلك فله أن يتركه ، لأن هذه المبايعة ما كانت ~~معتبرة شرعا فإنها لم تصادف محلها فكان الحال بعدها كالحال قبلها ، ما لم ~~يتقابضا ، فإن هذا الحكم يبتنى على اليد بمجرد المبايعة قبل القبض لا تتحول ~~اليد من أحدهما إلى الآخر . ولو أقرض أحدهما صاحبه شيئا على أن يعطيه مثله ~~، فإن كان كل واحد منهما غنيا عن ذلك ، أو محتاجا إليه ، فليس على المستقرض ~~شيء ، PageV04P1227 لأنه تناول باعتبار أنه من طعام الغنيمة ، وإنما ~~الاستقراض كان لتطيب نفس صاحبه بالتسليم إليه فلا يلزمه باعتباره ضمان ان ~~استهلكه ، وإن لم يستهلكه بعد ، فالمقرض أحق به إذا أراد استرداده . لأنه ~~ما رضي بتحويل اليد إلى صاحبه ، إلا بشرط أن يجب له عليه مثله وقد تعذر ~~إيجاب هذا الشرط فينعدم رضاه ويصير هذا وما لو أخذه صاحبه منه بغير رضاه ~~سواء . وإن كان الآخذ محتاجا إليه والمعطي غنيا عنه فليس له أن يأخذه منه ، ~~لأنه لو أخذه منه بغير رضاه كان هو أحق به لحاجته إليه وغنى صاحبه عنه ، ~~فإذا أخذه برضى أولى . وإن كانا غنيين عنه حين أقرضه ثم احتاجا إليه قبل ~~الاستهلاك فالمعطي أحق به ، لأن حاجتهما إذا اعترضت قبل حصول المقصود فهو ~~في حكم الموجود عند ابتداء الأخذ ، وقد ms0702 بينا أن رضى المعطي لم يتم به حين ~~لم يسلم له الشرط فهو أحق بالاسترداد . وإن احتاج الآخذ أولا ثم احتاج إليه ~~المعطي ، أو لم يحتج إليه فلا سبيل له على الآخذ ، لأن PageV04P1228 ~~باعتبار حاجة الآخذ قد اتصفت يده بالحقيقة فلا يكون لأحد أن يزيلها بغير ~~رضاه وإن احتاج إلى ذلك . وإن اشترى أحدهما حنطة من صاحبه مما هو غنيمة ~~بدراهم من مال المشتري ، فدفع الدراهم وقبض الحنطة فهو أحق بها من غيره ، ~~إذا كان هو إليها محتاجا ، لأنه أثبت يده عليها بطيب نفس صاحبه ، وقد تأكدت ~~يده لحاجته . فإن أراد أحدهما نقض البيع ، والحنطة قائمة بعينها فله ذلك ، ~~لأن ما جرى بينهما لم يكن بيعا حقيقة ، فإنهما في تناول طعام الغنيمة سواء ~~. فيرد المشتري الحنطة ويأخذ دراهمه إن كانا غنيين عنها ، أو كان البائع ~~محتاجا إليها والمشتري غنيا فإن كان المشتري هو المحتاج إليها فعلى البائع ~~أن يرد ثمنه ، لأنه أخذه من غير سبب صحح معتبر شرعا . والحنطة سالمة ~~للمشتري ، لأن يده فيها اتصفت بالحقية لحاجته ، لا لتسليم الباع إليه ، فإن ~~البائع إذا كان غنيا عنها كان له أن يأخذها منه بغير رضاه . PageV04P1229 ~~وإن كان المشتري قد استهلكها فعلى البائع رد الثمن عليه ، وما استهلكه ~~المشتري سالم له على كل حال ، فإن ذهب المشتري ولم يقدر عليه البائع ليرد ~~عليه الدراهم ، فهي في يده بمنزلة اللقطة إلا أنها مضمونة في يده ، لأنه ~~قبضها على قصد التملك لنفسه ، فحكمه كحكم الملتقط لقصد التملك بالأخذ ، ثم ~~يبدو له ذلك في الإمساك ، والتعريف والتصدق به بعد التعريف على ما هو معلوم ~~في اللقطة . فإن رفع أمرها إلى صاحب المغانم والمقاسم قال : قد أجزت بيعك ~~فهات الثمن جاز له أن يدفع الثمن إلى صاحب المغانم ، لأن للملتقط أن يدفع ~~اللقطة إلى الإمام إذا طلب ذلك منه ، فهذا مثله . ائع رد الثمن عليه ، وما ~~استهلكه المشتري سالم له على كل حال ، فإن ذهب المشتري ولم يقدر عليه ~~البائع ليرد عليه الدراهم ، فهي في يده ms0703 بمنزلة اللقطة إلا أنها مضمونة في ~~يده ، لأنه قبضها على قصد التملك لنفسه ، فحكمه كحكم الملتقط لقصد التملك ~~بالأخذ ، ثم يبدو له ذلك في الإمساك ، والتعريف والتصدق به بعد التعريف على ~~ما هو معلوم في اللقطة . فإن رفع أمرها إلى صاحب المغانم والمقاسم قال : قد ~~أجزت بيعك فهات الثمن جاز له أن يدفع الثمن إلى صاحب المغانم ، لأن للملتقط ~~أن يدفع اللقطة إلى الإمام إذا طلب ذلك منه ، فهذا مثله . فإن جاء صاحب ~~الدراهم بعد ذلك نظر فإن كان قد استهلك الحنطة قبل أن يجيز صاحب المغانم ~~البيع فالدراهم مردودة عليه ، لأن صحة الإجازة تستدعي بقاء المعقود عليه في ~~يد المشتري ، فإن الإجازة في حكم ثبوت الملك للمشتري في المحل كإنشاء العقد ~~فإذا بطلت الإجازة وجب رد دراهمه عليه . PageV04P1230 فإن كان لم يستهلكها ~~إلا بعد الإجازة فالدراهم في الغنيمة ، لأن إجازة صاحب المغانم بيعه كإنشاء ~~العقد منه ، ولو باع بنفسه الطعام من الغانمين بدراهم كان ذلك جائزا ، وكان ~~الثمن في الغنيمة وإن كان هو مسيئا فيما صنع فهذا مثله . فإن قال المشتري : ~~قد كنت أكلت الحنطة قبل أن يجيز البيع فرد علي الدراهم وحلف على ذلك لم ~~يصدق ولم يرد عليه الدراهم حتى يقيم البينة أنه كان استهلكها قبل إجازة ~~البيع ، لأن ما عرف قيامه فالأصل بقاؤه ما لم يعلم الهلاك ، وهذا لأن ~~الاستهلاك حادث ، فإنما يحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات ، فإذا أراد استناده ~~إلى وقت سابق لم يصدق على ذلك إلا بحجة . ولو أن رجلين أصاب أحدهما حنطة ~~والآخر ثوبا فأرادا أن يتبايعا فليس لهما ذلك ، لأن الذي أصاب الثوب ممنوع ~~من الانتفاع به من غير ضرورة ، فيكون ممنوعا عن التصرف فيه أيضا ، بخلاف ~~الطعام . PageV04P1231 فإن فعلا واستهلك كل واحد منهما ما أخذ من صاحبه في ~~دار الحرب فلا ضمان على واحد منهما ، إلا أن بائع الثوب مسيء في البيع ، ~~لأن حق التصرف في الغنيمة للإمام فهو يفتات على رأي الإمام بهذا التصرف ، ~~فيكون مسيئا فيه ، والمشتري للثوب قد ms0704 استهلك ثوبا من الغنيمة من غير ضرورة ~~له في ذلك فيكون مسيئا أيضا . وإن لم يستهلكا ذلك حتى دخلا دار الإسلام فقد ~~وجب على كل واحد منهما رد ما في يده ، لأن ما جرى بينهما من المبايعة كان ~~باطلا ، فما في يد كل واحد منهما من جملة الغنيمة ، وقد تأكد حق الغانمين ~~فيه بالإحراز ، فعليه رده ، وإن استهلكه كان ضامنا ، لأن الطعام إنما يخالف ~~سائر الأموال قبل تأكد الحق بالإحراز ، فأما بعد التأكد فهو كسائر الأموال ~~، يجب قسمته بين الغانمين ولا يحل لأحد منهم أن يتناول شيئا في دار الحرب ~~بعد ، ولم يستهلكا ذلك ، فعلى الذي قبض الثوب في الغنيمة ، كما لو كان هو ~~الذي أصابه ابتداء وأما الذي قبض الحنطة فالحكم في حقه ، PageV04P1232 ما ~~هو الحكم في الفصل الأول من اعتبار حاجتهما ، أو غناهما أو حاجة الآخذ دون ~~المعطي ، أو المعطي دون الآخذ في جميع ما ذكرنا فإن كان المشتري للحنطة قد ~~ذهب بها ، ولا يوقف على أثره ، أخذ صاحب المغانم الثوب ممن هو في يده ، كما ~~لو كان هو الذي أخذه ابتداء ، وإن كان الآخذ للثوب هو الذي لم يوقف عليه ~~فإن صاحب المغانم لا يعرض لمشتري الحنطة بشيء ، ما داوا في دار الحرب ، ~~بمنزلة ما لو كان هو الذي أصابها في الابتداء ، فإن كان إخراجها قبل أن ~~يأكلها أخذها منه صاحب المغانم فجعلها في الغنيمة ، ولو أن رجلا من أهل ~~العسكر استأجر رجلا لتعلف له ، فذهب الرجل إلى بعض المطامير ، وأتاه بذلك ~~العلف ، ثم قال : قد بدا لي ألا أعطيك هذا ، وآخذه لنفسي ، وأرد عليك الأجر ~~، وأبى المستأجر إلا أن يأخذه ، فإن أقر الأجير أنه جاء به على الإجازة . ~~أجبر على دفعه إلى المستأجر ، وإن كانا محتاجين إليه أو كانا غنيين عنه ، ~~لأن يد الأجير كيد المستأجر ، وقد صحت هذه الإجازة ، ل ، الأجير عقد العقد ~~على منافعه ، وما استؤجر عليه ليس من الجهاد في شيء . PageV04P1233 وإن كان ~~الأجير محتاجا إلى ذلك ، والمستأجر غنيا عنه ، فله أن يمنعه ms0705 ، لأنه لو كان ~~في يد المستأجر كان للأجير حق الأخذ منه ، لحاجته فإذا كان في يد الأجير ~~أولى أن يكون له حق المنع منه . ولكن لا أجر له عليه ، وإن كان قد أخذه منه ~~رده عليه ، لأنه لم يسلم إليه المعقود عليه حين منعه ما جاء به . ولو كان ~~استأجره ليحتش له حشيشا ، والمسألة بحالها ، فللمستأجر أن يأخذه منه ، وإن ~~كان هو غنيا عنه ، والأجير محتاجا إليه إذا أقر أنه احتشه له ، بينا فيما ~~سبق أن الحشيش ليس من جملة الغنيمة . ولو احتشه المستأجر لنفسه لم يكن ~~لغيره أن يأخذه منه وإن كان محتاجا إليه ، ودار الحرب ودار الإسلام في ذلك ~~سواء فكذلك إذا احتشه له لغيره ، لأن يد أجيره كيده ، بخلاف الطعام فإنه من ~~جملة الغنيمة ، حتى لو بقي إلى وقت القسمة ، كان مقسوما بين الغانمين ، ~~فإذا كان الأجير محتاجا إليه غنيا عنه كان المحتاج إليه أحق به . ~~PageV04P1234 ثم في الطعام إن سلمه الأجير إلى المستأجرين حين جاء به ثم ~~أراد أن يأخذه بعد ذلك لحاجته إليه ، وغنى المستأجر عنه فله ذلك ، وبه يظهر ~~الفرق بينه وبين الحشيش . وإذا أخذه هاهنا لم يسقط حقه في الأجر ، لأن حكم ~~العقد قد انتهى بالتسليم إليه ، وقد تقرر حقه في الأجر ثم الأخذ بعد ذلك ~~منه بحق لا يكون فوق الأخذ بطريق الغصب ، وذلك لا يسقط حقه في الأجر ، فهذا ~~أولى . وإن كان استأجره ليأتيه بالعلف من بعض المطامير ولم يسم له مطمورة ~~بعينها ، فأتاه بعد ذلك فله أجر مثله ، لا يجوز به ما سمى لهمن الجر ، لأن ~~العقد كان فاسدا لجهالة المعقود عليه ، وهو ذهابه ومجيئه ، والحكم في ~~الإجازة الفاسدة وجوب أجر المثل ، بعد إيفاء المعقود عليه ، وكذلك لو لم ~~يجد شيئا فرجع إليه ، لأنه قد أقام العمل الذي استأجره عليه ، وهو الذهاب ~~والطلب فله أجر المثل بخلاف ما سبق في العقد الصحيح أنه إذا منعه ما جاء به ~~لم يكن له عليه أجر المثل ، لأن هناك بالمنع يصير في حكم ms0706 العامل لنفسه ، ~~فلا يستوجب الأجر على غيره حتى أن هناك لو لم يجد شيئا كان له أجر الذهاب ~~أيضا . PageV04P1235 لأنه كان عاملا له في الذهاب ، وهو غير عامل له في ~~الرجوع ، حين لم يأت بالطعام والعلف ، فعرفت أنه لا فرق بين العقد الفاسد ~~والصحيح ، بل في الموضعين جميعا إن لم يدفعه إليه ما جاء به فلا أجر له ، ~~وإن لم يجد شيئا فله الأجر في الذهاب من المسمى في العقد الصحيح ، ومن أجر ~~المثل في اعقد الفاسد ولا أجر له في الرجوع لأنه غير عامل له ذلك ، والله ~~الموفق . PageV04P1236 # | باب هدية أهل الحرب # وإذا بعث ملك العدو إلى أمير الجند بهدية فلا بأس بأن يقبلها ويصير فيئا ~~للمسلمين ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل هدية المشركين في ~~الابتداء ، على ما روي أنه أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة . واستهداه أدما ثم ~~لما ظهر منهم مجاوزة الحد في طلب العوض أبى قبول الهدية منهم بعد ذلك ، ~~وقال : إنا لا نقبل زبد المشركين ، فبهذا تبين أن للأمير رأيا في قبول ذلك ~~، ولأن في القبول معنى التأليف وفي الرد إظهار معنى الغلظة والعدواة . وإذا ~~طمع في إسلامهم فهو مندوب إلى أن يؤلفهم فيقبل الهدية ، ويهدي إليهم ، عملا ~~بقوله عليه السلام : ' تهادوا تحابوا ' . وإذا لم يطمع في في إسلامهم فله ~~أن يظهر معنى الغلظة والشدة عليهم برد الهدية ، فإن قبلها كلن ذلك فيئا ~~للمسلمين ، لأنه ما أهدى إليه بعينه بل لمنعته ومنعته للمسلمين ، فكان هذا ~~بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين . PageV04P1237 وهذا بخلاف ما كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الهدية ، فإن قوته ومنعته لم تكن بالمسلمين على ~~ما قال الله - تعالى - : ' والله لا يعصمك من الناس ' ، فلهذا كانت الهدية ~~له خاصة ثم الذي حمل المشرك على الإهداء إليه خوفه منه وطلب الرفق به وبأهل ~~مملكته ، وتمكنه من ذلك بعسكره ، فكانت الهدية بينه وبين أهل العسكر ، ~~وكذلك إن كانت الهدية إلى قائد من قواد المسلمين ممن له عدة ومنعة ، لأن ~~الرهبة ms0707 منه والرغبة في التأليف معه بالهدية ليرفق به أهل مملكته إنما كان ~~باعتبار منعته ، وذلك تحت رايته ، وبجميع أهل العسكر . وإن كان أهدى إلى ~~بعض المبارزين أو إلى رجل من عرض العسكر فذلك له خاصة ، لأن الهدية إلى ~~مثله لم تكن على وجه الخوف منه ، أو طلب الرفق به ، وإن كان فذلك الخوف ~~باعتبار قوته في نفسه ، لا لغيره إذ لا منعة له ، فيكون ذلك سالما له خاصة ~~. وعلى هذا قالوا : لو أهدى إلى مفت أو واعظ شيئا فإن ذلك سالم له خاصة ، ~~PageV04P1238 لأن الذي حمل المهدي إلى الإهداء إليه التقرب إليه معني فيه ~~خاصة بخلاف الهدية إلى الحكام ، فإن ذلك رشوة ، لأن معنى الذي حمل المهدي ~~على التقرب إليه ولايته الثانية ، بتقليد الإمام إياه ، والإمام في ذلك ~~نائب عن المسلمين . والأصل في ذلك قول النبي صلى اله عليه وسلم : ' هدايا ~~الأمراء غلول ' يعني إذا حبسوا ذلك لأنفسهم ، فذلك بمنزلة الغلول منهم ، ~~والغلول اسم خاص لما يؤخذ من المغنم ، فعرفنا أن ذلك بمنزلة الغنيمة ، ~~وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله في حق الواحد من عرض الناس لا يكون ~~غلولا ، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عاملا فجاء بمال ، ~~فقال : هذا لكم ، وهذا أهدي إلي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~خطبته : ' فهلا جلس أحدكم في بيت أبيه وأمه حتى يهدي إليه ' ، وفي هذا ~~إشارة إلى ما قلنا ، وأن عمر - رضي الله عنه - استعمل أبا هريرة - رضي الله ~~عنه - على البحرين ، فجاء بمال فقال عمر : يا عدو الله وعدو كتابه ، سرقت ~~مال الله - تعالى - فقال : لست بعدو الله ولا كتابه ، ولم أسرق مال الله ، ~~يا أمير المؤمنين ، خيلي تناتجت وسهامي اجتمعت فلم يلتفت عمر - رضي الله ~~عنه - إلى قوله ، وأخذ المال فجعله في بيت المال ، وكذلك لو بعث الخليفة ~~عاملا PageV04P1239 إلى كورة فأهدي إليه ، فإعلم الخليفة أنه أهدى إليه ~~طوعا أخذ ذلك منه فجعله في بيت المال ، لأنه أهدى إليه لعمله الذي قلده ، ~~وقد ms0708 كان هو نائبا في ذلك عن المسلمين فهذه الهدايا حق المسلمين ، توضع في ~~بيت مالهم . فإن علم أنهم أهدوا إليه مكرهين فينبغي أن يأخذه فيرده على ~~أهله ، وإن لم يقدر على ذلك عزله في بيت لمال ، حتى يأتي أهله بمنزلة ~~اللقطة وبهذا الطريق أمر عمر بن عبد العزيز حين استخلف برد الأموال التي ~~اجتمعت في بيت المال ، لأنه علم أن من قبله من المروانية كانوا أخذوا ذلك ~~بطريق الإكراه . وعلى هذا لو أن ملك العدو أهدى إلى ملك الثغر أو إلى قائد ~~من قواده ، فإنه لا ينبغي للمهدى إليه أن يرزا شيئا من ذلك ، ولكن الخليفة ~~يأخذها منه فيجعلها في بيت المال ، وإن كانت الهدية إلى شجاع من المسلمين ~~فهو سالم له ، PageV04P1240 لأن طلبهم الرفق من ملك الثغر باعتبار قوته من ~~المسلمين ومن المبارز باعتبار قوته في نفسه . ولو أن أمير عسكر المسلمين ~~أهدى إلى ملك العدو فعوضه ملك العدو نظر في هديته ، فإن كان مثل هدية أمير ~~العسكر ، أو فيه زيادة بقدر ما يتغابن الناس فيه ، فهو سالم له ، لأن ~~الجالب لهذه الهدية ما قدم من الإهداء إليه ، وقد كان في ذلك عاملا لنفسه . ~~وإن كان أكثر من ذلك بما لا يتغابن الناس في مثله فله من ذلك مقدار قيمة ~~هديته ، والفضل فيء لجماعة المسلمين الذين معه ، وكذلك الحكم في القائد ~~الذي ممن يخاف ويرجى منه إذا كان هو الذي أهدى إليهم ، والأصل في ذلك حديث ~~عمر - رضي الله عنه - فإن امرأته أهدت إلى امرأة ملك الروم هدية من طيب أو ~~غيره ، فأهدت إليها امرأة الملك هدايا فأعطاها عمر من ذلك مثل هديتها ، ~~وأخذ ما بقي من ذلك فجعله في بيت المال ، فكلمه في ذلك عبد الرحمن بن عوف - ~~رضي الله عنه - فقال له عمر - رضي الله عنه - : قل لصاحبتك فلتهد إليها حتى ~~تنظر أتهدي إليها مثل هذا أم لا ؟ وإن أهدى مبارز إلى رجل من أهل الحرب ، ~~قائد أو ملك فأهد إليه أضعاف ذلك فهو سالم له ، لأن ms0709 هذه الزيادة لم تكن ~~باعتبار تعزز له بغيره ، ولكنه أخذ مالا بطيبة أنفسهم ، فيكون ذلك سالما له ~~. ولو أن المسلمين حاصروا حصنا فباعهم أمير العسكر متاعا ، فإن كان بمثل ~~قيمته ، أو بغبن يسير فالثمن سالم له ، لأنه بدل ملكه . PageV04P1241 وإن ~~كان بغبن فاحش فله من الثمن بقدر قيمة ملكه ، والباقي يكون فيئا لأهل ~~العسكر ، لأنهم إنما بذلوا هذه الزيادة للخوف منه ، أو لطلب الرفق ، حتى لا ~~يقطع أشجارهم ولا يخرب بنياتهم ، أو ينصرف عنهم ، وتمكنه من ذلك كله بقوة ~~العسكر ، فلهذا كان الفضل بمنزلة الغنيمة ، وهذا الذي ذكرنا له الظاهر ~~الوقوف على حقيقته . وإن كان البائع رجلا من عرض العسكر فالثمن سالم له ، ~~قل أو كثر ، أنهم ما أعطوه هذه الزيادة لرغبة أو رهبة منه ولكنه استزبنهم ~~فليس عليهم حتى أخذ المال بطيب أنفسهم ، ولكنهم أعطوه بدلا عن ملكه بطيب ~~أنفسهم ، فيكون ذلك سالما له . ولا بأس بأن يبيع المسلمون من المشركين ما ~~بدا لهم من الطعام والثياب وغير ذلك ، إلا السلاح والكراع والسبي سواء ~~دخلوا إليهم بأمان أو بغير أمان ، PageV04P1242 لأنهم يتقوون بذلك على قتال ~~المسلمين ، ولا يحل للمسلمين ، ولا يحل للمسلمين اكتساب سبب تقويتهم على ~~قتال المسلمين ، وهذا المعنى لا يوجد في سائر الأمتعة . ثم هذا الحكم إذا ~~لم يحاصروا حصنا من حصونهم فأما إذا حاصروا حصنا من حصونهم فلا ينبغي لهم ~~أن يبيعوا من أهل الحصن طعاما ولا شرابا ولا شيئا يقويهم على المقام ، ~~لأنهم إنما حاصروهم لنفذ طعامهم وشرابهم حتى يعطوا بأيديهم ويخرجوا على حكم ~~الله - تعالى - ، ففي بيع الطعام وغيره منهم اكتساب سبب تقويتهم على المقام ~~في حصنهم ، بخلاف ما سبق فإن أهل الحرب في دراهم يتمكنون من اكتساب ما ~~يتقون به على المقام ، لا بطريق الشراء من المسلمين فأما أهل الحصن لا ~~يتمكنون من ذلك بعدما أحاط المسلمون بهم ، فلا يحل لأحد من المسلمين أن ~~يبيعهم شيئا من ذلك . ومن فعله فعلم به الإمام أدبه على ذلك لارتكابه ما لا ~~يحل ، وأو أن أمير ms0710 العسكر بعث رسولا إلى ملكهم في حاجة فأجازه الملك بجائزة ~~، وأخرجها الرسول إلى العسكر ، أو إلى دار الإسلام ، فذلك سالم له خاصة ، ~~لأن هذه الجائزة للرسول ما كانت لرغبة أو رهبة ، بل للإنسانية والمروءة ، ~~ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجيز الوفود والرسل الذين ~~يأتون ، وأوصى أن يفعل ذلك بعده ، ولا يظن أحد أن ذلك كله كان منه لرغبة أو ~~رهبة . PageV04P1243 وكذلك إن كان الرسول أهدى إلى ملكهم بهدية فعوضه ~~بأضعاف ذلك أو باعهم متاعه بأضعاف قيمته ، فذلك كله سالم له ، بمنزلة من ~~دخل دار الحرب بأمان ، وعاملهم فأخذ مالا بطيب أنفسهم ، ولو أن ملك العدو ~~أهدى إلى أمير العسكر فأراد أن يعوضه من الغنيمة ففي القياس ليس له ذلك ، ~~فإنه قد ثبت في الغنيمة حق الغانمين حتى لا يملك أن يخص بعض الغانمين بشيء ~~منه بطريق التنفيل بعد الإصابة ، فكيف يملك أن يخص ملك العدو بشيء منه ، ~~ولكنه استحسن فقال : ما أهدي إليه يصير من الغنيمة ، ألا ترى أنه لو أراد ~~أن يرد ما أهدي إليه كان متمكنا من ذلك ، وإن كان فيه إبطال حق الغانمين ~~عنه ، فكذلك إذا أراد أن يقبل ويعوضه من الغنيمة ورأى النظر للمسلمين في ~~ذلك ، إلا أنه لا يعوض من الغنيمة أكثر من الهدية بما لا يتغابن الناس فيه ~~، فإن فعل ذلك فليجعل ذلك الفضل من ماله لأنه لا يقابل هذه الزيادة عوض ~~يجعل للمسلمين ، فهو بمنزلة الإهداء PageV04P1244 إليهم ابتداء من الغنيمة ~~والحاصل أن العوض مقصود من الهدية فيكون كالمشروط . ولا بأس له أن يعاملهم ~~في متاع الغنيمة إذا لم يكن في ذلك غبن فاحش في جانب المسلمين ، فذلك حكم ~~التعويض من هديتهم . PageV04P1245 # | باب ما يكون إحرازا منهم وما لا يكون # ولو أن أهل الحرب دخلوا دارنا للإغارة فأخذوا أموالا وسبايا ، ثم أسلموا ~~قبل أن يدخلوا بذلك دارهم ، فالإمام يأخذ منهم جميع ما أخذوا فيرده على ~~أهله ؛ لأنهم لم يملكوا ما أخذوا حين لم يحرزوه بدارهم ، فإن الملك يستدعي ~~تمام ms0711 القهر ، وذلك لا يسبق الإحراز ، فكانوا بمنزلة الغاصبين قبل الإحراز ~~ويؤمرون بالرد . سواء أسلموا ها هنا ، أو صاروا ذمة ؛ لأن هذا السبب إنما ~~يتقرر ملكهم فيما كان مملوكا لهم ، ولا يوجب الملك لهم فيما لم يكن مملوكا ~~قبله . ويستوي إذا كانوا قسموا ذلك في دارنا بينهم أو لم يقسموا ؛ لأن ~~المغصوب بالقسمة لا يصير ملكا للغاصبين ، فإن قيل : أليس أن المسلمين لو ~~قسموا الغنائم في دار الحرب كان ذلك منهم بمنزلة الإحراز في تأكد الحق به ، ~~فلماذا لا يجعل قسمتهم بمنزلة الإحراز منهم ؟ قلنا : لأن إقامة ~~PageV04P1246 القسمة مقام الإحراز يتحقق في حق المسلمين ، لوجود أمير هو ~~نافذ الحكم بين المسلمين ولا يوجد ذلك في حق أهل الحرب ، فإنما يعتبر في ~~حقهم تمام السبب حسا وبقسمتهم لا يزداد السبب قوة وحسا . وعلى هذا لو دخل ~~مسلم عسكرهم بأمان فاشترى بعض تلك الأمتعة فعليه أن يردها على أهلها بغير ~~شيء ؛ لأنهم لم يملكوها قبل الإحراز ، فلا يملكها المشتري منهم أيضا ، وكان ~~هو متبرعا فيما فدى به ملك الغير بغير أمره ، فإن كان أهل الحرب قد دخلوا ~~دارهم ثم أسلموا صار ذلك لهم ، لأنهم بالإحراز قد ملكوا لتمام السبب وهو ~~القهر ، ثم يتقرر ملكهم بالإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام : من أسلم على ~~مال فهو له وكذلك إن جاءوا ذمة لأن عقد الذمة في تقرر الملك به خلف عن ~~الإسلام فيعمل عمله . وكذلك إن استأمنوا إلينا ، ومعهم ذلك المال ؛ لأنهم ~~استفادوا الأمان في أنفسهم وأموالهم . وهذا بخلاف ما إذا اشتراها منهم مسلم ~~فإن للمالك القديم أن يأخذه منه بالثمن ؛ لأن ملك المالك القديم قد انقطع ~~بالملك الذي حدث لهم ، فلا يعود حقه في ذلك الملك ، ما لم يتحول إلى غيرهم ~~، وبالشراء يتحول الملك إلى المسلم PageV04P1247 فيظهر حق المالك القديم ، ~~على وجه لا يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمشتري ، وذلك في الأخذ بالثمن ، فأما ~~إذا أسلموا ، أو صاروا ذمة ، أو خرجوا بأمان ، فالملك لم يتحول منهم إلى ~~غيرهم ، فلهذا لا يظهر حق المالك القديم في الأخذ ms0712 . فإن كان المسلمون دخلوا ~~دارهم مغيرين ، وأصابوا سبايا من أحرارهم فلم يخرجوهم حتى أسلموا فقد أمنوا ~~من القتل بالإسلام ، ولكنهم أرقاء ، لأن الرق قد ثبت فيهم لما صاروا ~~مقهورين ، والإسلام يمنع ابتداء الاسترقاق ، ولا يمنع الرق الثابت ، وهذا ~~بخلاف ما سبق ؛ لأن المسلمين إذا قهروهم فقد صاروا مقهورين حسا وحكما ثم ~~بإسلامهم لا يرتفع القهر حكما ، فنفي الرق والقهر منهم في دار الإسلام لا ~~يكون حكما وإنما يكون حسا والقهر الحسي لا يتم قبل الإحراز . وبيان هذا ~~المعنى أن القاهر إذا كان مسلما فهو محرز بإسلامه فيما يرجع إلى حق الله ~~تعالى ، ولهذا لا يحل لأحد إخراج مأسورين من أيديهم ، فأما أهل الحرب فإنما ~~يكون قهرهم باليد لا بالدين . ألا ترى أنه يحل لكل واحد منهم أخذ ذلك من ~~أيدهم ، وأهل الذمة إذا كانوا قاهرين بمنزلة المسلمين في ذلك ، فإن الذمة ~~خلف عن الإسلام في حصول الإحراز بها في حق الشرع ، حتى لا يحل لأحد التعرض ~~لهم فيما أخذوا ، وأنه يخمس ما سبي أهل الذمة كما يخمس ما سبي المسلمون . ~~PageV04P1248 ولو أن أهل منعة من الترك دخلوا الروم فسبوا من أحرارهم ، فلم ~~يدخلوهم دارهم حتى أسلم السبي فهم أحرار ؛ لأنهم ما صاروا محرزين لهم ~~بالدين ، إذ لا دين لهم ، وباليد لا يتم القهر قبل الإحراز بالدار . فإذا ~~أسلموا تقررت حريتهم ، حتى لو أدخلوهم دارهم بعد ذلك ، ثم ظهر المسلمون ~~عليهم ، كانوا أحرارا أو لو كانوا إنما أسلموا بعدما دخلوا دارهم ، كانوا ~~عبيدا لهم ، فإن أسلموا كانوا عبيدا لهم ، وإن خرجوا إلينا مراغمين فهم ~~أحرار ، كما هو الحكم في عبد الحربي إذا أسلم ؛ لأنهم حين أحرزوهم بدارهم ~~ومنعتهم فقد تم قهرهم ، ويثبت الرق والملك ثم بمجرد إسلام المملوك لا يزيل ~~الملك الثابت عليه ، سواء كان ثابتا لكافر أو مسلم . ولو كان أسلم الترك ~~قبل أن يدخلوا الأسراء دارهم ثم أسلم الأسراء بعدهم فهم عبيد لهم ؛ لأنهم ~~صاروا محرزين لهم بإسلامهم فكان هذا وما لو كانوا مسلمين عند الأخذ سواء ، ~~ثم إذا ms0713 أخرجوهم إلى دار الإسلام فإنه يؤخذ الخمس منهم بمنزلة أهل منعة من ~~المسلمين ، دخلوا مغيرين دار الحرب ، بغير إذن الإمام PageV04P1249 وأصابوا ~~سبايا ، فكما أن هناك يخمس ما أصابوا ، والباقي يكون لهم ، فها هنا كذلك . ~~وإن كان إسلام الفريقين بعدما أدخلوهم دارهم ثم خرجوا إلى دارنا ، فهم عبيد ~~للذين أسروهم ، ولا خمس فيهم ؛ لأنهم ملكوهم بالإحراز بدارهم ، قبل الإسلام ~~، فلم يثبت حكم الغنيمة فيهم ، فلا يثبت بعد ذلك بإسلامهم بخلاف الأول ~~فهناك لم يملكوهم قبل الإسلام . وإن ثبت حقهم فيهم ولكن إنما يثبت الملك ~~بالإحراز بدار الإسلام فيثبت حكم الغنيمة فيما إذا أحرزوا ، وإذا أسلم ~~الأسراء قبل الترك في أرض الروم ، ثم أسلم الترك بعدهم فالأسراء أحرار ، ~~لما بينا أن حريتهم قد تأكدت بالإسلام ، قبل أن يثبت الرق فيهم بالإحراز . ~~ولو أسلم الفريقان معا ، أو لا يدرى أيهما أسلم قبل الآخر فهم أحرار ؛ لأن ~~حريتهم معلومة ، والسبب الموجب لرقهم وتقدم إسلام الترك غير معلوم ، والرق ~~لا يثبت بالشك ، فإن قيل : قهر الترك إياهم معلوم أيضا ، PageV04P1250 وذلك ~~مبطل لحريتهم ، قلنا : قبل الإحراز لا ، فإن ذلك بعض العلة ، وببعض العلة ~~لا يثبت شيء من الحكم . وإن أسر الترك امرأة من الروم ، فأسلمت في أيديهم ~~وزوجها في مدينة من مدائن الروم ، لم تبن من زوجها ، وإن أخرجها الترك إلى ~~دارهم ؛ لأن حريتها تأكدت بالإسلام ، فلا تصير هي من أهل منعة الترك ولكنها ~~حربية أسلمت في دار الحرب ، فلا تبين من زوجها ، حتى تحيض ثلاث حيض ، أو ~~تخرج إلى دار الإسلام ، فحينئذ تبين لتباين الدارين حقيقة أو حكما . وإن ~~أسلم الترك قبل إسلامها بانت من زوجها حين أسلمت بعد إسلام الترك ، أو قبل ~~إسلام الترك ، إذا أسلم الترك ، لأن الترك الآن بمنزلة جيش المسلمين ، ~~دخلوا دار الحرب ، وهناك لو أسلمت امرأة ثم التحقت بالعسكر كانت حرة ، ~~وتبين من زوجها لإحرازها نفسها بمنعة المسلمين ، ولو سبوا امرأة ، فأسلمت ، ~~بانت من زوجها PageV04P1251 لأنها صارت أمة لهم بالسبي يقسمونها ويتحقق ~~تباين الدارين بينها وبين زوجها إذا أسلمت حكما ms0714 ، فكذلك هذا الحكم فيما إذا ~~أسلم الترك ، ولو لم يسلموا ولم تسلم هي ، حتى أحرزوها ، بدارهم ، فقد بانت ~~من زوجها ؛ لأنها صارت أمة لهم ، فتكون من أهل دارهم ، وقد بينا أن أهل ~~الحرب باختلاف المنعات أهل دور مختلفة ، فإذا تحقق تباين الدارين بينها ~~وبين زوجها بانت منه ، ولأنهم ملكوها بالسبي حين أحرزوها في دارهم . فكان ~~هذا وما لو ملكها المسلمون بالسبي بدون زوجها سواء ، وهناك تبين من زوجها ، ~~فها هنا كذلك ، حتى إذا أسلموا ، وقد أصابت الجارية أحدهم بالقسمة ، ~~فاستبرأها بحيضة ، حل له أن يطأها ؛ لأنها من أهل الكتاب ولا زوج لها ، ~~والله أعلم بالصواب . PageV04P1252 ؟ # | باب ما يقطع من الخشب وما يصاب من الملح وغيره # وإذا خرجت سرية بإذن الإمام لقطع الشجر فوصلوا إلى مكان يخاف فيه ~~المسلمون ، ثم قطعوا الخشب وجاءوا به فهو غنيمة يخمس ؛ لأن الموضع الذي لا ~~يأمن فيه المسلمون من جملة دار الحرب فإن دار الإسلام اسم للموضع الذي يكون ~~تحت يد المسلمين ، وعلامة ذلك أن يأمن فيه المسلمون فإن قيل : كما أن ~~المسلمين لا يأمنون في هذا المكان ، فكذلك أهل الحرب لا يأمنون فيه ، قلنا ~~: نعم ، ولكن هذه البقاع كانت في يد أهل الحرب فلا تصير دار الإسلام إلا ~~بانقطاع يد أهل الحرب عنها من كل وجه ، وهذا لأن ما كان ثابتا فإنه يبقى ~~ببقاء بعض آثاره ، ولا يرتفع إلا باعترض معنى ، هو مثله أو فوقه ، وإذا ثبت ~~أنه من أرض أهل الحرب فما يكون فيه من الخشب يكون في يد أهل الحرب ، فهذا ~~مال أصابه المسلمون من أهل الحرب بطريق القهر ، وهو الغنيمة بعينه . فإن ~~كان الأمير إذا بعثهم ليقطعوا الخشب حتى يجعل ذلك سفنا للمسلمين أو مجانيق ~~، والمسألة بحالها ، فإن الإمام يأخذ ما جاءوا به فيجعل في تلك المنفعة ~~التي أرسلهم لها ؛ PageV04P1253 لأنهم امتثلوا أمر الأمير فيما أخذوا ، ولا ~~يتحقق الامتثال مع القصد إلى الاغتنام ، وإذا لم يقصدوا الاغتنام بما أخذوا ~~لم يكن ذلك غنيمة . وهذا لأن للإمام رأيا فيما يرجع إلى النظر ms0715 للمسلمين . ~~ألا ترى أنه يصح منه التنفيل قبل الإصابة بطريق النظر ، فكذلك يصح منه جعل ~~المصاب لمنفعة معلومة قبل الإصابة ، فإن أخذ من ذلك ما يغنيه وبقي فضل ~~فالباقي يكون غنيمة . لأن السبب الموجب للاغتنام قد وجد في الكل ، ولكن في ~~القدر المشغول لحاجة المسلمين يجعل ذلك متقدما لقصد الإمام ، وما وراء ذلك ~~يثبت فيه حكم الغنيمة ، بمنزلة ما يفضل من التركة عن الدين والوصية . وكذلك ~~لو كان بعثهم من العسكر في دار الحرب ، ليأتوا بالخشب ، أو بالطعام أو ~~بالعلف ، لمنفعة عينها للمسلمين ، فإن ما جاءوا به يكون مصروفا إلى تلك ~~المنفعة ، فإن فضل منها شيء فهو غنيمة ، لأهل السرية ، وأهل العسكر ؛ لأنهم ~~قصدوا تحصيل تلك المنفعة ، لا الاغتنام فإن فضل منها شيء فهو غنيمة حين ~~خرجوا مطيعين للأمير . وكذلك لو كان بعثهم من بعض مدائن أهل الثغور وقد ~~أصابهم قحط ، ليأتوا بالطعام ، والعلف لأهل المدينة ، ففعلوا ذلك ، فإنه ~~يقسم ذلك بين أهل المدينة بغير خمس ، PageV04P1254 ولا يقسمه بين أهل ~~السرية ، وهذا كله إذا بين لهم عند الخروج أنه لماذا يوجههم لأنه إنما ~~ينعدم القصد منهم إلى الاغتنام إذا علموا مراد الأمير فيما أرسلهم لأجله ، ~~وخرجوا مطيعين له في ذلك فإن كانوا إنما جاءوا بالطعام بعدما استغنى ~~المسلمون عن ذلك فهو بمنزلة الغنيمة الآن ؛ لأن السبب الموجب لتقديم أهل ~~المدينة فيه حاجتهم ، وقد انعدم ، فكان هذا وما يفضل من المنفعة التي عينها ~~الإمام سواء . ولو أن الأمير في هذه الفصول نفلهم بعض ما جاءوا به فذلك ~~صحيح ، لأنه جعل بعض ما يأتون به مصروفا إلى منفعة المسلمين ، وبعضه مصروفا ~~إليهم بطريق التنفيل ، ففي كل واحد منهما نظر من الإمام ؛ لأنهم قلما ~~يرغبون في الخروج إذا لم يكن لهم نصيب في المصاب ، والتنفيل للتحريض على ~~الخروج ، فإن قيل : كيف يصح النفل لجماعة السرية المبعوثة من دار الإسلام ؟ ~~قلنا : إنما لا يصح ذلك فيما هو غنيمة ، يفضل فيها الفارس على الراجل ، ~~باعتبار أنه ليس في ذلك التنفيل إلا إبطال الخمس ، وإبطال تفضيل ms0716 الفارس على ~~الراجل ، وهذا المعنى لا يوجد ها هنا ، لأن ما يأتون به لا يكون غنيمة لمن ~~أصابها ، بل يكون مصروفا إلى منفعة المسلمين ، فلذلك جاز التنفيل فيه لهم . ~~PageV04P1255 ولو جاءوا بذلك بعد ما استغنى عنه المسلمون بطل النفل ؛ لأن ~~ما جاءوا به قد صار غنيمة ، والنفل العام للسرية المبعوثة من دار الإسلام ~~في الغنيمة لا يصح . وإن كان قال من أخذ منكم شيئا فله نصفه والمسألة ~~بحالها ، فالنفل جائز لأهلها على ما نفلوا ؛ لأن هذا نفل خاص لمن يأخذ دون ~~غيره ، فيتحقق فيه معنى التحريض على الطلب والأخذ ، وذلك صحيح في الغنائم . ~~ولو أن السرية حين خرجت لقطع الخشب في دار الإسلام دون مسالح المسلمين ، ~~فإن كان أرسلهم لمنفعة عينها كان ما جاءوا به مصروفا إلى تلك المنفعة ، وإن ~~كان نفل لهم بعض ذلك أعطاهم النفل ، وصرف ما بقي إلى تلك المنفعة ، فإن ~~جاءوا بذلك بعدما استغنى الأمير عما بعثهم لأجله فكل من جاء بذلك من شيء ~~فهو له خاصة ؛ لأن ما جاءوا به ليس بغنيمة ها هنا ، فإنهم أصابوه في دار ~~الإسلام والمباح في دار الإسلام كل من سبقت يده إليه فهو بمنزلة الصيد . ~~فإن جاءوا به جميعا فهو بينهم بالسوية ؛ PageV04P1256 لأن تفضيل الفارس على ~~الراجل في الغنيمة ، وهذا ليس من جملة الغنيمة ، فإن قيل : فلماذا يصح ~~التنفيل من الإمام فيه ؟ قلنا : لا على وجه التنفيل ولكن على وجه التحضيض ، ~~للآخذ ببعض ما يأخذه من المباح ، وصرف ما بقي إلى المنفعة التي عينها . ولو ~~خرجت السرية لقطع الخشب بغير إذن الإمام إلى دار الحرب أو إلى الموضع ~~المخوف ، فما جاءوا به يكون غنيمة ؛ لأنهم أهل منعة ، جاءوا بمال من دار ~~الحرب بطريق القهر ، وفي المصاب أهل المنعة يستوي الحال بين ما بعد إذن ~~الإمام وما قبله . وإن كانوا أصابوا ذلك ، في موضع يأمن فيه المسلمون ، ~~فلكل رجل منهم ما أخذ ؛ لأن هذا مباح ملك بالأخذ في دار الإسلام ، كالصيد ~~والحطب والحشيش . فإن كانوا لقوا العدو في ذلك الموضع ms0717 ، فقاتلوهم على ذلك ~~حتى أجلوهم عنه فكذلك الجواب ؛ لأن ما كان في دار الإسلام فمجرد دخول أهل ~~الحرب إلى ذلك الموضع لا يأخذ حكم دار الحرب ، فحين أجلوا عنه العدو ~~بالقتال بقي على حكم دار الإسلام كما كان ، فكل من أخذ منهم شيئا فهو له . ~~PageV04P1257 وكذلك لو وجدوا العدو قد قطعوه ، ولكنهم لم يحرزوه في دارهم ؛ ~~لأنهم قبل الإحراز لا يملكون ما يصيبون في دار الإسلام فيبقى على ما كان ~~قبل إصابتهم . وإن كانوا أحرزوه بدارهم ، ثم لحقهم المسلمون فأخذوه منهم ~~فهذا غنيمة ؛ لأنهم بالإحراز قد ملكوه ، فأهل السرية إنما أحرزوا ملكهم ~~بطريق القهر فكان غنيمة . وعلى هذا حكم الملاحة ، وهو الموضع الذي يكون فيه ~~الملح من أرض الإسلام ، أو من أرض الحرب فإن الحكم فيه كالحكم في الخشب ، ~~في دار الإسلام في جميع ما ذكرنا . لأن ذلك مباح يملك بالأخذ كالخشب . ~~وكذلك سائر الأموال من ذهب أو من فضة ، أو من جوهر خرجت سرية في طلبه فإن ~~ما وجدوا من ذلك في أرض الإسلام لا يكون غنيمة ؛ إلا أن هذا يخمس لقوله ~~عليه السلام : وفي الركاز الخمس . PageV04P1258 وكذلك لو وجدوا ذلك بعد ما ~~استخرجه أهل الحرب ، ولكنهم لم يحرزوه ، فإنه يخمس ، وما بقي فهو لمن أخذه ~~خاصة ؛ لأنهم قبل الإحراز لا يملكونه ، فكان الحكم فيه قبل أخذهم ، وبعد ~~أخذهم سواء . وإن كانت السرية إنما أصابت ذلك في دار الحرب فإنه يخمس ما ~~أصابوا ، والباقي بينهم على سهام الغنيمة ؛ لأنهم أخرجوه من دار الحرب ~~بطريق القهر ، فقد كانوا أهل منعة . وإن لم يكونوا أهل منعة ، والمسألة ~~بحالها ، فالمأخوذ لمن أخذه ، ولا خمس فيه في جميع هذه الفصول ؛ لأنهم ~~أصابوا ذلك من دار الحرب على وجه التلصص لا على وجه إعزاز الدين . إلا أن ~~يكونوا خرجوا بإذن الإمام ، فحينئذ يكون لما أصابوا حكم الغنيمة ؛ لأن ~~الإمام الآن كالمدد لهم ، عليه أن ينصرهم . وليس له أن يبعثهم إذا لم يعلم ~~القوة منهم ، فما جاءوا به يكون مأخوذا على وجه إعزاز الدين ، والخمس ms0718 يجب ~~في مثله ؛ PageV04P1259 لأن وجوب الخمس في الغنيمة لإظهار شرفه حتى يعلم ~~أنه كسب حصل بأشرف الجهات . وإن كان أمير الثغر هو الذي بعث السرية لقطع ~~الخشب ، وأخذ الملح ، ونفل لهم من ذلك ، فإنه يصح من تنفيله ما يصح من ~~الأمير الأعظم ؛ لأنه حين فوض إليه تدبير الثغر فقد أقامه في ذلك مقام نفسه ~~، فيصح منه ما يصح من الأمير الأعظم ، ما لم ينهه عن التنفيل ، ثم بين ما ~~إذا خص الإمام نفسه أو غيره بالتنفيل ، وقد بينا حكم ذلك فقال : في الجملة ~~لو خص ولده أو والده بالتنفيل فذلك صحيح منه ، كما لو خص أجنبيا آخر ، وهذا ~~لتباين الملك بين الولد والوالد ، بخلاف العبد والمكاتب ، فإذا كان يصح منه ~~التنفيل في حق نفسه ، إذا عم به جماعة المسلمين ، فها هنا أولى ؛ لأن ~~منفعته فيما يحصل لولده ووالده دون منفعته فيما يحصل له ، ثم ذكر حديث سالم ~~بن أبي الجعد . أن رجلا من أشجع جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا ~~إليه الحاجة فقال : اصبر ، ثم ذهب فأصاب من العدو غنيمة ، وأتى بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV04P1260 فطيبها له ، فأنزل الله تعالى : ' ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ' الآية الطلاق : 2 . فهذا أصل ~~علمائنا فيما يصيبه الواحد والمثنى من دار الحرب . إذا دخلوا على وجه ~~التلصص ، بغير إذن الإمام ، بخلاف أهل المنعة ، وبخلاف ما إذا كان الواحد ~~بعثه الإمام ثم في كل موضع يكون للمصاب حكم الغنيمة فالآخذ وغيره فيه سواء ~~، وفي كل موضع لا يكون للمصاب حكم الغنيمة فإن الآخذ يختص به ، وإن أخذوا ~~جميعا فذلك بينهم بالسوية ، لا يفضل فيه الفارس على الراجل ؛ لأن هذا ~~التنفيل حكم يختص بالغنيمة ، كالخمس ، وهذا ليس بغنيمة بل هو إحراز المباح ~~على وجه التلصص ، لا على وجه إعزاز الدين ، فيكون بمنزلة الاصطياد ~~والاحتشاش . ولو أخذ واحد منهم شيئا من ذلك ، ثم دفعه إلى صاحبه يحفظه له ، ~~فأمسكه حتى أخرجه ، فهو للآخذ ؛ لأنه صار أحق به ms0719 حين سبقت يده إليه ، ثم ~~حفظ صاحبه له بأمره كحفظه له بنفسه ، إلى أن أخرجه . وإن كان صاحبه غلبه ~~فانتزعه منه فهو للذي أخرجه ؛ PageV04P1261 لأن الأول لم يملكه بمجرد الأخذ ~~، فإنه لم يكن في منعة المسلمين ، حتى يصير بالأخذ محرزا ، وإنما يحصل ~~إحرازه بالإخراج إلى دار الإسلام ، وذلك إنما وجد من الغاصب الذي انتزعه ~~منه ، غير أني أكره للمسلم أن يقهر عليه صاحبه بعدما أخذه ، لأن يده سبقت ~~إليه ، وليد المسلم حرمة في حق المسلمين ، ولأنه أحرزه بالدين ، وقد بينا ~~أن الإحراز بالدين يثبت في حق الآثم وإن كان لا يعتبر ذلك في حكم الملك ~~والتقوم . فإن جاء ناس من المشركين يريدون أخذ ذلك منهم فغلبهم المسلمون ، ~~حتى دفعوهم عن ذلك ، فهو للذين أخذوه أيضا ؛ لأن الآخذ قد صار أحق به ، ~~بذلك الأخذ ، فلا يتغير ذلك الحكم بالقتال الذي ابتلوا به . فإن قيل حين ~~قاتلوا عنه : فلماذا لا يجعلون في حكم أهل منعة ، حتى يكون لمصابهم حكم ~~الغنيمة . قلنا : لأن هذا شيء وقع اتفاقا ، لا قصدا فلا يصيرون به قاهرين ~~حكما ، ألا ترى أنهم لو أتوا قوما من أهل الشرك نياما فقتلوهم ، وأخذوا ~~أموالهم ، كان لكل واحد منهم ما أخذ ، ولم يكن لذلك حكم الغنيمة ، فهذا ~~مثله . يوضحه أنهم إذا كانوا أهل منعة فإنه لا يختلف الحكم فيما أصابوا ~~بالقتال ، دفعا عنه ، إذا ابتلوا به وعدم القتال وكذلك فيما أصاب الذين لا ~~منعة لهم لا يختلف الحكم بذلك ، ولو أن هؤلاء الذين لا منعة لهم لحقهم جند ~~المسلمين في دار الحرب ، بعدما أصاب كل فريق المال فإنه يخمس ما أصابوا ، ~~ثم ينظر إلى ما أصاب الذين لا منعة لهم ، فيقسم ذلك بينهم وبين ~~PageV04P1262 أهل العسكر ، لأنهم صاروا كالمدد لهم ، حين التحقوا بهم ، ~~فيشاركونهم فيما أصابوا ، إذ الجند قد دخلوا غزاة ، فأما ما أصاب أهل الجند ~~قبل أن يلتحق بهم اللصوص فلا شركة فيه معهم للصوص إلا أن يلقوا قتالا ~~فيقاتلوا معهم ، دفعا عن ذلك . لأنهم ما كانوا غزاة حين دخلوا ms0720 فلا يصيرون ~~بمنزلة المدد للجيش ، بل حالهم فيما أصاب الجيش كحال من كان تاجرا في دار ~~الحرب ، أو أسيرا أو أسلم من أهل الحرب ، والتحق بالجيش بعد الإصابة ، وقد ~~بينا أنه لا شركة لهؤلاء في المصاب إلا أن يلقوا قتالا وأما وجوب الخمس في ~~الكل فلأنه صار محرزا بقوة الجيش فيتحقق فيه معنى إعزاز الدين . ولو أن ~~عسكرا دخلوا أولا بإذن الإمام أو بغير إذن الإمام ، ثم دخل على أثرهم رجل ~~أو رجلان بغير إذن الإمام ، وقد نهى الإمام عن ذلك فإن لحقا بهم قبل ~~الإصابة تثبت الشركة بينهم في المصاب بعد ذلك ، وإن كان بعد الإصابة لم ~~يشاركوهم في ذلك ، إلا أن يلقوا قتالا فيقاتلوا معهم ؛ لأنهم متلصصون ، حين ~~دخلوا بغير إذن الإمام ، فلا يصيرون مددا للجيش ما لم يقاتلوا معهم ، وهذا ~~لأن مدد الجيش غزاة ، وهم ليسوا بغزاة حكما ، حين دخلوا متلصصين ، فإنما ~~يعتبر فيهم أن يصيروا غزاة حقيقة وذلك بأن يقاتلوا معهم . وإن كانوا لحقوهم ~~بإذن الإمام شاركوهم فيما أصابوا ؛ PageV04P1263 لأنهم بنفس الدخول صاروا ~~غزاة الآن ، فكانوا مددا للجيش يشاركونهم فيما اصابوا قبل أن يلتحقوا بهم . ~~ولو أسلم قوم من المرتدين في دار الحرب ، ثم التحقوا بالعسكر ، فحالهم وحال ~~غيرهم ممن يسلم من أهل الحرب سواء ؛ لأنهم حين دخلوا دار الحرب مرتدين ، ~~فقد صاروا أهل حرب ، فبعد ذلك وإن أسلموا والتحقوا بالجيش لا يكونون غزاة ، ~~بمنزلة المدد للجيش ، ما لم يقاتلوا معهم دفعا عما أصابوا . ولو أن قوما لا ~~منعة لهم دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام ، وأصابوا شيئا ، ثم لحقهم قوم ~~لا منعة لهم أيضا ، ولكن بإذن الإمام ، فالتقوا بعدما أصاب كل فريق شيئا ~~فإن لم يصيروا أهل منعة بعدما التقوا ، فما أصاب المتلصصون قبل أن يلتقوا ~~أو بعد ما التقوا ، يكون لهم خاصة ، ولا خمس فيه ؛ لأنه لا يتغير حكم ما ~~أصابهم بالالتقاء ، فهؤلاء إذا لم يصيروا بهم أهل منعة فيبقى الحكم فيما ~~أصابوا على ما كان قبل أن يلتحقوا بهم ، فكل من أخذ شيئا ms0721 فهو له خاصة ، ~~بخلاف ما إذا كان الذين التحقوا بهم أهل منعة ، فقد تغير صفة إصابتهم ~~وإحرازهم بالالتحاق بهم . وما أصاب الذين دخلوا بإذن الإمام ، قبل الالتقاء ~~PageV04P1264 وبعده ، فإنه يخمس ويقسم الباقي بينهم على قسمة الغنيمة ، كما ~~كان الحكم في مصابهم قبل الالتقاء ؛ لأن اللصوص لا يصيرون في حكم المدد لهم ~~، حين لم يتغير حالهم بهذا الالتقاء . وإن كانوا حين اجتمعوا صاروا أهل ~~منعة وقد أصابوا غنائم قبل أن يلتقوا وبعد ما التقوا خمس ما أصاب الفريقان ~~، وكان ما أصاب كل فريق منهم قبل أن يلتقوا بينهم على سهام الغنيمة ، وما ~~أصابوا بعدما التقوا ، فهو بينهم جميعا على سهام الغنيمة ؛ لأن الإحراز في ~~جميع المصاب وجد على وجه القهر حين صاروا أهل منعة بعد الاجتماع ، فيجب ~~الخمس في جميع ذلك . إلا أن فيما أصاب كل فريق قبل الالتقاء لا يكون الفريق ~~الآخر في حكم المدد لهم إذ لا منعة لكل فريق على الانفراد ، فلهذا يقسم ما ~~أصاب كل فريق بينهم خاصة ، ولا يشاركه فيه الفريق الأول إلا أن يلقوا قتالا ~~بعدما اجتمعوا ، فإن لقوا قتالا بعدما اجتمعوا . اشتركوا في جميع ما أصابوا ~~، لوجود القتال من كل واحد من الفريقين ، على وجه الدفع عما PageV04P1265 ~~أصابه الفريق الثاني ، وإن كان دخول الفريقين بغير إذن الإمام ، والمسألة ~~بحالها ، فهذا وما سبق سواء ، إلا في حرف واحد ، وهو أن ما أصاب كل فريق ~~قبل الالتقاء يكون بينهم جميعا ، ها هنا على سهام الغنيمة ، بخلاف الأول ، ~~لأن ها هنا قد استوى الحكم في مصاب كل فريق قبل الالتقاء ، فإنما يعتبر في ~~الحكم حال تأكد الحق بالإحراز ، وهم أهل منعة عند ذلك ، وقد تم الإحراز ~~بقوتهم ، فيخمس الكل ، والباقي بينهم ، وهناك قد اختلف حكم مصاب كل فريق ؛ ~~لأن ما أصاب الذين دخلوا بإذن الإمام له حكم الغنيمة فلا شركة فيه ~~للمتلصصين ، ما لم يقاتلوا عنه ، وما أصاب المتلصصون لم يكن له حكم الغنيمة ~~، ولا شركة فيه للذين دخلوا بإذن الإمام أيضا ، ما لم يقاتلوا دفعا عنه ms0722 ، ~~فإذا فعلوا ذلك فقد صار الكل غنيمة ، وتم الإحراز في الكل بقوتهم . ولو كان ~~أحد الفريقين لهم منعة والآخر لا منعة لهم ، والمسألة بحالها ، فإن الذين ~~لا منعة لهم لا يشاركون أهل المنعة فيما أصابوا ، قبل الالتقاء ، إلا أن ~~يلقوا قتالا بعدما التحقوا بهم وأهل المنعة يشاركون الذين لا منعة لهم ، ~~فيما أصابوا وإن لم يلقوا قتالا بعد ذلك ؛ PageV04P1266 لأنهم صاروا محرزين ~~لذلك بمنعتهم ، فصار أهل المنعة في ذلك بمنزلة المدد لهم وفي الأول ~~المتلصصون ما صاروا محرزين بمنعة الذين دخلوا بإذن الإمام إذ لا منعة لهم . ~~ولو كان الذين لهم المنعة دخلوا بغير إذن الإمام والذين لا منعة لهم دخلوا ~~بإذنه ، اشتركوا في جميع ما أصابوا ؛ لأن كل فريق بنفس الدخول صاروا غزاة ، ~~أحد الفريقين باعتبار المنعة والآخر باعتبار إذن الإمام ، فكان كل فريق ~~كالمدد للفريق الآخر . فيما أصابوه . ولو دخل كل فريق من الفريقين الذين لا ~~منعة لهم بإذن الإمام فالتقوا بعدما أصاب كل فريق شيئا ، فإنه يخمس جميع ما ~~أصابوا ، والباقي بينهم على قسمة الغنيمة ، سواء صاروا أهل منعة بالاجتماع ~~، أو لم يصيروا أهل منعة ؛ لأن إذن الإمام قد جمعهم ، وكان كل فريق غازيا ، ~~بنفس الدخول بإذن الإمام ، فيكون أحد الفريقين بمنزلة المدد للفريق الآخر ، ~~فيما أصابوا قبل الالتقاء ، فإن قيل : إصابة كل فريق ها هنا وإحرازه لم تكن ~~بمنعة الفريق الآخر ، فكيف يثبت للفريق الآخر معهم شركة في ذلك ؟ قلنا : ~~لأنهم باعتبار إذن الإمام صاروا غزاة في دار الحرب ، والغزاة في دار الحرب ~~بعضهم مدد للبعض من غير اعتبار المنعة . ألا ترى أن الجيش لو كانوا دخلوا ~~وأصابوا غنائم ، ثم التحق بهم رجل أو رجلان بإذن الإمام ، كان مددا لهم ، ~~يشاركهم في المصاب ، وإن لم يكن لهم PageV04P1267 منعة بنفسه ، بخلاف ما ~~إذا دخل بغير إذن الإمام ، فذلك ما سبق وعلى هذا لو كان كل واحد من ~~الفريقين أهل منعة ، وقد دخلوا بغير إذن الإمام ، والتقوا في دار الحرب ، ~~فإنه يخمس جميع ما أصابوا ، ويكون الباقي بينهم ms0723 على سهام الغنيمة . لأن كل ~~فريق ها هنا باعتبار المنعة صاروا غزاة كما دخلوا ، وقد صار بعضهم مددا ~~للبعض بالالتقاء ، وإنما تم الإحراز في المصاب بهم جميعا ، فكانوا شركاء في ~~المصاب على سهام الغنيمة والله الموفق . PageV04P1268 # | باب ما يصيبه الأسراء والذين أسلموا من أهل الحرب # قد بينا أن الأسير إذا انفلت فلحق بالجيش الذي دخل معهم قبل أن يخرجوا ~~فهو شريكهم ، فيما أصابوا حال كونه مأسورا ؛ لأنه انعقد له معهم سبب ~~الاستحقاق ، حين دخل معهم على قصد القتال ، وشاركهم في إتمام الإحراز ، فما ~~اعترض من الأسر بين ذلك يصير كأن لم يكن ، بمنزلة ما لو مرض وهو في العسكر ~~زمانا ، ويستوي إن كان دخوله في الابتداء بإذن الإمام أو بغير إذنه ، لأنه ~~غاز حين دخل معهم على قصد القتال في الوجهين جميعا ، ألا ترى أنه لو دخل ~~معهم تاجرا ثم ترك التجارة وقاتل معهم فأسر أو كان أسلم من أهل الحرب ~~والتحق بهم يريد القتال فأسر ، ثم انفلت قبل أن يخرجوا ، فإنه يشاركهم فيما ~~أصابوا ، وإن لم يوجد الإذن من الإمام له في القتال ، إذا التحق بهم قبل ~~الإحرار والقسمة والبيع . فإن خرج ذلك العسكر وهو مأسور ، ثم انفلت والتحق ~~بعسكر آخر وقد أصابوا غنائم لم يشاركهم ، إلا أن يلقوا قتالا فيقاتل معهم ؛ ~~PageV04P1269 لأنه لم ينعقد له سبب الاستحقاق معهم ، حتى الآن فيكون حاله ~~في حقهم كحال من أسلم في دار الحرب ، والتحق بالعسكر ، وهو لا يصير مددا ~~لهم بنفس الالتحاق بهم ، لأن قصده النجاة من المشركين ، إلا أن يقاتل معهم ~~دفعا عن المصاب ، فيكون ذلك دليل كونه قاصدا إلى أن يكون مددا لهم بنفس ~~الالتحاق بهم ، لأن قصده النجاة من المشركين ، إلا أن يقاتل معهم دفعا عن ~~المصاب ، فيكون ذلك دليل كونه قاصدا إلى أن يكون مددا لهم . ولو أنه حين ~~انفلت قتل بعض المشركين ، وأخذ ماله ، وأخرجه إلى دار الإسلام فهو له ، ولا ~~خمس فيه ، بمنزلة حربي أسلم ، ثم فعل ذلك وهذا لأنه بمنزلة اللص فيما أخذه ~~، لأن ms0724 قصده النجاة منهم دون القتال على وجه إعزاز الدين فإنه مقهور ، لا ~~منعة له فيهم . فإذا كان الأسراء الذين أسلموا أهل منعة ، والمسألة بحالها ~~خمس جميع ما أصابوا ، وكان ما بقي بينهم على سهام الغنيمة ، الآخذ منهم ~~وغير الآخذ فيه سواء ، ويستوي إن كان كل فريق أهل منعة قبل أن يلتقوا ، أو ~~حين اجتمعوا صارت لهم منعة ؛ لأنهم محاربون في الحقيقة ، وقد أحرزوا المال ~~بطريق القهر ، وهم ظاهرون فيتحقق معنى إعزاز الدين فيما أصابوا ، فلهذا ~~يكون غنيمة . ولو تمكن الأسراء من قتل قوم من أهل الحرب غيلة وأخذوا ~~أموالهم ، لم يكن بذلك بأس ؛ لأنهم محاربون لهم ، ومع ذلك هم مقهورون ~~مظلومون ، فلهم أن ينتصفوا من بعض من ظلمهم ، إذا تمكنوا من ذلك . ~~PageV04P1270 فإن فعلوا ذلك ثم خرجوا إلى دارنا ، ولا منعة لهم ، فكل من ~~أخذ شيئا فهو له خاصة ، وإن اشترك في الأخذ رجلان فارس وراجل فهو بينهما ~~سواء ؛ لأن المصاب لم يأخذ حكم الغنيمة ، حين لم يصيروا أهل منعة ، بعدما ~~تجمعوا . فإن كان الآخذ أعطاه صاحبه ليحمله فهو للأول ؛ لأن يد من أخرجه ~~نائبة عن يد الآخذ حين ائتمنه . وإن غلبه عليه وأخرجه فهو للذي أخرجه ، وقد ~~بينا هذا . ولو كان الأسراء فعلوا ذلك بعدما حصلت لهم منعة ، والذين أسلموا ~~فعلوا ذلك ، ولا منعة لهم ، ثم التقوا في دار الحرب ، ثم خرجوا فإنه يخمس ~~جميع المصاب ؛ لأنه محرز بالدار بقوم هم أهل منعة فيكون غنيمة . ثم ما أصاب ~~الذين لا منعة لهم فهو مقسوم بينهم جميعا على سهام الغنيمة ؛ لأنهم أحرزوا ~~ذلك بمنعة الفريق الآخر ، وكان الفريق الآخر كالمدد لهم في ذلك باعتبار ~~منعتهم . PageV04P1271 ولا شركة للذين لا منعة لهم مع أصحاب المنعة فيما ~~أصابوا قبل الالتقاء ؛ لأنهم ما أحرزوا ذلك بمنعتهم ، إذ لا منعة للفريق ~~الآخر حتى يجعلوا كالمدد لهم فيما أصابوا . إلا أن يلقوا قتالا بعدما ~~اجتمعوا ، فحينئذ يشارك بعضهم بعضا في المصاب ؛ لأنهم اجتمعوا في القتال ~~دفعا عن جميع المصاب ، فإنهم اشتركوا في الإصابة . وهذا إذا ms0725 كان الذين ~~لقوهم من أهل الحرب فقاتلوهم ، أهل منعة ، فإن كانوا لا منعة لهم لا يتغير ~~الحكم بهذا القتال ؛ لأن قتالهم للدفع إنما يتغير به الحكم إذا قاتلوا من ~~كان يتوهم منه استنفاذ المال من أيديهم ، وهذا لا يتحقق فيما إذا لقيهم رجل ~~أو رجلان من أهل الحرب وإنما يتوهم إذا لقيهم أهل منعة . وإن كان الفريقان ~~حين أصابوا ما أصابوا لا منعة لكل واحد منهما ، فلما التقوا صارت لهم منعة ~~، فهم شركاء في جميع ما أصابوا ؛ لأن بالالتقاء لما تغير حالهم بما حدث لهم ~~من المنعة ، صار هذا في الحكم وما لو كانوا مجتمعين عند الإصابة سواء ، ~~وهذا لأن بعضهم صار مددا للبعض . PageV04P1272 وصار كل فريق متمكنا من ~~إحراز ما أصابه بقوة الفريق الآخر ، حين صاروا أهل منعة بعدما تجمعوا ، ~~بخلاف ما سبق . وإن كان الإمام أرسل إلى كل فريق يأمرهم أن يقتلوا من قدروا ~~عليه ويأخذوا الأموال ففعلوا ، وكلا الفريقين لا منعة لهم ، ولم يلتقوا حتى ~~خرج كل فريق إلى دار الإسلام فما أصاب كل فريق يخمس ويقسم ما بقي بينهم على ~~سهام الغنيمة ؛ لأنهم صاروا غزاة حين بلغهم إذن الإمام ، بمنزلة قوم لا ~~منعة لهم ، دخلوا دار الحرب بإذن الإمام ، وهذا لأن على الإمام أن ينصرهم ~~إذا علم بحالهم وأمرهم أن يفعلوا ذلك ، فكانوا قاهرين باعتبار هذا المعنى . ~~وكذلك إن التقوا في دار الحرب ، فصارت لهم منعة أو لم تصر ، أو كان أحد ~~الفريقين لهم منعة والآخر لا منعة لهم ؛ لأن إذن الإمام قد جمعهم ، وقد ~~بينا أنهم لو دخلوا ابتداء ، على هذا الوجه بإذن الإمام كانوا شركاء في ~~المصاب ، إذا التقوا ، فكذلك إذا فعلوا في دار الحرب بإذن الإمام ، ثم ~~التقوا بعد ذلك . ولو بعث الإمام قوما لا منعة لهم من دار الإسلام في طلب ~~الغنيمة ، فخرج إليهم أسراء وقوم أسلموا ، وقد أصاب كل فريق شيئا ، فإن كان ~~حين اجتمعوا لم يصر لهم PageV04P1273 منعة أيضا ، ثم لقوا قتالا ، فأصابوا ~~غنائم ، فجميع ما أصاب الذين دخلوا بإذن ms0726 الإمام يخمس ، والباقي بينهم على ~~سهام الغنيمة ؛ لأنهم قاهرون ، باعتبار أن الإمام . وما أصاب الفريق الآخر ~~فهو لهم خاصة ، الفارس والراجل فيه سواء ، ولا شركة لغير الآخذ فيه مع ~~الآخذ ؛ لأنهم لصوص ، إذ ليس لهم إذن من الإمام ، ولا منعة بها يصيرون ~~قاهرين قبل الالتقاء ولا بعده ، فإن قيل : لماذا لم يجعل الذين دخلوا بإذن ~~الإمام في حقهم بمنزلة أهل المنعة حتى يكونوا مددا لهم ؟ قلنا : لأن أهل ~~المنعة إنما صاروا مددا لهم باعتبار أنهم أحرزوا ما أصابوا بقوتهم ومنعتهم ~~، وهذا غير موجود ها هنا ، وإنما يثبت حكم الغنيمة فيما أصاب الذين دخلوا ~~بإذن الإمام ، لوجود الإذن حكما ، وهذا مقصور على مصابهم ، لا يتعدى إلى ~~مصاب الفريق الآخر . فأما إذا كانوا أهل منعة فحكم الغنيمة فيما أصابوا ~~باعتبار منعتهم حسا ، فيتعدى من ذلك إلى ما أصاب الفريق الآخر حين أحرزوه ~~بمنعتهم . فإذا كانوا بعد الاجتماع أهل منعة يخمس جميع ما أصابوا ، والباقي ~~بينهم على سهام الغنيمة لقوا قتالا أو لم يلقوا ؛ لأن بالالتقاء قد تغير ~~حالهم فقد صاروا به أهل منعة ولهذا تغير الحكم فيما أصاب كل فريق . ~~PageV04P1274 وإن كان الذين دخلوا بإذن الإمام لا منعة لهم والفريق الآخر ~~لهم منعة فإنه يشارك بعضهم بعضا في جميع المصاب ، بعدما يرفع الخمس من ذلك ~~؛ لأن الذين دخلوا بإذن الإمام غزاة ، باعتبار الإذن ، والآخرون غزاة ~~باعتبار المنعة ، فكان حالهم بعد الالتقاء كحال قوم لا منعة لهم دخلوا بإذن ~~الإمام والتحقوا بالعسكر ، بعد إصابة الغنيمة ، فيشارك بعضهم بعضا في ~~المصاب فإن كانت المنعة للذين دخلوا بإذن الإمام خاصة ، والمسألة بحالها ، ~~فإن أهل المنعة يشاركون الأسراء فيما أصابوا قبل الالتقاء ، بعدما يرفع منه ~~الخمس ؛ لأنهم أحرزوا ذلك بمنعتهم ، ولا شركة للأسراء فيما أصاب أهل المنعة ~~، إلا أن يلقوا قتالا فيقاتلوا معهم . وإن كان لكل فريق منعة ، فإنه يشارك ~~بعضهم بعضا فيما أصابوا ؛ لأن كل فريق بمنعتهم صاروا مددا للفريق الآخر ، ~~وفي مصاب أهل المنعة لا فرق بين وجود الإذن من الإمام وعدم الإذن ، كما ms0727 لو ~~كانوا دخلوا في دار الإسلام . والله الموفق . PageV04P1275 # | باب المستأمنين من المسلمين يأخذون أموال أهل الحرب ثم يخرجونها # قد بينا فيما سبق أن المستأمن إذا أخذ شيئا من مالهم بغير طيب أنفسهم ~~فأخرجه إلى دارنا ، أمر برده ولا يجبر عليه في الحكم ؛ لأنه أخفر ذمة نفسه ~~، لا ذمة الإمام والمسلمين ، واستدل عليه بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله ~~تعالى عنه . أنه صحب قوما من المشركين ، فوجد منهم غفلة فقتلهم ، وأخذ ~~أموالهم ، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطلب منه أن يخمس ، ~~فأبى أن يفعل ذلك ولم يجبره على رد ذلك على ورثتهم ، فهو الأصل في هذا ~~الجنس ، فإن جاء صاحب المتاع مسلما أو معاهدا أو بأمان ، وأقام على ذلك ~~بينة عدولا من المسلمين ، أو أقر ذو اليد بذلك فإن الإمام يجبره بالرد ولا ~~يفتيه على ذلك ؛ PageV04P1276 لأنه حين أخذ المال لم يكن لصاحب المتاع أمان ~~من المسلمين في نفسه ، ولا في ماله وإنما كان على ذلك الرجل ألا يغدر بهم ~~حين دخل إليهم بأمان وذلك غير داخل تحت حكم الإمام فلا يجبره على الرد ، ~~بذلك القدر من السبب . ألا ترى أنه لو فقأ عين رجل منهم ، أو قتل رجلا منهم ~~، أو استهلك مالا ، ثم خرج هاربا إلى دار الإسلام ، فجاء صاحب الحق وخاصمه ~~في ذلك لم يقض القاضي له بشيء ، فكذلك إذا أخرج مالا لهم . وكذلك إن كان ~~المستأمنون الذين فعلوا ذلك أهل منعة ، فأخرجوا ما أخذوا إلى دار الإسلام ~~فهذا والواحد إذا أخرجه سواء ، لأنهم فعلوا ذلك بمنعة أنفسهم لا بمنعة ~~الإمام . فإن كانوا حين اجتمعوا ، وصارت لهم منعة نابذوا أهل الحرب ثم ~~لحقوا بعسكر من المسلمين قد غنموا غنائم ، ثم أصابوا غنائم أخرى أيضا ، بعد ~~ما التحقوا بهم فجميع ما أصاب أهل العسكر قبل الالتقاء يخمس ، والباقي لهم ~~خاصة دون التجار ؛ PageV04P1277 لأن التجار لا يصيرون مددا لهم ، ولا في ~~حكم الغزاة ، بمجرد الالتقاء ما لم يقاتلوا دفعا عما أصابوا . وما أصابوا ~~بعد الالتقاء فهو بين ms0728 الكل على قسمة الغنيمة ؛ لأنهم اشتركوا في الإصابة ~~والإحراز . وما أصاب التجار في أمانهم فإنهم يؤمرون برده على أهله ، من غير ~~أن يجبروا عليه في الحكم ؛ لأنهم كانوا محرزين لذلك ، باعتبار منعتهم لا ~~باعتبار منعة الجيش فكان إخراجهم ذلك إلى منعة الجيش ، وإلى دار الإسلام ~~سواء ، إلا أن يلقوا قتالا فقاتلوا دفعا عن ذلك ، فحينئذ التجار يشاركون ~~الجيش في جميع ما أصابوا ، ويأخذ الإمام ما أصاب التجار ، فيجعل ذلك موقوفا ~~، حتى يجيء صاحبه فيأخذه ؛ لأن الإحراز ها هنا حصل بقوة العسكر ، وبقتالهم ~~دفعا عن ذلك المال ، فبقيت ولاية الإمام فيه ، ألا ترى أنه لو لم يكن ~~مأخوذا على وجه الغدر كان حكمه حكم الغنيمة ، بقسمة الإمام بين أهل العسكر ~~والتجار ، بعدما يرفع الخمس من ذلك وإذا ثبت ولاية الإمام فيه ، فعليه ~~إزالة الغدر بإيصاله إلى صاحبه . PageV04P1278 ألا ترى أن الذين أخذ منهم ~~تلك الأموال لو جاءوا إلى العسكر ولهم منعة ، فقالوا : نريد قتالكم أو ~~تخلوا بيننا وبين التجار حتى نقتلهم ، ونأخذ أموالنا لم يسعنا أن ندع أهل ~~الحرب يقاتلونهم ، ولكن يلزمنا نصرة التجار بأن نأخذ مما في أيديهم مما ~~غدروا فيه ، ونرده على أهله ، ونمنعهم من قتل التجار وكذلك إن كان الذين ~~جاءوا للاستنقاذ قوما سوى أصحاب الأموال . ولو كان المستأمنون لا منعة لهم ~~، والمسألة بحالها فعلى أهل العسكر أن يردوا ما أصاب المستأمنون على أهله ؛ ~~لأنهم ما كانوا محرزين لذلك بمنعتهم ، وإنما صاروا محرزين له بقوة أهل ~~العسكر ، ولهذا يثبت حقهم فيه لو كان غنيمة ، وإن لم يلقوا قتالا بعد ما ~~التحقوا بهم . فعرفنا أن ولاية الإمام قد تثبت في هذا المال حين كان محرزا ~~بقوة أهل العسكر ، فعليه رده على أهله ، وليس عليه أن يبعث به إليهم ، ~~ولكنه يكتب إلى صاحبه ، حتى يدخل بأمان فيأخذه ؛ لأنه ما أخرجه من يد صاحبه ~~، وإنما وقع في يده من غير فعله ، فهو نظير الثوب إذا هبت به الريح وألقته ~~في حجر إنسان ، فإنه لا يجب عليه أن يحمله إلى صاحبه ، ولكن ms0729 عليه أن يعلمه ~~حتى يجيء فيأخذه منه . PageV04P1279 ولو أن مستأمنا في دار الحرب خرج إلى ~~دار الإسلام وأهل الحرب لا يعلمون به ، ثم عاد إليهم فلم يعرضوا له ، وظنوا ~~أنه على الأمان الأول ، فلا بأس بأن يقتلهم ويأخذ ما بدا له من أموالهم ، ~~لأن بوصوله إلى دار الإسلام ، قد انتهى حكم الأمان بينه وبينهم ، سواء ~~علموا به أو لم يعلموا ، فإذا دخل إليهم بغير استئمان جديد كان حاله وحال ~~من لم يكن مستأمنا فيهم قبل هذا سواء ، ألا ترى أنهم لو علموا بذلك قتلوه ، ~~وأخذوا ماله ، فإن لم يعلموا لا يثتب لهم أمان من جهته ، فإن قيل : إنما ~~كان لا يحل له أن يفعل ذلك قبل الخروج ، للتحرز عن الغدر ، وهذا المعنى ~~قائم ما لم يعلموا بخروجه ، قلنا : لا ، كذلك فإنه ليس عليه أن يعلمهم ~~بخروجه ، وإنما عليهم ألا يغفلوا عنه ، حتى لا يشتبه عليهم خروجه ، وبعد ~~انتهاء الأمان بالخروج هو محارب لهم ، والحرب خدعة ، فظنهم أنه على الأمان ~~الأول لا يمنعه من أن يصنع بهم ما يصنعه المحارب . وكذلك إذا خرج إلى عسكر ~~المسلمين في دار الحرب ؛ لأن الأمان ينتهي بينه وبينهم بوصوله إلى منعة ~~المسلمين ، كما ينتهي بخروجه إلى دار الإسلام ، فإن كان أهل الحرب أخذوه ~~حين عاد إليهم فقالوا له : أين كنت ؟ فأخبرهم أنه لم يرجع إلى دار الإسلام ~~بعد أو قالوا PageV04P1280 له : من أنت ؟ فقال : أنا مستأمن فيكم ، فتركوه ~~لم يحل له أن يعرض لهم في شيء بعد هذا لأن الذين كلمهم به بمنزلة الاستئمان ~~الجديد . ألا ترى أنه لو لم يكن دخل إليهم بأمان حتى الآن فلما أخذوه قال : ~~أنا مستأمن فيكم ، كان مستأمنا إذا خلوا سبيله لا يحل له أن يغدر بهم بعد ~~ذلك . وإن كان هذا المستأمن خرج إلى قوم من المسلمين ، لا منعة لهم ، قد ~~بعثهم الإمام طليعة في دار الحرب . والمسألة بحالها ، لم يحل له أن يعرض ~~لأهل الحرب بشيء ؛ لأن حكم الأمان الأول بينه وبين أهل الحرب باق ، ما لم ms0730 ~~ينابذهم أو يلتحق بمنعة المسلمين ، وباعتبار ذلك الأمان لا يحل لهم أن ~~يتعرض لهم . فإن اجتمع المستأمنون في دار الحرب في مكان حتى صارت لهم منعة ~~، ثم لم ينبذوا إلى أهل الحرب ، حتى تفرقوا كما كانوا ، فإنه لا يحل لأحد ~~منهم أن يتعرض لهم بشيء ؛ لأنهم على الأمان الأول حين لم ينبذوا إلى أهل ~~الحرب . فإن قيل : لماذا لا يجعل ما حدث لهم من المنعة بمنزلة منعة ~~المسلمين في دار الحرب حتى ينتهي به حكم ذلك الأمان ، قلنا : لأن انتهاء ~~الأمان باعتبار منعة المحاربين PageV04P1281 لأهل الحرب ، والمستأمنون ما ~~دخلوا محاربين ، فبالجمع لا يصيرون محاربين ما لم ينبذوا إليهم بخلاف أهل ~~العسكر . وكذلك إن اجتمعوا مع قوم من الأسراء ومن الذين أسلموا في دار ~~الحرب ، ولهم منعة إلا أنهم لم ينبذوا إلى أهل الحرب بالمحاربة ؛ لأن ~~الأسراء مقهورون في أيديهم ، والذين أسلموا ما كانوا محاربين لهم ، فلا ~~يصيرون محاربين في الظاهر بمجرد المنعة ما لم ينبذوا إليهم بالمحاربة ولا ~~ينتهي أمان المستأمنين بالتحاقهم بمثل هذه المنعة . وإن كان الأسراء قد ~~نبذوا إلى أهل الحرب بالمحاربة ، والمسألة بحالها ، فلا بأس للمستأمنين إذا ~~عادوا إليهم أن يقتلوا من قدروا عليه منهم ؛ لأنهم التحقوا بأهل منعة من ~~المسلمين ، هم محاربون لأهل الحرب ، وحكم الأمان ينتهي بذلك ، كما لو ~~التحقوا بالعسكر . فإن كان المشركون علموا بهم ، فقالوا لهم حين رجعوا : لم ~~أتيتموهم ؟ فقالوا : خرجنا إلى عسكرهم تجارا ، وأتيناهم لننهاهم عما صنعوا ~~، فتركوهم لما قالوا ، لم يحل لهم أن يتعرضوا لهم بشيء ؛ PageV04P1282 لأن ~~هذا الكلام بمنزلة الاستئمان منهم ، فإنهم أخبروهم أنهم على الأمان الأول ، ~~وإنما تركوهم على ذلك الأمان وكذلك هذا الجواب فيما إذا خرجوا إلى عسكر في ~~دار الحرب ، ثم رجعوا إليهم فأخبروهم أنهم خرجوا للتجارة أو لحاجة . ولو أن ~~المستأمنين أصابوا شيئا من أهل الحرب ، ثم تجمعوا ، فصارت لهم منعة ، ~~ونبذوا إلى أهل الحرب وأخبروهم أنهم يقاتلونهم ، ثم قاتلوهم ، أو لم ~~يقاتلوهم حتى أصابوا غنائم فأخرجوها ، فإن ما أصابوا بعد النبذ يخمس ويقسم ~~بينهم ms0731 على سهام الغنيمة ، وما أصابوا قبل النبذ فهو لمن أصاب ولا خمس فيه ؛ ~~لأنهم أخذوا ذلك على وجه الغدر ، وإنما أحرزوه بمنعتهم خاصة لا بمنعة ~~الإمام والمسلمين ، فيفتيهم الإمام بالرد من غير أن يجبره عليه في الحكم . ~~ولو كان مكان المستأمنين أسراء أو قوم أسلموا منهم ، والمسألة بحالها ، خمس ~~الإمام ذلك كله ، وقسم الباقي على سهام الغنيمة ؛ لأنهم أخذوا حين أخذوا ~~وهو حلال لهم ، ثم أحرزوه بمنعة وقوة فيثبت فيه حكم الغنيمة ، فأما ~~المستأمنون فإنما أخذوا ما أخذوا قبل النبذ ، وهو عليهم حرام ، فلا يثبت ~~حكم الغنيمة في ذلك المأخوذ بما حدث لهم من المنعة . PageV04P1283 ألا ترى ~~أنهم لو أحرزوا ذلك بمنعة الجيش أخذه الإمام فيرده على أهله ، ولم يقسمه ~~بينهم على قسمة الغنيمة ، والأسراء لو أحرزوا ما أخذوا بمنعة الجيش قسم ~~بينهم وبين الجيش على قسمة الغنيمة ، فكذلك إذا أحرزوه بمنعتهم إلا أن هناك ~~يثبت للإمام ولاية الإجبار على الرد وها هنا لا يثبت . وإن كان المستأمنون ~~لحقوا في دار الحرب ، بقوم لصوص لا منعة لهم ، وقد دخلوا بغير إذن الإمام ، ~~ولم يصيروا أهل منعة بعدما اجتمعوا ، فالحكم فيما أصاب كل فريق بعد ~~الالتقاء كما كان قبله حتى أن ما أصاب المستأمنون اللصوص فهو لمن ولي الأخذ ~~منهم خاصة ، وما أصاب المستأمنون أمروا برده من غير جبر ، فإن صاروا أهل ~~منعة حين اجتمعوا فنبذوا إلى أهل الحرب ثم خرجوا إلى دار الإسلام ، فإن ~~الإمام يخمس ما أصاب اللصوص ؛ لأنهم أخذوه والأخذ حلال لهم ، وأحرزوه وهم ~~قاهرون ، بما حدث لهم من المنعة فيخمس ما أصابوا ، ويقسم ما بقي بينهم وبين ~~المستأمنين على سهام الغنيمة ، فإن قيل : كيف يثبت للمستأمنين في ذلك حق ~~الشركة معهم ، ولم يقاتلوا دفعا عن ذلك المال بعدما التحقوا بهم ، قلنا : ~~لأنه يصير بمنعة حدثت لهم وباعتبارها أخذ حكم الغنيمة ، فكان هذا أكثر ~~تأثيرا من قتالهم دفعا عن ذلك المال . فأما ما أصاب المستأمنون فإنهم ~~يؤمرون برده من غير أن يجبروا على ذلك ؛ PageV04P1284 لأنهم أخذوا ، والأخذ ~~حرام ms0732 عليهم ، فلا يصير غنيمة بالإخراج وما أحرزوه بمنعة غيرهم من المسلمين ~~، فلا يثبت للإمام فيه ولاية الإجبار على الرد . وإن كانوا لم ينبذوا إلى ~~أهل الحرب حتى خرجوا والمسألة بحالها ، لم يخمس شيء من ذلك ؛ لأنهم أصابوه ~~على وجه التلصص ، وأخرجوه كذلك ، فإنهم لم يظهروا القتال مع أهل الحرب في ~~دارهم ، واعتبار المنعة لإظهار القتال ، وإذا لم يظهروه كان هذا وما لم ~~يصيروا أهل منعة بعد الالتقاء في الحكم سواء وإذا لم يصر ما أصاب اللصوص ~~غنيمة ، فهو للآخذ خاصة ، ولا شركة للمستأمنين معهم في ذلك ، والذي يوضح ~~هذا الفرق أن المستأمنين لو رجعوا إلى أهل الحرب ، قبل أن ينبذوا إليهم ~~كانوا على الأمان الأول ، لا يحل لهم أن يتعرضوا لأهل الحرب بشيء ، وبعد ما ~~نبذوا إليهم باعتبار المنعة لو رجعوا إليهم من غير استئمان جديد حل لهم أن ~~يقتلوا من قدروا عليه منهم . وكذلك لو كان المستأمنون حين اجتمعوا أهل منعة ~~، والذين لحقوا بهم لا منعة لهم ؛ لأن المستأمنين ما كانوا محاربين لهم ، ~~ولكنهم كانوا في أمان منهم ، فلا ينتهي حكم ذلك الأمان منهم ما لم ينبذوا ~~إليهم ، أو يصلوا إلى أهل منعة من المسلمين . PageV04P1285 وإن كانت المنعة ~~للصوص دون المستأمنين ، فلحوق المستأمنين بهم بمنزلة لحوقهم بعسكر دخلوا ~~بإذن الإمام ؛ لأن اللصوص محاربون للمشركين وقد بينا أنهم إذا كانوا أهل ~~منعة فدخولهم بإذن الإمام وبغير إذن الإمام سواء . وإن كان المستأمنون أهل ~~منعة ، حين اجتمعوا قبل أن يلتحقوا باللصوص الذين لهم منعة ، والمسألة ~~بحالها ، فهذا والأول سواء ، إلا في خصلة واحدة ، وهو أن الإمام ها هنا لا ~~يأخذ من المستأمنين ما كانوا أخذوه ، ولكنه يفتيهم بالرد فيه ؛ لأنهم ما ~~أخذوه بمنعة اللصوص ، وإنما أخذوه بمنعة أنفسهم ، فلا يثبت ولاية الإمام في ~~أخذ ذلك منهم وفي الأول إنما أخذوه بمنعة اللصوص إذا كانوا أهل منعة فحكمهم ~~كحكم العسكر . فإن لقوا قتالا في الفصل الثاني فإن الإمام يأخذ من ~~المستأمنين ما كانوا أخذوا فيرده إلى أهله ؛ لأن اللصوص حين قاتلوا دفعا ms0733 عن ~~ذلك المال ، فقد ثبت للإمام فيه الولاية كما يثبت له عند قتال العسكر دفعا ~~عن ذلك المال فإن التحق المستأمنون ، ولا منعة لهم بقوم من PageV04P1286 ~~المسلمين دخلوا بإذن الإمام ولا منعة لهم ، وبعد الاجتماع لم يصيروا أهل ~~منعة أيضا ، فإن المستأمنين يؤمرون برد ما كانوا أصابوا من غير جبر ، ويخمس ~~ما أصاب الفريق الآخرون والباقي لهم خاصة دون المستأمنين ؛ لأن المستأمنين ~~بعدما التحقوا بهم كانوا على أمانهم لو رجعوا ، وإنما خرجوا إلى دار ~~الإسلام ، وهم مستأمنون ، فعرفنا أنهم ما صاروا مددا للذين دخلوا بإذن ~~الإمام ، ولا صاروا محابين في دار الحرب . وكذلك إن صاروا أهل منعة بعد ~~الاجتماع إلا أن ينبذوا إلى أهل الحرب فحينئذ يشاركونهم فيما أصابوا ، قبل ~~أن يلتحقوا بهم ، وبعدما نبذوا جميعا ؛ لأن الأمان قد انتبذ بينهم وبين أهل ~~الحرب ، وقد حدثت لهم المنعة بالتحاقهم بهم ، وقد بينا أن هذا بمنزلة ~~القتال دفعا عن المصاب ، أو أقوى منه . فأما ما أصاب المستأمنون فإنهم ~~يفتون فيه بالرد من غير جبر ؛ لأنهم ما أحرزوا ذلك بمنعة غيرهم من المسلمين ~~، فلا يثبت فيه ولاية الإمام . ولو أن المستأمنين الذين لا منعة لهم ~~التحقوا بقوم أسراء أو أسلموا في دار الحرب أهل منعة ، ولكنهم لم ينابذوا ~~PageV04P1287 أهل الحرب ، فما أصاب الأسراء قبل أن يلتحق بهم المستأمنون ~~يخمس ، والباقي لهم خاصة ؛ لأنهم أخذوا ذلك والأخذ حلال لهم . والمستأمنون ~~بالالتحاق بهم ما صاروا مددا لهم في ذلك ؛ لأنهم لم يقاتلوا معهم دفعا عن ~~ذلك ، ولا حدثت لهم المنعة بالتحاقهم بهم ، فقد كانوا أهل منعة قبل ذلك . ~~وكذلك ما أصابوا بعدما التحق بهم المستأمنون ؛ لأنهم لم يصيروا محاربين ~~لأهل الحرب حين لم ينبذوا إليهم ، فهم بمنزلة اللصوص في ذلك ، في اختصاصهم ~~بالمصاب ، لمعنى فقهي ، وهو أن الأمان بين أهل الحرب وبين المستأمنين يبقى ~~بعد ما التحقوا بهم ، إذا كانوا لم ينابذوا أهل الحرب ، ومع بقاء الأمان لا ~~يمكن أن يجعلوا كالردء والمدد لهم ، فيما أصابوا فلهذا لا يشاركهم ~~المستأمنون في شيء من ذلك ms0734 ، وإن كان ما أصابوا غنيمة باعتبار منعتهم ، حتى ~~يخمس ويقسم ما بقي بينهم على سهام الغنيمة . وإن كانوا قد نابذوا أهل الحرب ~~، والمسألة بحالها ، فما أصابوهم والمستأمنون بعد النبذ فهو فيء بينهم ~~جميعا ؛ لأن أمان المستأمنين حين انتهى بالوصول إليهم ، فإنهم التحقوا ~~بمنعة من المسلمين ، هم مقاتلون لأهل الحرب ، منابذون فكانوا بمنزلة الردء ~~لهم فيما أصابوا بعد الالتحاق بهم . PageV04P1288 وما أصاب المستأمنون قبل ~~الالتحاق بهم فإن الإمام يأخذه فيرده على أهله ؛ لأنهم أحرزوه بمنعة قوم من ~~غزاة المسلمين ، فيثبت للإمام فيه ولاية الإجبار على الرد ، بخلاف الأول ، ~~فهناك الأسراء ما كانوا غزاة على الإطلاق حين لم ينابذوا أهل الحرب ، فلا ~~يثبت للإمام ولاية الإجبار فيما أصابه المستأمنون وإن أحرزوه بمنعتهم ، ~~ولكنه يفتيهم بالرد . وإن صار المستأمنون أهل منعة ، قبل أن يلتحقوا ~~بالأسراء الذين نابذوا أهل الحرب ، فإن الإمام لا يجبرهم على رد ما أخذوا ؛ ~~لأنهم أحرزوه بمنعة أنفسهم ، لا بمنعة الغزاة وفي مثله لا يثبت للإمام ~~ولاية الإجبار في الرد إلا أن يلقوا قتالا فحينئذ يثبت للإمام فيه ولاية ~~الإجبار بقتال الغزاة للدفع عن ذلك المال ، فيأخذه ويرده على أهله . وإذا ~~أخذ المستأمن في دار الحرب مال حربي على سبيل الغدر فأخرجه ، ثم أسر الحربي ~~الذي هو صاحب المال ، فالمال للمسلم الذي كان أخذه ، وقد طاب له الآن ؛ لأن ~~المال كان مملوكا له حين أخرجه ، ولكنه كان لا يطيب له لبقاء حق المأخوذ ~~منه ، وحين أسر وصار عبدا بطل حقه ، فزال المانع من الطيبة للآخذ به ، فإن ~~قيل : الآسر يخلف المأسور فيما هو حقه كما يخلفه في ملك نفسه ، ~~PageV04P1289 قلنا : نعم ، ولكن فيما يكون محلا للتملك بالقهر ، والمال ~~الذي هو مملوك للمسلم لا يكون محلا للتملك بالقهر فلهذا لا يثبت حق الأسير ~~فيه ، ألا ترى أن حربيا مستأمنا لو أدان مسلما دينا في دارنا ث عاد إلى دار ~~الحرب ، فأسر بطل الدين عن صاحبه ، ولم يكون فيئا . لأن الدين في الذمة لا ~~يكون محل التملك بالقهر ، بل أولى ، لأن هناك ms0735 الدين كان ملك الأسير في ذمة ~~من عليه ، وها هنا المال لم يكن ملك الأسير في يد المسلم ، ألا ترى أنه لو ~~لم يؤسر حتى رجع إلى دارنا فطلب دينه أجبر المدين على قضاء دينه ، وها هنا ~~لو لم يؤسر حتى خرج وطلب ذلك المال لم يجبر المسلم على دفع شيء إليه ، سواء ~~كان قائما بعينه في يد آخذه ، أو استهلكه ، فإن قيل : فلماذا لا يخلفه ~~وارثه ، في ذلك الحق بمنزلة ما لو مات ، إذ الرق تلف حكما ؟ قلنا : لأن ~~إثبات التوريث يكون بالنص لا بالرأي ولأن الوراث إنما يخلف المورث فيما ~~يفضل عن حاجته ، وبالاسترقاق تبدلت نفسه ولكن لم تنقطع حاجته ، فلا يمكن ~~جعل الوارث خلفا له في أملاكه وحقوقه وكذلك لو لم يؤسر الحربي ولكن الإمام ~~غلب على تلك الأرض ، وقتل صاحب المال ؛ لأن حقه قد سقط بموته ، ولم يخلفه ~~في ذلك ورثته ، حين وقع الظهور عليهم ، فصاروا أرقاء ، فإن رق الوارث يمنع ~~هذه الخلافة كرق المورث والمانع من الطيب للآخذ قيام حق الغير فيه ، وقد ~~تحقق سقوطه PageV04P1290 ولو قتل الحربي ولم يقع الظهور على داره فإن الآخذ ~~يفتي برد المال إلى ورثته ؛ لأنهم خلفاؤه في حقوقه وأملاكه ، بعدما قتل ، ~~كما يخلفونه إذا مات حتف أنفه ، وقيام حقهم كقيام حق المأخوذ منه ، في ~~المنع من الطيبة للآخذ . ولو كان الآخذ أخرج المال إلى عسكر في دار الحرب ~~ثم إن أهل العسكر أسروا صاحب المال ، فهو فيء لهم مع المال يخمس والباقي ~~بين أهل العسكر والمستأمن على سهام الغنيمة ؛ لأن حق أهل العسكر كان يثبت ~~في هذا المال باعتبار الإحراز بمنعتهم لولا قيام حق المأخوذ منه ، ألا ترى ~~أنه لو كان مكان المستأمن أسير كان المال غنيمة لأهل العسكر ، ألا ترى أنه ~~يثبت للإمام ولاية الإجبار على الرد فيه ، وما كان ذلك إلا باعتبار ثبوت حق ~~أهل العسكر فيه ، وقد زال المانع ، وهو حق الحربي حين أسر ، ولأن هذا المال ~~لما كان مستحق الرد على الأسير في الحكم كان ms0736 بمنزلة مال آخر في يده ، فيكون ~~محل التملك بالقهر ، وقد تحقق الظهور عليه فيكون فيئا بخلاف الأول فهناك ~~المال غير مستحق الرد عليه في الحكم بل ملك الآخذ فيه هو متقدم في الحكم ، ~~وذلك يمنع تمام استيلاء المسلمين عليه بأسر الحربي . وكذلك إن قتل الحربي ، ~~ووقع الظهور على الدار ، PageV04P1291 فإن لم يقع الظهور على الدار ، فإن ~~الإمام يأخذ ذلك المال فيرده على ورثة الحربي ؛ لأنهم خلفاؤه في ذلك ، ~~وإنما هذا نظير حربي مستأمن في دارنا أودع رجلا مالا ، ثم رجع إلى دار ~~الحرب فأخذ أسيرا ، فإن الوديعة تكون فيئا للذين أسروه بمنزلة نفسه ، لما ~~بينا أن المال كان مستحق التسليم إليه في الحكم ، ويد المودع فيه كيده ~~فيثبت حكم الاستيلاء عليه حين أسر . وكذلك لو قتل فظهر على الدار ، وإن لم ~~يقع الظهور على الدار ، والمال في يد المودع على حاله ، إلا أن يأتي وارثه ~~فيأخذه ، فكذلك ما سبق ، والذي يوضح الفرق بين ما يحرزه المستأمن بدار ~~الإسلام وبين ما يحرزه بمنعة الجيش ، أن المأخوذ لو كانت جارية فأعتقها ~~بعدما أخرجها إلى دار الإسلام نفذ عتقه فيها . ولو أعتقها بعدما أخرجها إلى ~~العسكر لم ينفذ عتقه فيها ، فبهذا تبين قيام ملكه فيها بعد الإخراج إلى دار ~~الإسلام ، وانعدام ملكه إذا أحرزها بالعسكر ، وإنما امتنع ثبوت القهر لقيام ~~ملكه في المحل . ولو أن الأسراء تجمعوا فصارت لهم منعة ، فأخذوا أموالا ~~فأخرجوها إلى دار الإسلام ، خمس ما أصابوا ؛ لأن الأخذ كان مباحا لهم ، ~~وكانوا قاهرين عند الإحراز ، باعتبار المنعة . بخلاف ما إذا كانوا مستأمنين ~~، ولم ينابذوا أهل الحرب ، فإنه لا يخمس ما جاءوا به ، ولكنهم يفتون برده ؛ ~~PageV04P1292 لأن الأخذ كان حراما عليهم لمعنى الغدر . ألا ترى أن المال ~~المأخوذ لو كان في يد الأسراء ، ولم يخرجوا حتى غلب المسلمون على تلك الدار ~~، فإنه يخمس ذلك كله ، ويمثله في المستأمنين لو وقع الظهور على الدار ، ~~والمال في أيديهم ولكنهم لم ينابذوا أهل الحرب ، فإن المال فيء للمسلمين ~~ولا شيء للمستأمنين فيه . لأن المستأمنين ms0737 ما داموا في أمانهم ، فيكون المال ~~في أيديهم ، لكونه في يد صاحبه ، فيصير فيئا إذا وقع الظهور عليه ، كسائر ~~أمواله ، ولا شيء للمستأمنين فيه ، لأنهم ليسوا بغزاة بخلاف الأسراء ، ~~فإنهم كانوا محاربين لأهل الحرب فكانوا بمنزلة الغزاة في المال الذي أحرزوه ~~بمنعة المسلمين ، فلهذا يخمس ، ويقسم الباقي بينهم وبين الأسراء على سهام ~~الغنيمة . ولو كان المستأمنون حين أخذوا تلك الأموال نبذوا إلى أهل الحرب ، ~~فقاتلوهم ولهم منعة ، فحالهم الآن كحال الأسراء ؛ لأنهم خرجوا من أمانهم ، ~~وصاروا محاربين لهم ألا ترى أنه لو أسلم أهل الدار ، وصاروا ذمة قبل أن يقع ~~الظهور عليهم ، لم يؤمر المستأمنون برد المال ها هنا ، وفي الأول يؤمرون ~~برد المال . ولو دخل عليهم عسكر آخر فالتحق المستأمنون بهم لم يتعرض لشيء ~~من ذلك المال ؛ PageV04P1293 لأن المستأمنين إنما أحرزوه بمنعتهم لا بمنعة ~~الجيش ، بخلاف ما إذا لم ينابذوا أهل الحرب ، فإن هناك إنما أحرزوه بمنعة ~~الجيش ، فيأخذ الإمام المال ويرده على أهله ، فإن كان الجيش الذين دخلوا ~~ظهروا على الدار وقتلوا صاحب المال ، أو أسروه فقد صار ذلك المال فيئا بين ~~أهل العسكر وبين المستأمنين ، وإن لم يظهروا على الدار ولكن قتلوا صاحب ~~المال لم يعرضوا لما أخذ المستأمنون وأمروا بالرد إلى ورثة صاحب المال ، ~~وقد بينا هذا الفرق . وإذا كان المسلم مستأمنا في دار الحرب ، فنزل قرية من ~~قراهم ، ثم مر بهم عسكر من المسلمين ، ولهم منعة ، فقتلوا رجال أهل القرية ~~وسبوا من فيها ، ولم يعرضوا للمستأمن بشيء فهو على أمانه فيما بينه وبين ~~أهل الحرب ، لا يحل له أن يعرض لهم بشيء ؛ لأنه لم يوجد ما يوجب انتهاء ~~الأمان بينه وبين أهل القرية ، فإن القرية لم تصر دار الإسلام ، إذ القرى ~~تتبع البلدة ، ولأن المسلمين حين مضوا وتركوها فقد عرفنا أنه لم يكن من ~~قصدهم أن يصيروها دار الإسلام ، ولم يكن PageV04P1294 المسلم المستأمن هو ~~المحرز لنفسه بمنعة المسلمين ، إنما هم الذين نزلوا ذلك الموضع ، ثم ~~ارتحلوا منه وربما كان هو نائما ، لم يشعر بمجيئهم ولا ms0738 بذهابهم فيكون هو ~~على أمانه على حاله . وإن كان العسكر نزلوا بالقرب من القرية فذهب هو إلى ~~العسكر فقد انتهى الأمان بينه وبين أهل الحرب ؛ لأنه الآن أحرز نفسه بمنعة ~~الجيش ، فيخرج به من أمان أهل الحرب حتى إذا عاد إليهم فله أن يقتلهم ويأخذ ~~أموالهم . ألا ترى أنه لو سار معهم أياما أو قاتل معهم قوما من أهل الحرب ، ~~والمشركون لا يعلمون بذلك ، فإنه يكون خارجا من أمانهم ، فكذلك إذا صار في ~~عسكرهم بخروجه إليهم . وإن كان المسلمون حين قتلوا رجال أهل القرية حملوه ~~كرها فأدخلوه في عسكرهم ، فلما علموا أنه مسلم خلوا سبيله ، فرجع إلى دار ~~الحرب ، ففي القياس لا أمان بينه وبينهم ؛ لأنه صار محرزا بمنعة الجيش ، ~~وإن كان بغير اختيار منه ، فيخرج به من عهد المشركين ، كما لو حملوه كرها ~~إلى دار الإسلام ، ولكنه استحسن فقال : الموضع الذي نزل فيه العسكر من جملة ~~دار الحرب ، والمستأمن من المسلمين ما دام في دار الحرب ، فهو في أمان منهم ~~. PageV04P1295 إلا أن يوجد منه فعل يستدل به على نبذ الأمان ، ولم يوجد ~~ذلك حين كان مكرها على الخروج إلى العسكر ؛ لأن الإكراه إن كان بوعيد التلف ~~، لا يبقى له فعل أصلا ، وإن كان بتهديد دون ذلك لا يبقى رضاه به ، حتى ~~يجعل دليلا على نبذ الأمان منه . فأما إذا أخرج إلى دار الإسلام فالمسلم في ~~دار الإسلام لا يكون في أمان أهل الحرب قط ، أرأيت لو أقام في أهله سنة لا ~~يدعونه يرجع إلى أهل الحرب أكان يبقى له في أمان منهم ؟ هذا لا يقول به أحد ~~، فكذلك إذا أخرجوه إلى دار الإسلام ، ثم خلوا سبيله ، فرجع إليهم ، كان له ~~أن يقتل من شاء منهم ما لم يجدد بينه وبينهم أمانا . والله أعلم . ~~PageV04P1296 # | باب ما يظهر عليه أهل الشرك فيحرزونه من أموال المسلمين ثم يصيبه ~~المسلمون # قد بينا فيما تقدم أنهم يملكون أموالنا بطريق القهر بعدما يتم الإحراز ~~بدارهم ، فإذا ظهر عليه المسلمون فهو غنيمة لهم ، بمنزلة سائر أموالهم ms0739 ، ~~إلا أن المستولي عليه إذا وجده قبل القسمة أخذه بغير شيء ، وإن وجده بعد ~~القسمة أخذه بالقيمة إن شاء ؛ لأنه صار مظلوما ، فكان على المسلمين القيام ~~بنصرته ، ودفع الظلم عنه ، فإنهم لا يتمكنون من السكنى في دار الإسلام ، ~~إلا بأن يدفع بعضهم عن بعض فكان دفع هذا الظلم على الغزاة الذين يذبون عن ~~دار الإسلام ، ويأخذون الكفاية على ذلك فإذا وقع المال في أيديهم فنقول : ~~قبل القسمة الحق لعامتهم ، ودفع الظلم واجب عليهم أيضا ، وذلك في رد المال ~~عليه ، فيجب رده مجانا ، وأما بعد القسمة فقد تعين الملك فيه ، لمن وقع في ~~سهمه وما كان يجب عليه دفع الظلم عنه بتسليم ملك نفسه إليه ، إلا أن حق ~~الذي وقع في سهمه كان في المالية حتى كان للإمام أن يبيع الغنائم ، ويقسم ~~الثمن بينهم ، وحق PageV04P1297 المأسور منه كان في العين ، فيجب مراعاة ~~الحقين ، وذلك بإيصال عين الملك إليه ، إذا وصل إلى من وقع في سهمه ما هو ~~حقه ، وهو المالية إن شاء ولأن قبل القسمة الثابت للغانمين حق لا ملك ، ~~والثابت للمستولي عليه حق أيضا فيترجح حقه بالسبق ، فيأخذه مجانا ، وبعد ~~القسمة الثابت لمن وقع في سهمه ملك ، وللمستولي عليه حق ، والحق وإن كان ~~سابقا ، فإنه لا يعارض الملك المستقر شرعا ، فيجب مراعاتها وذلك في أن ~~يأخذه بالقيمة إن شاء . وكذلك لو دخل مسلم إليهم فاشتراه بثمن ، وأخرجه إلى ~~دار الإسلام فلصاحبه أن يأخذه بالثمن إن شاء ، ولو وهبوه منه ولصاحبه أن ~~يأخذه منه بقيمته إن شاء للمعنيين اللذين ذكرناهما ، واستدل على ذلك ~~بأحاديث رواها في الكتاب ، منها حديث تميم بن طرفة قال : أخذ المشركون ناقة ~~لمسلم ، فابتاعها منهم مسلم ، فارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~عليه السلام : أعطه ثمنها الذي ابتاعها به وإلا فخل بينها وبينه . ثم ذكر ~~قول زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب . إن المأسور منه إذا وجده بعد القسمة فلا ~~سبيل له عليه ، والمراد به أنه لا سبيل له عليه في الأخذ مجانا ، ولكن إذا ms0740 ~~أعطاه قيمته فهو أحق به ، وذكر عن الحسن والزهري رحمة الله عليهما : ~~PageV04P1298 إنه لا يرد على صاحبه قبل القسمة ولا بعدها ولا يؤخذ بهذا ~~لأنه خلاف ما اتفق عليه الكبار من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعن أبي بكر ~~رضي الله عنه قال : يرد على صاحبه قسم أو لم يقسم إذا قامت به البينة ، وبه ~~نأخذ ، فإنه ما لم يثبت حق المستولي عليه بالحجة لا يتمكن من أخذه ، وطريق ~~ثبوت حقه إقامة البينة ، وبعد ما يثبت حقه فإنه يأخذه قبل القسمة مجانا ~~وبعدها بالقيمة إن أحب ، فكان مراد الصديق رضي الله تعالى عنه أنه أحق به ~~إذا رغب في أداء القيمة بعد القسمة . وأهل الذمة في هذا الحكم كالمسلمين ؛ ~~لأن نفوسهم وأموالهم معصومة متقومة بالإحراز بالدار ، ولهذا لا يسترقون إذا ~~وقع الظهور عليهم كالإحراز من المسلمين فالحكم في أموالهم إذا وقع ~~الاستيلاء عليها كالحكم في أموال المسلمين . وذكر عن مكحول في رجل من العدو ~~قال للجيش من المسلمين : أرأيتم إن أنا جئتكم بمسلم أتعطونني فداءه ؟ ~~فقالوا : نعم ، فصالحهم على شيء معلوم ، ثم جاء به ، فمات الحربي في العسكر ~~فقال : يدفع فداء ذلك المسلم إلى أولياء الكافر ، وهذا لأنهم خلفاؤه ، فكما ~~أن في حال حياته كان علينا أن نفي له بما شرطنا ، فنعطيه الفداء ، فكذلك ~~بعد موته يدفع من التزم ذلك بالشرط إلى ورثته ، وذكر عن إبراهيم في ~~PageV04P1299 المسلم يشتري من أهل الحرب الحر المسلم قال : ثمنه يكون دينا ~~على الحر له ، وإنما أراد به إذا اشتراه بأمره ؛ لأن الحر لا يسترق ، فلم ~~يكن هذا العقد شراء في الحقيقة ، وإنما كان قد فدى به المسلم . فإن كان ~~بغير أمره فهو متطوع فيما أدى وإن كان بأمره فهو دين له عليه ؛ لأنه ~~كالمستقرض منه حين أمره بأن يؤدي فداءه . ألا ترى أنه لو أمره بأن يقضي عنه ~~دينا كان له أن يرجع به عليه ، ولو قضى الدين بغير أمره لم يرجع به عليه ، ~~والمدين كالمأسور لصاحب الدين فإذا ثبت هذا الحكم فيما ms0741 هو مشبه بالأسر ففي ~~حقيقته أولى . فأما العبد أو الأمة إذا أبق إليهم فأخذوه ، ثم ظهر المسلمون ~~عليه فهو مردود على صاحبه ، قبل القسمة بغير شيء ، وبعد القسمة في قول أبي ~~حنيفة رضي الله تعالى عنه بخلاف الفرس إذا عاد إليهم ، وعند أبي يوسف ومحمد ~~رحمة الله تعالى عليهما يقال : الجواب فيهما سواء ، يأخذه صاحبه قبل القسمة ~~بغير شيء ، وبعد القسمة بالقيمة وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يفرق فيقول ~~: الآبق لا يكون محرزا أبدا لثبوت يد محترمة له على نفسه ، بخلاف الدابة ، ~~وهي مسألة معروفة ، واستدل عليه بحديث عمر رضي الله تعالى عنه . ~~PageV04P1300 أنه كتب إلى أبي عبيدة في جواب هذه المسألة إن كانت الأمة ~~خمست وقسمت فسبيلها وإن كانت لم تخمس ولم تقسم فارددها على أهلها ، وأبو ~~حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول : تأويله أنها أبقت ، فلم تدخل دار الحرب ~~حتى خرجوا إليها فأحرزوها وذكر : إن غلاما لابن عمر رضي الله تعالى عنهما ~~أبق يوم اليرموك إلى العدو وعاد فرس له ، فظهر المسلمون على ذلك ، فرده ~~عليه خالد قبل أن يقسم ؛ وهما يقولان : بهذا التقييد يتبين أن بعد القسمة ~~لا يرد عليه مجانا . ألا ترى أنه سوى بين العبد والدابة ؟ وأبو حنيفة رضي ~~الله تعالى عنه يقول : في العبد قد ثبت بالدليل أنهم لا يكونون محرزين له ، ~~فعرفنا به أنه كان يرده عليه لو جاء بعد القسمة أيضا مجانا والله الموفق . # PageV04P1301 # | باب ما يحرزه العدو مما يأخذه بقيمته أو بأكثر من وزنه # وإذا ظهر المسلمون على إبريق ذهب أو فضة لمسلم قيمته أكثر من وزنه ~~لصياغته ، ثم وقع في الغنيمة فإن وجده صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء ، ~~وإن وجده بعد القسمة أخذه بقيمته إن شاء فإن كان ذهبا أخذه بقيمته دراهم ، ~~وإن كان فضة أخذها بقيمتها دنانير ، للأصل المعروف أنه لا قيمة للجودة ~~والصنعة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها ، على ما قال عليه الصلاة ~~والسلام : جيدها ورديها سواء . وحق من وقع في سهمه مرعي في الصنعة ms0742 كما هو ~~في الأصل ، فلو اشتغلنا بالتقويم بجنس الإبريق لا يمكن تقويم الصنعة أصلا ، ~~فيفوت حقه فيه مجانا وذلك لا وجه له ، فقلنا تقوم بخلاف الجنس ، لتظهر قيمة ~~الصنعة ، فيتوفر عليه تمام المالية ، بمنزلة ما لو كسر قلبا لإنسان أو ~~استهلكه فإنه يضمن قيمته من خلاف جنسه ، لهذا المعنى ، فإن قضى القاضي له ~~بالقيمة ، أو اصطلحا PageV04P1302 عليه بغير قضاء ، ولم يتقابضا حتى افترقا ~~فذلك جائز لا ينقضه افتراقهما ؛ لأن ما يعطيه من القيمة ليس ببدل عن عين ~~الإبريق ، ألا ترى أن المستولي عليه يعيد الإبريق إلى قديم ملكه ، حتى لو ~~كان مشتريا فوجد به عيبا رده بالعيب على بائعه ، ولو أراد بيعه مرابحة باعه ~~على الثمن الأول ، دون ما أخذه به ، ولو كان موهوبا في يده كان للواهب أن ~~يرجع فيه ، ولو كان عبدا في عنقه جناية خوطب بالدفع أو الفداء . فعرفنا أنه ~~لم يتملكه على من وقع في سهمه ابتداء ، ولكنه يعيده إلى قديم ملكه بما ~~يفديه به ، فلا يتحقق معنى المصارفة بينهما حتى يشترط القبض في المجلس ، ~~وهو نظير ما قال علماؤنا رحمهم الله تعالى فيمن استهلك إبريقا على رجل فقضي ~~عليه بقيمته من خلاف جنسه ، ثم افترقا قبل القبض أنه لا يبلط القضاء بل ~~أولى لأنه هناك الغاصب المستهلك يتملك لكن ذلك ملك ثبت شرطا للقضاء بالقيمة ~~لا على سبيل المقابلة بها فإذا لم يتحقق هناك معنى المصارفة بينهما فلأن لا ~~يتحقق ها هنا وهو لا يتملكه على من وقع في سهمه أصلا وإنما يعيده إلى قديم ~~ملكه ، كان أولى . وكذلك ول وهبوا الإبريق لمسلم فأخرجه أو اشتراه منهم ~~بخمر فأخرجه ؛ لأن هذا الشراء لم يكن صحيحا معتبرا ، وإنما كان أخذ الإبريق ~~منهم بطيب أنفسهم ، فإذا أخرجه كان لصاحبه أن يأخذه بقيمته إن شاء ، كما في ~~الفصل الأول ، PageV04P1303 ولو كان المشتري منهم الإبريق بالخمر نصرانيا ~~أو مسلما اشتراه بثوب ، وأخرجه ، فلصاحبه المسلم أن يأخذه بقيمة الخمر من ~~النصراني ، وبقيمة الثوب من المسلم ؛ لأن هذا الشراء كان صحيحا ms0743 ، فإنه ~~يتمكن من أخذه بمثل ما أعطاه المشتري ، والثوب ليس من ذوات الأمثال فيكون ~~مثل القيمة ، والمسلم ممنوع من تمليك الخمر ، فلعجزه عن تسليم المثل يلزمه ~~القيمة ، ولا بأس بأن يقوم الثوب والخمر بما هو من جنس الإبريق ، فيأخذه به ~~سواء كان ذلك مثل وزن الإبريق أو أقل أو أكثر لما بينا أنه ليس يتملكه بما ~~يؤدي ابتداء ، ولكن يعيده إلى قديم ملكه بما يعطي من الفداء ، بمنزلة العبد ~~الجاني يفديه من الأرش فيبقى على ملكه ، كما كان لا أن يتملكه بما يؤدي من ~~الفداء ، وإن كانت سلامته تتعلق بذلك ، وإذا لم توجد المبادلة أصلا لا ~~يتمكن فيه معنى الربا ، وكذلك لو كان الإبريق اشتراه رجل مسلم أو نصراني في ~~دار الحرب بأكثر من وزنه من جنسه ، ثم أخرجه فلصاحبه أن يأخذه بمثل ما أدى ~~، وإن كان أضعاف وزنه ؛ لأنه فداء وليس بشراء ، ثم قد علم أن الربا لا يجري ~~بين المسلم والحربي في دار الحرب ، فما لم يرد عليه مثل ما غرم فيه لا يكون ~~له أن يأخذه ، فإن قيل : لماذا لم يقولوا بهذا فيما إذا اشتراه مسلم بخمر ~~فأخرجه ؟ قلنا : لأن الخمر لا يتقوم في حق المسلم ، فلا يمكنه أن يأخذه منه ~~بقيمة ما أدى من الخمر فلهذا أخذه بقيمة الإبريق ، بخلاف ما إذا كان ~~المشتري نصرانيا فإن الخمر مال متقوم في حقه ، فأما ما أعطي من الدراهم ها ~~هنا ما لم متقوم في حق كل واحد منهما قال : PageV04P1304 وهذا بخلاف الشفعة ~~، وإنما عني به إذا اشترى دارا بعبد ، وفي الدار صفائح من فضة ، أو سلاسل ~~من ذهبن فأراد الشفيع أن يأخذها بالقيمة فإنه يثبت هناك بين الشفيع ~~والمشتري حكم الربا ، وحكم الصرف في حصة الصفائح على ما بيناه في الزيادات ~~. وهذا لأن الشفيع يتملك الدار ابتداء بما يؤدي من قيمة العبد ، فيكون ذلك ~~شراء مبتدأ ، وهذا إنما هو فداء يفدي به صاحب الإبريق ملكه الأول . ألا ترى ~~أن المستولي عليه يأخذ من غير أن ينقض شيئا من ms0744 العقود حتى لو باعه المشتري ~~من غيره لم يكن له أن ينقض ذلك العقد ، بخلاف الشفيع ، فإنه يتمكن من نقض ~~تصرفات المشتري . وكذلك لو كان المأسور عبدا ففقأ الذي أخرجه عينيه كان ~~لمالكه أن يأخذه بجميع الثمن إن شاء ولو هدم المشتري بناء الدار التي فيها ~~الشفعة ، فإن للشفيع أن يأخذ ما بقي بحصته من الثمن ، وكذلك حكم المرابحة ~~في جميع ما ذكرنا ، فهو دليل على أن ما يعطي الشفيع يكون ثمنا ، وما يعطي ~~المالك القديم يكون فداء فإن قيل : فلماذا قلتم في مسألة أول الباب أنه ~~يصار إلى التقويم ، بخلاف الجنس إذا كان هذا فداء ، ولا يتمكن فيه معنى ~~المعاوضة ؟ قلنا : لما بينا أنه لا يظهر مالية الصنعة عند التقويم بالجنس ، ~~إذ لا قيمة له ، فللحاجة إلى إظهار مالية الصنعة صرنا إلى التقويم ، بخلاف ~~الجنس لا لأن ذلك مبادلة ، فأما في تقويم الثوب والخمر ، إذا كان المشتري ~~نصرانيا لا حاجة إلى ذلك ، فلهذا جوزنا تقويمه بجنس الإبريق . PageV04P1305 ~~ولو أسر العدو عبدا لذمي فدخل إليهم ذمي فاشتراه بأرطال من خمر وأخرجه ~~لصاحبه أن يأخذه بمثلها ؛ لأن الخمر من ذوات الأمثال وهو مال متقوم في حقهم ~~، كالعصير والخل في حقنا . فإن قضى القاضي له بذلك فلم يأخذه حتى أسلم ~~أحدهما لم ينتقض القضاء ، وكان على صاحبه قيمة الخمر يأخذه منه ، لما بينا ~~أن هذا فداء فلا يبطل بالإسلام قبل القبض . بخلاف شراء العبد بالخمر ابتداء ~~، وأخذ الدار بالشفعة بالخمر . وإذا لم يبطل القضاء فعليه قيمة الخمر ؛ لأن ~~السبب الموجب لتسليمه باق وقد عجز عن تسليم العين ، فإن كان هو المسلم ~~فالمسلم ممنوع من تمليك الخمر ، وإن كان صاحبه هو المسلم فهو ممنوع عن تملك ~~الخمر ، فلهذا يلزمه القيمة في الوجهين . ولو قضى القاضي لصاحب العبد أن ~~يأخذه بالثمن من المشتري من العدو فإن أراد المشتري أن يحبسه حتى يأخذ منه ~~الثمن فله ذلك ؛ لأن ملكه إنما حيي بما أدى المشتري فيكون له أن يحبس العبد ~~به بمنزلة PageV04P1306 راد الآبق يحبسه بالجعل ms0745 لهذا المعنى لا لأن المولى ~~يتملك ابتداء بما يعطيه من الجعل . فإن مات العبد في يده بطل الفداء عن ~~صاحبه ؛ لأنه كان يفدي لتسليم العبد له ولم يسلم . وإن ذهبت عينه فلصاحبه ~~أن يأخذه بجميع الثمن إن شاء ، سواء كان ذهاب العين بفعل المشتري أو بغير ~~فعله ، بمنزلة ما لو حصل ذلك قبل قضاء القاضي ، وهذا لأن الفداء إنما يكون ~~للأصل لا للأوصاف ، ألا ترى أن العبد الجاني إذا ذهبت عينه لم يسقط عن ~~مولاه شيء من الفداء سواء كان ذلك منه قبل اختيار الفداء أو بعده . وإن ~~قتله المشتري فقد بطل الفداء ، بمنزلة ما لو مات ولا ضمان على القاتل ؛ لأن ~~قتله إياه بعد قضاء القاضي وقبله سواء ، فإنه ما بقي له حق الحبس باعتبار ~~يده ، لا يلزمه ضمان قيمته بالجناية ، كالبائع إذا قتل المبيع قبل القبض ، ~~وهذا لأن العبد كان مملوكا للمشتري ، وكان ما يعطي في حق المولى فداء وفي ~~حق المشتري هو يزيل ملكه عن العبد بعوض يأخذه ، فيكون بمنزلة البائع . ~~PageV04P1307 يقتل المبيع قبل القبض ، وهذا بخلاف راد الابق إذا قتله قبل ~~أن يأخذه بجعل ، أو ولي الجناية إذا قتل العبد الجاني بعدما اختار المولى ~~الفداء . لأن هناك القاتل لم يكن مالكا لرقبة العبد قط ، حتى يبقى ضمان ~~ملكه باعتباره يده ، وها هنا المشتري من العدو كان مالكا له ، فيبقى ضمان ~~ملكه باعتبار بقاء يده ، وذلك يمنع وجوب ضمان القيمة عليه بالقتل . ولو كان ~~المأسور جارية فولدت في يد المشتري منهم كان لصاحبه أن يأخذه وولدها بالثمن ~~؛ لأن الولد جزء منها وفي الفداء يجعل تبعا لها ، فإن قتل المشتري ولدها أو ~~مات الولد قبل قضاء القاضي أو بعده ، كان لصاحبها أن يأخذ الأم بجميع الثمن ~~إن شاء ؛ لأن الوليد تبع في حكم الفداء ، فبفواته لا يسقط شيء من الثمن ، ~~بمنزلة فوات سائر الأطراف ، وإذا ماتت الأم وبقي الولد فكذلك الجواب في قول ~~أبي يوسف رحمه الله تعالى يأخذ الولد بجميع الثمن إن شاء ، وفي قول محمد ~~رحمه ms0746 الله تعالى : يأخذه بحصته من الثمن إذا قسم على قيمتها وقيمة الولد ~~لأن الأصل في هذا الفداء الأم دون الولد ، فلا يمكن إبقاء جميع الفداء بعد ~~فوات الأصل ، PageV04P1308 فلا بد من توزيع الفداء على قيمتها ، لما يثبت ~~له حق الأخذ في الولد ، وإنما يثبت له ذلك الحق لأن الولد يسري إليه ملك ~~الأصل ، وحق الأخذ في الأصل ثابت له ، باعتباره ملكه ، فكذلك في الولد ، ~~وأبو يوسف رحمه الله تعالى يقول : لما بقي له حق الأخذ باعتبار بقاء الولد ~~بقي عليه جميع الفداء ، لأن الفداء لا يحتمل التوزع على الأصل والتبع ، وقد ~~تقدم بيان هذه المسألة فيما أمليناه من شرح الجامع فلهذا أوجزنا في البيان ~~ها هنا . وقد ذكر بعد هذا بابا قد بينا شرح مسائله في الجامع . والله ~~الموفق . | يقول : لما بقي له حق الأخذ باعتبار بقاء الولد بقي عليه جميع ~~الفداء ، لأن الفداء لا يحتمل التوزع على الأصل والتبع ، وقد تقدم بيان هذه ~~المسألة فيما أمليناه من شرح الجامع فلهذا أوجزنا في البيان ها هنا . وقد ~~ذكر بعد هذا بابا قد بينا شرح مسائله في الجامع . والله الموفق . ~~PageV04P1309 # | باب العبد المأسور يشتريه رجل ثم يقربه لغير مولاه # وإذا اشترى العبد المأسور فأخرج ثم لم يأخذه المالك القديم بالثمن ، حتى ~~أقر المشتري لآخر أنه كان عبدا له قبل أن يؤسر ، وصدقه المقر له وكذبه مولى ~~العبد فإن المقر له لا سبيل له على العبد ، ومولاه المعروف أحق به بالثمن ؛ ~~لأن حق الأخذ ثابت له باعتبار ملكه الظاهر ، قبل أن يؤسر ، والمشتري من ~~العدو أقر بذلك الحق بعينه لآخر ، وإقراره فيما يكون حقا له صحيح ، فأما ~~فيما هو مستحق عليه للغير فهو باطل ، لأنه كان لا يملك إبطال هذا الحق مع ~~قيام ملكه في العبد فلا يملك تحويله إلى غيره ، توضيحه ، وهو أن ثبوت حق ~~الأخذ للمأسور منه باعتبار ملكه وملك المقر له يثبت في حق المقر خاصة . لأن ~~الإقرار لا يكون حجة إلا في حق المقر فأما ملك المولى المعروف ms0747 فهو ثابت في ~~حق المقر له وفي حق المشترى من العدو ، فلا يثبت للمقر له مزاحمة المولى ~~المعروف باعتبار ملك لم يظهر في حقه . PageV04P1310 فإذا لم يرغب المولى ~~المعروف في أخذه ، فللمقر له أن يأخذه بالثمن إن شاء ؛ لأن حق الأخذ في حق ~~المقر ثابت للمقر له بإقراره ، ولكنه كان لا يظهر في حق المولى المعروف ~~لكونه مقدما عليه ، فإذا زال ذلك بتسليمه كان له أن يأخذه . وإن أخذه ~~المولى المعروف بالثمن فلا شيء للمقر له على المشتري من العدو من قيمة ولا ~~ثمن ؛ لأنه أخذ من يده بحق مستحق لا باختياره . ولو أزاله من ملكه باختياره ~~لم يكن له عليه من سبيل ، فإذا أخذ منه بغير اختياره أولى ، وهذا لأنه ~~بالشراء من العدو قد ملكه ملكا صحيحا ، والثمن الذي أعطاه كان مملوكا له ~~أيضا ملكا صحيحا ، فما أخذ من الثمن الآن بدل ما أدى فيكون سالما له ، وما ~~أخرجه من يده فقد كان مملوكا له وليس لأحد أن يضمنه شيئا . ولو كان المشتري ~~أقر انه عبد لهذا الرجل دبره قبل أن يؤسر ، والمسألة بحالها ، فهو مدبر ~~للمقر له ، ولا شيء للمولى المعروف ولا سبيل له على العبد ؛ لأن المشتري ها ~~هنا أقر بأنه ملك للمقر له ، وهو يملك أن يملكه ابتداء بالبيع أو الهبة ، ~~فيملك الإقرار له بالملك أيضا . ثم قد تصادقا على أنه مدبر ، ولو دبره ~~المشتري PageV04P1311 ابتداء صح تدبيره ، فإذا أقر أنه مدبر لغيره ، وصدقه ~~المقر له كان مدبرا أيضا ، وبعدما صار مدبرا لا يبقى للمولى المعروف حق ~~أخذه بالثمن ، كما لو دبره المشتري ، وهو بهذا الإقرار ما أبطل على المولى ~~المعروف ملكا هو متقوم لحقه فلا يضمن له شيئا . قال : ولا يشبه هذا الشفعة ~~، يعني أن المشتري للدار إذا أقر بأنها موقوفة على فلان فإنه لا يبطل به حق ~~الشفيع في الأخذ بالشفعة ؛ لأن للشفيع ولاية نقص تصرف المشتري بالأخذ ~~بالشفعة ، فلا يكون إقراره صحيحا في حقه . بمنزلة ما لو اتخذ الدار مسجدا ، ~~فأما المولى القديم ms0748 فليس له حق إبطال تصرف المشتري بالأخذ . ألا ترى أنه لو ~~أعتقه ، أو دبره لم يكن له أن ينقض حقه ، أو يأخذه فإقراره بأنه مدبر لغيره ~~يكون صحيحا في حقه أيضا ، بمنزلة المشتري شراء فاسدا إذا أقر بعد القبض أن ~~العبد مدبر لفلان وصدقه المقر له ، فإنه لا يكون للبائع حق الاسترداد لفساد ~~البيع ، إلا أن هناك البائع يضمن المشتري القيمة باعتبار قبضه ، وها هنا ~~المولى القديم لا يضمن المشتري شيئا ، لأنه ما قبضه منه ولا تملكه عليه ، ~~وهو بمنزلة ما لو باشر التدبير في الوجهين جميعا . PageV04P1312 ولو قال ~~المقر له قد كان عبدي ولم أدبره قط ، فليس لواحد منهما أن يأخذه ، ولكنه ~~يكون مدبرا موقوف الحال ؛ لأن المشتري من العدو أقر أنه مدبر ، والمولى ~~المعروف مقر بأنه ملكه بالشراء وأن إقراره فيه نافذ . وكذلك المقر له فيصير ~~مدبرا باتفاقهم ، ثم كل واحد منهم ، ينفيه عن نفسه ، فيبقى مدبرا موقوف ~~الحال ، فإذا مات المقر له عتق ؛ لأن المشترى قد أقر بأن عتقه قد تعلق بموت ~~المقر له ، والمقر له كان مقرا بأن إقرار المشتري فيه نافذ ، فعند موت ~~المقر له يحصل الاتفاق منهم على حريته ، فإن لم يمت المقر له حتى رجع إلى ~~تصديق المشتري أخذه مدبرا له ؛ لأنه أقر له بما لا يحتمل الفسخ ، وهو ~~الولاء الثابت بالتدبير ، فلا يبطل ذلك بتكذيبه . ولكنه إذا صدقه بعد ~~التكذيب فهو وما لو صدقه ابتداء في الحكم سواء ، وإن لم يرجع إلى تصديقه ~~حتى جنى العبد جناية فجنايته تتوقف في قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه . ~~PageV04P1313 لأن موجب جناية المدبر على مولاه ولا يدري من المولى منهما ، ~~والقضاء على المجهول بالقيمة غير ممكن ، هذا هو القياس ولكن استحسن محمد ~~فقال : يسعى في الأقل من قيمته ومن أرش الجنابة ، لأن كسبه مملوك لمولاه ، ~~وأرش جنايته على مولاه ، باعتبار أن الكسب له . # ألا ترى أن المكاتب لما كان أحق بكسبه كان موجب جنايته على نفسه ، فإذا ~~قضينا بالأقل في كسبه فقد قضيناعلى مولاه ms0749 بيقين . # وأصل هذه المسألة ما ذكرنا في شرح المختصر ، جارية بين رجلين أقر كل واحد ~~منهما أنها أم ولد لصاحبه ، وفيه قولان لأبي يوسف رحمة الله تعالى ، وقد ~~بيناه ثمة . # فإن جنى عليه كان الأرش موقوفا لتوقف الملك في نفسه ، فإن احتاج إلى نفقة ~~، ولم يقدر على كسب لمرض ، أنفق عليه من أرش الجناية . # لآنه مال مولاه بيقين ، ونفقة الملموك عند عجزه عن الكسب على مولاه . وإن ~~كان يقدر على العمل ولا أرش له فنفقته على نفسه . وإن لم يقدر على العمل ~~تصدق عليه بمنزلة حر مريض لا يقدر على الكسب ، وليس له قريب يجب عليه نفقته ~~. # ولو أن رجلا اشترى جارية شراء فاسداا وقبضها ، ثم أقرأنها مدبرة لفلان ، ~~فقال فلان : هي جاريتي ، وليست بمدبرتي ، فإنه يأخذها أمة له ، لأنه أقر له ~~بالملك ، وشهد عليه بالتدبير ، فيصح إقراره فيما أقر به له ، لوجود التصديق ~~PageV04P1314 ولا تقبل شهادته عليه ، لأنه كذبه فيه ولا يشبه هذا العبد ~~المأسور لأنه هناك المقر له حين أنكر التدبير ، فقد زعم أن السبي جرى عليه ~~، وأن المشترى قد ملكه ، وأنه قد أقر فيه بالتدبير وهو يملكه ، فلم يبق له ~~حق الأخذ بالثمن لما نفذ فيه من إقرار المشترى ، وها هنا المقر له يقول : ~~العبد عبدى والشراء من المشترى كان باطلا ، فإقراره بالتدبير لغو ، لأنه لم ~~يصادف ملكه ، فلهذا أخذ الأمة منه بحكم إقراره ، فتكون مملوكة له غير مدبرة ~~. # وذكر بعد هذا بابا قد تقدم شرح مسائلة في الزيادات . والله الموفق . ~~PageV04P1315 ؟ # | باب من الفداء فيما يصلح وفيما لا يصلح # المشتري للعبد المأسور من العدو إذا أخرجه فحضر مولاه ، فإن كان اشتراه ~~بشيء له مثل من جنسه ، فللمولى أن يأخذه بمثله ، وإن كان اشتراه بما ليس من ~~ذوات الأمثال ، كالثياب والأمتع ، فللمولى أن يأخذه بقيمته ؛ لأن المولى ~~إنما يعطي المشتري ما غرم فيه ، ليندفع به الضرر والخسران عنه وتمام ذلك ~~بالمثل صورة ومعنى ، فيجب مراعاة ذلك ، إلا إذا تعذر اعتبار المماثلة صورة ~~، فحينئذ تعتبر المماثلة في معنى المالية ms0750 ، كما في بدل المغصوب والمستهلك . ~~يوضحه : أن المولى حين رغب في أخذه فقد أجاز ما صنعه المشتري ، وإجازته في ~~الانتهاء بمنزلة الإذن له في الابتداء أن يفديه بمال نفسه ، ولو أذن له في ~~الابتداء كان الحكم فيه ما ذكرنا لمعنى ، وهو أن ذوات الأمثال ، كالمكيل ~~والموزون ، مما يجوز استقراضه ، فالمولى صار كالمستقرض منه ، فلهذا يغرم ~~مثله ، وأما الثياب والأمتعة لا يجوز فيها الاستقراض ، وهي تكون مضمونة ~~بالقيمة ، بحكم الاستقراض الفاسد . PageV04P1316 فإن اختلفا في مقدار قيمته ~~فالقول قو الذي فداه به مع يمينه ؛ لأن المولى يدعي عليه ثبوت حق الأخذ له ~~عند أداء الأقل ، وهو ينكر ذلك ما لم يؤد الأكثر الذي دعاه ، والقول قول ~~المنكر مع يمينه ، ولأن ما فداه به ملكه ، وقد كان في يده إلى أن دفعه إلى ~~الحربي فيكون هو أعرف بقيمته من المولى القديم ، لأنه لم يصل ذلك إلى يده ~~قط ، فالظاهر أنه محازف فيما يدعي من قيمته . وكذلك إن كان الذي فداه به ~~مكيلا أو موزونا فاختلفا في وزنه أو جودته ، فالقول قول الذي فداه مع يمينه ~~، للمعنيين اللذين ذكرناهما . وعلى المولى البينة ؛ لأنه يدعي ثبوت حق أخذ ~~ملكه بمقدار ما أقر به ، والآخر ينكر ، ولو أنكر ثبوت الحق له أصلا كان ~~عليه أن يثبت بالبينة ، فكذلك إذا أنكر ثبوت الحق له عند إحضار أقل المالين ~~، فإن أقام بينة ، مسلمين ، أو ذميين ، والمشتري من العدو ذمي ، فقد أثبت ~~دعواه ، بما هو حجة على خصمه والبينة العادلة أحق بالعمل بها من اليمين ~~الفاجرة . وإن كان الذي فداه من أهل الحرب حربيا كان أو مستأمنا فينا ، ثم ~~أخرجه بأمان ، فليس لمولاه أن يأخذه منه ؛ PageV04P1317 لأن المشتري في ~~ملكه قائم مقام البائع ، والبائع وهو الذي أخرجه لو خرج إلينا بأمان ، ومعه ~~ذلك العبد ، لم يكن لمولاه أن يأخذه منه فكذلك المشتري وهذا لأن ثبوت حق ~~الأخذ له باعتبار أنه صار مظلوما ، وأن على المشتري القيام بنصرته ، وهذا ~~لا يوجد فيما إذا كان الذي أخرجه حربيا مستأمنا ؛ لأنه ليس ms0751 من أهل دارنا ، ~~ولا يلزمه نصرة من هو من أهل دارنا . بخلاف الذمي ولكنه يجبر على بيعه ؛ ~~لأن هذا العبد كان من أهل دارنا ، فلا يترك الحربي ليرجع به إلى دار الحرب ~~. وإن كان العبد مسلما فهو غير مشكل ؛ لأنه لو كان عبدا من الأصل ، فأسلم ، ~~أجبر على بيعه فها هنا أولى أن يجبر على بيعه . وإن كان هذا الحربي الذي ~~اشتراه خرج مسلما ، أو ذميا ، ومعه العبد لم يكن لمولاه عليه سبيل ، بمنزلة ~~ما لو خرج البائع مسلما أو ذميا ، والأصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه ~~PageV04P1318 وآله وسلم : من أسلم على مال فهو له . إلا أنه إذا كان خرج ~~ذميا والعبد مسلم فإنه يجبر على بيعه من المسلمين ؛ لأنه لا يترك عبد مسلم ~~في يد كافر يستعبده ، لما فيه من الإذلال بالمسلم . وإن كان المأسور ممن لا ~~يحتمل التملك أو النقل من ملك إلى ملك ، كالحر والمدبر والمكاتب وأم الولد ~~فهو مردود على ما كان عليه ، سواء أسلموا أو صاروا ذمة ، أو خرجوا إلينا ~~بأمان ؛ لأن هذا مما لا يجري عليه السبي ، ولا يكون محرزا أبدا ، فإذا لم ~~يكن ملكا لهم قبل الإسلام لا يكون ملكا لهم بالإسلام أيضا ، ولكن عليهم ~~إزالة يد الظلم عنه ، فإن اختلف المولى القديم مع المشتري من العدو في ~~المال الذي فداه به ، في جنسه أو مقداره ، فالقول قول الذي فداه به ، لما ~~بينا فإن أقام المولى البينة أخذ ببينته ، لأنه نور دعواه بالحجة ، وهو في ~~الظاهر مدع للزيادة ، وإن كان في المعنى منكرا كما بينا ، ولكن الدعوى ~~ظاهرا تكفي لقبول البينة ، كالمودع يدعي رد الوديعة ، ويقيم البينة على ذلك ~~، وإن أقاما جميعا البينة . فالبينة بينة المولي القديم ، PageV04P1319 ~~وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله تعالى عنهما ، وأما عند أبي يوسف رضي ~~الله عنه البينة بينة المشتري من العدو ، إلا أنه لم يذكر قول أبي يوسف ~~رحمه الله ها هنا لما كان بينهما حين صنف الكتاب ، وأصل هذه المسألة في ~~الشفيع والمشتري ms0752 إذا اختلفا في الثمن ، وأقاما البينة ، فإن البينة بينة ~~الشفيع في قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما فكذلك ها هنا المولى القديم ~~بمنزلة الشفيع ، وعند أبي يوسف رحمه الله هناك البينة بينة المشتري ، لأنه ~~يثبت الزيادة ببينة فها هنا كذلك . ولو اتفقا على أنه فداه بثياب معلومة ، ~~واختلفا في قيمتها ، وأقام كل واحد منهما البينة ، فالبينة ها هنا بينة ~~المشتري من العدو بالاتفاق ، وكذلك في الشفعة إذا اختلفا في مقدار قيمة ~~لعبد المشتري به بالدار وأقاما البينة فإن البينة بينة المشتري ، أما عند ~~أبي يوسف رحمه الله فلا إشكال فيه ، لأنه يثبت الزيادة في الفصلين ، وأما ~~عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله تعالى عنهما فوجه الفرق أن في الفصل الأول ~~المشتري ببينته يثبت فعل نفسه ، والمولى القديم ببينته يثبت فعل المشتري ، ~~وإنما يثبت فعل المرء عليه بالبينة ، لا أن يثبت هو فعل نفسه بالبينة ، ~~وهذا التعليل نظير ما قال في مسألة الشفعة إنه صدر من المشتري إقراران ~~وللشفيع أن يأخذ بما عليه ، وهذا المعنى لا يوجد فيما إذا اختلفا في القيمة ~~، لأنه لا خلاف بينهما في أصل الفعل ، وهو الفداء من المشتري بما فداه به ~~من الثياب ، وإنما الخلاف في مقدار القيمة فالمثبت للزيادة من البينتين فيه ~~أولى . PageV04P1320 ولو أن المشتري من العدو كان اشتراه بما لا يحل من خمر ~~أو خنزير أو ميتة فإن كان المشتري مسلما فللمولى القديم أن يأخذه بقيمته ؛ ~~لأن ما جرى بينهما لم يكن شراء ، وإنما كان أخذ مال الكافر بطيبة نفسه ، ~~فكأنه وهبه له . وإن كان المشتري ذميا فإن اشتراه بميتة ، فكذلك الجواب ؛ ~~لأن الميتة ليست بمال في حقهم ، كما في حقنا ، فما جرى بينهما لم يكن شراء ~~، لأن الشراء اسم لمبادلة مال بمال . وإن كان اشتراه بخمر أو خنزير فما جرى ~~بينهما كان شراء على حقيقته ؛ لأن الخمر والخنزير مال متقوم في حقهم . ثم ~~إن كان المولى القديم ذميا أخذه في الخمر بالمثل وفي الخنزير بالقيمة . وإن ~~كان مسلما أخذه فيهما بالقيمة ms0753 ، لما بينا أن المسلم ممنوع من تمليك الخمر ~~وعند العجز عن تسليم الخمر مع وجود السبب الموجب للتسليم يجب عليه قيمته . ~~ولو كان العبد قبل الأسر بين نصراني ومسلم ، ثم اشتراه ذمي من العدو بالخمر ~~، فإن النصراني يأخذ نصفه بمثل PageV04P1321 نصف ذلك الخمر ، والمسلم ، ~~يأخذ نصفه بنصف قيمة الخمر ، اعتبارا للبعض بالكل ، وهذا لأن النصراني قادر ~~على أداء المثل في نصيبه ، والمسلم عاجز عن ذلك ، وإن كان الذي اشتراه من ~~العدو مسلما أخذه الموليان بقيمته ؛ لأن الذي جرى من المسلم لم يكن شراء ، ~~إذ الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم ، وإن كان اشتراه من العدو مسلم ~~ونصراني ، فإن كان المولى القديم مسلما أخذ نصفه من المسلم المشتري بنصف ~~قيمته ؛ لأن الذي كان منه في نصيبه بمنزلة الإنهاب دون الشراء . وأخذ نصفه ~~من النصراني بنصف قيمة الخمر ؛ لأن الذي كان منه في نصيبه حقيقة الشراء ، ~~فالخمر مال في حقه ، وإن كان مولاه نصرانيا أخذ من المسلم النصف بقيمته ، ~~لما بينا ، ومن النصراني النصف بما أدى من الخمر فيه ؛ لأنه قادر على أداء ~~المثل له . وإن كان للعبد في الأصل موليان مسلم ونصراني ثم اشتراه من العدو ~~بالخمر مسلم ونصراني أيضا ، فإن النصف الذي PageV04P1322 اشتراه المسلم ~~يأخذه الموليان بنصف قيمة العبد ، لأنه لا يملكه بالشراء حقيقة ، والنصف ~~الذي اشتراه النصراني فالمولى المسلم يأخذ ذلك النصف بنصف قيمة ما أدى من ~~الخمر ، والنصراني يأخذ بالمثل ؛ لأن كل نصف في هذا الموضع بمنزلة عبد كامل ~~، وحكم الجزء معتبر بحكم الكل في الوجهين . فإن كانا اشترياه بخنازير ~~فإنهما يأخذان النصف من المشتري المسلم ، بنصف قيمة العبد ؛ لأنه ما أخذه ~~بالشراء حقيقة ، بل ذلك في حقه بمنزلة الهبة . والنصف الآخر يأخذانه من ~~النصراني بنصف قيمة الخنازير ؛ لأنه تملك ذلك النصف بالشراء حقيقة ، ~~والخنزير ليس من ذوات الأمثال في حق أحد . وإن أراد أحد الموليين أخذ حصته ~~من العبد دون الآخر ، فله أن يأخذه على الوجه الذي قلنا ، لأن حق كل واحد ~~منهما في الأخذ ثابت ms0754 في النصف باعتبار قديم ملكه ، فإن أبطل أحدهما حقه لا ~~يتعذر على الآخر استيفاء حقه ؛ لأن إبطاله غير عامل في حق صاحبه ، والله ~~الموفق . PageV04P1323 # | باب من الفداء الذي يرجع إلى أهله إذا ظهر عليه المسلمون ، والذي لا ~~يرجع # ولو أن المشركين استولوا على متاع المسلمين ، فأحرزوه بعسكرهم في دار ~~الإسلام ، ثم قاتلهم جيش من المسلمين ، حتى استنقذوه منهم ، قبل أن يحرزوه ~~بدارهم ، فذلك مردود على صاحبه ؛ لأنهم بمنزلة الغاصبين لم يملكوه قبل ~~الإحراز ، فمن وصل إلى يده ، كان عليه رده إلى مالكه ، لأن مال المسلم لا ~~يكون غنيمة للمسلمين . فإذا لم يعلم الإمام بذلك حتى قسمه بين من أصابه ~~فقسمته باطلة ، والمتاع مردود على أهله ؛ لأنه تبين أن القسمة لم تصادف ~~محلها ، فإن هذه القسمة تتضمن التمليك من الإمام ، لكل واحد منهم ما يصيبه ~~، وليس له ولاية التمليك في مال المسلمين ، من غير رضى صاحبه . وكذلك إن ~~أسلم عليه أهل الحرب أو صاروا ذمة ؛ لأنهم غاصبون فيتأكد عليهم وجوب الرد ~~بإسلامهم . PageV04P1324 قال صلى الله عليه وسلم : على اليد ما أخذت حتى ~~ترد فإن علم الإمام الحال ، ورأى أن إحرازهم بالعسكر يكون تاما فخمسه وقسمه ~~مع غنائم المشركين بين من أصابه ، من المسلمين ، ثم رفع ذلك إلى قاض يرى ~~ذلك غير إحراز جاز ما صنع الأول ولم يبطله ؛ لأنه أمضى فصلا مختلفا فيه ~~باجتهاده . وكذلك لو أسلموا أو صاروا ذمة فقضى بأن ذلك سالم لهم بالاجتهاد ~~نفذ قضاؤه ؛ فإن قيل : هذا قضاء بخلاف الإجماع ، لأن العلماء في هذه ~~المسألة على قولين : منهم من يقول : لا يملكونه وإن أحرزوه بدارهم ، ومنهم ~~من يقول يملكونه بعد الإحراز ، وأحد لا يقول يملكونه قبل الإحراز بدارهم ، ~~قلنا الخلاف بين العلماء في الفصلين : أحدهما : أن أموال المسلمين هل تكون ~~محلا للتمليك بالقهر بعد الإحراز بالدار أم لا ؟ ، والآخر : أن الإحراز ~~فيما هو محل للتمليك بالقهر هل يتم باليد قبل الإحراز بالدار أم لا ؟ فإذا ~~اجتهد القاضي ، واستقر رأيه على أن مال المسلم محل التملك بالقهر وأن ms0755 القهر ~~يتم بالإحراز بالعسكر ، بدون الإحراز بالدار ، وأمضى الحكم ، كان ذلك منه ~~اجتهادا في موضعه ، فيكون قضاؤه نافذا ، بمنزلة ما لو قضى بشهادة الفساق ، ~~أو على الغائب ، أو بشهادة رجل وامرأتين بالنكاح على غائب PageV04P1325 ~~فإنه ينفذ قضاؤه ، وإن كان من يجوز القضاء على الغائب يقول : ليس للفساق ~~شهادة ولا للنساء مع الرجال شهادة في النكاح ، ولكن قيل : كل واحد من ~~الفصلين مجتهد فيه فينفذ القضاء من القاضي باجتهاده فيهما ، وهذا لأن ~~المجتهد يتبع الدليل لا القائل به ، وهذا بخلاف ما سبق ، لأن هناك القاضي ~~ما قضى بالقسمة عن اجتهاده ، وإنما قضى بذلك لعدم علمه بأن هذا المال مصاب ~~من المسلمين ، إذا صار ذلك معلوما له كان قضاؤه باطلا ، وهو بمنزلة المتحري ~~في باب القبلة إذا تبين خطأه بعد الفراغ من الصلاة . لا يلزمه الإعادة ، ~~والذي لم يجتهد ولم يشتبه عليه ، ولكنه صلى إلى جهته ، ثم تبين أنه أخطأ ~~يلزمه الإعادة ، وهذا لأن مطلق الفعل يكون محمولا على الصواب ما لم يتبين ~~فيه الخطأ ، وما يفعل عن اجتهاد ونظر يكون محمولا على الصواب ما أمكن ~~والإمكان قائم إذا صادف قضاؤه محلا مجتهدا فيه . ألا ترى أن من مات وله ~~رقيق وعليه دين كثير فباع القاضي رقيقه وقضى دينه ، ثم قامت البينة لبعضهم ~~أن مولاه كان دبره فإن بيع القاضي فيه يكون باطلا ، ولو كان القاضي عالما ~~بتدبيره فاجتهد وأبطل تدبيره ، لأنه وصيه وباعه في الدين ثم ولي قاض آخر ~~يرى ذلك خطأ فإنه ينفذ قضاء الأول لهذا المعنى ، وإن كان القاضي الثاني لا ~~يعلم أن الأول فعله عن اجتهاد ، أو لأنه لم يقف على حقيقة الحال ، فإنه ~~ينفذ قضاؤه أيضا لما بينا : أن قضاء القاضي كان محمولا على الصحة ما أمكن ؛ ~~PageV04P1326 ولأن تحسين الظن بالقاضي واجب ، قال الله تعالى : ' فيتبعون ~~أحسنه ' وأحسن الوجهين أن يحمل على أنه قضى بعد العلم عن اجتهاد فلذا نفذ ~~قضاؤه حتى يعلم خلاف ذلك . ولو أن تاجرا من المسلمين دخل عسكرهم في دارنا ~~وفدى ما أصابوه ms0756 من المسلمين بما لو أخرجه ، فعليه رده علي صاحبه ، وهو ~~متبرع في الفداء الذي أدى بغير أمر صاحبه فإن ظهر المسلمون عليهم قبل أن ~~يدخلوا دارهم ، وأصابوا ذلك الفداء بعينه فلا سبيل للتاجر عليه ، سواء وجده ~~قبل القسمة أو بعدها ؛ لأن المشركين ملكوا ذلك بالأخذ ملكا تاما ، حتى لو ~~أسلموا أو صاروا ذمة كان سالما لهم ، وهذا لأنهم ما ملكوا هذا المال بطريق ~~القهر حتى يشترط فيه الإحراز بالدار ولكن بتمليك صاحب المال إياهم ذلك طوعا ~~فيكون ذلك بمنزلة ما يشترونه من تجار المسلمين . فيملكونه بنفس الشراء على ~~وجه لا يبقى لصاحبه فيه حق بعد التسليم ، وليس في هذا أكثر من أن ما أعطوا ~~بمقابلته كان مستحقا لمسلم ، ولكن بدل المستحق مملوك إذا جرى السبب بين ~~المسلمين ، واتصل به القبض ، فإذا جرى بين المسلمين وبين أهل الحرب أولى ، ~~ولأنه لما أعطاهم بطيبة نفسه يجعل في حكم السلامة لهم ، بمنزلة ما لو وهبه ~~منهم . ألا ترى أنهم لو قتلوا مسلما وأخذوا جيفته فدخل عليهم قوم من أهل ~~بيته ، وأعطوهم جعلا ليأخذوه فيدفنوه ، كان ذلك سالما لهم إن أسلموا ~~PageV04P1327 أو صاروا ذمة وكان غنيمة سالمة للمسلمين ، إن ظفروا به قبل أن ~~يحرزوه بدارهم ، فهذا مثله قال . ألا ترى أنهم لو أسروا أحرارا من المسلمين ~~، أو من أهل الذمة ، فأدخلوهم دارهم ، ثم جاءهم أهل الأسارى فافتدوهم بمال ~~، فإن ذلك المال يكون سالما لهم إذا أسلموا ، أو صاروا ذمة ، ويكون غنيمة ~~سالمة للمسلمين إذا ظهروا عليه ولا معنى لقول من يقول : إنهم ها هنا أحرزوا ~~المال بدارهم . لأنه لو كان المعنى هذا لوجب أن يقال : إذا وقع في الغنيمة ~~فوجده صاحبه قبل القسمة أن يكون له حق الأخذ بغير شيء كما في المال الذي ~~أخذوه قهرا وأحرزوه . فإن قال هذا القائل : فأنا هكذا أقول ، قلنا : هو ~~بعيد ، فإن قوما من المسلمين لو خافوا أهل الحرب ، أن يستأصلوهم فصالحوهم ~~على ألا يغزوهم سنة ، على أن يؤدي إليهم المسلمون في تلك السنة ألف ثوب ~~هروي وقبضوها ms0757 ، وانقضت السنة ، ثم إن المسلمين ظفروا بهم وغنموا تلك الثياب ~~بأعيانها ، فإنها تكون غنيمة لمن أخذها ، سالمة لهم قبل القسمة وبعد القسمة ~~؛ لأنهم أخذوا ذلك بطيبة أنفس أهلها ، وإنما الذي يرد على صاحبه قبل القسمة ~~ما أخذ بطريق القهر . وكذلك لو كان هذا الصلح بين أهل المدينة من المسلمين ~~وبين عسكر المشركين في دار الإسلام ، ثم جاء مدد PageV04P1328 للمسلمين ، ~~فاستنقذوا المال من المشركين ، قبل أن يحرزوه بدارهم كان ذلك غنيمة لمن ~~أصابه ، باعتبار المعنى الذي قلنا . فعرفنا أن فيما يكون مأخوذا بطيب نفس ~~صاحبه دار الإسلام ، ودار الحرب سواء ، وإنما جاز للمسلمين هذا النوع من ~~الصلح لأنهم يخافون الاستئصال والإهلاك على النفوس والذراري فيجعلون ~~الأموال فداء لذلك ، وصاحب الشرع ندب إلى ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ~~لبعض أصحابه : اجعل مالك دون نفسك ، وقد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك ، حين أحس الضعف ببعض المسلمين ، يوم الخندق ، فلما أحس بهم القوة كما ~~قاله السعدان رضي الله عنهما امتنع منه فصار ذلك اصلا في الجواز عند الخوف ~~على ذراري المسلمين . ولو أنهم أسروا مسلما فافتدى منهم بسلاحه أو بفرسه ، ~~وخلوا سبيله ثم ظفر المسلمون بعين ذلك المال ، فإن كان المشركون لم يحرزوه ~~فهو مردود على الأسير ، قبل القسمة وبعدها مجانا ، وإن كانوا أحرزوه فهو ~~مردود على صاحبه قبل القسمة بغير شيء ، وبعدها بالقيمة إن أحب ؛ لأن ~~المشركين أصابوا هذا المال بطريق القهر فإن يدهم الثابتة على الأسير تكون ~~ثابتة على المال الذي مع الأسير ، فيثبت فيه حكم المصاب بالاستيلاء مقصودا ~~، بخلاف ما سبق ، فيدهم على الفداء هناك ما ثبتت إلا بطيب نفس صاحب المال ~~PageV04P1329 وإن كان الإمام حين وقع هذا المال في الغنيمة باعه ، ولم يكن ~~المشركون أحرزوه فبيعه باطل ، وهو مردود على صاحبه ، إلا أن يعلم أنه باعه ~~حفظا على صاحبه ؛ لأنه خاف عليه الضيعة ، ولا يدري متى يجيء صاحبه من ~~المسلمين ، فحينئذ يكون بيعه نافذا بمنزلة القاضي يبيع اللقطة ، ثم يأتي ~~صاحبها . وإن لم يعلم أنه على أي ms0758 طريق باعه فإن بيعه يكون مردودا ؛ لأن ~~البناء على الظاهر واجب لتعذر الوقوف علي حقيقة الحال ، والظاهر أنه باعه ~~على أنه من الغنيمة ، فيحمل على ذلك الوجه ، حتى يعلم غير ذلك وقد كان قال ~~قبل هذا في بيع المدبر في الدين ، بعد موت مولاه : إذا لم يعلم كيف باعه ~~فإنه يكون بيعه جائزا بناء على أنه فعل ذلك عن علم حتى يعلم خلافه ، فمن ~~أصحابنا من يقول : لا فرق بينهما ، وينبغي أن يكون في الفصلين روايتان ، ~~ومنهم من فرق فقال : ها هنا بيع المال للحفظ على الغائب لا يكون مستحقا على ~~القاضي ولكنه يكون بالخيار إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فأما بيع التركة ~~بالدين مستحق على القاضي ، إذا طلب صاحب الدين ، فلهذا حملنا هناك مطلق ~~بيعه على الوجه المستحق ، وهو أن يكون بعد إبطال التدبير عن اجتهاد إذ ~~المعارضة لا تقع بين المستحق وغير المستحق ، وها هنا استوى الجانبان فحملنا ~~مطلق بيعه على ما هو الظاهر . PageV04P1330 فإن كان الأسير بعث إلى بعض ~~أهله فسأله أن يفديه بمال من أهل الحرب ، بمال نفسه ، أو من مال الأسير ~~فدخل إليهم المأمور بأمان ففعل ذلك ، ثم ظهر المسلمون على المال ، فهو فيء ~~ولا سبيل لصاحبه عليه ؛ لأن المال ما وصل إلى يدهم بطريق القهر ها هنا ، بل ~~بتسليم صاحبه إليهم طوعا . وكذلك لو كانوا قالوا له : لنقتلنك أو لتفدين ~~نفسك ؛ لأنه كان متمكنا من ألا يدفع المال إليهم ، حين لم يكن المال معه ، ~~فعرفنا أنهم ما أثبتوا اليد على المال قهرا ، بخلاف ما إذا كان المال معه ~~حين أسروه فإنه غير متمكن من دفع يدهم عن ذلك المال ، ألا ترى أن هناك لو ~~صير حتى قتلوه ، كانت يدهم ، ثابتة على هذا المال ، وها هنا لو فعل ذلك لم ~~تثبت يدهم على شيء من ماله ، في دار الإسلام ولا على شيء من مال المأمور ~~الذي أمره بأن يفديه من ماله ، أرأيت لو رد هذا الفداء بعدما وقع في ~~الغنيمة ، أكان يرد على ms0759 من أدى أو على من أمر به وهو الأسير ، وكل واحد ~~منهما بعيد من الفقه ، ولو وقع مسلم في صف المشركين وكان يقاتلهم ، ثم ~~صالحهم وهو ممتنع منهم على أن يسلم ، لهم سلاحه وفرسه ويؤمنوه ففعلوا ذلك ، ~~ثم إن المسلمين أصابوا ذلك المال فهو فيء . PageV04P1331 لأن يدهم عليه ما ~~ثبتت إلا بإعطاء الرجل ذلك إليهم ، فإنه أعطي وهو مقاتل ممتنع منهم ، وفي ~~تلك الحالة لم تكن يدهم ثابتة على نفسه ، فكذلك على ما معه من المال بخلاف ~~ما بعد الأسر . ولو حاصر المشركون مدينة من مدائن المسلمين ، فصالحوهم على ~~أن يكفوا عنهم أياما مسماة ، على أن يعطوهم رقيقا من أهل الحرب مسمين ، ~~كانوا أسروهم منهم ، وأولئك الرقيق عبيد لأناس من أهل الذمة ، فطابت أنفس ~~مواليهم ، بتسليمهم إليهم ، ثم بعد مضي المدة أتى المسلمين مدد فقاتلوهم ~~وظهروا على أولئك الرقيق فهم فيء ؛ لأن الموالي أعطاهم المشركون بطيبة ~~أنفسهم ، ولو كان والي المدينة أخذ أولئك الرقيق بغير طيب أنفسهم فدفعهم ~~إلى أهل الحرب ، والمسألة بحالها ، فإن ظفر بهم المسلمون ، قبل أن يحرزوهم ~~بدارهم ، ردوا على مواليهم ، قبل القسمة وبعدها بغير شيء ، وإن كان بعد ~~الإحراز ردوا على مواليهم قبل القسمة بغير شيء ، وبعدها بالقيمة إن أحبوا ؛ ~~لأنهم أخذوا من الموالي بغير طيب أنفسهم ، فلا فرق بين أن يكون الآخذ أمير ~~المسلمين ، فيدفعه إلى أهل الحرب وبين أن يكون الآخذ أهل الحرب بطريق القهر ~~. PageV04P1332 فإن أبوا أخذهم بعد القسمة بالقيمة كان لهم أن يضمنوا ~~الأمير قيمتهم ؛ لأنه غصبهم من الموالي والمغصوب مضمون على الغاصب بالقيمة ~~، ما لم يعد به إلى يد مولاه ، وإذا ضمن قيمتهم ، فقد ملكهم بالضمان ، ~~فيكون حكمهم كحكم ما لو كانوا ملكا له فأخذه المشركون بغير رضاه ، حتى يكون ~~له أن يأخذهم بالقيمة ، ولا يقال : هو قد سلمهم طوعا ، فينبغي ألا يكون له ~~حق الأخذ بعد ذلك من الغنيمة ، وهذا لأنه سلمهم طوعا ، على أن يتملكوا على ~~الموالي لا عليه ، فبعد ما استقر الملك له لا يمكن اعتبار الرضى والطواعية ms0760 ~~منه ، فكان هذا بمنزلة المأخوذ منه قهرا ، والله تعالى الموفق والمعين . ~~PageV04P1333 # | باب فداء العبد الغصب والعارية وغير ذلك # رجل غصب عبدا ثم أصابه المشركون فأحرزوه ، ثم وقع في الغنيمة ، فإن وجده ~~صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء ، وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة إن شاء ~~؛ لأن المغصوب باق على ملكه . فلا فرق بين أن يستولي على ذلك في يده أو في ~~يد الغاصب منه ؛ لأن حق الآخذ في الموضعين له باعتبار قديم ملكه . فإن أخذه ~~قبل القسمة بغير شيء بريء الغاصب من الضمان ؛ لأن عين ماله عاد إلى يده ~~مجانا . وإن أخذه بعد القسمة بالقيمة كان له أن يضمن الغاصب تلك القيمة ؛ ~~لأنه ما وصلت يده إلى ماله إلا بعد أداء مثله في المالية ، فبهذا تبين أن ~~المالية التي كانت مضمونة على الغاصب لم تسلم للمغصوب منه فيكون له حق ~~PageV04P1334 تضمين باعتبار الغصب كما لو رده على صاحبه ، فدفع بجناية ، ~~كان جنى عند الغاصب ، أو بيع في دين كان لزمه عند الغاصب . وإن أبى أن ~~يأخذه بالقيمة كان له أن يضمن الغاصب قيمته يوم غصبه ؛ لأنه ما تمكن من ~~إثبات يده عليه حين كان ممنوعا من أخذه ، قبل أداء القيمة ، فيكون هذا ~~بمنزلة الهلاك في يد الغاصب . ثم إذا ضمن الغاصب قيمته فقد ملكه بالضمان ، ~~فيقوم مقام المالك في ثبوت الخيار له ، بين أن يأخذه ممن وقع في سهمه ~~بالقيمة وبين أن يتركه ، وكذلك لو كان الغاصب ضمن قيمته قبل أن يصيبه ~~المسلمون ، وكذلك لو لم يقع العبد في الغنيمة . ولكن اشتراه منهم تاجر ~~فأخرجه ، فإن كان مولاه لم يضمن الغاصب قيمته ، فهو بالخيار إن شاء أخذه من ~~المشتري بالثمن ، ثم يرجع على الغاصب بالأقل من قيمته يوم غصبه ، ومن الثمن ~~الذي غرم فيه ؛ لأن التيقن بالاستحقاق عليه في مقدار الأقل وهو نظير ما لو ~~بيع العبد بالدين ، بعدما رده على المغصوب منه . وإن شاء تركه وضمن الغاصب ~~كمال قيمته يوم الغصب ؛ PageV04P1335 لأنه حين كان لا يتوصل إليه إلا بثمن ms0761 ~~ولا يلزمه أداء الثمن كان هو كالهالك في يده . ثم الخيار للغاصب في أخذه ~~بالثمن من المشتري ، سواء ضمن قيمته قبل الشراء أو بعده ؛ لأنه ملكه ~~بالضمان . فإن كان مولاه حين ضمن الغاصب قيمته قبل الشراء إنما أخذ القيمة ~~بزعم الغاصب بعدما حلف . ثم ظهر العبد في يد المشتري فأدى قيمته كما قال ~~المولى ، فهو بالخيار إن شاء رد القيمة على الغاصب وأخذ العبد بالثمن ، ثم ~~رجع على الغاصب بالأقل ، وإن شاء أمسك تلك القيمة والخيار في الأخذ بالثمن ~~للغاصب ، لأنه لم يتوفر عليه كمال المالية ، حين ظهر أن قيمته كما قال ~~المولى ، فتقع الحاجة إلى إثبات الخيار له لدفع الضرر عن نفسه ، فإن أبى أن ~~يرد القيمة المقبوضة وقال : أنا أرجع على الغاصب بفضل القيمة لم يكن له ذلك ~~؛ لأن حقه في القيمة وقت الغصب ، وبمعرفة قيمته الآن لا يتبين أن قيمته وقت ~~الغصب كان هذا المقدار ، وإنما يعلم ذلك بطريق الظاهر ، وبالظاهر لا يثبت ~~الاستحقاق ، فلهذا لا يستحق فضل القيمة إذا أبى أن يرد المقبوض ، وإنما ~~استدل الكرخي رحمه الله بهذا اللفظ وهو قوله : فوجد قيمة العبد كما ~~PageV04P1336 قال المولى في التقسيم الذي ذهب إليه فيما إذا أخذ المغصوب ~~منه القيمة بزعم الغاصب ، وقد بينا ذلك في كتاب الغصب من شرح المختصر ، ~~وكذلك لو وقع العبد في الغنيمة فحضر مولاه قبل القسمة مع الغاصب ، فإنه ~~يبدأ بتخيير المولى فإن شاء رد القيمة المقبوضة ، وأخذ العبد بغير شيء ، ~~وإن أبى رد القيمة فلا سبيل له على العبد ولا على الغاصب ، ولكن الغاصب ~~يأخذه بغير شيء ؛ لأنه صار راضيا بتلك القيمة حين أبى أن يرده القيمة ، ~~فكأن الغاصب كان أعطاه القيمة بقوله في الابتداء ، ثم وقع العبد في الغنيمة ~~، وقيمته أكثر من ذلك . وإن لم يحضر حتى وقع في سهم رجل بالقسمة ، فمولاه ~~بالخيار ، إن شار رد القيمة على الغاصب ، ثم أخذه بقيمته ، ممن وقع في سهمه ~~، ثم يرجع على الغاصب بالأقل من قيمته يوم غصبه ، ومن قيمته المدفوعة إلى ms0762 ~~من وقع سهمه ، وإن شاء امسك تلك القيمة ولا سبيل له على العبد وللغاصب أن ~~يأخذه بقيمته إن شاء ، ولو كان مولاه إنما أخذ القيمة من الغاصب ببينة قامت ~~له أو بإقرار أو بإباء يمين عن الغاصب ، أو بصلح كان بينهما ، فلا سبيل له ~~على العبد في شيء من ذلك ولكن الغاصب هو الذي يأخذه بقيمته إن شاء ، ~~PageV04P1337 لما بينا أن الملك قد استقر للغاصب بما أدى من القيمة فانقطع ~~حق المغصوب منه من كل وجه . ولو أن عبدا كان في يد رجل إجارة فأخذه ~~المشركون ثم وقع في الغنيمة ، فإن وجده المستأجر قبل القسمة كان هو الخصم ، ~~فيأخذه بغير شيء حتى يرده إلى الأجارة كما كان ، لأن يده بحكم الإجازة كانت ~~مستحقة على المولى ، حتى لو أراد أن يأخذه منه لم يكن متمكنا من ذلك وعقد ~~الإجازة فيما بقي من المدة لم يبطل ، فلهذا كان هو الخصم في استرداده . ~~ويبطل عنه الأجر بمقدار ما كان في يد المشركين ؛ لأنه ما كان متمكنا من ~~الانتفاع به في تلك المدة . فإذا أقام البينة أنه كان في يده على وجه ~~الإجارة ، فرده الحاكم عليه ، ثم حضر صاحبه فجحد الإجارة ، وزعم أنه كان ~~وديعة في يده ، أو عارية ، فالقول قوله ، وعلى المستأجر إعادة البينة ؛ لأن ~~القاضي ما قضى بعقد الإجارة حين رده عليه ، فإن تلك البينة قامت على غائب ~~ليس عنه خصم ، وهو يستغني عن إثبات الإجارة في الاسترداد ، ولأن حق ~~الاسترداد إنما يثبت له باعتبار أنه أخذ من يده ويستوي في ذلك أن يكون يده ~~فيه بجهة الوديعة ، أو العارية أو الإجازة فلهذا لا يتضمن قضاؤه بالرد ~~القضاء بالإجازة على الغائب . PageV04P1338 وإن وجده بعد القسمة فإن القاضي ~~يقول له : إن شئت فخذه بالقيمة ، وأنت متطوع في الفداء ، فإن فعل ذلك رده ~~القاضي عليه ، وعاد إلى يده على الإجارة كما كان ، وإنما كان متطوعا في ~~الفداء ، لأنه فدى ملك الغير من غير حاجة له إلى ذلك فإن المستأجر لم يكن ~~في ضمانه . ولو ms0763 أبى أن يفديه ما كان لصاحبه أن يضمنه شيئا ، فإذا كان هو ~~بالفداء لا يسقط الضمان عن نفسه كان متبرعا فيه ، ثم إذا حضر مولاه فأنكر ~~الإجارة لم يلتفت إلى ذلك ، والقضاء عليه ماض ، باعتبار تلك البينة لأن ~~بمجرد يده ما كان يتمكن من أخذه بعد القسمة ، ألا ترى أنه لو كان في يده ~~وديعة أو عارية لم يكن له أن يأخذه بعد القسمة أصلا ، فعرفنا أنه حين قضى ~~له بالأخذ فقد قضى بالإجارة على الغائب بما قام عليه من البينة ، وجعل من ~~وقع في سهمه خصما عن الغائب في إنكار الإجارة ، وهذا بخلاف ما قبل القسمة ، ~~فإن هناك يتمكن من الأخذ بمجرد إثبات اليد بنفسه قبل الأسر لمعنى ، وهو أن ~~حق الأخذ بعد القسمة إنما يثبت لمن يحيي بالأخذ ملكا كان له قبل الأسر ، ~~إما في العين أو في المنفعة والمستأجر يحيي ملكه في المنفعة ، فأما المودع ~~والمستعير فهو لا يحيي ملكا له قبل الأسر ، فيكون أخذه بالقيمة ، في حكم ~~ابتداء التملك بعوض ، ولا يكوهن فداء للمأسور ، فأما قبل القسمة إنما يأخذه ~~مجانا ليعيده إلى يده ، كما كان ، والمودع والمستعير في هذا كالمستأجر ، ~~فإن أبى المستأجر أن يفديه بالقيمة PageV04P1339 أو بالثمن من المشتري ، ~~حتى حضر مولاه فأخذه بذلك ، كان للمستأجر أن يأخذه منه حتى يعيده في ~~الإجارة ، ويجب عليه الأجر في المستقبل ، وليس عليه شيء لما مضى ، لأن عقد ~~الإجارة باق بينهما في بقية المدة ، فإن الإجارة في حكم عقود متعددة ، بحسب ~~ما يحدث من المنفعة ، أو كان منعقدا جملة ولكن بفوات بعض المعقود عليه لا ~~يبطل العقد فيما بقي ، وليس للمؤاجر أن يقول : إني فديته فلا أعطيكه حتى ~~تعطيني الفداء ، لأن العين لم تكن في ضمان المستأجر فما كان عليه شيء من ~~الفداء حتى يحبسه عنه بذلك ، وهو بالأخذ إعادة إلى قديم ملكه ، وقد كان ~~للمستأجر حق مستحق في قديم ملكه ، فيعود كما كان وهو بمنزلة ما لو جنى ~~العبد جناية في يد المستأجر ففداه المؤاجر بالأرش . وإن ms0764 كان العبد رهنا في ~~يد المأسور منه ، والمسألة بحالها ، فإن وجده المرتهن قبل القسمة فهو أحق ~~بأخذه باعتبار يده ، وقد كانت يده مستحقة على الراهن ، فلا ينتظر حضور ~~الراهن في أخذه إذا أقام البينة على أنه أخذ عن يده ثم بعد الأخذ يعود رهنا ~~كما كان ، فإن حضر الراهن فأنكر الدين والرهن فالقول قوله ، إلا أن يعيد ~~المرتهن عليه البينة ، لما بينا أن الرد عليه كان بمجرد ثبوت الأخذ من يده ~~لا بثبوت صفة يديه وهو يد الرهن . فإن حضر المرتهن بعد القسمة ، فإن شاء ~~أخذه بقيمته وإن شاء تركه ، فإن أخذه بالقيمة عاد رهنا كما كان قبل الأسر ، ~~ثم إذا حضر مولاه فأراد أخذه بعد قضاء الدين ، فإن PageV04P1340 كان قيمة ~~الرهن والدين سواء ، أو كان الدين أكثر فللمولى ذلك عندهم جميعا ؛ لأن جميع ~~مالية الرهن كان مضمونا على المرتهن ، والفداء في المضمون يكون على الضامن ~~لا يرجع به علي غيره ، وإن كان الدين مثل نصف قيمته على قول أبي يوسف ومحمد ~~رحمة الله عليهما ، فالجواب كذلك ، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، ~~يكون للمرتهن أن يرجع على الراهن بنصف الفداء ، ولا يدفع العبد إليه حتى ~~يقبض ذلك ، وهذا نظير الفداء من الجناية إذا فداه المرتهن ، والراهن غائب ، ~~وفي قمته فضل على الدين ، فإن المرتهن يكون متطوعا في الفضل في قولهما ، ~~وفي قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه لا يكون متطوعا ، ولكن يرجع به علي ~~الراهن ، فكذلك حكم الفداء بعد الأسر ، ولا حاجة إلى إعادة البينة إن أنكر ~~الراهن الرهن والدين ، لما بينا أن القاضي إنما قضى ها هنا للمرتهن بالأخذ ~~بالقيمة باعتبار أنه أحيا به ملك اليد المستحق له بعقد الرهن ، فكان من وقع ~~في سهمه خصما عن الراهن في إثبات ذلك عليه بالبينة . وإن حضر الراهن ~~والمرتهن جميعا فأبى الراهن أن يفديه وفداه المرتهن عاد رهنا كما كان ، ~~والمرتهن متطوع فيما أدى من القيمة عندهم جميعا ، بمنزلة الفداء من الجناية ~~، فإن عند حضرة الراهن يكون المرتهن ms0765 متطوعا في الفداء ، سواء كان في قيمته ~~فضل على الدين أو لم يكن ، ولو لم يحضر المرتهن وحضر الراهن فأقام البينة ~~أنه عبده كان مرهونا عند فلان بمائة ، فإن وجد قبل القسمة قضى له به ؛ ~~PageV04P1341 لأن حق الأخذ له مجانا باعتبار قديم ملكه ، وقد أثبته بالبينة ~~، ولكن لا يدفع إليه لأنه يقر أن اليد فيه مستحقة عليه للمرتهن حتى يقضيه ~~دينه ، فلا يدفعه القاضي إليه نظرا منه للمرتهن ، فإنه ناظر لكل من عجز عن ~~النظر بنفسه ، ولكنه يضعه علي يدي عدل ، حتى يحضر المرتهن فيقبضه . وإن حضر ~~بعد القسمة أو وجده في يد المشتري من العدو فأراد أن يفديه بالثمن قضي له ~~بذلك ؛ لأنه يحيي ملكه القديم بهذا الأخذ . ثم إن كان الفداء مثل قيمة ~~الرهن أو أكثر دفعه القاضي إليه ، ولم يضعه على يدي عدل ؛ لأن الفداء على ~~المرتهن ها هنا باعتبار أن مالية الرهن كانت في ضمانه ، بخلاف الإجارة وإذا ~~ثبت للراهن حق الرجوع على المرتهن بما غرم من الفداء فقد سقط حكم استحقاق ~~يده عليه ، ما لم يرد عليه الفداء ، فلهذا سلمه إليه ، بخلاف ما قبل القسمة ~~، فإذا أخذه ثم حضر المرتهن قيل له : إن شئت فأد الفداء وخذه رهنا كما كان ~~، وإن شئت فدعه ، وقد بطل دينك ، لأن ماليته هلكت في ضمان المرتهن ، حين لم ~~يتمكن الراهن من أخذه إلا بالفداء ، فيجعل هو في حكم المستوفي لدينه وإنما ~~لم يجعل الراهن متبرعا في الفداء ، لأنه قصد به إحياء ملكه في العين ، وهو ~~مضطر إلى ذلك ، بخلاف المرتهن في فضل الفداء فإنه يكون متبرعا في الفداء ، ~~والمستأجر كذلك ، لأنه ما قصد به إحياء ملكه في العين إذ لا ملك له في ~~العين ، وإن كان الفداء الذي فدى PageV04P1342 به الراهن أقل من قيمة الرهن ~~فإن القاضي يضعه على يدي عدل ، ولا يدفعه إلى الراهن ، لأن أكثر ما فيه أن ~~الراهن يصير موفيا للمرتهن بما أدى ذلك القدر من دينه باعتبار ثبوت حق ~~الرجوع به له عليه ، ولكن استحقاق ms0766 اليد للمرتهن لا يبطل باستيفائه بعض ~~الدين ، فلهذا وضعه على يدي عدل ، فإذا حضر المرتهن فإن شاء أدى الفداء ~~وكان رهنا بجميع الدين عنده ، كما كان قبل الأسر ، وإن أبى أن يؤدي الفداء ~~كان رهنا عنده بما بقي من دينه لأن بتعذر الفداء قد صار هو مستوفيا بطريق ~~المقاصة ، فإن الراهن استوجب الرجوع عليه بذلك ، وللمرتهن عليه مثله فكان ~~قصاصا به ، فإن مات في يد المرتهن بعد ذلك رجع الراهن على المرتهن بالفداء ~~الذي فداه ، لأنه بهلاك الرهن صار مستوفيا جميع دينه ، وظهر أنه في مقدار ~~الفداء قد استوفاه مرتين ، وإن كان فداه بدراهم ، وكان الدين دنانير أو ~~طعاما أو غير ذلك ، رجع عليه بحصة الفداء من الدين الذي كان له على الراهن ~~، لأن الاستيفاء بطريق المقاصة بمنزلة استيفاء الدين حقيقة حتى لو استوفاه ~~حقيقة رجع في ذلك المستوفى بعد هلاك الرهن ، وهذا لأن ضمان الرهن باعتبار ~~المالية لا باعتبار العين فإنه ضمان استيفاء ، والاستيفاء إنما يكون بالجنس ~~لا بخلاف الجنس ، والمجانسة بين الأموال بصفة المالية ، فلهذا كان رجوعه ~~بذلك القدر من الدين ، لا من جنس الفداء . ولو أن العبد الموهوب أسره العدو ~~فأحرزه ثم وقع في الغنيمة ، فحضر الواهب والموهوب له قبل القسمة ، فإنه حق ~~الأخذ للموهوب له ؛ PageV04P1343 لأن الاستيلاء حصل على ملكه ، وثبوت حق ~~الأخذ باعتبار قديم الملك ، أو باعتبار اليد ، وقد كانا للموهوب له حين أسر ~~، فإذا أخذه رجع فيه الواهب ؛ لأنه بالأخذ أعاده إلى قديم ملكه ، وقد كان ~~حق الرجوع للواهب ثابتا في قديم ملكه . وإن كان الموهوب له غائبا فلا سبيل ~~للواهب عليه ؛ لأن حقه في ملكه مقصور عليه ، فما لم يعد إلى قديم ملكه لا ~~يظهر فعل حقه . وإن قال الموهوب له حين حضر لا حاجة لي فيه لم يلتفت إلى ~~قوله ، وقضى القاضي عليه بالرد ، ثم قضى للواهب بالرجوع فيه ؛ لأنه تعلق ~~بملكه حق الواهب ، وقد جاء الواهب طالبا لحقه . وهو في هذا الإباء متعنت ، ~~قاصد إلى الإضرار بالعين ، لا إلى دفع الضرر ms0767 عن نفسه ؛ لأنه يأخذه مجانا ، ~~والقاضي لا يلتفت إلى قول المتعنت ، ولأنه لما تعلق به حق الواهب بملكه قام ~~طلب الواهب بحضرته قمام طلبه . PageV04P1344 وإن كانا حضرا بعد القسمة ، أو ~~وجداه في يد المشتري ، فإن أخذه الموهوب له بالثمن أو بالقيمة فللواهب أن ~~يرجع فيه ؛ لأنه عاد كما كان في يد الموهوب له . فإن قال الموهوب له فليرد ~~الواهب على الفداء لم يلتفت إلى قوله ؛ لأنه فدى ملك نفسه ، وهو ما كان ~~مضمونا على غيره ليرجع عليه بحكم ذلك الضمان . وإن قال الموهوب له : لا ~~أريد أخذه لم يجبر على ذلك ؛ لأنه غير متعنت في هذا الإباء ، بل هو ممتنع ~~من التزام غرم غير مفيد في حقه ، وللإنسان أن يمتنع من التزام الغرم . وإن ~~كان له فيه فائدة ، فلأن يكون له أن يمتنع منه ولا فائدة له فيه كان أولى ، ~~فإن قال الواهب : أنا أفديه لم يكن له ذلك ؛ لأن الأسر لم يكن على ملكه ، ~~وقد بينا أن حق الأخذ بالفداء لمن يحيي به ملكه ، والواهب ها هنا بالفداء ~~يحيي ملك الموهوب له ، ثم يترتب حقه في الرجوع على ملكه ، والموهوب له ~~ممتنع من هذا الفداء ، فلا يصير الواهب متمكنا منه بعدما صح الامتناع ممن ~~له الحق . PageV04P1345 وإن كان المأسور عبدا جانيا فإن وجده مولاه قبل ~~القسمة أخذه بغير شيء وقد عاد إلى قديم ملكه كما كان ، فيخاطب بالدفع ~~بالجناية أو الفداء ، وإن حضر صاحب الجناية دون المولى لم يكن له عليه سبيل ~~؛ لأن الأسر ما وقع على ملكه ولا على يده ، إنما كان حقه في ملك المولى فما ~~لم يظهر محل حقه لا تسمع خصومته . فإن حضر المولى فأبى أن يأخذه قيل له : ~~اختر الدفع أو الفداء ؛ لأنه متمكن من إعادته إلى قديم ملكه فيجعل هذا ~~التمكن بمنزلة حقيقة عود الملك إليه مراعاة لحق ولي الجناية . فإن اختار ~~الدفع دفع إلى ولي الجناية ؛ لأنه في الامتناع من الأخذ مع اختيار الدفع ~~متعنت قاصد إلى إضرار صاحب الجناية . وإن فداه ms0768 بأرش الجناية قيل له : خذه ~~لنفسك إن شئت ؛ لأنه قد وصل إلى ولي الجناية حقه ، فخلص الحق في الأخذ ~~للمولى ، وله رأي في إيصال المنفعة لنفسه ، والامتناع من ذلك . ~~PageV04P1346 وإن حضرا بعد القسمة فلمولاه أن يفديه بالقيمة وبعد الفداء ~~يخير بين الدفع بالجناية وبين الفداء بالأرش ؛ لأنه عاد إلى قديم ملكه . ~~وإن أبى أن يفديه فله ذلك ؛ لأنه ممتنع من التزام الغرم بعلمه أنه لا فائدة ~~له فيه ، فإن ولي الجناية يأخذه منه . ثم ليس لصاحب الجناية عليه سبيل ؛ ~~لأن محل حقه فات ، لا بصنع المولى ، فلا يكون هو في حقه مختارا ولا مستهلكا ~~، فإن قيل : لماذا لم يجعل مستهلكا حين امتنع من أخذه بعد ما تمكن منه ؟ ~~قلنا : هذا إن لو تمكن منه مجانا ، فأما إذا لم يتمكن منه مجانا ، إلا بعد ~~التزام غرم فلا ، لأنه لا يجبر بسبب جناية العبد على التزام غرم شاء أو أبى ~~. ولو كان العبد مدينا ، والمسألة بحالها ، فإن حضر الغريم ولم يحضر المولى ~~لم يكن له أن يأخذ العبد حتى يحضر المولى ؛ لأن الأسر لم يكن على ملكه ولا ~~على يده . PageV04P1347 ولكنه إن أقام الغريم البينة على دينه وقف القاضي ~~العبد حتى يحضر المولى ، ولم يقسمه في الغنيمة ؛ لأنه يثبت بهذه البينة ~~استحقاق ماليته بالدين للطالب ، فلا يشتغل بالقسمة فيه ، بخلاف ما سبق من ~~حق ولي الجناية والواهب ، فإن ذلك مقصور على ملك المولى والموهوب له ، فلا ~~يظهر قبل عود ملكهما ، وأما الدين في رقبة العبد يدور معه حيثما دار ، ~~فاستحقاق المالية ها هنا ثابت ، سواء أخذه المولى أو لم يأخذه . فإذا حضر ~~المولى وفداه بالدين سلم الملك له ، إن أبى بيع العبد في الدين ؛ لأن الدين ~~الذي ظهر وجوبه في ذمة العبد ، يستوفي من ماليته بالبيع فيه في ملك من كان ~~. وإن لم يحضر الغريم حتى قسم ، أو وجده في يد المشتري من العدو فالمولى ~~بالخيار في الأخذ بالقيمة ، فإن أخذه بيع في الدين إلا أن يفديه المولى وإن ~~أبى أن يأخذه ms0769 بيع في الدين في ملك من وجده الغريم في ملكه ، إلا أن يفديه ~~بالدين ، لما بينا أن الدين لا يبطل عن ماليته بتحول الملك عن المولى إلى ~~غيره ، ألا ترى أن العبد المدين إذا أعتق كان للغريم أن يطالبه بدينه ، ~~بخلاف العبد الجاني فإن ولي الجناية لا يبيعه بعد العتق . PageV04P1348 فإن ~~بيع في الدين ولم يبق من ثمنه شيء عوض الذي وقع في سهمه قيمته من بيت المال ~~؛ لأن ماليته استحقت بسبب سابق على أخذه ، فتبين أنه أعطى بالقيمة عبدا لا ~~قسمة له . وإن بقي من الثمن الثلث عوض مقدار ثلثي قيمته بقدر ما استحق ~~بالدين ، وإن حضر الغريم فأثبت دينه قبل أن يحضر المولى فإن القاضي يبيعه ~~في الدين ؛ لأن حق الغريم متعلق بماليته . وليس في هذا البيع إبطال حق ~~المولى ، وفي التأخير إلى أن يحضر إضرار بالغريم ، فعلى القاضي أن يشتغل ~~بدفع الضرر عنه ، وهو أن يبيعه في الدين . فإن حضر مولاه كان له أن يأخذه ~~من المشتري الآخر بالثمن الذي اشتراه به ، لأن الأصل أن المأسور منه يثبت ~~له أن يأخذه من المشتري الآخر بالثمن الذي اشتراه به ، لأن الأصل أن ~~المأسور منه يثبت له حق الأخذ من يد من يجده في يده ، من غير أن يشتغل بنقص ~~التصرف ، ألا ترى أنه لا ينقض القسمة ليأخذه مجانا ، فكذلك لا ينقض البيع ~~الثاني ليأخذه بالثمن الأول ، ولكن يأخذه بالثمن الثاني حتى يعيده إلى قديم ~~ملكه ، فإن فعل ذلك فأراد الغريم أن يرجع عليه بما بقي من دينه لم يكن له ~~ذلك ، لأن حقه كان في مالية الرقبة ، قد وصل إليه ذلك مرة ، فليس له أن ~~يطالب بشيء آخر حتى يعتق العبد كما لو بيع له في ملك مولاه قبل الأسر مرة . ~~PageV04P1349 فإن قال المشتري الأول : أنا أرجع بما أخذ مني الغريم من ثمن ~~العبد على الذي اشتراه مني لم يكن له ذلك ؛ لأنه قد أخذ منه عوض ملكه مرة ، ~~فإن استحق عليه ذلك بسبب دين العبد لا يثبت ms0770 له حق الرجوع عليه ببدله مرة ~~أخرى . ولكن للمشتري الأول أن يبيع العبد بما أخذ منه بجهة دينه ، فيباع ~~فيه إلا أن يقضي المولى ذلك عنه ؛ لأن العبد عاد إلى قديم ملك المولى ، وقد ~~كانت ماليته في ملكه مستحقة بدينه ، ألا ترى أنه لو لم يكن بيع فإنه يباع ~~إلا أن يقضي الدين ، فإذا بيع مرة وصرف إلى دائنه الثمن الذي هو حق المشتري ~~الأول يثبت للمشتري الأول حق الرجوع به في ماليته ، باعتبار أنه قام مقام ~~الغريم في الرجوع به في ملك المولى ، لأنه غير متطوع فيما أدى ، بل هو مجبر ~~عليه في الحكم ومن أجبر على قضاء دين الغير بملكه يثبت له حق الرجوع عليه ، ~~وهذا دين آخر سوى ما بيع العبد فيه ، وقد ظهر وجوبه في حق المولى من الوجه ~~الذي قررنا فيه ، إلا أن يفديه المولى . ولو أن المشتري من العدو فداه ~~بدينه ، ثم حضر مولاه وأخذه بالثمن ، فإنه يقال له : في عتق العبد الذي أدى ~~عنه الدين الأقل من قيمته ومن الدين ، فإن فديته بذلك وإلا بيع له في ذلك ؛ ~~PageV04P1350 لأن المشتري كان مضطرا إلى أداء ذلك الفداء ، فلا يكون متبرعا ~~فيه ، ولكن الضرورة إنما تحققت في الأقل من قيمته ، فيكون رجوعه في رقبته ~~بمقدار الأقل . فالحاصل أنه متى عاد إلى قديم ملك المولى ، وقد كانت ماليته ~~مستحقة بالدين ، فإنما يعود كما كان ، فلا يجوز أن يسلم للمولى مجانا ما لم ~~يقض عنه الدين ، وما أدى من الفداء إلى المشتري من العدو فداء لملكه ، لا ~~أن يكون بدلا عن ماليته ، بمنزلة العبد المدين إذا جنى جناية ، ففداه ~~المولى ، فإنه يباع في الدين على حاله . ولو أن المشتري من العدو باعه من ~~آخر أو وهبه أو تصدق به ، ثم حضر الغرماء كان لهم أن يبطلوا تصرفه ؛ لأن ~~دينهم واجب عليه في ملك المشتري من العدو ، كما كان في ملك المولى قبل ~~الأسر ، فكما لا ينفذ بيع المولى وهبته فيه بغير رضى الغرماء ، فكذلك بيع ~~المشتري من ms0771 العدو . فإن لم يبطلوا حتى حضر المولى فأخذه من المشتري الآخر ~~بالثمن ، أو من الموهوب له بالقيمة ، ثم حضر الغرماء فأرادوا إبطال البيع ~~أو الهبة ، لم يكن لهم ذلك ؛ لأنه إنما كان لهم حق الإبطال في الملك الحادث ~~فيه بعدما اشتغل بدينهم وقد ارتفع كل ملك حادث ، حين أخذه المولى وعاد إلى ~~قديم ملكه ، ففي حق الغرماء عاد كما كان قبل الأسر ، فيباع في ديونهم ، إلا ~~أن يفديه المولى . ولو كان العبد المأسور وديعة أو عارية فوجده المودع قبل ~~القسمة أو المستعير كان لهما أن يأخذاه إذا أقاما البينة ؛ PageV04P1351 ~~لأن الأسر كان من يدهما ، وحق الأسر قبل القسمة باعتبار اليد ، فيعاد إلى ~~يدهما على ما كان قبل الأسر . فإن جاءا بعد القسمة فأرادا الأخذ بالقيمة ، ~~أو وجداه في يد المشتري من العدو ، فليس لهما حق الأخذ ؛ لأن حق الأخذ ~~بالفداء إنما يكون لمن يحيي بالأخذ ملكا قد كان له والمودع والمستعير لم ~~يكن لهما ملك قبل الأخذ ، فلو أخذاه بالفداء ، كان ذلك تملكا منهما العبد ~~بالبدل ابتداء ، ومن في يده غير مجبر على ابتداء التمليك من غيره بعوض . ~~وإن قالا نحن نتطوع بالفداء عن المولى القديم فهذا ليس بشيء ؛ لأنه لا ملك ~~فيه للمولى القديم قبل الأخذ ، ليتطوعا بفداء ملكه ، ولا شيء في ذمة المولى ~~القديم ليتبرعا بأداء ذلك عنه . ولكن إن حضر المولى القديم فله أن يأخذه ~~بالفداء ؛ لأنه بالأخذ يحيي قديم ملكه . ولو أن العبد المأسور اشتراه رجل ~~من العدو ووقع في سهم رجل بالقسمة ، فلحقه دين بالاستهلاك أو بالتصرف بأن ~~أذن له مولاه في التجارة ثم حضر المولى القديم فله أن يأخذه بالفداء ، لأن ~~حقه في الأخذ بالفداء سابق على حق الغرماء ، PageV04P1352 فلا يمتنع لحق ~~الغرماء ، وإذا أخذه تبعه الدين فبيع فيه ، إلا أن يفديه المولى ؛ لأن حقهم ~~ثابت في ماليته ، فيدور معها أينما دارت ، بمنزلة العبد الجاني إذا لحقه ~~دين ، ثم دفع بالجناية ، فإنه يباع في الدين إلا أن يقضيه ولي الجناية . ~~وكذلك لو مات مولى ms0772 العبد المدين حتى صار العبد ميراثا للورثة فإنه يباع في ~~الدين ، فكذلك ما تقدم ، وإن كان مولاه لم يرغب في أخذه بالفداء لأجل دينه ~~. فقد بطل حقه وبيع في الدين في ملك من له العبد إلا أن يفديه بالدين ، فإن ~~لم يعلم مولاه بالدين حتى أخذه ، ثم ثبت الدين عليه فالمولى بالخيار ؛ لأن ~~الدين عيب فكان ظهور هذا العيب بعد أخذه بمنزلة ظهور عيب آخر . كان حدث به ~~عند المشتري فيكون له حق الرد به . وهذا لأنه إنما رغب في أخذه بالفداء ~~ليعود إليه كما كان ، وقد تبين أنه لم يعد إليه كما كان ، فإن ماليته كانت ~~فارغة ، والآن عاد إليه مستحق المالية . فإن رده واسترد ما أدى بعي العبد ~~في الدين عند من رده عليه ، وإن أمسكه بيع في الدين عند المولى ؛ لأنه رضي ~~بعيبه ، فصار كما لو كان عالما بالعيب حين أخذه . فإن كان المأخوذ منه ~~غائبا حين أثبت الغرماء PageV04P1353 دينهم ، فقال المولى : أنا أرده فإن ~~القاضي يمهله في ذلك يومين أو ثلاثة ، فإن حضر رده عليه وإلا باعه للغرماء ~~؛ لأن دينهم ثابت على العبد وفي التأخير مدة طويلة إضرار بهم فأما في مدة ~~يسيرة لا يكون في التأخير كثير ضرر عليهم ، وفيه نظر للمولى . ألا ترى أن ~~القاضي لو قال لهم : هاتوا من يشتريه لأبيعه لكم احتاجوا إلى هذا القدر من ~~المدة ، حتى يحضروا المشتري . وكذلك لو أرادوا بيع العبد في ملك مولاه فطلب ~~المهلة يومين أو ثلاثة لينظر أي الوجهين أنفع له ، أي البيع أو الفداء ، ~~فإن القاضي يجيبه إلى ذلك ، فكذلك ها هنا ، فإن مضت مدة المهلة ولم يحضر ~~فبيع في الدين أو فداه ثم حضر المأخوذ منه فلا سبيل للمولى عليه ؛ لأنه إن ~~كان بيع فقد خرج العبد عن ملكه ، والخصومة في العيب إنما كانت له ما بقي في ~~ملكه ، فأما بعد إخراجه من ملكه فلا . وإن كان فداه فقد زال العيب وليس له ~~أن يخاصم في العيب بعد زوال العيب ، ولو لم يحضر ms0773 المأسور منه حتى طلب ~~الغرماء منه دينه ففداه من في يده بالدين ثم حضر المأسور منه ، فله أن ~~يأخذه بالفداء ؛ لأنه طهر من الدين فعاد على ما كان قبل لحوق الدين إياه . ~~PageV04P1354 وبعدما أخذه المأسور منه لا يكون للذي فداه بالدين أن يرجع ~~عليه بشيء بخلاف ما سبق ؛ لأن هناك إنما فداه من دين كان حادثا في ملكه ، ~~والمستحق بهذا الدين المالية التي هي حقه فلا يرجع به على أحد ، وهناك إنما ~~كان فداه سابقا على ملكه ، وكان لمستحق به مالية هي ملك المولى القديم ، ~~فإذا ظهرت تلك المالية كان له أن يرجع فيها . وكذلك لو اختار بيعه في الدين ~~، ثم حضر المأسور منه فأخذه بالثمن الثاني ، فإنه لا يكون للمشتري الأول أن ~~يرجع عليه بشيء ، بخلاف ما إذا كان الدين في ملك المأسور منه ، والذي يقرر ~~الفرق أن الدين بمنزلة العيب ، فإذا كان حادثا في ملكه كان عهدة ذلك العيب ~~عليه ، ألا ترى أن المأسور منه كان يرده عليه إن علم بذلك العيب ، فكيف ~~يرجع هو على المأسور منه باعتباره والعيب الأول كان في يد المأسور منه . ~~ألا ترى أنه لا يكون للمأسور منه أن يرده عليه بسبب ذلك العيب ، فلهذا كان ~~للمشتري من العدو أن يبيعه بما لحقه من الغرم بسبب ذلك العيب ، فلهذا كان ~~للمشتري من العدو أن يبيعه ، وإن كان الدين على العبد قبل الأسر فباعه ~~القاضي بالدين ، في ملك المشتري من العدو وقبض الثمن فتوى في يده ~~PageV04P1355 قبل أن يدفعه إلى الغرماء ثم حضر المأسور منه فأخذه بالفداء ~~لم يكن للغرماء على العبد سبيل حتى يعتق . لما بينا أنه بيع لهم مرة في ~~الدين ، والقاضي في ذلك البيع عامل لهم ، فهلاك الثمن في يده كهلاكه في ~~أيديهم ، فلهذا لا يبيعون العبد بشيء آخر حتى يعتق ، فليس لمن بيع عليه ~~العبد أن يبيع العبد المأسور منه بشيء ها هنا ؛ لأن الثمن لما لم يصل إلى ~~الغرماء لم يسقط شيء من دينهم عن العبد وإنما كان حق ms0774 الرجوع له في رقبة ~~العبد باعتبار أنه قضى دينه بملكه ، وكان مجبرا على ذلك في الحكم ، فإذا لم ~~يصر ها هنا قاضيا شيئا لا يثبت له حق الرجوع في رقبة العبد بشيء . ألا ترى ~~أن الغرماء لو أبرءوا العبد من الدين بعد قبض الثمن من المشتري الثاني كان ~~الثمن سالما للمشتري الأول الذي بيع العبد عليه ، فإما أن يقال : تبين بهذا ~~أنه توى ماله في يد القاضي فلا يرجع بشيء منه على العبد ، أو يقال بعد ~~الإبراء لما لم يصر قاضيا شيئا من دين العبد لم يرجع عليه بشيء ، فكذلك إذا ~~هلك الثمن المقبوض قبل الدفع إلى الغرماء والأول أصح ، ولو أوصى لرجل بخدمة ~~عبده أو بغلته ، ما عاش ، فإذا مات رجع إلى وارثه وأوصى برقبته لآخر أو ~~أوصى ظهر فرسه لرجل في حياته ، وبرقبته لآخر ، فإنه تنفذ وصيته على ما أوصى ~~به ، إذا كان يخرج من ثلثه ، فإن أسر المشركون العبد PageV04P1356 أو الفرس ~~، ثم وقع في الغنيمة ، فحضر الموصى له بالخدمة وأقام البينة كان خصما وإن ~~لم يحضر صاحب الرقبة ؛ لأنه أسر من يده ، فكان هو أحق باسترداده قبل القسمة ~~. ثم إن حضر صاحب الرقبة فأنكر الوصية قيل له : أعد البينة على وصيتك وإلا ~~فلا شيء لك ؛ لما بينا أنه إنما قضى للذي أقام البينة باعتبار إثباته الأسر ~~من يده لا باعتبار ثبوت وصيته ، فيحتاج إلى إقامة البينة لإثبات الوصية على ~~خصمه ، وقد تقدم نظيره في الإجارة . وإن كان الذي حضر صاحب الرقبة فإن ~~القاضي يقضي به له ؛ لأنه أثبت بالبينة أن الأسر كان على ملكه ، وتأثير ~~الملك في إثبات حق الأخذ أكثر من تأثير اليد ، ثم لا يدفعه إليه . ولكن ~~يضعه على يدي عدل حتى يحضر صاحب الخدمة فيقبضه ؛ لأنه أقر بيد مستحقة فيه ~~لغيره ، فهو قياس الرهن الذي سبق . وإن لم يحضر واحد منهما حتى قسم ، أو ~~كان اشتراه رجل من العدو ثم حضر صاحب الذمة فأقام البينة فله أن يأخذه ~~بالفداء ؛ PageV04P1357 لأنه يحيي بالأخذ حقا مستحقا ms0775 له ، فإن للموصي له ~~بالخدمة حقا لازما لا يتمكن أحد من إبطال ذلك عليه ، بخلاف المستعير . وإذا ~~أخذه ثم حضر صاحب الرقبة فأنكر وصيته لم يلتفت إلى إنكاره ؛ لأن من ضرورة ~~القضاء بحق الأخذ له بالفداء القضاء بالوصية ، فإن بمجرد اليد بدون حق ~~مستحق لا يقضى له بذلك ، فعرفنا أن ذا اليد انتصب خصما عن صاحب الرقبة في ~~إثبات الوصية عليه . فيكون العبد في يد صاحب الوصية بالخدمة ، كما كان قبل ~~الأسر إلى أن يموت فإذا مات رجعت الرقبة إلى صاحبها فيكون لورثة صاحب ~~الخدمة أن يرجعوا عليه بالفداء الذي فداه الموصى له بالخدمة من ماله ، ~~فيباع العبد له في ذلك إلا أن يفديه صاحب الرقبة ؛ لأنه كان مضطرا إلى أداء ~~ذلك الفداء ، ليتوصل به إلى إحياء حقه ، فلا يكون متبرعا فيه ، ولم يكن ~~العبد في ضمانه ولا في ملكه حتى يتقرر الفداء عليه . فإذا بطلت الوصية وعاد ~~العبد إلى صاحب الرقبة فقد ظهر أنه فدى ملكه ولم يكن متبرعا فيه ، فيستوجب ~~الرجوع به في مالية العبد ؛ لأنها حييت له بهذا الفداء ، ثم وارثه في ذلك ~~بعد موته يقوم مقامه ، فيرجع بما كان له حق الرجوع في حياته ، أن لو بطلت ~~الوصية في حال حياته بسبب من الأسباب . PageV04P1358 ولو لم يفده صاحب ~~الخدمة حتى حضر هو مع صاحب الرقبة جميعا فإن رغب صاحب الخدمة في الفداء فهو ~~أحق به ؛ لأن حقه مقدم على حق الرقبة . وإن أبى أن يفديه فداه صاحب الرقبة ~~ثم لا سبيل عليه لصاحب الخدمة ؛ لأنه متى أبى أن يفديه فقد أبطل وصيته فيه ~~غذ كانت مقصورة على ملك الموصي ، وقد تم منه الرضا ببطلان ذلك الملك ، ~~فيبطل وصيته بفوات محل حقه ، وبعدما بطلت وصية صاحب الخدمة ، فصاحب الرقبة ~~أحق بالعبد . فإن لم يحضر صاحب الخدمة ، وحضر صاحب الرقبة ، فله أن يأخذه ~~بالفداء وإذا أخذه لم يوضع على جديد عدل ، بل يسلم إليه ؛ لأن صاحب الخدمة ~~لم يبق له حق في الأخذ بالخدمة ، إلا أن يؤدي إليه ms0776 ذلك الفداء ولا يعلم أنه ~~يرغب فيه بعد ذلك أو لا يرغب ، ولا حق له فيه في الحال . بخلاف ما تقدم قبل ~~القسمة ؛ لأنه قبل القسمة حقه ثابت في خدمته ، من غير أن يلزمه أداء شيء ~~فمن هذا الوجه يقع الفرق . PageV04P1359 فإن حضر صاحب الخدمة يخير ، فإن ~~شاء أدى إلى صاحب الرقبة ما فداه به ، وكان هو أحق بخدمته ما عاش بمنزلة ما ~~لو كان هو الذي حضر أولا وفداه ، وهذا لأن صاحب الرقبة يحيي ملكه بالفداء ، ~~فلا يكون متبرعا فيه . وإذا ظهر حق سابق على حقه فله أن يرجع به على صاحب ~~الحق ؛ لأنه ما رضي بالفداء ، حتى يكون المنتفع به غيره ، ولأنه إنما يعود ~~على حكم ملك الموصي إذا استقر الفداء على ملك الموصى له بالخدمة . فإذا أدى ~~ذلك الموصى له بالخدمة وأخذ العبد ثم مات الموصى له ، فالعبد لصاحب الرقبة ~~إلا أنه يباع في ذلك الفداء ، كما لو كان الموصى له هو الذي فداه من ~~المشتري من العدو ، فإن بيع في الفداء فلم يف ثمنه بالفداء ، ثم عتق العبد ~~يوما من الدهر ، لم يتبع بشيء مما بقي له من الفداء ؛ لأن العبد ما اكتسب ~~سبب وجود هذا الدين ، حتى يكون ثابتا في ذمته ، يتبع به بعد العتق ، ولكن ~~إنما يتبع به باعتبار أن ماليته حييت بسبب هذا الفداء لصاحب الرقبة ، فيكون ~~الواجب مقدار المالية ، لا الأكثر منه ، وهو PageV04P1360 نظير العبد الآبق ~~إذا رده راد وبيع في جعله على قول من يرى الجعل المقدر قلت قيمته أو كثر ، ~~فلم يف ثمنه بالجعل لم يتبع العبد بشيء مما بقي منه بعد العتق فهذا مثله . ~~وإن أبى صاحب الخدمة أن يدفع الفداء إلى صاحب الرقبة . بعدما عرض القاضي ~~ذلك عليه ، فإن لم يبطل القاضي وصيته بإبائه حتى رغب في أداء الفداء كان له ~~ذلك ، وإن أبطل القاضي وصيته حين أبى ذلك فلا سبيل له على العبد بعد ذلك ، ~~وإن رغب في الفداء ، لأن الإباء إنما يتأكد حكمه إذا اتصل به ms0777 قضاء القاضي ، ~~بمنزلة إباء اليمين من المنكر ، وإباء الإسلام من أحد الزوجين بعد إسلام ~~الآخر . والله الموفق . | PageV04P1361 # | باب شراء العبد الذي يؤخذ بالقيمة # وإذا اشترى العبد المأسور مسلم من العدو ، بألف درهم وألف رطل من خمر ، ~~فأراد مولاه أن يأخذه فإن كانت قيمته ألفا أو أقل قيل لمولاه ، خذ بألف ~~درهم أو دع ؛ لأنه إنما يأخذه بما غرم فيه المشتري مما هو مال متقوم وذلك ~~الألف ، فإن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم . وإن كانت قيمته أكثر من ~~ألف فإنما يأخذه بكمال قيمته ؛ لأن العقد لم يكن صحيحا في حق المسلم ، ~~وإنما أخذه بطيب أنفسهم ، فكأنهم وهبوه له ، ولأنه إن اشتراه بخمر لم يكن ~~له أن يأخذه منه بأقل من قيمته ، فإذا اشتراه بدراهم مع الخمر ، أولى ألا ~~يأخذه منه إلا بقيمته ، وهو نظير مسلم أعتق عبدا له بألف درهم ورطل من خمر ~~، فقبل العبد ذلك كان حرا . ثم إن كانت قيمته ألفا أو أقل فعليه الألف ؛ ~~لأنه التزم ذلك طوعا بإزاء ما سلم له ، وهو العتق . PageV04P1362 وإن كانت ~~قيمته أكثر من ألف فعليه تمام القيمة ؛ لأن المعتق ما رضي بالألف وحدها ، ~~ولو أعتقه على خمر كان عليه قيمة نفسه فإذا شرط الخمر مع الألف أولى . ولو ~~كان اشتراه بألف وعشرين شاة ميتة أو عشرين زقا من دم ، فإن مولاه يأخذه ~~بالألف سواء كانت قيمته أقل أو أكثر ؛ لأن ضم الميتة والدم إلى اللف لغو ، ~~بخلاف ضم الخمر إلى الألف ، وهذا لأن الخمر يتمول ، وإن فسدت قيمته في حق ~~المسلمين ، وهو مال متقوم في حق غيرهم حتى يضمن مستهلكه على الذمي بخلاف ~~الميتة والدم ، فإنه لا قيمة لهما عند أحد من الناس ، ألا ترى أن ما يشتريه ~~المسلم بالخمر يملكه بالقبض ، حتي ينفذ عتقه فيه ، بخلاف ما يشتريه بالميتة ~~والدم . ولو أن مسلما أعتق عبده على ميتة أو دم عتق مجانا ، بخلاف ما إذا ~~أعتقه على خمر . وإذا كان العبد في يد مسلم فأقام مسلم البينة أنه عبده ، ~~ولد ms0778 في ملكه وأقام ذو اليد البينة أنه اشتراه من المغانم PageV04P1363 أو ~~ممن وقع في سهمه من الغنيمة ، فإنه يقضي به للمدعي بغير شيء ؛ لأنه أثبت ~~ببينته ملكه في العبد ، وذو اليد ما أثبت ببينته الملك ، لأنه أثبت الشراء ~~من المغانم ، أو ممن وقع في سهمه ، وذلك لا يوجب الملك له ما لم يعلم أن ~~العدو أسروه وأحرزوه ، لجواز أن يكونوا أخذوه ، ولم يحرزوه حتى ظهر ~~المسلمون عليه ، أو أن هذا العبد كان أبق إليهم ، ثم وقع في الغنيمة . ولو ~~كان في بينة ذي اليد إثبات الملك له لم تكن معارضة لبينة الخارج ، فإذا لم ~~يكن فيها إثبات الملك له أولى ألا تكون معارضة له ، وإن أقام ذو اليد ~~البينة أن العدو أخذوا هذا العبد فأحرزوه ، ثم وقع في الغنيمة فاشتراه ممن ~~وقع في سهمه فإن القاضي يقضي به للذي هو في يده ؛ لأن في بينة ذي اليد ~~إثبات سبب زوال ملك المدعي وهو محتاج إلى ذلك فلا بد من قبولها لحاجته ، ~~ولأنه لا منافاة بين الأمرين والبينتان حجج فعند إمكان العمل بالبينتين يجب ~~العمل بهما . ثم الثابت بها ، كالثابت باتفاق الخصمين ، فيقال للمدعي إن ~~شئت فخذه بالثمن وإن شئت فدع ؛ لأن العدو ملكوه حتى لو أسلموا ، أو صاروا ~~ذمة ، أو دخل منهم داخل PageV04P1364 إلينا بأمان ، وهو معه ، لم يكن له ~~عليه سبيل ، بخلاف ما قبل ثبوت إحراز المشركين إياه . وكذلك لو باعه الداخل ~~إلينا بأمان من مسلم آخر لم يكن للمولى القديم عليه سبيل ؛ لأن المشتري قام ~~فيه مقام البائع ، وبعدما حصل في دارنا على وجه لا سبيل للمولى على أخذه لا ~~يثبت له حق الأخذ ، وإن انتقل الملك فيه إلى غيره . فإن أخذه من المشتري ~~بالثمن ، فأعتقه أو كاتبه أو دبره أو باعه ، ثم علم أن الشهود الذين شهدوا ~~على ملكه لم يكونوا من أهل الشهادة فجميع ما صنع الآخذ من ذلك باطل ، ~~والعبد مردود على من كان في يده ؛ لأنه تبين بطلان قضاء القاضي له بالملك ~~حين أظهر ms0779 أنه قضى بغير حجة ، فكان متصرفا فيما لا يملكه ، فإن قيل : القاضي ~~أجبره على أن يملكه إياه بالثمن فهب أن القضاء كان باطلا ، فهذا لا يكون ~~دون ما لو أجبر سلطان رجلا على بيع عبد من فلان ، ودفعه إليه ، وهناك ~~المشتري يملكه بالقبض حتى ينفذ فيه تصرفاته بالعتق والتدبير فكذلك ها هنا ، ~~قلنا : هناك إنما أجبره على بيع مبتدأ وهو سبب موجب للملك ، وقد انعقد بصفة ~~الفساد لانعدام شرط الجواز فيه وهو الرضاء به فلهذا يملكه المشتري منه ~~بالقبض وها هنا ما أجبره على مباشرة سبب التملك ابتداء وإنما أعاده إلى ~~قديم ملكه ، PageV04P1365 وقد تبين أنه لم يكن له ملك فيه قبل هذا ، والملك ~~لا يثبت ابتداء بغير سبب ، فلهذا لا ينفذ عتقه . ألا ترى أنه لو حضر قبل ~~القسمة وأقام البينة أنه عبده فأخذه مجانا فأعتقه ، ثم علم أن الشهود كانوا ~~عبيدا ، فإنه يرد العبد في الغنيمة ويبطل عتقه لهذا المعنى ، فكذلك إذا ~~أخذه بعد القسمة بالقيمة ، أو من يد المشتري بالثمن ، وهذا لأن ما يؤدي ~~فداء لملكه ، لا عوض عن ملك يثبته لنفسه ، بخلاف ما يعطى المشتري من المكره ~~. ولو كان مكان العبد أمة فاستولدها المقضي لها بها ، ردت هي وعقرها وولدها ~~رقيقا في الغنيمة ؛ لأنه تبين أن وطئ ما لا يملك إلا أن الحد يسقط عنه ، ~~لصورة القضاء فيجب العقر والولد يملك بملك الأصل . ثم في القياس لا يثبت ~~نسبه ؛ لأن ثبوت نسب الولد يستدعي شبهة حكمية في المحل ، ولم توجد . وفي ~~الاستحسان يثبت النسب منه ؛ لأنه وطئها وهي مملوكة له في قضاء القاضي ، ~~وهذا القدر في المحل يكفي لإثبات النسب بالدعوة ، فإن النسب يثبت بأدنى ~~شبهة فإن قيل : فلماذا لا يجعل الولد حرا بالقيمة بمنزلة ولد المغرور ؟ ~~قلنا : لأن الغرور إنما يتحقق إذا ترتب الاستيلاء على سبب ملك ثابت له في ~~المحل حكما أو حقيقة ، PageV04P1366 ولم يوجد ، لأن القاضي لم يملكه إياه ~~ابتداء ، وإنما أعاده إلى قديم ملكه ، وقد تبين أنه لم يكن مالكا له ، وليس ms0780 ~~من ضرورة ثبوت النسب منه عتق الولد ، كما لو وطئ أمة الغير بشبهة فولدت منه ~~، وهذا بخلاف ما لو أثبت دينا على رجل بالبينة ، فأجبر القاضي المدينة على ~~بيع أمته ، فباعها وأعتقها المشتري أو دبرها أو استولدها أو باعها ، ثم ظهر ~~أن شهود الدين كانوا عبيدا ، فإن هناك القاضي يبطل من تصرف المشتري ما ~~يحتمل النقض ولا يبطل من تصرفه ما لا يحتمل النقض ، لأن هناك أجبره على ~~تمليك مبتدأ فيكون بمنزلة الإكراه الباطل على البيع ، وها هنا ما أجبر من ~~في يده على التمليك ابتداء من الآخذ . يوضحه : أن إجبار القاضي هناك على ~~البيع إذا تصرف المشتري بعده بمنزلة إجبار المالك على ذلك التصرف بعينه ، ~~وما لا يحتمل النقض ينفذ من المكره إذا باشره على وجه لا يرد ، بخلاف ما ~~يحتمل النقض ، ولو كان القاضي هو الذي ولي بيع ذلك عليه أو أمينه ، ~~والمسألة على حالها ، فإنه ينقض جميع تصرفات المشتري ها هنا ، لأنه تبين أن ~~البيع كان موقوفا ، والبيع الموقوف لا يوجب الملك ، فلا ينفذ تصرفات ~~المشتري فيه قبل إجازة المالك ، وفي الأول البيع كان فاسدا ، لأن المالك ~~باشره ولكن لم يكن راضيا به والرضاء شرط صحة البيع ، فعند انعدامه يكون ~~البيع فاسدا ، وإن استولدها المشتري ها هنا فإنه يغرم عقرها وقيمة ولدها ، ~~ويكون الولد حرا ، لأن القاضي هو الذي باعها ، وكان بيعه في الصورة حقا ما ~~لم يتبين بطلان شهادة الشهود ، فكان المشتري في حكم المغرور ها هنا ، وولد ~~المغرور حر بالقيمة ، بخلاف ما تقدم في أخذ المأسور منه ، وإنما المأسور ~~منه نظير من ادعى أمة في يد رجل أنه كان وهبها منه ، وأنه يرجع فيها الآن ، ~~وأقام البينة ، فقضى القاضي له بها PageV04P1367 فأعتقها أو استولدها ، ثم ~~ظهر أن الشهود كانوا عبيدا فإنها مردودة على المقضى عليه مع ولدها وعقرها ، ~~ولكن يثبت نسب الولد من المدعي استحسانا ، لأن القاضي حين قضى بالرجوع في ~~الهبة فقد أعادها إلى قديم ملكه ، ولم يملكها ابتداء ، فكان هذا والمأسور ~~منه في ms0781 المعنى سواء . ولو كان ذو اليد اشترى العبد المأسور من المغانم ، أو ~~ممن وقع في سهمه ، فجاء رجل وأقام البينة أن أصله كان له ، فقبل قضاء ~~القاضي أعطى ذو اليد العبد بالثمن الذي اشتراه به صلحا ، ولم يقر أنه عبده ~~فأعتقه ، أو كانت أمة فاستولدها ثم أقام رجل البينة أنه عبده فزكيت بينته ~~ولم تزك بينة الأول ، فإن القاضي ينقض جميع ما صنع المدعي ويردها إلى من ~~كانت في يده ، ويقضي للذي زكيت بينته أن يأخذها مع ولدها بالثمن الذي أخذها ~~به الأول ؛ لأن ما جرى بين ذي اليد وبين المدعي الأول لم يكن تمليكا مبتدأ ~~وإنما كان على وجه الفداء لملكه القديم . فإذا لم يثبت ملكه القديم كان ذلك ~~باطلا ، والملك لا يثبت بغير سبب ، فلا ينفذ شيء من تصرفاته لانعدام الملك ~~في المحل ، ولكنه يغرم العقر فيسلم ذلك لذي اليد ؛ لأن العقر دراهم وهي لا ~~تفك بالفداء . PageV04P1368 ولو كان قتل الولد قبل أن تزكى بينة المدعي ~~والمسألة بحالها ، فقيمة الولد والعقر يكون سالما لمن كانت في يده ؛ لأن ~~القيمة دراهم أو دنانير كالعقر وباعتبارهما لا يسقط شيء من الثمن عن المالك ~~القديم ، لأنه ما لزمه فداء والفداء إنما يكون لأصل الملك ، وقد سلم له ذلك ~~حين أخذ الجارية . وهذا بخلاف ما إذا ادعى شفعة في دار فسلمها إليه ذو اليد ~~على دعواه ، ثم ظهر أنه لم يكن له فيها شفاعة ؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة ~~الشراء المبتدأ فكان ذلك تمليكا مبتدأ جرى بينهما بالتراضي فيكون نافذا ، ~~فأما إذا أخذ المأسور بالثمن لا يكون تمليكا ابتداء ولكنه أعادة إلى قديم ~~ملكه بالفداء الذي يعطى . ولو كان ذو اليد صدقه في أن الأمة أمته ، ~~والمسألة بحالها ، فإن القاضي لا يقضي للثاني بشيء ، وإن زكيت بينته فجميع ~~ما صنع الآخذ فيها نافذ ؛ لأن ذا اليد حين أقر له بالملك فقد أقر بنفوذ ~~تصرفه فيها من حيث الإعتاق والاستيلاء . ولو باشر ذلك بنفسه ، لم يكن للذي ~~أثبت الملك PageV04P1369 فيها بالبينة عليها سبيل بعد ms0782 ذلك ، فكذلك إذا أقر ~~ذو اليد بنفوذ ذلك فيها ، يوضحه أنه بهذا الإقرار سلطه على مباشرة هذه ~~التصرفات فيها وفعل المسلط على التصرف كفعل المسلط ، بخلاف ما تقدم فإن ~~هناك ما سلطه على شيء ، إنما ترك الخصومة ، وسلمها إليه باعتبار زعمه ، أنه ~~كان تملكها قبل الأسر ، وقد تبين أن ذلك كان باطلا ، ولو كان المقر له ها ~~هنا باعها أو رهنها لم يبطل به حق الذي يقيم البينة أنه كان يملكها قبل ~~الأسر ؛ لأن ذا اليد لو باشر هذا التصرف بنفسه لم يبطل به حق المأسور منه . ~~فكذلك إذا أقر بنفوذ هذا التصرف فيه ، بخلاف العتق والاستيلاد إلا أن ها ~~هنا ينقض القاضي بيع المقر له ويرده على ذي اليد حتى يأخذه المدعي بالثمن ~~الأول منه ، بخلاف ما إذا كان ذو اليد هو الذي باعها منه ؛ لأن هناك إنما ~~صدر البيع ممن يملكها ، وقد بينا أن المأسور منه يثبت له حق الأخذ بالثمن ~~أو بالقيمة من غير أن ينقض تصرفا ، وها هنا إنما صدر البيع ممن لم يكن ~~مالكا لها حقيقة ؛ لأن إقرار ذي اليد للمدعي الأول بأنه كان يملكها ، لم ~~يكن تمليكا منه PageV04P1370 ابتداء ، إلا أنه إذا اتصل به تصرف لا يمكن ~~نقضه ، كالإعتاق يبطل به حق المولى القديم في الأخذ وإذا اتصل به تصرف ، ~~يحتمل النقض لا يبطل به حق المولى القديم ، فينقض هذا التصرف ويرده إلى ~~الأول ، ليأخذه المولى منه بالثمن ، فإن حق الآخذ إنما يثبت بالفداء من ~~المالك لا من غير المالك ، ولو كان الآخذ أعتقها أو استولدها ثم تصادقوا ~~أنها لم تكن ملكا له ، وأنه كان ادعى باطلا ، فإن كان ذو اليد أعطاها إياه ~~على غير تصديق منه أبطل القاضي ما تصرف فيها الآخذ ما يحتمل النقض وما لا ~~يحتمل النقض في ذلك سواء ؛ لأن الحق لهم ، وقد تصادقوا أنه لم يكن مالكا ~~فتبطل جميع تصرفاته بتصادقهم عليه ، إلا أن نسب الولد يثبت من الواطئ ~~استحسانا لما قلنا فإن النسب بعد ثبوته لا يحتمل النقض ms0783 ، والنسب حق الولد ، ~~ولا يعتبر بتصادقهم في حقه . فإن كان باعها من غيره ، ثم تصادق على ذلك ~~المشتري الأول والآخر ، وكذب المشتري الثاني ، أو كذبت الأمة بعدما أعتقها ~~أو استولدها فإنه لا ينقض شيء من تصرف الآخذ ها هنا ؛ لأن تصادقهما ليس ~~بحجة في إبطال حق المشتري الثاني ، ولا في إبطال حق الجارية في العتق وفي ~~الاستيلاد ، ولكن الآخذ قد أقر على نفسه أنه أخذها PageV04P1371 بغير حق ~~وقد صار مستهلكا لها بتصرفه ، فيضمن قيمتها ، وإقراره حجة على نفسه فتقع ~~المقاصة بالثمن الذي أعطى . وليس عليه في الوطء عقر وولدها حر بغير القيمة ~~؛ لأن ضمان الغنيمة تقرر عليه من حين قبضها ، وذلك سبب لوقوع الملك له فيها ~~، فتبين بهذا الطريق أنه استولدها على ملكه . وإن كان ذو اليد صدقه بما قال ~~حين أعطاه ، ثم تصادقوا على أنها لم تكن للمدعي فإن الإعتاق والاستيلاد وكل ~~تصرف لا يحتمل النقض يكون نافذا فيها من الآخذ ؛ لأنهم تصادقوا على نفوذ ~~ذلك التصرف فيه في الابتداء ، وبعد نفوذ ذلك التصرف غير محتمل للنقض ، فلا ~~ينتقض بتصادقهم أيضا ، ولكن يغرم المدعي قيمة الأمة ، لما بينا أنه أقر ~~بأنه أخذها بغير حق ، وقد احتسبت عنده فيغرم قيمتها كما في الفصل المتقدم ~~إذا كذبتهما الأمة . ولو كان الآخذ باعها أو كاتبها ، ثم تصادقوا جميعا ~~فذلك كله باطل ، وهي مردودة على من كانت في يده ؛ لأن هذا التصرف محتمل ~~للنقض ، وقد تصادقوا على أن من باشره لم يكن مالكا لها ، فكان ذلك اتفاقا ~~منهم على بطلان هذا التصرف ، والحق لهم لا يعدوهم . فإن كان عبدا فكاتبه ، ~~واستوفى بعض بدل الكتابة ، PageV04P1372 ثم تصادقوا فإن المشتري من العدو ~~يسترد العبد مع ما أخذ منه المكاتب ؛ لأن ذلك كسب عبده ، كما لو تصادقوا ~~عليه فيكون هو أحق به . ولو كان أدى جميع المكاتبة ، ثم تصادقوا لم يرد ~~العتق الذي نفذ فيه لأنه لا يحتمل النقض بعد وقوعه ، ولكن يضمن المكاتب ~~قيمة المكاتب يوم أدى الكتابة لإقراره على نفسه ، فصار مستهلكا ملك الآخذ ms0784 ، ~~وإنما تحقق ذلك عند تحقق استيفاء بدل الكتابة . فلهذا يضمن القيمة ، معتبرا ~~بذلك الوقت إن كانت القيمة ازدادت ، وتكون المكاتبة للمأخوذ منه دون ~~المكاتب ، لإقراره أنه كسب عبده ، قد كان اكتسبه قبل أن يملكه هو بالضمان ؛ ~~لأنه إذا ضمن القيمة يوم استوفى المكاتبة ، فإنما يملكه من هذا الوقت ، ~~والكسب كان حاصلا قبله ، فيرده على المأخوذ منه . وإن كانت القيمة نقصت قبل ~~أداء المكاتبة فأراد أن يضمنه قيمته يوم قبضه منه فله ذلك ؛ لأن المكاتب قد ~~أقر بأنه قبضه لنفسه من غير حق فكان بمنزلة الغاصب له بزعمه . ثم تصير ~~المكاتبة للمكاتب ها هنا PageV04P1373 لأنه بالضمان ملكه من وقت القبض ها ~~هنا ، والكسب إنما حصل بعد ذلك ، فيكون له إذ الكسب يملك بضمان الأصل تبعا ~~له . وكذلك لو لم يكاتبه حتى مات العبد وقد اكتسب كسبا ، ثم تصادقا على ما ~~بينا ، فللمأخوذ منه أن يضمنه قيمته يوم قبضه ، ويكون الكسب للذي مات في ~~يده ، فإن كانت ازدادت قيمته ها هنا قبل الموت فأراد أن يضمنه قيمته زائدة ~~لم يكن له ذلك ؛ لأنه بمنزلة المغصوب في يده ، وإنما يضمن الغاصب قيمة ~~المغصوب إذا مات من وقت القبض ، إذ لا صنع له في الموت بخلاف ما تقدم ، ~~فهناك باستيفاء بدل الكتابة يصير مستهلكا له ، فكان له أن يضمنه قيمته ~~باعتبار الاستهلاك فإن الاستهلاك بعد الغصب يتحقق وكل واحد منهما سبب لوجوب ~~ضمان القيمة ، فله أن يضمنه بأي السببين شاء قال : وهذا بمنزلة ما لو اشترى ~~عبدا من رجل بشيء لا ثمن له كالخمر أو الميتة ، فقبضه ومات في يده ، والذي ~~أشار إليه رواية في أن المشتري بالميتة والدم يصير مضمونا بالقبض وإن كان ~~لا يصير مملوكا ، وهذا بخلاف ما أشار إليه في المبسوط ، فهناك قال : العقد ~~غير منعقد أصلا ، فبقي القبض بتسليم المال ، وذلك غير موجب للضمان على ~~القابض ، بخلاف المشتري بالخمر ، ولكن الأصح ما ذكر ها هنا ، PageV04P1374 ~~لأنه يقبضه على أنه له ، ومثل هذا القبض وإن حصل بإذن المالك يكون موجبا ~~ضمان ms0785 القيمة . ألا ترى أن هذا لا يكون دون المقبوض على سوم الشراء ، وذلك ~~مضمون بالقيمة ، وإن لم يصر مملوكا للقابض ، فهذا مثله . ولو كان دبر العبد ~~فاكتسب بعد التدبير مالا ، ثم تصادقوا ، فالتدبير لا يحتمل النقض كالإعتاق ~~، ثم للمأخوذ منه أن يضمن المدبر الأكثر من قيمته يوم قبضه أو يوم دبره ؛ ~~لأنه بالتدبير صار كالمستهلك له ، فإنه احتبس عنده بما جرى فيه من العتق ، ~~يعني العتق المضاف إلى ما بعد الموت ، وقد بينا أن الاستهلاك موجب للضمان ~~بعد القبض ، فكان له أن يضمنه بأي السببين شاء . والكسب يكون للضامن ؛ لأنه ~~حادث بعد التدبير وقد ملكه بالضمان من وقت القبض ، أو من وقت التدبير . وإن ~~كانت جارية فاستولدها فالجواب فيها كالجواب في المدبرة ، وإن كان دفعها ~~إليه في الابتداء ، على غير تصديق منه أنها له ، فدبرها أو استولدها أو ~~كاتبها ، فأدت ثم اكتسبت مالا ، ثم تصادق الآخذ والمأخوذ منه على أنها لم ~~تكن له في الأصل ، وكذبتهما الأمة ، فقد بينا أن تصادقهما في إبطال حق ~~الأمة في العتق بعد ما ثبت بالظاهر لا يكون معتبرا يبقى PageV04P1375 حكم ~~الضمان فيما بينهما ، فيكون للمأخوذ منه أن يضمن الآخذ أكثر القيمتين ؛ ~~لأنه صار حابسا لها مستهلكا بالتدبير أو الاستيلاد . وما اكتسبت بعد ذلك ~~فهو سالم للضامن ؛ لأنه ملكها بالضامن من حين تقرر عليه الضامن فيكون الكسب ~~الحادث بعد ذلك مملوكا له ، فإن قيل : كيف يكون الكسب له وهو مقر أنها أمة ~~المأخوذ منه ، وإن كسبها مملوك له ؟ ، قلنا : نعم ، ولكن القاضي كذبه في ~~هذا الإقرار حين قضى عليه بقيمتها ، والمقر متى صار مكذبا في إقراره يبطل ~~حكم إقراره ، ألا ترى أن المقر له لو كذبه بطل به إقراره ، فإذا كذبه ~~القاضي أولى ، وفرق في الكتابة بين هذا وبين ما سبق ، فهناك إذا تعذر رد ~~المكاتب بعد العتق بالداء ، وقد صدقهما ، قد بينا أنه يرد المكاتبة التي ~~قبضها وها هنا إذا تعذر رد المكاتبة بتكذيبه إياهما لم يلزمه رد المكاتبة ~~مع ضمان القيمة . لأن هناك ms0786 قد ثبت حق المأخوذ منه في ذلك الكسب لوجود ~~التصديق من المكاتب ، لولا العتق الذي نفذ فيه ، فعرفنا أن تعذر الرد إنما ~~كان باعتبار أنه اتصل به ما لا يحتمل النقض ، لا باعتبار تكذيب القاضي إياه ~~في ذلك فيقتصر الحكم على المحل الذي وجد فيه ما لا يحتمل النقض ، وذلك غير ~~موجود في المكاتبة المقبوضة ، وها هنا ما ثبت له الحق فيما اكتسبه بعد ~~الكتابة ، لأن المكاتب يكذبهما في ذلك . فلو كان هذا التصادق منهما قبل ~~استيفاء البدل لم يكن له على المكاتب ولا على كسبه سبيل ، فلهذا قلنا : ~~بأنه PageV04P1376 لا يلزمه رد المكاتبة عليه ها هنا ، ثم بهذا التقرير ~~تبين أنه إذا ازدادت القيمة ها هنا فإنه يضمنه القيمة ، يوم كاتب لا يوم ~~استوفى البدل ، لأن الاحتباس قد تحقق ها هنا ، بنفس الكتابة فلا يتصور ~~تكرره باستيفاء البدل ، وها هنا إنما يتحقق الاحتباس باستيفاء بدل الكتابة ~~، فيضمنه قيمته عند ذلك . وإذا تبين هذا يتضح به الفرق الأول ، فإنه إنما ~~يملكه بالضمان من حين يتقرر عليه ضمان القيمة ، وها هنا إنما تقرر عليه ~~ضمان القيمة بعقد الكتابة ، والمستوفى من المكاتبة كسب حادث بعد ذلك ، ~~فيكون سالما للضامن ، وهناك إنما ضمن قيمته من وقت الأداء ، والمستوفى كسب ~~كان حاصلا قبل ذلك ، ألا ترى أن المأذون المديون لو كاتبه مولاه فأدى فعتق ~~كان للغرماء أن يضمنوه قيمته يوم عتق ، لأن مالية الرقبة كان مستحقا لهم ~~بالدين ، وقد صار مستهلكا بقبضه بدل الكتابة ، فإن قبل ذلك كان لهم أن ~~يردوه عبدا فيبيعوه في دينهم . ثم يكون لهم أن يأخذوا المكاتبة إن لم تف ~~القيمة بديونهم ؛ PageV04P1377 لأن حقهم كان ثابتا في هذا الكسب ، لبقاء ~~حقهم في مالية الرقبة . ولو غصب عبدا قيمته ألف فصار يساوي ألفين في يده ، ~~ثم كاتبه الغاصب ، ولا يعلم أنه لغيره ، ثم صارت قيمته ثلاثة آلاف ، ثم أدى ~~فعتق ، ثم تصادق الغاصب والمغصوب منه على ما كان بينهما ، وكذبهما العبد ~~فإن القاضي يضمن الغاصب قيمة العبد يوم كاتبه ، لا يوم ms0787 أدى فعتق ؛ لأن ~~الاحتباس والاستهلاك قد حصل بنفس الكتابة ، ألا ترى انه لو لم يكن استوفى ~~المكاتبة لم يعمل تصادقهما في حق المكاتب ولم يكن للمغصوب منه عليه سبيل ، ~~فإذا ثبت أنه يضمن قيمته ، يوم كاتب ثبت أنه يملكه من ذلك الوقت ، فتكون ~~المكاتبة سالمة للغاصب لأنه استوفاها من كسب ، كان بعد تقرر الضمان عليه ، ~~فهو إيضاح لما سبق ، والله الموفق PageV04P1378 ؟ # | باب ما لا يكون فيئا وإن أحرز في أرض الحرب # مسلم غصب من مسلم عبدا ، ثم ارتد وأحرزه بدار الحرب معه ، ثم ظهر ~~المسلمون على المرتد فقتلوه ، وأخذوا ما معه ، فالعبد مردود على المغصوب ~~منه ، قبل القسمة وبعد القسمة بغير شيء ؛ لأن الآخذ كان ضامنا له ، ولا ~~يخرجه من ضمانه إحرازه ، فإذا لم يبرأ من ضمانه لم يكن محرزا له ومعنى هذا ~~الكلام من وجهين . أحدهما : أن ضمان الغصب يوجب الملك له عند تقرره عليه ، ~~وفيما انعقد له بسبب الملك لا يكون مستوليا عليه ، متملكا له على غيره ~~بطريق القهر . والثاني : أن رد العين قد لزمه بحكم الغصب ، على وجه إذا ~~تعذر يخلفه ضمان القيمة فيه . ثم بالردة واللحوق بدار الحرب لا يسقط عنه ما ~~لزمه من ضمان الرد ، ولا ما هو خلف عنه في ضمان القيمة ؛ لأن ذلك واجب في ~~ذمته ، والإحراز بدار الحرب لا يتحقق فيما في ذمته . فإذا أخذه المولى بعد ~~القسمة بغير شيء يعوض الذي PageV04P1379 وقع في سهمه قيمته من بيت المال ، ~~لاستحقاق نصيبه ، وكذلك لو كان ارتد قبل الغصب والمسألة بحالها ؛ لأنه ما ~~دام في دار الإسلام فهو مخاطب بحكم الإسلام ، بمنزلة المسلم ، فيكون ملتزما ~~ضمانه بالغصب . والمرأة إن كانت هي التي اغتصبت ثم ارتدت في هذا الحكم ~~كالرجل ، والذمي إذا نقض العهد ، بعد الغصب أو قبله ، في هذا الحكم كالمسلم ~~؛ لأنه ملتزم للضمان ، وإنما أورده هنا لأن الذمي الناقض للعهد يكون فيئا ، ~~والمرتدة بعد اللحاق بدار الحرب كذلك ، ومع ذلك المغصوب يكون مردودا على ~~المالك ، لأنهما حين أحرزاه لم يتملكا المغصوب لكونهما ضامنين ms0788 له ، فإذا ~~بقي على ملك المسلم حتى ظهر عليه المسلمون ، كان مردودا على صاحبه ، وإن ~~كان من في يده فيئا . ولو كان المرتد اللاحق بدار الحرب أو الذمي الناقض ~~للعهد ، خرج من دار الحرب فغصب مالا من مسلم أو ذمي فأدخله دار الحرب ثم ~~وقع الظهور على ما معه فذلك فيء ؛ لأنه صار من أهل الحرب حين التحق بهم ~~مرتدا أو ناقضا للعهد ، وغصب الحربي مال المسلم لا يكون موجبا للضمان عليه ~~، كما أن استهلاكه مال المسلم لا يوجب الضمان عليه ، بخلاف ما تقدم فهناك ~~حين غصب كان هو من أهل PageV04P1380 دار الإسلام ، لو استهلك المال كان هو ~~ضامنا له ، فكذلك إذا غصبه وإذا لم يكن ضامنا مطالبا بالرد يتم إحرازه له ~~فيصير مالكا ، ثم ظهور المسلمين على مال الحربي سبب لكون المال غنيمة ، فإن ~~وجده صاحبه قبل القسمة أخذه بغير شيء ، وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة . ~~لأنه بمنزلة ما لو كان المحرز غيره من أهل الحرب ، ألا ترى أنه لو أسلم في ~~هذا الفصل كان المال سالما له وفي الفصل الأول لو أسلم كان مأمورا برده على ~~صاحبه ، وهنا على قياس الاستهلاك أيضا فإنه لو استهلكه بعدما صار حربيا ، ~~ثم أسلم لم يكن عليه ضمانه ولو استهلكه قبل أن يصير حربيا ثم أسلم فهو ضامن ~~لصاحبه ، وكذلك لو أن حربيا دخل إلينا بأمان فاغتصب مسلما أو معاهدا مالا ~~فأدخله في دار الحرب ، ثم أسلم كان عليه أن يرده ، ولو وقع في الغنيمة كان ~~مردودا على صاحبه ، قبل القسمة وبعدها بغير شيء . بخلاف ما إذا خرج الحربي ~~مغيرا لا مستأمنا ؛ لأنه إذا كان مستأمنا فهو ضامن للمغصوب بالأخذ ، كما ~~يكون ضامنا لو استهلكه ، فلا يتم إحرازه فيه ، ولو خرج مغيرا لم يكن ضامنا ~~لما أخذه لأنه لو استهلكه لم يكن ضامنا له فيتم إحرازه فيه . ولو أن الغاصب ~~الذي هو ضامن لما دخل دار الحرب ومعه المغصوب ، غصبه منه غريه فاختصما فيه ~~إلى سلطانهم ، فمنع السلطان الغاصب الأول أن ms0789 يعرض للغاصب الآخر فيه ، ثم ~~أسلم أهل الدار فذلك المال للغاصب الآخر لا سبيل لأحد عليه ؛ PageV04P1381 ~~لأن إحرازه له قد تم حسا باعتبار أنه غلبه ، وحكما بقوة سلطانهم ، حين قصر ~~يد الغاصب الأول عن استرداده ، فصار هو مالكا له ، لأنه حربي حين أخذه فلا ~~يكون ضامنا بالغصب ، كما لا يكون ضامنا بالاستهلاك ولأنه لو أخذه من يد ~~المالك بهذه الصفة ، يصير متملكا بالإحراز بالدار ، وبقوة سلطانهم ، فكذلك ~~إذا أخذه من يد الغاصب من المالك ، ثم الغاصب الأول يضمن قيمته لصاحبه ؛ ~~لأنه تعذر عليه رد العين بعدما لزمه ذلك ، وضمان القيمة خلف عن رد العين ~~عند تعذره . ولو ظهر المسلمون على الدار فإن صاحبه يأخذه قبل القسمة بغير ~~شيء وبعدها بالقيمة إن شاء ؛ لأن هذا المال صار غنيمة ، كسائر الأموال التي ~~أخذت من الغاصب الثاني والحكم فيما صار غنيمة مما كان أصل الملك فيه لمسلم ~~ما بينا . ولو أن مسلمين مستأمنين ، أو أسيرين في دار الحرب ، اغتصب أحدهما ~~صاحبه شيئا ثم ارتد الغاصب ، ومنع المغصوب ، وتابعه على ذلك سلطان تلك ~~البلاد ، ثم أسلموا جميعا بعد ذلك ، فعلى الغاصب رد المغصوب على صاحبه ، ~~ولو ظهر المسلمون على الدار فهو مردود على صاحبه قبل القسمة وبعدها بغير ~~شيء ؛ لأن الغاصب ضامن لما أخذه ها هنا ، أما في المستأمنين فغير مشكل ، ~~لأن PageV04P1382 أحدهما لو استهلك مال صاحبه كان ضامنا كما لو قتله ، ~~فكذلك بالغصب يصير ضامنا ، وأما في الأسيرين فمن أصحابنا من يقول : هذا ~~الجواب قول محمد رحمة الله عليه ، لأن عنده الأسير كالمستأمن في حكم ضمان ~~نفسه ، إذا قتله مسلم ، فكذلك في حكم ضمان ماله ، فأما عند أبي حنيفة رضي ~~الله تعالى عنه لو قتل أحد الأسيرين صاحبه لم يضمن شيئا من بدل نفسه ، ~~فكذلك إذا غصب ماله لا يكون ضامنا له ، قال رضي الله تعالى عنه : والأصح أن ~~هذا قولهم جميعا ، لأن المسلم معتقد حكم الإسلام حيثما يكون ، فهو بهذا ~~الإعتقاد يكون مستوجبا رد العين ، وضمان القيمة عند تعذر رد العين ، خلف ms0790 عن ~~رد العين في محل معصوم متقوم ، وبالأسر لا يخرج ماله من أن يكون متقوما ~~وهذا لأن المسلم ، وإن كان أسيرا فهو من أهل دار الإسلام ، ألا ترى أن ~~زوجته التي في دار الإسلام لا تبين منه ، فيكون الإحراز في ماله باقيا حكما ~~باعتبار يده ، فلهذا كان الغاصب ضامنا له ، ومع كونه ضامنا لا يتم إحرازه . ~~ولو كانا أسما في دار الحرب ، والمسألة بحالها ، فإن أسلم أهل الدار قبل أن ~~يظهر المسلمون عليهم رد المغصوب على المغصوب منه ، لما بينا أنه بنفس ~~الإسلام صار ملتزما أحكام الإسلام ، ومن حكم الإسلام رد المغصوب على ~~المغصوب منه ، على ما قال صلى الله عليه وسلم : على اليد ما أخذت حتى ترد ، ~~وبعد ما وجب عليه رد العين لا يتم إحرازه له وإن ارتد وصار غالبا بقوة ~~سلطانهم ، فإن لم يسلموا حتى ظهر عليهم المسلمون ، فالغاصب فيء لمن أصابه ؛ ~~PageV04P1383 لأنه ما أحرز نفسه بدار الإسلام ، فلا يكون معصوما من ~~الاسترقاق بعد ما صار حربيا بالردة . بخلاف ما لو ارتد في دار الإسلام ولحق ~~بدار الحرب ، لأن هناك حربيته ، كانت متأكدة بالإحراز بالدار ، فلا يحتمل ~~الانتقاض بعد ذلك بحال . ولا سبيل للمغصوب منه على المال ، قبل القسمة ولا ~~بعدها ؛ لأن بمجرد إسلامه لم يصر ماله محرزا بالدار حقيقة ولا حكما إلا أنه ~~إذا وقع الظهور على الدار ، والمال في يده ، فيكون هو أحق به لسبق إحرازه ~~باعتبار يده ، وهذا لا يوجد فيما غصبه منه غيره ، ممن صار حربيا ، لأن ذلك ~~المال ليس في يده حقيقة ولا حكما ، فيكون غنيمة للمسلمين ، لا سبيل له عليه ~~، ومن أصحابنا من يقولك موضوع هذه المسألة فيما إذا كان الغاصب حربيا حين ~~غصبه ، فأما إذا كان مسلما ثم ارتد ، كما وضع عليه المسألة الأولى فلا يكون ~~الجواب كذلك ، ألا ترى أنه قال : الغاصب فيء لمن أصابه ، ولم يقل : إنه ~~يجبر على الإسلام ، ولو كان مراده أن يكون مسلما حين يغصبه ثم يرتد لكان ~~مجبرا على الإسلام فإما أن يقال : هذا ms0791 غلط وقع من الكاتب أو وضع في ~~المسلمين في الابتداء ، ثم ذهب وهمه إلى أنه وضع في حربي يغصب من المسلم ~~أسلم في دار الحرب ، فأجاب بما قال : وهذا لأن الحرية تتأكد بنفس الإسلام ، ~~على وجه لا يحتمل الانتقاض بعد ذلك بوجه من الوجوه ، فيقتل الغاصب إن لم ~~يسلم ، فأما أن يجعل فيئا فلا . PageV04P1384 ولو استودع مسلم مسلما شيئا ~~وأذن له إن غاب أن يخرجه معه ، فارتد المودع ولحق بدار الحرب ، فلحقه صاحبه ~~، وطلبه منه فمنعه ، واختصما فيه إلى سلطان تلك البلاد ، فقصر يد المسلم ~~عنه ، ثم أسلم أهل الدار فالوديعة للمودع لا سبيل لصاحبها عليها ؛ لأنه ما ~~كان ضامنا لها في دار الإسلام ، وحين منعها في دار الحرب كان هو حربيا لو ~~استهلكها لم يضمن ، فذلك إذا منعها ولأنه بهذا المنع يصير في حكم الغاصب ، ~~فكأنه غصبه منه الآن ابتداء ، فيتم إحرازه بقوة السلطان . فإن أسلم بعد ذلك ~~كان سالما له ، ولو وقع في الغنيمة رد على صاحبه قبل القسمة بغير شيء ~~وبعدها بالقيمة ، ولو كان غصبه في دار الإسلام ، والمسألة بحالها ، فإنه ~~مردود على المغصوب منه على كل حال ؛ لأنه كان ضامنا له في دار الإسلام ، ~~فلا يصير ضامنا بالمنع بعد الطلب في دار الحرب ، إذ الغصب بعد الغصب لا ~~يتحقق مع بقاء الأول ، فيجعل وجود هذا المنع كعدمه . وإن كان حين طلبه في ~~دار الحرب من الغاصب أعطاه إياه ثم وثب فأخذ منه ثانية وقصر السلطان يد ~~المغصوب منه عن الاسترداد ثم أسلم أهل الدار فهو سالم للغاصب ؛ لأن حكم ~~الغصب الأول قد انتهى بالرد على صاحبه ، ويسقط عنه ما كان PageV04P1385 ~~لزمه من رد العين ، فيكون أخذه الآن غصبا ابتداء ، وذلك غير موجب للضمان ~~عليه ، لأنه حربي في هذه الحالة ، فيصير محرزا له بهذا الغصب ، حين منعه ~~السلطان منه . وكذلك لو لم يكن الغاصب رده ولكن المغصوب منه قدر عليه فأخذه ~~، ثم خاصمه فيه الغاصب فرده عليه سلطان أهل الحرب ؛ لأنه أخذه منه فهذا ~~والأول سواء ، لأن ms0792 الغاصب برئ من ضمانه حين أخذه المغصوب منه من يده ، ~~فالتحق هذا المال بمال آخر ، أدخله مع نفسه ، فإذا غلب عليه الغاصب قوة ~~السلطان يصير محرزا له ، ولو أن رجلين أسلما في دار الحرب ، ثم غصب أحدهما ~~صاحبه شيئا وجحده ، فاختصما إلى سلطان تلك البلاد ، فسلمه للغاصب لكونه في ~~يده ، ثم أسلم أهل الدار ، والرجلان مسلمان على حالهما . فالمغصوب مردود ~~على المغصوب منه ؛ لأن رد العين مستحق على الغاصب ، بحكم اعتقاده ، فإسلام ~~أهل الدار لا يزيده إلا وكادة ، وبقوة سلطان أهل الحرب المسلم لا يصير ~~محرزا مال المسلم ولا متملكا لأنهما لو كانا في دار الإسلام لم يكن هو ~~متملكا بحكم سلطان المسلمين ، فكيف يصير متملكا بحكم سلطان أهل الحرب . وإن ~~لم يسلموا حتى ظهر المسلمون على الدار فالمغصوب فيء لمن أصابه ، ولا سبيل ~~عليه للمغصوب منه ، وإن PageV04P1386 أقام البينة ، لأن الغاصب لا يكون ~~محرزا لهذا المال أبدا ، والمغصوب منه إنما يكون محرزا باعتبار يده ، ولهذا ~~قلنا : إنه لا يكون محرزا عقاره ؛ لأن يده لا تكون متأكدة عليها ، ولا يكون ~~محرزا لما أودعه من حربي في قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وإنما يكون ~~محرزا لما في يده ، أو لما أودعه مسلما ، أو معاهدا باعتبار أن يد ذي اليد ~~معتبرة محترمة صالحة للإحراز بها ، وهي قائمة مقام يده ، وهذا المعنى لا ~~يوجد في يد الغاصب منه ، لأنها وإن كانت محترمة فهي ليست بقائمة مقام يده ، ~~فيلتحق هذا المال بما ليس في يد أحد أصلا فيكون فيئا . ألا ترى أنه بعد ما ~~أسلم لو خرج إلى دارنا وخلف ماله في دار الحرب ثم ظهر المسلمون على الدار ، ~~كان جميع ذلك المال فيئا إلا ما أودعه مسلما أو معاهدا ، ولا سبيل له عليه ~~، قبل القسمة ولا بعدها . لأن ذلك حكم يبتنى على إحراز المال بدار الإسلام ~~، ولم يوجد وهذا كله قياس قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأما على قول ~~محمد رحمه الله تعالى كل ذلك مردود عليه ، قبل القسمة ms0793 وبعدها ، إلا شيئا ~~غصبه منه حربي وجحده ومنعه منه بقوة سلطان أهل تلك البلاد ، فإن إحراز ~~الحربي لذلك المال عليه يتم بقوة السلطان ، فيصير متملكا له ، فأما ما سوى ~~ذلك كله مال المسلم فهو مردود عليه ، سواء كان في يده أو في يد غاصبه ~~المسلم ، أو في يد مودعه وهو حربي ، وقد تقدم بيان هذه المسألة . والله ~~أعلم . PageV04P1387 # | باب الوكالة في الفداء في العبد المأسور # ولو أن المأسور منه العبد وكل رجلا بأن يأخذه له بالثمن من يد المشتري من ~~العدو فذلك جائز ؛ لأنه يملك أخذه بنفسهن فيملك إقامة الغير فيه مقامه ، ~~وبعد ما قام مقامه كان له أن يخاصم فيه حتى يأخذه بالثمن . فإذا أخذه كان ~~الثمن على الوكيل للذي اشتراه من أهل الحرب ؛ لأن حق قبض العبد إليه فيكون ~~وجوب تسليم الفداء عليه أيضا ، وهذا لأنه هو المباشر للعقد ، وحقوق العقد ~~تتعلق بالعاقد ، والعاقد فيما هو من حقوق العقد بمنزلة العاقد لنفسه كما في ~~الوكيل بالشراء ابتداء ، فإن قيل : هذا في الشراء يستقيم باعتبار أن الوكيل ~~يباشر سبب ملك مبتدأ ، فيجعل كأن الملك ثبت له ابتداء أو ثبت للموكل على ~~وجه الخلافة عليه ، بحكم عقده ، وهذا المعنى لا يوجد ها هنا ، لأن العبد ~~يعود إلى قديم ملك المأسور منه ، فينبغي أن يجعل الوكيل ها هنا كالمعبر عنه ~~، فلا يتعلق به حقوق العقد ، قلنا : هذا في حق المأسور منه إعادة إلى قديم ~~ملكه كما قلتم ، فأما في حق المشتري من العدو وفي حق الوكيل ، هذا بمنزلة ~~الشراء ابتداء ، لأن الوكيل أضاف العقد إلى نفسه ، فإنه قال : أعطني هذا ~~العبد بالثمن الذي اشتريته به ، أو قال : PageV04P1388 أعطني لفلان فلا ~~يكون هو معبرا عنه في موضع يكون مستغنيا عن إضافة العقد إليه ، حتى لو أضاف ~~العقد إليه ، بأن قال : أعط فلانا بالثمن الذي أخذته به ، نقول : بأن يكون ~~المال على الآمر ، وحق قبض العبد إليه ، لأنه جعل نفسه معبرا عن العبد ~~فيكون بمنزلة الرسول لا يلحقه العهدة ، ونظيره الوكيل بالصلح إذا ms0794 قال : ~~صالحني من دعواك الدار التي في يد فلان على كذا ، فإنه يكون المال على ~~الموكل ليس على الوكيل منه شيء ، وكان المعنى فيه وهو أن هذا العقد أخذ ~~شبها من أصلين ، من الشراء المبتدأ باعتبار أنه يستغني عن الإضافة إلى ~~الغير ، وباعتبار أن المشتري من العدو يزيل ملكه بما يأخذه من العوض ابتداء ~~وشبها من الخلع والصلح عن دم العمد ، فيوفر حظه على الشبهين فنقول : لشبهة ~~بالشراء إذا أضاف العقد إلى نفسه كان هو المطالب بالعوض وكان حق القبض إليه ~~، ولشبهه بالخلع والصلح عن دم العمد إذا أضاف العقد إلى المولى القديم كان ~~هو معبرا عنه ، فيكون المطالب بالثمن هو الموكل وحق القبض إليه ليس على ~~الوكيل من ذلك شيء . فإن دفع الوكيل الثمن وقبض العبد ، فدفعه إلى الآمر ، ~~ثم وجد به الآمر عيبا ، قد كان حدث بعدما أسر من يد مولاه فالذي يخاصم في ~~العيب هو الوكيل ؛ لأن الرد بالعيب من حقوق العقد ، والوكيل في حقوق هذا ~~العقد بمنزلة العاقد لنفسه ، والحاصل أنه جعل هذا بمنزلة الشراء ابتداء في ~~حكم الرد بالعيب ، حتى لا يكون بين الآمر وبين المأخوذ منه خصومة سواء كان ~~PageV04P1389 الوكيل حاضرا أو غائبا ، ولكن الوكيل هو الذي يخاصم ويرد ~~بالعيب ويسترد الثمن . فإذا ادعى المأخوذ منه أن العيب حادث بعدما أخذ منه ~~فالقول قوله مع يمينه ؛ لأن الظاهر شاهد له ، فإن الحادث يحال بحدوثه على ~~أقرب الأوقات ، حتى يثبت دليل الإسناد فيه إلى وقت حادث . وبعدما قبض الآمر ~~العبد ليس للوكيل أن يخاصم في عيبه إلا بأمر الآمر ؛ لأنه يخاصم للرد وهو ~~يحتاج في ذلك إلى إخراجه من يد الآمر ، فلا يملك ذلك إلا بأمره . وإن كان ~~العبد في يد الوكيل لم يدفعه إلى الآمر ، بعدما كان له أن يرده من غير أمر ~~الآمر ، وبعدما رده ليس للآمر أن يأبى ذلك ، لأنه بمنزلة الوكيل بالشراء ~~وهذا الحكم في الوكيل بالشراء وقد قررناه في البيوع من شرح المختصر . فإن ~~ادعى المأخوذ منه أن العيب كان ms0795 عند الآمر قبل الأسر فالقول قول الوكيل مع ~~يمينه ؛ لأن المأخوذ منه أدعى في العيب ها هنا ، تاريخا سابقا ، فلا يقبل ~~قوله إلا بحجة ، فيكون القول قول المنكر لذلك مع يمينه . PageV04P1390 فإذا ~~حلف الوكيل رده بالعيب ، حضر الآمر أو لم يحضر ، إلا أن يقيم المأخوذ منه ~~البينة على ما ادعى ، فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصمين ، ~~وإنما على المأخوذ منه أن يعيده إلى قديم ملكه على الوجه الذي أخذ منه ، ~~وقد وجد ذلك ، وإن لم يكن له بينة فاستحلف الوكيل فأبى أن يخلف لزم ذلك ~~الآمر ؛ لأن الوكيل ملجأ إلى هذا ، فإنه لا يمكنه أن يحلف كاذبا إذا كان ~~عالما بأن العيب كان عند الآمر ، وإنما لحقته هذه الضرورة في عمل باشره ~~لغيره ، فهو نظير الوكيل بالبيع يرد عليه بالعيب يأبى اليمين . فإن أقر ~~الوكيل أن العيب كان عند الآمر ، وجحد الآمر فللآمر أن يلزم الوكيل إن شاء ~~؛ لأنه غير ملجأ إلى هذا القرار لتمكنه ، من أن يسكت حتى يعرض عليه اليمين ~~ويقضي بنكوله ونظيره الوكيل بالبيع إذا رد عليه بعيب يحدث مثله بإقراره . ~~فإن أقام الوكيل البينة أن العيب كان عند الآمر لزم العبد الآمر ؛ لأن ~~الثابت بالبينة كالثابت بإقرار الآمر ، والوكيل خصم في إثبات ذلك لحاجته ~~إلى أن يبرئ نفسه من العهدة . PageV04P1391 ولو أن الوكيل أبرأ المأخوذ منه ~~من العيب الحادث عنده صح إبراؤه في حقه ؛ لأنه كالعاقد لنفسه في الخصومة في ~~هذا العيب ، فكذلك في الإبراء عنه إلا أن الآمر بالخيار إن شاء رضي بما رضي ~~به الوكيل فيأخذ العبد ، وإن شاء ألزمه الوكيل ، لأن إسقاطه صحيح في حق من ~~عامله ، ولا يصح في حق الموكل ، وهو في هذا الحكم نظير الوكيل بالشراء إذا ~~رضي بالعيب بعد الشراء ، وأبى الموكل أن يرضى به ، وهذا لأنه يثبت للآمر حق ~~الرد على الوكيل ، وللوكيل حق الرد على المشتري من العدو ، فإنما يعمل رضاء ~~الوكيل في إسقاطه حقه لا في إسقاطه حق الآمر فإن قيل : كيف يملكه الوكيل ~~بالثمن وحكم ms0796 هذا العقد وعوده إلى قديم ملك المأسور منه لا ثبوت الملك فيه ~~ابتداء لأحد ؟ قلنا : ما كان من حكم العقد فقد تم لأنه عاد إلى قديم ملك ~~المولى ، إلا أنه بما حدث من إباء الآمر الرضاء بالعيب ، ورضاء الوكيل به ~~يصير الآمر كأنه ملكه من الوكيل بما يغرمه من الثمن ، فلهذا كان الملك ~~للآمر ، وفي الوكيل بالشراء هكذا يكون ، فإن الوكيل إنما يتملكه على الآمر ~~على البائع . ولو كان الآمر قبض العبد وغاب ، ثم جاء الوكيل به ليرده ~~بالعيب ، فقال المأخوذ منه : لم يأمرك الآمر برده بالعيب ، وقال الوكيل : ~~قد أمرني ، فالقول قول المأخوذ منه ؛ PageV04P1392 لأن أمره إياه بالرد ~~عارض يدعيه الوكيل وخصمه منكر ، متمسك بما هو الأصل ، فالقول قول المنكر مع ~~يمينه ، على علمه ، لأنه استحلاف على فعل الغير . وإن قال المأخوذ منه أريد ~~يمين الوكيل أن الآمر قد أمره بالرد ، فلا يمين على الوكلي ؛ لأنه مدع ~~فعليه البينة ، وإنما اليمين في جانب المنكر ، فلا يجوز تحويلها عن موضعها ~~. ولو ثبت الأمر فقال المأخوذ منه : قد رضي الآمر بالعيب وكذبه الوكيل ~~فالقول قول الوكيل ؛ لأن المأخوذ منه ها هنا يدعي شيئا عارضا وهو رضاء ~~الآمر بالعيب . ولو ادعى الرضاء على الوكيل كان القول قول الوكيل لإنكاره ، ~~فكذلك إذا ادعى الرضاء على الآمر ، لا يمين على الوكيل في ذلك ؛ لأن الرضاء ~~مدعى على غيره وهو الآمر . فلو استحلف الوكيل كان على وجه النيابة ولا ~~نيابة في اليمين ، لأن الآمر لا يحلف بهذه الدعوى لو كان حاضرا ؛ لأنه ما ~~عامل المأخوذ منه بشيء حتى يحلف ، فإذا كان لا يحلف من ادعى الرضاء عليه ~~فكيف يحلف غيره على ذلك ؟ ! PageV04P1393 وإن ادعى الرضى على الوكيل وأراد ~~يمينه فله ذلك ؛ لأنه ادعى عليه ما لو أقر به لزمه وقد بينا أنه في هذا ~~الخصومة كالعاقد لنفسه . فإذا جحد الرضى بعدما ادعى عليه ذلك استحلف فإن ~~نكل لزمه العبد ثم الآمر بالخيار ؛ لأنه بنكوله صار راضيا بالعيب ، إما ~~بطريق البدل أو بطريق الإقرار به إن ms0797 كان أقام المأخوذ منه البينة ، أن ~~الآمر قد رضي بالعيب وهو غائب فقبلت بينته لأن الثابت بالبينة كالثابت ~~بالمعاينة أو باتفاق الخصمين فإن حضر الآمر وجحد الرضاء لم يلتفت إلى ذلك ، ~~لأن الوكيل خصم عنه ، وبعدما ثبت رضاه بالبينة على خصمه لا يلتفت إلى جحوده ~~. ولو كان الوكيل عالما بالعيب حين أخذه فهو لازم للآمر ، سواء كان العيب ~~مستهلكا للعبد كالعمى أو غير مستهلك للعبد ، في قول أبي حنيفة رضي الله ~~تعالى عنه وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إن كان العيب غير ~~مستهلك فكذلك الجواب ، وإن كان مستهلكا للعبد لم يلزم الآمر إلا أن يشاء ، ~~وهذا نظير الوكيل بالشراء إذا اشترى الأعمى بمثل ثمنه ، والخلاف فيه معروف ~~، إلا أن هناك شرط أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه أن يكون شراؤه بمثل ثمنه ، ~~لأن تصرف الوكيل في PageV04P1394 الغبن الفاحش في الشراء لا يلزم الآمر وها ~~هنا الثمن مسمى ، وهو ما أخذه به المشتري من العدو ، فيلزم الآمر إذا أخذه ~~بذلك الثمن على كل حال ، وعندهما هناك العقد ينفذ على الوكيل إذا تعذر ~~تنفيذه على الموكل ، وها هنا لا ينفذ على الوكيل لأنه يأخذه بغير رضى ~~المشتري من العدو ، باعتبار قديم الملك ، وقديم الملك كان للآمر لا للوكيل ~~، فإذا تعذر تنفيذه على الآمر كان باطلا ، بخلاف ما تقدم ، وهو إذا علم ~~بالعيب فرضي الآمر به فإن هناك قد عاد إلى قديم ملكه ، وتم موجب ذلك العقد ~~ثم الآمر يلزمه الوكيل باعتبار أنه لا يرضى بعيبه ، فيكون ذلك بمنزلة ~~التمليك منه ابتداء بعوض . ولو قال رجل للمشتر من العدو إن مولاه وكلني ~~بأخذه منك بالثمن ، فدفعه إليه بقضاء أو بغير قضاء ثم حضر المولى فجحد ذلك ~~، فالقول قوله مع يمينه ؛ لأن الآمر مدعى عليه ، وهو منكر ، فالقول قوله ~~لإنكاره ، ولو أقر به لزمه أخذ الوكيل له ، فإذا أنكر استحلف عليه . فإن ~~حلف رجع العبد إلى المشتري ، وليس للوكيل أن يقول آخذه لنفسي ؛ لأنه ما ~~أخذه ابتداء على وجه التملك ، بل ms0798 على وجه الإعادة إلى قديم ملك المولى ~~بالفداء ، فإذا تعذر ذلك بطل أخذه بخلاف مدعي الوكالة من جهة الشفيع بالأخذ ~~له بالشفعة ، إذا أخذه ثم أنكر الشفيع الوكالة فإن المأخوذ يكون للوكيل ~~بذلك الثمن ، لأنه أخذه على وجه التملك ابتداء بعوض ، فإن PageV04P1395 ~~الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء المبتدأ ، فإذا تعذر تنفيذه على الموكل بجحوده ~~كان نافذا على الوكيل . وإن أقام الآخذ البينة أن المأسور منه وكله بأخذه ~~كان الثابت من الآمر بالبينة كالثابت بإقرار الخصم ، فيكون العبد للآمر ، ~~وحكم العهدة فيه كما بينا في الفصل الأول . ولو أن أجنبيا وكل رجلا بأن ~~يشتري العبد المأسور من المشتري من العدو ، فاشتراه بثمن معلوم ، ثم حضر ~~المولى فليس له أن ينقض البيع الثاني ، ولكن يأخذه بالثمن الثاني أو يدع ؛ ~~لأن الشرع أثبت له حق الأخذ بالفداء ، من غير أن ينقض تصرفا سبق أخذه ، كما ~~قررنا . فإن وجده في يد الوكيل بالشراء فله أن يأخذه منه بالثمن ، وإن كان ~~الموكل غائبا ؛ لأن الوكيل ما دام العبد في يده في حكم المشتري لنفسه ، ثم ~~البائع من الموكل ولهذا يحبسه عنه بالثمن إذا نقده من مال نفسه ، ويكون له ~~أن يرده بالعيب من غير استطلاع رأي الموكل . PageV04P1396 وإن كان الوكيل ~~قد دفعه إلى الموكل فلا سبيل للمولى القديم عليه ، ولكنه يتبع الموكل فيأخذ ~~منه العبد ويدفع إليه الثمن ؛ لأن حكم يد الوكيل قد انتهى بالتسليم إلى ~~الآمر ، ولهذا لا يرده بالعيب إلا برضاء الآمر ، ولا يحبسه عنه بالثمن بعد ~~ذلك ، وهو أنه يخاصم ذا اليد لأنه إنما يخاصم ليأخذه وإنما يتمكن من الآخذ ~~ممن في يده . فإن حضر بعدما اشتراه الوكيل قبل أن يقبضه من المشتري من ~~العدو ، فليس له أن ينقض شراء الوكيل قصدا ولكن يكون له أن يأخذه من يد ~~المشتري من العدو ، بالثمن الذي اشتراه به الوكيل إن شاء ؛ لأنه صادفه في ~~يده ، فيكون له أن يأخذه منه ، بمنزلة الشفيع يأخذ بالشفعة من يد البائع ~~بالثمن ، قبل أن يسلمه إلى المشتري ، إلا أن ms0799 هناك يشترط حضرة المشترى ، ~~لأنه يتملكه بالأخذ ابتداء وهو ملك المشتري وههنا المولى لا يتملكه ابتداء ~~ولكن يعيده إلى قديم ملكه ، فلا يشترط حضور غير ذي اليد لأخذه ، وإذا أخذه ~~من يده كانت عهدته عليه ، لأن بأخذه فات القبض المستحق بالعقد الذي كان ~~بينه وبين الوكيل ، فينتقض ذلك العقد من الأصل فيما بينهما حكما لأخذه ، ~~ويلتحق هذا بما لو أخذه قبل شراء الوكيل وهذا هو الحكم في الشفيع أيضا إذا ~~أخذه من يد البائع ، وإن كان الوكيل قد قبضه ، فأخذه من يده فعهدته عليه ، ~~وكذلك إن كان سلمه إلى الموكل فأخذه من يده فعهدته عليه . PageV04P1397 فإن ~~وجد به عيبا كان حادثا به بعدما أسر من يده ، فرده بقضاء قاض ، فإن كان رده ~~على الموكل أو على الوكيل فهو على الموكل ؛ لأنه بهذا الرد انفسخ قبضه ، ~~فيعود الحكم على ما كان قبل قبضه وإن كان أخذه من المشتري من العدو فإنه ~~يعود بالرد إليه ، ولا سبيل للموكل ولا الوكيل عليه في أخذه ، لما بينا أن ~~العقد الذي جرى بينهما قد انتقص بفوات القبض المستحق له ، فلا يعود إلا ~~بالتجديد ونظيره الشفعة . وإن كان رده على الوكيل بغير قضاء قاض فهو للوكيل ~~؛ لأن هذا بمنزلة الشراء المبتدأ في حق الموكل ، فلا يلزمه حكمه . ولو كان ~~المولى القديم وكل وكيلا بأخذه من المشتري من العدو بالثمن فأخذه ، وهلك في ~~يده ، قبل أن يسلمه إلى الموكل ، فهلاكه على الموكل ؛ لأن الوكيل يقبض له ~~فيده كيده ، ما لم يمنعه منه ، وإن هلك في يد المشتري من العدو قبل أن ~~يقبضه الوكيل فقد انتقض حكم ذلك الأخذ ، ويرجع الوكيل بالثمن على المشتري ~~من العدو فيدفعه إلى الآمر ، إن كان PageV04P1398 أعطاه من ماله ، ويسلم من ~~ماله إن كان أعطاه من مال نفسه ، وإن توى الثمن على الذي أعطاه لم يكن له ~~أن يرجع على الموكل بشيء . لأنه في إعطاء الثمن من مال نفسه ، كان عاملا له ~~، وإنما كان عاملا لنفسه في إسقاط المطالبة عنه ، فإن المطالبة بالثمن ms0800 ~~توجهت عليه دون الآمر . وبهذا كان له أن يحبسه من الآمر إذا قبضه ، حتى ~~يستوفي منه الثمن لنفسه ، فإن هلك بعد الحبس هلك من مال الوكيل وبطل الثمن ~~عن الوكيل ؛ لأنه حين منعه فكأنه هو الذي أعطاه إياه بالثمن ، وقد عرف هذا ~~الحكم في الوكيل بالشراء فهذا قياسه . وإن تعيب في يد الوكيل بعدما منعه ~~فالمولى القديم بالخيار ، إن شاء أخذه بجميع الثمن ، وإن شاء ألزمه الوكيل ~~بالثمن ؛ لأن الوكيل في حقه بعدما منعه قام مقام المشتري من العدو ، ولهذا ~~استوى الحكم بين ما إذا تعيب بصنيع الوكيل ، وبين ما إذا تعيب بغير صنيعه ، ~~كما يستوي في حق المشتري من العدو ، بخلاف الوكيل بالشراء في هذا الفصل ، ~~فإنه إذا عيبه بعدما منعه سقطت حصة العيب من الثمن عن الموكل ، لأن الوكيل ~~في هذا قائم مقام البائع ، ومعنى الفرق أن الموكل إنما يأخذه ها هنا ~~بالفداء ، ليعيده إلى قديم ملكه . فكان الفداء ، بمقابلة الأصل دون الوصف ، ~~PageV04P1399 فسواء فات الوصف بصنع مكتسب أو لا بصنع أحد لا يسقط شيء من ~~الفداء ، بخلاف الشراء المبتدأ فإن الوصف يأخذ حظا من الثمن في الشراء إذا ~~صار مقصودا بالتناول . ولو أن الوكيل أقام المشتري من العدو لم يجز ذلك على ~~الموكل ؛ لأن بأخذه عاد إلى قديم ملك الموكل ، فليس للوكيل أن يخرجه عن ~~ملكه بعقد ينشئه من غير رضاه ، والإقالة في حقه بمنزلة البيع المبتدأ . ولو ~~كان المشتري من العدو وكل رجلا بأن يدفعه إلى مولاه بالثمن فهذا جائز ولا ~~وكيل هو المؤاخذ بالعبد حتى يسلمه إليه ، وهو الذي يأخذ الثمن من المولى ~~بمنزلة الوكيل بالبيع ، وهذا الحكم في الفصل أظهر لما بينا أن المشتري من ~~العدو يزيل ملكه بعوض ، فهذا التصرف في حقه بمنزلة البيع المبتدأ وإن كان ~~في حق المولى هو إعادة إلى قديم ملكه بالفداء . ولو أن المشتري من العدو ~~باع العبد من إنسان بجارية ولم يتقابضا حتى حضر المولى القديم فله أن يأخذه ~~ممن في يده بقيمة الجارية ؛ لأنه ليس له ms0801 حق نقض التصرف ، فإنما يأخذه بمثل ~~الثمن الثاني ، والجارية PageV04P1400 ليست من ذوات الأمثال فيأخذها ~~بقيمتها ، كالشفيع ثم ينتقض البيع فيما بين البائع والمشتري الآخر ، لفوات ~~القبض المستحق بالعقد ، فتبقى الجارية على ملك المشتري الآخر ، وقيمتها ~~للمشتري من العدو ، وعهدة المولى على المشتري من العدو وإن كان حضر بعد ~~التقابض ، أو بعد ما قبض العبد قبل أن يسلم الجارية أخذه بقيمتها من ~~المشتري الآخر وعهدته عليه وكانت الجارية للمشتري من العدو لأن البيع ~~بينهما باق قد انتهى بقبض العبد . فإن وجد المشتري من العدو بالجارية عيبا ~~ردها على المشتري الآخر ، وأخذ منه قيمة الجارية التي أخذها ليس له غير ذلك ~~؛ لأن حق المشتري من العدو في قيمة الجارية . ألا ترى أنه لو أخذه المولى ~~منه أخذه بقيمة الجارية ، ولو رد الجارية بالعيب قبل أن يأخذ العبد من ~~المشتري الآخر واسترد العبد ثم حضر المولى كان له أن يأخذه بقيمة الجارية ، ~~فإن مناقضتهما البيع لا يسقط حق المولى كان له أن يأخذه بقيمة الجارية ، ~~إذا كان الرد بالعيب بغير قضاء القاضي ، فعرفنا أن حقه في قيمة الجارية ، ~~والمشتري قادر على تسليم قيمة الجارية إليه ، فلا يلزمه شيء آخر . ونظير ~~هذا الشفعة ، وقد بينا هناك أن بدل الدار كانت جارية قبل أخذ الشفيع ، ~~فيأخذه بتحويل إلى قيمة الجارية ، وكذلك بدل الجارية بعد أخذ الشفيع الدار ~~قيمتها فكذلك في هذا الموضع . PageV04P1401 وإن كان رد الجارية بقضاء ~~القاضي قبل أن يأخذ المولى العبد ، واسترد العبد ثم حضر المولى ، فإنه ~~يأخذه من المشتري من العدو بالثمن الأول ؛ لأن البيع الثاني حين انتقض ~~بقضاء القاضي صار كأن لم يكن ، وهذا بخلاف الشفعة فإن هناك لو جعلنا الذي ~~جرى بين البائع والمشتري كأن لم يكن بطل حق الشفيع ، وهما لا يملكان إبطال ~~حق الشفيع بعدما ثبت حقه في الأخذ ، وها هنا حق المولى القديم لا يبطل ، ~~وإن جعلنا البيع الثاني كأن لم يكن ، وكذلك لو كان المشتري الآخر هو الذي ~~وجد العيب بالعبد فرده على التفصيل الذي قلنا ms0802 . ولو تقايلا أخذ المولى عبده ~~بقيمة الجارية إن شاء ؛ لأن الإقالة في حقه كالبيع المبتدأ وقد بينا أن حق ~~الأخذ يثبت له من غير أن ينقض تصرفا فإنما يأخذه بآخر الأثمان . ولو كان ~~المشتري الآخر قبض العبد ولم يره ، أو شرط الخيار لنفسه ، ثم حضر المولى ~~فله أن يأخذه من يده بقيمة الجارية ؛ لأنه صادفه في يده ، فإن أخذه ~~فالمشتري الآخر بالخيار ، إن شاء PageV04P1402 سلم الجارية للمشتري من ~~العدو ، وكانت له القيمة التي أخذها من المولى ، وإن شاء سلم القيمة إليه ، ~~وأخذ منه الجارية في خيار الشرط ، وفي خيار الرؤية الجارية تسلم للمشتري من ~~العدو ، فيكون قيمتها للمشتري الآخر . لأن في خيار الرؤية قد كان مالكا ~~راضيا بالعقد ، إلا أنه كان متمكنا من الرد للجهل بأوصاف المعقود عليه ، ~~وقد تعذر رده حين أخذه المولى من يده ، فيسقط خياره ، وأما خيار الشرط فقد ~~كان مانعا خروج الجارية من ملكه ، لأن خياره فيها خيار البائع ، وأما خيار ~~الشرط فقد كان مانعا خروج الجارية من ملكه ، لأن خياره فيها خيار البائع ، ~~فهو يعدم رضاه ، بتمليك الجارية عليه ، فبعدما أخذ العبد من يده يبقى هو ~~على خياره ، فإن شاء أمضى العقد في الجارية وسلمها إليه ، وإن شاء فسخ ~~العقد فيها ، ورد قيمة الجارية ، لما بينا أن بأخذ المولى القديم العبد ~~تعين حق المشتري من العدو في قيمة الجارية . وإن لم يختر شيئا حتى مضت مدة ~~الخيار فالجارية للمشتري من العدو ؛ لأن بمضي المدة سقط خياره ، ويتم البيع ~~فيها ، فيلزمه تسليمها ، وتكون القيمة للمشتري الآخر . ولو كانا تبايعا ، ~~ولم يتقابضا حتى رد المشتري الآخر العبد بخيار الرؤية ، أو خيار الشرط أو ~~خيار العيب ، ثم حضر المولى القديم ، فله أن يأخذه من المشتري من العدو ~~بالثمن الأول ، الذي اشتراه به من العدو ؛ لأن بالرد بهذه الأسباب قد انتقض ~~البيع الثاني من الأصل ، فصار كأن لم يكن . PageV04P1403 ولو لم يفسخ ~~المشتري الآخر العقد حتى حضر المولى القديم فأخذ العبد من المشتري من العدو ~~بقيمة الجارية ، فإن القيمة ms0803 تكون للمشتري من العدو عليه رد الجارية على ~~المشتري الآخر إن كان قبضها منه ، لما بينا أن العقد الثاني قد انتقض لفوات ~~القبض المستحق به ، سواء كان فيه خيار أو لم يكن فإن قضى القاضي للمولى ~~بالعبد بقيمة الجارية ، ثم رأى به عيبا حادثا بعدما قبضه ، أو قبل أن يقبضه ~~، فرده فلا سبيل للمشتري الآخر على العبد ، لأن بنفس القضاء به للمولى ~~بقيمة الجارية قد انتقض البيع الثاني فيما بينهما ، فلا يعود إلا بالتجديد ~~، وهو نظير الشفعة في هذا الفصل ، فإن قضاء القاضي للشفيع بالشفعة على ~~البائع يتضمن نقض البيع فيما بين البائع والمشتري حتى لا يعود ، وإن رده ~~الشفيع بالعيب . ولو كان المولى القديم وكل رجلا بأخذه من المشتري من العدو ~~بالثمن فقال الوكيل للمشتري : أعطه فلانا بالثمن ، وقال : قد فعلت ، فالثمن ~~على الآمر ها هنا ، دون الوكيل ؛ لأنه جعل نفسه ها هنا سفيرا ولا عاقدا ~~بخلاف ما لو قال : أعطنيه . ولو قال : أعطه فلانا بالثمن على أني ضامن لك ~~الثمن ، أو أعطه إياه بثمنه من مالي ، فالثمن لازم للوكيل ؛ لأن إضافة ~~العقد إلى مال نفسه أو اشتراط الضمان على نفسه بمنزلة إضافة العقد إلى نفسه ~~أو أقوى منه ، أما بيان أنه بمنزلة إضافة العقد إلى نفسه في PageV04P1404 ~~الوكيل بالصلح فإنه لو قال : صالح فلانا من هذه الدار على ألف ردهم على أني ~~لها ضامن ، أو على ألف ردهم من مالي ، كان المال على الوكيل دون الآمر ، ~~بمنزلة ما لو قال : صالحني ، وأما بيان كونه أقوى ، ففي الوكيل بالخلع فإنه ~~لو قال : اخلعها على ألف درهم من مالي أو على ألف على أني ضامن لها ، كان ~~المال على الوكيل ، ومعلوم أن بإضافة العقد إلى الوكل ها هنا لا يجب المال ~~عليه ، فعرفنا أن اشتراط الضمان ، أو إضافة العقد إلى ماله ، يكون أقوى من ~~إضافة العقد إلى نفسه في وجوب البدل عليه ، وإذا وجب عليه لم يكن للمشتري ~~من العدو على الآمر شيء ، وإذا أخذ العدو إبريق فضة لرجل وزنه ms0804 مائتا درهم ~~فاشتراه منهم مسلم بمائتين وخمسين لجودته وصناعته ، فلمالكه القديم أن ~~يأخذه بمائتين وخمسين إن شاء ، لأن المشتري من العدو أعطى في فدائه هذا ~~المقدار وقد بينا أن المولى القديم إنما يأخذه بما أعطى المشتري من العدو ~~في فدائه ، فيكون هذا مستقيما ؛ لأنه لا يتملكه ابتداء بعوض ، وإنما يعيده ~~إلى قديم ملكه بالفداء ، فلا يتمكن معنى الربا في هذه المعاملة . وإذا ثبت ~~أن له أن يأخذه بهذا المقدار ثبت أن له أن يوكل غيره ليأخذه به ؛ لأن ~~الوكيل قام مقام الموكل PageV04P1405 وإن افترقا قبل التقابض لم ينتقض ~~الأخذ ، وقد بينا هذا فيما سبق أنه فداء ، وليس بشراء مبتدأ فلا يشترط فيه ~~القبض في المجلس . فإن أعطى الوكيل الفداء من ماله وقبضه ، فله أن يمنعه من ~~الموكل حتى يأخذ منه الفداء ، وإن هلك بعد المنع في يد الوكيل هلك بجميع ~~الفداء ، لما بينا أن الوكيل بعدما منعه قام في ذلك مقام المشتري من العدو ~~، وأوضح هذا برجل وكل رجلا بأن يشتري له أرضا فيها نخل بكر من تمر ، فاشترى ~~الوكيل ونقد الكر من ماله ، وقبضه ثم منعه من الآمر حتى يدفع إليه الكر ~~فأثمرت في يد الوكيل كرا ، فإنه يكون للموكل أن يقبضه مع التمر بكر دفعه ~~إليه ، ولا يتمكن معنى الربا بينهما بالزيادة التي حدثت في يده ، لأن ~~الوكيل قام في ذلك مقام البائع ، ولو أثمرت كرا في يد البائع قبل القبض لم ~~يبطل البيع ، فكذلك إذا أثمرت في يد الوكيل ، وكذلك إن كان الوكيل رأى ~~بالمبيع عيبا فرضي به ، وأبى الموكل أن يرضى به ، فإن ذلك يلزم الوكيل ~~بالكر ، ولا يتمكن فيه الربا ، لأن هذا ليس بمبايعة تجري بينهما ابتداء ، ~~وإنما يتحقق الربا في المعاوضة على سبيل المقابلة . ألا ترى أن الوكيل لو ~~رأى العيب بالأرض فردها عليه كان قد رد أرضا ونخلا وكرا من تمر بكر من تمر ~~، فذلك جائز ، وهذا إنما يستقيم فيما إذا أثمرت PageV04P1406 في يد البائع ~~، قبل أن يقبضه الوكيل ، فأما إذا أثمرت بعد ms0805 القبض فليس للوكيل حق الرد ، ~~لأن الزيادة الحادثة بعد القبض تمنع الرد بالعيب . وأوضح هذا أيضا بما لو ~~كان الوكيل اشترى للآمر عبدا بألف درهم وقيمته ألف وخمسمائة ، فقتله رجل ~~خطأ في يد البائع ، أو في يد الوكيل فالجواب فيه على ما بينا في النخيل إذا ~~أثمرت ، لأن في كل واحد من الموضعين لا يتمكن بسبب هذه الزيادة حقيقة الربا ~~على الوجه الذي يتمكن في البيع المستقبل وعلى هذا أيضا مسألة الإبريق لو ~~رأى الوكيل العيب به فأبى المشتري من العدو ثم أبى الآمر أن يرضى به ، ~~فالإبريق للوكيل بما أدى به من الفداء ، وإن كان أكثر من وزنه ، لأنه ما ~~جرى بينهما ليس بعقد مبتدأ من كل وجه فلا يتمكن فيه حكم الربا . ~~PageV04P1407 # | باب ما يكره إدخاله دار الحرب وما لا يكره # قال رضي الله تعالى عنه : لا بأس بأن يحمل المسلم إلى أهل الحرب ما شاء ~~إلا الكراع والسلاح والسبي وألا يحمل إليهم شيئا أحب إلي ؛ لأن المسلم ~~مندوب أن يستبعد من المشركين ، قال صلى الله عليه وسلم : لا تستضيئوا بنار ~~المشركين ، وقال : أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى نارهما ، وفي حمل ~~الأمتعة إليهم للتجارة نوع مقاربة معهم ، فالأولى ألا يفعل ولأنهم يتقوون ~~بما يحمل إليهم من متاع أو طعام ، وينتفعون بذلك . والأولى للمسلم أن يحترز ~~عن اكتساب سبب القوة لهم ، إلا أنه لا بأس بذلك في الطعام والثياب ونحو ذلك ~~، لما روي أن ثمامة بن أثال الحنفي أسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقطع الميرة عن أهل مكة ، وكانوا يمتارون ، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، يسألونه أن يأذن له في حمل الطعام إليهم ، فأذن له في ذلك وأهل ~~مكة يومئذ كانوا حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، PageV04P1408 فعرفنا ~~أنه لا بأس بذلك ، وهذا لأن المسلمين يحتاجون إلى بعض ما في ديارهم من ~~الأدوية والأمتعة ، فإذا منعناهم ما في ديارنا فهم يمنعون أيضا ما في ~~ديارهم . وإذا دخل التاجر ms0806 إليهم ليأتي المسلمين بما ينتفعون به من ديارهم ، ~~فإنه لا يجد بدا من أن يحمل إليهم بعض ما يوجد في ديارنا ، فلهذا رخصنا ~~للمسلمين في ذلك ، إلا الكراع والسبي والسلاح ، فإنه لا يحمل إليهم شيء من ~~ذلك ، منقول عن إبراهيم النخعي ، وعطاء بن أبي رباح ، عمر بن عبد العزيز ، ~~رضي الله تعالى عنهم وهذا لأنهم يتقوون بالكراع والسلاح على قتال المسلمين ~~، وقد أمرنا بكسر شوكتهم ، وقتل مقاتلتهم ، لدفع فتنة محاربتهم ، كما قال ~~الله تعالى : ' وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ' البقرة : فعرفنا أنه لا رخصة ~~في تقويتهم على محاربة المسلمين . وإذا ثبت هذا في الكراع والسلاح ثبت في ~~السبي بطريق الأولى ؛ لأنه إما أن يقاتل بنفسه أو يكون منهم من يقاتل ، ~~وتقويتهم بالمقاتل فوق تقويتهم بآلة القتال . وكذلك الحديد الذي يصنع منه ~~السلاح ؛ لأنه مخلوق لذلك في الأصل في قوله تعالى : ' وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد ' الحديد : 25 والمصنوع منه وغير المصنوع في كراهية الحمل إليهم ~~سواء ، وهذا PageV04P1409 لأن الحديد أصل السلاح ، والحكم الثابت فيما يحصل ~~من أصل يكون ثابتا في الأصل ، وإن لم يوجد فيه ذلك المعنى ، ألا ترى أن ~~المحرم إذا كسر بيض الصيد يلزمه الجزاء كما يلزمه بقتل الصيد . واستدل عليه ~~بحديث الحسن رضي الله تعالى عنه أنه كان يكره بيع السلاح في الفتن ، وهكذا ~~نقول ، فإن بيع السلاح في أيام الفتنة اكتساب سبب تهييجها وقد أمرنا ~~بتسكينها قال صلى الله عليه وسلم : الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ، فإذا ~~كان ذلك مكروها في زمان الفتنة ممن هو من أهل الفتنة فلأن يكره حمله إلى ~~دار الحرب للبيع منهم كان أولى . وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس ~~بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان ؛ لأن أموالهم لا تصير ~~معصومة بدخوله إليهم بأمان ، ولكنه ضمن بعقد الأمان ألا يخونهم ، فعليه ~~التحرز عن الخيانة ، وبأي سبب طيب أنفسهم حين أخذ المال ، فإنما أخذ المباح ~~على وجه منعه عن الغدر ، فيكون ذلك طيبا له ، الأسير والمستأمن في ms0807 ذلك سواء ~~، حتى لو باعهم درهما بدرهمين أو باعهم ميتة بدراهم ، أو أخذ مالا منهم ~~بطريق القمار فذلك كله طيب له ، وهذا كله قول أبي حنيفة ومحمد رضي الله ~~عنهما ، وقال سفيان الثوري : يجوز ذلك للأسير ، ولا يجوز للمستأمن ، وهو ~~قول أبي يوسف رضي الله عنه ، ولكنا PageV04P1410 نقول : المستأمن إنما ~~يفارق الأسير في الأخذ بغير طيب أنفسهم ، فأما في الأخذ بطيب أنفسهم فهو ~~كالأسير ، لأن الواجب عليه ألا يغدر بهم ، ولا غدر في هذا . ثم استدل عليه ~~بحديث مخاطرة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، مع أهل مكة في غلبة الرو مع أهل ~~فارس ، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : زده في الخطر وأبعد في ~~الأجل ، فلو لم يكن ذلك جائزا معهم لما أمر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . ولما قمرهم أبو بكر رضي الله عنه وأخذ الخطر فجاء به إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، قال : تصدق به ، فبظاهره يستدل سفيان فيقول : لو كان ~~ذلك له طيبا لم يأمره بالتصدق ولكنا نقول : لو كان ذلك حراما لما أمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يقامرهم عليه ، ولو لم يملكه بهذا الطريق ما ~~أمره أن يتصدق به ، فعرفنا بهذا أن ذلك كان جائزا ، ولكن ندبه إلى التصدق ~~شكرا لله تعالى على ما أظهر من صدقه . واستدل بمصارعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ابن ركانة ، حين كان بمكة ، ثلاث مرات ، في كل مرة بثلث ~~PageV04P1411 غنمه ، ولو كان مكروها ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، ثم لما صرعه في المرة الثالثة قال : ما وضع أحد جنبي قط ، وما أنت صرعتني ~~، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الغنم عليه ، فبظاهره يستدل سفيان ~~فيقول : لو كان ذلك طيبا ما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ، ولكنا ~~نقول : لو كان ذلك مكروها ما دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما ~~رد الغنم عليه تطولا منه عليه ، وكثيرا ما فعل ذلك ms0808 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع المشركين يؤلفهم به حتى يؤمنوا . واستدل عليه أيضا بحديث بني ~~قينقاع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين أجلاهم قالوا : إن لنا ديونا لم ~~تحل بعد ، فقال : تعجلوا أو ضعوا ، ولما أجلى بني النضير قالوا : إن لنا ~~ديونا على الناس ، فقال : ضعوا أو تعجلوا ، ومعلوم أن مثل هذه المعاملة لا ~~يجوز بين المسلمين فإن من كان له على غيره دين إلى أجل فوضع عنه بعضه بشرط ~~أن يعجل بعضه ، لم يجز ، كره ذلك عمر وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله عنهم ~~، ثم جوزه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في حقهم لأنهم كانوا أهل حرب في ~~ذلك الوقت ، ولهذا أجلاهم ، فعرفنا أنه يجوز بين الحربي والمسلم ما لا يجوز ~~بين المسلمين ، قال : فإن كان المسلمون في عسكرهم والمشركون كذلك فليس ~~ينبغي أن يبايع بعضهم بعضا ، إلا بما يجوز بين PageV04P1412 المسلمين ، ~~وإنما يجوز ما ذكرنا إذا كانوا في دار الحرب ، أو في منعة المشركين ، فأما ~~إذا كان أحدهما في منعة المسلمين فهذا وما لو كان في منعة المسلمين سواء ، ~~وأكثر مشايخنا قالوا : هذا الجواب غلط ، فإن جواز الأخذ باعتبار أنه لا ~~عصمة لما لهم ، وفي هذا لا فرق بين أن يكون المسلم في منعتهم وبين أن يكون ~~هو في منعة المسلمين ، والحربي في منعة المشركين ، إلا أن محمدا رحمه الله ~~تعالى ، اعتمد فيما أجاب به الموضع الذي تجري فيه المعاملة ، فقال : إن ~~كانا جميعا في موضع لا يجري فيه أحكام الإسلام يجوز هذه المعاملة ، وإن كان ~~أحدهما في موضع يجري فيه أحكام المسلمين لا يجوز هذه المعاملة ، واستدل ~~عليه بحديث ابن عباس ، رضي الله عنهما فإن نوفل بن عبد الله لما قتل في ~~الخندق ، سأل المشركون المسلمين جيفته بمال يعطونه المسلمين فنهاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك وكرهه . وفي رواية قال : إنه خبيث الدية خبيث ~~الجيفة ، فخلى بينهم وبينه ، وإنما كره هذا على ما ذهب إليه محمد رحمه الله ~~لأن موضع ms0809 الخندق كان في منعة المسلمين ، وعلى ما قال مشايخنا : رحمهم الله ~~تعالى إنه إنما كره ذلك لأنه رأى فيه كبتا وغيظا لهم ، إن لم تثبت الرواية ~~الأخرى أنه خلى بينهم وبينه ، وإن ثبت ذلك ، فإنما كره ذلك على سبيل ~~الإهانة والاستخفاف بهم ، أو لئلا ينسب إلى المسلمين ما لا يليق بمكارم ~~الأخلاق ، فقد كان عليه السلام يقول : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وذكر ~~حديث سعد بن عبادة ، PageV04P1413 أنه اشترى يوم خيبر تبرا بذهب ، فقال صلى ~~الله عليه وسلم : إن هذا لا يصلح ، فرده ، وبظاهره يستدل سفيان فيقول : ~~إنما أمره بالرد لأنه لم يكن مثلا بمثل ، ولكنا نقول : إنما كره ذلك لأنه ~~اشتراه في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويؤيد هذا أن من يكره هذا ~~إنما يكرهه للمستأمن والمسلمون يوم الخندق ، ما كانوا في أمان من المشركين ~~، وسعد يوم خيبر ما كان في أمان من اليهود ولكن كان محاربا لهم ، فعرفنا ~~أنه إنما كره ذلك لأن تلك المعاملة كانت في منعة المسلمين ، والله أعلم ~~بالصواب . PageV04P1414 # | باب من يكره قتله من أهل الحرب من النساء وغيرهم # قال : لا ينبغي أن يقتل النساء من أهل الحرب ولا الصبيان ولا المجانين ~~ولا الشيخ الفاني ، لقوله تعالى : ' وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ~~' البقرة : ، وهؤلاء لا يقاتلون ، وحين استعظم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قتل النساء أشار إلى هذا بقوله : هاه ، ما كانت هذه تقاتل ، أدرك ~~خالدا وقل له : لا تقتلن ذرية ولا عسيفا ، ولأن الكفر وإن كان من أعظم ~~الجنايات ، فهو بين العبد وبين ربه جل وعلا ، وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر ~~إلى دار الجزاء ، فأما ما عجل في الدنيا فهو مشروع لمنفعة تعود إلى العباد ~~، وذلك دفع فتنة القتال ، وينعدم ذلك في حق من لا يقاتل ، بل منفعة ~~المسلمين في إبقائهم ليكونوا أرقاء للمسلمين ، فإن قاتل واحد من هؤلاء فلا ~~بأس بقتله ؛ لأنهم باشروا السبب الذي به وجب قتالهم ، وإذا كان يباح قتل من ~~له بنية PageV04P1415 صالحة للمحاربة يتوهم القتال منه ms0810 ، فلأن يباح قتل من ~~وجد منه حقيقة القتال كان أولى ، وإن قتل أحد منهم إنسانا ثم أخذه المسلمون ~~فأما الصبي والمجنون فلا ينبغي أن يقتلوه ؛ لأن قتله إنما أبيح لدفع قتاله ~~، وقد اندفع حين وقع الظهور عليه ، وهذا لأنه ما كان مخاطبا فلا يكون فعله ~~جناية يستوجب به العقوبة ، جزاء عليه بمنزلة البهيمة ، فإنها إذا صالت على ~~إنسان يباح قتلها دفعا ، ثم إذا أخذت واندفع قصدها لم يحل قتلها . وأما ~~المرأة والشيخ الفاني فلا بأس بقتلهما بعدما أخذا لأنهما مخاطبان من أجل أن ~~يستوجب العقوبة جزاء على فعلهما ، وقد تحقق الفعل الموجب لعقوبة القتل ~~منهما . ألا ترى أنهما يقتلان قصاصا ؟ فكذلك يقتلان جزاء على فعلهما . ومن ~~قتل أحدا من هؤلاء قبل وجود القتال منه فلا كفارة عليه ولا دية ؛ لأن ~~وجوبهما باعتبار العصمة والتقوم في المحل وذلك بالدين أو بالدار ولم يوجد ~~واحد منهما وإنما حرم قتلهم لتوفير المنفعة على المسلمين ، أو لانعدام ~~العلة الموجبة للقتل ، وهي المحاربة ، لا لوجود عاصم أو مقوم في نفسه فلهذا ~~لا يجب على القاتل الكفارة والدية ، وإلى هذا أشار رسول الله صلى ~~PageV04P1416 الله عليه وسلم في حديث بقوله : هم منهم ، يعني أن ذراري ~~المشركين منهم ، في أنه لا عصمة لهم ولا قيمة لذمتهم . قال : والعسيف الذي ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله الأجير ، وهو بمنزلة الحراث ، ~~يعني من لا يكون من همته القتال وإنما همته من القتال اكتساب المال فقط ، ~~بإجارة النفس بخدمة الغير ، أو الاشتغال بالحراثة ، فإنه لا يقتل لانعدام ~~القتال منه ، والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اقتلوا شيوخ ~~المشركين واستحيوا شرخهم فالمراد بالشيوخ البالغون ، وبالشرخ الصبيان ، ~~والمراد بالاستحياء الاسترقاق ، قال الله تعالى : ' ويستحيون نساءكم ' ~~البقرة : 49 ، فأما الشيخ الفاني الذي لا يكون منه القتال ، ولا يعين ~~المقاتلين بالرأي ، ولا يرجى له نسل فإنه لا يقتل ، وبيانه في حديث ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ، نهى أن يقتل ~~المرأة والصبي ms0811 والشيخ الكبير فإن أعانت المرأة المقاتلين فلا بأس بقتلها ، ~~هكذا نقل عن الحسن ، وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، قال : مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على امرأة مقتولة فأنكر قتلها ، وقال : من قتلها ؟ فقال رجل ~~: أنا يا رسول الله أردفتها خلفي فأرادت قتلي فقتلتها ، فأمر بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فدفنت . وكذل إن كانت تعلن شتم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فلا بأس بقتلها ، لحديث أبي إسحاق الهمداني قال : جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال : إني سمعت امرء من يهود وهي تشتمك ، والله ~~يا رسول PageV04P1417 الله إنها لمحسنة إلي فقتلتها ، فأهدر النبي صلى الله ~~عليه وسلم دمها ، واستدل بحديث عمير بن عدي ، فإنه لما سمع عصماء بنت مروان ~~تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وتعيب الإسلام ، وتحرض على قتال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وتذكر في ذلك شعرا ، وهو هذا : # باست بني مالك والنبيت . . . وعوف وباست بني الخزرج # أطعتم أتاوي من غيركم . . . فلا من مراد ولا من مذحج # ترجونه بعد قتل الرءوس . . . كما يرتجى مرق المنضج # ألا أنف يبتغي عزة . . . فيقطع من أمل المرتجي وذلك بعدما خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بدر قال : اللهم إن لك علي نذرا إن رددت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأقتلنها . . . الحديث إلى أن قتلها ليلا ~~ثم أصبح وصلى الصبح مع رسول الله صلى PageV04P1418 الله عليه وسلم ، فلما ~~نظر إليه قال : أقتلت ابنة مروان ؟ قال : نعم ، فهل علي في ذلك شيء ؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينتطح فيها عنزان ثم التفت إلى من حوله ~~، فقال : إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله ، فانظروا إلى عمير ~~، فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : انظروا إلى هذا الأعمى الذي ~~أسرى في طاعة الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقل ~~الأعمى ، ولكنه البصير . . . . الحديث ، واستدل بحديث زيد بن حارثة ، حين ~~قتل أم ms0812 قرفة ، وهي كانت ممن تحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على ما روي أنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها ، ثم قالت : سيروا حتى تدخلوا ~~المدينة فتقتلوا محمدا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~اللهم أذقها ثكلهم ، فقتلها زيد ابن حارثة ، وبعث بدرعها إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فنصب بين رمحين بالمدينة ، وروي أنه قتلها قيس ابن المسحر ~~، أسوأ قتلة علق في رجليها حبلين ثم ربطها ببعيرين فأرسلهما فشقاها شقا حتى ~~تقول العرب على سبيل المثل في ذلك : لو كنت أعز من أم قرفة ، PageV04P1419 ~~وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل هند بنت عتبة لما كانت ~~تفعل من التحريض على قتال المسلمين ، حتى أسلمت ، واستثنى ممن أمنهم يوم ~~فتح مكة قيسا وابن خطل وأمر بقتلهما ؛ لأنهما كانا يغنيان بهجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . وأمر يوم بني قريظة بقتل بناتة لأنها كانت قتلت خلاد ~~ابن سويد أمرها بذلك زوجها حتى لا يترك بعده على ما روي أن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها قالت : دخلت علي بناتة تسألني شيئا ، وهي تضحك ظهرا لبطن وتقول ~~: يقتل سراة بني قريظة إلى أن نوه إنسان باسمها ، فقالت : أنا ، والله أقتل ~~، وهي تضحك ، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : ويحك إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يقتل النساء ، قالت : نعم ، وإنما قتلت زوجي حين أمرني ~~فدليت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته ، ثم أخرجت فقتلت . وعن سعيد بن ~~المسيب قال : لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر أهدت إليه زينب ~~بنت PageV04P1420 أخ مرحب شاة مصلية فأكل منها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخذ الذراع وقال : إن هذه الذراع لتخبرني أنها مسمومة ثم دعا زينب ~~وقال : ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت : نلت من قومي ما نلت ، قتلت أبي وعمي ~~وزوجي ، فقلت إن كان نبيا فستخبره الشاة بما صنعت ، وإن كان ملكا استرحنا ~~منه فمات بشر بن البراء مما أكل مع ms0813 رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . أهل المغازي يختلفون فيه ، فذكر الواقدي في ~~بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قتلها ، وأظهر الروايات أنه عفا ~~عنها ، كما ذكره محمد رحمه الله ، وإنما فعل ذلك لأن هذا كان بعد الصلح ، ~~وبعدما أطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فلم يكن ذلك منها نقضا ~~للعهد ولا محاربة مع المسلمين ، فإن قيل : فلماذا لم يقتلها قصاصا ببشر بن ~~البراء على قول من يرى وجوب القصاص بالقتل بالسم ؟ قلنا : لأن من يوجب ~~القصاص أو الدية في ذلك إنما يوجبه عند الاتحاد فإذا تناوله بنفسه فليس على ~~من ناوله دية ولا قصاص ، وبشر بن البراء أكل ذلك بنفسه ، فلهذا لم يوجب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قصاصا ولا دية ، والله أعلم . PageV04P1421 # | باب الاستعانة بأهل الشرك واستعانة المشركين بالمسلمين # ولا بأس بأن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم ~~الإسلام هو الظاهر عليهم ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بيهود ~~بني قينقاع على بني قريظة ، ولأن من لم يسلم من أهل مكة كانوا خرجوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ركبانا ومشاة إلى خيبر ، ينظرون لمن يكون ~~الدبرة ، فيصيبون من الغنائم ، حتى خرج أبو سفيان في إثر العسكر ، كلما مر ~~بترس ساقط ، أو رمح أو متاع من متاع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حمله حتى أوقر جمله ، وخرج صفوان ، وهو مشرك ومعه امرأة مسلمة ، ولم يفرق ~~بينهما النبي صلى الله عليه وسلم حتى شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~حنينا والطائف ، وهو مشرك ، وإنما لم يفرق بينهما لأنهما كانا في أحكام ~~المسلمين ، والموجب للفرقة تباين الدارين حقيقة وحكما ، فعرفنا أنه لا بأس ~~بالاستعانة بهم ، ما ذلك إلا نظير الاستعانة بالكلاب ، على قتال المشركين ، ~~وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : إن الله تعالى ليؤيد ~~هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الآخرة ، والذي ms0814 روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد رأى كتيبة حسناء ، PageV04P1422 قال : من هؤلاء ؟ فقيل : ~~يهود بني فلان ، حلفاء ابن أبي فقال : إنا لا نستعين بمن ليس على ديننا ، ~~تأويله أنهم كانوا أهل منعة ، وكانوا لا يقاتلون تحت راية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وعندنا إذا كانوا بهذه الصفة فإنه يكره الاستعانة بهم . ~~واختلفت الروايات في سبب رجوع ابن أبي يوم أحد ، فروي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما لم يأخذ برأيه حين أشار إليه بألا يخرج من المدينة غاظه ذلك ~~، فانصرف وقال : أطاع الصبيان ، وخالفني فيما نصحت له ، وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رده حين عرض عليه أن يخرج فيقاتل معه ، فقال : لا ، إنا لا ~~نستعين بمشرك ، وإنما كره ذلك لأنه كان معه سبعمائة من يهود بني قينقاع من ~~حلفائه ، فخشي أن يكونوا على المسلمين إن أحسوا بهم زلة قدم ، فلهذا ردهم ، ~~وعندنا إذا رأى الإمام الصواب في ألا يستعين بالمشركين لخوف الفتنة فله أن ~~يردهم ، ثم ذكر حديث الزبير رضي الله تعالى عنه ، حين كان عند النجاشي فنزل ~~به عدوه فأبلى يومئذ مع النجاشي بلاء حسنا ، فكان للزبير عند النجاشي بها ~~منزلة حسنة ، فبظاهر هذا الحديث يستدل من يجوز قتال المسلمين مع المشركين ~~تحت رايتهم ، ولكن تأويل هذا من وجهين عندنا ، PageV04P1423 أحدهما : أن ~~النجاشي كان مسلما يومئذ ، كما روي فلهذا استحل الزبير القتال معه . ~~والثاني : أنه لم يكن للمسلمين يومئذ ملجأ غيره على ما روي عن أم سلمة رضي ~~الله تعالى عنها ، قالت : لما اطمأننا بأرض الحبشة فكنا في خير دار ، عند ~~خير جار ، نعبد ربنا إلى أن سار إلى النجاشي عدو له ، فما نزل بنا قط أمر ~~عظيم منه ، قلنا : إن ظهر على النجاشي لم يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف ~~، فأخلصنا الدعاء إلى أن يمكن الله النجاشي ، ثم قلنا : من رجل يعلم لنا ~~علم القوم ، فقال الزبير بن العوام : أنا ، فنفخ قربة ثم ركبها حتى عبر ~~النهر ، والتقى القوم وحضر ms0815 الزبير معهم ، وجعلنا نخلص الدعاء إلى أن طلع ~~الزبير في النيل يليح بثوبه ألا أبشروا فإن الله تعالى قد أظهر النجاشي ، ~~ومكن له في الأرض ، وأهلك عدوه ، قالت : فأقمنا عند خير جار ، فبهذا الحديث ~~تبين صحة التأويل الذي قلنا . والله أعلم . PageV04P1424 # | باب ما يكره من الديباج والحرير # قال : وكره أبو حنيفة رحمة الله عليه الديباج والحرير المصمت في الحرب ، ~~ولم ير أبو يوسف ومحمد رحمهما الله بذلك بأسا في الحرب ، وقد بينا المسألة ~~في شرح المختصر ، وروى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : لا بأس بلبس الحرير والديباج في الحرب ، فبظاهره أخذ ~~وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : تأويله الملحم وهو ما يكون سداه غير ~~حرير ولحمته حرير ، وهذا لا بأس بلبسه في الحرب ، وإن كان يكره لبسه في غير ~~الحرب ، فأما ما يكون سداه حريرا ولحمته غير حرير فلا بأس بلبسه في الحرب ~~وغير الحرب ، وعليه أيضا يحمل حديث الزبير أنه كان يلمق الديباج يلبسه في ~~دار الحرب ، فأما إذا كان حريرا مصمتا فذلك مكروه ، على ما روي أن ~~PageV04P1425 الوليد بن أبي هشام كتب إلى ابن محيريز يسأله عن يلامق الحرير ~~والديباج في الحرب ، فكتب إليه أن كن أشد ما كنت في الحرب كراهية لما نهى ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التعرض للشهادة . PageV04P1426 # | باب المكره على شرب الخمر وأكل الخنزير # وذكر حديث عطاء في الرجل يكره على شرب الخمر أو لحم الخنزير قال : إن لم ~~يفعل حتى يقتل أصاب خيرا ، وإن أكل وشرب فهو في عذر ، ولسنا نأخذ بهذا ، بل ~~نقول : لا يحل له أن يدع الأكل والشرب عند خوف القتل ، وهو قول مسروق ، ~~فإنه قال : من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار ، وأبو يوسف رحمة ~~الله عليه في رواية عنه ، أخذ بقول عطاء ، وجعل ذلك قياس الإكراه على الشرك ~~بالله تعالى ، ولكنا نقول : إن الحرمة تنكشف عند الضرورة ، فإن الله تعالى ~~استثنى موضع الضرورة ms0816 ، لقوله تعالى : ' إلا ما اضطررتم إليه ' الأنعام : ، ~~والاستثناء من التحريم إباحة ، وبعدما انكشفت الحرمة التحق هذا بالطعام ~~والشراب ، فإذا امتنع عن تناوله حتى يقتل كان آثما ، بخلاف الكفر فإن ~~الحرمة لا تنكشف ، ولكن يرخص له في إجراء كلمة الكفر على اللسان مع طمأنينة ~~القلب بالإيمان ، فهو بالامتناع يكون متمسكا PageV04P1427 بالعزيمة ، وفي ~~الإجراء يكون مرخصا بالرخصة ، والتمسك بالعزيمة أفضل ، إلا أن في الكتاب لم ~~يطلق الجواب في تأثيمه ، ولكن قال : خفت أن يأثم ؛ لأن هذا المكره ليس في ~~معنى المبتلى بالمخمصة من كل وجه ، فإن هناك لا صنع لأحد من العباد فيما حل ~~، من العذر وها هنا خوف الهلاك إنما حصل بصنع العباد ، وفيما يكون من حق ~~الله تعالى لا يستوي ما فيه صنع العباد بما لا صنع للعباد فيه ، ثم في ~~الامتناع بعد إكراه المشركين إظهار للصلابة في الدين ، وما فيه مغايظة ~~المشركين ، وذلك لا يوجد في صاحب المخمصمة فلهذا صح الجواب ها هنا ، بقوله ~~: خفت أن يأثم ، والله الموفق . PageV04P1428 # | باب من يكره قتله من أهل الحرب ومن لا يكره # قد بينا أنه إنما يقتل منهم من يقاتل دون من لا يقاتل ، فذكر في جملة من ~~لا يقاتل أصحاب الصوامع والسياحين في الجبال ، الذين لا يخالطون الناس ، ~~وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : سألت أبا حنيفة عن قتل أصحاب الصوامع ~~والرهبان ، فرأى قتلهم حسنا ، لأنهم فرغوا أنفسهم لنوع من أنواع الكفر ~~فيفتتن الناس بهم ، فيدخلون تحت قوله تعالى : ' فقاتلوا أئمة الكفر ' ~~التوبة : 12 ، وتأويل تلك الرواية فيما إذا كانوا يخالطون الناس ، إما ~~خروجا إليهم أو إذنا لهم في الدخول عليهم ، وكانوا يحثونهم على قتال ~~المسلمين ، والصبر على دينهم ، فأما إذا كانوا في دار أو كنيسة قد طينوا ~~عليهم الباب ، وترهبوا فيه فإنهم لا يقتلون لوقوع الأمن من جانبهم ، فإنهم ~~لا يقاتلون بنفس أو مال ولا رأي ولا يقتل منهم الأعمى والمقعد ، ولا يابس ~~الشق ، ولا مقطوع اليد ، والرجل من خلاف ، ولا مقطوع اليد اليمنى خاصة ، ~~لأنه وقع الأمن من ms0817 قتالهم ، ومراده من هذا إذا كانوا لا يقاتلون بمال ولا ~~برأي . PageV04P1429 وقد بينا نظيره في الشيخ الفاني إذا كان ذا رأي في ~~الحرب ، فإنه يقتل دون أقطع اليد اليسرى أو أقطع أحد الرجلين ، فهو ممن ~~يقاتل ، لأن مباشرة القتال في الغالب تكون باليد اليمنى ، فأما إذا كانت ~~صحيحة منه فهو على وجه يمكنه المشي ، كان من جملة المقاتلة فيقتل . والأخرس ~~والأصم والذي يجن ويفيق في حال إفاقته يقتل ؛ لأنه ممن يقاتل ، وله بنية ~~صالحة للقتال ، واعتقاده يحمله على القتال فيقتل دفعا لشره . ومن قتل أحدا ~~منهم ممن لا يقاتل فليس عليه سوى الاستغفار ؛ لأنه غير معصوم وإن وقع اليأس ~~من قتاله . والقسيسون والشمامسة والسياحون الذين يخالطون الناس فلا بأس ~~بقتلهم ؛ لأنهم من جملة المقاتلة ، إما برأيهم أو بنفسهم إن تمكنوا من ذلك ~~فيجوز قتلهم وإن لم ير منهم القتال باعتبار أن حقيقة مباشرة القتال مما لا ~~يطلع PageV04P1430 عليه كل أحد في كل وقت ومكان ، فالبنية الصالحة لذلك مع ~~السبب الحامل عليه يقام مقامه ، ما لم يغلب عليه دليل ظاهر يمنعه منه ، ولا ~~ينبغي للمسلمين إن كانت بهم قوة على أسرهم أن يدعو الصبيان والنساء حتى ~~يخرجوهم إلى دارنا ، لما فيه من الكبت والغيظ للمشركين ، ولما فيه من ~~المنفعة للمسلمين ، فإنهم يصيرون خولا للمسلمين ، ولما فيه من قطع منفعة ~~المشركين عنهم ، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : واستحيوا ~~شرخهم ، فأما الشيخ الفاني الذي لا يرجى له نسل ولا منفعة عنده ، سوى أن ~~يفادى ، فإن شاءوا أخذوه وأسروه ، وإن شاءوا تركوه ، لأن المقصود بأسره ليس ~~إلا تحصيل المال بالمفاداة ، وهم بالخيار فيما يتمكنون منه من الأموال ، إن ~~شاءوا أخذوه ، وإن شاءوا تركوه ، وهذا لأن المستحق عليهم دفع فتنة الكفر ، ~~فأما اكتساب المال فلا بأس به ، ولكنه غير مستحق شرعا ، ولا ينبغي أن ~~يتركوا المعتوه إذا قدروا على إخراجه ، لأنه يرجى إقامته ، ولأنه يولد له ~~ويتركه عون للمشركين ، كما في ترك النساء والصبيان ، ولا يتعرض للذين لا ~~يخالطون الناس من ms0818 المترهبين ، لأنه لا يرجى لمثلهم نسل حتى يكون في ذلك عون ~~للمشركين ، وذوو الآفات الذين لا يقتلون يؤسرون ويخرجون إلى ديارنا ، لأن ~~في تركهم في دار الحرب قوة للمشركين ، فإنهم يصيبون النساء فيلحقون ولا ~~ينبغي أن يتركوا في دار الحرب ، إذا ظفروا بهم فكل من جاز قتله منهم فلا ~~إشكال أنه يجوز أسره وإخراجه . ثم بعد الإخراج للإمام فيهم رأي إن شاء ~~استرقهم PageV04P1431 وإن شاء قتلهم وكل من لا يحل قتله إذا لم يقدروا على ~~إخراجه بأن كانوا جريدة خيل ، فليدعوه ولا يعرضوا له ؛ لأن قتله محرم شرعا ~~لا لمنفعة أسره واسترقاقه ، فبالعجز عن الأسر لا يصير القتل الذي هو محرم ~~مباحا للمسلمين ، وما يقدرون على إخراجه من الكراع والسلاح ، فإنه يكره لهم ~~تركه في دار الحرب ، بعد التمكن من إخراجه ، لأن هذا مما يتقوى به المشركون ~~على قتال المسلمين ، فحكمه حكم بني آدم . فأما البقر والغنم والمتاع ، فإن ~~شاءوا أخرجوه وإن شاءوا تركوه ؛ لأنه مما لا يتقوى به على القتال عادة ، ~~ألا ترى أن الكراع والسلاح يكره للمسلمين حملها إليهم للتجارة بخلاف سائر ~~الأموال ؟ . وإن المستأمن في دارنا إذا اكتسب شيئا من ذلك يمنع من إدخاله ~~دار الحرب مع نفسه بخلاف سائر الأموال ، فإذا ثبت هذا الخيار لهم في المال ~~فكذلك في العجوز الكبيرة ، التي لا يرجى لها ولد ، لأنه لا منفعة فيها سوى ~~الفداء بالمال ، ولهذا جاز للمسلمين إذا أسروها أو شيخا فانيا أن يفادوهما ~~بمال ، لأنه لا منفعة للمسلمين عندهما ولا مضرة على المسلمين في كونهما في ~~دار الحرب وكل من ذكرنا أنه لا يقتل من ذوي الآفات وغيرهم إذا باشر القتال ~~، أو حرض على ذلك ، أو كان ممن يطاع PageV04P1432 فيهم فلا بأس بقتله ، فإن ~~في قتله كسر شوكتهم وتفرق جمعهم ، وهو المقصود ، حتى إن ملك القوم لو كان ~~صغيرا أو امرأة أو شيخا فانيا ، فلا بأس بقتله ، لأن فيه معنى الكبت والغيظ ~~لهم ، وفيه تفريق منعتهم ، ولو أن راهبا أو سياحا دل المشركين على عورات ~~المسلمين ms0819 ، فعلم به المسلمون ، فلا بأس بقتله ، لأنه أعان المشركين بما صنع ~~، فهو بمنزلة شيخ له رأي في القتال ، فلا بأس بقتل مثله على ما روي أن دريد ~~بن الصمة قتل ، وكان شيخا كبيرا ، لأنه كان ذا رأي في الحرب . وإذا لقي ~~المسلم أباه المشرك في القتال فإنه يكره له أن يقتله ، لقوله تعالى : ' ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا ' لقمان : 15 ، وليس من المصاحبة بالمعروف القصد ~~إلى قتله ، وإن حنظلة بن أبي عامر ، وعبد الله بن أبي استأذنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قتل أبويهما فنهاهما ، وقد كان أبو عامر مشركا ~~محاربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وابن أبي منافقا بين النفاق ، قد ~~شهد الله تعالى بكفره ، فعرفنا أنه يكره للابن القصد إلى قتل أبيه المشرك ، ~~وهذا لأن الأب كان سببا لإيجاده فيكره له أن يكتسب سبب إعدامه وكان منعما ~~عليه في التربية فيكره له إظهار كفران النعمة ، بالقصد إلى قتله . وبيان ~~هذا فيما أخبر الله تعالى عن الخليل صلوات الله عليه ، PageV04P1433 حين ~~قال له أبوه : ' لأرجمنك واهجرني مليا ' ' قال : سلام عليك سأستغفر لك ربي ~~إنه كان بي حفيا ' مريم : 46 ، فأما إذا هم الأب بقتل ابنه ، وصار بحيث لا ~~يتمكن من دفعه عن نفسه ، إلا بقتله ، فلا بأس بقتله ؛ لأن في هذا الوجه لا ~~يقصد كفران النعمة ، وإنما يقصد إحياء نفسه بسبب دفع الهلاك عنها وذلك ~~مأمور به ، وقد بينا في شرح الجامع الصغير الفرق بين الآباء والأمهات ، ~~وغيرهم من ذوي الرحم المحرم ، والفرق بين المشركين في ذلك وبين أهل البغي ~~من المسلمين . ولو ظفر المسلمون بالسبي والمعتق الذي كان يقاتل معهم ، وقد ~~قتل بعضهم فإنه لا ينبغي لهم أن يقتلوهما بعد الأسر ؛ لأنه قد اندفع ~~قتالهما بالأسر . فإن كانوا لا يقدرون على إخراجهما وهم يخافون إن خلوا ~~سبيلهما أن يعودا إلى قتال المسلمين فلا بأس بقتلهما ؛ لأنه لم يقع الأمن ~~عن قتالهم . PageV04P1434 وهما في ذلك كالجمل الصئول إذا أخذه رجل فمنعه من ~~الصيال ، وهو يخاف إن خلى ms0820 سبيله أن يعود لمثل ذلك فلا بأس بأن يقتله ويغرمه ~~لصاحبه ، كما في حال صياله ، وهذا لأن ما يتوهم منه قد ظهر أثره فيما مضى ، ~~فيتأيد هذا الظن بذلك الظاهر ، ويجعل كالقائم في الحال ، ألا ترى أن ~~المراهق لو كان ملك القوم فظفروا به وعجزوا عن إخراجه ، فإنه لا بأس بقتله ~~. لأن في تركه خوف الهلاك على المسلمين ، باعتبار غالب الرأي وفيما لا يمكن ~~الوقوف على حقيقته يبنى الحكم على غالب الرأي . فإن كانوا يأمنونهما على ~~أنفسهم ، ولكن لا يأمنونهما إن دخلت سرية غيرهم أن يقاتلا بهم أو يقتلا ~~بعضهم خلوا سبيلهما لأنهم أمنوا جانبهما ، ودخول سرية أخرى بعدهم موهوم ~~أنهم يدخلون من هذا الجانب ، أو من جانب آخر فلا ينبغي لهم أن يقدموا على ~~قتل حرام باعتبار هذا الموهوم . ولو أن راهبا نزل من صومعته إلى بعض ~~مدائنهم فأصابه المسلمون في الطريق ، أو في المدينة ، فقالوا : إنما خرجت ~~هاربا منكم خوفا على نفسي فلهم ألا يصدقوه ويقتلوه ؛ PageV04P1435 لأنهم ~~وجدوه في موضع الاختلاط بالمقاتلة منهم ، وإنما لا يقتل من لا يخالط الناس ~~فمن ظهر منهم خلاف ذلك فيهم ، فلا بأس بقتله ، وهو فيما يدعي من العذر ~~لنفسه منهم فلا يصدق . وإن وقع في قلب المسلمين أنه صادق فالمستحب لهم ألا ~~يقتلوه ، ولكن يأخذونه أسيرا ؛ لأن غالب الرأي بمنزلة اليقين فيما بني أمره ~~على الاحتياط ، والقتل مبني على ذلك ، فإنه إذا وقع فيه الغلط لا يمكن ~~تداركه ، والمقصود يحصل بأسره . ومن وجدوه في كنيسة أو دير ، لم يطين الباب ~~على نفسه ، فلا بأس بقتله ، لما بينا أن الناس إذا كانوا يدخلون عليهم ~~ويصدرون عن رأيهم فهم من أئمة الكفر ، وفي قتلهم كسر شوكة المشركين . ولو ~~أن المسلمين أتوا راهبا في صومعته فسألوه عن الطريق ، أو عن أهل الحرب أين ~~هم ؟ فقال : إني أعرف ذلك ولكني لا أخبركم لأني لا أخبر عنكم فليس ينبغي ~~للمسلمين أن يتعرضوا له ، لأنه أظهر بعبارته ما لأجله وجب ترك التعرض له ، ~~وهو انقطاعه بالكلية عن المخالطة ms0821 مع الناس ، والنظر في أمورهم ، والميل إلى ~~اكتساب مودتهم أو عداوتهم ، فإن دلهم على الطريق فوجدوه قد خانهم ، واستبان ~~ذلك للمسلمين فلا بأس بقتله وأسره ؛ PageV04P1436 ولأنه بهذه الخيانة أظهر ~~الميل إلى المشركين ، وأظهر العداوة مع المسلمين حيث دلهم على ما فيه ~~هلاكهم بعدما طلبوا منه الدلالة على الطريق الذي يكون السلوك فيه سببا ~~لنجاتهم . وإن رأى المسلمون راهبا في صومعته حبشيا والقوم روم ، فاستنكروه ~~فليسألوه عن أمره لأنه اشتبه عليهم حاله ، فطريق إزالة الاشتباه السؤال ، ~~قال الله تعالى : ' فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ' النحل : 43 ، ثم ~~فائدة السؤال قبول البيان من المسئول عنه إذا لم يظهر في كلامه تهمة وخيانة ~~، فإن قال : أنا رجل من نصارى الجيش ترهبت ها هنا صدقوه بقوله ، ولم يعرضوا ~~له ؛ لأنه ما أخبرهم به محتمل . وإن قال : كنت عبدا لرجل من المسلمين ، ~~وكنت نصرانيا ، فترهبت ها هنا ، أخذوه فردوه على مولاه ؛ لأنه أقر بأنه عبد ~~آبق ، ومن تمكن من رد الآبق على مولاه فعليه أن يفعل . وإن قال : أسرني أهل ~~الحرب فأعتقوني فترهبت فإنه لا يصدق ، ولكنه يؤخذ فيرد على مولاه ، لأنه ~~أقر بالرق PageV04P1437 والملك لمولاه ، ثم ادعى ما يزيله ، فلا يصدق فيه ~~إلا لحجة كالعبد يدعي العتق على مولاه ، وإن قال : كنت عبدا مسلما فتنصرت ~~وترهبت فقد أقر بالردة ، فيعرض عليه الإسلام ، فإن أبى قتل ، وإن أسلم رد ~~على مولاه ، وإذا اقتتل المسلمون والمشركون فانهزم المشركون ، ووجد ~~المسلمون من المشركين قوما جرحى ، فلا بأس بأن يجهزوا عليهم ، وإن كان يعلم ~~أنهم لا يعيشون مع تلك الجراحات لأن هؤلاء مقاتلة وإنما أعجزهم إثخان ~~الجراحات عن مباشرة القتال ، فلا بأس بقتلهم كالمأسورين ، المربوطين في ~~أيدينا وإن شاءوا تركوهم حتى يذوقوا الموت ، كل ذلك واسع ؛ لأن في كل جانب ~~للمسلمين نوع شفاء الصدور ، والأصل فيه حديث محمد بن مسلمة ، فإنه بارز ~~مرحبا يوم خيبر فضربه فقطع رجليه ، فقال مرحب : أجهز علي يا محمد ، فقال : ~~لا ، حتى تذوق من الموت مثل ما ذاق أخي محمود ، ثم ms0822 مر به علي رضي الله ~~تعالى عنه ، فأجهز عليه ، وأخذ سلبه فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~سلبه محمد بن مسلمة ، ولو كان في حياة مرحب طمع لما قال له محمد : لا ، حتى ~~تذوق من الموت مثل ما ذاق أخي محمود وما أعطاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سلبه دون علي PageV04P1438 رضي الله تعالى عنه ، وقد أجهز علي رضي ~~الله تعالى عنه وهو بهذه الحالة ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك ، فامتنع محمد من الإجهاز عليه ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أيضا فعرفنا أن كل ذلك واسع . توضيحه : أنه لا بأس بأسره وقسمته ~~في جملة من يقسم ما لم يمت ، فعرفنا أنه بمنزلة الأسير ، وللإمام رأي في ~~قتل الأسير وتركه فهذا مثله . ولو وجدوا مريضا في حصن من حصونهم فلا بأس ~~بأن يقتلوه ؛ لأن المرض يعجزه عن القتال ، ولا يخرجه من أن يكون من ~~المقاتلة ، ولأن المرض على شرف الزوال ، فلا يقع به اليأس عن قتاله مع ~~المسلمين . إلا أن يحيط العلم بأنه لا يعيش مع هذا المرض ، أو يكون عليه ~~أكبر الرأي فحينئذ لا ينبغي أن يقتلوه ؛ لأنه وقع اليأس عن قتاله فحاله ~~الآن كحال الشيخ الفاني . وإن كان أهل العدل يقاتلون أهل البغي فظفروا منهم ~~بجرحى ، فإن كان القوم فيه لا يلجئون إليه فلا بأس بأن يجهز على جريحهم ؛ ~~لأن الجريح في هذه الحالة كالأسير ، ويقتل أسيرهم ويتبع مدبرهم إذا بقيت ~~لهم فيه فكذلك يجهز على جريحهم . PageV04P1439 إلا أن يكون الجريح ممن لا ~~يطمع له في الحياة فحينئذ يكره قتله ؛ لأنه وقع اليأس عن قتاله ، فإنه ممن ~~لا يخاف عليه أن يلجأ إلى فئة فيعين على أهل العدل أبدا ، فيكون الحال في ~~حقه كالحال فيما إذا انهزموا ولم يبق لهم فئة يلجئون إليها ، وهناك لا يقتل ~~أسيرهم ولا يتبع منهزمهم فكذلك لا يجهز على جريحهم ، والمعنى في الفرق بين ~~أهل البغي وأهل الحرب في هذا أن السبب الداعي ms0823 إلى المحاربة قائم في حق أهل ~~البغي ، لا يوجد مثل ذلك الإعتقاد لأنهم من أهل الإسلام ، وإنما يحملهم على ~~القتال التقوي بالفئة والمنعة ، فإذا زال ذلك لم يحل قتلهم بعد ذلك . وإن ~~وجد المسلمون معتوها من أهل الحرب لا يعرف قتالا ولا يدري ما يصنع به ، ~~ولكن في يده سيف يضرب به من دنا إليه من المسلمين ، أو من غيرهم ، فإني أحب ~~للمسلمين ألا يقتلوه ، ولكن يأخذونه أخذا ليمنعوه من ذلك ؛ لأنه ليس به قصد ~~إلى القتال ، وإنما يباح قتل من يكون به القصد إلى القتال ، أو يكون ممن ~~يدعوه دينه إلى ذلك ، وهذا إذا كان بحيث يضرب من يدنو منه من المسلم ~~والمشرك ، فعرفنا أن دينه لا يدعوه إلى ذلك ، فيكون حاله الآن كحال البهيمة ~~، والبهيمة إذا لم تقصد أحدا ولكنها تضرب كل PageV04P1440 من دنا منها لم ~~يحل قتلها ، إلا أن تحمل على المسلم وتضطره إلى ذلك فحينئذ لا بأس بقتلها ، ~~فهو الحكم في حق هذا المعتوه أيضا . إلا أن هناك يغرم قاتلها قيمتها للمسلم ~~لبقاء المالية والتقوم فيها حقا للمسلم وذلك لا يوجد في المعتوه الحربي ولو ~~ظفروا برجل معه سيف يقاتل به فلما أحس بالمسلمين تجانن ، ورأى المسلمون أنه ~~مجنون فإن هذا على ما يقع في قلوب المسلمين ؛ لأنه لما انقطع عنهم سائر ~~الأدلة التي يقفون بها على حاله وجب المصير إلى أكبر الرأي ، بمنزلة التحري ~~في أمر القبلة عند انقطاع الأدلة ، وقد بينا أن أكبر الرأي فيما لا يمكن ~~الوقوف على حقيقته بمنزلة الحقيقة . فإن وقع عندهم أنه مجنون فأسروه ثم ~~استبان لهم أنه صحيح فلا بأس بقتله ؛ لأن أسرهم إياه ليس بأمان له منهم ، ~~ألا ترى أنه لو كان صحيحا حين أسروه كان لهم رأي في قتله ، فكذلك إذا أسروه ~~في حال اشتباه أمره . ولو أخذوا غلاما مراهقا ولم يعلموا أنه بالغ أو غير ~~بالغ فقد بينا أن بعض الناس يجعلون العلامة في ذلك نبات العانة استلالا ~~بحديث بني قريظة والمذهب PageV04P1441 عندنا أن ذلك لا ms0824 يمكن تحكيمه لاختلاف ~~أحوال الثاني في ذلك ، فلا ينبغي أن يقتلوه حتى يعلم أنه قد تمت له خمس ~~عشرة سنة ، أو احتلم قبل ذلك واعتبر في هذا الموضع أن يعلموا ذلك من حاله ~~دون غالب الرأي . لأن صغره معلوم بيقين واليقين لا يزول إلا بيقين مثله ، ~~فأما جنون الذي تجانن قبل أخذه لم يكن معلوما بيقين ، فلهذا اعتبر فيه أكبر ~~الرأي . وإن أخذوه وهو غير بالغ ، ثم طال مكثهم في دار الحرب حتى بلغ فصار ~~رجلا ، فإنه لا يحل لهم أن يقتلوه ، لأنهم أخذوه وهو ممن لا يجب عليه القتل ~~، فمعنى هذا الكلام أنه لم يكن من جملة المقاتلة في وقت من الأوقات ، لأنهم ~~أخذوه وهو صبي ، والصبي ليس من المقاتلة . وبعدما بلغ فهو فيء للمسلمين ~~بمنزلة سائر عبيدهم ، فلا يكون مقاتلا معهم ، بخلاف الذي تجانن إذا أخذ ~~فاستبان أنه صحيح . لأنه تبين أنه كان مقاتلا قبل أن يأخذوا به ، احتال ~~بتلك الحيلة لينجو من القتل ، حتى أنه لو كان معتوها وبرأ في أيديهم فإنه ~~لا يحل لهم أن يقتلوه للمعنى الذي أشرنا إليه في اصبي ، وإن قتل هذا الصبي ~~الذي بلغ أو برئ رجلا من المسلمين قتله الإمام به قصاصا . لأنه صار مخاطبا ~~بمنزلة غيره من عبيد المسلمين . PageV04P1442 وإن كان قاتل المسلمين بعد ~~بلوغه وبرئه قبل أن يؤخذ ثم أخذ فلا بأس بقتله ، وإن لم يقتل أحدا لأنه كان ~~من جملة المقاتلة ، حين كان ممتنعا من المسلمين ، فإن قاتل بعد ما بلغ في ~~أيدي المسلمين ولكن لم يقتل أحدا فإنه يضرب ضربا وجيعا ولا يقتل ، بمنزلة ~~غيره من عبيد المسلمين إذا هم بقتال المسلمين ولم يقتل أحدا منهم ، وكذلك ~~لو فعل هذا بعض المأسورين من ذوي الآفات ؛ لأنه حين أدخل دار الإسلام وهو ~~ممن لا يقاتل فحاله فيما يصنع كحال المستأمن من أهل الحرب يقاتل في دار ~~الإسلام ولم يقتل أحدا . وإن ظفر المسلمون بقوم من الحراثين فسبيهم أحب إلي ~~من قتلهم ؛ لأنهم في القصد إلى القتال بمنزلة النساء ms0825 ، فإنهم لا يقاتلون ~~ولا يهتمون لذلك وفي سبيهم منفعة للمسلمين حتى يشتغلوا بإقامة عمل الحراثة ~~للمسلمين . ولكن مع هذا إن قتلوهم فلا بأس به ؛ لأنهم لهم بنية صالحة ~~للمحاربة ، والحراثة ليست بلا ذمة ، وقد يتحول المرء عن الحراثة إلى ~~المقاتلة بخلاف صفة الأنوثة . وإن أصابوا قوما سكارى فلا بأس بقتلهم في حال ~~سكرهم ، وإن كانوا ذاهبة عقولهم بسبب السكر ؛ PageV04P1443 لأن السكران في ~~الحكم كالصاحي ، بدليل سائر تصرفاته ، وهو بسكره لم يخرج من أن يكون محاربا ~~للمسلمين فلا بأس بقتله . وإذا دخل المسلمون مدينة من مدائن المشركين عنوة ~~فلا بأس بأن يقتلوا من لقوا من رجالهم ؛ لأنه موضع المقاتلة منهم ، فمن ~~وجدوه في ذلك الموضع فالظاهر أنه مقاتل ، وإنما يبنى الحكم على الظاهر حتى ~~يتبين خلافه . إلا أن يروا رجلا عليه سيماء المسلمين أو سيماء أهل الذمة ~~للمسلمين فحينئذ يجب عليهم أن يثبتوا في أمره حتى يتبين لهم حاله لأن تحكيم ~~السيماء أصل فيما لا يوقف على حقيقته ، قال الله تعالى : ' سيماهم في ~~وجوههم ' الفتح : 29 ، وقال تعالى : ' تعرفهم بسيماهم ' البقرة : ، وقال ~~تعالى : ' يعرف المجرمون بسيماهم ' الرحمن : 41 ، ومتى وقع الغلط في القتل ~~لا يمكن تداركه ، وليس في تأخيره إلى أن يتبين الأمر تفويت شيء على ~~المسلمين ، فلهذا ينبغي لهم أن يتثبتوا في أمره حتى يتبين لهم حاله ، وهذا ~~لأن السماء في كونه محتملا لا يكون دون خبر الفاسق ، وقد أمرنا بالتثبت ~~هناك ، فها هنا أولى . PageV04P1444 ولو لقوا في صف المشركين قوما من ~~المسلمين معهم الأسلحة فلا يدرون أمكرهون على ذلك أم غير مكرهين ، فإني أحب ~~لهم ألا يعجلوا في قتالهم حتى يسألوهم إن قدروا على ذلك ، وإن لم يقدروا ~~فليكفوا عنهم حتى يروهم يقاتلون أحدا منهم ، فحينئذ لا بأس بقتالهم وقتلهم ~~؛ لأن موافقتهم في الدين تمنعهم من محاربة المسلمين وهذا منهم معلوم ~~للمسلمين . فما لم يتبين خلافه لا يحل لهم أن يقتلوهم وبمجرد وقوفهم في صف ~~المشركين لا يتبين خلاف ذلك ؛ لأن ذلك محتمل ، وقد يكون عن إكراه وقد يكون ms0826 ~~عن طوع ، فالكف عن قتالهم أحسن حتى يتبين منهم القتال ، فحينئذ لا بأس ~~بقتالهم ، لأن مباشرة القتال في منعة المشركين مبيح لدمهم وإن كانوا مسلمين ~~، ألا ترى أن أهل البغي يقاتلون دفعا لقتالهم وإن كانوا مسلمين ، فبعد ما ~~ظهر هذا السبب لا يمنع قتلهم ، لأن أكثر ما فيه أنهم مكرهون على ذلك ~~والمكره على القتل يباح للمقصود بالقتل أن يقتله إذا هم بقتله . ولو كانوا ~~سلوا السيوف ، والمسلمون قليل ، يخافون إن تركوهم حتى يحملوا عليهم أول مرة ~~أن يقتلوهم ، وإن كان أكبر الرأي من المسلمين أنهم غير مكرهين فلا بأس ~~بقتالهم ، فحالهم الآن كحال من دخل على غيره ليلا شاهرا سيفه PageV04P1445 ~~واشتبه على صاحب الدار حاله ، واستدل عليه بحديث علي رضي الله عنه حين قاتل ~~أهل البصرة ، فإنه قال : لا تبدءوهم بالقتال حتى يقاتلوكم ، ومقصوده من هذا ~~الاستدلال أن ظهور القتال من بعضهم كظهوره من جماعتهم ، في حكم إباحة ~~قتالهم ولو قتل مسلم رجلا منهم ، بعدما ظهر منهم القتال ، ثم قامت البينة ~~من المسلمين أن أهل الحرب أخرجوه مكرها ، فلا دية على عاقلته ولا كفارة ؛ ~~لأنه قتل شخصا كان قتله حلالا مع العلم بحاله ، وإراقة الدم المباح لا توجب ~~دية ولا كفارة ، وكذلك إن كان عليه السلاح ، وهو في صف المشركين ولكنه لم ~~يقاتل أحدا من المسلمين ؛ لأن من كان مستعدا للقتال في صف المشركين فهو ~~مباح الدم ، وإن كان يستحب التبين في أمره عند التمكن من ذلك . ولو أحرقوا ~~سفينة من سفائن المشركين أو أغرقوها وفيها ناس من المسلمين ، فليس على ~~المسلمين في ذلك دية ولا كفارة ؛ لأنهم باشروا فعلا ، هو حلال لهم شرعا ، ~~مع العلم بحقيقة الأمر . PageV04P1446 وكذلك لو تترسوا بأطفال المسلمين ~~فأصابهم المسلمون بالرمي إلا أن المستحب لهم ألا يقصدوا المسلمين بذلك ؛ ~~لأنهم لو قدروا على التحرز عن إصابة المسلمين فعلا كان عليهم أن يتحرزوا عن ~~ذلك ، وإذا عجزوا عن ذلك كان عليهم التحرز بالقصد والنية ، لأن ذلك في ~~وسعهم . ولو وجب الكف عنهم بهذا لم يتوصل ms0827 إلى الظهور عليهم ؛ لأن كل أهل ~~حصن منهم أو أهل سفينة يخافون على أنفسهم يجعلون معهم في ذلك الموضع أسيرا ~~من أسر المسلمين ، فيتعذر عليهم لأجل ذلك قتالهم ، وهذا لا يجوز ، ألا ترى ~~أنه لو كان معهم ، في السفينة نساؤهم وصبيانهم فلا بأس بأن تحرق أو تغرق ، ~~وإن كان لا يحل القصد إلى قتل نسائهم وصبيانهم ، فكذلك إذا كان معهم في ذلك ~~الموضع قوم من المسلمين أو من أهل الذمة . والله أعلم بالصواب ، وهو الموفق ~~. PageV04P1447 # | باب من يكره له أن يغزو ، ومن لا يكره له ذلك # قال : المدين إذا أراد الغزو ، وصاحب الدين غائب ، فإن كان عنده وفاء بما ~~عليه من الدين فلا بأس بأن يغزو ويوصي إلى رجل ليقضي دينه من تركته ، إن ~~حدث به حدث ؛ لأن حق صاحب الدين في جنس دينه من مال المدين ، لا في نفس ~~المدين ، بهذا الخروج لا يفوت شيء من حقه ، لأنه متى رجع أخذ دينه من ~~المأمور على الوجه الذي يأخذه من المديون ، وإنما ذكر لفظة الإيصاء لأن ~~الخارج للغزو يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، ويتعرض للشهادة بخروجه في هذا ~~الوجه . ثم المال وإن كان ملكا للمدين في الحقيقة ، فهو في الحكم كالمملوك ~~لصاحب الدين ، فلهذا تجب الزكاة باعتباره على صاحب الدين دون المديون ، ~~فيكون المديون في معنى المودع ، ومن في يده ودائع للناس فلا بأس بأن يوصي ~~بها من يدفعها إلى أهلها ويغزو ، فكذلك الدين ، أرأيت لو استقرض مالا وما ~~كان في يده غير ذلك حتى بدا له أن يغزو لم يكن له أن يوصي إلى غيره أن يرده ~~إلى صاحبه إذا حضر فيغزو ، فهذا لا بأس به ، فإن كان له أن PageV04P1448 ~~يخرج لسفر التجارة والحج مع قيام الدين عليه ، إذا لم يكن في سفره تفويت حق ~~رب الدين ، فكذلك له أن يغزو ، وإن لم يكن عنده وفاء بالدين فالأولى له أن ~~يقيم فيتمحل لقضاء دينه ؛ لأن قضاء الدين مستحق عليه بعينه ، والغزو إذا لم ~~يكن النفير عاما غير مستحق عليه ms0828 بعينه ، فالأولى له أن يشتغل باكتساب سبب ~~الإسقاط فيما هو مستحق عليه بعينه ، وهذا للأصل المعروف أن عند اجتماع ~~الحقوق يبدأ بالأهم . وقضاء الدين أهم من الغزو ، على ما ورد في الحديث أنه ~~مرتهن بدينه في قبره ما لم يقض عنه ، وقال لعلي رضي الله عنه حين تبرع ~~بقضاء دين عن ميت : الآن بردت عليه جلدته ، فإن غزا بغير إذن صاحبه فذلك ~~مكروه له ، بمنزلة من خرج للحج ولم يدع لعياله ما يكفيهم ، إن ذلك مكروه له ~~بل أولى ؛ لأن نفقة عياله تجب شيئا فشيئا ، وقضاء الدين واجب في الحال . ~~وإذا أذن له صاحب الدين في الغزو ولم يبرئه من المال ، فالمستحب له أيضا أن ~~يتمحل لقضاء الدين ؛ لأن بإذنه له في الخروج لم يسقط عنه شيء من الدين ، ~~فالأولى له أنه ينظر لنفسه ويبدأ بما هو الأوجب . PageV04P1449 وإن غزا في ~~هذه الحالة لم يكن له بأس ؛ لأن المنع من الخروج كان لحق صاحب الدين ، وقد ~~رضي بسقوط حقه فلا بأس بأن يخرج ، كالعبد يأذن له مولاه في الجمعة فلا بأس ~~بأن يخرج لأدائها . وكذلك إذا كان الدين مؤجلا ، وهو يعلم بطريق الظاهر أنه ~~يرجع قبل أن يحل الدين ، فالأفضل له أن يتمحل لقضاء الدين ، وإن خرج لم يكن ~~به بأس ؛ لأنه ليس لصاحب الدين حق في منعه قبل حلول الأجل ، فإن ذلك يبتنى ~~على توجيه المطالبة له بقضاء الدين ، وذلك لا يكون مع بقاء الأجل فهو ~~والمأذون في الخروج سواء . واستدل على أن المقام أفضل له بم قاله النبي صلى ~~الله عليه وسلم في القتل في سبيل الله : إنه كفارة ثم قال : إلا الدين فإنه ~~مأخوذ به ، كما قال جبرائيل عليه السلام ، وإن كان أحال غريمه على رجل آخر ~~فإن كان للمحيل على المحتال عليه مثل ذلك المال فلا بأس بأن يغزو ، لأن ~~ذمته برئت بالحوالة عن حق المحتال ، وليس للمحتال عليه إذا أدى حق الرجوع ~~عليه بشيء . وإن لم يكن للمحيل على المحتال عليه مال فالمستحب له ألا ms0829 يخرج ~~؛ PageV04P1450 لأنه وإن برئ من دين المحتال فذمته مشغولة بحق المحتال عليه ~~، على معنى أنه إذا أدى ثبت له حق الرجوع عليه . فإن أذن له في الخروج ~~المحتال عليه دون المحتال فلا بأس بأن يخرج ؛ لأنه برئ من حق المحتال ، ~~وإنما بقي الشغل بينه وبين المحتال عليه ، ويعتبر إذنه في حقه . وإن كان لم ~~يحل غريمه ولكن ضمن عنه لغريمه رجل المال بغير أمره على إبراء غريمه ~~المديون ، فلا بأس بأن يغزو ولا يستأمر واحدا منهما ؛ لأنه قد برئ من حق ~~الطالب بالإبراء ولا رجوع للضامن عليه بشيء حين ضمن بغير أمره . ولو كان ~~كفل عنه بالدين كفيل بأمره فليس له أن يخرج حتى يستأمر الأصيل والكفيل ~~جميعا ؛ لأنه مطلوب من جهة كل واحد منهما فإن الأصيل يطالبه بالدين والكفيل ~~يطالبه بأن يخلصه مما أدخله فيه من الضمان . وإن كانت الكفالة بغير أمره ~~فعليه أن يستأمر الطالب ، لبقاء حقه في المطالبة بالدين قبله ، وليس عليه ~~أن يستأمر الكفيل ؛ PageV04P1451 لأنه لا رجوع للكفيل عليه بشيء ها هنا . ~~وكذلك الكفالة بالنفس في أمر باطل لأنه ادعى قبله ، فإن كفل بنفسه بأمره ~~فليس ينبغي له أن يغزو إلا بأمر الكفيل ؛ لأنه مطلوب من جهته بالخصومة معه ~~ليخلصه مما أدخله فيه . وإن كان كفل بغير أمره فلا بأس بأن يخرج ولا ~~يستأمره ؛ لأنه غير مطلوب من جهته بشيء . وإن كان المديون مفلسا ، وهو لا ~~يقدر أن يتحمل لدينه إلا بالخروج في التجارات مع الغزاة في دار الحرب ، فلا ~~بأس بأن يخرج ولا يستأمر صاحبه ؛ لأن مقصوده ها هنا التحمل لقضاء الدين ، ~~وهو المستحق عليه بعينه . وإن قال : أخرج للقتال لعلي أصيب ما أقضي به ديني ~~من النفل أو السهام لم يعجبني أن يخرج إلا بإذن صاحب الدين ؛ لأن في القتال ~~تعريضا لنفسه وليس في الخروج للتجارة معنى تعريض النفس ، فالحاصل أنه إن ~~منعه صاحب الدين فليس له أن يخرج وإن أذن له فلا بأس بأن يخرج وإن لم يشعر ~~هو بذلك ، فالأولى ألا يخرج ms0830 إذا كان PageV04P1452 يمكنه التحمل لقضاء الدين ~~بطريق آخر ، وإن كان عاجزا عن ذلك فلا بأس بأن يخرج ، لما روي أن رجلا من ~~المسلمين أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله صداق امرأة تزوجها وأخبره ~~أنه ليس عنده شيء ، فقال له : إني أريد أن أرسل أبا قتادة على سرية فاخرج ~~معه ، لعل الله يغنمك صداق امرأتك ، فخرج معه إلى حي من بني غطفان ، فغنموا ~~غنائم وأصاب الرجل ما جمع الله تعالى به إليه امرأته ، ولم يأمره في ~~استئمارها في الخروج ، فعرفنا أن ذلك جائز له ، فإن كان النفير عاما فلا ~~بأس للمدين أن يخرج ، سواء كان عنده وفاء أو لم يكن أذن له صاحب الدين في ~~ذلك أو منعه . لأن الخروج ها هنا فرض عين على كل أحد ، ممن يقدر عليه وهو ~~مما لا يحتمل التأخير ، وقضاء الدين يحتمل التأخير ، والضرر في ترك الخروج ~~أعظم من الضرر في الامتناع من قضاء الدين ، لأن ذلك الضرر يرجع إلى كافة ~~المسلمين ، فالواجب عليه أن يشتغل بدفع أعظم الضررين ، وليس لصاحب الدين حق ~~المنع ها هنا ، فلا يكون على المدين استئماره أيضا . فإذا انتهى إلى الموضع ~~الذي استنفر إليه المسلمون فإن كان يخاف على المسلمين فليقاتل ، وإن كان ~~أمرا لا يخاف على المسلمين منه فلا ينبغي له أن يقاتل إلا بإذن غريمه ؛ لأن ~~في القتال تعريضا لنفسه وليس له وفاء بالدين فكأن في اشتغاله به تعريض حق ~~صاحب الدين على الهلاك ، فلا يستحب له ذلك إلا بإذنه . وإن كان الغريم ~~مكتوب الاسم في الديوان فأمره PageV04P1453 قائده بالخروج إلى الغزو فليعلم ~~القائد بما عليه من الدين حتى يعلم ذلك الإمام ، ثم ينبغي للإمام ألا يخرجه ~~إذا كان بحيث يكفي ذلك المهم غيره ، وإن أبى إلا الخروج فليطع الإمام ؛ لأن ~~طاعته في مثل هذا واجبة عليه ، وبعدما أعلمه عذره إذا لم يعذره وأمره ~~بالخروج فلا شيء أفضل له من طاعته ، وإن كان لا يقدر على استئذان الإمام ~~ولكنه يخاف أن يحلف للتمحل أنه يذهب عطاؤه ms0831 فلا بأس بأن يخرج بغير إذن صاحب ~~الدين ؛ لأن خروجه هذا من التمحل لقضاء الدين . فإن تمحل الجندي ومعيشته ~~يكون بهذا ، فإذا انقطع ذلك عنه كان أعد له من قضاء دينه ، وإن لم يكن على ~~الغازي دين وكان له والدان حيان أو أحدهما فنهياه عن الغزو فالمستحب له ألا ~~يغزو إلا بإذنهما لما روي أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~أتيتك لأجاهد معك ، وتركت أبوي يبكيان ، فقال : اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما ~~، وقال آخر : أردت الجهاد معك وإن أمي كرهت ذلك ، فقال : الزم أمك ، فإن ~~الجنة عند رجليها ، وقد بينا جنس هذه المسائل فيما سبق . PageV04P1454 وعند ~~النفير العام لا بأس له أن يخرج وإن كره ذلك أبواه ؛ لأنه بالخروج يدفع عن ~~نفسه وعنهما . وإذا لم يكن النفير عاما ، وأمره الإمام بالخروج فليخبره خبر ~~أبويه فإن أمره بالخروج مع ذلك فليطعه ، قال : لأن الإمام أوجب عليه حقا في ~~مثل هذا من أبيه وأمه يعني أن من كان مكتوب الاسم في الديوان فعليه طاعة ~~الإمام في الخروج على الوجه الذي يكون على المملوك لسيده . ألا ترى أنه ~~يجبره على الخروج شاء أو أبى وأنه يتبعه في السفر والإقامة ، كالعبد مع ~~مولاه ، فكما أن على العبد طاعة مولاه في الخروج ، وإن كره ذلك أبواه فكذلك ~~الجندي في طاعة الإمام . والعبد لا يغزو بغير إذن مولاه إذا لم يكن النفير ~~عاما ؛ لأن خدمة المولى وطاعته فرض عليه بعينه . وعند النفير العام لا بأس ~~بأن يخرج إلى ذلك المكان بغير إذن مولاه ؛ لأنه يدفع بخروجه عن نفسه ، وعن ~~مولاه وعن سائر المسلمين ، PageV04P1455 وليس لمولاه أن يمنعه عند تحقق ~~الضرورة من الخروج ولا من القتال ولا يكون عليه أن يستأمره أيضا والمكاتب ~~في الخروج للغزو كالعبد ؛ لأن هذا لا يدخل تحت الفك الثابت بالكتابة فإن ~~ذلك مقصور على ما فيه اكتساب المال . والحرة يجوز لها أن تخرج إلى الغزو مع ~~المحرم فتداوي الجرحى ، وتقوم على المرضى ولا تخرج بغير إذن محرم ، عجوزا ~~كانت ms0832 أو شابة ، إذا كان خروج المسلمين إلى مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها ~~زوجها أو ذو رحم محرم منها ، وإن كان خروجهم إلى أقل من ذلك فلا بأس بأن ~~تخرج بغير محرم ، ولكن إن كان لها زوج فإنها لا تخرج إلا بإذن زوجها ، إلا ~~إذا كان النفير عاما وكان في خروجها قوة للمسلمين ، ولا ينبغي لها أن تلي ~~القتال إذا كان هناك من الرجال من يكفيها ، لأنها عورة ، ولا يأمن أن ينكشف ~~شيء منها في حال تشاغلها بالقتال ، ولأن في قتالها نوع شبهة للمسلمين ، فإن ~~المشركين يقولون : انتهى ضعف حالهم إلى أن احتاجوا إلى الاستعانة بالنساء ~~في القتال ، وعند الحاجة لا بأس بذلك لما روي أن نسيبة بنت كعب قاتلت يوم ~~أحد حين PageV04P1456 انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ~~لمقام نسيبة اليوم كان أفضل من مقام فلان وفلان ، فقد نوه بذكرها ومدحها ~~على مباشرة القتال عند تحقق الحاجة ، فعرفنا أنه لا بأس بذلك وإن نهى ~~الإمام الناس عن الغزو والخروج للقتال فليس ينبغي لهم أن يعصوه إلا أن يكون ~~النفير عاما ؛ لأن طاعة الأمير فيما ليس فيه ارتكاب المعصية واجب ، كطاعة ~~السيد على عبده ، فكما أن هناك بعد نهي المولى لا يخرج إلا إذا كان النفير ~~عاما فكذلك ها هنا . والله أعلم . PageV04P1457 # | باب ما يكره في دار الحرب وما لا يكره # قال : ولا بأس بأن يجرس في سبيل الله وعلى حصون المسلمين بالأجراس ؛ لأن ~~هذا مما يقوى به المسلمون ويذهب عنهم النوم ، وقد بينا أن كراهية الجرس في ~~استعماله على سبيل اللهو ، أو على ما يتضرر به المسلمون من دلالة المشركين ~~أو اللصوص على المسلمين بصوته ، فإذا انعدم ذلك المعنى لم يكن باستعماله ~~بأس ، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ، وكذلك لا ~~بأس بالأجراس التي تجعل على الخيل مع التجافيف في القتال لأن فيه ترهيب ~~المشركين وهو من مكايدة الحرب . وكذلك ms0833 لا بأس بالطبول التي يضرب بها في ~~الحرب لاجتماع الناس ؛ لأن هذه ليست بلهو ، وإنما المكروه طبول اللهو ، ~~بمنزلة الدفوف لا بأس بضربها في إعلان النكاح ، وإن كره ذلك للهو ، ~~PageV04P1458 ولا ينبغي للمسمين أن يضربوا في حربهم لجمع الناس بناقوس ولا ~~شبور ؛ لأن هذا من صنيع النصارى واليهود ، وقد نهينا عن التشبه بهم ، ولأن ~~المقصود يحصل بغير ذلك ، فلا ينبغي أن نستعمل ما يستعمله المشركون مع إمكان ~~تحصيل المقصود بغيره . والصلاة في حصون المسلمين ومدائنهم أفضل من الحرس ~~إذا كان هناك من يقوم بأمر الحرس ، لأنها أجمع في معنى العبادة ، وإن لم ~~يكن هناك من يكفي الحرس فالحرس أفضل ، ولأن الحرس إنما يكون في هذا الموضع ~~خاصة ، وهو متمكن من الصلاة النافلة في غير هذا الموضع ، فهو نظير الصلاة ~~مع الطواف بمكة . فإن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة لهذا المعنى ، وإن ~~أمكنه الجمع بين الحرس والصلاة فليجمع بينهما ؛ لأن الجمع بين العبارتين ~~أفضل من أداء إحداهما ، والإعراض عن الأخرى كالجمع بين الصوم والاعتكاف ، ~~وبين الطواف وقراءة القرآن . فإن صلى إلى القبلة شغله ذلك عن الحرس فأراد ~~أن يحرس ويصلي بغير القبلة فليس له ذلك ؛ لأن الصلاة لغير القبلة مع العلم ~~لا تجوز إلا عند تحقق الضرورة ولا تتحقق الضرورة ها هنا ، لأن الحرس ليس ~~بمستحق عليه عينا . PageV04P1459 وإن كان ينحرف عن القبلة قليلا ، إلا أنه ~~لا يصلي نحو المشرق ولا نحو المغرب ولا نحو دبر القبلة ، فإن كان ذلك على ~~وجه لو صلى الفريضة كذلك متعمدا لزمه الإعادة فليس ينبغي له أن يصلي تطوعا ~~؛ لأن المكتوبة والنافلة في وجوب استقبال القبلة فيهما سواء . وإن كان ذلك ~~على وجه لو فعله في المكتوبة متعمدا لم يلزمه الإعادة بأن كان لا يصرف وجهه ~~عن القبلة فلا بأس بهذا ، لما فيه من الجمع بين التقرب بالصلاة والحرس في ~~سبيل الله ، والأفضل له ألا يطول الأركان حتى يصلي ركعتين ثم يحرس ، وهذا ~~يحرس على رأس كل ركعتين ، وإن خاف أن يكون منه تفريط في ms0834 الحرس ، وإن أخف ~~الصلاة فليدع الصلاة ، بمنزلة ما لو كان بحيث لا يمكنه أن يصلي إلى القبلة ~~لأنه إنما يجمع بين الأمرين إذا كان يأمن التفريط في أحدهما ، ولا بأس بأن ~~يقلد الخيل أعناقها في الحرب وغير الحرب ؛ لأن ذلك من صنع المبارزين وغيرهم ~~وممن يركب الخيل ، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، ولكن لا ~~يعجبنا أن يقلدوها بالأوتار ، لما جاء في PageV04P1460 الحديث : قلدوا ~~الخيل ولا تقلدوها بالأوتار ، وقيل في تأويل النهي : إنها ربما خنقت فقتلت ~~، فلهذا يكره تقليد الخيل بها . قال : ويكره لبس الحرير الرقيق في الحرب ~~وغير الحرب ؛ لأن ذلك لا يدفع به السلاح ، وإنما يلبس للتنعم . فأما الثخين ~~الذي ينتفع به في الحرب ، فقد بينا الخلاف فيه ، ويكره أن يكون في تجفاف ~~فرس الغازي تمثال حيوان ، وكذلك في سرجه وترسه ، وما يلبسه من الثياب وإن ~~كان في شيء من ذلك تمثال الأشجار فلا بأس به ، لما روي أنه أهدي لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ترس فيه تمثال طائل ، فأصبح وقد محا ذلك التمثال ، قيل ~~: فعل ذلك الملك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدل أن استعمال مثله مكروه ~~، وإنما يرخص في التماثيل في البساط والوسادة ونحو ذلك مما ينام ويجلس عليه ~~، لحديث جبرائيل عليه السلام ، حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~إما أن تقطع رءوسها أو تتخذ وسائد فتوطأ ، وهذا لأنه ليس في ذلك تعظيم ~~الصورة والتشبه بمن يعبدها ، بخلاف ما ينصب أو يلبس أو ينظر فإن في ذلك ~~معنى تعظيم الصورة والتشبه بمن يعبدها ، فكان مكروها ، وفي هذا دليل على أن ~~البشتي الكبير من الوسائد الذي ينصب أمام البيت إذا كان عليه تمثال حيوان ~~فذلك PageV04P1461 مكروه ، لأن ذلك ينصب ولا يوطأ ، وكذلك الستور والأزر ~~إذا كان فيها تمثال حيوان فإن استعمال ذلك مكروه . وكذلك يكره أن يكون في ~~آنية البيت تماثيل ؛ لأن ذلك ليس مما يبسط ويجلس عليه . قال : ولا بأس بلبس ~~الجوشن أو البيضة من الذهب أو الفضة في الحرب ms0835 ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد ~~رحمهما الله تعالى ، فأما على قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فهو مكروه ~~، والاختلاف فيه كالاختلاف في لبس الديباج في الحرب ، لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جمع بينهما في قوله : هذا حرامان لذكور أمتي حل لإناثها ، وبهذا ~~يقع الفرق بين هذا وبين لبس المصور من الثياب ، لأن النهي عن ذلك عام في حق ~~الرجال والنساء ، فعرفنا أن لا رخصة فيه في غير موضع الضرورة ، والحرير ~~والذهب لما رخص فيهما للنساء لمنفعة الزينة ، فعرفنا أن فيهما رخصة لأجل ~~المنفعة وإن لم يكن في موضع الضرورة . قال : ولا بأس بلبس الثوب في غير ~~الحرب إذا كان أزراره ديباجا أو ذهبا ؛ لأنه قد جاء في الحرير رخصة في ~~الإصبع والإصبعين والثلاثة . PageV04P1462 وكذلك الذهب في الأزرار والكفاف ~~، ويكره للرجل أن يتختم بخاتم الذهب ولا بأس بأن يلبس خاتم فضة في فضة ~~مسمار ذهب ؛ لأن ذلك قليل في حكم التبيع المستهلك كالأزرار ، فكذلك الكفاف ~~والأزرار في الثوب . وإن تحققت الحاجة له إلى استعمال السلاح الذي فيه ~~تمثال فلا بأس باستعماله ؛ لأن مواضع الضرورة مستثناة من الحرمة كما في ~~تناول الميتة ، وإن كان التمثال مقطوع الرأس أو ممحو الوجه فهو ليس بتمثال ~~؛ لأن المكروه هو تمثال الحيوان ، ولا يكون ذلك بدون الرأس . ويكوه أن يجعل ~~على الكعبة ثوب فيه تمثال ذي روح ؛ لأن اتخاذ التمثال في سائر المساجد ~~مكروه ، ففي الكعبة أولى . وإن طينت رءوس التماثيل بالطين حتى محاها الطين ~~فلم تستبن فلا بأس بذلك ؛ لأنها الآن ليست بتماثيل . PageV04P1463 وكذلك لو ~~كان التماثيل في بيت فأذهبت وجوهها بالطين أو الجص فإن الكراهة تزول به ، ~~وإن كان بحيث لو شاء صاحبها نزع الطين ؛ لأن الكراهة لما فيه من معنى تعظيم ~~الصورة ، والتشبه بمن يعبدها وذلك يزول به . وكذلك إن كان ذلك على السلاح ~~فجعل على وجوهها الغراء ، أو كان على الثياب فضرب عليها الخيوط حتى محاها ، ~~أو خاط على وجهها خرقة . فإن الكراهة تزول بجميع ذلك . وكذلك يكره تماثيل ~~ذي ms0836 الروح في الرايات والألوية ؛ لأن ذلك مما ينصب نصبا . ولا بأس بأن يجعل ~~فيها تماثيل شجر ونحو ذلك لأن المكروه تماثيل ذي الروح ، على ما جاء في ~~الحديث : أنه يكلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح وهو ليس بنافخ ، ولا بأس ~~بأن يستر حياطان البيت باللبود ونحوها للبرد ، أو بالخيش للحر ، إذا لم يكن ~~فيها تماثيل ؛ PageV04P1464 لأن هذين للمنفعة لا للزينة ، وإنما يكره من ~~ذلك ما يكون على قصد الزينة . على ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى ~~عنه أمر بنزع ذلك ، ولما رآه سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه في بيت قال ~~: أمحموم بيتكم هذا ، أو تحولت الكعبة في كندة ؟ فعرفنا أن ذلك مكروه ، لما ~~فيه من تشبيه سائر البيوت بالكعبة ، ثم على قول أبي حنيفة رضي الله تعالى ~~عنه ، لا بأس ببسط الحرير للجلوس والنوم عليه ، وكذلك لا بأس بالتوسد ~~بالحرير ، وإنما يكره اللبس في ذلك ، وعلى قول محمد رحمه الله ، التوسد ~~بالحرير والجلوس عليه مكروه كلبسه ، وذلك منقول عن عبيدة السلماني رحمه ~~الله . ولا خلاف أن الدثار إذا كان من الحرير فهو مكروه ، واستدل محمد رحمه ~~الله بحديث علي رضي الله تعالى عنه أنه أدنيت إليه بالمدائن بغلة الدهقان ~~ليركبها ، فوضع يده على قربوس السرج ، فزلت فقال : ما هذا ؟ قالوا ديباج ~~فكره أن يركبها ، قال : ولو كان هذا لا بأس به أن يقعد عليه لم يكن بالقعود ~~على سرير الذهب بأس . لأن التسوية بينهما ثابتة في الأثر ، وإذا كان ذلك ~~مكروها بالاتفاق فهذا مثله ، فكيف يرخص في سرير الذهب أن يجلس عليه ولا ~~رخصة في آنية الذهب في استعمالها . PageV04P1465 وإن كان في خاتمه فص فيه ~~صورة ذي روح فلا بأس بلبسه ؛ لأن هذا يصغر عن البصر ، ولا يرى عند النظر ~~إليه من بعيد ، وإنما يكره من ذلك ما يرى من بعيد . ثم معنى التعظيم ~~والتشبيه بمن يعبد الصورة لا يحصل في استعماله هذا ، وقد بلغنا أن حذيفة بن ~~اليمان رضي الله تعالى عنه ، كان على ms0837 فص خاتمه كركيان بينهما شيء من ذكر ~~الله تعالى ، وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه ، كان في خاتمه صورة ~~أسد رابض . ألا ترى أنه لا بأس بأن يحمل الرجل في حال الصلاة دراهم العجم ~~وإن كان فيها تماثيل الملك على سريره وعليه تاج . ولا بأس بأن يكون في بيت ~~الرجل سرير من ذهب لا يقعد عليه وأواني من ذهب أو فضة لا يشرب فيها ، ولا ~~يأكل ولكنها موضوعة يتجمل بها وقد روي أن محمد بن الحنفية رضي الله تعالى ~~عنه ، قد كان ذلك في بيته فلما قيل له في ذلك ، قال : هذا امرأة من قريش ~~تزوجتها فجاءت به ، وما ذكر بعد هذا إلى آخر الباب وقد استقصينا شرحه في ~~كتاب الكسب موصولا بشرح المختصر ، والله أعلم . PageV04P1466 . # | باب قطع الماء عن أهل الحرب وتحريق حصونهم ونصب المجانيق عليها # قال : ولا بأس للمسلمين أن يحرقوا حصون المشركين بالنار أو يغرقوها ~~بالماء وأن ينصبوا عليها المجانيق وأن يقطعوا عنهم الماء ، وأن يجعلوا في ~~مائهم الدم والعذرة والسم حتى يفسدوه عليهم ؛ لأنا أمرنا بقهرهم وكسر ~~شوكتهم ، وجميع ما ذكرنا من تدبير الحروب مما يحصل به كسر شوكتهم ، فكان ~~راجعا إلى الامتثال ، لا إلى خلاف المأمور ، ثم في هذا كله ، نيل من العدو ~~وهو سبب اكتساب الثواب قال الله تعالى : ' ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ~~لهم به عمل صالح ' ، ولا يمتنع شيء من ذلك ما يكون للمسلمين فيهم من أسرى ، ~~أو مستأمنين ، صغارا أو كبارا أو نساء أو رجالا وإن علمنا ذلك . لأنه لا ~~طريق للتحرز عن إصابتهم ، مع امتثال الأمر بقهر المشركين وما لا يستطاع ~~الامتناع منه فهو عفو . PageV04P1467 وإن هلك بعض من ذكرنا بشيء من هذه ~~الأسباب فلا شيء على المسلمين في ذلك ؛ لأن فعلهم مباح مطلوب أو مأمور به ~~وما لا يستطاع الامتناع منه فهو عفو في حقهم ، فلا يلزم به تبعة في الدنيا ~~ولا في الآخرة . وأصل هذا فيما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، سئل عن ms0838 ~~أهل الدار من المشركين يبيتون فيقتل فيهم النساء والصبيان ، فقال : هم منهم ~~، وعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أسامة بن زيد رضي الله عنه أن ~~يغير على أبنى صباحا ثم يحرق ، وأشار سلمان رضي الله عنه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق على حصن الطائف فنصبه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأمر عمر أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما وهو محاصر أهل تستر أن ~~ينصب المنجنيق عليها ، فنصبها أبو موسى ونصب عمرو بن العاص المنجنيق على ~~اسكندرية حين حاصرها وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الماء عن أهل حصن ~~من حصون النطاة بخيبر حين أخبر أن لهم ذيولا تحت الأرض يشربون منها عادية ~~فقطعها عنهم حتى عطشوا فخرجوا PageV04P1468 وقاتلوا حتى ظفر الله ورسوله ~~بهم ، وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ، قال : ركبنا البحر زمن معاوية رضي ~~الله تعالى عنه ولقينا عدو فرميناهم بالمحرقات ، فعرفنا أنه لا بأس بذلك ~~كله ما داموا ممتنعين ، وإنما يكره الإحراق بالنار بعد الأخذ للأسير ، على ~~ما روي عن ابن عباس ، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~السرية وقال لهم : إن قدرتم على فلان فأحرقوه بالنار وكان نخس بزينب رضي ~~الله عنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أزلقت ، ثم قال : إن ~~قدرتم عليه فاقتلوه ولا تحرقوه فإنما يعذب الله تعالى بالنار ، ولما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ، إلى اليمن ~~قال له : انظر فلانا ، فإن أمكنك الله منه فأحرقه بالنار ، فلما ولى دعاه ~~فقال : إني قلت لك ذلك وأنا غضبان ، فإنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله ~~تعالى ، ولكن إن أمكنك الله منه فاقتله ، فعرفنا أنه يكره إحراق المشركين ~~بالنار بعدما يقدر عليهم ، فأما مع كونه ممتنعا فلا بأس به ، قال : ولا بأس ~~بالتكني عند الحرب والانتماء وإنشاد PageV04P1469 الشعر ، ما لم يكن في ذلك ~~غضب من بعض المسلمين ، بأن يهجو بعضهم بعضا ms0839 ، أو يفخر بعضهم على بعض فإن ~~ذلك مما يحرض على القتال ، ويزيد في نشاط المبارزين ، فلا بأس به بشرط ألا ~~يؤذي أحدا ، فإن أذى المسلم لا رخصة فيه ، والأصل فيه ما روي أن أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم الخندق كانوا يحفرون ويرتجزون ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : لا يغضب اليوم أحد من شيء يرتجز به رجل لا يريد ~~به بأسا ، ما لم يكن كعب بن مالك أو حسان بن ثابت ، فإنهما يجدان من ذلك ~~قولا كثيرا ، ونهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولا شيئا فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يباشر الحفر بنفسه حتى باشر به الناس وهو ~~يقول : # اللهم لا خير إلا خير الآخرة . . . فاغفر للأنصار والمهاجرة # وكان يحمل مكاتيل التراب يومئذ وهو يقول : # هذي الجمال لا جمال خيبر . . . هذه أبر بنا وأطهر فعرفنا أنه لا بأس ~~بمثله مما يزيد في نشاط المجاهدين ، PageV04P1470 ولو رمى رجل من المسلمين ~~رجلا واقفا في صف المشركين ، وهو مسلم قد جاء به المشركون مكرها ، والرامي ~~لا يعلم أنه مسلم ، أو يعلم إلا أنه لم يتعمده بالرمية ، أو تعمده وهو لا ~~يدري أنه مسلم ، فهذا كله سواء ، وليس على الرامي فيه دية ولا كفارة ؛ لأنه ~~قد حل له الرمي إلى صف المشركين مطلقا ، فلا يكون ذلك موجبا عليه تبعة . ~~إلا أن يعلم مسلما بعينه قد جاء به العدو مكرها فتعمده بالرمي ، وهو يعلم ~~حاله فحينئذ يلزمه القود في القياس ؛ لأنه عمد محض ، والعمد موجب للقود ، ~~وهذا قياس يؤيده النص ، وهو قوله عليه السلام : العمد قود . وفي الاستحسان ~~لا قود عليه ؛ لأنه في صف المشركين ، والرمي إلى صفهم مباح فكونهم في موضع ~~إباحة القتل يصير به شبهة في إسقاط القود ، لأنه عقوبة تندرئ بالشبهات . ~~ولكن عليه الدية في ماله ؛ لأن الدية تثبت مع الشبهات ، وقد أتلف نفسا ~~متقومة . ولا كفارة عليه ؛ لأن فعله عمد . PageV04P1471 وإن انقطع وتر ~~الرامي فرجع السهم على رجل مسلم في صف المسلمين ، أو مالت ms0840 الرمية فأصابت ~~رجلا من المسلمين وقد تقدم للقتال ، فعليه الدية على عاقلته والكفارة ؛ ~~لأنه قتله خطأ وفي الخطأ الدية والكفارة بالنص ، ثم بين أنواع الخطأ . فمن ~~ذلك أن يتعمده بالرمية حين رآه في صف المشركين ، وهو يظنه من المشركين ، ~~فإذا هو مسلم ، وهذا عمد في الحقيقة ؛ لأنه قصد شخصا بعينه وأصابه ، فأما ~~ظنه فليس بمتصل بفعله ، ولكنه خطأ شرعا عرفناه بالسنة ، وهو ما روي أن سيوف ~~المسلمين اختلفت على اليمان أبي حذيفة رضي الله تعالى عنهما وهم يرون أنه ~~من المشركين فقتلوه فجعل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية فترك ذلك ~~لهم حذيفة . فلو رموا أهل الحصن بالمنجنيق فأصابوا مسلما في الحصن تاجرا أو ~~أسيرا فلا شيء عليهم ، وإن أعلمهم المسلم أنه فيهم ، لما بينا أن الرمي ~~مباح له على الإطلاق . وكذلك لو دخنوا على مطمورة وفيها مسلم مع المشركين ~~فمات المسلم فيمن مات فلا بأس عليهم ؛ لأن التدخين مباح لهم . PageV04P1472 ~~إلا أنهم لو قدروا على قتل المشركين الذين فيها بغير تدخين فالأولى أنهم لا ~~يدخنون ، وإن لم يقدروا على ذلك إلا بالتدخين فلا بأس بذلك ؛ لأنهم لم ~~يتعمدوا ذلك المسلمين ، إنما أرادوا به المشركين ، فيكون ذلك فعلا مباحا ~~لهم على الإطلاق ، بخلاف فعل الخاطئ فإنه مباح ، بشرط أن يتحرز عن إصابة ~~المسلم ، لأن ذلك مما يمكن التحرز عنه في الجملة . ولو رجع حجر المنجنيق ~~على قوم من المسلمين في عسكر المسلمين فقتلهم ففيه الدية والكفارة ؛ لأنه ~~خطأ يمكن التحرز عنه في الجملة . ويكون ذلك على الذين يمدون الحبال دون ~~الذين يمسكون المنجنيق ، والذي يمسلك الحجر ويسدده لهم ؛ لأن الرماة هم ~~الذين يمدون الحبال ، فإن مضي الحجر يكون بقوتهم من أي وجه مضى ، لا بفعل ~~المسدد للحجر ، وفعل الذي يمسك المنجنيق . وإن وقع الحجر على الذين رموا ~~بها فقتل رجلا منهم فعليهم الدية على عواقلهم ، يرفع عنه حصة من ذلك حتى ~~إذا كانوا عشرين رجلا فعليهم الدية إلا نصف عشرها ؛ لأنه قتل نفسه معهم ~~فبحصته يسقط ، وهو نصف ms0841 عشر الدية ، بمنزلة رجل جرح نفسه وجرحه قوم . ~~PageV04P1473 وعلى كل رجل منهم كفارة كاملة ؛ لأن الكفارة جزاء الفعل ولأنه ~~لا يحتمل الوصف بالتجزي بخلاف الدية ثم بين : أنهم إذا تترسوا بأطفال ~~للمسلم ، فلا بأس للمسلم أن يرمي إليهم وإن أصاب الطفل فليس عليه في ذلك ~~شيء ؛ لأنه لا يتعمد بالرمي المسلم ، وإنما يتعمد به العدو . ولو كان ~~المسلمون يغرمون في هذه الديات ، أو يكون عليهم فيها الكفارات ما أقدموا ~~على القتال في هذا ، فكيف يقاتل من يجب عليه فيما أصاب الكفارة ، فإن لم ~~يؤدها كان عاصيا ، وإن مات قبل أن يكفر لقي الله تعالى مذنبا مأخوذا بذنبه ~~، إلا أن يعفو الله تعالى عنه ، وفي هذا تنصيص على أن المخطئ يكون آثما ، ~~بخلاف ما يقوله بعض أصحابنا أنه لا إثم على المخطئ استدلالا بظاهر قوله ~~تعالى : ' وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ' الأحزاب : 5 ، فإنا نقول في ~~التنصيص على إيجاب الكفارة على المخطئ بيان ظاهر على أنه في فعله آثم ~~والمراد بالنص الآخر رفع الجناح عنه بعد التكفير ، وما شرعت الكفارة إلا ~~ستارة للذنب ، وهذا لأن التحرز عن الخطأ في الجملة ممكن PageV04P1474 وكل ~~هذا التقرير منا لبيان أن الفعل متى كان مباحا مطلقا لا يصير ذلك سببا ~~موجبا للدية ولا الكفارة ، ولا بأس بأن يجعل السم في السلاح ؛ لأن السلاح ~~المسموم يكون أعمل في نفوسهم وأقتل لهم إذا وقع بهم ، فكان هذا من مكايدة ~~الحرب وقد بينا أن ما يرجع إلى مكايدة الحرب فلا بأس به للمسلم . وكذلك ~~الأسنة يجعل في رءوسها المشاقة عليها النفط ، وفيها النيران ، ليطعن به ~~المشركين حتى يحترقوا ، فإن هذا من مكايدة الحرب فلا بأس به ، ثم ذكر قطع ~~الأشجار وتخريب الأبنية ، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب والذي زاد ها ~~هنا . أنه يجوز لهم أن يفعلوا ذلك كله فيما يمرون به من الطريق ، وإن كانوا ~~لا يحاصرون أحدا إلا في خصلة واحدة ، وهو أن يكون طريقا معروفا ، يمر به ~~الغزاة كل سنة ، فحينئذ لا ينبغي ms0842 لهم أن يغوروا ما كان فيه من المياه ، ولا ~~يقطعوا ما كان فيه من الشجر المثمر ؛ لأنهم يحتاجون إلى ذلك في كل سنة ، ~~فلو فعلوا ذلك أضر ذلك بهم أو بغيرهم من المسلمين ، ممن يمر بعدهم في هذا ~~الطريق غازيا ، فللتحرز عن PageV04P1475 هذا الضرر يكره لهم ذلك ، فأما ما ~~سواه مما فيه كبت وغيظ للمشركين فلا بأس بأن يفعلوا ذلك . وإذا دخل المسلم ~~دار الحرب بأمان فليس ينبغي له أن يعمل لهم السلاح ولا التجافيف ، ولا غير ~~ذلك مما يتقوون به على المسلم في الحرب ؛ لأن حمل ذلك إليهم من دار الإسلام ~~مكروه للمسلمين أشد الكراهة فكذلك عمل ذلك لهم في دار الحرب . ويستوي في ~~ذلك المستأمن والأسير ؛ لأنهما مخاطبان بكسر شوكة المشركين ، وممنوعان مما ~~فيه تقوية المشركين على محاربة المسلمين . فإن أكرهوهما على شيء من ذلك ~~بحبس أو قيد فكذلك الجواب ؛ لأنهما لا يخافان التلف على أنفسهما ، والضرورة ~~إنما تتحقق بالتهديد بما فيه خوف الهلاك . وإن هددوهما بالقتل أو الضرب ~~الذي يخاف منه التلف على النفس ، أو على عضو من الأعضاء فلا بأس بأن يفعلا ~~؛ PageV04P1476 لأن الضرورة قد تحققت ، وعند تحقق الضرورة يسع للمسلم ما هو ~~أعظم من هذا ، وهو إجراء كلمة الشرك على اللسان ، فلأن يسع له عمل السلاح ~~لهم كان أولى . وإن أبى أن يفعل حتى يقتل كان ذلك أفضل له ؛ لأنه أظهر ~~بفعله الصلابة في الدين ، ومباشرة ما فيه غيظ للمشركين والتحرز عن اكتساب ~~ما فيه إدخال الوهن على المسلمين ، فيكون ذلك أعظم لثوابه ، كما إذا تحرز ~~عن إجراء كلمة الشرك على اللسان حتى يقتل . وإن كان المسلم مستأمنا فيهم ~~فكان إذا عمل شيئا من ذلك لم يمنعوه من إخراجه إلى دار الإسلام ، ولم ~~يجبروه على أن يعطيهم ذلك بثمن ولا غير ثمن ، فلا بأس بأن يصنع ذلك في دار ~~الحربن ثم يخرجه إلى دار الإسلام ؛ لأنه ليس في صنيعه هذا تقوية المشركين ~~على المسلمين ، فأما إذا خاف أن يأخذوا ذلك منه لم يحل له أن ms0843 يفعل . ألا ~~ترى أنه لا يحل له أن يدخل ذلك مع نفسه من دار الإسلام ، لتجر فيه ، ويحل ~~له إدخال ذلك مع نفسه لينتفع به إذا علم أنهم لا يأخذونه منه ، فكذلك ما ~~سبق . ولو أصاب المستأمن معدن حديد في دار الحرب فإنه يكره له أن يعمل فيه ~~، ويستخرج من الحديد ، إذا كان ذلك يؤخذ منه بثمن أو بغير ثمن ؛ ~~PageV04P1477 لأن الحديد أصل السلاح ، فالحكم فيه كالحكم في عمل السلاح . ~~وإن كان يعلم أنه لا يؤخذ منه بغير رضاه فلا بأس بأن يستخرجه ، ثم يخرجه ~~إلى دار الإسلام ، وإن كان يؤخذ منه البعض دون البعض فإنه يكره له أن ~~يستخرجه ، إلا أن يكون بالمسلمين إلى ذلك ضرورة ، أو يكون في إخراج ما يخرج ~~رفقا بينا للمسلمين ، فإن كان بهذه الصفة فهو إنما يقصد بفعله توفير ~~المنفعة على المسلمين ، دون الإضرار بهم ، وهذا لا بأس به ، لو أصاب دواب ~~فعجزوا عن إخراجها فقد بينا أنه ينبغي لهم أن يذبحوها ثم يحرقوها بالنار ، ~~ولا ينبغي لهم أن يعقروا شيئا منها عقرا ، وهم يقدرون على ذبحها من بقرة ~~ولا رمكة ولا غير ذلك ؛ لأن ذلك مثلة ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك ولو بالكلب العقور . إلا أن يعجزهم الثور أو الرمكة فحينئذ لا بأس ~~بأن يعقروها بالرمي ؛ لأنه تحقق عجزهم عن ذبحها ، وفي تركها منفعة للمشركين ~~، فلهذا لا بأس بأن يعقروها . PageV04P1478 والأصل فيه ما روي أن جعفرا ~~الطيار رضي الله تعالى عنه يوم مؤته لما أيس من نفسه ترجل وعقر جواده ، ~~وجعل يقاتل حتى قتل ، فبهذا تبين أنه لا بأس للمسلم أن يترجل فيقاتل ~~ويستقتل ؛ لأنه بهذا الصنيع يرى المشركون ، أنه لا يريد الفرار منهم بحال ، ~~وفي هذا كسر شوكتهم ، وهون مكايدة الحرب ، قد فعله غير واحد من الصحابة ~~رضوان الله تعالى عليهم أجمعين . منهم عاصم بن ثابت حمي الدبر رضي الله عنه ~~، حيث استقبل يوم الرجيع يوم بني لحيان ، وإنما سمي حمي الدبر ، لأنه لما ~~أيقن أنهم قاتلوه قال ms0844 : اللهم إني حميت دينك بجهدي فاحم لحمي ، فلما قتل ~~أرسل الله الدبر حتى حمت لحمه ، فلم يستطع أحد من المشركين أن يقرب منه ~~ليجز رأسه ، فقالوا : اصبروا حتى يدخل الليل ، فإن الدبر تذهب بالليل ، ~~فلما دخل الليل طلبوه فلم يجدوه ، فسمي حمي الدبر لهذا ، والمنذر بن عمرو ~~الساعدي ، رضي الله عنه استقبل يوم بئر معونة حتى قتل فعرفنا أنه لا بأس ~~للمسلم أن يترجل إذا أراد أن يستقتل ليقتل أو ليظفر بهم ، وأن يكسر جفن ~~سيفه ، وأن يذبح فرسه إن أمكنه ذبحه ، فلا بأس بعقره ، ثم يمضي حتى يقتل أو ~~يظفر . PageV04P1479 لأن في هذا كله تحقيق تسليم المبيع على ما أشار الله ~~تعالى إليه في قوله : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التوبة : ~~، ولو حاصر المسلمون أهل حصن ، وهو على طريقهم المعروف ، فلا بأس بأن ~~يقطعوا أشجارهم ويغوروا مياههم ، وقد بينا أنهم إذا لم يكونوا محاصرين أحدا ~~فالأولى لهم ألا يفعلوا ذلك في الطريق المعروفة ، لكيلا يتضرر به أمثالهم ~~أو هم بعد هذا ، فأما إذا كانوا محاصرين للعدو فهذا الصنيع يكسر شوكتهم ، ~~ويحملهم على أن يعطوا بأيديهم ، والمنفعة للمسلمين في هذا أكثر مما يخاف من ~~الضرر في وقت آخر ، فلهذا لا بأس لهم أن يفعلوا ذلك . ولو أخذ أهل الحرب ~~أسيرا من المسلمين ، وهم محاصرون حصنا من حصون المسلمين فقالوا له : دلنا ~~على موضع نفتح منه هذا الحصن ، وهو يعرف ذلك ، فليس يحل له أن يفعل هذا ، ~~لما فيه من إعانة المشركين على المسلمين ، فإن هددوه بالقتل على ذلك فإن ~~كان أكبر الرأي منه على أنه يفتح إن فعل ذلك وظفروا بالحصن ، فقتلوا ~~المقاتلة وسبوا الذرية فليس يسعه أن يدلهم . لأن في فعله ذلك هلاك للمسلمين ~~، وليس للمسلم أن يجعل روح جماعة المسلمين وقاية لروحه . ألا ترى أن المكره ~~على القتل لا يحل له أن يقتل المقصود بالقتل ، وإن PageV04P1480 كان ذلك ~~شخصا واحدا ، فلأن لا يحل له أن يفعل ذلك وفيه هلاك جماعة المسلمين كان ~~أولى . ألا ترى أنهم ms0845 لو جاءوا في طلب رجل من المسلمين يريدون قتله فقالوا : ~~دلنا عليه ، وإلا قتلناك ، وأكبر الرأي منه على أنه إن دلهم عليه قتلوه ، ~~فإنه لا يسعه أن يدلهم عليه قال : لأن في هذا مظلمة للمسلمين ، ولا يحل له ~~أن يظلم مسلما في بدنه بما يهلكه ، وإن كان يخاف التلف على نفسه ولكن إن ~~علم أنهم لا يقتلونه ولكنهم يأسرونه فيتخدمونه أو يأخذون مالا معه ، فحينئذ ~~هو في سعة من أن يدلهم عليه إذا خاف القتل على نفسه ، بمنزلة ما لو أكرهوه ~~على إتلاف مال مسلم ، وإن أبى أن يفعل ذلك حتى يقتل فذلك أعظم لأجره ، لأنه ~~تحرز عما فيه مظلمة المسلم ، وأظهر الصلابة في الدين ، وما يغيظ المشركين ، ~~وذلك أعظم للأجر . ولو أن المكره على الدلالة ، على طريق الحصن كان أكبر ~~الرأي منه أنه إن دلهم على ذلك الطريق يكون فيه نوع وهن بشوكة المسلمين ، ~~ولكن المسلمين ينتصفون منهم ، ويقاتلونهم ، فلا بأس بأن يدلهم إذا خاف ~~التلف على نفسه ؛ لأنه ليس في هذه الدلالة هلاك المسلمين ، إنما فيه زيادة ~~شغل أو هم PageV04P1481 يلحقهم بسبب دلالته ، فيكون هو في سعة من أن يفعله ~~عند خوف الهلاك على نفسه ، وإن كان الامتناع منه أعظم للأجر ، بمنزلة ما لو ~~قالوا له : دلنا على سلاح نقاتل به المسلمين وإلا قتلناك ، فإن كان أكبر ~~الرأي منه أنه إذا فعل ذلك ظفروا بالمسلمين فليس يسعه أن يدلهم ، وإن كان ~~أكبر الرأي منه أنهم يتقوون بهذا السلاح ، ولكن المسلمين قد ينتصفون منهم ، ~~فلا بأس بأن يدلهم ، إذا خاف القتل على نفسه أو المثلة ، وإن كان لو صبر ~~حتى يقتل كان أفضل له . وإن قيل له : لنقتلنك أو لتسجدن للملك إذا رأيته ، ~~فإن سجد كان في سعة ، وإن أبى حتى يقتل كان أعظم لأجره ؛ لأنه لا ينبغي ~~لأحد أن يسجد إلا لله تعالى ، فإذا أمروه بالسجود على وجه العبادة له كان ~~هذا بمنزلة ما لو أمروه بإجراء كلمة الشرك على اللسان ، أو السجود للصليب ، ~~وقد بينا أن ذلك ms0846 مما يرخص له فيه ، عند خوف الهلاك ، وإن كان لو امتنع كان ~~أعظم لأجره لما فيه من إظهار الصلابة في الدين ، فإن أمروه بالسجود له على ~~وجه التحية ، لا على وجه العبادة ، فأحب إلي أن يفعل ولا يعرض نفسه للقتل . ~~لأن هذا النوع من السجود قد كان مباحا في شريعة من قبلنا ، قال الله تعالى ~~: ' وخروا له سجدا ' يوسف : ، فيكون هذا بمنزلة ما لو أمروه بشرب الخمر . ~~وقد بينا أن هناك ينبغي له أن يفعل إذا خاف الهلاك على نفسه ، فهذا مثله . ~~PageV04P1482 وإن كان الحصن الذي أكرهوه على الدلالة على طريق فتحه لم يكن ~~فيه إلا النساء والصبيان ، وكان أكبر الرأي عنده أنهم يسبون ويسترقون لم ~~يسعه أن يدلهم أيضا ؛ لأن هذا من المظالم ، والسبي والاسترقاق إتلاف حكمي ~~فيكون نظير القتل الذي هو إتلاف حقيقة . وإن لم يكن في الحصن إلا الأموال ~~فلا بأس بأن يدلهم على ذلك إذا خاف التلف ، بمنزلة ما لو أكرهوه على إتلاف ~~المال ، وفي كل موضع يسعه الإقدام على ما طلب منه بالإكراه ، إنما يكون ذلك ~~إذا أحضروه ليفعلوا به ما هددوه به ، فأما إذا لم يحضروه لذلك فليس يسعه أن ~~يفعل شيئا من ذلك ؛ لأنه آمن في الحال ، والرخصة في الإقدام على ما لا يحل ~~بسبب الإكراه عند تحقق خوف الهلاك . ثم أكبر الرأي فيما لا يمكن الوقوف ~~عليه بمنزلة الحقيقة ، وما يصير معلوما للمكره بأكبر الرأي مما يخاف الهلاك ~~على نفسه ، فذلك بمنزلة المتيقن به سواء هددوه بذلك أو لم يهددوه ، حتى إذا ~~رآهم يقتلون غير واحد من الأسراء في مثل هذا وقد كانوا تقدموا إليه فيه ~~فإنه يسعه الإقدام ، وإن لم يهددوه بالقتل نصا ؛ PageV04P1483 لأن ذلك ~~معلوم له بأكبر الرأي ، والسعيد من وعظ غيره . قال : ولا بأس بالقوس ~~الفارسية أن يتعلم بها الرجل الرمي ؛ لأن في ذلك كسر شوكة العدو وإدخال ~~الوهن عليهم ، والمسلم مندوب إلى كل ما يكون فيه نكاية في العدو . وكذلك ~~الحسبان يتعلمه الرجل ليرمي به العدو ، وإنما أورد ms0847 هذا لأن كثيرا من الناس ~~من كره الرمي بالقوس الفارسية ، ورووا في ذلك حديثا ، ولكنه شاذ فيما تعم ~~به البلوى ، وهو مخالف للكتاب ، قال الله تعالى : ' وأعدوا لهم ما استطعتم ~~من قوة ' الأنفال : 60 ، ومن القوة الرومي بالقوس الفارسية ، فإن قال : ~~إنما يكره ذلك لأنها من أمر العجم ، ينبغي للغازي أن يستعمل في القتال ما ~~هو من أمر العرب ، قلنا : فالمنجنيق من أمر العجم وقد نصبه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، على الطائف حين أشار عليه به سلمان رضي الله تعالى عنه ، ~~واتخاذ الخندق من أمر العجم ، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~بإشارة سلمان رضي الله عنه فتبين أن ما يكون من مكايدة الحرب فلا بأس به ، ~~سواء كان من أمر العجم مما لا يعرفه أو كانوا يعرفونه . ومن قتل شهيدا ~~وعليه الحرير ، أو الديباج قد كان PageV04P1484 لبسه للقتال ، على قول من ~~يرخص في ذلك ، فإنه ينبغي أن ينزع ذلك عنه ، ولا يترك شيء منه في كفنه ؛ ~~لأنا قد بينا أن الشهيد يدفن في ثيابه ، ولكن ينزع السلاح ، وهذا إنما لبسه ~~ليكون سلاحا له ، فإنه لا رخصة في لبسه إلا على وجه السلاح ، فكما ينزع عنه ~~السلاح بعدما يستشهد فكذلك ينزع عنه الحرير والديباج ، والله أعلم بالصواب ~~. PageV04P1485 # | باب ما يحل في دار الحرب مما لا يجوز مثله في دار الإسلام # قد بينا أن للمستأمن في دار الحرب أن يأخذ ما لهم بأي وجه يقدر عليه بعد ~~أن يتحرز عن الغدر ، وليس له أن يدلس لهم العيب فيما يبيعه منهم ، مما يجوز ~~مثله في دار الإسلام أو لا يجوز لأن فيه معنى الغرور ، ولا بأس للأسير ~~والمسلم من أهل الحرب أن يدلس لهم العيب فيما يبيعه منهم ، لأن لهما أن ~~يأخذا أموالهم بغير طيبة أنفسهم . ولو أن المستأمن فيهم باعهم درهما ~~بدرهمين إلى سنة ثم خرج إلى دارنا ثم رجع إليهم أو خرج من عامه ثم رجع ~~إليهم فأخذ الدراهم بعد حلول الأجل لم يكن به بأس ms0848 ؛ لأن حالهما بعد الرجوع ~~كحالهما عند ابتداء المعاملة . ولو اختصما في ذلك في دارنا لم يقض القاضي ~~بينهما بشيء ؛ لأن أصل المعاملة لم يكن في دارنا . PageV04P1486 والذي خرج ~~إلينا بأمان لم يلتزم حكم الإسلام مطلقا ، فإن كان أسلم أو صار ذمة ثم ~~اختصما أبطل القاضي ذلك البيع ، وأمر برد رأس المال على من أعطاه ؛ لأن ~~إسلامه الطارئ بعد العقد قبل القبض في المنع من القبض بحكم العقد كالمقارن ~~للعقد ، بمنزلة الذمي يبيع الخمر للذمي في دارنا ، ثم يسلم أحدهما قبل ~~القبض ، أو المسلم يبيع للمسلم عصيرا ، فيتخمر قبل القبض ، والأصل فيه قوله ~~تعالى : ' وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ' البقرة : ، وقال تعالى : ' وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ' البقرة : ، فهو تنصيص على أن ما لم يقبض ~~يجب تركه بعد الإسلام . وكذلك لو أسلم أهل الدار قبل أن يقبض المسلم ما شرط ~~له الحربي ؛ لأن البقعة صارت دار الإسلام ، قبل القبض بحكم عقد الربا ، ~~فيجعل هذا وما لو كانت دار الإسلام عند العقد سواء بخلاف خروجها إلى دارنا ~~فإن هناك لم يثبت حكم الإسلام في تلك المعاملة ، بدليل أن القاضي يسمع ~~الخصومة فيها فيأمره بالرد فيما لم يتم القبض من الجانبين . والأصل فيه ما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يوم فتح مكة : ألا إن كل ربا كان في ~~الجاهلية فهو موضوع ، وأول ربا يوضع هو ربا العباس بن عبد المطلب . وإنما ~~بدأ بعمه ليتبين أن أوامره ليست على نهج أوامر الملوك ، فإنهم في مثل هذا ~~يتركون الأقارب ويخاطبون الأجانب . PageV04P1487 وهو بدأ بمن هو أقرب إليه ~~، وهو عمه ، فمنعه من قبض ما لم يقبضه ، ولا يتعرض لما قبض بشيء . وقد ~~اختلف الناس في وقت إسلام العباس رضي الله تعالى عنه ، فقال بعضهم : كان ~~أسلم قبل وقعة بدر ، وقال بعضهم : أخذ أسيرا يوم بدر فأسلم ، ثم استأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجوع إلى مكة فأذن له ، فكان يربي بمكة ~~إلى زمن الفتح ، وقد نزلت حرمة الربا ms0849 قبل ذلك ، ألا ترى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال للسعيدين يوم خيبر : أربيتما فردا ، وقوله تعالى : ' لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ' آل عمران : ، نزلت في وقعة أحد ، وكان ذلك ~~قبل فتح مكة بسنتين ثم لم يبطل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم ~~الفتح شيئا من معاملاته ، إلا ما لم يتم بالقبض ، فتبين أنه يجوز عقد الربا ~~بين المسلم والحربي في دار الحرب ، وإن البقعة إذا صارت دار الإسلام قبل ~~القبض فإنه يمتنع بحكم ذلك العقد ، ولو كان المسلم باع الحربي خمرا وسلمها ~~إليه ، وقبض الثمن ، ثم أسلم أهل الدار فالثمن سالم للمسلم ؛ PageV04P1488 ~~لأن حكم الإسلام ثبت في معاملاتهم بعد ما قبض الحرام وانتهى حكم العقد فيه ~~، ولو كان ذلك قبل قبض الخمر وجب على المسلم رد الثمن ؛ لأن الإسلام يرد ~~والحرام غير مقبوض . وكذلك لو كان قبض الخمر ولم يقبض المسلم الثمن حتى ~~أسلم أهل الدار ، فليس للمسلم أن يطالبه بالثمن ، وهذا بخلاف ما إذا باع ~~الذمي من ذمي خمرا وسلمها إليه ولم يقبض الثمن حتى أسلم ؛ لأن العقد هناك ~~كان صحيحا بينهما ، فكان الثمن دينا مستحقا صحيحا ، فإنما كان هذا من ~~المسلم أخذا لمباح من مالهم بطيب أنفسهم وقد انعدم ذلك حين أسلم أهل الدار ~~، فلا يكون له أن يطالبه بشيء ولو كان قبض الثمن وأعطى بعض الخمر ثم أسلم ~~أهل الدار فبحصة PageV04P1489 المقبوض من الخمر يسلم له من الثمن ، رد حصة ~~ما لم يقبض من الخمر اعتبارا للبعض بالكل ، فكذلك لو كان أسلم إلى الحربي ~~ألف درهم في مائة دينار إلى سنة فلما حل الأجل قبض النصف ثم أسلم أهل الدار ~~، فبحصة المقبوض من رأس المال يكون سالما له وعليه رد ما بقي من رأس المال ~~؛ لأنه يتعذر قبض ما بقي بحكم هذا العقد الفاسد فعليه رد حصته من رأس المال ~~، بمنزلة ما لو انقطع المسلم فيه من أيدي الناس . ولو كانت هذه المعاملة ~~بين مسلمين في دار الحرب مستأمنين أو أسيرين كان باطلا ms0850 مردودا ؛ لأنهما ~~يلتزمان أحكام الإسلام في كل مكان . فإن جرى بين اللذين أسلما في دار الحرب ~~فكذلك الجواب ، عند محمد رحمه الله تعالى وفي قول أبي حنيفة رضي الله عنه : ~~هذا وما يجري بين المسلم والحربي سواء ، إلا في حكم الكراهة لأن عصمة المال ~~بنفس الإسلام ، تثبت في حق الآثار فأما في الأحكام يعتبر الإحراز بالدار ~~ولم يوجد ، ولو أن مستأمنين من أهل الحرب ، في دارنا باشرا هذه المعاملة ثم ~~اختصما إلى القاضي فإنه يبطل ذلك ؛ لأنهما بمنزلة أهل الذمة في المعاملات ~~في دارنا ، والقاضي يبطل عقود الربا التي تجري بين أهل الذمة إذا اختصموا ~~إليه فيها ، فكذلك يبطل عقود المستأمنين ، إلا أنه يجيز ما يكون بينهم من ~~بيع الخمر والخنزير . لأن ذلك مال متقوم في حقهم ، والمستأمنون وأهل الذمة ~~في ذلك سواء . PageV04P1490 ولو كان المسلم في منعة المسلمين ، فكلمه ~~الحربي من حصنه ، وعامله بهذه المعاملات الفاسدة فيما بين المسلمين فإن ذلك ~~لا يجوز ؛ لأن مراعاة جانب من هو في منعة المسلمين مفسد لهذا العقد ، ~~والعقد إذا فسد من وجه واحد فذلك يكفي لإفساده . وقد بينا أن كثيرا من ~~مشايخنا يقولون بالجواز ها هنا ، لأن مال الحربي مباح في حق المسلم ، ها ~~هنا ، بمنزلة ما لو كان دخل إليهم بأمان إلا أن محمدا رحمه الله اعتبر ~~المكان ، وجعل هذا بمنزلة ما لو خرج الحربي بأمان إلى عسكر المسلمين ، أو ~~إلى دار الإسلام ، ثم عامل المسلم بذلك ، فكما أنه لا يجوز له هذه المعاملة ~~إذا كانا في منعة المسلمين ، فكذلك إذا كان أحدهما في منعة المسلمين ، ~~والفرق بين الفصلين على ما اختاره المشايخ واضح ، لأن الحربي حين خرج بأمان ~~إلينا فقد صار ماله معصوما محترما بخلاف ما إذا كان في منعته فإنه لا حرمة ~~لماله هناك ، ولو أن المشركين أسروا أمة مسلمة فأحرزوها ثم قدر هذا ~~المستأمن منهم على أن يسرقها فيخرجها إلى دار الإسلام لا ينبغي له أن يفعل ~~ذلك ؛ PageV04P1491 لأنهم ملكوها بالإحراز حتى لو أسلموا أو صاروا ذمة كانت ms0851 ~~مملوكة فهو في هذه السرقة يغدر بهم ، والغدر حرام . ولو رغبوا في بيعها منه ~~بخمر أو خنزير أو ميتة جاز له أن يفعل ذلك ؛ لأنه يأخذها منهم بطيب أنفسهم ~~، فلا يتمكن فيه معنى الغدر ، وإنما أورد هذا الفصل للاحتجاج به على أبي ~~يوسف رحمة الله تعالى عليه ، فإنه إن يجوز هذا لم يجد بدا من أن يقول ~~بالجواز أيضا فيما سبق من العقود ، فإن قال : لا أجوز هذا وأكرهه للمسلم ~~فهو بعيد من القول ، لأنه ترك مسلمة في يد حربي ، يواقعها حراما ، مع تمكنه ~~من أن يفديها بخمر وذلك مما لا يجوز القول به ، وبعدما يشتريها بخمر إذا ~~أخرجها كانت مملوكة له ، حتى ينفذ عتقه فيها ، وإن جاء صاحبها أخذها منه ~~بقيمتها إن شاء ؛ لأنه تملكها بطيب أنفسهم ، لا بجهة البيع ، فيكون هذا ~~بمنزلة ما لو وهبوها له فأخرجها . وبهذا تبين الفرق بين ما يجري في دار ~~الحرب وبين ما يجري في دار الإسلام ، فإن الحربي لو خرج إلينا بأمان ، ومعه ~~تلك الجارية ، فليس للمسلم في دارنا أن يشتريها منه بخمر ، PageV04P1492 ~~ولو فعل ذلك ثم رفع إلى القاضي أبطل ذلك البيع ورد الجارية على المستأمن ثم ~~أجبره على بيعها من المسلمين ؛ لأنها مسلمة ، فلا يتركها في ملك الكافر ، ~~ولا يتركه يعود بها إلى دار الحرب كما لو أسلمت أمته في دار الإسلام . ولو ~~أن عسكرا من أهل الحرب لهم منعة دخلوا دار الإسلام ثم استأمن إليهم مسلم ~~وعاملهم بهذه المعاملة ، التي لا تجوز فيما بين المسلمين فلا بأس بذلك ؛ ~~لأن المعنى الذي لأجله جاز له ذلك في دارهم موجود في منعتهم في دار الإسلام ~~، وهو أن أموالهم مباحة الأخذ للمسلم ، وعليه التحرز عن غدر الأمان ، فهو ~~بهذه المعاملة يكتسب سبب التحرز عن الغدر ، وبهذا القدر تبين أن الأصح ما ~~ذهب إليه المشايخ ، لأن موضع نزولهم ها هنا لم يأخذ حكم دار الحرب ، ومع ~~ذلك جاز للمسلم هذه المعاملة لبقاء الإباحة في مالهم ، فكذلك إذا كان ~~الحربي في منعته ، والمسلم الذي ms0852 عامله به في منعة المسلمين . ولو أن أهل ~~دار من أهل دار الحرب ، وادعوا أهل الإسلام فدخل إليهم مسلم وبايعهم الدرهم ~~، بدرهمين ، لم يكن بذلك بأس ؛ لأن بالموادعة لم تصر دارهم دار الإسلام ، ~~وإنما يحرم على المسلمين أخذ PageV04P1493 مالهم بغير طيب أنفسهم ، لما فيه ~~من غدر الموادعة ، فإذا استرضاهم بهذه المعاملة فقد انعدم معنى الغدر ، ~~لهذا طاب له ما أخذ . ولو أن رجلا من الموادعين دخل دار الإسلام بتلك ~~الموادعة كان آمنا بها ، ثم إن عامل مسلما بهذه المعاملة فإن القاضي يبطلها ~~؛ لأنه بمنزلة المستأمن في دارنا ، وقد بينا أن ما لا يجوز بين المسلمين ~~وأهل الذمة في دارنا لا يجوز بين المسلم والمستأمن أيضا . ولو أن مسلما دخل ~~إلى هؤلاء الموادعين أو دخل دار الحرب بأمان وبايعهم متاعا إلى أجل معلوم ، ~~ثم صالحهم على أن يعجلوا له ويضع عنهم البعض فذلك جائز ؛ لأن حرمة هذا ~~التصرف في دار الإسلام لمعنى الربا ، من حيث إن فيه مبادلة لأصل الدراهم ، ~~وقد بينا أن الربا يجوز بين المسلم والحربي في دار الحرب ، فتجوز هذه ~~المعاملة ، واستدل عليه بحديث بني النضير حين أجلاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا : إن لنا ديونا على الناس لم تحل بعد ، فقال : ضعوا ~~وتعجلوا ، وإنما جوز ذلك لأنهم كانوا أهل حرب ، فعرفنا أن مثل هذه المعاملة ~~تجوز بين المسلم والحربي ، وإن كان لا يجوز بين المسلمين في دارنا . فإن ~~اصطلحوا على هذا ، ولم يقبض منهم ما عجلوا له حتى أسلم الذي عليه الدين ، ~~أو أسلم أهل الدار فقد بطل هذا التصرف ، وكان المال كله عليه إلى أجله لما ~~بينا ؛ PageV04P1494 لأن ما اعترض من الإسلام قبل تمام المقصود بالعقد يجعل ~~كالمقرن بحالة العقد . وإن كان شرط عليه أن يحط النصف ، على أن يجعل له ~~النصف ، ثم أعطاه الحربي ثلث ماله وبقي السدس ثم أسلم الحربي فقد بطل الصلح ~~كله ، وعلى المسلم رد ما قبض فيكون جميع ما له على الحربي إلى أجله بخلاف ~~ما سبق من بيع ms0853 الخمر ؛ لأن ذاك مبادلة ابتداء من الجانبين ، فينتهي حكمه في ~~مقدار ما وجد فيه التقابض ، وهذا الصلح ليس بمبادلة في الحقيقة ولكنه ، ~~يعجل له نصف المال على أن يحط عنه النصف فلا يتم الصلح حتى يوجد كمال الشرط ~~وهو قبض النصف الباقي بكماله ، فإذا لم يوجد ذلك حتى أسلم الحربي بطل الصلح ~~كله ، ألا ترى أن المسلمين لو كان لأحدهما على صاحبه مال فاصطلحا على أن ~~يحط عنه صاحب المال نصف المال ، على أن يعجل له ما بقي منه اليوم ، ثم عجل ~~له اليوم بعض ما بقي دون البعض ، حتى مضى اليوم بطل الصلح كله ، وكان له أن ~~يطالبه بجميع حقه . لأن إبراءه إياه عن البعض كان بشرط تعجيل ما بقي منه في ~~اليوم ، فإذا لم يتم الشرط بطل الإبراء وكان جميع ماله عليه بحاله ، فكذلك ~~ما سبق . والله الموفق . PageV04P1495 # | باب ما يحل للمسلم الأسير في أيدي أهل الحرب أن يجيبهم إليه # وإذا قرب الأسير للقتل فقيل له : مد عنقك فمد عنقه فلا بأس بذلك ؛ لأنه ~~ليس في مد العنق إعانة منه لهم على نفسه ، ولا إذن منه لهم في قتله ، وهو ~~يعلم أنهم يقتلونه على كل حال مد عنقه أو لم يمده وربما يكون امتثال أمرهم ~~سببا لعطف قلوبهم عليه ، حتى يحملهم ذلك على ترك قتله أو يكون ذلك أروح له ~~، وإن لم يفعل ذلك قتلوه قتلة أخبث من قتلهم إياه إذا مد عنقه ، فلهذه ~~الوجوه جاز له أن يمد عنقه وإن كان يعلم أنهم لا يتركون قتله . وإن لم يمد ~~عنقه لم يزيدوا على أن يمدوا عنقه ثم يقتلونه فإنه يكره له أن يمد لهم عنقه ~~؛ لأن ذلك في صورة الإذن لهم في قتله ، ولا رخصة للمسلمين في ذلك ، فلا ~~يسعه الإقدام عليه إلا عند غرض صحيح له فيه ، وهو إذا كان يطمع في عطف ~~قلوبهم عليه بذلك ، أو كان يخاف أن يقتلوه قتلة هي أخبث منها إذا مد عنقه ، ~~فحينئذ إن شاء مد عنقه وإن شاء لم ms0854 يمد عنقه ، لأن ذلك مرخص له فيه لغرض ~~صحيح في ذلك فإن شاء ترخص بالرخصة ، وإن شاء تمسك بالعزيمة . PageV04P1496 ~~وعلى هذا لو أرادوا قطع عضو من أعضائه ، فناولهم ذلك العضو ، فإن ذلك يسعه ~~إن كان يفعله لغرض صحيح ، وإن لم يكن له في ذلك غرض صحيح لم يسعه ذلك ، ألا ~~ترى أنهم لو قالوا : البس ثيابك حتى نقتلك ، فلبس ثيابه ، يطلب بها الستر ~~لم يكن به معينا على نفسه ؛ لأن لبس الثياب ليس من القتل في شيء ، وله غرض ~~صحيح فيما صنع ، وهو ألا تنكشف عورته إذا قتلوه . قال : بلغنا أن سعيد بن ~~المسيب رحمة الله عليه حين أبى أن يبايع ألبس ثياب شعر فلبسه فلما ضرب ولم ~~يقتل قال : أما إني لو ظننت أنهم لا يريدون قتلي ما لبسته ، فقد لبسه ~~بأمرهم حين ظن أنه يقتل ، فعرفنا أنه ليس في اللبس إعانة منه على نفسه ، ~~وأنه لا بأس به ، وكذلك لو انتهوا إليه ، وهو في بيت لا يقدر على التخلص ~~منهم ، فقالوا : اخرج إلينا حتى نضرب عنقك ، فلا بأس بأن يخرج إذا كان له ~~في ذلك غرض صحيح ، وهو أنه يخاف إن لم يفعل أن يمثلوا به ، وهذا لأن الخروج ~~إليهم ليس فيه من استهلاك النفس شيء وإنما يخرج فرارا عن المثلة ، وذلك لا ~~بأس به . PageV04P1497 وكذلك لو أرادوا صلبه فأمروه أن يصعد الخشبة فصعدها ~~؛ لأن له في ذلك غرضا صحيحا ، وهو دفع ألم الضربات المتواليات عن نفسه ، أو ~~دفع ما يخافه من المثلة به ، أو أن يقتلوه قتلة هي أخبث من الصلب . ولكن ~~هذا إذا كانت الخشبة بحيث لا يخاف التلف من صعودها ، فأما إذا كان يخاف ~~التلف من ذلك فليس له أن يصعدها ؛ لأنه يصير قاتلا نفسه ، بالصعود على مثل ~~هذه الخشبة ولا رخصة له في قتل نفسه بحال ، قال الله تعالى : ' ولا تقتلوا ~~أنفسكم ' النساء : 29 ، ولو أوقدوا نارا فقالوا له : اطرح نفسك فيها ، ~~وربما نجا منها ، وربما لم ينج ، لم يحل له أن يفعل لك ms0855 ؛ لأنه يصير قاتلا ~~نفسه بالدخول فيها ، وليس له أن يقتل نفسه ، ولا أن يعين على قتل نفسه ، ~~فتعين عليه جهة الامتناع حتى يصير مقتولا بفعلهم إن قتلوه . إلا أن يكونوا ~~هددوه بنوع من القتل هو أعظم من طرح نفسه في النار فحينئذ يكون هو في سعة ~~أن يطرح نفسه فيها ؛ PageV04P1498 لأنه يفعل ذلك لغرض صحيح ، وهو الفرار عن ~~ألم السياط المتوالية ، أو عن المثلة فيرخص له في ذلك . وكذلك لو أمروه بأن ~~يغرق نفسه في ماء فهذا والأول سواء ، ولو قدم ليضرب عنقه فضربوه بسيف سوء ~~فقال لهم : خذوا سيفي هذا فاقتلوني به لم يسعه ذلك ، وهو آثم في مقالته ؛ ~~لأنه كما لا يحل له قتل نفسه بحال لا يحل له أن يأمر بقتل نفسه ، ولأن أمره ~~غياهم بالقتل أمر بالمعصية ولا رخصة له في الأمر بالمعصية . ولكن لو لم يقل ~~اقتلوني به ولكن قال : سيفي أجود من هذا السيف وأمضى فيما تريدون ، ويريد ~~بذلك الاستراحة رجوت أن يكون في سعة ؛ لأنه ما أمرهم بقتل نفسه نصا ، وله ~~فيما قال غرض صحيح ، وهو الاستراحة مما يلحقه إذا أبطأ عليه الموت ، ومع ~~هذا لم يطلق الجواب فيه بل علقه بالرجاء ، لأن في مناولة السلاح إياهم نوع ~~إعانة على قتل نفسه ، بخلاف ما سبق من مد العنق ولبس الثياب وصعود الخشبة . ~~وعلى هذا لو أرادوا شق بطنه فقال : لا تفعلوا ، ولكن اضربوا عنقي لم يسعه ~~هذا ؛ لأنه تصريح بالأمر بالمعصية . PageV04P1499 ولكن لو لم يقل : اضربوا ~~، ولكن قال : اتقوا الله ولا تشقوا بطني ، فإن هذا لا ينبغي لأن ضرب العنق ~~أوحى وأجمل لم يكن بذلك بأس ؛ لأنه صرح ها هنا بالنهي عن المعصية ولم يصرح ~~بالأمر بضرب العنق ، إنما أخبرهم أن ذلك أفضل مما هموا به ، فلهذا كان في ~~سعة من ذلك ، ألا ترى أنهم لو تركوه كان هو آثما في قوله : اضربوا عنقي ، ~~لما فيه من التصريح بالأمر بالمعصية ، ولم يكن هو آثما في قوله : ضرب العنق ~~أوحى وأجمل ، ألا ترى أنه ms0856 لو قال : ضرب العنق أوحى وأجمل ، ولكن اتقوا الله ~~ولا تصنعوا بي شيئا من هذا ، فضربوا عنقه لم يكن عليه إثم في مقالته إن شاء ~~الله تعالى . وكذلك لو أن غير المقصود بالقتل من الأسراء هو الذي قال ذلك ~~فإن قال : اتقوا الله ولا تمثلوا به ، فإن ضرب العنق يأتي على ما تريدون ~~رجوت ألا يكون آثما ، ولو قال : اضربوا عنقه كان آثما ، والحاصل أن المقصود ~~بالقتل وغيره سواء في جميع ما ذكرنا ، لأنه لا رخصة في التصريح بالأمر ~~بالمعصية ، في حق نفسه ، ولا في حق غيره . ألا ترى أنه لو قال : لا تفعلوا ~~ذلك به يومكم هذا ، ولكن افعلوه غدا ، PageV04P1500 كان آثما في قوله : ~~افعلوه غدا ، أطاعوه في ذلك أو عصوه ، ولو قال : أخروه إلى الغد لم يكن ~~آثما في ذلك . ولو أرادوا ضرب بطن الأسير بالسيف فقال : اتقوا الله ولا ~~تضربوا موضع الطعام ، ولكن اضربوا العنق ، كان آثما في قوله : اضربوا العنق ~~، ولو قال : القتل في غير موضع الطعام أجمل لم يكن آثما ، ولو قال للضارب : ~~ارفع يدك عن موضع الطعام ، أو سفل يدك عن موضع الطعام ، خفت أن يكون آثما ، ~~بخلاف قوله : لا تضرب موضع الطعام ؛ لأن صيغة ذلك الكلام نهي عن المعصية ، ~~وصيغة هذا الكلام أمر بما هو معصية ، لأن معنى قوله : سفل يدك أو ارفع يدك ~~اضربه أسفل من الطعام ، أو فوق الطعام ، ولا رخصة له في الأمر بالمعصية ~~صورة ولا معنى ، وإن كان في ذلك نوع تخفيف عن المسلم ، وكان مقصود المتكلم ~~ذلك التخفيف فبهذه الفصول تبين أنه ينبغي للمرء أن يراعي عبارته كما يراعي ~~معنى كلامه ، والأصل فيه ما روي أن العباس رضي الله تعالى عنه ، لما سئل ~~فقيل : أنت أكبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أكبر منك ؟ قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا ~~أسن منه ، وحكي أن هارون رأى في منامه أن أسنانه السفلى قد سقطت ، فسأل بعض ~~المعبرين ms0857 ، فقال : يموت أقاربك فكره ذلك ، وأمر بإخراجه ، ودعا معبرا آخر ، ~~وسأله فقال : عمرك يكون أطول من عمر أقاربك فأحسن الثناء عليه وأعطاه الصلة ~~، وهما في المعنى سواء ليعلم أنه ينبغي للمرء أن يراعي عبارته . ~~PageV04P1501 # وإذا أسر الأسير وابنه من المسلمين فأرادوا قتلهما فقال الأب : : قدموا ~~ابنى بين يدى حتى احتسبه فهو آثم ، في مقالته ، فعلوا ذلك أو لم يفعلوا . # لأنه أمرهم بمعصية أو لم يفعلوا . # ولو قال : إني أريد أن أحتسب ابنى تقتلوني قبله ، رجوت ألا يأثم لأنه لم ~~يصرح بالأمر بقتله ولا بقتله ابنه . | # ولو كان الابن هو القائل ، اقتلونيب قبل قتل أبي كان آثما ، ولو قال : لا ~~تقتلوني أبي قبلى فإني أخاف أنى أجزع لم يكن عليه في هذا إثم . وكذلك لو ~~أرادوا ضربه أو ضرب ابنه بالسيف فقال : اشحذوا سيفكم لم يكن آثما بذلك . ~~ولو قال : اشحذوه ثم اقتلوني به كان آثما . # لأن الأمر بالشخذ ليس فيه من معنى المعصية شيء ، لولا ما أرادوا من معنى ~~المعصية ، وهو قتل المسلم ، وذلك في قصدهم لا في لفظه ، فأما في قوله : ثم ~~اقتلوني تصريح بالأمر بالمعصية ، وذلك لا رخصة فيه والله أعلم . | ~~PageV04P1502 # | باب الأسير المسلم ما يسعه أن يفعله لهم إذا أكرهوه وما لا يسعه # ولو قالوا لأسير مسلم : اقتل لنا هذا الأسير المسلم ، أو لنقتلنك لم يسعه ~~أن يقتله لما جاء في الأثر ليس في القتل تقية ، ولأنهم أمروه بالمعصية ، ~~ولا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، وهو بالإقدام على القتل يجعل روح من هو ~~مثله في الحرمة وقاية لروحه ، ويقدم على ما هو من مظالم العباد ، ولا رخصة ~~في ذلك . وإن قالوا : اشحذ لنا هذا السيف حتى نقتل به هذا الرجل المسلم ، ~~أو لم يذكروا هذه الزيادة ، فإن كان لا يخاف على نفسه لا ينبغي أن يعمل ~~شيئا من ذلك ؛ لأنهم إنما يأمرون به ليتقووا به على قتال المسلمين ، ولا ~~رخصة له في إعانتهم على ذلك ، إلا أن يهددوه بالقتل إن لم يفعل ، فحينئذ لا ~~بأس بأن يفعله ms0858 ، لأنه ليس فيما أمروه به مظلمة للمسلم وفيه دفع شر القتل عن ~~نفسه ، وهذا لأنه إن لم يفعل لهم ذلك تمكنوا من قتل الأسير بغير السيف . ~~PageV04P1503 وكذلك لو قالوا : انجز لنا هذه الخشبة حتى نصلب عليها هذا ~~المسلم أو لنقتلنك يسعه ذلك . لأنه ليس فيما أمروه به قتل المسلم ، فإنهم ~~يتمكنون من قتله بوجه آخر . إلا أنه مع هذا إن امتنع حتى يقتل كان مأجورا ، ~~لما في امتناعه من الكبت والغيظ لهم ، وكذلك لو قالوا : أمسك رأسه حتى نضرب ~~عنقه وإلا قتلناك كان ، إن شاء الله تعالى في سعة من ذلك ؛ لأن إمساك الرأس ~~ليس من قتل المسلم في شيء ، وإنما قيد الجواب بالاستثناء ها هنا لأن في ~~فعله تعرضا للمسلم ، بخلاف شحذ السيف ونجر الخشبة فليس هناك في فعله تعرض ~~للمسلم . وكذلك لو أمروه بربط يديه أو رجليه ؛ لأنه ليس في فعله تلف نفسه ، ~~ألا ترى أنه لا بأس على المربوط منه لو لم يتعرضوا له بشيء آخر ، ولا يكون ~~أمرهم ، بهذا أعظم من أمرهم بالكفر ، وذلك يسعه في الإكراه وإن كان ~~الامتناع منه أفضل ، فهذا مثله . ولو كانت يد الذي يضرب بالسيف ضعيفة فقيل ~~له : أمسك بيدك على يديه ، حتى نضربه وإلا قتلناك ، لم يسعه أن يفعل هذا ؛ ~~PageV04P1504 لأن فيه إعانة على القتل بعينه ، ولا رخصة في الإعانة على قتل ~~المسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أعان في دم امرئ مسلم بشطر كلمة ~~جاء يوم القيامة مكتوبا على عينيه أيس من رحمة الله تعالى . ولو قالوا : ~~دلنا على سيف نقتله به وإلا قتلناك لم يكن آثما في الدلالة ، إن شاء الله ~~تعالى ؛ لأن فعله ليس بقتل ، وهو لو لم يدلهم قدروا على قتله ، بحجر أو غير ~~ذلك ، وإنما قيد بالاستثناء لأن الدلالة على القتل بمنزلة مباشرة القتل من ~~وجه ألا ترى أن المحرم إذا دل على قتل صيد كان عليه من الجزاء ما على ~~القاتل ؟ . وإن لم يدلهم حتى يقتل كان مأجورا إن شاء الله تعالى ms0859 ؛ لأنه ~~يمتنع من فعل هو بمنزلة القتل من وجه . وعلى هذا لو طلبوا السيف منه ~~ليقاتلوا به المسلمين ، فإن امتنع من ذلك كان مأجورا ، وإن أعطاهم حين ~~هددوه بالقتل لم يكن به بأس ، ألا ترى أنهم لو قالوا : إن أعطيتنا سيفك ~~خلينا سبيل هذا الأسير المسلم ، فإنه يجوز له أن يعطيهم ، لما فيه من نجاة ~~مسلم آخر ، فإذا كان فيه نجاته كان أولى . PageV04P1505 قال : ألا ترى أنهم ~~يردون عليهم أسراهم ، ويأخذون منهم أسراء من المسلمين ، وفي مفاداة الأسير ~~بالأسير كلام نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ، وهو في ظاهر الرواية جائز ~~، ثم رد الأسير عليهم أمر على المسلمين من دفع السلاح إليهم ، فإذا كان ~~يجوز رد الأسير عليهم لاستنقاذ المسلم ، فدفع السلاح إليهم بهذا يكون أجوز ~~، ولو هرب منهم أسير فقالوا لأسير آخر يعرف مكانه : دلنا عليه لنقتله وإلا ~~قتلناك ، لم يسعه أن يدلهم عليه ؛ لأن الدلالة الممكنة من القتل بمنزلة ~~مباشرة القتل من وجه ، كما في حق الصيد ، ثم في هذا ظلم الأسير الهارب ، ~~لأنهم لا يتمكنون منه إلا بدلالته ، فهو بهذه الدلالة يمكنهم من قتله ، ولا ~~رخصة في ظلم المسلم بهذا الطريق . ولو كانوا حاصروا حصنا للمسلمين فقالوا ~~لأسير في أيديهم : دلنا على الموضع الذي يؤتى من قبله الحصن ، أو على مدخل ~~الماء الذي يشربون منه ، أو لنقتلنك ، وهو يعلم أنه إن دل على ذلك ظفروا ~~بالحصن ، وقتلوا من فيه ، أو كان على ذلك أكبر رأيه ، فليس ينبغي له أن ~~يدلهم على ذلك ، لأنه يمكنهم بهذه الدلالة من قتل المسلمين ، واسترقاق ~~ذراريهم ، وارتكاب الحرام من نسائهم ، ألا ترى أنه لو قيل له : لنقتلنك أو ~~لتمكننا من فلانة نزني بها ، وهم لا يقدرون عليها إلا بدلالته ، أنه لا ~~يسعه أن يدل عليها فكذلك ما سبق ، وأكبر الرأي كاليقين فيما لا يمكن معرفة ~~حقيقته . PageV04P1506 ولو أخذوا أسيرا فقالوا : إنا نريد أن ننصبه فنرميه ~~، فدلنا على قوس ونشاب نرميه بها حتى نقتله ، أو لنقتلنك ، فدلهم على ذلك ~~فهذا له واسع ms0860 ، إن شاء الله تعالى ؛ لأنه في أيديهم وهم يتمكنون من قتله ~~بطريق آخر ، فلا يكون هو بدلالته ممكنا إياهم من قتله . إلا أن يكون الأسير ~~في موضع لا يقدرون عليه بشيء سوى النشاب ، فحينئذ لا يسعه أن يدلهم على ~~القوس والنشاب ؛ لأنه يمكنهم من قتله بدلالته ، وأوضح هذه المسائل بالدلالة ~~على قتل الصيد ، فإن من رأى صيدا في موضع لا يقدر عليه فدله محرم على ~~الطريق إليه حتى ذهب فقتله كان على الدال الجزاء . وكذلك إن كان لا يقدر ~~عليه إلا أن يرميه بنشابة وليس معه ذلك فدله محرم على قوس ونشاب ، أو دفعه ~~إليه فرماه فقتله به ، كان على المحرم الجزاء ، ولو أراد قتل صيد فقال ~~المحرم : ناولني حربتي ، بعدما ركب فرسه فناوله لم يكن على المحرم شيء ؛ ~~لأنه كان متمكنا من قتل الصيد بدون هذه المناولة ، ولكنه آثم فيما صنع لأن ~~في فعله الإعانة على قتل الصيد ، ولا رخصة للمحرم في ذلك . PageV04P1507 ~~وكذلك لو استعار من محرم سكينا فذبح الصيد به ؛ لأن الصيد في يده ، وهو ~~متمكن من ذبحه بدون هذا السكين ، ولكنه آثم في صنعه ، لوجود صورة الإعانة ~~منه على قتل الصيد ، والله أعلم بالصواب . PageV04P1508 # | باب ما يسع الرجل أن يفعل أيهما شاء # وإذا أحرق المشركون سفينة من سفائن فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رضي ~~الله عنهما ، من في السفينة بالخيار إن شاء صبر على النار حتى يحترق ، وإن ~~شاء ألقى نفسه في الماء حتى يغرق ؛ لأنه على يقين من هلاكه في الوجهين ، ~~وله غرض في كل وجه ، والناء يكون أسرع لهلاكه ، ولكن فيه زيادة الألم من ~~حيث تفريق الأعضاء ، والماء أبطأ لهلاكه ولكن فيه زيادة الغم ، وطبائع ~~الناس في هذا مختلفة ، فمنهم من يختار ألم الجرح وسرعة الاستراحة على غم ~~الماء وبطء الهلاك ، ومنهم من يختار غم الماء على ألم الجراحة ، فله أن ~~يميل إلى أي الجانبين شاء . وعلى قول محمد رحمة الله عليه هذا على وجوه إن ~~كان يطمع في النجاة في كل واحد ms0861 من الجانبين ، ويخاف الهلاك فله الخيار ؛ ~~لأنه إن صبر فإنما يقصد به تحصيل النجاة التي يطمع فيها ، وكذلك إن ألقى ~~نفسه في الماء ، فإنما يقصد تحصيل النجاة بفعله ، فله ذلك . PageV04P1509 ~~وإن كان على يقين من الهلاك في أحذ الوجهين وهو يرجو النجاة في الوجه الآخر ~~فعليه أن يصنع ما يرجو فيه النجاة ؛ لأنه مأمور بدفع سبب الهلاك عن نفسه ، ~~بحسب الوسع ، منهي عن قتل نفسه . وإن كان على يقين من الهلاك فيهما فعليه ~~أن يصبر ، وليس له أن يلقي نفسه في الماء ؛ لأنه إن ألقى نفسه في الماء صار ~~هالكا بفعل نفسه ، وإن صبر صار هالكا بفعل غيره ، ولأن يهلك بفعل غيره أولى ~~من أن يهلك بفعل نفسه . ألا ترى أن ظالما لو قال لإنسان : لتقتلن نفسك ، أو ~~لأقتلنك لم يسعه أن يقتل نفسه ، لهذا المعنى ، وأبو حنيفة رضي الله عنه ، ~~يقول : الاستدامة فيما يستدام كالإنشاء ، فالمقام في مكانه حتى تنتهي إليه ~~النار من فعله كما أن إلقاء نفسه في الماء من فعله ، وليس هذا نظير مسألة ~~الإكراه ، لأن تيقن فيما هدده به المكره ليس كتيقنه فيما يفعل بنفسه ، فقد ~~يهدد المكره ثم لا يحقق ، وها هنا تيقنه في الهلاك في الجانبين بصفة واحدة ~~. واستشهد محمد رحمه الله برجل يدخل في بيت إلى جانبه بيت ، فوقع الحريق في ~~البيتين وهو على يقين من الهلاك إن ثبت في البيت الذي هو فيه أو وثب إلى ~~البيت PageV04P1510 الآخر فإنه يتعين عليه الثبات ، وليس له أن يتحول إلى ~~البيت الآخر ، فمن أصحابنا من يقول : الخلاف في الفصلين واحد ومن عادة محمد ~~رحمه الله الاستشهاد بالمختلف على المختلف لإيضاح الكلام ، فالأصح أن هذا ~~قولهم جميعا ، والفرق لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، أن جهة الهلاك ها ~~هنا واحدة في البيتين ، ولا غرض له في التحول من أحدهما إلى الآخر وإنما ~~يثبت الخيار للمرء بين الشيئين إذا كان مفيدا له فائدة ، فأما في مسألة ~~السفينة فجهة الهلاك مختلفة ، لما بينا أن الماء ليس من جنس ms0862 النار وفي ~~إثبات الخيار له فائدة فأثبتناه . ولو أن مشركا طعن مسلما برمح فأنفذه ~~فأراد أن يمشي في الرمح إليه ليضربه بالسيف فإن كان يخاف الهلاك إن فعل ذلك ~~، ويرجو النجاة إن خرج من الرمح ، فعليه أن يخرج ؛ لأن المشي إليه في الرمح ~~، إعانة على قتل نفسه ، والواجب على كل أحد الدفع عن نفسه بجهده أولا ثم ~~النيل من عدوه . وإن استوى الجانبان عنده في التيقن بالهلاك فيهما ، أو ~~رجاء النجاة فيهما ، من حيث إنه لا يزيد في جراحته فلا بأس بأن يمشي إليه ~~في الرمح حتى يضربه بالسيف وإن شاء خرج من الرمح ؛ PageV04P1511 لأنه لا بد ~~من أن يخرج من الرمح حتى يضربه بالسيف وإن شاء خرج من الرمح ؛ لأنه لا بد ~~من أن يخرج من الرمح من أي الجانبين شاء ، وفرق محمد رحمه الله بين هذا ~~وبين ما سبق ، وقال : ليس هناك في إلقاء نفسه معنى النيل من العدو ، وها ~~هنا في المشي إليه في الرمح معنى النيل من العدو والظفر به ، وهذا القصد ~~يبيح له الإقدام ، وهذا كله إنما يمكن العمل فيه بغالب الرأي ؛ لأنه لا ~~طريق إلى الوقوف على حقيقة الأمر فيه ، وغالب الرأي كاليقين فيمثله . ولو ~~أن مسلما حمل على ألف رجل وحده فإن كان يطمع أن يظفر بهم أو ينكأ فيهم فلا ~~بأس بذلك ؛ لأنه يقصد بفعله النيل من العدو . وقد فعل ذلك بين يدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غير واحد من الأصحاب يوم أحد ، ولم ينكر ذلك عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبشر بعضهم بالشهادة حين استأذنه في ذلك ، ~~وإن كان لم يطمع في نكاية فإنه يكره له هذا الصنيع ؛ لأنه يتلف نفسه من غير ~~منفعة للمسلمين ، ولا نكاية فيه للمشركين . PageV04P1512 وفي الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر يسعه الإقدام وإن كان يعلم أن القوم يقتلونه ~~وأنه لا يتفرق جمعهم بسببه ، لأن القوم هناك مسلمون معتقدون لما يأمرهم به ~~، فلا بد من أن فعله ينكئ في قلوبهم ، وإن كانوا لا ms0863 يظهرون ذلك ، وها هنا ~~القوم كفار لا يعتقدون حقيقة الإسلام وفعله لا ينكئ في باطنهم ، فيشترط ~~النكاية ظاهرا لإباحة الإقدام ، وإن كان لا يطمع في نكاية ولكنه يجرئ بذلك ~~المسلمين عليهم حتى يظهر بفعل النكاية في العدو فلا بأس بذلك ، إن شاء الله ~~تعالى ؛ لأنه لو كان على طمع من النكاية بفعله جاز له الإقدام ، فكذلك إذا ~~كان يطمع في النكاية فيهم بفعل غيره . وكذلك إن كان في إرهاب العدو ، ~~وإدخال الوهن عليهم بفعله فلا بأس به ؛ لأن هذا أفضل وجوه النكاية ، وفيه ~~منفعة للمسلمين وكل واحد يبذل نفسه لهذا النوع من المنفعة ، ولو أن راكب ~~السفينة حين انتهى النار إليه فوجد مسها وحرارتها لم يجد محيصا إلا أن يرمي ~~بنفسه في الماء فرمى بنفسه ، كان إن شاء الله في سعة ؛ PageV04P1513 لأن ~~هذا الان مدفوع من إلقاء النار في السفينة ، والأول يكون ملقيا نفسه في ~~الماء لا مدفوع غيره ، فإنه لا يتصور مدفوعا قبل أن يتصل به فعل الدافع ، ~~وهناك ما اتصل به فعل الدافع وها هنا قد اتصل به فعله . ألا ترى أنه لو ~~أوقدت له نار وقيل له : لنضربنك بالسياط حتى نقتلك أو تلقي نفسك في النار ~~حتى تحترق لم يسعه إلقاء نفسه ، وإن كان ضربوه بالسياط فبلغ من جزعه ~~واضطرابه أن يسقط في النار رجوت أن يكون في سعة ، لأنه مدفوع الضارب ها هنا ~~، ولأن ألم السوط قد أصابه ، وما أصابه ألم النار بعد ، فهو إنما يفر من ~~ألم قد أصابه فأرجو أن يكون في سعة . والأصل فيه حديث حذيفة رضي الله تعالى ~~عنه قال : لفتنة السوط أشد من فتنة السيف ، إن الرجل ليضرب بالسوط حتى يركب ~~الخشبة ، يعني إذا أريد صلبه عليها ، والله الموفق . PageV04P1514 # | باب قتال أهل الإسلام أهل الشرك مع أهل الشرك # قال : لا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا أهل الشرك مع أهل الشرك ؛ لأن ~~الفئتين حزب الشيطان وحزب الشيطان هم الخاسرون ، فلا ينبغي للمسلم أن ينضم ~~إلى إحدى الفئتين فيكثر سوادهم ، ويقاتل دفعا عنهم ، وهذا ms0864 لأن حكم الشرك هو ~~الظاهر ، والمسلم إنما يقاتل لإظهار أهل الحق ، لا لإظهار حكم الشرك ، ولا ~~ينبغي أن يقاتل أحد من أهل العدل أحدا من الخوارج ، مع قوم آخرين من ~~الخوارج ، إذا كان حكم الخوارج هو الظاهر . لأنه إباحة القتال مع الفئة ~~الباغية من المسلمين إن رجعوا إلى أمر الله لا يحصل هذا المقصود بهذا ~~القتال إذا كان حكم الخوارج هو الظاهر . ولا بأس بأن يقاتل المسلمون من أهل ~~العدل مع الخوارج ، المشركين من أهل الحرب ؛ لأنهم يقاتلون الآن لدفع فتنة ~~الكفر ، إظهار الإسلام ، فهذا قتال على الوجه المأمور به ، وهو إعلاء كلمة ~~الله تعالى ، بخلاف ما سبق ، فالقتال هناك لإظهار ما هو مائل عن طريق الحق ~~، وها هنا لإثبات أصل الطريق . ثم إنما يباح ذلك إذا لم يكن فيه نقض عهد ~~منهم PageV04P1515 فأما إذا أمنوا قوما ثم غدروا بهم فإنه لا يسع القتال ~~معهم ، لأهل العدل ، لأن الوفاء بالأمان واجب ، فقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يكتب في كل عهد وفاء لا غدر فيه ، وإذا كان المنع لأهل العدل ~~يختص بذلك المحل حتى يجوز أن يقاتل معهم قوما آخرين من أهل الحرب ممن لم ~~يؤمنوهم ؛ لأنه ليس في هذا القتال معنى الغدر ، بل فيه إظهار الإسلام . ولو ~~قال أهل الحرب لأسراء فيهم : قاتلوا معنا عدونا من المشركين ، وهم لا ~~يخافونهم على أنفسهم إن لم يفعلوا فليس ينبغي أن يقاتلوهم معهم ؛ لأن في ~~هذا القتال إظهار الشرك ، والمقاتل يخاطر بنفسه فلا رخصة في ذلك إلا على ~~قصد إعزاز الدين ، أو الدفع عن نفسه . فإذا كانوا يخافون أولئك الآخرين على ~~أنفسهم فلا بأس بأن يقاتلوهم ، لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم ، ~~فإنهم يأمنون الذين هم في أيديهم على أنفسهم ، ولا يأمنون الآخرين إن وقعوا ~~في أيديهم ، فحل لهم أن يقاتلوا دفعا عن أنفسهم . وإن قالوا لهم : قاتلوا ~~معنا عدونا من المشركين وإلا قتلناكم فلا بأس بأن يقاتلوا دفعا لهم ؛ لأنهم ~~يدفعون الآن أشر القتل عن أنفسهم . PageV04P1516 وقتل أولئك ms0865 المشركين لهم ~~حلال ، ولا بأس بالإقدام على ما هو حلال عند تحقق الضرورة بسبب الإكراه ، ~~وربما يجب ذلك كما في تناوله الميتة وشرب الخمر ، وإن قالوا لهم قاتلوا ~~معنا المسلمين وإلا قتلناكم لم يسعهم القتال مع المسلمين ؛ لأن ذلك حرام ~~على المسلمين بعينه ، فلا يجوز الأقدام عليه بسبب التهديد بالقتل ، كما لو ~~قال له : اقتل هذا المسلم وإلا قتلتك . فإن هددوهم يقفوا معهم في صفهم ولا ~~يقاتلوا المسلمين رجوت أن يكونوا في سعة ؛ لأنهم الآن لا يصنعون بالمسلمين ~~شيئا ، فهذا ليس من جملة المظالم ، أكبر ما فيه أن يلحق المسلمين هم لكثرة ~~سواد المشركين في أعينهم ، فهو بمنزلة ما لو أكره على إتلاف مال المسلمين ~~بوعيد متلف ، فإن كانوا لا يخافون المشركين على أنفسهم فليس لهم أن يقفوا ~~معهم في صف وإن أمروهم بذلك ؛ لأن فيه إرهاب المسلمين وإلقاء الرعب والفشل ~~فيهم ، وبدون تحقق الضرورة لا يسع المسلم الأقدام على شيء منه . ~~PageV04P1517 ولو قالوا للأسراء : قاتلوا معنا عدونا من أهل حرب آخرين ، ~~على أن نخلي سبيلكم إذا انقضت حربنا لو وقع في قلوبهم أنهم صادقون فلا بأس ~~بأن يقاتلوا معهم ؛ لأنهم يدفعون بهذا الأسر عن أنفسهم ، ولا يكون هذا دون ~~ما إذا كانوا يخافون على أنفسهم من أولئك المشركين ، فكما يسعهم الإقدام ~~هناك ، فكذلك يسعهم ها هنا ، فإن قيل : كيف يسعهم هذا وفيه قوة لهم على ~~المسلمين ؟ لأنهم إذا ظفروا بعدوهم فأمنوا جانبهم أقبلوا على قتال المسمين ~~، وربما يأخذون منهم الكراع والسلاح فيتقوون بها على المسلمين ، قلنا : ذلك ~~موهوم ، وما يحصل لهم الآن من النجاة عن أسر المشركين بهذا القتال معلوم ، ~~فيترجح هذا الجانب ، ألا ترى أنهم لو طلبوا من إمام المسلمين أن يفاديهم ~~بأعدادهم من المشركين أو بالكراع والسلاح جاز له أن يفعل لتخلصهم به من ~~الأسر وإن كانوا يتقوون بما يأخذون على المسلمين . ولو قالوا أعيوننا على ~~المسلمين بقتال أو بتكثير سواد على أن نخلي سبيلكم لم يحل لهم هذا ؛ لأنه ~~لا رخصة لهم في قتال المسلمين بحال ms0866 ، ولا في إلقاء الرعب في قلوبهم ما لم ~~تحقق الضرورة ، بخوف الهلاك على أنفسهم ، وذلك غير موجود ها هنا ولو قالوا ~~: قاتلوا معنا عدونا من المشركين على أن نخليكم في بلادنا ولا ندعكم ترجعون ~~إلى أهليكم ، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوا معهم ؛ PageV04P1518 لأنهم إن ~~كانوا آمنين على أنفسهم ، لا يخافون من جانبهم تلف نفس أو عضو فلا فرق بين ~~أن يكونوا محبوسين في بلادهم ، وبين أن يكونوا في سجونهم ، لأن في الوجهين ~~يلحقهم هم بالانقطاع عن أهاليهم . وعن إخوانهم من المؤمنين ، فلا ينبغي لهم ~~أن يقاتلوا لإظهار حكم الشرك ، بدون منفعة ظاهرة لهم في ذلك . وإن كانوا في ~~ضر وبلاء يخافون على أنفسهم الهلاك ، فلا بأس بأن يقاتلوا معهم المشركين ، ~~إذا قالوا : نخرجكم من ذلك ؛ لأن لهم في هذا القتال غرضا صحيحا ، وهو دفع ~~البلاء والضر الذي نزل بهم . ولو أنهم خلوا سبيلهم ليرجعوا إلى دار ~~المسلمين فظفروا بمال من أموالهم ، فلا بأس بأن يأخذوها سرا منهم ، ~~فيخرجوها إلى دار الإسلام لأنهم أسراء في أيديهم ما لم يخرجوا ، وإن خلوا ~~سبيلهم فليس في أخذ أموالهم وقتل نفوسهم إن تمكنوا من ذلك غدر بأمان بينهم ~~وبين أهل الحرب ، وإنما هو إصابة من الحلال ، فحالهم في ذلك كحال المتلصصين ~~في دار الحرب . حتى إذا أخرجوا ذلك فإن كانوا أهل منعة خمس والباقي بينهم ~~على سهام الغنيمة ؛ لأنهم إنما تم إحرازهم لذلك بالإخراج إلى دار الإسلام . ~~PageV04P1519 وكذلك إن كان هذا المال أصابوه من أهل الشرك الذين قاتلوا ~~معهم ، وخفي على الذين كانوا أسراء في أيديهم أن يأخذوا ذلك منهم فيستوي إن ~~كان ما أصابوه من المسلمين أو من أهل الحرب ؛ لأن ذلك كله كان للمشركين ولم ~~يتم إحراز المسمين لها إلا بعد الإخراج إلى دار الإسلام . فإن كانوا قد ~~قالوا لهم : تقاتلون معنا عدونا على أن تسلموا الغنائم كلها لنا ، ولا ~~تأخذوا منها شيئا ، على أن نخلي سبيلكم ، فهذا والأول سواء ؛ لأن أكبر ما ~~في الباب ، أن بهذا الشرط يلتحق المصاب بأموالهم . وقد ms0867 بينا أنه لا بأس بأن ~~يأخذوا أموالهم إذا تمكنوا من ذلك ؛ لأنه لا أمان بينهم وبين أهل الحرب ، ~~وإنما يمتنع أخذ المال المباح إذا كان فيه غدر الأمان . وإن كانوا قالوا ~~لهم : نخلي سبيلكم إلى بلادكم على أن تأخذوا من أموالنا شيئا ، فأجابوهم ~~إلى ذلك ، فليس ينبغي لهم أن يأخذوا من أموالهم شيئا ؛ لأنهم شرطوا ترك ~~التعرض لهم في أموالهم ، والمسلمون عند شروطهم ، PageV04P1520 كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قيل : في المسألة الأولى شرطوا ذلك لهم أيضا ~~، ثم قلتم : يسعهم إخفاء ما أخذوا من أهل الحرب الآخرين حتى يخرجوا إلى دار ~~الإسلام ، قلنا : هناك إنما شرطوا عليهم أن يسلموا غنائمهم ، وإنما غنائمهم ~~ما كانوا هم الذين أخذوه من العدو ، فأما ما أخذه الأسراء من العدو فليس من ~~غنائم الذين قاتلوهم معهم . لأن ثبوت الشركة في الغنائم من حكم الإسلام ، ~~وذلك لا يثبت في منعة أهل الشرك ، وإنما الثابت في منعتهم أن من أخذ شيئا ~~فهو أحق به من غيره ، فعرفنا أنه ليس في هذا الإخفاء مخالفة شرط مفصح له ، ~~ثم تبين أن مخالفة الشرط المفصح به لا يصح لهم . وإن كانوا أسراء في أيديهم ~~فقال : لو كانوا في سجن من سجونهم فقالوا : نؤمنكم على أن نخرجكم فتكونوا ~~في بلادنا على ألا ندعكم ترجعون إلى بلادكم ، ولا تقتلوا منا أحدا ، ولا ~~تأخذوا منا مالا ، سرا ولا علانية ، فرضي الإسراء بذلك ، فينبغي لهم أن ~~يفوا بهذا الشرط ؛ لأنهم فيما التزموا بالشرط نصا بمنزلة المستأمنين فيهم . ~~ألا ترى أنهم آمنوا بقبول ذلك من القتل والحبس والعذاب . فإن وجدوا بعد هذا ~~عبدا أصابوه من المسلمين لم يسع لهم أن يأخذوه لأن ذلك مالهم لو أسلموا ~~عليه كان لهم . PageV04P1521 ولو وجدوا حرة مأسورة أو مدبرة لم أر بأسا أن ~~يأخذوها فيخرجوها ؛ لأن أهل الحرب لم يملكوها ، وإنما شرطوا عليهم ترك ~~التعرض لهم في أموالهم . ولو وجدوا كراعا أو سلاحا أخذوه من المسلمين لم ~~يسعهم أن يتعرضوا لشيء من ذلك ؛ لأن هذا من ms0868 أموالهم . ولو قالوا للأسراء : ~~لوا معنا عدونا من المشركين على أن نخليكم في بلادنا ولا ندعكم ترجعون إلى ~~أهليكم ، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوا معهم ؛ لأنهم إن كانوا آمنين على ~~أنفسهم ، لا يخافون من جانبهم تلف نفس أو عضو فلا فرق بين أن يكونوا ~~محبوسين في بلادهم ، وبين أن يكونوا في سجونهم ، لأن في الوجهين يلحقهم هم ~~بالانقطاع عن أهاليهم . وعن إخوانهم من المؤمنين ، فلا ينبغي لهم أن ~~يقاتلوا لإظهار حكم الشرك ، بدون منفعة ظاهرة لهم في ذلك . وإن كانوا في ضر ~~وبلاء يخافون على أنفسهم الهلاك ، فلا بأس بأن يقاتلوا معهم المشركين ، إذا ~~قالوا : نخرجكم من ذلك ؛ لأن لهم في هذا القتال غرضا صحيحا ، وهو دفع ~~البلاء والضر الذي نزل بهم . ولو أنهم خلوا سبيلهم ليرجعوا إلى دار ~~المسلمين فظفروا بمال من أموالهم ، فلا بأس بأن يأخذوها سرا منهم ، ~~فيخرجوها إلى دار الإسلام لأنهم أسراء في أيديهم ما لم يخرجوا ، وإن خلوا ~~سبيلهم فليس في أخذ أموالهم وقتل نفوسهم إن تمكنوا من ذلك غدر بأمان بينهم ~~وبين أهل الحرب ، وإنما هو إصابة من الحلال ، فحالهم في ذلك كحال المتلصصين ~~في دار الحرب . حتى إذا أخرجوا ذلك فإن كانوا أهل منعة خمس والباقي بينهم ~~على سهام الغنيمة ؛ لأنهم إنما تم إحرازهم لذلك بالإخراج إلى دار الإسلام . ~~وكذلك إن كان هذا المال أصابوه من أهل الشرك الذين قاتلوا معهم ، وخفي على ~~الذين كانوا أسراء في أيديهم أن يأخذوا ذلك منهم فيستوي إن كان ما أصابوه ~~من المسلمين أو من أهل الحرب ؛ لأن ذلك كله كان للمشركين ولم يتم إحراز ~~المسمين لها إلا بعد الإخراج إلى دار الإسلام . فإن كانوا قد قالوا لهم : ~~تقاتلون معنا عدونا على أن تسلموا الغنائم كلها لنا ، ولا تأخذوا منها شيئا ~~، على أن نخلي سبيلكم ، فهذا والأول سواء ؛ لأن أكبر ما في الباب ، أن بهذا ~~الشرط يلتحق المصاب بأموالهم . وقد بينا أنه لا بأس بأن يأخذوا أموالهم إذا ~~تمكنوا من ذلك ؛ لأنه لا أمان بينهم وبين أهل ms0869 الحرب ، وإنما يمتنع أخذ ~~المال المباح إذا كان فيه غدر الأمان . وإن كانوا قالوا لهم : نخلي سبيلكم ~~إلى بلادكم على أن تأخذوا من أموالنا شيئا ، فأجابوهم إلى ذلك ، فليس ينبغي ~~لهم أن يأخذوا من أموالهم شيئا ؛ لأنهم شرطوا ترك التعرض لهم في أموالهم ، ~~والمسلمون عند شروطهم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قيل : ~~في المسألة الأولى شرطوا ذلك لهم أيضا ، ثم قلتم : يسعهم إخفاء ما أخذوا من ~~أهل الحرب الآخرين حتى يخرجوا إلى دار الإسلام ، قلنا : هناك إنما شرطوا ~~عليهم أن يسلموا غنائمهم ، وإنما غنائمهم ما كانوا هم الذين أخذوه من العدو ~~، فأما ما أخذه الأسراء من العدو فليس من غنائم الذين قاتلوهم معهم . لأن ~~ثبوت الشركة في الغنائم من حكم الإسلام ، وذلك لا يثبت في منعة أهل الشرك ، ~~وإنما الثابت في منعتهم أن من أخذ شيئا فهو أحق به من غيره ، فعرفنا أنه ~~ليس في هذا الإخفاء مخالفة شرط مفصح له ، ثم تبين أن مخالفة الشرط المفصح ~~به لا يصح لهم . وإن كانوا أسراء في أيديهم فقال : لو كانوا في سجن من ~~سجونهم فقالوا : نؤمنكم على أن نخرجكم فتكونوا في بلادنا على ألا ندعكم ~~ترجعون إلى بلادكم ، ولا تقتلوا منا أحدا ، ولا تأخذوا منا مالا ، سرا ولا ~~علانية ، فرضي الإسراء بذلك ، فينبغي لهم أن يفوا بهذا الشرط ؛ لأنهم فيما ~~التزموا بالشرط نصا بمنزلة المستأمنين فيهم . ألا ترى أنهم آمنوا بقبول ذلك ~~من القتل والحبس والعذاب . فإن وجدوا بعد هذا عبدا أصابوه من المسلمين لم ~~يسع لهم أن يأخذوه لأن ذلك مالهم لو أسلموا عليه كان لهم . ولو وجدوا حرة ~~مأسورة أو مدبرة لم أر بأسا أن يأخذوها فيخرجوها ؛ لأن أهل الحرب لم ~~يملكوها ، وإنما شرطوا عليهم ترك التعرض لهم في أموالهم . ولو وجدوا كراعا ~~أو سلاحا أخذوه من المسلمين لم يسعهم أن يتعرضوا لشيء من ذلك ؛ لأن هذا من ~~أموالهم . ولو قالوا للأسراء : اخرجوا إلى بلادكم ، فأنتم آمنون ، ولم يقل ~~لهم الأسراء شيئا ، فلا بأس بأن ms0870 يقاتلهم الأسراء بعد هذا القول ، ويأخذوا ~~أموالهم ؛ لأن الأسراء ما التزموا لهم شيئا بالشرط واشتراط أهل الحرب عليهم ~~لا يلزمهم شيئا مما لم يلتزموه . وهذا بخلاف ما إذا جاءهم قوم من المسلمين ~~ليدخلوا دار الحرب ، فقال لهم أهل الحرب : ادخلوا ، وأنتم آمنون ، فدخلوا ~~ولم يشترطوا لهم شيئا ؛ لأن هناك مجيئهم على سبيل الاستئمان بمنزلة التصريح ~~بالاشتراط على أنفسهم ألا يغدروا بهم ، ولا يوجد هذا المعنى في حق الأسراء ~~لأنهم كانوا مقهورين في أيديهم لا مستأمنين . PageV04P1522 ولو قال أهل ~~الحرب للأسراء فيهم : قاتلوا معنا عدونا على أن نخلي سبيلكم لترجعوا إلى ~~بلادكم ، وعلى أن ما أصبتم من شيء فهو لكم ، وما أصبنا نحن من شيء لم ~~تعرضوا فيه لنا ثم تمكن الأسراء من أخذ ما أصابه أهل الحرب سرا فليس ينبغي ~~لهم أن يأخذوه ؛ لأنهم شرطوا لهم ذلك ، والوفاء بالشرط واجب . فإن سلم أهل ~~الحرب للأسراء ما أصابوه ، فأخرجوه إلى دار الإسلام أو إلى عسكر المسلمين ~~في دار الحرب ، فهو لهم خاصة لا خمس فيه ، والفارس والراجل فيه سواء ؛ ~~لأنهم أصابوه وحكم الشرك هو الظاهر عليهم ، فتم إحرازهم له في دار الشرك ، ~~حين سلم لهم العدو ذلك ، ولأن ما أصابوا في منعة أهل الشرك فهو من وجه كان ~~أهل الشرك هم الذين أصابوه ثم سلموه لهم بطيبة أنفسهم . فيكون ذلك بمنزلة ~~مال وهبوه لهم . ولا يكون لذلك المال حكم الغنيمة ؛ لأنه صار لهم قبل أن ~~يخرجوه إلى منعة المسلمين . ولو كان المصيب بعضهم كان ذلك لمن أصابه خاصة ، ~~لما بينا أنه لا تأثير للإحراز بمنعة المسلمين ها هنا ، وغير المصيب في هذا ~~PageV04P1523 بالإحراز وسبب تمام الحق والإصابة مع تسليم المشركين ذلك ~~للمصيب ، ولا شركة للآخرين في هذا السبب . ولو كان المشركون شرطوا أن ما ~~أصابه إنسان من الأسراء فهو بين جميع الأسراء ، ورضي الأسراء بذلك ، فهذا ~~المصاب بينهم بالسوية ، وإن أصابه بعضهم ؛ لأن أهل الحرب إنما سلموه ~~لجماعتهم ، فكان هذا بمنزلة مال وهبوه لهم جميعا من أموالهم ، وقبضه بعضهم ~~برضاء الجماعة ms0871 منهم ولو كانوا شرطوا عليهم أن ما أصبنا نحن وأنتم فلكم نصفه ~~، ولنا نصفه ، واقتسموا ما أصابوه نصفين ثم خرج الأسراء إلى دارنا فجميع ما ~~أصابوه بينهم بالسوية ولا خمس فيه ؛ لأنهم تمكنوا من إخراجه بتسليم ~~المشركين لهم ، وإنما الغنيمة اسم لمال مأخوذ على وجه القهر ، وذلك ينتفي ~~إذا سلم المشركون لهم ذلك . فأما ما أخرجته الأسراء هنا بغير طيب نفس أهل ~~الحرب ، مما لو ظهر عليه أهل الحرب أخذوه منهم ، فإن ذلك يخمس والباقي ~~بينهم على سهام الغنيمة ؛ لأن هذا مصاب بطريق القهر . ول يتم سبب حقهم فيه ~~قبل الإحراز بمنعة المسلمين . PageV04P1524 إلا في خصلة واحدة ، وهي ما أخذ ~~الأسراء بغير طيب أنفس أهل الحرب ، مما غدروا فيه ، فإن ذلك لا يخمس ؛ لأن ~~الأخذ لم يكن حلالا لهم ، وللإمام أن يأمرهم برده على سبيل الفتوى ، بمنزلة ~~ما أخذه المستأمنون منهم على وجه التلصص . ولو أن أهل الحرب أرسلوا الأسراء ~~خاصة أن يقاتلوا أهل حرب آخرين ، وجعلوا الأمير من الأسراء وجعلوا له أن ~~يحكم بحكم أهل الإسلام ، وسلموا لهم الغنائم يخرجونها إلى دار الإسلام ، ~~فلا بأس بالقتال على هذا إذا خافوهم أو لم يخافوا ؛ لأنهم يقاتلون وحكم ~~الإسلام هو الظاهر عليهم ، فيكون ذلك جهادا منهم . ثم يخمس ما أصابوا إذا ~~أخرجوه إلى دار الإسلام ويقسم الباقي بينهم على سهام الغنيمة ؛ لأن المصاب ~~لما أخذ حكم الغنيمة ها هنا ، فتأكد الحق فيه ، يكون الإحراز بدار الإسلام ~~، ألا ترى أن قوما من أهل الحر موادعين لأهل الإسلام لو طلب إليهم المسلمون ~~أن يدخلوا بلادهم جندا ليغيروا على أهل حرب آخرين ففعلوا ذلك ، فإنه يخمس ~~ما أصابوا ، ثم يقسم الباقي بينهم على سهام الغنيمة . PageV04P1525 ولو كان ~~أهل الحرب الذين بعثوا الأسراء لقتال عدوهم شرطوا أن المصاب لهم دون ~~الأسراء أو نصف المصاب لهم والأسراء لا يخافونهم إن لم يفعلوا ذلك فليس ~~ينبغي لهم أن يقاتلوا على هذا الشرط ؛ لأن فيه إعانتهم على المسلمين ، ألا ~~ترى أنهم لو اصابوا كراعا أو سلاحا أخذوا منهم ms0872 المشروط فتقووا به على قتال ~~المسلمين ، إلا أن يكونوا شرطوا لهم أن يتركوهم فيخرجوا إلى دار الإسلام ~~إذا فعلوا ذلك ، فحينئذ لا بأس بأن يفعلوا ، لأن هذا في المعنى بمنزلة ~~مفاداتهم أنفسهم بما يعطونهم من السبي والكراع والسلاح . ثم إذا خرجوا ~~بالبقية إلى دار الإسلام خمس ذلك ، وقسم بينهم على سهام الغنيمة ؛ لأنهم ~~أصابوه وحكم الإسلام هو الظاهر فيهم ، وبالإحرار بدار الإسلام يتأكد حقهم ~~فيه ، لا بتسليم المشركين لهم ، ذلك لأن المشركين ما كانوا معهم حين اصابوا ~~ذلك ، وكانت منعتهم حين اصابوا منعة المسلمين . ولو كانوا شرطوا للأسراء ~~الكراع والسلاح والسبي ولهم ما سوى ذلك ، لم يكن بقتال الأسراء على هذا بأس ~~PageV04P1526 أيضا ، بمنزلة مفاداتهم أنفسهم بالمال ، فإن كانوا قالوا لهم ~~: ذلك لكم على ألا تخرجوه إلى دار الإسلام ، ولا تخرجوا أنتم أيضا ، فحينئذ ~~لا ينبغي لهم أن يقاتلوا على هذا ، إلا عند تحقق الضرورة بأن يخافوهم على ~~أنفسهم ؛ لأن في هذا القتال تحصيل منفعة المال للمشركين ، وليس بمقابلته ~~معنى الخلاص للمسلمين ، فلا يسع القتال على هذا إلا عند تحقق الضرورة . ~~PageV04P1527 # | باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور # ذكر عن توبة بن تمر الحضرمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا خصاء ~~في الإسلام ولا كنيسة ، وفيه لغتان خصاء وإخصاء ، والحديث مروي بكل واحد من ~~اللفظين ، وفي تفسيره قولان ، أحدهما : النهي عن إخصاء بني آدم ، بصيغة ~~النفي ، وهو أبلغ ما يكون من النهي ، وذلك حرام بالنص ، قال الله تعالى : ' ~~ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ' النساء : ، قيل : هو إخصاء بني آدم ، وإنما ~~يأمر الشيطان بما هو من الفحشاء والمنكر ، ثم هو مثلة ، وقد نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن المثلة ولو بالكلب العقور ، وقيل : المراد به التبتل ~~، وهو أن يحرم الرجل ، غشيان النساء فيجعل نفسه بمنزلة الرهبان الذين ~~يحرمون النساء ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك عثمان بن ~~مظعون PageV04P1528 مع أصحابه حين هموا به ، والمراد بالكنيسة إحداث ~~الكنائس في أمصار ms0873 المسلمين ، فإن أهل الذمة يمنعون من ذلك ، وقد فسر ذلك ~~ابن سماعة في نوادره عن محمد بن الحسن رحمه الله حين روى هذا الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، ~~قال : أمنع أهل الذمة من إحداث شيء من الكنائس في البلاد المفتوحة من ~~خراسان وغيرها ، ولا أهدم شيئا مما وجدته قديما في أيديهم ، ما لم أعلم ~~أنهم أحدثوا ذلك بعدما صار ذلك الموضع مصرا من أمصار المسلمين ؛ لأن تغيير ~~ما وجد قديما لا يجوز إلا بدليل موجب لذلك وتمكينهم من إحداث ذلك في موضع ~~صار معدا لإقامة أعلام الإسلام فيه ، كتمكين المسلم من الثبات على الشرك ~~بعد الردة وذلك لا يجوز بحال . فإن طلب قوم من أهل الحرب أن يصيروا ذمة ~~للمسلمين ، يجري عليهم أحكام الإسلام ، على أن يؤدوا عن رقابهم وأراضيهم ~~شيئا معلوما ، فإنه يجب على الإمام أن يجيبهم إلى ذلك ؛ لأن عقد الذمة ~~ينتهي به القتال كالإسلام ، فكما أنهم لو طلبوا عرض الإسلام عليهم ، يجب ~~إجابتهم إلى ذلك ، فكذلك إذا طلبوا عقد الذمة ، وهذا لأنهم يلتزمون أحكام ~~الإسلام ، بهذا الطريق فيما يرجع إلى المعاملات ثم ربما PageV04P1529 يرون ~~محاسن الشريعة ويسلمون فكان هذا في معنى الدعاء إلى الدين بأرفق الطريقين . ~~وقد أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران إلى هذا حين طلبوا منه ، ~~فصالحهم على ألفي حلة في سنة أو على ألف ومائتي حلة ، فإن صولحوا على هذا ~~وأراضيهم مثل أرض الشام مدائن وقرى فليس ينبغي للمسلمين أن يأخذوا شيئا من ~~دورهم وأراضيهم ولا أن ينزلوا عليهم منازلهم لأنهم أهل عهد وصلح وقد نادى ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لا أحل لكم شيئا من دورهم من ~~أموال المعاهدين ، ولأنهم قبلوا الذمة لتكون أموالهم وحقوقهم كأموال ~~المسلمين وحقوقهم . فإن أراد المسلمون أن يتخذوا مصرا في الموات من تلك ~~الأراضي التي لا يملكها أحد فلا بأس بذلك ؛ لأنه ليس في هذا تعرض لشيء من ~~أملاكهم وقد ms0874 صارت ديارهم من جملة ديار الإسلام ، بظهور أحكام الإسلام فيها ~~، فالرأي إلى الإمام في الموات من الأراضي في دار الإسلام . قال صلى الله ~~عليه وسلم : ألا إن عادي الأرض لله ورسوله ، ثم هي لكم مني ، PageV04P1530 ~~فإن كان قرب ذلك المصر الذي أتخذه المسلمون في الموات من الأراضي قرى لأهل ~~الذمة فعظم المصر حتى جاوز تلك القرى ، فقد صارت من جملة المصر لإحاطة ~~المصر بجوانبها ، فإن كان لهم في تلك القرى كنائس أو بيع أو بيوت نيران ~~تركت على حالها ؛ لأنهم أهل صلح قد استحقوا به ترك التعرض لهم في ذلك الحكم ~~بصيرورة ذلك الموضع مصرا . ألا ترى أنه لا يجوز التعرض لهم في أخذ شيء من ~~أملاكهم وإزعاجهم من ذلك الموضع ، لأنهم استحقوا ذلك بعقد الصلح . ولكن إن ~~أرادوا إحداث بيعة أو كنيسة في تلك الموضع لم يكن لهم ذلك ، لأنه صار من ~~جملة أمصار المسلمين يصح فيه الجمع والأعياد وتقام فيه الحدود وفي تمكينهم ~~من إحداث شيء من ذلك في مثل هذا الموضع إدخال الوهن على المسلمين ، أو ~~تمكينهم من المعارضة مع المسلمين صورة وهذا مراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقوله : ولا كنيسة ، يوضحه : أن ما كانت لهم من الكنائس في هذا الموضع ~~قد تأكد حقه فيها بالتقرير بعدما صار ذلك الموضع دار الإسلام ، فلا يتغير ~~ذلك بما أحدث PageV04P1531 من الحال ، وهو تصيير ذلك الموضع مصرا للمسلمين ~~، بخلاف ما إذا أرادوا الإحداث ، وهو نظير حكم في حادثة أمضاه القاضي ~~باجتهاد ، ثم تحول رأيه ، فإنه لا ينقض ذلك ، وإن كان يبنى مثل تلك الحادثة ~~في المستقبل على ما ظهر له من الرأي فيه . وكذلك إن كانوا يبيعون الخمور ~~والخنازير علانية في ذلك الموضع فإنهم يمنعون من ذلك بعدما صار ذلك الموضع ~~مصرا ؛ لأن هذا تصرف ينشئونه وقد بينا في المبسوط أن أهل الذمة يمنعون من ~~إظهار بيع الخمور والخنازير في أمصار المسلمين ، ومن إدخال ذلك في الإمصار ~~على وجه الشهرة والظهور . هكذا نقل عن عمر وعلي رضي الله ms0875 عنهما ولأن هذا ~~فسق وفي إظهار الفسق في أمصار المسلمين استخفاف بالدين وما صالحناهم على أن ~~يستخفوا بالمسلمين . وكذلك إن حضر لهم عيد يخرجون فيه صليبهم فليفعلوا ذلك ~~في كنائسهم القديمة ، فأما أن يخرجوا ذلك من الكنائس حتى يظهروه في المصر ~~فليس لهم ذلك ، لما فيه من الاستخفاف بالمسلمين ، ولكن ليخرجوه خفيا من ~~كنائسهم ، حتى إذا أخرجوه من المصر إلى غير المصر ، فليصنعوا من ذلك ما ~~أحبوا ، يعني إذا جاوزوا أفنية المصر ؛ PageV04P1532 لأن فناء المصر كجوفه ~~في حكم إقامة الجمعة فخرج مع الناس إلى بعض أفنية المصر ، فله أن يصلي ~~الجمعة بهم ، وهم يمنعون من إظهار ذلك في الموضع الذي يظهر المسلمون فيه ، ~~مثل ذلك لكيلا يؤدي إلى صورة المعارضة ، فعرفنا أن فناء المصر في هذا كجوف ~~المصر . وكذلك ضرب الناقوس لم يمنعوا منه إذا كانوا يضربونه في جوف كنائسهم ~~القديمة فإن أرادوا الضرب بها خارجا ، فليس ينبغي أن يتركوا ليفعلوا ذلك ، ~~لما فيه من معارضة أذان المسلمين في الصورة ، فأما كل قرية أو موضع ليس ~~بمصر من أمصار المسلمين ، فإنهم لا يمنعون من إحداث جميع ذلك فيها وإن كان ~~فيها عدد من المسلمين نزول ؛ لأن هذا ليس بموضع إعلام الدين من إقامة ~~الجمعة والأعياد فيه وكثير من أئمة بلخ رحمهم الله تعالى قالوا : إنما ~~أجابوا بهذا ها هنا وفي المبسوط بني على حال قراهم بالكوفة ، فإن عامة من ~~يسكنها أهل الذمة والروافض ، فأما في ديارنا فهم يمنعون من ذلك في القرى ، ~~كما يمنعون منه في الأمصار ، لأنها موضع جماعات المسلمين ، وجلوس الواعظين ~~والمدرسين بمنزلة الأمصار واستدلوا بلفظ ذكره هنا فقال : فأما المصر الذي ~~الغالب عليه أهل الذمة مثل الحيرة وغيرها ليست فيها جمعة ولا حدود تقام ، ~~فإنهم لا يمنعون من إحداث ذلك فيها ، PageV04P1533 ومشايخ ديارنا يقولون : ~~لا يمنعون من إحداث ذلك في القرى على كل حال واستدلوا بلفظ ذكره ها هنا ، ~~فقال : القرى التي أهلها مسلمون إلا أنها ليست بأمصار ، فيها جمع وحدود ، ~~إذا اشترى قوم من أهل الذمة ms0876 فيها منازل واتخذوا فيها الكنائس والبيع ، ~~وأعلنوا فيها بيع الخمر والخنزير لم يمنعوا من ذلك ، لأن المنع باعتبار أنه ~~موضع إقامة معالم الدين فيه من الجمع والأعياد وإقامة الحدود وتنفيذ ~~الأحكام وفي مثل هذا دليل على أن تنفيذ الأحكام يختص بالأمصار دون القرى ~~وهكذا أشار إليه في أدب القاضي ، بخلاف ما ذكر الخصاف : أن القرى في ذلك ~~كالأمصار ، وقد بينا ذلك في شرح المختصر . فالحاصل أنهم يمنعون من إحداث ~~ذلك في المصر ، وما يكون من فناء المصر ، ولا يمنعون من ذلك في القرى التي ~~يكون أكثر السكان بها من أهل الذمة ، فأما في القرى التي يسكنها المسلمون ~~اختلاف بين المشايخ على ما بينا ، ولو شرط عليهم المسلمون في أصل الصلح أن ~~يقاسموهم منازلهم ، في مدائنهم وأمصارهم ، فذلك جائز ؛ لأن اشتراط هذا ~~الملك عليهم كاشتراط مال آخر ، فيجوز إذا كان معلوما . فإن نزل عليهم ~~المسلمون في مدائنهم وقراهم ، وفيها الكنائس ، وبيع الخمور والخنازير ~~علانية ، وتزويج المحارم ، PageV04P1534 فكل موضع صار مصرا للمسلمين تجمع ~~فيه الجمع ، وتقام فيه الحدود ، فإنهم يمنعون من إحداث الكنائس فيه وإظهار ~~شيء مما كانوا يظهرونه قبل ذلك ؛ لأن هذا الموضع قد صار من أمصار المسلمين ~~، بما أحدثوا من السكنى فيه بعد الصلح فهو في الحكم نظير ما تقدم ، مما ~~جعلوه مصرا بعد أن كان من قرى أهل الذمة ، فكل حكم ذكرناه هناك فهو كالحكم ~~ها هنا . فإن انهدمت كنيسة من كنائسهم القديمة ، فلهم أن يبنوها كما كانت ؛ ~~لأن حقهم في هذه البقعة قد كان مقررا لم كانوا أعدوه له فلا يتغير ذلك ~~بانهدام البناء ، فإذا بنوه كما كان فالبناء الثاني مثل الأول . وإن قالوا ~~: نحوله من هذا الموضع إلى موضع آخر من المصر ، فليس لهم ذلك ؛ لأن الموضع ~~الآخر قد صار معدا لأظهار أحكام الإسلام فيه ، فلا يمكنون من أن يجعلوه ~~معدا بعد ذلك لإظهار حكم الشرك فيه ، وإن كان بعوض يجعلونه للمسلمين ، ~~بمنزلة المرتد إذا طلب أن يمكن من الثبات على الردة ، بمال يعطى للمسمين ~~فإنه لا ms0877 يجاب إلى ذلك بحال . أرأيت لو أرادوا أو يحولوه إلى موضع كان مسجدا ~~للمسلمين ، في وقت PageV04P1535 من الأوقات على أن يبنوا في هذا الموضع ~~للمسلمين مسجدا أجود مما كان منه وأوسع ، أكان يحل إجابتهم إلى ذلك ؟ لا ~~يجوز بحال . ولو ظهر الإمام على قوم من أهل الحرب ، وعلى أرضهم ، فرأى أن ~~يجعلهم ذمة كما فعله عمر ، رضي الله عنه ، بأهل سواد الكوفة فهو جائز ~~مستقيم ؛ لأنه فعله ذلك بعدما شاور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ~~وحاجهم بدلالة النص من الكتاب وهو قوله تعالى : ' والذين جاءوا من بعدهم ' ~~الحشر : 10 ، حتى أجمعوا على قوله إلا نفرا يسيرا منهم خالفوه ولم يحمدوا ~~على ذلك حتى دعا عليهم على المنبر ، فقال : اللهم اكفني بلالا وأصحابه ، ~~فما حال الحول ومنهم عين تطرف ، ثم لا يمنعون بعد ذلك من بناء بيعة أو ~~كنيسة ولا من إظهار بيع الخمور والخنازير في قراهم وأمصارهم ، لأن المنع من ~~ذلك مختص بأمصار المسلمين التي تقام فيها الحدود والجمع ، وقد قررنا هذا في ~~الأراضي التي وقع الصلح عليها قبل أن يظفر بهم ، فكذلك في هذه الراضي ، ~~لأنها ليست بمواضع إقامة أعلام الدين والإسلام من الجمع والأعياد والحدود . ~~فإن مصر الإمام في أراضيهم مصرا للمسلمين كما مصر عمر رضي الله عنه البصرة ~~والكوفة فاشترى بها أهل الذمة دورا وسكنوا مع المسلمين لم يمنعوا من ذلك ؛ ~~PageV04P1536 لأنا إنما قبلنا منهم عقد الذمة ليقفوا على محاسن الدين ، ~~فعسى أن يؤمنوا واختلاطهم بالمسلمين في السكنى معهم ، يحقق هذا المعنى ، ~~قال رضي الله عنه : وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه الله يقول ~~: هذا إذا قلوا وكان بحيث لا يتعطل بعض جماعات المسلمين ولا يتقلل الجماعة ~~بسكناهم بهذه الصفة ، فأما إذا كثروا على وجه يؤدي إلى تعطيل بعض الجماعات ~~أو تقليلها منعوا من ذلك ، وأمروا بأن يسكنوا ناحية ليس فيها للمسلمين ~~جماعة ، وهذا محفوظ عن أبي يوسف رحمة الله تعالى عليه . فإن اشتروا دورا ~~للسكنى فأرادوا أن يتخذوا دارا منها كنيسة أو بيعة أو ms0878 بيت نار يجتمعون فيها ~~لصلاتهم منعوا من ذلك ، لما في إحداث ذلك من صورة المعارضة للمسلمين في ~~بناء المساجد للجماعات ، وفيه إزدراء بالدين واستخفاف بالمسلمين . وكذلك ~~يمنعون من إظهار بيع الخمور والخنازير ونكاح ذوات المحارم في هذا المصر ؛ ~~لأن في هذا الإظهار معنى الاستخفاف بالمسلمين ، ومقصودهم يحصل بدون الإظهار ~~. ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤاجرهم بيتا لشيء من ذلك لما فيه من صورة ~~الإعانة إلى ما يرجع إلى PageV04P1537 الاستخفاف بالمسلمين ، فإن آجرهم ~~فاظهروا شيئا من ذلك في تلك الدار منعهم صاحب البيت وغيره من ذلك ، على ~~سبيل النهي عن المنكر ، وهو في ذلك كغيره ، ولا يفسخ عقد الإجارة بهذا ، ~~بمنزلة ما لو آجر بيته من مسلم فكان يجمع الناس فيه على الشراب أو يبيع ~~المسكر فيه فإنه يمنعه من ذلك على سبيل النهي عن المنكر ولا تفسخ الإجارة ~~لأجله ؛ لأن المنع من هذا ليس لمعنى يتصل بعقد الإجارة . وإن اتخذ فيه مصلى ~~لنفسه خاصة لم يمنع من ذلك ؛ لأن هذا من جملة السكنى ، وقد استحق ذلك ~~بالإجارة ، وإنما يمنع مما فيه صورة المعارضة للمسلمين في إظهار أعلام ~~الدين ، وذلك بأن يبنيه كنيسة يجتمعون فيها لصلاتهم . فإن أراد أن يجعل هذا ~~البيت صومعة يتخلى فيها أصحاب الصوامع منع من ذلك في أمصار المسلمين ؛ لأن ~~هذا شيء يشتهر فهو بمنزلة اتخاذ الكنيسة لجماعتهم . فإن صارت بلدة من هذه ~~البلاد مصرا من أمصار المسلمين يجمع فيه الجمع ، ويقام فيه الحدود ، ولهم ~~فيه PageV04P1538 كنيسة قديمة ، فإن الإمام يمنعهم من الصلاة فيها ، بخلاف ~~ما تقدم من الأمصار التي صالح عليها أهلها قبل أن يقع الظهور عليهم فإن ~~هناك تترك لهم الكنائس القديمة ، ويمنعون من إحداث الكنائس بعدما صارت مصرا ~~من أمصار المسلمين ، وها هنا يمنعون من إحداث الكنائس ، ولا يترك له ~~الكنائس القديمة أيضا إذا وقع الظهور عليهم ؛ لأن الإمام لو قسمها بين ~~الغانمين لم يترك فيها شيئا من الكنائس ، فكذلك إذا جعلهم ذمة وكان المعنى ~~فيه أن سبب استحقاق إظهار أحكام المسلمين ، في ms0879 كل موضع في هذا المصر قد ~~تقرر حين فتح عنوة ويثبت حق المسلمين فيه ، فبعد ذلك الرأي إلى الإمام فيما ~~يرجع إلى النظر للمسلمين لا في إبطال حقهم ، وفي الأول ما تقرر سبب ~~الاستحقاق في تلك الأراضي للمسلمين وإنما أثبت الإمام ذلك بالصلح ، فيقتصر ~~على ما تناوله عقد الصلح ، ألا ترى أن ها هنا يضع الجزية على جماعتهم ~~والخراج على أراضيهم وهناك لا يلزمهم من المال عن نفوسهم وأراضيهم ، إلا ~~مقدار ما وقع الصلح عليه . توضيحه : أن هناك بالصلح ، تقرر حقهم الذي كان ~~ثابتا قبله ، وإنما يثبت حق المسلمين بناء على حقهم المتقرر ، فيصير الحق ~~الثابت فيها للمسلمين مانعا لهم من إحداث الكنائس والبيع ولا يصير موجبا ~~للاعتراض عليهم PageV04P1539 فيما تقرر حقهم فيه ، وها هنا اعترض حقهم على ~~الحق الثابت فيها للمسلمين باعتبار رأي رآه الإمام في المن عليهم ، وذلك ~~الرأي مقيد بالنظر ، وفيما لا نظر فيه للمسلمين يعتبر تقدم حق المسلمين ، ~~وكان هذا نظير المستأمن في دارنا يمكن من الرجوع إلى دار الحرب ، وهؤلاء ~~الذين جعلهم الإمام ذمة لا يمكنون الرجوع إلى دار الحرب ، بحال للمعنى الذي ~~أشرنا إليه . إلا أنه لا ينبغي للإمام أن يهدم أبنية الكنائس القديمة لهم ، ~~ولكن يمنعهم من الصلاة فيها ، ويأمرهم بأن يجعلوها مساكن يسكنونها ؛ لأنها ~~مملوكة لهم ، ولما جعلهم ذمة فقد أظهر الحرمة والعصمة لأملاكهم فلا يجوز له ~~أن يتعرض لشيء من ذلك بالتخريب عليهم ، ولكن يمنعهم من أن يجتمعوا فيها ~~لتعبدهم ، لما فيه من إظهار الشرك في موضع ثبت حق المسلمين في إظهار أحكام ~~الإسلام فيه . فإن عطل المسلمون هذا المصر حتى تركوا إقامة الحدود والجمع ~~فيها ، فلأهل الذمة أن يتخذوا فيها ما أرادوا من الكنائس وأن يظهروا بيع ~~الخمر والخنزير فيها ؛ لأن المنع من ذلك المعنى قد ارتفع PageV04P1540 ألا ~~ترى أنه كانوا لا يمنعون فيه قبل أن يجعلها الإمام مصرا للمسلمين ، يقيم ~~فيها الجمع والأعياد ، فكذلك بعدما ترك ذلك ، لأن المانع صورة المعارضة . ~~قال : وليس ينبغي أن يترك في أرض العرب ms0880 كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار في شيء ~~من الأمصار والقرى وكذلك لا ينبغي أن يظهر فيها بيع الخمر والخنزير بحال من ~~الأحوال ؛ لأن هذا كله يبتني على سكنى أهل الذمة فيها ، وهم لا يمكنون من ~~استدامة السكنى في أرض العرب كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~موضع ولادته ومنشئه ، وإلى ذلك اشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ~~لا يجتمع في أرض العرب دينان ، وقال : لئن بقيت لأخرجن بني نجران من جزيرة ~~العرب ، ثم أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه إلى الشام ، وقد كان لهم عهد من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أجلى يهود خيبر ويهود وادي القرى ~~وغيرهم ممن كان يسكن أرض العرب من اليهود والنصارى ، حتى لحق بعضهم بالشام ~~وبعضهم بالعراق ، فظهر بهذا أنهم يمنعون من استدامة السكنى لحرمة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، والحاجة إلى ذلك في المنع من تلك الكنائس وإظهار بيع ~~الخمور والخنازير فيها أظهر . وإذا دخلها مشرك تاجرا على أن يتجر ويرجع ~~PageV04P1541 إلى بلاده لم يمنع من ذلك ، وإنما يمنع من أن يطيل فيها المكث ~~حتى يتخذ فيها مسكنا ؛ لأن حالهم في أرض العرب مع التزام الجزية كحالهم في ~~المقام في دار الإسلام بغير التزام الجزية ، وهناك لا يمنعون من التجارة ~~وإنما يمنعون من إطالة المقام ، فكذلك حالهم في أرض العرب حتى إذا أراد رجل ~~من أهل الذمة أن ينزل أرض العرب ، مثل المدينة ومكة والطائف والربذة ووادي ~~القرى ، فإنه يمنع من ذلك . لأن هذا كله من أرض العرب ، وقد بينا أن أرض ~~العرب من عذيب إلى مكة طولا ، ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة عرضا ~~. وكل مصر من أمصار المسلمين يجمع فيها الجمع ، فليس ينبغي لمسلم ولا كافر ~~أن يدخل فيها خمرا ولا خنزيرا ظاهرا فإن فعل ذلك مسلم وقال : إنما مررت ~~مجتازا وأنا أريد أن أخلل الخمر أو قال : ليس هذا لي ، فإن كان رجلا دينا ~~لا يتهم على ذلك خلي سبيله ؛ لأن ms0881 ظاهر حاله يشهد على صدقه في خبره ، ~~والبناء على الظاهر واجب حتى يتبين خلافه ، خصوصا فيما لا يمكن الوقوف على ~~حقيقة الحال . وإن كان ممن يتهم بتناول ذلك أهريقت خمره وذبح خنزيره وأحرق ~~بالنار ؛ PageV04P1542 لأن ظاهر حاله يدل على أن قصده كان ارتكاب الحرام ، ~~وفعله الذي ظهر على قصد ارتكاب الحرام حرام ، فيمنعه من ذلك على سبيل النهي ~~عن المنكر . وإن رأى أن يؤدبه بأسواط ويحبسه حتى تظهر توبته فعل ؛ لأنه صار ~~مستوجب التعزير بارتكاب ما لا يحل ، وهو إظهار الخمر والخنزير في مصر ~~المسلمين . ولا ينبغي له أن يتعرض للإناء بالكسر والتمزيق ؛ لأن هذا مال ~~متقوم عند المسلمين ، فلا ينبغي أن يفسده على مالكه إذ التعزير بإيلام في ~~البدن لا بإفساد في المال ، وقد بينا هذا في باب إحراق رحل الغال وإن فعل ~~ذلك إنسان ضمن قيمة ما افسده ؛ لأنه أتلف مالا متقوما يمكن الانتفاع به ~~بوجه حلال . إلا أن يكون من رأي الإمام أن يفعل ذلك عقوبة لما صنع صاحبه ، ~~فحينئذ لا ضمان عليه فيما صنع ، ولا على من أمره به ؛ PageV04P1543 لأن هذا ~~منه حكم في موضع الاجتهاد ، وقد بينا اختلاف العلماء في إحراق رحل الغال ، ~~وحكم الإمام في المجتهدات نافذ ومن أصحابنا من يقول : تأويل هذا في إناء ~~يشرب فيه الخمر على وجه لا يمكن الانتفاع به بطريق آخر ، فإنه إذا كان بهذه ~~الصفة يجوز إفساده ، على ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمر بكسر ~~الدنان وشق الزقاق ، والأصح هو الأول ، فإنه إذا كان بهذه الصفة كان الإمام ~~وغير الإمام في هذا سواء ، كما في إراقة الخمر وإنما أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بذلك تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة ، فكذلك ها هنا إن ~~رأى الإمام أن يأمر به على تحقيق معنى الزجر كان ذلك منه حكما نافذا . فإن ~~أخذ الزق والدابة التي كان عليها ذلك الشراب فباع ذلك كله فبيعه باطل ؛ ~~لأنه باع مال الغير بغير إذن صاحبه ، والإمام في هذا كغيره من ms0882 الناس في أنه ~~لا ولاية له في بيع المال على مالكه من غير حق مستحق عليه . وإن كان الذي ~~أدخله ذميا فإن كان جاهلا يرد عليه متاعه وتقدم إليه في ذلك فأخبره بأنه إن ~~عاد أدبه ؛ لأن هذا مما قد يشتبه عليهم ، والجهل في مثله عذر مانع من ~~التأديب . فإن عاد بعدما تقدم إليه أو كان عالما في PageV04P1544 الابتداء ~~أن هذا لا ينبغي له لم ينبغ للإمام أن يريق خمره ولا يذبح خنزيره ؛ لأن ذلك ~~مال متقوم في حقه ، وقد بينا أن التأديب ليس بإتلاف المال ولكنه يؤدبه على ~~ذلك بالضرب والحبس . وإن أتلف شيئا من ذلك عليه ضمن قيمته إلا أن يرى ~~الإمام أن يفعل ذلك به على وجه العقوبة ، والحاصل أن حقهم في الخمر ~~والخنزير ها هنا كحق المسلمين في الأوانين فإن كل واحد منهما مال متقوم ~~لصاحبه ، كما بينا . ولو مر ذمي بخمر له في سفينة في مثل دجلة والفرات فمر ~~بها في وسط بغداد أو واسط أو المدائن لم يمنع من ذلك لأن هذا الطريق الأعظم ~~لا بد له من الممر فيه ، يعني أن ما لا يستطاع الامتناع منه فهو عفو ، ولأن ~~المنع منه في موضع يقام في شيء من أعلام الإسلام ، كيلا يؤدي إلى الاستخفاف ~~بالمسلمين وهو غير موجود في وسط الدجلة . إلا أنه لا يترك أن يرد بها إلى ~~شيء من قرى هذه الأمصار ظاهرا ، لما في ذلك من الاستخفاف بالمسلمين ~~PageV04P1545 وهذا غير موجود في وسط دجلة بمنزلة الأسواق والطرق التي فيها ~~مجمع المسلمين ، فإن فعل شيئا من ذلك فالحكم في تأديبه كما بينا ، وكذلك لو ~~أرادوا الممر بذلك في طريق الأمصار ولا ممر لهم غير ذلك لم يمنعوا منه ؛ ~~لأن هذا مما لا يستطاع الامتناع منه . فإن كان لهم طريق يأخذون فيه غير ~~الأمصار منعوا من ذلك ؛ لأنه لا حاجة لهم الآن إلى ذلك . وإن لم يكن لهم ~~طريق سوى ذلك فينبغي لفمام أن يبعث معهم أمينا حتى يخرجهم من المصر ، نظرا ~~منه ms0883 لهم حتى لا يتعرض لهم أحد من المسلمين ، ونظرا منه للمسلمين حتى لا ~~يخلو حالهم في معنى ذلك عن معنى الذل ، أو حتى لا يدخلوا ذلك ، بعض مساكن ~~للمسلمين ، من المتهمين بشرب شيء من ذلك ، وكل قرية من قرى أهل الذمة ~~أظهروا شيئا من الفسق مما لم يصالحوا عليه ، مثل الزنا وإتيان الفواحش ، ~~فإنهم يمنعون من ذلك كله ؛ PageV04P1546 لأن هذا ليس بديانة منهم ، ولكنه ~~فسق في الديانة ، فإنهم يعتقدون الحرمة في ذلك كما يعتقده فيه المسلمون ، ~~ثم المسلمون يمنعون من كله في القرى والأمصار فكذلك أهل الذمة . والأصل فيه ~~عقد الربا ، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران بأن ~~تدعوا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وكان ذلك لهذا المعنى أنه فسق ~~منهم في الديانة فقد ثبت بالنص حرمة ذلك في دينهم ، قال الله تعالى : ' ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ' النساء : ، وعلى هذا إظهار بيع المزامير ~~والطبول للهو وإظهار الغناء ، فإنهم يمنعون من ذلك ، كما يمنع منه المسلم ، ~~ومن كسر شيئا من ذلك عليهم لم يضمنه إلا كما يضمنه إذا كسره للمسلم ؛ لأن ~~هذا لم يتناوله عقد الذمة في التقرير عليه ، إذ لم يثبت أنهم كانوا مقرين ~~عليه في دينهم ، وإنما يثبت ذلك في الخمور والخنازير ونكاح المحارم ، ~~وعبادة غير الله تعالى ، فلا يتعرض لهم في ذلك خاصة ، فأما فيما سوى ذلك ~~فحالهم ، كحال المسلمين في المنع من ارتكاب الفواحش . ولو طلب قوم من أهل ~~الحرب الصلح على شرط أن المسلمين إن اتخذوا مصرا في أرضهم لم يمنعوهم من أن ~~يحدثوا PageV04P1547 فيه بيعة أو كنيسة ، وأن يظهروا فيه بيع الخمر ~~والخنزير فلا ينبغي للمسلمين ، أن يصالحوهم على ذلك ؛ لأن هذا في معنى ~~إعطاء الدنية في الدين ، والتزام ما يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين ، فلا ~~يجوز المصير إليه إلا عند تحقق الحاجة والضرورة . فإن أعطاهم الإمام على ~~هذا عهدا فإنه لا ينبغي له أن يفي بهذا الشرط ، لأنه مخالف لحكم الشرع فقال ~~رسول الله صلى ms0884 الله عليه وسلم : كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ، ~~والأصل فيه ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة يوم ~~الحديبية على أن يرد عليهم من جاء منهم مسلما ، ثم نسخ الله تعالى هذا ~~الشرط بقوله : ' فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ' الممتحنة : ~~10 ، فصار هذا أصلا أن الصلح متى وقع على شروط منها الجائز الذي يمكن ~~الوفاء به ، ومنها الفاسد الذي لا يمكن الوفاء به ، فإن الإمام ينظر إلى ~~الجائز فيجيزه وإلى الفاسد فيبطله . ألا ترى أنهم لو شرطوا في الصلح إظهار ~~الزنا واستئجار الزواني علانية ، لا يجوز الوفاء لهم بهذا الشرط ، بل يقام ~~الحد على من يثبت عليه الزنا منهم ، فكذلك ما سبق . ولو أن الذين صالحوا ~~على أراضيهم أحدثوا PageV04P1548 كنائس في قراهم وأمصارهم بعدما صاروا ذمة ~~ثم صار ذلك الموضع مصرا من أمصار المسلمين يجمع فيها الجمع ، فليس ينبغي ~~للمسلمين أن يهدموا شيئا من ذلك ، لأنهم أحدثوه وما كانوا ممنوعين من ~~إحداثه يومئذ ، فكان ذلك وكنائسهم القديمة التي وقع الصلح عليها سواء ، ~~فيترك ذلك لهم . ويمنعون من إحداث الكنائس بعدما صار مصرا من أمصار ~~المسلمين ، فإن قيل : كيف يمنعون من إظهار بيع الخمور ، والخنازير في هذا ~~المصر ولا يمنعون من الصلاة في الكنيسة القديمة ، قلنا : لأن بيع الخمر ~~والخنزير إنشاء تصرف منهم بعدما صار ذلك الموضع دار الإسلام ، فأما استدامة ~~الكنيسة على ما كانت فليس بإنشاء التصرف ، وصلاتهم فيها وإن كان إنشاء ~~التصرف فبعقد الذمة قد استحقوا ترك التعرض لهم في ذلك ، فكأن صلاتهم فيها ~~بمنزلة شربهم الخمر وأكلهم الخنازير . ولو أن مصرا من أمصار أهل الذمة صار ~~مصرا للمسلمين يجمع فيها الجمع فمنعوا من إحداث كنيسة فيه ، ثم تحول ~~المسلمون عنه فلم يبق فيه منهم إلا نفر يسير PageV04P1549 فقد بينا أنه ~~يعود الحكم فيه على ما كان في الابتداء ، لا يمنعون من إحداث الكنائس فيه ، ~~فإن بنوا فيها الكنائس ثم بدا للمسلمين فرجعوا إلى ذلك المصر لم يهدموا ms0885 ~~شيئا مما أحدثوا من الكنائس قبل عود المسلمين إليهم ؛ لأنهم حين بنوا ما ~~كانوا ممنوعين منه فكان هذا وما بنوه قبل أن يتخذ المسلمون ذلك الموضع مصرا ~~لهم سواء ، وإن كان ذلك الموضع أخذ عنوة فقد بينا أنهم يمنعون من الصلاة ~~فيها كما يمنعون من ذلك في الكنائس القديمة . فإن كانت لهم كنيسة قديمة في ~~مصر من أمصار المسلمين فأراد المسلمون منعهم من الصلاة فيها فقالوا : نحن ~~قوم من أهل الذمة صالحنا على بلادنا ، وقال المسلمون : بل أخذنا بلادكم ~~عنوة ثم جعلتم ذمة ، وهو أمر قد تطاول فلم يدر كيف كان ، فإن الإمام ينظر ~~في ذلك ، هل يجد فيه أثرا عند الفقهاء ؟ ويسأل أصحاب الأخبار كيف كان أصل ~~هذه الأرض ؟ ، فإن وجد فيه أثرا عمل به ؛ لأن نقل الثقات الأخبار حجة شرعية ~~في وجوب العمل بها ، ولأن هذا مما لا يمكن إثباته بالشهادة القاطعة ، لأنه ~~لم يبق أحد ممن أدرك ذلك الوقت وما جرى الرسم بالإشهاد على الشهادة في مثل ~~هذا فيكتفي فيه بما يوجد من PageV04P1550 الحجة في أيدي الفقهاء ، لأن ~~الوسع معتبر في الحج ، ولهذا يكتفى بشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال ~~، ولأن هذا من أمر الدين وخبر الواحد حجة للعمل به في باب الدين فإن لم ~~يوجد في يد الفقهاء أثر في ذلك ، أو كانت الآثار فيه مختلفة ، فإن الإمام ~~يجعلها أرض صلح ويجعل القول فيها قول أهلها ؛ لأنها في أيديهم ، فهم ~~متمسكون فيها بالأصل ، والمسلمون يريدون الاعتراض عليهم بالمنع والهدم ، ~~فيكون القول في ذلك قول الذين يتمسكون بالأصل مع إيمانهم ، كيف وقد تأكد ~~قولهم بما ظهر من الصلح بيننا وبينهم في الحال ، فإن الأصل أن الاشتباه متى ~~تمكن فيما مضى يجب المصير إلى تحكيم الحال ، كما في جريان الماء في استئجار ~~الرحى . توضيحه : أنا تيقنا ثبوت حقهم فيها في الأصل ووقع الشك والتعارض في ~~الأدلة المثبتة لحق المسلمين فيها ، واليقين لا يزول بالشك . وعلى هذا لو ~~جاء أثر أنهم أهل صلح وأثر أنهم أخذوا عنوة فإن ms0886 القول فيه قولهم أيضا ، ~~لتعارض الآثار . PageV04P1551 وهذا بخلاف ما إذا شهد شهود على شهادة شهود ~~أنهم صالحوا وشهد شهود على أنهم أخذوا عنوة فإنه يعمل بشهادة الفريق الثاني ~~؛ لأن الشهادة حجة قاطعة فيرجح بالأثبات ، والذين شهدوا أنهم صالحوا يبقون ~~على ما كان ولا يثبتون شيئا حادثا ، والفريق الثاني يثبتون ذلك ، فأما ~~الأثر فليس بشهادة قاطعة ، والعمل بها في النفي والإثبات وفي الإبقاء ~~والإحداث بصفة واحدة ، فلتحقق المعارضة يصار إلى التمسك بالأصل وأشار إلى ~~معنى آخر في الكتاب ، فقال : لما جعل القول قولهم قبل إقامة البينة ، كان ~~المحتاج إلى البينة هم المسلمون دون أهل الذمة ، فتقبل بينتهم ، على ذلك ~~بمنزلة بينة الخارج مع ذي اليد في دعوى الملك المطلق ، فإن قيل : كان ينبغي ~~أن يترجح بينة أهل الذمة ، لما فيها من تقرير حرية الأصل ونفي سبب ~~الاسترقاق بمنزلة مجهول الحال إذا ثبت حريته بالبينة في معارضة بينة مدعي ~~الرق عليه ، قلنا : هذا معنى لا يمكن اعتباره ها هنا ، فالذين أخذوا عنوة ~~إذا من الإمام عليهم كانوا أحرار الأصل بمنزلة الذين صالحوا على أراضيهم ~~ورقابهم ، فبين الكل اتفاق على أنهم PageV04P1552 أحرار لم يملكوا قط ، ~~وإنما الدعوى فيما في أيديهم من الكنائس فهو بمنزلة الدعوى بين الخارج وذي ~~اليد في ملك ما في يده . ولو جاء أثر أنهم أخذوا عنوة وجاءت الشهادة على ~~شهادة أنهم صولحوا كان الشهادة أحق أن يؤخذ بها ؛ لأنها حجة قاطعة فلا ~~يقابلها رواية الأثر ، لأن ذلك ليس بحجة في موضع المنازعة والخصومة . ولكن ~~يشترط أن يكون شهود الأصل والفرع من المسلمين ؛ لأن شهادة أهل الذمة لا ~~تكون حجة على المسلمين ، ولو جاء أثر أنهم صالحوا وجاءت الشهادة أنهم أخذوا ~~عنوة فإنه يؤخذ بالشهادة ، ويستوي في ذلك شهادة المسلمين وأهل الذمة ؛ ~~لأنها تقوم عليهم الآن باستحقاق ما في أيديهم ، وشهادة أهل الذمة حجة عليهم ~~والله أعلم بالصواب . PageV04P1553 ؟ $ باب ما يحل للمسلمين أن يفعلوه ~~بالعدو # وما لا يحل # | قد بينا أنه لا بأس بتحريق حصونهم وتغريقها ما داموا ممتنعين فيها ms0887 ، ~~سواء كان فيها قوم من المسلمين أسراء أو مستأمنين أو لم يكونوا ، والأولى ~~لهم إذا كانوا يتمكنون من الظفر بهم بوجه آخر ألا يقدموا على التغريق ~~والتحريق ؛ لأن في ذلك إتلاف من فيها من المسلمين ، إن كانوا وإن لم يكونوا ~~، ففي ذلك إتلاف أطفالهم ونسائهم ، وذلك حرام شرعا ، فلا يجوز المصير إليه ~~إلا عند تحقق الضرورة ، والضرورة فيه ألا يكون لهم طريق آخر يتمكنون من ~~الظفر بهم بذلك الطريق ، أو يلحقهم في الطريق الآخر حرج عظيم ومؤنة شديدة ، ~~فحينئذ لدفع هذه المؤنة يباح لهم التحريق ، ومن ضرورة ثبوت الإباحة مطلقا ~~مع العلم بالحال ، ألا يلزمهم دية ولا كفارة ، لأن وجوب ذلك باعتبار قتل ~~محظور وهذا قتال مأمور به فلا يكون موجبا دية ولا كفارة . والسفينة في ذلك ~~كله بمنزلة الحصن في جميع ما ذكرنا ، وكذلك إن تترسوا بأطفال المسلمين أو ~~منهم وفي الوجوه كلها ينبغي لهم أن يقصدوا بفعلهم المشركين من المقاتلين ~~دون غيرهم ؛ PageV04P1554 لأنهم لو قدروا على التحرز عن إصابة الأطفال فعلا ~~كان عليهم التحرز عن ذلك ، فإذا عجزوا عن ذلك وقدروا على التحرز قصدا كان ~~عليهم ذلك ، عملا بقوله تعالى : ' فاتقوا الله ما استطعتم ' ، وقد بينا ~~فيما سبق ما يتعلق به الدية والكفارة ، من هذا النوع من الفعل بأن يتحقق ~~صفة الخطأ . فإن اختلف الرامي وولي المقتول بالرمية من المسلمين فقال الولي ~~: أقصدته بعدما علمت أنه مكره من جهتهم في الوقوف في الصف ، وقال الرامي : ~~إنما تعمت المشركين بالرمي فالقول قول الرامي مع يمينه ؛ لأن الرمي إلى صف ~~المشركين مباح له ، وذلك غير موجب الضمان عليه ، باعتبار الأصل ، فيجب ~~التمسك بذلك الأصل حتى يقوم الدليل بخلافه . ثم الولي يدعي على الرامي سبب ~~وجوب الضمان وهو تعمده إياه بالرمي مع العلم بالحال وهو منكر فكان القول ~~قول المنكر مع يمينه ؛ ولأن الظاهر شاهد للرامي ، والمسلم لا يتعمد الرمي ~~إلى المسلم ومطلق فعل المسلم محمول على ما يحل شرعا ؛ لأن دينه وعقله يحمله ~~على ذلك ويمنعه عن ارتكاب ما لا ms0888 يحل ، فلهذا جعلنا القول قول الرامي في ذلك ~~. PageV04P1555 إلا أنه يحلفه ، لأن الولي يدعي عليه ما لو أقر به ألزمه ، ~~فإذا أنكر استحلف لرجاء نكوله ، فإذا سبى المسلمون المرأة مع ولدها الصغير ~~فلم يقدروا على حملها فقد بينا أنه لا يحل لهم أن يقتلوهما ؛ لأن قتل ~~النساء والولدان حرام بالنص . ولكن يتركونهما في مضيعة ؛ لأن في تركهما في ~~مضيعة امتناع من الإحسان إليهما بالنقل إلى موضع الأمن ، والامتناع من ~~الإحسان لا يكون إساءة . وإذا كان معهما أب الصبي فلا بأس بأن يقتلوه ؛ ~~لأنه أسير مباح الدم . ولو امتنع قتله لما فيه من ضياعهما لامتنع قتال ~~المشركين أصلا ؛ لأنه لا يقتل أحد منهم في الحرب إلا وفيه توهم ضياع عياله ~~. فإن قدروا على أن يحملوا المرأة دون الصبي وعلموا أن الصبي يموت إذا ~~فرقوا بينهما أو كان ذلك أكبر ظنهم ، فلا بأس بأن يفعلوا ذلك ؛ ~~PageV04P1556 لأنهم لو تركوهما كان فيه ضياع الصبي أيضا ، ولأن تضييع ~~أحدهما دون الآخر فهو خير من تضييعهما ، ولأنهم يحملون المرأة دون الصبي ~~يقصدون منفعة أنفسهم في استرقاقها ، وذلك حق مستحق للمسلمين . ولا بأس ~~بالتفريق بين الوالدة وولدها بسبب حق مستحق ، إلا أنه ينبغي لهم ألا يرموا ~~بالصبي عن خيولهم رميا ولكن يضعونه على الأرض وضعا ؛ لأنهم إذا رموا به كان ~~هالكا بفعلهم ، وذلك بمنزلة القتل منهم له ، وإذا وضعوه لم يكونوا قاتلين ~~له ، ألا ترى أن من وجد لقيطا فرفعه ثم وضعه في مكانه لم يكن عليه في ذلك ~~شيء ، ولو رمى فتلف كان ضامنا بدل نفسه ، فبهذا تبين الفرق بين الوضع ~~والترك في موضع يعلم أنه يهلك فيه . وكذلك إن كانوا يقدرون على حمل الصبي ~~ولا يقدرون على حمل أمه فلا بأس بأن يحملوه ويتركوها ، إذا كانوا يطمعون في ~~إخراجه صحيحا ، بأن كانوا يقدرون على غذاء يغذونه به إذا فرقوا بينه وبين ~~أمه ، فإن كانوا لا يقدرون على ذلك ولكنهم يتيقنون بأنه يموت في أيديهم إذا ~~حملوه دون أمه فالأولى أن يتركوه مع أمه ؛ لأن ms0889 هذا تفريق غير مفيد ، ولأنهم ~~إذا تركوه مع أمه لا يكون هلاك PageV04P1557 الولد إلى فعلهم تسبيبا ولا ~~مباشرة وإذا حملوه دون أمه كان هلاك الولد مضافا إلى فعلهم تسبيبا ، من حيث ~~التفريق بينه وبين ما يتغذى به من لبن أمه . وإن كانوا يقدرون على حمل ~~أحدهما أيهما شاءوا فينبغي أن يحملوا ما يكون منفعتهم فيه أكثر ؛ لأن ~~باعتبار المنفعة يباح أصل الحمل في أحدهما دون الآخر ، فبزيادة المعنى في ~~المنفعة يقع الترجيح أيضا . وإن كانت المنفعة واحدة فإن لم يطمعوا في أن ~~يعيش الصبي إذا فصل من أمه فينبغي أن يحملوا الأم دون الصبي ؛ لأنه لا ~~منفعة في حمل الصبي الآن . وإن كانوا طمعوا أن يعيش الصبي معهم بما يغذونه ~~به فالأولى أن يحمل الصبي ويتركوا الأم ؛ لأن خوف الضياع والعجز عن الإحسان ~~لنفسه في حق الصبي أظهر ، ولأن الأم كافرة مخاطبة ، فالامتناع من الإحسان ~~إليها عند أصرارها على الكفر يكون أولى من الأمتناع من الإحسان إلى الرضيع ~~. PageV04P1558 وإن قدروا على حملها فلست أحب لهم أن يتركوا واحدا منهما ~~لما فيه من ترك إيصال المنفعة إلى المسلمين مع التمكن من ذلك ، لما فيه من ~~التفريق بين الوالدة وولدها ، وقال صلى الله عليه وسلم : من فرق بين ~~الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ؛ ولأنهم نقلوهما إلى ~~هذا المكان وفي ترك أحدهما في هذا المكان تضييع له فلا يجوز الإقدام عليه ~~إلا عند العجز عن حملهما . وبه فارق ما لو وجدوهما في هذا الموضع ، فإن ~~هناك لا بأس بأن يأخذوا أحدهما أيهما شاءوا ؛ لأنهم ما نقلوهما إلى هذا ~~الموضع ولهم أن يتركوهما في هذا الموضع مع القدرة على حملهما ، فيكون لهم ~~أيضا أن يتركوا أحدهما ويأخذوا الآخر ، لأنه تفريق بحق . وهذا إذا طمعوا أن ~~يعيش الصبي في أيديهم بما يغذونه به إذا أخذوه ، فإذا لم يطمعوا في ذلك فلا ~~ينبغي لهم إلا أن يأخذوهما ، إن قدروا على ذلك أو يتركوهما ؛ لأن في أخذ ~~الصبي وحده تفريق غير مفيد . وإن ms0890 لم يقدروا على أحدهما فليأخذوا الأم ؛ لأن ~~فيه منفعة لهم . PageV04P1559 ولا بأس بأن يأخذوها وإن كان أكبر الرأي منهم ~~أن الصبي يموت ؛ لأنهم بأخذ الأم يقصدون تحصيل المنفعة لهم ، وأخذها ليس ~~بقتل منهم للصبي بعينه . وكذلك لو وجدوا مع الصبي أباه فلا بأس بأن يقتلوه ~~أو يأسروه ، وإن كانوا يعلمون أن الصبي يموت بعده ؛ لأن هذا ليس بتعرض منهم ~~للصبي بشيء . وكذلك إن كان مع الصبي والداه فلا بأس بأن يوضع الصبي ناحية ~~ويؤخذ أبواه فيؤسران ، إلا ترى أنه لا بأس بتحريق حصونهم وتغريقها وإن كان ~~فيه هلاك الأطفال فلأن يجوز قتل المشرك وأسره وإن كان فيه هلاك الصغير كان ~~أولى إلا أنه ينبغي لهم ألا يرموا بالصبي ولكنهم يضعونه في موضع من الأرض ~~إن تمكنوا من ذلك ، فإن لم يتمكنوا بأن كان المشركون في أثرهم فخافوا أن ~~ينزلوا فيضعوه على الأرض ، أن يلحقهم المشركون فلا بأس أن يرموا به عن ~~يخولهم ولا يتعمدوا قتله . لأن أمر أنفسهم أهم ، والتحرز عن وقوعهم في أيدي ~~المشركين واجب عليهم بحسب الإمكان ، فكان حالهم الآن فيما ابتلوا به كحال ~~تترس المشركين بالأطفال ، وقد بينا أن هناك لا بأس بالرمي إليهم ، ~~PageV04P1560 بشرط ألا يتعمدوا قتل الصبيان ، فها هنا أيضا لا بأس برمي ~~الصبيان عن دوابهم ، إذا عجزوا عن حملهم وعن وضعهم على الأرض فإن قتلهم ~~رميهم لهم فلا شيء عليهم من الكفارة ولا إثم إن شاء الله تعالى ؛ لأنهم ~~فعلوا ما أمروا به ولكنه قيد بالاستثناء ها هنا ، وهذا ليس في معنى التترس ~~من كل وجه ، فهناك لم يتصل منهم فعل بالأطفال قبل أن تترس بهم المشركون ، ~~وفي هذا الموضع قد اتصل منهم فعل بالأطفال قبل أن يبتلوا برميهم ، وهو ~~حملهم ونقلهم من موضع إلى موضع فلهذا قيد الجواب الاستثناء . وكذلك إن ~~كانوا في سفينة ومعهم فيها أطفال من أطفال المشركين فانتهوا إلى مكان من ~~البحر أكبر الظن منهم إن لم يطرحوهم في الماء غرقت السفينة ومن فيها فلا ~~بأس بأن يطرحوهم ولا يتعمدوا ms0891 بذلك قتلهم ؛ لأنه تعين عليهم هذا الوجه ~~لنجاتهم مما ابتلوا به ، فكانوا في سعة من الإقدام عليه . ولو كان معهم ~~أطفال المسلمين في الفصلين والمسألة بحالها ، فليس ينبغي لهم أن يطرحوهم ~~ولا أن يرموا بهم ؛ لأن حرمة أطفال المسلمين كحرمة الكبار منهم . ~~PageV04P1561 وقد بينا أن المسلم لا يحل له أن يقي روحه بروح من هو مثله في ~~الحرمة كما لو أكره بوعيد القتل على أن يقتل مسلما ، ولأنهم يتعجلون في هذا ~~قتل المسلمين والمسلمات ولا رخصة في ذلك لمن يخاف الهلاك على نفسه ، ألا ~~ترى أنه لو ابتلي بمخمصة لم يحل له أن يتناول أحدا من أطفال المسلمين لدفع ~~الهلاك عن نفسه . ولو كان معهم في سفينة قوم من أهل الذمة أو من أهل الحرب ~~مستأمنين فهم في ذلك كالمسلمين لا يسعهم أن يطرحوهم في الماء ، وإن خافوا ~~على أنفسهم ؛ لأنهم آمنون فيهم بسبب الذمة أو الأمان ، فكانوا كالآمنين ~~بسبب الإيمان . وحقيقة المعنى : في الفرق بين هؤلاء وبين أطفال أهل الحرب ~~أنهم منعوا من قتل هؤلاء لوجود عاصم منهم . ألا ترى أنهم لا يسترقونهم كما ~~لا يقتلونهم ، وفي حق الأطفال المنع من القتل ليس بعاصم فيه بل لانعدام ~~العلة الموجبة للقتل وهي المحاربة . ولهذا جاز استرقاقهم ، مع أن في ~~الاسترقاق إتلافا من طريق الحكم ، فلضعف حالهم قلنا : عند تحقق الضرورة ~~يرخص له في أن يجعلهم وقاية لنفسه ، PageV04P1562 وعلى هذا لو هدد ملكهم ~~أسيرا من المسلمين بأن يقتل صبيا منهم أو امرأة وقال : إن لم تقتله قتلناك ~~كان في سعة من أن يقتله ، وفي سعة من أن يمتنع منه حتى يقتل في دار الحرب ، ~~ولا يثبت من ذلك من الترخص له إذا أكره على قتل مسلم أو ذمي . ولو أن جريدة ~~خيل من المسلمين أصابوا في دار الحرب أطفالا من أطفال المسلمين فحملوهم على ~~خيولهم ثم لحقهم العدو فإنه لا يسعهم أن يرموا بالأطفال ، ولكن إما أن ~~يموتوا عن آخرهم أو ينقلبوا هم ، والأطفال للمساواة بينهم في الحرمة ~~والعصمة وهذه المساواة ms0892 إنما تتحقق بعدما أخذوهم والتزموا حملهم إلى دار ~~الإسلام ، وإن كانوا لم يأخذوهم بعد وخافوا إن يأخذوهم أن يعجزوا عن حملهم ~~وأن يدركهم المشركون فلا بأس بأن يتركوهم ؛ لأن في هذا منهم ترك الإحسان ~~إلى الأطفال لا الإساءة إليهم ، ولأنهم يمتنعون من التزام ما لا يقدرون على ~~الوفاء به إذا التزموه ، فإن قاتلوا عنهم حتى يقتلوا أو يظفروا بالعدو ~~فيخرجوهم فذلك أفضل . PageV04P1563 لأن الدفع عن أطفال المسلمين عزيمة ، ~~وترك ذلك عند الضرورة رخصة والتمسك بالعزيمة خير من الترخص بالرخصة . وإن ~~كان أكبر الرأي منهم أنهم يقوون على المشركين حتي يأخذوا منهم الأطفال لم ~~يسعهم تركهم ؛ لأن الدفع عن أطفال المسلمين بحسب الإمكان هو العزيمة ، وعند ~~النفير العام يفرض الخروج للقتال على كل من يقدر عليه عينا للدفع عن أطفال ~~المسلمين ، فكذلك في هذا الموضع ، والحاصل أنهم إذا كانوا يطمعون في أن ~~ينجوا مع أطفال المسلمين إذا قاتلوا لم يسعهم إلا ذلك ، وإن كانوا لا ~~يطمعون في ذلك فحينئذ يرخص لهم في البداية بأنفسهم في اكتساب سبب النجاة ، ~~عملا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ، وعلى هذا ~~لو ابتلوا بهذه الحادثة في أطفال من المشركين حملوهم بدون الآباء والأمهات ~~حتى أخرجوهم إلى دار الإسلام ثم أدركهم المشركون ، لأن هؤلاء الأطفال صاروا ~~مسلمين باعتبار دار الإسلام ، حين لم يكن معهم فيها أحد من آبائهم وأمهاتهم ~~، ألا ترى أن من مات منهم يصلى عليه فكانوا بمنزلة أطفال المسلمين في ذلك . ~~ولو كان أكبر الرأي من المسلمين أنهم إن رموا بهم لم يهلكوا ، ولكن ~~المشركين يأخذونهم فيردونهم إلى بلادهم ، PageV04P1564 فلا بأس بأن يطرحوهم ~~، إذا لم يكن بهم قوة على أولئك المشركين ؛ لأنه ليس في هذا هلاك ولا قتل ~~للأطفال ، وإنما الممنوع منه أن يجعل روح من هو مثله في الحرمة وقاية لروحه ~~. وكذلك لو كان معهم أطفال المسلمين أو نساء مسلمات فخافوا إن لم يطرحوهم ~~أن يلحقهم المشركون فيقتلونهم ، ولم يكن لهم قوة على المشركين ، فلا بأس ~~بأن يطرحوهم ms0893 إذا علموا أن المشركين يأخذونهم ولا يقتلونهم ؛ لأنه ليس في ~~هذا قتل ولا هلاك ، ألا ترى أنهم لو حاصروا حصنا من حصون المسلمين فيه ~~النساء والأطفال ولم يكن للمسلمين قوة على قتال أهل الحرب كانوا في سعة من ~~أن يخلوا بينهم وبين الحصن ؛ لأنه ليس في فعلهم إتلاف النساء والأطفال من ~~المسلمين . وإن كانوا يقدرون على قتالهم ، أو كان أكبر الرأي على أنهم ~~ينتصفون منهم فليس يسعهم أن يدعوهم ؛ لأن أكبر الرأي فيما لا يمكن الوقوف ~~على حقيقته كاليقين ، والدفع عن ذراري المسلمين فرض عين على كل مسلم عند ~~التمكن منه . PageV04P1565 ولو كانوا في سفينة فخافوا إن لم يرموا بالنساء ~~والصبيان في الماء أن يأخذ المشركون من في السفينة لم يحل لهم أن يرموا بهم ~~في الماء ؛ لأن أكبر الرأي في الماء أنه مهلك ، فكان في هذا إتلاف الذراري ~~، ولا رخصة للمسلمين في ذلك لتحصيل النجاة لأنفسهم ، بخلاف الأول فالرمي ~~بهم عن الخيول هناك غير متلف لهم غالبا حتى أن في السفينة إذا كان أكبر ~~الرأي منهم عند الرمي بالنساء والصبيان أنهم لا يهلكون ولكن يأخذهم ~~المشركون فلا بأس بأن يفعلوا ذلك ، إذا كان أكبر الرأي منهم أن يهلكوا ~~جميعا إن لم يفعلوا ذلك . ولو أخذت السرية أطفالا من المشركين في دار الحرب ~~فعجزوا عن حملهم ومروا بحصن من حصونهم فسألوهم أن يدفعوهم إليهم حتى يقوموا ~~بتربيتهم فليس على المسلمين ذلك ، ولكنهم يضعونهم وضعا ، فإن شاء أولئك ~~نزلوا فأخذوهم وإن شاءوا تركوهم ؛ لأن الدفع إليهم للتربية من باب الإحسان ~~وقد بينا أن ذلك ليس بواجب على المسلمين في أطفال المشركين ، إنما عليهم ~~الامتناع من الإساءة ووضعهم إياهم على الأرض ليس من الإساءة في شيء ، فلهذا ~~كان الرأي إليهم إن شاءوا وضعوهم على الأرض وإن شاءوا أسلموهم إليهم ، وما ~~بعد هذا إلى أخر الباب فقد تقدم بيان شرحه ، والله الموفق . PageV04P1566 # باب ما يحل للمسلمين أن يدخلوه دار الحرب من التجارات # | وقد بينا أنه لا يستحب للمسلمين أن يدخلوا دار الحرب شيئا ms0894 مما فيه ~~منفعة أهل الحرب ؛ لأن ذلك يقويهم على عبادة غير الله تعالى . فإن أدخلوا ~~ذلك دارهم لم يمنعوا ما خلا الكراع والسلاح ، ونعني بالكراع : الخيل ، ~~والبغال ، والحمير والإبل ، والدواب التي يحمل عليها المتاع ، ونعني ~~بالسلاح : ما يكون معدا للقتال به ، وما يكون من جنس الحديد ، فإن ذلك ~~يقويهم على قتالهم المسلمين وقد أمرنا بدفع قتالهم ، فمن ضرورة ذلك كراهة ~~الاشتغال بما يقويهم على القتال . وما سمينا من الدواب يحمل متاعهم ويقويهم ~~على الحرب ، والفيلة كذلك لأنها يقاتل بها ويقاتل عليها ، وتحمل أثقالهم ~~ويستوي في ذلك الصغير والكبير ؛ PageV04P1567 لأن الصغير يكبر فيحمل ويقاتل ~~عليه ، فإن كان شيء من الدواب لا يصلح لذلك ولا يلقح أيضا ، وإنما يشترونه ~~للأكل خاصة فلا بأس بإدخالهم بلادهم ، بمنزلة سائر الأطعمة . والسبي من ~~النساء والرجال والصبيان لا ينبغي أن يدخل شيء منه من دار الحرب إن كان ~~صغيرا طفلا أو شيخا فانيا سواء كانت عندهم منعة أو لم يكن ؛ لأنهم صاروا من ~~أهل دار الإسلام ، فلا ينبغي أن يدخلوا دار الحرب ليباعوا منهم بعدما صاروا ~~من أهل دارنا . وأجناس السلاح ما صغر منه وما كبر حتى الإبرة والمسلة في ~~كراهة الحمل إليهم سواء ؛ لأن التقوي بهم على قتال المسلمين يحصل . والحديد ~~كذلك ؛ لأنه أصل ما يتخذ منه الأسلح . والحرير والديباج كذلك ؛ لأنه يصنع ~~منه الرايات . والسلاح والقز الذي غير معمول كذلك ؛ لأنه يتخذ منه ~~الخفتانات . PageV04P1568 فإن كان خزا من إبريسم أو ثيابا رقاقا من القز ~~فلا بأس بإدخالها إليهم ؛ لأن ذلك لا يتقوى به على القتال ، وإنما يستعمل ~~في اللبس ، فهو نظير ما يستعمل للأكل . والجعاب وجفون السيوف وغلفها يكره ~~حمل شيء من ذلك إليهم ، لأن هذا يستعمل للتقوى به على القتال ، والحاصل أن ~~ما ليس بسلاح بعينه فإن كان الغالب عليه أن يراد لغير السلاح ، وقد يراد ~~للسلاح ، فلا بأس بإدخاله إليهم ؛ لأن الحكم للغالب والنادر لا يظهر في ~~مقابلة الغالب . فإن أدخل ذلك رجل من المسلمين أو من أهل الذمة فعلم به أدب ms0895 ~~بالضرب والحبس ؛ لأنه ارتكب ما هو حرام وقصد به الإضرار بالمسلمين ، إلا أن ~~يكون جاهلا فيعذر لجهله ، ويعلم ذلك لأن هذا حكم خفي يشتبه على أكثر الناس ~~فالسبيل فيه الإنذار في المرة الأولى ، قال الله تعالى : ' وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد ' | PageV04P1569 فإن عاد فحينئذ يؤدب بالضرب والحبس ، ولا بأس ~~بإدخال القطن والثياب إليهم ؛ لأن الغالب فيه الاستعمال للبس لا للقتال . ~~فإن كان الغالب عندهم أنهم يقاتلون بالخفتانات المحشوة بالقطن لم يحل إدخال ~~شيء من ذلك إليهم ، ولا بأس بإدخال الصفر والشبه والرصاص إليهم ؛ لأن هذا ~~لا يستعمل للسلاح في الغالب . فإن كانوا يجعلون عظم سلاحهم من ذلك لم يحل ~~إدخال شيء من ذلك إليهم ؛ لأن المعتبر عادة كل قوم فيما يبتنى عليه مما ~~يكره أو لا يكره . والقنا والنشاب من القصب الغير المعمول لا يحل إدخال شيء ~~من ذلك إليهم ؛ لأن الغالب عليه أن يتخذ منه السلاح . ولا يحل إدخال النسور ~~، الحي والمذبوح منها وأجنحتها إليهم ؛ لأن الغالب عليه أن يدخل الريش ~~النشاب والنبل . PageV04P1570 وكذلك العقبان إذا كان يجعل من ريشها ذلك ~~أيضا وإن كانت إنما يدخل للصيد فلا بأس بإدخالها ، بمنزلة الغنم التي يحمل ~~إليهم للأكل ؛ لأنه إنما يصطاد بما يؤكل ، والحكم في البزاة والصقور كذلك ~~والتاجر من المسلمين إذا أراد أن يدخل إليهم بأمان على فرس ، ومعه سلاح وهو ~~لا يريد بيعه منهم ، لم يمنع من ذلك ؛ لأن المسافر يحتاج إلى أن يستصحب هذه ~~الأشياء لمنفعة نفسه ، فلا يكون ممنوعا عنه في دار الحرب ، كما لا يكون ~~ممنوعا عنه في دار الإسلام . ولكن هذا إن كان يعلم أن أهل الحرب لا يتعرضون ~~له في ذلك ، وكذلك سائر الدواب ، لأنه يحتاج إلى أن يحمل عليها البز وغيره ~~مما يريد التجارة فيه ، ولكن إن اتهم على شيء من ذلك يستحلف بالله ما يدخله ~~للبيع ولا يبيعه في دار الحرب ، حتى يخرجه إلا من ضرورة ، فإن حلف على ذلك ~~فقد انتفت هذه التهمة فترك ليدخله دار الحرب PageV04P1571 وإن أبى أن يحلف ~~لم ms0896 يترك ليدخل دار الحرب شيئا من ذلك وكذلك إذا أراد حمل الأمتعة إليهم في ~~البحر في السفن ؛ لأن السفينة مركب يتقوون بها على حمل الأثقال ، وقد ~~يستعملونها للقتال ، فيستحلف بالله ما يريد بيعها ولا يبيعها حتى يخرجها ~~إلا من ضرورة . وإن أدخل معه غلاما أو غلامين لخدمته لم يمنع من ذلك للحاجة ~~إليه ، فإنما يمنع من ذلك ما يريد التجارة فيه ، فإن اتهم استحلف ، فأما ~~الذمي إذا أراد الدخول إليهم بأمان فإنه يمنع من أن يدخل فرسا معه أو ~~برذونا أو سلاحا ؛ لأن الظاهر من حاله أنه يدخل ذلك إليهم للبيع فيهم ، ~~بخلاف المسلم فإن دينه هناك يمنعه من ذلك ، وها هنا دينه لا يمنعه من ذلك ، ~~بل يحمله عليه ، إلا أن يكون معروفا بعداوتهم مأمونا على ذلك ، فحاله حينئذ ~~كحال المسلم ولا يمنع من أن يدخل بتجارته على البغال والحمير والعجلة ~~والسفن . لأن الظاهر أن هذا لا يحمله إليهم لتقويتهم به على المسلمين بل ~~لحاجته ، وكما يحتاج إليه فيه الإدخال يحتاج إليه في الإخراج لما يأتي به ~~من السلع . بخلاف السلاح والفرس ، فالظاهر هناك أنه يدخله للتجارة لا ~~للحاجة ؛ لأنه يستغني في تحصيل حاجته عن ذلك ، ويستحلف أيضا على ما يدخله ~~إيهم من البغال والسفن والرقيق أنه لا يريد بهم البيع ، ولا يبيعهم حتى ~~يخرجهم إلا من ضرورة ، PageV04P1572 لأن الواجب على المسلمين الأخذ ~~بالاحتياط في هذا الباب على أقصى الوجوه الذي يقدرون عليه . والحربي ~~المستأمن في دارنا إذا أراد الرجوع إلى دار الحرب بشيء مما ذكرنا فإنه يمنع ~~من ذلك ؛ لأنه من أهل تلك الدار ، وإنما يأتيهم ليقيم فيهم فيكون محاربا ~~للمسلمين كغيره ، فهو يتقوى بما يدخله من ذلك على قتال المسلمين ، فلهذا ~~منع من جميع ذلك . إلا أن يكون مكاريا سفنا أو دواب من مسلم أو ذمي ، ~~فحينئذ حال المكاري في إدخال ذلك دار الحرب لمنفعة الحربي كحاله في إدخال ~~ذلك لمنفعة نفسه ، والظاهر من حاله أنه قصد تحصيل الكراء لنفسه ، وأنه يرجع ~~بما يدخل به فلهذا لا ms0897 يمنع منه ، وإذا كان أهل الحرب إذا دخل عليهم التاجر ~~بشيء من ذلك لم يدعوه يخرج به ، ولكنهم يعطونه ثمنه فإنه يمنع المسلم ~~والذمي من إدخال الخيل والسلاح والرقيق إليهم ، ولا يمنع من إدخال البغال ~~والحمير والثور والبعير إليهم ؛ لأن هذا مما لا بد له منه فقد لا يتقوى على ~~المشي ولا يمكنه أن يحمل الأمتعة على عاتقه ، وحال تحقق الضرورة مستثنى من ~~الخطر ولا تتحقق مثل هذه الضرورة في الخيل والسلاح ؛ PageV04P1573 لأن ~~المقصود يحصل بدونه ، وإنما ينتفي به معنى التجمل والترفه أو زيادة ~~الاحتياط . ثم يمنع من إدخال دواب يحمل عليها أمتعة التجارة ؛ لأن ذلك لا ~~يتحقق فيه الضرورة أيضا ، إنما تتحقق الضرورة في دابته التي يركبها خاصة ، ~~لأنه يضيع إن لم يركب ، فأما أمتعة التجارة فهو يتمكن من أن يحمل منها على ~~دابته مع نفسه ما لا حمل له ولا مؤنة ، والمقصود من الإذن له في الدخول ~~إليهم ما يخرجه لينتفع المسلمون لا ما يدخله مما ينتفع به أهل الحرب . ~~وكذلك لا يمنع من إدخال سفينة واحدة يركبها يكون فيها متاعه ؛ لأن ذلك لا ~~بد له منه . فإن أراد إدخال أخرى منع من ذلك ؛ لأن لا تتحقق الضرورة فيها ، ~~وهذا كله استحسان ، وفي القياس : يمنع من جميع ذلك لما فيها من قوة أهل ~~الحرب على قتال المسلمين . ولا رخصة فيه شرعا ، ولا يمكن من أن يدخل إليهم ~~خادما في هذه الحالة مسلما كان أو كافرا ؛ PageV04P1574 لأن الضرورة لا ~~تتحقق فيه ، وإنما يراد به معنى التجمل والترفه ، ولأن المنع في حق من هو ~~من أهل دار الإسلام أظهر من المنع في الفرس والسلاح . ولو دخل الحربي إلينا ~~بأمان ومعه كراع أو سلاح ورقيق لم يمنع من أن يرجع بما جاء به ، لأنا ~~أعطيناه الأمان على نفسه وما معه ، فكما لا يمنع من الرجوع إلى دار الحرب ~~للوفاء بالأمان فكذلك لا يمنع من أن يرجع بما جاء به ، فإن آلة القتال لا ~~تكون أقوى من المقاتل ، فإن باع ذلك كله ms0898 بدراهم ثم اشترى بها كراعا أو ~~سلاحا أو رقيقا مثل ما كان له أو أفضل مما كان له أو اشترى مما كان له ، ~~فإنه لا يترك ليدخل شيئا من ذلك دال الحرب ولكنه يجبر على بيعه ؛ لأنه ما ~~استحق بالأمان إدخال هذه العين مع نفسه دار الحرب وما كان له من الحق في ~~العين الأول فقد سقط حين أخرجه من ملكه ، بيعا بالدراهم فكان هذا . وما لو ~~أدخل الدراهم دارنا واشترى بها هذه الأشياء سواء ، وكذلك لو اشترى شيئا مما ~~باعه بعينه أو استقال المشتري البيع فيه فأقاله قبل القبض أو بعده أو رده ~~المشتري عليه بخيار رؤية أو بخيار شرط اشترطه المشتري لنفسه ؛ PageV04P1575 ~~لأن خروجه من ملك الحربي قد تم في هذا الموضع ، وصار ملكا للمسلم وصار ~~المسلم أحق بالتصرف فيه فيسقط حق الحربي في إعادته إلى دار الحرب ، والتحق ~~بما كان مملوكا للمسلم من الأصل فباعه من الحربي . وإن كان الحربي يشترط ~~الخيار لنفسه ثم نقض البيع بحكم يختاره فله أن يعود به إلى داره ؛ لأنه ما ~~خرج عن ملكه بالبيع إذا شرط الخيار فيه لنفسه ، بل هو أحق بإمساكه والتصرف ~~فيه فيبقى باعتبار حق الإعادة الذي كان ثابتا له قبل البيع . ولو كان باعه ~~بيعا فاسدا ثم نقض البيع قبل القبض فكذلك الجواب ؛ لأنه لم يخرج من ملكه ~~لمجرد البيع الفاسد . وإن كان المشتري قبض ذلك فإن كان ذلك بيعا يملك ~~المشتري المبيع به قبل القبض حتى أنه لو أعتقه ينفذ عتقه فيه لم يترك ~~الحربي ليرجع به دار الحرب ؛ لأن المسلم قد ملكه عليه وذلك مسقط لحقه في ~~إعادته إلى داره . وإن كان بيعا لا يملك به بعد القبض كالبيع بالدم والميتة ~~فله أن يعيده إلى دار الحرب لبقاء حقه فيه ببقاء ملكه ، PageV04P1576 ولو ~~استبدل الحربي بسيفه فرسا فإن أدخله إلى دار الحرب فالأصل في هذا الجنس أنه ~~متى استبدل بسلاحه سلاحا من غير ذلك الجنس لم يمكن من أن يرجع إلى دار ~~الحرب ، ولكن يجبر ms0899 على بيعه ، سواء كان ما حصله ، لنفسه خيرا مما أخرجه من ~~ملكه أو شرا منه ؛ لأن هذا الجنس لم يثبت له فيه بعقد الأمان حق الإعادة ~~إلى دار الحرب ، ويجبر على بيعه ، ولأنه قد يكون من الجنس الذي أخرجه مع ~~نفسه في دارهم كثيرا ويعز فيهم الجنس الآخر ولا يوجد ، وهو يريد أن يحصل ~~ذلك لهم ليتقووا به على قتال المسلمين . فإن كان ما استبدل به من جنس ما ~~أدخله فإن كان مثل ما أدخله أو شرا مما أدخله لم يمنع من أن يرجع به إلى ~~داره ، وإن كان خيرا مما أدخله منع من ذلك ؛ لأنه استحق بالأمان إعادة هذا ~~الجنس مع نفسه إلى داره ، وإنما يعتبر العين إذا كان مفيدا ، فأما إذا لم ~~يكن مفيدا كان المعتبر فيه الجنس وفيما يتبقى من هذا الجنس عين ما جاء به ~~أو مثله سواء وكذلك في الضرر على المسلمين فأما إذا كان خيرا منها فهو يريد ~~بهذا زيادة الإضرار للمسلمين ، فهو ممنوع عن ذلك ، فلا بد من أن يثبت حق ~~المنع باعتبار هذه الزيادة ، وهي لا تنفصل عن الأصل ، فثبت المنع في الكل ، ~~بمنزلة الموهوب إذا ازداد زيادة PageV04P1577 متصلة فإنه لا يرجع الواهب في ~~الأصل ، كما لا يرجع في الزيادة ، فإن صار ممنوعا من الرجوع به إلى دار ~~الحرب كان مجبرا على بيعه . وإن استبدل بها مثله ثم تقايلا البيع فله أن ~~يعود بما رجع إليه إلى داره ؛ لأن سلاحه بعينه ، ولأنه مثل الأول الذي ~~أخرجه بالإقالة من ملكه . وإن استبدل به خيرا منه أو شرا منه ثم تقايلا ~~البيع فيه لم يكن له أن يخرجه إلى داره في الوجهين أما إذا كان استبدل خيرا ~~منه فلأن الإقالة كالبيع المبتدأ في حق غير المتعاقدين ، فيجعل في حق الشرع ~~كأنه اشترى هذا السلاح ابتداء ، وهذا لأنه قد سقط حقه بالتصرف الأول ، وصار ~~ممنوعا من إدخال ما حصل له دار الحرب فلا يعود حقه بالإقالة . وإن كان ما ~~استبدل به شرا منه فهذه الإقالة ms0900 في حق الشرع كالبيع المبتدأ ، وقد استبدل ~~في هذه الإقالة بسلاحه الرديء سلاحا جيدا ، فلا يمكن من إدخاله دار الحرب ، ~~وحكم الاستبدال بالكراع مثل حكم الاستبدال بالأسلحة في مراعاة الجنس ~~والاختلاف في جميع ما ذكرنا ، PageV04P1578 فأما إذا استبدل بحماره أتانا ~~أو بفرسه الذكر فرسا أنثى منع من إدخاله دار الحرب ، وإن كان دون ما أدخله ~~في القيمة ؛ لأن في هذا منفعة النسل ، وليس في الذي أعطاه منفعة النسل ، ~~وربما يكون مقصوده من هذا الاستبدال تحصيل هذه المنفعة لهم فمنع منه كما ~~يمنع عند اختلاف الجنس . وإن استبدل ببغله الذكر بغلة أنثى مثله أو دونه لم ~~يمنع من إدخاله دار الحرب ؛ لأن هذا مما لا يلقح ، وليس فيه معنى النسل ~~أصلا . وإن استبدل بماذيانه فحلا ، منع من إدخاله دار الحرب ؛ لأن ما أخذه ~~مما تلقح وذلك معدوم فيما أعطى . وإن استبدل بفرسه برذونا أو ببرذونه فرسا ~~منع من إدخاله دار الحرب ؛ لأن في كل واحد منهما نوع منفعة ليست في الآخر ، ~~فإن البرذون ألين عطفا وأصبر على القتال ، والفرس أقوى في حالة الطلب ~~والهرب ، والظاهر أنه ما قصد بهذا الاستبدال تحصيل هذه المنفعة التي لم تكن ~~حاصلة لهم . PageV04P1579 وإن استبدل بفرسه الأنثى فرسا أنثى دونها في ~~الجري ولكنها أثبت منها وأرجى للنسل منع من أن يدخلها دارهم ؛ لأن فيما أخذ ~~نوع منفعة ليست فيما أعطى ، فصار الحاصل أن بعد الاستبدال هو مجبر على بيع ~~ما أخذه إلا أن يعلم أنه مثل ما أعطى في جميع وجوه الانتفاع أو دونه ، فإن ~~الاحتياط في هذا الباب واجب ، وتمام الاحتياط فيما قلنا . فأما في الرقيق ~~فسواء استبدلهم بجنس آخر ، أو بجنس ما هو عنده مما هو مثل ما عنده ، أو ~~دونه أو أفضل منه ، فإنه يمنع من إدخاله دار الحرب ويجبر على بيعه ؛ لأن ما ~~أخذه من الرقيق فهو من أهل دارنا مسلما كان أو ذميا ، والمستأمن ممنوع من ~~استدامة الملك فيمن هو من أهل دارنا على كل حال ، بخلاف ما سبق من الكراع ms0901 ~~والسلاح ، وكونه من أهل دارنا معنى يختص به بنو آدم دون الجمادات وسائر ~~الحيوانات ، فلهذا بينا الجواب هناك على اعتبار زيادة المنفعة في المبيع . ~~ولو أن مستأمنين من الروم دخلا دارنا بأمان ومع أحدهما رقيق ومع الآخر سلاح ~~، فتبادلا الرقيق بالسلاح ، أو باع كل واحد منهما متاعه من صاحبه بدراهم لم ~~يمنع كل واحد منهما من أن يدخل دار الحرب بما حصل لنفسه ؛ لأن المشتري فيما ~~حصل له بهذا التصرف قام مقام البائع ، وقد كان البائع ممكنا من إعادته إلى ~~دار الحرب فبتمكن المشتري أيضا منه . PageV04P1580 وإن اشترى أحدهما من ~~صاحبه متاعه هو ومسلم أو معاهد لم يكن للحربي أن يدخل شيئا من ذلك دار ~~الحرب ؛ لأن شريكه فيه مسلم ولا يمكنه إدخال حصته دار الحرب ، حتى يدخل حصة ~~المسلم ، وقد امتنع إدخال حصة المسلم من ذلك دار الحرب ، فمن ضرورته أن ~~يمتنع الإدخال في حصة الحربي ايضا ، فيجبر على بيع نصيبه من مسلم أو ذمي ~~إلا أن يكون شيئا من ذلك مما يقسم من سهام أو نشاب فحينئذ يكون للحربي ، أن ~~يطالب شريكه بالقسمة ، وبعد القسمة يدخل نصيبه دار الحرب ، إما لأن القسمة ~~في هذا بمنزلة ما يخص الحربي هو الذي يملكه بالعقد فيدخل دار الحرب ، كما ~~لو اشتراه وحده أو في هذه القسمة معنى المعاوضة ، فكأن المسلم سلم له نصف ~~ما يملك بمثله مما أخذه من نصيبه ، وقد بينا أن مثل هذا الاستبدال لا يمنعه ~~من إدخال ما صار له دار الحرب . وإن لم تستقم القسمة بينهما حتى زاد أحدهما ~~صاحبه دراهم فإن كان المسلم هو الذي أعطى الحربي دراهم لم يمنع من أن يدخل ~~ما صار له من ذلك دار الحرب ؛ لأن الحربي يصير بائعا بعض نصيبه من شريكه ~~بالدراهم ، وذلك لا يمنعه من إدخال ما بقي في ملكه دار الحرب . ~~PageV04P1581 وإن كان الحربي هو الذي أعطى الدراهم منع من ذلك ؛ لأنه صار ~~مشتريا بعض ما صار للمسلم بما أعطاه من الدراهم ، ولأن الحربي إذا أعطي ~~الدراهم ms0902 فقد أخذ من السلاح خيرا مما كان له في ملكه بالشراء فكان هذا ~~بمنزلة استبداله مع المسلم سلاحه بسلاح هو خير منه وإذا كان أخذ الدراهم ~~فقد أخذ بهذا الاستبدال سلاحا هو شر من سلاحه ، مع اتفاق الجنس ، فلا يمنع ~~من أن يدخل ذلك داره . والكراع إذا كان مما يقسم بمنزلة السهام والنشاب ؛ ~~لأنه يجري فيها قسمة الجزء . ولو كان اشترى الحربي مع المسلم من الحربي ~~رقيقا ثم اقتسما فليس للحربي أن يدخل ما أصابه دار الحرب ها هنا في الوجوه ~~كلها ، أما على قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه فلأن الرقيق لا يقسم قسمة ~~واحدة ، وعلى قولهما وإن كان يقسم قسمة واحدة فقبل القسمة صار كل واحد ~~منهما مشتركا بينهما نصفين ، فصار كل واحد منهما ذميا باعتبار ملك المسلم ~~أو المعاهد في نصفه ، وقد بينا أن الحربي لا يمكن من إدخال أحد ممن هو من ~~أهل دارنا دار الحرب . قال : ولو أن حربيا من الروم دخل إلينا بكراع ~~PageV04P1582 أو سلاح أو رقيق فأراد أن يدخل ذلك أرض الترك أو الديلم أو ~~غيرهم من أعداء المسلمين ليبيعه منهم منع من ذلك ؛ لأنه فيما يدخل دارهم من ~~ذلك بمنزلة مسلم أو ذمي يريد إدخال شيء من ذلك دارهم ، وقد بينا أنه ممنوع ~~من ذلك والحربي كذلك . وهذا لأنه بعقد الأمان استحق التمكن من إعادة ذلك ~~إلى داره إن شاء ، ففي هذا الحكم الواحد هو يفارق المسلم والمعاهد ، فأما ~~في إدخال ذلك دارا أخرى فليس مما استحقه بعقد الأمان ، فيكون هو في ذلك ~~كالمسلم أو المعاهد ؛ ولأنه إذا أدخل ذلك دارا أخرى فإنما يريد أن يحدث لهم ~~بذلك قوة على قتالنا ، فيمنع منه ، وينعدم هذا المعنى فيما إذا عاد به إلى ~~داره . وكذلك لو أراد أن يدخل ذلك إلى دار حربهم موادعين للمسلمين ؛ لأنهم ~~في حكم المحاربين وإن تركوا القتال بسبب الموادعة إلى مدة ألا ترى أنه لو ~~أراد مسلم إدخال شيء من ذلك إليهم منع . وإن أراد أن يدخل ذلك ms0903 أرضا أهلها ~~ذمة للمسلمين لم يمنع من ذلك ؛ PageV04P1583 لأن تلك الأرض من دار الإسلام ~~، والمستأمن في دارنا لا يمنع من أن يتجر في دار الإسلام ، في أي نواحيها ~~شاء . ولو كان أحد المستأمنين فينا من الروم والآخر من الترك ، ومع أحدهما ~~رقيق ومع الآخر كراع أو سلاح ، فتبادلا أو اشترى كل واحد منهما متاع صاحبه ~~بدراهم لم يترك واحد منهما ليخرج بما اشترى إلى داره ؛ لأن كل مشتر قام ~~مقام بائعه فقد بينا أن كل واحد ممنوع من إدخال ذلك في الدار التي منها ~~المشتري ، بخلاف ما إذا كانا من أهل دار واحدة وهذا لأن قصد كل واحد منهما ~~بهذا التصرف أن يقوي أهل داره علينا بما يدخله فيهم من سلاح هو خلاف جنس ما ~~خرج به ، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن تكون مبادلتة من أهل دار واحدة وهذا ~~لأن قصد كل واحد منهما مع المسلم أو المستأمن غير أهل داره . وإن كانا ~~تبادلا كراعا بكراع من صنعه مثله أو سلاحا بسلاح من صنعة مثله فلكل واحد ~~منهما أن يدخل ما أخذ داره ؛ لأن هذه المبادلة لو كانت بينه وبين مسلم لم ~~يمنع من إدخال ما حصل له داره . PageV04P1584 فكذلك إن كان مع مستأمن ، وإن ~~كان أحدهما أفضل من الآخر فللذي أخذ أخسهما أن يدخل بالذي أخذ دار الحرب ، ~~وليس للذي أخذ أفضلهما ذلك ولكنه يجبر على بيعه بمنمزلة ما لو كانت هذه ~~المبادلة بين المستأمن والمسلم ، وكذلك في حكم الرد بخيار الرؤية وخيار ~~الشرط ، والعيب هذا بمنزلة ما لو كانت هذه المبادلة بينه وبين مسلم في جميع ~~ما ذكرنا بخلاف ما إذا تبادلا رقيقا برقيق وهما سواء أو أحدهما أفضل من ~~الآخر ، فإن هناك لا تجعل المبادلة بينهما بمنزلة المبادلة بين المسلم ~~والمستأمن والمعاهد ؛ لأن هناك ما يخرج من ملك المسلم أو المعاهد كان من ~~أهل دارنا وما يدخل في ملكه يصير من أهل دارنا ، وها هنا ما يخرج من ملك ~~أحدهما إلى ملك الآخر لم يكن ms0904 من أهل دارنا ، فقلنا : عند تحقق المساواة لا ~~يمنع كل واحد منهما من أ ، يدخل داره ما صار له وإن كان أحدهما أفضل من ~~الآخر لم يمنع الذي أخذ أخسهما من أن يخرج به إلى داره ، ومنع الذي أخذ ~~أفضلهما من ذلك لأجل الزيادة المتمكنة فيما صار له . ولو كانا تبادلا عبدا ~~بأمة لم يكن لكل واحد منهما أن يدخل ما أخذ داره ؛ PageV04P1585 لأن اختلاف ~~الذكورة والأنوثة في بني آدم ، اختلاف جنس واحد ولهذا لو اشترى شخصا على ~~أنه عبد فإذا هي أمة كان البيع باطلا ، ولأن في كل نوع منهما نوع منفعة غير ~~منفعة صاحبه ، فالجارية تطلب للنسل والغلام يطلب للقتال ، فلهذا منع كل ~~واحد منهما من أن يدخل داره ما حصل له بهذا التصرف والله تعالى أعلم . ~~PageV04P1586 # باب من الفداء # | قال : ولا بأس بأن يفادى أسراء المسلمين بأسراء مشركين الذين في أيدي ~~المسلمين من الرجال والنساء ، وهذا قول أبي يوسف ومحمد ، رحمهما الله تعالى ~~وهو أظهر الروايتين عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وعنه في رواية أخرى ~~أنه قال : ولا تجوز مفاداة الأسير بالأسير ، وجه ظاهر الرواية أن تخليص ~~أسراء المسلمين من أيدي المشركين واجب ، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بطريق ~~المفاداة وليس في هذا أكبر من ترك القتل لأسراء المشركين وذلك جائز لمنفعة ~~المسلمين . ألا ترى أن للإمام أن يسترقهم ، والمنفعة في تخليص أسارى ~~المسلمين من أيديهم أظهر ، وأيد ما قلنا حديث عمران بن الحصين رضي الله ~~عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من المسلمين برجل من ~~المشركين من بني عقيل . ووجه الرواية الأخرى عن أبي حنيفة رضي الله تعالى ~~عنه ، قوله تعالى : ' فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ' التوبة : 5 ، وفي ~~المفاداة ترك القتل الذي هو فرض ، ولا يجوز ترك الفرض مع التمكن من إقامته ~~بحال . توضيحه : أن الأسراء صاروا مقهورين في أيدينا ، فكانوا من أهل دارنا ~~، PageV04P1587 فتكون المفاداة لهم لمنزلة المفاداة لأهل الذمة ، وذلك لا ~~يجوز إذا لم يرض به أهل الذمة ، وليس ms0905 في الامتناع من هذه المفاداة أكثر من ~~الخوف على أسراء المسلمين ولأجله لا يجوز ترك قتل المشركين ، ولا يجوز ~~إعادتهم ليصيروا حربا لنا . ألا ترى : أنه يفرض الجهاد على المسلمين ~~ليتوصلوا به إلى قتل المشركين وإن كان فيه معنى الخوف على نفوس المسلمين ~~وأموالهم . فإن أسلم الأسراء قبل أن يفادى بهم فإنه لا يجوز المفاداة بهم ~~بعد ذلك ؛ لأنهم صاروا كغيرهم من أهل الإسلام ، فلا يجوز تعريضهم للفتنة ~~بطريق المفاداة . وكذلك الصبيان من المشركين إذا سبوا وكان معهم الآباء ~~والأمهات ؛ لأنهم تبع للأبوي فلا يصيرون مسلمين وإن حصلوا في دارنا . فأما ~~إذا سبي الصبي وحده وأخرج إلى دار الإسلام فإنه لا يجوز المفاداة به بعد ~~ذلك ؛ لأنه صار محكوما له بالإسلام تبعا لداره . وكذلك إن قسمت الغنيمة في ~~دار الحرب فوقع في سهم رجل أو يبعث الغنائم فقد صار الصبي محكوما له ~~بالإسلام تبعا لمن تعين ملكه فيه بالقسمة أو الشراء في دار PageV04P1588 ~~الحرب حتى إذا مات يصلى عليه ، وفي هذا بيان أنه إذا كان بالغا تجوز ~~المفاداة به بعد القسمة والبيع ، وهو قول محمد رحمه الله تعالى ، وأما عند ~~أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يجوز ذلك ، لأن حكم صيرورته من أهل دارنا قد ~~استقر بالقسمة والبيع حين تعين الملك فيه للمسلم ، فكان بمنزلة الذمي في ~~هذه الحالة لا يجوز المفاداة به ، ومحمد رحمه الله تعالى يقول : المعنى ~~الذي لأجله جوزنا المفاداة به قبل القسمة والبيع موجود بعدهما ، وهو وجوب ~~تخليص المسلمين من أيدي المشركين ، ثم بالقسمة والبيع يتعين معنى المالية ~~فيهم ، وذلك علامة النقصان لا الزيادة . ألا ترى : أن مفاداة أسراء ~~المسلمين بالماء جائز ، فتعين صفة المالية في هؤلاء بالقسمة والبيع ، ولا ~~يمتنع جواز المفاداة . والأصل فيه حديث عمران بن الحصين ، رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم افتدى يوم المريسيع سبي بني المصطلق بعدما جرت ~~فيهم السهمان ، فأما مفاداة الأسراء من المشركين بالمال فإنه لا يجوز في ~~قول علمائنا ، رحمهم الله تعالى ، لأن قتل المشركين ms0906 إلى أن يسلموا بعد ~~التمكن منه فرض لقوله تعالى : ' فاقتلوا المشركين ' التوبة : 5 . وفي ~~المفاداة بالمال ترك هذه الفريضة للطمع في عرض الدنيا ، وذلك لا يحل قال ~~الله تعالى : ' ما كان لنبي PageV04P1589 أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض ' الأنفال : 67 نزلت يوم بدر حين رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في رأي أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين أشار عليه بالمفاداة بالمال ، وقد ~~كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يتأسف على ذلك على ما روي أنه أسر في عهده ~~أسير من الروم فطلبوا المفاداة به فقال : اقتلوه ، فلقتل رجل من المشركين ~~أحب إلي من كذا وكذا ، وفي رواية : لا تفادوا به وإن أعطيتم به مدين من ذهب ~~، ولأنا أمرنا بالجهاد لإعزاز الدين ، وفي مفاداة الأسير بالمال إظهار منا ~~للمشركين أنا نقاتلهم لتحصيل المال ، فأما قوله تعالى : ' فإما منا بعد ~~وإما فداء ' محمد : 4 ، فقد بينا أن ذلك قد انتسخ بقوله تعالى : ' فاقتلوا ~~المشركين ' التوبة : 5 ، وقوله تعالى : ' لولا كتاب من الله سبق ' الأنفال ~~: 68 تفسيرها لولا أني كنت أحللت لكم الغنائم ' لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ~~' ، بدليل قوله تعالى : ' فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ' الأنفال : 69 ، ~~ولئن كان المراد تجويز المفاداة . PageV04P1590 فقد انتسخ ذلك بنزول قوله ~~تعالى : ' فاقتلوا المشركين ' ، لأن سورة براءة من آخر ما نزلت ، وهو تأويل ~~ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من المفاداة يوم بدر في النفوس ~~بالنفوس ، عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، على ما رواه الأعرج أن سعد ~~بن النعمان خرج معتمرا من البقيع بعد وقعة بدر ، ومعه زوجته شيخان كبيران ، ~~وهو لا يخشى الذي كان ، فحبسه أبو سفيان بمكة وقال : لا أرسله حتى يرسل ~~محمد صلى الله عليه وسلم ابني عمرو بن أبي سفيان ، وكان أسر يوم بدر ، فمشى ~~الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلموه في ذلك فأرسله ، ففدوا به ~~سعد بن النعمان ، وكذلك فدى الأسارى يومئذ بالمال ، على ما روي أن الفداء ms0907 ~~يومئذ كان أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين بألف على قوم لا مال لهم من ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : ~~لما قدمت قريش في فداء أسرائها بعثت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، بفداء زوجها أبي العاص ، فكان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة رضي ~~الله عنها ، أدخلتها بها على زوجها ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV04P1591 القلادة عرفها ورق لها ثم قال : إن رأيتم أن تطلقوا لها ~~أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم ، ففعلوا ذلك . وصح أن العباس رضي الله ~~تعالى عنه فدى نفسه يومئذ بمال ، وفيه نزل قوله تعالى : ' يا أيها النبي قل ~~لمن في أيديكم من الأسرى ' الأنفال : 70 ، وأشار محمد رحمه الله إلى تأويل ~~آخر فقال : قد كانوا يومئذ محتاجين إلى المال حاجة عظيمة ، لأجل الاستعداد ~~للقتال ، وعند الضرورة لا بأس بالمفاداة بالمال ، وعليه يحمل أيضا ما يروى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سبى الذراري والنساء من بني قريظة بعث ~~بنصف السبي مع سعد بن زيد إلى نجد ، فباعهم من المشركين بالسلاح والحيوان ، ~~وبالنصف الباقي مع سعد بن عبادة إلى الشام ليشتري بهم السلاح والكراع ، ~~وإنما فعل ذلك لحاجتهم كانت إلى السلاح يومئذ وظاهر المذهب عندنا بأن ~~المفاداة بالمال لا يجوز اليوم بحال ، وأن ما يروى في هذا الباب حكمه قد ~~انتسخ ، وذكر تأويل المفاداة في سبي بني المصطلق فقال : إنما فعل ذلك لأنه ~~صلى الله عليه وسلم ظهر على دارهم فافتدى بهم لئلا يجري عليهم الرق . قال : ~~ألا ترى ، أنه صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية PageV04P1592 بعدما افتديت ، ~~لأن القوم أسلموا ، ولولا ذلك من تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنما المكروه عندنا مفاداة المشركين بالمال ، ليردوا إلى دار الحرب ، ~~فيكونوا عونا على المسلمين ، وذكر عن قبيصة بن ذؤيب قال : ليس يفدى العبد ~~والذمي من بيت المال ، وبه نأخذ ، فإن العبد كان مملوكا لمولاه ، وقد صار ~~بالإحراز ملكا لهم ms0908 ، فإنما مولاه هو الذي يفديه بماله ليعيده إلى ملكه ، ~~إلا أن يكون لمولاه مال فحينئذ ينبغي للإمام أن يفديه بمال بيت المال ، ثم ~~لا سبيل لمولاه عليه بل يكون من عبيد بيت المال إلا أن يعطي مولاه ذلك ~~الفداء ، وهو بمنزلة ما لو اشتراه مسلم منهم وأخرجه ، فأما الذمي فلا نصيب ~~له في بيت المال ليفدى منه ، وإنما مال بيت المال معد لنوائب المسلمين ، ~~فإنما يفدى أسراء المسلمين بمال بيت المال ، فإن طلبوا في مفاداة الأسير ~~بالأسير أن نعطيهم بعض الصبيان الذين أسرناهم خاصة دون من أسرناهم معهم من ~~الآباء والأمهات فلا بأس بذلك ، وإن كان في ذلك تفريق بينه وبين والديه ؛ ~~لأن هذا التفريق بحق وحرمة المسلم الذي وجب تخليصه من المشركين أعظم من ~~حرمة الصبي ، فلهذا جوزنا المفاداة به ، وإن كان بعد القسمة كما هو مذهب ~~محمد رحمه الله تعالى . PageV04P1593 واستدل عليه بحديث سلمة بن الأكوع قال ~~: غزونا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه هوازن فنفلني جارية ، فلما قدمت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : هبها لي ، فوهبتها له ، ففادى بها ~~أسارى من المسلمين كانوا بمكة ، والملك في النفل قد تعين للمنفل له ، ثم ~~جوز المفاداة به . قال : وإذا جاء رسول ملكهم يطلب المفاداة بالأسارى ، ~~والمسلمون بعد في دار الحرب ، قد جعلوا الأسارى في مكان حصين وأخذوا على ~~المسلمين عهدا بأن يؤمنوهم على ما يأتون به من الأسارى حتى يفرغوا من أمر ~~الفداء وإن لم يتفق رجعوا بمن معهم من أسارى المسلمين فإنه ينبغي للمسلمين ~~أن يفوا لهم بعهدهم ، وأن يفادوهم كما شرطوا لهم مالا أو غير ذلك من أسارى ~~المسلمين إلا أنه إن لم يتفق بينهم التراضي على المفاداة وأرادوا الانصراف ~~بأسراء المسلمين ، وللمسلمين عليهم قوة ، فإنه لا يسعهم أن يدعوهم حتى ~~يردوا الأسراء إلى بلادهم ، لأن حبس أسراء المسلمين ظلم منهم ، ولا يحل ~~إعطاء العهد على التقرير على الظلم فيحق عليهم ترك الوفاء بهذا الشرط ونزع ~~الأسراء من أيديهم من غير أن يتعرضوا ms0909 لهم بشيء سوى ذلك ، فإن قيل : أليس أن ~~رسول الله صلى الله عليه PageV04P1594 وسلم قد شرط لأهل مكة يوم الحديبية ~~أن يرد عليهم من جاء منهم مسلما ووفى بذلك الشرط ، فإنه رد أبا جندل بن ~~سهيل بن عمرو على أبيه سهيل بن عمرو ، ورد أبا نصير على من جاء في طلبه حتى ~~فعل ما فعل ، قلنا : نعم ، ولكن هذا حكم قد انتسخ بالكتاب ، قال الله تعالى ~~: ' فلا ترجعوهن إلى الكفار ' الممتحنة : 10 ، وكان ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يومئذ خاصة ، وقد علم وجه المصلحة فيه بطريق الوحي ، فقال : ~~لا يسألونني اليوم شيئا إلا أعطيتهم إياه ، فأما اليوم فلا ينبغي أن نرد ~~على المشركين مسلما أو أن نترك أخذ المسلم من أيديهم إذا قدر المسلمون على ~~ذلك بحال ، فإن أرادوا أخذهم فعرض لهم المشركون في ذلك ، فلينبذوا إليهم ثم ~~ليقاتلوهم أشد القتال ، دون أسراء المسلمين حتى يستنقذوهم ، وإن كانوا ~~شرطوا علينا أن نأتيهم بعدة من العلوج قد سموهم فلم نأتهم بهم أو أتيناهم ~~ثم كان ترك المفاداة من قبلنا أو قبلهم فالجواب سواء ، ألا يكون بالمسلمين ~~عليهم قوة فحينئذ يكونون في سعة من ترك قتالهم ؛ لأن عليهم حفظ قوة أنفسهم ~~أولا ثم العلو والغلبة إن تمكنوا منه . PageV04P1595 وإن لم يعلم أن أسراء ~~المسلمين معهم بأن لم يعاينهم ولم يقروا بذلك ، إلا أنا نظن بذلك ظنا ، ~~فليس ينبغي أن ينتقض العهد الذي بيننا وبينهم لأنه إنما حل ذلك لاسترداد ~~الأسراء منهم ، وإذا لم يكن ذلك معلوما فبنقض العهد لا يحصل هذا المقصود ، ~~وإن استأمن إلينا مماليكهم ، ونحن في المفاداة لم ينقض العهد أيضا ويرد ~~عليهم مماليكهم ؛ لأنا آمناهم على ما جاءوا به من الأموال ، فلا ينبغي لنا ~~أن نتعرض بشيء من أموالهم . فإن أسلم المماليك لم نردهم عليهم بعد الإسلام ~~، ولكنا نبيعهم أثمانهم ، بمنزلة المستأمن في دار الإسلام يسلم عبده ولكن ~~يرد عليهم ما جاء المماليك به من أسلحتهم ودوابهم ، فإن قال المماليك : ~~نكون ذمة لكم ، لم يلتفت إلى ذلك ms0910 ، ونردهم عليهم مع دوابهم وأسلحتهم ؛ ~~لأنهم مماليك من لهم أمان منا ، وهم تبع للمالك فلا يصح منه قبول الذمة ولا ~~يصير به من أهل دارنا . PageV04P1596 وإن كان الذين أتونا بعض أحرارهم ~~أخذوا منهم الكراع والسلاح والمال ثم دخلوا إلينا بأمان لم نتعرض لهم في ~~شيء مما جاءوا به ؛ لأن الأمان كان بيننا وبينهم ، ولم يكن فيما بينهم أمان ~~لبعضهم من بعض فما أخذوا به من المال قد صار ملكا لهم ، ولا ينبغي أن نتعرض ~~لهم في شيء من ذلك سواء أسلموا أو صاروا ذمة أو دخلوا إلينا بأمان . وهو ~~نظير ما لو كان بيننا وبين قوم من أهل الحرب موادعة ، فأخذ بعضهم مال بعض ~~ثم جاء به إلى دارنا مسلما أو ذميا أو مستأمنا ، لم نتعرض لهم بأخذ شيء من ~~ذلك من أيديهم . ولو أن أسراء من المسلمين الذين جاءوا بهم للمفاداة هربوا ~~إلينا قبل أن يقع الفداء فقالوا : ردوهم إلينا للعهد لم نردهم ؛ لأنا ما ~~أعطيناهم العهد على حبس أسراء المسلمين فإن ذلك ظلم منهم ، وإنما أعطيناهم ~~العهد على نفوسهم وأموالهم ، وما كانوا يملكون الأسراء . ثم ليس علينا أن ~~نفي لهم بالفداء ؛ PageV04P1597 لأنا إنما شرطنا لهم رد أسرائهم بالمفاداة ~~، وقد وقع الاستغناء عن ذلك وإن تم التراضي على المفاداة بعلوج بأعيانهم ثم ~~هرب أسراء المسلمين منهم بعد ذلك فالأفضل أن يوفى لهم بما صالحوهم عليه ~~ليطمئنوا إلى المسلمين في مثله بعد اليوم ولا ينسبوهم للغدر ، وإن لم ~~يفعلوا فلا شيء عليهم ، لأن تمام المفاداة بالأخذ والإعطاء فإذا وقع ~~الاستغناء عن ذلك قبل تمام المفاداة لم يكن علينا رد شيء عليهم ، بسبب تلك ~~المراوضة من علوج المشركين والأموال . ولو أن الأسراء هربوا منهم إلى بلاد ~~المسلمين ولم يأتونا بعدما وقع الصلح أو قبل ذلك لم يكن عليه أن يعطيهم ~~شيئا ، بخلاف ما إذا كانوا هربوا إلينا فللأفضل هناك أن نعطيهم ما شرطناهم ~~؛ لأنهم إذا خرجوا إلينا فنحن منعناهم ، فمن هذا الوجه يشبه هذا ما لو ~~كانوا هم الذين أعطوهم إلينا ms0911 ، فأما إذا خرجوا إلينا من جانب آخر إلى دار ~~الإسلام فهم ليسوا في أيدينا فلا يلزمنا أن نفي لهم بالفداء الذي شرطنا إذا ~~كانوا لا يرون علينا به شيئا حقيقة أو حكما ، بمنزلة ما لو مات الأسراء في ~~أيديهم فكذلك إن هرب الأسراء أو كانوا أهل منعة فامتنعوا بأنفسهم . لأنا لا ~~نمنعهم الآن منهم لنفي لهم بما شرطنا . وإذا هربوا إلينا ولا منعة لهم فنحن ~~المانعون للأسراء منهم ، PageV04P1598 ألا ترى : أنهم لولا مكاننا أخذوا ، ~~فلهذا ينبغي لنا أن نفي بما شرطنا لهم . وإن أرادوا رد الأسراء فقاتلهم ~~الأسراء واستغاثوا بالمسلمين فليس يحل للمسلمين أن يخذلوهم ، لما بينا أن ~~حبسهم للأسراء ظلم وما أعطيناهم العهد على الظلم ، فلا يحل للمسلمين أن ~~يذروا المشركين يقتلون إخوانهم ، ولا يمنعوهم من ذلك إذا كانوا يقرون علي ~~المنع . وكذلك لا بأس للأسراء أن يقاتلوهم حتى ينقلبوا منهم إن أمنوهم أو ~~لم يؤمنوهم ؛ لأنهم ظالمون في حبسهم . ولو كان الذين في أيديهم عبيدا وإماء ~~من المسلمين إلا أنهم كانوا أحرزوهم في دارهم فإنا نفي بالمفاداة التي ~~شرطنا فإن لم يتفق ذلك نأخذهم منهم بالقهر ؛ لأنهم مسلمون فلا يحل تركهم في ~~دار المشركين ولكنا نبيعهم ونعطيهم أثمانهم . لأنهم مماليكهم لو أسلموا ~~كأموالهم ، وقد أعطيناهم الأمان على أموالهم . فإن قاتلهم العبيد فأراد ~~المشركون قتلهم قاتلناهم مع العبيد حتى نستنقذهم ؛ PageV04P1599 لأنهم ~~إخواننا في الدين فيجب استنقاذهم من قهر المشركين . إلا أن المشركين إن ~~كانوا في مأمنهم فقد تم نبذ الأمان بيننا وبينهم ، ثم أخذنا منهم العبيد ~~بعد ذلك ، فلا نعطيهم شيئا بمقابلتهم ، وإن كانوا في غير مأمنهم بعناهم ~~وأعطيناهم أثمانهم ، لأن حكم الأمان بيننا وبينهم باق ما لم يصلوا إلى ~~مأمنهم ، ومن لا يملك أهل الحرب من مدبر أو أم ولد أو مكاتب أو ذمي فهو ~~بمنزلة الحر المسلم في جميع ما ذكرنا من الفصول ، ولو كان أسيرا في بعض ~~حصونهم إذا أراد أن يشد على بعضهم فيقتله فإن كان يطمع في قتله أو في نكاية ~~فيهم فلا بأس ms0912 بأن يفعل ذلك ، وإن كان لا يطمع في ذلك فلا ينبغي له أن يفعله ~~؛ لأنه يلقي بيده إلى التهلكة من غير فائدة ، فإن الظاهر أنهم يقتلونه بعد ~~هذا ويمثلون به . وقد بينا هذا الحكم في حق من هو في الصف يقاتل ، وأنه قد ~~فعل ذلك غير واحد من الصحابة ، منهم المنذر بن عمرو يوم بئر معونة ومنهم ~~حمي الدبر عاصم بن ثابت PageV04P1600 يوم الرجيع ، يوم بني لحيان ، فإذا ~~كان يجوز هذا للمقاتل إذا كان ينكر فعله فيهم فلأن يجوز للأسير كان أولى ، ~~ولو خلوا سبيل الأسير وأعطوه الأمان على أن يكون في بلادهم فلا بأس للأسير ~~أن يغتالهم ويقتل من قوي عليه سرا أو يأخذ ما شاء من أموالهم لأنه ما ~~أعطاهم الأمان وإنما هم أعطوه الأمان ، وذلك لا يمنعه من أن يفعل بهم ما ~~يقدر عليهم ، إلا أن يكون أعطاهم الأمان ، فحينئذ ينبغي لنا ألا نتعرض لهم ~~بشيء من ذلك ؛ لأن ذلك يكون غدرا منه ، والغدر حرام . ولكنه إن قدر على أن ~~يخرج سرا إلى دار الإسلام فلا بأس بأن يخرج ، وإن كان أعطاهم الأمان من أن ~~يفعل ذلك ؛ لأن حبسهم إياه في دارهم ظلم منهم له ، فله أن يمتنع من الظلم . ~~فإن منعه إنسان من ذلك فلا بأس بأن يقاتله ويقتله ؛ لأنه ظالم له في هذا ~~المنع . PageV04P1601 وإن كان يستعملونه في الأعمال الشاقة فاشتد ذلك عليه ~~، فشد على بعضهم ليقتله ، فإن كان فعله ينكئ فيهم فلا بأس بذلك وإن كان ~~يعلم أنه لا ينكئ فيهم فالأولى ألا يفعله ، إلا أن يكونوا كلفوه من العمل ~~ما لا يطيق فظن أن له فيما يصنع نجاة أو ترفها فحينئذ لا بأس بذلك لطلب ~~النجاة . وكذلك إن شد على السجان ليقتله ، فهو على التقسيم الذي قلنا ، وإن ~~أمر بالسجود لغير الله تعالى وضربه الذي يمسكه على ذلك فلا بأس بأن يقتل ~~العلج ويأبى السجود وإن علم أنه يقتل ؛ لأن ضرب العلج وقتله إن تمكن منه ~~يكون نكاية فيهم لا محالة ، وفي إبائه ms0913 السجود لغير الله تعالى إعزاز الدين ~~، فلا بأس بأن يفعله ولا يكون به معينا على نفسه . ولو قال الأسير لهم : ~~أنا أعلم الطب فسألوه أن يسقيهم الدواء فسقاهم السم فقتلهم فإن سقى الرجال ~~منهم لم يكن به بأس ؛ لأن ذلك نكاية فيهم ، وأكره له أن يسقي الصبيان ~~والنساء ، كما أكره له قتلهم . PageV04P1602 إلا أن تكون امرأة منهم قد ~~أضرت به ، وقصدت قتله ، فحينئذ لا بأس بأن يسقيها كما لا بأس بأن يقتلها إن ~~تمكن من ذلك ولو أن أسيرا فيهم دلى نفسه من حصن أو سور مدينة ليهرب فسقط ~~فمات ، فإن كان على طمع من أن ينجو حين فعل ذلك فلا بأس بما صنع ؛ لأن قصده ~~السعي في نجاته والفرار بدينه كيلا يفتتن والمجاهد في كل ما يصنع على طمع ~~من الظفر وخوف من الهلاك . فإن كان هذا الفعل بتلك الصفة لم يكن به بأس وإن ~~كان على يقين من الهلاك أو كان أكبر الرأي أنه لا ينجو فإنه يكره له هذا ~~الصنيع ؛ لأنه يقتل به نفسه . وهو نظير ما سبق إذا دلى نفسه في قدر من بعض ~~المطامير ليقاتل العدو ، فإن كان يطمع أن ينكئ فعله فيهم لم يكن بما صنع به ~~بأس وإن كان أكبر رأيه أنه يقتل ولا ينكئ فعله لم يسعه أن يفعل ذلك ، وإذا ~~أسر العلج أو امرأته وولده فلا ينبغي للأمير أن يفاديهم بالمال لما قلنا ~~PageV04P1603 وكذلك لا يبيعهم من أهل الحرب قبل إخراجهم إلى دارنا ولا بعده ~~؛ لأن هذا في معنى المفاداة من حيث إنهم يفادون إلى أهل الحرب بعد التمكن ~~منهم بمال يؤخذ منهم . وكذلك إن وقعوا في سهم رجل فليس لذلك الرجل أن ~~يبيعهم من أهل الحرب ، وإن فعل ذلك رد الإمام بيعه ، وأدبه على ما صنع إن ~~علم أنه فعله عن بصيرة ؛ لأنه قصد تقوية المشركين على المسلمين . ولو جاء ~~مشرك مستأمنا ، وله عبيد مسلمون قد أسرهم ، وأحرزهم وطلب أن يبيع بهؤلاء ~~الحربيين فلا بأس للأمير أن يشتريهم بأولئك الحربيين ms0914 ثم يجعلهم فيئا ~~للمسلمين إن كان لم يقسمهم ، فإن كان قسمهم فلا بأس لمن وقعوا في سهمه أن ~~يشتري بهم العبيد المسلمين ؛ لأن هذا بمنزلة مفاداة الأسير بالأسير ، وذلك ~~جائز في ظاهر الرواية ، إذ المقصود تخليص المسلمين عن ذل الكفار . ويستوي ~~في هذا عبيد المسلمين وأحرارهم ؛ لأن جواز ذلك لحرمة الدين . PageV04P1604 ~~وإن جاء بالعبيد معه فإن الأمير لا يدعه يرجع بهم ، بمنزلة عبيد كفار ~~أدخلهم مع نفسه فأسلموا أو اشترى في دار الإسلام عبيدا مسلمين فإنهم ~~مماليكه ثم يجبره الإمام على بيعهم ، كما يجبر أهل الذمة على ذلك فهذا مثله ~~، ولو كان دخل هذا المستأمن من عسكر المسلمين في دار الحرب أو دار الإسلام ~~ومعه العبيد ثم طلب أن يبيعهم بأسراء المشركين فإن الأمير لا يمكنه من ذلك ~~؛ لأنه صار مجبرا على بيعهم بالدراهم والدنانير ، لما صار مقهورا في أيدينا ~~والعبيد معه فتمكينه من أن يبيعهم بأسراء المشركين بعد هذا يكون في معنى ~~مفاداة الأسير بالمال بخلاف الأول ، فهناك قد جاء مستأمنا ، وليس العبيد ~~معه فلم يصر هو مجبرا على بيعهم بالدراهم في الحكم . توضيحه : أن جواز ~~المفاداة بأسراء المشركين بطريق الضرورة ، وذلك عند تحقق الحاجة إلى تخليص ~~المسلمين من أيديهم ولا ضرورة ها هنا لإمكان التخليص بطريق آخر ، وهو ~~الإجبار على البيع بالدراهم ، وتتحقق الضرورة حين لم يأت بالعبيد معه . ولو ~~كان جاء ليدخل بأمان فسألهم قبل الدخول أن يبيعوه أسراء سماهم بعبيد في يده ~~من عبيد المسلمين قد PageV04P1605 سماهم ، فلا بأس بأن يجيب المسلمون إلى ~~ذلك لأن الضرورة قائمة ما لم تصل يدنا إلى عبيد المسلمين ، وبعد الإجابة ~~عليهم وجب أن يفوا له بذلك ؛ لأن الشرط لما صح وجب الوفاء به شرعا . قال : ~~ولو أن أسيرا في أيديهم أراد أن يقاتلهم وعنده أن فعله ينكئ فيهم ولكنه ~~يقتل بعد ذلك فقد بينا أنه لا بأس بأن يفعل هذا ، لأنه داخل فيمن قال الله ~~تعالى : ' ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ' البقرة : ، وإن كان ~~يعلم أن فعله ms0915 هذا يضر بغيره من الأسراء في أيديهم فالأفضل ألا يفعل ، خصوصا ~~إذا كان نكايته فيهم لا تبلغ بعض ما يجب لأنه مندوب إلى النظر للمسلمين ~~ودفع شر العدو عنهم ، ألا ترى أن المجاهد لهذا يقاتل المشركين ، فإن كان ~~فعله هذا يصير سبب الإضرار بالمسلمين بأن يقتلوا أو يعذبوا فالأفضل له ألا ~~يفعل ولو فعل لم يكن به بأس ؛ لأن مراعاة جانب غيره لا تكون أوجب عليه من ~~مراعاة حق نفسه . وإذا كان يجوز له هذا الصنيع مع علمه أنه يقتل ~~PageV04P1606 إذا كان فعله ينكئ فيهم فلأن يجوز له ذلك ، وإن كان يخاف ~~بسببه الإضرار بغيره من الأسراء كان أولى ، ولو أن سرية دخلت أرض العدو ~~فكانوا بالقرب من عسكر عظيم من العدو لا يعلمون بهم ، فأراد رجل من ~~المسلمين أن يحمل عليهم كرهت له ذلك ؛ لأن فعله هذا دلالة على المسلمين ، ~~وليس بالمسلمين قوة على أن ينتصفوا منهم ، بعلمهم ، ولا رخصة في الدلالة ~~على المسلمين ليقتلوا أو يؤسروا . ولو كانوا علموا مكان المسلمين ولم ~~يعرضوا لهم فلا بأس للمسلم أن يحمل عليهم ، إذا كان فعله ينكئ فيهم ، إلا ~~أنه إذا خاف أن يقاتلوا المسلمين فيقتلوهم فالأفضل له ألا يفعل ذلك نظرا ~~منه للمسلمين ، ألا ترى أن قوما من المسلمين لو حاصرهم المشركون ، ولم يكن ~~للمسلمين بهم طاقة ، فدعوهم إلى الصلح والأمان كان أفضل للمسلمين أن ~~يصالحوهم ويقبلوا أمانهم وإن أبوا إلا قتالهم لم يكن به بأس ، كما فعله حمي ~~الدبر حين عرضوا عليه الأمان فقال : إني عاهدت الله قبل هذا ألا أقبل أمانا ~~من المشركين ، فما زال يقاتلهم حتى قتل ، PageV04P1607 فعرفنا أنه لا بأس ~~بذلك . وإذا أسرت كتابية فوقعت في سهم رجل فدبرها أو استولدها ، وهي على ~~دينها بعد ، ثم إن أهل الحرب أسروا منا رجلا فأبوا أن يقبلوا منا الفداء ~~إلا أن نفديه بتلك المرأة ، فإن رضي مولاها بذلك فلا بأس بالمفاداة بها ، ~~كرهت هي ذلك أو رضيت به ؛ لأنها بهذه المفاداة لا تخرج من ملك مولاها ، فقد ~~صارت ms0916 بحيث لا يحتمل الانتقال من ملك إلى ملك لما ثبت فيها للمسلم من ~~استحقاق الولاء . وإنما ينقطع عن مولاها بهذه المفاداة خدمتها ، فكأنه جعل ~~خدمتها فداء مسلم وذلك جائز ؛ لأن المنفعة بمنزلة المال ، فلا يكون حرمتها ~~فوق حرمة المال . ثم يجوز مفاداة الأسير للمسلم بالمال فبالخدمة أولى وأجوز ~~وهذا لأنه لا يخاف على نفسها منهم ، فإنها على دينهم وإنما يرغبون في ~~الفداء بها لإكرامها بسبب ثباتها على اعتقادها بيننا ، ولا معتبر لكراهتها ~~ورضائها ؛ لأنها مملوكة ليس لها من أمر نفسها شيء . فإن كره ذلك مولاها ~~فليس ينبغي للأمير أن يفدي الأسير بها وإن كان يخاف القتل على الأسير منهم ~~لأنها PageV04P1608 صارت بحيث لا تحتمل الإخراج من ملك مولاها ، بعوض ولا ~~بغير عوض ومع بقاء ملك المولى فيها لا تجوز المفاداة بها ، بغير رضاء ~~المولى ، فإن طلب المولى أن يعوض قيمتها على غير بيع من بيت المال فلا بأس ~~للإمام أن يفعل ذلك ؛ لأنه عليه أن يفدي الأسير المسلم من بيت مال المسلمين ~~، وهذا في معنى ذلك إذ لا فرق بين أن يعطي المال إليهم ليتخلص الأسير وبين ~~أن يعطي إلى مولى هذه الجارية ليرضى بأن يفادي الأسير بها . ثم هذا المال ~~لا يكون عوضا عن ملكه فيها ، لأنها لا تحتمل النقل من ملك إلى ملك ولكنه ~~عوض عن خدمتها ، وللمولى أن يعتاض عن خدمة المدبرة وأم الولد بطريق الإجارة ~~، فإن أخذها المسلمون من أهل الحرب بعد ذلك ردوها عليه ، لأن ملكه كان ~~قائما فيها ويسلم له العوض الذي كان أخذ ؛ لأنه إنما أخذ العوض عن خدمتها ~~في المدة التي كانت عند أهل الحرب ولم يعد إليه ذلك . ولو أبى أن يعطيها ~~المسلم إلا أن يشتريها منه شراء كرهت له ذلك ؛ لأنها صارت بحيث لا تحتمل ~~المبيع ، لما ثبت فيها من حق العتق . PageV04P1609 فإن أخذوها منه كرها ~~وفادوا بها غرم الإمام له قيمتها من بيت المال وهذا في المدبرة قولهم جميعا ~~لبقاء المالية فيها ، حتى أنها تضمن بالغصب ، فكذلك إذا أخذها ms0917 الإمام بغير ~~رضى مولاها لمصلحة رآها في ذلك ، فأما في أم الولد فهذا قولهما جميعا ، ~~وأما عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى : أم الولد لا تضمن بالغصب ، فلا يعطيه ~~الإمام قيمتها من بيت المال . وقيل : بل هذا قولهم جميعا ؛ لأنه إنما يعطيه ~~قيمتها عوضا عن خدمتها لا عن رقبتها ، كما لو رضي المولى بأن تؤخذ منه ~~بقيمتها ولكن الأول أصح ، فقد ذكر بعد هذا أنها لو عادت إلى أيدي المسلمين ~~ردوها عليه ، وأخذ الإمام منه القيمة التي كان أخذها فردها في بيت المال ، ~~ولو كان ذلك عوضا عن خدمتها لم يجب عليه ردها ، كما في الفصل الأول ، وكذلك ~~قال : لا أحب للإمام أن يأخذها منه كرها ولو كان ما يعطيه عوضا عن خدمتها ~~في هذه الحالة لجاز له أن يفعله بغير رضى المولى لما يرى فيه من المصلحة . ~~ولو كانت الأمة قنة والمسألة بحالها فلا بأس للإمام أن يقومها قيمة عدل ~~فيدفع إليه القيمة ويفادي به المسلم ؛ لأن في امتناع المولى من المفاداة ~~بها ضرار عظيم بالمسلمين . PageV04P1610 وللإمام ولاية بيع المال على مالكه ~~عند الضرر العظيم ، أما عندهما فظاهر ، فلأنه يحجر على المدين ويبيع عليه ~~ماله دفعا للضرر عن صاحب الدين ، وكذلك عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ~~فإنه يرى الحجر فيما يعظم فيه الضرر بالمسلمين ، وإذا ثبت للإمام ولاية ~~البيع عليه فلا فرق بين أن يبيعها ويدفع إليه ثمنها وبين أن يقومها ويدفع ~~إليه قيمتها ثم يفادي بها ، فإن فعلوا ذلك ثم وقعت في أيدي المسلمين فلا ~~سبيل لمولاها عليها ؛ لأنها خرجت عن ملك مولاها حين باعها الإمام عليه ، ~~ونفذ ذلك البيع فيها . ولو كانت الأمة مكاتبة لم أحب للإمام أن يفادي بها ~~إلا برضاها ورضى مولاها ؛ لأن ملك المولى قائم في رقبتها ، وقد صارت هي أحق ~~بنفسها ومنافعها بسبب الكتابة فيعتبر رضاهما جميعا في المفاداة بها . وإن ~~أخذها الإمام كرها ففادى بها فلا شيء للمولى على الإمام ؛ لأن المكاتبة لا ~~تضمن بالغصب ، فإنها بمنزلة الحرة يدا ووجوب ms0918 ضمان الغصب تفويت اليد . ~~PageV04P1611 ثم المولى ما كان له حق في كسبها ومنافعها ، وبهذا الأخذ ما ~~فات ملك المولى فيها ، فمتى ما أخذها المسلمون ردوها عليه ، وكانت مكاتبة ~~على حالها ، فإن كانت قد أدت بدل الكتابة فعتقت أو كان أعتقها مولاها ، ففي ~~المفاداة بها يعتبر رضاها فقط ؛ لأنه لم يبق للمولى فيها ملك وهي بالعتق قد ~~صارت حرة ذمية ، لكونها من أهل دار الإسلام . فلا يجوز المفاداة بها إلا ~~برضاها ، بمنزلة حرة أصلية من أهل الذمة أو حر منهم إذا طلبوا مفاداة ~~الأسير به ، فإنه لا ينبغي للإمام أن يجيبهم إلى ذلك إلا برضاء الذمي ، ~~فأما المسلم والمسلمة من الأحرار والمملوكين ، فإنه لا يجوز مفاداة الأسير ~~بهم طابت أنفسهم بذلك أو لم تطب ، وطابت أنفس مواليهم أو لم تطب ؛ لأن خوف ~~القتل على المسلم المدفوع إليهم كهو على المسلم المأخوذ منهم ، بخلاف الذمي ~~فإنه يوافقهم في الإعتقاد ، والظاهر أنه لا يرضى بالمفاداة به إلا إذا كان ~~آمنا على نفسه من جهتهم . فإن دخل حربي منهم إلينا بأمان فطلبوا مفاداة ~~الأسير بذلك المستأمن وكره ذلك المستأمن ، وقال : إن دفعتموني PageV04P1612 ~~إليهم قتلوني ، فليس ينبغي لنا أن ندفعه إليهم ، لأنه في أمان منا فيكون ~~كالذمي إذا كره المفاداة به ، ولأنا نظلمه في التعريض بقتله بالرد عليهم ، ~~والظلم حرام على المستأمن والذمي والمسلم ، ولكنا نقول له : ألحق ببلادك أو ~~حيث شئت من الأرض إن رضي المشركون بهذا منا ؛ لأن للإمام هذه الولاية في حق ~~المستأمن ، وإن كان لا يخاف القتل على الأسير المسلم ، ألا ترى أنه لو أطال ~~المقام في دارنا يقدم إليه في الخروج ، فعند الخوف على الأسير المسلم ، أو ~~عند مفاداة الأسير بهذه المقالة ، إذا رضوا بها أولى أن تثبت له الولاية . ~~وإن قال المشركون للمسلمين : ادفعوه إلينا ، وإلا قاتلناكم وليس بالمسلمين ~~عليهم قوة ، فليس ينبغي للمسلمين أن يفعلوا ذلك ؛ لأنه غدر منا بأمانه وذلك ~~لا رخصة فهو بمنزلة ما لو قالوا : إن دنيتم وإلا قاتلناكم ولكن أن يقولوا ~~له : اخرج من ms0919 بلاد المسلمين فاذهب حيث شئت من أرض الله تعالى ، فإن قالوا ~~له : اخرج إلى كذا من المدة وإلا دفعناك إليهم فقال لهم : نعم . ~~PageV04P1613 ثم لم يخرج فإن طابت نفسه بالدفع إليهم فلا بأس بأن ندفعه ، ~~وإن كره ذلك لم ينبغ لنا أن ندفعه إليهم ؛ لأنه آمن فينا ما لم يبلغ مأمنه ~~، فإن قيل : مقامه فينا إلى مضي المدة دليل الرضاء بدفعه إليهم ، فينبغي أن ~~نجعل ذلك كصريح الرضاء ، كما لو قال الأمير للمستأمن إن خرجت إلى وقت كذا ~~وإلا جعلتك ذمة ، ثم لم يخرج فإنه يجعله ذميا لوجود دلالة الرضاء منه بهذا ~~الطريق . قلنا : هو كذلك إلا أن هذا دليل محتمل فلا يجوز تعريضه للقتل بمثل ~~هذا الدليل ، ما لم يصرح بالرضاء برده عليهم ، فأما صيرورته ذميا فهو حكم ~~ثبت مع الشبهة ، ويجوز اعتماد الدليل المحتمل في مثله . وإن طلب رجل من ~~المشركين ، وهو ممتنع في ملكهم في بعض حصونهم ، أن يصالحه على أن يصير ذمة ~~لنا ، فقال المشركون : إن فعلتم ذلك قاتلناكم ، وقتلنا أسراءكم ، فإن كان ~~بالمسلمين عليهم قوة ، فإن الإمام يجيبه إلى ذلك ، ولا يلتفت إلى ما قاله ~~المشركون ؛ لأن الذمة خلف عن الإسلام في التزام أحكام الإسلام في الدنيا . ~~ولو رغب في الإسلام ولم يشكك أنه يقبل ذلك منه ، فكذلك إذا قبل عقد الذمة ، ~~قلنا : يقبل منه ، PageV04P1614 وإن لم يكن بالمسلمين عليهم قوة وخافوا على ~~أنفسهم فلا بأس بألا يقبلوا ذلك منه ، ألا ترى أنه لو أسلم يجب علينا نصرته ~~عند الخوف على المسلمين من العدو ، وإذا لم يكن بهم قوة عليهم ، فكذلك إذا ~~طلب عقد الذمة وإن كان بالمسلمين عليهم قوة ؛ لأنهم يخافون على قتل أسرائهم ~~، فلا بأس بأن يقبلوا ذلك منه بمنزلة ما لو أسلم ، فإنه يجب القيام بنصرته ~~، وإن كان يخاف من ذلك على أسراء المسلمين ، ألا ترى أنه لا يترك القتال ~~معهم لخوف القتل على أسراء المسلمين فكذلك لا يترك الإجابة إلى عقد الذمة ~~لذلك . فإن قالوا : ندفع إليكم أسراءكم على ألا تقبلوا ms0920 منه أن يكون ذمة لكم ~~، فهذا ينبغي للإمام ألا يقبله منهم لأن تخليص المسلمين من المشركين ~~ليكونوا مقاتلة يذبون عن دار الإسلام خير من أني كون هذا ذمة للمسلمين . ~~فإن أجابهم الإمام إلى ذلك فخلوا سبيل الأسراء ثم لم يظفر المشركون ~~بالمحصور فسأل المحصور أن يكون ذمة لنا أجبناه إلى ذلك ، لما بينا أن الذمة ~~خلف عن الإسلام في PageV04P1615 التزام الأحكام به في الدنيا فإن قال ~~المشركون : هذا منكم نقض للعهد الذي عاهدتمونا عليه فلم يلتفت إلى كلامهم ؛ ~~لأنا لا نتعرض لنفوسهم ولا لما في أيديهم ، ولكن هذا المحصور ممتنع منهم ~~فلا يلزمنا الامتناع عن قبول الذمة منه بالشرط . فإن قال المحصور : لا أكون ~~ذمة لكم ، ولكن أمنوني حتى أخرج إلى بلادكم فقال المشركون : إن فعلتم ذلك ~~به قتلنا أسراءكم ، فإن الإمام ينظر إلى ذلك فإن كان ما سأل المحصور من ذلك ~~خيرا للمسلمين أجابه إلى ذلك ، وإن لم يكن فيه منفعة للمسلمين لم يجبه إلى ~~ذلك ؛ لأن الإمام نصب ناظرا ، وعقد الآمان في الأصل مشروع لمنفعة المسلمين ~~، ففي كل موضع يكون فيه ضرر على المسلمين فللإمام ألا يجيبه إلى ذلك . ولو ~~قال المحصور : أسلم وأنزل إليكم ، فقال المشركون للمسلمين : إن فعلتم ذلك ~~قاتلناكم وقتلنا أسراءكم فعلى المسلمين إجابة المحصور إلى ذلك ، سواء كان ~~بهم عليهم قوة أو لم يكن ، وأشار إلى الفرق بين هذا وبين ما إذا طلب أن ~~يكون ذمة لنا ولا قوة بنا عليهم ، فأكثر أصحابنا قالوا : لا فرق في الحقيقة ~~؛ لأن في الموضعين إنما يلزمنا القيام بنصرته . PageV04P1616 إذا كان ~~بالمسلمين قوة على ذلك فأما إذا لم يكن ، فإنه لا يجب ذلك ؛ لأن حال هذا ~~المحصور فيهم بعد ما أسلم لا يكون أقوى من حال أسير مسلم فيهم ، وإنما يجب ~~القيام بنصرة الأسير والقتال لاستنقاذه إذا كان بنا قوة على قتالهم ، فأما ~~إذا لم يكن لا يجب ذلك فهذا مثله . إلا أن إسلامه صحيح بنفسه ، وعقد الذمة ~~لا يتم به ، وإنما يتم بالمسلمين فأما إذا لم يكن ms0921 بهم قوة على أهل الحرب لا ~~يجب إجابته إلى ذلك ، فأما محمد رحمه الله يشير إلى الفرق بما ذكرنا أن ~~مفاداة الأسارى بالمسلمين لا يجوز بحال رضي المسلمون به أو كرهوا ، ~~والمفاداة بأهل الذمة يجوز إذا رضوا به ، فكذلك في هذا الموضع يجوز ترك ~~الإجابة إلى عقد الذمة إذا لم يكن بهم قوة على الدفع عن المسلمين ، ولا ~~يجوز الامتناع من قبول الإسلام منه والقيام بنصرته لأجل ذلك . والعجوز ~~الكبيرة المأسورة من المشركين تجوز مفاداتها بالمال ؛ لأنه لا يرجى لها نسل ~~، ولا يخاف منها قتال ، فليس في مفاداتها بالمال معنى تقوية المشركين على ~~قتال المسلمين ، في الحال ولا في الثاني . وقد بينا أنه عند حاجة المسلمين ~~إلى المال جوز محمد رحمه الله مفاداة أسراء المشركين بالمال ؛ لأن الحال ~~حالة الضرورة . PageV04P1617 ألا ترى أن عند تحقق الضرورة يجوز بيع السلاح ~~منهم ، فكذلك يجوز المفاداة بأسرائهم ، وأكثر مشايخنا على أن ذلك لا يجوز ~~للحاجة إلى المال ، فإن فيه ترك القتل المستحق حقا لله بالمال ، وذلك لا ~~يجوز كقتل المرتد ومن عليه الرجم ، ولأنه في هذا إظهار المسلمين وصبيانا ~~فأدخلهم دار الإسلام ثم لحقهم آباؤهم وأبناؤهم بأمان ، فقالوا : نشتريهم ~~منكم ، فليس ينبغي أن يباعوا منهم قبل القسمة ولا بعد القسمة ، إلا عند ~~الحاجة الشديدة للمسلمين إلى المال في قول محمد رحمه الله وعلى ما قاله ~~أكثر المشايخ لا يجوز ذلك بحال ؛ لأنه مبادلة السبي بالمال فطريق البيع فيه ~~، وطريق المفاداة سواء . فإن قالوا : نشتريهم ونعتقهم ونتركهم في بلادكم ~~فهذا لا بأس به ؛ لأن المنع من إعادتهم إلى دار الحرب لما فيه من تقوية ~~المشركين على قتال المسلمين بأعيانهم إذا كثروا أو بنسلهم وفي هذا الفصل لا ~~يوجد هذا المعنى . وإذا كان يجوز لمن وقعوا في سهمه أن يعتقهم PageV04P1618 ~~فكذلك يجوز له أن يبيعهم ممن يعتقهم من أهل الذمة أو المستأمنين ، ولو جاء ~~أهل الحرب بأسراء المسلمين وقالوا : نفاديهم بفلان وفلان ولم يكن الذين ~~طلبوا بحضرة الأمير والمسلمين فأعطوهم عهدا إن دفعوا إليهم بهؤلاء ms0922 الأسارى ~~ليبعثن إليهم بالذين طلبوا من المشركين فاطمأنوا إلى المسلمين ودفعوا ~~الأسارى إليهم فالمستحب للمسلمين أن يفوا بما شرطوا لهم إذا دخلوا دار ~~الإسلام ؛ لأنهم التزموا ذلك ، والمؤمنون عند شروطهم ، ولأنهم لو تركوا ~~الوفاء بالمشروط لم يطمئنوا إلى المسلمين ، في مثله بعد هذا ، فربما يتضرر ~~به المسلمون . وإن لم يفعلوا ذلك كانوا في سعة منه ؛ لأن المقصود تخليص ~~المسلمين ، وقد حصل وحبسهم أسراء المسلمين ظلم منهم ، فإنما شرطوا لأنفسهم ~~، ما شرطوا بمقابلة ترك الظلم ، وذلك لا يتعلق به اللزوم . ولكن إذا كان في ~~أسراء المسلمين عبيد فبدا لهم في الوفاء بذلك الشرط فعليهم أن يبعثوا إليهم ~~بقيم العبيد ؛ لأنهم كانوا محرزين مالكين لهم ، فلذلك الشرط أعطيناهم ~~الأمان في أملاكهم الذين يسلمونه إلينا ، وقد تعذر ردهم عليهم ، لإسلام ~~العبيد ، فيجب رد قيمتهم ، بخلاف الأحرار فإنهم لم يملكوهم بالأسر . ~~PageV04P1619 ثم إن جاء مولى العبيد وأراد أخذهم كان له ذلك بالقيمة التي ~~بعث بها المسلمون إليهم ، فإن أبي كانوا عبيدا للمسلمين ؛ لأن قيمتهم أديت ~~من بيت المال ، فكأن المسلمين اشتروهم بها لبيت المال . وإن كان المسلمون ~~إنما افتدوا عبدا أسلم من أهل الحرب فهو حر ، حين اشتروه وقبضوه ، في قول ~~أبي حنيفة وقيمته للمشركين في بيت مالهم ؛ لأن العبد حين أسلم فقد أستحق ~~إزالة ملك الحربي عنه . وإذا تم ذلك كان زوالا بحرية ، كما لو خرج إلى ~~دارنا مراغما ، إلا أن تمام ذلك بالشراء ، والقبض جميعا ؛ لأن زوال يد ~~الحربي ما يكون بالتسليم ، وهو نظير ما بينا في السير الصغير إذا أسلم عبد ~~الحربي فباعه في دار الحرب من حربي آخر ، وهذا بخلاف العبد المأسور من ~~دارنا ، لأن ما بقي فيه من حق المولى مرعي ، فلمراعاة حقه لا يحكم بعتقه ، ~~ومثله لا يوجد في الذي أسلم من عبيدهم . وفي قول محمد رحمه الله تعالى هما ~~سواء ، لأن الشراء والقبض سبب لثبوت الملك فلا يجوز أن يكون مبطلا للملك ، ~~بخلاف خروجه إلينا على سبيل المراغمة ؛ PageV04P1620 لأنه سبب لملك نفسه ~~بطريق القهر ، والمملوك إذ ملك ms0923 نفسه على مولاه عتق ، ولهذا لو كان خروجه ~~إلينا بأمان لم يعتق ، ولكنه يباع ويدفع ثمنه إلى مولاه إذا جاء يطلبه . ~~لأن خروجه لم يكن على قصد المراغمة ، فلا يتملك به نفسه على مولاه . فإن ~~كان الأسراء الذين كانوا عندهم من المسلمين أحرارا ، فأبى مواليهم الذين ~~طلبوهم أن يبيعوهم ، فرأى الإمام أن يقومهم ويعطيهم قيمتهم من بيت المال ، ~~ويجبرهم على ذلك فلا بأس به ، لما فيه من الحاجة إلى تخليص أسراء المسلمين ~~من أيديهم ولما في امتناعهم من الضرر العام ، وقد بينا أن للإمام ولاية ~~الحجر على صاحب المال في مثله . فإن كانوا صاروا مدبرين أو أمهات أولاد ~~فأبى مواليهم أن يفعلوا ، أو كانوا قد أسلموا فإن الإمام يخبر أهل الحرب ~~الذين أخذ منهم الأسراء أنه : لا سبيل لدفع أصحابكم إليكم ، فإن شئتم دفعنا ~~إليكم قيمتهم ؛ لأنه إنما شرط لهم إعطاء عبيد فأما ما كانوا عبيد المسلمين ~~وقد تعذر إعطاؤهم فيعطيهم قيمتهم ، وإنما يعطيهم ذلك ليطمئنوا إلى المسلمين ~~PageV04P1621 في المستقبل ، فيعلموا أنا نفي بالشرط ، وهذا المقصود إنما ~~يحصل عند رضائهم ، فلهذا قدم استرضاءهم في ذلك ، فإن رضوا أعطاهم ذلك وإلا ~~فلا شيء لهم ، لأنه لو بعث ذلك المال إليهم من غير أن يرضوا به كان فيه ~~تضييع لذلك المال ، فإن المقصود به لا يحصل . ولو كان مسلم في دار الحرب من ~~أهل العسكر قهر علجا فأخذه ، فقال العلج : صالحني على أن أعطيك مائة دينار ~~، فأفتدي بها نفسي ، على أن تخلي سبيلي ، فليس ينبغي له أن يفعل به ذلك دون ~~الأمير ؛ لأن المأخوذ صار أسيرا وللإمام رأي في الأسراء ، وليس لأحد من أهل ~~العسكر أن يفتات على رأي الإمام . فإن فعل المسلم ذلك به فأخرج له مائة ~~دينار كانت معه ، فإنه ينبغي للمسلم أن يأخذ الدنانير ولا يخلي سبيله ؛ لأن ~~الدنانير التي كانت معه صارت مأخوذة بأخذه ، فلا يجوز له أن يفادي بعض ~~الغنيمة بالبعض ، ولكنه يأتى بذلك كله إلى الأمير . وإن لم تكن الدنانير مع ~~العلج ، ولكنه انتهى إلى حصن ms0924 ممتنع فأخذ من أهله مائة دينار ، بطريق ~~الاستقراض PageV04P1622 أو العطية ، فالأفضل بالمسلمين أن يردوا الدنانير ~~على من أعطاها إياه سواء كانت من مال العلج أو من مال غيره ؛ لأن هذه ~~الدنانير ما صارت مأخوذة بأخذ العلج ، لأنها لم تكن معه ، وإنما صارت في ~~أيدي المسلمين بطريق الأمان بالصلح ، وقد بينا أنه لا ينبغي له أن يخلي ~~سبيل العلج فيفتات على رأي الإمام في ذلك . وإذا تعذر عليه المجيء بها ~~جميعا شرعا كان عليه رد الدنانير والمجيء بالعلج إلى الأمير ، بخلاف الفصل ~~الأول ، وهناك أخذهما جميعا بالقهر ، فيتمكن شرعا من المجيء بهما ، فإن أخذ ~~الدنانير وأطلق العلج ثم جاء بها إلى الأمير وقص عليه القصة ، فإنه ينبغي ~~للأمير أن يتقدم بالنهي إليه عن مثل هذا الصنيع في المستقبل ، ولا يعاقبه ~~في المرة الأولى ، لأن فعله عن جهل منه فيعذره عملا بقوله صلى الله عليه ~~وسلم : أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ويأخذ الدنانير فيجعلها في غنيمة ~~المسلمين ، لأنه توصل إليها بمنعة المسلمين وبسبب كان أصله قهرا ، فإن ظفر ~~عسكر آخر من المسلمين بذلك العلج ، وأخرجوه إلى دار الإسلام بعد زمان ، ~~وقال أهل العسكر الأول : نحن أحق به لأن صاحبنا كان أخذه ثم أطلقه لم يكن ~~له ذلك ، PageV04P1623 لأن الحق في المأخوذ لا يتأكد قبل الإحراز ، ~~والإحراز فيه وجد من العسكر الثاني دون الأول . وإن قال العلج لأهل العسكر ~~الثاني : لا سبيل لكم علي ، لأن صاحبكم فلانا قد أمنني وأطلقني ، لم يلتفت ~~إلى قوله ، لأنه بلغ مأمنه وانتهى ما كان له من الأمان من الذي كان أخذه ~~أولا . ألا ترى أن الأمير نفسه لو كان فاداه أسراء من المسلمين ورأى أن يمن ~~عليه أو أن يفديه بمال وخلى سبيله حتى عاد إلى مأمنه ، ثم أخذه المسلمون ~~بعد ذلك كان فيئا ، وهذا لأن الأمير إنما صالحه بالمفاداة على أن يكون آمنا ~~حتى يصل إلى مأمنه ، لا على أن يكون آمنا في بلاده ، فما لم يصل إلى بلاده ~~فهو في أمان من المسلمين ، أما بعد ما ms0925 بلغ مأمنه فلا أمان له من المسلمين ، ~~وإن كان أصابه المسلمون قبل أن يبلغ مأمنه فأخذوه ، فالأمير بالخيار إن شاء ~~أجاز الصلح على مائة دينار ، وخلى سبيله ، وما أحب له أن يفعل ذلك ، لما ~~فيه من مفاداة الأسير بالمال ، وإن شاء جعله فيئا ورد الدنانير على أهل ~~الحصن ، الذين أخذت منهم ، لأنه ما لم يبلغ مأمنه فحاله في معنى حاله في ~~وقت الصلح ، ولو علم الإمام بحاله وقت الصلح كان له الخيار فيه ، كما بينا ~~، فهذا مثله ، والله تعالى الموفق . PageV04P1624 # باب فداء الأسراء من الأحرار والمملوكين بالمال # | وإذا أسر الحر من المسلمين ، أو من أهل الذمة ، فقال لمسلم أو ذمي ~~مستأمن فيهم : افتدني من أهل الحرب أو اشترني منهم ، ففعل ذلك ، وأخرجه إلى ~~دار الإسلام ، فهو حر لا سبيل عليه ، لأن فعل المأمور بأمره كفعل الآمر ~~بنفسه ، وهذا لأن الحر لا يملك بالأسر ولا بالشراء ، والمال الذي فداه به ~~المأمور دين له على الآمر ، لأنه أحياه بما أدى من المال حكما ، فهو بمنزلة ~~ما لو أمر من عليه القصاص رجلا أن يصالح أولياء الدم على مال ويعطيه ، ~~يوضحه : أن أمره بأداء الفداء محتمل يجوز أن يكون على سبيل التصدق به على ~~الأسير ، ويجوز أن يكون على سبيل الإقراض للأسير ، فإنما يثبت به أدنى ~~الأمرين عند الإطلاق ، ويجعل ذلك استقراضا من الأسير فيرجع عليه بجميع ما ~~أدى في فدائه إلى مقدار الدية ، دون الزيادة ، PageV04P1625 فإن كان فداه ~~بأكثر من الدية فإنما يرجع على الأسير بقدر الدية دون الزيادة ، وقيل ينبغي ~~على قياس قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه يرجع عليه بجميع ما أدى قل ~~ذلك أو كثر ، لأنه يراعى مطلق الأمر في الوكالات والأصح أن هذا قولهم جميعا ~~، لأن هذا ليس بتوكيل بالمبادلة من حيث المعنى ومن حيث الصورة ، وإن كان ~~فهو توكيل بالشراء ، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول في التوكيل ~~بالشراء : لا يخالفهما أنه عند الإطلاق تنفيذ بالشراء بالقيمة ، وقيمة الحر ~~قدر ديته ، فإنه يملك مطلق ms0926 الأمر أن يلزمه بالفداء مقدار الدية دون الزيادة ~~على ذلك ، فإذا فداه بأكثر من ذلك كان هو في الزيادة كالمتبرع بالفداء عنه ~~بغير أمره ، فإنما يرجع عليه بقدر الدية دون الزيادة ، فإن قيل : إن كان هو ~~في هذا العقد ممتثلا لأمره فينبغي أن يرجع عليه بجميع ما فداه به ، وإن كان ~~مخالفا لأمره فينبغي ألا يرجع عليه بشيء كالوكيل بالشراء إذا خالف واشترى ~~بأكثر من قيمة المبيع بغبن فاحش ، قلنا : هذا إنما يستقيم لو كان هذا العقد ~~معاوضة على سبيل المبادلة ، وليس كذلك ، فالحر المسلم ليس بمحل لذلك ، ~~وإنما كان الآمر مستقرضا من المأمور مقدار ديته أو دون ذلك وآمرا له أن ~~يصرف ذلك في فدائه ، فهو في ذلك القدر يكون مقرضا إياه ، وفيما زاد على ذلك ~~يكون متبرعا به ، فيرجع عليه بما أقرضه دون ما تبرع به . PageV04P1626 وعلى ~~هذا لو كان المأسور قال له : افتدني منهم بألف درهم فلم يتمكن المأمور من ~~ذلك حتى زاد فإنما يرجع عليه بالألف خاصة ؛ لأن الرجوع بحكم الاستقراض ، ~~وذلك في الألف خاصة وهذا بخلاف الشراء ، لأن الوكيل بالشراء بمنزلة المتملك ~~، ثم المملك من الآمر يرجع بما يملك به ، وعند الخلاف لا يتحقق التمليك منه ~~في شيء ، فلهذا لا يرجع عليه بشيء من الثمن . ولو كان المأسور قال للمأمور ~~: افتدني منهم بما رأيت أو بما شئت أو أمرك جائز فيما تفتديني به فإنه يرجع ~~عليه بما فداه به قل أو كثر ؛ لأنه صرح بالتعميم في التفويض فكان ممتثلا ~~أمره في جميع ما فداه به قل ذلك أو كثر . فإن كان المأسور مكاتبا فيأمر ~~المأمور بأن يفديه بمال ، فذلك جائز ، فيأخذ به المكاتب في الحال ؛ لأن في ~~فدائه بالمال إحياء له حكما . وله أن يلتزم المال فيمثله في الحال ، ألا ~~ترى أنه إذا صالح عن قصاص عليه على مال ، أو أمر PageV04P1627 غيره به ، ~~كان مأخوذا به في الحال وهذا لأن المكاتب أحق بكسبه فيما يرجع إلى حاجته ~~ويكون هو في ذلك كالحر كما في نفقته ms0927 ، فإن عجز قبل أداء الفداء فرد في الرق ~~بيع في ذلك الفداء ، لأنه دين ظهر وجوبه في حق مولاه ، فيباع فيه بعد العجز ~~إلا أن يقضي المولى عنه الدين بعد العجز ، وقيمة المكاتب في هذا الفصل ~~بمنزلة الدية في فصل الحر ؛ لأن بدل نفسه قيمته ، يظهر ذلك بالجناية عليه ، ~~إلا أن فرق ما بينهما ، أن مقدار الدية معلوم بالنص فلا يلزمه زيادة على ~~ذلك ، قلت الزيادة أو كثرت ، والقيمة تعرف بالحزر والظن ، فإن فداه بأكثر ~~من قيمته بقدر ما يتغابن الناس في مثله رجع عليه بجميع ذلك ، لأنه لا يتيقن ~~بالزيادة ها هنا بخلاف ما إذا كانت الزيادة بقدر ما لا يتغبن الناس فيه . ~~ولو كان المكاتب قال : افتدني منهم بخمسمائة ، وقيمته ألف درهم ففداه بألف ~~درهم أو أكثر لم يرجع على المكاتب إلا بخمسمائة ؛ لأنه استقرض منه مالا ~~مسمى ، فإنما يكون هو مقرضا في ذلك القدر ، PageV04P1628 فيكون متبرعا في ~~الزيادة على ذلك واعتبار القيمة عند عدم التصريح بمقدار ما استقرض منه ، ~~فأما عند التصريح بذلك فلا معتبر بالقيمة . ولو كان قال : افتدني منهم ~~بخمسة آلاف وقيمته ألف ، ففي قياس قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ذلك ~~كله لازم للمكاتب في مكاتبته ، وفي قول محمد رحمه الله تعالى إنما يرجع ~~عليه قبل العتق بمقدار قيمته فقط وأما الزيادة على ذلك فإنم يطالبه به بعد ~~العتق ، وهذا بناء على أصل معروف أن المكاتب والمأذون عند أبي حنيفة رضي ~~الله تعالى عنه في البيع والشراء بالغبن الفاحش بمنزلة الحر ، على قول أبي ~~يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يملكان البيع والشراء بالغبن الفاحش ، ~~فكذلك في الأمر بالمفاداة عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه هو بمنزلة الحر ~~، فيرجع المأمور عليه بجميع المسمى ؛ لأنه يصير مستقرضا منه ذلك القدر ، ~~وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هو لا يملك البيع بالمحاباة ~~الفاحشة ، كما لا يملك الهبة ، فيكون أمره في مقدار قميته صحيحا معتبرا في ~~حالة الرق وما زاد على ذلك بمنزلة ms0928 الهبة أو الكفالة منه ، والمكاتب لا يؤخذ ~~بضمان الكفالة حتى يعتق فهاهنا لا يرجع عليه المأمور بالزيادة ، على مقدار ~~قيمته ، حتى يعتق أيضا ولو PageV04P1629 كان إنما فدى الحر أو المكاتب بغير ~~أمرهما فكل واحد منهما على حاله كما كان فلا يرجع الفادي عليهما بشيء . ~~لأنهما لم يملكا بالأسر والفادي متطوع في الفداء . وإن كان المأسور مدبرا ~~أو أم ولد مأذون أو محجور فأمر رجلا أن يفديه من العدو بمال ففداه بمثل ~~قيمته أو أكثر فعليه رده على مولاه ؛ لأن المدبر وأم الولد لا يملكان ~~بالأسر . ثم لا يرجع عليهما بشيء من الفداء حتى يعتقا ، أما إذا كان محجورا ~~عليهما فغير مشكل ؛ لأنه لا معتبر بأمرهما في حق مولاهما . وإن كانا مأذونا ~~لهما فقد بطل حكم ذلك الإذن بالخروج من يد مولاه إلى يد أخرى قاهرة كما ~~يبطل بالإباق ؛ لأن فداء النفس بالمال بمنزلة الصلح عن القصاص على مال ~~والمأذون في ذلك والمحجور سواء لا يؤخذ ببدل الصلح إلا بعد العتق فكذلك ~~الفداء فإذا أعتق يرجع الفادي عليهما بما فداهما به ، إلا أن يكون فداهما ~~بأكثر من قيمتهما بقدر ما لا يتغابن الناس فيه فحينئذ لا يرجع عليهما ~~بالفضل . لأن اعتبار أمرهما في حقهما كاعتبار أمر المكاتب ، وقد بينا أن ~~ذلك عند الإطلاق يتقدر بالقيمة وهذا مثله . PageV04P1630 ولو كان المولى هو ~~الذي أمر هذا المستأمن أن يفديهما أو يشتريهما فقال : اشترهما أو افتدهما ، ~~ولم يقل لي ، فإن افتداهما بمثل القيمة أو بزيادة يسيرة يرجع على المولى ~~بجميع ذلك ؛ لأنهما باقيان على ملك المولى ، وأمر المولى إياه بأن يفدي ~~ملكه يكون استقراضا منه للمال ، بمنزلة أمر الحر في حق نفسه ، هذا لأن ~~الفداء بعد الأسر بمنزلة الصلح عن القصاص ، وأمر المولى بذلك معتبر في حياة ~~مدبره وأم ولده سواء أضاف ذلك إلى نفسه أو لم يضف فإن اختلف الآمر والمأمور ~~في جميع هذه الفصول التي ذكرنا فقال الآمر : أمرتك أن تفديني بكذا ، وقال ~~المأمور : بل أمرتني بكذا أكثر من ذلك ، فالقول قول ms0929 الآمر مع يمينه ؛ لأن ~~الأمر يستفاد من جهته ، ولو أنكره أصلا كان القول قوله ، وكذلك إذا أقربه ~~في مقدار دون مقدار . ولو قال الآمر : قد أمرتك أن تفديني بما ذكرت ولكنك ~~إنما فديتني بأقل من ذلك ، فالقول قول الآمر أيضا ؛ لأنه مستقرض للمال من ~~المأمور ، فإنما وقع الاختلاف بينهما في مقدار ما أقرضه إياه ، فالمقرض ~~يدعي الزيادة عليه ، فعليه أن يثبته بالبينة ، والمستقرض منكر للزيادة ~~فيكون القول قوله مع يمينه . ولو أن مولى المكاتب المأسور قال لرجل : اشتره ~~لي ، PageV04P1631 أو افتده لي بألف درهم ، أو قال : افتده بألف درهم من ~~مالي ففعل ذلك يرجع بالفداء على الآمر ، ولم يكن له على المكاتب شيء ؛ لأنه ~~لم يأمره المكاتب بشيء ، والآمر حين أضاف العقد أو المال إلى نفسه فقد جعل ~~نفسه ضامنا لذلك المال ، بمنزلة الفضولي في الخلع والصلح عن القصاص على مال ~~بالإضافة إلى نفسه ، يجعل ضامنا للمال فهذا مثله . وإن لم يقل لي ، ولكن ~~قال : بألف درهم ، فإن كان المأمور خليطا للآمر في المعاملات فكذا الأمر ؛ ~~لأن الخلطة القائمة بينهما بمنزلة الإضافة إلى نفسه أو أقوى منه في حصول ~~معنى الاستقراض به . وإن لم يكن بينهما خلطة فهو متطوع في الفداء ؛ لأنه ~~أشار إليه بأن يكتسب سبب اصطناع المعروف ولم يضمن له شيئا ولا أشار عليه ~~بشيء . وكذلك إن كان المأسور حرا أو حرة والآمر زوجها أو بعض قرابتها أو ~~أجنبي ، فعند إضافة العقد أو المال إلى نفسه يصير ضامنا للمال ، وعند عدم ~~الإضافة إن كان المأسور PageV04P1632 خليطا له فكذلك ، وإن لم يكن خليطا له ~~فهو مشير عليه بمشورة فلا يرجع عليه بشيء ، وإن كان المأسور صغيرا فقال ~~أبوه لرجل : افتده لي أو من مالي رجع المأمور بالفداء على هذا الوالد ؛ ~~لأنه ضمن له ذلك . ثم لا يرجع به الوالد في مال الولد استحسانا ، وفي ~~القياس يرجع لقيام ولايته عليه ، وهذا نظير القياس والاستحسان فيما إذا زوج ~~الأب ابنه امرأة وضمن الصداق وأداه من ماله ، فإنه يرجع فيه على ولده ms0930 في ~~القياس ، وفي الاستحسان لا يرجع ؛ لأن العادة الظاهرة أن الآباء بمثل هذا ~~يتبرعون ، وفي الرجوع لا يطمعون فكذلك في الفداء . فإن لم يرده الوالد حتى ~~يموت كان ذلك دينا في تركته باعتبار ضمانه لذلك ، ولكن يرجع به الورثة في ~~مال الولد على قياس الصداق ، إذا ضمنه فمات قبل أدائه فأخذ من تركته ، ~~والمعنى فيهما أن هذا الضمان بطريق الصلة منه لولده ، وتمام الصلة بالقبض ، ~~فإذا مات قبل الأداء لو نفينا معنى الصلة كان ذلك وصية ، ولا وصية للوارث . ~~PageV04P1633 وإن كان الوالد حين أداه في حياته أشهد أنه يؤديه ليرجع به ~~على ابنه فكذلك له في الصداق ، وهذا لأن العرف إنما يعتبر عند عدم التصريح ~~بخلافه . وإن كان قال للمأمور : افتده ، ولم يقل : لي ، فإن كان المأمور ~~خليطا له فهذا والأول سواء ؛ لأن الخلطة القائمة بينهما دليل الاستقراض ~~بمنزلة إضافة العقد إلى نفسه . وإن لم يكن خليطا له كان ذلك جائزا للذي فدى ~~على الغلام ببيعه به ولا سبيل له على الأب ؛ لأن أمر الأب جائز على ابنه ~~الصغير ، فكذلك مباشرة أمر المأسور بنفسه لو كان بالغا ولا رجوع على الوالد ~~، لأنه كان معبرا عن الولد لا ضامنا شيئا حين أطلق الأمر بالفداء ، وهو ~~نظير النكاح إذا قبل الأب العقد على ولده الصغير ، فإن الصداق يجب على ~~الولد دون الأب فهذا قياسه . ولو كان المأسور وكل رجلا بأن يأمر المستأمن ~~حتى يفديه من العدو وقال الوكيل للمستأمن : افتده لي من العدو أو قال : من ~~مالي ففعل ذلك ، كان الفداء للمأمور على الوكيل خاصة ؛ لأنه بإضافة العقد ~~أو المال إلى نفسه صار ملتزما المال للمأسور بمنزلة PageV04P1634 المستقرض ~~منه ، فيكون رجوعه عليه ، ولا رجوع له على المأسور لأنه ما جرى بينهما ~~معاملة ، ولكن الوكيل هو الذي يرجع على المأسور . وكذلك إن لم يقل : لي ، ~~ولكن المأمور كان خليطا للوكيل لأن قيام الخلطة بينهما بمنزلة إضافة العقد ~~أو المال نفسه ، وإن لم يكن بينهما خلطة ، فلا شيء للمأمور على الوكيل ؛ ~~لأنه معبر عن ms0931 الموكل بإضافة العقد إليه بقوله : افتده فلانا . والمعبر ليس ~~عليه من المال شيء ، ولكن المال للمأمور على المأسور ؛ لأن عبارة وكيله ~~قائمة مقام عبارته ، فكأنه أمره بذلك بنفسه ، وهذا لأن الوكيل متى كان ~~عاقدا بالإضافة إلى نفسه لم يكن المأسور عاقدا مع المأمور متى كان الوكيل ~~معبرا كان المأسور هو العاقد . وإنما نظيره الوكيل بالخلع من جهة المرأة ~~إذا ضمن المال ، فإن رجوع الزوج يكون على الوكيل خاصة دون المرأة ، وإذا لم ~~يضمن المال كان رجوعه على رجوعه على المرأة دون الوكيل ، للمعنى الذي قلنا ~~، فإن كان المأسور عبدا أو أمة فأمر مستأمنا فيهم أن يشتريه أو يفتديه منهم ~~ففعل ذلك بمثل قيمته أو أقل أو أكثر فهو جائز ، وهو عبد لهذا المشتري ؛ ~~لأنهم ملكوه بالإحراز . PageV04P1635 ولو اشتراه منهم هذا الرجل ، بدون ~~مشورة المملوك وكان مشتريا لنفسه فكذلك إذا اشتراه بعد مشورة المملوك ؛ لأن ~~قوله : اشتر لي يعد مشورة . ألا ترى أنه لو كان هذا في دار الإسلام فاشتراه ~~من مولاه كان مشتريا لنفسه قبل هذه المشورة وبعدها . فإذا أخرجه يخير مولاه ~~فإن شاء أخذه بالثمن وإن شاء تركه ، وإن قال : اشتر لي ، لنفسي منهم ، أو ~~افتدني لنفسي ، فإن اشتراه بقيمته أو بغبن يسير وأخبرهم أنه يشتري لنفسه ~~فالعبد حر لا سبيل عليه ؛ لأنه قد جعل المأمور نائبا لنفسه . ولو جعله ~~إنسان آخر نائبا لنفسه في الشراء كان مشتريا للمنوب عنه وجعل المنوب عنه في ~~حكم هذا العقد كأنه باشر العقد بنفسه ، فهاهنا ، يجعل العبد في حكم هذا ~~العقد كأنه اشترى نفسه من مولاه فيعتق ثم للمأمور أن يرجع بالفداء على ~~العبد ؛ لأن شراءه العبد كشرائه لأجنبي آخر بأمره ، وهناك إذا أدى الثمن من ~~ماله رجع به على الآمر ، فهاهنا أيضا يرجع على الآمر ، لأن أمره في حق نفسه ~~صحيح ، وصار هو كالمستقرض لذلك المال منه . PageV04P1636 فإن كان العبد ~~مدبرا أو مكاتبا أو كانت أم ولد والمسألة بحالها ، لم يعتق ؛ لأنهم لم ~~يملكوه بالإحراز بل هو باق على ملك مولاه ms0932 ، ألا ترى : أن الحربي لو أعتقه ~~لم ينفذ عتقه فيه ، ولو أسلم عليه وجب رده إلى مولاه بخلاف ما سبق ، فسواء ~~قال : اشترني ، أو قال : اشترني لنفسي ، إذا أخرجه فهو مردود على مولاه ~~بغير شيء . لأن المشتري متبرع في فداه ملكه بغير أمره ، فلا يرجع عليه بشيء ~~منه . ولو كان العبد أو الأمة قال للمأمور : اشترني لنفسي ، فاشتراه ، ولم ~~يخبر أهل الحرب أنه يشتريه لنفسه ، فهو مملوك للذي اشتراه ؛ لأنه لم يمكن ~~أن يجعل مشتريا للعبد حين لم يخبر مالكه به ، فإن بشرائه للعبد يكون ~~استحقاق الولاء للمولى يثبت في دار الحرب ، كالنسب ، وشراؤه لنفسه يكون ~~تملكا ، فإذا لم يخبر مالكه ، فلم يوجد من المالك الرضاء بعتقه عليه ، ~~ولزوم الولاء إياه ، ولا يجوز إلزام الولاء أحدا بغير رضاه ، بخلاف ما إذا ~~أخبر مولاه بذلك ، وإن كان اشتراه بأكثر من قيمته مما لا يتغابن الناس فيه ~~. ولو أخبرهم أنه يشتريه له فهو مملوك للمشتري ؛ لأن مطلق الأمر بالشراء ~~ينصرف إلى الشراء بالقيمة أو بزيادة يسيرة . PageV04P1637 كما لو كان الآمر ~~غيره ، فإذا اشترى بأكثر من ذلك صار مخالفا له ، فكأنه اشتراه بغير أمره ~~فكان مشتريا لنفسه . وكذلك لو كان المملوك قال له : اشترني لنفسي بألف درهم ~~فقال : بيعونيه لنفسه بألف درهم ، ففعلوا عتق العبد ؛ لأن هذا إعتاق يجعل ~~كما لو كان العبد هو الذي يخاطبهم به ، فلا تقع الحاجة إلى قبوله ثانيا ، ~~ولكنه يعتق وولاؤه لبائعه . ولو قال : بعنيه بألف درهم ، ولم يقل لنفسه ، ~~كان مملوكا للمشتري يأخذه مولاه بالثمن إن شاء ؛ لأن الحربي لم يلتزم ولاءه ~~حين لم يخبره أنه يشتريه له . ولو قال : بعنيه بألف درهم لنفسه ، فباعه ~~الحربي منه فلا بد من قبوله ، وبعد القبول يكون ملكا له ؛ لأنه خالف ما ~~أمره به نصا فكأنه اشترى بغير أمره . ولو كان قال له : اشترني لنفسي بما ~~شئت فاشتراه وبين لأهل الحرب أنه يشتريه لنفسه عتق العبد بأي ثمن اشتراه ؛ ~~لأنه فوض الأمر إلى الوكيل أمرا عاما ، فيكون هو ممتثلا أمره ms0933 ، فيرجع بما ~~أدى عليه من الفداء بالغا ما بلغ . PageV04P1638 فإن اختلفا فيما فداه به ~~فقال العبد : فداني بخمسمائة وقيمته ألف وقال المأمور : فديته بألفين ، ~~فالقول قول العبد مع يمينه إلا أن يقيم الآخر البينة ؛ لأن المأمور يدعي ~~لنفسه زيادة دين في ذمة العبد ، وهو منكر له ، فالقول قول المنكر مع يمينه ~~. وعلى المدعي للزيادة البينة ، فإن قيل : لم لا يصار إلى التحالف بينهما ، ~~بمنزلة ما لو اختلف الموكل والوكيل في الثمن ، قلنا : أما على قول أبي ~~حنيفة رحمه الله تعالى ، فلأن العبد قد عتق ، ومن أصله أنه لا يصار إلى ~~التحالف بعد تغير السلعة ولكنه تعتبر فيه الدعوى والإنكار ، وأما عند محمد ~~رحمه الله تعالى ، فلأن المصير إلى التحالف بعد تغير السلعة في موضع يمكن ~~فيه فسخ العقد على القيمة ، وها هنا لا وجه لذلك ، لأن بالعتق لا يسلم ~~للعبد مال من جهة المأمور حتى يقال : تلزمه القيمة باعتبار ذلك ، فهو ~~بمنزلة الآجر والمستأجر يختلفان في مقدار الأجر بعد استيفاء المنفعة ، ~~وهناك لا يصار إلى التحالف ، ولكن يجعل القول قول المنكر للزيادة مع يمينه ~~. ولو لم يقل المأمور لأهل الحرب : إني اشتريته لنفسه كان مملوكا له إذا ~~اشتراه ؛ لأن بائعه ما رضي بعتقه عليه وثبوت ولايته له . فإذا أخرجه كان ~~للمأمور منه أن يأخذه بما اشتراه به إن شاء فإن اختلفا في ذلك فالقول قول ~~المشتري مع PageV04P1639 يمينه ، وكذلك إن اختلفا في جنس العقد بأن قال ~~مولاه : وهبه لك أهل الحرب ، فأنا آخذه بقيمته ، وقال المشتري : اشترنيه ~~منهم بألفي درهم فالقول قول المشتري ، وقد تقدم بيان هذا الفصل قبل إقامة ~~البينة ، وبعد ذلك فيما اختلفوا فيه ، وفيما اتفقوا عليه ، وأنه بمنزلة ~~الشفعة وإن لم ينص على قول أبي يوسف رحمه الله في هذا الموضع إذا أقاما ~~البينة ، ولو كان مولى العبد المأسور قال للمستأمن : اشتره لي منهم ، أو ~~اشتره من مالي ، فإن اشتراه بقيمة فالعبد للآمر ؛ لأنهم ملكوه بالإحراز ، ~~فكان أمر المولى القديم بأن يشتريه له وأمر أجنبي آخر في ms0934 أنه يتناول العقد ~~بقيمته أو بغبن يسير سواء . وإذا اشتراه بغبن فاحش كان مخالفا مشتريا لنفسه ~~، ثم يكون لمولاه القديم الخيار ، إن شاء أخذه منه بما اشتراه به وإن شاء ~~تركه . ولو كان قال له : اشتره ولم يقل : لي ولا من مالي ، فهذه مشورة أشار ~~بها عليه ، فيكون المخاطب مشتريا لنفسه ينفذ فيه تصرفاته ، بمنزلة ما لو ~~اشتراه قبل هذه المشورة ، PageV04P1640 وهو نظير رجل قال لغيره : اشتر عبد ~~فلان ، ولم يقل : لي ولا من مالي ، فإن ذلك مشورة لا توكيل ، بخلاف قوله : ~~اشتره لي بما شئت فقد فوض الأمر إليه عاما فيكون مشتريا له بأي ثمن كان . ~~فإن اختلف الآمر والمأمور فيما اشتراه به تحالفا وترادا لأن الوكيل مع ~~الموكل بمنزلة البائع مع المشتري في حكم التحالف عند الاختلاف في الثمن ~~لأنه يحلف الآمر على العلم ؛ لأنه استحلاف على فعل الغير . ويبدأ اليمين به ~~، لأنه بمنزلة المشتري ، والبداية بيمين المشتري في قول أبي يوسف رحمه الله ~~، والآخر وهو قول محمد رحمه الله تعالى ، وقد بيناه في كتاب البيوع . فإن ~~أقاما البينة ، فالبينة بينة المأمور ؛ لأنه يثبت الزيادة ببينة . وإن كان ~~الآمر أعتقه قبل اختلافهما فهو حر ؛ لأنه أعتق ملكه ثم إذا اختلفا بعد ذلك ~~فالقول قول الآمر ، في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قول محمد رحمه الله ، ~~يتحالفان بناء على اختلافهما في البائع والمشتري ، يختلفان في الثمن بعد ~~تغير السلعة ، على وجه لا يحتمل العقد الفسخ فيه . PageV04P1641 ولو كان ~~المأسور حرا أو مكاتبا ، فأمر رجلا يشتريهما ، فاشتراهما معا بخمسة آلاف ~~درهم كان الفداء عليهما جميعا ، يقسم على الدية وعلى قيمة المكاتب ؛ لأن ~~المعتبر في باب الحر في الفداء ديته ، وفي المكاتب قيمته بدليل ما سبق أنه ~~إذا اشترى كل واحد منهما بذلك القدر أو أقل يرجع عليه بجميع ما اشتراه به ، ~~فإذا أضاف الفداء إليهما مطلقا يتوزع عليهما ، باعتبار بدل نفس كل واحد ~~منهما ، وإن كان افتداهما بخمسة عشر ألفا وقيمة المكاتب ألف درهم ، فقد فدى ~~كل واحد منهما ms0935 بأكثر من بدل نفسه بما لا ينغابن الناس فيه ، وهو لا يستوجب ~~الرجوع على كل واحد منهما إلا بقدر بدل نفسه ، فيرجع على الحر بعشرة آلاف ~~درهم ، وعلى المكاتب بقيمته ، وزيادة بقدر ما يتغابن الناس فيه ، لما بينا ~~أن طريق القيمة بقدر ما يتغابن الناس فيه يكون عفوا ، وإن كانا قالا له : ~~افتدنا بما شئت ففداهما بعشرين ألفا ، قسم ذلك كله على أحد عشر سهما ~~باعتبار مقدار الدية ، وقيمة المكاتب إن كانت ألف درهم وإن كانت ألفين ، ~~قسم ذلك كله أسداسا باعتبار أنه يجعل كل ألفين بينهما ، فما أصاب الحر رجع ~~المأمور به عليه ، ما أصاب المكاتب وهو السدس رجع به عليه في حالة الكتابة ~~، في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وفي قول محمد رحمه الله إنما يرجع عليه في ~~مكاتبته بمقدار قيمته وزيادة ما يتغابن الناس فيه ، وما زاد على ذلك فإنما ~~يرجع به عليه بعد العتق . لأنه في التزام الزيادة متبرع ، بمنزلة التزامه ~~بالكافلة ، وقد تقدم نظيره . PageV04P1642 فإن قالا جميعا للذي فداهما حين ~~أخرجهما : ما فديتنا بشيء ، ولكنهم وهبونا أو أخرجنا بغير علمهم ، فالقول ~~قولهما مع يمينهما على علمهما ؛ لأن المأمور يدعي عليهما دينا في ذمتهما ~~لنفسه ، بسبب هما ينكران ذلك السبب ، واليمين على العلم ، لأنهما يستحلفان ~~على فعل المأمور فأيهما نكل عن اليمين لزمه حصته من الفداء ، لأن نكوله ~~كإقراره ، وذلك صحيح في حقه لا في حق صاحبه ، فإن حلف الحر ونكل المكاتب أو ~~أقر أنه فداه ، فإن على قول محمد رحمه الله يلزم المكاتب حصته من الفداء ، ~~فإن مقدار قيمته يؤخذ به في مكاتبته ، وإن كان أكثر من ذلك ، فإنما يؤخذ ~~بالفضل بعد العتق ، وفي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يقضي عليه ~~بحصته بالغا ما بلغ ، فيكون دينا عليه في حال كتابته إن صدقه مولاه في ذلك ~~أو كذبه ، فإن عجز المكاتب نظر ، فإن كان المولى صدق الفادي بيع له المكاتب ~~إلا أن يفديه مولاه ، لأن ذلك دين ظهر وجوبه في حق مولاه ، وإن ms0936 كان كذبه في ~~ذلك بطل ذلك عند العجز ، إن كان لم يؤد شيئا منه ، وإن كان أدى بعضه جاز ما ~~أدى وبطل ما بقي حتى لا يأخذ دينا كان واجبا عليه بإقراره بسبب ليس من ~~التجارة في شيء فلا يطالب به بعد العجز ما لم يعتق ، في قول أبي حنيفة رحمه ~~الله بمنزلة ما لو أقر المكاتب بجناية خطأ على نفسه فقضي عليه بقيمته ، ثم ~~عجز قبل الأداء ، أو كان عليه قصاص فصالح عنه على مال ، ثم عجز قبل الأداء ~~، فإنه لا يؤاخذ به حتى يعتق في قوله . PageV04P1643 وفي قول محمد رحمه ~~الله هناك يباع فيما توجهت المطالبة عليه في الكتابة بعد العجز فكذلك ها ~~هنا يباع في الفداء صدقه المولى في ذلك أو كذبه ، ولو كان مولى المدبر وأم ~~الولد أمر المستأمن بفدائهما ، ثم اختلف الآمر والمأمور فيما فداهما به أو ~~في أصل الفداء ، فالقول قول الآمر وعلى المأمور البينة ؛ لأن أهل الحرب ما ~~ملكوهما بالإحراز ، فحاصل الاختلاف في الدين الواجب للمأمور على الآمر ، ~~إما في أصل سببه أو في مقداره ، فيكون القول قول المنكر ، بخلاف العبد ~~فهناك قد أحرزه أهل الحرب ثم عاد إلى ملك المولى بالعقد بالصفة المذكورة ~~التي باشرها المأمور ، فإذا وقع الاختلاف بينهما في جنس ذلك العقد ، أو في ~~مقدار البدل وجب المصير إلى التحالف . ولو كان المأسور عبدا فقال أجنبي ~~للمستأمن : اشتره لي منهم أو اشتره لي من مالي فالعبد للآمر ؛ لأن أهل ~~الحرب ملكوه فهذا رجل وكل غيره بأن يشتري له عبدا من مولاه ، وقد اشتراه له ~~، فكان مطالبا بالثمن من جهته ، ويجعل هو في حق المولى القديم كأنه اشتراه ~~بنفسه حتى يأخذه منه بالثمن إن شاء ، فإن وجده المولى القديم في يد المأمور ~~كان هو خصما له قبل أن يحضر الآمر ، لأن حق الأخذ بالثمن قد ثبت له بعقد ~~المأمور ، فيتمكن من أخذه من ملكه قبل حضور الآمر بمنزلة الشفيع فإن كان ~~الأجنبي قال للمستأمن : اشتره ، فقد بينا أن هذه مشورة وأن ms0937 المخاطب يكون ~~مشتريا لنفسه ، فلمولاه أن يأخذه من يده بالثمن . PageV04P1644 ولو قال له ~~: اشتره بهذه الألف ، ودفعها إليه أو لم يدفعها فهو للآمر ؛ لأن إضافة ~~العقد إلى مال نفسه بالإشارة كإضافته إلى مال نفسه بالكتابة ، بأن قال : ~~بألف درهم من مالي ، وإضافته إلى مال نفسه ، بمنزلة إضافته إلى نفسه ، وفي ~~كل موضع كان شراؤه للآمر وأدى القيمة من مال نفسه ، فله أن يحبسه حتى ~~يستوفي الثمن ، كما هو الحكم في الوكيل مع الموكل ، وعلى هذا لو مات في يده ~~قبل الحبس أو بعد الحبس ، فحاله كحال الوكيل ، بل هو ذلك بعينه . ولو كان ~~المأسور عبدا لمسلم ، واكتسب عندهم مالا ثم خرج بماله إلى دارنا مراغما ~~لمولاه ، فأخذه المسلمون وما معه ، ثم حضر المأسور منه ، فإنه يأخذه بغير ~~شيء ، ولا سبيل له على ماله ، وإنما لا يعتق هذا العبد ، لمراعاة حق ~~المأسور منه ، فقد كان له حق إعادته إلى قديم ملكه متى وجده في دار الإسلام ~~خارجا من ملك الأسير بخلاف عبد الحربي إذا خرج إلينا مراغما لمولاه مسلما ~~فهناك لا حق فيه لغير الحربي ، وحقه فيه غير مرعي بعدما خرج إلى دارنا ، ~~وها هنا فيه حق المأسور منه ، وحقه مرعي ، فلهذا لا يعتق ولكن يأخذه مولاه ~~بغير PageV04P1645 شيء ، بمنزلة ما لو أخذه في الغنيمة قبل القسمة فأما ~~ماله فلا حق فيه للمولى القديم ؛ لأنه ليس بمال اكتسبه على ملكه ، وإنما ~~اكتسبه على ملك الحربي ، ومال الحربي متى وجد في دار الإسلام ولا أمان له ~~فهو فيء لجماعة المسلمين ، في قول أبي حنيفة رضي الله عنه كنفس الحربي ، ~~وأما في قول محمد رحمه الله فالمال لمن أخذه من المسلمين ويخمس في هذه ~~الراوية . وقد بينا أن في الخمس روايتين عن محمد في نفس الحربي إذا دخل ~~دارنا بغير أمان فأخذه واحد فكذلك في ماله ، والباقي للآخذ يختص به وإن كان ~~أخذه المولى القديم ففي قول محمد ، رحمه الله تعالى ، هذا وما سبق سواء ~~كذلك في قول أبي حنيفة رضي الله عنه ms0938 ، العبد له ولا خمس فيه . لأنه أعاده ~~إلى قديم ملكه ، وماله فيء للمسلمين ، لأن في حق المال هو كغيره في الأخذ . ~~ولو كان العبد جاء بذلك المال إلى دار الإسلام بأمان يتجر به لمولاه الحربي ~~، فلا سبيل للمولى القديم عليه ؛ لأن ملكه لم يزل عنه ، ولو كان هو الذي ~~أخرجه بأمان لم يكن للمولى القديم عليه سبيل ، فكذلك إذا خرج العبد . ولكن ~~الإمام يبيعه ، لأنه مسلم فيتعذر تمكينه من الرجوع إلى دار الحرب ، ليستديم ~~الحربي ملكه فيه فيبيعه PageV04P1646 الإمام ويقف ثمنه مع المال الذي في ~~يديه لمولاه الحربي ليجيء فيأخذه ؛ لأنه حكم الأمان قد ثبت في هذا المال ~~للحربي . فإن أراد المأسور منه حين باعه الإمام أن يأخذه من المشتري بالثمن ~~لم يكن له ذلك ؛ لأنه حصل في دارنا ، ولا حق للمولى القديم في أخذه فلا ~~يثبت حقه بعد ذلك ، بمنزلة ما لو أسلم مولاه ، أو صار ذميا ثم باعه من آخر ~~. فإن كان العبد مدبرا ، والمسألة بحالها في الوجهين ، إن جاء مراغما أو ~~بأمان ، فهو وماله الذي اكتسبه كله مردود على المأسور منه ؛ لأنه لم يخرج ~~من ملكه بإحراز المشركين ، وإنما اكتسب المال وهو مملوك له ، والكسب يملك ~~بملك الأصل ، فلهذا قلنا : بأن ذلك كله مردود على مولاه بغير شيء . فإن كان ~~كسبه من تجارة أو هبة وهبوه له فلا خمس فيه ؛ لأنه حصل في يده لا على وجه ~~القهر فلا يثبت فيه حكم الغنيمة . وإن كان أخذه بغير طيب أنفسهم خمس ذلك ~~المال ؛ لأنه أخذه بطريق القهر . PageV04P1647 وقد بينا هذا الحكم في الحر ~~المأسور إذا خرج بمال ، فكذلك في المدبر إلا أن هناك الباقي بعد الخمس ~~للأسير وها هنا لمولاه ؛ لأن المدبر ليس من أهل الملك قال : ولو أن أمة ~~مأسورة ولدت أولادا من فجور أو زوج حربي ، ثم خرجت هي وأولادها مراغمين ~~لمولاهم الحربي ، أو خرجت هي مراغمة ، ومعها ابن لها صغير ، فأخذها ~~المسلمون ، فهي فيء وأولادها فإن أصابها مولاها قبل القسمة أخذها وأخذ ~~أولادها بغير شيء ms0939 ، أو بعد القسمة بقيمتهم يوم وقعوا في سهم الذين صاروا له ~~؛ لأن ولدها جزء منها ، والحق الذي كان ثابتا للمولى القديم فيها يثبت في ~~أولادها باعتبار الجزئية ، ثم قيام حقه فيهم يمنع ثبوت الحرية لهم بالخروج ~~على وجه المراغمة بخلاف الكسب فهو متولد من عينها ، فلا يثبت فيه حق المولى ~~القديم ، بل هو مال الحربي فيكون فيئا للمسلمين . ولو كان هي دخلت وأولادها ~~بأمان فلا سبيل للمولى القديم عليها ولا على أولادها صغارا كانوا أو كبارا ~~، ولكن يبيعهم الإمام ؛ PageV04P1648 لأنهم مسلمون بإسلامهم فيبيعهم ، ويقف ~~ثمنهم حتى يقدم الحربي فيأخذها باعتبار الأمان . ولو كانت مدبرة للمولى ~~القديم ردوا جميعا عليه ؛ لأنها لم تخرج عن ملكه بالأسر ، وأولادها ~~بمنزلتها ، لا يملكهم الحربي أيضا لأن ولد المدبرة مدبر ، فلهذا ردوا على ~~المولى ، سواء خرجوا مراغمين أو غير مراغمين بغير شيء ، والله الموفق ~~والمسدد . PageV04P1649 # باب المفاداة بالأسراء وغيرهم من الأموال # | قال : وإذا رغب أهل الحرب في مفاداة أسارى المسلمين بالمال فلا ينبغي ~~للمسلمين أن يفادوهم بالأسراء ولا بالكراع والسلاح ؛ لأن منفعتهم في دفع ~~المال إليهم دون منفعتهم في رد المقاتلة أو دفع آلة القتال إليهم ، ألا ترى ~~أن حمل الأموال إليهم للتجارة جائز ، وحمل السبي والكراع والسلاح إليهم ~~للتجارة حرام . وإن كرهوا المفاداة بالمال ورغبوا فيه بالكراع والسلاح ، ~~فلا ينبغي لهم أن يفادوهم بالأسراء ؛ لأن حكم دفع الكراع والسلاح إليهم ~~أهون من حكم رد المقاتلة عليهم ، ألا ترى أنه يجب قتل المقاتلة منهم إذا ~~تمكن المسلمون من ذلك ، ولا يجب إتلاف الكراع والسلاح عليهم . فإن كرهوا ~~ذلك أيضا فحينئذ يجوز المفاداة بالأسراء ، ولو رغبوا في المفاداة بمال عظيم ~~فيه إجحاف PageV04P1650 بالمسلمين في بيت مالهم ، فإنه يجوز فماداتهم ~~بالأسراء دون المال ؛ لأن هذه حالة الضرورة ، وعند الضرورة تجوز مفاداة ~~الأسراء منهم بالمال على رواية الكتاب ، وفيه تحصيل منفعة المال للمسلمين ، ~~فلأن يجوز مفاداة الأسراء بالأسراء لإبقاء المال الذي يحتاج المسلمون إليه ~~في أيديهم كان أولى . ولو أن أقواما من أهل الحرب استأمنوا إلى عسكر ~~المسلمين ms0940 للفداء فقالوا : أمنونا على أنفسنا وأموالنا وما جئنا به من ~~الأسراء ففعل المسلمون ذلك ، ثم لم يتفق الصلح والمفاداة ، فأرادوا الرجوع ~~، فإنهم لا يمكنون من أن يرجعوا إلى دارهم بأحد من المسلمين ، وقد بينا هذا ~~الحكم فيما إذا استأمنوا إلى دار الإسلام ، فكذلك إذا استأمنوا إلى العسكر ~~في دار الحرب ، ولكن يؤخذ الأحرار والحرائر من المسلمين أو من أهل الذمة ~~منهم مجانا شاءوا أو أبوا ؛ لأنه ظالمون في حبس الأحرار . وكذلك كل من لم ~~يملكوه بالأسر والإحراز فأما من ملكوه من العبيد والإماء فإنا نأخذهم منهم ~~ونعطيهم قيمتهم ؛ لأنهم ملكوهم بالإحراز ، وقد أعطيناهم الأمان على أموالهم ~~، فللوفاء بالأمان يعطون قيمتهم بعد الأخذ منهم ، لتعذر تركهم حتى يرجعوا ~~بالمسلمين إلى دار الحرب فيستخفوا بهم . PageV04P1651 ثم إذا أخرجهم العسكر ~~إلى دار الإسلام ، فإن شاء مواليهم أخذوهم بتلك القيمة ؛ لأن سلامتهم للجيش ~~كان بما أدوا من القيمة . بخلاف ما لو أخذوهم قهرا بغير أمان ، فإن هناك ~~للموالي حق الأخذ مجانا ، قبل القسمة ، وهذا بخلاف ما إذا استأمنوا إلى ~~دارنا ومعهم العبيد فأجبروا على بيعهم فباعوهم ثم حضر الموالي ؛ لأن هناك ~~حصلوا في دارنا وليس للموالي حق الأخذ فيهم ، فبالانتقال من ملك إلى ملك لا ~~يثبت لهم حق الأخذ ، وها هنا ما حصلوا في دارنا إلا وحق الأخذ للموالي ثابت ~~، فكان هذا وما لو دخل مسلم إليهم بأمان فاشتراه وأخرجهم سواء . وإن خرجوا ~~إلى العسكر وليس معهم الأسراء وقد كانوا خبئوهم في موضع إلا أنهم حيث لا ~~يكونون ممتنعين منا في ذلك الموضع فهذا والأول سواء ، يؤخذ منهم العبيد ~~والإماء ويعطون قيمتهم ؛ لأنهم ما لم يصلوا إلى مأمنهم فهم في أماننا ، ~~وذلك يمنع أخذ ملكهم منهم مجانا . PageV04P1652 وإن كانوا خبئوهم في مأمنهم ~~ومنعتهم ، والمسألة بحالها ، فبعثنا سرية فأصابتهم ، فلا سبيل لأهل الحرب ~~عليهم ، في طلب العين ولا القيمة ؛ لأنهم لما وصلوا إلى مأمنهم فقد انتهى ~~حكم الأمان بينا وبينهم ثم أصبنا ما أصبنا من قوم هم حرب لنا ، فكان هذا ~~وما قبل مجيئهم بأمان ms0941 في الحكم سواء . وإذا خرجت العبيد والإماء إلى دار ~~الإسلام أخذهم الموالى قبل القسمة بغير شيء ، وبعد القسمة بالقيمة إن أحبوا ~~، وإن وقع الصلح فيما بيننا وبينهم على المفاداة بالمال ثم أصابهم سرية من ~~المسلمين في الموضع الذي خبئوهم فيه ، فإن كان ذلك الموضع بالقرب من عسكر ~~المسلمين ، حيث لا يكون لهم فيه منعة فعلى الأمير أن يفي لهم بالصلح ، ~~ويعطيهم المال ، وإن كانوا أصابوهم في منعتهم فقد انتقض الصلح ، وليس على ~~المسلمين أن يعطوهم شيئا من المال ؛ لأن حكم الأمان لم يتناول ما في منعة ~~أهل الحرب ، وقد تناول ما في منعة المسلمين ، فحالهم إذا كانوا بالقرب من ~~العسكر كحالهم إذا كانوا معهم في أيديهم ، وحالهم إذا كانوا في منعتهم ~~كحالهم قبل أن يستأمنوا ، فإذا حصل مقصود المسلمين بطريق القهر المباح قلنا ~~: ليس عليهم أداء شيء من PageV04P1653 المال ، لأنهم ما سلموا لنا بحكم ~~الصلح شيئا ، ولكن تحقق عجزهم عن ذلك فينتقض الصلح . وإن لم يعرف المسلمون ~~أن الذين أخذوهم في غير منعة كانوا مع أهل الحرب الذين جاءوا للمفاداة ، أو ~~لم يكونوا وقال أهل الحرب : نحن جئنا بهم ، فإنه لا يقبل قولهم في ذلك ؛ ~~لأنهم يدعون أمرا خلاف الظاهر ، ويدعون على المسلمين وجوب تسليم المال ~~إليهم ، فلا يقبل قولهم إلا بحجة . فإن أقاموا البينة شاهدين مسلمين ، أو ~~رجلا وامرأتين على ذلك ، وجب تسليم المال إليهم ، لأن الثابت بالبينة ~~كالثابت بالمعاينة ، وإن كان الشاهدان من الأسراء قبلت شهادتهما ؛ لأنه لا ~~تهمة في هذه الشهادة ، وإن لم يشهدوا بذلك ولكن قال بعض الأسراء : كنا معهم ~~، وهم جاءوا بنا ، وأنكر ذلك بعضهم ففي القياس لا شيء لأهل الحرب من الفداء ~~؛ لأن الذين أقروا من الأسراء يلتزمون بإقرارهم الأمير والمسلمين تسليم ~~المال إليهم وإقرار المرء لا يكون حجة على غيره . وفي الاستحسان إقرار من ~~أقر منهم جائز على نفسه PageV04P1654 وهو غير جائز على أصحابه ، فيدفع لهم ~~حصة المقرين مما وقع عليه الصلح من المال اعتبارا لإقرار بعضهم بإقرارهم ~~جميعا بذلك ، وهذا لأنه لا ms0942 تهمة في هذا الإقرار ، فقد خرجوا من الأسر سواء ~~جاءوا معهم أو جاءوا دونهم ، ثم هم يقرون بأنهم كانوا في أيديهم ، والإقرار ~~باليد بمنزلة الإقرار بالرق ، ثم إقرار مجهول الحال بالرق على نفسه صحيح ، ~~فكذلك إقرار مجهول الحال في حق اليد باليد على نفسه لغيره يكون صحيحا . ~~وكذلك لو كان فيهم صغار يعبرون عن أنفسهم وليس معهم آباؤهم فإن إقرار هؤلاء ~~بالرق على أنفسهم يصح ، فكذلك باليد ، فأما من كان معه أبواء فهو غير مصدق ~~إلا أن يصدقه أبواه ؛ لأنه في يد أبويه إذا كانا معه ، ولا قول له في ~~الإقرار باليد على نفسه للمستأمن من أهل الحرب . وإن أقر النساء والصبيان ~~أن أهل الحرب هم جاءوا بهم ، وشهد شاهدان من الرجال أنهم لم يجيئوا بهم ، ~~وإنما جاء بهم جميعا قوم آخرون من أهل الحرب ، فالشهادة أولى بالعمل بها ؛ ~~لأنها حجة حكمية متعدية إلى الناس كافة ، وحجة الإقرار لا تعدو المقر ، ~~ولأنه وجب القضاء بالشهادة في حق غير المقرين ، وإذا قضي بذلك فقد صار ~~المقر مكذبا في إقراره حكما ، وبعد ما صار مكذبا لا يعتبر إقراره في حق ~~نفسه ، فكيف يعتبر في حق وجوب تسليم فدائه على غيره . PageV04P1655 ولو جاء ~~بهم قوم من أهل الحرب سوى الذين صالحوا على الفداء فلما أصابهم المسلمون ~~قالوا : قد كنا مع أصحاب الفداء ، وهم حلفونا لحفظهم لم يصدقوا على ذلك ، ~~لأنهم يدعون أمرا خلاف ما يشهد به الظاهر يريدون أن يلزموا المسلمين تسليم ~~الفداء إليهم ، فلا يقبل قولهم إلا بحجة وللمسلمين ما أصابوا منهم بغير ~~فداء . ولو بعث أهل الحرب إلى المسلمين إنا نريد أن نفاديكم بناس من ~~المسلمين ، الرجال بالرجال والنساء بالنساء والصبيان بالصبيان ، فرضي ~~المسلمون بذلك ، يكونوا وقال أهل الحرب : نحن جئنا بهم ، فإنه لا يقبل ~~قولهم في ذلك ؛ لأنهم يدعون أمرا خلاف الظاهر ، ويدعون على المسلمين وجوب ~~تسليم المال إليهم ، فلا يقبل قولهم إلا بحجة . فإن أقاموا البينة شاهدين ~~مسلمين ، أو رجلا وامرأتين على ذلك ، وجب تسليم المال إليهم ، لأن الثابت ms0943 ~~بالبينة كالثابت بالمعاينة ، وإن كان الشاهدان من الأسراء قبلت شهادتهما ؛ ~~لأنه لا تهمة في هذه الشهادة ، وإن لم يشهدوا بذلك ولكن قال بعض الأسراء : ~~كنا معهم ، وهم جاءوا بنا ، وأنكر ذلك بعضهم ففي القياس لا شيء لأهل الحرب ~~من الفداء ؛ لأن الذين أقروا من الأسراء يلتزمون بإقرارهم الأمير والمسلمين ~~تسليم المال إليهم وإقرار المرء لا يكون حجة على غيره . وفي الاستحسان ~~إقرار من أقر منهم جائز على نفسه وهو غير جائز على أصحابه ، فيدفع لهم حصة ~~المقرين مما وقع عليه الصلح من المال اعتبارا لإقرار بعضهم بإقرارهم جميعا ~~بذلك ، وهذا لأنه لا تهمة في هذا الإقرار ، فقد خرجوا من الأسر سواء جاءوا ~~معهم أو جاءوا دونهم ، ثم هم يقرون بأنهم كانوا في أيديهم ، والإقرار باليد ~~بمنزلة الإقرار بالرق ، ثم إقرار مجهول الحال بالرق على نفسه صحيح ، فكذلك ~~إقرار مجهول الحال في حق اليد باليد على نفسه لغيره يكون صحيحا . وكذلك لو ~~كان فيهم صغار يعبرون عن أنفسهم وليس معهم آباؤهم فإن إقرار هؤلاء بالرق ~~على أنفسهم يصح ، فكذلك باليد ، فأما من كان معه أبواء فهو غير مصدق إلا أن ~~يصدقه أبواه ؛ لأنه في يد أبويه إذا كانا معه ، ولا قول له في الإقرار ~~باليد على نفسه للمستأمن من أهل الحرب . وإن أقر النساء والصبيان أن أهل ~~الحرب هم جاءوا بهم ، وشهد شاهدان من الرجال أنهم لم يجيئوا بهم ، وإنما ~~جاء بهم جميعا قوم آخرون من أهل الحرب ، فالشهادة أولى بالعمل بها ؛ لأنها ~~حجة حكمية متعدية إلى الناس كافة ، وحجة الإقرار لا تعدو المقر ، ولأنه وجب ~~القضاء بالشهادة في حق غير المقرين ، وإذا قضي بذلك فقد صار المقر مكذبا في ~~إقراره حكما ، وبعد ما صار مكذبا لا يعتبر إقراره في حق نفسه ، فكيف يعتبر ~~في حق وجوب تسليم فدائه على غيره . ولو جاء بهم قوم من أهل الحرب سوى الذين ~~صالحوا على الفداء فلما أصابهم المسلمون قالوا : قد كنا مع أصحاب الفداء ، ~~وهم حلفونا لحفظهم لم يصدقوا على ذلك ، لأنهم يدعون ms0944 أمرا خلاف ما يشهد به ~~الظاهر يريدون أن يلزموا المسلمين تسليم الفداء إليهم ، فلا يقبل قولهم إلا ~~بحجة وللمسلمين ما أصابوا منهم بغير فداء . ولو بعث أهل الحرب إلى المسلمين ~~إنا نريد أن نفاديكم بناس من المسلمين ، الرجال بالرجال والنساء بالنساء ~~والصبيان بالصبيان ، فرضي المسلمون بذلك ثم جاءوا بالأسراء ممن لم يملكوهم ~~فأراد الأمير أن يأخذهم ولا يعطيهم فداءهم فهذا واسع له أن يفعله ؛ لأن أهل ~~الحرب لم يملكوهم ، وهم الظالمون في حبسهم ، وقد بينا أن إعطاء الأمان على ~~التقرير على الظلم لا يجوز . ألا ترى أنهم لو أسلموا أو صاروا ذمة أخذوا ~~منهم شاءوا أو أبوا فكذلك إذا استأمنوا عليهم ، لأن مراعاة الأمان لا تكون ~~أوجب من مراعاة حرمة الإسلام أو عقد الذمة . وإن كانوا فادوهم بمال ~~فالمستحب لهم الوفاء بما عاملوهم عليه ، لئلا ينسبوا إلى الغدر وليطمئنوا ~~إليهم في مثل هذا في المستقبل ، بخلاف الأسارى أو الكراع والسلاح إذا وقعت ~~المفاداة بها ؛ PageV04P1656 لأن الامتناع من رد ذلك عليهم واجب شرعا ~~وللاستحباب لا يجوز ترك الواجب ، فأما الامتناع من دفع المال إليهم فليس ~~بواجب شرعا ، وقد بينا أنه يجوز دفع هذا المال إليهم فلاستحباب الوفاء بما ~~وقع الصلح به عليه قلنا : ينبغي أن يدفع المال إليهم . غير أن في الكراع ~~والسلاح والرءوس إن رأى الإمام أن يعطيهم فيه ما شرطه لهم فعل ذلك ، كراهة ~~أن ينسبوا إلى الغدر أو يحذروا المسلمين بعد ذلك في مثله عند حاجة المسلمين ~~إليه ، فإن قيل : فعلى هذا ينبغي أن يفي الإمام لهم بما صالحهم من السلاح ~~وغيره حتى يطمئنوا إليه في المستقبل ، قلنا : هذا ليس بشيء ، فإنهم وإن لم ~~يطمئنوا إليه فذلك لا يضر المسلمين شيئا ؛ لأن أشد ما بحضرتهم ألا يأتوا ~~بالمسلمين بعد هذا حتى يأخذوا فداءهم وبهذا الموهوم لا يجوز للإمام رد ~~المقاتلة أو آلة القتال عليهم ليتقووا به على المسلمين . ولو كانوا جاءوا ~~بعبيد وإماء ، والمسألة بحالها ، فإن الإمام يأخذ العبيد والإماء منهم إذا ~~ظفر بهم لحرمة الإسلام ، ولا يعطيهم ms0945 الفداء من الأسراء من أهل الحرب ، ولا ~~من الكراع والسلاح ولكنه ينظر إلى قيمة ما كان شرطه لهم فيعطيهم ذلك ، وهذا ~~مستحب في الفصل الأول واجب في هذا الفصل ؛ PageV04P1657 لأن أهل الحرب قد ~~ملكوهم حتى لو أسلموا أو صاروا ذمة كان سالما لهم ، فلا يكون للإمام أن ~~يأخذهم منهم مجانا بخلاف الأول . فإن كانوا فادوهم بالمال سلم المال إليهم ~~، وليس للموالي عليهم سبيل ؛ لأنهم حصلوا في دار الإسلام ، ولا حق للموالى ~~في أخذهم ، فلا يثبت حقهم بعد ذلك . وإن لم يظفر المسلمون بأسرائهم من ~~الأحرار حتى فادوهم بأعدادهم من أسراء المشركين فأخذ المشركون أسراءهم ~~وأعطوا المسلمين أسراءهم فلا سبيل على أسراء المسلمين فيما فدوا به ، ~~ولكنهم أحرار لا سبيل عليهم ، وإن كان فيهم أمهات أولاد أو مدبرون ردوا إلى ~~مواليهم بغير شيء ، إلا أن يكونوا هم أمروا بالمفاداة بذلك ، فحينئذ يرجع ~~عليهم بقيمة الأسراء الذين فادوهم بهم وبقيمة الكراع والسلاح ؛ لأن ذلك كان ~~حقا على المسلمين ، وقد أعطوه في الفداء لمنفعة رجعت إلى المأسورين . فإن ~~كان بغير أمر الموالي من المملوكين منهم فهم متبرعون في ذلك ، وإن كان بأمر ~~الموالي يثبت حق الرجوع عليهم ؛ PageV04P1658 لأنهم التزموا ذلك للمسلمين ~~حين أمروهم بالمفاداة بهم . وإن كانوا عبيدا وكانت المفاداة بغير أمر ~~الموالي فلا سبيل للموالي عليهم ؛ لأن الأمير صار كالمشتري لهم من الذين ~~جاءوا بهم بما فاداهم به . وإن كان بأمر الموالي رجع عليهم بقيمة ذلك شاءوا ~~أو أبوا ؛ لأنه صار كالنائب عنهم في شرائهم ما فاداهم به ، ثم زاد في ~~التفريع ، فذكر ما تقدم بيانه من المكاتب وغيره من المأسورين إذا فاداه ~~الأمير بأمره أو بغير أمره ، وقد بينا هذا الحكم فيما إذا فاداه المستأمن ~~من المسلمين في دار الحرب ، فكذلك إذا فاداه إمام المسلمين في دار الإسلام ~~. فإن كان في الأسراء رجل من أهل الذمة فليس على الإمام أن يفاديه من مال ~~بيت المال ؛ لأنه مال للمسلمين ، فإنما يفادي به الأسراء من المسلمين دون ~~أهل الذمة . إلا أن يكون هذا ms0946 مقاتلا له جزاء وغناء ، أو كان دليلا في أرض ~~المشركين ، يدل على عوراتهم ، فرأى الإمام أن يفاديه من مال بيت المال فلا ~~بأس بذلك ؛ PageV04P1659 لأن في تخليصه منفعة للمسلمين ، ومال بيت المال ~~معد لذلك . وكذلك إن رأى أن يفاديه بأسير قد وقع في سهم رجل ويعوضه قيمته ~~من بيت المال فلا بأس بذلك ؛ لأن هذا منه على وجه النظر للمسلمين . وإن كان ~~الأسير من المسلمين فإنه يجب على الإمام مفاداته بمال من بيت المال ، إذا ~~لم يكن فيه إجحاف بالمسلمين فأما عند الإجحاف بهم لا يجب ذلك ، أرأيت لو ~~طلبوا مائة ألف دينار في فداء أسير من المسلمين أكان يجب ذلك على الإمام ؟ ~~هذا مما لا يقوله أحد ، فإن طلبوا فداءه بأسير من أهل الحرب ، قد وقع في ~~سهم رجل ، وكره ذلك الرجل دفعه في الفداء ، فإن الإمام يأخذ منه شاء أو أبى ~~ويعوضه قيمته من بيت المال ؛ لأن تخليص المسلم من الأسر فرض عليه وعلى كل ~~مسلم بحسب القدرة والإمكان ، فإن امتنع منه ناب الأمير مقامه ، وعوضه قيمته ~~من بيت المال ، بمنزلة ما لو استحق سهمه ، وهذا بناء على قول محمد رحمه ~~الله في جواز المفاداة بالأسراء بعد القسمة . ولو قال أهل الحرب : نعطيكم ~~أسيرا بأسيرين أو بثلاثة من أسرائنا ، فإن الإمام ينظر في ذلك ، فإن رأى ~~المنفعة PageV04P1660 ظاهرة للمسلمين في ذلك بأن كان مبارزا له جزاء وغناء ~~، فليفعل ذلك ، وإن لم يكن فيه منفعة ظاهرة للمسلمين في ذلك ولكن فيه بعض ~~جرأتهم وتحكمهم علينا لم يجبهم إلى ذلك ؛ لأنه نصب ناظرا فلا يدع النظر ~~للمسلمين ، فيما يفعله لهم بحال ، ألا ترى أنهم لو طلبوا بأسير واحد من ~~المسلمين مائة من أسرائهم لم يجبهم إلى ذلك فهذا مثله . ولو كان أخو ملكهم ~~أو ابنه أسيرا في أيدينا وقد أسلم فقالوا : نعطيكم أسيركم المسلم على أن ~~تردوا علينا أخا الملك لم يسعنا أن نرده عليهم ؛ لأنه مسلم ، ومفاداة ~~المسلم بالمسلم لا تجوز لأن المقصود بالمفاداة تخليص المسلم مما يخاف عليه ms0947 ~~من فتنتهم . فإن طابت نفسه بذلك فقال : ردوني عليهم وخذوا أسيركم فإن ~~الإمام ينظر في ذلك ، فإن كان مأمونا على إسلامه بأن حسن إسلامه فعل ذلك ~~برضاه ، وإن كان غير مأمون على ذلك لم يفعله وإن رضي به ؛ لأنه إذا لم يكن ~~مأمونا على ذلك ، فالظاهر أنه إنما رضي به ليرجع إلى ما كان عليه ، ولا ~~يجوز تمكينه من ذلك بحال . ألا ترى أنه لو كان ارتد فينا فقالوا لنا : خذوا ~~PageV04P1661 أسيركم وأعطونا ذلك المرتد لم يسعنا أن نفعل ذلك ، ولكنا نعرض ~~الإسلام على المرتد ، فإن أسلم وإلا قتلناه ، فكذلك إذا خيف عليه الردة بعد ~~المفاداة به ، فأما إذا كان لا يخاف ذلك عليه ، فإنما لا يفادى به قبل رضاه ~~لما فيه من تعريضه للقتل ، والظاهر أنه لا يرضى بذلك ما لم يكن منهم آمنا ~~على نفسه ، فكان حاله الآن كحال المفاداة بالذمي أو بالمستأمن منهم في ~~دارنا إذا رضي به ، وقد بينا أن ذلك جائز فهذا مثله . ولو جاء مستأمن منهم ~~بعشرة من أسراء المسلمين على أن يفادي بهم غيره ، وقد سماهم بأعيانهم ~~فوجدهم قد قتلوا أو ماتوا ، ثم رجع فأراد أن يرجع بالأسراء الذين أخرجهم ~~منع من ذلك ، فإن كانوا أحرارا أخلى الأمير سبيلهم ، وقال له : الحق ببلادك ~~فلا شيء لك ؛ لأنه ما كان يملكهم . وإن كانوا عبيدا أو إماء أجبره على ~~بيعهم ، بمنزلة ما لو جاء بعبيد معه بأمان ، فأسلموا في دارنا ، وإن كان ~~شرط علينا في الأمان أن يشتري أولئك النفر ونسلمهم له ، فأبى مواليهم البيع ~~، فإنه ينبغي للأمير أن يفي لهم بالشرط إذا أخذ PageV04P1662 الأحرار منهم ~~، فيعطيهم قيمة الذين شرطهم له دنانير أو دراهم ، وإن باعهم مواليهم فينبغي ~~للإمام أيضا ألا يدعه يرجع بأحد منهم إلى دار الحرب إن كانوا أسلموا ، وهذا ~~وما لو جاء بعبيد من المسلمين في الحكم سواء . وإذا توادع أهل الإسلام وأهل ~~الحرب على أن يتهادنوا سنة حتى ينظروا في أمورهم وأراد بعضهم من بعض أن ~~يعطوهم رهنا بذلك على أن ms0948 من غدر من الفريقين فدماء الرهن للآخرين حلال ، ~~فلا بأس بإعطاء الرهن على هذا ، إذا رضي بذلك الرهن من المسلمين ؛ لأنه ~~يؤمن على الرهن من المسلمين من الرجوع عن الإسلام والظاهر أنهم لا يرضون ~~بذلك إذا كانوا يخافونهم على أنفسهم ، وقد بينا أنه يجوز المفاداة بالمسلم ~~في مثل هذه الحالة فلأن يجوز تسليمه إليهم رهنا وفيه منفعة للمسلمين أولى . ~~ولا ينبغي أن يكره الإمام أحدا من المسلمين على ذلك إلا أن يكون للمشركين ~~شوكة شديدة ويخاف الملمون على أنفسهم منهم فعند ذلك لا بأس بإكراه الرهن ~~على ذلك لما فيه من المنفعة لعامة المسلمين ، وفي الامتناع من هذا الصلح ~~خوف الهلاك لجماعة المسلمين وفي الإقدام عليه دفع هذا الخوف عن جماعة ~~المسلمين ، فيثبت للإمام هذه الولاية PageV04P1663 وإن كان يخاف فيه على ~~خاص من المسلمين وهم الرهن للأصل المعروف وهو أن من ابتلي ببليتين فعليه أن ~~يختار أهونهما ، فإن أخذ كل واحد من الفريقين من صاحبه رهنا فغدر المشركون ~~وقتلوا الرهن الذي في أيديهم ، فليس يحل للمسلمين أن يقتلوا ما في أيديهم ~~من الرهن ولا أن يسترقوهم ؛ لأنهم كانوا آمنين عندنا ، فلا يبطل حكم أمانهم ~~بغدر المشركين لقوله تعالى : ' ولا تزر وازرة وزر أخرى ' فاطر : 18 . ولكن ~~المسلمين لا يدعونهم يرجعون إلى بلادهم ويجعلونه ذمة ؛ لأنهم رضوا بالمقام ~~في دارنا إلى أن يرد علينا رهننا وقد تعذر فكانوا محتبسين في دارنا على ~~التأبيد برضاهم ، والكافر لا يتمكن من المقام في دارنا على التأبيد مصرا ~~على كفره إلا بالجزية قال الشيخ الإمام رضي الله تعالى عنه ، وحكي أن ~~الدوانقي كان جرى هذا الشرط بينه وبين قوم من أهل الحرب ، ثم إنهم غدروا ~~فقتلوا رهن المسلمين فجمع علماء عصره وسألهم عما يصنع برهنهم ؟ فقالوا له : ~~لك أن تقتلهم لمكان الشرط الذي شرطوا ، وفيهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ~~ساكت ، فقال له : مالك لا تتكلم ؟ فقال : إن قالوا لك هذا عن رأي فقد ~~أخطئوا ، وإن قالوا بناء على هواك فقد غشوك ، فليس لك ms0949 أن تتعرض لأحد منهم ~~بالقتل PageV04P1664 ولا بالسبي ، فقال : ولم وقد شرطوا ذلك ؟ قال : لأنهم ~~قد شرطوا عليك ما لا يحل ، وشرطت عليهم ما لا يحل في الشرع ، وكل شرط ليس ~~في كتاب الله فهو باطل ، قال الله تعالى : ' ولا تزر وازرة وزر أخرى ' ~~فأغلظ القول عليه وقال : ما دعوتك لهم قط إلا جئتني بما أكره ، قوموا من ~~عندي ، فخرجوا ثم جمعهم من الغد ، وقال : تبين لي أن الصواب ما قلت فماذا ~~نصنع بهم ؟ قال : سل العلماء ، فسألهم ، فقالوا : لا علم لنا بذلك ، فقال ~~أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : توضع عليهم الجزية . قال : لم ؟ قال : ~~لأنهم احتبسوا عندك برضاهم إلى رد الرهن ، وقد فات ذلك فاستحسن قوله وأثنى ~~عليه ورده بجميل فإن قيل : فإذا كان هذا الشرط مما لا يحل ، فلماذا قال : ~~لا بأس بإعطاء الرهن على هذا ؟ ، قلنا : لأن المسلمين احتاجوا إليه ، وليس ~~في مجرد الشرط فوات شيء ، ولا إثبات شيء لا يمكن تداركه بخلاف قتل الرهن ~~بذلك الشرط . ولو أنهم حين أعطوا الرهن وأخذوا الرهن من المسلمين قدر ~~المسلمون على أن يأخذوا منهم رهنهم فلا بأس بأن يأخذوهم ، لما بينا أنهم ~~ظالمون في حبس رهن المسلمين ولا يجوز إعطاء الأمان على التقرير على الظلم ~~بعد التمكن من إزالته . ثم لا يرد رهنهم حتى يأمنوا مما كانوا يخافون فإذا ~~أمنوا ذلك ردوا عليهم رهنهم ، ولا يكون هذا غدرا من المسلمين وقد سبق نظير ~~هذا فيما إذا خاف أمير العسكر من PageV04P1665 المستأمنين في المعسكر فإنه ~~يجوز له أن يخرجهم معه إلى دار الإسلام ، شاءوا أو أبوا حتى يأمن مما كان ~~يخاف ثم يردهم إلى دارهم فهذا قياسه ؛ لأنه رهنهم في أمان منا . وإن أبى ~~الذين في أيديهم الرهن أن يعطوا لرهن إلى المسلمين إلا بقتال فلا بأس ~~بقتالهم وقتلهم على ذلك ؛ لأن الذين في أيديهم قوم من أحرار المسلمين ~~يريدون أن يدخلوهم بلادهم بغير حق ، فلا يسع المسلمين إلا أن يقاتلوا ~~لتخليصهم من أيدي الظالمين ، إذا قدروا على ذلك . وإن ms0950 كانوا قالوا للمسلمين ~~: لا نقاتلكم أبدا ، ولكن لا نعطيكم الرهن حتى تردوا رهننا ، فإن كان ~~المسلمون يخافونهم في الأمر الذي وادعوهم من أجله فلهم ألا يعطوهم رهنهم ، ~~ولكن ببدء ونهم بالقتال لأخذ رهن المسلمين إذا قدروا على ذلك ، وإن كانوا ~~قد أمنوا فليردوا إليهم رهنهم ؛ لأنه لا حاجة بهم إلى حبس الرهن الآن بخلاف ~~الأول فهناك بهم حاجة إلى حبس الرهن لإزالة الخوف عن المسلمين فلا ينبغي أن ~~يردوا عليهم رهنهم ، ولكن يقاتلونهم لاستنقاذ المسلمين من أيديهم . وإن كان ~~الذين أخذوا الرهن قد انتهوا بالرهن إلى PageV04P1666 منعتهم وقد وادعهم ~~المسلمون فليس ينبغي للمسلمين أن يقاتلوهم حتى ينبذوا إليهم ، بخلاف ما قبل ~~وصولهم إلى منعتهم ؛ لأن هناك إنما يقاتلونهم ليستردوا الرهن لا لنقض ~~الموادعة ، وبعدما وصلوا إلى منعتهم القتال لا يكون على الرهن ، بل على نقض ~~الموادعة ، وقد صحت الموادعة فذلك يمنعنا من قتالهم حتى ننبذ إليهم . قال : ~~ولو جاءوا بأسراء المسلمين للمفاداة فنادوا بالفداء في موضع هم فيه ممتنعون ~~، ثم رجعوا بهم حين لم يتفق لهم المفاداة ، فتبعهم المسلمون وأخذوهم منهم ~~وأسروهم وأخذوا أموالهم فلا بأس بذلك كله ؛ لأنهم ما كان لهم منا أمان قط ، ~~ثم إن كان فيهم عبد وأمة أخذه مولاه قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة ؛ ~~لأنهم أصابوهم بطريق الاغتنام . وهذا بخلاف ما إذا استأمنوا إلينا ثم ~~انصرفوا بهم حين لم يتفق لهم المناداة ، وقد بينا أن هناك إذا أخذ منهم ~~العبيد والإماء قبل أن يصلوا إلى منعتهم أعطوهم بمتهم ، لأنهم كانوا في ~~أمان منا ، ولا بأس بأن نقاتلهم على ذلك ؛ PageV04P1667 لأن استنقاذ ~~المسلمين من أيديهم واجب ، فإذا أبوا ذلك جاز قتالهم ، وإن أتى على أنفسهم ~~، ألا ترى أن مستأمنا في دار الإسلام لو أسلم عبده ، فامتنع من بيعه وأراد ~~إدخاله في دار الحرب جاز قتاله على ذلك ، لأنه امتنع من حكم المسلمين بعدما ~~التزمه ، فإن هذا الحكم من جملة ما يلتزمه المستأمن بعقد الأمان ، وما لم ~~يبلغ مأمنه ، فهو في أمان من المسلمين ، فإذا امتنع من ms0951 الانقياد للحكم الذي ~~التزمه جاز قتاله على ذلك ، فكذلك ما سبق ، والله أعلم . PageV04P1668 # باب المفاداة بالصغير والكبير من السبي وغير ذلك $ # قال : ولا بأس لأمير السرية أن يفادي الأسراء بالأسراء إذا طلب ذلك أهل ~~الحرب ، وطابت أنفس السرية بذلك ، الرجال من الأسارى والنساء والصبيان في ~~ذلك سواء ما لم يحكم بإسلامهم ؛ لأنه فوض إليه تدبير الحرب وتوفير المنفعة ~~على المسلمين ، والمفاداة بالأسارى في دار الحرب من تدبير الحرب ، وفيه ~~منفعة للمسلمين ، لأن المسلمين الذين يأخذونهم بالمفاداة أعظم غناء ~~بالمسلمين مما يعطون إلا أنه يشترط رضاء أهل السرية في ذلك لثبوت حقهم في ~~المأسورين ، فينبغي أن يسترضيهم في المفاداة لما فيها من إسقاط حقهم عما ~~ثبت حقهم فيه . وكذلك بعد الإخراج إلى دار الإسلام ما لم يحكم بإسلام ~~الأسارى ، حتى أن الصبيان من السبي إذا كان معهم الآباء والأمهات لا يحكم ~~لهم بالإسلام حتى يصفوا الإسلام بأنفسهم فتجوز المفاداة بهم ، وكذلك إن ~~ماتت آباؤهم وأمهاتهم في دارنا ؛ لأن معنى التبعية بالموت لا ينقطع في حكم ~~الدين . PageV04P1669 ألا ترى أن أولاد أهل الذمة لا يحكم لهم بالإسلام ، ~~وإن مات آباؤهم وأمهاتهم في دارنا ، وهم صغار وكذلك إن كان آباؤهم وأمهاتهم ~~معهم فطلب المشركون المفاداة الصبيان خاصة فلا بأس بذلك ، وإن كان في ذلك ~~تفريق بينهم وبين آبائهم ، لأن هذا التفريق بحق وتخليص المسلمين من أسراء ~~المشركين أفضل وأعظم أجرا من ترك التفريق بحق ، وتخليص المسلمين من أسراء ~~المشركين أفضل وأعظم أجرا من ترك التفريق بين الصبيان والآباء . ولكن لا ~~يجوز مفاداة صبيانهم بالمال ، كما لا يجوز مفاداة البالغين منهم ؛ لأن ~~الصغير يكبر فيكون منه القتال ، ويكون له النسل ، بخلاف الشيخ والشيخة ~~اللذين لا يرجى لهما نسل . لأنه ليس في ردهما على المشركين من معنى التقوي ~~على القتال بشيء وفي الصغار يتحقق ذلك المعنى . ولو أبى أهل السرية أو ~~العسكر المفاداة بالأسارى ، فليس لأميرهم أن يفادي بهم ، إلا أن يعوضهم من ~~ذلك ، ما خلا خصلة واحدة ، الرجال من أهل الحرب الذين أسرهم المسلمون ms0952 لا ~~بأس بالمفاداة بهم قبل القسمة ، وإن لم يرض به أهل العسكر والسرية ؛ لأن ~~لأميرهم أن يقتل الرجال من الأسراء ، وفي القتل إبطال حق أهل العسكر منهم ، ~~من غير منفعة تخليص المسلمين من المشركين فلأن يجوز المفاداة ، وفيه منفعة ~~التخليص كان أولى ، بخلاف السبي من النساء والصبيان PageV04P1670 والأموال ~~من الكراع والسلاح وغير ذلك ، فإنه ليس له أن يبطل حق الغانمين منهم إلا ~~بعوض ، فكذلك لا يكون له أن يفادي الأسراء بهم إلا بطيب أنفس الغانمين أو ~~بعوض إن أبوا ذلك ، وذلك العوض يكون من مال بيت المال ، وبعد القسمة ليس له ~~أن يفادي بالرجال أيضا إلا برضاء من وقع في سهمه ، لأنه حين قسمهم فقد حرم ~~عليه قتلهم ، فكان حالهم بعد القسمة كحال النساء والصبيان . فإن أبى من وقع ~~في سهمه الرجال المفاداة بهم وأبى المشركون أن يردوا أسراء المسلمين إلا ~~بأولئك ، فينبغي للإمام أن يشتريهم بمال بيت المال من مواليهم ثم يفادي بهم ~~، فإن أبوا أن يبيعوه قومهم قيمة علج ثم أخذهم بتلك القيمة شاء مواليهم أو ~~أبوا ؛ لأن المفاداة بهم تستحق بعوض على الموالي ، يعطيهم الإمام من بيت ~~المال ، فإذا أبوا ناب الإمام منابهم في ذلك ، كالذمي إذا أسلم عبده فأبى ~~أن يبيعه ناب الإمام منابه في ذلك ، لامتناعه مما هو مستحق . وكذلك لو طلب ~~المشركون المفاداة بعبيد كفار من أهل الذمة بقوم من أهل الذمة ، فإن الإمام ~~يسترضيهم في ذلك ؛ لأن المفاداة بأحرار أهل الذمة يجوز برضائهم ، فبعبيدهم ~~عند رضاء المولى أجوز . ولا يعتبر فيه رضاء العبيد ؛ PageV04P1671 لأنهم ~~مماليك ، ولا قول للمملوك في نقله من ملك إلى ملك في الرضاء والسخط ، وإن ~~لم يرض الموالي بذلك اشتراهم منهم بمال بيت المال ، فإن أبوا أن يبيعوهم ~~قومهم قيمة عدل ؛ لأنه لما ثبت له هذه الولاية في أملاك المسلمين لتخليص ~~أسراء المسلمين به من ذل المشركين فلأن يثبت له هذه الولاية في ملك أهل ~~الذمة كان أولى . ولو أن أمير العسكر فادى الأسارى بقوم أحرار من المسلمين ~~قبل البيع ms0953 والقسمة ، فقال أهل العسكر : نحن نأخذ قيمتهم من هؤلاء المسلمين ~~لم يلتفت إلى قولهم ؛ لأنهم فودوا بغير أمرهم ، ولو فودوا بملك خاص ~~للمسلمين بغير أمرهم لم يرجع عليهم بشيء من عوض ذلك ، فإذا فودوا بما هو من ~~الغنيمة كان أولى ، فإن كانوا أسلوا الإمام أن يفاديهم به على أن يكون ذلك ~~دينا للغزاة عليهم فهو على ما شرطوا ، وكان عليهم قيمة ما فودوا به على أن ~~يؤخذ ذلك منهم ، فيجعل في الغنيمة يقسم ويخمس ما بقي بين من أصابه ، لأن ~~حكم البدل حكم المبدل . ولو كان مكان الأحرار من أسراء المسلمين عبيد أو ~~إماء ، والمسألة بحالها ، فإن ما يأخذه الأمير من العبيد والإماء يجعلهم في ~~الغنيمة بمنزلة ما لو اشتراهم بما أعطي من الأسراء ، ثم يكون لمواليهم ~~الخيار بين أن يأخذوهم بقمية PageV04P1672 الأسراء الذين فداهم الإمام بهم ~~، ثم يجعل ما يؤخذ منهم في الغنيمة وبين أن يتركوهم ، ويستوي إن كان قيمة ~~أسراء المشركين مثل قيمة العبيد ، والإماء من المسلمين أو أقل أو أكثر مما ~~يتغابن الناس فيه ، أو لا يتغابن ؛ لأنه قد كان له ولاية قتل أسراء ~~المشركين وفيه إبطال حق الغانمين عنهم بغير عوض ، فلأن يكون ذلك له بعوض ، ~~وهو أقل من قيمتهم كان أول . ولو كانت هذه المفاداة بالنساء والصبيان فإن ~~كانت القيمة متساوية أو كان التفاوت يسيرا ، فلا بأس به للأمير من غير رضى ~~أهل العسكر ، بمنزلة بيعه الغنائم ، وإذا كان ما يعطي أكثر قيمة مما لا ~~يتغابن الناس فيه ، فإنه لا يحل للإمام أن يفعل ذلك بغير رضاء أهل العسكر ~~إلا أن يشاء أن يزيدهم من بيت مال المسلمين بقدر ما يفي من قيمة أسرائهم ~~اعتبارا للبعض بالكل ثم يجمع ذلك فيرفع الخمس منه ، ويقسم الأربعة الأخماس ~~بين من أصابه ، وفكاك كل أسير من المسلمين على الأرض التي يقاتل من ورائها ~~يؤخذ ذلك من خراجها فيفدي به الأسير المسلم الذي يقاتل عنها ؛ لأن التمكن ~~من أخذ الخراج باعتبار الحماية ، وذلك بالمقاتلة الذين يقاتلون عن تلك ~~الأراضي ms0954 ، فإذا وقعت الحاجة ، إلى مفاداتهم كان ذلك الخراج متعينا ~~لمفاداتهم ، ليكون الغرم بمقابلة الغنم . PageV04P1673 فإذا لم يكن لها ~~خراج فذلك في خراج غيرها من أرض الإسلام ؛ لأنه إذا قاتل عن شيء من أرض ~~المسلمين فهو يقاتل عنها كلها ، لأن أهل الحرب يقصدون الاستيلاء على جميع ~~أرض الإسلام لو قدروا على ذلك ، فالذين يقاتلونهم من المسلمين يدفعونهم عن ~~جميع أرض الإسلام ، ثم استدل على اعتبار رضاء المسمين في المفاداة بقصة سبي ~~هوازن ، فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يومئذ ستة آلاف من سبي ~~هوازن حين أسلموا ، والقصة في ذلك أن وفدهم الذين جاءوا قالوا : يا رسول ~~الله ، إن في هذه الحظائر بعض عماتك وخالاتك ، ولو كنا منحنا للنعمان بن ~~المنذر أو غيره من ملوك العرب لكان يراعي ذلك لنا ، وأنت أبر الناس وأوصلهم ~~، وإنما قالوا ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسترضعا فيهم ، ~~فلما سمع ذلك رق لهم وقال : إذا صلينا الظهر فقوموا وأعيدوا مقالتكم هذه ، ~~ففعلوا ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد كنت منتظرا لكم ~~فأبطأتم المجيء حتى جرى في السبي سهام المسلمين ، فأما ما كانت لي ولقريش ~~فقد سلمت لكم ، فلما سمع المسلمون ذلك قال المهاجرون والأنصار : وقد سلمنا ~~ما كان لنا أيضا ، فقال عيينة بن حصن : أما أنا وبنو فزارة فلا ، وقال ~~الأقرع بن حابس : أما أنا وبنو تميم فلا ، فلما اختلفوا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : هؤلاء قوم قد جاءوا مسلمين فردوا عليهم سبيهم ، ومن أبى ~~ذلك فله علينا مكان كل رأس ستة قلائص نعطيه من أول غنيمة نصيبها ألا ترى ~~أنه لو طلب رضاءهم ومن أبى التزم له عوضا حتى ردهم على قومهم ، فصار هذا ~~أصلا في الحكم الذي بيناه في الباب والله تعالى الموفق . | PageV04P1674 ~~الجزء الخامس # | باب الموادعة # قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - : لا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان ~~بالمسلمين عليهم قوة ، لأن فيه ترك القتال المأمور به أو تأخيره وذلك مما ~~لا ms0955 ينبغي للأمير أن يفعله من غير حاجة ، قال الله - تعالى - : ' ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ' الأنفال الاية 139 وإن لم يكن ~~بالمسلمين قوة عليهم فلا بأس بالموادعة ؛ لأن الموادعة خير للمسلمين في هذه ~~الحالة وقد قال عز وجل : ' وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ' ~~الأنفال : 61 ، ولأن هذا من تدبير القتال ، فإن على المقاتل أن يحفظ قوة ~~نفسه أولا ، ثم يطلب العلو والغلبة إذا تمكن من ذلك ، ألا ترى أن الصغير ~~يمص اللبن ما لم تنبت أسنانه ، ثم يمضغ اللحم بعد نبات الأسنان ، فبهذا ~~يتبين أن النظر في الموادعة عند ضعف حال المسلمين وفي الامتناع منها ~~والاشتغال بالقتال عند قوة المسلمين ، PageV05P1689 واستدل على جواز ~~الموادعة بمباشرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك والمسلمين بعده إلى ~~يومنا هذا . فقال قال محمد بن كعب القرظي : لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة وادعته يهودها كلها وكتب بينه وبينها كتابا ، وألحق كل ~~قوم بحلفائهم ، وكان فيما شرط عليهم ألا يظاهروا عليه عدوا ، ثم لما قدم ~~المدينة بعد وقعة بدر بغت يهود ، وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من العهد ، فأرسل إليهم فجمعهم وقال : يا معشر يهود أسلموا ~~تسلموا ، فو الله إنكم لتعلمون أني رسول الله ، وفي رواية أسلموا قبل أن ~~يوقع الله - تعالى - بينكم مثل وقعة قريش ببدر ، فصار هذا أصلا بجوار ~~الموادعة عند ضعف حال المسلمين والإقدام على المقاتلة عند قوتهم فإذا ~~وادعهم وأخذ منهم على ذلك جعلا فلا بأس به ، لأنه لما جاز أن يوادعهم بغير ~~شيء يأخذه منهم فالموادعة بمال يأخذه منهم أجور وذلك المال بمنزلة الخراج ~~لا يخمس ولكن يضعه موضع الخراج ، لأنه مال أهل الحرب حصل في أيدي المسلمين ~~لا بإيجاف الخيل PageV05P1690 والركاب ، فلا يكون من الغنيمة في شيء كما ~~أشار الله - تعالى - بقوله : فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب : الحشر ~~الآية 6 ، ولا بأس في هذه الحالة بموادعة المرتدين الذين غلبوا على ms0956 دارهم ، ~~لأنه لا قوة للمسلمين على قتالهم ، فكانت الموادعة خيرا لهم ، ولكن يكره ~~أخذ الجعل منهم علىالموادعة بخلاف أهل الحرب ، لأن ما يؤخذ من الموادعة من ~~المال بمنزلة الخراج ولا يحوز أخذ الخراج من المرتدين بعقلد الذمة فكذلك ~~بالموادعة بخلاف أهل الحرب . وإن أخذ الإمام ذلك منهم لم يرده عليهم ؛ لأنه ~~لا أمان لهم من المسلمين في نفوسهم ولا في أموالهم ، وبعد ما غلبوا على ~~دارهم ، فقد صارت دارهم دار الحرب حتى إذا وقع الظهور عليهم يكون مالهم ~~غنيمة للمسلمين . فكذلك ما يؤخذ منهم بالموادعة يكون سالما للمسلمين ، لا ~~يرد عليهم وإن أسلموا ، وكذلك لا بأس بموادعة أهل البغي لما بينا والحاجة ~~إلى الموادعة في هذا الفصل أظهر ؛ لأنهم ربما يتأملون فيتوبون ويرجعون . ~~PageV05P1691 ولا ينبغي أن يؤخذ منهم على ذلك جعل ، لأنهم قوم مسلمون ، لا ~~يجوز أخذ الخراج من رءوسهم ، والمال المأخوذ بالموادعة بهذه الصفة ، فإن ~~أخذوه ردوه عليهم إذا وضعت الحرب أوزارها ، لأنهم مسلمون لو أصيب منهم مال ~~بالقتال وجب رده عليهم بعدما وضعت الحرب أوزارها ، فكذلك إذا أصيب منهم مال ~~بالموادعة . وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم فأبى المشركون أن ~~يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالا فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة ~~؛ لأنهم لو لم يفعلوا وليس بهم قوة دفع المشركين ظهروا على النفوس والأموال ~~جميعا ، فهم بهذه الموادعة يجعلون أموالهم دون أنفسهم . وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه : ' اجعل مالك دون نفسك ونفسك دون ~~دينك ' . وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان يداري رجلا فقيل له : إنك ~~منافق . فقال : لا ، ولكني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله . ففي ~~هذا بيان أنه ليس بالمهانة . ولا بأس بدفع بعض المال على سبيل الدفع عن ~~البعض إذا خاف ذهاب الكل ، فأما إذا كان بالمسلمين قوة عليهم فإنه لا يجوز ~~الموادعة بهذه الصفة PageV05P1692 لأن فيها التزام الريبة ، والتزام الذل ، ~~وليس للمؤمن أن يذل نفسه وقد أعزه الله تعالى . ثم استدل عليه بقصة الأحزاب ms0957 ~~. فإنه حصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأصحابه رضي الله تعالى ~~عنهم ، يومئذ بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب . وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : ' اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إنك ~~إن تشأ لا تعبد ' وبلغ من حالهم ما قال الله تعالى ^ ( وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر . وتظنون بالله الظنونا ) ^ ' ثم أرسل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى عيينة بن حصن ، في رواية ' أرأيت لو جعلت لك ثلث ~~ثمار الأنصار أترجع بمن معك من غطفان وتخذل بين الأحزاب ' ؟ فقال : إن جعلت ~~لي الشطر فعلت . وفي رواية أرسل عيينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعطينا ~~ثمر المدينة هذه السنة ونرجع عنك ونخلي بينك وبين قومك فتقاتلهم . فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا . قال : فنصف الثمر : فقال : نعم . ~~ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى سعد بن معاذ وسعد بن ~~PageV05P1693 عبادة ، وهما سيدا الحيين فاستشارهما وقد حضر عيينة وقال : ~~اكتب بيننا كتابا . فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصحيفة ودواة ~~ليكتب بينهم ، فقالا : يا رسول الله أوحي إليك في هذا ؟ فقال : لا ، ولكني ~~رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فقلت : أردهم عنكم . فقالا : يا رسول ~~الله ، والله إنهم كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد ، وما طمعوا ~~منا قط أن يأخذوا ثمرة إلا بشرى أو قرى فحين أيدنا الله تعالى بك وأكرمنا ~~وهدانا بك نعطي الدنية ، لا نعطيهم إلا السيف . فشق رسول الله صلى الله ~~علسه وآله وسلم ، الصحيفة وقال : اذهبوا ، لا نعطيكم إلا السيف . وأقبل ~~أسيد ابن الحضير ، وعيينة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مادا رجليه ~~. فقال : يا عيينة الهجرس ، اقبض رجليك ، أتمد رجليك بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم لأنفذن خصيتيك بالرمح ، متى طمعت هذا منا ؟ ففي هذا ~~الحديث بيان أن عند الضعف لا بأس بهذه الموادعة ، فقد رغب فيها رسول الله ، ~~PageV05P1694 صلى ms0958 الله عليه وآله وسلم ، حين أحس بالمسلمين ضعفا ، وعند ~~القوة لا تجوز هذه الموادعة ، فإنه لما قالت الأنصار ما قالت علم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، منهم القوة فشق الصحيفة . وفيه دليل أن فيها ~~معنى الاستذلال ، ولأجله كرهت الأنصار دفع بعض الثمار ، والاستذلال لا يجوز ~~أن يرضى به المسلمون إلا عند تحقق الضرورة قال : وإذا وادع الإمام أهل ~~الحرب فخرج رجل من أهل تلك الدار فقطع الطريق في دار الإسلام وأخاف السبيل ~~فأخذه المسلمون فليس هذا بنقض منه للعهد . لأن أهل تك الدار في أمان من ~~المسلمين بتلك الموادعة . ألا ترى أن من دخل منهم دار الإسلام بتلك ~~الموادعة كان آمنا لا نعرض له . فالمستأمن في دارنا بمثل هذا الصنيع لا ~~يكون ناقضا للعهد ، كما لا يكون به الذمي ناقضا للعهد ، وكما لا يكون ~~المسلم به ناقضا لأمانه ، وهذا لا منعة له فلا يكون مجاهرا بما يصنع لكونه ~~غير ممتنع من المسلمين في دار الإسلام ، وإنما يكون نقض العهد عند المجاهرة ~~بالقتال . وكذلك العدد منهم إذا فعلوا ذلك ولم يكونوا أهل منعة فهذا ~~والواحد سواء . PageV05P1695 لأن هؤلاء غير ممتنعين ، وأصحابهم بصنع هؤلاء ~~غير راضين . فإن كانوا أهل منعة فعلوا ذلك في دار الإسلام علانية بغير أمر ~~من ملكهم وأهل مملكته فهؤلاء ناقضون للعهد . لأنه ليس فائدة العهد إلا ترك ~~القتال ، فإذا جاهروا بالقتال متقررين بمنعتهم . كانوا ناقضين بمباشرتهم ضد ~~ما هو موجب للموادعة . فأما الملك وأهل مملكته فهم على موادعتهم . لأنه ما ~~باشروا سبب نقضها ولا رضوا بصنيع هؤلاء فلا يؤخذون بذنب غيرهم . وإن كانوا ~~خرجوا بإذن مليكهم فقد نقضوا جميعا العهد ، فلا بأس بقتلهم وسبيهم حيثما ~~وجدوا . لأن فعلهم بإذن الملك كفعل الملك بنفسه . وأهل المملكة تبع للملك ~~في الموادعة والمقاتلة لانقيادهم له ورضاهم بكونه رأسهم . فإذا صار هو ~~ناقضا للعهد صار أهل المملكة ناقضين للعهد تبعا له . سواء علموا بما صنع ~~ملكهم أو لم يعلموا إلا رجل خرج إلى دارنا قبل إذن ملكهم في الذي أذن ms0959 فيه ، ~~فإن ذلك الرجل قد حصل آمنا فينا فيبقى آمنا ما لم يعد إلى منعته . وإن كانت ~~الجماعة التي خرجت إلى القتال خرجت بعلم ملكهم فلم ينههم ولم يخبر المسلمين ~~بأمرهم فهذا والأول سواء . PageV05P1696 لأنهم حشمه ينقادون له ، والسفيه ~~إذا لم ينه مأمور ، ولأنه كان الواجب عليه بحكم الموادعة منعهم إن قدر على ~~ذلك أو إخبار المسلمين بأمرهم إن لم يقدر على ذلك ، فإذا ترك ما هو مستحق ~~عليه بتلك الموادعة كان ذلك بمنزلة أمره إياهم بالقتال . قال : ولو بدا ~~للإمام بعد الموادعة أن القتال خير فبعث إلى ملكهم ينبذ إليه فقد صار ذلك ~~نقضا . لأنه ليس على الإمام في الحرز عن الغدر فوق ما أتى به من النبذ إلى ~~ملكهم وإخباره بأنه قاصد إلى قتالهم . ولكن لا ينبغي للمسلمين أن يغيروا ~~عليهم ولا على أطراف مملكتهم حتى يمضي من الوقت مقدار ما يبعث الملك إلى ~~ذلك الموضع من ينذرهم - لأنا نعلم أن ملكهم بعد ما وصل الخبر إليه لا يتمكن ~~من إيصال ذلك إلى أطراف مملكته إلا بمدة فلا يتم النبذ في حقهم حتى تمضي ~~تلك المدة ، وبعد المضي لا بأس بالإغارة عليهم ، وإن لم يعلم المسلمون أن ~~الخبر أتاهم . لأنه ليس على المسلمين إعلامهم . وإنما عليهم إعلام ملكهم ، ~~ثم على ملكهم إعلام أهل مملكته ، فإن لم يفعل هو ذلك فإنما أتوا من قبل ~~ملكهم لا من قبل المسلمين . ولكن إن علم المسلمون يقينا أن القوم لم يأتهم ~~خبر فالمستحب لهم إلا يغيروا عليهم حتى يعلموهم . PageV05P1697 لأن هذا ~~شبيه بالخديعة ، وكما يحق على المسلمين التحرز عن الخديعة يحق عليهم التحرز ~~عما يشبه الخديعة . وهذا بخلاف ما سبق مما يكون فيه النقض من قبلهم ، إما ~~بجند أرسلوهم لقتال المسلمين أو برسول أرسلوه إلى إمام المسلمين ينبذون ~~إليه ، فإن هناك لا بأس للمسلمين أن يغيروا على أطرافهم وإن علموا أن الخبر ~~لم يصل إليهم . لأن هناك النقض جاء من قبلهم وكانوا أعلم به من المسلمين ، ~~فقد كان على ملكهم ألا يفعل ms0960 ذلك حتى يخبر به أطراف مملكته ، يقول . فإن ~~أحاط العلم لأهل ناحية من المسلمين بأن ذلك الخبر لم يصل إلى أهل ناحيتهم ، ~~فليس ينبغي أن يقاتلوهم حتى ينبذوا إليهم ز وهذا على سبيل الاستحسان فأما ~~الحكم أنه لا بأس بالإغارة عليهم . لأنه قد تم نقض العهد بما صنعه ملكهم ~~ولا يعتبر الوقت ها هنا . بخلاف ما إذا كان النقض من قبل إمام المسلمين . ~~لأن هناك الأعلام على إمام المسلمين فيجب الإمهال بقدر ما يتأتى فيه ~~الإعلام . PageV05P1698 وإذا كان النقض من قبلهم فالإعلام عليهم لا على ~~المسلمين ، فإنما يعتبر في ذلك حال الملك في الوجهين . لأن الدار إنما تكون ~~دار حرب ودار ذمة ودار أمان بالمنعة ، وذلك إنما يكون بسلطانها الذي يحكم ~~فيهم ، فإذا كان السلطان حربيا كانت الدار دار حرب يحل سبي من فيها إلا من ~~عرف بالإسلام أو الذمة . ولو كان خرج إلينا رجل من دار غير الموادعين إلى ~~دار الموادعين بأمان ثم خرج إلينا بغير أمان لم يكن لنا عليه سبيل . لأنه ~~لما حصل آمنا في دار الموادعة فقد التحق بأهلها ، ومن هو من أهل دار ~~الموادعة يكون آمنا فينا ، وإن خرج بغير استئمان جديد ، فكذلك من التحق بهم ~~. وكذلك لو كان أهل داره موادعين لأهل دار موادعينا . لأن تلك الموادعة ~~بينهم بمنزلة إعطاء الأمان من بعضهم لبعض . ألا ترى أنا لو دخلنا دار ~~موادعينا فوجدنا فيهم هذا الرجل لم يكن لنا عليه سبيل ، فإذا كان هو آمنا ~~في دار الحرب لا يجوز أن يخرج من أن يكون آمنا بخروجه إلى دارنا . ولو كان ~~خرج من داره إلى دار الإسلام قبل أن PageV05P1699 يدخل دار موادعينا ~~بالموادعة التي بين أهل داره وبين موادعينا كان فيئا لنا . لأنه لا موادعة ~~بيننا وبين أهل داره . ألا ترى أنا لو وجدناه في داره كان فيئا لنا وأن لنا ~~أن نغير على أهل دارهم ونأسرهم ، فكذلك إذا خرج هو إلينا كان فيئا لنا ولم ~~تنفعه الموادعة التي بينه وبين أهل دار موادعينا . ولو ms0961 دخل رجل من موادعينا ~~دار الذين وادعوهم بتلك الموادعة فقاتلنا أهل تلك الدار فظهرنا عليهم فقال ~~الرجل : أنا من أهل دار موادعيكم دخلت إلى هؤلاء لموادعة بيننا وبينهم لم ~~يقبل قوله إلا بحجة . لأنا وجدناه في موضع الإباحة فلا يقبل قوله فيما يدعى ~~من الحرمة إلا أن يقيم بينة من المسلمين فحينئذ يقبل بالبينة وكان هو آمنا ~~لأن دعواه الموادعة كدعواه عقد الذمة . ولو قال : كنت ذميا دخلت إلى هذه ~~الدار للتجارة فأقام البينة من المسلمين لم يحل أسره وقتله . ولو أن قوما ~~من أهل دار موادعينا أسرهم أهل دار أخرى فأدخلوهم دارهم أو أخرجوهم على أهل ~~دارهم فحاربوهم PageV05P1700 وألحقوا بأهل دار أخرى ثم ظهر المسلمون على ~~أهل تلك الدار كانوا فيئا للمسلمين . لأنهم صاروا من أهل دار أخرى حين ~~التحقوا بهم منابذين أهل دارهم محاربين لهم فلا يبقى بيننا وبينهم حكم ~~الموادعة لأن ذلك كان ثابتا لهم باعتبار دارهم . وكذلك الأسراء فقد صاروا ~~مقهورين في يد أهل دار أخرى لا يملكون من أمرهم شيئا وكان حكمهم حكم الدار ~~الأخرى بخلاف ما لو دخلوا إليهم بأمان . لأن المستأمنين لا يصيرون من أهل ~~الدار التي دخلوها بأمان . ألا ترى أن أهل الحرب إذا دخلوا إلينا مستأمنين ~~كانوا من أهل دارهم على حالهم بخلاف ما إذا أسرناهم فأدخلناهم دارنا أو ~~خرجوا إلينا منابذين لأهل دارهم على أن يكونوا ذمة لنا . ولو كانت امرأة من ~~أهل دار الموادعة تزوجت في أولئك الآخرين فنقلوها إليهم وولدت أولادا ثم ~~ظهر المسلمون على تلك الدار فهي وأولادها فيئ للمسلمين . لأن المرأة تابعة ~~لزوجها وزوجها من غير أهل الموادعة . PageV05P1701 ألا ترى أن المستأمنة لو ~~تزوجت فينا مسلما أو ذميا أنها تصير من أهل دارنا . ولو كان رجل من أهل دار ~~الموادعة تزوج امرأة من أهل الدار الأخرى فولدت أولادا بغير أمان لم يكن ~~للمسلمين عليها ولا على أولادها سبيل . لأنها صارت من أهل دار الموادعة ~~تبعا لزوجها . وكذلك لو اشترى رجل من أهل إحدى الدارين جارية من ms0962 أهل الدار ~~الأخرى فولدت أولادا ثم خرجت وأولادها بغير أمان لم يكن للمسلمين عليها ولا ~~على أولادها سبيل . لأنها صارت من أهل الموادعة تبعا لزوجها . وكذلك لو ~~اشترى رجل من أهل إحدى الدارين جارية من أهل الدار الأخرى فهذه والمنكوحة ~~سواء . لأن تبعية الأمة لمولاها كتبعية الحرة لزوجها أو أقوى منه . ولو أن ~~أهل دار الموادعة غلبوا على الدار الأخرى فصاروا عبيدا لهم ، أو جعلوهم ذمة ~~لهم ، يؤدون إليهم الخراج فليس ينبغي للمسلمين أن يتعرضوا لهم ، أما إذا ~~صاروا عبيدا لهم فلأن الأمان بسبب الموادعة ثبت للأملاك كما يثبت ~~PageV05P1702 للمالك . وأما إذا صاروا ذمة لهم فلأنهم صاروا من أهل دارهم ~~مقهورين تحت أيديهم ، بمنزلة أهل الذمة مع المسلمين ، فإن دار الذمة تكون ~~من جملة دار الإسلام ، ومن كان من أهل دار الموادعة لا سبيل لنا عليه . وإن ~~كان الذين لا موادعة بيننا وبينهم هم الذين غلبوا على بلاد الموادعين فلا ~~بأس للمسلمين أن يغيروا على الدارين جميعا . لما بينا أن المقهورين في ~~الدارين للقاهرين . ولا موادعة بيننا وبين القاهرين . وهذا للأصل الذي ~~بيننا أن المعتبر في حكم الدار هو السلطان في ظهور الحكم ، فإن كان الحكم ~~حكم الموادعين فبظهورهم على الدار الأخرى كانت الدار دار الموادعة ، وإن ~~كان الحكم حكم سلطان آخر في الدار الأخرى فليس لواحد من أهل الدارين حكم ~~الموادعة . قال : وإذا حاصر المسلمون أهل حصن في دار الحرب فأخذوا منهم ~~مالا على أن ينصروا عنهم فهذا المال فيء وفيه الخمس . لأنه مصاب على طريق ~~القهر والغلبة . بخلاف ما إذا أرسلوا إلى إمام المسلمين قبل أن ينزل الجيش ~~بساحتهم فوادعوه مدة على مال يعطونه . PageV05P1703 لأن ذلك المال غير ~~المصاب بطريق القهر ، ولكن بذلوه على سبيل الرضاء فأخذه إمام المسلمين ~~لإعزاز الدين وذل المشركين ، فكان بمنزلة الخراج والجزية لا يجب فيه الخمس ~~. والذين نقضوا العهد من أهل الذمة إذا وادعوا المسلمين بمال يعطونه فلا ~~بأس بأخذ ذلك المال منهم . لأنهم بنقض العهد صاروا كغيرهم من أهل الحرب . ~~بخلاف المرتدين ms0963 فإنه يكره أخذ الجعل منهم على الموادعة على ما بينا . وهذا ~~لأن قتل المرتد مستحق حدا فلا يجوز تأخيره بمال يؤخذ منه ولا يجوز تركه ~~بخلاف قتل الذين نقضوا العهد من أهل الذمة . ألا ترى أن هؤلاء رضوا بأن ~~يكونوا ذمة يؤدون الخراج على ما كانوا عليه من قبل جاز إجابتهم إلى ذلك ، ~~وأخذ الخراج منهم ، ولا يجوز مثل ذلك في حق المرتدين ، فكذلك أخذ المال ~~بطريق الموادعة من الفريقين . وإن صالح الإمام المرتدين على أن يعطوه من ~~رجالهم كل سنة مائة رأس فهذا لا بأس به . لأنه ليس في هذه الموادعة أخذ مال ~~منهم ، فإن المرتد لا يسترق بحال . ولكن يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا ~~قتل ، فهذا إظهار دليل يتوصل به إلى إقامة حكم الشرع فيهم وذلك مستقيم . ~~PageV05P1704 وإن صالحوه على أن يؤدوا إليه كل سنة مائة رأس من نسائهم ~~وصبيانهم فلا بأس بهذا أيضا . لأن الحكم في نسائهم الإجبار على الإسلام كما ~~أن الحكم في رجالهم القتل إن لم يسلموا ، فبهذا الصلح يتوصل إلى إقامة حكم ~~الشرع فيهم ، وليس في هذا الصلح اشتراط المال عليهم ، وإنما قلنا ذلك لأن ~~الرءوس التي نأخذهم في كل سنة يغر معينين ، وبالموادعة صاروا آمنين فلا ~~يجوز استرقاقا أحد منهم بعد ذلك . ولكنا نجبر من أخذنا منهم بحكم الشرك على ~~الإسلام فإن أسلموا كانوا أحرارا ، وهذا بخلاف ما إذا صالحوه من نسائهم ~~وصبيانهم كل سنة على مائة رأس بأعيانهم فإن هذا مكروه . لأن الأمان لا ~~يتناول هؤلاء المعينين . فإذا أخذوا كانوا عبيدا للمسلمين ، لأن النساء ~~والذرارى من المرتدين يسترقون بعد ما صاروا من أهل دار الحرب ، فاشتراط ~~هؤلاء عليهم في الموادعة كاشتراط مال آخر . وقد بينا أن ذلك مكروه ، ولكن ~~إن أخذ لم يرد عليهم ، وكان فيئا فكذلك هؤلاء إن أخذوا كانوا مماليك ~~للمسلمين يجبرون على الإسلام . PageV05P1705 وإن كان الصلح على مائة رأس من ~~رجالهم المرتدين بأعيانهم في كل سنة لم يكره ذلك . لأنه لا رق على رجالهم ~~المرتدين بحال ، وليس في ms0964 هذا اشتراط خراج عليهم في الموادعة سواء كانوا ~~بأعيانهم أو بغير أعيانهم . ولو أن الإمام قاتل قوما من العرب من عبدة ~~الأوثان فطلبوا إليه الموادعة فحال هؤلاء في حكم الموادعة كحال المرتدين في ~~جميع ما ذكرنا . لأنهم لا يسترقون ولا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام ، ~~كما هو الحكم في المرتدين . إلا في خصلة واحدة إذا قالوا أمنونا على أن ~~نعطيكم مائة رأس من رجالنا في كل سنة فإنه لا ينبغي للإمام أن يؤمنهم على ~~هذا ، بخلاف المرتدين فإن فعل لم يأخذ مائة رأس من رجالهم من العرب ولكن ~~يأخذ مائة رأس من أرقائهم فيضعها موضع الخراج . وبه يتبين أن في هذا اشتراط ~~المال عليهم في الموادعة فكان مكروها ، وفي المرتدين لا يتعين المائة الرأس ~~من رجال عبيدهم فلا يكون فيه اشتراط المال ، وإنما كان كذلك لأن العبيد من ~~المرتدين يقتلون كأحرارهم إن لم يسلموا ، فلا فائدة في تعيين مائة رأس من ~~عبيدهم ، وعبيد مشركي العرب ليسوا كأحرارهم في استحقاق القتل ، فإنا إذا ~~ظهرنا على عبيدهم لا نقتلهم PageV05P1706 فكان في تعيين مائة رأسه من ~~العبيد فائدة للمسلمين ومقتضى هذا الشرط تملك المسمى على وجه يستدام الملك ~~فيهم ، وعبيدهم محل ذلك دون أحرارهم . وفي الكتاب أشار في الفرق إلى حرف ~~آخر قد طوله . والمقصود أن المرتد راجع عن الإسلام بعد ما أقر به فكان قتله ~~مستحقا حدا . ألا ترى أنه لو دخل إلينا بأمان رسولا أو غير رسول لم ندعه ~~يرجع إلى دار الحرب ، ولكن نعرض عليه الإسلام فإن اسلم وإلا قتل ، بمنزلة ~~من استحق قتله قصاصا إذا لحق بدار الحرب ثم دخل إلينا بأمان ، فأما عبدة ~~الأوثان من العرب فلم يكن لهم أصل الإسلام . ألا ترى أن من دخل منهم إلينا ~~بأمان رسولا أو غير رسول مكناه من الرجوع إلى داره ، فقد كانوا يأتون رسول ~~الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بأمان فيؤمنهم ويفي لهم بالأمان ، فعرفنا ~~أن قتلهم غير مستحق جدا . والدليل عليه أن الحكم في النساء والصبيان من ms0965 ~~المرتدين الجبر على الإسلام إذا استرقوا ، وأن من تهود منهم أو تنصر لم يحل ~~للمسلمين أكل ذبيحته ولا وطء النساء منهم بعد الاسترقاق بملك اليمين ، ~~بخلاف العرب ، والحكم في مشركي العرب أن نساءهم وصبيانهم يكونون فيئا ولا ~~يجبرون على الإسلام إذا استرقوا ، ومن كان منهم من أهل الكتاب فإنه توكل ~~ذبيحتهم ويحل وطء نسائهم بالملك بعد الاسترقاق فبهذا تبين أن قتلهم غير ~~مستحق حدا . فإذا وقع الصلح على مائة رأس من رجالهم كل سنة قلنا ينصرف ذلك ~~إلى من يكون محلا للتملك بعد الأمان ، PageV05P1707 وذلك عبيدهم دون ~~أحرارهم ، يقرر هذا أن في هذا الموضع لو أخذنا مائة رأس من أحرارهم لا يمكن ~~أن نقتلهم . لأن الأمان قد تناولهم ، وبعد الأمان لا يحل قتلهم بخلاف ~~المرتدين فإن هناك لا يمنع قتلهم بسبب الأمان ، فلهذا نأخذ المائة الرأس من ~~أحرارهم ثم نعرض عليهم الإسلام فإن أسلموا وإلا نقتلهم . والحكم في أهل ~~الكتاب من العرب كالحكم في سائر المشركين من غير العرب لا بأس بأن يؤخذ ~~منهم على الموادعة خراج . لأن هؤلاء لو طلبوا أن يكونوا ذمة لنا جاز ~~إجابتهم إلى ذلك ، وفيهم نزل قوله تعالى : ^ ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون ) ^ . وصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل نجران ، وهم ~~نصارى من العرب ، على ألف ومائتي حلة في كل سنة . وأراد عمر رضي الله عنه ~~وضع الجزية على بني تغلب وهم من العرب ثم صالحهم على الصدقة المضاعفة فقال ~~: هذه جزية فسموها ما شئتم . فإذا تبين بهذه النصوص جواز أخذ الخراج منهم ~~جوزنا أخذ المال منهم على سبيل الموادعة أيضا بالقياس على الخراج . واستدل ~~بحديث الحسن قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن نقاتل العرب ~~على الإسلام ولا نقبل منهم غيره وأمر أن يقاتل أهل الكتاب على الإسلام فإن ~~أبوا فالجزية . فإن وادع هؤلاء على مائة رأس في كل سنة فهو PageV05P1708 ~~جائز ، ثم إنما يأخذ المائة الرأس من أرقائهم لا من أنفسهم وذراريهم . لأن ~~الأمان قد ms0966 تناولهم فلا يمكنه أن يأخذ شيئا من ذلك منهم . وإن أخذه كان عليه ~~رده ، وإن أعطوه قيمة الرءوس من دراهم أو دنانير فعليه أن يأخذ ذلك منهم ، ~~كما هو الحكم في اشتراط الرأس مطلقا في مبادلة مال بما ليس بمال . وإن ~~عزلوا في كل سنة مائة رأس من نسائهم وصبيانهم وقالوا : آمنونا على هؤلاء ~~فلا بأس بذلك . لأن الأمان لم يتناولهم واسترقاقهم جائز . وكل موادعة من ~~هذه الموادعات لم يأخذ الإمام فيها جعلا فله أن ينقضها متى شاء إذا رأى ~~الحظ للمسلمين في ذلك ولكن لا يقاتلهم من غير نبذ وإمهال حتى يصل الخبر إلى ~~أطرافهم للتحرز عن الغدر . وإن كانت الموادعة على جعل فله أن ينقضها متى ~~شاء أيضا . ولكن يرد عليهم بحصة ما بقي من المدة من الجعل . حتى لو وادعهم ~~ثلاث سنين على ثلاثة آلاف دينار وقبضها كلها ثم أراد نقض الموادعة بمد سنة ~~فعليه رد ثلثي المال . PageV05P1709 ألا ترى أنه لو بدا له عقب الموادعة في ~~النقض لزمه رد جميع المال ، فكذلك إذا بدا له ذلك بعد مضي بعض المدة . وإن ~~مضت المدة فقد انتهت الموادعة وحل قتالهم بغير نبذ الأمان ، إلا أن من كان ~~منهم في دارنا بتلك الموادعة فهو آمن ، وإن مضت المدة حتى يعود إلى مأمنه . ~~لأنه حصل آمنا في دارنا فما لم يبلغ مأمنه لا يرتفع حكم ذلك الأمان والله ~~تعالى الموفق . PageV05P1710 # | باب الموادعة مما يصالح عليه المسلمون المشركين فيسعهم قتالهم بعده أو ~~لا يسع # | قال رضي الله عنه : ولو أن جندا من المشركين حاصروا بعض مدائن المسلمين ~~فخافهم المسلمون على أنفسهم وذراريهم وقالوا لهم : نعطيهم عشرة آلاف دينار ~~على أن تنصرفوا عنا إلى بلادكم فرضوا به وقبضوا الجعل ثم إن المسلمين رأوا ~~منهم عورة قبل أن ينصرفوا عنهم وبعد ما انصرفوا قبل أن ينتهوا إلى بلادهم ~~فلا بأس بأن يغير عليهم المسلمون أغر ما كانوا ، فيقتلون ويسبون من غير نبذ ~~. لأن المسلمين ما آمنوهم وإنما فدوا أنفسهم وذراريهم بالمال على أن ms0967 ~~ينتصفوا منهم إذا قدروا على ذلك . قال تعالى : ^ ( ولمن انتصر بعد ظلمه ~~فأولئك ما عليهم من سبيل ) ^ . وقال تعالى : ^ ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا PageV05P1711 وأن الله على نصرهم لقدير ) ^ . ثم النبذ إليهم للتحرز ~~عن الغدر ، وذلك إذا أخذ المسلمون منهم مالا ، لا إذا أعطوهم مالا رشوة على ~~أن ينصرفوا عنهم . ولو كانوا قالوا لهم : نصالحكم على أن نعطيكم عشرة آلاف ~~دينار على أن تتصرفوا عنا إلى بلادكم ، أو قال المشركون للمسلمين صالحونا ~~على أن تعطونا عشرة آلاف دينار على أن ننصرف عنكم ، والمسألة بحالها ، فليس ~~ينبغي للمسلمين أن يغيروا عليهم حتى ينبذوا إليهم ، أو يرجع القوم إلى ~~بلادهم للصلح والموادعة التي جرت بين الفريقين ، فإن قتالهم بعدها من غير ~~نبذ يكون غدرا للأمان ، وذلك حرام . والمصالحة على ميزان المفاعلة ، ~~فيتناول الجانبين سواء قال ذلك المسلمون أو المشركون . وكذلك لو قال أحد ~~الفريقين للآخر نسالمكم أو نتارككم أو نوادعكم أو تؤمنونا ونؤمنكم . ألا ~~ترى أنهم لو ذكروا شيئا من هذه الألفاظ من غير بدل يشترطه أحد الفريقين على ~~صاحبه لم يحل قتالهم بعد ذلك من غير نبذ فكذلك عند اشتراطه إذا أعطوهم مالا ~~على ذلك وعند المصالحة والموادعة إنما لا يحل قتالهم من غير نبذ إلى أن ~~يبلغوا مأمنهم فإذا بلغوا مأمنهم فلا بأس بذلك . PageV05P1712 لأن الموادعة ~~كانت على الانصراف عنهم مطلقا ، وانصرافهم عن المسلمين إنما يكون بوصولهم ~~إلى دار الحرب ، ومأمنهم عادة ، وفي العادة إنما ينصرفون إلى مأمنهم ~~والمطلق من الكلام يتقيد بدلالة العرف . وإن قالوا نعطيكم كذا على ألا ~~تقاتلونا حتى تنصرفوا عنا فهذا وذكر المصالحة والموادعة سواء . لأن ~~المقاتلة تكون من الجانبين ففي هذه اللفظة اشتراط ترك القتال من الجانبين ~~وذلك يوجب الموادعة ، والتصريح بموجب العقد كالتصريح يلفظ العقد . وإن ~~قالوا نعطيكم كذا على ألا تقتلوا منا أحدا حتى تنصرفوا فلا بأس للمسلمين أن ~~يغيروا عليهم . وكذلك لو قالوا على أن تكفوا عنا شهرا . لأن ، في هذين ~~اللفظين ، المسلمين ما شرطوا على أنفسهم لأهل الحرب أمانا صريحا ولا ms0968 دلالة ~~. ولو قالوا نصالحكم أو نوادعكم على أن نعطيكم كذا على أن تكفوا عنا شهرا ~~فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى ينبذوا إليهم أو يمضي الوقت . لأنهم شرطوا ~~لهم الأمان على أنفسهم في المدة بذكر لفظ المصالحة والموادعة ولكن الموادعة ~~تحتمل التوقيت لأن موجبها حرمة القتال ، والحرمات تحتمل التوقيت فما لم يمض ~~الشهر لا ينتهي الأمان . PageV05P1713 ثم إن كان هذا في غرة الهلال ~~فالمعتبر شهر بالهلال ، نقص أو لم ينقص ، وإن كان في بعض الشهر فهذا على ~~ثلاثين يوما . لأن الأهلة في الشهور أصل ، والأيام بدل عنه . قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم : ' صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم ~~فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ' والمصير إلى البدل عند فوات الأصل لا مع قيامه ~~. وإن كانوا صالحوهم على سنة مستقبلة فإن كان ذلك عند غرة الهلال فهو على ~~اثني عشر شهرا . قال الله تعالى : ^ ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتاب الله ) ^ . وإن كان ذلك في بعض الشهر فإنه يعتبر أحد عشر شهرا ~~بالأهلة وشهر بالأيام فينظر إلى ما بقي من أيام هذا الشهر ثم يحسب من الشهر ~~الثالث عشر تمام ثلاثين يوما بهذه الأيام . وهذا قول أبي يوسف ومحمد رحمهما ~~الله ، فأما عند أبي حنيفة رضي الله عنه يعتبر الشهور كلها بالأيام ، وقد ~~بينا هذا الخلاف في العدة ومدة الإجارة في شرح المختصر ، فهما يقولان إنما ~~يصار إلى البدل عند تحقق فوات الأصل وذلك شهر واحد ، وأبو حنيفة رضي الله ~~عنه يقول : لا يدخل الشهر الثاني ما لم يتم الشهر الأول ، فيكون دخول الشهر ~~الثاني في وسط الشهر كدخول الشهر الأول ، وهكذا كل شهر بعد ذلك . ~~PageV05P1714 ولو قال لهم نعطيكم كراعنا وسلاحنا على أن تعطونا ألف دينار ~~وتنصرفوا عنا فلا بأس بأن يقاتلهم المسلمون من غير نبذ . لأن ما ذكروا ~~بمنزلة بيع جرى بينهما . والبيع لا يكون دليل أمان بين المتبايعين ثم ~~سألوهم أن ينصرفوا عنهم . وليس في هذا اشتراط أمان لهم على أنفسهم . وإن ms0969 ~~كانوا قالوا نصالحكم أو نتارككم أو نسالمكم على أن نعطيكم الكراع والسلاح ~~على أن تعطونا ألف دينار وتنصرفوا عنا فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوهم حتى ~~ينبذوا إليهم أو يبلغوهم مأمنهم . لوجود لفظ هو دليل الأمان من الجانبين ، ~~وبانضمام البيع إلى المصالحة لا يتغير حكم المصالحة . فإن أرادوا أن ينبذوا ~~إليهم وهم في دار الإسلام بعد فليس لهم ذلك . لأنهم قد أخذوا منهم مالا ، ~~والمصالحة إذا كان فيها أخذ مال فالنبذ فيها لا يتم بدون رد المال إليهم . ~~ولكن السبيل أن يعرضوا عليهم بأن يردوا ما أخذوا من السلاح والكراع ، ويرد ~~المسلمون عليهم ما لهم ثم يقاتلونهم ، فإن رضوا بذلك ترادوا ثم قد تم النبذ ~~فلا بأس بقتالهم ، وإن أبى المشركون أن يردوا ما أخذوا فحينئذ لا بأس بأن ~~ينبذوا إليهم ثم يقاتلوهم ولا يردون عليهم ما أخذوا . PageV05P1715 لأن ~~المشركين حين امتنعوا من رد الكراع والسلاح فقد رضوا بأن يكون المال ~~المأخوذ منهم بمقابلتها فتبقى المصالحة بين الفريقين متعرية عن البدل ، ~~والقتال فيه يحل بعد النبذ من غير رد شيء . ولو صالحوهم على أن يعطوهم ~~الكراع والسلاح على أن ينصرفوا عنهم ففعلوا ذلك وبلغوا مأمنهم ، ثم دخلت ~~سرية دار الحرب وأصابوا ذلك الكراع والسلاح فليس لأصحابه عليه سبيل سواء ~~وجدوه قبل القسمة أو بعدها . لأنهم أعطوهم ذلك بطيب أنفسهم في حال ما كانوا ~~ممتنعين منهم ، وحق الأخذ للمالك القديم فيما يجده في الغنيمة إنما يثبت ~~فيما أخذ منه قهرا لا فيما أعطاه بطيب نفسه طوعا ، لأن ما أخذ منه قهرا قد ~~صار هو فيه مظلوما . وعلى الغزاة القيام بنصرته ، ودفع الظلم عنه بإعادته ~~إلى يده . فأما ما أعطاه بطيب نفسه فهو ليس بمساو لما أخذ منه قهرا ، وحق ~~الأخذ بعد زوال ملكه حكم ثبت بالنص بخلاف القياس ، فلا يلتحق به ما ليس في ~~معناه من كل وجه . ألا ترى أنهم لو أعطوا في فداء أسارى المسلمين بعض ~~أمتعتهم ثم وجدوا ذلك في الغنيمة لم يكن لهم عليه سبيل لأنهم أعطوه بطيب ms0970 ~~أنفسهم ، وبهذا يتضح الجواب عن الإشكال الذي قال إن سبب وصول هذا المال إلى ~~أيديهم كان ظلما منهم . وهو محاصرة المسلمين ، وكان هذا كالمأخوذ على سبيل ~~الاستيلاء قهرا ، لأن هذا المعنى في فداء الأسارى موجود فقد كانوا ظالمين ~~في حبس أحرار المسلمين حتى فاداهم المسلمين بمال . PageV05P1716 ولو كانوا ~~لم يدخلوا بالكراع والسلاح دار الحرب حتى ظفر بهم أهل السرية فهذا والأول ~~سواء . لأن بنفس الأخذ صار المأخوذ مملوكا لهم إذا الملاك أعطوا بطيب ~~أنفسهم ، ومثل هذا السبب يتم بالقبض كالتملك بالبيع والهبة ، بخلاف ما لو ~~أخذوه بطريق الاستيلاء ، فإنهم لا يملكونه قبل الإحراز بدارهم لأن السبب ~~هناك هو القهر وذلك لا يتم ما لم يحرزوه بدارهم . ثم يكون هذا فيئا لأهل ~~السرية يخمس . لأن أهل الشرك أهل منعة في دارنا فلا أمان لهم منا . وإذا ~~وقع الظهور عليهم كان لما يؤخذ منهم حكم الغنيمة في أيدينا . ولو كانوا ~~صالحوا رجلا حربيا أو قوما غير ممتنعين في دار الإسلام على أن يعطوهم متاعا ~~في فداء الأسارى من أحرار المسلمين ثم أغار عليهم المسلمون ، وقد دخلوا ~~دارنا بغير أمان فأخذوهم أرقاء - وما معهم ، فإن المتاع مردود على صاحبه ~~بخلاف ما إذا كان المشركون أهل منعة . لأن حكم قبضتهم إنما يتم باعتبار ~~منعتهم ، وذلك بالوصول إلى دارهم أو بأن يكونوا أهل منعة في أنفسهم ، فإذا ~~لم يوجد ذلك لم يتم قبضهم ، بل كان المال باقيا على ملك الدافع ؛ لأنه إنما ~~دفعه في فداء أسير حر ، والأسير الحر لا يملك بحال ، فلم يكن العقد مبادلة ~~حقيقية حتى يثبت الملك بنفس PageV05P1717 العقد أو بأدنى القبض فلا بد من ~~الإحراز ليتم القبض موجبا للملك له في المقبوض . ألا ترى أن صاحب ذلك ~~المتاع لو تمكن من أخذه منهم بعد ما خلوا سبيل الأسير كان له أن يأخذه ، ~~لأنهم أخذوه بسبب هو ظلم ، وهو حبس الأسير الحر فكذلك إذا أخذه غيره من ~~المسلمين كان عليه أن يرده عليه . ألا ترى أنهم لو أسلموا قبل أن يرجعوا ~~إلى ms0971 دارهم أمروا برد ذلك إلى أهله بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة فإنهم بعد ~~الإسلام لا يؤمرون برده ، فكذلك إذا وصل إلى يد المسلمين في الفصلين . ولو ~~كانوا أخذوا المال بطريق الاستيلاء ، كان عليهم الرد إذا أسلموا قبل ~~الإحراز بدارهم سواء كانوا أهل منعة أو لم يكونوا . فكذلك إذا وصل إلى يد ~~المسلمين كان عليهم الرد في الوجهين ، فكان المعنى في الفرق بينهما إذا ~~كانوا أهل منعة أو لم يكونوا فيما أخذوا بطريق الصلح في فداء الأسارى أنهم ~~إذا كانوا أهل منعة فحكم المسلمين لا يجري في عسكرهم لأنهم غير ملزمين لذلك ~~طوعا ، وولاية الإلزام منقطعة باعتبار منعتهم ، فلا يؤثر معنى الظلم في منع ~~ثبوت الملك لهم بالقبض ، وإن لم يكونوا أهل منعة فحكم الإسلام جاز عليهم ~~بثبوت ولاية الإلزام بالقهر ، فلا يصير PageV05P1718 مملوكا لهم بالقبض إذا ~~كانوا ظالمين فيه ، وإن كان صاحبه أعطى بطيب نفسه بمنزلة الرشوة والمال ~~الذي يعطى بعض الظلمة على وجه المصانعة . والذي يوضح هذا أنهم إذا كانوا ~~أهل منعة فدخل مسلم عسكرهم ، وباعهم الدرهم بالدرهمين كان جائزا . ولو لم ~~يكونوا أهل منعة لم يجز ذلك ، فبهذا الفصل تبين ما قررناه من معنى الفرق . ~~ولو أن أهل المنعة منهم أخذوا قوما من المسلمين وقالوا لهم : لنقتلنكم أو ~~تعطونا أموالكم أو تدلونا عليها ففعلوا ذلك ، ثم أسلم المشركون أو ظهر ~~عليهم قوم من المسلمين فاستنقذوا تلك الأموال من أيديهم ردوها على أهلها ~~قبل القسمة وبعد القسمة بغير شيء . لأنهم أخذوا المال ها هنا قهرا ، فإنهم ~~حين أخذوا الملاك ، وقهروهم فقد صاروا آخذين بغير شيء لما معهم من المال ، ~~وفي مثل هذا السبب لا يملكون مال المسلم قبل الإحراز بدارهم ، فلهذا وجب ~~عليهم رده إذا أسلموا ، ووجب على المسلمين رده إذا أصابوه قبل القسمة ~~وبعدها ، بخلاف ما سبق ، فهناك صاحب المال أعطى المال بطيب نفسه في حال ما ~~كان ممتنعا من المشركين ، فيصير مملوكا لهم بالقبض إذا كانوا أهل منعة ، لا ~~يجري عليهم حكم المسلمين . ولو أن أهل ms0972 المدينة الذين أحاط بهم المشركون ~~قالوا لهم : نخرج عنكم بنسائنا وذرارينا ونسلم لكم المدينة وما فيها ، ~~فخرجوا على هذا أو لم يخرجوا أو خرج بعضهم PageV05P1719 ثم رأوا عورة ~~للمشركين فلا بأس بأن يغيروا عليهم ويقاتلوهم من غير نبذ . لأنهم لم ~~يؤمنوهم ، وإنما أخبروهم أنهم يخرجون ويسلمون المدينة إليهم ، وليس في هذا ~~ما يدل على أمان بينهم ، بل فيه ما يدل على تحقيق القهر ، فكان لهم أ ، ~~يقاتلوهم من غير نبذ إذا تمكنوا من ذلك . ولو قالوا نصالحكم على أن نخرج ~~عنكم ، والمسألة بحالها فليس لهم أن يقاتلوهم حتى ينبذوا إليهم . لأن لفظ ~~المصالحة دليل اشتراط الأمان من الجانبين على الشرط الذي وقع الصلح عليه ، ~~وذلك يمنع القتال من غير نبذ . فإن خرج المسلمون عنهم بذراريهم ، فلما ~~صاروا على باب المدينة رأوا من المشركين عورة فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم ~~حتى ينبذوا إليهم . لأن المقصود خروجهم بذراريهم إلى موضع يأمنون فيه من ~~المشركين بغير صلح . وهذا يعرفه كل واحد إذا رجع إلى عرف الناس ، وبمجرد ~~الخروج إلى باب المدينة لا يتم هذا المقصود فلا ينتهي حكم الأمان . وكذلك ~~إذا كانوا بالقرب من المشركين بحيث يخاف بعضهم من بعض لولا الصلح فأما إن ~~وصلوا إلى موضع لا يخاف بعضهم من بعض إلا بالرجوع إليهم والصيرورة ~~PageV05P1720 نحوهم فلا بأس بأن يرجع المسلمون إليهم ويقاتلوهم من غير نبذ ~~. لأن الأمان الثابت من الجانبين بذلك الصلح قد انتهى بوصول المسلمين إلى ~~موضع يأمنون فيه من المشركين ، فإن المقصود بذلك الصلح أن يتميز أحد ~~الفريقين من الآخر ، وقد حصل التميز حقيقة وحكما بهذا القدر . ولو كان ~~المسلمون دخلوا دار الحرب فأحدق بهم المشركون ثم اصطلحوا على أن يسلم لهم ~~المسلمون ما في العسكر على أن يرجع المسلمون عنهم أو يرتحلوا فليس ينبغي ~~للمسلمين أن يقاتلوهم من غير نبذ حتى يدخلوا دار الإسلام . لأن الارتحال ~~إنما يتم بالخروج من دارهم ، وبوصول المسلمين إلى مأمنهم ، ومأمنهم دار ~~الإسلام ، وفي الأول أهل الحرب كانوا في دار الإسلام فارتحال المسمين ms0973 عنهم ~~إنما يتم بوصولهم إلى موضع يأمن فيه أحد الفريقين عن الآخر فكان قولهم في ~~دار الحرب على أن ترجعوا عنا بمنزلة قولهم حتى ترجعوا عنا إلى بلادكم - لأن ~~المعروف بالعرف كالمشروط بالنص . ولو كان أهل المدينة المحصورون في دار ~~الإسلام صالحوا المشركين على أن يخرجوا عنهم بنسائهم وذراريهم إلى موضع كذا ~~فلا ينبغي لهم أن يقاتلوهم من غير نبذ حتى يبلغوا ذلك المكان . ~~PageV05P1721 لأن الشرط هكذا جرى بينهم والشرط أملك . فإن خرجوا عنهم إلى ~~موضع يأمن فيه بعضهم من بعض ثم أقام المسلمون في تلك المواضع قدر المسير ~~إلى الموضع الذي كانوا شرطوا لهم ثم أرادوا أن يغيروا عليهم بغير نبذ فلا ~~بأس بذلك . لأن مقصودهم ليس عين ذلك المكان ، ولكن الأمان لهم من جهتهم في ~~مدة السير إلى ذلك المكان وقد حصل ذلك ، وإنما يبتنى الحكم على المقصود لا ~~على ظاهر اللفظ ، لأن المعتبر ما يكون مفيدا دون ما لا يكون مفيدا . فقد ~~ذكر في الكتاب قدر المسير إلى ذلك الموضع فقط . قال الشيخ رحمه الله : ~~والأصح عندي أنه يعتبر من المدة مقدار المسير إلى ذلك الموضع ومقدار ~~الانصراف من ذلك الموضع الذي هم فيه . لأن مقصود أهل الحرب من ذكر ذلك ~~الموضع في شرط الأمان ألا يتمكنوا من الرجوع إليهم ، بعد الوصول إلى ذلك ~~الموضع إلا بمدة مديدة ، وهذا المقصود لا يحصل إلا بما ذكرناه . فإن قال : ~~ألا ترى أنهم لو شرطوا الخروج عنهم إلى الكوفة فأتوا البصرة أو مكة أو ~~الشام ، وذلك أبعد من الكوفة فإنه يكون لهم أن يرجعوا إليهم فيقاتلوهم بغير ~~نبذ . PageV05P1722 وفي هذا إشارة إلى ما ذكرنا من أنه لا فائدة لهم في ~~اعتبار عين المكان المسمى . وإنما فائدتهم في اعتبار المدة . ألا ترى أنهم ~~لو صالحوهم على أن يخرجوا عنهم على ألا يقاتلوهم شهرا أو على أن يذهبوا في ~~بلاد المسلمين شهرا فلما كانوا على مسيرة أيام أقاموا في ذلك المكان شهرا ، ~~ثم أغاروا عليهم من غير نبذ لم يكن به بأس ms0974 ، لحصول المقصود بمضي المدة ~~المذكورة ، ولكن هذا كله بعد أن يصلوا إلى موضع يأمن فيه أحد الفريقين من ~~الآخر ، فأما قبل ذلك فحالهم كحال ما لو كانوا في المدينة لم يخرجوا عنهم ~~بعد ، وفي كل موضع من هذه المواضع كرهنا فيه لأهل المدينة أن يقاتلوهم نم ~~غير نبذ ، فكذلك يكره ذلك لغيرهم من المسلمين وأهل الذمة . لأنهم في أمان ~~من جهة أهل المدينة بالصلح الذي جرى بينهم ، وأمان بعض المسلمين نافذ في حق ~~جماعة المسلمين وأهل ذمتهم . قال صلى الله عليه وآله وسلم : ' ويسعى بذمتهم ~~أدناهم ' . وفي كل موضع جاز لأهل المدينة أن يكروا عليهم فيقاتلوهم من غير ~~نبذ فكذلك جائز بغيرهم من المسلمين وأهل الذمة بطريق الأولى . والله أعلم ~~بالصواب وإليه المرجع والمآب . PageV05P1723 # | باب من فداء المشركين في الموادعة # وما يكون محرزا بغصب المشركين وما لا يكون | وإذا وادع المسلمون المشركين ~~على أن يؤدوا إلى المسلمين مائة رأس في كل سنة ، على أن يكونوا آمنين في ~~دارهم لا يجري المسلمون عليهم أحكامهم ، ولا يغيرون ، فليس ينبغي للمسلمين ~~الموادعة على هذا إلا الخوف من المشركين . لأن المقصود بالموادعة ما هو ~~المقصود بعقد الذمة ، وهو الدعاء إلى الدين بأرفق الطريقين ، والتزام أهل ~~الحرب بعض أحكام المسلمين ، وهذا لا يحصل إذا شرطوا أن يكونوا متقررين في ~~دارهم ، لا يجري المسلمون عليهم أحكامهم ، فلا يجوز الإجابة إلى ذلك إلا ~~عند الضرورة . وعند ذلك المائة الرأس عليهم من أوساط الرؤوس في كل سنة ، إن ~~أتوا بالرؤوس أو بالقيمة وجب قبولها منهم ، كما هو الحكم في اشتراط الرأس ~~مطلقا في مبادلة | PageV05P1724 مال بما ليس بمال ، وإن أعطوا بالرءوس التي ~~وجبت عليهم حنطة أو كراعا أو سلاحا أو برا كان للمسلمين ألا يقبلوا ذلك ~~منهم . لأن قبول هذه الأشياء يكون بطريق المبايعة وهو يعتمد الرضاء من ~~الجانبين بخلاف القيمة دارهم أو دنانير ، فإن القيمة تقوم مقام الرءوس ~~باعتبار المالية ، وهي المستحقة بهذه التسمية . ولا يكون امتناع المسلمين ~~من أخذ جنس آخر منهم نقضا لما كان بينهم ms0975 من الموادعة . لأنهم امتنعوا من ~~مباشرة عقد الشراء وهو عقد آخر سوى الموادعة فلا يبطل ذلك بالموادعة أصلا ، ~~قال : والرءوس الأوساط من رقيق أولئك الحربيين ليس عليهم أن يعطوا الرءوس ~~من غير رقيقهم ؛ لأن مطلق التسمية ينصرف إلى ما هو المعروف بالعرف ، والعرف ~~الظاهر أنهم إنما يلتزمون تسليم الرءوس من رقيقهم إلا أن يسمى المسلمون ~~شيئا آخر معروفا ، فإن العرف يسقط اعتباره عند وجود التسمية بخلافه ، فإن ~~أتوهم بمائة رأس من أبنائهم أو نسائهم فليس ينبغي للمسلمين أن يأخذوا ذلك ~~منهم ؛ لأن الأمان قد تناولهم فصاروا به معصومين عن الاسترقاق ، ~~PageV05P1725 ألا ترى أن رجلا منهم لو باع من مسلم ابنه بعد هذا الأمان لم ~~يجز هذا البيع ، ولم يملكه المسلم ، لأجل الأمان ، فكذلك في الموادعة لا ~~يجوز أخذهم بعد ما تناولهم الأمان ، ولكن لو كان الملك قاهرا لهم وهم جميعا ~~مقرون له بالملك يبيع ويهب من شاء منهم ، فأعطى الملك منهم مائةرأس فلا بأس ~~بذلك ، لأن القوم مقرون له بالعبودية ، وبهذا الإقرار صاروا عبيدا له ينفذ ~~تصرفه فيهم بالبيع وغيره ، فلذلك يجوز أخذهم منه في الرءوس المشروطة عليهم ~~في الموادعة ، ولو لم يكونوا له مقرين بالعبودية فجاء بمائة رأس وقال : هم ~~عبيدي فخذوهم ، وقال القوم : بل نحن أحرار ، فإن كانت المائة الرأس مقهورين ~~بحشم الملك في أيديهم حين أتونا بهم فلا بأس بأخذهم ؛ لأنهم إن كانوا عبيدا ~~لهم فأخذهم حلال لنا ، وإن كانوا أحرارا فقد صار قاهرا لهم بقوة السلطنة ~~وقوة الحشم ، فكانوا عبيدا له أيضا وهذا لأن ملكهم إذا كان هو الذي يفعل ~~بهم هذا وهذا عندهم جائز في حكمهم أن من قهر إنسانا فاستعبده كان عبدا له ~~أجزنا عليهم من ذلك ما أجازوا على أنفسهم ، لأنهم شرطوا في أصل الموادعة أن ~~أحكامنا لا تجري عليهم ، وبهذا الشرط كان الجاري عليهم أحكام الشرك ، فيجزي ~~عليهم من ذلك ما أجازوا على أنفسهم ، وبهذا الطريق قال أيضا ، وإن علمنا أن ~~المائة الرأس من أحرارهم قهروهم في بلادهم واستعبدوهم ، ثم جاءونا بهم ms0976 ~~مقهورين ، فلا بأس PageV05P1726 بأخذهم لما قررنا ، ولو كانوا دخلوا جميعا ~~دارنا بغير أمان إلا بتلك الموادعة كانوا آمنين بها في دارهم فكذلك بعد ~~خروجهم إلى دار الإسلام فإن قهروا منهم مائة رأس بعد ما خرجوا إلينا لم ~~يسعنا أن نأخذ ذلك منهم ، ولكنا نمنعهم من قهرهم ؛ لأن حكم الإسلام ظاهر في ~~دارنا ، ومن حكم الإسلام ألا يسترق من المستأمنين أحد ، وهذا لأن هذا القهر ~~ظلم من القاهرين للمقهورين ، وعلينا دفع الظلم عن المستأمنين على الوجه ~~الذي ندفع به عن المسلمين وأهل الذمة ، ألا ترى أنهم بعد هذا القهر ~~والاستعباد في دارنا لو أسلموا أمرناهم بتخلية سبيل المقهورين ، ولو فعلوا ~~ذلك في دارهم ثم أسلموا كانوا عبيدا لهم ، ومنعة المسلمين في دار الحرب في ~~هذا الحكم بمنزلة دار الإسلام ، لأن معنى وجوب دفع الظلم موجود في الفصلين ~~واستدل عليه بحديث طاوس قال في كتاب معاذ بن جبل - رضي الله عنه - : من ~~استخمر قوما أولهم أحرار أو جيران مستضعفون فإن كان قصرهم في بيته حتى يدخل ~~الإسلام بيته فهم له عبيد ، ومن كان مهملا يعطي الخراج فهو عتيق ، ومعنى ~~قوله : استخمر استعبد ، فبهذا تبين أنه إذا تم قهره إياهم قبل ظهور حكم ~~الإسلام في دارهم فهم عبيده ، وإن كان بعده فهم أحرار ، فإن كان الموادعون ~~خرجوا إلينا ، ومعهم مائة رأس لا يدري أمقهورون هم أم غير PageV05P1727 ~~مقهورين ، وقالوا : هؤلاء عبيدنا جئناكم بهم لتأخذوهم في الفداء ، وقال ~~القوم : كذبوا نحن أحرار مثلهم ، فالقول قول المائة الرأس ، لأن هذا الخلاف ~~بينهم في دار الإسلام ، وحكم المسلمين ، ومن حكم المسلمين أن من لا ندري ~~كيف كانت حاله فالقول قوله في دعوى الحرية لنفسه حتى يقوم عليه حجة الرق ، ~~فإن شهد شاهدان أنهم عبيد لهم قبلت الشهادة سواء كان الشهود من المسلمين أو ~~من أهل الذمة أو أهل الحرب ؛ لأنها تقوم عليهم بالرق ، وهم أهل الحرب ، ~~وشهادة أهل الحرب على أهل الحرب حجة ، إذا كانوا عدولا في دينهم وإن قال ~~الذين جاءوا بهم : كانوا أحرارا ولكنا ms0977 قهرناهم ، بإذن ملكنا في دارنا حتى ~~صاروا عبيدا لنا ، وقال القوم : ما قهرناهم ولا عرضوا لنا إلا عندكم ، ~~فالقول أيضا قولهم ؛ لأن قهرهم إياهم حادث ، فيحال بحدوثه على أقرب الأوقات ~~، ولأنهم يدعون عليهم سبب الرق وهم ينكرون ذلك ، ودعوى السبب كدعوى الحكم ~~الثابت بالسبب ، لأن الأسباب تراد لأحكامها لا لأعيانها ، فلا يقضى برقهم ~~حتى تقوم الحجة للمدعي كما في الفصل الأول ، وهذا كله بخلاف ما إذا ادعى ~~بعضهم على بعض دينا أو عقدا جرى بينهم في دار الحرب ، وأقام البينة على ذلك ~~PageV05P1728 فإنا لا نحكم بينهم في شيء من ذلك ما لم يسلموا أو يصيروا ذمة ~~؛ لأن هناك المنازعة بينهم في معاملة جرت حيث لم يكن حكمنا جاريا عليهم ، ~~فلا يسمع القاضي الخصومة في ذلك ما لم يلتزموا أحكام الإسلام ، بأن يسلم ~~الخصمان أو يصيرا ذمة ، فإن أسلم أحدهما أو صار ذمة لم تسمع فيه الخصومة ~~أيضا ، أما على الذي لم يسلم فلأنه غير ملتزم حكم الإسلام ، وأما على الذي ~~أسلم فلوجوب التسوية بين الخصمين وقضية التسوية ألا يقضي عليه لخصمه في حال ~~لا يقضى له على خصمه ، فأما في مسألة الرق فالمنازعة في سبب باشروه في دار ~~الإسلام وهو قهر الذين جاءوا بهم ، وفي مثله القاضي يسمع الخصومة بينهم ، ~~ألا ترى أن بعضهم لو أقر عند البعض أنه كان عبدا له في دار الشرك ثم أبى أن ~~ينقاد له أجبرناه على الانقياد له كما ينقاد العبد لمولاه ، لأنه زعم أنه ~~عبد له في دار الإسلام ، وبمثله لو أقر أحدهم لصاحبه بدين كان عليه في دار ~~الحرب ثم أبى أن يقضيه لم يقض القاضي في ذلك بشيء حتى يسلم الخصمان أو ~~يصيرا ذمة ، فبهذا يتضح الفرق ، ولو قبلنا قول الذين يدعون الرق على المائة ~~الرأس في دارنا أدى إلى تضاد الأحكام ، فإن المائة الرأس لو ادعوا على ~~أولئك القوم ، بل أنتم عبيد لنا ، فليس الرجوع إلى قول أحد الفريقين بأولى ~~من الرجوع إلى قول الفريق الآخر ، فلو قال القوم : هذه ms0978 المائة الرأس عبيد ~~لنا وقالت المائة الرأس : PageV05P1729 بل نحن أحرار ولكنا نرضى أن تأخذونا ~~في الفداء لم يسعنا أن نأخذهم ؛ لأنهم صاروا في دارنا آمنين ، والحر الآمن ~~في دارنا لا يجوز استرقاقه بحال ، رضي بذلك أو لم يرض ، ألا ترى : أن الذين ~~جاءوا بهم لو قالوا : هم أحرار مثلنا ، ولكن خذوهم فهم راضون بذلك ، لم ~~يسعنا أخذهم لهذا المعنى ، فكذلك في الأول ، لأنهم في حكم المسلمين أحرار ~~في الوجهين ، فلا يصيرون مماليك بمجرد دعوى الرق عليهم من غير حجة ، فإن ~~قالوا حين رأوا المسلمين : لا يأخذونهم نحن عبيدهم ، كما قالوا وقد كذبنا ~~في ادعائنا الحرية يسع للمسلمين أن يأخذوهم ؛ لأنهم أقروا بعدما أنكروا ~~دعوى الذين ادعوا عليهم الرق ، والإقرار بعد الإنكار صحيح ، بمنزلة مجهول ~~الحال ، إذا ادعى إنسان أنه عبد له فكذبه ثم صدقه كان عبدا له ، وإن قال ~~الذين جاءوا بهم أول مرة : هم أحرار فخذوهم فهم راضون بذلك ، فلما رأوا أن ~~المسلمين لا يأخذونهم قالوا : هم عبيد لنا ، وصدقهم المائة الرأس فليس يسع ~~المسلمين أن يأخذوهم ؛ PageV05P1730 لأن حريتهم قد تأكدت في دارنا بتصادقهم ~~علينا أولا ، ولأنهم على أحد الوجهين إن كانوا عبيدا لهم فقد كانوا عتقوا ~~بقولهم ، الأول إنهم أحرار وإن كانوا أحرارا فأبعد ، وإن قالوا بعد قولهم ~~هم أحرار : كذبنا ، هم عبيد للملك بعثهم معنا لندفعهم إليكم ، وصدقهم بذلك ~~المائة الرأس وسع للمسلمين أن يأخذوهم بحقهم ؛ لأنهم أقروا بالرق على ~~أنفسهم لغير من أقر بحريتهم وحرية مجهول الحال بإقرار المقر إنما تثبت في ~~حقه خاصة ، لأن حجة الإقرار لا تعدو المقر ، فثبت الرق عليهم بإقرارهم به ~~للملك فلهذا جاز أخذهم في الفداء ، فإن صالحوهم في الموادعة على مائة رأس ، ~~ولم يسموا ذكورا ولا إناثا ، وجب القبول منهم إن جاءوا بذكور أو إناث أو ~~مختلطين ، لإطلاق التسمية عند الإيجاب ، فإن تقييد المطلق لا يجوز إلا ~~بدليل ؛ ولأنه ليس في تسمية الرأس ما ينبىء عن وصف ليتوجه المطالبة عليهم ~~بالأداء بذلك الوصف ، وهو نظير الرقبة في الكفارات ، فإن التكفير ms0979 يحصل ~~بتحرير رقبة ذكرا كان أو أنثى لهذا المعنى ، وإن جاءوا بصغار فإن كانوا ~~صغارا قد استغنوا عن الأمهات فاحتاجوا إلى الأب كان مقبولا منهم ، وإن ~~جاءوا بمراضع أو فطم لم يقبل منهم ، وهذا لأنه ليس في الاسم ما ينبىء عن ~~صفة البلوغ ، فيستوي فيه البالغ وغير البالغ PageV05P1731 إلا أن المقصود ~~باشتراط الرءوس عليهم من يكون صالحا للاستخدام ، فإذا كان بحيث لا يأكل ~~وحده ، ولا يلبس وحده ولا يتوضأ وحده ، فما هو المقصود لا يحصل ولا يتم بهم ~~؛ لأنهم يحتاجون إلى من يخدمهم ، ولا يقومون في الحال بخدمة غيرهم ، وأما ~~إذا استغنوا عن الأمهات فالمقصود ، وهو الاستخدام ، يحصل بهم ، وكذلك من ~~حيث المالية ، فإن انتقاص المالية بسبب الصغر إنما يكون قبل استغناء الصغير ~~عن الأم ، فأما بعد الاستغناء عن ذلك فالمالية لا تنقص بالصغر عادة فإذا ~~جاءوا بهذا النوع من أوساط رقيقهم وجب القبول منهم ولا يمنع من القبول ~~لمكان أمهاتهم في دار الحرب ؛ لأن التفريق بين الصغار والأمهات ها هنا ليس ~~من جهة المسلمين ، وإنما فعل ذلك المشركون ، وهو نظير مستأمن في دارنا له ~~جارية ولها ابن صغير فباع الأم دون الابن ، أو الابن دون الأم من المسلمين ~~جاز الشراء منهم ؛ لأن الحربي هو الذي يفرق بينهما دون المسلم ، ولو لم ~~يشتر أحدهما منه رجع بهما إلى دار الحرب ، فكان في ذلك عون للمشركين إما ~~بهما أو بنسلهما ، ومراعاة هذا الجانب أولى من مراعاة جانب التفريق بين ~~الأم والولد الصغير ، فكذلك ما سبق ، PageV05P1732 قال : وإذا شرطوا في ~~الموادعة أن يعطوهم مائة رأس من رقيق المسلمين الذين عندهم فجاءوا برقيقهم ~~، أو بقيمة مائة رأس من رقيق المسلمين ، فللمسلمين ألا يقبلوا ذلك منهم ولا ~~يكون هذا الإباء نقضا منهم للعهد ؛ لأن المنفعة المشروطة للمسلمين لا تتم ~~بما جاءوا به ، فإنهم شرطوا ذلك لتخليص رقيق المسلمين من ذلهم ، وبما جاءوا ~~به من القيمة أو من رقيقهم لا يحصل هذا المقصود ، وإن كانوا رهنوا عند ~~المسلمين رهنا بذلك فهم في سعة من ألا ms0980 يدفعوا إليهم رهنهم حتى يأتوا بما ~~شرطوا ، بمنزلة ما لو شرطوا الجياد ثم جاءوا بالزيوف ، ففي هذا اللفظ إشارة ~~إلى أن حكم الجنس يثبت في الرهن بالرءوس ، وهذا لأن الرءوس تثبت في ~~الموادعة باعتبار المالية دينا والرهن بمثله صحيح وإن كانوا بالغين ، فقد ~~بينا أن مثله جائز فيما بين المسلمين وأهل الحرب في الأحرار ففي المماليك ~~أولى ، فإن علم المسلمون أنه ليس عندهم مائة رأس من رقيق المسلمين فحينئذ ~~يقبلون منهم قيمة مائة رأس من رقيق المسلمين أوساط منهم ؛ لأن العجز عن ~~تسليم المسمى قد تحقق مع بقاء السبب الموجب للتسليم فيجب تسليم القيمة . ~~PageV05P1733 قال : ولو كانوا اشترطوا في الصلح مائة قوس أو مائة درع حديد ~~أو مائة سيف فهذا واشتراط مائة رأس سواء في أنه يقبل منهم ما جاءوا به من ~~غير المسمى أو قيمته ، وكذلك إن شرطوا ذلك من كراع المسلمين وسلاحهم بخلاف ~~ما سبق ، فإن هناك إذا شرطوا ذلك من رقيق المسلمين لم تقبل القيمة ؛ لأن ~~رقيق المسلمين من أهل دار الإسلام وفي اشتراطهم منفعة تخليصهم من أهل الحرب ~~، وهذا المقصود لا يحصل بالقيمة فأما الكراع والسلاح فليس من ذلك في شيء ، ~~سواء شرطوه مطلقا أو مما كان للمسلمين ، ألا ترى أن الحربي لو دخل إلينا ~~بأمان ومعه كراع وسلاح وقد كان للمسلمين فأحرزوه لم يكن ممنوعا من رده إلى ~~دار الحرب ولو كان معه عبد مأسور من مسلم أو معاهد قد أحرزوه لم يكن له أن ~~يرده وأجبر علي بيعه فبه يتضح الفرق بين الفصلين ، ولو كانوا شرطوا في ~~الموادعة مائة ثوب في كل سنة أو مائة دابة كانت الموادعة فاسدة ؛ لأن ~~الثياب أجناس مختلفة ، والدواب كذلك ، فالاسم حقيقة يتناول كل ما يدب على ~~الأرض ، وحكما يتناول الخيل والبغال والحمير ، ومع جهالة الجنس لا يصح ~~التسمية في شيء من العقود ، بخلاف تسمية الرأس ، فالجنس هناك معلوم ، فإنما ~~بقيت الجهالة في الصفة ، وهي لا تمنع صحة التسمية فيما بني أمره على التوسع ~~، كالنكاح وأخواتها فينبغي للمسلمين أن ms0981 ينبذوا إليهم حتى يوادعوهم على أمر ~~بين ، وإن لم يفعلوا ذلك حتى مضت السنة PageV05P1734 ووجب الفداء كان ذلك ~~إلى المشركين ، يعطونهم من أي صنف شاءوا وسطا من ذلك النوع ، لأن المال ~~عليهم ، فيكون القول في بيان الجنس الواجب قولهم ، كمن أقر لإنسان بثوب ، ~~كان بيان الجنس فيه إلى المقر ، ولو أوصى لإنسان بثوب كان بيان الجنس فيه ~~إلى الوارث القائم مقام المورث ، وهذا لأن بعد مضي المدة يتعين منفعة ~~المسلمين في الرجوع إلى بيانهم في الجنس ، إذ لو لم يرجع إلى ذلك واعتبرنا ~~الجهالة لم يسلم للمسلمين شيء وبه فارق النكاح ، فإن هناك وإن دخل بها ~~الزوج لا يرجع بشيء في بيان جنس الثوب إليه ، لأن هناك قد وجب ما هو البدل ~~الأصلي المملوك بالنكاح وهو مهر المثل فاندفع الضرر عنها به ، فلا حاجة إلى ~~الرجوع إلى بيان الزوج ، ولو كانت الموادعة على مائة رأس فأقر قوم من أهل ~~الحرب من أحرارهم أنهم عبيد الملك ، فبعث بهم الملك إلى المسلمين لحقهم ، ~~وقد علم المسلمون أنهم أحرار الأصل ، فإن كانوا أقروا بذلك في دار الإسلام ~~لم يلتفت إلى إقرارهم ؛ لأنهم حصلوا آمنين في دارنا ، وقد تأكدت حريتهم ~~المعلومة بذلك ، فلا يبطل ذلك بإقرارهم بالرق ، بخلاف ما إذا لم يعرف حالهم ~~فإن هناك بدخولهم إلى دار الإسلام لا تتأكد حريتهم ، لأنها لم تكن معلومة ، ~~ألا ترى : أن مجهول الحال في دار الإسلام إذا أقر بالرق على نفسه كان ذلك ~~مقبولا منه ، بخلاف ما إذا كان معلوم الحرية في الأصل فأقر على نفسه بالرق ~~. PageV05P1735 وإن كانوا أقروا بهذا في دار الحرب طوعا فهذا والأول سواء ، ~~إلا أن يكون في حكم المشركين أن من أقر منهم بالرق لإنسان فهو عبد له ، ~~فإذا كان كذلك كانوا عبيدا يقبلهم في الفداء ؛ لأن حريتهم في دار الحرب ~~ليست بحرية قوية ألا ترى : أنها تنتقض بالاسترقاق ، إذا لم يكن بيننا ~~وبينهم موادعة ، وبعد الموادعة بيننا وبينهم لا موادعة فيما بينهم للبعض مع ~~البعض ، فالمقر له يتم استرقاقه للمقرين ms0982 بالرق إذا كان ذلك من حكمهم ، ~~فصاروا عبيدا له ولا يتم استرقاقه لهم إذا لم يكن ذلك من حكمهم ، كما لا ~~يتم ذلك في دار الإسلام لأنه ليس من حكم الإسلام استرقاق الحر ، ألا ترى : ~~أنهم لو أسلموا بعد هذا الإقرار فإن كان من حكمهم الاسترقاق بسبب الإقرار ~~كانوا عبيدا للمقر له ، وإذا لم يكن ذلك من حكمهم كانوا أحرارا على ما علم ~~من أصلهم ، وأوضح هذا بقوم من حكم ملكهم أن السارق يجعل عبدا للمسروق منه ، ~~فحكم بذلك بينهم ، ثم أسلموا فإنه يكون السارق عبدا على ما جرى الحكم به ~~سواء كانوا موادعين لنا حين حكم بذلك أو لم يكونوا ، لأن حكم الإسلام كان ~~لا يجري في ديارهم بالموادعة كما شرطوا ذلك والإقرار في حق المقر يلزم ، ~~كقضاء القاضي ، وإذا كان هذا الحكم يثبت بقضاء قاضيهم فكذلك يثبت بإقرار ~~المقر على نفسه بالرق ، PageV05P1736 وعلى هذا لو كانت الموادعة بيننا وبين ~~أهل الدارين من المشركين كل دار لها ملك على حدة ، ثم أغار بعضهم على بعض ، ~~فجاءنا كل فريق بمائة رأس ممن أسروهم من الفريق الآخر ، فإنا نأخذ ذلك منهم ~~، لأنه لا موادعة فيما بين الدارين ، وإنما الموادعة بيننا وبينهم ، وهم ~~فيما بينهم على ما كانوا عليه قبل الموادعة بينا وبينهم ، وهم فيما بينهم ~~على ما كانوا عليه قبل الموادعة ، يملك بعضهم بعضا بالأسر حتى لو أسلموا أو ~~صاروا ذمة كان ذلك سالما لهم ، ولو أرادوا بيعهم في دار الإسلام جاز الشراء ~~منهم ، فكذلك يجوز أخذهم في الفداء وكذلك إن كانوا أهل دار واحدة وفي حكمهم ~~أن من قهر صاحبه كان عبدا له على ما هو المعروف بين الديلم ، فإنهم أهل دار ~~واحدة ثم يغير بعضهم على بعض ، وهذا لأنه لا موادعة فيما بينهم للبعض مع ~~البعض فالقاهر يملك المقهور ، إذا تم قهره باعتبار حكم ملكهم ، ويصير ~~المقهور عبدا له ، وعلى هذا لو غصب بعضهم مالا ثم أسلموا واختصموا في ذلك ، ~~فإن القاضي ينظر في حكمهم قبل أن يسلموا فإن ms0983 علم أن من حكمهم أن الغاصب ~~يملك المغصوب بالغصب ، لم يأمر الغاصب برد شيء وإن علم أن ذلك ليس من حكمهم ~~، ولكنهم لم يأمروه بالرد لأنهم لم يعلموا به أو لأن المالك لم يخاصمه ، ~~فإن القاضي يأمره بالرد ، لأن المباح يملك بالأحرار وإحراز الغاصب باعتبار ~~يده يتم إذا كان من حكم PageV05P1737 ملكهم أن الغصب من أسباب الملك ، ولا ~~يتم إحرازه إذا لم يكن ذلك من حكم ملكهم لتمكن المغصوب منه من أن يخاصمه ~~إلى ملكهم ليسترده منه ، والإسلام بعد تمام الإحراز يقرر الملك وقبل ثبوت ~~الملك لوجود سببه لا يوجب الملك ، ألا ترى أنهم لو أخذوا مالا من المسلمين ~~، ثم أسلموا قبل الإحراز بدارهم أمروا برده ، بخلاف ما لو أسلموا بعد ~~الإحراز بدارهم ، ولو كان استهلكه قبل أن يسلموا ، ثم أسلموا لم يكن عليه ~~في ذلك ضمان في الوجهين ، لأن وجوب الضمان باعتبار العصمة ، والتقوم في ~~المحل ، وذلك لم يكن موجودا فأما وجوب رد العين لا يستدعي العصمة والتقوم ~~في المحل ، ألا ترى : أن مسلما لو غصب من مسلم خمرا أمر بردها عليه إذا ~~كانت قائمة بعينها ولو كان استهلكها لم يضمن له شيئا من مثل أو قيمة ، فإن ~~كان القوم لا موادعة بينهم وبين المسلمين فخرج الغاصب بالمغصوب إلى دارنا ~~وهو مسلم أو ذمي ، ثم جاء صاحبه مسلما أو ذميا أو مستأمنا فخاصمه في ذلك ، ~~لم يكن له عليه سبيل في الوجهين ؛ لأنه وإن لم يكن من حكم ملكهم أن الغصب ~~سبب الملك فمن حكم المسلمين أن إحراز مال أهل الحرب الذين لا موادعة لهم ~~بدار الإسلام سبب تام للملك ، وإن كان القوم في موادعة من المسلمين ، ~~والمسألة PageV05P1738 بحالها ، فإن كانا خرجا إلينا بتلك الموادعة أو خرج ~~أحدهما بتلك الموادعة وخرج الآخر مسلما أو ذميا ، لم يحكم القاضي بينهما ~~بشيء ؛ لأنهما لم يلتزما حكم الإسلام وهذه معاملة كانت جرت بينهم في دار ~~الحرب ، فهو بمنزلة المعاملة التي جرت بينهم في دار الحرب ، وإن خرجا ~~مسلمين فحينئذ يأمر الغاصب بالرد ms0984 ؛ لأنه لم يكن من حكم ملكهم أن الغصب من ~~أسباب الملك ، فلم يتم إحرازه عند الأخذ . وكذلك لا يتم إحرازه حين أخرجه ~~إلى دارنا ؛ لأنه أخرج مال من هو أهل موادعينا ، وذلك غير موجب للملك فلهذا ~~أمره بالرد ، قال : بلغنا أن أناسا من المسلمين استعاروا عواري من المشركين ~~فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هموا ألا يردوا عليهم تلك ~~العواري فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : العارية مؤداة ، ~~والمنيحة مردودة والزعيم غارم ، فصار هذا أصلا فيما ذكرنا أنه إذا لم يتم ~~إحرازه قبل أن يصير ذلك الموضوع دار الإسلام فإنه يؤمر برده بعد ما صار ذلك ~~الموضع دار الإسلام ، ولو أن المغصوب منه خاصم الغاصب إلى ملكهم ، فزعم ~~الغاصب أن العين له وأنه لم يغصبه إياه فأقرها ملكهم PageV05P1739 في يده ~~وكلف المدعي إقامة البينة فلم يأت ببينة حتى أسلم أهل الدار أو صاروا ذمة ~~يسلم للغاصب ما كان غصبه من ذلك ؛ لأن إحرازه قد تم بتقرير ملكهم ليده في ~~تلك العين فلا يبقى للمغصوب منه سبيل إلى العين ، ما لم يقم البينة ، ولا ~~ندري أيقدر على ذلك أو لا يقدر ، وبعد إقامة البينة يعدل شهوده أو لا ~~يعدلون ، فإن قال المغصوب منه بعدما أسلموا : أنا أقيم البينة على حقي من ~~المسلمين لا يقبل ذلك منه ؛ لأنه لما تم إحراز الغاصب قبل الإسلام فملكه ~~تقرر بالإسلام . وهذا لفقه وهو أن منع ملكهم المغصوب منه من أخذ متاعه من ~~يد الغاصب بمنزلة أخذه منه قهرا ودفعه إلى الغاصب ولو فعل ذلك لم يشكل أنه ~~يتم إحراز الغاصب له ؛ لأنه إذا كان يتم إحرازه باعتبار حكم ملكهم ، فلأن ~~يتم بقوته حين أخذه فدفعه إليه أو منعه منه كان أولى ، وكذلك لو كان الغاصب ~~أخذ ابنا صغيرا لإنسان منهم لا يعبر عن نفسه فقال : هو عبدي ، وقال الأب : ~~هو ابني ، فهذا وفصل غصب المال سواء في جميع ما ذكرنا PageV05P1740 وكذلك ~~لو كان ذو اليد يزعم أنه عبده وادعى رجل ms0985 أنه ابنه ورأى ملكهم أن يصدق مدعي ~~البنوة ، فأخذه ودفعه إليه حتى يأتي الآخر بالبينة أنه عبده ، ثم أسلموا أو ~~صاروا ذمة فأقام المولى البينة أنه عبده فإن قاضي المسلمين يجعله حربا ابنا ~~للذي ادعاه ؛ لأن حكم ملكهم قد أخرجه من يده وأبطل ملكه فيه وجعله حرا ابنا ~~للآخر فلا يتمكن من أن يثبت بالبينة ملكا قد أبطله حكمهم حين كانوا حرا لنا ~~أو موادعين لا يجري عليهم أحكامنا ، وعلى هذا حكم الميراث ، فإنه لو مات ~~منهم رجل ، ومن حكم ملكهم توريث البنين دون البنات ، أو البنات دون البنين ~~، فحكم بذلك ثم أسلموا فجميع ما صنع ملكهم في ذلك ماض ؛ لأنهم كانوا ~~ملتزمين لحكمه ، راضين به حين حكم بينهم بذلك ، وكان هو سلطانا غالبا عليهم ~~، فتم ما صنعه بينهم ، فلا يشتغل بإبطال شيء منه بعد الإسلام ، وكذلك لو ~~أخذه البنون بغير حكم من ملكهم إلا أن ذلك معلوم من حكمه فهذا وما لو أخذوه ~~بحكمه سواء ؛ لأنهم لو خاصموا في ذلك عنده قرره في أيديهم ، فبمجرد الأخذ ~~يتم إحرازهم لذلك باعتبار حكهمه وقوته ، PageV05P1741 ولو كان الآخذ استهلك ~~المأخوذ من حكم ملكهم أنه لا حق له في ذلك ، فاختصموا عنده وقضي بقيمته ~~للمدعي ، فلم يدفعها إليه حتى أسلما ، فلا شيء له عليه ؛ لأن القيمة دين في ~~الذمة ولا يتم الإحراز فيه قبل القبض ، باعتبار الحكم فكان وجود القضاء به ~~وعدمه سواء ، ولو أسلموا بعد الاستهلاك قبل القضاء لم يقض القاضي على ~~المستهلك بشيء ، لانعدام العصمة والتقوم في المستهلك فكذلك ها هنا ، وإن ~~كان المغصوب عبدا فأعتقه الغاصب حين سلمه له ملكهم وخلى سبيله ، ثم أقام ~~المدعي البينة على حقه ، فأخذه بقضاء ملكهم ، ثم أسلموا جميعا ، كان عبدا ~~للمدعي ، وكان عتق المدعي عليه باطلا ، إما لأن إعتاق الحربي عبده في دار ~~الحرب غير نافذ إذا كان من حكم ملكهم ألا يمنع المعتق من استرقاق المعتق ، ~~أو لأنه صار مقهورا لحكم ملكهم ، لكونه عبدا للمدعي ، ولو كان حر الأصل ~~فأخذه أحد ، وأقام البينة ms0986 أنه عبد له ، فقضى به ملكهم له ، كان عبدا له ، ~~فكذلك إذا كان معتقا فقضى الملك بأنه عبد للمدعي وسلمه إليه ولو أن حربيا ~~من غير أهل الموادعة أسر عبدا من عبيد المسلمين وأحرزه بدارهم ، ثم غصبه ~~منه غاصب ، فقال : هو عبدي وأعتقه ، ثم أسلموا فأقام الذي أحرزه البينة ~~PageV05P1742 على حقه ، ومن حكم ملكهم رده عليه فإن عتق الذي أعتقه باطل ؛ ~~لأنه لم يملكه حين لم يتم الإحراز بخلاف ما إذا كان من حكم ملكهم أن يملكه ~~الغاصب بالغصب ، فإن إعتاقه هناك نافذ لتمام إحرازه ثم لا يرد رقيعا بعد ~~ذلك ، لأن إحرازه قد تم حين أقره ملكهم في يده ومنع الآخر من أخذه منه . ~~فإن جاء الآخر بالبينة بعد ذلك ، فقضى به ملكهم له ودفعه إليه ، ثم أسلموا ~~أو صاروا ذمة ، فهو حر بالبينة ؛ لأنه بعد ما نفذ العتق فيه ، فحكم ملكهم ~~بالرق على المسلم باطل ، ولأن الحرية لما تأكدت بالإسلام ، لم يكن بمحل ~~النقض ، فلا ينتقض بحكم ملكهم برقه بعد ذلك ، بخلاف ما سبق ، ولو كان ~~الغاصب إنما أعتق المأسور قبل أن يقره ملكهم في يده والمسألة بحالها ، ثم ~~أسلموا فالمأسور عبد ؛ لأن إعتاقه قبل أن يتم إحرازه كان باطلا ، قال : ولو ~~دخل مسلم دار الحرب ، بأمان فغصبه حربي مالا ثم أسلموا أو صاروا ذمة ، فإن ~~كان من حكم ملكهم أن الغصب سبب التملك سواء كان المغصوب منه مستأمنا أو ~~مسلما أو حربيا فلا سبيل للمسلم على متاعه ؛ PageV05P1743 لأن إحراز الغاصب ~~قد تم باعتبار حكم ملكهم ، وسلطنته في دارهم فكان هذا والمال الذي يأخذه من ~~المسلم ، في دار الإسلام فيحرزه بدار الحرب في الحكم سواء ، وإن كان من حكم ~~ملكهم رد ذلك المال على صاحبه فلم يختصما حتى أسلم أهل الدار رد ذلك على ~~المستأمن ؛ لأن إحراز الغاصب لم يتم ، فإنه مقهور ممنوع مما صنع لحكم ملكهم ~~وفي الأول هو قاهر مقر على ما صنع بحكم ملكهم ، ، وإن لم يعلم كيف كان ~~حكمهم في ذلك ، فالمال مردود على ms0987 المسلم المستأمن ؛ لأن الملك له في الأصل ~~معلوم وسبب التملك عليه ، وهو الإحراز التام غير معلوم ، ولأنا نعلم أن ~~الغصب ليس بموجب للملك بنفسه ، فما لم يعلم خلاف ذلك من قوم عل وجه يكون ~~ذلك معتبرا بينهم يجب بناء الحكم على المعلوم ، فإن اختصما إلى ملكهم فجحد ~~الغاصب وقال : هذا ملكي ، ما أخذته منه فاقره ملكهم في يده ، حتى يأتي ~~المسلم بحجة ثم أسلموا فذلك سالم للغاصب ؛ لأن إحرازه فيه قد تم بتقرير ~~ملكهم ليده في تلك العين ، وإن أقام المسلم البينة ، فأخذه حاكمهم من ~~الغاصب ودفعه إليه ، كان له ، ولا خمس فيه ؛ PageV05P1744 لأنه أعاده إلى ~~ملكه بحكمه ، وقد كان السبب لخروجه عن ملكه مثل هذا إذ الشيء ينفسخ بما هو ~~مثله ، ولأن السلم صار محرزا لذلك المال حين أخذه وتم إحرازه بقوة ملكهم ~~فكان ملكا له ، ولهذا لا يجب الخمس فيه لأنه ما يملكه بسبب فيه إعزاز الدين ~~، وكذلك لو أدعى المسلم المستأمن عبدا في يد بعضهم باطلا ، وأقام بينة ~~فأخذه ملكهم من الحربي ودفعه إليه ، ثم أسلم ، فهو له لتمام إحرازه بحكم ~~ملكهم ، ولكن ينبغي له أن يرده على صاحبه ؛ لأن هذا غدر منه بمنزلة ما لو ~~أخذ مال بعضهم سرا فأخرجه ، وهناك يفتي بالرد ، لأنه إنما غدر أمان نفسه ~~فهذ مثله ، قال : وإن كان أهل تلك الدار موادعين للمسلمين أخذ حاكم ~~المسلمين ذلك المال ورده على صاحبه ؛ لأنه غدر بأمان المسلمين ، وفي هذا ~~الموضع يثبت ولاية الإجبار على الرد بخلاف الأول ، وعلى هذا لو غصب متاعا ~~من بعضهم فخاصمه إلى الحاكم فجحده ، وقال : الله ملكي فأقره حاكمهم في يده ~~حتى يأتي الحربي بالبينة ، ثم أسلموا فهو للمسلم ويفتي PageV05P1745 برده ~~من غير أن يجبر عليه إذا لم يكونوا موادعين ، وإن كانوا موادعين للمسلمين ~~أخذوه منه فردوه على صاحبه ؛ لأن معنى الغدر منه ها هنا أظهر منه في الفصل ~~الأول ، فإنه جابر بالغصب والأخذ من يده ، ولو أن حربيا من الموادعين أو ~~غير الموادعين كاتب عبدا له ، ثم أسلموا ms0988 كانت الكتابة جائزة ؛ لأن الكتابة ~~بمنزلة البيع الشراء من حيث إنه تصرف يعتمد المراضاة ، فإن قهره بعدما ~~كاتبه وأبطل مكاتبته ثم أسلموا فإن كان من حكم ملكهم أن من فعل هذا بمكاتبه ~~بطلت مكاتبته ، قضى قاضي المسلمين بذلك ؛ لأن ملك اليد الثابت للمكاتب بعقد ~~المكاتبة لا يكون فوق حقيقة الحرية التي ثبتت بالإعتاق ، وقد بينا أن هناك ~~إذا استعبده بعد الإعتاق نظر إلى حكم ملكهم في ذلك ، فيبتنى الحكم على ذلك ~~بعد ما أسلموا ، فكذلك في المكاتبة ، وإن كان حين أبطل مكاتبته ، وليس من ~~حكم ملكهم إبطال ذلك ، أخرجه إلى دار الإسلام قاهرا له فإن كانوا موادعين ~~للمسلمين منعه القاضي منه ، وإن كانوا غير موادعين للمسلمين فهو عبد له ~~يصنع به ما أحب ؛ PageV05P1746 لأن إحرازه إياه بدار الإسلام يتم إذا لم ~~يكونوا موادعين لنا ، ولا يتم موجبا ملكه إذا كانوا موادعين لنا ، ولو كان ~~عبده قد أسلم ثم أعتقه أو كاتبه ثم استعبده بعد ذلك ، لم تبطل كتابته وعتقه ~~بإبطاله ؛ لأن الحرية ملك يد المكاتب قد تأكد بإسلامه ، فلا يتمكن الحربي ~~من إبطال ذلك ولا ملكهم ، لما بينا أن حكمه على المسلم باطل فيما لا يحتمل ~~الإبطال وهو نقض الحرية ولأن حكمه إنما ينفذ فيما يحتمل النقل من ملك إلى ~~ملك ، والمعتق والمكاتب المسلم غير محتمل لذلك ، ولو كان دبر هذا العبد قبل ~~أن يسلم العبد فتدبيره باطل ؛ لأن المدبر بالتدبير لا يخرج من يد مولاه ، ~~بل هو في يده على حاله مقهور في حكم الإسلام بعد التدبير كما كان قبله ~~بخلاف الإعتاق والمكاتبة فإنهما يسقطان يد المولى عن المملوك بحكم الإسلام ~~وإذا لم يكن من حكم ملكهم تمكن العتق من استعباد المعتق فقد تم خروجه من ~~يده ، لهذا إذا أسلم بعد الإعتاق أو الكتابة كان على حاله ، وإذا أسلم بعد ~~التدبير كان عبدا لمولاه يبيعه ويصنع به ما أحبه ، ولو كان دبره بعدما أسلم ~~العبد كان مدبرا ؛ لأن حق الحرية قد تأكد بإسلام المملوك كما دبره ، ومن ~~حكم الإسلام ms0989 PageV05P1747 أن المدبر لا يحتمل التمليك ، فبإثبات اليد عليه ~~بعدما صح التدبير واستحق به الولاء ، قلنا : بأنه لا يبطل تدبيره ، بخلاف ~~ما سبق ، إلا أن المولى إذا صار ذميا بعد ذلك فإن المدبر يستسعى في قيمته ؛ ~~لأن إخراجه من ملكه مستحق ، وذلك بالبيع متعذر فيصار إلى إخراجه من ملكه ~~بالاستسعاء ، ولو كان الحربي أخرج عبده مع نفسه بأمان إلى دارنا ثم دبره ~~جاز تدبيره ؛ لأنه فعل ذلك حيث يجري عليه حكم المسلمين ، وقد التزم هذا ~~الحكم حين خرج إلينا بأمان ، فلهذا لا يقدر على بيعه ، ولو عاد به إلى دار ~~الحرب بطل تدبيره ؛ لأن حكم ذلك الأمان قد بطل فصار حاله وحال ما لو فعل ~~ذلك في دار الحرب سواء ، وهذا بخلاف الاستيلاد ، فإنه إذا استولد أمته في ~~دار الحرب ، أو في دارنا بعدما خرج بأمان فهي أم ولد على كل حال ؛ لأن ~~الاستيلاد تبع لنسب والنسب يثبت في دار الحرب على الوجه الذي يثبت في دار ~~الإسلام ، PageV05P1748 فكذلك ما يبتنى عليه وهو الاستيلاد ، وكما لا ينبغي ~~للمسلم أن يشتري منه ابنه بحال فكذلك لا ينبغي أن يشتري منه أم ولده بحال ~~بخلاف التدبير على ما قررنا ، والله أعلم PageV05P1749 # | باب من الرهن يأخذه المسلمون والمشركون منهم # قال : وإذا طلب المشركون في الموادعة أن نعطيهم رهنا من رجال المسلمين ~~على أن يعطوا من رجالهم رهنا مثل ذلك ، فهذا مكروه لا ينبغي للمسلمين أن ~~يجيبوهم إليه بدون تحقق الضرورة ؛ لأنهم غير مأمونين على رجال المسلمين ، ~~والظاهر أن مخالفتهم في الإعتقاد تحملهم على قتلهم ، ولا زاجر من حين ~~الإعتقاد يزجرهم عن ذلك وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ~~ما خلا يهودي بمسلم إلا حدثته نفسه بقتله ، فإن اصطلحوا على ذلك لأمر خافه ~~المسلمون لم يجدوا منه بدا ، ثم ابتدأ المشركون فأعطوا المسلمين رهنهم ~~فللمسلمين أن يمتنعوا من دفع رهنهم إليهم ، وذلك أفضل لهم لأن الضرورة قد ~~اندفعت بوصول رهن المشركين إلى يد المسلمين ، وهم غير مأمونين على المسلمين ~~فإن قيل ms0990 : فهذا غدر من المسلمين أن يأخذوا الرهن ، ولا يعطوا الرهن كما ~~شرطوا ، قلنا : لا كذلك ولكن كان جواز الشرط لمعنى الضرورة وقد ارتفعت ، ~~PageV05P1750 ألا ترى أن في أصل الموادعة إذا زال المعنى الذي أحوج ~~المسلمين إليها بأن مضي تلك المدة ، ولا يكون ذلك غدرا ، والأصل فيه قوله ~~صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير ، وليكفر يمينه ، وتلك الموادعة لا تكون أقوى من اليمين ، فإن قالوا : ~~فردوا علينا رهنا إن لم تعطونا رهنكم لم نردهم حتى نأمن مما كنا نخافه ؛ ~~لأن في ردهم تقويتهم علينا وتمكينهم من استئصال بعض المسلمين وذلك لا يجوز ~~، فإذا وقع الأمن مما كنا نخاف فحينئذ نرد عليهم رهنهم ؛ لأنهم بمنزلة ~~المستأمنين فينا ، فنحبسهم إلي أن نأمن مما نخافه منهم ثم نبلغهم مأمنهم ، ~~فإن أسلم الرهن في أيدينا ثم طالب المشركون أن يأخذوهم فلا سبيل لهم عليهم ~~، والكفار غير مأمونين على المسلمين ، إلا أنهم إن كانوا عبيدا للمشركين ~~باعهم الإمام ، ودفع ثمنهم إلى مواليهم ، بمنزلة المستأمن في دارنا إذا ~~أسلم عبده ، وكذل إن أعطوا الرهن من الجانبين ثم قدر المسلمون على أن ~~يأخذوا منهم الرهن فلا بأس بأن يأخذوه منهم ؛ PageV05P1751 لأن الضرورة قد ~~ارتفعت ، وباعتبارها كان لهم حق المنع ، فيكون لهم حق الأخذ أيضا ، لأنه لا ~~ينبغي للمسلمين أن يتركوا تخليص أحد من المسلمين وهو مقهور في يد المشركين ~~إذا تمكنوا منه ، فإن امتنعوا منهم فلا بأس بقاتلهم عليهم إذا طلب ذلك رهن ~~المسلمين ؛ لأنهم ظالمون في حبسهم ، ودفع الظلم واجب بحسب الإمكان ، ولكن ~~إن قدروا على أخذهم بغير قتل فلا ينبغي أن يقتلوا أحدا منهم للموادعة التي ~~بيننا وربينهم ، وإن قال رهن المشركين : نحن نكون لكم ذمة للمسلمين ، ولا ~~نرجع إلى دار الحرب ، أجابهم الإمام إلى ذلك إذا كانوا أحرارا ؛ لأن الذمة ~~خلف عن الإسلام في التزام أحكام الإسلام به في الدنيا وهو أحد ما ينتهي به ~~القتال ، فكما أنهم لو طلبوا عرض الإسلام عليهم وجب إجابتهم ms0991 إلى ذلك ، فكذا ~~لو طلبوا إعطاء الذمة ، إلا أن يكونوا عبيدا للمشركين ، فإن العبد تبع ~~لمولاه ، وقد صاروا مستأمنين فينا ، فباعتبار الأمان صار ملك الموالي فيهم ~~محترما وبدون إزالة الملك لا يمكن جعلهم ذمة للمسلمين ، فلهذا ردوا إلى ~~مواليهم ، فإن اختلفوا فقال الرهن : نحن أحرار ، وقال المشركون هم عبيد لنا ~~، فالقول قول الرهن ؛ PageV05P1752 لأنهم في أيدي أنفسهم فيكون الهم قول في ~~حريتهم ما لم تقم البينة على رقهم ، ولا تقبل فيه شهادة أهل الحرب عليهم ، ~~لأنهم صاروا ذمة لنا فما لم يشهد عليهم قوم من المسلمين ، أو من أهل الذمة ~~، لم يردوا إلى مواليهم ، وإن كانوا أسلموا فما لم يشهد عليهم بالرق شهود ~~مسلمون ، لم يعطهم الإمام لهم ، لو كانوا شرطوا في أصل الموادعة أنهم إن ~~غدروا فقتلوا رهن المسلمين فدماء رهنهم لنا حلال ثم قتلوا هم رهننا ، فإن ~~دماء رهنهم لا تحل لنا لما روي أن هذه الحادثة وقعت في زمن معاوية - رضي ~~الله تعالى عنه - فأجمع هو والمسلمون معه على ألا يقتلوا رهن المشركين ؛ ~~لأنهم مستأمنون فينا ، فلا تحل دماؤهم بجناية كانت من غيرهم والشرط الذي ~~جرى مخالف لحكم الشرع فيكون باطلا ، ولكن الإمام يجعلهم ذمة إن لم يسلموا ، ~~فإن أسلموا فهم أحرار لا سبيل لهم عليهم ، كما لو كانوا أسلموا قبل أن يقتل ~~المشركون رهننا ، فلو أن رهنهم حين أسلموا قال لهم المشركون : إن لم تردوا ~~علينا رهننا قتلنا رهنكم ، أو جعلناهم عبيدا لنا فكره الرهن أن يردوهم ~~عليهم فإنه لا يحل للإمام أن يردهم ، وإن علم أنهم يقتلون رهن المسلمين ؛ ~~PageV05P1753 لأنه حرمة نفس هؤلاء كحرمة نفس أولئك ، فإن قتل أهل الحرب ~~رهننا لم يكن الإمام شريكا في ذلك الظلم ، ولو سلم إليهم رهنهم بعد ما ~~أسلموا فقتلوهم كان شريكا في الظلم ، معرضا للمسلمين عن قتل المشركين رياهم ~~، وذلك لا رخصة فيه ، ألا ترى أن رهنهم لو ماتوا في أيدينا فقالوا : إن لم ~~تعطونا بعددهم من المسلمين قتلنا رهنكم لم يسعنا أن نعطيهم ذلك ، فكذلك ~~رهنهم إذا ms0992 أسلموا ، وإن قال رهنهم بعد ما أسلموا : ادفعونا إليهم وخذوا ~~رهنكم ، فإن كان أكبر الرأي من الإمام أنهم يقتلونهم لم يجز أن يدفعهم ~~إليهم أيضا ؛ لأن إذن المرء غير معتبر في قتله في حكم الإباحة ، فكذلك في ~~تعريضه للقتل ، وإن كنا لا ندري ما يصنعون بهم فلا بأس بدفعهم إليهم ؛ لأنه ~~ليس في دفعهم برضاهم ظلم منا إياهم ، والدفع ليس بسبب لهلاكهم ، والظاهر ~~أنهم لا يرضون بذلك إلا إذا كانوا آمنين على أنفسهم ، ولأنا قد وعدنا ~~لأولئك المسلمين أن نخلصهم ، برد رهنهم عليهم ، فيترجح بد ذلك الوعد جانبهم ~~من هذا الوجه ، وإن قال رهن المشركين : نكون ذمة لكم ، فقال PageV05P1754 ~~المشركون : إن قبلتم ذلك منهم قتلنا رهنكم ، أو جعلناهم عبيدا لنا ، فإن ~~الإمام لا يقبل هذا من رهنهم ، ولكن يردهم على المشركين ، ويأخذ المسلمين ~~بخلاف ما إذا أسلموا لأن الإسلام يتم بهم ، فأما الذمة لا تتم إلا بالرضا ~~من المسلمين ، فإذا كان فيها إتلاف المسلمين حقيقة أو حكما فلا ينبغي ~~للمسلمين أن يرضوا بها ؛ لأن استنقاذ المسلمين من أيدي المشركين والوفاء ~~لهم بالموعود خير لهم من أن يصير الرهن ذمة للمسلمين ، والإمام ناظر فيختار ~~ما فيه الخيرية للمسلمين ، وإن كان يعلم أنه إذا قبل ذلك منهم خلى المشركون ~~سبيل الرهن الذي عندهم فحينئذ يعطيهم الذمة ، ويضع عليهم الخراج كما لو ~~سألوه ؛ لأنه ليس فيه إتلاف المسلمين ، وما لم يعلم ذلك لا ينبغي له أن ~~يجعلهم ذمة ؛ لأن البناء على الظاهر واجب ، المدينة ما لم يعلم خلافه ، ~~والظاهر أنهم لا يخلون سبيل المسلمين إذا صر رهنهم ذمة لنا ، فإن أعطاهم ~~الذمة ثم طلب أخذ رهن المسلمين فأبوا ذلك حتى يرج عليهم رهنهم فليس ينبغي ~~له أن يخفر PageV05P1755 ذمته وينقض العهد الذي عاهد عليه الرهن ، في ردهم ~~بغير رضاهم ؛ لأنهم لما صروا ذمة لنا فقد ثبت لنفوسهم من الحرمة ما لنفوس ~~المسلمين فكان هذا وما لو أسلموا سواء ، فإن طابت أنفس الرهن بالرد عليهم ~~فلا بأس بذلك ، إلا أن يكون أكبر الرأي من ms0993 الإمام أنهم يقتلونهم فحينئذ لا ~~يدفعهم إليهم على قياس ما ذكرنا فيما إن أسلموا ؛ لأن هذا بمنزلة مفاداة ~~المسلمين بأهل الذمة ، وقد بينا أن ذلك يجوز برضاء أهل الذمة ، ولا يجوز ~~بغير رضاهم ؛ ألا ترى أنه لو مات رهنهم فقالوا : لا نرد عليهم رهنكم حتى ~~تعطونا من أهل الذمة فلانا وفلانا ، فإن رضوا بذلك جاز دفعهم إليهم ، وإن ~~لم يرضوا به لم يجز دفعهم إليهم ، وكذلك إن كان فيمن طلبوا نساء من نساء ~~أهل الذمة ، لأن حال نسائهم كحال رجالهم ، في الحرمة بسبب عقد الذمة ، ~~وتأثير الرضاء من النساء كتأثيره من الرجال ، ولو كان في الذين طلبوا ~~صبيانا من أهل الذمة وطابت بذلك أنفسهم وأنفس والديهم فلا ينبغي للإمام أن ~~يدفعهم إليهم ؛ PageV05P1756 لأن هذا مظلمة يظلم بها الصبي ، وإذنه في هذا ~~الباب غير معتبر ورضاء أبويه فيما يضر بالصبي غير معتبر أيضا ، فوجوده ~~كعدمه ، أرأيت لو استعبده أهل الحرب ، أليس كان الإمام معينا لهم على ~~استعباد حر بغير حق ؟ وهذا لا رخصة فيه ، ولو كان الرهن الذين أسلموا من ~~رهن المشركين فيهم نساء وصبيان ، وطابت أنفس النساء والصبيان ، وآباؤهم ~~بردهم عليهم ، ليس للإمام أن يردهم ، أما الصبيان فلما ذكرنا في حق أهل ~~الذمة ، وأما النساء فلأن في ردهن تعريضهن على الحرام ، ولا إذن لهن في ذلك ~~، فلا وجه لرده امرأة مسلمة على المشركين ، يستحلون فرجها وهي لا تحل لهم ~~بحال ولا يوجد مثل ذلك في حق أهل الذمة ، ألا ترى أن الذمية إذا تزوجها ~~مستأمن في دارنا جاز النكاح وحلت له ، ولو أراد أن يتزوج مسلمة لم يتمكن من ~~ذلك ، ولا يحل له بحال ، إلا أن تكون المرأة عجوزا لا تشتهي ، ولا يخاف ~~عليها أن ترجع عن دينها ، فحينئذ لا بأس إن طابت نفسها بالرد ، رجوت ألا ~~تكون بردها لأخذ رهن المسلمين بأس كما في حق الرجال ، ولكن بشرط أن يكون ~~معها ذو محرم لها من المسلمين ، لأن المرأة ممنوعة من المسافرة إلى دار ~~الحرب بغير محرم ، وإن كانت عجوزة ms0994 ، ومع المحرم لا بأس به ، إذا كانت عجوزة ~~لحاجة لها ، فكذلك هذا ، PageV05P1757 فإن لم يكن بالمسلمين قوة على ~~المشركين وطلبوا منا في الموادعة أن نعطيهم رهنا ، فقال الرهن : لا نرضى ~~بذلك ، لأنهم غير مأمونين علينا ، فلا بأس بأن يجبرهم الإمام على ذلك على ~~وجه النظر للمسلمين ؛ لأن الخوف من جهتهم على جماعة من المسلمين ظاهر ، ~~وعلى هؤلاء الرهن إذا دفعناهم إليهم ليس بظاهر ، بل الظاهر في الناس الوفاء ~~بالمودعة ، وقد بينا أن الإمام ، إذا ابتلي ببليتين فإنه يختار أهونهما ، ~~ويدفع أعظم الضررين بأهون الضررين ، فإن كان أكبر الرأي عنده أنهم إذا خذوا ~~الرهن قتلوهم فحينئذ لا يحل له أن يدفعهم إليهم ؛ لأنه إذا دفعهم كان شريكا ~~في دمائهم ، معينا على هلاكهم ، وإذا لم يدفعهم فظفر المشركون بالمسلمين لم ~~يكن الإمام شريكهم فيما يصنعون بالمسلمين وأكبر الرأي في هذا كاليقين ، ألا ~~ترى أن الإمام لو احتاج إلى أن يرسل إليهم رسولا في مهم للمسلمين فيه منفعة ~~، فأبى المسلمون أن يدخل إليهم رسولا ، فإن للإمام أن يجبره على ذلك ، إلا ~~أن يكون أكبر الرأي منه إن بعث إليهم رسولا قتلوه ، فحينئذ لا ينبغي له أن ~~يبعث من المسلمين أحدا ولا يكرهه على ذلك ، فكذلك الرهن ، فإن جرت الموادعة ~~على ثلاث سنين ثم ظهر للمسلمين قوة ، فأرادوا أن ينبذوا إليهم ، وقال ~~المشركون لسنا ندع الموادعة ، ولا نرد عليكم رهنكم ، فإنه ينبغي للمسلمين ، ~~PageV05P1758 ألا يبطلوا الموادعة لا لإباء المشركون ذلك ، ولكن لمكان ~~الرهن في يد المشركين ؛ لأنهم إن فعلوا ذلك كان هذا منهم إجبارا للرهن ~~وامتناعا من الوفاء بالموعود لهم وذلك لا يحل فيوفون لهم بما أعطوهم حتى ~~يستنقذوا الرهن منهم ، وكذلك إن كانت الموادعة مؤيدة ، فليس ينبغ لهم أن ~~يبطلوا الموادعة وإن قدروا على قتالهم ، حتى يستنقذوا الرهن أو يموت الرهن ~~أجمعون ، أو يرضوا بذلك فحينئذ لا بأس بقتالهم ؛ لأن المانع من النبذ ~~مراعاة حق الرهن ولوجود إحدى هذه الخصال يزول هذا المانع ، ولو مضت مدة ~~الموادعة فقال المشركون : إن قاتلتمونا قتلنا رهنكم ms0995 فلا بأس بقتالهم ؛ لأنه ~~ليس في هذا أخبار للعهد بينهم وبين أهل الرهن ، فقد انتهى ذلك بمضي المدة ، ~~فلا يتعذر علينا ، قتالهم بسبب الخوف على الرهن كما لو تترسوا بأطفال ~~المسلمين لم يكن بقتالهم بأس ، وكذلك إن كان في أيديهم أسراء من المسلمين ، ~~فقالوا : إن قاتلتمونا قتلنا الأساري ، فإنه لا بأس بقتالهم لهذا المعنى ، ~~وكذلك إن أرسل إليهم رسلا لحاجة برضاء الرسل أو بغير رضاهم فحبسوهم ، ~~وقالوا للمسلمين : إن قاتلتمونا قتلنا رسلكم فلا بأس PageV05P1759 بقتالهم ~~، وهذا لأنه ليس في شيء من ذلك إخفار من الإمام لقوم من المسلمين إنما فيه ~~مظلمة يظلم المشركون بها المسلمين ، وللخوف من ذلك لا يتعذر على المسلمين ~~القتال معهم ، وقال : ولو طلب بعض مدائن الشرك أن يكون ذمة لهم فكره ذلك ~~ملك الموادعين وقال : إن فعلتم ذلك قتلنا رهنكم أو استعبدناهم ، وإن لم ~~تفعلوا رددنا عليكم رهنكم فإن الإمام والمسلمين ينظرون في ذلك ، فإن كل ~~الاقتناع من إعطاء الذمة إلى أن يأخذوا رهنكم خيرا للمسلمين امتنعوا في ذلك ~~وإن كان قبول الذمة من الذين طلبوا ذلك خيرا فعل ذلك الإمام ؛ لأنه ناظر ~~للمسلمين فيختار ما كانت المنفعة فيه أظهر ، وهذا لأنه لي في قبول الذمة من ~~هؤلاء إخفار في حق الرهن ، لأن هذا لم يكن مما وقع عليه الرهن ، ولا كان ~~وقوعه معلوما عند ذلك ، بخلاف ما تقدم من النبذ إليهم قبل مضي المدة ، ولكن ~~الأفضل أن يختار ما فيه استنقاذ المسلمين من أيدي المشركين ، ألا ترى أنه ~~لو طلب أهل مدينة منهم أن يكونوا ذمة فقال ملك العدو : إن أبيتم عليهم ذلك ~~خليت سبيل أسرائكم ، وإن قبلتم ذلك منهم قتلت أسراءكم ، فإنه يختار ما هو ~~الأنفع للمسلمين ، فإن كان استنقاذ الإسراء خيرا فعل ذلك وهو أولى الوجهين ~~، وإن كان قبول الذمة من أولئك خيرا لما يرى PageV05P1760 فيه من قوة ~~المسلمين عليهم ، بشوكة هؤلاء الذين طلبوا الذمة ، فإن الإمام يقبل الذمة ~~منهم ، ولا يلتفت إلى جانب الإسراء ، ألا ترى أنه لو حاصر أهل المدينة ~~عظيمة ms0996 وأشرف على فتحها فقال له ملك العدو : انصرفوا على أن نعطيكم أسراءكم ~~الذين في أيدينا ، فإن الإمام ينظر في ذلك فيفعل الذي هو خير للمسلمين ~~فكذلك ما سبق ، فإن غدر أهل المودعة فقتلوا رهن المسلمين ، وفي رهنهم صبيان ~~ليس معهم آباؤهم ولا أمهاتهم فإنه لا يحكم بإسلامهم حتى يبلغوا فيصفوا ~~الإسلام ؛ لأنهم كانوا في أيدي المسلمين وفي دار الإسلام كفارا على دين ~~آبائهم قبل أن يغدر المشركون بالرهن ، فلا يتحولون عن ذلك حتى يصفوا ~~الإسلام ، وهذا لأنه ليس في غدرهم إلا أن رهنهم به قد صاروا فينا بمنزلة ~~أهل الذمة وأولاد أهل الذمة ، وإن لم يكن معهم آباؤهم ولا أمهاتهم ، بأن ~~كانوا ماتوا أو نقضوا العهد لا يحكم لهم بالإسلام ما لم يصفوا الإسلام ، ~~قبل البلوغ أو بعده فحال هؤلاء كذلك ، فإذا كان في رهنهم مماليك ثم غدروا ~~فقتلوا رهننا ، فإن الإمام لا يرد عليهم مماليكهم ببيعهم ، ويقف الثمن في ~~بيت المال حتى يرضي المشركون المسلمين من رهنهم ؛ لأنهم احتسبوا عندنا ولكن ~~لم تسقط حرمة ملك الملاك فيهم لأجل الأمان فالسبيل بيعهم ووقف ثمنهم كما لو ~~أسلموا ، PageV05P1761 فإن قال المشركون للمسلمين إنا قد أسأنا في قتل ~~رهنكم ، فنحن نغرم لكم دياتهم ، فلا بأس بأن يقبل الإمام ذلك منهم ؛ لأنه ~~وقع اليأس عن رد الرهن ، ورد القيمة عند تعذر رد العين كرد العين وقيمة ~~النفس الدية ، فإذا فعلوا ذلك سلم الديات إلى ورثة المقتولين ورد عليهم ثمن ~~لا عبيد ، وإن كان العبيد لم يباعوا وقالوا : ردوا علينا عبيدنا ونرد عليكم ~~ديات رهنكم ، فإن الإمام لا يفعل هذا ؛ لأن عبيدهم قد احتبسوا عندنا ، فهذا ~~إن فعله يكون في معنى مفاداة الأساري منهم بالمال ، وذلك لا يجوز ولأنهم لم ~~يردوا رهننا بأعيانهم ، فإذا كانوا يأخذون رجالهم بأعيانهم ويردون لعينا ~~الديات ، كان فيه وهن شديد يدخل على المسلمين ، ولا ينبغي لإمام المسلمين ~~أن يحبسهم إلى مثل هذا ، فأما بعد بيع العبيد لا يوجد مثل هذا الوهن في رد ~~الأثمان عليهم ؛ لأنه يؤخذ منهم بدل ms0997 الرهن مال ويرد عليهم بدل رهنهم مثل ~~ذلك ، ألا ترى أن الإمام لو رأى الحظ للمسلمين في أن يأخذ منهم الديات ويرد ~~عليهم عبيدهم فحينئذ ملا بأس بأن يفعل ذلك لمعنى النظر ، PageV05P1762 فإن ~~كانوا قالوا للمسلمين ندفع إليكم الذين قتلوا رهنكم لتحكموا فيهم بما شئتم ~~، وتردوا علينا رهننا ، فإن الإمام يراعي في ذلك معنى النظر للمسلمين ، فإن ~~لم ير في ذلك حظا للمسلمين لم يقبل ذلك منهم ، رأيت لو كان رهننا خمسين ~~رجلا فقتلهم إنسان واحد أكن نأخذ منهم ذلك القاتل الواحد ونرد عليهم خمسين ~~من أحبارهم وأي وهن يكون أشد من هذا ؟ وإن رأى الحظ للمسلمين في أين يقبل ~~ذلك منهم قبله فأخذ القاتلين ورد عليهم رهنهم ، ثم هو بالخيار في القاتلين ~~، إن شاء قتلهم بهم ، لا بطريق القصاص ، فإن الحربي لا يستوجب القصاص ، ~~بقتل المسلم في دار الحرب ، ولكن لأنهم إساري مقهورون في أيدينا لا أمان ~~لهم ، وللإمام فيهم الخيار إن شاء قتلهم ، وإن شاء جعلهم عبيدا ، فإذا ~~اختار بذلك أعطى وارث كل مقتول العبد الذي قتل مورثه ؛ لأنه أخذهم عوضا عن ~~الرهن المقتولين ، ولذلك رد عليهم رهنهم ، فإذا صاروا مملوكين كان حكمهم ~~حكم الديات ، ولأن الجناية على النفس إذا وجد ممن يحتمل التملك ولم يكن ~~موجبا للقصاص كان موجبتا استحقاق نفس الجاني بالمجني عليه ملكا ، ~~PageV05P1763 ألا ترى أن العبد إذا قتل قتيلا خطأ فإنه يجب دفع نفسه إلى ~~ولي القتيل ، إلا أن يختار المولى الفداء فهذا كذلك ، وإن قالوا للإمام : ~~إن شئت أعطيناك ديات أصحابك ، وإن شئت أعطيناك الذين قتلوا أصحابكم ، فهذا ~~إنصاف منهم ؛ لأنه ليس في وسعهم فوق هذا ، فيما يرجع إلى الوفاء بتلك ~~المودعة ، ثم ينبغي للإمام أن يختار ما فيه الحظ للمسلمين ، فإن اختار أخذ ~~الديات دفعها إلى الورثة ، وإن اختار أخذ القاتلين كان الرأي إليه في قتلهم ~~، كما بينا ، ولا يمتنع عليه قتلهم بعفو الورثة إن عفوا عنهم ، لما بينا ~~أنه لا إليه في قتلهم ، كما بينا ، ولا يمتنع عليه قتلهم بعفو الورثة ms0998 إن ~~عفوا عنهم ، لما بينا أنه لا يقتلهم على وجه القصاص ، بل لأنهم محاربون ، ~~والعفو في قتل المحاربين غير مؤثر ؛ لأن العفو إنما يسقط ما كان مستحقا ~~للعافي خاصة ، وإن كان الذي قتل رهن المسلمين رجال من غير أهل تلك الدار ~~فإن كانوا دخلوا إليهم بأمان فهذا والأول سواء ؛ لأن من عندهم بأمان فهو في ~~أيديهم وهو ممن يجري عليه حكم ملكهم فحالهم كحال أهل دارهم PageV05P1764 ~~ألا ترى : أنه لو دخل من دارهم إلينا لم يحتج إلى استئمان جديد ، بمنزلة من ~~كان من أهل دارهم ، وإن كانوا دخلوا دارهم مغيرين بغير أمان فقتلوا الرهن ، ~~فإن ظفر بهم أهل دار المودعة ودفعوهم إلى المسلمين ليس عليهم غير ذلك ، ~~ويأخذون رهنهم ؛ لأنه ليس في وسعهم فوق هذا ، فيما يرجع إلى الوفاء ~~بالموادعة ، وإن كانوا ماتوا أو قتلوا في حربهم أو أخذهم ملك الموادعين ~~فقتلهم بما فعلوا بالرهن ، أو هربوا ، فعلى المسلمين أن يردوا عليهم رهنهم ~~؛ لأن القاتلين ليسوا من أهل دار الموادعين ، فلا يجوز أن يأخذ أهل دار ~~الموادعة بجناية من غيرهم ، فكان هذا في حقهم بمنزلة ما لو مات رهننا في ~~دارهم فعلينا أن نرد عليهم رهنهم ، ولو كان الذين أصابوهم من أهل دارهم ~~فقتلهم ملكهم حين قتلوا الرهن أو ماتوا حين أخذهم قبل أن يقتلهم فللإمام ~~ألا يرد رهنهم حتى يعطوهم ديات رهن المسلمين ؛ لأن الجناية كانت منهم ، ~~والظاهر أنهم ما تمكنوا من ذلك إلا بقوة ملكهم ، فيكون فعلهم ذلك كفعل ~~ملكهم بنفسه ، ولو كان هو الذي قتل رهن المسلمين فأنكر ذلك أهل مملكته ، ~~فقتلوه أو مات ، كان للمسلمين ألا يردوا عليهم PageV05P1765 رهنهم حتى ~~يردوا ديات رهننا ، فكذلك ما سبق ، وإن أخذوا الملك فقالوا للمسلمين ندفعه ~~إليكم بمن قتل من رهنكم وتردوا علينا رهننا ، فإن الإمام ينظر في ذلك فإن ~~رأى الحظ في أن يأبى ذلك حتى يأخذ ديات الرهن فعل ذلك ، وإن رأى الحظ في أن ~~يأخذ الملك فيقتله أو يجعله عبدا لورثة الرهن فعل ذلك ، وإن كان الملك ms0999 حين ~~قتل الرهن هو الذي قال لإمام المسلمين : أعطيك ديات أصحابك لترد علي رهني ~~فليس ينبغي للإمام أن يفعل ذلك لما فيه من الوهن على المسلمين ولا يلتفت ~~إلى رضاء ورثة الرهن إن رضوا بذلك ؛ لأن مراعاة جانب دفع الوهن والذل على ~~المسلمين أوجب ، وهذا ليس من حقهم في شيء حتى يعتبر فيه رضاهم ، إلا أن يرى ~~الإمام الحظ في ذلك للمسلمين فحينئذ لا بأس بأن يفعله لتوفير المنفعة عليهم ~~، فإن غدر المشركون وقتلوا رهن المسلمين ، ثم قتل المسلمون رهنهم اعتمادا ~~على ظاهر الشرط ، فقد أخطئوا في ذلك ؛ لأنهم كانوا مستأمنين فينا وينبغي ~~لمن قتلهم أن يغرم دياتهم كما هو الحكم في المسلم يقتل المستأمن ، فإن قيل ~~لك قد صاروا من أهل الذمة حين احتبسوا في دارنا ، فينبغي أن يجب القصاص على ~~من قتلهم ، لأن المسلم يقتل بالذمي عندنا ، PageV05P1766 قلنا : قبل أن يضع ~~الإمام الخراج عليهم لا يكونون من أهل الذمة ، حتى لو أرضى المشركون ~~المسلمين ردوا عليهم رهنهم ، وإن صاروا بمنزلة أهل الذمة فقد تمكن شبهة في ~~هذا القتل ، وهو الاعتماد على ظاهر الشرط والمشروط في عقد صحيح وذلك يكفي ~~لإسقاط القود ، ثم الديات تكون موقوفة في بيت المال ، فإن أعطى المشركون ~~ديات رهن المسلمين قبل ذلك منهم الإمام ، ودفعها إلى ورثة المقتولين ، وسلم ~~إليهم ديات رهنهم ؛ لأن حكم البدل من الجانبين حكم المبدل ، ولو ردوا علينا ~~رهننا رددنا عليهم رهنهم ، فكذلك إذا ردوا ديات رهننا رددنا عليهم مثل ذلك ~~، ولا ينبغي للإمام أن يأبى ذلك عليهم ؛ لأنه قد صار مالا من الجانبين ~~بخلاف ما قبل قتل رهنهم ، فإن للإمام هناك رأيا في أخذ الديات ، لما فيه من ~~صورة الوهن ، بأن يقتلوا خيارنا وأشرافنا ، ثم يأخذوا رهنهم ، ويعطونا ~~الديات ، فإن قالوا : نعطيكم الديات ، ونعطيكم مكان كل مسلم قتلناه منكم ~~أسيرا مسلما في أيدينا ، وتردون علينا رهننا ، فعلى الإمام أن يقبل ذلك ~~منهم ؛ لأنهم ردوا بدل نفوس المقتولين ، وردوا مثل ما قتلوا من إساري ~~المسلمين وليس في وسعهم فوق ذلك ms1000 ، ثم يخلي سبيل الإسراء ، ويدفع الديات إلى ~~ورثة المقتولين ، PageV05P1767 وإن قالوا ليس عندنا أسراء منكم ولكنا ~~نعطيكم لكل قتيل من رهنكم ديتين أو ثلاث ديات ، وتردون رهننا ، فإن الإمام ~~يرى في ذلك رأيه سواء رضي به ورثة الرهن أو لم يرضوا ؛ لأن المال وإن كثر ~~لا يكون مثلا للمسلمين فربما يكون في هذا معنى التوهين بشيء من أمر ~~المسلمين فله ألا يقبله ، فإن رأى ذلك خيرا وقبله سلم الديات كلها لورثة ~~المقتولين ، لأنه بدل نفوسهم بمنزلة مال وقع الصلح عليه من القصاص فإنه ~~سالم لورثة المقتولين قل ذلك أو كثر ، ولو قالوا : لا نعطيكم الدية ، ولكن ~~نعطيكم مكان كل مسلم قتلناه أسيرا أو أسيرين أو ثلاثة ، فأبى أولياء الرهن ~~المقتولين أن يقبلوا ذلك لم يلتفت الإمام إلى إبائهم ولكن ينظر إلى معنى ~~الخيرية للمسلمين ، فإن رأى النظر في قبول ذلك أخذ الأسرى فخلى سبيلهم ، ~~ورد عليهم رهنهم ، وعوض ورثة الرهن المقتولين دياتهم من بيت المال ؛ لأنه ~~كان عليه أن يفدي الأساري من بيت المال ، فإذا توصل إلى تخليص PageV05P1768 ~~الأساري المسلمين ، باعتبار دم المقتولين ، كان عليه أن يدفع إلى ورثتهم ~~عوض ذلك ، وهو ديات المقتولين ، بمنزلة ما لو فادى الأساري ببعيد منهم بعد ~~ما قسمهم بين الغانمين بغير رضاهم ، فإنه يعوض الملاك قيمتهم من بيت المال ~~، وإن طابت أنفس ورثة الرهن بهذا وسألوا الإمام أن يقبل منهم أسراء ~~المسلمين مكان الرهن المقتولين ، والمسألة بحالها ، ثم طلب ورثة الرهن ديات ~~رهنهم لم يعطهم شيئا ؛ لأنهم تطوعوا بحقهم على المسلمين ، فكأنهم تبرعوا ~~بمفاداة الأساري بمالهم فلا يستوجبون الرجوع على أحد بشيء ، وإن لم ~~يستأمرهم الإمام في ذلك حتى قبل من المشركين ما أعطوه ورد عليهم رهنهم ، ~~فإنه ينبغي له أن يعوض ورثة الرهن المقتولين دياتهم من بيت المال ، لأن ~~حقهم إنما يسقط إذا رضوا بذلك ، وتطوعوا بحقهم على المسلمين وهذا المعنى لا ~~يتحقق إذا لم يعلموا به ، وإن لم يعط المشركون المسلمين شيئا بعد قتل رهنهم ~~، فإنه لا ينبغي للإمام أن يعذب رهنهم ms1001 بالضرب والحبس ، كما لا يقتلهم لأنهم ~~مستأمنون فينا ، ولكنه يخلي PageV05P1769 عنهم في موضع من دارنا ، لا ~~يقدرون فيه على الرجوع إلى بلادهم ؛ لأنهم احتبسوا في دارنا حين احتبسوا ~~رهننا عندهم ، فإن أسلموا فهم أحرار ، وإن أبوا جعلهم الإمام ذمة لما بينا ~~، ولكن ينبغي أن يؤجل أهل الحرب في أمرهم سنة ، فإن أرضونا وإلا جعلناهم ~~ذمة ، ووضعنا عليهم الخراج فإذا مضت السنة أخذنا منهم الخراج ؛ لأن إرضاء ~~المشركين المسلمين ببعض الوجوه الذي ذكرنا موهوم ، وبعد الإرضاء يجب رد ~~رهنهم عليهم ، فلهذا يتأنى الإمام في ذلك ، والحول حسن لإبلاء العذر كما في ~~أجل العتق وغيره ، وهو نظير المستأمن إذا أطال المقام في دارنا ، فلأن ~~الإمام يتقدم إليه ويقول إن أقمت سنة من يومك هذا جعلتك ذمة ، ثم إن خرج ~~قبل مضي السنة تركه ، وإن مضت السنة قبل أن يخرج أخذ منه الخراج ، ولم ~~يمكنه من الرجوع بعد ذلك ، فكذلك حال الرهن ، فإن قالوا بعد مضي السنة : ~~نحن نرضيكم بإعطاء الأساري والديات فردوا علينا رهننا ، فإن الإمام لا ~~يردهم بالديات بعد ما صاروا ذمة لنا ، وبعد إعطاء الأساري إن كره الرهن ذلك ~~لم يردهم ، وإن طابت نفوسهم بذلك ردهم على قياس ما ذكرنا في مفاداة الإسراء ~~بأهل الذمة ، لأن هؤلاء صاروا من أهل الذمة ، PageV05P1770 وهو نظير ما لو ~~أسر الإمام القوم من المشركين وقسمهم ، ثم إن مواليهم أعتقهم فصاروا ذمة ~~للمسلمين يؤدون الخراج ، ثم طلب المشركون أن يفادونا بأسراء المسلمين بهم ، ~~فإن الإمام لا يفعل ذلك بغير طيبة نفس المعتقين ، فإن طابت نفوسهم بذلك ~~فعلوه ، فكذلك ما سبق ، ولو قالوا : نعطيكم الديات ، ونعطيكم من قتل الرهن ~~، فليس ينبغي للإمام أن يرد عليهم رهنهم بعدما جعلهم ذمة ؛ لأن هذا بمنزلة ~~مفاداة أهل الذمة بالمال ، وأهل الحرب منهم ، وهذا لا رخصة فيه ، إنما الذي ~~يرخص فيه إعادة الذمي إلى دار الحرب ، ليكون حربا للمسلمين إذا كان فيه ~~تخليص المسلمين من أسر المشركين فقط ، فلو أعطى المسلمون المشركين رهنا من ~~المسلمين ، وأعطاهم المشركون رهنا في جواهر ms1002 أو ثياب ، ثم غدروا فقتلوا ~~الرهن ، فإن الإمام يجعل رهنهم ، موقوفا في بيت المال ، لا يعطي ورثة الرهن ~~المقتولين شيئا من ذلك ؛ لأن حقهم مقصور على بدل نفوس المقتلين ، وهذا ليس ~~من بدل نفوسهم في شيء ، ولكنه مال أهل الحرب قد يثبت فيه حكم الإمام في ~~ديارنا ، فيجعله الإمام موقوفا في بيت المال ، وإن خاف الفساد على شيء منه ~~باعه ووقف ثمنه PageV05P1771 في بيت المال ، فإن قالوا للمسلمين : نعطيكم ~~الدياات وتردواعلينا رهننا ، فإن الإمام ينظر في ذلك ، فإن كانت الديات مثل ~~الرهن أو أكثر فلا بأس بأن يأخذ ذلك منهم ؛ لأن الكل مال ، وإنما يعتبر فيه ~~المماثلة في صفة المالية ، لنعدم به معنى الرهن ، ثم يدفع الديات إلى ورثة ~~الرهن ، وإن كانت الديات دون رهنهم في المالية منعهم الإمام ذلك أشد المنع ~~؛ لأن معنى الرهن يتحقق ها هنا من وجهين ، أحدهما من جهة قتلهم الرهن ، ~~والآخر من جهة أنهم يأخذون من المال أكثر مما يعطون ، وإن قالوا : إن الرهن ~~قتلوا بغير رضاء منا ، فنحن نعطيكم القاتلين وديات المقتولين ، وتردوا ~~علينا رهننا ، أو قالوا : اختر إن شئت القاتلين ندفعهم إليك ، وإن شئت ~~الديات ، فإن علمنا أنهم صدقوا فيما قالوا إنهم قتلوا بغير برضاء من ~~جماعتهم فليس للإمام أن يأبى هذا عليهم ؛ لأنه ليس في وسعهم فوق ما عرضوه ~~عليه ، ولكنه يختار أفضلهما للمسلمين فيأخذه ويرد عليهم رهنهم ، وإن كان ~~قتل برضاء من جماعتهم فللإمام ألا يقبل ذلك منهم باعتبار أن رضاء الجماعة ~~بذلك كمعاشرتهم PageV05P1772 وفي قبول ذلك منهم معنى الوهن ، ولو أنهم ~~قتلوا رهن المسلمين ، ثم أسلموا وصاروا ذمة ، فليس عليهم غرم في ذلك ؛ ~~لأنهم فعلوا ذلك وهم محاربون ، فكان هذا وما لو قتلوا المسلمين في القتال ~~ثم أسلموا أو صاروا ذمة سواء ، ثم يرد عليهم رهنهم ، لأنه مال كان مملوكا ~~محترما لهم في أيدينا ، فإذا أسلموا وجب رده عليهم عملا بقوله عليه الصلاة ~~والسلام : من أسلم على مال فهو له ، وحالهم الآن كحال الخوارج إذا قاتلهم ~~أهل العدل ، وأصاب كل ms1003 فريق مالا من الفريق الآخر ، ثم استهلك الخوارج أموال ~~أهل العدل ، فإن أهل العدل لا ينبغي لهم أن يستهلكوا شيئا من أموالهم ، ~~ولكنهم يقفون ذلك إلى أن يتوب الخوارج ، فإذا تابوا يرد عليهم أموالهم ، ~~ولم يغرموا شيئا مما استهلكوا ، ولو لم يسلم أهل الدار بعد قتل الرهن ، ~~ولكن ظهر المسلمون على أهل تلك الدار وقتلوا من فيها ، أو سبوهم ، كان ~~رهنهم من الأموال فيئا للمسلمين الذين ظهروا على تلك الدار ؛ لأنه قد سقطت ~~حرمة نفوس الملاك بوقوع الظهور عليهم ، وهذا عين مال لهم بمنزلة ما في ~~أيديهم ، فيكون فيئا للغانمين ، وإن استهلك رجل من المسلمين رهنهم فإن ~~الإمام PageV05P1773 يضمنه مثله ، لبقاء حكمم الأمان في ذلك المال في يد ~~الإمام ، ثم حكم المثل المأخوذ في يد الإمام ما هو حكم الأصل ، ولا يشبه ~~هذا في هذا الوجه ما أصاب المسلمون من أموال الخوارج ، فإن من استهلك ذلك ~~من أهل العدل لم يضمن شيئا ، فإنه لا أمان للخوارج في ذلك منا ، ووجوب ~~الضمان باعتبار الأمان ، فأما وجوب رد العين باعتبار بقائه على ملك صاحبه ، ~~فلهذا قلنا يرد عليهم ما كان قائما ، ولا يضمن المستهلك لهم شيئا مما ~~استهلكه ، بخلاف رهن أهل الحرب في أيدينا ، فإن حكم الأمان ثابت في ذلك ~~المال ، فيغرم المستهلك قيمته ، ويجب رده عليهم إن أسلموا ، وإذا أخذوا ~~الرهن من الجانبيين في الموادعة واشترطوا فيها أن من غدر منهم فدماء رهنهم ~~حلال ، ثم قطع المشركون أيد رهننا ، أو فقئوا أعينهم ، ثم قالوا للمسلمين : ~~خذوا رهنكم فهو أحياء ، وأعطونا رهننا ، فإن الإمام ينظر في ذلك ، فإن كان ~~الحظ في أخذهم ، ولم يكن فيه توهين بشيء من أمور المسلمين ، وأبرأهم الرهن ~~مما صنعوا بهم ، وقالوا : خذونا منهم ، فعل الإمام ذلك ، وإن كان فيه توهين ~~لأمر المسلمين لم يأخذ ذلك منهم ؛ PageV05P1774 لأنه نصب ناظرا وقد سلم ~~إليهم قوما أصحاء فله ألا يأخذ منهم قوما عميانا مقطوعين ويعطيهم رهنهم ~~أصحاء ، وإن قال الرهن : الحق حقنا ونحن نرضى بذلك ، فخذونا منهم ، فإنا لا ~~نأمن ms1004 البلاء على أنفسنا ، لم يلتفت الإمام إلى مقالتهم ؛ لأن في هذا توهينا ~~للدين ، وخديعة من المشركين لأهل الإسلام وازدراء لهم ، والضرر في ذلك إلى ~~جميع المسلمين ، فلا يترك الإمام مراعاة هذا الجانب قول الرهن . أرأيت لو ~~كان الرهن بآخر الرمق مقطعي الأيدي والأرجل ، فقالوا : خذونا منهم أكان ~~ينبغي للإمام أن يعطيهم رهنهم أصحاء سالمين ، ويأخذ المسلمين بآخر رمق لما ~~صنعوا بهم ؟ هذا مما لا ينبغي أن يقول به أحد ، لأنه رضاء بالدنية في الدين ~~، ونعوذ بالله - تعالى - من أن نعطي الدنية في ديننا فإن الذليل يعطى ما ~~سئل ، ولو جاز هذا الجاز أن يقال : إذا قتلوا رهننا ثم قال ورثتهم : قد ~~عفونا عنهم فردوا عليهم رهنهم ، أن يردوهم عليهم ، لأن ورثة المقتولين ~~يقومون مقامهم هذا ليس بشيء ، ولا ينظر إلى قول الرهن ، ولا إلى قول ورثته ~~، وإنما ينظر إلى توهين الدين ، المسلمون جرأة المشركين ، فإن لم يكن فيما ~~سألوا توهين للدين أجابهم الإمام إلى ذلك ، وإن كان فيه توهين الدين وجرأة ~~المشركين عليهم لم يقبل ذلك منهم . PageV05P1775 ألا ترى : أن رهننا لو ~~كانوا مائة ، فقتلوهم كلهم إلا رجلا واحدا ، فقال ذلك الرجل : خذوني منهم ، ~~وردوا عليهم رهنهم ، فإنهم قاتلي إن لم تفعلوا ، لم يلتفت الإمام إلى قوله ~~لما في ذلك من معنى توهين الدين كما بينا ، فإن كانوا حين فقئوا أعين الرهن ~~قالوا للمسلمين : نرد عليكم رهنكم ونعطيكم الدية فيما صنعنا برهنكم ، فلا ~~بأس بأن يقبل الإمام منهم هذا ؛ لأنه ليس فيه توهين الدين ، فإنهم يردون ~~الرهن ويردون عوض ما أتلفوا منهم ، وليس في وسعهم فوق ذلك ، ولو قتلوا بعض ~~رهننا وبقي البعض كان للإمام ألا يرد عليهم رهنهم ، حتى يردوا علينا ~~الأحياء ، ويخيرون في القتلى بين الديات وبين دفع القاتلين إليه ، اعتبارا ~~للبعض بالكل ، ولو أنهم ضربوا رهننا أو شجوهم فبرئوا على وجه لم يبق أثره ~~فقالوا للإمام : أخرجنا من أيديهم وادفع إليهم رهنهم فلا بأس للإمام أن ~~يفعل ذلك ؛ لأن المظلوم قد رضي بترك المطالبة لحقه ، وليس في ms1005 أخذهم ورد ~~الرهن عليهم معنى توهين الدين ، فلا بأس بأن يجيبهم الإمام إلى ذلك ، وكذلك ~~إن مات الرهن في أيديهم من غير ذلك ، بعدما برءوا ذمته ، فقال ورثة الرهن ~~قد تركناه لهم ، فردوا عليهم رهنهم ؛ PageV05P1776 لأن الورثة بعد موت ~~المورث يقومون مقامه فيما هو من حقه ، قال : فإذا أعطوا الرهن من الجانبين ~~في الموادعة ولم يعطوا مع رهن المشركين نفقة لهم ، فنفقتهم ما داموا رهنا ~~من بيت مال المسلمين ، وهذا من أعجب المسائل فإن نفقة المرهون تكون على ~~الراهن دون المرتهن ، في الموضع الذي وجد فيه الرهن بصورته ومعناه وحكمه ، ~~فكيف تجب النفقة على المرتهن في موضع وجد فيه الرهن صورة ، فكيف يجب نفقة ~~أهل الحرب في بيت مال المسلمين ، وهم أهل حرب في أيدينا ، بمنزلة ~~المستأمنين ولكنا نقول إن إقامتهم فينا لمنفعة المسلمين ، وقد بينا أنه لا ~~يجوز الإجابة إلى هذه الموادعة إلا إذا كان فيها منفعة للمسلمين ، فلهذا ~~تجب نفقتهم في مال المسلمين ، بمنزلة المستعار في يد المستعير ، لما كانت ~~المنفعة له فيه كان نفقته عليه ، بخلاف الرهن الذي هو حقيقة ، فالمنفعة ~~هناك للراهن ، من حيث إن دينه يصير مقضيا بهلاك الرهن ، فإن قتلوا رهن ~~المسلمين يلتزم الإمام رهنهم إلى سنة ، وينفق عليهم من بيت المال أيضا ؛ ~~لأنه ما لم تمض السنة فالحكم الذي كان ثابتا فيهم بأمان باق ، PageV05P1777 ~~فإن مضت السنة ولم يرضونا جعلهم ذمة ولم ينفق عليهم بعد ذلك من بيت المال ~~شيئا ؛ لأنه ما لم تمض السنة حالهم كحال غيرهم من أهل الذمة ، ولو لم ~~يقتلوا رهننا ، وقد كانت الموادعة مؤقتة ، فانقضت المدة وطلب المسلمون من ~~المشركين رد الرهن فأبوا ، فإن الإمام يقول لرهنهم : لا أردكم إلى بلادكم ~~حتى يردوا أصحابكم إلي رهني ، وقد أجلتكم في ذلك حولا ، فاكتبوا لهم فإن ~~ردوا رهني ، وإلا جعلتكم ذمة ، ويكتب إليهم بنفسه أيضا تحقيقا لإبلاء العذر ~~، فإن لم يردوا الرهن حتى مضى الحول جعلهم ذمة ، ثم إن عرضوا رد الرهن بعد ~~ذلك لم يرد عليهم رهنهم إلا برضاهم ms1006 ، وقد بينا هذا ، والفقه في هذا الإنذار ~~أنه لا يجوز للإمام أن يترك المشرك في دارنا مدة مديدة ، ليصنع ما يصنع من ~~غير ذل الخراج فكان التقديم إليهم التأجيل بحول لهذا المعنى ، وإن أعطى ~~المسلمون المشركين رهنا من الرجال الأحرار ، وأخذوا منهم رهنا من جوهر أو ~~لؤلؤ أو عبيد ، فاشترطوا عليهم أنهم إن غدروا فما أخذ المسلمون منهم من مال ~~فهو للمسلمين ، ثم غدروا ، فإن المال لا يكون للمسلمين ولكن PageV05P1778 ~~يكون موقوفا في بيت المال لهم ، إلى أن يسلموا أو يرضونا في رهننا بما نرضى ~~به ؛ لأن هذا شرط باطل قد ثبت بطلانه بالنص ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ~~: لا يغلق الرهن ، فإن تفسير هذا اللفظ على ما نقل عن أئمة التابعين أن ~~يقول الراهن للمرتهن : إن جئتك بمالك إلى وقت كذا وإلا فالرهن لك بمالك ، ~~فإذا ثبت أن هذا لا يجوز في الموضع الذي يكون عوضا عن مال ففي الموضع الذي ~~يكون عوضا عما ليس بمال أصلا أحرى ألا يجوز ، وهذا لما فيه من تعليق سبب ~~الملك بالخطر ، وأسباب ملك الأعيان لا يحتمل التعليق بالخطر ، فإذا تبين ~~بطلان هذا الشرط كان ذكره والسكوت عنه سواء والله الموفق PageV05P1779 # | باب الشروط في الموادعة وغيرها # قال وإذا توادع المسلمون والمشركون ستين معلومة فإنه ينبغي لهم أن يكتبوا ~~بذلك كتابا ، لأن هذا عقد يمتد ، والكتاب في مثله مأمور به شرعا ، قال الله ~~- تعالى - : ' إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ' البقرة : 282 ، ~~وأدنى درجات موجب الأمر الندب ، كيف وقد قال في آخر الآية : ' إلا أن تكون ~~تجارة حاضرة تديرونها بينكم ، فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ' ، ففي هذا ~~إشارة إلى أن ما يكون ممتدا يكون الجناح في ترك الكتاب فيه ، ثم الأصل فيه ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه صالح أهل مكة عام الحديبية على ~~أن وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ، وأمر بأن يكتب بذلك نسختان ، إحداهما ~~تكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخرى عند أهل مكة ، وكان ms1007 علي - ~~رضي الله عنه - ، هو الذي PageV05P1780 يكتب ، فلما كتب بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، قال سهيل بن عمرو : لا ندري ما الرحمن الرحيم ! اكتب : باسمك ~~اللهم ، ثم كتب ، هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله ، قال سهيل بن عمرو : ~~لو عرفناك رسول الله ما قاتلناك ، أو ترغب عن اسم أبيك ؟ اكتب محمد بن عبد ~~الله ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا - رضي الله تعالى عنه - أن ~~يمحو ما كتب ، فأبى علي ذلك حتى محاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، ~~وقال : أنا محمد بن عبد الله ورسوله ، اكتب : هذا ما اصطلح عليه محمد بن ~~عبد الله وسهيل بن عمرو على أهل مكة ، وأملى عليه الكتاب إلى آخره ، وأمره ~~بأن يكتب بذلك نسختين ، فصار هذا أصلا في هذا الباب ؛ ولأن كل واحد من ~~الفريقين يحتاج إلى نسخة تكون في يده ، حتى إذا نازعه الفريق الآخر في شرط ~~رجع إلى ما في يده ، واحتج به على الفريق الآخر ، ثم المقصود به التوثق ~~والاحتياط ، فينبغي أن يكتب على أحوط الوجوه ويتحرز فيه من طعن كل طاعن ، ~~إليه وقعت الإشارة في قوله - تعالى - : ' ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه ~~الله ' البقرة : 282 ، ومعلوم أن ما علمه الله يكون صوابا مجمعا عليه ، ~~فينبغي أن يكتب على وجه لا يكون لأحد فيه طعن ، ثم بدأ الكتاب فقال : هذا ~~ما توادع عليه الخليفة فلان ومن معه من المؤمنين ، وفلان ومن معه من أهل ~~مملكته ، وأبو زيد البغدادي قال في شروط : الاختيار عندي PageV05P1781 أن ~~يكتب : هذا كتاب فيه ذكر ما توادع عليه ليكون صادقا حقيقة فإن هذا إشارة ~~إلى البياض ، والبياض لا يكون ما توادع عليه ، بل يكون فيه ذكر ما توادع ~~عليه ، ولكن ما اختاره محمد - رحمه الله - ، موافق لكتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الباب كما روينا ، وكذلك في غير هذا الباب ، فإنه ~~حين أمر بكتاب في شراء بعد كان صفته : هذا ما اشترى محمد رسول الله ، من ~~العداء بن ms1008 خالد بن هوذة ، وإشارة الكتاب تدل على هذا ، قال الله - تعالى - ~~: ' هذا ما توعدون ليوم الحساب ص : 3 والمراد الوعد للأبرار ، والوعيد ~~للفجار ، ثم لم يقل هذا كتاب فيه ذكر ما توعدون ليوم الحساب ، ثم قال : ~~توادعوا كذا وكذا سنة ، أولها شهر كذا من سنة كذا ، وآخرها شهر كذا من سنة ~~كذا ، وإنما يبدأ بذكر التاريخ ؛ لأن موجب العقد الذي يجري حرمة القتال في ~~مدة معلومة ، فلا بد من أن يكون أول تلك المدة وآخرها موجبا معلوما وذلك ~~ببيان التاريخ ، وإنما اختار لفظ الموادعة لأنه لا مسألة ولا مصالحة حقيقة ~~بين المؤمنين والمشركين ، وإنما يكون بينهم المعاهدة كما قال الله - تعالى ~~- : ' إلى الذين عاهدتم من المشركين ' التوبة : 1 ، والموادعة هي المعاهدة ~~ثم ذكر ما بالفريقين حاجة إلى ذكره في الكتاب إلى أن قال : وجعل كل فريق ~~منهم لصاحبه بالوفاء بجميع PageV05P1782 ما في هذا الكتاب عهد الله - تعالى ~~- وميثاقه وذمة الله وذمة رسوله وذمة المسيح عيسى بن مريم ، وهذا اللفظ ~~يذكره في كل كتاب في هذا الباب ، لأنه إنما بني عليه على ما كان حال ~~الخليفة في وقته ، وإنما كانوا يقاتلون الروم في ذلك الوقت وأعظم الألفاظ ~~في باب التزام العهد عندهم هذا ، فلهذا ذكره ، فإن قيل : كيف جوز كتابة هذا ~~اللفظ ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة ~~الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم ، فإنكم أن ~~تخفروا ذممكم وذمم آبائكم كان أهون قلنا : ليس مراد محمد رحمه الله من ~~اللفظ المذكور إعطاء ذمة الله وذمة الرسول ، فذلك منهي عنه كما ورد في ~~الحديث ولكن المراد بهذا اللفظ ، تأكيد الموادعة بالقسم بعبارات مختلفة ، ~~ألا ترى أنه قال : وأشد ما أخذ الله على النبيين والصديقين والصالحين من ~~عهد أو ذمة أو ميثاق ، فالمراد مما وقعت الإشارة إليه في قوله : ' وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا PageV05P1783 الكتاب ' آل عمران : 187 ، وفي قوله ~~تعالى : ' وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ' آل عمران : 81 والمراد الإلزام ms1009 على ~~أبلغ الوجوه ، فهذا مثله ، ألا ترى : أنه ذكر بعد هذا بيان وجوه الغدر ، ~~فجميع هذه الإيمان عليه الله عليه بها راع كفيل ، والذمة منه بريئة فبهذا ~~تبين أن مراده مما سبق ذكر القسم ، ثم ختم الكتاب بذكر التاريخ ، وقد تبين ~~التاريخ في أول الكتاب وذلك كاف ، إلا أنه أعاده في آخر الكتاب للتأكيد ، ~~فليس المقصود إلا حرمة القتال في مدة معلومة ، وابتداؤها من وقت تمام ~~الكتاب والأشهاد ، فلو اكتفى بما ذكره في أول الكتاب ربما يدعي أحد ~~الفريقين مضي مدة بين أول الكتاب ، وآخره يعارض ، وقد يكون ذلك ، فلهذا ختم ~~الكتاب بذكر التاريخ أيضا والأصل في التاريخ ما روي أن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله تعالى عنه - كتب إلى عماله ، إذا كتبتم إلي فاذكروا التاريخ في الكتاب ~~، ثم جمع الصحابة - رضوان الله عليهم - وشاورهم في ابتداء مدة التاريخ ، ~~فقال بعضهم : يجعل التاريخ من وقت مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فكأنه كره ذلك لما فيه من بعض التشبه بالنصارى وقال بعضهم يجعل التاريخ من ~~حين قبض رسول الله عليه وسلم فكأنه كره ذلك لما فيه من معنى المصيبة ~~للمسلمين ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم لن تصابوا بمثلي ، ~~فاتفقوا على أن جعلوا التاريخ من وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فإن ظهور أعلام الدين كالجمع والأعياد وأمن المسلمين من أذى المشركين إنما ~~كان من ذلك الوقت ، فجعلوا التاريخ من وقت الهجرة لهذا ، PageV05P1784 فإن ~~أراد المسلمون أن يوادعوهم على ألا يردوا عليهم من خرج مسلما كتب الله ذلك ~~عقيب ذكر الكف عن القتال وعلى أن من خرج من أهل مملكة فلان إلى دار الإسلام ~~من رجل أو امرأة مسلما أو معاهدا ، لم يكن على الخليفة ولا على أهل الإسلام ~~رده على فلان ، وهذا حكم ثابت شرعا من غير شرط ، ولكن القوم ينكرون هذا ~~الحكم ، فبدون هذا الشرط يعدونه غدرا بناء على اعتقادهم ، وقد بينا أنه ~~ينبغي أن يكتب الكتاب على وجه يكون حجة على ms1010 الخصمين ، ولا يطعن فيه أحد من ~~الطاعنين . وبعد ذكر هذا الشرط ، إن خرجت امرأة ذات زوج فأراد زوجها ردها ~~لم يكن له ذلك ، وهذا منصوص عليه في قوله - تعالى - : ' فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ' الممتحنة : 10 ، لا أن الرد كان ~~مشروطا في الصلح ، الذي جرى عام الحديبية ، فلما انتسخ ذلك الحكم بنزول ~~الآية ، أمر الله - تعالى - برد ما أعطاها الزوج كما قال الله - تعالى - : ~~' وآتوهم ما أنفقوا ' الممتحنة : 10 ، للوفاء بسم الله الرحمن الرحيم ذلك ~~الشرط ، فأما المشروط الآن لا يرد فلا يجب أيضا رد شيء مما آتاها ، وإن لم ~~يكن هذا مشروطا أيضا لا يجب رد شيء ، PageV05P1785 لأن هذا الحكم قد انتسخ ~~بدليل الإجماع ، وإن خرج منهم عبد مسلم أو أمة مسلمة إلى دار الإسلام لم ~~يعتق ؛ لأن الموادعين بمنزلة المستأمنين يجب مراعاة حرمة مالهم ، ألا ترى ~~أن المسلمين لو استولوا على أموالهم لا يملكونها ، فكذلك المراغم منها لا ~~يعتق ولكن يباع ويدفع ثمنه إلى مولاه ، بمنزلة المستأمن في دارنا إن أسلم ~~عبده ، وقال : على أن من خرج من المسلمين ، أو من أهل ذمتهم ، إلى فلان ~~الملك تاركا لدين الإسلام ، أو لذمة المسلمين ، فعلى فلان وأهل مملكته رده ~~على المسلمين ، حتى يرده إلى ما كان عليه ، وهذا شرط لا ينبغي أن يترك ذكره ~~في الكتاب ، لأنه إذا أخرج إلينا منهم مسلم ، أو ذمي لا يجوز لنا أ ، نرده ~~عليهم ، فالظاهر أنهم يطالبوننا بالمناصفة ، ويقولون : كما لا تردون أنتم ~~فنحن لا نرد ، وبعد ذكر هذا الشرط تنقطع هذه المحاجة . فإذا امتنعوا من ~~الرد كان ذلك نقضا منهم للعهد ، ويحل للمسلمين القتال معهم من غير نبذ ، ثم ~~ذكر وثيقة الموادعة بعوض وهو على قياس ما تقدم ، وإنما زاد فيها ذكر البدل ~~، والحاصل فيه ، أنه ينبغي له أن يعلم البدل على وجه لا يبقى فيه منازعة في ~~الثاني ، وذلك بأن يكتب على أن يؤدي فلان الملك PageV05P1786 وأهل مملكته ~~إلى فلان الخليفة ، في كل سنة ، خراجا ms1011 معلوما كذا وكذا دينارا شامية ثقالا ~~، وكذا وكذا رأسا جيادا ومن النساء البوالغ كذا ، ومن الرجال كذا ، ومن ~~الوصائف اللاتي لم يبلغن كذا ، ومن الوصفاء الذين لم يبلغوا كذا ، على أن ~~يكون ذلك من ثياب البزيون في كل سنة كذا ثوبا جيادا جددا طول كل ثوب منها ~~كذا ذراعا وعرض كل ثوب كذا ومنها كذا ثوب أحمر ، ومنها كذا أبيض ، ومنها ~~كذا أصفر ، وعلى أن يؤدوا في كل سنة كذا برذونا جيادا فرهة من الجذاع كذا ~~ومن الشباب كذا ، وهذا لأن المال إنما يلتزمونه ها هنا عوضا عما ليس بمال ، ~~ومثله مبني على التوسع ، فلهذا اكتفي فيه ببيان الجنس والنوع ، ومن الأوصاف ~~ما يمكن إعلامه من غير حرج ، فإن كان المال مؤجلا منجما ، فينبغي أن يبين ~~في الكتاب عدد النجوم ومدة الأجل ، على ما هو الرسم في باب المدانيات ، ثم ~~بين وثيقة الموادعة للرسل إذا أرادوا أن يدخلوا دار الإسلام ، والحاصل فيه ~~، PageV05P1787 أن الرسل آمنون وإن لم يستأمنوا ، بيانه فيما روي أن رسول ~~قوم تكلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بما لم يكن له أن يتكلم ~~به ، فقال : لولا أنك رسول لأمرت بقتلك ، وما زال الرسل آمنين حتى يبلغوا ~~الرسالة في الجاهلية والإسلام ، لأن ما هو المقصود الفريقين من الصلح ~~والقتال لا يتم إلا بالرسل ، وما لم يكونوا آمنين لا يتمكنون من أداء ~~الرسالة على وجهها ، فكانوا آمنين من غير شرط ، ولكن إن شرط لهم ذلك وكتب ~~به وثيقة فهو أحوط ، فإن كان مع الرسل أسراء جاءوا بهم للمفاداة فشرطوا على ~~المسلمين أن يردوهم إن لم تتفق المفاداة ، فهذا مما لا ينبغي للمسلمين أن ~~يصالحوهم عليه ، وأن يكتبوا به وثيقة ؛ لأنهم ظالمون في حبس أحرار المسلمين ~~، ولا وجه لردهم إلى أهل الحرب بعد تمكننا من الانتزاع من أيديهم ، وما ~~يتعذر الوفاء به شرعا لا يجوز إعطاء العهد على أن يكون ذلك من ثياب البزيون ~~في كل سنة كذا ثوبا جيادا جددا طول كل ثوب منها كذا ذراعا ms1012 وعرض كل ثوب كذا ~~ومنها كذا ثوب أحمر ، ومنها كذا أبيض ، ومنها كذا أصفر ، وعلى أن يؤدوا في ~~كل سنة كذا برذونا جيادا فرهة من الجذاع كذا ومن الشباب كذا ، وهذا لأن ~~المال إنما يلتزمونه ها هنا عوضا عما ليس بمال ، ومثله مبني على التوسع ، ~~فلهذا اكتفي فيه ببيان الجنس والنوع ، ومن الأوصاف ما يمكن إعلامه من غير ~~حرج ، فإن كان المال مؤجلا منجما ، فينبغي أن يبين في الكتاب عدد النجوم ~~ومدة الأجل ، على ما هو الرسم في باب المدانيات ، ثم بين وثيقة الموادعة ~~للرسل إذا أرادوا أن يدخلوا دار الإسلام ، والحاصل فيه ، أن الرسل آمنون ~~وإن لم يستأمنوا ، بيانه فيما روي أن رسول قوم تكلم بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، بما لم يكن له أن يتكلم به ، فقال : لولا أنك رسول لأمرت ~~بقتلك ، وما زال الرسل آمنين حتى يبلغوا الرسالة في الجاهلية والإسلام ، ~~لأن ما هو المقصود الفريقين من الصلح والقتال لا يتم إلا بالرسل ، وما لم ~~يكونوا آمنين لا يتمكنون من أداء الرسالة على وجهها ، فكانوا آمنين من غير ~~شرط ، ولكن إن شرط لهم ذلك وكتب به وثيقة فهو أحوط ، فإن كان مع الرسل ~~أسراء جاءوا بهم للمفاداة فشرطوا على المسلمين أن يردوهم إن لم تتفق ~~المفاداة ، فهذا مما لا ينبغي للمسلمين أن يصالحوهم عليه ، وأن يكتبوا به ~~وثيقة ؛ لأنهم ظالمون في حبس أحرار المسلمين ، ولا وجه لردهم إلى أهل الحرب ~~بعد تمكننا من الانتزاع من أيديهم ، وما يتعذر الوفاء به شرعا لا يجوز ~~إعطاء العهد عليه ، فإن فعلوا ذلك فلينقضوا هذا العهد ، وليأخذوا منهم ~~الأسراء على كل حال ، سواء احتاجوا إلى قتال على ذلك أو لم يحتاجوا ؛ لأن ~~هذا شرط مخالف لحكم الشرع ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : كل شرط ليس في ~~كتاب الله فهو باطل ، وقال : ردوا الجهالات إلى السنة إلا أن الأسراء إن ~~كان كانوا عبيدا فينبغي للمسلمين أن يبيعوهم ، ويردوا عليهم أثمانهم ، ~~PageV05P1788 لأنهم ملكوهم بالإحراز وقد استفادوا الأمان بهذا الشرط ms1013 في ~~ماليتهم ، فيجب مراعاته بحسب الإمكان ، وذلك في رد المالية عليهم ، بطريق ~~البيع لما تعذر رد العين عليهم ، فإن وجد المسلمون رجلا من أهل الحرب في ~~بلاد المسلمين فقال : أنا رسول الملك دخلت بغير أمان ، فإن كان معروفا ~~بالرسالة ، أو أخرج كتاب الملك معه إلى الخليفة فهو آمن ؛ لأن ما لا يمكن ~~الوقوف فيه على الحقيقة يجب العمل فيه بغالب الرأي والذي يسبق إلى وهم كل ~~واحد في هذه الحالة أنه رسول ، وتحكيم العلامة في مثل هذا أصل ، قال الله - ~~تعالى - ' ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ' التوبة : 46 ، وقال الله - ~~تعالى - ' تعرفهم بسيماهم ' البقرة : 273 ، فإن لم يكن معه دليل على أنه ~~رسول فهو فيء ، وقد بينا الخلاف في الحربي إذا دخل دارنا بغير أمان ، فهذا ~~قد ثبت فيه حق المسلمين ، أو حق الأخذ ، وهو بما يدعي يريد إبطال الحق ~~الثابت فيه من غير حجة فلا يتمكن منه ، فإن كان معروفا بالرسالة فمر على ~~عاشر المسلمين فإنه يأخذ منه العشر بمنزلة النفير من المستأمنين ، ~~PageV05P1789 والحاصل أن الأخذ منهم بطريق المجازاة على ما روي أن عمر - ~~رضي الله عنه - لما أمر العشار بأخذ ربع العشر من تجار المسلمين ، ونصف ~~العشر من تجار أهل الذمة قال : كم يأخذ أهل الحرب من تجارنا ؟ قالوا : ~~العشر ، قال : فخذوا منهم العشر ، وإن لم يعلم كم يأخذون من تجارنا فنحن ~~نأخذ منهم العشر أيضا ، لأن المستأمنين من أهل الذمة بمنزلة أهل الذمة من ~~المسلمين ، فكما أنه يؤخذ من أهل الذمة ضعف ما يؤخذ من المسلمين ، فكذلك ~~يؤخذ من المستأمن ضعف ما يؤخذ من أهل الذمة ، فإن كانوا لا يأخذون من ~~تجارنا شيئا لم نأخذ من تجارهم أيضا شيئا ، لأن الأخذ بطري المجازاة ، فإن ~~شرطوا في أمان الرسل ألا يأخذ عاشر المسلمين منهم شيئا ، فإن كانوا يعاملون ~~رسلنا بمثل هذا فينبغي للمسلمين أن يشترطوا لهم ويوفوا به لأن هذا شرط ~~موافق لحكم الشرع فيجب الوفاء به لرسلنا مثل هذا وإن كانوا يشترطون يفون به ~~فينبغي لنا ms1014 ألا نقبل هذا الشرط لرسلهم ، فإن قبلناه فينبغي لنا أن نيفي لهم ~~بذلك ؛ PageV05P1790 لأنه لا رخصة في غدر الأمان وما يفعلونه برسلنا بعد ~~الشرط غدر منهم ، وبغدرهم لا يباح لنا أن نعذرهم ، بمنزلة ما لو قتلوا ~~رهننا ، فإنه لا يحل لنا أن نقتل رهنهم ، وقد قررنا هذا ، فإن حاصر ~~المسلمون أهل الحصن ، فطلبوا الأمان على أن يكون للمسلمين الثلث مما في ~~الحصن ، ولهم الثلثان سوى بني آدم فهذا جائز ، لأن إعطاء الأمان على بدل ~~مسمى معلوم جائز ، فكذلك على جزء شائع من مال معلوم ببيان محله ، وهو ما في ~~الحصن وما يحرز ، فإذا فتحوا الحصن على ذلك صار الثلث مما فيها مشاعا ~~للمسلمين ، فنبغي للإمام أن يقسم ما في الحصن بين المسلمين وبينهم ، فيجزىء ~~ذلك ثلاثة أجزاء ، والحاصل فيه أن القسمة تبتني على التسوية ، قال صلى الله ~~عليه وسلم : خير أمراء السرايا زيد بن حارثة ، أقسمه بالسوية وأعدله في ~~الرعية ، فيعتبر فيها المعادلة في المنفعة والمالية ، فإن أمكن تحصيل ذلك ~~بقسمة العين فهو الأصل فيها ، فإن تعذر ذلك بأن كان شيئا لا يمكن قسمته ، ~~إما لقلته أو لاختلافه ، فينبغي أن يقوم قيمة عدل ، ثم يقول الإمام لأهل ~~الحصن : إن شئتم فخذوه وأعطونا ثلث قيمته دنانير أو دراهم ، وإن شئتم أخذنا ~~ذلك وأعطيناكم ثلثي قيمته PageV05P1791 والأصل فيه ما روي أن عبد الله بن ~~رواحة كان يخرص النخيل بخيبر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كان ~~يقول لليهود : إن شئتم أخركم ولنا عندكم الشطر ، وإن شئتم أخذنا ولكم عندنا ~~الشطر ، فقالوا : بهذا قامت السماوات والأرض ، أي بالعدل ، فعرفنا أن ~~القسمة بهذه الصفة قسمة بالعدل ، ثم بعد قسمة العين ينبغي للإمام أن يسهم ~~على الأجزاء ، هكذا كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة ~~الغنائم ، وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فصار هذا أصلا أن في كل ما ~~يجوز فعله بغير إقراع ، فالأولى للإمام أن يقرع تطييبا للقلوب ، ونقيا ~~لتهمة الميل عن نفسه ، وإن اعتبر المعادلة بين الأعيان ms1015 بالتقويم فذلك حسن ~~أيضا وهو أن يكون من جانب برذون ومن جانب لؤلؤة فيجعل مع البرذون من المتاع ~~ما يساوي اللؤلؤة ، أو مع اللؤلؤة من المتاع ما يساوي البرذون إن كان أفضل ~~، فيستوي الأجزاء الثلاثة بهذه الصفة ، ثم يقرع بينهما ، فالجز الذي يخرج ~~بالقرعة للمسلمين يأخذه ويسلم لهم ما بقي ، وإن شرط لأحد الفريقين على ~~الآخر دارهم أو دنانير بقدر ما يحصل به المعادلة ، PageV05P1792 فذلك جائز ~~بتراضي الفريقين ، فأما بدون التراضي لا ينبغي له أن يفعل ذلك ، إلا عند ~~تعذر قسمة العين . لأن في هذه القسمة معنى البيع ، والتراضي معتبر في البيع ~~، وإن كانوا شرطوا في الصلح للمسلمين يثلث ما في الحصن ، لم يدخل في ذلك ~~المنازل والدور ؛ لأن ما في الحصن غير الحصن والمنازل والدور من الحصن لا ~~مما في الحصن أنفسهم وذراريهم ، وقد يتناولهم الأمان ، فلا يكون لنا أن ~~نتملك من رقابهم الثلث بعد ما تناولهم الأمان ، ولأن صفة الرق والحرية لا ~~تجتمع في شخص واحد ، لما بين الصفتين من التضاد ، ولكن إن أرادوا الصلح على ~~سلب السبي مما في الحصن ، فليصالحوا على ذلك مقسوما ، وذلك بأن يعزل الثلث ~~منهم قبل الأمان ، ثم يقولوا : نصالحكم على هؤلاء وعلى ثلث ما في الحصن ، ~~سوى السبي فيجوز حينئذ ؛ لأن الأمان لا يتناول السبي لما جعلوا بدلا في ~~الصلح ، وإن صولحوا على ثلث ما في الحصن من أرقائهم PageV05P1793 دون ~~أحرارهم فهو جائز ، بمنزلة سائر الأموال سوى السبي وإن صولحوا على مائة رأس ~~منهم فإن كانوا يعطون المائة الرأس من أرقائهم فذلك جائز ، وإن كانوا يعطون ~~ذلك من أنفسهم وذراريهم فهذا لا يجوز ؛ لأنهم صاروا آمنين بالصلح ، ~~وبالأمان تتأكد حريتهم على وجه لا يحتمل الإبطال ، ولا وجه لتملكهم بعد هذا ~~بالأخذ على وجه بدل الصلح ، فإن وقع الصلح على الثلث من السبي ، ودخل ~~المسلمون الحصن على ذلك ، فليس ينبغي لهم أن يأخذوا منهم شيئا ؛ لأن الأمان ~~يتناول بعض كل واحد منهم ، والأمان لا يحتمل الوصف بالتحري في شخص واحد ، ~~فإذا ثبت في ms1016 البعض ثبت في الكل ، فلما تعذر عليهم الوفاء بالشرط وجب على ~~المسلمين أن يخرجوا عنهم حتى يعودوا إلى منعتهم في حصنهم ، ثم ينبذوا إليهم ~~؛ لأنهم صاروا في أمان من المسلمين ، فلا يجوز قتلهم لا استرقاقهم قبل ~~النبذ ، ولا يتحقق النبذ إلا بعد إعادتهم إلى ما كانوا عليه من العز ~~والمنعة وكل هذا للتحرز عن الغدر ، وإن وقع الصلح على ثلث ما في الحصن من ~~السبي PageV05P1794 وغيره من قليل أو كثير ، فإن رضي المسلمون بألا يعرضوا ~~للسبي ، ويأخذوا الثلث ، من سائر الأموال فذلك جائز ؛ لأن هذه القسمة تجمع ~~ما يصلح أو يكون بدلا وما لا يصلح ، والحكم في مثله ثبوت ما يصلح أن يكون ~~بدلا دون ما لا يصلح ، فإن قالوا : لا نرضى بهذا فلهم ذلك ، ولكن لا يحل ~~لهم أن يردوا شيئا مما في الحصن من أو سبي ، بل يخرجوا عنهم حتى يعودوا إلى ~~منعتهم ، كما كانوا ، ثم ينبذ إليهم ، وإن قالوا : نأخذ الثلث سوى السبي ، ~~ثم نبذ إليهم لم يكن لهم ذلك ؛ لأنهم إذا أخذوا المال تقرر به أمانيهم ، ~~فلا يجوز النبذ إليهم بدون رد المال ، وقد تقدم نظائره ، ثم بين أنه كيف ~~يكتب الوثيقة في ذلك ، فالحاصل أن الوثيقة إنما تكتب للاحتياط ، فينبغي أن ~~يكتب على أحوط الوجوه ، وهي حكاية ما جرى ، فينبغي للكاتب أن يكتب ويبين ما ~~جرى بين الفريقين على أبلغ الوجوه ، وبعد هذا الصلح إنما يسلم لهم حصتهم من ~~الأموال التي هي في الحصن ، لم يحرزها المسلمون بالعسكر ، فأما ما أحرزوه ~~قبل هذا فهو سالم للمسلمين ، لأن ذلك ليس من جملة ما في الحصن حين وقع ~~الصلح ، وإن وقع الاختلاف بين المسلمين والمشركين في شيء من الرقيق فقال ~~أهل الحصن : هؤلاء أحرار من نسائنا PageV05P1795 وذرارينا ، قد تناولهم ~~الاستثناء ، وقال المسلمون : هؤلاء من أحرار من نسائنا وذرارينا ، قد ~~تناولهم الاستثناء ، وقال المسلمون : هؤلاء من أرقائكم فلنا منهم الثلث ، ~~فالقول في ذلك قول المشركين ؛ لأنهم يتمسكون بالأصل ، والأصل في الناس ~~الحرية ، ولأن اليد لهم فيما في حصنهم ms1017 ، فالظاهر أنهم أعرف بحال ما في ~~الحصن ، فإن أقام المسلمون بينة على رق أولئك من المسلمين ، أو من أهل ~~الذمة أو من أهل الحرب ، فالثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصوم وهذه ~~البينة تقوم عليهم ، فلهذا قبل شهادة أهل الحرب في ذلك ، فإن شهد الشهود ~~بأنهم أرقاء لهذا الرجل بعينه ، فقال ذلك الرجل : ليسوا بأرقائي ولكنهم ~~أحرار فقد عتقوا بقوله ؛ لأن الثلثين من كل واحد منهم مملوك له بزعم ~~المسلمين فينفذ إقراره فيهم بالحرية ، ثم لا ضمان عليه للمسلمين ولا سعاية ~~عليهم أيضا ؛ لأن الثلث من كل واحد منهم فيء غير محرز بدار الإسلام ، ~~والغنيمة قبل الأحراز لا تضمن بالاستهلاك كائنا من كان المستهلك لها ، ~~وكذلك لو قال المشهود عليه : هم أرقائي وقد أعتقتهم إلا أن للمسلمين الخيار ~~إن شاءوا رضوا بأخذ الثلث PageV05P1796 مما سوى هؤلاء وإتمام الصلح ، وإن ~~شاءوا أبوا ذلك ، وخرجوا عنهم ، ثم ينبذون إليهم ؛ لأنهم لم يسلم لهم جميع ~~المشروط ، فإن أرادوا الرد فقال أهل الحصن : نحن نعطيكم قيمة ذلك الثلث ، ~~فينبغي للمسلمين أن يفوا لهم بصلحهم ؛ لأن القيمة خلف عن العين ، وتسليمها ~~عند تعذر رد العين كتسليم العين عند التمكن منه ، وما يخص المسلمين من رقيق ~~أهل الحصن من الرجال ، إذا أراد الأمير قتله لم يكن له ذلك بخلاف الأسراء ~~من أهل الحرب فإنه للإمام أن يقتلهم ؛ لأن أولئك لم يجر فيهم القسمة وهؤلاء ~~قد جرى فيهم القسمة بين المسلمين وأهل الحصن ، ولأنهم إنما يأخذون هؤلاء ~~بطريق الصلح فبنفس الوصول إلى المسلمين وأهل الحصن ، ولأنهم إنما يأخذون ~~هؤلاء بطريق الصلح فبنفس الوصول إلى المسلمين يستفيدون الأمن من القتل ، ~~بمنزلة ما لو باع الإمام السبي في دار الحرب ، وإن طلب أهل الحصن الصلح على ~~شيء معلوم على أن يخليهم من الحصن حتى يبلغوا أمنهم فذلك جائز ؛ لأن للإمام ~~أن يفعل هذا بهم من غير عوض ينتفع به المسلمون ، فمع العوض أولى ، ثم بين ~~أنه كيف يكتب وثيقة هذه الموادعة ، وهو قياس PageV05P1797 ما سبق إنما ~~يحتاج في هذه الوثيقة إلى ms1018 كتابة هذا الشرط خاصة ، وكذلك في كل وثيقة فيها ~~مقصود ، فلا بد من بيان ذلك المقصود ، قال : وينبغي للكاتب أن يكتب ابتداء ~~على أشد ما يكون من الأشياء ، يعني على أحوط الوجوه ، فإن كره المسلمون من ~~ذلك شيئا ألقوه من الكتاب ؛ لأن إلقاء ما يريدون إلقاءه أهون عليهم من ~~زيادة ما يريدون زيادته ، ولعل أهل الحرب لا يقبلون إلا الأشد ، فلهذا يكتب ~~في الابتداء بهذه الصفة فإن قبلوا اليسير منه ألقى المسلمون منه ما أحبوا ، ~~قال : وأكره للمسلمين أن يعطوا المشركين ذمة الله - تعالى - وذمة رسوله ، ~~للحديث المعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن أرادوكم أن ~~تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطوهم ذلك ، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم ~~آبائكم ، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم أهون من أن تخفروا ذمة الله - ~~تعالى - وذمة رسوله ، إلا أن بآخر الحديث تبين أن بآخر الحديث تبين أن ~~النهي ليس لحرمة هذه الشرط شرعا ، بل لأنه ربما يتعذر عليهم الوفاء به ، ~~فكأنه بمنزلة النهي عن اليمين على أمر في المستقبل ، كما قال الله تعالى : ~~' ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ' البقرة : 224 وذلك ليس بحرام ، بل النهي ~~لتوهم الخلف PageV05P1798 فإذا أبى المشركون أن يرضوا إلا أن يعطيهم ذمة ~~الله تعالى وذمة رسوله فينبغي أن يعطيهم ذلك عند الحاجة ، ثم يفي لهم بذلك ~~، وإن دعت الضرورة إلى النقض لم يكن به بأس أيضا بمنزلة اليمين ، على ما ~~قال صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي ~~هو خير وليكفر عن يمينه ، وإن قال أهل الحصن : تؤمنون منا كذا وكذا إنسانا ~~، بما لهم من الأموال والأمتعة ، يختارهم البطريق فذلك جائز ؛ لأن عقد ~~الأمان مبني على التوسع ، وفيما يبنى على الضيق يجوز شرط الخيار لإنسان ~~بعينه باعتبار الحاجة إلى ذلك ، كالبيع ففيما هو مبني على التوسع أولى ثم ~~بين وثيقة هذه الموادعة كيف تكتب فقال فيما بين ، على أن القول في ذلك قول ~~فلان البطريق ، فإن اتهمه المسلمون على ms1019 شيء من ذلك استحلفوه بالله الذي لا ~~إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، الذي يعلم من السر ما يعلم ~~من والعلانية ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، الذي أنزل الإنجيل على ~~عيسى عليه السلام ، وجعله بشيرا ونذيرا وجعله وأمه آية للعالمين ، ~~PageV05P1799 أن الأمر على ما قال ، وأنه لم يزدد شيئا ، ولم يأخذ لنفسه ~~شيئا سوى المشروط ، أما الاستحلاف فلأنه متهم فيا يعين ، والمتهم وإن لم ~~يكن أمينا ، شرعا فالقول قوله مع اليمين ، فكذلك إذا صار أمينا شرعا ، ثم ~~المقصود بالاستحلاف النكول ، وإنما يحصل هذا المقصود إذا غلظ عليه اليمين ~~ولا وجه للتغليط بالاستحلاف بغير الله - تعالى - فينبغي أن يغلظ في ~~الاستحلاف بالله على الوجه الذي ذكره ويكتب ذلك في الوثيقة ، حتى لا ينسب ~~المسلمون إلى الغدر ، إذا عرضوا عليه اليمين بهذه الصفة فإن فتحوا الحصن ~~على هذا ثم قال البطريق : أنا لا أختار أحدا منهم ، أولا أوثر بعضهم على ~~بعض في ذلك ، أو مات البطريق ، أو هرب قبل أن يختار منهم أحدا ، فعلى ~~المسلمين أن يخرجوا عنهم ثم ينبذوا إليهم ، لأن الأمان تناول بعضهم بيقين ، ~~ولا يعرفون بأعيانهم ، والأصل أنه متى اختلط المستأمن بغير المستأمن لم يحل ~~التعرض لأحد منهم ، لاجتماع معنى الحظر والإباحة في كل واحد منهم ، وعند ~~الاجتماع يغلب الحظر ، وإن حضر البطريق فإن اختار من المتاع شيئا كثيرا ~~فالقول فيه قوله مع يمينه ، إن اتهمه المسلمون ، وصفة اليمين كما شرط عليه ~~بقوله صلى الله عليه وسلم : الشرط PageV05P1800 أملك ثم إن وقع الصلح على ~~أن الذين تناولهم الأمان ممن يعينهم البطريق مع أموالهم فالمال إسم لكل ~~متمول مبتذل يتملك ، وذلك ما يدخر لوقت الحاجة إليه ، إلا أن يكون الشرط ~~المال المعين وهذا يكون على جنس النقود المضروب والمصوغ في ذلك سواء ، إلا ~~ما يكون الشرط المال المعين وهذا يكون على جنس النقود المضروب والمصوغ في ~~ذلك سواء ، إلا ما يكون مموها بالذهب أو الفضة ، فإن التمويه لون الذهب ~~والفضة لا عينهما ، وهو مستهلك لا يتخلص ، ولهذا ms1020 لا يثبت باعتباره حكم ~~الربا ولا تجب الزكاة فيه ، وكذلك إن شرطوا المال الصامت فهو واشتراط المال ~~العين سواء وهذا بخلاف حكم الزكاة والصدقة فاسم المال عند ذكر الصدقة لا ~~يتناول إلا مال الزكاة ، يعني إذا قال مالي صدقة ، وذلك استحسان أخذنا به ~~للتنصيص على إيجاب الصدقة ولا يوجد مثله في الأمان فيؤخذ فيه بالقياس ~~بمنزلة الوصية بثلث المال ، فإنه يدخل فيه كل متمول صفته ما ذكرنا ، قال : ~~وإن كانوا اشترطوا المتاع ، والمتاع ما يستمتع به مع بقاء عينه من الثياب ~~والأواني ، فلهذا لا يدخل في المتاع المكيل والموزون ، PageV05P1801 لأن ~~الانتفاع به يكون بعد استهلاك العين ، فلا يكون المتاع إلا أواني الذهب ~~والفضة ، والسرير من الذهب والفضة ، من جملة المتاع للمعنى الذي ذكرنا ، ~~فأما الجواهر واللآلىء فليس بمتاع لأن هذا يتناوله اسم الحلي ، والحلي غير ~~المتاع ، وكذلك ما يكون من الأسلحة فهو من المتاع ، لأنه يستمتع به مع بقاء ~~العين ، وليس له اسم أخص من اسم المتاع ، فإن اسم السلاح ليس باسم العين ، ~~ولكن التسمية به باعتبار صفة الاستعمال ، والخاتم ليس من المتاع ، لأنه من ~~جملة الحلي ، فإن قيل : أليس أنه قال في الجامع الصغير خاتم الفضة ليس من ~~الحلي ، قلنا : مراده في حكم الاستعمال أنه يحل للذكور لبسه ، فأما في ~~الحقيقة يتناوله اسم الحلي ، كما يتناول خاتم الذهب ، واسم الحلي اسم العين ~~، وهو أخص من اسم المتاع ، وكل ما يتناوله هذا الاسم لا يكون داخلا في اسم ~~المتاع ، وإن كانوا شرطوا السلاح فالسلاح كل ما يقاتل به ، السيف والبيضة ~~والدرع والترس والقوس والنشاب وما أشبه ذلك مما يكون الغالب عليه أنه ~~يستعمل استعمال السلاح ، فأما السكين فهو من المتاع لا من السلاح ؛ لأن ~~الغالب عليه أنه يستمتع به في الحوائج سوى القتال ، PageV05P1802 فأما ~~الخنجر والنيزك فهو من السلاح ، لأنه لا يستعمل غالبا إلا في القتال ، ~~والجباب والأقبية المحشوة وأقبية اللبود من المتاع لا من السلاح ، إلا أن ~~يكون على وجه لا يستعمل إلا في الحرب ، في حينئذ يكون من ms1021 السلاح بمنزلة ~~الخفتانات ، وكذلك أقبية الديباج والحرير من المتاع لا من السلاح ، إلا أن ~~يكون بحيث لا يلبس إلا في الحرب والأعلام والطرادات والجواش من السلاح ، ~~والحاصل أنه يعتبر في كل موضع عرف أهل ذلك الموضع فيما يطلقون عليه من ~~الاسم ، أصله ما روي أن رجلا سأل ابن عمر ، - رضي الله عنهما - قال : إن ~~صاحبا لنا أوجب بدنة أفتجزئه البقرة ؟ فقال : مم صاحبكم ؟ فقال : من بني ~~رباح ، فقال : ومتى اقتنت بنو رباح البقرة ؟ إنما وهم صاحبكم ، الإبل ، فإن ~~اشترطوا الكراع مع السلاح فالكراع اسم الخيل والبغال والحمير ، فأما الإبل ~~والبقر والغنم فليس من الكراع ؛ لأن الاسم لها الأنعام ، وقال - عز وجل - : ~~' والأنعام خلقها لكم ' النحل : 16 والفقه فيه أن الكراع ما يكون لمنفعة ~~الركوب خاصة ، وذلك الخيل والبغال والحمير PageV05P1803 قال الله - تعالى - ~~: ' لتركبوها وزينة ' فأما الأبل والبقر والغنم فقد تكون للركوب والحمل ~~عليها ، وقد تكون للأكل قال الله - تعالى - : ' ومنها تأكلون ' فإن اشترطوا ~~السلاح والخيل ، فاسم الخيل يتناول العراب والبراذين والإناث والذكور ، ولا ~~يدخل فيه البغال والحمير قال الله - تعالى - : ' ومن رباط الخيل ترهبون به ~~عدو الله وعدوكم ' الأنفال : 60 ، وقد بينا أنه يسهم للعراب والبراذين في ~~الغنيمة دون البغال والحمير استدلالا بهذه الآية ، وإن اشترطوا الماشية لم ~~يدخل في ذلك الخيل والبغال والحمير ، لأن اسم الماشية غير اسم القراع ، ~~فإنما يتناول اسم الماشية ما لا يتناوله اسم الكراع من الإبل والبقر والغنم ~~، لأنها تسام غالبا ، وأصحاب السوائم يقال لهم أصحاب المواشي ، وإن اشترطوا ~~السلاح فكان في بعض السلاح فضة أو ذهب أو جوهر فذلك تبع للسلاح ، فالتبع ~~يستحق باستحقاق الأصل فأما السروج واللجم فهي من المتاع لا من السلاح ؛ ~~لأنه يستمتع بها مع بقاء العين في غير الحرب عادة ، وكذلك الأكف والجلال ~~وأما التجافيف فهي من جملة الأسلحة لا تستعمل إلا في حالة الحرب ، ~~PageV05P1804 ولو صالحوا على أن يكون للمسلمين الصفراء والبيضاء والحلقة ~~فاسم الصفراء والبيضاء يتناول الذهب والفضة ، التبر والمصوغ والمضروب في ~~ذلك سواء ، بمنزلة اسم المال العين ms1022 والصامت ، فإن كان مصوغا قد ركب فيه ~~جوهر فليس للمسلمين ذلك الجوهر ؛ لأن اسم الصفراء والبيضاء لا يتناوله ، ~~واستحقاقهم باعتبار هذا الاسم ، وإن كان قدحا مضببا بالذهب والفضة ~~فللمسلمين ما فيه الذهب والفضة ؛ لأن ذلك من الصفراء والبيضاء وليس لهم أصل ~~القدح ، فإن كان نزع ذلك لا يضر بالقدح نزع ، وإن كان يضر بالقدح فالخيار ~~لهم إن شاءوا رضوا بالنزع ، وإن شاءوا أعطوا المسلمين قيمة الذهب مصوغا من ~~الدراهم ، وقيمة الفضة مصوغة من الدنانير ؛ لأن الأصل لهم وخيار التملك عند ~~الحاجة إلى دفع الضرر يثبت لصاحب الأصل ، إلا عند الحادة إلى التقويم يقوم ~~بخلاف الجنس ؛ PageV05P1805 لأنه لا قيمة للصنعة والجودة من الذهب والفضة ~~عند المقابلة بالجنس ، فأما الحلقة فهي اسم للسلاح وقد بينا أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، صالح بني النضير على أن يجليهم ، ولهم ما حملت الإبل ~~سوى الحلقة ، ثم أخذ الأسلحة منهم بهذا الاستثناء . وإن صالحوا على أن يترك ~~لهم المسلمون متاع بيوتهم فهذا على الفراش والوسائد والسطور وغير ذلك ، مما ~~يبتذل في البيوت من الأمتعة ، فأما ما كان من ثياب غير مقطعة فلا شيء لهم ~~من ذلك ؛ لأن متاع البيت اسم خاص لما هو مبتذل في البيوت استعمالا ، وذلك ~~لا يوجد في الثياب ، التي هي غير مقطعة ، وملبوس بني آدم من الرجال والنساء ~~ليس من متاع البيت في شيء ، وإن كان الصلح على أن يكون للمسلمين الثياب ~~فذلك اسم لم بلوس بني آدم ، مما يكون من الكتان والقطن والصوف والقز ~~والحرير ، ألا ترى : أن بائع هذا كله يسمى ثوبا ، فأما الستور والأنماط ، ~~والحجال فهو من متاع البيت دون الثياب ، PageV05P1806 لأنها لا يلبسها ~~الناس عادة ، وإنما يستمتعون بها في البيوت ، قال : والبز والثياب المتخذة ~~من الكتان والقطن خاصة ، وهذا بناء على عادتهم بالكوفة ، فإن البزار فيهم ~~من يبيع هذين النوعين خاصة فأما بائع الخز والمرعزي والصوف وغير ذلك لا ~~يسمى بزازا ، فأما في ديارنا فاسم البز يتناول الثياب المتخذة المدينة من ~~الإبريسم ، لأن بائع ذلك يسمى ms1023 بزازا فينا ، وإليه أشار بقوله : إلا أن يكون ~~من أهل بلاد البز عندهم الصوف أو غيره فيكون الصلح على ما هو عندهم ، وهذا ~~الأصل الذي قلنا إنه يعتبر في كل موضع ما يتعارفه من أهل ذلك الموضع ، فإن ~~شرط المحصورون في الموادعة الأمان للمقاتلة منهم ، لم يسلم لهم شيء من ~~أموالهم ، ولا من ذراريهم ولا من نسائهم ؛ لأن المحصور مقهور ، فمقصوده من ~~هذا الشرط تحصيل النجاة لنفسه ، وفي مثله لا يتبعه شيء من ماله إلا ثياب ~~بدنه والطعام الذي يأكله في إحلال فإن ذلك يسلم له استحسانا ، لأنه لا ~~يتحقق النجاة له إلا بهذا ، ثم المقاتلة كل من مبلغ مبلغ الرجال والبلوغ قد ~~يكون بالعلامة كالاحتلام والإحبال وقد يكون بالسن ، وفيه خلاف معروف ، فعلى ~~قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله - تعالى - : PageV05P1807 التقدير فيه بخمس ~~عشرة سنة ، بحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - على ما رواه في ~~الكتاب وهو معروف ، فإذا علم أنه لم يحتلم ، وهو ابن أقل من خمس عشرة سنة ، ~~فهو من الذرية دون المقاتلة ، قاتل أو لم يقاتل ، وكذلك النساء ؛ لأن ~~المقاتلة من له بنية صالحة للقتال إذا أراد القتال ، وليس للنساء والصغار ~~بنية صالحة للقتال ، فلا يكونون من المقاتلة ، وإن باشروا قتالا ، بخلاف ~~العادة ، ألا ترى أن من لا يقاتل من الرجال البالغين فهو من جملة المقاتلة ~~، باعتبار أن له بنية صالحة للقتال ، وإن كان لا يباشر القتال لمعنى ، وذوو ~~الأعذار من العميان والزمنى ومقطوعي الأيدي والأرجل إن كانوا يباشرون ~~القتال فهم من جملة المقاتلة ، وإن كانوا لا يباشرون ذلك فليسوا من ~~المقاتلة ؛ لأنه كانت لهم بنية صالحة للقتال وإنما خرجوا عن ذلك ، بحلول ~~الآفة فإن لم تعجزهم الآفة عن القتال كانوا مقاتلة باعتبار الأصل ، والمريض ~~والمغمى عليه من جملة المقاتلة ؛ لأن له بنية صالحة للقتال ، وما حل عارض ~~على شرف الزوال فلا يخرج به من أن يكون من المقاتلة ، وإن كان لا يقاتل في ~~الحال ، بخلاف العميان ، فإن ما حل بهم ليس على شرف ms1024 الزوال ، فإذا أعجزهم ~~عن القتال خرجوا من أن يكونوا من جملة المقاتلة ، PageV05P1808 ومن كان في ~~الحصن من الرجال الزارعين الذين لم يقاتلوا قط فهم من جملة المقاتلة ؛ لأن ~~لهم بنية صالحة للقتال ، فإن قيل : فقد ذكرتم قبل هذا أن هؤلاء بمنزلة ~~العسفاء لا يقتلون ، قلنا : قد بينا أن هناك لا يستحب قتلهم ، إذا كان يعلم ~~أنه لا يهمهم أمر الحرب أصلا ولكن مع هذا يجور قتلهم لكونهم من المقاتلة ، ~~وتأويل هذا في قوم من الزاعين يكثرون سواد المقاتلين ، ولهذا كانوا معهم في ~~الحصن فلهذا جعلهم من المقاتلة ، والشيخ الكبير الذي لا يطيق القتال ولا ~~رأي له في الحرب فهو ليس من المقاتلة ، ولهذا لا يجوز قتله بمنزلة الأعمى ~~والمقعد ، فإن كان أحد من هؤلاء رأس الحصن ويصدرون عن رأيه ، فهو من جملة ~~المقاتلة ، وإن كان لا يباشر القتال ، ولهذا جاز قتله إذا أسر فيتناوله ~~الأمان أيضا ، وأما العبيد ففي القياس هم ليسوا من المقاتلة ، وهم فيء ~~أجمعون إذا وقع الأمان للمقاتلة ، لأنه لا يملك ما به يكون القتال من نفس ~~أو مال ، ولكنه استحسن فقال : إن علم أنه كان يقاتل مع مولاه فهو من جملة ~~المقاتلة ، وإن كان لا يقاتل مع ملاوه فهو ليس من المقاتلة ، فكان فيئا وهو ~~دليل لأبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في PageV05P1809 الفرق بين المأذون ~~في القتال وغير المأذون في صحة الأمان منه ، إلا أن محمدا يقول : صحة ~~الأمان لا يعتمد كونه من المقاتلة ، فإن أمان المرأة صحيح ، وكذلك أمان ذوي ~~الآفات صحيح ، وليسوا من جملة المقاتلة ، ولكن وجه هذه المسألة أن المملوك ~~له بنية صالحة للقتال ، إلا أنه وقعت الحيلولة بينه وبين القتال باعتبار ~~الملك الثابت فيه لغيره ، فتنعدم هذه الحيلولة بوجود الإذن له في القتال ~~حكما ، فقلنا : إذا كان يقاتل مع مولاه فهو من المقاتلة باعتبار البنية ~~الصاحبة للقتال ، وإذا كان ممن لا يقاتل مع مولاه ، فهو ليس من المقاتلة ~~باعتبار الحيلولة ، وإن كان الذي يملك العبيد قد جعلهم في ذلك الموضع ~~للقتال ms1025 فهم من المقاتلة باعتبار الحيلولة ، وإن كان الذي يملك العبيد قد ~~جعلهم في ذلك الموضع للقاتل فهم من المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا قال : ~~ألا ترى أن عامة عجم أهل خراسان من أهل الحرب عبيد لملوكهم يبيعونهم ~~ويحكمون فيهم ما شاءوا ، وبهم يقاتلون العدو ، فمن كان من العبيد بهذه ~~المنزلة فهو من المقاتلة ، قائل أو لم يقاتل ، وإذا اختلف المسلمون ~~والمشركون في بعض من في الحصن فقال المشركون : هم أحار ، وقال المسلمون : ~~هم عبيد كانوا في خدمة الموالي ، فالقول قول المشركين لتمسكهم بالأصل فإن ~~قيل : حاجتهم إلى إثبات الأمان لهم والتمسك بالأصل يصلح حجة لإبقاء ما كان ~~على ما كان ، لا لإثبات PageV05P1810 استحقاق ما لم يعرف ، قلنا : التمسك ~~بالأصل لا يثبت الأمان لهم وإنما يثبت كونهم من المقاتلة ، ثم ثبوت الأمان ~~للمقاتلة بالنص لا بالظاهر وإن اتفق القوم أنهم عبيد ، فقال المشركون : ~~كانوا يقاتلون معنا ، وقال المسلمون : كانوا عبيدا في خدمة الموالي ، ~~فالقول قول المسلمين وهم فيء ؛ لأنه قد ثبت باتفاقهم ما يوجب الحيلولة ~~بينهم وبين القتال ، وهو الرق ، فالظاهر بعد ذلك إنما يشهد للمسلمين فهم ~~فيء ، إلا أن تقوم البينة على ما قال المشركون ، ولا يقبل في ذلك إلا شهادة ~~المسلمين ؛ لأنها تقوم على المسلمين . وإن كانوا أهل الحصن الغالب منهم ~~أنهم عبيد للملك ، وهم الذين يلون القتال ، والمسألة بحالها ، ففي القياس ~~القول قول المسلمين ، وهم فيء لما ذكرنا ، وفي الاستحسان هم من المقاتلة ~~فيأمنون حتى تقوم البينة للمسلمين أنهم كانوا خدما لمواليهم ، ويقبل في ذلك ~~شهادة أهل الحرب ؛ لأنها تقوم على أهل الحرب في هذا ، لأن الظاهر أنهم في ~~المقاتلة ، والبناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف فيه على الحقيقة ، ~~فأما كل بلد مثل PageV05P1811 الروم وغيرهم مما يكون الغالب فيه أن الأحرار ~~هم المقاتلة ، فعبيدهم ليسوا من المقاتلة حتى يعلم منهم القتال ، للبناء ~~على الظاهر في كل فصل ، وإن وقع الصلح على الأمان للمقاتلة وذراريهم ~~وأموالهم ، ثم قالت المقاتلة لجيد المتاع وخيار السبي : هذا متاعنا وهؤلاء ~~ذرارينا ms1026 ، فالقول في ذلك قولهم مع اليمين ؛ لأنه لا يمكن الوقوف على ذلك ~~إلا من جهتهم ، ويتعذر عليهم إثبات ذلك بالبينة من المسلمين ، فيجب قبول ~~قولهم في ذلك ، بمنزلة ما يخبر به المرء عن نفسه ، مما يكون في باطنه ، وفي ~~أمان المقاتلة يدخل الجرحى ، وإن أصابتهم الجراحة في هذا القتال ، كيفما ~~كانت الجراحات . وإن كانت الجراحات إنما أصابتهم قبل ذلك فإن كانت تحتمل ~~البرء من ذلك فهم من المقاتلة أيضا ، بمنزلة المريض المشرف على الهلاك ، ~~وإن كانت لا تحتمل البرء من ذلك نحو قطع اليدين والرجلين فهؤلاء ليسوا من ~~المقاتلة ، وهم فيء إلا أن يكونوا أصحاب رأي يصدر أهل الحصن عن رأيهم في ~~القتال ، فلهذا أحضروهم للبأس ، فيكونون من المقاتلة حينئذ ، وإن قال أهل ~~الحصن : أمنونا على أن نختار من السبي كذا وكذا رأسا ، فإذا ليس في الحصن ~~سوى ذلك العدد فهم آمنون ، سواء قالوا في الصلح : ولكم ما بقي ، أو لم ~~يقولوا ، لأن الأمان لهم بالتنصيص على العدد ، فكان حالهم كحال أصحاب ~~الفرائض مع العصبات ، فإذا لم يبق شيء بعد حق أصحاب الفرائض فلا شيء ~~PageV05P1812 للعصابات ، ثم ذكر أنهم مإذا اشترطوا الأمان لأهل بيوتهم وقد ~~تقدم بيان هذا في أبواب الأمان إلا أنه قال : ها هنا أهل بيت الرجل من ~~يعوله وينفق عليه في بيته ممن بينه وبينه قرابة وممن لا قرابة بينه وبينه ، ~~وفيما سبق ، قال : أهل بيته قرابته من قبل الأب الذين يناسبونه إلى أقصى أب ~~يعرفون به ، وقد ذكرنا ها هنا أيضا هذا التفسير ، فالحاصل أنه إنا كان ~~المراد بالبيت المذكور بيت السكنى فكل من يعوله في بيته فهو من أهل بيته ، ~~وإن كان المراد منه بيت النسب ، فكل من يناسبه إلى أقصى أب فهو من أهل بيته ~~، فإذا لم يعلم مراده بذلك دخل الفريقان في الأمان ، لأن باب الأمان مبني ~~على التوسع ، وكل من تردد حاله بين أن يكون آمنا أو لا يكون فهو آمن ، ~~لتغليب الحظر على الإباحة بخلاف الوصية على ما عرف ، وإن وقع ms1027 الصلح على ~~الرجال وأهليهم فأهل الرجل من يعوله في بيته ، وهو استحسان ، وفي القياس ~~أهله زوجته خاصة ، وقد بينا هذا إلا أن في اسم الأهل لا يدخل غير عياله ~~بخلاف اسم أهل البيت ثم بين مفاداة الأسير بالأسير ، وطريق كتبه الوثيقة في ~~ذلك ، PageV05P1813 وإذا وقع الصلح على أن يعطيهم المسلمون مائة رأس ، ~~ويعطي المشركون المسلمين مائة رأس أيضا فإن نظر المسلمون إلى ما في أيدي ~~المشركين من الأسراء فإذا هم لا يتمون مائة رأس ، فإنه لا ينبغي للمسلمين ~~أن ينقضوا الصلح ولكنهم يعطونهم من الأسراء بعدد ما في أيديهم ، قلوا أو ~~كثروا ؛ لأن الشرط هكذا جرى ، والبعض معتبر بالكل ، ولا يستحب للمسلمين أن ~~يدعوا أسيرا واحدا من المسلمين لا يفادونه ، وإن لم يجدوا غيره ، فإن خبأ ~~المشركون أقوياء الأسراء ، وأظهروا المشيخة ، وأهل الزمانة منهم ، فإنه لا ~~ينبغي للمسلمين أن يمتنعوا من المفاداة بهم ؛ لأن حرمة هؤلاء كحرمة ~~الأقوياء ، إذا ظهروا ، والمفاداة بهم لحرمة المسلمين ، إلا أن يرجو ~~المسلمون أنهم إذا أبوا عليهم أن يفادوا المشيخة أظهروا ما كتموا من أسراء ~~المسلمين ، فحينئذ لا بأس بأن يمتنعوا من المفاداة ، بما أظهروا لمعنى ~~النظر ، وإن أبوا إظهار ذلك فعلى الإمام أن يفادي ما أظهروا إلا أن يكون في ~~ذلك توهين بين لأمر المسلمين وجرأة عليهم فحينئذ للإمام ألا يفاديهم لدفع ~~المذلة عن المسلمين ، PageV05P1814 ألا ترى أنهم لو قالوا لا نفادي رجلا من ~~المسلمين إلا بمائة رجل من المشركين ، فإنه يكون للإمام أن يمتنع من ذلك ، ~~وإن كان الرجل الواحد من المسلمين خيرا من مائة رجل من المشركين ، ولكن ~~لدفع التوهين كان له أن يمتنع من ذلك فكذلك ما سبق ، فإن طلب الرسل الأمان ~~لأنفسهم على أهليهم وأموالهم على أن يمكنونا من الحصن فأمناهم على ذلك ، ~~فإذا هم لا أهل لهم ولا مال ، فهم آمنون خاصة دون من سواهم ؛ لأن إعطاء ~~الأمان يكون للموجود دون المعدوم ، فإذا لم يوجد في الحصن شيء لهم من ~~الأموال والأهلين فالأمان في أنفسهم صادف الموجود ، وفيما سوى ms1028 ذلك صادف ~~المعدوم ، وإن ادعوا جميع ما في الحصن من الأموال أنها لهم وحلفوا على ذلك ~~فالقول لهم ، لما بينا أنه لا يمكن الوقوف على ذلك إلا من جهتهم ، وإن ~~أومنوا على ذراريهم ، قد بينا فيما سبق أن اسم الذرية يتناول الأولاد ~~وأولاد الأولاد ، وأولاد البنين وأولاد البنات في ذلك سواء ، ألا ترى أن ~~الله تعالى سمى عيسى بن مريم - صلوات الله عليهما - من ذرية آدم عليه ~~السلام ، واسم النساء لا يتناول إلا الأزواج خاصة قال PageV05P1815 الله ~~تعالى : ' يظاهرون من نسائهم ' المجادلة : 25 ، وقال - تعالى - ' للذين ~~يؤلون من نسائهم ' البقرة : 226 والمراد الأزواج خاصة ، والنسل بمنزلة ~~الذرية ، فأما اسم الأولاد لا يتناول إلا أولاد الصلب في قول أبي حنيفة - ~~رضي الله تعالى عنه - ؛ لأن الاسم لهم حقيقة ، ولأولاد الأولاد مجاز ، فإذا ~~صارت الحقيقة مرادا لم يطلق على المجاز وإن لم يكن لبعض من صالح ولد لصلبه ~~فولد بنيه يدخلون الآن ، لأنهم أولاده مجازا ، ويجب العمل بالمجاز إذا تعذر ~~العمل بالحقيقة ، فأما ولد البنات فليسوا من ولده ، وفي هذا الفصل روايتان ~~أيضا ، قد تقدم بيانه في أبواب الأمان ، واسم البنين في الأمان يتناول ~~المختلطين ، في قول محمد - رحمه الله تعالى - قال : وفي قياس قول أبي حنيفة ~~- رضي الله تعالى عنه - كقول محمد - رحمه الله - في الأمان استحسانا ، لأنه ~~مبني على التوسع ، وليس في إدخال الأنثى مع الذكر فيه بخس لحق الذكر بخلاف ~~الوصية ، PageV05P1816 وفي اسم الولد يدخل البنون والبنات ؛ لأنه اسم لكل ~~من ينسب إليه بالولادة ، وإذا دخل المسلمون أرض الحرب بغير أمان فمروا ~~بكنيسة من كنائسهم ، فلا بأس بتخريبها وتحريقها وقضاء الحاجة فيها ، وكذلك ~~وطء الجواري فيها ؛ لأن هذا بمنزلة غيره من مساكنهم ، بل هو أهون على ~~المسلمين من المساكن لكثرة ما يعصى الله تعالى فيها ، وإنما أراد بهذا ~~الفرق بين البيع والكنائس وبيوت النيران وبين المساجد ، فإن المسجد مصلى ~~للمسلمين مبين لإقامة الطاعات فيه ، فكان محرزا من حق العباد خالصا لله ~~تعالى ، قال الله تعالى : ' وأن المساجد لله ' الجن ms1029 : 18 ، بمنزلة الكعبة ~~فلهذا لا ينبغي أن يدخله جنبا فيه أو بطأ الرجل فيه امرأته ، أو يقضي فيه ~~حاجته من بول أو غائط فأما هذه المواضع فهي معدة لعبادة غير الله تعالى ~~فيها ، فكان حكمها وحكم مساكنهم سواء ، فإن طلب حربي الأمان لأهله وولده ~~ونفسه على أن يدل المسلمين على أهل قرية فيها أهله وولده فذلك جائز ، وبين ~~في الكتاب وثيقة هذه الموادعة قم قال : فإذا دلهم على قرية فيها سبي قليل ~~أو كثير فقد PageV05P1817 وفى بما قال فهو آمن ، لأنه أتى بالمشروط ، وإن ~~لم يكن في القرية غير أهله وولده فهو فيء وأهله وولده للمسلمين ، لأنه ضمن ~~بالعقد الدلالة على قرية فيها سبي ، وأهله وولده فيهم ، وإنما علق المسلمون ~~الأمان بذلك ، فإذا لم يوجد منه الدلالة على مثل هذا الموضع لم يستفد ~~الأمان ، وكذلك إن كان فيهم واحد أو اثنان من غير أهله وولده ؛ لأن الشرط ~~أن يكون في القرية سبي سوى أهله وولده ، والسبي اسم جمع ، وأدنى الجمع ~~المتفق عليه ثلاثة ، وإن قال : قد كان في هذه القرية سبي فذهبوا فلا أمان ~~له ؛ لأن الأمان إنما علق بدلالته على قرية فيها سبي ، وهذه قرية لا سبي ~~فيها الآن ولأن المقصود أن يتمكن المسلمون من أخذ السبي بدلالته ، وبالذين ~~كانوا فيها فذهبوا قبل دلالته لا يحصل هذه المقصود ، وإن كانوا أمنوه حين ~~دخل العسكر ثم قال بعد ذلك : تؤمنوني على نفسي وأهلي وولدي على أن أدلكم ~~على أهل هذه القرية ، فإن لم أوف فلا أمان بيني وبينكم ، ثم دلهم على قرية ~~ليس فيها غير أهله وولده ، فأهله وولده فيء وهو آمن ، لأن أمانة كان ثابتا ~~قبل هذا الشرط ، فأما أمان أهله وولده ، فإنما علقه المسلمون بدلالته ولم ~~يوجد ، فلا أمان لهم وبقي أمانه على ما كان من قبل لأنه بعد ما ثبت الأمان ~~له فما لم يبلغ مأمنه كان آمنا وبقوله فلا أمان PageV05P1818 بيني وبينكم ~~لا يوجد تبليغه إلى مأمنه ، فلا يبطل ذلك الأمان بخلاف الأول فإن هناك ~~الأمان ms1030 له معلق بشرط الدلالة على قرية فيها سبي ، كما لأهله وولده فإذا لم ~~يدل على ذلك لم يكن آمنا ، فإن كان سمى للمسلمين عددا من السبي يدلهم على ~~ذلك ، على أن يؤمنوه على نفسه ، فإن وفى بذلك وإلا فلا أمان له ، ثم إن ~~دلهم على أقل من ذلك العدد فهو فيء ؛ لأن الشرط الذي علق به أمانه لم يوجد ~~، وفي القياس للمسلمين أن يقتلوه كما قبل هذا الاستئمان ، وفي الاستحسان ~~ليس لهم أن يقتلوه ؛ لأنه وفى لهم ببعض المشروط ، ولو وفى بجميع المشروط ~~كان آمنا من القتل والاسترقاق جميعا ، فوفاؤه ببعض المشروط يورث شبهة ، ~~والقتل يندرىء بالشبهات ، وهذا لأن فيما شرط عليه معنى العوض ، باعتبار ~~المنفعة للمسلمين ومعنى الشرط باعتبار الظاهر ، فإن اعتبرنا معنى الشرط كان ~~لهم أن يقتلوه ، لأن الشرط يقابل المشروط جملة ، وإن اعتبرنا معنى العوض ~~كان هو آمنا ، ففيما يندرىء بالشبهات رجحنا معنى العوض وهو القتل ، وفيما ~~يثبت مع الشبهات رجحنا اعتبار معنى الشرط فجاز استرقاقه ، ثم بين الوثيقة ~~في الموادعة المشروطة فيها الرهن من الجانبين ، أو من أحد الجانبين وقد ~~استقصينا بيان هذه الفصول فيما تقدم والله أعلم . | PageV05P1819 # | باب من نكاح أهل الحرب مما لا يجوز في دار الإسلام # وإذا أسلم الحربي وعنده أختان ، فإن كان تزوجهما في عقدة واحدة فنكاحهما ~~باطل ، وإن كان تزوجهما في عقدتين فنكاح الأولى منهما صحيح ، ونكاح الثانية ~~باطل إذا أسلمتا معه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى ، وهو ~~قول إبراهيم وقتادة ، وعند محمد - رحمه الله تعالى - سواء تزوجهما في عقدة ~~واحدة أو في عقدتين فإنه يخير فيختار أيهما شاء ، ويفارق الأخرى ، ولو كان ~~الذي فعل ذلك ذميا في دار الإسلام ثم أسلم وأسلمتا معه فالجواب كما هو قول ~~أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ؛ لأن الذمي ملتزم أحكام الإسلام ، فيما ~~يرجع إلى المعاملات ، وحرمة الجمع من حكم الإسلام ، فلم يقع أصل نكاحهما ~~صحيحا ، إذا كان المباشر ملتزما لحكم الإسلام ، فأما أهل الحرب فهم غير ~~ملتزمين حكم الإسلام ms1031 PageV05P1820 وكان أصل النكاح منهما صحيحا ، باعتبار ~~قصور الخطاب بتحريم الجمع عنهم ، فإذا اعترضت الحرمة في البعض بعد صحة ~~النكاح وجب التخيير لا التفريق ، بمنزلة المسلم يطلق إحدى نسائه الأربع ~~ثلاثا بغير عينها ، وعلى هذا قال محمد - رحمه الله تعالى - ، إذا تزوج ~~الذمي امرأة بغير صداق ثم أسلما فلها مهر مثلها بخلاف الحربي ، وقد قرر هذا ~~الكلام في الكتاب فقال : اختصاص الابتغاء بالمال من حكم الإسلام ثابت في حق ~~الأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمنزلة حرمة ما زاد على الأربع ~~فإنه من حكم الإسلام ثابت في حق الأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ثم لا يثبت أحد الحكمين في حق أهل الحرب فكذلك الحكم الآخر ، وأبو حنيفة ~~وأبو يوسف - رضي الله تعالى عنهما - قالا : وجوب الاعتراض بعد الإسلام بسبب ~~الجمع ، فالجمع حصل لهما جميعا والاستدامة على ما استدام كالإنشاء ، فيجعل ~~في الحكم كأن العقد إنما وجد منه بعد الإسلام ، فإن كان تزوجهما في عقد ~~واحد بطل نكاحهما ، وإن كان تزوجهما في عقدتين بطل نكاح الثانية ، وكذلك ~~الحكم في الزيادة على الأربع ، ألا ترى أن في أهل الذمة أثبتنا الجزية بهذا ~~الطريق ، وكما أن أهل الحرب غير ملتزمين لحرمة الجمع ، فأهل الذمة غير ~~ملتزمين لذلك ولهذا PageV05P1821 لا يتعرض الإمام لهم ، إذا فعلوا ذلك قبل ~~المرافعة إليه ، فلهذا سوى أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - بين أهل الذمة ~~وأهل الحرب في النكاح بغير صداق ، ثم استدل محمد - رحمه الله تعالى عليه - ~~لإثبات مذهبه بآثار ذكرها في الكتاب بالإسناد ، فمنها : حديث عبد الله بن ~~عمرو - رضي الله تعالى عنهما - أن غيلان ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر ~~نسوة ، فقال هل النبي صلى الله عليه وسلم : اختر منهن أربعا فلما كان زمن ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه ، فدعاه ~~عمر - رضي الله عنه - فقال : طلقت نساءك وقسمت مالك بين بنيك ؟ قال : نعم ، ~~قال : إني لأرى الشيطان فيما يسترق من السمع سمع لموتك فقذفه في ms1032 نفسك ، ~~فلعلك ألا تمكث إلا قليلا وايم الله تعالى ، إن لم تراجع نساءك وترجع في ~~مالك ، ثم مت لأورثهن من مالك ثم لأمرت بقبرك أن يرجم كما يرجم قبر أبي ~~رغال ، قال محمد - رحمه الله تعالى - : أظنه فعل هذا في مرضه ، وروي عن ~~محمد بن عبد الله أنا أبا مسعود بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي أسلم ~~وتحته ثمان نسوة ، فتخير منهمن أربعا قال محمد : أخبرنا الثقة عن عبد الله ~~بن لهيعة عن أبي وهب الجيشاني أن الضحاك بن فيروز الديلمي يروي عن أبيه قال ~~: أسلمت وعندي أختان ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن أفارق ~~إحداهما قال محمد - رحمه الله تعالى - وفيروز الديلمي كان من أهل فارس ~~الذين كانوا بصنعاء أسلم فحسن إسلامه ، PageV05P1822 قال الشيخ : وتأويل ~~هذه الآثار عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - من وجهين ، أحدهما : أن ~~أصل هذه الأنكحة كانت قبل نزول تحريم الجمع منهن ومثله لا يوجد في زماننا ~~والثاني أنه أراد بقوله : اختر إحداهما أو اختر منهم أربعا بتجديد العقد ~~عليهن ، لا للإمساك لحكم ما تقدم من العقد ، وأبو حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - قائل بهذا ، ثم ذكر إسلام أحد الزوجين في دار الحرب ، فالحاصل فيه ~~أنه إن أسلم الزوج والمرأة من أهل الكتاب فهي امرأته ؛ لأن ابتداء النكاح ~~بينهما على هذه الصفة جائز ، فالبقاء أجوز ، فإن كانت من غير أهل الكتاب ، ~~أو كانت المرأة هي التي أسلمت ، فإنه يتوقف وقوع الفرقة بينهما على انقضاء ~~ثلاث حيض ؛ لأن بعد صحة النكاح لا بد من تقرير السبب الموجب للفرقة ، ~~وإسلام من أسلم منهما لا يصلح لذلك ، فهو سبب لتقرير الملك ، وكفر من أصر ~~منهما كان موجودا قبل هذا أولا ، ولا أثر له في الفرقة ، وقد تعذر استدامة ~~النكاح بينهما ، فقلنا : بأنه يتوقف وقوع الفرقة بينهما على انقضاء مدة ~~العدة ، لأن لانقضاء مدة العدة تأثيرا في الفرقة بعد الطلاق الرجعي ، ولو ~~كانا في دار الإسلام لكان يعرض الإسلام على المصر منهما ثلاث مرات ms1033 ، ~~PageV05P1823 ويفرق بينهما إن أبى الإسلام ، فإذا تعذر عرض الإسلام بسبب ~~انقطاع ولاية الإمام عنها أقمنا ثلاث حيضات مقام ثلاث عرضات في ذلك ، فإن ~~خرج الذي أسلم منهما إلى دار الإسلام قبل انقضاء ثلاث حيض فكذلك الجواب عند ~~أهل الحجاز ، وعند أهل العراق تقع الفرقة بينهما بتباين الدارين حقيقة ~~وحكما ؛ لأن من في دار الحرب من أهل الحرب في حق من هو من أهل دار الإسلام ~~كالميت ، قال الله - تعالى - : ' أو من كان ميتا فأحييناه ' الأنعام : 122 ~~، واختلفت الرواية في رد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ، ابنته ~~زينب - رضي الله تعالى عنها - على أبي العاص ، فروى عمر بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أنه صلى الله عليه وسلم ردها عليه بنكاح جديد ، وروى عامر الشعبي أنه ~~ردها عليه بالنكاح الأول ، فإن كان الرد بنكاح جديد فهو حجة لنا ، وإن كان ~~الرد بالنكاح الأول فتأويله ما قاله الزهري أن ذلك كان قبل نزول الفرائض ، ~~وقال قتادة : كان ذلك قبل نزول سورة براءة ، وقال الشعبي : كان ذلك قبل ~~نزول قوله تعالى : ' ولا تمسكوا بعصم الكوافر ' الممتحنة : 10 وفيما ذكر ~~هؤلاء بيان أن هذا الحكم منسوخ بنزول هذه الآيات PageV05P1824 وأنه لا عصمة ~~بين الزوجين بعد تباين الدارين حقيقة وحكما ، والذي يقوله الزهري : إن نساء ~~من قريش أسلمن يوم الفتح ، وهرب أزواجهن ثم رجعوا إلى الإسلام ، فأقرهن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أزواجهن بذلك النكاح ، على ما يروى من ~~حديث أم حكيم امرأة عكرمة ابن أبي جهل ، وحديث امرأة حكيم بن حزام ، فهؤلاء ~~قوم قد هربوا إلى الساحل ، وهي من حدود مكة ، قد صارت مفتوحة بفتح مكة ، ~~فلم يوجد تباين الدارين بينهن وبين أزواجهن والذي يروى أن أبا سفيان أسلم ~~بمر الظهران في معسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وزوجته هند ~~مشركة ، بمكة ، ثم أسلمت فردها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنكاح ~~الأول ، فقد تكلم الناس أنه متى حسن إسلام أبي سفيان ؟ بعد اتفاقهم أنه لم ms1034 ~~يحسن إسلامه يومئذ وإنما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم بشفاعة عمه ~~العباس - رضي الله عنه - أن أميمة بنت بشر فرت إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وهي مسلمة زوجها كافر مقيم بأرض الكفر PageV05P1825 فلما انقضت ~~عدتها زوجها رسول صلى الله عليه وآله وسلم ، سهيل بن حنيف ثم قدم زوجها بعد ~~ذلك مسلما ، فلم يرد إليه ، وفي هذا دليل أن الفرقة وقعت بينهما بتباين ~~الدارين ، وبه يستدل محمد - رحمه الله تعالى - على وجوب العدة على المهاجرة ~~، وأبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - لا يرى على المهاجرة العدة ، وجعلها ~~في ذلك كالمسبية لأن وقع الفرقة في الموضعين كان بتباين الدارين حكما ، ~~وليس في الحديث أنها اعتدت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر عن ~~سعيد بن جبير قال : إذا لحقت المرأة بأرض الحرب فلا تعتد بها في نسائك وبه ~~نأخذ فنقول : إذا لحقت مرتدة عن الإسلام أو كانت ذمية فلحقت ناقضة للعهد ، ~~فقد بانت من زوجها لتباين الدارين حقيقة وحكما ، حين صارت حربية ، ولكن لا ~~عدة لها ها هنا ، لأن العدة من حكم الإسلام ، والحربية لا تخاطب بذلك ، ~~بخلاف المهاجرة على قول محمد - رحمه الله عليه - وعند أبي حنيفة - رضي الله ~~تعالى عنه - هما سواء في حكم العدة ، إلا أن المهاجرة إذا كانت حاملا فليس ~~لها أن تتزوج ما لم تضع حملها ، لا لوجوب العدة عليها ، ولكن لأن في بطنها ~~ولدا ثابت النسب ، بمنزلة أم الولد إذا حبلت من مولاها ، فقد روى الحسن عن ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنها : PageV05P1826 إن تزوجت جاز النكاح ولكن ~~لا يقربها زوجها حتى تضع حملها ، لكيلا يكون ساقيا ماؤه زرع غيره بمنزلة ~~المسبية إذا كانت حاملا فتزوجها مولاها ، وإذا تزوج الحربي في دار الحرب ~~امرأة وابنتها في عقدة واحدة أو عقدتين ثم أسلموا قبل أن يمس واحدة منهما ، ~~فعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - إن كان تزوجهما في عقدة واحدة ~~فنكاحهما فاسد ، وإن كان تزوجهما في عقدتين فنكاح الثانية فاسد ، لأن وجوب ms1035 ~~الاعتراض لمعنى الجمع ها هنا بمنزلة نكاح الأختين وعلى قول محمد - رحمه ~~الله - نكاح الابنة صحيح في الوجهين ، ونكاح الأم فاسد لأن الحرمة بسبب ~~الجمع لا تثبت في حقهم عنده قبل الإسلام كما في حق الأختين ، فكان نكاح ~~البنت صحيحا تقدم أو تأخر وبمجرد العقد الصحيح على الابنة تحرم الأم وبمجرد ~~العقد على الأم لا تحرم الابنة ، فلهذا صح نكاح البنت في الوجهين وبطل نكاح ~~الأم ، وهذا لأن حرمة المصاهرة نظير حرمة الرضاع والنسب ، و يثبت في دار ~~الحرب عند تقرر سببه كما يثبت في دار الإسلام فهذا مثله وإن كان دخل بهما ~~فنكاحهما باطل على كل حال بالاتفاق ؛ PageV05P1827 لأن الدخول بكل واحدة ~~منهما يحرم الأخرى ، بسبب المصاهرة على التأبيد ، وإن كان دخل بإحداهما دون ~~الأخرى فعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - إن كان دخل بالأم بعد ما تزوج ~~الابنة فنكاحهما باطل ؛ لأن العقد الصحيح على الابنة يوجب حرمة الأم ، ~~والدخول بالأم يوجب حرمة البنت ، وإن كان دخل بالأم قبل أن يتزوج الابنة ~~فنكاح الأم صحيح ؛ لأن الدخول بها يوجب حرمة الابنة ، ثم العقد على الابنة ~~بعد ذلك غير صحيح والعقد الفاسد على الابنة لا يوجب حرمة الأم وإن كان دخل ~~بالابنة فنكاحها صحيح ؛ لأنه لم يوجد في حق الأم إلا مجرد والعقد ، لا يوجب ~~حرمة الابنة ، وعلى قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأبي يوسف - رحمه ~~الله تعالى - إن كان تزوجهما في عقدة فنكاحهما باطل ثم له أن يتزوج التي ~~دخل بها ، أما كانت أو بنتا ، وليس له أن يتزوج الأخرى لأن الدخول بمن دخل ~~بها محرم للأخرى أما كانت أو ابنة ، وإن كان تزوجهما في عقدتين فإن كان ~~تزوج الابنة أولا ودخل بها فنكاحها صحيح ونكاح الأم باطل ، لأجل المصاهرة ، ~~وإن كان دخل بالأم فنكاحهما باطل لأن PageV05P1828 العقد على الابنة كان ~~صحيحا ، وذلك يوجب حرمة الأم وقد دخل بالأم ، وذلك يوجب حرمة الابنة وإن ~~كان تزوج الأم أولا فإن دخل بها فنكاحها صحيح ، وإن دخل بالابنة بطل ms1036 ~~نكاحهما جميعا ؛ لأن العقد على الابنة لم يكن صحيحا لمعنى الجمع ، والدخول ~~بالابنة مبطل نكاح الأم ثم له أن يتزوج الابنة دون الأم ؛ لأن الموجود منه ~~في حق الأم مجرد العقد والعقد على الأم لا يوجب حرمة الابنة فلهذا كان له ~~أن يتزوجها قال : ولو تزوج الحربي أمة وحرة ثم أسلموا جاز نكاحهما في قول ~~محمد - رحمه الله - ؛ لأن حرمة الجمع بين الأمة والحرة لم يكن ثابتا في ~~حقهما عنده وبعد الإسلام الحال حال استدامة النكاح ، واستدامة النكاح ، على ~~الأمة والحرة من حكم الإسلام ، ولم يذكر قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - في هذا الفصل وقيل : الجواب هكذا على قوله ، لأن حكم لخطاب إنما يثبت ~~في حقهم بعد الإسلام وقيل : بل عنده يبطل نكاح الأمة ويجعل كالمجدد للعقد ~~عليهما بعد الإسلام ، كما في حق الأختين ، قال : وإذا تزوج الحربي أربع ~~نسوة في عقدة أو عقدتين ، ثم سبي وسبين معه ، فعلى قول محمد - رحمه الله ~~تعالى - يختار اثنتين منهن ؛ PageV05P1829 لأن ما زاد علي الثنيتين في حق ~~العبد بمنزلة الزيادة على الأربع في حق الحر ، وعلى قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف - رحمهما الله تعالى - يبطل نكاحهن جميعا ها هنا ، إما إنه إن تزوجهن ~~في عقدة واحدة فهو غير مشكل ، لأنه بمنزلة الحر يتزوج خمس نسوة في عقدة ~~واحدة ثم يسلم ويسلمن معه ، وإن كان تزوجهن في عقد متفرقة فالفرق بين هذا ~~الفصل وبين ما إذا أسلم وأسلمن معه أن هناك نكاح ما زاد على الأربع ما وقع ~~صحيحا بحكم الإسلام ، فإذا وجب الاعتراض بحكم الإسلام ، يتعين الفساد ، ما ~~لم يقع صحيحا بحكم الإسلام ، وها هنا نكاح الأربع وقع صحيحا بحكم الإسلام ، ~~لأنه كان حرا حين تزوجهن فلم يكن البعض بإفساد نكاحها بأولى من البعض ، ~~فلهذا فرق بينه وبينهن ، ولو تزوج حربي رضيعتين ثم أرضعتهما امرأة ثم ~~أسلموا فهذا وما لو كانتا أختين حين تزوجهما سواء ، على الخلاف الذي بيننا ~~لأنهما صارتا أختين قبل الإسلام بالرضاع ، وإن كانت إنما أرضعتهما بعدما ~~أسلموا ms1037 فقد فسد نكاحهما جميعا ، وبه استدل أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه ~~- على محمد - رحمه الله تعالى - إلا أن محمدا يقول : لما أسلموا قبل ~~الإرضاع فحالهم وحال مال لو كانوا مسلمين حين تزجهما سواء ، والمسلم إذا ~~تزوج رضيعتين ثم أرضعتهما امرأة وقعت الفرقة بينه وبينهما ، لأن المفسد وهي ~~الأختية وجد فيهما جميعا بخلاف ما سبق ، PageV05P1830 وكذلك لو أسلم الزوج ~~، وهم من أهل الكتاب ، ثم أرضعتهما امرأة ، ولو كان تزوج الحربي كبيرة ~~ورضيعة ، وللكبيرة لبن فأرضعت الصغيرة ثم أسلموا ففي قول أبي حنيفة - رضي ~~الله تعالى عنه - نكاحهما فاسد ؛ لأنه صار جامعا بينهما بعد ما صارتا أما ~~وابنة ، فكأنه تزوجها ابتداء بعد الإرضاع ، وفي قول محمد - رحمه الله - ~~نكاح الابنة جائز ، لأنه وجد العقد الصحيح على الابنة ، وذلك يوجب حرمة ~~الأم ، ومجرد العقد على الأم لا يوجب حرمة البنت ولو كان الإرضاع بعد ~~الإسلام بطل نكاحهما بالاتفاق ، بمنزلة ما لو تزوجهما بعد الإسلام ، وكذلك ~~لو أسلم الزوج ثم أرضعت الكبيرة الصغير فقد فسد نكاحهما ؛ لأن المخاطب ~~بحرمة الجمع بين الأم والبنت الزوج ، ولو كانت الكبيرة أسلمت وحدها ثم ~~أرضعت الصغيرة فعند محمد - رحمه الله - يفسد نكاحها ، ويجوز نكاح البنت ، ~~لأن الزوج حربي حين أرضعتها ، فكان هذا وما لو أرضعتها قبل إسلامها سواء ، ~~ولو كان الذي أسلم أبو الصغيرة ثم أرضعت الكبيرة الصغيرة فقد فسد نكاحهما ~~جميعا ، PageV05P1831 أما عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : لا إشكال ~~، وأما عند محمد ، - رحمه الله - فلأن الابنة صارت مسلمة بإسلام الأب فلا ~~يجوز نكاحها مع أمها بحكم الإسلام فبطل نكاحها لهذا المعنى ، وقد بطل نكاح ~~الأم بسبب العقد على الابنة ، فلهذا قال : يفسد نكاحهما جميعا ، وأوضح هذا ~~بما لو تزوج رضيعة ثم طلقها ، ثم تزوج كبيرة فأرضعت الصغيرة ، فإن الكبيرة ~~تحرم عليه ، لأن الصغيرة صارت ابنة لها ، وقد كانت في نكاحه في وقت بعقد ~~صحيح ، ومجرد العقد عل الابنة يوجب حرمة مؤبدة في حق الأم ، ولو أن زوجين ~~مستأمنين في دار الإسلام وأسلم الزوج وهي ms1038 من أهل الكتاب ، فأرادت الرجوع ~~إلى دار الحرب لم يكن لها ذلك ؛ لأن بعد إسلام الزوج النكاح مستدام بينهما ~~فهي مستأمنة تحت مسلم فتصير ذمية لأن المرأة في المقام تابعة لزوجها بمنزلة ~~ما لو تزوجت بمسلم ابتداء ، وكذلك إذا صار الزوج ذميا ، لأن الذمي من أهل ~~دارنا كالمسلم ، فإن جحدت أن تكون امرأته فالقول قولها وعلى الزوج البينة ، ~~ولا يقبل عليها بالنكاح شهادة أهل الحرب ؛ لأن في زعم الزوج والشهود أنها ~~ذمية ، وشهادة أهل الحرب على الذمي لا تكون حجة ، ولو كانت أنكرت النكاح ، ~~قبل أن يسلم الزوج PageV05P1832 أو يصير ذميا ، لم يقض القاضي عليهما بشيء ~~، وإن أقام بينة من المسلمين أنهما مستأمنان فلا يقضي القاضي بين ~~المستأمنين بحقوق معاملة جرت في دار الحرب ؛ لأنهما لم يلتزما حكم الإسلام ~~، وهو إنما يزعم أن النكاح بينهما كان في دار الحرب ، فلهذا لا يقضي بينهما ~~باعتبار زعمه ، ولو لم تكن المرأة كتابية فإن القاضي يعرض عليها الإسلام ، ~~فإن أسلمت وإلا فرق بينهما ، لأنهما تحت ولايته الآن فيمكن من عرض الإسلام ~~على الذي يأبى منهما ، وبناء التفريق عليه ثم يكون لها أن ترجع إلى دار ~~الحرب بعد انقضاء عدتها ؛ لأن النكاح غير مستقر ها هنا بعد إسلام الزوج ، ~~فإن ابتداء العقد بينهما على هذه الصفة لا يجوز فلا تصير ذمية ، إلا أن ~~العدة تلزمها لحق الزوج المسلم فلا تتمكن من الخروج قبل انقضاء العدة ، ~~لأني لا أدري لعلها حامل وولدها مسلم بإسلام أبيه فلهذا لا تتمكن من الرجوع ~~إلى دار الحرب قبل انقضاء العدة ولو لم يسلم زوجها ، ولكنه صار ذميا ، فليس ~~لها أن ترجع إلى دار الحرب ؛ لأن النكاح بينهما مستقر ها هنا ، فتصير ذمية ~~تبعا لزوجها . ولو كانت المرأة هي التي أسلمت فإنه يعرض PageV05P1833 ~~الإسلام على الزوج ، ويفرق بينهما إذا أبى ، وله أن يرجع إلى دار الحرب . ~~لأن الزوج في المقام لا يتبع امرأته ، قال : ولو ذهب إلى دار الحرب قبل عرض ~~القاضي عليه الإسلام ، فقد وقعت الفرقة بينهما بتباين الدارين ms1039 حقيقة وحكما ~~، وهذه فرقة بغير طلاق والمرتد ليس من أهل النكاح ؛ لأن النكاح يعتمد الملة ~~ولا ملة للمرتد ، وقد قررنا هذا في شرح المختصر ثم فرع على فصل المهاجرة ~~وقال : إذا طلقها زوجها ، وهو في دار الحرب ، لم يقع طلاقه عليها ، أما عند ~~أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فلأنه لا عدة عليها ، وأما عند محمد - ~~رحمه الله تعالى - فلأنه حربي ولا عصمة بين الحربي والمسلم ، وفي الحكم ~~بوقوع طلاقه عليها إثبات معنى العصمة بينهما ، ولهذا قال محمد - رحمه الله ~~تعالى - ولو كان أسلم ثم طلقها وقع طلاقه عليها ؛ لأنها في عدته ، ويجوز ~~الحكم بالعصمة بين المسلمين وإن كان أحدهما في دار الحرب ، وقاس هذا ~~بالمرتد اللاحق بدار الحرب ، إذا طلق امرأته لم يقع طلاقه عليها ، وإن كانت ~~في عدة منه ولو رجع مسلما أو أسلم في دار الحرب ثم طلقها وقع طلاقه عليها ~~لأنها في عدته ، PageV05P1834 ولو كان الحربي دخل إلينا بأمان ، ثم طلق ~~المهاجرة التي تعتد منه لم يقع طلاقه عليها ؛ لأنه حربي بعد فكان حاله وحال ~~ما لو كان في دار الحرب ، صورة سواء ألا ترى أن امرأة حرة لو كانت تحت عبد ~~فاشترته بعد ما دخل بها فقد فسد النكاح وعليها العدة ، وإن طلقها وهو عبد ~~لها لم يقع طلاقه عليها ، لأنه لا عصمة بسبب النكاح بين المملوك وبين ~~المالكة ، وإن أعتقته أو باعته ثم طلقها وقع طلاقه عليها ، لأنها في عدته ، ~~ولو كانت المهاجرة حاملا فلزوجها في قول أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ~~أن يتزوج أختها ؛ لأنه لا عدة عليها ، وإنما لا يجوز لها أن تتزوج بزوج آخر ~~؛ لأن في بطنها ولدا ثابت النسب ، فكان حالها كحال أم الولد إذا حبلت من ~~مولاها ، وهناك للمولى أن يتزوج أختها ولكن لا يطؤها حتى تضع حملها كيلا ~~يصير جامعا ماءه في رحم أختين ، فهذا مثله وكذلك الحكم فيالمسبية ، ولو ~~أسلم الزوج وخرج إلينا وترك زوجته في دار الحرب فقد وقعت الفرقة بينهما ~~بتابين الدارين ولكن ليس ms1040 لها أن تتزوج بزوج آخر إذا كانت حاملا ، وهذه لا ~~عدة PageV05P1835 عليها ، ولكن في بطنها ولد ثابت النسب ، إلا أن نسب ولدها ~~لا يلزم الزوج إلا أن تأتي به لأقل من ستة أشهر ؛ لأنها بانت إلى عدة تباين ~~الدارين ، فكان ذلك بمنزلة الطلاق قبل الدخول في الحكم ، ولو أسلمت المرأة ~~في دار الحرب ، ثم وقعت الفرقة بينهما بمضي ثلاث حيض ، فهذا في حكم العدة ، ~~وما لو وقعت الفرقة بينهما بخروجها إلى دار الإسلام سواء ؛ لأن في الموضعين ~~قد وقعت الفرقة بينهما وهي حرة مسلمة مخاطبة بحكم الإسلام ، سواء كانت في ~~دار الحرب أو في دار الإسلام ، قال : حربية أسلمت في دار الحرب ثم خرجت ~~وخرج زوجها معها ، بأمان فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض ، أو يعرض عليه ~~السلطان الإسلام ؛ لأنه من وجه كالذمي فإن السلطان يتمكن من عرض الإسلام ~~عليه وهو في الحقيقة حربي ، حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب ، فلكونه ~~حربيا قلنا : الفرقة تقع بينهما بمضي ثلاث حيض ، ولكونه بمنزلة الذمي من ~~وجه ، قلنا : يفرق بينهما بعد إباء الإسلام ، وبأي الوجهين وقعت الفرقة ~~بينهما فعليها أن تعتد بثلاث حيض ، ولو طلقها في العدة وقع عليها طلاقه ؛ ~~لأنه معها في دار الإسلام ، وقد بينا أنه كالذمي من وجه ، PageV05P1836 ألا ~~ترى : أنه لو خلعها قبل أن يفرق بينهما السلطان ، ثم طلقها في العدة ثلاثا ~~، أو طلقها قبل الخلع ثلاثا ، وقع طلاق عليها فكذلك بعد التفريق بينهما ، ~~لأن تلك فرقة بطلاق وهذا بخلاف ما لو خرجت وحدها ، ثم خرج الزوج بعدها ، ~~مستأمنا ، فإنه لا يقع طلاقه عليها ؛ لأن هناك قد بقي الزوج في دار الحرب ، ~~بعد خروجها فانقطعت العصمة به ، بينهما ، وصار بحال يقع طلاقه عليها ، فما ~~لم يصر من أهل دارنا بعد ذلك لا يلحقها طلاقه ، وها هنا حين وقعت الفرقة ~~كان هو معها في دار الإسلام ، فلم يكن في حالة من الحالات بحال لا يقع ~~طلاقه عليها ، فلهذا قلنا ما دامت في العدة يقع طلاقه عليها ، والله أعلم ~~بالصواب ms1041 . PageV05P1837 # | باب تزويج الأسير والمستأمن في دار الحرب # قال - رحمه الله - ويكره للمسلم أن يتزوج في دار الحرب كتابية منهم ، حرة ~~كانت أو أمة ، هكذا نقل عن علي - رضي الله عنه - وهذا لأنه ربما يبقى له ~~نسل في دار الحرب ، وفيه تعريض ولده للرق ، فإنها لو سبيت ، وهي حبلى منه ، ~~صار ما في بطنها رقيقا ، وربما يتخلق أولاده بأخلاق الكفار إلا أن هذه ~~الكراهة ليست لمعنى في عين النكاح في محله أو شرطه فلا يمنع صحة النكاح بعد ~~أن كان بشهود مسلمين في قول محمد - رحمه الله - وفي قول أبي حنيفة - رضي ~~الله تعالى عنه - يستوي إن كان الشهود مسلمين أو كفارا وهي معروفة ، فإن ~~كان يخشى العنت على نفسه فلا بأس بأن يتزوجها ، لأن التحرز عن الزنا فرض ، ~~ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح ، وهو نظير ما لو تزوج أمة لمسلم أو ذمي في دار ~~الإسلام ، فإن ذلك مكروه له إلا أن يخشى العنت على نفسه ، فهذا مثله ، ولو ~~أسروا حرة مسلمة أو ذمية فلا بأس لهذا المسلم أن يتزوجها ، وإن لم يخف ~~العنت على نفسه ؛ PageV05P1838 لأنها حرة من أهل دارنا ولم يملكوها ~~بالاسترقاق ، فيجوز للمسلم أن يتزوجها برضاها في دارهم ، كما يجوز في دارنا ~~، فإن كانت أمة له فذلك مكروه له ، إلا يخشى العنت على نفسه ؛ لأنهم ~~بالأحراز ملكوها حتى لو أسلموا كانت أمة لهم ، فولده منها يكون عبدا لهم ، ~~وفرق بين هذا وبين ما إذا تزوج فيهم بغير شهود فإنه لا يجوز ، وإن كان يخشى ~~العنت على نفسه ، وكذلك إذا لم يجد شهودا مسلمين على قول محمد - رحمه الله ~~تعالى - لأن المنع هناك لانعدام شرط الجواز ، وهو الشهود ، وذلك منع لمعنى ~~في عين النكاح أو لمعنى في المحل ، بأن كان لا يجد إلا مجوسية أو وثنية ~~وهناك لا يجوز له نكاحها سواء كان يخشى عليه العنت أو لا يخشى ، فأما ها ~~هنا المنع لما فيه من تعريض ولده للرق ، وهو غير متصل بالنكاح شرطا ولا ~~محلا ، فإذا ظهر ما ms1042 هو الأولى بالاعتبار منه قلنا : يجوز النكاح من غير ~~كراهة ، وإن كانوا أسروا مكاتبة أو مدبرة أو أم ولد ثم زوجوها من هذا ~~المسلم لم يجز ذلك ؛ لأنهم لم يملكوها بالإحراز ، ولا نكاح إلا بولي ، وولي ~~المكاتبة مولاها ، فإذا أذن لها مولاها في التزوج بكتاب كتبه من دار ~~الإسلام فلا بأس بأن يتزوجها ؛ لأنها باقية على ملكه ، والكتاب ممن نأى ~~كالخطاب ممن دنا ، PageV05P1839 فإن دخل مولاها دارهم بأمان فلا بأس بأن ~~يطأ مدبرته وأم ولده إذا خلا بها ، ولم يكن الحربي وطئها ؛ لأنها باقية على ~~ملكه ، فإن وطئها الحربي فليس لمولاها أن يطأها بعد ذلك ؛ لأن فيه اجتماع ~~رجلين على امرأة واحدة في طهر واحد ، إلا أن يترك الحربي وطأها فحينئذ ~~للمولى أن يطأها إذا استبرأ رحمها ، فأما المكاتبة فليس له أن يطأها ، كما ~~لم يكن له ذلك قبل الأسر ، لأنها بالكتابة صارت كالخارجة عن ملكه ، وكذلك ~~لو زوجها إياه الحربي ؛ لأنها باقية على ملكه حقيقة ، فلا يثبت النكاح بينه ~~وبينها ، بخلاف المدبرة وأم الولج إذا زوجها الرحبي منه جاز له وطؤها ؛ ~~لأنه إنما يطؤها بالملك لا بالنكاح ألا ترى أن قبل التزوج كان وطؤها حلالا ~~له ، ولو أسروا امرأته وهي حرة أو أمة ، ثم دخل إليهم بأمان ، فلا بأس بأن ~~يطأها لبقاء النكاح بينهما ، فإن قيل : هذا في الحرة صحيح وأما في الأمة ~~فهو غير صحيح لأنها صارت مملوكة لهم ، حتى لو أسلموا كانت لهم ، والمملوك ~~تبع لمولاه فقد صارت بهذا الطريق من أهل دار الحرب ، وتباين الدارين حقيقة ~~وحكما موجب للفرقة PageV05P1840 بينهما ، قلنا : لا كذلك فإنها كانت من أهل ~~دارنا لكونها مسلمة أو ذمية وذلك لا ينتقض بتملكهم إياها بالإحراز ، كما لا ~~ينتقض بتملكهم إياها بالشراء والإدخال في دار الحرب ، فكما لا يفسد النكاح ~~بينهما هناك ، لا يفسد ها هنا ، إلا أن يكون مولاها الحربي قد وطئها ، ~~فحينئذ لا يحل للزوج أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة ، وإن كانت حرة فوطئها ~~الحربي لم يكن لزوجها أن ، يطأها حتى تعتد ms1043 بثلاث حيض ؛ لأن ما كان من ~~الحربي في معنى الوطء بشبهة ، فالتأويل الباطل منهم معتبر بالتأويل الصحيح ~~في الحكم ، وعلى هذا لو وطئها الحربي ، ثم جاءت بولد ، فإن جاءت به لأقل من ~~سنيتين منذ وطئها الحربي فإن نسب الولد يثبت من الزوج ، وإن جاءت به لأكثر ~~من سنتين لم يثبت نسب الولد منه ؛ لأنها حرمت عليه بوطء الحربي إياها ، ~~فيجعل بمنزلة ما لو حرمت عليه بأن طلقها تطليقة بائنة ، ولو كانت المسبية ~~أمة لمسلم ، ثم دخل مولاها إليهم بأمان ، فليس له أن يطأها ؛ لأنهم ملكوها ~~بالإحراز فيكون هو واطئا ملك غيره لو فعل ذلك ، وذلك لا رخصة فيه بحال ، ~~PageV05P1841 بخلاف أم الولد والمدبرة ، فإن زوجها الحربي منه جاز النكاح ~~وإن كان ذلك مكروها للمسلم بمنزلة ما لو زوجه أمة أخرى له مسلمة أو كتابية ~~، ولو أن حربيا في دار الحرب من المسلمين تزوج أمة من آبائهم فولدت له ~~أولادا ثم ظهر المسلمون على الذراري ، فالصغار من أولاده أحرار المسلمون ~~بإسلام أبيهم ؛ لأنهم كانوا مملوكين لمولى الأم ، وقد قتل أو هرب حين ظهر ~~المسلمون على الدار ، فصاروا محرزين أنفسهم بمنعة المسلمين ، والمملوك ~~المسلم للحربي إذا أحرز نفسه بمنعة الجيش كان حرا كالمراغم ، وأما الكبار ~~من أولاده فمرتدون ؛ لأنهم وصفوا بالكفر بعد البلوغ ، وقد كانوا مسلمين ~~بإسلام الأب ، فصاروا مرتدين أرقاء لمن أحرزهم ، رجالهم أو نساءهم ، لأن مع ~~ردتهم لا يتحقق إحراز أنفسهم علي الموالي فلا يعتقون ويجبرون على الإسلام ~~ولا يقتلون ؛ لأنه ما وجد منهم الإسلام بعد كمال حالهم بالبلوغ ، ومن ثبت ~~له حكم الإسلام تبعا للأبوين لا يقتل إذا بلغ مرتدا لمعنى الشبهة ، وأما ~~أمهم فهي فيء لمن أخذها ، وإن كان في بطنها ولد فهو رقيق معها ، لأن ما في ~~البطن جزء من PageV05P1842 أجزائها فيكون رقيقا تبعا لها ، وإن كان مسلما ~~تبعا لأبيه ، ولأنه لا يتحقق منه إحراز نفسه ما دام مخفيا في بطنها ، ولو ~~كان تزوج حرة منهم والمسألة بحالها ، فهذا والأول سواء إلا في فصل واحد وهو ~~أن ms1044 الكبار من أولاده ها هنا أحرار بخلاف الأول ؛ لأنهم انفصلوا من حرة ~~فكانوا أحرارا بحريتها ، ولكنهم مرتدون ، فمن كان منهم رجلا فهو لا يصير ~~رقيقا بالسبي ، ومن كان منهم امرأة فقد صارت أمة بالسبي ، وتجبر على ~~الإسلام كما هو الحكم في المرتدات ، ولا يكون تزوج المسلم إياها أمانا لها ~~؛ لأنه في دار الحرب لو أمنها نصا لم يصح منه ، فكذلك بالدلالة ، وليس ~~للأولاد أن يوالوا أحدا ، ولا يعقل عنهم بيت المال إن لم يوالوا أحدا ؛ لأن ~~لهم عشيرة ، وهم قوم أبيهم ، فيعقلون عنهم ويرثونهم ، ومن كان بهذه الصفة ~~فليس له أن يوالي أحدا . ولو كانوا سبوا من دار الإسلام حرة مسلمة أو ذمية ~~ثم زوجوها من هذا الحربي ، فهذا وما سبق سواء ، إلا في خصلة واحدة لا تكون ~~هي ولا ما في بطنها فيئا ؛ PageV05P1843 لأنها حرة من أهل دارنا ، فلا تلمك ~~بالسبي ، والأولى حرة حربية فملكت بالسبي ، وإن كانت أمة مسلمة أو ذمية ~~مسلمة ، والمسألة بحالها فأولادها أرقاء ها هنا ، لا يعتقون بالسبي ، ~~الصغار والكبار في ذلك سواء ؛ لأن حق المسلم المأسور منه قائم فيهم ، ويمنع ~~ثبوت العتق لهم بطريق المراغمة ، فقلنا : إن وجدهم المأسور منه أخذهم قبل ~~القسمة بغير شيء ، وإن وجدهم بعد القسمة أخذهم بالقيمة ، فإن كان المأسور ~~منه ذميا أجبر على بيعهم بعد ما يأخذهم ؛ لأن الصغار منهم مسلمون بإسلام ~~أبيهم ، والذمي يجبر على بيع العبد المسلم إذا حصل في ملكه ، والكبار منهم ~~مرتدون ، وللمرتد حكم الإسلام في هذا الفصل لكونه مجبرا على العود إلى ~~الإسلام . ولو كانت الأمة المأسورة من دار الإسلام لم يتزوجها المسلم ، ~~ولكن مولاها الحربي وطئها فولدت له أولادا ، ثم ظهر المسلمون على الدار فهي ~~حرة ، لا سبيل عليها ؛ لأنها مسلمة أو ذمية ، وقد صارت أم ولد للحربي ، ~~فإذا سقط حق الحربي عنها كانت حرة . وأولادها أحرار بمنزلتها إن كانت مسلمة ~~أو ذمية ، PageV05P1844 لأنهم صاروا محرزين أنفسهم بمنعة المسلمين ، ولهم ~~أن يوالوا من أحبوا ؛ لأن أباه لا ولاء له ولا عشيرة بخلاف ما ms1045 سبق ، فإن ~~كبروا كفارا محاربين للمسلمين قلنا : إن كانت أمهم مسلمة فهم مرتدون ، ~~لأنهم كانوا مسلمين تبعا لها ، فإذا بلغوا مرتدين أجبروا على الإسلام ، ~~وكانوا أحرارا ، وإن كانت أمهم ذمية فهم فيء أجمعون ؛ لأنهم كانوا من أهل ~~الذمة تبعا لها ، وقد صاروا ناقضين للعهد حين حاربوا المسلمين فإن قال ~~المأسور منه : أنا أحق بالأمة لأنها أسرت من يدي وملكي لم يلتفت إلى قوله ؛ ~~لأن الحربي كان ملكها ، حتى لو أسلم عليها كانت له ، وقد استولدها فلا يبقى ~~للمالك القديم فيها حق الأخذ بحال ألا ترى : أن الحربي لو كان أعتقها نفذ ~~عتقه فيها ، فكذلك إذا استولدها ، ولو كان مولاها القديم إنما زوجها من ~~الحربي ، والمسألة بحالها ، فالأمة وأولادها للمأسور منه ها هنا ؛ ~~PageV05P1845 لأنها إنما ولدت من زوج لا تصير به أو مولد ، وقيام حق ~~المأسور منه فيها وفي أولادها يمنع ثبوت العتق لهم بطريق المراغمة ، ~~والإحراز بمنعة المسلمين ، فلهذا كان له أن يأخذهم قبل القسمة بغير شيء ، ~~وبعدها بالقيمة ، ومن كبر من أولادها فكان على دين أبيه ، فإن كانت هي ~~مسلمة فهي مجبرة على الإسلام ؛ لأنه كان مسلما تبعا لها ، فإذا بلغ كافرا ~~كان بمنزلة المرتد ، وإن كانت ذمية لم يجبر هذا الولد على الإسلام ؛ لأنه ~~مولود بين كافرين في دار الحرب ، ولو كانت المأسورة حرة والمسألة بحالها ~~فهي وأولادها أحرار لا سبيل عليها ؛ لأنها حرة من أهل دارنا والأولاد ~~يتبعون الأم في الرق والحرية ، وقد عرفت الجواب أن الولد يتبع خير الأبوين ~~دينا في حكم النكاح والذبيحة ، حتى إذا كان أحدهما من أهل الكتاب كان الولد ~~مثله بمنزلة ما لو كان أحد الأبوين مسلما كان الولد مسلما تبعا له ، ومن ~~بلغ منهم كافرا فالحكم فيه ما هو الحكم فيما سبق من الفرق بينهما ، إذا ~~كانت المرأة مسلمة أو ذمية ؛ والفرق بين الرجال والنساء في حكم الاسترقاق ~~كما هو الحكم في المرتدين والله الموفق . | PageV05P1846 # | باب إثبات النسب من أهل الحرب من السبايا # قال - رحمه الله - : ولو أن أهل الحرب سبوا ms1046 مسلمة حرة أو مملوكة أو ذمية ~~حرة أو مملوكة فاشتراها من السابي رجل منهم ، فاستولدها ثم أسلم أهل الدار ~~، أو صاروا ذمة ، فإن كانت مسلمة أو ذمية حرة في الأصل فهي حرة على حالها ؛ ~~لأن الحرية المتأكدة في دارنا لا ناقض لها ، وأولادها أحرار بطريق التبعية ~~لها ، والنسب ثابت من المشتري ؛ لأنه وطئها على وجه الملك بشبهة ، فتأويلهم ~~الباطل بمنزلة التأويل الصحيح في الحكم ، ولا صداق عليه لها ؛ لأن المستوفى ~~بالوطء في الحكم جزء منها ، وقد كان حربيا حين استوفى ذلك الجزء ، فكما لا ~~يغرم شيئا إذا استهلكها لا يغرم بوطئه إياها شيئا أيضا ، وإن كانت مدبرة أو ~~أم ولد في الأصل فهي مردودة علي مولاها ؛ لأنهم لم يملكوها بالإحراز ، ~~PageV05P1847 وأولادها أحرار ، لأنهم كانوا مسلمين تبعا لها إن كانت مسلمة ~~، وذميين تبعا لها إن كانت ذمية ، ولأن هذا بمنزلة ولد المغرور على ما بينا ~~أن المشتري استولدها بتأويل الملك ، وولد المغرور حر ثابت النسب من أبيه ~~إلا أنه ليس على الأب من قيمة الأولاد ها هنا شيء ، للطريق الذي قلنا في ~~العقر ، في الفصل الأول ، فهذا لأن المشتري كان محاربا حين استولدها ، وذلك ~~يمنع وجوب الضمان عليه باستهلاك جزء منها ، فكذلك إذا صار مستهلكا للولد ~~بحكم الغرور ، فإن قيل : المغرور إنما يضمن قيمة الولد وقت الخصومة وعند ~~الخصومة القوم مسلمون أو أهل الذمة ، قلنا : نعم ، ولكن إنما يضمن وقت ~~الخصومة بسبب الاستيلاد المتقدم ، وذلك السبب تحقق منه حين كان حربيا ، غير ~~موجب للضمان عليه ، فلا يجب الضمان بعد ذلك وإن أسلموا ، وإن كانت مكاتبة ~~فالجواب فيها وفي أولادها أنها ترد مكاتبة على حالها ؛ لأن المكاتبة لا ~~تملك بالأسر ، وأولادها أحرار بحكم الغرور وليس على الأب من العقر ولا من ~~قيمة الأولاد شيء لما قلنا ، ولمعنى آخر وهو أنه لو غرم قيمة الولد ها هنا ~~إنما يغرم لها ، وهي إنما تسعى لتحصيل الحرية لنفسها وأولادها ففي هذا ~~تحصيل بعض مقصودها ، وإن كانت أمة ، والمسألة بحالها ، فهي أم الولد لمن ~~استولدها ، وأولادها ms1047 أحرار ؛ PageV05P1848 لأنهم ملكوها بالإحراز ، وقد ~~ملكها المشتري منهم بالشراء ، فصح استيلاده ، ثم تقرر ملكه فيها بالإسلام ، ~~فكانت أم ولد له ، وإن كان المستولد ذمة للمسلمين فكذلك الجواب إلا أنها ~~تخرج إلى العتق بالسعاية ؛ لأنها مسلمة ، والمسلمة لا تترك في ملك الذمي ، ~~وقد تعذر إخراجها من ملكه بالبيع لأجل الاستيلاد ، فيجب إخراجها من ملكه ~~بطريق الاستسعاء في قيمتها والحكم في المرتدين إذا غلبوا على دارهم ، وفي ~~أهل الذمة إذا نقضوا العهد وغلبوا على دارهم ، بمنزلة الحكم في أهل الحرب ~~في جميع ما ذكرنا ، وكذلك الحكم في أهل البغي ، إذا كانوا سبوا من أهل ~~العدل في جميع هذه الفصول على ما ذكرنا ؛ لأن التأويل الفاسد في حق أهل ~~البغي إذا انضم إلى المنعة كان بمنزلة التأويل الصحيح في الحكم ، والأصل ~~فيه حديث الزهري قال : وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، كانوا متوافرين ، فاتفقوا على أنه لا قود في دم استحل بتأويل القرآن ~~، ولا حد في فرج استحل بتأويل القرآن ، ولا ضمان في مال استحل بتأويل ~~القرآن ، إلا أن يوجد الشيء بعينه فيرد على أهله ولهذا قلنا ها هنا : إذا ~~كانت المسبية أمة وجب ردها على مولاها إذا تاب أهل البغي بخلاف ما سبق ~~PageV05P1849 لأنهم ما ملكوها ولم تصر هي أم ولد لمن استولدها ، وأهل الحرب ~~ملكوها بالإحراز فصارت أم ولد لمن استولدها ، ولو أن قوما من لصوص المسلمين ~~غير المتأولين أخذوا النساء ، والمسألة بحالها ، فنقول : لا حكم للمنعة إذا ~~تجدرت عن التأويل ، كما لا حكم للتأويل إذا تجرد عن المنعة ، فالواطىء بهذا ~~الطريق يكون زانيا ، مستوجبا للحدود ، ولا يثبت نسب الولد منه أصلا بظاهر ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم الولد يكون ~~تبعا للأم على صفة أمه مملوكا لمن هو مالك للأم ، بخلاف جميع ما سبق ، ~~وأوضح هذا الفرق بالاستهلاك قال : ألا ترى أنهم لو استهلكوا الأموال ها هنا ~~كانوا ضامنين ، بخلاف ما سبق ذكره ، وقد ذكر بعد هذا باب قد استقصينا شرحه ms1048 ~~مما أمليناه من شرح الزيادات والله أعلم . PageV05P1850 # | باب الحدود في دار الحرب # قال - رحمه الله تعالى - : قد بينا في المبسوط ، أن المسلم إذا ارتكب ~~شيئا من الأسباب الموجبة للعقوبة في دار الحرب ، فإنه لا يكون به مستوجبا ~~للعقوبة ، لانعدام المستوفي فإنه لم يكن تحت ولاية الإمام حين باشر ذلك ، ~~ولو ارتكب ذلك في العسكر فليس لأمير السرية أن يقيم عليه الحد أيضا ؛ لأنه ~~لم يفوض إليه إقامة الحدود ، وإنما فوض إليه تدبير الحرب ، إلا أن يكون ~~الخليفة غزا بنفسه ، أو أمير العراق ، فحينئذ له أن يقيم الحد في عسكره ، ~~كما يقيم في دار الإسلام واستدل على أنه لا يقام الحد في دار الحرب ، بحديث ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإنه كتب إلى عماله ألا يجلدن أمير الجيش ~~ولا سرية أحدا حتى يخرج إلى الدرب قافلا ، لئلا يلحقه حمية الشيطان فيلتحق ~~بالكفار ، وهكذا نقل عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أنه كان ينهى ~~أن تقام الحدود على المسلمين في أرض العدو PageV05P1851 مخافة أن تلحقهم ~~الحمية فيلحقوا بالكفار ، فإن تابوا تاب الله عليهم ، وإلا كان الله تعالى ~~من ورائهم ، ثم ذكر عن عطية ابن قيس الكلابي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : إذا هرب الرجل ، وقد قتل أو زنا أو سرق ، إلى العدو ثم أخذ ~~أمانا على نفسه ، فإنه يقام عليه ما فر منه ، وإذا قتل في أرض العدو أو زنا ~~أو سرق ثم أخذ أمانا لم يقم عليه شيء مما أحدث في أرض العدو ؛ فهو الأصل ~~لعلمائنا - رحمهم الله تعالى - في اعتبار المواضع التي يرتكب فيها السبب ~~الموجب للحد ، وقد بينا في المبسوط أن المستأمن في دارنا إذا ارتكب شيئا من ~~الأسباب الموجبة للعقوبة فإنه لا يقام عليه إلا ما فيه حق العباد من قصاص ، ~~أو حد قذف ، وقول أبي يوسف - رحمه الله - في ذلك معروف أنه يقام ذلك كله ~~عليه إلا حد الخمر كما في حق أهل الذمة والله أعلم . PageV05P1852 # | باب ما يجب من النصرة للمستأمنين ms1049 وأهل الذمة # قال الشيخ الإمام : - رحمه الله تعالى - : الأصل أنه يجب على إمام ~~المسلمين أن ينصر المستأمنين ما داموا في دارنا ، وأن ينصفهم ممن يظلمهم ، ~~كما يجب عليه ذلك في حق أهل الذمة ؛ لأنهم تحت ولايته ، ما داموا في دار ~~الإسلام ، فكان حكمهم كحكم أهل الذمة ، إلا أنه لا يجب القصاص على الذمي ~~بقتل المستأمن ، ولا على المسلم لانعدام المساواة بينهما في حق صفة الحقن ~~وعليه يبتنى حكم القصاص فأما المستأمن إذا قتل مستأمنا في دارنا فعليه ~~القصاص ، ويستوفيه وارث المقتول إذا كان معه ، وكذلك إذا قطع طرفه فعليه ~~القصاص لوجود المساواة بينهما في صفة الحقن . فإن قيل : فقد بقي في دم ~~المستأمن شبهة الإباحة ، لأنه محارب ممكن من الرجوع إلى دار الحرب ، وذلك ~~مانع من وجوب القصاص عليه بقتله على كل PageV05P1853 حال ، قلنا : لا كذلك ~~فإن هذه الشبهة إنما تظهر في حق من يعتقد ذلك لا في حق من لا يعتقده ، وكما ~~أن معنى المحاربة مبيح فنفس الكفر مهدر ، بدليل أن النساء والصبيان من أهل ~~الحرب لا يضمن قاتلهم شيئا من كفارة ولا دية لوجود المهدر ، ثم الذمي إذا ~~قتل ذميا يلزمه القصاص بالاتفاق ؛ لأنه لا يعتقد كون كفره مهدرا ، فلم يورث ~~ذلك شبهة في حقه ، فكذلك معنى المحاربة فيما بين المستأمنين لا يورث شبهة ، ~~ولكن لتحقق المساواة بينهما في صفة الحقن يجب القصاص على بعضهم بقتل البعض ~~، سواء كانوا من أهل دار واحدة أو من أهل دارين ، لأن وجوب القصاص باعتبار ~~أن على إمام المسلمين نصرتهم ما داموا في دارنا وفي هذا لا فرق بين أن ~~يكونوا من أهل دار واحدة أو من أهل دارين ، ولو كانوا أهل منعة دخلوا إلينا ~~بأمان ليجتازوا إلى أرض أخرى فيقاتلوا أهلها ، ثم أغار عليهم في دار ~~الإسلام أهل حرب آخرين فأسروهم فليس علينا نصرتهم وإن قدرنا على ذلك بخلاف ~~أهل الذمة ؛ لأن أهل الذمة صاروا منا دارا ، وقد التزموا حكم الإسلام فيما ~~يرجع إلى المعاملات ، فيجب على الإمام نصرتهم ، كما يجب ms1050 عليه نصرة المسلمين ~~، فأما المستأمنون فهم من أهل دار الحرب ، إلا أنهم للحال في دارنا بأمان ، ~~وإنما يجب علينا نصرتهم PageV05P1854 ودفع ظلم من هو من أهل دارنا عنهم ، ~~والذين ظلموهم هناك ليسوا من أهل دارنا ولا تحت ولايتنا ، فلا يجب علينا ~~دفع ظلمهم عنهم ؛ وهذا لأن لدار الإسلام دارا معادية وهي دار الحرب فمن هو ~~من أهل دار الإسلام إنما يتمكن من المقام فيها بدفع ظلم أهل دار المعادية ~~عنه ، فأما من ليس من أهل دارنا فهو إنما دخل دارنا مجتازا أو ليقضي حاجته ~~، ثم ليعود إلى داره ، ففي تحصيل هذا المقصود لا حاجة إلى دفع ظلم أهل دار ~~المعادية عنه وإنما تتحقق الحاجة إلى دفع ظلم من في دارنا عنه وما يثبت من ~~الحكم باعتبار الحاجة فثبوته بحسب الحاجة ، والدليل على الفرق أن الذين ~~ظهروا على المستأمنين فأحرزوهم بدارهم لو أسلموا كانوا عبيدا لهم والذين ~~ظهروا على أهل الذمة وأحرزوهم لو أسلموا كانوا أحرارا ، وكذلك لو ظهرنا ~~عليهم مما أخذوا من المستأمنين فيكون لنا تملكهم عليهم بالإحراز ، ولا يملك ~~أهل الذمة عليهم بالإحراز بل يكونون أحرارا نرد عليهم أموالهم قبل القسمة ~~بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة ؛ فعرفنا أن أهل الذمة في وجوب القيام ~~بنصرتهم كالمسلمين بخلاف المستأمنين ، والذي يقرر ما قتلنا أن الذين ظهروا ~~على أهل الذمة PageV05P1855 لو مروا بأهل منعة من المسلمين في دار الحرب ~~كان عليهم أن يقوموا باستنقاذ أهل الذمة من أيديهم ، لا يسعهم إلا ذلك ، ~~بمنزلة ما لو وقع الظهور على المسلمين ، ولو كانا إنما ظهروا على ~~المستأمنين في دارنا ثم مروا بهم على قوم ممتنعين من المسلمين في دار الحرب ~~لم يكن عليهم القيام باستنقاذهم من أيديهم ، ولو كانوا في أمان من أهل ~~الحرب لم يكن لهم أن ينقضوا العهد لاستنقاذ المستأمنين من أيديهم ، بخلاف ~~أهل الذمة ، فهناك عليهم أن ينقضوا العهد ويقاتلوا عن ذراري أهل الذمة ، ~~كما يقاتلون عن ذراري المسلمين وإنما حال المستأمنين في دارنا كحال ~~الموادعين ولو أن الإمام وادع أهل ms1051 بلدة من أهل الحرب بمال أو بغير مال ثم ~~قصدهم مسلم أو ذمي بظلم فعلى الإمام دفع ذلك عنهم ولو أغار عليهم قوم من ~~أهل الحرب لم يكن على إيمان المسلمين أن يدفع ظلمهم عنهم فبه يتضح ما ذكرنا ~~من الفرق بين الموادعين وبين المستأمنين في دارنا في فصل وهو أنه : لو قتل ~~رجل من الموادعين رجلا منهم في دار PageV05P1856 الموادعة لم يكن عليه ~~القصاص ، ولو قتل المستأمن مستأمنا في دارنا يجب عليه القصاص ؛ لأن أهل دار ~~الموادعة ما لزموا شيئا من حكم الإسلام ، فإنهم وادعونا على ألا تجري عليهم ~~أحكامنا ، فكانت دارهم دار حرب على حالها ، والقتل في دار الحرب ليس بموجب ~~للقصاص ، فأما المستأمنون فهم في دار الإسلام وحكم الإسلام يجري عليهم ما ~~داموا في دارنا فيما فيه حق العباد والقصاص بهذه الصفة ، قال : ولو أن قوما ~~من أهل الحرب لهم منعة دخلوا دارنا بأمان فشرطوا علينا أن نمنعهم مما نمنع ~~منه المسلمين وأهل الذمة فعلينا الوفاء لهم بهذا الشرط ، حتى إذا أغار ~~عليهم أهل الحرب فعلينا القيام بدفع الظلم عنهم لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~المؤمنون عند شروطهم ؛ وهذا لأن الالتزام بسبب الأمان التزام بالشرط ، ~~فينظر إلى الشرط كيف كان ، وكذلك لو وادعونا على مال معلوم بهذا الشرط فعلى ~~الإمام أن يفي لهم بالمشروط عليهم إن قجر على ذلك وإن لم يقدر عليه فليس له ~~أن يطالبهم بشيء من مال المشروط عليهم ؛ PageV05P1857 لأنهم التزموا ذلك ~~بمقابلة الحماية ، فإذا عجز عن حمايتهم لم يكن له أن يأخذ منهم شيئا من ~~المال ، كما لا يأخذ من أرباب المواشي من المسلمين الزكاة ولا يأخذ من أهل ~~الذمة الجزية والخراج إذا كان عاجزا عن حمايتهم بأن غلب عليهم أهل البغي ، ~~ولو كان المستأمنون في دارنا قوما لا منعة لهم والمسألة بحالها ، فعلى ~~الإمام أن يدفع عنهم من الظلم ما يدفعه عن أهل الذمة ، حتى إذا ظهر أهل ~~الحرب عليهم ثم ظهر عليهم المسلمون ردوهم أحرارا وإن كانوا أخذوا أموالهم ~~فوجدوا ذلك ms1052 في الغنيمة قبل القسمة يأخذونه بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة ~~بخلاف ما سبق ؛ لأن هؤلاء في منعة المسلمين ، والحرية المتأكدة بمنعة ~~المسلمين لا تنتقض بالقهر ، وكذلك المال المأخوذ ممن منعة المسلمين لا يبطل ~~حق المالك القديم عنه ، وفي الأول هم كانوا ممتنعين بمنعتهم لا بمنعة ~~المسلمين ، وقد بينا أنهم أهل حرب ، وإن كانوا في أمان منا فلم تكن حريتهم ~~متأكدة بمنعة المسلمين ، فلهذا كان الحكم فيهم ما بينا ، PageV05P1858 ولو ~~أن الذين ظهروا عليهم من أهل الحرب في هذا الفصل مروا بهم على منعة ~~للمسلمين في دار الحرب كان عليهم القيام بنصرتهم وتخليصهم من أيديهم كما في ~~حق أهل الذمة بخلاف ما سبق ، والله أعلم . PageV05P1859 170 - # | باب دخول الإمام دار الحرب مع العسكر إذا دخل معه عسكر من أهل الحرب ~~بأمان # ولو أن الإمام دخل دار الحرب مع العسكر فدخل معه عسكر من أهل الحرب له ~~منعة بأمان ، فإن كانوا دخلوا بغير أمر الإمام ، ثم قاتلهم قوم من المشركين ~~فليس على الإمام ولا عليهم نصرتهم ، إلا أن يشاءوا ذلك ؛ لأن المسلمين ~~بالأمان المطلق التزموا ترك التعرض لهم ، وما التزموا الدفع عنهم ، وإن كان ~~الإمام أمرهم أن يدخلوا لمنفعة المسلمين من القتال معهم أو التجارة أو ~~لمداواة الجرحى فعليهم نصرتهم ؛ لأنهم حين أمرهم بالدخول لمنفعة المسلمين ~~فقد التزم حفظهم على الوجه الذي يحفظ المسلمين وعليه القيام بنصرة المسلمين ~~إذا قصدهم العدو وعلى هذا قال في الفصل الأول إذا أخذهم أهل الحرب فأحرزوهم ~~ثم ظهر عليهم المسلمون كانوا فيئا وفي الفصل الثاني كانوا أحرارا على حالهم ~~، PageV05P1860 وكذلك لو أحرزوا متاعهم ثم وقع في الغنيمة لم يرد عليهم في ~~الفصل الأول ، ويرد عليهم في الفصل الثاني ، قبل القسمة بغير شيء فإن أسلم ~~أهل الحرب الذين أسروهم كانوا عبيدا لهم في الفصلين ، وهذا مشكل في الفصل ~~الثاني فإن المسلمين لو ظهروا عليهم كانوا أحرارا كما بينا ، فعلى هذا ~~ينبغي إذا أسلم الذين أخذوهم أن يكونوا أحرارا أيضا ، كما لو أسروا ~~المسلمين أو أهل الذمة ثم ms1053 أسلموا ولكن الجواب أن نقول : هذا حكم ثبت ~~باعتبار التزام الإمام فإنما يظهر في حق الإمام وفي حق من كان تحت ولايته ~~حين التزم والذين أسلموا ما كانوا تحت ولايته يومئذ ، وقد ملكوهم بالإحراز ~~فإذا أسلموا كانوا عبيدا لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من أسلم على مال ~~فهو له ، وإن لم يأمرهم الإمام بالدخول ولكنهم سألوه أن يدخلوا ليتجروا مع ~~العسكر فحالهم كحال الفريق الأول ؛ لأنهم دخلوا لمنفعة أنفسهم ، والإمام ~~بمجرد الإذن لا يكون ملتزما نصرتهم ، كما لا يكون ملتزما ذلك بمجرد الأمان ~~، والذي دخل من المسلمين دار الحرب بأمان فعليه ألا يغدر بهم ، وألا يأخذ ~~شيئا من أموالهم بغير رضاهم ؛ لأنه التزم الوفاء لهم بحسب ما يفون له ، ~~بخلاف الأسير فيهم ، ثم كما لا يجوز للمستأمن أن يقتلهم أو يأخذ مالهم بغير ~~رضاهم لا يجوز له أن يأمر الأسير بذلك ؛ PageV05P1861 لأن فعل المأمور من ~~وجه كأنه فعل الأمر ، وإن كان هذا المستأمن مفتيا فاستفتاه الأسير أيحل لي ~~أن أقتلهم وآخر مالهم ؟ فله أن يفتيه بذلك ؛ لأن في الإفتاء بيان حكم الشرع ~~، وليس فيه من معنى الأمر شيء ، وهو بعقد الأمام ما التزم الامتناع من بيان ~~أحكام الشرع ، ألا تري أن المحرم ليس له أن يقتل الصيد ، ولا أن يأمر به ~~الحلال ثم لو كان مفتيا فاستفتاه حلال من أيحل لي قتل الصيد مطلقا ؟ مكان ~~له أن يفتيه بذلك فعرفنا أن الإقتاء ليس بأمر ، ولو أن قوما من أهل الحرب ~~وادعوا المسلمين بخراج معلوم كل سنة على ألا يجري المسلمون عليهم أحكامهم ، ~~وعلى أن يمتعوهم من عدوهم ، ثم ظهر عليهم قوم من أهل الحرب فسبوا نساءهم ~~وذراريهم ثم استنقذهم المسلمون بعد ذلك ، فإن كان الاستنقاذ في سنى ~~الموادعة ردوهم أحرارا كما كانوا وإن كان بعد انقضاء سنى الموادعة كانوا ~~فيئا للمسلمين ؛ لأنهم التزموا نصرتهم في سنى الموادعة لا بعدها وعليهم ~~الوفاء بما التزموا خاصة ، وعلى هذا لو وقع الظهور على أموالهم ثم وقعت ~~PageV05P1862 في الغنيمة ، فإن كان بعد انقاضاء ms1054 سنى الموادعة لم يجب رد شيء ~~من ذلك عليهم ، وإن كان في سنى الموادعة فإن وجدوها قبل القسمة أخذوها بغير ~~شيء ، وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن أحبوا ، كما هو الحكم في ~~أموال أهل الذمة ، ولو أسلم أهل الحرب في سنى الموادعة أو بعدها لم يكن ~~عليهم رد شيء من أموالهم ولا من بذراريهم ؛ لأن حكم التزام الأمان ~~بالموادعة لم يثبت في حقهم إذا لم يكونوا تحت ولايته يؤمئذ ، ثم في كل موضع ~~ذكرنا لو أن العدو قاتلهم في سنى الموادعة وعجز الإمام عن نصرتهم فليس له ~~أن يأخذ شيئا من الخراج المشروط ولو كان أخذ كان عليه أن يرد عليهم ما ~~أعطوه إلا إن استنقذ ذلك من أيديهم في سنى الموادعة فأما إذا أسلم الذين ~~قهروهم فعلى الإمام رد ما أخذ منهم أيضا لما بينا أنه إنما أخذ الخراج على ~~النصرة ، فإذا عجز عن النصرة حسا أو حكما كان عليه ، رد ما أخذ منهم والله ~~والموفق . PageV05P1863 # | باب بيان الوقت الذي يتمكن المستأمن فيه من الرجوع إلى أهله والوقت ~~الذي لا يتمكن فيه من الرجوع # قال - رضي الله عنه - : قد بينا أن المرأة تابعة للزوج في المقام ، ~~والزوج لا يكون تابعا لامرأته ، فإذا تزوجت المستأمنة في دارنا مسلما أو ~~ذميا صارت ذمية ، لا نتمكن من الرجوع إلى دار الحرب ، بخلاف المستأمن إذا ~~تزوج ذمية وعلى هذا دخل رجل مع امرأته إلينا بأمان ثم صار الزوج ذميا فليس ~~لها أن ترجع إلى دار الحرب ، وكذلك لو أسلم وهي من أهل الكتاب ؛ لأن النكاح ~~بينهما مستقر بعد إسلامه ، بخلاف ما إذا أسلم وهي مجوسية فالنكاح ها هنا ~~غير مستقر بينهما ، فأما إذا فرق بينهما بعد عرض الإسلام عليها أو بعد مضي ~~ثلاث حيض كان لها أن ترجع إلى دار الحرب ، وبوقوع الفرقة ها هنا بمضي ثلاث ~~حيض تبين أنها لم تصر ذمية ؛ PageV05P1864 لأنها لو صارت ذمية لم تقع ~~الفرقة بإباء الإسلام ، بغير قضاء القاضي كما لو كانا ذميين في الابتداء ، ~~وعلى ms1055 هذا لو تزوج مستأمن مستأمنة في دارنا ثم صار الرجل ذميا كانت ذمية ~~مثله ؛ لأن النكاح الذي باشراه في دار الإسلام ليكون دون نكاح باشراه في ~~دار الحرب ، وكذلك لو دخل أحد الزوجين إلينا بأمان ثم تبعه صاحبه بأمان ؛ ~~لأن النكاح بينهما قائم ، فلم تتباين بهما الدار حكما ، وإن دخل أحدهما قبل ~~صاحبه بأمن فهذا وما لو دخلا معا فيما ذكرنا من التفريع سواء ، فإن كانت ~~المرأة هي التي أسلمت في جميع هذه الفصول فللزوج أن يرجع إلى دار الحرب ، ~~إلا أنها إن طالبته بالصداق فإن كان تزوجها في دار الإسلام فلها أن تمنعه ~~من الرجوع حتى يوفيها مهرها ، وإن كان تزوجها في دار الحرب فليس لها ذلك ، ~~وهذا بناء على أصل معروف أن المستأمن لا يطالب بموجب المعاملة الموجودة منه ~~في دار الحرب ، وهو مطالب بموجب المعاملة لموجودة منه في دار الإسلام ، ~~ووجوب الصداق بعقد النكاح ، فإذا كان PageV05P1865 أصل العقد في دار الحرب ~~فليس لها أن تطالبه بموجبه في دار الإسلام ؛ لأنه مستأمن على حاله ، وإن ~~كان أصل العقد في دار الإسلام كان لها أن تطالبه بموجبه في دار الإسلام ~~وتحبسه لأجله ، ولو أسلم الزوج وهي كتابية ، ثم أنكرت أصل النكاح بينهما ، ~~فأقام الزوج بينة من المسلمين أو من أهل الذمة على أصل النكاح ، أو على ~~إقرارها به ، في دار الحرب لم يلتفت إلى هذه البينة ؛ لأنها مستأمنة في ~~الظاهر ، فإنها منكرة للنكاح ، والقول قول المنكر ، وباعتبار النكاح تصير ~~ذمية ، فهذه بينة تقوم على مستأمنة لمعاملة كانت به في دار الحرب ، والقاضي ~~لا يقبل البينة في ذلك عليها ، فإن قيل : الشهود يشهدون عليها أنها قد صارت ~~ذمية لكونها تحت مسلم أو ذمي فينبغي أن يقبل القاضي البينة لإثبات هذا ~~الحكم ، قلنا : هذا الحكم إنما يثبت ضمنا بثبوت الحكم المشهود به ، وهذه ~~البينة ليست بحجة للقضاء بما هو الأصل ، وما يثبت ضمنا بثبوت الحكم المشهود ~~به ، وهذه البينة ليست بحجة للقضاء بما هو الأصل وما يثبت ضمنا للشيء ~~فثبوته بثبوت ms1056 الأصل ، وهو نظير المشتري للجارية إذا ادعى على البائع أنها ~~منكوحة فلان الغائب ، وأراد إقامة البينة ، ليقضي القاضي عليه بالرد بالعيب ~~لم يسمع القاضي منه هذه البينة ، قبل حضور الزوج لهذا المعنى ، ~~PageV05P1866 وإن أقام الزوج عليها البينة أنها أقرت بالنكاح في دار ~~الإسلام قبل القاضي بينته ، ومنعها من الرجوع إلى دار الحرب ، بمنزلة ما لو ~~أقرت به بين يدي القاضي ؛ لأنهم يشهدون بإقرار كان منها في دار الإسلام ، ~~فإن قيل : كان ينبغي ألا يقبل هذه البينة أيضا لأن السبب الملزم هو العقد ~~لا الإقرار ، وإنما كان ذلك في دار الحرب ، بمنزلة ما لو ادعى مسلم عليها ~~دينا بسبب معاملة كانت في دار الحرب ، وأقام البينة على أنها أقرت في دار ~~الإسلام بالمعاملة التي كانت بينهما في دار الحرب ، فإن القاضي لا يقبل هذه ~~البينة قلنا : الفرق بينهما ظاهر ، فإن النكاح مستدام بين الزوجين ، ومن ~~الأحكام ما يتعلق باستدامته كالنفقة ، فإنها تجب شيئا فشيئا ، فإقرارها به ~~في دار الإسلام يجعل بمنزلة ابتداء المعاملة في بعض الأحكام بخلاف المداينة ~~، ألا ترى أنها لو تزوجت بزوج آخر في دار الإسلام وأقام الزوج الأول البينة ~~على إقرارها بالنكاح له في دار الإسلام قبل أن تتزوج بالزوج الثاني ، ألم ~~يكن القاضي يفرق بينها وبين الثاني ؟ رأيت لو كانت المرأة هي التي خاصمت في ~~النفقة أو زعمت أنه طلقها ثلاثا وأقامت البينة عليه بذلك أما كان القاضي ~~يقبل منها هذه البينة ؟ هذا كله لا بد من القول به للفقه الذي بينا ، وإذا ~~أطال المستأمن المقام في دارنا يتقدم إليه الإمام في الخروج وبوقت له في ~~ذلك وقتا ولا يرهقه على وجه يؤدي إلى الإضرار به ؛ PageV05P1867 لأنه ناظر ~~من الجانبين ، فكما يمنعه من إطالة المقام بغير خراج نظرا منه للمسلمين لم ~~يرهقه في التوقيت نظرا منه للمستأمن ، فإن اشترى أرضا من أرض الخراج أو من ~~أرض العشر فزرعها فوجب عليها فيها خراج أو عشر أخذ ذلك منه وأخذ منه خراج ~~رأسه أيضا ؛ وإنما يبني هذه الفصول على ms1057 قول محمد - رحمه الله تعالى - فإن ~~عنده إذا اشترى الكافر أرضا عشرية بقيت عشرية على حالها ، ثم ظن بعض ~~أصحابنا - رحمهم الله تعالى - أنه إنما يصير ذميا باعتبار ما باشر من الصنع ~~، وهو شراء الأرض الخراجية ، فإنه دلالة الرضاء بالتزام الخراج وليس كذلك ، ~~فإن هذا الحكم في الإرث والشراء سواء ، وفي الميراث يدخل في ملكه بغير صنعه ~~شاء أو أبى ، ولكن إنما يصير ذميا إذا وجب عليه خراج أرضه بأن زرعها أو ~~تمكن من الزراعة حتى يتمكن من الرجوع إلى دار الحرب بعد شراء الأرض قبل ~~التمكن من الانتفاع بها ، وكان المعنى فيه أن خراج الرأس في حكم التبع ~~لخراج الأرض ، فإن ولاية المن للإمام بعد فتح البلدة عنوة باعتبار منفعة ~~خراج الأرض ، لا باعتبار منفعة خراج الرأس ، لأن ذلك غير مستدام ، فإنه ~~يسقط عن الذمي بموته وإسلامه ، فعرفنا أن الأصل خراجة الأرض وثبوت التبع ~~بثبوت الأصل ، فإذا لزمه خراج الأرض لزمه خراج الرأس تبعا ، فإن استأجرها ~~وأقام حتى زرعها فأخذ منه الخراج كان ذميا أيضا ، وهذا غلط بين ، فإن ~~الخراج لا يجب على المستأجر وإنما يجب على الآجر إلا أن يكون مراده خراج ~~المقاسمة ، وذلك جزء من الخراج ، بمنزلة العشر فيكون على المستأجر عند محمد ~~- رحمه الله تعالى - كالعشر ، فأما خراج الوظيفة فدارهم في ذمة الآجر تجب ~~باعتبار تمكنه من الانتفاع بالأرض . PageV05P1868 قال : وكذلك لو استأجر ~~أرضا عشرية فأقام حتى زرعها وهذا مستقيم الله ها هنا ، فإن العشر على ~~المستأجر عند محمد - رحمه الله تعالى - والعشر والخراج كل واحد منهما مئونة ~~الأرض النامية ، فكما أن بوجوب الخراج عليه يصير ذميا فكذلك بوجوب العشر ~~عليه قلنا : يصير ذميا ، ولو دخل حربي إلينا بأمان ومعه رقيق من أهل الحرب ~~فأسلموا أجبر على بيعهم ولم يترك يخرج بهم ؛ لأن حالهم في هذا لا يكون فوق ~~حال الذمي ، ولا يصير هو ذميا بإسلامهم لأن المالك لا يكون تبعا للمملوك في ~~المقام ، كما لا يكون الزوج تبعا لامرأته ، فإن قالوا : نصير ذمة للمسلمين ~~لم ms1058 يلتفت إلى ذلك ، وهذا بخلاف المرأة فإن لها أن تصير ذمة للمسلمين بدون ~~الزوج ، وفي الموضعين لا يحصل للمسلمين منفعة الخراج ، إذ لا جزية على ~~المرأة كما لا جزية على العبد ، ولكن الفرق أن المرأة حرة تستبد بمباشرة ~~العقود فتصح منها مباشرة عقد الذمة ، فأما العبد مملوك لا يقدر على شيء ، ~~فلا يصح منه مباشرة عقد الذمة ، لأنه يعتمد المراضاة قال : ولو دخل حربي مع ~~امرأته دارنا بأمان ، ومعهما أولاد صغار وكبار ، فأسلم أحدهما ، فالصغار من ~~الأولاد صاروا مسلمين تبعا للذي أسلم منهما ، وأما الكبار منهم لا يكونون ~~مسلمين ، ولهم أن يرجعوا إلى دار الحرب ، ذكورا كانوا أن إناثا ؛ ~~PageV05P1869 لأن معنى التبعية ينتهي بالبلوغ عن عقل ، ولا يكون للوالدين ~~منعهم من الرجوع إلى دار الحرب ، كما لا يكون لهما منع سائر الرابات من ذلك ~~، ولو صار أحدهما ذميا كان الصغار من الأولاد تبعا له ؛ لأن عقد الذمة فيه ~~التزام أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات والصغير في مثل هذا تبع خير ~~الوالدين ألا ترى أنهما لو كانا مجوسيين فتنصر أحدهما كان الصغير نصرانيا ~~تؤكل ذبيحته تبعا له ، فكذلك إذا قبل أحدهما الذمة كان الصغير ذميا تبعا له ~~، سواء كانت المرأة هي التي قبلت الذمة أو الرجل ، ألا ترى أنهما لو كان ~~مسلمين فارتد الزوج ولحق بالصغير دار الحرب ثم سبي لم يكن فيئا ، وجعل حرا ~~من أهل دارنا باعتبار حال أمه ، فهذا قياسه ، ولو أن غلاما صغيرا خرج به ~~أخوه أو عمه بأمان ثم أسلم الذي أخرجه أو صار ذميا فالغلام لا يكون تبعا له ~~في ذلك ، ولكن يستأنى به حتى يبلغ ، فإن شاء رجع إلى دار الحرب وإن شاء ~~التزم عقد الذمة فينا ؛ لأن الذمة خلف عن الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ~~، والصغير لا يتبع أخاه في الإسلام ، فكذلك في حكم الذمة ، وإنما أدخله من ~~أدخله بأمان وذلك يمنع صيرورته من أهل دارنا حتى يحكم له بالإسلام تبعا ~~للدار ، بخلاف الصغير إذا سبي وليس معه أحد أبويه ، PageV05P1870 ولو كان ms1059 ~~الذي أخرجه قال : أمنوني على أن أصير ذمة لكم أنا وهذا الغلام ، فأمنوه على ~~ذلك صارا ذميين ؛ لأن لمن أخرجه ولاية حفظه ، فكان له ولاية عقد الذمة عليه ~~أيضا لما فيه من محض المنفعة للصغير ، وهو بمنزلة قبول الهبة والقبض في ذلك ~~، ولو أن جد الصبي أب أبيه أدخله إلينا بأمان ثم أسلم أو صار ذميا فالجواب ~~كذلك ، سواء كان أب الصغير حيا أو ميتا ، وهذا بناء علي ما ذكر في ظاهر ~~رواية الأصول أن الصغير لا يصير مسلما بإسلام جده ، فأما على رواية الحسن ~~عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - يصير مسلما بإسلام جده ، كما يصير مسلما ~~بإسلام الأب ، وإنما يفارق الجد الأب في ظاهر الرواية في أربعة أحكام : حكم ~~الإسلام ، وحكم صدقة الفطر ، وحكم الوصية لأقرباء فلان وحكم جر الولاء ، ~~وفي رواية الحسن : الجد كالأب في الفصول كلها ، والصحيح ما ذكر في ظاهر ~~الرواية ، فإن الصغير لو صار مسلما بإسلام الجد الأدنى لصار مسلما بإسلام ~~الجد الأعلى ، فيؤدي إلى القول بلزوم حكم الردة لكل كافر ، لأنهم أولاد آدم ~~ونوح عليهما السلام ، فإن خرج بالصغير أحد أبويه مستأمنا بعد إسلام الجد ، ~~أو خرج به أخوه ، كان له أن يرده ، وليس للجد أن يمنعه من ذلك ؛ لأنه لا ~~ولاية للجد عليه باعتبار المخالفة في الدين ، فكان وجوده كعدمه ، وللأخ أن ~~يرده إلى دار الحرب كما جاء به ، PageV05P1871 ولو جاء أخوه ليأخذه فيرده ، ~~وأبوه حي ، لم يكن له عليه سبيل ، ومراده إذا كان الأب حيا مستأمنا في ~~دارنا ، لأنه لا ولاية للأخ مع قيام الأب ، وكذلك لو خرج عمه ليأخذه وأخوه ~~حي ، فالعم في حكم الولاية كالأجنبي مع الأخ ، ولو خرجت أمه لتأخذه ، وأبوه ~~حي أو قد مات وله أخ ، فإن كان الولد صغيرا لم يستغن عن أمه كان لها أن ~~تأخذه ؛ لأنها أحق بالحضانة ما لم يستغن عنها ، ولا تتمكن من ذلك إلا بأن ~~ترده إلى دار الحرب ، فإن كانت جارية فما لم تحصن كانت الأم أحق بحضانتها ~~فلها أن ms1060 تردها ، وإن كان الغلام قد استغنى فليس لأمه أن تأخذه ، والأخ أحق ~~به إذا كان الأب ميتا ؛ لأن مدة الحضانة تنتهي في حق الغلام إذا أكل أو شرب ~~وحده ، وكذلك إن حاضت الجارية فليس للأم أن ترجع بها ، ولكن الرأي إليها إن ~~شاءت رجعت وإن شاءت صارت ذمية ، فإن كانت الأم ، قد تزوجت فليس لها أن ترجع ~~بالصغير ؛ لأن هذا الحق كان لها بناء على حق الحضانة وليس لها ذلك بعد ما ~~تزوجت ، PageV05P1872 وإن أسلمت الأم أو صارت ذمية فليس لأحد من أقرباء ~~الصغير صار ملما أو ذميا تبعا لها ، فبوجود الزوج لها لا ينقطع معنى ~~التبعية ، وهو نظير ما قال إذا سبوا جميعا ثم أسلم أحد الأبوين فإن الصبي ~~يصير مسلما تبعا له ، وإن كان الذي أسلم منهما مملوكا ليس له من أمر الصغير ~~شيء فكذلك ، إذا كانت الأم ذات زوج ، ولو أن قوما من أهل الحرب دخلوا إلينا ~~بأمان ، ثم أرادوا أن يخرجوا إلى دار حرب أخرى ليكونوا معهم ، يقاتلون أهل ~~الإسلام فلا ينبغي للمسلمين أن يمكنوهم من ذلك ؛ لأنهم بالأمان التزموا ترك ~~التعرض لهم وتمكينهم من الرجوع إلى دارهم ، ففيما وراء ذلك كان لهم حق ~~المنع مما يؤدي إلى الإضرار بالمسلمين ألا ترى أنهم لو جاءوا بأسلحة من ~~دارهم فأرادوا إدخال ذلك دار حرب أخرى ، للبيع فيها كان لهم أن يمنعوا من ~~ذلك وإن كانوا لا يمنعون من الرجوع بهم إلى دارهم ، فكذلك حال المقاتلة ، ~~لأن آلة القتال في معنى الضرر دون المقاتل ، وكان المعنى فيه وهو أن بعض ~~الأسلحة قد يكثر وجوده في دار الحرب ويعز وجوده في دار حرب أخرى ، ~~PageV05P1873 فإذا حمل من دار إلى دار حتى صار موجودا في الدارين يقوى ~~الفريقان به على المسلمين ، وفيه من الضرر ما لا يخفى ، بخلاف ما إذا رجعوا ~~به إلى دارهم وإن كان الداخل واحدا أو اثنين لم يمنع من الرجوع إلى دار حرب ~~أخرى للتجارة معهم ؛ لأن بهذا القدر لا تزداد قوة أهل هذه الدار على ms1061 قتالنا ~~، بخلاف ما إذا كانوا أهل منعة ، ولو أسلم المستأمن في دارنا وله أولاد ~~صغار في دار حرب لم يكونوا مسلمين بإسلامه ، لانقطاع العصمة بتباين الدار ، ~~فإن دخل بهم عمهم بأمان صاروا مسلمين ؛ لأنهم حصلوا في دارنا بأمان ، ولهم ~~أب مسلم فينا ، فكان هذا وما لو أسلم وهم معه سواء ، وليس للذي خرج بهم أن ~~يردهم إلي دار الحرب بعد ما صاروا مسلمين ؛ لأنهم صاروا من أهل دارنا ولم ~~يبق للذي أخرجهم عليهم ولاية ، ولو كان والدهم الذي أسلم مات ثم خرج العم ~~بهم لزيارة قبره فله أن يردهم إلى دار الحرب ؛ لأن الأب إذا كان ميتا حين ~~خرج بهم فحكم الإسلام لا يلزمهم بطريق التبعية له فإن قيل : PageV05P1874 ~~ألا ترى أنه لو مات أحد الأبوين في دارنا ثم إن الآخر لحق بالصغير دار ~~الحرب مرتدا فسبي لم يكن فيئا ، وجعل مسلما من أهل دارنا تبعا للأب الميت ~~في دارنا ، فلماذا لا يجعل كذلك ها هنا ؟ قلنا : لأن الصغير كان محكوما له ~~بالإسلام هناك تبعا له قبل موته ، فيبقى ذلك الحكم بعد موته ، وها هنا ما ~~كان محكوما بإسلامه قبل موته تبعا له فلا يجوز أن يثبت له حكم الإسلام ~~ابتداء بعد موته تبعا له ، لأن الشيء إنما يقدر حكما إذا كان يتصور حقيقة ، ~~فأما إذا كان لا يتصور حقيقة فلا يجوز إثباته حكما ، ولو كان الذي أخرجهم ~~رجلا لا قرابة بينه وبينهم فأخرجهم على أنهم عبيده قاهرا لهم وصار ذمة لنا ~~، فإن كان أبوهم حيا مسلما عندنا أجبر على بيعهم ؛ لأنه صار مالكا لهم ~~بالإحراز ولكنهم صاروا مسلمين تبعا لأبيهم فيجبر الذمي على بيعهم ، وإن كان ~~الأب ميتا حين أخرجهم لم يجبر على بيعهم ، وكذلك لو كان خرج إلينا بأمان ~~إلا أن في هذا الفصل له أن يرجع بهم إلى دار الحرب إن شاء ، وعلى هذا لو ~~صار أحد الأبوين ذميا فينا والصغير في دار الحرب لم يكن ذميا تبعا له ، كما ~~لا يكون مسلما تبعا له ، فإن خرج ms1062 بالصغير عمه لزيارة أبيه لم يكن له أني ~~رجع به إلى دار الحرب إذا كان الأب حيا ؛ PageV05P1875 لأن الصغير صار ذميا ~~تبعا له بمنزلة ما لو كان معه ألا ترى أنه لو كان مجوسيا فصار كتابيا ثم ~~خرج العم بالصغير كان الصغير كتابيا تبعا لأبيه ، فكذلك يصير من أهل دارنا ~~تبعا لأبيه ، هكذا ذكر في بعض النسخ ، وفي بعض النسخ قال : له أن يرجع به ~~إلى دار الحرب وليس للأب منعه من ذلك ؛ لأن معنى التبعية يكون في حكم الدين ~~، فأما في حكم المقام في الدار يعتبر قيام ولايته عليه ، وإذا كان الصغير ~~معه حين صار ذميا فقد كانت ولايته قائمة ، فصار الصغير ذميا تبعا له ، فأما ~~إذا كان الصغير في دار الحرب حين صار هو ذميا فقد كانت ولايته قائمة ، فصار ~~الصغير ذميا تبعا له ، فأما إذا كان الصغير في دار الحرب حين صار هو ذميا ~~فقد كان هو منه كالأجنبي في حكم الولاية ، فبعد ذلك لا يصير الصبي ذميا ~~تبعا له ، لأنه لا ولاية له عليه ألا ترى أن الأم لو أسلمت ثم خرج الأب ~~بالصغير إليها صار مسلما تبعا لها ، ولم يكن له أن يرده إلى دار الحرب ، ~~ولو صارت الأم ذمية ثم خرج الأب بالصغير بأمان كان له أن يرده إلى دار ~~الحرب وكان المعنى فيه ما بينا من اعتبار معنى الولاية في التبعية في الدار ~~دون الدين ، قال : ولو خرج الأبوان إلينا ذميين ، ثم خرج العم بالصغير ~~لزيارة الأبوين ، فله أن يرده إلى دار الحرب ؛ لما بينا أنه لا ولاية ~~للأبوين عليه ها هنا ، حين صارا ذميين فكانا في حقه كسائر الأجانب ، وكذلك ~~لو كان الصغير ممن يعبر عن نفسه ، فدخل إلينا بأمان لزيارة أبويه الذميين ~~كان له أن يرجع إلى دار PageV05P1876 الحرب ، بخلاف ما إذا كانا مسلمين أو ~~أحدهما ، فإن هناك يصير مسلما تبعا للمسلم منهما ؛ لأن الذي يعبر عن نفسه ~~في حكم التبعية في الإسلام كالذي لا يعبر عن نفسه ، وبهذا تبين خطأ ms1063 من يقول ~~من أصحابنا إن الذي يعبر عن نفسه لا يصير مسلما تبعا لأبيه فقد نص ها هنا ~~على أنه يصير مسلما ويمنع من الرجوع إلى دار الحرب ، ولو كان هذا الغلام ~~إنما استأمن ليلحق بأبويه وهما ذميان كان ذميا ؛ لأن في كلامه دلالة على ~~الرضاء منه بأن يكون مثل أبويه ، وهما ذميان فكان هذا واستئمانه ليكون ذميا ~~سواء ، وهذا إذا كان عالما بحالهما ، فإن لم يعلم أنهما صارا ذميين لم يكن ~~ذميا ، لأن دلالة الرضاء منه لا تتحقق إذا لم يكن عالما بصيرورتهما ذميين ، ~~قال : ولو أسلم الحربي في دار الحرب ، وله أولاد صغار كانوا مسلمين بإسلامه ~~، فإن خرج إلينا وخلفهم كانوا مسلمين على حالهم ؛ لأن ما ثبت يكون باقيا ، ~~ما لم يوجد الدليل المزيل ، فإن البقاء لا يستدعي دليلا مبقيا ، إنما إثبات ~~الشيء ابتداء يستدعي دليلا مثبتا ، ولو لم يسلم ولكنه بعث إلى الإمام إني ~~ذمة لكم أقيم في دار الحرب ، وبعث بالخراج كل سنة ، فذلك جائز PageV05P1877 ~~وولده الصغير يكون ذميا بمنزلته لقيام ولايته عليه حيهن صار ذميا ، فإن خرج ~~إلى دار الإسلام وخلف ولده ثم استأمن عليهم مستأمن فأخرجهم قاهرا لهم أو ~~غير قاهر ، فلا سبيل له عليهم فكان الأب أحق بهم ، لما بينا أن بقاء الشيء ~~لا يستدعي دليلا مبقيا وقد كان الولد ذميا فلا يخرج من أن يكون ذميا إلا ~~بنقض العهد ، ولم يوجد ذلك منه ، والذمي لا يملك بالقهر ، فلهذا كان الأب ~~أحق بولده في الوجهين جميعا ، ولو أن الأب حين أسلم فينا رجع إلى دار الحرب ~~فكان مع الصغار من أولاده حتى ظهر المسلمون على الدار كانوا مسلمين لا سبيل ~~عليهم ، وكذلك إن صار ذميا ثم رجع إلى دار الحرب ؛ لأنه لما حصل معهم في ~~دار الحرب كان حاله كحال ما لو كان معهم حين أسلم أو صار ذميا ، فإن ~~الاستدامة فيما يستلم كالإنشاء ، قال : وإن وادع المسلمون أهل تلك الدار ~~فدخل إليهم ليأخذ أولاده فمنعوه لم يكن الأولاد معاهدين ولا ذمة بأبيهم ms1064 في ~~هذا الفصل ؛ لأنه لم يثبت له عليهم ولاية بهذا الدخول ، فإن الموادعين لا ~~يجري عليهم أحكام الإسلام ، وقد حالوا بينه وبين الولد ، وذلك يمنع ثبوت ~~ولايته PageV05P1878 عليهم ، فكان هذا وما لو لم يدخل إليهم سواء ، بخلاف ~~ما إذا لم يحولوا بينهم وبينه ، وهذا لأن دار الحرب ليست بدار أحكام فإنما ~~يعتبر تمكنه من أخذهم حسا ، وذلك يوجد إذا لم يحولوا بينهم وبينه ، ينعدم ~~إذا حالوا وها هنا قد حالوا بينه وبين الأولاد ، والله الموفق . | ~~PageV05P1879 # | باب معاملة المسلم المستأمن مع أهل الحرب في دار الحرب # ولو أن مستأمنا في دار الحرب اشترى من حربي عبدا بثمن معلوم ، وتقابضا ، ~~ثم أسلموا أو صاروا ذمة ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا ، فإن القاضي لا يسمع ~~الخصومة في ذلك في الرد ، ولا في الرجوع بنقصان العيب ، بعد تعذر الرد سواء ~~كان المشتري هو المسلم أو الحربي ؛ لأن هذه خيانة وتدليس كانت في دار الحرب ~~، والإسلام يجب ما قبله ، إلا أنه إن كان المسلم هو الذي باع فإنه يفتى ~~فيما بينه وبين الله تعالى بأن يطلب رضاء خصمه ، وإن كان الحربي هو الذي ~~باع فليس عليه ذلك ، وهو نظير ما لو أخذ أحدهما مالا من صاحبه بغير رضاه ~~فاستهلكه أو لم يستهلكه ، أو أودع أحدهما صاحبه مالا فأنفقه ، وهناك إن كان ~~بجناية فإنه يفتى بطلب رضاء الخصم ، ولا يجبر عليه في الحكم ؛ لأنه غدر ~~بأمان نفسه خاصة ، PageV05P1880 وإن كانت الجناية من الحربي لم يكن عليه ~~ذلك ؛ لأنه لم يكن ملتزما حكم الإسلام ، حين اكتسب سبب هذه الجناية وعلى ~~هذا لو تبايعا عبدا بجارية وتقابضا ، ثم أقام أحد المملوكين البينة أنه حر ~~مسلم بعد إسلام الحربي ، أو استحقه مسلم لإقامته البينة على أنه مدبره أو ~~مكاتبه ، فإن الآخر لا يجبر على رد المملوك الذي قبضه ، ولكن إن كان الآخر ~~هو المسلم في الأصل يفتي بالرد وإن كان هو الحربي فليس عليه ذلك ، فإن لم ~~يرده المسلم بعد ما أفتى به ولكنه أراد بيعه فإنه يكره للمسلمين ms1065 أن يشتروا ~~ذلك منه ، لأنه ملك خبيث له ، بمنزلة المشتري شراء فاسدا إذا أراد بيع ~~المشتري بعد القبض ، يكره شراؤه منه وإن كان مالكا ينفذ فيه بيعه وعتقه ~~لأنه ملك حصل له بسبب حرام شرعا ، ولو كان الذي عاملهم بهذا مسلما ، كان ~~أسيرا فيهم أو كان أسلم فيهم ، والمسألة بحالها يؤمر بالرد بطريق الفتوى ؛ ~~لأنه لم يكن بينه وبينهم أمان خاص ولا عام حتى يكون هذا غدرا منه ، ولو ~~كانت المبايعة بين مستأمن فيهم وحربي منهم ، بشرط الخيار لأحدهما ثلاثة ~~أيام ، ثم اسلم الحربي قبل مضي مدة الخيار ، فلمن له الخيار أن ينقض البيع ~~ويرج ما أخذ ويأخذ ما أعطى ؛ PageV05P1881 لأن حالهما بعد إسلامه كحالهما ~~قبله ، ومن له الخيار ينفرد بالفسخ كما ينفرد بالإجازة من غير أن يحتاج فيه ~~إلى قضاء أو رضاء ، فكما أن إجارته بعد إسلامه يجعل كإجارته قبل إسلامه ، ~~فكذلك فسخه ، وكذلك لو كان للمشتري منهما خيار رؤية ؛ لأنه ينفرد بالفسخ ~~بحكم هذا الخيار ، ومن غير رضاء أو قضاء ، وكذلك لو وجد بالمشتري عيبا قبل ~~أن يقبضه ؛ لأن قبل القبض المشتري ينفرد بالرد بالعيب من غير قضاء ولا رضاء ~~لانعدام تمام الصفقة ، ثم بعد فسخ البيع قد بقي ملك أحدهما في يد صاحبه ، ~~وقد كان سلمه إليه طوعا ، فكان له أن يسترده بمنزلة ما لو أودع أحدهما ~~صاحبه مالا ثم أسلم الحربي والوديعة قائمة بعينها ، بخلاف ما سبق فإن الرد ~~بالعيب بعد القبض لا يكون إلا برضاء أو قضاء ، لتمام الصفقة بالقبض ، ~~والقاضي لا يقضي بشيء ها هنا بينهما ، لأن الخيانة التي جرت بينهما بمنزلة ~~مال استهلكه أحدهما على صاحبه قبل إسلام الحربي ، ولو لم يسلم الحربي ولكن ~~خرج إلينا بأمان ثم اختصما فيما جرى بينهما ، فإن القاضي لا يقضي بينهما ~~بشيء من نقض بيع ولا غيره ؛ PageV05P1882 لأن هذه معاملة جرت بينهما في دار ~~الحرب ، والحربي ما التزم حكم الإسلام مطلقا حين دخل إلينا بأمان ، وفي ~~مثله القاضي لا يسمع الخصومة ، بخلاف ما إذا أسلم أو صار ms1066 ذميا ؛ لأنه التزم ~~أحكام الإسلام في المعاملات مطلقا ، وكذلك لو كانت هذه المعاملة بين ~~الحربين ، ثم دخلا إلينا بأمان ، فخاصم فيه أحدهما صاحبه ، لم يسمع القاضي ~~خصومته ، بخلاف ما إذا أسلما أو صارا ذمة وهو نظير ما لو أقرض أحدهما صاحبه ~~مالا أو دابة ثم خرجا إلينا بأمان ، فإن القاضي لا يسمع الخصومة بينهما ، ~~في ذلك بخلاف ما إذا أسلما أو صارا ذمة ، إلا أن في جميع هذه الوجوه إذا لم ~~يسمع القاضي الخصومة فيما كان مستهلكا بعد الإسلام ، فإن كانت المعاملة بين ~~حربيين لا يفتي الخائن منهما بطلب رضاء الخصم أيضا ، فإن كانت بين مسلم ~~وحربي أفتي المسلم فيما بينه وبين ربه بأن يرضي خصمه من غير أن يجبر عليه ~~في الحكم ؛ لأنه غدر بأمان نفسه ، قال : ولو كانا مسلمين في دار الحرب ~~بأمان فعامل PageV05P1883 أحدهما صاحبه ، فهذا وما لو كانت المعاملة بينهما ~~في دار الإسلام على السواء ؛ لأن المسلم ملتزم بحكم الإسلام حيثما يكون ، ~~ومال كل واحد منهما مال معصوم متقوم في حق صاحبه ، لبقاء الأحراز فيه حكما ~~، وإن كان دخل إليهم بأمان ، فلهذا كان حالهما في دار الحرب كحالهما في دار ~~الإسلام ، في كل معاملة تجري بينهما ، إلا في خصال ثلاث ، إن قتل أحدهما ~~صاحبه عمدا لم يجب على القاتل قصاص ، لقيام الشبهة بكونهما في دار الإباحة ~~ولأنه يتمكن من استيفاء القصاص بقوت نفسه عادة ، والقاتل ليس في يد الإمام ~~لنعينه على استيفاء القصاص ، فلا يجب القصاص ولكن تجب الدية في ماله ، ~~وكذلك إن قتله خطأ لأن التعاقل باعتبار التناصر ولا تناصر بين من في دار ~~الحرب وبين من في دار الإسلام ، فلهذا لا يكون على عاقلته من الدية شيء ~~وكذلك إن ارتكب أحدهما شيئا موجبا للحد لم يلزمه الحد ، لأنه لم يكن به ~~ملتزما الحد ، فأما فيما سوى هذه الثلاثة حال المستأمن في دار الحرب كحاله ~~في دار الإسلام ، وفي الأسيرين كذلك الجواب عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما ~~الله تعالى - وفي وقل أبي حنيفة - رضي الله ms1067 تعالى عنه - لا تجب الدية على ~~القاتل ها هنا ، وحال الأسيرين عنده كحال حربيين أسلما في دار الحرب ثم قتل ~~أحدهما صاحبه قبل الخروج إلى دار الإسلام وقد بينا هذا في كتاب الديات في ~~شرح المختصر ، PageV05P1884 وعلى هذا لو استهلك أحدهما مال صاحبه ففي ~~اللذين أسلما في دار الحرب لا ضمان على المستهلك بالاتفاق ، وإن كان آثما ~~في الاستهلاك ، وفي المستأمن هو ضامن بالاتفاق وفي الأسيرين خلاف كما بينا ~~، وهذا لأن وجوب الضمان بالإحراز والتقوم ، وذلك يكون بالدار لا بالدين ~~فالعصمة بسب الدين إنما تثبت في حق من يعتقد لا في حق من لا يعتقد ، وتمام ~~الإحراز يكون بما يظهر حسا في حق من يعتقد وفي حق من لا يعتقد وذلك إنما ~~يكون بالدار ، فلهذا كان الحكم فيه على ما ذكرنا ، قال : ولو غصب أحدهما من ~~صاحبه مالا ولم يستهلكه حتى خرجا إلينا ، فإن القاضي يقضي على الغاصب برد ~~المغصوب سواء كانا مستأمنين أو أسيرين أو رجلين أسلما في دار الحر ؛ لأن ~~صاحب المال وجد عين ماله في يد الآخر ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ~~من وجد عين ماله فهو أحق به ولأن الغاصب منهما إنما أخذ مال صاحبه بطريق ~~القهر ، ومال المسلم لا يكون غنيمة للمسلم ، وهو نظير أهل العدل مع أهل ~~البغي إذا اقتتلوا ثم أخذ أحدهما مال صاحبه ، فإنه يجبر على الرد بعد ما ~~وضعت الحرب أوزارها ، إذا كان المال قائما بعينه ، وإذا كان مستهلكا لم يكن ~~المستهلك ضامنا له للمعنى الذي ذكرنا ، فهذا مثله ، وهو بخلاف المستأمن ~~فيهم ، إذا غصب مالا من حربي ثم أسلم الحربي ، ووجد ماله قائما بعينه في يد ~~المسلم ، PageV05P1885 فإن القاضي لا يجبره على الرد في الحكم ، ولكن يفتيه ~~بذلك فيما بينه وبين الله - تعالى - ويقول : اتق الله تعالى ورد ما أخذت ؛ ~~لأن مال الحربي هناك محل التملك بالقهر حين أخذه المسلم ، لكن كان عليه ~~التحرز عن الغدر للأمان الذي بينه وبينهم ، فإنما غدر بأمان نفسه خاصة ، ~~فلهذا يأمره بالرد ms1068 على سبيل الفتوى ولا يجبره عليه في الحكم ، ولو أن حربيا ~~أسلم في دار الحرب ، ثم باع من مسلم مستأمن عبدا أو اشترى منه عبدا بثمن ~~معلوم وتقابضا ، ثم خرجا إلى دار الإسلام ، ثم وجد المشتري بالمشتري عيبا ~~أو استحق من يده بجزية أو غيرها ، فإن القاضي يقضي على صاحبه برد الثمن إن ~~كان قائما بعينه في يده ، وإن استهلكه لم يضمنه شيئا في الحكم ، وكذلك إن ~~كانا تبايعا عرضا بعرض فاستحق أحدهما والعرض الآخر قائم بعينه ، فإن القاضي ~~يقضي برده ، ولو كان مستهلكا لم يضمن المستهلك شيئا ؛ لأن هذه جناية مرت ~~بينهما في دار الحرب وقد كانا مسلمين يومئذ ، إلا أن الذي أسلم منهما في ~~دار الحرب كان ماله معصوما في الأثام دون الأحكام ، فقلنا : فيما إذ كان ~~قائما بعينه ، القاضي يقضي بالرد ، وفيما كان مستهلكا لا يقضي PageV05P1886 ~~بشيء بمنزلة ما لو كانا مسلمين تبايعا بعد ما أسلما قبل أن يخرجا إلى دار ~~الإسلام ، وهذا لأنه لما ثبت هذا الحكم في حق الذي أسلم منهما ثبت في حق ~~الآخر أيضا لوجوب التسوية بين الخصمين شرعا ، قال : ولو أن مسلما مستأمنا ~~فيهم اشترى مملوكا منهم بقيمته فالبيع فاسد بجهالة الثمن ، كما لو كانت هذه ~~المبايعة في دار الإسلام ، وهذا لأن المستأمن فيهم إنما يتمكن من أخذ مالهم ~~بطيب أنفسهم ، وعليه يبني أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - حكم عقد الربا ~~فيما بينه وبين الحربي وأما فيما سوى ذلك فالمعاملة في دار الحرب ودار ~~الإسلام ، سواء في حق المسلم ؛ لأنه ملتزم حكم الإسلام حيثما يكون ، فإن ~~قبض المشتري العبد وأعطى القيمة ، ثم خرج الحربي مسلما أو ذميا ، فأراد ~~أحدهما نقض البيع ، فإن القاضي لا يسمع الخصومة في ذلك ؛ لأنهما تقابضا ~~بالتراضي على وجه التمليك والتملك ، فتم الملك في البيع لكل واحد منهما ~~بطريق التعاطي ، وإن كان أصل البيع فاسدا ، ولو كان المشتري منهما قبض ~~المملوك ، ولم يدفع القيمة حتى أسلم الحربي فإن القاضي يقضي برد المملوك ~~على البائع ؛ PageV05P1887 لأن المعاملة ما ms1069 انتهت ها هنا بالتقابض ، ~~والمشتري إنما أخذ العبد على أن يعطي صاحبه ثمنه ، وهو لا يتمكن من ذلك ~~للجهالة المتفاحشة في القيمة فكان عليه رد ما أخذ منه ، ولو دخل الحربي ~~إلينا بأمان لم يسمع القاضي الخصومة في ذلك ؛ لأن أصل المعاملة كانت في دار ~~الحرب ، والمستأمن مال التزم أحكام الإسلام مطلقا ، بخلاف ما إذا أسلم أو ~~صار ذمة ، وعلى هذا لو تبايعا عبدا بأرطال من خمر وتقابضا ، ثم أسلم الحربي ~~، فإن القاضي لا ينقض شيئا من بيعهما ؛ لانتهاء المعاملة بالتقابض ، وتمام ~~الملك في العبد المشتري للمشتري بالقبض ، وإن قبض المشتري العبد ، ولم يعط ~~صاحبه الخمر حتى أسلم الحربي فإن القاضي ينقض البيع ، ويرد العبد إلى ~~البائع ، لقيام حكم المعاملة بينهما ، وعجز المشتري عن تسليم الثمن بعد ~~إسلام الحربي منهما ، والإجارة قياس البيع في ذلك حتى إذا استأجر أحدهما ~~صاحبه شهرا لعمل معلوم بأجر معلوم أو بخمر ، فإن عمل له ذلك ثم أسلم الحربي ~~قبل إيفاء الأجر فعلى المستأجر أجر المثل للعامل فيما عمله له ، وإن كانا ~~تقابضا PageV05P1888 لم يكن على المستأجر شيء ، للفقه الذي ذكرنا ، فإن كان ~~المشتري هلك في يد المشتري أو استهلكه ، ثم أسلم الحربي قبل قبض الثمن ، ~~فعلى المشتري قيمة المشتري للبائع ؛ لأنه أخذه على أن يعطيه ثمنا ، ولم يكن ~~أخذه بطريق الغصب والخيانة ، فلهذا كان المقبوض مضمونا عليه بالقيمة عند ~~تعذر رد العين بخلاف ما إذا اشتراه بميتة أو دم ، وقبض المشتري ولم يعطه ما ~~شرط حتى أسلم الحربي ، فإن المشتري يسلم للقابض منهما ، ولا يلزمه رد شيء ~~من عينه ولا قيمته ؛ لأن هذا لم يكن بيعا بينهما فالبيع يستدعي المالية في ~~البدلين ، والميتة ليس فيها شبهة المالية ، وإنما ملك أحدهما صاحبه مالا ~~بغير عوض ، فكان هذا والموهوب سواء في الحكم ، ولو كانت المبايعة بين مسلم ~~مستأمن فيهم وبين رجل أسلم من أهل الحرب ، والمسألة بحالها ، فإن أقاض ينقض ~~ما بينهما من البيوع الفاسدة ، ويكون حالهما في ذلك كحال المستأمنين ، وهذا ~~قول محمد - رحمه الله ms1070 تعالى - ، فأما عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ~~فيما يجب فيه ضمان القيمة ينبغي أن يكون حالهما كحال ما لو جرت المعاملة ~~بين المسلم والحربي ، بمنزلة عقد الربا إذا جرى بين هذين ، فإن الحكم فيه ~~عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - كالحكم فيما إذا جرى بين المسلم والحربي ~~PageV05P1889 ولو جرت هذه المعاملة بين الحربيين ثم أسلما أو صارا ذمة كان ~~الحكم فيه كالحكم فيما إذا جرى بين مسلم وحربي ؛ لأنهما ما كانا ملتزمين ~~حكم الإسلام حين جرت المعاملة بينهما ، قال : ولو دخل عسكر من المشركين دار ~~الإسلام ثم دخل إليهم مسلم بأمان ، فعاملهم بهذه الصفة ، كان هذا وما لو ~~كان مستأمنا في دار الحرب حين عاملهم سواء ؛ لأن العسكر إذا كانوا أهل منعة ~~فحكم الإسلام لا يجري في معسكرهم كما لا يجري في دار الحرب ، وبناء هذه ~~الأجوبة على الحكم فيما إذا كان الحكم حكم الكفر في الموضع الذي جرت ~~المعاملة فيه ، وإذا كان الحكم حكم المسلمين فإنه لا يجوز من المعاملة في ~~ذلك الموضع إلا ما يجوز في دار الإسلام ألا تبرى أن عسكر المسلمين لو دخلوا ~~دار الحرب ، ثم جرت هذه المعاملة في المعسكر فإن حكمها وحكم ما لو جرت في ~~دار الإسلام سواء ألا ترى أنه لو قتل رجل رجلا في المعسكر عمدا وجب عليه ~~القصاص بمنزلة ما لو قتله في دار الإسلام ، فعرفنا أن المعتبر جريان الحكم ~~في ذلك الموضع وإذا ظهر هذا في حكم القتل ، فكذلك في حق المعاملات والله ~~الموفق . PageV05P1890 # | باب من يجب على المسلمين نصرتهم وما لا يكون فيئا إذا أخذ من دارنا أو ~~من غيرها # ولو أن قوما من أهل الحرب ، لا منعة لهم ، دخلوا إلينا بأمان فأغار أهل ~~دار حرب أخرى على دار الإسلام وأصابوا أولئك المستأمنين فأحرزوهم بدارهم ، ~~واستعبدوهم ثم ظفر المسلمون عليهم ، فعليهم تخلية سبيل المستأمنين ؛ لأنهم ~~سبوا من دار الإسلام ، وقد كانوا في حكم أهل الإسلام ، حين سبوا والحرية لا ~~تبطل بمثل هذا السبي ، ثم قد بينا ms1071 أن المستأمنين فينا إذا لم يكونوا أهل ~~منعة فحالهم كحال أهل الذمة في وجوب نصرتهم على أمير المسلمين ودفع الظلم ~~عنهم ؛ لأنهم تحت ولايته ألا ترى أنه كان يجب على الإمام والمسلمين اتباعهم ~~لاستنقاذهم من أيدي المشركين الذين قهروهم ، ما لم يدخلوا حصونهم ومدائنهم ~~، كما يجب عليهم ذلك إذا وقع الظهور على المسلمين أو على أهل الذمة ، وبهذا ~~تبين أيضا وجوب تخلية سبيلهم إذا أصبناهم ، فهل رأيت قوما يجب على المسلمين ~~نصرتهم إذا أخذوهم كانوا فيئا لهم ، هذا مما لا يجوز القول به ، ~~PageV05P1891 وكذلك لو أن هؤلاء المستأمنين كانوا من أهل دار الموادعة ~~دخلوا إلينا بتلك الموادعة ؛ لأن تلك الموادعة توجب الأمان لهم في دارنا ، ~~فكانوا بمنزلة المستأمنين في وجوب نصرتهم ، وعلى هذا لو أسلم أهل الدار ~~الذين أسروهم فإن الإمام يحكم عليهم بأن ، يخلوا سبيلهم ، فيكونوا أحرارا ~~على ما كانوا عليه قبل أن يسبوا ، سواء كانت مدة الموادعة قائمة أو قد ~~انقضت ؛ لأنهم حين كانوا في دارنا بأمان ولا منعة لهم فحالهم كحال أهل ~~الذمة في وجوب نصرتهم ، وأهل الحرب لا يملكونهم بالسبي لتأكد حريتهم بدار ~~الإسلام فإذا أسلموا كان عليهم تخلية سبيلهم ، وكذلك لو لم يسلموا ، ولكن ~~دخل إليهم مسلم بأمان فاشتراهم بمال أو فداهم ، كان هذا وما لو فدى الحر ~~المسلم أو الذمي الأسير بماله في جميع ما ذكرنا سواء ، وكذلك لو أن الذين ~~أسروهم خرجوا إلينا بأمان ، ومعهم بعض هؤلاء الأسراء فإنهم يؤخذون من مجانا ~~؛ لأنه ظالم في حبسهم ، وحالهم في ذلك كحال أهل الذمة ، إذ لا يجوز إعطاء ~~الأمان علي التقرير على الظلم بحبس الحر المأسور ، ولو كان في المستأمنين ~~المأسورين عبد مملوك PageV05P1892 والمسألة بحالها لم يجبر المستأمن الذي ~~أسره على بيعه إذا دخل إلينا بأمان ، وهو معه بخلاف ما إذا كان العبد مسلما ~~أو ذميا ؛ لأنه يملكه بالإحراز في الفصول كلها ، إلا أن المسلم والذمي لا ~~يقر في ملك الحربي ، فكان مجبرا على بيعه ، لذلك ، فأما إذا كان العبد ~~حربيا فالحربي يقر في ملك ms1072 الحربي ، وقد تم ملكه بالإحراز ، فلهذا لا يجبر ~~على بيعه ، توضيحه : أنه إنما يجبر على بيعه ليعود كما كان ، وها هنا كان ~~حربيا قبل أن يؤسر ، ولو أجبر على بيعه في دار الإسلام باعه من المسلمين ، ~~أو من أهل الذمة فلا يعود حربيا كما كان ، فهذا لا يجبر على بيعه قال : ولو ~~أن الموادعين لم يخرجوا إلينا حتى أغار عليهم أهل حرب أخرى في دارهم فأسروا ~~معهم أسيرا ثم ظهر المسلمون عليهم فاستنقذوهم من أيديهم كانوا عبيدا ~~للمسلمين ؛ لأنهم ما كانوا أصابوهم من دار الإسلام ، فإن دار الموادعين دار ~~الحرب ، لا يجري فيها حكم المسلمين ، وإنما كانت الموادعة بيننا وبينهم ، ~~ولم يكن فيما بينهم موادعة ، فتم إحراز القاهرين لهم ، ثم وقع الظهور عليهم ~~فكانوا مماليك للمسلمين ، ثم قد بينا أنهم لو كانوا أهل منعة في دارنا ~~بأمان فظهر عليهم أهل حرب آخرون وأحرزوهم ، كانوا مماليك لهم ، فإذا كانوا ~~في دار PageV05P1893 الموادعة ومنعة أنفسهم حين وقع الظهور عليهم أولى وهذا ~~لأنا إنما التزمنا للموادعين ترك التعرض لهم ، لا أن ننصرهم من عدوهم ، ~~وهذا بخلاف ما إذا دخل بعضهم دارنا بحكم الموادعة ؛ لأن الداخلين لما لم ~~يكونوا أهل منعة مفقد التزمنا نصرتهم بالأمان الثابت لهم في دارنا حكما ، ~~ولو كان الذين أغاروا على الموادعين قوما من الخوارج ، ثم ظهر عليهم أهل ~~العدل ، ردوهم إلى مأمنهم أحرارا لا سبيل عليهم ، أما إذا أغاروا عليهم في ~~دار الإسلام فهو غير مشكل وأما إذا أغاروا عليهم في دار الموادعة فلأنا قد ~~التزمنا لهم بالموادعة ترك التعرض وألا يظلمهم أحد من المسلمين ، والخوارج ~~منهم ، فكان على إمام أهل العدل دفع ظلمهم عن الموادعين إذا تمكن منهم ، ~~كما عليه دفع ظلم أهل العدل عنهم ، إذا تمكن منهم بخلاف أهل الحرب ، فإنه ~~ليس على إمام المسلمين دفع ظلم أهل الحرب عنهم بسبب الموادعة ، لأنه ما ~~التزم ذلك لهم ، والذي يوضع الفرق أن أمان الخوارج يثبت في حق أهل العدل ، ~~فكذلك أمان أهل العدل يثبت في حق الخوارج عملا ms1073 بقوله صلى الله عليه وسلم : ~~يسعى بذمتهم أدناهم وإذا ظهر حكم أمانهم في حق الخوارج لم يملكوهم بالأسر ~~فلهذا وجب ردهم أحرارا كما كانوا ، PageV05P1894 قال : ولو أن حربيا دخل ~~إلينا بأمان ، ومعه عبد له فأسر عبده أهل حرب آخرون وأحرزوه ، ثم وقع العبد ~~في الغنيمة ومولاه في دار الإسلام ، أو قد رجع إلى دار الحرب فإن حضر قبل ~~القسمة أخذه بغير شيء وإن حضر بعد القسمة أخذه بالقيمة إن شاء ، لأنه لما ~~كان حاله كحال الذمي ما دام مستأمنا فينا في نفسه إذا صار مقهورا ، فكذلك ~~في ماله إذا وقع الظهور عليه ، فإن حكم الأمان يعم المال والنفس ، ثم إنما ~~ينتهي حكم الأمان برجوعه إلى دار الحرب ، وفيما يرده مع نفسه ، فأما فيما ~~لم يرده فحكم الأمان قائم كأنه لم يرجع إلى دار الحرب ، فلهذا كان الحكم ~~فيه ما بينا ، وعلى هذا لو كان العبد دخل إلينا بأمان ولم يكن مولاه معه ؛ ~~لأن حكم الأمان ثابت فيه ما لم يرجع إلى دار الحرب ، فإنا قد التزمنا ~~تبليغه مأمنه ، وقد انعدم ذلك حين أحرزه أهل حرب آخرون ولهذا إذا وقع في ~~الغنيمة وجب رده على مولاه قبل القسمة بغير شيء وبعد القسمة بالقيمة ، ~~وكذلك لو كان العبد من أهل دار الموادعين دخل إلينا بتلك الموادعة وحده ، ~~أو مع مولاه ثم أسره أهل الحرب ؛ لأنه كان آمنا فينا بتلك الموادعة فهو في ~~الحكم كالمستأمن فينا ، PageV05P1895 وكذلك لو دخل مسلم دار القاهرين بأمان ~~فاشتراه منهم كان لمولاه أن يأخذه بالثمن إن شاء في جميع هذه الفصول ؛ لأنه ~~الآن بمنزلة عبد المسلم أو الذمي ، وقد أصيب من دارنا ، وإنما الفرق بينهما ~~في الحرف الذي قلنا أن الأسير إذا دخل إلينا بأمان وهو معه لم يكن مجبرا ~~على بيعه ، بخلاف ما إذا كان لمسلم أو ذمي بأمان فأما فيما سوى ذلك فالحكم ~~سواء والله أعلم . | PageV05P1896 # | باب مواريث القتلى إذا لم يدر أيهم قتل أولا # وإذا قتل جماعة من المسلمين ذوي القرابة ولا يعلم أيهم قتل ms1074 أولا فإنه لا ~~يرث بعضهم من بعض ، ولكن ميراث كل واحد منهم لورثته الأحياء ؛ لأن كل أمرين ~~حدثا ولا يعرف التاريخ بينهما ، فإنه يجعل كأنهما حدثا معا لفقه ، وهو أنه ~~يحال بالحادث على أقرب الأوقات ، فإن التاريخ لا يثبت إلا بحجة ثم شرط ~~التوريث بقاء الوارث حيا بعد موت لمورث فما لم يعلم هذا الشرط يقينا لإنسان ~~بعينه لا يجعل وارثا إلا ترى أن المفقود لا يرث أحدا من أقاربه ما لم يعلم ~~حياته بعينه بعد موت المورث ، والأصل فيه حديث خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ~~ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال : أمرني أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى ~~عنه - بتوريث أهل طاعون عمواس ، كانت القبيلة تموت بأسرها فورثت الأحياء ~~الأموات ولم أورث PageV05P1897 الأموات بعضهم بعضا ، قال خارجة بن زيد : ~~وأنا ورثت أهل الحرة ، فورثت الأحياء الأموات ولم أورث الأموات بعضهم بعضا ~~، وذكر آثارا في الكتاب بالإسناد عن الصحابة والتابعين - رضي الله تعالى ~~عنهم - لإثبات الأصل الذي قلنا ، قال : وكل نسب ادعاه السبي إذا تصادقوا ~~عليه ولم يعرف إلا بقولهم فإنهم لا يتوارثون بذلك ما خلا الأبوة والنبوة ~~إلا أن تقوم البينة من المسلمين على ذلك النسب فحينئذ يجري التوارث ، وهذا ~~بناء على ما عرفناه في الدعوى أن إقرار الرجل يصح بأربعة نفر : بالأب ، ~~والابن ، والزوجة ، والمولى ، وإقرار المرأة يصح بثلاثة نفر : بالأب ، ~~والزوج والمولى ، ولا يصح إقرارها بالابن ، لأنها تحمل نسبه على غيرها وهو ~~صاحب الفراش ، فأما الإقرار بما سوى ذلك من الرابات لا يصح من واحد منهما . ~~لإن المقر إنما يحمل النسب على غيره ، والأصل فيه ما روي أن امرأة سبيت ~~ومعها صبي حاملته وكانت تقول : ابني ، فأعتقا وكبر الغلام فمات وترك مالا ~~فقيل لها : خذي ميراثك فتحرجت من ذلك ، وقالت : لم يكن ابني إنما كان ابن ~~دهقان القرية وكنت ظئرا له ، فكتب في ذلك إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - ~~فكتب - رضي الله تعالى عنه - ألا يورث الحميل إلا ببينة ، فصار هذا أصلا ~~فيما قلنا ms1075 لأن الحميل محمول النسب إلى الغير PageV05P1898 فعيل بمعنى ~~المفعول أو حامل نسبه على غيره فعيل بمعنى فاعل ، وكل ذلك جائز ، وإذا مات ~~الرجل في دار الحرب فقسم ميراثه على غير قسمة ميراث أهل الإسلام ، بأن أعطى ~~الذكور من الأولاد دون الإناث أو الولد دون الأبوين أو دون الزوجة ثم ~~أسلموا بعد تمام القسمة ، فالقسمة ماضية على ما صنعوا ولو لم يقسموا حتى ~~أسلموا فإنما يقسم الميراث بينهم على حكم الإسلام ؛ لأنهم بالإسلام يلتزمون ~~أحكام المسلمين ، فذلك يلزمهم في تصرف يباشرونه في المستقبل دون ما باشروه ~~قبل الإسلام ، بمنزلة المعاملة بالخمر والخنزير وغير ذلك ، والأصل فيه حديث ~~عمرو بن دينار - رحمه الله تعالى - أن لنبي صلى الله عليه وسلم قال : إيما ~~ميراث اقتسم في الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية وما أدرك الإسلام فهو على ~~قسمة الإسلام يعني : ما أدرك الإسلام بأن أسلم المستحقون قبل القسمة ، وهذا ~~بخلاف ما إذا اقتسم أهل الذمة مواريثهم على غير قسمة المسلمين ، ثم اختصموا ~~في ذلك ، فإن الإمام يبطل قسمتهم ، ويقسم الميراث بينهم على قسمة المسلمين ~~؛ لأن أهل الذمة قد التزموا أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات فكان ~~حكمهم كحكم المسلمين إلا ما صار مستثنى ، لمكان عقد الذمة كالتصرف في ~~PageV05P1899 الخمر والخنزير ونكاح المحارم ، فأم أهل الحرب ما كانوا ~~ملتزمين لحكم الإسلام قبل أن يسلموا ، فلهذا كان الحكم فيهم على ما بيننا ، ~~ولا يتوارث أهل الحرب وأهل الذمة وإن دخلوا إلينا بأمان ؛ لأنهم أهل دارين ~~مختلفين فإن المستأمن فيهما من أهل دار الحرب ، وتباين الدار تأثيره في قطع ~~العصمة والولاية فوق تأثير تباين الدين فكما لا يتوارث أهل ملتين فكذلك لا ~~يتوارث أهل الدارين ، وعلى هذا أهل الحرب فإنهم لا يتوارثون فيما بينهم إذا ~~كانوا أهل دور مختلفة ؛ لأن حكم اختلاف الدار فيهم باختلاف المنعة ، فإن ~~دارهم ليست بدار أحكام حتى يجمعهم حكم بخلاف دار الإسلام ، فإما إذا صاروا ~~أهل الذمة فإنهم يتوارثون بالقرابة ؛ لأنهم صاروا من أهل دار الإسلام وهم ~~أهل ذمة واحدة فإن الكفر ms1076 كله ملة واحدة فلهذا جرى التوارث فيما بينهم ، ~~والله أعلم . PageV05P1900 # | باب الأسير والمفقود وما يصنع بمالهما # قال الشيخ الإمام - رضي الله عنه - : اعلم بأن أكثر مشاكل هذا الباب قد ~~بيناه في شرح المختصر في كتاب المفقود وإنما نذكرها هنا ما لم نبينه ثمة ~~فمن ذلك : أن امرأة الأسير إذا ثبت عندها ارتداد زوجها إلى دين الكفر اعتدت ~~بثلاث حيض وتزوجت ، وإذا ثبت عندها موته اعتدت بأربعة أشهر وعشرا ثم تزوجت ~~ولها الميراث في الوجهين ؛ لأن حاله بعد ما أسر وفقد كحاله إذا كان معها ~~إلى أن ارتد أو مات فإن الأسر لا يؤثر في قطع عصمة النكاح ، إلا أن موت ~~الزوج يثبت عندها بخبر الواحد إذا كان عدلا ، فأما ردة الزوج لا تثبت عندها ~~إلا بشهادة شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين ، على رواية هذا الكتاب ، وعلى ~~رواية كتاب الاستحسان سوى بين الفصلين ، وقال : يثبت ذلك بخبر الواحد إذا ~~كان عدلا لأنه بخبرها بأمر ديني فإن حل التزوج وحرمته أمر ديني ألا ترى أن ~~ردة المرأة عند الزوج تثبت بخبر الواحد لهذا المعنى فأما في هذه الرواية ~~نفرق فنقول : إن ردة الرجل يتعلق بها استحقاق القتل فكان PageV05P1901 حكمه ~~أغلظ من حكم ردة المرأة ، فلهذا لا تثبت بخبر الواحد ، إلا أنها تثبت الآن ~~بشهادة رجل وامرأتين ، وبالشهادة على الشهادة ، لأن المقصود هو القضاء ~~بقسمة الميراث وذلك يثبت مع الشبهات فلهذا أثبتنا بحجة فيها شبهة ألا ترى ~~أنهم لو شهدوا به عند القاضي قضى بقسمة ماله بين ورثته المسلمين فكذلك إذا ~~شهدوا به عندها ، قلنا : يكون لها أن تتزوج بعد انقضاء عدتها ، فإن رجع بعد ~~ذلك مسلما وقال : قد كذبت علي البينة ، ليقبل ذلك منه ، وكان ذلك بمنزلة ~~إسلامه ابتداء ، فلا ترد عليه امرأته إلا بنكاح جديد ، سواء تزوجت أو لم ~~تتزوج ، ولو شهد هذان الشاهدان بردته عند قوم ثم غابا أو ماتا فليس يسع ~~أولئك القوم أن يشهدوا على ردته ؛ لأنهما لم يشهداهم على شهادتهما ، فإن ~~أشهداهم على ذلك فحينئذ يسعهم أن ms1077 يشهدوا على شهادتهما كما في سائر الأحكام ~~، فأما إذا أخبر بموته مسلم عدل فلا خلاف أنه يسعها أن تعتد وتتزوج ؛ لأنه ~~لا يتعلق بما أخبر به حق يطلب الرجل به ، بخلاف الردة إلا أن هذا الخبر ~~إنما يعتمد إذا قال عانيته ميتا ، أو شهدت جنازته ، فأما إذا قال : أخبرني ~~به مخبرفإنه لا يعتمد على ذلك ، فأما إذا أخبر قوما عن معاينة يسعهم أن ~~يشهدوا PageV05P1902 على موته عند القاضي إلا أنهم إذا بينوا للقاضي أنهم ~~سمعوا ذلك من واحد ، فإن القاضي لا يقضي بشهادتهم كما لو جاء ذلك المخبر ~~فأخبر القاضي به ، وهو بمنزلة الشهادة على الملك باعتبار اليد يجوز ، ولكن ~~إذا أخبر القاضي أنه يشهد بالملك له لأنه رآه في يده لم يعتمد القاضي ~~شهادته ، والذي يخبر عن موته معاينة إنما يعتمد خبره إذا لم يكن متهما في ~~ذلك الخبر ، فأما إذا كان متهما بأن كان أحد ورثته أو موصى له بمال ، فإنه ~~لا يعتمد خبره ، فإن يجر بذلك إلى نفسه مغنما فيكون متهما في خبره كالفاسق ~~ثم القاضي يقضي لامرأة الأسير والمفقود بالنفقة في ماله إذا كان النكاح ~~معلوما له بينهما ، سواء كانت مسلمة أو كتابية ، وكذلك يقضي بنفقة الأبوين ~~والولد بالنص ، فإن استوفوا النفقة زمانا ، ثم قامت البينة على قتل الأسير ~~أو المفقود قبل النفقة عليهم ، فإن الإمام يضمنم ما أخذوا ؛ PageV05P1903 ~~لأنه تبين أنهم أخذوا ذلك بغير حق ، ولا يمكن أن يحسب ذلك من ميراثهم إذ لا ~~يجري التوارث مع اختلاف الملة فلهذا ضمنهم ذلك . فكذلك إن قامت البينة على ~~ردة الأسير في دار الحرب قبل النفقة ؛ لأن ذلك كموته في حكم استحقاق النفقة ~~، فإن قالت الزوجة : حاسبوني بما أخذت من نفقتي لعدتي لم يلتفت إلى قولها ؛ ~~لأنها إنما تستوجب نقفة العدة على المرتد ما دام في دار الإسلام ، فأما بعد ~~اللحاق بدار الحرب فلا ، بمنزلة ما لو طلقها ثلاثا ثم لحق بدار الحرب مرتدا ~~فإنها لا تستوجب النفقة عليه بعد ذلك ؛ لأن لحوقه بدار الحرب مرتدا كموته ms1078 ، ~~وإذا كان للأسير مال وديعة في يد إنسان هو مقر به ، ومال دين على إنسان هو ~~مقر به ، فإنما يفرض القاضي النفقة لزوجته وأولاده ووالديه في الوديعة دون ~~الدين ؛ لأن الوديعة أمانه ، إن قال من في يده ضاعت ، صدق والدين مضمون في ~~ذمة الغريم فكان النظر للأسير في أن يجعل النفقة في الوديعة ويشهد على ~~إقرار المدين حتى يأمن فوات الدين بجحوده ، PageV05P1904 وإن رأى أن يأخذ ~~الوديعة من يد من فيء يده وأني ضعها على يدي نفسه ويأمر بالإنفاق من الدين ~~الغريم لم يكن له بأس أيضا ؛ لأنه ناظر لكل من عجز عن النظر لنفسه ، ثم لا ~~يصدق المدين ، فيما يدعي أنه أنفق من الموادعة مع يمينه ؛ لأن المدين إنما ~~ينفق من ملك نفسه ، على أن يكون ذلك مضمونا له في ذمة صاحب الدين ، ثم يصير ~~قصاصا ، وهو لا يصدق فيما يدعي من الدين لنفسه في ذمة غيره إلا بحجة فأما ~~المودع أمين ينفق من ملك الغير بأمره أو بأمر من يقوم مقامه وهو القاضي ، ~~والقول قول الأمين مع اليمين ألا ترى أن المدين لو أدعى قضاء الدين لم يصدق ~~إلا بحجة ، والمودع إذا ادعى رد الموادعة مكان مصدقا مع اليمين ، فإن جاء ~~الأسير بعد ما أنفق الغريم أو المودع بأمر القاضي فجحد نكاح المرأة ، ولم ~~يكن لها على ذلك بينة ، وحلف الأسير ما هي له بامرأة على قول من يرى ~~الاستحلاف PageV05P1905 في باب النكاح ، فله أن يرجع على الغريم والمودع ~~بما له ؛ لأن ولاية الأمر للقاضي بالإنفاق كان بسبب النكاح نظرا منه للغائب ~~ولم يثبت النكاح ، فتبين أنه أنفق ملكه على غيره بغير أمر صحيح شرعا فصار ~~ضامنا له ذلك ويرجع بما يضمن على من أنفق عليه ، لأن أخذ المال منه لنفسه ، ~~فكان ضامنا للمأخوذ ، فإن كان المنفق معسرا فأراد الأسير تضمين المرأة ماله ~~فله ذلك في الموادعة دون الدين ؛ لأنها أخذت عين ماله من المودع وأنفقت على ~~نفسها ، فكانت ضامنة له ، وإنما أخذت من المدين مال المدين ، فأما ms1079 دين ~~الأسير في ذمة المدين فلا سبيل له على تضمين المرأة ، وإنما يطالب الغريم ~~بما له ، وفي الموادعة إذا اختار الأسير تضمينها ثم أراد الرجوع عن ذلك ~~وتضمين المودع لم يكن له ذلك ؛ لأنها في حقه كالغاصب مع غاصب الغاصب ، فبعد ~~ما اختار تضمين أحدهما لم يكن له أن يرجع عن ذلك ويضمن الآخر لأن اختياره ~~تضمين أحدهما يكون إبراء منه للآخر ، ولو كان الأسير لم يجحد نكاح المرأة ~~ولكنه أقام البينة أنه كان أعطاها النفقة لمدة معلومة قبل أن يؤسر ~~PageV05P1906 أو كان طلقها وانقضت عدتها قبل أن يؤسر ، فلا ضمان له على ~~الغريم المودع فيما أنفقا بأمر القاضي ، ولكنه يرجع على المرأة بما أخذت ؛ ~~لأن في الفصل الأول وجوب الضمان عليهما كان باعتبار إقرارهما بأصل النكاح ، ~~فإنهما لو أنكرا ذلك لم يأمرهما القاضي بإنفاق شيء عليها ، وقد ظهر الآن ~~أنهما كذبا فيما أقرا به على الأسير ، فلهذا ضمن وها هنا لم يظهر كذبهما ~~فيما أقرا به من أصل النكاح ، وإنما أثبت الزوج عارضا مسقطا للنفقة عنه ، ~~هو نظير الشاهدين بالقتل خطأ إذا قضى القاضي بالدية بشهادتهما واستوفى ، ثم ~~جاء المشهود بقتله حيا كانا ضامنين للمال ، وبمثله لو أقام المشهود عليه ~~البينة أنه كان المجروح عفا عن الجراحة ، وما يحدث منها قبل موته ، لم يكن ~~على الشهود ضمان في ذلك فهذا قياسه ، فإن كان الغريم أو المستودع قال : إني ~~قد شهدت نكاحها حين تزوجها ، ولست أدري أطلقها أو لم يطلقها فإن القاضي ~~يأمره بالإنقاق ؛ لأن ما عرف بثبوته فالأصل بقاؤه حتى يوجد الدليل المزيل ، ~~وكذلك لو قال : هي امرأته للحال ، فإن أقام الأسير البينة أنه كان طلقها ~~ثلاثا قبل أن يؤسر وانقضت عدتها فلا ضمان له على الغريم والمستودع في ~~الفصلين ، وليس له PageV05P1907 أن يحتج عليهما في الفصل الثاني ، فيقول : ~~إنهما قد كذبا في إقرارهما أنها زوجته للحال ، فإنا أضمنتهما بهذا الإقرار ~~من قبل أن هذا غير محتاج إليه ، فإنه بعد ما أقر بأصل النكح سواء هي امرأته ~~في الحال ms1080 أو قال لا أدري ما حالها الآن ، فإن القاضي يأمره بالإنفاق ، وما ~~لا يكون محتاجا إليه فالشهادة به وجودا وعدما بمنزلة واحدة ، وقد كانا في ~~أصل الإقرار بالنكاح صادقين فلهذا لم يضمنا شيئا ، وهذا نظير رجل مات فادعت ~~امرأة أنها امرأته ، وأقامت البينة فورثها القاضي ميراث النساء ثم قامت ~~البينة أن الزوج كان طلقها ثلاثا في صحته فليس للورثة تضمين الشهود شيئا ~~سواء شهدوا على أصل النكاح أو شهدوا على أنها امرأته يوم مات ؛ لأن المعتبر ~~شهادتهما بأصل النكاح وقد كانا صادقين في تلك الشهادة ، وبمثله لو اسلم ~~حربي ووالي رجلا ثم مات فشهد شاهدان أن هذا الرجل مولاه ووارث ، لا يعلمون ~~له وراث غيره ، وقضى القاضي له بالميراث ، ثم أقام رجل آخر البينة أنه كان ~~ناقض الأول الولاء ووالى هذا الثاني ، وعاقده ثم مات ، وهو مولاه ووارث ، ~~فإن القاضي يجعل الميراث للثاني دون الأول ، ويكون للثاني الخيار إن شاء ~~ضمن الشاهدين الأولين وإن شاء ضمن القابض للمال ؛ PageV05P1908 لأنهما لو ~~شهدا على أصل الولاء لم يقض القاضي بالميراث للأول ، ما لم يشهد على أنه ~~مولاه ووارث يوم مات وقد تبين أنهما كذبا في هذه الشهادة فكانا ضامنين وهذا ~~هو الحرف الذي يدور عليه الفصول أنه متى ظهر كذب الشاهد فيما كان الاستحقاق ~~بعد بعينه كان ضامنا للمشهود به وإذا لم يظهر فيما كان الاستحقاق به بعينه ~~لم يكن ضامنا ، والله أعلم . PageV05P1909 # | باب ميراث القاتل من أهل الحرب وأهل الإسلام # وإذا التقى الصفان من المسلمين والمشركين فرمى مشرك أخاه من المسلمين ~~فأصابه ثم أسلم المشرك ثم مات المسلم ولا وارث للمقتول غير أخيه فميراثه ~~لأخيه ، وكذلك لو كان المسلم هو الذي رمى المشرك ثم أسلم المجروح ثم مات ، ~~أما في هذا الفصل فلأنه قتله بحق والقتل بحق لا يوجب حرمان الميراث كما لو ~~قتل مورثه قصاصا أو رجما ، وأما في الفصل الأول فلأنه قتله وهو محارب له ، ~~وقد بينا أن التأويل الباطل ملحق بالتأويل الصحيح في الحكم وإن كان مخالفا ~~له ms1081 في الأثم ألا ترى أن الكافر لا يستوجب قصاصا ولا دية بقتل المسلم وإن ~~أسلم بعد ذلك كما لا يستوجب المسلم ذلك ، وعلى هذا أهل البغي مع أهل العدل ~~فإن العادل إذا قتل مورثه البغي لم يحرم الميراث بالاتفاق ؛ لأن قتله بحق ~~والباغي إذا قتل مورثه العادل فكذلك الجواب عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله ~~تعالى عنه - لأن التأويل الفاسد إذا انضم إليه المنعة كان ملحقا بالتأويل ~~الصحيح إلا أن أبا يوسف - رحمه الله تعالى - يقول : PageV05P1910 ها هنا لا ~~يرثه بخلاف الكافر ، لأن الباغي مسلم مخاطب بأحكام الإسلام فكان قتله ~~العادل قتلا محظورا وحرمان الميراث جزاء القتل المحظور فأما الكافر غير ~~مخاطب بأحكام الشرع فلا يتعلق حرمان الميراث بقتله ؛ لأن ذلك من أحكام ~~الشرع ولكن ما قاله أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - أصح فإن القتل ~~الموجود من الباغي كالموجود من الكافر في أنه لا يجب عليه به قصاص ولا دية ~~، لوجود التأويل والمنعة ، فكذلك في حكم الميراث بل أولى لأن حكم القصاص ~~والدية ثابت بنص يتلى وحرمان الميراث بالقتل ثابت بخبر يروى ، ولا شك أن ما ~~يثبت بنص التنزيل فهو أولى وهذا بخلاف ما إذا أسلم الأب والابن في دار ~~الحرب فإن القاتل لا يرث من المقتول شيئا وإن كان لا يتعلق بذلك القتل قصاص ~~ولا دية وكذلك في الأسيرين على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - لأن ~~امتناع وجود القاص والدية هناك ليس بتأويل تأوله القاتل بل لانعدام الأحراز ~~الذي هو مقوم للدم وبه لا يخرج القتل من أن يكون محظورا من كل وجه ، فأما ~~ها هنا امتناع وجوب القاص والدية لاعتبار تأويل تأوله القاتل ولما جعل ذلك ~~التأويل بمنزلة التأويل الصحيح في حكم القصاص والدية فكذلك في حكم حرمان ~~الميراث ، PageV05P1911 ولو أن قوما من اللصوص أو من أهل المعصية اقتتلوا ~~مع قوم من أهل العدل فإن قتل العادل مورثه من اللصوص فإنه يرثه لأنه قتله ~~بحق وإن قتل اللص مورثه من أهل العدل لم يرثه شيئا ms1082 ؛ لأن هذا القتل محظور ~~من كل وجه حتى يتعلق به القاص إذا كان عمدا والدية والكفارة إذا كان خطأ ، ~~ولو كان الفريقان من اللصوص فقصد كل فريق قتل الفريق الآخر لم يرث واحد ~~منهما صاحبه إذا قتله شيئا ؛ لأن هذا التقل محظور من كل وجه حتى يتعلق به ~~القصاص إذا كان عمدا ، والكفارة إذا كان خطأ ، والحاصل أن الكفارة وحرمان ~~الميراث كل واحد منهما جزاء القتل المحظور ، فيثبت أحدهما بثبوت الآخر وفي ~~الأسيرين اللذين أسلما في دار الحرب القتل موجب للكفارة إذا كان خطأ فيكون ~~موجبا حرمان الميراث أيضا وأما القتل الموجود من الباغي لا يوجب عليه ~~الكفارة فلا يوجب حرمان الميراث أيضا والله أعلم . PageV05P1912 # | باب المرتد في دار الحرب ومعه ولده # قال : وإذا ارتد الأب مع بعض أولاده ولحقا بدار الحرب فرفع ميراث المرتد ~~إلى الإمام فإنه يقسم ميراثه بين ورثته المسلمين ولا شيء من ميراثه للذي ~~ارتد من أولاده ؛ لأن الإرث طريقه الولاية والمرتد لا يلي أحدا ، فلا يرث ~~من أحد شيئا وهذا لأن المرتد لا ملة له ، وفي الميراث يعتبر الملة ولهذا لا ~~يجري التوارث عند اختلاف الملة ، فلهذا لا يرث المرتد أحدا شيئا ، ويورث ~~عنه ما اكتسبه في دار الإسلام حين كان مسلما لأن القاضي حين قضى تلحقه بدار ~~الحرب فقد قضى بموته لأن من هو من أهل دار الحرب ، في حق من هو في دار ~~الإسلام كالميت ، وإنما يستند حكم موته إلى وقت ردته لأنه بالردة يصير ~~هالكا حكما ، فلهذا يرث المسلمون من ورثته ما اكتسبه في حال الإسلام ، وما ~~اكتسبه بعد الردة قبل أن يلتحق بدار الحرب فكذلك الجواب فيه في قول محمد - ~~رحمه الله تعالى - ، وفي قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - هو فيء ؛ ~~PageV05P1913 لأنه لا يمكن إسناد التوريث فيه إلى وقت إسلامه إذا لم يكن ~~موجودا في ملكه يومئذ ، فلو قضى به لوارثه كان توريث المسلم من الكافر فأما ~~ما اكتسبه في دار الحرب فهو لابنه الذي ارتد ولحق معه بدار ms1083 الحرب إذا مات ~~مرتدا ؛ لأنه اكتسب ذلك المال وهو من أهل دار الحرب ، وأهل الحرب يتوارثون ~~فيما بينهم دون أهل الإسلام ، فإن لحق معه بدار الحرب أحد من أولاده مسلما ~~فإنه يرثه من كسب إسلامه ، ولا يرثه شيئا مما اكتسبه بعد الردة ، لأن حاله ~~في دار الحرب كحاله في دار الإسلام ، فالمسلم من أهل دار الإسلام حيثما ~~يكون ، وعلى هذا لو نقض الذمي العهد ولحق بدار الحرب مع بعض أولاده فإن ~~الذمي من أهل دارنا ، إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب مع بعض أولاده صار ~~حربيا ، فكان الجواب فيه وفي المسلم الذي ارتد ولحق بدار الحرب سواء ؛ لأن ~~اختلاف الدارين يقطع التوريث كاختلاف الدينين ، قال ولو لحق المرتد بدار ~~الحرب ، وله ها هنا امرأة مسلمة ، وأولاده بعضهم مسلم وبعضهم ذمي وبعضهم ~~PageV05P1914 مرتد ، فلم يقض القاضي بلحاقه حتى انقضت عدة امرأته وأسلم ~~أولاده الكبار ، ومات بعض أولاده فإن القاضي يقضي بميراثه لامرأته المسلمة ~~، التي انقضت عدتها ، ولولده الذين كانوا مسلمين يوم لحق بدار الحرب ، وأما ~~من أسلم من ولده بعد لحاقه فلا شيء له من ميراثه ، وهذا بناء على ما بينا ~~في السير الصغير أن في ظاهر الرواية يعتبر من كان وراث له يوم لحاقه ، وفي ~~رواية الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - يعتبر من كان وارثا له ~~يوم ردته ، لأن حكم التوريث يستند إلى ذلك الوقت حتى يتحقق توريث المسلم من ~~المسلم ، وفي رواية أخرى عن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - يعتبر من كان ~~وارثا له يوم قضى القاضي بلحاقه بدار الحرب ، لأنه إنما يصير محكوما بموته ~~عند قضاء القاضي بلحاقه ، والتوريث يكون من الميت ، ولكن الأصح ما ذكرنا في ~~ظاهر الرواية فإن أصل السبب ينعقد بردته ، ولكن تمامه يكون بلحاقه ، ~~والموجود بعد انعقاد أصل السبب قبل تمامه يجعل كالموجود عند ابتداء السبب ~~ألا ترى أن الزيادة المفصلة في المبيع بعد العقد قبل القبض تجعل كالموجود ~~في وقت العقد في حكم انقسام الثمن ، فهذا مثله فأما ما ms1084 يكون حادثا بعد تمام ~~السبب باللحاق وقبل قضاء القاضي به لا يجعل كالموجود عند ابتداء السبب وهو ~~نظير المكاتب يموت عن مال كثير ثم يسلم ابن له كافر ، أو يعتق ابن له كان ~~عبدا أو يموت ابن له ، ثم يؤدي بدل كتابته فإن ما يفضل من بدل الكتابة يكون ~~ميراثا لورثته الذين كانوا من أهل الإرث عند موته ولا ميراث لمن كان عبدا ~~أو كافرا يومئذ ومعلوم أن قضاء القاضي PageV05P1915 بعتقه كان عند أداء بدل ~~الكتابة ، ثم انظر في التوريث إلى وقت تمام السبب لا إلى وقت القضاء فكذلك ~~في حق المرتد ، وإن لم يلتحق المرتد بدار الحرب حتى انقضت عدة امرأته بثلاث ~~حيض ثم لحق بعد ذلك أو قتل فلا ميراث لها ؛ لأن المعتبر وقت لحاقه ولا سبب ~~بينهما عند ذلك ، بخلاف الأول ، فقد كانت هناك في عدته حين لحق بدار الحرب ~~، وهو بالردة صار في حكم الفار ؛ لأنه تم منه اكتساب سبب الفرقة وهو مشرف ~~على الهلاك والدة في حق امرأة الفار قائمة مقام أصل النكاح في حكم التوريث ~~، قال : وإن ارتدا معا ، ثم أسلم الزوج بعد ذلك بانت المرأة منه بغير طلاق ~~ولا يتوارثان ؛ لأنه يحال بالفرقة على إصرارها على الكفر بعد إسلام الزوج ~~وهي ليست بمشرفة على الهلاك حتى يرث الزوج منها بسبب القرابة وهي لا ترثه ~~إن مات لأن الفرقة كانت من قبلها ، وإن كانت المرأة هي التي أسلمت فالفرقة ~~تكون بغير طلاق أيضا ، إلا في قول محمد - رحمه الله تعالى - ، وهي ترثه إذا ~~مات قبل انقضاء عدتها ؛ PageV05P1916 لأن إصراره على الردة بعد إسلامها ~~كإنشاء الردة منه ، قال : وإن ارتدا معا ولحقا بابن صغير لهما في دار الحرب ~~وكانت المرأة حاملا فوضعت لأقل من ستة أشهر فميراثهما للمسلمين من ورثتهما ~~، ولا يرث هذان الصغيران منهما شيئا ؛ لأنه حكم لهما بالردة تبعا للأبوين ~~حين كانا معهما في دار الحرب ، ألا ترى : أنهم يسبيان ويكونان فيئا وقد ~~بينا أن المرتد لا يرث أحدا ، واستدل على جواز سبيهما ms1085 بما روي أن بني ناجية ~~لما ارتدوا عن الإسلام سبي علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - ذريتهم ~~ثم باعهم من مصقلة بن هبيرة بمائة ألف درهم قال : ولو اكتسبا في دار الحرب ~~مالا ثم ماتا وأسلم أهل الدار فميراثهما لهذين الوالدين ؛ لأنهما صارا ~~حربيين حكما ، والحربي يرث الحربي ، ولو لم يقض القاضي بلحاقهما حتى أسلمت ~~المرأة ورجعت بولدها الصغير إلى دار الإسلام أو كانت حاملا فوضعت لأقل من ~~ستة أشهر ، ثم رفع الأمر إلى القاضي ، فإن القاضي يجعل ميراث المرتد لورثته ~~المسلمين ، ولا يجعل لامرأته ولا لهذين الولدين من ذلك شيئا ؛ PageV05P1917 ~~لأن المعتبر وقت لحاقه ، والمرأة كانت مرتدة عند ذلك ، وكذلك ما في بطنها ~~فإنه تبع لها والصغير الذي لحقا به دار الحرب ، كان في حكم المرتد أيضا ، ~~فلهذا لا يرثونه شيئا مما اكتسبه في حالة الإسلام ، ولو لحق المرتد بدار ~~الحرب وامرأته حبلى في دارنا مسلمة ، فإن جاءت بولد لأقل من سنتين منذ ارتد ~~الأب يثبت نسبه منه ، فكان من جملة ورثته ؛ لأن النكاح قد انقطع بينهما ~~بالردة فهو كما لو انقطع بالطلاق البائن وفي مثله إنما يستند العلوق إلى ~~أبعد أوقات الإمكان ، فلهذا يثبت النسب منه ، فيكون من جملة الورثة أيضا ، ~~وإن كانت ارتدت بعد ردة الزوج ، والمسألة بحالها فإن نسب الولد يثبت إذا ~~جاءت بولد لأقل من سنتين ويرثه هذا الولد دون المرأة ؛ لأنها ارتدت قبل ~~لحاقه ، وقد وجد اللحاق منه وهي مرتدة ، فلا ترثه شيئا وأما الولد فهو ~~محكون له بالإسلام تبعا للدار بعد ارتداد الأبوين فلهذا كان هو من ورثته ، ~~وإن كانت إنما ارتدت بعدما لحق الزوج بدار الحرب فهي من ورثته أيضا ؛ لأن ~~ردتها بعد لحاق الزوج بمنزلة موتها ، وذلك لا يسقط ميراثها عنه ، قال : ولو ~~أن مسلما تحته أمرأة نصرانية ارتد PageV05P1918 فبانت المرأة منه ثم جاءت ~~بولد لأقل من سنتين من وقت ردته فنسبه يثبت منه ، ويكون هو وارثا له دون ~~أمه ؛ لأنها بانت بردته ، فإنما يستند العلوق إلى أبعد الأوقات ms1086 ، وظهر أنه ~~كان محكوما بإسلامه قبل ردة أبيه ، فيبقى مسلما ما دام في دار الإسلام ، ~~والأم نصرانية فهي لا ترث المرتد شيئا ؛ لأن المرتد في حكم الميراث عنه ~~كالمسلم ، ولو كانت له جارية نصرانية فاستولدها بعد الردة لم يرث هذا الولد ~~شيئا منه ؛ لأنها نصرانية علقت به في حال ردة الأب ، فلم يكن محكوما ~~بالإسلام حتى يبلغ ، فيصف الإسلام ، والكافر لا يرث من المرتد شيئا ، قال : ~~وإذا ارتد الزوجان معا ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ ارتدا فهذا الولد ~~من جملة ورثة المرتد ؛ لأنا تيقنا أن العلوق حصل قبل ردتهما ، فيثبت له حكم ~~الإسلام بذلك ، ولو جاءت به لستة أشهر فصاعدا لم يكن وراث ؛ لأن العلوق حصل ~~ها هنا بعد ردتهما ، فلا يكون الولد محكوما له بالإسلام حتى إذا مات في ~~صغره لم يصل عليه ، وإنما جعل الوقت ها هنا ستة أشهر لقيام النكاح بينهما ، ~~فإنه إنما يسند العلوق إلى أبعد الأوقات عند الحاجة ولا حاجة إذا كان ~~النكاح قائما بينهما ، PageV05P1919 وإن مات هذا الصغير عن مال فلا ميراث ~~لأبويه منه ، لأنهما مرتدان والمرتد لا يرث أحدا ولكن ميراثه لإخوته ~~المسلمين ؛ لأن الأبوين حين لم يرثاه كانا كميتين ، ولو هلك أحد أخويه ~~المسلمين عن مال فليس للأبوين ولا للصغير من ميراثه شيء ؛ لأن محكوم بردته ~~إذا جاءت به لستة أشهر بعد ردة الأبوين وإن كانت جاءت به لأقل من ستة أشهر ~~فهو مسلم يرث أخاه مع إخوته المسلمين ، قال : ولو لحق الأبوان بدار الحرب ، ~~ثم ولدته لأقل من ستة أشهر منذ ارتدا ، ثم مات الصغير عن مال ، ثم أسلم أهل ~~الدار فميراثه للأبوين المرتدين دون إخوته المسلمين ؛ لأن الولد كان حربيا ~~هنا ألا ترى أنها لو ولدته في دار الإسلام ثم حلقا بدار الحرب كان حربيا ~~مرتدا مثلهما فإذا ولدته في دار الحرب أولى أن يكون حربيا وأهل الحرب ~~يتوارثون إذا كانوا أهل دار واحدة وكذلك لو مات الأبوان عن كسب اكتسباه في ~~دار الحرب ، ثم أسلم أهل ms1087 الدار فذلك ميراث للمولود في دار الحرب دون إخوته ~~المسلمين ، PageV05P1920 ألا ترى أنه لو وقع الظهور على ذلك المال كان فيئا ~~وكل مال فيه عرضة أن يكوه فيئا فإنه لا يكون فيه ، عرضة كونه ميراثا ~~للمسلمين ، فيكون ميراثا لأهل الحرب من أولاده وأبويه إذا كانوا المدينة من ~~أهل دار واحدة ، وإن كانوا من أهل دار أخرى فلا شيء لهما من ذلك ، لما بينا ~~أن اختلاف الدارين فيما بين أهل الحرب يمنع التورث بمنزلة اختلاف الدينين ، ~~وعلى هذا لو ارتد أهل دار ، وأظهروا أحكام الشرك في دارهم حتى صارت دار حرب ~~، ثم مات بعضهم عن مال كثير فميراثه لورثته الذين هم في مثل حاله ؛ لأنه ~~كان حربيا إذ لا فرق بين هذه الدار إذا صارت دار حرب بين دار هي في الأصل ~~دار حرب ألا ترى أنه لو وقع الظهور على هذا المال كان فيئا فلهذا كان ~~ميراثا لأهل الحرب من ورثته دون المسلمين والله أعلم بالصواب وإليه المرجع ~~والمآب . | PageV05P1921 # | باب ما يوقف من أمر المرتدين وما لا يوقف من ذلك # قال الشيخ - رضي الله تعالى عنه - : قد بينا في المبسوط أن تصرفات المرتد ~~على أربعة أوجه : منها ما هو نافذ بالاتفاق كالاستيلاد ومنها ما هو باطل ~~بالاتفاق كالنكاح ومنها ما هو موقوف بالاتفاق كالمفاوضة ومنها ما اختلفوا ~~فيه كالبيع والهبة والعتق على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - يقال : ~~يكون موقوفا لتوقف نسه ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - ~~يكون نافذا إلا أن عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ينفذ كما ينفذ من ~~الصحيح وعند محمد - رحمه الله تعالى - ينفذ كما ينفذ من المريض ، حتى يعتبر ~~برعايته من الثلث ، ولا يصح إقراره لوارثه كما لا يصح ذلك من المريض ، ألا ~~ترى أن امرأته ترثه بحكم الفرار إذا مات وهي في العدة ، والتوريث بحكم ~~الفرار لا يكون إلا من المريض ، وأما المرتدة ينفذ تصرفاتها في مالها ~~بالاتفاق كما ينفذ من الصحيحة ؛ PageV05P1922 لأنه ما توقف نفسها بالردة ~~فإنها لا ms1088 تقبل كالحربية بخلاف الرجل . وإن كان لو قتلها قاتل لم يغرم شيئا ~~حرة كانت أو أمة ؛ لأنها بمنزلة الحربية في ذلك ، ولهذا لو قاتلت مع ~~المسلمين قتلت ، ولو لحق المرتد بدار الحرب ، فلم يقض القاضي بلحاقه ، حتى ~~أعتق عبيده الذين في دار الإسلام ، أو باعهم من رجل مسلم كان معه في دار ~~الحرب ، ثم رجع تائبا قبل أن يقضي بميراثه ولحاقه ، فماله مردود عليه كله ~~وجميع ما صنع فيه باطل ؛ لأن اللحاق بدار الحرب زال ملكه ، وإنما توقف على ~~قضاء القاضي دخول المال في ملك ورثته فتصرفه في المال بعد اللحاق صادف مالا ~~غير مملوك له فلا ينفذ ، وإن عاد إلى ملكه بعد ذلك ، كالبائع بشرط الخيار ~~للمشتري إذا تصرف في المبيع ثم عاد إلى ملكه لفسخ المشتري البيع لا ينفذ ~~تصرفه ، ولو أقر المرتد اللاحق بدار الحرب في عبيد خلفه في دار الإسلام أنه ~~حر الأصل أو أنه عبد لفلان غصبته منه فذلك جائز إذا عاد مسلما ؛ لأنه ليس ~~بإنشاء تصرف منه ، بل هو إقرار والإقرار لازم في حق المقر لكونه مخاطبا ~~سواء صادف ما يملكه أو ما لا يملكه إذا ملكه بعد ذلك ، ألا ترى أنه لو أقر ~~بحرية عبد الغير ، أو بكونه مملوكا لفلان ثم PageV05P1923 اشتراه من ذي ~~اليد بعد ذلك الإقرار وجعل ذلك كالمجدد له بعد الشراء فهذا مثله ، ولو لم ~~يثبت حتى قضى القاضي بإلحاقه وجعل المال لورثته ، ثم جاء تائبا فإنه يعاد ~~إليه ما كان قائما بعينه من ماله في يد ورثته ، فإن كان الوارث باع هذا ~~العبد الذي أقر المرتد بحريته كان بيعه نافذا لمصادفته ملكه ولكنه متى عاد ~~إلى ملك المرتد بسبب من الأسباب انفذ إقراره السابق فيه على اعتبار أنه ~~كالمجدد لذلك الإقرار ، ولو كان القاضي قضى بلحاقه وقسم ماله أو لم يقسم ~~حتى جاء مسلما ثم أعتق بعض عبيده قبل قضاء القاضي برد المال عليه ، كان ~~عتقه باطلا ؛ لأن بقضاء القاضي بلحاقه صار المال ملكا لورثته فلا يعود إلى ~~ملكه ms1089 إلا بقضاء القاضي له بذلك ألا ترى أن الوارث لو أعتق هذا العبد بعد ~~رجوع المرتد قبل قضاء القاضي برد المال عليه نفذ عتقه ولم يكن ضامنا للمرتد ~~، بمنزلة ما لو أعتقه قبل رجوع المرتد ، فعرفنا أنه باق على ملك الوارث ، ~~وبهذا الفصل يستدل أيضا على أنه لا ينفذ عتق المرتد فيه في هذه الحالة لأنه ~~إذا كان بحيث يعتق كله بإعتاق الوارث إياه لا يجوز أن يعتق بإعتاق المرتد ~~إياه ، فإن العتق يستدعي حقيقة الملك ، ولا يجوز أن يكون العبد الواحد في ~~الوقت الواحد كله مملوكا لزيد وكله مملوكا لعمرو ، PageV05P1924 ولو كان ~~الوارث أعتقه قبل أن يقضي القاضي بلحاق المرتد بعد رجوعه قبل قضاء القاضي ~~له بذلك قلنا لا ينفذ عتقه ؛ لأنه سبق عتقه ، ولو بعث المرتد اللاحق بدار ~~الحرب وكيلا ليبيع عبدا له في دار الإسلام أو يعتقه ، ففعل الوكيل ذلك ثم ~~رفع إلى القاضي فإنه يبطل جميع ما صنعه الوكيل ، ويقضي به ميراثا لورثة ~~المرتد ؛ لأنه بعد اللحاق لا يملك إنشاء هذا التصرف فلا يملك التوكيل أيضا ~~، ولأن وكيله قائم مقامه في التصرف ، وهو في هذه الحالة لو تصرف هو بنفسه ~~بطل تصرفه سواء قضى القاضي بلحاقه أو رجع مسلما قبل قضائه ، فكذلك إذا باشر ~~وكيله كان باطلا سواء قضى القاضي بلحاقه ، أو رجع مسلما قبل قضائه ، ولو ~~كان وكله بذلك في دار الإسلام ، قبل أن يرتد أو بعد ما ارتد قبل أن يلحق ~~بدار الحرب ، والمسألة بحالها PageV05P1925 فإن قضى القاضي بلحاقه جعل ذلك ~~العبد ميراثا لورثته وإن لم يقض بلحاقه حتى رجع مسلما فجميع ما صنع الوكيل ~~من ذلك جائز ، في رواية هذا الكتاب ، وفي رواية كتاب الوكالة يقول : ~~الوكالة تبطل بردة الموكل ولحاقه بدار الحرب ، لأن ذلك بمنزلة موته ، وموت ~~الموكل مبطل للوكالة ولأنه حين لحق بدار الحرب فقد صار بحال لا يصح منه ~~إنشاء التوكيل بهذا التصرف ، فلا يبقى الوكيل على وكالته أيضا ووجه هذه ~~الرواية أنه ليس في لحاقه بدار الحرب إلا زوال ms1090 ملكه عن العبد ، وبعد صحة ~~الوكالة لا يبطل بزوال ملكه ألا ترى أنه لو وكل بعتق عبده أو بيعه ثم وهبه ~~لإنسان وسلم ثم رجع في الهبة ، كان الوكيل على وكالته ، فكذلك ها هنا قلنا ~~: لا تبطل الوكالة وإن زال ملكه باللحاق بدار الحرب لأنه زال زوالا موقوفا ~~فيعود إليه إذا جاء مسلما قبل قضاء القاضي بلحاقه وقد دخل في ملك الوارث ~~إذا قضى القاضي بلحاقه فيتوقف تصرف الوكيل في هذه الحالة أيضا لتوقف ملكه ، ~~فإن قضى بالميراث للورثة فقد تم زوال الملك وتبين أن تصرف الوكيل لا يلاق ~~ملك الموكل فكان باطلا ، وإن عاد قبل قضاء القاضي تقرر ملكه ، ونفذ تصرف ~~الوكيل له وهذا بخلاف ما إذا تصرف الموكل بنفسه بعد اللحاق بدار ~~PageV05P1926 الحرب فهناك إنما لا ينفذ تصرفه لتباين الدارين حقيقة وحكما ~~بين المتصرف والمتصرف ففيه ، وهذا غير موجود فيما إذا تصرف الوكيل وهو في ~~دار الإسلام مع العبد وإن قضى القاضي به للوارث ثم جاء المرتد مسلما وذلك ~~العبد قائم في يد وارثه ، فرده القاضي عليه ، فإن كان الوكيل أعتقه أو دبره ~~نفذ ذلك ، وإن كان باعه أو وهبه ، أو كاتبه لم ينفذ شيء من ذلك ؛ لأنه عاد ~~إليه على تقديم ملكه ، وباعتبار ملكه ينفذ العتق والتدبير ألا ترى أنه لو ~~رجع قبل قضاء القاضي بلحاقه نفذ العتق والتدبير فيما صرا مستحقا من العتق ~~والتدبير لا يحتمل الانتقاض بعد ذلك ، وقضاء القاضي به للوارث لا يكون ~~مبطلا لذلك التصرف بعد ذلك ، بخلاف البيع والهبة والكتابة فإن ذلك يحتمل ~~النقض ، فيكون قضاء القاضي بالملك للوارث مبطلا لهذه التصرفات وهي بعد ما ~~بطلت لا تعود إلا بالتجديد وهذا لأن بالعتق والتدبير يستحق الولاء ، فيكون ~~في معنى إنهاء الملك لا إبطاله وإذا عاد أصل ملكه في القائم بعد رجوعه ~~مسلما بقضاء القاضي يعود ما ينهيه فأما البيع والهبة قاطع للملك فعود الملك ~~إليه بقضاء القاضي لا يتضمن عود ما هو قاطع للملك بعد ما بطل بقضاء القاضي ~~به للوارث ، ولو ms1091 كان الوارث أخرجه من ملكه حين قضى القاضي له به ، ثم جاء ~~المرتد مسلما فاشترى ذلك العبد ممن في يده فإنه ينفذ عتق الوكيل والتدبير ~~الذي كان فعله بعد لحاقه PageV05P1927 وهذا مشكل ، فإن ها هنا لم يعد إليه ~~ذلك الملك الذي وجد فيه التدبير والعتق ، وإنما هذا ملك حادث له بسبب أحدثه ~~فينبغي ألا ينفذ ذلك العتق والتدبير ولكنه قال ، هذا وإن كان ملكا حادثا من ~~وجه فهو من وجه كأنه ذلك الملك وما يعطى يجعل بمنزلة الفداء لذلك الملك ، ~~كمولى العبد المأسور إذا أخذه بالثمن من يد المشتري جعل معيدا له إلى قديم ~~ملكه وما أدى يجعل في حكم الفداء فمن هذا الوجه يكون هذا وما لو كان في بد ~~وارثه فرده القاضي عليه سواء ؛ ولأن الاستحقاق كان يثبت بالعتق والتدبير ~~وذلك لا يحتمل النقض فظهر عند ظهور ملكه في المحل ، لقيام الاستحقاق ، كمن ~~أقر بحرية عبد إنسان ثم اشتراه وهو نظير ما قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - فيما إذا اعتقه المرتد بنفسه أو دبره ثم لحق بدار الحرب ، وقضى ~~القاضي بلحاقه فإنه يقضي به ميراثا للوارث ، ثم إذا جاء المرتد مسلما بعد ~~ذلك فرجع العبد إلى ملكه فإنه يقضي به ميراثا للوارث ، ثم إذا جاء المرتد ~~مسلما بعد ذلك فرجع العبد إلى ملكه بوجه من الوجوه ، إما من يد الوارث ~~بالرد عليه ، أو من يد المشتري منه بشراء مستقبل ، فإنه ينفذ ذلك العتق ~~والتدبير كذلك ها هنا ، وكذلك لو كاتب الوارث عبدا للمرتد بعد قضاء القاضي ~~بلحاقه ، ثم جاء المرتد مسلما ، فإن ذلك العبد يعاد إليه مكاتبا ويجعل في ~~الحكم كأن الوارث كان كاتبه بأمره فيكون مكاتبا للذي جاء مسلما وعاد ~~المملوك إليه يجعل في الحكم كأن الزوال لم يكن من بده أصلا PageV05P1928 ~~قال : ولو لحق المرتد بدار الحرب ، ثم وكل مسلما بأن يأتي رقيقه الذين ~~خلفهم في دار الإسلام ، فيعتقهم أو يدبرهم فلم يفعل الوكيل شيئا من ذلك حتى ~~رجع المرتد مسلما ثم فعل الوكيل ms1092 ذلك فهو باطل ؛ لأن أصل التوكيل ها هنا كان ~~باطلا منه فإنه وكله في حال لا يملك مباشرة التصرف فيه بنفسه أصلا ، وبعد ~~ما تعين جهة البطلان في الوكالة لا تنقلب صحيحة أبدا ، ولو كان وكله في جار ~~الإسلام ، قبل الردة أو بعدها والمسألة بحالها ، نفذ تصرف الوكيل فيهم ؛ ~~لأن أصل التوكيل كان صحيحا ولم يبطل بمجرد لحاق الموكل بدار الحرب ، فإذا ~~عاد مسلما قبل قضاء القاضي صار كأن اللحاق لم يكن أصلا ، ولو كان قضى ~~القاضي بلحاقه وقسم ميراثه ، ثم جاء مسلما ، فإن تصرف الوكيل في رقيقه ، ~~قبل قضاء القاضي بردهم على المرتد كان تصرفه باطلا ، وإن تصرف فيهم بعدما ~~قضى القاضي بردهم على المرتد كان تصرفه نافذا لأن الوكالة بعد صحتها لا ~~تبطل بزوال الملك إلا أن الملك إنما يعود إليه بقضاء القاضي بالرد عليه ~~فإذا سبق تصرف الوكيل قبل قضاء القاضي به لم ينفذ ؛ لأن لم يصادف محله ~~PageV05P1929 ألا ترى أن الموكل لو باشره بنفسه لم ينفذ وإذا تصرف بعد قضاء ~~القاضي بالرد عليه فقد صادف تصرفه محله ، فكان نافذا وهو نظير رجل وكل رجلا ~~يبيع عبده أو يعتقه ، ثم باعه الموكل بنفسه ، ثم رده المشتري بخيار شرط أو ~~رؤية أو عيب ، قبل القبض أو بعده بقضاء القاضي ثم تصرف الوكيل فيه نفذ ~~تصرفه لبقاء الوكالة بعد زوال الملك ، ورجوع العبد إلى الموكل على الملك ~~الأول . بخلاف ما إذا رجع إليه بشراء جديد مستقبل فإن هذا ملك حادث من كل ~~وجه ، وهذا لأنه إنما وكله بالتصرف في الملك الذي كان موجودا في ذلك الوقت ~~، فلا يتصرف فيه في ملك حدث بعده ، ولو كان الوكيل تصرف فيه بعد ما باعه ~~الموكل قبل أن يرده المشتري عليه بخياره لم ينفذ تصرفه لأنه تصرف وهو خارج ~~عن ملك الموكل ألا ترى أن المشتري لو أعتقه في هذه الحالة عتق من جهته فيكف ~~يمكن تنفيذ عتق وكيل البائع في حال لو أعتقه المشتري بعد العتق من جهته ، ~~قال : ولو أن المرتد ms1093 كان وكل بعتقه وكيلا في دار الإسلام ، ثم لحق بدار ~~الحرب ، فأعتقه الوكيل ثم رجع المرتد مسلما فجميع ما صنع الوكيل من ذلك ~~جائز ؛ PageV05P1930 لأن اللحاق بدار الحرب إذا لم يتصل به قضاء القاضي في ~~حكم الغيبة وذلك يمنع نفوذ تصرف الوكيل فيه وهذا بخلاف بيع الموكل العبد ~~بنفسه فإن هناك بعد البيع صار العبد مجال ينفذ العتق فيه من جهة غير الموكل ~~، فلا ينفذ عتق وكيل البائع في هذه الحالة فيه ، وأما ها هنا بمجرد اللحاق ~~قبل قضاء القاضي ما صار العبد بحال ينفذ فيه عتق غيره فإن الوارث لو أعتقه ~~في هذه الحالة لا ينفذ عتقه ، فلهذا نفذ عتق وكيل المرتد فيه إذا رجع ~~المرتد مسلما بخلاف ما بعد قضاء القاضي بلحاقه ، فقد صار هناك بحال ينفذ ~~العتق من الوراث فيه فلا ينفذ العتق من وكيل المرتد فيه في هذه الحالة . ~~قال : ولو أن مسلما أو مرتدا في دار الإسلام أذن لعبده في التجارة ثم لحق ~~بدار الحرب مرتدا فتصرف العبد فإن تصرفه موقوف فإن لم يقض القاضي بلحاقه ~~حتى رجع مسلما كان التصرف نافذا وكان العبد مأذونا على حاله وإن قضى القاضي ~~بلحاقه بطل تصرف العبد وخرج من أن يكون مأذونا ؛ لأن بلحوقه زال ملكه زوالا ~~موقوفا ، والإذن بالتجارة يتوقف بحال قيام ملكه ، فإذا توقف زواله عن ملكه ~~يتوقف الإذن للعبد أيضا وتوقف تصرف العبد لتوقف حكم الإذن فإذا عاد مسلما ~~قبل قضاء القاضي فقد تقرر ملكه على ما كان فينفذ تصرف المأذون ويكون مأذونا ~~على حاله ، وإذا قضى القاضي بلحاقه فقد تقرر زوال ملكه ، فيتقرر حكم الحجر ~~عليه أيضا ثم إذا عاد مسلما وعاد العبد إلى ملكه لم يكن مأذونا إلا أن يأذن ~~له إذنا PageV05P1931 مستقبلا لأن هذا تصرف محتمل للنقض فينتقض بقضاء ~~القاضي بلحاقه لما يعود إلا بالتجديد وإنما أورد هذا إيضاحا لا سبق من ~~الوكالة ، وعليه رتب فصل المضاربة أيضا ، أنه إذا تصرف المضارب بعد لحاق رب ~~المال ، ثم رجع مسلما ، قبل قضاء القاضي ms1094 بلحاقه ، نفذ التصرف على المضاربة ~~، وكان الربح بينهما على الشرط وأن قضى القاضي بلحاقه لم ينفذ شيء من تصرفه ~~إلى المضاربة وكان متصرفا لنفسه ، له الربح وعليه الوضيعة ويكون ضامنا لرأس ~~المال ، ثم إذا جاء المرتد مسلما بعد ذلك لا يتغير هذا الحكم لمجيئه ؛ لأن ~~المضاربة بطلت بقضاء القاضي بلحاقه كما بينا ، ولو لم يقض القاضي بلحاقه ~~حتى عاد إلى دار الإسلام مرتدا على حاله فقد صار في الحكم كأن اللحوق بدار ~~الحرب لم يوجد منه أصلا وقبل لحاقه إذا تصرف المضارب نفذ على المضاربة في ~~قول محمد - رحمه الله تعالى - وكان موقوفا في قول أبي حنيفة - رضي الله ~~تعالى عنه - بناء على الخلاف الذي بينا في تصرفات المرتد بنفسه بعد الردة ~~قبل لحاقه ، وإن كان القاضي قضى بلحاقه ثم رجع مرتدا فلا سبيل له علي ماله ~~؛ PageV05P1932 لأنه صار بقضاء القاضي كالميت حكما وسبب ذلك ردته فما بقي ~~هذا السبب يبقى هو ميتا حكما وإن رجع إلى دارنا ولهذا كان المال لورثته على ~~حاله لا سبيل للمرتد عليه ألا ترى أنه لو رجع مسلما كان المال للوارث إلى ~~أن يقضي القاضي يرده عليه ، فإذا رجع مرتدا أولى أن يكون المال باقيا على ~~ملك الوارث ولا يقضي القاضي برده عليه ، فإذا رجع مرتدا أولى أن يكون المال ~~باقيا على ملك الوارث ولا يقضي القاضي مبرده عليه ، ولكن يعرض عليه السلام ~~، فإن أبى قتله وإن قال : رد علي مالي ، واجعل لي في الإسلام أجلا حتى أنظر ~~في أمري ، فإن القاضي يؤجله في الإسلام ثلاثة أيام لا يزيده على ذلك شيئا ~~وقد بينا هذا فيما سبق ، وروينا فيه حديث عمر - رضي الله تعالى عنه - حيث ~~قال : هلا طينتم عليه الباب ثلاثة أيام ، وأعطيتموه كل يوم رغيفا فلعله ~~يراجع الحرق ، ولا يرد عليه ماله ما لم يسلم ، لما بينا أنه هالك بقضاء ~~القاضي ، وحياته حكما تكون بإسلامه ، فلما لم يظهر ذلك لم يرد عليه شيئا من ~~ماله ، والتأجيل عندنا مستحق ، وليس بلازم ، حتى أن ms1095 للقاضي أن يقتله في ~~الحال ولا يؤجله إن أبى أن يسلم ، بخلاف ما يقوله بعض الناس أن عليه أن ~~يؤجله وقد بينا هذا فيما سبق ، ولو لحقت المرتدة بدار الحرب ، فقضى القاضي ~~بميراثها لورثتها ، ثم جاءت مرتدة بأمان وطلبت مالها لم يرد عليها شيء من ~~ذلك ؛ لأنها صارت هالكة بقضاء القاضي فما لم يظهر فيها سبب الحياة حكما لا ~~يرد عليها شيء من ذلك المال ، PageV05P1933 ولو جاءت مرتدة قبل قضاء القاضي ~~بلحاقها ، فإن جاءت بغير أمان كانت فيئا للمسلمين ؛ لأنها باللحاق بدار ~~الحرب صارت حربية والحربية إذا دخلت دارنا بغير أمان كانت فيئا ، وقسمت ~~ميراثها بين ورثتها ؛ لأنها صارت هالكة حكما حين جعلت فيئا ، فالرقية تلف ~~والحرية حياة ؛ لأنها بالرق خرجت من أن تكون أهلا لمالكية المال ، فلهذا ~~كان المال لورثتها ، وإن جاءت بأمان صنعت في مالها ما أحبت وحبست وأجبرت ~~على الإسلام ؛ لأنها إذا رجعت قبل قضاء القاضي بأمان فصار اللحاق كأن لم ~~يكن ، وقبل لحاقها بدار الحرب ينفذ تصرفها في مالها ، فكذلك بعدما رجعت ، ~~إلا أن في الفصل الأول إنما كانت لا تسترق قبل اللحاق كونها من أهل دار ~~الإسلام وهي ليست بدار الاسترقاق ، فإذا لحقت صارت من أهل دار الحرب ، ~~فقلنا : بأنها تسترق إذا دخلت دارنا بغير أمان ، وإذا دخلت بأمان فإعطاء ~~الأمان يمنع استرقاقها فقد عادت به ، كما كانت قبل اللحاق ، وإذا قال ~~المسلم لعبده : إذا جاء يوم النحر فأنت حر ، وقال ذلك بعد ما ارتد ، ثم لحق ~~بدار الحرب ولم يقض PageV05P1934 بميراثه للوارث حتى جاء يوم النحر ، فإن ~~حكم العتق يكون موقوفا ؛ لأن العتق لا ينفذ بدون قيام الملك في المحل عند ~~وجود الشرط وقد بينا أن زوال ملكه قد توقف بلحاقه فكذلك يتوقف حكم العتق ، ~~فإن جاء مسلما قبل القضاء بلحاقه ، نفذ ذلك العتق ، وإن كان القاضي قضى ~~بلحاقه قبل مجيء فجر يوم النحر ، ثم جاء يوم النحر ، فإن كان بعدما قضى ~~القاضي برد العبد عليه عتق من جهته ؛ لأن التعليق كان صحيحا ، وقد ms1096 وجد . ~~فالعبد في ملك الوارث ثم عاد المرتد مسلما لم ينفذ ذلك العتق ، وإن رد ~~القاضي العبد عليه ، لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز ، وقد بينا ~~أنه لو نجز إعتاقه بعد ما قضى القاضي بلحاقه حن العتق باطلا ، على كل حال ~~فهذا مثله ، ولو رجع المرتد مسلما قبل مجيء يوم النحر ، ثم جاء يوم النحر ، ~~فإن كان بعد ما قضى القاضي برد العبد عليه عتق من جهته ؛ لأن التعليق كان ~~صحيحا ، وقد وجد الشرط وهو مملوك له ، PageV05P1935 فإن جاء يوم النحر قبل ~~أن يقضي القاضي برد العبد عليه ، لم يعتق العبد ؛ لأنه وجد الشرط والعبد ~~ليس في ملكه ، فإن العبد لا يعود إليه إلا بقضاء القاضي ، فلهذا لا ينفذ ~~ذلك العتق ، فلو جاء يوم النحر بعد لحاقه قبل قضاء القاضي به ، ثم قضي ~~القاضي به لوارثه ، فإنه ينفذ تصرف الوراث فيه ، لما بينا أنه يقرر زوال ~~ملكه بقضاء القاضي من وقت اللحاق ، وإنما وجد الشرط بعد ذلك ، فلهذا لا ~~يعتق من جهته وكان مملوكا للوارث ينفذ تصرفه فيه ، فإن لم يتصرف فيه حتى ~~رجع المرتد مسلما ، ورد عليه العبد ، فإن يعتق من جهته ؛ لأن الشرط وجد في ~~حال توقف ملكه ، فإن تمام زال ملكه يكون بقضاء القاضي فثبت به استحقاق ~~العتق في ملكه إذا رجع إليه ، وقد رجع إليه على ذلك الملك ، وكذلك لو كان ~~له وارث كاتبه ؛ لأنه رجع إلى قديم ملكه بعد كتابة الوارث ، فينفذ ذلك ~~العتق ويسقط بدل الكتابة لاستغنائه عنها ، PageV05P1936 ولو كان قال لأمته ~~إذا جاء يوم النحر فأنت حرة ، ثم لحق بدار الحرب مرتدا ، فقضى القاضي بها ~~للوارث فأعتقها الوارث ، ثم لحقت بدار الحرب مرتدة ، فسبيت كانت فيئا ، ~~وأجبرت على الإسلام ، بمنزلة الحرة الأصلية إذا ارتدت ولحقت بدار الحرب ، ~~فإن أسلمت ثم جاء المرتد مسلما فاشتراها ثم جاء يوم النحر وهي في ملكه لم ~~تعتق بخلاف جميع ما سبق ؛ لأن هذا العتق كان منهيا ملكه ، وقد بطل ذلك ~~الملك أصلا حتى ينفذ العتق من ms1097 الوارث فيها ، فكان هذا ملكا حادثا من كل وجه ~~وهذه زفرية ، وأصلها فيما إذا قال لأمته : إن دخلت الدار فأنت حرة ثم ~~أعتقها ، فارتدت بدار الحرب ، ثم سبيت فملكها ، ودخلت الدار لا تعتق إلا ~~على قول زفر - رحمه الله تعالى - والله الموفق . | PageV05P1937 # | باب المرتدين كيف يحكم فيهم # قال - رحمه الله تعالى - المرتد يقتل إن لم يسلم حرا كان أو عبدا ، لقوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم من يبدل دينه فاقتلوه ، وهو يعم الأحرار والعبيد ، ~~ولمولى العبد أن يقتله بنفسه إن شاء ، فعل ذلك ابن عمر - رضي الله تعالى ~~عنهما - بعبد له تنصر ، ولأنه بالردة صار كالحربي في حكم القتل ، ولكل مسلم ~~قتل الحربي الذي لا أمان له ، إلا أن الأفضل له أن يرفعه إلى الإمام ليكون ~~هو الذي يقتله ؛ لأن فيه معنى الحد واستيفاء الحدود إلى الإمام ، والمرتدة ~~لا تقتل حرة كانت أو أمة ، ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام إن كانت حرة ، ~~وإن كانت أمة وأهلها يحتاجون إلى خدمتها دفعت إليهم يستخدمونها ويجبرونها ~~على الإسلام ؛ لأن حبسها لحق الله تعالى وحق المولى في خدمتها يقدم على حق ~~الله تعالى في حبسها ، PageV05P1938 وإن استتيب المرتد فتاب ، ثم ارتد حتى ~~فعل ذلك مرارا ، قبلت توبته أبدا ، وهو قول إبراهيم - رحمه الله تعالى - ~~وكان علي وعمر - رضي الله تعالى عنهما - يقولان : يستتاب ثلاثا فإن عاد ~~يقتل ، لظاهر قوله - تعالى - ' إن الذين آمنوا ثم كفروا ' النساء : 137 ، ~~ولأن لظاهر أنه مستهزىء غير تائب ، ولكنا نستدل بقوله تعالى : ' إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف ' الأنفال : 28 ثم توبته بعد الثلاث تعرف بما يعرف به ~~في المرة الأولى ، لأنه لا يمكن الوقوف على ضميره ، وإنما يعبر عما في قلبه ~~لسانه ، ولا حجة لهم فيما استدلوا به ، لأنه قال : ' ثم ازدادوا كفرا لم ~~يكن الله ليغفر لهم ' النساء : 137 وإذا تاب فقد ازداد إيمانا لا كفرا ، ~~وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يقتل غيلة ولا يستتاب إذا تكرر ذلك ؛ ~~لأن الظاهر أنه مستهزىء وبناء الحكم ms1098 على الظاهر جائز فيما لا يوقف على ~~حقيقته ، قال : وامرأة المرتد تعتد بثلاث حيض ، سواء قتل بعد الردة أو لم ~~يقتل ، إلا على قول سعيد بن المسيب PageV05P1939 - رحمه الله تعالى - فإنه ~~يقول : إذا قتل فعدتها أربعة أشهر وعشرا ، وهذا ليس بقوي ؛ لأن الفرقة وقعت ~~بالردة ، ثم لا يتغير حكم تلك الفرقة بالقتل بعد الردة ، فلا تتغير العدة ~~أيضا ، بمنزلة ما لو أبان امرأته في صحته ثم مات أو قتل ، ولو أصاب مالا أو ~~قذف إنسانا قبل الردة أو بعدها ثم لحق بالدار ، ثم جاء تائبا ، أخذ بجميع ~~ما صنع ، بخلاف ما إذا أصاب ذلك بعدما لحق بدار الحرب ؛ لأنه باللحاق صار ~~حربيا ، والحربي إذا أصاب شيئا من ذلك ثم أسلم لم يكن مؤاخذا به ، والأول ~~أصابه في حال هو من أهل دار الإسلام وهو مخاطب على حاله ، فيتقرر موجبه في ~~ذمته ، إلا أن بلحاقه يتعذر إقامته ، لأن يد الإمام لا تصل إليه ، فإذا ~~وصلت اليد إليه كان مؤاخذا بجميع ذلك ، والله أعلم . PageV05P1940 # | باب من ارتد من المسلمين أو نقض العهد من المعاهدين # قال : ولو أن أهل بلدة ارتدوا حتى صارت دراهم دار حرب ، ثم وقع الظهور ~~عليهم ، فإنه يقتل رجالهم ، ويسبي نساؤهم ذراريهم ، كما فعله الصديق - رضي ~~الله تعالى عنه - ببني حنيفة حين ارتدوا ، فإن قالت النساء حين ظفر ~~المسلمون بهن : ما ارتددنا قط ، وإنا لمسلمات على ديننا ، فالقول قولهم ~~لتمسكهن بما هو الأصل وهو الإسلام ، ولا يسبين ، وأولادهن الصغار بمنزلتهن ~~؛ لأن الأم إذا بقيت مسلمة فالصغير يكون تبعا لها ، إلا أن تقوم البينة من ~~المسلمين عليهن بالردة ، ولا يقبل في ذلك شهادة أهل الذمة ؛ لأن الشهود ~~يزعمون أنها مرتدة ، والمرتد كالمسلم في ألا تكون شهادة الذمي عليه حجة ، ~~وشهادة من له في الغنيمة نصيب من المسلمين عليهن بذلك لا تقبل قياسا ، لما ~~فيه من المنفعة للشاهد وتقبل استحسانا ؛ PageV05P1941 لأن الشركة عامة ، ~~وهي لا تمنع قبول الشهادة وقد تقدم نظائره ، ولو قلن كنا قد ارتددنا ، ~~ولكنا أسلمنا قبل أن تظفروا ms1099 بنا ، لم يقبل قولهن ؛ لأنهن الآن يدعين إسلاما ~~حادثا فلا يقبل قولهن في ذلك إلا بحجة ، بمنزلة أهل الحرب ، إذا وقع الظهور ~~عليهم ، فزعموا أنهم أسلموا قبل أن يقع الظهور عليهم ، لم يقبل قولهم في ~~ذلك ، وجعل كأنهم للحال أسلموا ، فكذلك في المرتدات ، وعلى هذا لو نقض أهل ~~الذمة العهد كان الجواب فيهم كالجواب في المرتدين إلا أن شهادة أهل الذمة ~~عليهن بنقض العهد ها هنا مقبولة ، لأنهن ذميات ، واستدل عليه بما روي أن ~~علقمة بن علاثة ارتد في زمن الصديق - رضي الله تعالى عنه - ، فلما أخذت ~~امرأته قال : إن كان علقمة ارتد فإني لم أكفر بالله ، فخلى سبيلها وسبيل ~~ولدها ، ثم هذا إذا علم أن النساء في الأصل كن مسلمات ، فإن لم يعلم ذلك ~~فهن فيء وأولادهن ، لأنهن وجدن في دار الحرب ، ومن وجد في دار الحرب فهو ~~حربين ما لم يعلم له أصل الإسلام ، إلا أن يكون عليهن الماء المسلمات ، فقد ~~بينا أن تحكيم السيماء أصل في باب الإسلام ، فإذا وقع في قلب المسلمين أنهن ~~صادقات وجب تخلية سبيلهن وسبيل أولادهن ، فإن كان في حجر امرأة منهن صبي ، ~~وقد قتل زوجها ، أو لا يعلم هل كانت ذات زوج أم لا ، فقالت : هذا ابني صدقت ~~في إسلام الولد ، وأنه لا يكون فيئا ؛ لأن هذا أمر ديني فخبر الواحد في ~~مثله مقبول ، رجلا كان أو امرأة ، PageV05P1942 ولكن لا يتوارثان إلا ~~بالبينة ، وهو الحميل الذي كتب فيه عمر - رضي الله تعالى عنه - ، إلى شريح ~~- رحمه الله تعالى - أن لا يروث الحميل إلا بينة ، ولكن يجعل مسلما لكونه ~~في يد مسلم يحكم بإسلامه ، وكذلك لو قالت : هو ابن امرأة مسلمة أو دعتنيه ، ~~وإن قالت : هو ابن امرأة كانت من أهل هذه الدار أو دعتنيه ، وماتت ، وهي ~~حرة مسلمة ، لم تصدق على ذلك ؛ لأنه لم يعرف أصل الإسلام لتلك المرأة ، فلا ~~يكون هذا منه إخبارا بإسلام الولد وحريته ولكنه يكون فيئا لكونه موجودا في ~~دار الحرب ثم بنى محمد - رحمه الله تعالى - مسائل ms1100 على الأصل الذي بينا ، أن ~~من وجد في جار الإسلام إذا زعم أنه من أهل الذمة فإنه يكون القول قوله ولا ~~يتعرض له ، ومن وجد في دار الحرب لا يقبل قوله في ذلك إلا بحجة ؛ لأن دار ~~الإسلام دار أمن ، فمن وجد فيها يكون آمنا باعتبار الظاهر ، فيكون مقبول ~~القول بشهادة الظاهر له ، ودار الحرب دار سبي واسترقاق ، فمن وجد فيها يكون ~~فيئا ، إلا أن يثبت سبب الأمن والعصمة لنفسه بالبينة ، ولو أن أهل الدار ~~نقضوا العهد وحاربوا ، فلما ظهر عليهم المسلمون قال رجل منهم : ما نقضا ~~العهد فيمن PageV05P1943 نقض فإن كان أصل العهد معلوما لهم قبل النقض ~~فالقول قولهم ؛ لأن ما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه حتى يعلم ما يزيله ، فإن شهد ~~قوم من المسلمين ، أو من أهل الذمة ، بأنهم قاتلوا المسلمين ، فقد ثبت ~~بالحجة سبب نقضهم العهد ، فإن قالوا : أكرهونا على ذلك لم يقبل ذلك منهم ؛ ~~لأنهم يدعون معنى خفيا ليغيروا به حكم ما ظهر بحجة ، فلا يقبل قولهم في ذلك ~~إلا أن يقيموا عليه بينة من المسلمين ، فإن شهدوا أنهم قالوا : لنقتلنكم ، ~~أو لتقاتلون معنا كانوا أحرارا لا سبيل عليهم ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت ~~بالمعاينة ، فيخرج قتالهم به من أن يكون دليل الرضاء بنقض العهد ، وإن كان ~~لا يحل لهم ما صنعوا بإكراه ، وإن شهدوا أنهم كانوا قالوا : هذا لهم في ~~دارهم لا في دار الحرب ، وأنهم كانوا يقدرون في دار الحرب على أن ينصرفوا ~~عنهم إلى المسلمين فالإكراه لا يثبت بمثل هذه الشهادة ؛ لأنهم شهدوا بذهاب ~~الإكراه عنهم ، PageV05P1944 وإن لم يعلموا أصل الذمة للذين قالوا هذه ~~المقالة كانوا فيئا ، إلا أن يقيموا بينة على أصل الذمة لهم ؛ لأنهم وجدوا ~~في دار الحرب ، وإن رآهم المسلمون في صف المشركين ، ومعهم السيوف قد شهروها ~~، إلا أنهم لم يقاتلوا أحدا ، فقالوا : أكرهونا على ذلك فالقول قولهم ؛ لأن ~~ما ظهر للمسلمين منهم لا يكون نقضا للعهد ، فإن مثله لو ظهر من المسلم لا ~~يكون نقضا لإيمانه ، فكذلك إذا ظهر من المعاهد ms1101 ، وإن قال : قد كنت نقضت ~~العهد معهم ، ولكن كنت رجعت عن ذلك ، لم يقبل قوله إلا بحجة ؛ لأنه أقر ~~بزوال ما عرف من أصل الذمة له ، ثم أدعى أمرا حادثا لا يعرف سببه ، فلا ~~يقبل قوله إلا بحجة ، ولو أن المسلمين رأوا رجلا من النصارى في دار الإسلام ~~يتجر ولا يعرفون حاله ، ثم فتحوا مدينة من دار الحرب ، فوجدوه فيها ، فقال ~~: أنا رجل من أهل الذمة ، أسر في أهل الحرب ، أو كنت تاجرا فيهم ، فالقول ~~قوله ؛ لأنهم عرفوه من أهل دار الإسلام . PageV05P1945 ألا ترى : أنه حين ~~رأوه في دار الإسلام لو أرادوا التعرض له فقال : أنا ذمي ، كان القول قوله ~~في ذلك ، فكذلك إذا وجدوه بعد ذلك في دار الحرب وهذا لأنه لو قال لهم : أنا ~~ذمي قبل أن يأخذوه كان القول قوله في ذلك فكذلك لو قال لهم بعدما أخذوه ، ~~وعلى هذا لو لم يكونوا رأوه قبل هذا ، إلا أنه شهد له شاهدان من المسلمين ~~أنهما رأياه في دار الإسلام فهو ذمي ؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت ~~بالمعاينة ، وكذلك لو ادعى أنه مسلم في جميع هذا ، فإن كان عليه سيماء ~~المسلمين فلا إشكال في أن القول قوله ، وإن كان عليه سيماء أهل الكفر فقال ~~: أكرهوني ، حتى تزينت بهذا الزي ، فالقول قوله أيضا ؛ لأنه قد علم أصل ~~الإسلام له أو الذمة ، باعتبار كونه في دار الإسلام ، ثم لا يرتفع ذلك ~~بمجرد الزي لأن ما قاله محتمل بشهد له الظاهر فإن من بقي بين قوم يخالفونه ~~في الطريق قد يتزي بزيهم تقية فلهذا كان القول قول ، ولو أن أهل الحرب ~~صالحوا وصاروا ذمة وقع ذلك عليهم وعلى نسائهم لأن النساء تبع للرجال ، ~~ولأنهم إنما يقبلون الذمة ليسكنوا في مساكنهم وسكناهم إنما تكون بالنساء ~~والذراري ، PageV05P1946 فإن قالوا للمسلمين : إنا نأخذ العهد لأنفسنا دون ~~نسائنا ، كان نساؤهم فيئا إلا من دخل منهن في العهد ؛ لأن الدليل إنما ~~يعتبر إذا لم يوجد التصريح بخلافه ، فهذا يسترق النساء وأما الصغار من ~~الأولاد فهم تبع للآباء الذين ms1102 أخذوا العهد ، ولا سبيل عليهم ، ولو دخل حربي ~~دارنا بأمان ، ثم غلب أهل الشرك على تلك الدار حتى صارت دار حرب ، ثم ظهر ~~المسلمون عليهم فوجدوا ذلك فيهم ، فإن كان الذين غلبوا على هذه الدار من ~~أهل الدار التي كان المستأمن منها فهو فيء للمسلمين ؛ لأن الأمان قد انتقض ~~بينه وبين المسلمين ، حين حصل هو في دار الحرب وأهلها يوافقون ألا ترى : ~~أنه لو كان رجع إلى داره لكان ينتهي به الأمان ، وقد صار هذا الموضع في حكم ~~داره حين غلب عليه أهل الشرك ، وإن لم يكونوا من أهل دارنا بأن كان ~~المستأمن من أهل الروم ، والذين ظهروا على هذه الدار قوم من الترك ، فإن ~~كانوا أسروه ومنعوه من الخروج فهو في ذمة المسلمين على حاله ، حتى إذا ظفر ~~به المسلمون كان حرا ؛ لأنه ما وصل إلى مأمنه ، وإنما ينتهي الأمان بهذا ، ~~ولأنه أسر فيهم ، فكأنهم أسروه من دار الإسلام وأحرزوه بدارهم ، ~~PageV05P1947 فإن كان الذين غلبوا لم يمنعوه من الخروج إلى دار الإسلام ، ~~فأقام بين أظهرهم اختيارا فهذا نقض منه للعهد ؛ لأنه رضي بالمقام في دار ~~الحرب ، والراضي بالمقام في دار الحرب من أهل دار الحرب لا يكون في أمان من ~~المسلمين ، إذا كانوا آمنوه في دار الإسلام . ألا ترى أنه لو تزوج فيهم ~~واشترى المسكن ثم وقع الظهور عليه كان فيئا ، كغيره من أهل تلك الدار ، ~~وكذلك لو أن مستأمنا من الروم في دارنا بدا له فخرج إلى الترك بأمان أو ~~بغير أمان كان مبطلا للأمان الذي كان بينه وبين المسلمين ، فكذلك ما سبق ~~إلا أن في هذا الفصل إن أسروه أو لم يأسروه فالجواب سواء ؛ لأنه دخل إليهم ~~باختياره ، ولو أن رجلا من الروم سأل المسلمين أن يدخل إليهم بأمان فيتجر ، ~~ثم يخرج إلى الترك ، فيأتي بالأمتعة إلى دار الإسلام من ذلك الموضع ويتجر ~~فيها ، فأعطوه الأمان على ذلك فهو آمن ما لم يدخل بلاد الترك فإذا دخلها ~~فلا أمان له من المسلمين ما لم يرجع إلى دار ms1103 الإسلام ؛ لأن المسلمين إنما ~~أعطوه الأمان في دار الإسلام لا في دار الترك ، إلا أن يكونوا قالوا له : ~~أنت آمن إذا دخلت دار الإسلام إلى أن تعود إليها وترجع إلى دارك ، فحينئذ ~~هذا تصريح بإعطاء الأمان له في دار الترك ، PageV05P1948 ثم إن نبذ إليه ~~المسلمون وهو في دار الترك ، فنبذهم باطل ، وهو آمن حتى يرجع إلى بلاده ؛ ~~لأنهم إنما نبذوا إليه في دار هو مستأمن فيها ، فكان هذا ونبذهم إليه في ~~دار الإسلام سواء ، وقد عرف أن النبذ لا يصح إلا بعد تبليغ المستأمن مأمنه ~~وإعادته إلى ما كان عليه والله أعلم بالصواب . PageV05P1949 # # | باب أسر العبد وغيره ثم يرجع إلى مولاه أو لا يرجع # قال : العبد المأسور إذا مات مولاه ، ثم وقع في الغنيمة فحضر ورثته بعد ~~ما وقع في الغنيمة ، فإن وجدوه قبل القسمة أخذوه بغير شيء ، وإن وجدوه بعد ~~القسمة أخذوه بالقيمة ؛ لأنهم قائمون مقام مورثهم ، وهذا الأخذ إعادة إلى ~~قديم الملك بطريق الفداء ، فيكون بمنزلة الفداء للعبد الجاني من الجناية ، ~~والورثة يقومون في ذلك مقام المورث ، وهذا بخلاف الشفعة ، فإن الشفيع إذا ~~مات لم يكن لورثته حق الأخذ بالشفعة ، ولا يقومون في ذلك مقامه ؛ لأن حق ~~الأخذ بالشفعة باعتبار الجوار ، والذي كان للمورث من الجوار قد زال بموته ، ~~وجوار الوارث حادث ، فلا يكون له حق الأخذ . فأما ها هنا حق الأخذ باعتبار ~~الملك القديم ، ولا يتغير ذلك بموت المورث والورثة يخلفونه في ذلك الملك ، ~~لو كان قائما ، فكذلك في حق ثابت باعتبار ذلك الملك ، وإن أراد ذلك بعضهم ~~وكره بعضهم بعد القسمة فليس لهم إلا أن يأخذوا جميعا أو يدعوا ؛ ~~PageV05P1950 لأنهم بالأخذ يعيدونه إلى قديم ملك الميت ، حتى إذا ظهر عليه ~~دين بيع فيه ، وهو في حياته ، لو أراد أن يأخذ البعض دون البعض لم يكن له ~~ذلك فكذلك الورثة بعد موته ، وإن أبى بعضهم أن يفديه وقال بعضهم : نحن ~~نفديه بالقيمة ، فلهم ذلك ولكنهم يكونون متطوعين في الفداء ؛ لأن العبد ~~يعود إلى قديم ملك الميت ، فيكون ms1104 ميراثا ، بين ورثته ، وهم تبرعوا بالفداء ~~في نصيب من أبى منهم ، إذ ليس لهم أن يلزموهم دينا ، شاءوا أو أبوا ، فكان ~~هذا نظير الفداء من الجناية ، وكذلك إن كان فيهم موصى له بالثلث ؛ لأنه ~~شريك الورثة في التركة بماله من الوصية ، فهذا كأحد الورثة في حكم الفداء ، ~~ومن حضر من موص أو وارث أو موصى له فأراد أن يفديه ، فله ذلك ، وإن غاب ~~عامة الورثة ، لأن الحاضر خصم عن الميت ، وإنما يعيده بالأخذ إلى قديم ملك ~~الميت ، والحاضر خصم في ذلك عن الميت ، كما في الفداء من الجناية ، وإن حضر ~~الموصى له بالثلث ، خاصة فجحد الذي وقع العبد في سهمه أن يكون العبد للميت ~~، فأقام الموصى له البينة عليه بذلك قبلت بينته ، وكان خصما له ؛ ~~PageV05P1951 لأنه شريك الورثة في التركة فيكون خصما عن الميت كأحدهم ، ~~وإذا فداء بجميع القيمة وأخذه أعطاه القاضي الثلث من العبد ، وجعل الثلثين ~~محبوسا للورثة إلى أن يحضروا فيأخذوا ، فإن حضروا وجحدوا وصية الموصى له لم ~~يلتفت القاضي إلى جحودهم ؛ لأن الذي وقع العبد في سهمه كان خصما للموصى له ~~عن الورثة في إثبات الوصية عليه ، فهو وما لو أثبته على الورثة سواء ، ولو ~~كان الذي حضر غريم من غرماء الميت لم يكن خصما لمن وقع العبد في سهمه ؛ ~~لأنه يحتاج إلى إثبات دينه في ذمة الميت ، ومن وقع العبد في سهمه ليس بخصم ~~في ذلك عن الميت ، فأما الموصى له يثبت الأخذ لنفسه في العبد الذي وقع في ~~يده ، بمنزلة الوارث ، فلهذا كان خصما له وإن أقر الذي وقع العبد في سهمه ~~أنه غريم الميت لم يأمره القاضي بدفع العبد إليه بقيمته ؛ لأن الدين ~~بإقراره لا يثبت في ذمة الميت ، ولكن إن حضر وارث أو وصي فأبى أن يفدي ~~فأراد الغريم أن يفديه جعل القاضي الوراث أو الوصي خصما للغريم ، حتى يثبت ~~الدين عليه ؛ PageV05P1952 لأنه قائم مقام الميت في إثبات الدين بالبينة ، ~~ثم كان للغريم أن يفديه حتى يباع له في الدين ، وإن كان الوصي ms1105 حين حضر أقر ~~له بالدين لم ينتفع الغريم بذلك ، وقيل له : هات بينة على دينك ولا يخرج ~~الوصي من خصومته بإقراره بالدين ؛ لأنه قائم مقام الميت فيما يرجع إلى ~~النظر والإقرار بالدين عليه ليس من ذلك في شيء فهو كالأجنبي في ذلك ، فإذا ~~بطل إقراره بالدين صار كأنه لم يوجد أصلا ، فإن كان المقر بالدين أحد ~~الورثة كان للغريم أن يفديه بقيمته ؛ لأن الدين قد ثبت بإقراره في نصيبه ، ~~ثم إذا أخذ العبد فإن القاضي يعزل نصيب سائر الورثة حتى يقدموا فيقروا أن ~~ينكروا ، ويبيع حصة الوارث المقر للغريم في دينه ؛ لأن إقراره حجة في حقه ~~والدين الثابت بإقراره في حصته كالثابت بالبينة ، فإن حضر الموصى له بالثلث ~~فأقر بالدين ، ووقع العبد في سهمه لوصيته ، فله أن يفديه بالقيمة . لأن ~~الثابت بالإقرار في حق المقر كالثابت بالبينة ، PageV05P1953 فإن حضر ~~الورثة فجحدوا وصيته فالقول قولهم ، ويقال للورثة : أدوا للموصى له ثلث ~~الفداء وخذوا العبد ؛ لأنه في مقدار الثلث إنما أدى الفداء ، على أن يفدي ~~ملكه فلا يكون متطوعا في ذلك فأما في الثلثين إنما أدى الفداء على أنه يفدي ~~ملك الورثة فكان متطوعا في ذلك ، وكذلك لو ادعى الوصية بالعبد له ، ~~والمسألة بحالها ، فإن الورثة يأخذون العبد هناك إذا أعطوه جميع الفداء إن ~~أحبوا ذلك ؛ لأنه في الكل ها هنا يفدي ملك نفسه ، فالعبد كله له وصية بزعمه ~~إذا كان يخرج من ثلث ماله ، فلهذا لم يكن متطوعا في شيء من الفداء ، وإن ~~كان الوارث أو الموصى له إنما حضر قبل القسمة فليس له أن يأخذ حتى يقيم ~~البينة على ذلك ؛ لأن الحق لعامة المسلمين فلا يثبت الاستحقاق عليهم إلا ~~بحجة ، ثم إذا أقام البينة أخذه بغير شيء فعاد إلى قديم ملك المورث ، وكان ~~ميراثا عنه ، ولو وقع العبد في سهم رجل في مرض المأسور منه فسلمه له كان ~~ذلك جائزا سواء كان من وقع في سهمه وراث الميت أو أجنبيا ، وسواء كان فيه ~~محاباة أو لم يكن ، وكذلك إن سلمه ms1106 للمشتري من العدو فإن المحاباة لا تظهر ~~في هذا الفصل ؛ PageV05P1954 لأنه بهذا التسليم لا يملكه شيئا إنما يبطل ~~حقا ليس بمال ولا يجوز الاعتياض عنه بالمال بحال ، فكان هذا بمنزلة تسليم ~~الشفعة ، وتسليم المريض شفعته بسبب من الأسباب يكون صحيحا على الإطلاق فهذا ~~مثله ، وكذلك لو ساومه بالعبد بيعا مستقبلا ؛ لأن هذا دليل التسليم منه ~~فيكون كالتصريح بالتسليم كما في الشفعة ، فإن قيل : قد قلتم إن الأخذ ~~بالقيمة بمنزلة الفداء من الجناية ، فعلى هذا ينبغي ألا يصح ذلك من المريض ~~في حق وارثه ، فلا تسلم له المحاباة التي تكون باعتباره ، قلنا : هذا إذا ~~كان بتصرفه يملك الوارث مالا وهو ها هنا ليس يملك الوراث شيئا فقد ملك ~~الوارث العبد بالشراء ، أو بوقوعه في سهمه ، فلهذا صح تسليمه في حق الوارث ~~، وهو نظير الإبراء عن الكفالة بالنفس ، والعفو عن دم العبد ، فإن ذلك صحيح ~~من المريض مع وارثه كما يصح مع الأجنبي والذي يوضح ما قلنا أن من وقع العبد ~~في سهمه يتمكن من إسقاط حق الأخذ بالإعتاق والتدبير فلا يصير به ضامنا شيئا ~~، فتبين به أن هذا الحق ضعيف وأي فرق بين أن يسقط الحق بتصرف من وقع في ~~سهمه وبين أن يسقط بإسقاط المريض ، ولو مات المأسور منه ولا وارث له ~~فميراثه لجماعة المسلمين ، والإمام نائب عنهم في ذلك ، فإن عرف حاله قبل ~~القسمة أخذه لبيت المال بغير شيء ، وإن عرفه بعد القسمة فإن شاء أخذه لبيت ~~المال بقيمته ، وإن شاء تركه ، وإن وجده في يد رجل اشتراه من العدو ~~بخمسمائة وقيمته ألف فالأولى PageV05P1955 له أن يأخذه بالثمن لما فيه من ~~الحظ للمسلمين ، فأما إذا وجده في يد من وقع في سهمه فحق الأخذ إنما يكون ~~بقيمته وليس فيه منفعة ظاهرة للمسلمين ؛ لأن حقهم في المالية دون العين ، ~~فلا يستقل بأخذه إلا أن يرى أن فيه حظا للمسلمين ، ولو أن المأسور منه وجده ~~في يد رجل اشتراه من العدو فلم يطلبه حتى مضى زمان ، ثم جاء يطلب أخذه ~~بالثمن ms1107 فله ذلك بخلاف الشفعة فإن الشفيع إذا لم يطلب بعد ما علم بالبيع ~~تبطل شفعته ؛ لأن سكوت الشفيع إنما جعل تسليما دفعا للضرر عن المشتري فإن ~~الشفيع يتمكن من نقض تصرف المشتري بالأخذ بالشفعة ، فلو لم يجعل سكوته ~~تسليما تعطل ملك المشتري وتعذر عليه التصرف فيه ، فلهذا جعلناه تسليما وهذا ~~المعنى لا يوجد ها هنا ، فإن المأسور منه يأخذه ممن يجده في يده ، ولا ينقض ~~شيئا من التصرفات . ألا ترى أنه لا ينقض القسمة ليأخذه مجانا ، فلا حاجة ها ~~هنا إلى أن يجعل سكوته تسليما ، ولو كان العبد المأسور لصبي صغير ، له أب ~~أو وصي ، فاشتراه رجل منه بخمسمائة ، وقيمته ألف ، فسلم الأب أو الوصي حق ~~الصبي في ذلك ، جاز التسليم ، PageV05P1956 في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - ~~رضي الله تعالى عنهما - ولم يجز في قول محمد وزفر - رحمهما الله تعالى - ~~على قياس الشفعة ، فإن في الموضعين جميعا بهذا التسليم لا يخرج من ملك ~~الصبي شيئا ، ولو كان المشتري من العدو اشتراه بألف درهم وقيمته خمسمائة ~~فأراد الأب أو الوصي أن يأخذ ذلك للصبي بالثمن لم يكن لهما ذلك ، لما فيه ~~من الغبن الشديد على الصبي بمنزلة ما لو اشترى له عبدا يساوي خمسمائة بألف ~~درهم ، إلا أن هناك يكون مشتريا لنفسه ، وها هنا لا يكون آخذا لنفسه ؛ لأنه ~~غير مالك للأخذ لنفسه ها هنا ، بغير رضى المشتري من العدو ، فإنه بالأخذ ~~يعيده إلى قديم الملك له ، ولم يكن له فيه الملك في الأصل وإنما كان ذلك ~~للصبي ، فلهذا لا يجعل آخذا لنفسه ، وإن ظهر المشركون على الأرض من أراضي ~~المسلمين فصارت دار شرك ، ثم غلب المسلمون عليها ، فمن حضر من أصحابها قبل ~~القسمة أخذها بغير شيء ومن حضر بعد القسمة أخذها بقيمتها إن أحب ؛ لأن ~~الأرض مال المسلم كسائر الأموال ، فإن بناها من وقعت في سهمه ثم حضر المالك ~~القديم فليس له أن يأخذها ؛ PageV05P1957 لأن البناء استهلاك وليس له أن ~~ينقض البناء ليأخذ ، كما لا يكون له أن ينقض سائر ms1108 التصرفات بخلاف البيع ، ~~وإنما هذا نظير موهوب له يبني في الأرض الموهوبة ، ثم يريد الواهب الرجوع ~~فيها ، فهناك لا تمكن من ذلك ، لأن البناء استهلاك فهذا مثله ، وكذلك قال ~~أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في مشتري الأرض بشراء فاسد ، إذا بناها ، ~~فليس للبائع حق الاسترداد بعد ذلك ، ومعلوم أن حق البائع أوجب من حق المالك ~~القديم ها هنا ، فإن لم يقض القاضي له بالأخذ لأجل البناء ، ثم هدم الباني ~~بناءه حتى عاد كما كان فللمالك القديم أن يأخذها بالفداء ها هنا ؛ لأن ~~المانع كان هو البناء ، وقد زال المانع فيتمكن من الأخذ ، بمنزلة الواهب ~~يريد الرجوع فيها بعد ما رفع الموهوب له البناء ، وكذلك لو كان إنما بنى ~~فيها أهل الحرب حين أحرزوها ؛ لأن المالك القديم إنما يثبت له حق الأخذ ~~فيما كان مملوكا له ، وهذا البناء لم يكن مملوكا له قط ، فلا يثبت له حق ~~أخذ البناء ، ويتعذر عليه أخذ الأرض بدون البناء ، فإن هدم من وقع في سهمه ~~البناء كان له أن يأخذ الأرض بقيمتها لزوال المانع ، ولو كانت الأرض مبنية ~~حين أخذها المشركون فوقعت في سهم رجل من المسلمين كان لمالكها الأول أن ~~يأخذها بقيمتها مبنية يوم وقعت في سهمه ؛ PageV05P1958 لأنها كانت له في ~~الأصل بنائها فله أن يعيدها بالأخذ إلى ملكه كما كانت ، فإن لم يأخذها حتى ~~جعلها من وقعت في سهمه مسجدا للمسلمين فصلوا فيها ، ولم يزد فيها بنيانا ، ~~أو كانت أرضا فجعلها صدقة موقوفة للمساكين ، أو جعلها مقبرة أو جعلها خانا ~~للمسلمين ، ثم جاء صاحبها الأول فليس له أن يأخذها ؛ لأنها تحرزت عن ملك ~~العباد بما أحدث فيها من التصرف ، فكان هذا قياس العبد إذا أعتقه من وقع في ~~سهمه ، وهذا لأن المالك القديم يأخذه من غير أن ينقض التصرف ، وبدون نقض ~~التصرف ها هنا لا يتمكن من أخذها بالقيمة ، فإنها لم تصر في ملك أحد حتى ~~يأخذها منه بالقيمة وبه فارق الشفعة ، فإن الشفيع يتمكن من نقض تصرف ~~المشتري ، فإذا نقض تصرفه ms1109 رجعت إلى ملكه ، كما كانت ، فكان له أن يأخذها ~~منه ، فإن خرب ما حول المسجد وانتقل عنه أهله فقد رجع إلى ملك صاحبه ، على ~~أصل محمد - رحمه الله تعالى - لأنه يزول المانع فكان للمالك الأول أن ~~يأخذها بالقيمة ، وكذلك لو كان المأسور فرسا فجعلها من وقع في سهمه حبيسا ، ~~ثم حضر مالكه الأول فلا سبيل له عليه ، وهذا قول محمد - رحمه الله تعالى - ~~، فإنه يجوز الوقف في العقار والمنقول فيما فيه العادة ، فأما على قول أبي ~~حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : الوقف لا يتعلق به اللزوم ولا يخرج العين ~~من ملك صاحبه ، فكان للمالك الأول أن يأخذه إلا في المسجد خاصة ~~PageV05P1959 فإن ذلك يتعلق به اللزوم فيمنع المالك الأول من الأخذ باعتبار ~~أنه لا يتمكن من نقض التصرف ، ولهذا لا ينقض القسمة ولا بيع من وقعت في ~~سهمه ، وإن كان في ذلك منفعة لتفاوت يكون بين الثمن والقيمة ، إلا أن بعد ~~البيع من غيره هو محتمل للنقل من ملك إلى ملك ، فكان حقه في الأخذ باقيا ~~وبعد التصرفات التي بينا ، ليس بمحل للتملك بعوض ولا بغير عوض فلا يكون له ~~أن يأخذ إلا أن يعود محلا للملك ، ولا تملك بمنزلة العبد إذا كاتبه من وقع ~~في سهمه ، فليس لمالكه أن يأخذه ، فإن عجز المكاتب كان لمالكه أن يأخذه ~~بقيمته لزوال المانع ، وكذلك لو جعله من وقع في سهمه رهنا عند إنسان بدين ~~له عليه ، فليس للمالك الأول أن يأخذه حتى يفتكه الراهن ؛ لأنه تعلق ~~بالمرهون حق لازم للمرتهن فإن افتكه ، كان له أن يأخذه منه بالقيمة لزوال ~~المانع ، وإن قال الملك الأول : أنا أؤدي الدين وآخذه بالقيمة ، أجبر ~~الراهن والمرتهن على ذلك ، لوصول كمال حق المرتهن إليه ، ويكون متطوعا في ~~أداء الدين ، لا يرجع على الراهن بشيء منه ؛ PageV05P1960 لأنه لم يكن ~~مجبرا على أدائه ولا محتاجا إليه ، فقد كان يتمكن من أن يصير إلى أن يفتكه ~~الراهن ثم يأخذه ، فلو آجره من وقع في سهمه من رجل مدة معلومة وقبض ms1110 الأجر ، ~~ثم حضر المالك الأول ، فله أن ينقض الإجارة ويأخذه بالقيمة ؛ لأن الإجارة ~~تنقض بالأعذار ، وثبوت حق المالك الأول في الأخذ عذر ينقض به الإجارة ، وإن ~~كان لا ينقض به سائر التصرفات ، فإن ثبوت حق المشتري في الرد بالعيب يكون ~~عذرا في نقض الإجارة دون سائر التصرفات بمنزلة حق البائع في الاسترداد ~~بفساد البيع يكون عذرا في نقض الإجارة دون سائر التصرفات ، ولو كان الذي ~~وقع عليه الظهور ناقة لمسلم فجعلها من وقعت في سهمه بدنة ، وقلدها وأشعرها ~~أو جعلها أضحية ثم حضر المالك الأول فله أن يأخذها بالقيمة ؛ لأن ملك من ~~وقعت في سهمه لم يزل بهذا التصرف . ألا ترى أنه لو باعها جاز بيعه فيها ، ~~بخلاف ما تقدم من الوقف والحبس ، فقد زال ملكه هناك ، وبهذا تبين خطأ من ~~يجوز الاستبدال بالوقف بالقياس على الأضحية والبدنة ، فإذا أخذها بالقيمة ~~اشترى الذي وقعت في سهمه بدنة فجعلها مكان الأولى ، لأن القيمة في حقه عوض ~~عما أوجب فيه حق الله تعالى ، وحكم العوض حكم المعوض في الوقف بخلافه ، ~~PageV05P1961 ولو كان المأسور عبدا فاشتراه رجل منهم بأقل من قيمته أو ~~بأكثر ، فلما حرضه الموت أوصى به لرجل ، كان للمالك الأول أن يأخذه من ~~الموصى له بالقيمة ؛ لأن الوصية تبرع بالعين بعد الوفاء ، فيكون قياس ما لو ~~تبرع به في حياته بالهبة منه ، وهناك المالك الأول يأخذه من الموهوب له ~~بالقيمة فكذلك ها هنا ، ولو لم يوص به الآخذ كان له أن يأخذه من الوارث ~~بالثمن ، الذي اشتراه به المورث ؛ لأن الوراثة خلافة ، والملك الثابت ~~للوارث هو الملك الذي كان للمورث ، ولهذا يرد بالعيب على بائع مورثه ، ~~ويصير مغرورا فيما اشتراه مورثه ، ثم كان له أن يأخذه من المورث بالثمن ، ~~فكذلك من الوراث ، فأما الموصى له فإنما يتملك العين بسبب جديد ، ولهذا لا ~~يرد على بائع الموصي بالعيب ، ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي . قال : ~~وإن كان الميت لم يوص برقبته لأحد ولكنه أوصى بخدمته أو بغلته لرجل ، فليس ~~للمالك الأول أن ms1111 يأخذه بالثمن ولا بالقيمة ؛ لأن للموصى له فيه حقا لازما ، ~~ولهذا لا يملك الوارث بيعه ولا إبطال حقه ، فهو لا يتمكن من الأخذ من ~~الوارث لقيام الحق للموصى له فيه ، ولا من الموصى له ؛ PageV05P1962 لأنه ~~لا يملك العين ، وحق الأخذ بالبدل إنما يكون ممن يملك العين ، بخلاف الأول ~~، فالموصى له هناك مالك للعين فلذا أمكنه الأخذ بالقيمة ، فإن مات الموصى ~~له بالغلة أو الخدمة كان له أن يأخذه من الوارث بالثمن ؛ لأن حق الموصى له ~~قد بطل بالموت وزال المانع من الأخذ ، فكان له أن يأخذه ، ولو كان العبد ~~المأسور مشتركا بين رجلين فحضر أحدهما وغاب الآخر ، كان له أن يأخذه نصفه ~~ممن وقع في سهمه بنصف قيمته ؛ لأن حق الأخذ باعتبار الملك القديم ، وقد كان ~~كل واحد منهما مالكا للنصف واعتبار الكل بالجزء اعتبار صحيح ، فإن حضرا ، ~~فقال أحدهما : آخذ ، وقال الآخر : أسلم ، فللذي أراد الأخذ أن يأخذ نصفه ؛ ~~لأن لكل واحد منهما رأيا في نصيبه ، فكما لا يملك الذي يريد الأخذ إبطال ~~خيار شريكه ، لا يملك الذي يسلم إبطال خيار شريكه ، وليس للذي وقع في سهمه ~~أن يقول : إنكم تفسدون علي العبد وتلحقون بي ضرر تبعيض الملك ؛ لأن وجوب ~~دفع الضرر عن المالك الأول مقدم على وجوب دفع الضرر عمن وقع في سهمه ، ولها ~~يتمكن من أخذه منه شاء أو أبى ، PageV05P1963 وهذا بخلاف ما إذا كان ~~المأسور منه واحدا ومات عن ابنين ، فإن هناك لا يملك أحدهما أخذ النصف بغير ~~رضى من وقع في سهمه ؛ لأن أصل الملك هناك للمورث ، والورثة يقومون مقامه ، ~~وهو في حال حياته كان لا يملك أخذ البعض دون البعض ، ولكن إما أن يأخذ الكل ~~أو يسلم الكل فكذلك الورثة بعد موته فإن قيل : فعلى هذا ينبغي إذا سلم أحد ~~الوارثين أن يكون ذلك تسليما منهما ، كما لو كان المورث حيا ، فسلم النصف ~~وسكت عن النصف الثاني ، قلنا : لا فرق فهناك لو قال المورث : أسلم النصف ~~على أن آخذ النصف بنصف القيمة لم يكن ms1112 ذلك تسليما منه ، كما لا يكون تسليم ~~أحد الوارثين ها هنا تسليما في حق الآخر ، ألا أن هناك المورث كان متمكنا ~~من التسليم في الكل ، فيجعل تسليمه البعض مطلقا كتسليم الكل ، كما في ~~الشفعة ، وها هنا أحد الوارثين لا يملك التسليم في حق صاحبه فيكون هذا ~~بمنزلة تسليم المورث النصف بشرط أن يأخذ النصف الباقي ، ولو غلب المشركون ~~على دارهم ، ثم وقعت في سهم رجل من المسلمين ، فهدم بعض بنائها ، ثم حضر ~~صاحبها الذي كانت له ، فأراد أخذها ، فإنه يأخذها ويأخذ البعض إن كان قائما ~~بعينه بقيمتها يوم وقعت في سهمه ؛ لأن البعض كان مملوكا له كالأصل ، ألا ~~ترى : أنه لو حضر قبل أن ينقض من وقعت في سهمه البناء كان له PageV05P1964 ~~أن يأخذ الأصل والبناء جمعيا ، فهذا مثله ، ولا يسقط عنه شيء من القيمة ~~بهدم من وقعت في سهمه ، لأن ما يعطيه من القيمة فداء لملكه والفداء يكون ~~بمقابلة الأصل فلا يسقط منه شيء بنقصان يتمكن فيه بفعل مكتسب ، أو لا بفعل ~~مكتسب ، وكذا لو استهلك من وقع في سهمه البعض لم ينتقض شيء من الفداء عن ~~المالك الأول وهذا بخلاف الشفعة ، فإن المشتري إذا هدم البناء ثم حضر ~~الشفيع فلا سبيل له على النقض وإنما يأخذ الأرض بحصتها من الثمن ؛ لأن حق ~~الأخذ بالشفعة يختص بالعقار دون المنقول ، والنقض منقول . ثم الأخذ بالشفعة ~~بمنزلة الشراء ؛ لأن الشفيع يتملك المأخوذ بالثمن ابتداء والبناء بمنزلة ~~الوصف ، فإذا فات بصنع مكتسب بسقط حصته من الثمن عن الشفيع ، فأما المالك ~~الأول ها هنا بالأخذ يعيده إلى قديم ملكه بالفداء ، وقد بينا أن الفداء ~~يقابل الأصل دون الوصف ، وعلى هذا لو كان مكان الدار أرض فيها نخل قائم ثم ~~حضر المالك الأول ، فله أن يأخذ الكل بقيمة الأرض والنخل يوم وقعت في سهم ~~الرجل فإن كان من وقعت في سهمه قد PageV05P1965 أكل الثمر أو باعه ، أو قلع ~~النخل أو باعه ، على أن يقلع فكذلك الجواب ؛ لأن ما يعطيه من قيمة الأرض ~~والنخل فداء ms1113 بمقابلة الأصل فلا يسقط شيء منه بفوات الوصف والبيع ، ولكنه ~~يأخذ النخل والثمر من المشتري إذا كان قائما بعينه في يده بالثمن الذي ~~اشتراه به إن شاء بخلاف الشفيع فالشفعة تختص بالعقار دون المنقول ، وللشفيع ~~ولاية نقض تصرف المشتري ما بقي حقه ، فلهذا قلنا : إذا حضر قبل أن يقلع ~~المشتري النخل كان له أن ينقض البيع ويأخذ الكل من المشتري الأول بالثمن إن ~~شاء ، قال : ولو أن رجلا اشترى عبدا فلم يقبضه حتى أسره العدو ثم وقع في ~~سهم مسلم ، فحضر البائع والمشتري فالبائع أحق به أن يأخذه بالقيمة إن شاء ؛ ~~لأنه قبل الأسر كانت اليد له ، وكان هو أحق بحبسه حتى يستوفي الثمن ، وهذا ~~لأن المبيع قبل القبض في ضمان ملك البائع ، ولهذا لو هلك كان هالكا على ~~ملكه ، فإذا أخذه بالقيمة قلنا : هو لا يكون متبرعا فيما أدى من القيمة ، ~~فإنه لا يتوصل إلى إحياء حقه إلا بذلك ، فيكون للمشتري الخيار إن شاء أخذه ~~بالثمن الأول منه أو بالقيمة ، وإن شاء تركه ، وإنما يثبت له الخيار ؛ ~~PageV05P1966 لأنه لزمه زيادة في الثمن لم يرض بالتزامها ، فإن أبى البائع ~~أن يأخذه بالقيمة فللمشتري أن يأخذه بالقيمة إن شاء ؛ لأن الأسر كان على ~~ملكه ، فكان له أن يعيده بالأخذ إلى ملكه كما كان ، ثم عليه أن يؤدي الثمن ~~إلى البائع ؛ لأن المبيع قد سلم له ، فإن قال البائع : أنا آخذ العبد منه ~~حتى يؤدي الثمن لم يكن له ذلك ، لأنه قد أسقط حقه في الحبس ، حين أبى أن ~~يأخذه بالقيمة في الابتداء ، فكان هذا بمنزلة ما لو سلم المبيع إلى المشتري ~~ثم أراد أن يسترده ليحبسه بالثمن ، ولو مات المأسور منه العبد وترك ابنا ~~صغيرا ، وأوصى إلى رجل ثم وقع العبد في الغنيمة فإن وجده الوصي قبل القسمة ~~أخذه للصبي بغير شيء ، وإن وجده بعد القسمة يأخذه بالقيمة إن شاء ، لما ~~بينا أن الوارث ها هنا بالأخذ يقوم مقام المورث ، وإن هذا الحق لا يسقط ~~بموت المورث بخلاف الشفعة ثم الوصي ms1114 قائم مقام أب الصبي إن كان قائما فإن ~~أخذه بالقيمة ، وليس للميت مال ، وللصبي ورثه من أمه فالقيمة في مال الصبي ~~؛ لأن دين عليه فيؤدي من ماله ، ولا يكون على الوصي في ذلك عهدة كما لا ~~يكون على الوكيل بالأخذ من جهة المالك القديم في هذا عهدة ، لأن هذا ~~PageV05P1967 بمنزلة الفداء من الجناية ، وهناك يكون الوكيل نائبا محضا ، ~~فلا يلزمه العهدة فهذا مثله ، بخلاف الشفعة فالوصي أو الوكيل إذا أخذا ~~بالشفعة بلزمها العهدة ، وتتوجه عليهما المطالبة بالثمن ثم يرجعان به ؛ لأن ~~الأخذ بالشفعة تملك بطريق الشراء ابتداء في حق الشفيع ، فإن كان الوصي ضمن ~~القيمة للذي موقع في سهمه كان مطالبا به بحكم الضمان ، وله أن يرجع به في ~~مال الصبي لقيام ولايته عليه في إلزام الدين إياه ، بخلاف الوكيل بالأخذ ~~إذا ضمن في مال الصبي لقيام ولايته عليه في إلزام الدين إياه ، بخلاف ~~الوكيل بالأخذ إذا ضمن القيمة فإنه يكون متطوعا في ذلك ، لا يرجع به على ~~الموكل ؛ لأنه ليس له ولاية إلزام الدين لغير من تناوله الأمر ، فكيف يلزمه ~~دينا لنفسه ، إلا أن يكون أمره بالضمان فحينئذ يرجع عليه الأمر ، فإن فدى ~~الوصي العبد للصبي بالقيمة من مال الصبي ، ثم أقام رجل البينة على دين له ~~على الميت محيط بمالية العبد ، فإنه يباع له العبد في دينه ؛ لأنه إعادة ~~إلى قديم ملك المورث ، وحق الغريم فيه مقدم على حق الوراث ، PageV05P1968 ~~ثم يكون الوصي متطوعا في الفداء ، يغرم للصبي ما أداه من ماله ؛ لأنه تبين ~~أنه ما أخذه للصبي ها هنا ، فإن استغراق التركة بالدين يمنع ملك الوارث ، ~~فلهذا كان ضامنا للصبي ما أدى من ماله ، وصار هذا بمنزلة الدين ظاهرا ، ~~فأخذه الوصي وأدى الفداء من مال نفسه ، وهناك هو متطوع في الفداء ، ويباع ~~العبد للغريم بدينه ، فكذلك ها هنا ، وشبه هذا بما لو جنى البعد جناية ~~ففداه الوصي من مال الصغير بأن رأى فيه النظر له ، ثم ظهر على الميت دين ، ~~والمعنى يجمع الفصلين ، فالحكم فيهما سواء كما ms1115 بينا ، ثم لا يكون الوصي ~~بالتطوع في الفداء نظير أجنبي آخر فهناك لمن وقع في سهمه أن يأبى ذلك عليه ~~، وها هنا ليس له ذلك ؛ لأن الوصي قائم مقام الموصي ، وهو قد كان مجبرا على ~~التسليم إلى الموصي بقيمته ، فكذلك إلى وصيه بعد موته ، وإن لم يفد الوصي ~~العبد للصبي حتى رفع ذلك إلى القاضي فأمره القاضي أن يفديه ، أو كان القاضي ~~هو الذي فداه ، أو أمين من أمنائه بأمره ، ثم ظهر الدين فالغرماء بالخيار ، ~~إن شاءوا أدوا القيمة إلى الصبي ، ثم يباع العبد لهم في دينهم ، فإن أبوا ~~ذلك رد العبد إلى من وقع العبد في سهمه ، وأخذ منه القيمة فيرد على الصبي ؛ ~~PageV05P1969 لأن المؤدي للفداء ها هنا لا يمكن أن يجعل متطوعا من قبل أن ~~هذا حكم حكم به القاضي للصغير ، فلا ينفذ حكمه إلا باعتبار النظر له ، ~~وحكمه يمنع أن يكون المؤدي للفداء متطوعا فيه ، بخلاف الأول ، فلو كان ~~الوصي أخذه بالقيمة للصبي بغير أمر القاضي ، ثم ظهر دين يكون مثل نصف قيمة ~~العبد ، فإن العبد يباع فيستوفي الغريم دينه ، وما فضل من الثمن فهو للصبي ~~، إرث له من أبيه ، أو يكون الوصي متطوعا فيما أعطى من القيمة ؛ لأن تصرفه ~~هذا ليس فيه نظر للصبي ، فإنه يفدي جميع العبد بقيمته ولا يسلم للصبي منه ~~إلا النصف ، وإذا لم ينفذ تصرفه على الصبي باعتبار هذا المعنى كان متطوعا ~~في الفداء ، فإن كان القاضي أمره بذلك ، والمسألة بحالها ، فإن القاضي يقول ~~للغرماء : إن شئتم فالتزموا من الفداء بقدر حصصكم ، حتى أبيع العبد في ~~دينكم وإلا رددت على من وقع في سهمه ؛ لأن الوصي هناك لا يمكن أن يجعل ~~متطوعا في الفداء ، فإنه فدى بأمر القاضي ، وذلك حكم منه ، فإنما ينفذ في ~~حق الصبي بشرط النظر له ، فإن قال الغرماء : لا نفدي ، فالعبد مردود على من ~~وقع في سهمه ، إلا أن يرى القاضي النظر للصبي في أن يجعل الفداء من قبله ، ~~بأن كان حدث في العبد زيادة في بدنه أو ms1116 قيمته بعدما وقع في سهم الرجل ، ~~فحينئذ يجعل الفداء من مال الصبي لتوفير المنفعة عليه ، PageV05P1970 وإن ~~كان الذي فدى به القاضي العبد من مال الميت ، والدين يحيط بتركته ، فقالت ~~الغرماء : لا نرضى أن نفدي العبد بذلك ، ولكنا نأخذ الفداء قضاء من ديننا ، ~~كان لهم ذلك ؛ لأن الحق في التركة لهم خاصة ، وإنما أمضى الحكم على مرادهم ~~، سواء كان فيما اختاروا منفعة لهم أو ضرر عليهم ، وليس للوارث أن يفدي ~~العبد ها هنا ؛ لأن استغراق التركة بالدين يمنع ملك الوارث . قال : ولو أن ~~المشركين أسروا العبد ممن وقع في سهمه ، ثم وقع في سهم مسلم ، فحضر مولاه ~~الأول ، فليس له أن يأخذه ؛ لأن الأسر الثاني لم يكن على ملكه ، وإنما كان ~~على ملك من وقع في سهمه فيكون حق الأخذ للمأسور منه خاصة ، وإنما يثبت حق ~~الأول في ملك المأسور منه فيما إذا لم يفد ذلك الملك يأخذه قبل القسمة بغير ~~شيء وبعده بالقيمة ولا سبيل للمولى الأول على أخذه ، وإذا أخذه المأسور منه ~~بالقيمة كان للمولى الأول أن يأخذه بقيمتين إن شاء ؛ لأن المأسور منه بما ~~أدى من القيمة أحيي ملكه ، وكان محتاجا إلى ذلك PageV05P1971 فلا يكون ~~متبرعا فيه ، فلهذا يأخذه المالك الأول بالقيمة الأولى ، وبما أداه الآن إن ~~شاء ، وكذلك لو كان مكان الذي وقع في سهمه مشتر اشتراه من العدو ثم أسر منه ~~ثانيا فهو نظير الأول في جميع ما ذكرنا ، لا يكون للمولى الأول أن يأخذه ما ~~لم يأخذه المشتري الأول بالثمن الثاني ممن اشتراه من العدو ، وبعد ذلك يأخذ ~~الثمن إن شاء أو يدع . فإن طلب المالك القديم أخذه ممن وقع في سهمه بالقيمة ~~، أو من المشتري بالثمن ، فقضى له القاضي بذلك ، أو سلمه له بدون القضاء ، ~~ثم قال : لا أعطيه حتى تعطيني ما وجب لي عليه فذلك له ؛ لأن ملكه حي فيه ~~بما لزمه من الفداء له ، فيكون محبوسا عنده حتى يؤدي ذلك الفداء ، ولا يكون ~~هذا دون رد الآبق وهو يستوجب الحبس بالجعل الواجب ms1117 له ، فها هنا أولى . فإن ~~باعه المالك الأول فقبل أن يقبضه من إنسان آخر فبيعه باطل ، أما إذا لم يكن ~~أدى الواجب عليه لإنه عاجز عن تسليمه وإن كان أدى الواجب عليه ، فلأن ~~المبيع مضمون في يده من في يده بالفداء الذي يوجب له ، ألا ترى أنه لو هلك ~~لزمه رد ذلك الفداء وكان هذا بمنزلة المبيع في يد البائع أو يد المشتري بعد ~~فسخ البيع ، بحكم الإقالة والرد بالعيب بغير قضاء أو بقضاء القاضي وهذا ~~أقرب الأشياء ، فقد ذكرنا ها هنا أنه لو باعه ممن في يده يجوز ، فعرفنا أنه ~~بمنزلة المبيع في يد المشتري بعد فسخ البيع ، PageV05P1972 فإنه مضمون ~~بالثمن هناك في يده بعد ما عاد إلى أصل ملك البائع كما أن ها هنا مضمون ~~بالفداء بعد ما عاد إلى قديم ملك المأسور منه ، ثم هناك يجوز بيعه ممن في ~~يده ، ولا يجوز بيعه من غيره ، فكذلك ها هنا ولهذا لو وجد المأسور منه عيبا ~~حادثا كان له أن يرده قبل قبضه بقضاء أو بغير قضاء وبعد قبضه بقضاء القاضي ~~، بمنزلة البائع الأول إذا وجد به عيبا حادثا بعد ما انفسخ البيع بينه وبين ~~المشتري بالرد بالعيب بقضاء القاضي ، ولو أن المأسور منه أخذه بالفداء ولم ~~يكن رآه قبل ذلك قط فلما رآه لم يرض به ، لم يكن له أن يرده ؛ لأنه بالأخذ ~~يعيده إلى قديم ملكه ، وخيار الرؤية يختص بالشراء المبتدأ وهذا إذا لم يكن ~~به تغير عن الحال الذي كان عليه في يده ، وإن كان تغير إلى نقصان فله أن ~~يرده ، لأنه إنما رضي بالفداء ليعيده إلى قديم ملكه كما كان ، وبعد التغير ~~يتمكن الخلل في مقصوده ، فكان له أن يرده لهذا ، ولو كان العبد المأسور ~~يساوي ألف درهم فاشتراه رجل بمائة درهم ، فأخرجه وقد مات المأسور منه وترك ~~ابنا صغيرا وعليه من الدين خمسمائة ، فحضر الغرماء والوصي فأبى الغرماء أن ~~يفدوه ، فللوصي أن يفديه بالمائة من مال الصبي ؛ لأن فيه منفعة ظاهرة له ، ~~فإنه يبيعه ms1118 بالألف ويقضي دين الميت بخمسمائة ، فيبقى للصغير خمسمائة ، ~~بالمائة التي أعطاها الوصي وفي الموضع PageV05P1973 الذي يتحقق النظر فيه ~~للصبي لا يكون الوصي متطوعا في الفداء ، وهو قياس الفداء من الجناية ، فإن ~~نقص سعر العبد بعد ما أخذه الوصي حتى صار يساوي خمسمائة فإنه يباع العبد ~~للغرماء ، وليس على الوصي من ذلك شيء ؛ لأن معنى النظر للصبي كان ظاهرا ~~يومئذ فنفذ تصرفه للصبي ثم لا يتغير ذلك بما حدث من نقصان السعر ألا ترى ~~أنه لو مات العبد بعد ما أخذه الوصي لم يكن على الوصي من ذلك شيء فهذا مثله ~~، ولو كان مكان الغريم أخ للصبي غائب لم يعلم به الوصي حتى فداه بالمائة من ~~مال الصبي ، ثم حضر الغائب فإن كان الوصي فداء ، بغير أمر القاضي فهو متطوع ~~في نصف الفداء ؛ لأنه في النصف أحيا ملك الغائب بملك الصغير ، وكان متطوعا ~~فيه بخلاف الأول ، فهناك أحيا ملك الصغير في جميع العبد ؛ لأن الدين إذا لم ~~يكن محيطا فالتركة كلها تدخل في ملك الوارث ألا ترى أن للوارث أن يستخلص ~~التركة لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر ، وليس لأحد الوارثين أن يستخلص ~~الملك لنفسه بأداء نصيب الشريك من موضع آخر ، PageV05P1974 وإن كان الوصي ~~فداه بأمر القاضي ، فإن القاضي يقول للغائب : إن شئت فادفع نصف الفداء ~~ويكون العبد بينك وبين الصغير نصفين ، وإلا رددناه على المشتري من العدو ؛ ~~لأن الوصي لا يكون متطوعا فيما يؤدي من الفداء بأمر القاضي وهذا التصرف وإن ~~كان فيه حظ للصبي ، فذلك لا يفوت عليه ، لأنه إذا كبر كان له أن يفديه ~~بالمائة إن شاء ، فيكون متطوعا في نصف الفداء عن أخيه ، قال : ولو أن ~~المشتري من العدو اشتراه بمائتي درهم وعلى الميت دين تسعمائة ، فليس للوصي ~~أن يأخذه للصبي بالمائتين ؛ لأنه لا يبقى للصبي بعد قضاء الدين من ثمنه إلا ~~مائة درهم ، وفيه من الخسران على الصبي ما لا يخفى ، فإن فعل ذلك الوصي ~~بغير أمر القاضي فهو متطوع في الفداء ، لما بينا أنه لا ms1119 نظر للصبي في هذا ~~التصرف ، فإن بيع العبد بضعف ثمنه كان ما بقي من الثمن بعد قضاء الدين ~~للصبي ، وكان الوصي متطوعا في الفداء لأن المعتبر وقت الأخذ ولم يكن هذا ~~الأخذ بصفة النظر له يومئذ فلا يتغير حكمه بما يحدث من الزيادة بعد ذلك ، ~~وإن كان الوصي فداه بأمر القاضي ، بأن لم يكن PageV05P1975 الدين معلوما ~~للقاضي حين أمر به ، فالوصي ها هنا غير متطوع في الفداء ، ولكن القاضي يخير ~~الغريم ، فإن شاء كان عليه من الفداء بقدر دينه ، وذلك تسعة أعشار الفداء ، ~~وإلا رد العبد على المأخوذ منه ، فإن رضي الغريم بذلك يسلم الثمن للمشتري ، ~~ويبيع العبد ، فأخذ الغريم دينه ، وكان ما بقي من الثمن للصغير ، فإن نقص ~~العبد في دين أو سعر ، فلم يبع إلا بقدر الدين أو أقل منه ، لم يرجع الصبي ~~على الغريم بشيء من حصته من الفداء ؛ لأن المعتبر وقت الأخذ ، ثم لا يتغير ~~الحكم ، بما ظهر من الزيادة أو النقصان بعد ذلك ، بمنزلة ما لو مات العبد ~~بعد الفداء ، فإنه لا يرجع بعضهم على بعض بشيء ، وشبه هذا بما لو شج عبد من ~~التركة رجلا موضحة وفيها دين ، فحكم الفداء من الجناية كحكم فداء المأسور ~~في جميع من ذكرنا والله أعلم . | PageV05P1976 # | باب أسر العبد المرتد قبل الردة وبعدها # قال محمد - رحمه الله تعالى - : إذا أسر المشركون عبدا لرجل من المسلمين ~~فأحرزوه بدارهم ثم إن مولاه ارتد ، والعياذ بالله عن الإسلام ، ولحق بدار ~~الحرب ، فأخذ المسلمون العبد المأسور من المشركين فهو فيء لمن أصابه ، قال ~~الشيخ الإمام - رحمه الله تعالى - : قد بينا أن لحاق المرتد بدار الحرب ، ~~إذا لم يتصل به قضاء القاضي في حكم الغيبة وإذا اتصل به بقضاء القاضي بحكم ~~الغيبة فهو كالموت فكما أن بعد موت المأسور منه ورثته يخلفونه في أخذ العبد ~~المأسور قبل القسمة بغير شيء ، وبعد القسمة بالقيمة ، فكذلك بعد قضاء ~~القاضي بلحاقه ، ويستوي فيه إن أسر المشركون العبد قبل ردته أو بعد ردته ، ~~قبل لحاقه أو بعد لحاقه ms1120 ؛ قبل أن يقضي القاضي به ، ولو رجع المرتد مسلما ~~قبل أن يقضي القاضي بلحاقه ، ثم وقع عبده في الغنيمة ، فإن وجده قبل القسمة ~~أخذه بغير شيء ، وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة بمنزلة PageV05P1977 ~~الغائب إذا رجع ، وإذا رجع المرتد مرتدا على حاله ، ثم لم يسلم حتى أسر ~~العدو عبده ، ووقع في الغنيمة ، ففي القياس قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - : إن وجده قبل القسمة أخذه بغير شيء ، وإن وجده بعد القسمة لم يكن له ~~أن يأخذه بالقيمة ، حتى ينظر أيسلم أم يقتل ، فإن أسلم كان له أني أخذه وإن ~~قتل كان لورثته أن يأخذوه بالقيمة ؛ لأنه يقول : يتوقف تصرفات المرتد ، إلا ~~أنه يصحح قبوله الهبة والأخذ قبل القسمة في معنى ذلك ، لأنه يعيده إلى ملكه ~~مجانا ، وفي قول محمد - رحمه الله تعالى - : له أن يأخذه بالقيمة بعد ~~القسمة أيضا ، فإنه يقول بنفوذ تصرفاته بعد الردة بعوض وبغير عوض ، وإن لم ~~يأخذه بعد العلم به حتى قتل ، فلورثته أن يأخذوه لقيامهم مقامه بعد موته ، ~~فإن رجع المرتد إلى دار الإسلام مرتدا ، بعد ما قضى القاضي بلحاقه ، فلم ~~يسلم حتى وقع عبده المأسور في الغنيمة فلا سبيل له عليه ؛ لأنه ميت في قضاء ~~القاضي ، ما لم يسلم فيكون حق الأخذ لورثته لا له حتى إذا وجدوه قبل القسمة ~~أخذوه بغير شيء ، وبعدها بالقيمة إن أحبوا ، فإن أدوا لا قيمة من مال ورثوه ~~من المرتد ، ثم أسلم كان له أن يأخذ ما بقي في أيديهم من الميراث وكان له ~~أن يأخذ العبد أيضا ويعطيهم القيمة التي غرموا فيه ؛ PageV05P1978 لأنهم ~~أعادوه بالأخذ إلى ملكه الأول ، ولكنهم ما كانوا متبرعين فيما أدوا من ~~الفداء ؛ لأنهم قصدوا به استخلاص الملك لأنفسهم ، فإن قال : إنما أعطوا ~~القيمة من مالي ، فأنا لا أعطيهم ذلك ، لم يكن له ذلك ؛ لأن ما أعطوه ~~مستهلك ، وحقه لا يعود في المستهلك ، فكان إعطاء ذلك من ماله أو من مال آخر ~~لهم سواء . ألا ترى : أنه لو اشترى العبد من العدو بعض ms1121 الورثة ، وأدى الثمن ~~من مال ورثه من المرتد ، ثم جاء المرتد بعد ذلك مسلما ، فأراد أن يأخذ ~~العبد بغير شيء لم يكن له ذلك ، ولكنه يأخذه بالثمن إن شاء أو يدع ، ولو ~~سلم الورثة العبد لمن وقع في سهمه ، ثم جاء المرتد بعد ذلك مسلما ، فأراد ~~أن يأخذ العبد بغير شيء لم يكن له ذلك ، ولكنه يأخذه بالثمن إن شاء أو يدع ~~، ولو سلم الورثة العبد لمن وقع في سهمه ، ثم جاء المرتد بعد ذلك مسلما ~~فأراد الأخذ بالقيمة لم يكن له ذلك ؛ لأن الورثة صاروا كالمستهلكين لهذا ~~الحق بالتسليم ، وفي المستهلك لا يعود حق المرتد ، ولأنه لم يرجع إلى ~~الورثة على الميراث من المرتد . ألا ترى : أن الورثة لو اشتروه من الذي وقع ~~في سهمه ، ثم جاء المرتد مسلما ، لم يكن له أن يأخذه منهم ، لأنهم أخذوه ~~بملك مستقبل ، وكان ذلك دليل التسليم منهم ، فعند التصريح أولى ، ولو أن ~~المسلمين أخذوا المرتد وعبده المأسور جميعا ، قبل أن يقضي القاضي بلحاقه ~~فأسلم المولى ، فلا سبيل له على العبد ؛ PageV05P1979 لأنه حين وقع في ~~الغنيمة كان هو حربيا مأسورا ، فلا يثبت له الأخذ في غنائم المسلمين ، ولا ~~يثبت لورثته أيضا ، لأن القاضي لم يقض بلحاقه بعد فينفذ ذلك ، وإن أسلم ~~المولى لا يثبت له الحق فيه ، ألا ترى أنه لو لحق بعبد له إلى دار الشرط ~~مرتدا مثله فأسرا جميعا كان العبد فيئا ، ولم يكن للمولى عليه سبيل فهذا ~~أولى من ذلك ، فقد كان تملكه في دار الحرب ها والمأسور قبل لحاقه ما كان ~~بملكه في دار الحرب وإن أراد الورثة أخذه ، ولم يجىء المرتد مسلما حتى أخذ ~~أسيرا فإن القاضي يقضي بلحاقه كما كان يقضي من قبل أن يؤسر ، لأن بالأسر لا ~~يخرج هو من أن يكون حربيا وإنما يجعل كالميت عند قضاء القاضي باعتبار كونه ~~حربيا ، فإذا قضى القاضي لهم بميراثه كان لهم أن يأخذوا العبد قبل القسمة ~~بغير شيء وبعدها بالقيمة ، وإن جاء المرتد مسلما قبل قضاء القاضي بميراثه ms1122 ~~أو بعبده ، فليس له ولا لورثته على أخذ العبد سبيل ها هنا ، أما له فلأنه ~~كان حربيا حين وقع العبد في الغنيمة ، وأما لورثته ، فلأنهم إن أخذوه ~~أعادوه إلى قديم ملكه ، فكان هو أحق به منهم ، وقد بينا أنه لا حق له ها ~~هنا ، بخلاف ما إذا لم يأت هو مسلما ، فإن الورثة هناك PageV05P1980 ~~يأخذونه لأنفسهم ، وهم من أهل أن يثبت لهم الحق في الغنيمة ، ولو كانوا ~~أخذوه قبل أن يجيء المرتد مسلما ثم جاء هو مسلما كان أحق به منهم ؛ لأنهم ~~أعادوه إلى قديم ملكه ، فهذا مما هو قائم من تركته في أيديهم ، إلا أنه ~~يعطيهم ما غرموا فيه من الغنيمة ؛ لأنهم ما كانوا متبرعين فيما أدوا ، وإن ~~كان المرتد جاء مسلما قبل وقوع العبد في الغنيمة ، ثم وقع في الغنيمة ، فهو ~~أحق به قبل القسمة بغير شيء ، وبعدها بالقيمة ؛ لأنه حين وقع في القسمة كان ~~هو من أهل أن يثبت له الحق فيها ، فيمكن من إعادته إلى قديم ملكه بالأخذ ، ~~ولو أخذ المولى مع العبد فحبسه الإمام حتى ينظر في أمره ، فجاء ورثته ~~يطلبون العبد ، فإن كان الإمام قضى بلحاقه فلهم أن يأخذوه ؛ لأنه ميت بقضاء ~~القاضي ما لم يسلم ، فإن أخذوه وباعوه ، ثم أسلم المرتد أو جاء مسلما بعد ~~هذا التصرف ، ليس له أن يأخذه من المشتري ؛ PageV05P1981 لأنهم صاروا ~~مستهلكين بالبيع ، وقد بينا أن حق المرتد لا يعود في المستهلك ، ولو كان ~~مكان المرتد مرتدة ، والمسألة بحالها ، لا سبيل لها على مالها ولا على ~~عبدها المأسور ، إن كان أسر معها أو قبلها أو بعدها ؛ لأنها حين أسرت فقد ~~صارت فيئا وذلك بمنزلة موتها في حكم الملك أسلمت أو لم تسلم ، فكان حق ~~الأخذ لورثتها ، فإن جاءت مسلمة ولم تؤسر ، فحالها كحال المرتد في جميع ما ~~بينا ؛ لأنها بقيت حرة ، كما أن المرتد يبقى حرا ، سواء جاء مسلما أو أسيرا ~~فأسلم ، والله أعلم . | PageV05P1982 # | باب شفعة المرتد # وإذا بيعت دار بجنب دار المرتد ، أو كان البيع قبل ردته ، ثم ms1123 ارتد فلم ~~يعلم بالبيع حتى لحق بدار الحرب ، ثم جاء مسلما قبل أن يقضي القاضي بلحاقه ~~، فعلم بالبيع ، وطلب الشفعة فله أن يأخذها ؛ لأن اللحاق إذا لم يتصل به ~~القضاء بمنزلة الغيبة ، والغائب على شفعته إذا حضر ، وإن قضى القاضي بلحاقه ~~فلا شفعة لورثته ، لأن الشفعة لا تورث ، وإنما كان البيع قبل وجوب الحق ~~لورثته ، ولا شفعة للمرتد إذا جاء مسلما ؛ لأن القاضي حين قضى بلحاقه فقد ~~جعل داره ملكا لورثته ، وذلك يزيل جوازه فتبطل به شفعته . قال : ولو كان ~~المرتد لحق بدار الحرب قبل أن تباع الدار التي له فيها الشفعة ، ثم كان ~~البيع بعد ذلك ، وجاء المرتد مسلما قبل أن يقضي القاضي بلحاقه أو بعده فلا ~~شفعة له ؛ لأن الدار يبعث وهو حربي لا أمان له ، ولا شفعة للحربي فيما يباع ~~في دار الإسلام ، PageV05P1983 ألا ترى : أنه بعد اللحاق لو باع داره التي ~~بها يطلب الشفعة أو وكل ببيعها لم يجز ذلك ، فيه تبين أنه صار حربيا وأنه ~~لا يستحق الشفعة باعتبار هذا الملك ، فإن طلب ورثته أن يأخذوا بالشفعة فإن ~~القاضي يقضي لهم بميراثه ويقضي لهم بالشفعة أيضا ؛ لأن عند قضاء القاضي ~~يثبت الملك لهم مستندا إلى وقت لحاق المرتد بدار الحرب ، فظهر أن بيع الدار ~~كان بعد ما وجب الحق لم ، فكان لهم الشفعة ، وهو نظير ما قال أبو حنيفة - ~~رضي الله تعالى عنه - فيمن اشترى دارا بشرط الخيار ، ثم بيعت دار بجنب داره ~~، ثم أسقط خياره وعلم بالبيع فطلب الشفعة كان له ذلك ، فإن قيل : هناك ~~المشتري كان متمكنا من التصرف في المشتري ، وها هنا الورثة ما كانوا ~~يتمكنون من التصرف في مال المرتد قبل قضاء القاضي بلحاقه ، قلنا : نعم ، ~~ولكن استحقاق الشفعة باعتبار الملك لا باعتبار التمكن من التصرف ، وفي ~~الموضعين الملك لم يكن موجودا لمن يطلب الشفعة وقت البيع ، ولكن من سبب ~~الملك كان تاما وحق الغير كان منقطعا ، ثم هناك استحقاق الشفعة بها إذا تم ~~الملك له فيها فكذلك ها هنا ، ألا ms1124 ترى : أن المكاتب لو مات عن وفاء وله ~~ورثة أحرار ثم بيعت دار إلى جنب داره ، فلم يعلموا بالبيع حتى أديت ~~المكاتبة ، ثم علموا به كان لهم الشفعة ، وإن لم يكونوا متمكنين من التصرف ~~فيه عند البيع ، وإذا بيعت دار بجنب دار الحربي المستأمن في دارنا فله أن ~~يأخذها بالشفعة ؛ PageV05P1984 لأنه ما دام في دارنا بأمان فهو في ~~المعاملات كالذمي ، فإن لم يعلم بالبيع حتى رجع إلى داره ، ثم عاد مستأمنا ~~فلا شفعة له ؛ لأنه لما رجع فقد صار كحربي لم يدخل في دارنا حتى الآن ، ولا ~~شفعة للحربي في دار الإسلام ، ابتداء ولا بقاء ، وكذلك لو بيعت الدار بعد ~~ما رجع هو إلى دار الحرب فلا شفعة له لهذا المعنى ، قال : ولو بيعت دار ~~بجنب دار المرتد قبل لحاقه بدار الحرب وطلب أخذها بالشفعة فله ذلك ، في وقل ~~محمد - رحمه الله تعالى - وفي قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - لا ~~شفعة له حتى يسلم ، بخلاف المرتدة ، وهذا بناء على تصرفات المرتد كما بينا ~~، ولو علم بالبيع في حال ردته فلم يسلم ، ولم يطلب عند ذلك الشفعة ، بطلت ~~شفعته ، لترك الطلب بعد التمكن بأن يسلم والله أعلم . PageV05P1985 # | باب من المرتدين وغيرهم من مشركي العرب في دار الحرب # وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب ، فحبلت منه هناك وولدت ثم ظهر ~~المسلمون على الولد صغيرا فإنه فيء ويجبر على الإسلام ؛ لأنه قد كان أصل ~~الإسلام لأبويه ، والولد تابع لأبويه في الإسلام ، ولو كان له أصل الإسلام ~~بنفسه كان مجبرا على الإسلام إذا سبي فهذا مثله ، فإن ولد لولدهما ولد ثم ~~ظهر المسلمون على ولد الولد كان فيئا ولم يجبر على الإسلام ؛ لأن أصل ~~الإسلام إنما كان لجده ، وقد بينا أن النافلة لا يكون مسلما بإسلام الجد ، ~~فلهذا لا يجبر على الإسلام ، ويكون حكمه كحكم سائر الكفار . قال : وإذا لحق ~~المرتد بماله ، ثم ظهرنا على ذلك المال ، فهو فيء ولا يكون للورثة ؛ لأن ~~هذا مال حربي ، وحق الورثة إنما يثبت في المال ms1125 الذي خلفه في دار الإسلام ، ~~وأما ما لحق به معه في دار الحرب فلا يثبت فيه حق الورثة ، PageV05P1986 ~~وإن كان لحق بدار الحرب ، ثم رجع فأخذ مالا من ماله وأدخله دار الحرب ، ثم ~~ظهر على ذلك المال ، رددناه إلى الورثة كما يرد على غيرهم ، في قول أبي ~~حنفية - رضي الله تعالى عنه - ، وقال محمد - رحمه الله تعالى - : إن رجع ~~قبل قضاء القاضي بلحاقه فلا سبيل للورثة على هذا المال ، وإن رجع بعد قضاء ~~القاضي بلحاقه كان للورثة أن يأخذوه إذا وجدوه في الغنيمة قبل القسمة بغير ~~شيء وبعدها بالقيمة ، ولا خلاف بينهما في الحقيقة ، ولكن أطلق أبو حنيفة - ~~رضي الله تعالى عنه - الجواب وقسم محمد - رحمه الله تعالى - ، فإن كان عوده ~~قبل قضاء القاضي بلحاقه فاللحاق الأول في حكم الغيبة ، وإنما المعتبر ~~اللحاق الثاني ، والمال فيه معه ، وكأنه لحق بدار الحرب بماله ، وأما إذا ~~قضى القاضي بلحاقه فقد صار المال ميراثا للورثة ، وهو حربي خرج ، فاستولى ~~على مال الورثة وأحرزه ، ولو استولى غيره على هذا المال ، ثم وقع في ~~الغنيمة ، كان لهم أن يأخذوه قبل القسمة بغير شيء وبعدها بالقيمة فهذا مثله ~~، والمكاتب المرتد اللاحق بدار الحرب إذا اكتسب مالا ثم أخذ مع ماله فقتل ~~فإنه يؤدي كتابته ، وما بقي ميراث لورثته بخلاف الحد لأنه في كسب المكاتب ~~حق لمولاه ، وبعد لحاقه بدار الحرب الكتابة باقية ، فإذا كان الموت الحقيقي ~~لا يبطل الكتابة فالموت الحكمي أولى ، وقيام حق المولى في كسبه يمنع كونه ~~فيئا ، فلهذا كان ما اكتسبه في دار الإسلام وفي دار الحرب سواء ، فأما ~~الحربي ، فقد صار حربيا حين لحق بدار الحرب ولا حق لأحد من المسلمين فيما ~~يكتسبه بعد ذلك ، فإذا وقع الظهور عليه كان فيئا للمسلمين ، PageV05P1987 ~~ولو أسلم عبد الحربي ، فقد بينا أنه إن رجع إلينا مراغما ، أو أخذه ~~المسلمون أسيرا فهو حر ، لإحرازه نفسه ، وإن خرج إلينا بأمان في تجارة ~~لمولاه لم يعتق ؛ لأنه ما قصد إحراز نفسه عن مولاه ، ولكنه لا يترك يرجع ~~إلى ms1126 دار الحرب لإسلامه ، بل يبيعه الإمام ، ويقف ثمنه حتى يجيء مولاه ~~فيأخذه ، ولو لم يسلم العبد ولكن خرج مراغما لمولاه ليكون ذمة لنا كان حرا ~~؛ لأنه يصير محرزا لنفسه عن مولاه بهذا الطريق ، والذمة بمنزلة الإسلام في ~~حصول الأحراز بها ، وإن خرج بأمان كان عبدا لمولاه لا يقبل منه الذمة ، ~~ولكن يؤمر بالرجوع إلى دار الحرب للوفاء بالأمان ، وبعد ما قضى القاضي ~~بلحاق المرتد يعتق أمهات أولاده ، ومدبره من ثلث ماله ، والمؤجل من الديون ~~عليه يصير حالا ؛ لأن ذلك بمنزلة موته فما يثبت من الحكم إذا مات حقيقة ~~يثبت ها هنا ، وإذا لحق المرتد بدار الحرب ومعه عبد مسلم أو أمة ~~PageV05P1988 مسلمة فطاوعاه في الخروج أو أجبرهما لم يعتق واحد منهما ، ~~فكانا مملوكين له ، وقيل : هذا قول محمد - رحمه الله - فأما عند أبي حنيفة ~~- رضي الله تعالى عنه - ينبغي أن يحكم بحريتهما بمنزلة المستأمن في دارنا ~~إذا اشترى عبدا مسلما وأدخله دار الحرب ، لأن المرتد باللحاق صار حربيا لا ~~أمان له ، وقيل : بل هذا قولهم جميعا وأبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ، ~~لا يفرق ويقول : هناك المستأمن كان مجبرا على إزالة العبد المسلم عن ملكه ، ~~ولكن كانت الإزالة بالبيع لحرمة الأمان فإذا زال ذلك بلحاقه تم الزوال الذي ~~كان مستحقا ، فأما هذا المرتد لم يكن مجبرا على إزالة هذا العبد عن ملكه ~~قبل أن يلحق به دار الحرب ، فلا يزول ملكه أيضا إذا أدخله دار الحرب ، لأنه ~~صار حربيا وله عبد مسلم فهو بمنزلة الحربي إذا أسلم عبده ، فإن أخذ المرتد ~~ومملوكه معه مسلم فالمملوك حر ؛ لأن إحرازه نفسه سبق إحراز المرتد المسلمين ~~له ، كون يده في نفسه أقوى ، ولو كان مكان المرتد المرتدة ، فكذلك الجواب ~~في الرقيق ، وإنما الفرق في نفسها المرتدة تكون فيئا بخلاف المرتد ، ولو ~~عاد المرتد مملوكه إلى الردة فأجابه إليها ، ثم وقع الظهور عليهما فالمملوك ~~فيء ؛ لأنه صار محرزا نفسه ها هنا ، فإنه حربي ، ولكنه إن كان عبدا يقتل إن ~~أبى الإسلام ، وإن كانت أمه ms1127 لم تقتل ، ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام ~~بمنزلة الحرة المرتدة . PageV05P1989 ولو لحق المرتد بأم ولده أو مدبرته أو ~~مكاتبة له مسلمة ، مكرها أو مطاوعة ، ثم ظهر المسلمون عليهم فهن حرائر على ~~كل حال ؛ لأنه قد كان جرى فيهن العتق ، وقد بينا أن الأمة التي لم يجر فيها ~~العتق إذا وقع الظهور عليها في هذه الحالة كانت حرة ، فالتي جرى فيها العتق ~~أولى ، وإن كان حين أدخلهن دعاهن إلى دينه فارتددن ، والمسألة بحالها ، فهن ~~فيء ، وما جرى فيهم من العتاق لا يبطل عنهن الفيء ؛ لأن حالهم الآن لا يكون ~~أعلى من حال الحرة المرتدة والحرة المرتدة تسبى ، ولو كان لحق معه مدبر أو ~~مكاتب فارتدا معه ، أو بعدما أدخلهما ثم سبيا معه ، فإن المولى يعرض عليه ~~الإسلام ، فإن أبى قتل وعتق مدبره ؛ لأن عتقه كان معلقا بموته ، وقد وجد ، ~~وعتق مكاتبه أيضا ؛ لأن حق المولى قد سقط عن بدل الكتابة حين قتل ، ولم يصر ~~ذلك فيئا للغانمين ، لأنه دين في الذمة والدين لا يكون فيئا فيسقط عن ~~المكاتب أصلا ، وبراءته عن بدل الكتابة توجب عتقه ، PageV05P1990 وإن أسلم ~~المولى كان حرا ، ويعرض على المكاتب والمدبر الإسلام ، فإن أبيا قتلا ، وإن ~~أسلما فهما على حالهما لمولاهما ؛ لأن التدبير والمكاتبة في المنع من ~~التملك بالاسترقاق كالحرية ، ثم الحر المرتد لا يملك بالسبي ، فكذلك ~~المكاتب والمدبر . وإن كانا مسلمين على حالهما فهما حران حين وقع الظهور ~~عليهما أسلم المولى أو قتل ؛ لأن العبد القن في مثل هذه الصورة يعتق ، ~~فالمدبر والمكاتب أولى ، ولو لحقت المرتدة بمدبر أو مكاتب لها ، وهما ~~مسلمان فالمولاة فيء إن أسلمت أو لم تسلم وهما حران ؛ لأنهم أحرزا أنفسهما ~~عنها ، ولو كانا ارتدا معها فيهما حران أيضا بخلاف ما سبق في المرتدة ؛ لأن ~~المولاة هنا قد صارت أمة بالسبي فكأنها ماتت ، والمرتد لم يصر عبدا بالسبي ~~فيكون عبيده على حالهم ، ووزان المرتدة المرتد إذا قتل ، وقد بينا أنهما ~~يعتقان هناك ، ولو أن أهل بلدة ارتدوا وصارت دارهم دار حرب ثم ظهر ms1128 المسلمون ~~عليهم فأسلموا ، فالرجال أحرار والنساء من PageV05P1991 الحرائر وأمهات ~~الأولاد والمكاتبات فيء للمسلمين ، أما عن حكم بحريتها فهي بمنزلة الحرة ~~الأصلية ، فتكون فيئا بالسبي بعد الردة ، وأما المماليك الرجال المرتدون ~~فهم على حالهم مدبرون ومكاتبون ؛ لأنهم ممن لا يجري عليهم السبي بخلاف ~~العبيد والإماء ، وإن كان الرقيق لم يرتدوا فهم أحرار كلهم ؛ لأنهم صاروا ~~محرزين أنفسهم على مواليهم ، فمن كان منهم عبدا أو أمة لم يجر فيه عتاق فله ~~أن يوالي من شاء ؛ لأنه حر لا ولاء عليه ، وقد ثبت من أصلنا أن المراغم لا ~~يكون عليه ولاء لأحد ، فأما المدبرون وأمهات الأولاد فولاؤهم لمواليهم ، ~~لأنه قد جرى فيهم عتاقة ، وكانوا مستحقين للولاء بذلك ، والولاء كالنسب لا ~~يحتمل الإبطال بعد ثبوته ، يوضحه : أن المرتدين بمنزلة مشركي العرب من حيث ~~إنه لا يجري على رجالهم السبي ، وأنه لا يقبل منهم إلا السيف أو الإسلام ، ~~وهذا الحكم ثبت في حق من أسلم من المدبرات وأمهات الأولاد والمكاتب كمشركي ~~العرب ، PageV05P1992 ولو أن قوما من المرتدين أو مشركي العرب سبوا جواري ~~مسلمات من المسلمين فاقتسموهن ، ثم استولد كل واحد منهم جارية أو دبرها أو ~~كاتبها ثم أسلموا كن إماء لهم على حالهن لأنهم ملكوهن بالإحراز فالجواري ~~كلهن حرائر ؛ لأنهن أحرزن أنفسهن على مواليهن وقد كان الموالي أهل الحرب ~~فتملك أنفسهن بالإحراز وهذا لأنه ليس فيهن حق للمأسور منه بعد التدبير ~~والاستيلاد والكتابة من الموالي ، فيتم إحرازهن لأنفسهن ، وكذلك لو كانوا ~~مدبرين أو مكاتبين لنساء مرتدات . لأن الموليات صرن فيئا وذلك بمنزلة موتهن ~~، ولو كان الرقيق ارتدوا والمسألة بحالها ، فمن كان منهن أمة لرجل أو امرأة ~~فهي فيء وتجبر على الإسلام ومن كان منهم عبدا فإن كان المرأة مرتدة أو ~~مشركة عربية فهم أحرار يعرض عليهم السلام فإن أسلموا وإلا قتلوا ؛ لأن ~~المرتد منفي على حكم الإسلام ، ومن كان منهم عبدا لرجل مرتد عرض عليه ~~الإسلام بعد ما يقتل مولاه فإن أسلم فهو حر ، وإن أبى قتل ، فإن أسلم ~~المولى والعبد أيضا وهو مدبر أو ms1129 مكاتب فهو مملوك لمولاه على حاله ، وحالهم ~~الآن كحال الذين ارتدوا مع الموالي في جميع ما بينا ، PageV05P1993 ولو ~~اشترى المرتد أمة حربية فاستولدها ، ثم وقع الظهور عليها فهي تكون فيئا ؛ ~~لأن ما جرى فيها من العتاقة لا يقوى إذا كانت حربية ولا يكون حالها أقوى من ~~حال حرية أصلية ، والحرة الأصلية تسترق إذا كانت حربية فأم الولد أولى ، ~~فإن أسلمت قبل ظهور المسلمين عليهم فهي حرة حين ظهر المسلمون عليهم ؛ لأنها ~~صارت محرزة نفسها على مولاها ، ولو تزوج مسلم أسر في دار الحرب أمة حربية ~~وولد ابنا فهو مسلم عبد لمولى الأمة ؛ لأن الولد يتبع خير الأبوين دينا ، ~~ويتبع الأم في الرق والحرية . فإن أسلم أهل الدار فلابن عبد لمولاه على ~~حاله ؛ لأنه كان مالكا له قبل الإسلام والإسلام سبب لتقرير ملكه ، وإن ظهر ~~المسلمون على الدار فلابن حر من عشيرة أبيه ؛ لأنه صار محرزا نفسه على ~~مولاه بمنعة المسلمين فكان حرا ، PageV05P1994 ثم إن كان الأب عربيا ، فليس ~~له أن يوالي أحدا ، وإن لم يكن عربيا فله أن يوالي من أحب ، ولو كان أبوه ~~حربيا فأسره المسلمون وأعتقه من وقع في سهمه فإن ولاءه يتحول عنه ، وهذا ~~بيانه في كتاب الولاء أو ولاء العتاقة أقوى من ولاء الموالاة ، وأن الأب ~~يجر ولاء الولد إذا أعتق إلى مواليه إذا لم يكن على الولد ولاء عاقة مقصودة ~~، ثم استدل على أن المزاعم ، لا يكون عليه ولاء بحديث عبيد أهل الطائف ~~فإنهم حين خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مسلمين فأعتقهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء مواليهم فطلبوا ردهم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآل وسلم : أولئك عتقاء الله تعالى وهذا تنصيص على أنه لا ولاء ~~عليهم لأحد ، والذي روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، رد ولاءهم إلى ~~مواليهم ، فالمراد ولاء الموالاة لهم أن يوالوا من أحبوا ويكون ولاؤهم ~~لمواليهم الذين والوهم ، وإذا أسلم عبد الحربي في دار الحرب ، ثم باعه من ~~مسلم أو ذمي أو ms1130 حربي وسلمه فهو حر في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ~~وقد بينا هذه المسألة في السير الصغير ، إلا أن هناك أبهم الجواب ، وها هنا ~~فسر ، فقال : بمجرد البيع لا يعتق ، ولكن إذا قبضه المشتري فحينئذ يعتق وهو ~~الصحيح ، لأن المعتبر خروجه من يده ليعتق ، وإنما يتم ذلك بالتسليم ~~PageV05P1995 لا بالعقد فإن العقد قبل التسليم حكمي ، ودار الحرب ليست بدار ~~أحكام كدار الإسلام ، ثم هنا أشار إلى الفرق بين ما إذا كان المشتري مسلما ~~أو ذميا وبين ما إذا كان حربيا فقال : المسلم والذمي من أهل دارنا فإذا ~~أصاب العبد المسلم في يد من هو أهل دارنا فكأنه خرج إلى دار الإسلام فيكون ~~حرا ، بمنزلة المزاعم وإذا كان المشتري حربيا فلو لم يصر في يد من هو من ~~أهل دار الإسلام فلا يعتق وأما على رواية السير الصغير لا فرق بينهما لأن ~~العبد المسلم متى زال عن ملك مولاه الحربي يزول إلى الحرية ، وقد تم زواله ~~عن ملكه بالبيع والتسليم في الفصلين ، والأصح ما ذكر ها هنا لأن المشتري ~~إذا كان حربيا فهو بمنزلة البائع ، وقد كان هو مملوكا في ملك البائع ، ~~فكذلك في ملك المشتري ، ولو لحق المرتد بعبد ذمي له جائعا أو كارها فوقع ~~الظهور عليهما فالعبد حر لا سبيل عليه ؛ لأن للذمي من الحرمة ما للمسلم ، ~~وقد بينا أنه لو كان مسلما عتق بإحرازه نفسه فكذلك إذا كان ذميا ، وإن نقض ~~مع مولاه العهد كان هو فيئا ؛ ملأنه صار حربيا ، لأنه لا أمان له في ملك ~~الحربي فإذا وقع الظهور عليه كان فيئا ، فإن كان مكان العبد مدبر أو مكاتب ~~أو أم ولد PageV05P1996 فإن لم ينقضوا العهد حتى وقع الظهور عليهم فهؤلاء ~~أحرار فإن نقضوا العهد فهم فيء ؛ لأنهم لما نقضوا العهد صاروا كأهل الحرب ، ~~وهذا بخلاف ما إذا ارتدوا مع الموالي ؛ لأن المرتد لو كان حرا لا يكون فيئا ~~فكذلك إذا كان مدبرا أو مكاتبا ، والناقض للعهد من أهل الذمة لو كان فيئا ~~إذا وقع ms1131 الظهور عليه بعد اللحاق بدار الحرب فكذلك إذا كان مدبرا أو مكاتبا ~~، ولو أن مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد لمسلم أبق إلى دار الحرب مرتدا أو ~~مسلما فاستعبدوه ثم ظهر المسلمون عليهم فهم رقيق لمولاهم على حالهم ؛ لأنهم ~~ليسوا بعرضة للتملك بسائر الأسباب ، فكذلك بالقهر وإذا لم يملكهم المسلمون ~~أيضا ، فمن كان منهم رجلا يعرض عليه السلام فإن أسلم دفع إلى مولاه وإلا ~~قتل ومن كان منهم أنثى أجبروه على الإسلام ولم تقتل ، وإن كان الآبق عبدا ~~ففيه خلاف معروف ، وإذا ارتد المسلم وارتد معه عبد له فلحقا جميعا بدار ~~الحرب ، ثم أعتق المرتد عبده هذا أو دبره أو كاتبه أو كاتب أمة فاستولدها ، ~~ثم وقع الظهور عليهم ، فالمملوك فيء لمن أخذه ؛ لأنهما صارا حربيين وإعتاق ~~الحربي عبده الحربي باطل إذا لم يخرجه PageV05P1997 من يده ، فكذلك التدبير ~~والكتابة والاستيلاد فيه لا يكون موجبا للعتق ولا يخرجه من أن يكون عرضة ~~للتملك بالقهر ، ولو كان أهل الحرب أسروا عبدا فأحرزوه ، فصار لرجل منهم ~~فأعتقه أو دبره أو كتابه ، ثم وقع الظهور عليه وحده أو مع مولاه كان حرا لا ~~سبيل عليه ؛ لأنه مسلم أو ذمي على حاله بعد الأسر وقد صار محرزا نفسه بمنعة ~~المسلمين فكان حرا ، وإن لم يقع الظهور عليه حتى ارتد إلا أن ذلك بعد ~~الموادعة أمضى فيه مولاه ما أمضاه فكذلك الجواب ؛ لأن إعتاق الحربي وتدبيره ~~في عبده المسلم صحيح ، فإن المسلم ليس بمحل الاسترقاق بعد الحرية بخلاف ~~الحربي ، فكان ما جرى فيه من العتاق في دار الحرب وفي دار الإسلام سواء في ~~منع جريان السبي عليه ، وإذا لم يجر عليه سبي كان حرا لا سبيل عليه إن سبي ~~معه مولاه أو لم يسب فكأنه خرج مراغما لمولاه فكان حرا ، ولو كان إنما أمضى ~~فيه المولى ما أمضاه بعد ارتداد العبد فجميع ما أمضى فيه باطل ، وهو فيء ~~يجبر على الإسلام ، PageV05P1998 لأنه بالردة صار حربيا وإعتاق الحربي عبده ~~الحربي باطل ، والحاصل أنه إنما لا يسترق من ms1132 رجال المرتدين من له حرية ~~الأصل فأما من لم يكن حر الأصل فهو محل للتملك بالقهر ؛ لأن حريتهم تتأكد ~~بالإسلام ، وإنما لا ينقض بالاسترقاق الحرية المتأكدة بالإسلام أو بدار ~~الإسلام ، ولو كان عبيد المرتدين قهروا مواليهم واستعبدوهم في دار الحرب ثم ~~وقع الظهور عليهم فهم أحرار كلهم ، أما الموالي فلأنهم كانوا أحرار الأصل ، ~~ولو سباهم غير عبيدهم فكذلك إذا أسرهم عبيدهم ، وأما العبيد فلأنهم حين ~~قهروا مواليهم وغلبوا على الدار صاروا أحرارا بمنزلة المراغمين لمواليهم ، ~~وهذا بخلاف أهل الحرب ، إذا قهرهم عبيدهم وغلبوا على دارهم ؛ لأن أهل الحرب ~~عرضة التملك بالقهر إذا أسرهم غير عبيدهم ، فكذلك إذا أسرهم عبيدهم ، كانوا ~~أرقاء لهم وكان العبيد أحرارا لقهرهم مواليهم وإحرازهم أنفسهم عليهم ، قال ~~: ولو أسلم عبد الحربي ثم أرتد وكان أسره من المسلمين وهو مسلم ثم ارتد ~~فأعتقه فإن عتقه باطل ؛ لأنه بالردة صار حربيا ، PageV05P1999 فإن خلى ~~سبيله حين اعتقه صار بعزل عن مولاه ، ومولاه غير قاهر له فهو حر الآن ؛ ~~لأنه تم خروجه من مولاه ، وإنما كان لا يحكم بعتقه إذا لم يخرج من يده ~~لكونه معتقا له بلسانه مسترقا بيده ، وقد زال هذبا المعنى فإن وقع الظهور ~~عليهما فالمولى فيء لمن أخذه ؛ لأنه حربي محل للتملك بالقهر ، وأما العبد ~~فهو حر ، لأنه قد نفذ العتق فيه وهو مرتد ، وللمرتد حكم المسلم في أنه لا ~~يتملك بالقهر فإن أسلم كان حرا وإن أبى قتل ، ولو لم يخرجه المولى من يده ~~حين أعتقه ثم وقع الظهور عليهما ، فالمولى فيء كما بينا ، وأما العبد فإن ~~كان أسلم في دار الحرب فهو فيء أيضا ؛ لأن حريته لم تثبت حين لم يخرجه ~~المولى من يده ، ويعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ، وإن كان مأسورا من ~~دار الإسلام فإن وجده مولاه قبل القسمة أخذه بغير شيء وإن وجده بعدها أخذه ~~بقيمته إن أحب ؛ لأن إعتاق الحربي إياه بعد ردته كان باطلا حين لم يخرجه من ~~يده ، PageV05P2000 قال : وإن أعتق الحربي عبده الحربي وخلى سبيله ثم ms1133 أسلم ~~أهل الدار فهو حر ؛ لأنه تم خروجه من يده فصار حرا ثم يتأكد حريته بإسلامه ~~، وإن قهره مولاه بعد العتق فخاصمه العبد إلى ملكهم فحكم بعتقه ، ومنع ~~مولاه منه فهو حر أيضا وإن حكم برقه ورأى العتق باطلا فهو عبد لمولاه ؛ ~~لأنه إذا حكم ملكهم بعتقه فقد صار العبد محرزا نفسه على مولاه بقوة ملكهم ~~فيتأكد به عتقه ، ولو أن قوما من أهل الحرب لهم عبيد مسلمون فارتدوا ، ثم ~~هربوا منهم إلى دار حرب أخرى فكانوا فيها لا يقدر عليهم مواليهم فهم أحرار ~~؛ لأنهم صاروا كالمراغمين ، فإنه كما يتم إحراز العبد نفسه بدار الإسلام ~~يتم إحرازه نفسه بدار حرب أخرى ، على ما بينا أن أهل الحرب أهل دور باختلاف ~~المنعات لهم ، فإذا ظهر عليهم المسلمون كانوا أحرارا ، يعرض عليهم الإسلام ~~فإن أسلموا وإلا قتلوا ؛ لأن قبل هذا الأسر كانوا أحرارا ، والرجال من ~~المرتدين الأحرار لا يجري عليهم سبي بقهر المسلمين إياهم ، PageV05P2001 ~~ولو لم يخرجوا إلى دار أخرى ولكن سباهم أهل تلك الدار وأحرزوهم ثم ظهر ~~المسلمون عليهم كانوا فيئا ؛ لأنهم كانوا مماليك قبل ظهور المسلمين عليهم ، ~~فكذلك بعده ، وهذا لأنهم أهل حرب ، فلا يكونون محرزين أنفسهم بمنعة ~~المسلمين ، ولو أعتق المسلم المستأمن فيهم عبدا حربيا فهو حر لا سبيل عليه ~~؛ لأن المسلم لا يكون مسترقا لمعتقه ، وهذا بناء على قول محمد - رحمه الله ~~تعالى - فأما عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - كما لا ينفذ العتق من ~~الحربي في عبده الحربي لا ينفذ من المسلم لأنه يعتبر جانب المعتق ويقول : ~~هو عرضة للتملك بالقهر في الوجهين فلا ينفذ فيه العتق . وإن ظهر عليه ~~المسلمون قلنا : إن كان العبد حربي الأصل فهو فيء لمن أخذه كغيره من أهل ~~الحرب ، والولاء الثابت للمسلم عليه لا يمنع ثبوت الملك فيه للسابي ؛ لأن ~~الولاء كالنسب ، وثبوت النسب من المسلم لا يمنع تملك الحربي بالقهر فالولاء ~~أولى ، وإن كان العبد مرتدا في الأصل فهو حر ؛ لأن المرتد بعد ما نفذ فيه ~~العتق لا يحتمل ms1134 التملك بالقهر ، وإن أسلم أهل الدار فولاؤه لمولاه ، في قول ~~محمد - رحمه الله تعالى - لأن العتق كان نافذا فيه عنده ، والولاء ~~PageV05P2002 لمن أعتق ثم يتأكد حكم ذلك الولاء بإسلامهم ، فلا يكون له أن ~~يوالي أحدا وأما على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - كان عتق مولاه ~~إياه باطلا فإنما أعتق حين أسلم أهل الدار ، فله أن يوالي من أحب ، وهذا ~~مشكل لأنه إن لم ينفذ فيه العتق عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ~~فينبغي أن يكون عبدا لمولاه على حاله وإن نفذ فيه العتق فينبغي أن يكون ~~ولاؤه لمولاه ، وقد ذكر الطحاوي - رحمه الله تعالى - أن الخلاف بين أبي ~~حنيفة ومحمد رحمهما الله في ثبوت الولاء بهذا العتق لا في أصل نفوذ العتق ~~وقد بينا هذا في كتاب العتاق ، فأما الحربي إذا أعتق عبده الحربي في دار ~~الحرب فذلك لا يكون موجبا للولاء له ، وله أن يوالي من شاء إذا أسلم ، ~~خلافا لما قاله أبو يوسف - رحمه الله - فإنه يجعل الولاء كالنسب ، وإذا كان ~~النسب يثبت في دار الحرب فكذلك الولاء ، وهما يقولان الولاء بالعتق من حكم ~~الإسلام ، وأحكام الإسلام لا تجري في دار الحرب فإن قيل : فقد جاء الإسلام ~~وللناس موال أعتقوهم في الجاهلية ، وكانوا موالي لهم في الإسلام قلنا : ~~أولئك عتقوا قبل تباين الدار وقبل أن يكون للمسلمين حكم غير حكم الكافرين ، ~~فأما الآن فقد تفرقت الدار ، وصار لأهل كل دار حكم على حدة فما كان من حكم ~~المسلمين وهو الولاء بالعتق ، لا يثبت فيما بين أهل الحرب ، قال : ولو كان ~~للمسلم في دار الحرب ، مدبرة أو أم ولد حربية فظهر المسلمون عليهما ، لم ~~تكن واحدة منهما فيئا ؛ لأن الرق فيهما باق للمسلمين ، بخلاف ما إذا كان ~~أعتقهما فإنه لم يبق فيهما رق لمسلم بعد الإعتاق ، وكانوا فيئا بمنزلة سائر ~~الحرائر من أهل الحرب . PageV05P2003 قال : ولو مات مسلم في دار الحرب وله ~~مماليك مرتدون ، ثم ظهر عليهم المسلمون ، فمن كان منهم مدبرا فهو حر لا ~~سبيل ms1135 عليه ؛ لأنه عتق بموت المولى ، والمدبر بعد ما عتق لا يملكه المسلمون ~~بالقهر ، وأما المدبرة وأم الولد فهما فيء ؛ لأنهما عتقتا بموته أيضا ، ~~فكان حالهما كحال الحرة المرتدة قال : وإذا لحق المرتد بدار الحرب ، ومعه ~~عبد له مسلم ، ثم رجع العبد إلى دار الإسلام مراغما لمولاه فهو حر ؛ لأن حق ~~ورثته لم يثبت في هذا العبد ، وقد صار المولى حربيا ، وعبد الحربي إذا خرج ~~مسلما أو ذميا مراغما لمولاه كان حرا . فإن خرج يتلصص في دار الإسلام فكذلك ~~الجواب ؛ لأنه مراغم لمولاه غير محارب للمسلمين جهرا ، وإن كان خرج ليقاتل ~~المسلمين فظهروا عليه فإن كان مسلما فهو حر ؛ لأنه مراغم لمولاه . ولو كان ~~ذميا فهو فيء لمن أخذه ؛ PageV05P2004 لأن قتاله المسلمين نقض منه للعهد ، ~~وقد كان عتق بالمراغمة فهو حربي فيكون فيئا لمن أخذه . وإن لم يظفر بهما ~~حتى رجعا إلى مولاهما ثم أسلم أهل الدار كانا عبيدين لمولاهما ؛ لأنهما ما ~~كانا مراغمين له حين عادا إليه ، وإن خرجا بأمان إلى دار الإسلام فإنهما لا ~~يتركان ليرجعا إلى مولاهما ، ولكنهما يباعان فيتوقف أثمانهما ؛ لأنهما ما ~~خرجا مراغمين له ، ولأجل الأمان يجب مراعاة حرمة مالية الحربي فيهما ، وإذا ~~خرج العبد الحربي بأمان مراغما مولاه فقد عتق بالمراغمة ، وهو ذمة لنا ، ~~لأنه قصد إحراز نفسه بدارنا وذلك دليل رضاه بأن يكون ذمة لنا ، وإن خرج لصا ~~أو مقاتلا فظفرنا به فهو فيء لمن أخذه ؛ لأنه حربي لا أمان له ، فإذا حصل ~~في دارنا فهو فيء لجماعة المسلمين في قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وفي ~~قول محمد - رحمه الله تعالى - هو فيء لمن أخذه ، والله أعلم PageV05P2005 # | باب ما تجوز عليه الشهادة بالردة وما لا تجوز # قال : - رضي الله عنه - : قد بينا أنه لا يقسم مال الأسير ولا تتزوج ~~امرأته حتى يأتيهم بيان خبره ؛ لأنه بمنزلة المفقود ، وإذا كان لا يوقف على ~~أثره فإن جاء ورثته بالبينة أنه ارتد في دار الحرب ، فإنه لا يقبل في ذلك ~~إلا شهادة عدلين من المسلمين ms1136 ؛ لأن إسلامه كان معلوما ، وشهادة غير المسلم ~~لا تكون حجة على المسلم بما هو دون الردة فبالردة أولى ، قال : فإذا شهد ~~بذلك مسلمان قضى القاضي بوقوع الفرقة بينه وبين امرأته ، وقسم ماله بين ~~ورثته ؛ لأنه كالميت حكما عند قضاء القاضي ، فإن فعل ذلك ثم جاء الرجل ~~مسلما فأنكر ما شهد به عليه الشاهدان من الردة لم يبطل القاضي قضاءه ~~بإنكاره ؛ لأنه قضى بالحجة على من هو خصم ، PageV05P2006 ولكنه يجعل إنكاره ~~هذا إسلاما مستقبلا منه فلا يرد عليه امرأته ولا ماله إلا ما كان قائما ~~بعينه في يد وارثه كما هو الحكم في المرتد المعروف ، وكذلك لو كان مكان ~~المسلم ذمي قامت البينة عليه بنقض العهد ، إلا أن شهادة أهل الذمة ها هنا ~~مقبولة ؛ لأنها تقوم على الذمي بخلاف الأول ، وإن سمع القاضي الشهادة بردة ~~الأسير فلم يقض بها حتى جاء مسلما وجحد أن يكون ارتد فإنه يكون ماله له ؛ ~~لأنه ما لم يتصل قضاء القاضي بلحاق المرتد بدار الحرب لا يصير المال لورثته ~~، فإذا جاء مسلما كان المال على حاله إن كان ارتد أو لم يرتد ، ويسأل عن ~~الشاهدين فإن عدلا أبان منه امرأته ؛ لأن ذلك حكم يثبت بنفس الردة ، ولا ~~يحكم بعتق أمهات أولاده ؛ لأن ذلك لا يثبت بنفس الردة بل بالموت ، وإنما ~~يكون للردة حكم الموت إذا اتصل بها قضاء القاضي ، فإن قيل : فإذا قضى ~~القاضي بالفرقة ها هنا بينه وبين امرأته فقد قضى بردته في دار الحرب ، وذلك ~~يوجب عتق أمهات أولاده قلنا : لا كذلك ، فالمرتد وإن لحق بدار الحرب لا ~~يعتق أمهات أولاده ما لم يقض القاضي بلحاقه ، وها هنا القاضي لا يقضي إلا ~~بالقدر المحتاج إليه ، PageV05P2007 وهو ما يقع به الفرقة بينه وبين امرأته ~~وذلك لا يوجب عتق أمهات أولاده ، فأما الذمي إذا شهد عليه الشهود بنقض ~~العهد فرجع بغير استئمان جديد ، وقال : لم انقض العهد ، فإن ظهرت عدالة ~~الشهود عند القاضي جعله فيئا للمسلمين ؛ لأنه تبين امرأته بهذه الحجة لا ~~محالة ، وذلك لا يكون ms1137 إلا بعد نقضه العهد وتباين الدارين حقيقة أو حكما ، ~~فكان هذا منه نقضا للعهد لا محالة ثم هو حربي في دارنا لا أمان له فيكون ~~فيئا وماله لورثته ، وإن كان دخل بأمان مستقبل فالقاضي يقضي بينه وبين ~~امرأته لثبوت نقض العهد بالحجة عنده ، ولكن يرد ماله عليه ، بمنزلة ما لو ~~كان نقض العهد منه معلوما ، ثم عاد إلى ما كان عليه قبل أن يقسم القاضي ~~ميراثه بين ورثته ولا يحكم ها هنا بعتق أمهات أولاده ومدبريه ؛ لأن بذلك لا ~~يثبت بتباين الدارين بدون الموت ، بخلاف الفرقة بينه وبين امرأته ، قال : ~~ولو شهد مسلمان على الأسير أنه طلق امرأته ثلاثا فإن القاضي لا يقضي ~~بشهادتهما ؛ لأنه غائب ولا يقضي على الغائب بالبينة بالطلاق والعتاق ، كما ~~لا يقضى عليه بالمال ، PageV05P2008 ولكن يسع للمرأة فيما بينها وبين الله ~~تعالى أن تعتد فتتزوج ؛ لأن هذه حجة يقضي القاضي بها بالفرقة ، لو كان ~~الخصم حاضرا ، فيجوز لها أن تعتد بهذه الحجة فتتزوج بعد انقضاء عدتها ، فإن ~~تزوجت ثم قدم الأسير فأنكر الطلاق ، فإن أعادت البينة عليه بذلك انفذ ~~القاضي عليه الطلاق ، وأجاز نكاحها وإلا ردها على الأسير ، وفرق بينها وبين ~~الثاني ؛ لأنه لا يتمكن من القضاء بالفرقة تلك البينة قبل الإعادة فإنها ~~قامت على غير خصم ، قال : ولو شهد الشاهدان بأنه مات أو قتل فإن القاضي ~~يقضي بذلك ؛ لأن هذه البينة قامت على خصم ، فالورثة خصم ها هنا كما في فصل ~~الردة بخلاف الطلاق ، وإن شهد عدل واحد بموته لم يقض القاضي بشهادته ولكن ~~للمرأة أن تعتد وتتزوج ، ثم ذكر فصولا فيما يجوز عليه الشهادة بالتسامع من ~~الموت والنسب والنكاح وقد تقدم بيان هذه الفصول قال : ولو شهد على الأسير ~~واحد أنه ارتد عن الإسلام ، نعوذ بالله منها ، فليس لامرأته أن تعتد وتتزوج ~~على رواية هذا الكتاب ؛ PageV05P2009 بخلاف ما ذكر في كتاب الاستحسان وقد ~~بينا وجه الروايتين ، وإن شهد أنه طلقها ثلاثا فكذلك الجواب في القياس ؛ ~~لأن أصل النكاح لا يثبت إلا بشهادة الشاهدين فكذلك ms1138 ما يزيله ، وفي ~~الاستحسان هذا وشهادته بالموت سواء ؛ لأنه شهد بحل التزوج لها ، وذلك خبر ~~ديني وقد بينا أن خبر مستنكر فأما الإخبار بالطلاق ليس بخبر مستنكر ، ولأن ~~ردة الرجل يتعلق بها استحقاق القتل ، فلا يكون خبر الواحد حجة في أمر الدين ~~ما لم يحضر خصم يجحده بخلاف الردة على هذه الرواية ، لأن ذلك خبر الواحد ~~حجة فيها ، بخلاف الطلاق والأول أصح ، فقد ذكر أنه إذا شهد رجل وامرأتان ~~عليه بالردة أو شهد شاهدان على شهادة شاهدين ، فإن القاضي يقضي به إلا في ~~حكم استحلال القتل خاصة وكما أن بشهادة الواحد لا يثبت القتل فكذلك ~~بالشهادة على الشهادة وبشهادة النساء مع الرجل ، وكذاك إن شهد رجل وامرأتان ~~على الذمي بنقض العهد وهو يجحد أن يكون نقضه فإن الإمام لا يقتله بهذه ~~الشهادة ولكنه يجعله ناقضا للعهد فيما سوى القتل من الأحكام حتى يجعله فيئا ~~؛ لأن شهادة الرجال مع النساء حجة فيما يثبت مع الشبهات لا فيما يندرىء ~~بالشبهات كما لو شهدوا بالسرقة ، وكذلك لو شهد رجل وامرأتان على نصراني أنه ~~أسلم PageV05P2010 ثم ارتد وهو يجحد ذلك ، فإنه يجبر على الإسلام ، ولكن لا ~~يقتل بتلك الشهادة لتمكن الشبهة في الحجة قال : ولو شهد ذميان على ذمي أنه ~~أسلم ثم ارتد لم تقبل هذه الشهادة أصلا ؛ لأن في زعم الشاهدين أنه مرتد ، ~~والمرتد بمنزلة المسلم في أن شهادة غير المسلمين عليه لا تكون حجة ، وإذا ~~كان في زعم الشاهدين أنه لا شهادة لهما عليه لم يجز القضاء بشهادتهما أصلا ~~والله أعلم . PageV05P2011 # | باب المرتد يصيب الحد وغيره # قال الشيخ الإمام - رضي الله تعالى عنه - : الأصل أن ما لا ينافي الكفر ~~وجوبه ابتداء لا ينافي بقاءه بطريق الأولى وما ينافي الكفر وجوبه ابتداء من ~~العقوبات ينافي بقاءه ؛ لأن العقوبات تندرىء بالشبهات ، وأقوى الشبهة ~~المنافي ، فكما أن اقترانه بالسبب الموجب ينافي وجوبه فاعتراضه بعد الوجوب ~~قبل الاستيفاء ينافي نحو هذا ، وبعد انعدام التمكن من الاستيفاء لا يبقى ~~واجبا ، إذا عرفنا هذا فنقول إذا أصاب المسلم ms1139 مالا أو شيئا يجب به القصاص ~~أو حدا أقر به ثم ارتد أو أصابه وهو مرتد في دار الإسلام ثم لحق بدار الحرب ~~، وحارب المسلمين زمانا ثم جاء تائبا فهو مأخوذ بذلك كله ، لأن كونه محاربا ~~للمسلمين لا ينافي وجوب هذه الحقوق عليه ، باكتساب أسبابها في دار الإسلام ~~ألا ترى أن المستأمن إذا أصاب شيئا من ذلك في دار الإسلام مكان مستوجبا هذه ~~الحقوق لما فيها من حقوق العباد فكذلك المرتد إذا أصاب ذلك ، ولو أصاب ذلك ~~بعد ما لحق بدار الحرب مرتدا ثم أسلم فذلك كله موضوع عنه ؛ PageV05P2012 ~~لأنه أصابه وهو حربي في دار الحرب ، والحربي بعد الإسلام لا يؤاخذ بما كان ~~أصابه حال كونه محاربا للمسلمين ، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : الإسلام ~~يجب ما قبله وقد بينا أن التأويل الباطل في حق أهل الحرب يلحق بالتأويل ~~الصحيح في الأحكام ، فكما أن المسلم لا يستوجب شيئا من ذلك بما يصيبه من ~~أهل الحرب ، فكذلك الحربي لا يستوجب ذلك والمرتد بعد اللحاق حربي ، وما ~~أصاب المسلم من حد لله في زنا أو سرقة أو قطع طريق ثم ارتد أو أصابه بعد ~~الردة ثم لحق بدار الحرب ثم جاء تائبا فذلك كله موضوع عنه ؛ لأن كونه حربيا ~~يمنع وجوب الحدود التي هي لله تعالى عليه بارتكاب سببها في دار الإسلام كما ~~في حق المستأمن فيمنع البقاء إذا اعترض أيضا إلا أنه يضمن المال في السرقة ~~، وإن أصاب دما في قطع الطريق فعليه القصاص وحاله في ذلك كحال المستأمن ؛ ~~لأن ما كان فيه حق العباد فهو مأخوذ به ، وما أصاب في قطع الطريق من القتل ~~خطأ ففيه الدية على عاقلته إن أصابه قبل الردة ، وفي ماله إن أصابه بعد ~~الردة ؛ لأن التعاقل باعتبار التناصر وأحد من المسلمين لا ينصر المرتد ، ~~فإن التزم المسلم حد الخمر والسكر ، ثم ارتد ثم أسلم قبل اللحاق بدار الحرب ~~فإنه لا يؤاخذ بذلك ؛ PageV05P2013 لأن الكفر يمنع وجوب هذا الحد ابتداء ~~ولهذا لا يجب على الذمي والمستأمن ms1140 ، فكذلك اعتراضه بعد وجوبه يمنع البقاء ~~وكذلك إن أصابه وهو مرتد محبوس في يد الإمام ، ثم تاب فإنه لا يؤاخذ بحد ~~الخمر والسكر لأنه أصابه وهو كافر وهذا لأن الكافر يعتقد إباحة الخمر ، ~~والحدود شرعت زواجر عن ارتكاب أسبابها ، فلا بد أن يكون المرتكب معتقدا ~~حرمة السبب حتى تشرع الزواجر في حقه ، وهو مأخوذ بما سوى ذلك من حدود الله ~~تعالى ؛ لاعتقاده حرمة سببه وتمكن الإمام من إقامته لكونه في يده ، وإن لم ~~يكن في يد الإمام حين أصابه ثم أسلم قبل اللحاق بدار الحرب فذلك موضوع عنه ~~أيضا ؛ لأنه أصابه وهو محارب وهذا لأنه بنفس الردة يعتقد محاربة المسلمين ~~إذا تمكن من ذلك ، إلا أنه ما دام محبوسا عند الإمام لا يتهيأ له المحاربة ~~فلا يجعل حربيا ، فأما إذا كان بالبعد من الإمام بحيث لا تصل يده إليه ~~فالمحاربة تتهيأ له ، وهو معتقد لذلك ، فكان محاربا حكما كاللاحق بدار ~~الحرب ، فإن التزام قصاصا أو حد قذف ثم ارتد ولحق بدار الحرب ثم قال ~~للمسلمين : أصالحكم على أن تؤمنوني على ما أصيب فليس ينبغي لأحد من ~~المسلمين أن يؤمنه على ذلك ؛ لأن هذا شرط مخالف لحكم الشرع ، قال صلى الله ~~عليه وسلم : كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل ، ولأن فيما لزمه حق ~~العباد فالقصاص محض حق الولي ليس لغيره ولاية الإسقاط فيه ، وفي حد القذف ~~حق المقذوف PageV05P2014 وإذا كان هو لا يملك إسقاطه عنه فكيف يملك غيره ~~ذلك ، فظهر أن من يؤمنه على هذا فهو ملتزم ما لا يمكن الوفاء به ، فإن آمنه ~~الإمام على هذا فليس ينبغي أن يفي له به لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ~~ردوا الجهالات إلى السنة ، وقد كان هذا جهلا منه حيث شرط أن يترك له ما هو ~~من مظالم العباد ، فينبغي أن يقيم عليه ما لزمه إذا طلبه الخصم ولا يلتفت ~~إلى هذا الشرط فإن قال : إن لم تفوا لي بما آمنتموني عليه فردوني إلى مأمني ~~لم يفعل أيضا ؛ لأنه ms1141 مرتد تمكن منه الإمام فلا يجوز له أن يمكنه من أن يعود ~~حربا للمسلمين بحال وإن دعا إلى هذا الصلح ، وعلم المسلمون أنه لا يخرج ~~إليهم إلا بالإجابة إلى ذلك فينبغي لهم أن يعاملوه على أمر لا يكذبون فيه ، ~~وهو يرى أنهم قد أعطوه ما أراد ، يعني ينبغي أن يستعملوا معاريض الكلام فإن ~~في المعاريض مندوحة عن الكذب ، وذلك جائز في حق المحاربين قال صلى الله ~~عليه وسلم : الحرب خدعة ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل ~~ذلك يوم الخندق بقوله : فلعلنا أمرناهم بذلك ، وهذا لأن الكذب لا رخصة فيه ~~فلا ينبغي للمسلم أن يتعمد الكذب بحال من الأحوال PageV05P2015 فإن أبى إلا ~~أن يعطوه ذلك نصا أعطوه ذلك ، وزادوا في الصلح كلمة تنقض الصلح على وجه لا ~~يفطن المرتد بها فيحصل المقصود بهذا الطريق ؛ والأصل فيه ما روي أن وفد ~~ثقيف لما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : نؤمن بشرط ألا ~~ننحني ، أي : لا نركع ولا نسجد ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك ، وكتب في آخر كتاب الصلح على أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على ~~المسلمين ثم أمرهم بالصلاة ورأى هذه الكلمة ناقضة للكلام الأول ، فإن لم ~~يقدروا على هذا أيضا وأعطوه الصلح على ما أراد فليس ينبغي لهم أن يفوا بذلك ~~أيضا ؛ لأن ذلك حرام شرعا ، وما تقدم منهم من الشرط كان حراما أيضا وارتكاب ~~حرام لا يطرق إلى ارتكاب حرام آخر شرعا ، وكذلك لو طلب قوم من المرتدين أن ~~يؤمنوهم على أن يكونوا ذمة يؤدون الخراج فلا ينبغي أن يؤمنوهم على ذلك ؛ ~~لأن قتل المرتد مستحق حدا ولا يجوز ترك إقامة الحد ولا تأخيره بمال ولأن ~~المقصود من عقد الذمة مع أهل الحرب ليس هو المال ، بل التزام الحربي أحكام ~~الإسلام ، فيما يرجع إلى المعاملات ، وأحكام الإسلام لازمة على المرتد فلا ~~يكون في إعطاء الأمان له غرض سوى إظهار الرغبة في المال وذلك لا يجوز | ~~PageV05P2016 فإن أعطوهم ذلك ms1142 حتى خرجوا إلينا عرض عليهم الإسلام فإن أبوا ~~قتلوا ، ولا يجوز ردهم إلى مأمنهم بحال ؛ لأن القتل مستحق عينا على المرتد ~~إن لم يسلم قال صلى الله عليه وآله وسلم : من بدل دينه فاقتلوه ، وإن طلبوا ~~الموادعة فقد تقدم بيان هذا الفصل ، أنه ينبغي للإمام أن يوادعهم إلا عند ~~الضرورة ، بأن كان لا يقوى على قتالهم ، وعند ذلك لا نأخذ منهم جعلا على ~~الموادعة ؛ لأن ذلك يشبه الخراج ، فإن أخذه منهم جعل ذلك في بيت المال ؛ ~~لأنه مال المرتد وكل مال المرتدين هو فارغ عن حق ورثته فيصيبه بيت المال ، ~~وهذا بخلاف الخوارج ، فإنه إذا أخذ منهم على الموادعة مالا جعل ذلك المال ~~محبوسا ، عنده حتى يتوبوا ثم يرد عليهم ؛ PageV05P2017 لأن مال الخوارج لا ~~يكون غنيمة لأهل العدل بحال بخلاف أموال المرتدين بعدما صاروا محاربين ، ~~وعلى هذا المستأمن في دارنا إذا التزم ذلك ثم رجع إلى دار الحرب وسأل ~~المسلمين أن يؤمنوه على أن يسلم فلا يأخذه بذلك ؛ لأن هذا من مظالم العباد ~~فالمستأمن فيه والمرتد سواء ، ولو أخذه المسلمون أسيرا بعد ما عاد إلى دار ~~الحرب فقد بطل عنه كل شيء أصابه إلا القصاص في النفس ؛ لأنه صار رقيقا ~~والرق ينافي وجوب القصاص في الطرف ابتداء فينا في البقاء أيضا بخلاف القصاص ~~في النفس فالرق لا ينافي وجوبه ابتداء ، وأما ما كان أصاب من مال فالدين لا ~~يجب في ذمة العبد إلا شاغلا لمالية رقبته ، فلا يبقى إلا بهذه الصفة ولا ~~وجه لشغل مالية رقبته بهذا الدين ؛ لأنه حادث للسابي بعد اكتساب سبب وجوب ~~الدين فلهذا يسقط عنه ، وكذلك الخوارج إذا أصابوا شيئا من ذلك قبل أن يكون ~~لهم منعة ، ثم صاروا أهل منعة ، فسألوا الصلح على ألا يؤاخذا بشيء مما ~~أصابوا فلا ينبغي أن يصالحهم على شيء من PageV05P2018 ذلك إلا أن في هذا ~~الموضع ما أصابوا من حد الخمر أو غيره من الحدود فذلك موضوع عنهم بعد ما ~~صاروا محاربين إذا تابوا ، ولا بأس بأن يصالحهم الإمام على ms1143 أن يضع ذلك عنهم ~~؛ لأنه شرط موافق لحكم الشرع وكذلك ما أصابوه بعد ما ظهر لهم المنعة ، فذلك ~~موضوع عنهم إذا تابوا إلا أنهم يطالبون برد ما كان قائما بعينه في أيديهم ~~من الأموال ، فإن طلبوا الصلح على أن يترك ذلك لهم فلا ينبغي للإمام أن ~~يصالحهم على ذلك ، مولو فعل لم يفي لهم بهذا الشرط ، وأمرهم برد ما وجدوه ~~قائما بعينه في أيديهم من مال مسلم أو معاهد ، وإنما لا يؤاخذهم بالحدود ~~التي هي لله تعالى ؛ لأن تقادم العهد يمنع إقامة هذه الحدود ، على ما أشار ~~إليه عمر - رضي الله تعالى عنه - بقوله : أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا ~~عند حضرته فإنما شهدوا عن ضغن ومن أبين أسباب التطاول خروجه من حكم أهل ~~العدل ، ولو كان المرتد إذا أصاب شيئا مما فيه مظالم العباد في حصن من حصون ~~أهل الحرب فطلب الأمان على أن يترك ذلك له ليفتح الحصن للمسلمين فهذا وما ~~سبق سواء ؛ PageV05P2019 لأنه لا رأي للإمام في إسقاط ما هو من مظالم ~~العباد ، ويستوي فيه حالة الحاجة وغيرها ، إلا أنه إن كان استهلك مالا ولم ~~يصب دما فرأى الإمام النظر للمسلمين في أن يعطيه ذلك فلا بأس بإعطاء الأمان ~~له على ذلك ثم يؤدي ذلك المال إلى صاحب الحق من غنيمة المسلمين ؛ لأن ~~للإمام ولاية التخصيص بشيء من الغنيمة لمن يفتح الحصن للمسلم ، فكان له أن ~~يفعل ذلك بالمرتد ، إذا وعد أن يسلم أو يفتح الحصن للمسلمين ، بخلاف القصاص ~~وحد القذف فإن الإمام لا يتمكن من إيفاء ذلك عنه من مظالم المسلمين لصاحب ~~الحق ، فلا ينبغي له أن يعطيه الأمان على ذلك والله أعلم بالصواب . | ~~PageV05P2020 # | باب ما يصدق فيه الرجل من الردة فلا تبين منه امرأته وما لا يصدق # قال : وإذا رجع الأسير إلى دار الإسلام فخاصمته زوجته إلى القاضي وقالت : ~~إنه ارتد عن الإسلام فبنت منه ، وقال الأسير : أكرهني ملكهم ، وقال : ~~لأقتلنك أو لتكفرن ففعلت ذلك مكرها ، فالقول في ذلك قول المرأة ، ولا يصدق ~~الأسير ms1144 إلا ببينة ؛ لأن السبب الموجب للفرقة وهو إجراء كلمة الشرك على ~~اللسان قد ثبت بتصادقهما عليه ، ثم الأسير يدعي سببا خفيا ليغير به حكم ~~السبب الظاهر فلا يصدق على ذلك إلا بحجة ، يوضحه : أنه أضاف السبب الموجب ~~للفرقة إلى حالة غير معهودة ، وهو الإكراه ، وفي مثله لا يقبل قوله إلى ~~بحجة ، كما لو قال : كنت طلقتها ثلاثا ، وأنا مجنون ، وهو لم يعرف جنونه في ~~وقت قط ، لم يقبل قوله إلا بحجة ، PageV05P2021 فإن شهد الشهود أن الملك ~~قال له : لأقتلنك أو لتكفرن ، ولا يدري أظفر عند ذلك أو لم يكفر وقال ~~الأسير : فإني إنما أجريت كلمة الكفر عند ذلك لا قلبه ولا بعده ، فالقول ~~قول الأسير ؛ لأن بشهادة الشهود صارت تلك الحالة معهودة ، ومتى أضاف الزوج ~~سبب الفرقة ، إلى حالة معهودة تمنع وقوع الفرقة كان القول قوله كما لو قال ~~: طلقتها ثلاثا وأنا صبي ، وهذا لأن الحالة إذا كانت معهودة فالظاهر يشهد ~~له ، وهو في الحقيقة منكر للفرقة فالقول قول المنكر الذي يشهد له الظاهر ، ~~وإن لم تكن الحالة معهودة فهو مدع للمانع وذلك حادث فلا يقبل قوله إلا بحجة ~~، وكذلك إن كان خاصمه في ذلك غير امرأته من المسلمين ؛ لأن هذه الحرمة حق ~~الشرع ، فلكل مسلم أن يتكلم فيه على وجه الحسبة ، قال : ولو ادعت امرأة على ~~زوجها أنه طلقها ثلاثا ، وقال الزوج أصابني برسام أو وجع أذهب عقلي أو جنون ~~فكان ذلك مني في هذه الحالة ، فإن لم يعرف أن ذلك أصابه فالقول قولها ، وإن ~~عرف أن ذلك أصابه فالقول قوله ، فإن شهد الشهود ، أنهم رأوه مجنونا مرة ~~فالقول قوله أيضا ، لأن الجنون له صار معهودا بهذه الشهادة ، ومتى كانت ~~الإضافة إلى حالة معهودة تنافي الفرقة كان مقبول القول في ذلك مع يمينه . ~~PageV05P2022 وكذلك لو قال : طلقتها وأنا نائم ، فالقول قوله ها هنا ؛ لأن ~~حال النوم حال معهود لكل واحد ، كحالة الصغر فإضافته إلى تلك الحالة تكون ~~إنكارا معنى ألا ترى أنه لو قال : كنت طلقتها قبل أن أخلق ms1145 أو قبل أن ~~أتزوجها كان القول قوله وكان ذلك منه إنكارا للطلاق ، فكذلك ما سبق ، ولو ~~قال : شربت حتى سكرت فذهب عقلي ، فطلقتها أو ارتددت عن الإسلام ، ففي باب ~~الطلاق هي بائن منه صدقته في ذلك أو كذبته ؛ لأن السكر لا يمنع وقوع الطلاق ~~، فالحالة التي أضاف الطلاق إليها غير مؤثرة في المنع من الفرقة ، بخلاف ~~النوم ، وهذا لأن السكران عقله معه إلا أنه يغلب عليه السرور فيمنعه من ~~استعمال عقله وذلك لا يخرجه من أن يكون عاقلا بخلاف ما إذا شرب البنج ، حتى ~~ذهب عقله فإن ذلك يزيل عقله بخلاف النائم ، فإنه في حال نومه في حكم من لا ~~يعقل شرعا ، وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : رفع القلم ~~عن ثلاثة . . . . الحديث ، وحال السكران كحال ابن السبيل المنقطع عن ماله ، ~~فإن الزكاة تجب في ماله ، وإن كانت يده لا تصل إليه ، بخلاف من هلك ماله ~~حقيقة أو حكما بأن غصبه غاصب وجحده ، PageV05P2023 فأما في الردة فإن عرف ~~منه السكر في وقت بهذه الصفة فالقول قوله وإن لم يعلم لا يقبل قوله في ذلك ~~؛ وحكم الردة يبتنى على الإعتقاد ، فالسكران لا يكون معتقدا لما يقول ، ~~فمتى أضاف إلى حالة غير معهودة لم يقبل قوله ، ومتى أضاف إلى حالة معهدوة ~~كان مقبول القول فيه ، ولا ينظر إلى تصديق المرأة وتكذيبها في ذلك ، لأن ~~هذه الحرمة محض حق الشرع ، ولو أن امرأة قالت للقاضي : إني سمعت زوجي يقول ~~: المسيح ابن الله ، وقال الزوج : إنما قلت ذلك حكاية عمن يقول هذا فإن أقر ~~أنه لم يتكلم إلا بهذه الكلمة بانت منه امرأته ؛ لأن ما في الضمير لا يصلح ~~أن يكون ناسخا لحكم ما تكلم به ، فإن ما في ضميره دون ما تكلم به ، والشيء ~~لا ينسخه إلا ما هو مثله أو فوقه ألا ترى أنه لو طلق امرأته ونوى الاستثناء ~~بقلبه كان الطلاق واقعا لهذا المعنى ويستوي إن صدقته المرأة فيما قال أو ~~كذبته . ولو قال : إني وصلت كلامي ms1146 فقلت : النصارى يقولون : المسيح ابن الله ~~أو قلت : المسيح ابن الله قول النصارى ، ولم تسمع المرأة إلا بعض كلامي ، ~~وقالت المرأة : كذب فالقول قول الزوج مع يمينه ، بخلاف ما سبق ؛ ~~PageV05P2024 لأن الزوج ها هنا ما أقر بالسبب الموجب للفرقة ، فإن عين هذه ~~الكلمة ملا تكون موجبة للفرقة ، فيكون هو في الحقيقة منكرا لما تدعيه من ~~السبب الموجب ، وهو نظير ما لو قال : كنت قلت لها : أنت طالق ثلاثا إن شاء ~~الله وكذبته في الاستثناء ، فهنالك القول قول الزوج للمعنى الذي بينا فهذا ~~مثله ، وكذلك لو قال : قد أظهرت قولي المسيح ابن الله وأخفيت ما سوى ذلك ، ~~إلا أني تكلمت به موصولا بكلامي فالقول قوله في ذلك ، إلا إن شهد الشهود ~~عليه أنهم سمعوه قال : المسيح ابن الله ولم يقل غير ذلك ، فحينئذ القاضي ~~يبين منه امرأته ، ولا يصدق على ذلك في الحكم ، لأن الشهود أثبتوا السبب ~~الموجب للفرقة ، وقوله غير مقبول فيما يبطل شهادة الشهود ، بخلاف الأول ، ~~فهناك السبب للفرقة إنما ظهر بقوله ، وقد ظهر موصولا بكلامه ما ينافي وقوع ~~الفرقة ، فلهذا جعلنا القول قوله ، فإن قيل : كيف يقبل قول الشهود إنه لم ~~يقل شيئا غير ذلك وهذه شهادة منهم على النفي ، والشهادة على النفي لا تقبل ~~، قلنا : لأن وقوع الطلاق ليس بهذه الشهادة بل بما سبق مما هو إثبات ، وهو ~~بمنزلة شهادة الشهود على أن هذا أخ الميت ووارثه لا نعلم له وارثا غيره . ~~يوضحه أن قولهم : لم يقل شيئا غير ذلك ، فيه إثبات أن ما يدعي من الزيادة ~~في ضميره لا في كلامه فذلك لا يصلح ناسخا لموجب كلامه ، ولأنهم في شهادتهم ~~أثبتوا سكوته بقولهم : لم يقل شيئا غير هذا والسكوت له أمر PageV05P2025 ~~مثبت معاين ، حتى لو قال الشهود : لا ندري أقال ذلك أو لم يقل ؟ إلا أنا لم ~~نسمع منه غير قوله : المسيح ابن الله ، فالقول قوله : ولا يفرق بينه وبين ~~امرأته ، لأن ها هنا الشهود ما أثبتوا أن الزيارة في ضميره لا في كلامه ، ~~وإنما قالوا ms1147 : لم نسمع وكما لم يسمعوا ذلك منه فالقاضي لم يسمع أيضا ، وهم ~~نسبوا أنفسهم إلى الغفلة وعدم السماع ، فكان قوله ، وعلى هذا لو ادعى ~~التكلم بالاستثناء في الخلع أو التكلم بالشرط أو الاستثنناء في الطلاق ~~موصولا ، كان القول قوله ، فإن شهد الشهود عليه بخلع أو طلاق بغير ذكر ~~الاستثناء نحو أن شهدوا وقالوا : خالع أو طلق بغير ذكر الاستثناء أو طلق ~~ولم يستثن لم يقبل قوله في ذلك ، وإن قال الشهود : لم نسمع منه غير كلمة ~~الطلاق أو الخلع فالقاضي لا يفرق بينهما ، وكان القول قوله في ذلك إلا أن ~~يظهر منه ما يكون دليل صحة الخلع من قبض البدل أو سبب آخر ، فحينئذ لا يقبل ~~قوله في ذلك ، وإنما تبتني هذه الفصول كلها على الحرف الذي بينا ، قال : ~~ولو أن رجلا عرف أنه جن مرة فقالت امرأته : إنه ارتد البارحة أو طلقني ~~ثلاثا ، فقال الرجل : عاودني الجنون البارحة فقلت ذلك ، وأنا مجنون ، ~~فالقول قوله مع يمينه ؛ لأن الجنون إذا وجد مرة فهو لازم أبدا ، ولهذا كان ~~عيبا لازما إذا وجد مرة في حالة الصغر أو الكبر ومن تأمل في حماليق عني ~~الذي جن مرة تبين له بقاء أثر الجنون فيه ، فهو بهذه الدعوى إنما يضيف ~~كلامه إلى حالة معهودة ، PageV05P2026 وإن لم يعرف بالجنون قط ، لم يقبل ~~قوله ، لما قلنا ، فإن لم يفرق القاضي بينه وبين امرأته حتى جن ثم أفاق ~~فقال : قد كنت هكذا قبل اليوم ، لم يصدق على ذلك ، وبانت منه امرأته ؛ لأن ~~الجنون مما يحدث فحدوثه لا يكون دليلا على أنه كان موجودا فيما مضى فأما ~~بعدما علم وجوده ، فهو لا يزول على وجه لا يبقى له أثر فلهذا قبلنا قوله ~~هناك ، ولم نقبله ها هنا ، وكذلك النوم ، ولو ادعت أنه طلقها وقت العصر ~~ثلاثا ، فقال الزوج : كنت نائما في تلك الحالة فالقول قوله ؛ لأن النوم ~~يعتري المرء عادة في كل وقت ، وهو ما يذهب ويعود كالجنون فيكون به مضيفا ~~إلى حالة معهودة ، ولو علم أنه سكر ms1148 منذ شهر حتى ذهب عقله فقالت المرأة : ~~إنه ارتد البارحة ، وقال الزوج : قد سكرت البارحة كما سكرت منذ شهر ، ~~فارتددت ، وأنا لا أعقل ، فإنها تبين منه ولا يصدق على ما قال ؛ لأن السكر ~~لا يعود بعد زوال سببه إلا باكتساب سبب جديد لذلك واكتساب ذلك السبب منه ~~البارحة غير معلوم ، فلا يقبل قوله إلا بحجة ، وعلى هذا لو علم أن المشركين ~~أكرهوه على الكفر ، PageV05P2027 فكفر مرة ، ثم ادعت عليه أنه كفر بعد ذلك ~~فصدقها بالكفر الثاني ، وذكر أنهم أكرهوه ثانيا لا يقبل في ذلك قوله ؛ لأنه ~~يدعي سببا متجددا غير معلوم ، وكذلك لو علم أنه كان مبرسما منذ سنة ، ثم ~~قال : أصابني ذلك مرة أخرى ، أو علم أنه شرب البنج منذ سنة ، ثم قال : قد ~~شربته البارحة فذهب عقلي لم يصدق على ذلك بحجة ؛ لأن هذا كله مما لا يعود ~~إلا باكتساب سبب مستقل بخلاف الجنون ولأن هذا كله مما يزول على وجه لا يبقى ~~له أثر وعلى وجه لا يعود قط ، بخلاف الجنون والنوم ، فبهذا الحرف تبين ~~الفرق بين هذه الفصول والله أعلم . PageV05P2028 # | باب الكفالة بالمستأمن والأسير في دار الحرب # قال : وإذا خلوا سبيل الأسير في دار الحرب ، على أن يعطيهم كفيلا بنفسه ~~على أن لا يخرج من بلادهم فكفل به مسلم أو ذمي أو حربي ، ثم قدر على الخروج ~~، فليس ينبغي له أن يخفر المسلم أو الذمي وله أن يخفر الحربي فيخرج ؛ لأنهم ~~يقتلون الكفيل أو يعذبونه إذا خرج هو ، وقد كان له أن يقتل الحربي ، ويأخذ ~~ماله فيخرج ، فيكون له أن يعرضه للقتل أيضا ، بالخروج ، وما كان له أن يقتل ~~المسلم والذمي لينجو بنفسه ، فكذلك لا يكون له أن يعرضهما للقتل بخروجه ، ~~وإن كان الأسير مستأمنا فيهم فمنعه بعضهم من الخروج ، حتى أعطاه كفيلا ، ~~بهذه الصفة ، فليس ينبغي له أن يخفر كفيله حربيا كان أو غير حربي ؛ لأنه ~~ليس للمستأمن أن يقتل الحربي ويأخذ ماله فيخرج فلا يكون له أن يعرضه للقتل ~~أيضا ، وهذا لأنه لا أمان ms1149 بينهم وبين الأسير ، وقد ثبت بينهم وبين المستأمن ~~الأمان ، فإنهم آمنوه ، وهو قد التزم لهم ألا يخونهم PageV05P2029 فكانوا ~~في أمان منه أيضا ، ولكن هذا الأمان مقصور عليه خاصة ، فلهذا لا يكون له أن ~~يخفر كفيله ، وإن كان المسلم مظلوما فيهم فكفل به مسلم أو ذمي أو حربي على ~~أني حضره ، يوم كذا ليقتلوه ، فلا بأس بأن يخفر كفيله ويخرج ، سواء كان ~~أمره بالكفالة أو لم يأمره بذلك ؛ لأنه في الحضور يكون معينا على نفسه ~~ملقيا بيده إلى التهلكة ولا رخصة في ذلك ، وإذا خرج هو فقتلوا كفيله لم يكن ~~هو معينا على قتله ، فإن لم يخرج حتى يحضره الكفيل ، فيقتلوه ، كان معينا ~~على نفسه ، فلهذا كان له أن يخرج ، وأكثر ما فيه أنه قد تحقق خوف الهلاك ~~على أحدهما ، والمسلم في هذا مأمور بأن يبدأ بدفع سبب الهلاك عن نفسه ، ولو ~~قالوا : أعطنا كفيلا بنفسك حتى نحضرك يوم كذا فنأخذ منك المال ، أو حبسناك ~~أو قيدناك ، فأعطاهم كفيلا مسلما أو ذميا على هذا الشرط ، فليس له أن يخفر ~~كفيله ها هنا ؛ PageV05P2030 لأنه أدخله في هذه العهدة والتزم له الوفاء ~~حين أمره بالكفالة عنه ، والمؤمنون عند شروطهم ، بخلاف ما سبق ، فهناك إنما ~~يخاف على نفسه شيئا لا يحل له أني أذن فيه بحال ، وأن يباشره اختيارا بنفسه ~~فلا يجوز له أن يعينهم على ذلك بترك الخروج بعد التمكن منه وها هنا إنما ~~يخاف ما يجوز له أني أذن فيه من نفسه ، وأن يباشره ، من بذل مال أو رضاء ~~بالحبس أو بالقيد ، فلهذا لا ينبغي له أن يغدر بكفيله ، وعلى هذا لو أن ~~مسلمة فيهم أعطت كفيلا مسلما أو ذميا على أن يحضرها غدا ليفجر بها رجل منهم ~~أو يتزوجها وهي ذات زوج فلا بأس بأن تخفر كفيلها ؛ لأن ما تخاف منه أمر لا ~~يجوز أن تأذن فيه بحال ، فكان هذا والقتل سواء ، وإن لم تكن ذات زوج ~~فأرادوها على أن يتزوجها رجل منهم ، فإن كان ذلك الرجل مسلما فليس لها أن ms1150 ~~تخفر كفيلها ، وإن كان ذلك الرجل كافرا فلها أن تخفر كفيلها ؛ لأن الزوج ~~إذا كان مسلما فهذا العقد مما يجوز لها أن تباشره وأن تأذن فيه ، وإذا كان ~~الزوج كافرا فليس لها أن تباشره ولا أن ترضى به بحال ، ولو أرادوا منه أن ~~يكفر بالله أو يقتلوه فأعطاهم كفيلا بنفسه على أن يوافي به غدا فلا بأس بأن ~~يخفر كفيله ها هنا ؛ PageV05P2031 لأن حرمة الكفر حرمة باتة مصمتة لا تنكشف ~~بحال ، فهذا مما لا يحل أن يأذن فيه من نفسه ويرضى به ، بمنزلة القتل ألا ~~ترى : أنه لو قيل له : لتكفرن بالله أو لنقتلن هذا الرجل لم يسعه أن يكفر ~~بالله إذا خاف القتل على غيره ، وإنما يسعه إجراء كلمة الكفر مع طمأنينة ~~القلب بالإيمان إذا خاف القتل على نفسه وكذلك ها هنا إنما يخاف لقتل على ~~غيره فلا بأس بأن يهرب من الشرك ويدع كفيله ، ولو قالوا : اقتل هذا المسلم ~~أو المعاهد أو لنقتلنك فأعطاهم كفيلا بنفسه على أن يحضره غدا ليفعل به ذلك ~~كان له أني خفر كفيله فهذا أولى ؛ لأن الإقدام على قتل المسلم لا يحل له ~~أصلا ، سواء كان يخاف الهلاك على نفسه أو على غيره ، ولو قالوا للأسير نخلي ~~سبيلك على أن تؤمننا فلا تغتال أحدا منا ، ولا تأخذ لأحد منا مالا ، ولا ~~تخرج من بلادنا فحلف لهم على هذا ، وخلوا سبيله فلا بأس بأن يخرج ويكفر ~~يمينه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه إلا ~~أنه لا ينبغي له أن يغتالهم فيقتل أحدا منهم ، أو يأخذ له مالا ؛ لأنه حين ~~أعطاهم العهد على هذا فقد صار بمنزلة المستأمن فيهم ، وقد بينا ~~PageV05P2032 أن المستأمن لا يحل له أن يغتال أحدا منهم ولا أن يأخذ شيئا ~~من أموالهم ولكن يجوز له أن يخرج من دارهم بغير علمهم ورضائهم فكذلك الأسير ~~إذا أعطاهم العهد على هذا ، فإن أعطى الأسير مسلما أو ذميا كفيلا بنفسه على ~~ألا يخرج ثم طاوعه الكفيل فخرجا جميعا ms1151 فلا بأس بهذا ؛ لأنه إنما كان ممنوعا ~~من الخروج لحق الكفيل ، فإنه غير ملتزم لأهل الحرب شيئا فإذا ساعد الكفيل ~~على الخروج فقد زال المانع ، فإن قيل : كيف يلزمه مراعاة حق الكفيل ، وقد ~~كان أهل الحرب ظالمين في حبسه ، وللمظلوم أن يدفع الظلم عن نفسه بما يقدر ~~عليه ، قلنا : نعم ، ولكن ليس للمظلوم أن يظلم غيره فإذا أخفر كفيله كان ~~ظالما ، فإنه اعتمد في الكفالة أمره ألا ترى أن مسلما في دار الإسلام لو ~~قصده ظالم بظلم فأعطاه كفيلا بنفسه ، لم يحل له أن يخفر كفيله ، وإن كان ~~يعلم أنه مظلوم فهذا له ، ولو قالوا له : نخلي سبيلك ونؤمنك وتؤمنا على ألا ~~تخرج من بلادنا ، فأعطاهم ذلك ، ثم قدر على الخروج فلا بأس بأن يخرج ؛ لأنه ~~بمنزلة المستأمن فيهم الآن ، ولكن لو أعطاهم كفيلا حربيا بنفسه لم يجز له ~~أن يخفر كفيله بخلاف الأول ؛ PageV05P2033 لأنه ها هنا لا يسعه أن يقتل ~~أحدا منهم ، ويأخذ ماله فلا يسعه إخفار كفيله أيضا ، وإن ساعده الكفيل على ~~الخروج معه فلا بأس بالخروج ؛ لأن المانع حقه لا حق أهل الحرب ، بدليل أنه ~~لو لم يعطه كفيلا كان له أن يخرج ، فإن خرج الكفيل معه بأمان ، ثم قال له : ~~ارجع معي إلى دار الحرب ، فليس على الأسير ذلك ؛ لأن حكم ذلك الأمان قد ~~انتهى بخروجه إلى دار الإسلام ، فكذلك حكم الكفالة ، ألا ترى أن هذا الحربي ~~لو رجع إلى دار الحرب كان خارجا من أمان الأسير وحل له أني قتله ، ولا بأس ~~بأن يرشو الأسير المسلم بعض أهل الحرب ليتركه حتى يخرج إلى دار الإسلام ~~لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه ، وبه أمر قال صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه ~~: اجعل مالك دون نفسك ونفسك دون دينك والأصل فيه حديث عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله تعالى عنه - فإنه حبس بالحبشة فرشاهم دينارين حتى خلوا سبيله ، ~~فعرفنا أن هذا ليس من جملة السحت في حق المعطي ، وإن كان من جملة السحت في ~~حق الآكل ، وأنه غير ms1152 داخل تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم : الراشي ~~والمرتشي في النار ، إنما قال ذلك في حق المعطي إذا قصد به الظلم ، أو ~~إلحاق الضرر بغيره ، فأما إذا قصد دفع الظلم عن نفسه PageV05P2034 أو تحصيل ~~منفعة لنفسه ، من غير أن يلتحق الضرر بغيره فلا بأس به ، وكذلك الجواب في ~~دار الإسلام ، إذا قصده ظالم فلا بأس بأن يعطي شيئا من ماله إليه ، ليدفع ~~الظلم عن نفسه ، قال : بلغنا عن أبي الشعثاء جابر بن زيد قال : ما وجدنا في ~~زمن الحجاج شيئا خيرا من رشى ، وفي وصفه ذلك بالخيرية دليل على أنه لا إثم ~~على المعطي في الإعطاء وإن كان الآخذ آثما في أخذه ، والله الموفق . ~~PageV05P2035 # | باب ما يبتلى به الأسير في دار الحرب # إذا استحلف ملكهم الأسير بالأيمان المغلظة ألا يخرج إلى بلاد المسلمين ~~فحلف على ذلك فاليمين لازمة ؛ لأنه مخاطب ، وإن كان مقهورا في أيديهم ~~فالإكراه لا يمنع لزوم اليمين والأصل فيه حديث حذيفة - رضي الله تعالى عنه ~~- فإن المشركين أخذوه وحلفوه ألا ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ف لهم بعهدهم ونحن نستعين الله ~~تعالى عليهم ، فإن كان حلف ألا يخرج إلا بإذن الملك ، ثم خرج بإذنه لم يحنث ~~؛ لأن هذا الخروج بالصفة المستثناه ، وإن خرج بغير إذنه فهو حانث ، إلا أن ~~يكون ذلك الملك قد مات ؛ فإن في لفظه ما يوجب توقيت اليمين بحياته ، وكذلك ~~إن عزل ذلك الملك ؛ فإن اعتبار إذنه حال قيام سلطنته ، فتوقيت اليمين به ، ~~إلا في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وأصله في المدين إذا حلف ألا يخرج ~~من البلدة ، PageV05P2036 إلا بإذن صاحب الدين أو المرأة إذا حلفت ألا تخرج ~~إلا بإذن زوجها فإنه يتوقف اليمين بحال قيام الدين وحال قيام الدين حلفت ~~ألا تخرج إلا بإذن زوجها فإنه يتوقف اليمين بحال قيام الدين وحال قيام ~~النكاح ، وحال قيام النكاح ، إلا في رواية أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ، ~~وكذلك إن أعيد على ms1153 ملكه بعدما عزل ؛ لأن اليمين قد بطلت حين عزل ذلك الملك ~~، وهي بعدما بطلت لا تعود إلا بالتجديد . ألا ترى أنه لو قال لجاريته عبدي ~~حر ، إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فباعها ثم اشتراها ثم خرجت ، أو قال ~~لزوجته ، فأبانها ثم تزوجها ثم خرجت لم يحنث لما قلنا ، وكذلك لو حلف ~~السلطان رجلا لترفعن إلي كل داعر تعرفه في محلتك فعزل ثم أعيد على حاله ~~فعلم بداعر فليس عليه أن يعرفه ، ولو كان علم به قبل عزله فلم يرفعه إليه ~~حتى عزله كان حانثا في يمينه ولا ينفعه أن يرفعه إليه بعد العزل ، أو بعد ~~الإعادة إلى السلطنة ، وهذه فصول ذكرناها في شرح الزيادات وإن كان حلف ~~الأسير لهم ألا يخرج إلا بإذن PageV05P2037 ملكهم ولم يصمد بملك بعينه فعزل ~~ذلك الملك وولي غيره ثم خرج الأسير كان حانثا ؛ لأن يمينه إنما وقعت ها هنا ~~على استئذان أي ملك ولوه أمرهم ، فإن مات ملكهم أو عزل ، ولم يوالوا غيره ~~حتى خرج الأسير فلا حنث عليه ؛ لأنه لا ملك عليهم الآن ، وهو بيمينه إنما ~~استلزم استئذان الملك ، فإذا لم يكن عليهم ملك لا يكون هو بالخروج مرتكبا ~~محظور اليمين ، فلا يحنث بهذا الطريق لأن يمينه انتهى بعزل الأول ، حتى لو ~~لم يخرج حتى ولا غيره ثم خرج بغير إذنه كان حانثا ؛ لأنه قد ارتكب محظور ~~اليمين ، قال : ولو حلف ألا يخرج إلا بإذن الملك ولا نية له ، فيمينه على ~~ذلك الملك خاصة ؛ لأنه أدخل الألف واللام في كلامه ها هنا ، وهو المعهود ~~فإنما يتناول يمينه بالملك المعهود خاصة ، وصار تعينه بهذا الطريق كتعيينه ~~بالإشارة إليه ، قال : وإذا أحرم اليسير في أيديهم وهو يرجو أن يبلغ ~~المسلمين ذلك ، ويفدونه فلم يفعل المسلمون ذلك ، ومنعه العدو فهو بمنزلة ~~المحصر ؛ لأنه تعذر عليه المضي لأداء النسك بعد صحة إحرامه ، فكان محصرا ~~وقد بينا حكم المحصر في شرح المختصر وذكر هنا ، PageV05P2038 أنه إذا كان ~~لا يقدر على هدي يبعثه لتحلل به ، فإن عطاء بن ms1154 أبي رباح كان يقول : يتحلل ~~بصوم عشرة أيام ، بالقياس على هدي المتعة ، وأهل المدينة كانوا يقولون ~~يتحلل بغير شيء فأما المذهب عندنا أنه لا يتحلل إلا بالهدي ؛ لأن حكم ~~المحصر منصوص عليه في القرآن وهو التحلل بالهدي خاصة ، وكون الصوم بدلا ، ~~عن الهدي في المتعة والقرآن منصوص عليه هنا ، ولا يقاس المنصوص على المنصوص ~~عندنا ، إنما يقاس على التنزيل ، وأما التنزيل لا يقاس بعينه بعضه على بعض ~~، لأن الحكم المعلوم بالتنزيل مقصوع به ، وما ثبت بالرأي لا يكون مقطوعا به ~~وقد استقصينا هذا فيما أمليناه في تمهيد الفصول في الأصول ، والله الموفق . ~~PageV05P2039 # # | باب العين يصيبه المسلمون # قال : وإذ وجد المسلمون رجلا ممن يدعي الإسلام معينا للمشركين على ~~المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم فأقر بذلك طوعا فإنه لا يقتل ، ولكن الإمام ~~يوجعه عقوبة ؛ وقد أشار في موضعين في كلامه إلى أن مثله لا يكون مسلما ~~حقيقة فإنه قال ممن يدعي الإسلام ، وقال : يوجع عقوبة ، ولم يقل : يعزر وقد ~~بينا أنه في حق المسلمين يستعمل لفظ التعزير في هذا الموضع ، وإنما يستعمل ~~هذا اللفظ في حق غير المسلمين ، إلا أنه قال : لا يقتل ، لأنه لم يترك ما ~~به بإسلامه فلا نخرجه من الإسلام في الظاهر ما لم يترك ما به دخل في ~~الإسلام ، ولأنه إنما حمله على ما صنع الطمع ، لا خبث الإعتقاد ، وهذا أحسن ~~الوجهين وبه أمرنا قال الله تعالى : ' فيتبعون أحسنه ' الزمر : 18 ، وقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم : لا تطلبن بكلمة خرجت من في أخيك سوءا وأنت تجد ~~لها في الخير محملا ، واستدل عليه بحديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه كتب إلى ~~قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مهلا يا عمر فلعل الله قد ~~اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، فلو كان بهذا كافرا ~~PageV05P2040 مستوجبا للقتل ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بدريا كان أو غير بدري ، وكذلك لو لزمه القتل بهذا حدا ما ترك رسول الله ~~صلى الله ms1155 عليه وآله وسلم إقامته عليه ، وفيه نزل قوله تعالى : ' يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ' الممتحنة : فقد سماه مؤمنا ، ~~وعليه دل قصة أبي لبابة حين استشاره بنو قريظة فأمر أصبعه على حلقه يخبرهم ~~أنهم لو نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتلهم ، وفيه نزل ~~قوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ' الأنفال ~~الآية 27 ، وكذلك لو فعل هذا ذمي فإنه يوجع عقوبة ويستودع السجن ولا يكون ~~هذا نقضا منه للعهد ؛ لأنه لو فعله مسلم لم يكن به ناقضا أمانه ، فإذا فعله ~~ذمي لا يكون ناقضا أمانه أيضا ألا ترى : أنه لو قطع الطريق فقتل وأخذ المال ~~لم يكن به ناقضا لعهده وإن كان قطع الطريق محاربة مع الله ورسوله بالنص ~~فهذا أولى ، وكذلك لو فعله مستأمن فينا ، فإن لا يصير ناقضا لأمانه بمنزلة ~~ما لو قطع الطريق ، إلا أنه يوجع عقوبة في جميع ذلك ؛ لأنه ارتكب ما لا يحل ~~له ، وقصد بفعله إلحاق الضرر بالمسلمين ، PageV05P2041 فإن كان حين طلب ~~الأمان قال له المسلمون : قد آمناك إن لم تكن عينا للمشركين على المسلمين ~~أو آمناك علي أنك إن أخبرت أهل الحرب بعورة المسلمين فلا أمان لك والمسألة ~~بحالها فلا بأس بقتله ، لأن المعلق بالشرط يكون معدوما قبل وجود الشرط ، ~~فقد علق أمانه ها هنا بشرط ألا يكون عينا ، فإذا ظهر أنه عين كان حربيا لا ~~أمان له فلا بأس بقتله ، وإن رأي الإمام أن يصلبه حتى يعتبر به غيره فلا ~~بأس بذلك ، وإن رأى أن يجعله فيئا فلا بأس به أيضا كغيره من الأسرى إلا أن ~~الأولى أن يقتله ها هنا ليعبر به غيره غيره فإن كان مكان الرجل امرأة فلا ~~بأس بقتلها أيضا ، لأنها قصدت إلحاق الضرر بعامة المسلمين ، ولا بأس بقتل ~~الحربية في هذه الحالة كما إذا قاتلت ، إلا أنه يكره صلبها ؛ لأنها عورة ~~وستر العورة أولى ، وإن وجدوا غلاما لم يبلغ بهذه الصفة ، فإنه يجعل فيئا ~~ولا يقتل ms1156 ؛ PageV05P2042 لأنه غير مخاطب فلا يكون فعله خيانة يستوجب القتل ~~بها ، بخلاف المرأة وهو نظير الصبي إذا قاتل فأخذ أسيرا لم يجز قتله بعد ~~ذلك بخلاف المرأة إذا قاتلت فأخذت أسيرا فإنه يجوز قتلها ، والشيخ الذي لا ~~قتال عنده ولكنه صحيح العقل بمنزلة المرأة في ذلك ؛ لكونه مخاطبا ، وإن جحد ~~المستأمن أن يكون فعل ذلك ، وقال : الكتاب الذي وجدوه معه إنما وجدته في ~~الطريق وأخذته فليس ينبغي للمسلمين أن يقتلوه من غير حجة ؛ لأنه آمن ~~باعتبار الظاهر ، فما لم يثبت عليه ما ينفي أمانه كان حرام القتل ، فإن ~~هددوه بقيد أو ضرب أو حبس حتى أقر بأنه عين فإقراره هذا ليس بشيء ؛ لأنه ~~مكره ، وإقرار المكره باطل ، سواء كان الإكراه بالحبس أو القتل ، ولا يظهر ~~كونه عينا إلا بأن يقر به عن طوع ، أو شهد عليه شاهدان بذلك ، ويقبل عليه ~~بذلك شهادة أهل الذمة وأهل الحرب ؛ لأنه حربي فينا ، وإن كان مستأمنا ~~وشهادة أهل الحرب حجة على الحربي ، PageV05P2043 وإن وجد الإمام مع مسلم أو ~~ذمي أو مستأمن كتابا فيه خطه ، وهو معروف ، إلى ملك أهل الحرب يخبر فيه ~~بعورات المسلمين ، فإن الإمام يحبسه ولا يضربه بهذا القدر ؛ لأن الكتاب ~~محتمل فلعله مفتعل والخط يشبه الخط ، فلا يكون له أن يضر به بمثل هذا ~~المحتمل ، ولكن يحبسه نظرا للمسلمين حتى يتبين له أمره ، فإن لم يتبين خلى ~~سبيله ورد المستأمن إلى دار الحرب ، ولم يدعه ليقيم بعد هذا في دار الإسلام ~~يوما واحدا ؛ لأن الريبة في أمره قد تمكنت ، وتطهير دار الإسلام عن مثله من ~~باب إماطة الأذى فهو أولى والله أعلم . PageV05P2044 # | باب ما يختلف فيه أهل الحرب وأهل الذمة من الشهادات والوصايا # قد بينا شهادة أهل الحرب المستأمنين في دارنا بعضهم على بعض ، مقبولة إذا ~~كانوا أهل منعة واحدة ، ولا تقبل عند اختلاف المنعة ؛ لأن المانع تباين ~~الدارين لا اختلاف النحلة وتباين الدارين فيهم باختلاف المنعة ، وعلى هذا ~~حكم التوارث بينهم ، وحال أهل الذمة مع المستأمنين كحال المسلمين مع أهل ~~الذمة ms1157 ؛ لأنهم من أهل دارنا بخلاف المستأمنين ، ولهذا لا يترك المملوك ~~الذمي في ملك المستأمن مدة مقامه فينا ، ولكن يجبر على بيعه ، كما لا يترك ~~المسلم في ملك الذمي ، ووصية المستأمن بجميع ماله لمسلم أو ذمي تكون صحيحة ~~وليس لوارثه فيها حق الرد ؛ لأن حرمة ماله لحقه لا لحق وارثه الذي في دار ~~الحرب ولأن بطلان الوصية PageV05P2045 فيما زاد على الثلث عند عدم إجازة ~~الورثة من حكم الإسلام والمستأمن غير ملتزم لذلك ، ولهذا يثبت هذا الحكم في ~~حق الذمي ، لأنه ملتزم حكم الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، ووصية الذمي ~~للحربي المستأمن بالثلث تكون صحيحة بمنزلة وصية المسلم للذمي ، ووصية ~~المسلم أو الذمي لحربي في دار الحرب لا تكون صحيحة وإن أجازها الورثة إلا ~~أن يشاءوا أن يهبوا له شيئا من أموالهم ، فيجوز ذلك إذا قبض ؛ لأن من في ~~دار الحرب في حق من هو في دالا الإسلام كالميت ، فإن كان وارث المستأمن معه ~~بأمان فينا لم تجز وصيته ، فيما زاد على الثلث إلا بإجازة الوارث ؛ لأن حق ~~وارثه ها هنا مراعى بسبب الأمان كحقه ، فإن حضر له وارث آخر من دار الحرب ~~شارك الذي كان حاضرا في ميراثه ، ولم يكن للموصى له إلا الثلث ؛ لأن وصيته ~~فيما زاد على الثلث قد بطلت لعدم إجازة الورثة ، فيبقى ذلك موروثا عنه بين ~~جميع ورثته ، ويستوي إن كان الحاضر معه زوجته أو ابنه ؛ لأن القاضي لا يجد ~~بدا من أن يقضي بميراثهما في الزيادة على الثلث ، وإذا لم يجز قضاؤه بميراث ~~بعض الورثة في مال يكون إبطالا للوصية في ذلك المال ، PageV05P2046 ولو أن ~~المستأمن فينا أوصى بجميع ماله لحربي في دار الحرب ، ثم جاء الموصى له وابن ~~الميت فإن القاضي يقضي بالمال للموصى له ؛ لأنه لا حرمة لوارثه الذي في دار ~~الحرب ، وإنما كان المال محترما لحق الميت ، فيكون مصروفا إلى من وضعه ~~الميت فيه ، ولو كان الموصى له من أهل دار غير داره فالوصية له باطلة ~~لتباين الدار حقيقة وحكما ، بمنزلة الذمي يوصي ms1158 لحربي في دار الحرب ، بخلاف ~~ما إذا كان الموصى له في دارنا بأمان ؛ لأن تباين الدار ها هنا غير موجود ~~صورة وإن كان موجودا حكما ، وبخلاف ما إذا أوصى لمسلم أو ذمي هو في دار ~~الحرب بأمان أو أسير ؛ لأن هناك لم يوجد تباين الدار حكما ، فالمسلم من أهل ~~دار الإسلام حيثما يكون ، وكذلك لو أوصى لحربي قد أسلم في دار الحرب ؛ لأن ~~المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون ، ألا ترى أن زوجته لو خرجت مسلمة ~~بعد إسلامه لم تبن منه بخلاف ما إذا خرجت قبل إسلامه ، PageV05P2047 ولو ~~كان أوصى له وهو حربي ثم أسلم قبل موت الموصي أو بعده فوصيته باطلة ؛ لأنها ~~وقعت لإنسان بعينه فإنما يعتبر حاله يوم أوصى له ، وقد كان ميتا عند ذلك ~~حكما ، فبطلت الوصية له ، والوصية الباطلة لا تنقلب صحيحة بإسلامه ، وكذلك ~~إن أجازت الورثة وصيته ؛ لأن الإجازة إنما تلحق الموقوف لا الباطل ، وعلى ~~هذا لو قال : أوصيت لفلان ابن أخي فلان ؛ لأنه حين سماه بعينه فكأنه أشار ~~إليه ، بخلاف ما إذا قال أوصيت لابن أخي بكذا ولم يسم الابن بعينه فأسلم ~~الابن قبل موت فالوصية له جائزة ؛ لأنه لما لم يصمد لشخص بعينه كانت الوصية ~~لمن هو موجود عند موت الموصي ، اعتبارا للموصى له بالموصي به ، ألا ترى : ~~أنه لو لم يكن لأخيه ابن ثم ولد له قبل موت الموصي استحق ذلك الابن الوصية ~~بهذا الطريق فكذلك إذا كان كافرا فأسلم ، قال : ولو وهب المستأمن في مرضه ~~ماله كله لابنه الذي هو معه ، وسلمه إليه ، ثم جاء ابن آخر له من دار الحرب ~~بعد موته أبيه ، وأراد نقض الهبة لم يكن له ذلك ؛ PageV05P2048 لأنه ما كان ~~لهذا الابن الذي جاء حرمة عند موت أبيه ، فالوصية للوارث إنما لا تجوز لحق ~~سائر الورثة ، فإذا انعدم ذلك الحق عند موت الموصي تمت الوصية له ، وليس ~~لمن يحضر بعد ذلك أن يبطله ، وإن كان مجيء هذا الابن قبل موت والده فله أن ~~يبطل هبته ؛ لأنه ms1159 كان مدعي الحق عند موت أبيه فكان تصرف الأب إيثارا لبعض ~~ورثته على البعض وذلك لا يجوز ، ثم إن جاء ابن آخر له بعد هذا شاركهما في ~~الميراث ؛ لأن الهبة حين بطلت صار المال ميراثا عن الميت ، ولو كان الابن ~~الذي جاء قبل موت أبيه أجاز الهبة لأخيه بعد موت الأب ، قبل مجيء الآخر أو ~~بعده ، جازت الهبة في نصيبه ؛ لأنه حين مات الأب قبل إجازته ، فقد صار ~~المال ميراثا بين البنين الثلاثة أثلاثا ، ثم إنما تعمل إجازة المجيز في ~~نصيبه لا في نصيب غيره ، وهو بمنزلة ما لو أخذ الابن الحاضر الميراث ~~فاستهلكه بهبة أو غير ذلك ، ثم جاء الابن الآخر فإنه يكون له أن يأخذ نصيبه ~~من الميراث ، وكذلك لو كان للمستأمن ها هنا ابنان فأوصى لهما بجميع المال ، ~~أو وهب لكل واحد منهما نصف المال مقسوما PageV05P2049 وقبضه ، ثم أجاز كل ~~واحد منهما لصاحبه بعدد موت أبيه ، ثم جاء ابن آخر ، فله أن يأخذ ميراثه من ~~النصيبين ؛ لأن الثلث من المال صار ميراثا له بموت الموصي قبل إجازة ~~الابنين فلا يبطل ذلك إلا بإجازتهما ، ولو كان معه ابن واحد فأوصى له بجميع ~~ماله ، وأجاز الابن الوصية لنفسه ، بعد موت أبيه ، ثم جاء ابن آخر ، فله أن ~~يأخذ نصف المال ، بخلاف ما إذا كان وهب له وسلمه إليه ؛ لأن الهبة قد ملكها ~~الموهوب له بالقبض في حياة أبيه ، ولم يكن للابن الآخر حق مرعي عند ذلك ، ~~فلا يثبت فيه حكم الإرث عند موته ، فأما الوصية إنما تجب بالموت كالميراث ، ~~وباعتبار المقارنة لا ينتفي الإرث لابن آخر ، فلهذا كان له نصف الميراث ، ~~ولا تعمل إجازة المجيز في حقه ، ألا ترى أن الابن الموصى له لو أخذ المال ~~بطريق الميراث بعد موت أبيه كان للابن الآخر أن يأخذ منه نصفه ، فكذلك إذا ~~أخذ بطريق الوصية ، ولو أن حربيا في دار الحرب حضره الموت فوهب ماله لمسلم ~~فيهم بأمان وسلمه ، فأبى وارثه ، بعد موته ، أن يجيز له فيما زاد على الثلث ~~، كان ms1160 المستأمن في سعة من منع جميع المال منه إن أمكنه ذلك ؛ لأن الميت ~~ملكه بطيبة نفسه ، وبعد تمام الملك منه لا يثبت فيه حق ورثته ولا حق غرمائه ~~بعد موته وإن أسلموا ، PageV05P2050 وإن كان الحربي أوصى له بماله كله ، ~~والمسألة بحالها ، فإن كان من حكم أهل الحرب ، أن الموصى له أحق بالموصى به ~~طاب له ذلك كله ؛ لأن الورثة والغرماء ملتزمون أحكام أهل الحرب ، وإن لم ~~يكن ذلك من حكمهم لم يطب له إلا الثلث بعد الدين ؛ لأنه فيهم أمان فلا يحل ~~له أن يأخذ مالهم أو مالا لهم فيه حق إلا بطيبة أنفسهم ، ولو أن مستأمنا ~~فينا وهب ماله لرجل ، أو أوصى له به ، ولا وارث له ، ثم جاء قوم بعد موته ~~وأثبتوا دينا على الميت أدانوه في دار الإسلام ، فإن القاضي يبدأ بحق ~~الغرماء ؛ لأن من في يده المال خصم عن الميت ، فإثبات الدين عليه بالبينة ~~كإثباته على الميت ومن حكم الإسلام البداية بالدين قبل الهبة في المرض ~~والوصية ، فإن جاء ابنه بعد هذا من دار الحرب ، وقال : أعطى ميراث أبي من ~~الباقي لم يلتفت القاضي إلى ذلك ؛ لأنه لم يكن مرعي عند موت أبيه ، فلا ~~تبطل الهبة والوصية لأجله ، PageV05P2051 وعلى هذا لو جاء الغرماء من دار ~~الحرب فأثبتوا عليه دينا أدانوه في دار الحرب لم يقض القاضي لهم بشيء وإن ~~كانوا مسلمين أو أهل ذمة ؛ لأنهم لو جاءوا في حياته وأقاموا لابينة لم يقض ~~لهم بشيء فإن المستأمن غير مطالب بموجب معاملة كانت معه في دار الحرب ، ~~فكذلك إذا جاءوا بعد موته ، قال : ولو لم يكن أوصى بماله لأحد ، والمسألة ~~بحالها ، بدأ بالدين الذي استدانه في دالا الإسلام ، ثم بالدين الذي ~~استدانه في دار الحرب ؛ لأن ما استدانه في دار الإسلام أقوى ، فإنه مطلوب ~~به قبل الإسلام وعبده وما استدانه في دار الحرب أضعف فإنه كان لا يطالب به ~~ما لم يسلم وعند اجتماع الحقين يبدأ بأقواهما ، ثم ها هنا يقضي من تركته ما ~~استدان في دار ms1161 الحرب ؛ لأن ما يفضل من غرماء دار الإسلام موقوف على حق ~~ورثته في دار الحرب ، وهو مطالب بما استدانه في دار الحرب في حقهم ، بخلاف ~~الأول ، فالفضل هناك مستحق للموهوب له أو للموصى له في دار الإسلام ، وذلك ~~الدين ليس بمطلوب في دار الإسلام ، وإن مات المستأمن فينا وله مال فماله ~~موقوف مفي يد من في يده وإن لم يكن في يد أحد جعله الإمام موقوفا في بيت ~~PageV05P2052 المال حتى يحضر وارثه ، وليس عليه أن يبعث به إليه ، ولكن كل ~~من يأتي من ورثته يعطيه حصته ويقف الفضل حتى يأتي مستحقه ، فإن علم أنه لا ~~وارث له قسم الإمام ذلك للمساكين ثم إن جاء وارث له أعطاه ذلك من الصدقات ؛ ~~لأن حكم الأمان بقى في ماله بعد موته ، فيفعل فيه ما يفعله في مال ذمي يموت ~~ولا وارث له ، ولو جرح المستأمن رجلا عمدا أو خطأ فعفا له عن الجراحة وما ~~يحدث منها ، ثم جاء وارثه من دار الحرب بعد موته فلا سبيل له علىالقاتل ؛ ~~لأن أكثر ما في الباب أنه موص لقاتله بالدية ، والوصية للقاتل كالوصية ~~للوارث وقد بينا أن ما نفذ من ذلك في مرضه لا يبطل لحق الوارث الذي في دار ~~الحرب فكذلك هذا ، ولو كان الوراث قدم في حياته ، لم تجز الوصية لقاتله إن ~~كان أوصى له ، وإن كان عفا عن دم العمد وكان الواجب القصاص بأن كان القاتل ~~مستأمنا مثله جاز العفو ؛ لأن إسقاط القود ليس من الوصية في شيء ، وإن كان ~~خطأ جاز من الثلث ؛ PageV05P2053 لأن وصيته بالدية للعاقلة لا للقاتل ، ولو ~~كان أوصى لقاتله بنصف ماله ، ولابنه الذي قدم قبل موته بنصف ماله ، فأجاز ~~الابن للقاتل ، ثم قدم ابن آخر فله أن يأخذ ميراثه من الوصيتين ؛ لأن ~~الوصية للقاتل ما كانت صحيحة قبل الإجازة كالوصية للورثة فصار الابن الآخر ~~مستحقا نصيبه من الميراث كله ثم إنما تعمل إجازة أحد الابنين في نصيبه لا ~~في نصيب أخيه ، ولو كان وهب لقاتله في مرضه ولا ms1162 وراث له ها هنا جازت الهبة ~~في الكل ؛ لأن وارثه كان في دار الحرب عند موته ، وحقه غير مرعي ، ولو كان ~~معه في دارالإسلام ذو قرابة له ، محجوب ممن هو أقرب منه في دار الحرب ، ~~فقال هذا القريب : إن جعلتم الذي في دار الحرب ، كالميت فأنا أولى بماله ~~آخذه بطريق الميراث لم يكن له ذلك ؛ لأنا إنا أبطلنا لاوصية والهبة فلا بد ~~من أن نجعله ميراثا عند ، وإذا صار ميراثا كان الأقرب الذي جاء من دار ~~الحرب أولى به كما لو لم توجد الهبة والوصية أصلا ، فباعتبار هذا المال ~~يكون هذا إبطال هبته لحق وارثه الذي في دار الحرب عند موته ، وذلك لا يجوز ~~. PageV05P2054 # من حاشية هذه المسألة إلى مسألة في باب متى يصير الحرب ذميا ليس من إملاء ~~شمس الأئمة السرخسي - رحمه الله - بل من نسخة القاضي محمود الأورجندي - ~~رحمه الله تعالى - وصورة تلك المسألة : لو أن حربيا مستأمنا اشترى أرضا ~~خراجية فجاء مستحق فاستحقها ، يحتمل أن شمس الأئمة ما أملاه ، لأنه وقع جزء ~~من الرواية وأملاه ولكن وقع من يد من نقل كتبه إلى هذه المسألة فالأئمة من ~~بعده شرحوا ما يرويه فما هو مكتوب ها هنا ، من شرح قاضي القضاة محمود ~~الأوزجندي - رحمه الله عليه - . # قال : ولو أن حربيا في دار الحرب أوصى بوصية لمسلم ، ثم مات الحربي ثم ~~أسلم أهل الدار قبل أن يقسم الميراث ، فإن كان المسلم الموصى له يوم الوصية ~~في دار الإسلام فالوصية باطلة لتباين الدارين بينهما ، وتباين الدارين يمنع ~~لاوصية كما لو أوصى المسلم لحربي في دار الحرب بوصيته لم يجز ، فإن اجازها ~~الورث بعد ما أسلموا فهي باطلة إلا أن يدفعوها إليه ويسلموها فكانت بمنزلة ~~الهبة منهم ؛ لأن الوصية خرجت باطلة والباطل لا يلحقه الإجازة ، ~~PageV05P2055 وإن كان المسلم يوم أوصى له في دار الحرب ثم أسلم أهل الدار ، ~~ولم يقسموا الميرث فإني أنفذ الوصية له من الثلث ، وأقسم ما بقى بين ورثته ~~على فرائض الله - تعالى - أما الوصية فجائزة لأنهما كانا ms1163 في دار الحرب ، ~~وهي دار واحدة فجازت الوصية كالمسلم إذا أوصى لحربي مستأمن بوصية جازت ~~الوصية ثم الوصية تنفذ من الثلث ؛ لأن الدار صارت دار الإسلام يجري فيها ~~حكم المسلمين ، فيجري في هذا المال حكم المسلمين ، وفي حكم المسلمين جواز ~~الوصية من الثلث ، وإن كانوا اقتسموا الميراث وقبضوه فأبطلوا الوصية ثم ~~أسلم بطلت الوصية ؛ لأنه جرى في هذا المال فلا نتعرض لما مضى فيه من حكمهم ~~. ألا ترى لو أنهم اقتسموا المواريث على خلاف قسمة المسلمين ثم أسلموا لا ~~يتعرض لتلك القسمة ، فكذلك ها هنا والله الموفق . PageV05P2056 # | باب ما يصدق فيه الأسير أنه ذمي وما لا يصدق فيه # وهذا الباب بهذا النظم قد مر في الزيادات ، وقد مرت مسائله فيما مضى من ~~هذا الكتاب فلا نعيد والله الموفق . PageV05P2057 # | باب ما يصدق فيه الرجل إذا أقر أنه استهلك من مال أهل الحرب أو ما أقر ~~به من الجناية عليه # وإذا أسلم الرجل من أهل الحرب أو صار ذمة أو دخل إلينا بأمان فقال له رجل ~~: قطعت يدك وأنت حربي في دار الحرب ، أو قال : أخذت منك هذه الألف وأنت ~~حربي فهو لي ، أو قال : أخذت منك ألف درهم واستهلكتها ، أو قال : سبيت ابنك ~~هذا في دار الحرب ، وقال الرجل المسلم : بل فعلت ذلك كله بي بعد ما أسلمت ، ~~فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله تعالى عنهما - القول قول االمسلم ~~والذمي في ذلك ولا يصدق المقر فيضمنه المقر له قول المسلم والذمي في ذلك ، ~~ولا يصدق المقر فيضمنه المقر له دية اليد ويأخذ ابنه والألف القائمة بعينها ~~، وقال محمد : - رحمه الله تعالى - : القول قول المقر ولا يضمن شيئا ، ~~واجمعوا أن المال في الألف قائما فالقول قول المقر له يأخذه من يده ولا ~~يصدق في الألف القائمة بعينها ؛ PageV05P2058 لأنه أقر أنها كانت له ، ثم ~~يدعي التملك عليه فلا يصدق ، وأما في المستهلك فإنما قال محمد - رحمه الله ~~تعالى - بأنه يصدق ؛ لأنه أضاف إقراره إلى حالة معهودة بنفي وجوب الضمان ~~فكان منكرا ms1164 ، لوجوب الضمان في الحقيقة فكان القول قوله فلا يلزمه شيء ، كما ~~لو قال لامرأته طلقتها وأنا صبي أو نائم فإنه يصدق ويكون إنكارا للطلاق ، ~~وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - قالا : إذا أقر بالجنياة ثم ~~أدعى سقوط حكمه بالملك فلا يصدق ، كما إذا قال أخذت منك ألف درهم لأنه كان ~~لي عليك ألف درهم وأنكر الآخر ، فإنه يلزمه الألف لأنه أقر بالجناية وهو ~~الأخذ ثم ادعى سقوط حكمه بالملك فلا يصدق كذلك ها هنا ، ولهذا الباب فروع ~~كثيرة مذكورة في الزيادات والله الموفق . PageV05P2059 # | باب من أسلم على شيء فهو له # ويكون محرزا له # روى محمد - رحمه الله تعالى - بإسناده : عن طاوس عن أبيه أنه قال في كتاب ~~معاذ : من استخمر يعني : من استعبد قوما أولهم أحرار أو جيران مستضعفون فإن ~~كان قهرهم في بيته حتى يدخل الإسلام في بيته فهم له عبيد ومن كان مهملا ~~يعطي الخراج فهو عتيق ، اعلم أن قوله : استخمر معناه : استعبد كما فسره في ~~الكتاب وهو نظير تفسير ذكره عبد الله بن المبارك - رحمه الله - في غريب ~~الحديث لأبي عبيد ، وهي لغة اليمن ، هكذا قال محمد بن كثير : يقول الرجل ~~الآخر : أخمرني كذا ، أي : ملكني إياه وأعطنيه هبة ، ثم الأمر على ما هو في ~~كتاب معاذ لأنه إذا قصرهم في بيته وقهرهم فقد ملكهم وصاروا رقيا له ، فإذا ~~أسلم فقد اسلم على ملك نفسه فيسلم له ، لقوله صلى الله عليه وسلم : من أسلم ~~على مال فهو له فأما إذا كان مهملا يؤدي الخراج فهو عتيق ؛ لأنه لم يوجد ~~منه الملك إلا أن الاستيلاء بحق السلطنة ولم يوجد منهم إلا الانقياد ~~والطاعة ، ونفس الطاعة لا تدل على الرق ، فإن كل مسلم مطيع سطلانه وتحت ~~ولايته ، ولم يكونوا هم عبيدا له فكذلك ها هنا ، PageV05P2060 وكذلك أهل ~~الرخج وزابلستان ، ودونهما قهرهم الترك فاستعبدوهم وصاروا مملوكين لهم ~~يبيعون منهم من شاءوا فإذا أسلم أهل الترك وأسلم أهل البلد معهم ، فهم عبيد ~~لهم يصنعون بهم ما شاءوا ، لما قلنا ، والرخج ms1165 : اسم موضوع يقول فيه قائلهم ~~: # والرخجيون لا يوفون ما وعدوا . . . والرخجيات ينجزن المواعيدا # والله الموفق . PageV05P2061 # | باب الحربي يدخل إلينا بأمان فيقيم في دار الإسلام ثم يترك لا يؤدي ~~الخراج # قال محمد - رحمه الله تعالى - : أخبرنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن ~~يسار السلمي قال : سبي ناس من أشراف الروم فخرج معهم ناس من قراباتهم بأمان ~~، فلما وقعوا بالشام تفرقوا مع قراباتهم فمكثوا على ذلك لا يؤدون الخراج ~~فكتب إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله عليهما - فيهم فكتب أن أخبروهم فإن ~~أحبوا أن يقيموا مع أهل ذمتنا بمثل ما يعطي مثلهم من الخراج فذلك لهم ، وإن ~~أبو فسيروهم إلى بلادهم بأمان ، اعلم أن الأمر كما قال عمر بن عبد العزيز - ~~رحمه الله عليهما - وهو أن الحربي إذا طال مقامه في دارنا فإن الإمام يقول ~~له : إن أقمت سنة بعد يومك هذا أخذت منك الخراج فإن أقام PageV05P2062 من ~~حين تقوم إليه جعل ذمة ، ومنع من الخروج ويؤخذ منه الخراج ، فإن خرج قبل ~~ذلك لا يحول بينه وبين ذلك ، وإنما قدر ذلك بسنة لأن فيما دون السنة لا يجب ~~جميع أحكام المسلمين من الصوم والزكاة ، وإذا تمت السنة يلزمه كل خطاب فصار ~~ما دون السنة قليلا والسنة كثير ، فإذا مكث سنة فقد طال مقامه في دارنا ، ~~فصار من أهلها ذميا ، فيؤخذ منه الخراج والله الموفق . PageV05P2063 # | باب العقار يملك في دار الحرب # قال محمد - رحمه الله تعالى - : قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - : إذا ~~دخل الرجل المسلم دار الحرب بأمان فاكتسب مالا واشترى وباع ، فملك خيلا ~~وسلاحا ودورا وغير ذلك ثم ظهر المسلمون على تلك الدار ، فله جميع ما اكتسب ~~من ذلك إلا العقار من الدور والأرضين فإن ذلك يكون فيئا للمسلمين أما ما ~~سوى العقار لا يكون فييئا ؛ لأن ما سوى العقار من منقول هو في يده ، ويده ~~غير مغنوم ، فما في يده كذلك ، وأما العقار فهو تحت يد ملكهم مغنوم ، فما ~~في يده مغنوم وروي عن أبي يوسف - رحمه الله ms1166 تعالى - في الرجل أسلم في دار ~~الحرب ، وله عقار فظفر المسلمون على الدار : أن عقاره لا يكون فيئا فعلى ~~قياس تلك الرواية عقار هذا المسلم المستأمن لا يكون فيئا كما لا يكون ~~منقوله فيئا وروي محمد - رحمه الله تعالى - في الكتاب ، عن عبد الله بن ~~المبارك ، عن الوضين بن عبد الله الخولاني عن محمد بن الوليد الزهري عن ابن ~~هشام عن PageV05P2064 سعيد بن المسيب - رحمه الله عليهم - قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم : من منحه المشركون أرضا فلا أرض له ، وروي ~~في رواية أخرى : من منحه المشركون دارا فله دار له ، ولم يرد بهذا أنه لا ~~يملكه بالمنحة ، ولكن أراد به أنه لا يدوم ملكه فيها فإن المسلمين إذا ~~ظهروا عليها تصير لهم والله الموفق . PageV05P2065 # | باب ما يكون للملك أن يفعله في أهل مملكته ومن يكون له رقيقا من أهل ~~مملكته # قال محمد بن الحسن - رحمهما الله تعالى - إذا غلب قوم من أهل الحرب على ~~قوم آخرين من أهل الحرب فاتخذوهم عبيدا وإماء للمالك ، ثم إن الملك وأهل ~~أرضه أسلموا ، فمن كان من جنده الذين غلبهم وقاتل معهم فهم أحرار لا سبيل ~~لأحد عليهم ، لأن هؤلاء ليسوا في قهر الملك إنما هم في طاعة الملك ، ~~والمطيع للملك لا يكون عبدا له ، كالمسلم المطيع لسلطانه لا يكون رقيقا له ~~فهؤلاء أحرار قبل الإسلام فبقوا على الحرية بعد الإسلام ، وأما الذين غلبوا ~~فاتخذهم الملك عبيدا فلهم عبيد له قبل الإسلام وبعده ؛ لأنهم صاروا في قهر ~~الملك فالمقهور منهم يكون عبدا ، فهؤلاء عبيد للملك فإذا أسلم فقد أسلم على ~~عبيد نفسه ، فيكونون له للحديث الذي روينا ، PageV05P2066 فإن حضر الملك ~~الموت فورث ذلك بعض ورثته دون بعض ، وسلم ذلك إليه ، فإن كان صنع ذلك قبل ~~أن يسلم أو يصير ذمة ، ثم أسلم ولده بعد ذلك جعل الأمر على ما صنعه الملك ~~عليه ؛ لأنه حين صنع كان الحكم له ، وليس للمسلمين عليه حكم فلا يتعرض ~~لحكمه بل يمضي ، وإن كان صنع بعد ms1167 ما أسلم أو صار ذمة لم يجز ما صنع من ذلك ~~، وكان جميع ماله ميراثا بين ورثته على فرائض الله تعالى ؛ لأنه صنع ذلك ~~وحكم الإسلام جار عليه ، فلا يجوز منه إلا ما يوافق حكم المسلمين وهذا جور ~~في حكم المسلمين فينقض حكمه ، وإن حضره الموت وله أولاد ، فقسم ملكه بينهم ~~فجعل لكل ابن ناحية من ملكه ، وأرضه معلومة ملكه عليها وجعل ما فيها من ~~عبيده وإمائه له خاصة ، وسلم ذلك له ، فإن فعل ذلك قبل أن يسلم فجميع ما ~~صنع جائز ، وإن كان إنما صنع ذلك بعدما أسلم أو صار ذمة فما صنع باطل ، ~~وجميع الإماء والعبيد رقيق ميراث بين ورثته ؛ PageV05P2067 لأن هذا إيثار ~~بعضهم على بعض بعين من أعيان ماله ، وذلك باطل في حكم المسلمين ، وقوله : ~~إن جميع العبيد والإماء ميراث بين ورثته إخبار منه بأن المريض متى أعطى ~~عينا لبعض ورثته ليكون ذلك حقه من الميراث ، أو أوصى بأن يدفع ذلك إليه ~~بحقه من الميراث ، أن ذلك باطل لا يجوز البتة فإنه قال : فجميع العبيد ~~والإماء ميراث بين ورثته ، وإن جعل كله لابن واحد من بنيه دون من سواه وهو ~~يومئذ موادع ، فوثب له ابن آخر بعد موته على أخيه ، فقتله وظهر على ما في ~~يده ، أو لم يقتله ولكن نفاه إلى أرض الإسلام ، ثم أسلمواجميعا جاز للابن ~~القاهر ما صنع وكانوا جميعا عبيدا له خاصة ؛ لأن القهر في دار الحرب سبب ~~ملك الحربي والابن القاهر ملك عبيد أخيه المقهور قبل الإسلام فبقوا على ~~ملكه بعد الإسلام ، وإن كان الابن القاهر صنع ذلك وهما مسلمان رد ذلك كله ~~عليه ، لأن المسلم لا يملك مال مسلم آخر بالقهر والغلبة ، فكيف يملك مال ~~أخيه المسلم ، وإن كان الابن القاهر محاربا للمسلمين والابن المقهور مسلما ~~، فجميع ما صنع من ذلك جائز له إن أسلم أو صار ذمة ؛ PageV05P2068 لأن ~~الحربي يملك مال المسلم الأجنبي بالقهر والغلبة ، فكذلك مال أخيه المسلم في ~~دار الحرب ، فإن ظهر المسلمون على شيء ، من أولئك العبيد ms1168 فإن وجدهم الابن ~~المقهور قبل القسمة أخذهم بغير شيء ، وإن وجدهم بعد القسمة أخذهم بالقيمة ، ~~كما لو قهرهم أجنبي ، وأخذهم ثم ظهر المسلمون عليهم ، قال : وإن دخل تاجر ~~من تجار المسلمين إلى هذا الابن القاهر فاشترى رقيقا من أولئك العبيد فلا ~~بأس بذلك ؛ لأن الابن القاهر ملكهم والتحقوا بسائر أملاكه ، فحل له الشراء ~~منه ، فإن أخرجهم إلى دار الإسلام فالابن المقهور بالخيار إن شاء أخذهم ~~بالثمن وإن شاء تركهم ، وإن كان الابن القاهر صنع ذلك وهو مسلم وأخوه ~~المقهور مسلم أيضا لا ينبغي للمسلمين أن يشتروا منه من أولئك الرقيق شيئا ؛ ~~لأن الابن القاهر لم يملكهم بالقهر ، فهذا غصب في يده ولا يحل لأحد أن ~~يشتري المال المغصوب من الغاصب ، فإن اشتراه وأخرجه إلى دار الإسلام رد إلى ~~الابن المقهور بغير ثمن ولا قيمة ؛ لأنه عين ماله فيرد إليه ، PageV05P2069 ~~فإن كان الابن القاهر مسلما يوم فعل هذا بأخيه ، وأخوه مسلم أو ذمي فنفاه ~~عن الدار ، ولم يحدث في الرقيق شيئا ، ثم إن الابن القاهر ارتد عن الإسلام ~~ولحق بدار الحرب وقاتل المسلمين وغلب على الرقيق وأجرى حكم الشرك في داره ، ~~ثم ظهر المسلمون على تلك الدار وأخذ من ذلك السبي شيئا فإن وجده الابن ~~المقهور ، قبل القسمة أخذه بغير شيء وإن وجده بعد القسمة أخذه بالقيمة ؛ ~~لأنه لما ارتد صار حربيا ، والدار صارت دار حرب فصار هذا مال مسلم في يد ~~حربي محرزا بدار الحرب فيملكه ، فإذا ظهر المسلمون عليه وقسموه صار غنيمة ~~للمسلمين فيأخذه مالكه بالقيمة والله أعلم . | PageV05P2070 # | باب التفريق بين السبي # قال محمد - رحمه الله تعالى - : إذا سبي السبي من دار الحرب وكانوا كبارا ~~كلهم فلا بأس بأن يفرق بينهم في البيع والقسمة ، وإن كان أخوة أو ولدا ~~وأمهم أو مولدا وآباؤهم ؛ لأن القياس يأبى كراهية التفريق بين ذي الرحم ~~المحرم ، لأنه منع المالك عن التصرف في ملكه ، وإنما عرفت الكراهة بالشرع ، ~~والشرع إنما جاء بكراهة التفريق بينهما إذا كانا صغيرين ، أو كان أحدهما ~~كبيرا والآخر صغيرا فأما ms1169 إذا كانا كبيرين فلا شرع ، فيه فبقى على أصل ~~القياس ، وكان المعنى في ذلك وهو أنهما إذا كانا صغيرين فإن كل واحد منهما ~~يأنس بصاحبه ويألف معه ، فإذا فرق بينهما أخذه خشية الوحشة بالوحدة وقلب ~~الصغير لا يحتمل ذلك ، فيؤدي إلى هلاكه وهذا المعنى معدوم فيما إذا كانا ~~كبيرين ، PageV05P2071 فأما إذا كانت والدة وولد صغير أو أخوان صغيران أو ~~كبير وصغير ، أو غلام لم يدرك وعمته أو خالته صغيرة مثله أو كبيرة ، فليس ~~ينبغي أن يفرق بينهم في قسمة ولا بيع ، لما روى محمد - رحمه الله تعالى - ~~في الكتاب بإسناده عن حيي بن عبد الله المغافري وهو أبو قبيل عن أبي عبد ~~الرحمن الجيلي قال : كنا مع أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - في ~~غزاة فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ممن فرق بين الوالد ~~وولده فرق الله - تعالى - بينه وبين أحبته يوم القيامة وروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه أتي بسبي فقام فنظر إلى امرأة منهن تبكي فقال : ما ~~يبكيك ؟ فقالت : ابني بيع في بني عبس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي أسيد الأنصاري : فرقت بينهما فلترجعن ولتأتين به فجرع فأتى به ، وروي ~~عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه كتب : ألا يفرق بين الأخوين ، وبين الأم ~~وولدها ، يعني إذا كانا صغيرين أو كان أحدهما صغيرا والآخر كبيرا ، وإذا ~~كانا غير ذي الرحم المحرم مثل بني العم أو بني الخال ، وهما صغيران أو ~~أحدهما كبير والآخر صغير فلا بأس بأن يفرق بينهما في البيع والقسمة ؛ لأن ~~هذه القرابة لا عبرة بها في الأحكام بدليل جواز الجمع بينهما في النكاح ~~وجواز المناكحة بينهما لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى ووجوب PageV05P2072 ~~القطع علي كل واحد منهما بسرقة مال صاحبه ، فنزل منزلة الأجانب ولا بأس ~~بالتفريق بين الأجانب قال : والمرأة وزوجها إذا سبيا جميعا معا فلا بأس بأن ~~يفرق بينهما في البيع والقسمة صغيرين كانا أو كبيرين ؛ لأن الشرع يأبى ~~كراهية التفريق لما ms1170 قلنا ، إلا أنا كرهنا التفريق بالشرع والشرع جار بكراهة ~~التفريق عند الوصلة بالنسب لا بالسبب ، فبقيت الوصلة بالسبب على أصل القياس ~~، يدل عليه ما روي أن أبي الخير قال : كنا في المغازي لا نفرق بين الوالدة ~~وولدها ، ونفرق بين المرأة وزوجها فإن فرق بينهما كانت امرأته حيث ما كانت ~~لا تبين منه ببيع ولا قسمة ، ولأنهما سبيا معا ، فلم تتباين بهما الدار ، ~~فبقى النكاح بينهما فلا يبطله البيع والقسمة ، وإذا مات الزوج عن امرأته ~~الحرة ولها ابنة صغيرة وعم كانت الأم أحق بابنتها ، ما لم تبلغ فإذا بلغت ~~كان عمها أحق بها ؛ لأن العم بمنزلة الأب ، والأب أحق بها من أمها إذا بلغت ~~فكذلك العم ، ولكن لا تمنع الأم من زيارة ابنتها ؛ لأن الزيارة لصلة الرحم ~~، وصلة الرحم واجبة واختلفوا في كم مدة تزور قال أبو يوسف - رحمه الله ~~تعالى - : تزور في كل شهر مرة ، وقال محمد - رحمه الله - : تزور في كل شهر ~~مرة أو مرتين ، وهكذا إذا زفت المرأة في بيت زوجها ولها أبوان ، فإن لزوجها ~~أن يمنعها من زيارة أبويها ، ولكن أبواها يزورانها PageV05P2073 ثم عند أبي ~~يوسف - رحمه الله تعالى - يزورانها في كل شهر مرة وعند محمد - رحمه الله ~~تعالى - : مرة أو مرتين وفيما زاد على هذا كان للزوج أن يمنعها ، ثم إذا ~~زاراها فإنما يزورانها بحضرة الزوج ، ولا يزورانها في غيبته حتى لا يمكنهما ~~التخليط في بالها ، فيؤدي إلى الفتنة والعداوة والله أعلم . PageV05P2074 # | باب ما يكره فيه التفريق بين الرقيق في البيع # قد مر هذا الباب في الزيادات على هذا النظم والترتيب فلا نعيده والله ~~الموفق . PageV05P2075 # | باب الوصية في سبيل الله تعالى والمال يعطى # قال محمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - : وإذا قال الرجل في مرضه ثلث ~~مالي في سبيل الله ثم توفي فهذا جائز ؛ لأنه أوصى بأن يصرف ثلثه إلى جهة ~~القربة والطاعة ، لأن كل طاعة في سبيل الله على ما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ، أنه قال : من شاب شيبة في ms1171 سبيل الله كانت له نورا ~~يوم القيامة يعني من شاب شيبة في الإسلام يعني في طاعة الله تعالى ، فثبت ~~أنه جعل ثلث ماله في جهة الطاعة والقربة وذلك جائز ، وإن لم يكن الموصى له ~~معلوما قال : ويعطي ثلثه للفقراء في سبيل الله ، يعني يعطي أهل الحاجة ممن ~~يغزو ؛ لأن كل خير وطاعة وإن كان في سبيل الله ، ولكن مطلقه يستعمل قال : ~~في الغزو والجهاد ، قال الله - تعالى - : ' وقاتلوا في سبيل الله ' البقرة ~~: 190 والمراد منه الجهاد فكان PageV05P2076 قصد الميت من هذا أن يصرف ثلث ~~إلى جهة الغزو فيصرف إلى ما نواه وقصده ويكون ما يعطون من ذلك لهم ، حتى إن ~~من مات منهم قبل أن يخرج في سبيل الله بعد ما دفع إليه ، كان ذلك ميراثا ~~لورثته ، إن شاءوا خرجوا وإن شاءوا لم يخرجوا ملأن هذا جعل ثلث ماله في ~~سبيل الله على وجه الصدقة والصدقة تمليك من أهل الحاجة قال الله تعالى : ' ~~إنما الصدقات للفقراء ' إلى أن قال : ' وفي سبيل الله ' التوبة : 60 وتلك ~~الصدقة شرط صحتها التمليك فكذلك الثلث إذا جعل في سبيل الله كانت صدقة ~~تمليك والصدقة تملك بالقبض ، فإذا قبض صار له فإذا مات كان ميراثا عنه ، ثم ~~الورثة إن شاءوا خرجوا وإن شاءوا لم يخرجوا ؛ لأنه لما وجب التصدق بذلك ~~المال على من يملك صار معنى الصرف إلى الغزو كالمشورة من الميت ، كرجل يعطي ~~ماله في حياته إلى رجل ويقول : هو لك تحج به أو تغزو به كان ذلك مشورة منه ~~، وكذلك إذا أعطاه دارا وقال : هي لك تسكنها وكان قوله تسكنها مشورة منه ، ~~ولو أن يصرف المال إلى غير ما أمر المعطي فكذلك ها هنا لما تملكه بالقبض ~~صار له ، ولوارثه أن يصرفه إلى ما شاء ، وإن كان يعطي منها PageV05P2077 ~~رجلا فقيرا شيئا فقضى ببعضه دينا ، وترك بعضه نفقة لعياله ، وخرج ببعضه في ~~سبيل الله فلا بأس بهذا ؛ لأن هذا كله من أمر الغزو فإنه لا يمكنه أن يخرج ~~غازيا إلا بأن يخلف لعياله ms1172 نفقته ويقضي بغريمه دينا ، ويخرج ببعضه ليكون له ~~نفقة في الطريق فهذا هو الغزو المعروف فلا يكون به بأس ، وإن أعطاها حاجا ~~منقطعا على وجه الصدقة عليه فذلك جائز ؛ لأن الصدقة على الحاج المنقطع في ~~سبيل الله لأنه طاعة الله ، وقد ذكرنا أنه يدخل تحت هذا اللفظ كل خير وطاعة ~~يدل عليه ما روي عن ابن سيرين - رحمة الله عليه - أنه قال لابن عمر - رضي ~~الله تعالى عنهما - : رجل أوصى إلي بوصية في سبيل الله أجعلها في الحج ، ~~قال : الحج من سبيل الله ، وروي أن رجلا جعل سيفا في سبيل الله ، فأعطاه ~~أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - بعض الحاج ، ولكن الأفضل أن يعطي ~~المحتاج الذي يخرج في سبيل الله ، لما بينا أن سبيل الله إذا أطلق يراد به ~~الغزو والجهاد دون غيره فكان صرفه إليه أولى ونظيره ما قال علماؤنا - رحمهم ~~الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله لفقراء مكة يجوز أن يصرف ثلثه إلى غير ~~فقراء مكة ، ولكن الأفضل صرفه إلى فقراء مكة ، وذكر عن سعيد بن المسيب - ~~رحمه الله تعالى أنه سئل عن الرجل يعطي الرجل الشيء في سبيل الله قال : إذا ~~بلغ رأس مغزاة فهو له ، فالمغزاة أراد به الثغر الذي يكون بقرب من ~~PageV05P2078 أرض العدو فقد شرط أنه إذا بلغ الثغر يصير ملكا له ، وعندنا ~~هو له قبل أن يبلغ رأس المغزاة لما قلنا إن هذه صدقة تمليك ، وصدقة التمليك ~~تملك بالقبض ، ويحتمل أن يكون هذا الشرط من سعيد بن المسيب - رحمه الله ~~تعالى - ليس لوقوع الملك فيه للغازي ولكن كان للمنع من الصرف إلى حوائجه ، ~~فإنه قبل أن يبلغ الثغر يمكنه أن يصرفه إلى حوائجه أو يخلفه لعياله ، فإذا ~~بلغ الثغر لا يمكنه الصرف إلا على وجه الجهاد فإنما شرط هذا الشرط ليكون ~~مانعا له من التصرف إلا على وجه الجهاد ، وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ~~بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أنه جعل فرسا له في سبيل الله ، فضاع ms1173 ~~الفرس عند صاحبه ، فأراد عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يشتريه منه ، فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ترجع في صدقتك ، فإن مثل الذي ~~يرجع في صدقته كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه ، معنى قوله ضاع الفرس عند ~~صاحبه أي باعه صاحبه أو أخرجه من ملكه بوجه من الوجوه وقوله : جعل فرسا له ~~في سبيل الله ، لم يرد به أنه جعل فرسه حبيسا ، ولكنه أراد به أنه تصدق ~~بفرسه على رجل ليغزو به في سبيل الله ، إذ جعله حبيسا لكان لا يجوز بيعه ثم ~~قوله : PageV05P2079 فأراد عمر - رضي الله تعالى عنه - أن يشتريه منه ، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ترجع في صدقتك ، هذا دليل ~~لبعض الناس ، فإن المذهب عند بعضهم أن من تصدق بفرس على رجل ثم أراد أن ~~يشتريه من المتصدق عليه ، أو من غيره فإنه يكره له ذلك ، وهو مذهب ابن عمر ~~- رضي الله تعالى عنه - ، حتى قال : يكره له أن يشتريه ، وإن اشتراه بأضعاف ~~قيمته ، واستدلوا بهذا الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عمر ~~- رضي الله تعالى عنه - عن ذلك ، وجعل شراءه رجوعا في الصدقة والرجوع في ~~الصدقة حرام ، وعندنا لا يكره لأنه استبدال وليس برجوع ، وتأويل الحديث ~~لاحتمال أنه نهى لمكان المحاباة ؛ أي : إذا علم المتصدق عليه أن المتصدق هو ~~الذي يشتريه فربما يحابيه في الثمن ، فيصير قدر المحاباة يشبه الرجوع في ~~الصدقة فيكره ذلك ، وأما إذا كان يعلم أنه لا يحابي المتصدق لمكان الصدقة ~~لا يكون رجوعا في الصدقة ولا يشبه الرجوع فلا يكره ، وعن ربيعة بن عبد الله ~~بن الهذيل قال : كان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إذا حمل على ~~بعير في سبيل الله أو على شيء في سبيل الله قال : إذا جاوزت وادي القرى أو ~~نحوها من طريق مصر ، فاصنع به ما بدا لك ، فقال بعضهم : PageV05P2080 هذا ~~من عمر - رضي الله تعالى عنه - تمليك مؤقت ، أي : إذا بلغت وادي ms1174 القرى ~~وجاوزته فهو ملك لك ، كقول الرجل الآخر : إذا جاء غد فهذه الدار صدقة لك ، ~~وإذا كان تمليكا بعد مجاوزة الوادي لا يملكه في الحال ، وقال بعضهم : كان ~~ذلك من عمر - رضي الله تعالى عنه - تمليكا في الحال ، إلا أن هذا الشرط منه ~~للمنع عن الصرف إلى حوائجه والترغيب في الخروج به إلى الغزو فيكون لهذا ~~الشرط حكم المشورة ، وروي أيضا في الكتاب عن عبيد الله بن عمر بإسناده عن ~~ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما : إذا بلغت وادي القرى فشأنك وعن عاصم بن ~~كليب الجرمي عن عطاء بن أبي رباح في رجل ، قال : ثلث مالي في سبيل الله ، ~~قال عطاء طاعة الله كلها سبيله ، ولكن لو كان سمى غزوا كان كما قال ، قال ~~محمد - رحمه الله تعالى - : أحب إلينا أن يعطي أهل الحاجة ممن يغزو به سبيل ~~الله ولا يعطي الغني منه شيئا ؛ لأن قوله : ثلثي مالي في سبيل الله عبارة ~~عن التصدق ، فيكون موضعه الفقراء كما هو السبيل في سائر الصدقات وعن عثمان ~~بن أبي سودة أن أخوين من القارة من كنانة توفي أحدهما وأوصى بدنانير في ~~سبيل الله ، فلم يتهيأ لأخيه الغزو من عامه فحج به ، فلقي عمر بن الخطاب - ~~رضي PageV05P2081 الله تعالى عنه - فذكر ذلك له فقال : أنفقها على نفسك ، ~~فإنك لن تنفق على نفسك درهما ، إلا كتب بكذا وكذا ، قال محمد - رحمه الله ~~تعالى - : هذا إذا كان أخوه محتاجا وليس بوارث فلا بأس أن ينفقها على نفسه ~~لأنه كفقير أجنبي عنه فأما إذا كان غنيا لا ينبغي أن ينفقها على نفسه ؛ ~~لأنها صدقة والصدقة محلها الفقراء دون الأغنياء ، وكذلك لو كان وارثا فلا ~~ينفقها على نفسه ؛ لأنها وصية وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : لا وصية ~~لوارث والله الموفق . PageV05P2082 # | باب الحبيس في سبيل الله # قال محمد - رحمه الله تعالى - : لا بأس بأن يحبس الرجل فرسه وسلاحه في ~~سبيل الله فيقول : ذلك حبيس على من غزا ، ويدفعه إلى رجل يقوم بذلك ، ~~ويعطيه من احتاج إليه ms1175 وذلك لأن هذا من القرب ومن وقوف السلف من الصحابة نحو ~~عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنهم - ومن التابعين إبراهيم ~~النخعي وعامر الشعبي - رحمه الله عليهم - هؤلاء كلهم حبسوا في سبيل ه ، ثم ~~هذا على قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يشكل فإن عنده وقف المنقول جائز ~~سواء جرى العرف فيه أو لم يجر ، كوقف غير المنقول وكذلك جائز عند أبي يوسف ~~، - رحمه الله تعالى - لأن عند أبي يوسف وقف المنقول باطل إلا ما جرى العرف ~~فيه وهو قد جرى العرف من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم والتابعين - يحبس ~~السلاح والكراع فيجوز عنده حبس PageV05P2083 الكراع والسلاح ، وما عدا ذلك ~~لا يجوز وأما عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - الحبس ليس بشيء فإن فعل ~~ذلك فإن ملكه لا يزول بالحبس حتى أن له أن يبيعه إن شاء وإن مات يورث عنه ~~فيكون الحبس على معنى العارية وإباحة الانتفاع كسائر الوقوف على مذهبه ثم ~~على قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يصير حبسا إلا بالتسليم وهو إلى قيم ~~إلى متولي الغزاة أو بنصب واحد يقوم به ، فيسلمه إلى رجل منهم بريد الغزو ~~فيدفعه إليه أو إلى قيم الأوقاف فيزيل يده عنه ؛ لأن عنده التسليم شرط في ~~الوقوف كما في سائر الأوقاف وعند أبي يوسف - رحمه الله - التسليم ليس بشرط ~~لصحة الوقف ، ولكن الإشهاد يكفي فكذلك التسليم في الحبس ليس بشرط ، ثم إن ~~فعل ذلك في صحته كان من جميع ماله ؛ لأن تبرعات الصحيح من جميع المال ، وإن ~~، فعل ذلك في مرضه أو أوصى بعد موته كان ذلك من ثلث ماله كسائر تبرعاته لأن ~~التبرع في المرض وصية والوصية تعتبر من الثلث PageV05P2084 قال محمد - رحمه ~~الله - : وإذا جعل الرجل حبيسا في سبيل الله فلا بأس بأن يسمه حبيسا لفلان ~~ابن فلان ، حتى إن ضل أو سرقه سارق رد على صاحبه ، وروي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكان يسم إبل الصدقات بيده ، وروي عن عمر - رضي الله ms1176 تعالى ~~عنه - أنه وسم بيده ، حتى روي أنه حبس ثلاثين ألف بعير وثلاثمائة فرس ~~موسوما في أفخاذهن حبيس في سبيل الله ، وروي عن عمر بن عبد العزيز - رحمه ~~الله - من عنده ، وقد وسمت في أفخاذهن عدة الله ، ولأن السمة وإن كان فيها ~~إيلام الحيوان ففيها منفعة للمسلمين ؛ لأنه إذا كان عليها سمة لا يقصد أحد ~~غصبها ولا يرغب في سرقتها ، ولو ضلت عرفت بالسمة ، فترد على صاحبها ولا بأس ~~بإيلام الحيوان لمنفعة المسلمين خصوصا إذا كان أمرا من أمور الدين ومنهم من ~~يقول : هذا على قولهما ، لأن عندهما الإشعار في باب المناسك لا يكره فكذلك ~~السمة ، وأما على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - الإشعار يكره ، ~~فكذلك السمة مكروهة لأنها مثلة ثم السمة وإن كانت في موضع تتمرغ بها الدابة ~~فلا بأس بذلك ؛ PageV05P2085 لأن قصد صاحبها بالسمة الله المعرفة لا ~~التهاون باسم الله تعالى ، فلم يكن به بأس ، وهذا يبين لك الجواب في مسألة ~~أخرى وهو أن الرجل إذا كان له خاتم مكتوب عليه اسم من أسماء الله تعالى ، ~~فإن جواب العلماء أنه يكره له أن يدخل الخلاء ، والخاتم في أصبعه أو أن ~~يأتي أهله معه ، بل الواجب عليه أن ينزعه من أصبعه تعظيما لاسم الله تعالى ~~، وفيما ذكر ها هنا دليل على أنه لا يكره أن يدخل الخلاء أو أن يأتي أهله ~~وهو متختم بذلك بالخاتم ، ولكن جواب العلماء ما بيناه ، عن سليمان ابن يسار ~~أنه كان لا يرى بالبدل بالحبيس بأسا ويكرهه من غير علة ، وعن الحسب البصري ~~- رضي الله تعالى عنه - أنه كان لا يرى بالبدل بالحبيس بأسا ، ويكرهه من ~~غير علة إذا مرض فأما إذا كان بغير علة فإنه يكره استبداله ؛ لأن الذي حبسه ~~رضي بحبسه لا باستبداله ، وأما إذا كان بعلة فإن كانت العلة مما يتوهم ~~زوالها نحو المرض فإنه يكره له أن يبدل عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله ~~تعالى - ، وعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - لا يكره ، لأن الحبس عند ~~لازم ms1177 حتى كان لصاحبه أن يبيعه فلما كان لصاحبه أن يبيعه والرجوع فيه ، ~~فكذلك الاستبدال ، وأما عندهما الحبس لازم ، ولو شاء صاحبه أن يبيعه بعدما ~~مرض لا يكون له ذلك فكذلك لا يكون لغيره ، PageV05P2086 وهكذا روي عن مكحول ~~أنه قال : لا تبيعوا شيئا من حبيس الدواب ولا تستبدلوها ، فلا يجوز ~~استبدالها إلا إذا كانت العلة بحيث لا يتوهم زوالها ، بأن صار بحال لا ~~يستطاع حبيسا مكانه إن قدر على ذلك وإن لم يقدر عليه يغزي بذلك الثمن عن ~~صاحبه ؛ لأن مقصود صاحبه هو القتال عليه ، وإذا صار بحال لا يستطاع القتال ~~عليه لو لم تجز المبادلة في هذه الحالة أدى إلى تفويت غرض صاحبه ، فلا يكون ~~بالمبادلة بأس ، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه قال : لا بأس ~~باستبدال الوقف لما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه وقف على والديه ~~الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - فلما خرج إلى صفين قال : إن نأت ~~بهم الدار بيعوه واقسموا ثمنه بينهم ، ولم يكن شر البيع في أصل الوقف ثم ~~أمر بالبيع ، والله الموفق . PageV05P2087 # | باب الوصية بالمال في سبيل الله والحبس في الحياة والصحة # قال محمد - رحمه الله تعالى - : إذا أوصى الرجل فقال : ثلث مالي وصية في ~~سبيل الله ، ثم مات فثلث ماله في سبيل الله كما أوصى ، لأنه أوصى بثلث ماله ~~في طاعة الله تعالى ، والوصية في طاعة الله جائزة ، ويعطي الثلث أهل الحاجة ~~؛ لأن المال في سبيل الله يكون صدقة ، الصدقة مصرفها الفقراء وأهل الحاجة ، ~~ثم يعطي أهل الحاجة ممن يغزو في سبيل الله لما قلنا : إن عند الإطلاق في ~~سبيل الله يراد به الجهاد ، فيصرف إلى أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين ~~ويعي كل رجل منهم ما يقويه ؛ لأن التصدق على المسكين إذا وجب فإنه لا ينقص ~~من قوت اليوم ، لأن الغناء لا يقع بدونه ، ولهذا يجب في كفارة اليمين أن ~~يطعم كل مسكين مقدار قوت يومه ، وذلك نصف صاع من الحنة ، فإن أحبوا زادوه ~~على ذلك ؛ لأنه محل ms1178 ينصرف الجميع إليه ، فيكون محلا لصرف الزيادة ، ~~PageV05P2088 ألا ترى : أنه لو أوصى بثلث ماله للفقراء فصرف الكل إلى فقير ~~واحد جاز عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ، وعند محمد - رحمه الله تعالى ~~- لا يجوز إلا أن يصرف إلى الاثنين ، ولو دفع زكاة المال كله إلى فقير واحد ~~جزأه فثبت أن لواحد محل لصرف الكل إليه ، فكان محلا لصرف الزيادة إليه ، ~~فإن الزيادة على القوت يكون ما يأخذ له ، لأن الصدقة في سبيل الله تمليك ~~ألا ترى ، أن الله تعالى جعل الصدقة المفروضة في سبيل الله ، وتلك الصدقة ~~شر صحتها التمليك كذلك ها هنا ، والصدقة تملك بالقبض ، فإذا قبض صارت له ، ~~فإن خلف لنفقة أهله من تلك الدراهم جاز ، وإن قضى بها حوائجه جاز ؛ لأنه ~~تصرف في ملك نفسه ، لكن الأفضل أن يخرج بها في سبيل الله ، تحصيلا لمراد ~~الميت ، فإن خرج بها في سبيل الله ثم رجع وفي يده من المال شيء فهو له ؛ ~~لأنه لو لم يخرج به إلى الجهاد كان له ، فإذا رجع وبقي فضل بعد رجوعه كان ~~له لأنه فضل عن ملكه ، وإن مات يورث عنه ، قال : ولا ينبغي أن يعطي منه ~~غنيا يغزو به في سبيل الله ، PageV05P2089 لما قلنا : إن الثلث في سبيل ~~الله صدقة ، وصرف الصدقة محلها الفقراء دون الأغنياء ، دليله الزكاة وسائر ~~الصدقات قال : وكذلك الرجل إذا جعل في حياته وصحته ماله في سبيل الله فإنه ~~ينبغي أن يتصدق بجميع ماله ويمسك ما بقوته ، فإذا أفاد مالا تصدق بمثل ما ~~كان أمسك ، وذكر في كتاب الهبة إذا قال الرجل : مالي في المساكين صدقة ، ~~يلزمه التصدق بمال الزكاة من السوائم ، ومال التجارة ولا ينصرف إلى ما سواه ~~من رقيقه وعقاره ، فمنهم من قال : ما ذكر ها هنا جواب القياس ، وما ذكر في ~~الهبة جواب الاستحسان ، ومنهم من قال : اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع ~~فموضوع مسألة الهبة أنه قال : مالي صدقة في المساكين ، فالصدقة كانت في ~~لفظة نصا ، وذكر المال عند إيجاب الصدقة يراد به مال الزكاة ms1179 وقال الله ~~تعالى : ' خذ من أموالهم صدقة ' التوبة : 103 والمراد منه مال الزكاة ، ~~وموضوع المسألة ها هنا أنه قال : مالي في سبيل الله ، فليس في لفظه ذكر ~~الصدقة نصا ، وليس لهذا الإيجاب أصل في كتاب الله تعالى ليعتبر به ، فيصرف ~~إلى كل ما يقع عليه اسم المال ومنهم من قال : بأن بين المسألتين اختلافا في ~~الرواية وهو أنه أضاف الإيجاب إلى ماله ، فينصرف إلى كل ما يقع عليه اسم ~~المال ، واسم المال يقع على غير مال الزكاة من الرقيق والعقار ، قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم : من ترك مالا فلورثته ، ثم انصرف ذلك إلى أنواع مال ~~الميت ، PageV05P2090 وكذلك لو قال : أوصيت بثلث مالي لفلان أو للمساكين ~~كان له الثلث من كل مال ، فإذا كان اسم المال يقع عليه تناول الإيجاب ~~فيلزمه التصدق بجميع ماله ، ووجه رواية كتاب الهبة وهو أن هذا الإيجاب ~~إيجاب الصدقة بماله ، فيعتبر بإيجاب الله تعالى للصدقة في مال عباده ، وذلك ~~ينصرف إلى مال الزكاة ، فكذلك ها هنا انصرف إلى مال الزكاة ، ثم في هذه ~~الرواية يمسك ما يقوته ، لأنه لو لم يمسك قوته لاحتاج إلى السؤال ، وليس ~~للإنسان أن يعرض نفسه للسؤال ، ولأنه إذا تصدق بجميع ماله يحل له التناول ~~من مال غيره ، فلأن يتناول من مال نفسه كان أولى ، فإذا أفدا مالا مثل ما ~~كان أمسك تصدق بذلك القدر ؛ لأن ذلك القدر صار مال الفقراء ، وكان الواجب ~~عليه الصرف إليهم فإذا أتلفه صار دينا عليه ، فيجب قضاؤه ، ثم المشايخ ~~قالوا في قدر قوته الذي يمسك ، فإن كان الرجل زارعا يمسك قوت سنة لأن ~~الظاهر أن يده لا تصل إلى ما يقوته إلا بعد سنة ، وإن كان الرجل تاجرا يمسك ~~قوت شهر ، لأن التاجر يأكل من ربحه ، ولا يربح في كل يوم ، ولكن في الغالب ~~لا يمضي شهر إلا ويربح ، وإن كان الرجل معاملا يمسك قوت ثلاثة أيام لأنه قد ~~يستعمل في يوم وقد لا يستعمل في يوم ، ولكن في الظاهر لا يمضي أكثر من ~~ثلاثة ms1180 أيام إلا ويستعمل ، PageV05P2091 ولو قال : جميع ما أملك في المساكين ~~صدقة ، ففيه روايتان ، في رواية يجب عليه أن يتصدق بجميع ما كان يملك من ~~ماله وفي رواية ينصرف إلى مال الزكاة ؛ وقد مر الوجه في رواية كتاب الهبة ، ~~ثم يعطي ماله المحتاجين ممن يغزو في سبيل الله لما قلنا ، وإن أعطاه ~~المساكين ممن لا يغزو أجزأ ذلك ؛ لأن الصدقة على المساكين الذين لا يغمزون ~~طاعة ، وقد ذكرنا أن كل طاعة من سبيل الله ، وإن مات قبل أن ينفذ كان ~~ميراثا عنه ، وليس عليهم أن ينفذوا من ذلك شيئا إلا أن يشاءوا ذلك ؛ لأن ~~الصدقة المنذورة لا تكون أفضل من الصدقة المفروضة ، ولو مات وعليه زكاة ~~تسقط بموته ، ولا تصير دينا في التركة فهذا أولى ، والمعنى في ذلك أن ~~الصدقة لا تصير ملكا للفقراء إلا بالقبض فما لم يقبض وينفذ فهي باقية على ~~ملك الميت ، فتصير ميراثا عنه ثم الورثة ملكوا المال إرثا فلا يجب عليهم ~~التنفيذ من مالهم ، قال : ولو أن رجلا أوصى عند موته فقال : غزوا عني غزوة ~~، أو قال : اغزوا عني بثلث مالي ، فإذا قال : اغزوا عني غزوة وأعطى رجلا ~~نفقة غزوة يغزو بها لا يملك الذي يغزو بها ذلك المال ؛ PageV05P2092 لأنه ~~قال : اغزوا عني ، والغزو عنه إنما يكون إذا غزا بماله ، فينفق ماله في ~~الغزو وليصل إليه ثواب النفقة في الغزو ، فلو ملك الغازي ذلك المال الغزو ~~عن الغازي لا عن الآمر ، ألا ترى : أنه إذا قال : احجوا عني رجلا حجة من ~~مالي ، فأعطي رجلا نفقة الحج ، فإن الحاج لا يملك تلك النفقة ، ولكن يملك ~~الإنفاق في طريق الحج لا غير ، حتى يقع الحج عن المحجوج عنه فكذلك ها هنا ، ~~ولكن يعي أدنى ما يكون من نفقة الغزو فيغزو عنه ؛ لأن ذلك القدر متيقن ~~والزيادة على ذلك ملك الورثة فلا يغزو من مال الورثة ، ألا ترى أن في ~~الوصية بالحج يعطى الحاج أدن ما يكون من نفقة الحج كذا هذا يعطى أدنى ما ~~يكون من نفقة الغزو ms1181 ، ولا ينفق شيئا من تلك النفقة على أهله ، ولا ينفقها ~~إلا على نفسه ، لأنه لم يملك النفقة ليصرفها إلى حيث شاء ، وإنما أمره ~~بالإنفاق في الغزو عنه ، فلا ينفقها في غير ما أمر كالحاج عن الغير لا ينفق ~~المال إلا على نفسه في طريق الحج ، فكذلك ها هنا ، قال : وله أن ينفق على ~~نفسه راجعا ، ألا ترى أن الحاج عن الغير ينفق ذاهبا وراجعا ، فكذلك ها هنا ~~، PageV05P2093 فإن فضل شيء من النفقة رده على الورثة ؛ لأنه لم يملك المال ~~بالقبض ، إنما كان له حق الصرف إلى نفقة الغزو ، وقد انقضى أمر الغزو فهذا ~~فضل مال الميت فيرده إلى ورثته ألا ترى أن الحاج عن الغير يرد فضل النفقة ~~إلى ورثة المحجوج عنه ، فكذلك ها هنا إلا أن يسلم له الورثة ، فحينئذ يكون ~~له ، وإن قال : اغزوا عني بثلثي في سبيل الله ، أعطى ثلثه من يغزو في سبيل ~~الله ، يعطون نفقاتهم ويشتري لهم الخيل ؛ لأنه أوصى بجميع ثلثه في نفقة ~~الغزو ، فيصرف جميع ذلك إليه ، بخلاف الأول ، فإنه أوصى بغزوة واحده ، فلا ~~يعي إلا نفقة غزوة واحدة ، ويشتري لهم الخيل لأن أمر الغزو يلتئم بالخيل . ~~ألا ترى أن في الوصية بالحج بثلث ماله ، يشتري للحاج بعيرا يركبه كما أن ~~سفر الحج يقطع بالبعير فكذلك ها هنا ، ثم يعطون الثلث كله في سنة واحدة ~~ليغزوا عنه ؛ لأن ذلك أسرع لتنفيذ وصيته وتحصيل مراده ، وهذا والحج سواء ، ~~فإذا رجعوا ردوا ما في أيديهم ، حتى يبعث إلى قوم آخرين ، حتى لا يبقى من ~~الثلث شيء ، لما قلنا : إن سبيل هذا الثلث أن ينفذ في أمر الغزو ، فيصرف ~~الباقي إليه حتى يفنى كله في أمر الغزو ، فإن لم تبق نفقة وبقيت الخيل بيعت ~~، حتى يدعي أثمانها قوما يغزون بها ؛ PageV05P2094 لأن تلك الخيل اشتريت من ~~ثلث ماله ، فتصرف أثمانها إلى حيث يصرف الثلث ، فإن بقي في أيديهم من ~~نفقاتهم شيء رد حتى يغزو بما بقي ، قال : وينبغي للرجل الذي يوصى إليه أني ~~غزو عنه غزوة من ms1182 منزل الرجل الموصي ؛ لأنه لو غزا بنفسه غزا من منزله ، ~~فكذلك غيره إذا غزا عنه يغزو من منزله ألا ترى أن في باب الحج يحج من منزله ~~، فكذلك ها هنا ، فإن بقي من الثلث شيء لا يبلغ منفقة من يخرج من منزل ~~الموصي دفع ذلك الوصي إلى رجل يغزو عنه من حيث يبلغ النفقة كما في الوصية ~~بالحج سواء ، قال : وإن أوصى بثلثه في سبيل الله فليس ينبغي للوصي أن يعطي ~~أحدا من الورثة من ذلك شيئا وإن كان محتاجا ؛ لأنه لو دفع إليه صارت وصية ~~له ، والوصية للوارث لا تجوز ، فإن كانت الورثة كلهم كبارا فأجازوا للوصي ~~أن يعطيه المحتاجين من الورثة ففعل ذلك فلا بأس به ؛ لأن الوصية للوارث ~~إنما لا تجوز لحق الورثة ، فإذا أجازوا فقد أبطلوا حق أنفسهم فتجوز الوصية ~~، وإن كان لوصي محتاجا فأخذ لنفسه بعض الثلث ليغزو به في سبيل الله فلا بأس ~~بذلك إذا لم يكن وارثا ؛ PageV05P2095 لأن قول الموصي : أوصيت بثلثي في ~~سبيل الله ليس فيه أمر بتمليك الغير فهو كقوله : ضعه حيث شئت ، ولو قال له ~~: ضعه حيث شئت ، كان له أن يضعه في نفسه وفي غيره ، فكذلك ها هنا وإن كرهت ~~الورثة ذلك فذلك لا يضر ، لأن الرأي والتدبير إلى الوصي لا إلى الورثة ، ~~لأنه لا شيء لهم من الثلث ، فلا يعتبر رضاهم وكراهتهم ، كما إذا كان الآخذ ~~أجنبيا ، وكذلك إن أعطي ابنه أو أباه أو مكاتبه فهو جائز ؛ لأنه لو صرفه ~~إلى نفسه جاز ، فكذلك إذا صرفه إلى هؤلاء أولى أن يجوز ، وإن أعطى عبده فإن ~~كان لمولى محتاجا جاز ، وإن أعطاه وهو غني لم يجز وضمن المال ؛ لأن الصرف ~~إلى عبده كالصرف إلى نفسه ، لأن الملك يقع له لا للعبد ، ولو صرفه إلى نفسه ~~وهو فقير جاز ، ولو كان غنيا لم يجز فكذلك ها هنا ، وإن أعطاه وهو لا يعلم ~~أنه غني سأله فأعطاه أجزأه ؛ لأنه لو أعطاه زكاة ماله وهو لا يعلم أنه غني ~~جاز عند أبي ms1183 حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وعند أبي يوسف - رحمه الله ~~- لا يجوز فكذلك الصدقة ، فإن قيل : الوصي إنما يعطي عن أمر الميت ، والميت ~~إنما أمره بالوضع في الفقراء ، فمتى وضعه في غيرهم صار واضعا بغير أمره ، ~~فينبغي ألا يجوز عن الميت والجواب عنه أن أمعن بن يزيد السلمي إنما أخذ ~~الصدقة من وكيل أبيه وكان أبوه عنى غيره حيث قال : إياك ما أردت بها ، ومع ~~ذلك أجاز له PageV05P2096 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال : يا ~~يزيد لك ما نويت فثبت أن الوكيل وصاحب المال في ذلك سواء ، ولو أوصى الميت ~~أن يغزو لي غزوة في سبيل الله فأراد بعض الورثة أن يكون هو الذي يغزو عنه ~~فليس له ذلك إلا أن يجيز ذلك له الورثة ؛ لأن الوارث وإن كان لا يملك العين ~~يحصل له فيها منفعة ، والوارث محجور النفع عن مورثه في مرض موته ، فإن أجاز ~~له الورثة أن يكون هو الذي يغزو عنه وهم كبار بعد وفاة الموصي ، يجوز له أن ~~يغزو ، ويرد ما بقي من النفقة ؛ لأن المنع كان لحق الورثة ولم يبق لهم حق ~~بعد الإجازة فيجوز له أن يغزو وإن كان الوارث غنيا ، بخلاف ما إذا قال : ~~ثلثي وصية في سبيل الله فإنه لا يعطي الوارث إن كان غنيا وإن أجازه الورثة ~~كلهم ؛ لأن ذلك المال إنما يدفع إليه بعد الإجازة على وجه الصدقة ، والصدقة ~~محلها الفقراء دون الأغنياء ، فلا يصير الغني محلا لها بإجازة الورثة ، ~~فأما ها هنا المال ليس يدفع إليه على وجه التمليك ، وإنما يدفع إليه على ~~وجه الإباحة وما كان على وجه الإباحة يستوي فيه الغني والفقير ، دليله ~~السقاية الموقوفة فإنه يجوز للغني أن يشرب من مائها ، كما يجوز للفقير ~~PageV05P2097 ألا ترى أن في الفصل ما فضل من النفقة يرد إلى الورثة ، فكان ~~دليلا على ما قلنا ، فإن غزا بها الوارث قبل أن يجيز الورثة ثم علمت الورثة ~~بعد ما غزا ورجع ، فأجازوا لم يجز ذلك ، وكان ضامنا لما ms1184 أنفق حتى يغزو عنه ~~غزوة أخرى ؛ لأن الإجازة ترد على الموقوف ، وبالغزوة قد نفذت عن الوارث ولم ~~تتوقف فلا ترد عليها الإجازة ، وكذلك لو كان صغيرا فيهم لم تجز غزوته ؛ لأن ~~الإجازة قد عدمت منه ، فإن كبر فأجاز لم تجز أيضا ، لما قلنا : أن الغزوة ~~لم تتوقف ، فلا ترد عليها الإجازة ، وكذلك إن أوصى بماله في سبيل الله لم ~~يجز إن يعي أحد من الورثة حتى يجيزوا كلهم ؛ لأنه لو أعطى المال كان وصية ~~للوارث ، وذلك لا يجوز إلا بإجازة الورثة ، ولو أوصى بأن يغزو عنه غزوة ~~فغزا عنه الوصي وليس بوارث جاز ذلك ويرد فضل النفقة ؛ لأنه ليس في لفظه ما ~~يدل على إخراج الوصي من الوصية فكان له أن يصرفه إلى نفسه ، كا لو قال ضعه ~~حيث شئت ، PageV05P2098 قال : فإن أوصى أن يغزى عنه غزوة فاغزوا رجلا يرابط ~~عنه ، ولا يدخل أرض العدو فذلك جائز ؛ لأن الربا من الغزو فصار كأنه أغزى ~~رجلا دخل أرض العدو ، فإن قالت الورثة : يرابط يوما واحدا وقال الوصي : ~~يرابط أربعين يوما ، فإن القاضي يجيز من ذلك أدنى الرباط وذلك ثلاثة أيام ؛ ~~لأن الواجب هو أقل الرباط ، لأن ما يبقى بعد رجوعه مع الغازي يصرف للورثة ~~إرثا بينهم ، فلا يقطع حقهم عن شيء من التركة إلا بيقين ، وأدنى الرباط ~~ثلاثة أيام ، لأنه أقل المقادير التي وردت في الشريعة كما في مدة السفر ~~ومدة الخيار ، ولأن الإنسان لا يسمى مرابطا برباط ساعة أو ساعتين ، ويسمى ~~مرابطا إذا رابط أياما ، فيجب أن يرابط عن الميت ما يقع عليه اسم الأيام ، ~~وأقل ذلك ثلاثة أيام ، فيجب رباطه ثلاثة أيام ، لهذا المعنى ، لأن الآثار ~~قد اختلفت في الرباط ، فإنه روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : من رابط يوما ~~في سبيل الله كان كصيام العمر وقيامه أو قال كلاما هذا معناه ، ومن رابط ~~أربعين يوما كان له كذا وكذا ، ومن رابط ثلاثة أيام كان له كذا ، فإن اختلف ~~الوارث والوصي يؤخذ بأوسط الأعداد ، وذلك ثلاثة أيام ، لأنه ms1185 أقل من الأكثر ~~، وأكثر من الأقل ، فيقضى به ، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : خير الأمور ~~أوساطها PageV05P2099 وإن كان الذي أوصى به منزله في الثغر الذي يرابط فيه ~~، فالقياس أنه إذا غزا عنه رجل يرابط في الثغر ، ولا يدخل أرض العدو جاز ~~وفي الاستحسان لا يجوز حتى يغزى عنه رجلا يدخل أرض العدو ، وجه القياس فيه ~~ما قلنا : إن الرباط من الغزو ، فوجب أن يجوز إذا غزا رجل يرابط ، ولا يدخل ~~أرض العدو ، دليله ما إذا كان منزل الموصي في غير موضع الرباط ، ووجه ~~الاستحسان في ذلك أن الميت أوصى بأن يغزى عنه غزوة فكان عليهم أن يأتوا بما ~~يستحق اسم الغزو ، والرجل متى رابط في مصر نفسه وفي موضعه ، لم يسم غازيا ~~عند الناس ، وإنما يسمى إذا دخل أرض العدو فما لم يغز عنه رجل يدخل أرض ~~العدو لا يثبت اسم الغزو عليه فلا يجوز فأما إذا سافر إلى مصر ورابط فيه ~~يسمى غازيا عند الناس ، فإذا غزا عنه رجل خرج إلى الرباط فقد استحق اسم ~~الغزو فيكفي ذلك ، ولأن الموصي إذا لم يكن منزله في موضع الرباط وهو في مصر ~~من أمصار المسلمين فإنه يتخير على الرباط وعلى الدخول في أرض العدو وفي ~~مجاهدة الكفار ، فانصرفت وصيته إلى النوعين من الغزو على الرباط والجهاد ~~فمتى رابط عنه جاز ، ومتى دخل أرض العدو وجاهد جاز ، فأما إذا كان منزله في ~~موضع الرباط فإن تحسره على ما فاته من الجهاد أكثر من تحسره على ما يفوته ~~من الرباط ، فتعين الجهاد لوصيته دون الرباط فما لم يجاهد فيه لا يجوز ، ~~نظيره أن الطواف للآفاق بمكة أفضل من الصلاة ، لأن تحسره على ما يفوته من ~~الطواف أكثر ، فإنه يمكنه أداء الصلاة بغير مكة ، ولا يمكنه الطواف إلا ~~بمكة ، PageV05P2100 فكان أكبر همه هو الطواف ، فاشتغاله به أولى ، فإن ~~المكي قلما يتحسر على ما يفوته من الطواف ، فإن الطواف له ممكن في كل وقت ، ~~والصلاة لها رفعة عظيمة ، فكانت الصلاة له أفضل كذلك ها ms1186 هنا ، ولو كان أوصى ~~بثلثه أن يغزو عنه فرأى الوصي أن يدفع إلى من يرابط أربعين ليلة أو أكثر ، ~~أو إلى من يغزو إلى دار الحرب ، فذلك جائز عندنا على ما رأى الوصي وإن أبى ~~ذلك الورثة ؛ لأن مصرف هذا كله إلى الغزو ، ولا يرجع إلى الورثة منه شيء ، ~~فلم يكن منهم رأي ولا تدبير ، وكان للوصي أن يفعل ما يرى ، بخلاف ما إذا ~~قال : اغز عني غزوة ، فإن الثلث كله لا يصرف إلى الجهاد ، ألا ترى : أن فضل ~~النفقة يرد إلى الورثة ، فكان لهم رأي وتدبير حتى لا يقطع حقهم قال : ~~الميراث ، وإذا أوصى الرجل بثلث ماله في سبيل الله يضعه حيث أحب ، فذلك إلى ~~الوصي ، فإن جعله الوصي لنفسه وهو محتاج ، أو لابنه أو لغيرهم ، جاز ما صنع ~~من ذلك ؛ لأن الميت لو لم يقل يضعه حيث أحب كان للوصي أني جعله لنفسه ~~ولابنه ، فإذا قال : يضعه حيث أحب ، وقد فوض إليه الرأي على العموم أولى أن ~~يكون له ذلك ، وإن جعله الوصي لرجل غني ، وهو يعرف لم يجز ذلك ، ~~PageV05P2101 لما قلنا إن المال في سبيل الله يكون صدقة ، ومحل الصدقة ~~الفقير دون الغنى ، وقيل للوصي ضعه فيمن أحببت من الفقراء ، لأن الدفع لم ~~يصح كأنه لم يدفع ، ولو لم يدفع يصرفه إلى من شاء من الفقراء ، كذلك ها هنا ~~، فإن قالت الورثة : قد جعله الموصي في الأغنياء فبطلت ، فنأخذ الثلث ~~ميراثا ، لم يكن لهم ذلك ؛ لأنه مخالف حين وضعه في الأغنياء ، وبالخلاف لم ~~يخرج عن الوصاية ولا خرج المال عن الوصية ، فكان له أن يضعه بعد ذلك في ~~الفقراء ، ولو جعله الوصي لبعض الورثة وهم أغنياء لم يجز ذلك ، وكان له أن ~~يجعله لمن شاء من الفقراء ، إلا أن الوصي لو وضع فيه وهو أجنبي لم يجز ؛ ~~لأنه لو كان غنيا أجنبيا فلا يجوز ، فإذا كان وارثا غنيا أولى ألا يجوز ، ~~ولو أن الوصي جعله لبعض الورثة ، وهم فقراء ، ليغزوا به في سبيل الله ، قيل ~~للورثة : أتجيزون ms1187 ما صنع الوصي فإن أجازوه جاز ؛ لأن الوارث إذا كان فقيرا ~~فهو محل الصدقة ، إلا أنه لم يجعل له لكونه وصية ، والوصية تجوز للوارث ~~بإجازة الورثة ، وإن لم يجيزوه رجع إلى الميراث ، ولم يكن للوصي أن يجعله ~~لغير الورثة بعد ذلك بخلاف الفصل PageV05P2102 الأول إذا جعله الموصي لغني ~~، كان له أن يجعله بعد ذلك للفقير ، ووجه الفرق في ذلك أن قول الميت ثلثي ~~في سبيل الله ، يقتضي الوضع في أهل الحاجة ، فهو في الوضع في الأغنياء غير ~~مأمور ، وفي الوضع في الفقراء مأمور ، فمتى وضعه في غني فإنما وضعه بغير ~~أمر الميت ، صار مخالفا وصار كأنه لم يضع ، فله أن يضعه فيمن أمر بالوضع ~~فيه ، فأما إذا وضعه في وارث فقير فقد وضعه في محله ، فلم يصر مخالفا لأمر ~~الميت ، فصار دفعه ووضع الميت فيه سواء والميت لو وضعه فيه كانت وصية ~~للوارث ، والوصية للوارث إذا لم يجزها الورثة تصير ميراثا كذلك ها هنا ، ~~وإذا أوصى الميت أني جعل فرسه حبيسا في سبيل الله ، أو سلاحه في سبيل الله ~~، أو يجعل مصحفه حبيسا يقرأ فيه القرآن ، أو دار يسكنها الغزاة ، أو يؤاجر ~~، فيكون أجرها في سبيل الله ، أو ارض تزرع فتكون غلتها في سبيل الله ، أو ~~أوصى أن يجعل عبده وقفا في سبيل الله أو يخدم الغزاة أو يؤاجر فتقسم غلته ~~في سبيل الله ، أو غير ذلك مما يتقرب به العبد إلى ربه ، وكذا حبس الفأس ~~والقدوم والمزاد والطنجير والشفرة فهذا كله جائز ، عند محمد - رحمه الله - ~~من الثلث ، وعند أبي يوسف رحمه الله ما كان من ذلك دارا أو عقارا فحبس جائز ~~، وما كان من ذلك منقولا فلا يجوز حبسه إلا الكراع والسلاح ، PageV05P2103 ~~وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : الحبس باطل في المنقول وغير ~~المنقول إلا الغلة ، فإنه جائز ، نحو إن أوصى بغلة عبد أو دار أو أرض في ~~سبيل الله فإنه جائز وتعطى الغلة للفقراء في سبيل الله ، أما محمد - رحمه ~~الله تعالى - فإنه يجيز الوقف في ms1188 الحياة وبعد الممات ، لما فيه من القربة ، ~~وكذلك الحبس في سبيل الله جائز ؛ لأن معنى القربة موجود فيه ، يدل عليه ما ~~روي عن حفصة - رضي الله تعالى عنها - أنها سبلت مصحفا لها ، وأما أبو يوسف ~~- رحمه الله تعالى - فلأن المذهب عنده أن وقف المنقول باطل فكذلك حبس ~~المنقول في سبيل الله باطل ، وكان يقول : القياس ألا يجوز وقف الأراضي ، ~~لما فيه من تعطيل الملك ولا تمليك ممن أحد ، إلا أن الشرع عطل ملكنا عن ~~المساجد لقربة تعلقت بها ، عائد نفعها إلينا من حيث الثواب ، فجوزنا في ~~مثله في وقف الأراضي ، لأنها من جنس المساجد ، فإنها تبقى وعائد نفعها ~~كالمساجد ، فأما الأموال المنقولة ما وجدنا فيها قربة أوجبها الله تعالى ~~إلا قربة تقع بتمليك الفقير ، فكذلك لا يجوز إيجاب القربة من العبد إلا على ~~وجه التمليك إذ إيجاب العبد من القرب معتبر إيجاب الله تعالى ، فأما أبو ~~حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فإنه كان لا يجيز الوقف والحبس في حالة ~~الحياة ، فلا يجوز عنده إذا أوصى بعد موته إلا ما كان له أصل في الشريعة ، ~~والوصية بالغلة لها أصل في الشريعة ، فإنه لو أوصى بأن يصرف غلة بستانه على ~~PageV05P2104 الفقير فذلك جائز لما يقع فيه من التمليك ، فكذلك حبس الأراضي ~~والعبد والدار لتكون غلتها في سبيل الله يجوز لأن فيه معنى التمليك ، لأن ~~الغلة يتصدق بها على أهل الحاجة ممن يغزو ، فتصير ملكا لمن يأخذها ، يصنع ~~بها ما شاء ، فأما ما ليس فيه معنى تمليك الشيء ولكن فيه انتفاع بالعين ، ~~نحو سكنى الدار وركوب الفرس ، وقراءة المصحف ولبس السلاح ، وخدمة العبيد ، ~~لا أصل في جوازه في الشرع إذا وقع لأقوام مجهولين ، فإنه لو أوصى بخدمة ~~عبيده لقوم بغير أعيانهم لا يجوز ذلك ، وإذا كانوا معلومين جاز ، وها هنا ~~وقع الحبس لأقوام مجهولين فلا يجوز ، والمعنى في ذلك أنه إذا لم يكن فيه ~~تمليك العين لم يكن صدقة ، ألا ترى أنه يدخل فيه الغني والفقير ، فلا يجوز ~~إذا وقع لقوم بغير أعيانهم ms1189 ومن أخذ الفرس الحبيس ليركبه في سبيل الله ~~فنفقته عليه حتى يرده ؛ لأنه هو المنتفع به ، والنفقة على من يحصل له ~~المنفعة ألا ترى أن العبد الموصى بخدمته نفقته على الموصى له بالخدمة ما ~~دام يخدمه ، لأنه هو المنتفع به ، ولو استعار فرسه منه في حال حياته كانت ~~نفقته على المستعير ، فكذلك الغازي نفقته عليه ، PageV05P2105 وكذلك السلاح ~~يكون وقفا في سبيل الله من الثلث ، فمن أخذه كان عليه حفظه وإصلاحه حتى ~~يرده ، لما قلنا : إنه هو المنتفع به ما لم يرده ، فإذا أخذه غيره كانت ~~النفقة على الثاني ، فإن ركب الوصي الفرس وتسلح بالسلاح فلا بأس بذلك إذا ~~كان الوصي غير وارث ؛ لأنه ليس في كلام الموصي ما يوجب خروج هذا الوصي عن ~~الوصية ، فصار هذا وقوله : ضع فرسي وسلاحي في سبيل الله حيث شئت سواء ، ولا ~~ينبغي أن يعطيه وارثا للميت إلا أن يرضى جميع الورثة وهم كبار ؛ لأن فيه ~~وصية بالمنفعة للوارث ، والوصية بالمنفعة للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة ~~، فإن أعطاه الوصي بعض الورثة بغير رضى بقيتهم فنفق الفرس تحته كان للورثة ~~أن يضمنوا قيمة الفرس إن شاءوا الوصي الذي أعطى ، وإن شاءوا الوارث الذي ~~يركب ؛ لأن الوصي متعد في الدفع ، والوراث متعد قال : يالقبض ، فيضمن كل ~~واحد منهما لتعديه ، كما قلنا في الغاصب وغاصب الغاصب والمستعير من الغاصب ~~، فأيهما ضمنوه القيمة أمر القاضي فاشترى بالقيمة فرسا آخر ، فجعل حبيسا في ~~سبيل الله ؛ PageV05P2106 لأن هذا بدل عن الفرس ، فيصرف إلى فرس آخر ليقوم ~~مقامه حتى لا تنقطع الصدقة عن الواقف ، فإن ضمن الوارث القيمة فأراد أن ~~يرجع بها على الوصي لم يكن له ذلك ؛ لأن الفرس نفق بفعله وجنايته ، فلا ~~يرجع بما ضمن على غيره كغاصب الغاصب والمستعير من الغاصب إذا ضمن فلا يرجع ~~به على أحد ، وإن ضمن الوصي فأراد أن يرجع بالقيمة على الوارث كان له ذلك ؛ ~~لأنه بالضمان ملك فيرجع عليه كما قلنا في الغاصب إذا ضمن ورجع به على غاصب ~~الغاصب ، فإن قيل ms1190 : لم لا يكون هذا بمنزلة الغاصب إذا وهب الغصب لرجل ~~فأتلفه الموهوب له ثم ضمن الغاصب ، فإنه لا يرجع على الموهوب له بشيء ، فلم ~~يرجع هنا ؟ قلنا : إذا غصب الغاصب أو أعار فقد قصد أن تكون الصلة منه لا من ~~غيره ، فإذا ملك المال بالضمان فقد تمت الصلة منه ، فلا يرجع عليه بشيء ~~وأما ها هنا إنما أعاره ليكون صلة من الميت لا منه ، وبالضمان لم تتم الصلة ~~فصار كأنه قبضه بغير حق وبغير إذنه ، فيرجع عليه ونظيره رجل أكره رجلا على ~~أن يهب مال رجل لأخر فوهب ، ثم إن المكره ضمن لصاحب المال فإنه يرجع بالمال ~~الموهوب على الموهب له ، لما قلنا : إنه لم يقصد بأن تكون الصلة منه ، إنما ~~قصد بأن تكون الصلة من صاحب المال ، فإذا ملكه رجع ، فكذلك ها هنا ، ~~PageV05P2107 قال : وإذا أوصى بعبد له في سبيل الله تعالى من ثلث ماله ، ~~يداوي الجرحي وكان طبيبا ، أو يسقى الماء للغزاة في سبيل الله ، أو يؤاجر ~~فيصرف غلته في سبيل الله ، فهذا كله جائز ، عند محمد - رحمه الله تعالى - ~~لما قلنا : أن هذا من القرب ، فأما الغلة في عطاها الغزاة لأن الغلة صدقة ~~تمليك ، ومحل الصدقة الفقير دون الغني ، وأما الماء فيسقى الغزاة ، ومن ~~استسقاه من الأغنياء والفقراء ، وكذلك يخدم الغزاة من استخدمه من غني أو ~~فقير ، لأن هذا ليس بصدقة تمليك ؛ بل هي إباحة انتفاع ، وما كان طريقة ~~الإباحة يستوي فيه الغني والفقير ، كالماء الموضوع على الطريق ، فإنه يباح ~~شربه للغني والفقير جميعا ، وكذلك الغني له أن يستقي الماء من نهر الغير ، ~~ومن حوض الغير كالفقير سواء ، وأفضل ذلك أن يكون لأهل الحاجة لأن الغني يقع ~~له الكفاية بدون ذلك ، بأن يشتري له عبدا فيخدمه ، والفقير لا يستغني عنه ، ~~فكان المحتاج أولى بالخدمة له ، وإن جعل الميت الكراع أو السلاح أو غيره ~~مما وصفت لك حبيسا في سبيل الله تعالى في حياته وصحته ، فإن ذلك باطل ، ~~وإذا مات كان ميراثا في قول أبي حنيفة - رضي الله ms1191 تعالى عنه - ؛ لأن الوقف ~~عنده باطل ، إلا أن يكون موصى به ، والموصى به هو الغلة وقد عدم ها هنا ~~فبطل ، وأما أبو يوسف - رحمه الله تعالى - لا يجيز وقف المنقول إلا في ~~الكراع والسلاح ، والحبيس هناك كراع وسلاح فجاز عندهما ، إلا أن ~~PageV05P2108 عند محمد - رحمه الله تعالى - الإخراج من يده شرط بأن يدفعه ~~إلى غيره ليكون هو القيم عليه ، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ليس ~~بشرط ، ولكن الإشهاد يكفي ، فأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول : إن القيم ~~إنما يقبضه بأمره ، فكان يد القيم كيد الواقف ، فإذا كانت يده كيده فلا ~~فائدة في التسليم إليه ، ومحمد - رحمه الله تعالى - يقول : أجمعنا على أنه ~~لو جعل داره مسجدا فإنه لا يصير مسجدا إلا أن يأذن للناس ، بالدخول والصلاة ~~فيه ، فإذا أذن لهم بالصلاة فيه يصير مسجدا ، ولا يقال : إنهم يصلون بإذنه ~~فيجعل كصلاته بنفسه بل لم يجعل هكذا فكذلك ها هنا ، ولأن الأموال لا تبقى ~~محفوظة كما جعلت على أي وجه صارت ، ولا بأس بأن ينتفع بذلك كله القيم وولده ~~ووالده ، لأنه لو فعل هذا في مرضه قد ذكرنا أن للقيم أن ينتفع به فإذا فعل ~~في حياته وصحته أولى ، وكذلك لوارثه أن ينتفع به إذا سلم لهم ذلك القيم ~~الذي ولاه ؛ لأن ما حبسه في حياته وصحته لم يكن وصية ، ألا ترى أنه لا ~~يعتبر من الثلث ، ويبدأ به قبل الدين ، ولو أراد إبطاله في حياته لم ينفذ ، ~~وما لم يكن وصية فالورثة وغيرهم فيه سواء ، وإن مات القيم في حياة الذي حبس ~~ذلك ، أو بعد موته فالأمر فيه إلى من ولاه القيم ، ذلك لأنه هو القيم في ~~حال حياته ، فالقائم مقامه يكون هو القيم بعدواته ، فالوصي إذا مات وأوصى ~~إلى رجل فإن الوصي الثاني يكون هو أولى من غيره PageV05P2109 فكذلك ها هنا ~~وهذا بخلاف القاضي ، إذا فوض القضاء إلى غيره ثم مات فإن الثاني لا يكون ~~قاضيا ، وذلك لأن الإمام الذي ولي القاضي الأول كان له ولاية بعد توليه ms1192 ~~القضاء ، ولم يخرج الأمر من يده ، بدليل أن له أن يعزله في حال حياته ويولي ~~غيره ، فلما كانت ولايته باقية لم يجز متولية القاضي غيره إلا بإذن الإمام ~~، فأما ها هنا ليس للذي حبس ولاية بعدما أخرج من يده ألا ترى أنه لو أراد ~~أن يعزله ويستبدل غيره لم يكن له ذلك فلما كانت الولاية للقيم دون الذي حبس ~~كان له التفويض إلى غيره ، فإن مات من غير تولية منه لأحد فإن القاضي يجعل ~~القيم في ذلك من أحب وليس للذي حبسه من ذلك شيء ؛ هكذا ذكر محمد ، وذكر ~~الخصاف في كتابه وهلال أيضا في كتابه أن الذي حبسه له أن يولي غيره ، فوجه ~~تلك الرواية وهو أن هذا القيم لو ولى غيره ثم مات جازت توليته ، وإنما ولاه ~~لولاية مستفادة من جهة الذي حبس ، فلما جاز لغيره أن يولي غيره بولاية فلأن ~~يجوز للذي حبس أني ولي غيره بولاية نفسه كان أولى والوجه لما ذكرنا ها هنا ~~، وهو أنه حبسه وسلمه إلى القيم فقد أخرج الحبيس عن ملكه ويده ، وصار هو ~~وسائر الأجانب فيه سواء ، وكما أن التدبير ليس إلى سائر الأجانب فكذلك لا ~~يكون التدبير إليه ، وإن جعله حبيسا واشترط في ذلك أنه هو القيم فيه فهذا ~~باطل في الحكم ؛ PageV05P2110 لأنه لما شرط أن يكون هو القيم في ذلك فلم ~~يوجد الإخراج من يده والتسليم إلى غيره ، وإن دفع ذلك إلى قيم يقوم به ~~واشترط أنه مات قبل الذي حبس ذلك كان الأمر إلى الذي حبس ذلك ، يجعل فيه من ~~أحب جاز ما اشترط من ذلك ؛ لأنه إنما أخرج عن يده بهذا الشرط ، فيراعي شرطه ~~، كما لو شرط شرطا آخر ، لأن شروط الواقف تراعى ، ثم هذا الشرط لا يمنع ~~جوازه عند محمد - رحمه الله تعالى - لأنه لما أخرجه من يده فقد تم الوقف ~~والحبس ، فصار هو كواحد من الناس ، فكان العود إلى يده كالعود إلى يد غيره ~~لا يبطل الحبس فالعود إلى يده مثله ، وكذلك إذا شرط قيما ms1193 بعد قيم فذلك إليه ~~، وليس للقيم الأول أن يجعلها إلى غير ما شرط الذي حبسها ؛ لأن شرطه كما ~~روعي في حق القيم الأول ، فكذلك يراعى في حق القاني ، وقد وجد من وقوف ~~السلف هكذا يدل عليه أن مثل هذا الشرط جائز في ولاية السلطنة والإمارة ، ~~فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه بعث سرية وأمر عليهم ~~زيد بن حارثة ، ثم قال : فإن قتل فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل فعبد الله بن ~~رواحة ، وكان كما قال ، وحكي أن سليمان بن عبد الملك لما حضره الموت أوصى ~~أن يكون الخليفة بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز فكرهت ذلك إخوته ، هشام بن ~~عبد الملك ومسلمة بن عبد الملك ، فقال سليمان : PageV05P2111 ثم بعده فلان ~~ابن فلان ، ثم أنت يا هشام ، ثم قال : أرضيت يا أصلع ، فلما جاز مثل هذا ~~الشرط في ولاية السلطنة ، فلأن يجوز في هذه الولاية أولى ، وإذا دفع الرجل ~~إلى رجل مالا ، فقال : خذ هذا المال فجاهد به في سبيل الله ، أو قال : اغز ~~به في سبيل الله ، فأخذه الرجل فاشترى به متاعا وكراعا وسلاحا ثم مات ~~أحدهما ، فقال الذي أعطى المال إن كان حيا أو ورثته إن كان ميتا إما أعطاه ~~المال قرضا ليجاهد به عن نفسه ، وقال المعطي أو ورثته : إما أعطاه إياه على ~~وجه الصدقة في سبيل الله تعالى ، فالقول قول المعطي في ذلك أو ورثته ؛ لأن ~~قوله فجاهد به في سبيل الله إضافة الجهاد إلي فعل المعطي لا إلى المال ، ~~لأن هذا ليس بأمر بأن يأتي فعل الجهاد ، وإذا كان الجهاد مضافا إلى فعله لا ~~إلى المال ، لم يصر دافعا للمال في سبيل الله ليصير صدقة ، فبقى قوله : خذ ~~هذا المال مجردا ، وهو كلام يحتمل القرض ويحتمل الصدقة ، فكل واحد منهما ~~متبرع والقرض أقل التبرعين ، لأنه يوجب البدل ، والصلة لا توجب البدل فحمل ~~على الأقل ، لأن الأقل تعين ، وهذا كرجل زوج ابنته وسلمها إلى الزوج مع ~~جهازها ، ثم ماتت الابنة فقال ms1194 الزوج : كان المال صلة لها فلي منه الميراث ، ~~وقال الأب : لا بل مكنت أعرتها ، فالقول قول الأب ، لما أن العارية تبرع ~~والهبة تبرع ، والعارية أقلهما ، فحمل على الأقل ، فكذلك ها هنا ، فإن كان ~~المعطي حيا حلف البتة بالله ما أعطاه إلا على وجه القرض ثم أخذ ماله ؛ ~~PageV05P2112 لأنه حلف على فعل نفسه فيحلف على التبعات ، وحلفت الورثة على ~~علمهم ما يعلمون أن صاحبهم أعطاه إياه على وجه الصلة ثم يأخذون المال ؛ ~~لأنهم حلفوا على فعل الغير ، ومن حلف على فعل الغير يحلف على العلم ، وإن ~~تصادقا المعطي والمعطى له أن المعطي أعطاه إياه ولم ينو قرضا ولا غيره ~~فالمال قرض ، ولا يكون صلة لما قلنا أنه أقل التبرعين ، وكان على الأقل حتى ~~يثبت الأكثر وهذا فصل ينبغي أن يحفظ فإنه لا رواية له إلا في هذا الموضع ~~واستدل في الكتاب ، فقال : ألا ترى أن رجلا لو أعطى رجلا مالا ، فقال : حج ~~به أو أنفقه على نفسك مع عيالك كان ذلك قرضا إلا أن ينوي به الصلة ، كذلك ~~ها هنا ولو قال له خذ هذا المال فهو لك في سبيل الله ، ومات الذي أخذه قبل ~~أن يشتري منه شيئا فهو له وهو ميراث لورثته ؛ لأن قوله : هو لك تمليك منه ~~لأن اللام للملك ، كما إذا قال داري لك تسكنها كان تمليكا للرقبة ، وقوله : ~~في سبيل الله عبارة عن الصدقة فكأنه قال : خذ هذا المال فهو لك صدقة ولا ~~يكون قرضا ، وكذلك لو قال : خذ هذا المال في الغزو في سبيل الله أو قال في ~~الجهاد في سبيل الله كان المال صدقة ؛ PageV05P2113 لأنه أضاف الجهاد أو ~~الغزو إلى المال ، وأمره أن يأخذ في هذا الوجه هذا رجل جعل ماله في سبيل ~~الله فكان صدقة ، لأنه أمره بالأخذ لله والمال المأخوذ لله لا يكون إلا ~~صدقة على عباده ، ولو كان قال : خذ هذا المال فاغز به عني في سبيل الله ، ~~ثم مات أحدهما قبل أن يشتري به رد ذلك المال على المعطي أو ms1195 على ورثته ؛ ~~لأنه أمره بالغزو عنه ، والغزو عنه لا يكون إلا بعد أن تكون النفقة من ماله ~~، ويكون الغازي نائبا عنه في الإنفاق ، فبقى المال على ملكه إلا أنه لما ~~مات انقطع أمره فيرد المال إلى ورثته ، فإن اشترى بذلك المال سلاحا أو ~~كراعا ثم مات أحدهما أخذ جميع ما اشترى ؛ لأنه اشتراه بأمره ، لأن الأمر ~~بالغزو أمر بشراء ما يحتاج إليه في الغزو والشراء وقع للآمر فيكون له ألا ~~ترى أنه لو غزا وفضل من ذلك فضل رد إليه فدل على أن الشراء وقع له ، ولو ~~اشترى به متاعا أو سلاحا ثم بدا للمعطي أن يأخذه ممن ويدفعه إلى غيره كان ~~له ذلك ؛ لأن المشتري متملكه فله أن يأخذه ويعطيه غيره ، PageV05P2114 فإن ~~قال المعطي : رد علي مالي ولك ما اشتريت فإنه لا حاجة لي فيه ، لم يكن له ~~إلا ما اشترى ؛ لأن المشتري وكيل له في الشراء ، فالمشتري وقع له ذلك فلم ~~يكن له أن يمنع منه ، ولو قال المعطي أعطيك مالك ولي ما اشتريت لم يكن له ~~ذلك ؛ ملأنه وكيل له بالشراء والوكيل بالشراء لا يحبس ما اشترى عن الموكل ، ~~ولو قال له : خذ هذا المال فجاهد به أو اغز به ، فاشترى به المعطي متاعا أو ~~سلاحا أو كراعا ، ليغزو به ، فقال له صاحب المال : إنما أعطيتك لتغزو عني ~~فرد على المتاع ، وقال المعطي : أعطيته لنفسي صلة أو قرضا فلا سبيل لك على ~~المتاع ، فالقول قول رب المال ، وله أن يأخذ المتاع والسلاح والكراع ؛ لأن ~~قوله : فجاهد به يحتمل معنى الجهاد عن المعطى ، ويحتمل الجهاد عن المعطي ، ~~وهو المجمل فكان البيان إنه ، ولأن ما ادعاه المعطي لا يوجب زوال المال عن ~~ملكه وما ادعاه المعطي يوجب زواله عن ملكه إلى بدل أو إلى غير بدل ، فهو ~~يدعي أكبر الأمرين فلا يصدق إلا ببينة ، وإذا حبس الرجل فرسه ، في سبيل ~~الله فدفعه إلى رجل حبيسا في سبيل الله فهو جائز ، لو قال : إن استغنيت أو ~~PageV05P2115 حضرتك الوفاة فادفعه إلى ms1196 غيرك حبيسا في سبيل الله فهو جائز ؛ ~~لأن المحبس هكذا شرط وشرطه معتبر ألا ترى أن الواقف إذا جعل وقفا على قوم ~~بأعيانهم على أنهم إن استغنوا عنه فيصرف إلى الفقراء جاز من الواقف هذا ~~الشرط فكذلك ها هنا ، فإن مات صاحب الفرس الذي جعله حبيسا لم يكن ميراثا ~~لورثته وكان حبيسا في سبيل الله ؛ لأن الزوال قد تم فلا يصير ميراثا ، فإن ~~مات الذي أعطاه إياه صار حبيسا على من أعطاه الميت ، أو على من أوصى له به ~~حبيسا ليس لصاحبه الذي حبس عليه سبيل ؛ لأن الشرط قد وجد ، فإن استغنى الذي ~~جعله صاحبه حبيسا في يده أو ترك الجهاد فرجع إلى أهله لزمه أن يدفعه إلى ~~غيره ، يكون حبيسا للشرط الذي وجد من المحبس ، فإن دفعه إلى غيره ثم بدا ~~للأول أني رجع إلى الجهاد فأراد أن يأخذ الحبيس فليس له ذلك ؛ PageV05P2116 ~~لأن الأول إنما كان أولى به من الثاني ، لثبوت يده عليه ، ولما سلمه إلى ~~الثاني ، فقد زالت يده وصار اليد للثاني ، فكان هو أولى بإمساكه من الأول ، ~~فإن كان صاحب الفرس شرط للأول أنه إن جعله لغيره ثم احتاج إليه أو رجع إلى ~~الغزو كان أحق به ، كان هذا الشرط جائزا ؛ لأن صاحب الفرس هكذا شرط يراعى ~~شرطه كما في الوقف إذا جعله على أولاد فلان ، فإن استغنوا فهو لفلان ، فإن ~~احتاج الأولاد دخلوا في الوقف ثانيا جاز ، وكان على الشرط الذي شرطه كذلك ~~ها هنا ، ولو أن رجلا حبس فرسا أو أرضا أو جعلها وقفا في سبيل الله عشرين ~~سنة ، ثم هي مردودة على صاحبها الذي حبسها ، أو على ورثته إن هلك أو جعل ~~حبيسا على قوم بأعيانهم ، على أنهم إن هلكوا رجع الحبيس على الذي حبسها كان ~~هذا حبسا باطلا له أن يأخذه إن شاء ، وإن مات كان ذلك ميراثا ؛ لأنه لم ~~يؤبد ما حبس ، والمذهب عند محمد - رحمه الله تعالى - أن التأبيد شرط لجواز ~~الوقف ، وإنما كان التأبيد من شرطه لأنه صدقة موقوفة ms1197 فيعتبر بالصدقة ~~المملوكة ، والصدقة المملوكة لا يجوز توقيتها ، فكذلك الصدقة الموقوفة ، ~~وعند أبي يوسف - رحمه الله - يجوز الوقف مؤقتا ومؤبدا ، لأن في هذا تمليك ~~المنافع ، وقد جاز مؤبدا فلأن يجوز مؤقتا أولى PageV05P2117 ألا ترى أن ~~الإجارة تجوز مؤقتة ولا تجوز مؤبدة ، ثم التأبيد لما لم يبطل الوقف ~~فالتوقيت أولى ألا يبطلها ، ولو أن رجلا حبس فرسا له في سبيل الله أبدا ، ~~ودفعه إلى رجل حبسه عليه ، على أنه إن مات واستغنى عنه دفعه إلى غيره ، لا ~~يرجع إلى صاحبه ، ولا إلى ورثته فهذا جائز مستقيم ؛ لأنه أبده والحبس مؤبدا ~~جائز ، فإذا أخذ صاحب الحبيس الفرس فلم يغز سنته تلك فدفعه إلى غيره يغزو ~~عليه أعاره إياه فلا بأس بذلك ؛ لأنه استغنى حيث لم يغز تلك السنة ، فله أن ~~يدفعه إلى غيره ، ولأنه قد ملك منافع الغرس في باب الغزو ، بدليل أنه ليس ~~لصاحب الفرس أن يأخذ منه الفرس ما دام هو حيا يغزو ، فله أن يملك تلك ~~المنافع غيره ، ألا ترى أن المحبس عليه لا يكون أقل حالا من المستعير ، ~~والمستعير للدابة إذا لم يشترط ركوب نفسه كان له أن يعير غيره فها هنا ألوى ~~، ولا ينبغي له أن يؤاجره ؛ لأن مقصود صاحب الفرس حصول الثواب له ، وإذا ~~غزا الثاني ببدل لا يحصل للمحبس ثواب في الأجر ، ولأنه ملك منافع هذا الفرس ~~بغير بدل فلا يقدر أن يملك غيره ببدل PageV05P2118 ألا ترى أن المستعير ~~يملك أن يعير ولا يملك الإجارة فكذلك ها هنا ، فإن دفعه إلى غيره يغزو عليه ~~بأجر فركبه الذي استأجره فعطب في يده من ركوبه أو من غير ذلك ، فرفع ذلك ~~إلى القاضي ، فإن القاضي له أن يضمن أيهما شاء ، إن شاء ضمن المؤاجر وإن ~~شاء ضمن المستأجر ؛ لأن كل واحد منهما متعد في الفرس ، فإن ضمن المؤاجر لا ~~يرجع على المستأجر ؛ لأن كل واحد منهما متعد في الفرس ، فإن ضمن المؤاجر لا ~~يرجع على المستأجر بشيء لأنه بالضمان ملكه من الابتداء فصار كأنه آجر فرس ~~نفسه ms1198 ، ومن آجر فرس نفسه ، فعطب في يد المستأجر لم يضمن المستأجر كذلك ها ~~هنا ، وإن ضمن المستأجر القيمة رجع المستأجر بالقيمة على المؤاجر ؛ لأنه ~~مغرور من جهته والمغرور يرجع على الغر بما غره ، ثم يشتري القاضي بالقيمة ~~فرسا آخر فيجعله حبيسا على الذي كان آجره ؛ لأن الفرس الثاني قائم مقام ~~الأول ، والفرس الأول لو كان حيا كان حبيسا على الذي آجره ، فكذلك الثاني ~~يكون حبيسا عليه ، ويتقدم إليه فيه ألا يؤاجره ؛ لأنه تعاطى ما لا يحل ، ~~PageV05P2119 فللقاضي أن ينصحه في المستقبل وتكون الأجرة للمؤاجر على ~~المستأجر ؛ لأنه هو العاقد ، والأجر يكون للعاقد ألا ترى أنه لا يكون أشقى ~~حالا من الغاصب والغاصب لو آجر المغصوب وسلم كان الأجر للغاصب كذا ها هنا ، ~~ولا يعجبني أن يأكله المؤاجر ولكنه يتصدق به ؛ لأنه استفاده من كسب خبيث ~~فسبيله التصدق به ، كما في الغاصب ، ولو قتل الفرس غير الذي حبس عليه ، أو ~~ركبه غيره بغير أمره فعطب تحته ، كان ضامنا بقيمته ، يأخذها الذي حبس عليه ~~فيشتري بها فرسا آخر فيكون حبيسا في يده ؛ لأن الذي حبس عليه لا يكون أقل ~~حالا من المودع ، ولو كانت وديعة في يده فقتله غيره كان للمودع حق الخصومة ~~وأخذ القيمة كذا ها هنا ، ولو أن رجلين في يد كل واحد منهما فرس حبيس على ~~هذه الصفة دفع كل واحد منهما الفرس الذي في يده إلى صاحبه على أن يغزو عليه ~~، على أن يعطي الآخر فرسه ، كان هذا شرطا فاسدا ، لا ينبغي لهما ذلك لأنهما ~~لما شرطا ذلك شرطا بينهما صارت مبادلة المنافع بالمنافع ، ومبادلة المنافع ~~بالمنافع إجارة فسادة كبيع السكنى بالسكنى ، PageV05P2120 وليس للذي حبس ~~عليه أن يؤاجره إجارة جائزة ولا فاسدة ، فإن عطب أحدهما ضمن القيمة فكان ~~الأمر فيه كما وصفنا ؛ لأن كل واحد منهما متعد ، وإن سلما كان لكل واحد ~~منهما أجر مثل الفرس الذي أعطاه صاحبه ؛ لأن الإجارة فاسدة ، وفي الإجارة ~~الفاسدة يجب أجر المثل ويتصدق كل واحد منهما بالأجر ولا يجبر عليه ، ولو ~~كان ms1199 كل واحد منهما دفع فرسه إلى صاحبه من غير شرط اشترطه كل واحد منهما على ~~صاحبه ، فغزا كل واحد منهما على الفرس الذي أعطاه صاحبه فهذا لا بأس به ؛ ~~لأنه إذا لم يجر بينهما شرط لم يصرمبادلة المنفعة بالمنفعة لتصير إجارة ~~ولكنه يجعل محض إعارة ، وقد ذكرنا أن للذي حبس عليه أن يعيره ليغزو به ، ~~ولو أن رجلا جعل خيلا له حبيسا في سبيل الله ودفعها إلى وكيل له يكون هو ~~الذي يوزعها بن الغزاة إذا غزوا ولم يشترط ردها إليه فهذا جائز ؛ لأنه وجد ~~الإزلة من يده إلى يد قيم الحبس فيجوز ، كما لو وقف أرضا أو دارا وأخرجها ~~إلى قيم جاز ذلك ، لما أن التسليم قد وجد ، ولهذا قال PageV05P2121 أبو ~~يوسف - رحمه الله تعالى - : إن التسليم ليس بشرط لأن الثاني وكيله ويتصرف ~~فيه بأمره ، كما شرط هو ، فكانت يده كيده فلا فائدة في التسليم والجواب عنه ~~ما قلنا ولا بأس بأن يوزعها بين الغزاة من الأغنياء والفقراء ؛ لأن هذا ~~إباحة وليس بتمليك وكل قربة كانت على سبيل الإباحة استوى فيها الغني ~~والفقير كالسقاية ، وكذلك لو جعل خانا لنزول الناس فيه ، أو مقبرة يقبر ~~فيها موتى المسلمين ؛ فإنه يسكن خانة الغني والفقير ، ويقبر في مقبرته ~~الغني والفقير ، فإن دفع الوكيل إلى رجل فرسا فقال : اركبه في سبيل الله ~~فليس له أن يحمل عليه غيره ؛ لأنه إنما أعطاه لينتفع به في هذا الغرو ثم ~~يرده على الوكيل فهو مستعير والمستعير إذا شرط ركوب نفسه ليس له أن يركب ~~غيره كذلك ها هنا ، وإن اعطاه إياه فقال : خذه في سبيل الله ، ولم يشترط ~~عليه أن يكون هو الذي يركبه ، فلا بأس بأن يحمل عليه غيره ممن يغزو في سبيل ~~الله ؛ لأن الإباحة وقعت مطلقة فكان له أن يركبه بنفسه ، وأن يركب غيره ، ~~كما في عارية الدابة إذا وقعت مطلقة ، PageV05P2122 ولو أعطى رجلا فرسا في ~~سبيل الله وأعطى الآخر فرسا مله في سبيل الله فقال الرجلان كان واحد منهما ~~لصاحبه : أعطيك فرس ms1200 يتغزو عليه ، على أن تعطيني فرسك أغزو عليه ، فأخذاهما ~~فغزوا عليهما ، فالقياس أن يكون باطلا ، وإن عطب الفرسان يضمنان إلا أنه ~~يجوز ذلك استحسانا ، ولا يضمنان شيئا ، فوجه القياس له في ذلك أنهما لما ~~شرطا ذلك الشرط فيما بينهما صارت مبادلة المنفعة بالمنفعة فتصير في حكم ~~الإجارة ، كما لو كان المحبس رجلين ووجه الاستحسان في ذلك وهو أنه اعتبر ~~حال الذي حبس فلا يكون إجارة لأنه رجل واحد فكانت الأفراس كلها ملكا له ، ~~وإن لم يعتبر حاله لزوال الأفراس عن ملكه واعتبر حال لقيم فيها كان هو أيضا ~~واحدا ، فلا يقع فيه معنى الإجارة إذ الرجل لا يؤاجر بعض أفراسه ببعض ، ~~فأما إذا كان الفرسان لرجلين ، فقد وجدت صورة الإجارة لأن منافع الفرسين ~~لماكين مختلفين فكان له حكم الإجارة فلم يجز ، قال : ولو أنهما آجرا ~~الفرسين بدراهم ، فآجر كل واحد منهما صاحبه ، فرسه بدارهم يغزو عليه كانا ~~ضامنين ؛ لأن هذه الإجارة بأداء دراهم من مالهما ، وليست بمال صاحب الفرسين ~~فقد وقعت إجارة ملك الغير ، بملك الغير ، فوجد معنى الإجارة فيه . ~~PageV05P2123 وليس للوكيل الأول الذي دفعت إليه الخيل أن يؤاجر شيئا من هذه ~~الخيول للغزو ، وإن أجرها كان ضامنا لما قلنا : إن الإجارة تبطل معنى ~~الثواب ، والذي حبس قصد به الثواب ، فإن احتاجت إلى نفقة فرأى أن يؤاجرها ~~لبعض منافع الناس غير الجهاد بمقدار نفقتها حتى يدفعها إلى من يغزو عليها ، ~~فلا بأس بذلك ؛ لأن الحال حال الضرورة ، ومتفعة الأجرة ترجع إلى الدابة ~~فكان هذا أرفق بالدابة ، فيجوز وهذا كما ذكر في كتاب الوقف إذا جعل الرجل ~~خانا وقفا لمارة الطريق ، فاحتاج إلى المرمة فإنه لا بأس للقيم أني يؤجرها ~~منازل الخان بمقدار ما يحتاج إلى المرمة ، فكذلك ها هنا ، ولا بأس بأن يأمر ~~القاضي الوكيل بذلك ، لأن القاضي ولي كل مال أعد للمسلمين ، كما هو لي كل ~~غائب ، ولا بأس بأن يفعل هذا الوكيل أيضا بغير أمر القاضي ، لأن هذا مما ~~يصلح الدابة ، وقد وجد الرضاء من المالك دلالة في ms1201 كل ما يصلح الدابة ؛ لأنه ~~لا يبقى حبيسا إلا بعد السعي في إصلاحه ، فإن كان الذي حبسها شرط له ، حين ~~وكله بها ودفعها إليه ، أن يؤاجرها في نفقتها ، فذلك جائز وأحرى أني جوز ~~إجازة الوكيل ؛ PageV05P2124 لأنه وجد منه صريح الأمر بالإجارة والصريح ~~أقوى من الدلالة ، وإن شاء آجرها بنفقتها ، ولا يستأمر في ذلك القاضي ، لما ~~قلنا : إنه مأذون من جهة الذي حبس دلالة ، فلا يحتاج إلى استثمار القاضي ، ~~وإذا أعطى الرجل فرسا يجعل حبيسا في سبيل الله ، فإن استغنى أو ما دفعه إلى ~~غيره حتىي كون حبيسا أبدا فليس لصاحب الحبيس أن يركبه في حوائجه في المصرفي ~~القياس ، وفي الاستحسان : له أن يركبه في حوائجه في المصر ، وما حول المصر ~~من شهود الجنازة والتشييع ونحوه ، فوجه القياس فيه وهو أن المالك أذن له ~~بالركوب في الحروب ، ولم يأذن له في الركوب في حوائجه فوجب ألا يجوز له ~~الركوب في حوائجه إلا بإذنه ، كما لو ركبه وأراد به سفرا ، وكما لو أعار ~~فرسه ليركبه في طريق ، كذلك ليس له أن يركبه في طريق آخر ، فكذلك ها هنا ، ~~ووجه الاستحسان في ذلك وهو أن هذا القدر من الركوب ينفع الفرس ولا يضره ، ~~لأن رب فرس إذا ربط في المربط ولا يركب عليه يصيبه مرض ويفسد سيره ، وفي ~~ركوبه في الأحايين منفعة له ورياضة ، والملك كان كالراضي في كل ما يرجع ~~نفعه إلى الفرس ، ولأنا لو قلنا : بأنه لا يجوز له قليل الركوب في غير ~~الغزو أدى إلى منع الناس عن قبول مثل هذه الأفراس ، إذ لا يرغبون إليها متى ~~علموا أن النفقة واجبة عليهم وقليل الركوب وكثيره في غر الغزو حرام عليهم ~~PageV05P2125 وما أدى إلى الضيق والحرج وتنفير الناس عنه كان حكمه ساقطا ، ~~ولأن المالك لما حبسه عليه مع علمه أن الذي حبسه عليه لا يجد بدا من قليل ~~الركوب عليه في غير الغزو ، يكون كالراضي بركوبه ذلك القدر في غير الغزو ، ~~وكان سبيله سبيل العبد المأذن من حيث إنه يملك التبرع ms1202 بشيء يسير ولا يملك ~~التبرع بالشيء الكثير وإن كان الملك ليس بثابت مله لما أنه لا بد للتجار من ~~ذلك ، فصار كالمأذون من جهة المولى دلالة ، وإن لم يوجد منه الإذن إفصاحا ~~وصريحا ، وذلك لأن هذا في حد الكثرة ، لأن له بدا من ذلك الركوب ، والقليل ~~هو المستحسن دون الكثير ، فإن ركبه ليسقيه أو ليشتري له علفا أو حمل عليه ~~علفا له ، أو بعض المنافع للفرس ، فلا بأس بذلك في القياس والاستحسان ؛ لأن ~~منفعة هذا الركوب ترجع إلى الدابة ، فلا يكون به بأس في القياس والاستحسان ~~، وكان هذا بمنزلة رجل اشترى فرسا فوجد به عيبا فركبه ليسقيه أو ليحمل ~~طعامه لم يمنع ذلك من الرد بالعيب ، PageV05P2126 لما أن ذلك الركوب لمنفعة ~~الدابة فكان ذلك من أسباب البر ، فكذلك ها هنا ، إلا أنه جعل مسألة الرج ~~بالعيب في كتاب البيوع على القياس والاستحسان ، وقد جعل الجواب ها هنا ~~جوابا واحدا في القياس والاستحسان جميعا ، وإن كان يركبه ليرعب به العدو في ~~المصر ، أو خارج المصر ، أو كان يرى أن لهم عيونا في الثغر فركبه لذلك ، ~~فهذا لا بأس به ؛ لأن هذا الركوب من الجهاد ، وكذلك السيف يجعل حبيسا في ~~سبيل الله ، فإن كان تقلده إياه يفسد السيف أو يضربه أو يحمائله فلا يلبسه ~~؛ لأن لبسه لمنفعة نفسه ليس من الجهاد في شيء ، وإن كان لبسه لا يضره فلا ~~بأس بذلك ؛ لأنه قليل منفعة فلا بأس به ، كما قلنا في ركوب الفرس إذا كان ~~قليلا ، وإن كان يلبسه ليرهب به العدو فله ذلك ؛ لإن إرهاب العدو من أمر ~~الجهاد ، واستعماله في أمر الجهاد لا بأس به ، وإن جعل نبلا وقوسا حبيسا في ~~سبيل الله لم يعجبني أن PageV05P2127 يرمي صاحبها بالنبل والقوس بين ~~الغرضين ، وإن كان يتعلم بذلك الرمي وهو مما يتقوى به العدو ؛ لأن هذا مما ~~يفسد النبل والقوس ، والرمي بين الغرضين ليس من الجهاد فلم يكن له إفساده ~~في غير أمر الجهاد ، بخلاف ما إذا ركب الفرس والحبيس في حوائجه في ms1203 المصر ~~فإنه لا بأس به ؛ لأن ذلك الركوب مما لا يفسده بل يصلحه ، حتى إذا كان ~~ركوبه يفسده يمنع من ذلك ، كما لو ركبه لتعلم الفروسية أو ركبه يوما أو ~~أكثر في حوائجه ، وإن كان في يد رجل فرس في سبيل الله فسمع الرجل بعلف رخيص ~~يباع في غير موضع المصر ، فإن كان ذلك الموضع في المصر أو قريبا منه في بعض ~~قراه فلا بأس بهذا ؛ لأن هذا من منافع لادابة ، ولو ركبه في حاجته في المصر ~~لا بأس به ، فما ظنك إذا كان ركوبه لمنفعة الدابة وإن كان موضعا بعيدا ~~يسافر عليه لم يعجبني أن يفعل ذلك ؛ لأن هذه المسافرة عليه من غير ضرورة ~~فلا تجوز ، PageV05P2128 ألا ترى أنه لو جاز مثل هذا لجاز له أن يأتي به ~~بعض الكور التي بينها وبين مصره عشرة أيام وأكثر وهذا أقبح ، وإن كان ~~المسلمون في موضع لا يقدرون فيه على العلف إلا من مسيرة أيام فلا بأس بأن ~~يركبه إلى ذلك الموضع ليحمل عليه علفه ؛ لأن هذا موضع الضرورة والضرورات ~~تبيح المحظورات ولا بأس بأن يركبه أيضا راجعا مع العلف ؛ لأنه لما جاز له ~~أن يركبه ذاهبا لما أنه يحتاج إلى حفظ الدابة فلأن يجوز له أن يركبه راجعا ~~أيضا مع العلف ، فهو يحتاج إلى حفظ الدابة والحمل أولى ، ولكن لا ينبغي له ~~أن يحمله من العلف ما لا يطيق إذا ركب عليه من ذلك ؛ لأن هذا استهلاك ~~للدابة ألا ترى أنه لا يحل له مثل ذلك في دابة نفسه ، فففي دابة الحبيس ~~أولى ، وإذا أعطى الرجل سيفا حبيسا في سبيل الله ، وعلى السيف حلية ، فليس ~~ينبغي له أن يعرض للحلية ؛ لأن الحلية تبع للسيف ، والسيف حبيس غير مملوك ، ~~فالحلية مثله PageV05P2129 فلا يتصرف فيه تصرف الملاك ، ولكن يستعمله في ~~أمر الجهاد بحليته كما إذن له ، فإن احتاج السيف إلى مرمة ، فغن مرمته عليه ~~ولا يعرض لحليته ؛ لأنه هو المنتفع به ، فكانت النفقة عليه كما قلنا في ~~المستعير ، ألا ترى أن الفرس ms1204 لو كان حبيسا في يده واحتاج إلى النفقة كانت ~~نفقته عليه ، ولا يعرض للفرس بأجارته ، كذلك ها هنا ، فمرمة السيف عليه ولا ~~يتعرض للحلية ، فإن كان السيف إنما أعطاه وكيلا له يدفعه إلى غيره ممن يغزو ~~في سبيل الله ثم يرده على الوكيل ، فليس للوكيل أيضا أن يعرض لحليته بصدقة ~~ولا بغيرهأ ؛ لأنه فوض إليه الدفع إلى من يغزو ، ولم يفوض إليه التصدق ، ~~فلا يتعدى أمرموكله ، فإن احتاج السيف إلى مرمة في إصلاحه ، وإصلاح جفنه ، ~~فرأى الوكيل أن يصلحه من حليته فلا بأس بذلك فيأخذ من حليته بقدر ما يحتاج ~~إليه من المرمة فيرمه بذلك ، ويدع ما بقي حتى يحتاج إلى مرمة أخرى ؛ لأن ~~منفعة السيف ليست للوكيل ليكون إصلاحه من ماله ، PageV05P2130 فيكون إصلاحه ~~من السيف كالفرس إذا احتاج إلى نفقة فإنه ينفق عليه من منافعه بأن يؤاجره ~~فيصرف غلته إلى نفقته ، وكذلك الأراضي الموقوفة مرمتها في غلتها ، وليس ~~هناك غلة سوى الحلية فيصلحه من الحلية ، فإن كان إذا نزع بعض الحلية انتزعت ~~كلها وأجرى للمرمة بعضها رمم السيف بما يحتاج إليه ثم ليمسك الفضل عنده ، ~~ولم يتصدق به حتى إذا احتاج إلى مرمة فيرمه بها ؛ لأن الحلية ما جعلت ~~للصدقة ، وإنما جعلت في الغزو فلا تصرف إلا في أمر الغزو ، ولو أن رجلا جعل ~~فرسا له حبيسا في سبيل الله ودفعه إلى وكيل مله يدفعه إلى بعض من يخرج في ~~سبيل الله ، فحطم الفرس أو أصابه عيب لا يقدر ان يغزو عليه ، ولكنه يصلح ~~للركوب في المصر أو للعجلة فلا بأس بأن يبيعه الوكيل ويشتري بثمنه فرسا آخر ~~يغزو عليه في سبيل الله ؛ لأنه لو لم يبعه لهلك الفرس ، فانقطعت صدقة الذي ~~حبس فكان له استبداله ليبقي صدقته ، فكان بمنزلة الوصي في ذلك ، ~~PageV05P2131 فإن كان الثمن الذي يبيع به لا يبلغ ثمن فرس يغزوعليه في سبيل ~~الله فإن كان يطمع أن يصاب فرس وقف حتى يصاب فرس يغزى عليه في سبيل الله ؛ ~~لأنه يمكن إدامة هذه الصدقة بشراء فرس ms1205 آخر فيوقف ولا يعطل ، وإن كان يعلم ~~أنه لا يصاب به فرس بأن قل ذلك جدا رد الفرس على صاحبه الذي كان حبسه في ~~سبيل الله ، ولا يتصدق بذلك على المساكين ؛ لأنه جعله حبيسا ليغزى عليه لا ~~للتمليك والصدقة ، وإذا صار بحال لا يغزى عليه عاد إلى ملك الذي حبس ~~كالعواري ، وهذا علي قياس ما قال به محمد - رحمه الله تعالى - في رجل جعل ~~في أرضه مسجدا وصلى فيه الناس ، ثم ضرب ما حوله واتخذت مرزارع ، وضرب ~~المسجد ، فإن كان يطمع أن يعود إله أهله ويصلوا فيه ، فإنه لا يعود ملكا ~~لصاحبه ، وإن كان لا يطمع في ذلك عاد ملكا عند محمد - رحمه الله تعالى - ~~فلصاحبه أن يأخذه ويبيعه ، أو يجعله مزرعة ، وإن كان ميتا فلورثته ذلك ، ~~لما أنه جعله للصلاة لا للصدقة ، فإذا صار بحال لا يصلى فيه لا يتصدق به ، ~~ولكن يعود ملكا ، فكذلك أمر الفرس ، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا ~~يرد الفرس إلى صاحبه ، ولكن يتصدق به ، كما لا يعود المسجد ملكا إذا كان لا ~~يصلى فيه والله أعلم . PageV05P2132 # | باب العشور من أهل الحرب # روى محمد - رحمه الله تعالى - بإسناده عن أبي صخرة المحاربي عن زياد بن ~~جرير قال : بعثه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - مصدقا إلى عين النمر ~~، وأمره بأن يأخذ من المصلين ، يعني من المسلمين ، من أموالهم ربع العشر ، ~~ومن أموال أهل الذمة ، إذا اختلفوا بها للتجارة نصف العشر ، ومن أموال أهل ~~الحرب العشر ، اعلم أنا اتبعنا الأثر في هذا فقلنا يأخذ العاشر من المسلم ~~الذي مر عليه ربع العشر ، ومن الذمي نصف العشر ، ومن الحربي العشر ، لأن ~~عمر - رضي الله تعالى عنه - هكذا أمر عاشره بأخذ العشر ، وكان ذلك بمشهد من ~~المهاجرين والأنصار ، ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع ، يدل عليه أنه ~~روي في حديث آخر عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه بعث أنس بن مالك - رضي ~~الله تعالى عنه - مصدقا في العشور ، فقال أنس ابن مالك - رضي ms1206 الله تعالى ~~عنه - : يا أمير المؤمنين تقلدني المكس من عملك ، فقال له عمر - رضي الله ~~تعالى عنه - قد قلدتك ما قلدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قلدني ~~أمور العشور أمرني PageV05P2133 أن آخذ من المسلم ربع العشر ، ومن الذمي ~~نصف العشر ، ومن الحربي العشر كله ، فقد روي مرفوعا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ، فعلينا اتباعه ، واعلم أن العاشر هو الذي أقامه عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - ، على الدرب الذي كان بين المسلمين والكفار ، وأمره أن ~~يأخذه من كل من يمر عليه بماله ولم يؤد زكاته وجعل نفقته منه ، فإنما سماه ~~عشرا لأن ما يؤخذ منهم مداره على العشر ، وإنما أثبت عمر - رضي الله تعالى ~~عنه - حق الأخذ للعاشر ، لأن هذا المال في حماية الإمام ورعايته ، لأن أمن ~~الطريق بالإمام فصار هذا المال مآمنا برعاية الإمام وحمايته ، فأثبت حق ~~الأخذ للإمام كالسوائم التي تكون في المفاوز ، كان أخذ زكاتها إلى الإمام ~~لما أنها في حماية الإمام ورعايته ، فكذلك ها هنا ، وإنما أمر عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - بأخذ ربع العشر من المسلمين لأن المأخوذ منهم زكاة على ما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليس في المال حق سوى الزكاة ، ~~والزكاة لما تبين ربع العشر ، فأما الذمي فإنما أمر بأخذ نصف العشر منه ، ~~وذلك لأن هذا حق يؤخذ من المسلم ويؤخذ من الكافر ، فوجب أن يؤخذ منه ، ضعف ~~ما يؤخذ من المسلم كما في النصراني من بني تغلب ، فإنه يؤخذ منه الصدقة ~~المضاعفة وأما الحرب فإنما أمر بأخذ العشر منه ، لأنهم يأخذون منا العشر ، ~~فأمر بأخذ العشر منهم ، إذ الأمر بيننا وبين الكفار مبني على المجازاة ، ~~حتى أنهم إن كانوا يأخذون منا الخمس أخذنا منهم الخمس ، وإن كانوا يأخذون ~~منا نصف PageV05P2134 العشر أخذنا منهم نصف العشر وإن كانوا لا يأخذون منا ~~شيئا فنحن لا نأخذ منهم شيئا ، الدليل عليه ما روي أن عاشر عمر - رضي الله ~~عنه - كتب إلى عمر - رضي الله عنه - : كم نأخذ ms1207 من تجار أهل الحرب ؟ ، فقال ~~: كم يأخذون منا ؟ فقال : هم يأخذون منا العشر ، فقال : خذ منهم العشر ، ~~فقد جعل الأمر بيننا وبينهم مبنيا على المجازاة ، وإن كنا لا نعلم كم ~~يأخذون منا ، أو لا نعلم أياخذون منا أو لا يأخذون ، أخذنا منهم العشر أيضا ~~، فإنه روي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال لعشاره : خذوا منهم ما ~~يأخذون منا فإن أعياكم ذلك فخذوا منهم العشر ، والمعنى في ذلك : وهو أن ~~الحربي ينزل من الذمي منزلة الذمي من المسلم ، لأن شهادة الحربي عليه لا ~~تقبل عليه ، وتقبل شهادة الذمي على الحربي ، كما أنه لا تقبل شهادة الذمي ~~على المسلمين ، وتقبل شهادة المسلمين على الذمي ، ثم الذمي يؤخذ منه ضعف ما ~~يؤخذ من المسلم ، فكذلك الحربي يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من الذمي ، ويؤخذ من ~~الذمي نصف العشر فيؤخذ من الحربي ضعف ذلك وهوالعشر ، قال محمد - رحمه الله ~~تعالى - : عن جرير بن حازم قال : سمعت أنس بن سيرين يقول : أراد أنس بن ~~مالك أن يستعملني على الأبلة ، فقلت : تقلدني على المكس من علملك ؟ فقال : ~~أما ترضى من أمر الناس ما أمرني به عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ~~من أمور الناس ، فقال : استعملني عمر - رضي الله تعالى عنه - ، فأمرني أن ~~PageV05P2135 آخذ من المسلمين من كل أربعين درهما درهما ، ومن أهل العهد من ~~كل عشرين درهما درهما ، ومن أهل الحرب من كل عشرة دراهم درهما ، اعلم بأن ~~المكس هو فعل العاشر والمكاس هوالعاشر ، وإنما سمي مكاسا ، لأنه ينقص أموال ~~الناس بأخذ العشور منهم ، وهو مشتق من المماكسة والمكاس لا يأخذ من أحد ~~منهم شيئا من ذلك حتى يبلغ المال مائتي درهم ما يجب فيه الزكاة على المسلم ~~، أما المسلم فلا يؤخذ منه من أقل منه من أقل من مائتي درهم ؛ لأن المأخوذ ~~منه وزكاة على ما قلنا ، ولا زكاة في أقل من مائتي درهم ، وأما الذمي فكذلك ~~؛ لأن المأخوذ منه كان باسم الزكاة وإن لم يكن زكاة في الحقيقة ، فوجب أن ms1208 ~~يكون من شرطه النصاب . دليله أخذ الصدقة من نسارى بني تغلب فإنه لا يؤخذ ~~الصدقة من مالهم إلا أن يكون النصاب كاملا ، فكذلك ها هنا ، وأما الحربي ~~فإنما لا يؤخذ منهم من أقل من مائتي درهم ؛ لأنهم لا يأخذون من تجار ~~المسلمين من القليل ، فكذلك لا نأخذ منهم حتى أنهم إن كانوا يأخذون من ~~تجارنا من قليل المال وكثيره فكذلك نأخذ منهم من قليل وكثيره والله الموفق ~~. | PageV05P2136 # | باب الجزية # عن إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى - قال : إذا أسلم الرجل وأقام بأرضه ~~فعليه الخراج وإذا لم يقم ، فليس عليه خراج ، أعلم بأنه إن كان بهذا الخراج ~~الرأس فلسنا نقول به ، بل المذهب عندنا أن الكافر إذا أسلم ، وهو من دار ~~الموادعة ، فإن خراج الرأس يسقط عنه ، سواء أقام بأرضه أو هاجر إلينا ، ~~وقال بعض العلماء : بأن الخراج لا يسقط عنه وإن أسلم ، ما لم يهاجر إلينا ، ~~وإن كان أراد به خراج الأرض فقد قلنا به ، فإنه إذا أسلم فأمسلم أرضه فإنه ~~يؤدي عنها الخراج ولا يؤخذ منها العشر ، وإنما يؤخذ العشر إذا أسلم أهل ~~بلده طوعا ، وعند بعض الناس يؤدي العشر ولا يؤدي الخراج ، وإن خرج إلى دار ~~الإسلام ، وترك أرضه لا يؤخذ منه شيء وعن عمر بن عبد العزيز أن عمرو بن ~~العاص - رضي الله عنه - قال : لم تفتح قرية بالمغرب على صلح إلا ثلاث قرى : ~~الأسكندرية ، وكفرطيس ، وفلسطين ، وسلطاس ، وكان من أسلم من غير هذه الثلاث ~~قرى أخذ ماله وخلي سبيله ، ومن أسلم من هذه الثلاث قرى خلي سبيله وماله له ~~PageV05P2137 اعلم بأنا لا نأخذ بهذا الحديث بل نقول : كل من أسلم من أهل ~~الذمة لا يؤخذ منه ماله ، ويترك في أرضه يؤدي عنها الخراج ، سواء أخذت ~~القرية عنوة أو صلحا ، فإن دهقانة نهر الملك أسلمت على عهد عمر - رضي الله ~~تعالى عنه - فكتب في ذلك سعد وعمار إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى ~~عنهم - فكتب إليه عمر - رضي الله تعالى عنه - : أن ادفع إليها أرضها فتؤدي ~~عنها ms1209 الخراج ، وسواد الكوفة إنما أخذ عنوة ، نهر الملك وغيره ، والله ~~الموفق . PageV05P2138 # | باب عشور أهل الحرب والمسلمين وأهل الذمة # قال محمد - رحمه الله تعالى - : قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - : ~~إذا مر الحربي المستأمن على عاشر المسلمين بمال يبلغ مائتي درهم ، فصاعدا ~~أو بشيء قيمته ذلك أخذ منه عشر ما مر به ، لما روينا من الأثر ، فإن قال : ~~علي دين أو قال : ليس هذا المال لي لم يصدق وأخذ منه العشر ؛ لأن الأمر ~~بيننا وبينهم على المجازاة ، وهم لا يصدقون تجارنا في مثل هذا فنحن لا نصدق ~~تجارهم ، بخلاف الذمي إذا مر على العاشر بمال وقال : ليس لي ، أو قال : علي ~~دين ، لم يؤخذ منه شيء ؛ لأن الأمر بيننا وبينهم ليس على المجازاة ولكنه ~~على حكم الشرع والإسلام ، ومن حكم الإسلام أن المسلم يصدق لما أنه ينكر ~~وجوب الحق في ماله فكذلك الذي يصدق ، وكذلك إذا مر به مكاتب أو عبد بمال ~~أخذ منه العشر ؛ لأنهم يأخذون من عبيدنا ومكاتبينا ، فنحن نأخذ من عبيدهم ~~ومكاتبيهم ، PageV05P2139 فإن كانوا لا يأخذون من عبيدنا ومكاتبينا ، فلا ~~نأخذ أيضا من عبيدهم ومكاتبيهم ، وإن كانوا يأخذون من عبيدنا أو مكاتبينا ~~نأخذ منهم أيضا ؛ لأنه إنما يؤخذ لحفظ الطريق ، والمكاتب يحتاج إلىحفظ ~~الطريق كالحر سواء ، ولأن المولى قد رضي بأخذ العشر من عبده حيث بعثه إلينا ~~للتجارة ، وإذا مر الحربي على العاشر برقيق فقال : هؤلاء أحرار ، أو مر ~~بجوار فقال : هؤلاء أمهات أولادي ، صدق في ذلك ولم يؤخذ منه العشر ؛ لأنه ~~إن كان صادقا فهم أحرار ولا عشر في الأحرار وإن كان كاذبا فقد صاروا أحرارا ~~بقوله ، لأن الحربي إذا أعتق عبدا كافرا في دار الإسلام يعتق بالإجماع ، ~~لأنه ليس بدار قهر ، وإن مر الحربي بمال التجارة وقال : لا أريد به التجارة ~~، أو قال هو مال صبي فإن العاشر يعشره ؛ لأنهم لا يصدقوننا في ذلك فنحن لا ~~نصدقهم بذلك ، وإن كانوا هم لا يأخذون من مثل هذا المال فلا نأخذ منهم أيضا ~~، وإن كنا لا نعلم ms1210 أنهم يأخذون أو لا يأخذون أخذنا منهم ؛ PageV05P2140 لأن ~~الأصل هو الأخذ لأن النصاب كامل ، وإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان تاجر ~~فعشره عاشر المسلمين ، ثم مر على عاشر آخر للمسلمين لم يعشره في تلك السنة ~~حتى تمضي فإذا مضت تلك السنة عشرة مر أخرى ؛ لأنه ما دام يتردد في دار ~~الإسلام فحكم ذلك الأمان باق ، ولم ينته حكم ذلك الخروج ، فصار كالذمي ~~يتردد في دار الإسلام ، والذمي لا يعشره العاشر إلا مرة واحدة ، وإن مر ~~عليه في تلك السنة مرارا ، فكذلك لا يؤخذ منه من الحرب ، يدل عليه ما روي ~~أن رجلا من الروم مر على عاشر عمر - رضي الله تعالى عنه - ومعه فرس قيمته ~~عشرون ألفا فطلب منه العشار أن يأخذه بثمانية عشر ألفا فأبى ، فلم يأخذ ~~الفرس ، وأخذ العشر ثم مر عليه راجعا فأراد أن يأخذ العشر ثانيا فأبى ، ~~فجاء متظلما إلى عمر - رضي الله تعالى عنه - فوجده في المسجد فلم يدخل ~~المسجد ، ووقف على بابه ، وقال هو الشيخ النصراني ، وأضافه إلى نفسه فقال ~~عمر - رضي الله تعالى عنه - وأتى الشيخ الحنيفي فقص عليه القصة ، فقال عمر ~~- رضي الله تعالى عنه - كفيت ، فظن النصراني أنه لم يلتفت إلى كلامه ، فرجع ~~كالآيس ، فلما أتى العاشر سبقه كتاب عمر - رضي الله تعالى عنه - ألا يأخذ ~~منه شيئا فأخبره العاشر بالكتاب ، ولم يأخذ منه شيئا فتعجب النصراني من عدل ~~عمر - رضي الله تعالى عنه - فأسلم ، ولو مر على عاشر المسلمين فعشره ، ثم ~~دخل من يومه أو من الغد دار الحرب ، ثم رجع بماله ذلك مستأمنا عشرة العاشر ~~مرة أخرى ؛ PageV05P2141 لأنه لما دخل دار الحرب ، فقد انقطع حكم ذلك ~~الأمان ، وانتهى حكم ذلك الخروج فإنما دخل بأمان جديد فصار كأنه دخل أول ~~مرة ، أو نزل منزلة حربي آخر فلهذا يعشره في كل مرة ، فإن كان أولئك ~~الحربيون الذين استأمنوا لا يعشرون المسلمين إذا دخلوا إليهم إلا مرة واحدة ~~في السنة وإن دخل وخرج مرارا ، لم يعشروا إلا مرة واحدة ، لما قلنا : إن ms1211 ~~الأمر بيننا وبينهم على المجازاة والمكافأة وإن خرج الحربي المستأمن إلى ~~دار الإسلام بأمان ومعه خمر أو خنازير عشر الخمر لو لم يعشر الخنازير وأمره ~~أن يعطي عشر الخمر دراهم يقوم قيمته ثم يعطيه قيمة العشر دراهم وإن لم يكن ~~معه دراهم أمره أن يبيع من الخمر ما يعطيه قيمة العشر دراهم ، وهذا عندنا ، ~~وقال زفر - رحمه الله تعالى - : لا يعشر الخمر ولا الخنازير ، وذهب في ذلك ~~إلى أن الخمر ليس بمال في حق المسلم ، والعاشر مسلم فصار كأنه مر عليه بما ~~ليس بمال ، وكما إذا مر بخنزير ونزل الذمي في ذلك منزلة المسلم مر على ~~العاشر تجمد ، ولأن الخمر والخنزير يجريان مجرى واحدا في حق المسلم ، ثم ~~أجمعنا أنه لا يعشر الخنزير فكذلك لا يعشر الخمر ، والحجة لنا في ذلك ما ~~روي أن عمر - رضي الله تعالى عنه - جميع عماله بالموسم وقال لهم : ~~PageV05P2142 ماذا تأخذون من أهل الذمة مما يمرون به عليكم من الخمر ؟ ~~فقالوا : نصف العشر ، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه - : ولو هم بيعها ~~وخذوا نصف العشر من أثمانها ؛ ولأن الخمر أقرب إلى المالية من الخنزير ، ~~لأنه كان مالا لنا في الابتداء حين كان عصيرا ، ويصير مالا في الانتهاء ، ~~وإذا كان كذلك كان حرمة الخمر أخف ، فجاز أن يؤخذ العشر من الخمر ولا يؤخذ ~~من الخنزير ، ولأن العاشر إنما يأخذ قيمة الخمر ، والمسلمون يعرفون قيمة ~~الخمر ، لأن كل واحد من المسلمين يمسكها ، الصالح منهم والطالح ، فأما ~~الصالح فيمسكها للتخليل ، وأما الطالح للشرب ، فإن كان يعرف قيمتها فيؤخذ ~~عشر قيمتها لقول المسلمين ، فأما الخنزير لا يمسكه أحد من المسلمين فلا ~~يعرف المسلمون قيمتها ، وإنما يعرف الكفار ، وقول الكفار على المسلمين غير ~~مقبول ، فلا يؤخذ بقولهم ، ولأن الخمر مثلى فكان ينبغي أن يؤخذ مثله إلا أن ~~المسلم ممنوع عن تملك الخمر ، فإذا أخذ القيمة فقد أعرض عن الخمر ، فيجوز ، ~~وأما الخنزير ليس من ذوات الأمثال ، فمثله قيمته ، فإذا أخذ القيمة صار ~~كأنه أخذ العين ، والمسلم لا يحل له أن ms1212 يتملك الخنزير ولا بدله ، ولأن ~~الخمر مال فيما بين أهل الذمة ، وللإمام فيها حماية معتبرة ، لأن للمسلم ~~عليها يدا معتبرة ، فصارت في يد الإمام ، وحمايته ، فأشبهت سائر الأموال ، ~~فأما الخنزير فليس للإمام فيه حماية معتبرة ، لأن المسلم لا يثبت له يد ~~معتبرة على الخنزير PageV05P2143 ألا ترى أن الخنزير لا تورث وإذا لم يكن ~~للمسلم عليه يد معتبرة لم يثبت للإمام عليه يد معتبرة ، ولا يصير في حمايته ~~، فلا يؤخذ مه للعشر بغير حماية وإن كان أهل الحرب لا يعشرون أهل ذمتنا ~~إبذا دخلوا عليهم بالخمر والخنازير لم نعشرهم فيما أدخلوا من ذلك لأن الخمر ~~والخنزير ليس بمال لأحد من أهل دار الإسلام إلا لأهل الذمة فإذا لم يعشروا ~~أهل ذمتنا من ذلك فقد عفوا عمن في دار الإسلام من هذا النوع من المال ، ~~فنعفو عنهم أيضا عشر هذا النوع ، إذ عشرهم عشر مجازاة ، فإن كانوا لا ~~يعشرون المسلمين فيما دخلوا به من مال ، ويعشرون أهل الذمة ، عشرناهم كما ~~يعشرون أهل الذمة ، وإن كانوا يعشرون المسلمين ولا يعشرون أهل الذمة ~~عشرناهم أيضا ؛ لأنهم لم يعفوا عن مال دون مال ، فإن كل مال يمر الواحد منا ~~به على عاشرهم فإنهم يعشرون ذلك المال متى مر به أهل ديننا على عاشرهم إلا ~~أنهم عفوا عن طائفة من أهل دار السلام دون الطائفة الأخرى ، وهم طائفة ~~واحدة ولم يوجد منهم طائفة أخرى حتى لا نعشرهم مثل ما وجدوا منا فعشرناهم ~~جميعا ، حتى إذا وجدنا طائفتين ، ووجدوا منا طائفتين فعشروا إحدى الطائفتين ~~دون الأخرى عشرنا أيضا تلك الطائفة منهم دون الأخرى نحو أن عشروا رجالنا ~~ولم يعشروا نساءنا ، فكذلك نحن نعشر رجالهم ولا نعشر نساءهم . PageV05P2144 ~~وكل ما يؤخذ من الحربي من العشر فإنه يوضع موضع الخراج للمقاتلة دون موضع ~~الصدقات ، والمعنى في ذلك وهو أن الصدقة طهرة لصاحبها ، والكافر ليس من أهل ~~الطهرة ، فيوضع عشره موضع مال الصدقة قال : وإذا دخل المسلم دار الحرب ~~بأمان ومعه مال يتجر به أو ليس معه مال ، فاتجر في ms1213 دار الحرب فأصاب مالا ~~فحال عليه الحول في دار الحرب ثم أخرجه إلى دار الإسلام ، ومر على عاشر ~~المسلمين لم يأخذ العشار شيئا ؛ لأن العاشر إنما يجبي صدقة مال كان في ~~حماية الإمام ورعايته ، حتى تكون الجباية بإذاء الحماية ألا ترى أنه يعشر ~~الدراهم والدنانير التي يمر بها على العاشر لحاجتها إلى الحفظ والحماية ولا ~~يعشرها من اتجر في مصره لاستغنائه عن حفظه وليس للإمام حماية ولا رعاية في ~~دار الحرب ، فلا يعشر الأموال التي لا حماية ولا رعاية له فيها ألا ترى أنه ~~لو كان في عسكر أهل البغي فحال الحول عل ماله ، ثم خرج إلى عسكر أهل العدل ~~، فإنه لا يؤاخذ بزكاة ما مضى ، لما أنه لما لم يكن ذلك المال في حماية ~~الإمام ولا رعايته فلم يؤخذ منه فكذلك ها هنا ، ولأن الزكاة حق الله - ~~تعالى - ، ففي موضع لا يجري فيه حكم إمام المسلمين فلا يأخذ الإمام بذلك ~~كما لا يأخذ بسائر حقوق الله - تعالى - التي لزمه في دار الحرب نحو ~~PageV05P2145 حد الزنا وحد السرقة وحد قطاع الطريق وحد الشرب ، إلا أن ~~المسلم يؤمر بأن يؤدي زكاة ماله فيما بينه وبين ربه ، ولا يجبر ، وإن لم ~~يؤد فهو آثم لأنه حال الحول على مال مسلم ، فيجب فيه الزكاة ومتى وجب يؤمر ~~بالأداء ، كالصلاة والصوم وكالباغي إذا خرج إلى أهل العدل ، فإنه يفتي بأن ~~يزكي ماله فيما مضى فكذلك ها هنا ، وما عرفت من الجواب في المستأمن في دار ~~الحرب فهو جوابك في الأسير إذا اتجر فأصاب مالا في دار الحرب وحال الحول ~~على ماله ثم مر على عاشر المسلمين ، فإنه لا يعشر ، ولكنه يفتي بأن يؤدي ~~زكاة ماله فيما بينه وبين ربه ، وكذلك الجواب الذي أسلم في دار الحرب وحال ~~الحول على ماله في دار الحرب ، ثم أخرجه إلى دار الإسلام ، فإن العاشر لا ~~يعشره إلا أنه إن علم في دار الحرب أن عليه زكاة ماله ، وحال الحول على ~~ماله بعد العلم ، لزمه أن يؤدي زكاة ماله ms1214 فيما بينه وبين ربه وإن لم يعلم ~~أن عليه زكاة في ماله ، فإنه لا يلزمه أداء شيء من الزكاة حتى يحول عليه ~~الحول بعد العلم لأن الزكاة من الشرائع لا تلزم إلا بعد السماع ، ولم يبلغ ~~الخطاب سمعه فلا شيء عليه ، ولو أن رجلا من أهل الحرب أسلم وله مال كثير ~~PageV05P2146 من أموال التجارة ، ومال السائمة ، فعلم أن الزكاة تجب في ~~المال ، فمكث ستة أشهر في دار الحرب ، أو أقل أو أكثر ثم خرج بماله إلى دار ~~الإسلام فحال عليه الحول ، وهو في دار الإسلام ، ثم مر على العاشر ، فإن ~~العاشر يعشر ماله ، والمصدق يأخذ صدقة سوائمه ؛ لأن الحول انعقد على ماله ~~في دار الحرب ، فإن الزكاة تجب عليه في ماله في دار الحرب ، ألا ترى أنه ~~يؤمر بالأداء ويصير آثما إذا لم يؤد فحسب الوجوب قد وجد في دار الحرب ، ~~والوجوب وجد في دار الإسلام ، والعبرة بحال الوجوب ، وفي حال الوجوب المال ~~في حماية الإمام ورعايته في موضع يجري حكم إمام المسلمين فيه ، فيأخذ منه ~~العشر ألا ترى أن الحول إذا انعقد على النصاب ثم انتقص ، ثم تم في آخر ~~الحول فإنه تجب الزكاة ، واعتبر فيه حال تمام الحول ، التي هي حال الوجوب ~~ولم يعتبر النقصان الذي كان في أثناء الحول ، فكذلك لا يعتبر كينونة المال ~~في دار الحرب في أثناء الحول ويعتبر حال تمام الحول ، وهكذا الجواب في ~~الأسير أو المستأمن إذا خرج بماله إلى دار الإسلام ، وتم الحول عليه في دار ~~الإسلام ، فإنه يؤخذ منه زكاة ذلك الحول ، ولو أن رجلا مسلما أو ذميا مر ~~على عاشر المسلمين بماله من دراهم أو دنانير يريد أن يدخل به أرض الحرب ~~PageV05P2147 للتجارة ، فقال للعاشر : إنما أصبته منذ أشهر ، ولم يحل عليه ~~الحول صدقه على ذلك ، ولم يأخذ منه عشرا ؛ لأنه أنكر وجوب الحق في ماله ~~فكان القول قوله ، فإن دخل دار الحرب فاشترى به وباع حتى تم الحول على ملكه ~~، وهو في دار الحرب ، ثم خرج به إلى دار ms1215 الإسلام فمر به على العاشر ، فإنه ~~لا يأخذ منه العشر لما مضى ؛ لأن الحول حال والمال في دار الحرب ووقت ~~الوجوب وقت تمام الحول ، فإذا لم يكن المال وقت الوجوب في موضع يجري فيه ~~حكم المسلمين لا يأخذه الإمام ، وإن كان أقام في دار الحرب تمام الحول منذ ~~ملكه في دار الإسلام إلا يوما أو يومين ، ثم خرج إلى دار الإسلام ، فتم ~~الحول في دار الإسلام ، ثم مر به على العاشر عشره ؛ لأن المال وقت وجوب ~~الحق في حماية الإمام ، وفي موضع يجري فيه حكم إمام المسلمين فكان له حق ~~الأخذ ، ولو أن حربيا مستأمنا في دار الإسلام أو ذميا أو مسلما مر على عاشر ~~بمال فكتمه إياه ، وقد حال الحول الأول ، ثم مر به على العاشر أيضا فكتمه ~~إياه ، وقد حال الحول الثاني ، ثم مر به PageV05P2148 على العاشر بعدما حال ~~الحول الثالث فعلم به العاشر ، وعلم بما كان صنع قال : بتلك الأحوال ، فإن ~~العاشر يعشر الأموال في الأحوال الثلاثة كلها ؛ لأنه يثبت حق الأخذ للعاشر ~~في كل مرة ، لأن الزكاة وجبت في المال في دار الإسلام ، والحق متى ثبت لا ~~يبطل بالتأخير ولا بالكتمان ، فإن كان الحرب يدخل في هذه الأحوال الثلاثة ~~في كل مرة في دار الحرب ، قبل أن يعشره ، ثم يخرج فليس ينبغي للعاشر أن ~~يعشره إلا بهذه المرة الأخيرة لهذا الحول الثالث ؛ لأنه لما دخل دار الحرب ~~في كل مرة فقد بطلت عنه أحكام المسلمين وارتفع ذلك الأمان ، وصار كحربي آخر ~~حين خرج في المرة الثانية والثالثة ألا ترى أن العاشر لو عشره ثم دخل دار ~~الحرب ثم خرج من يومه ذلك ومر على العاشر فإنه يعشره ثانيا ، فكما أبطل ~~دخوله دار الحرب العشر الذي كان له عند المسلمين ، وصار في الحكم كحربي آخر ~~خرج ، فكذلك يبطل دخوله دار الحرب ، ما كان للمسلمين عنده ، ويصير كحربي ~~آخر خرج في كل مرة ، ولو أن الحربي والمستأمن والمسلم والذمي مكثوا يتجرون ~~في دار الإسلام ثلاثة أحوال لا يمرون ms1216 علي عاشر المسلمين ، ثم مروا على عاشر ~~المسلمين بعد الحول الثالث ، فأخبروه أنهم لم يعشروا منذ ثلاثة أحوال ، ~~وأخبر المسلم أنه لم يؤد زكاة ماله PageV05P2149 منذ ثلاثة أحوال ، فإن ~~العاشر يأخذ منه زكاة هذا الحول الثالث ولا يأخذ منه زكاة الحولين الماضيين ~~وذلك لأن العاشر إنما يعشر المال الذي في دار الإسلام إذا كان في حمايته في ~~الحول الثالث لا في الحولين الماضيين فلهذا لا يأخذ لما مضى من الحولين ~~بخلاف ما إذا حال الحول والمال في دار الحرب ، ووقت الأخذ باق ما لم يجب ~~الحق في المال ثانيا ، فقد مضى وقت أخذ الواجب الأول وجاء وقت أخذ الواجب ~~الثاني ، فمتى مر عليه بعدما حال الحول الأول قبل أن يتم الحول الثاني ، ~~فوقت الأخذ باق فعشره ، ومتى تم الحول والمال في دار الحرب ، فإن العاشر لا ~~يعشر هذا المال ، وإن مر به صاحبه عليه قبل أن يتم الحول الثاني ؛ لأن ~~الحول حال هناك والمال في موضع ليس يجري فيه حكم إمام المسلمين فلم يثبت له ~~حق الأخذ أبدا ، وأما المال الذي في دار الإسلام فإنه في موضع يجري فيه حكم ~~الإمام ، فله حق أن يعشره متى مر به صاحبه ، قبل أن يمضي وقت الوجوب للحول ~~الثاني ، فأما السائمة من الصدقات فليس على الحربي ولا على الذمي فيها صدقة ~~؛ PageV05P2150 لأن الصدقة عبادة فلا تجب على الكافر ، فأما سائمة المسلم ~~إذا لم يأخذ صدقتها سنين ثم اطلع على ذلك أخذت منه زكاتها للسنين الماضية ؛ ~~لأن أخذها إلى السلطان لما كان فيها من الحماية ، فيأخذ زكاة ما مضى ، وهذا ~~بخلاف العاشر فإنه لا يأخذ العشر ، إلا للحول الآخر ؛ لأن العاشر إنما يأخذ ~~من المال الذي يمر به عليه صاحبه والمرور عليه بالمال لم يؤخذ إلا في السنة ~~الرابعة فلا يأخذ إلا للسنة الثالثة وأما المصدق ليس يأخذ الصدقات لحق ~~المرور عليه بل في سائمة كل إنسان فيأخذ منها الصدقة ، فإنما يأخذ الصدقة ~~باعتبار حولان الحول على السائمة وقد حال على السائمة ثلاثة أحوال ms1217 فيأخذ ~~صدقة كل حول ، فإن قال المسلم صاحب السائمة : قد أديت صدقتها إلى المساكين ~~لهذه السنين لم يلتفت إلى قوله ، ويؤخذ منه الصدقة لثلاث سنين ، وهذا عندنا ~~وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - : لا يأخذ واحتج وقال : إن الصدقة حق ~~الفقراء فلما دفعها إلى الفقراء فقد أوصل الحق إلى مستحقه ، فيبدأ كما لو ~~دفع زكاة التجارة إلى الفقراء ، PageV05P2151 إلا أنا نقول إن حق الأخذ إلى ~~المصدق فلا يبرأ بالدفع إلى الفقراء كالغريم إذا دفع الدين لا يبرأ لما أن ~~حق الأخذ للوصي كذا هنا ، فإن كان الإمام لم يبعث إليهم مصدقا في تلك ~~السنين ، بأن شغل عن ذلك لحرب أو غيرها فأدوها لما مضى وقالوا : قد أديناها ~~حيث لم يبعث إلينا مصدقا فالقول قولهم ولا صدقة عليهم في ذلك ؛ لأن الإمام ~~إذا لم يبعث إليهم مصدقا في تلك السنين ، فلم يوجد الطلب من الإمام ، فلم ~~يجب عليهم الدفع إلى الإمام فإذا أدى بنفسه يبرأ كزكاة المال إذا أداها ~~المالك قال : والحربي والمستأمن والذمي والمسلم إذا مروا بعاشر من عاشر ~~المسلمين فقالوا : قد عشرنا غيرك في هذه السنة وجاءوا بالبراءة ، وحلفوا له ~~على ذلك إن تهمهم فليس ينبغي أن يأخذ منهم شيئا ؛ لأن الزكاة حق الله - ~~تعالى - أمانة عند المالك ، والأمين متى أخبر بأداء الأمانة صدق ، ثم هذا ~~في المسلم والذمي ظاهر لأنهما لو قالا : علينا دين يصدقان ، PageV05P2152 ~~وأما الحربي لو قال : علي دين لا يصدق ، وإذا قال : عشرني عاشر غيرك صدق ؛ ~~لأنه تأيد قوله ها هنا بالبراءة ، فجاز أن يصدق فأما في مسألة الدين لم ~~ينضم إلى قولهم ما يصدقه فجاز ألا يصدق ، والدليل على ذلك حديث عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - حيث أتاه ذلك الشيخ النصراني ، وقال : إن عمالك عشروني في ~~السنة مرتين ، قال : - رضي الله تعالى عنه - إلى عماله لا تعشروا في السنة ~~إلا مرة ، أليس عمر - رضي الله تعالى عنه - قد صدقه في ذلك حيث كتب إلى ~~عماله ألا تعشروا إلا مرة ، وإذا كان للرجل المسلم أو الذمي ms1218 مال للتجارة ~~فحال عليه حول في دار الإسلام ، ثم أدخله دار الحرب بأمان فاتجر فيه حولا ~~آخر ثم أخرجه من دار الحرب ، فمر به على عاشر المسلمين لم يعشره للسنة ~~الأولى ولا للسنة الثانية ، أما السنة الأولى فلأنه لم يمر بماله في وقت ~~الأخذ ، فلا يأخذ وأما السنة الثانية فلأن الحول قد حال على المال والمال ~~في دار الحرب ، وقد ذكرنا أن العاشر لا يعشر المال الذي قد حال عليه الحول ~~في دار الحرب ، فإن مر به بعد الحول الأول على العاشر في دار الإسلام فكتمه ~~المال ، ثم أدخله دار الحرب فمكث حولا في دار الحرب PageV05P2153 ثم أخرجه ~~، فمر به على عاشره وأخبره خبره فإنه يعشر للحول الأول ولا يعشر للحول ~~الثاني ، أما ما يعشره للسنة الأولى ، فلأنه قد مر بعد وجوب الحق بالتأخير ~~ووجوب الحق لا يفوت بالتأخير وأما الحول الثاني حال والمال في دار الحرب ~~فلا يعشره وكذلك سائمة الرجل المسلم إذا أدخلها دار الحرب بعدما حال عليها ~~الحول ، أما للحول الأول فلأنه قد مر بعد وجوب الحق في المال ووقت الأخذ ~~باق فثبت له حق الأخذ فلا يسقط ذلك الحق بالتأخير ولم يؤد زكاتها لحال ~~عليها الحول الآخر في دار الحرب ، ثم أخرجها إلى دار الإسلام ، فإن المصدق ~~يصدقها للسنة الأولى ؛ لأن حق الأخذ يثبت للمصدق باعتبار حولان الحل في دار ~~الإسلام لا بحق المرور عليه فقد حال الحول الأول على المال في دار الإسلام ~~فثبت له حق أخذ صدقة تلك السنة ، ولا يأخذ للسن الثانية شيئا ؛ لأنه حال ~~والمال في دار الحرب فلا يجب له حق الأخذ ، PageV05P2154 ولو أن حربيا ~~مستأمنا في دار الإسلام حال الحول على ماله أو حولان في دار الإسلام فمر ~~بعاشر المسلمين ومعه مال فكتمه ذلك ثم إن العاشر ظفر به وأخرجه فإنه يعشره ~~لما مضى ، فإن لم يضفر به العاشر حتى دخل دار الحرب ، ثم خرج فأخبره ومعه ~~ماله ذلك بطل كل عشر كان وجب عليه لما مضى من السنين ، وعشره ms1219 لخروجه من دار ~~الحرب هذه المرة ، وأبطل عنه ما مضى ؛ لأنه حين دخل دار الحرب بطلت عنه ~~أحكام المسلمين ، وحق الأخذ للإمام بالحكم ، فإذا لم يكن للمسلمين عليه حكم ~~لم يكن للإمام حق الأخذ ، ولو كان وجب ذلك عليه ، فلم يدخل دار الحرب التي ~~هو من أهلها ، ولكنه دخل دار حرب أخرى من دار الإسلام بأمان ليتجر فيها ، ~~فإن كان استأمن المسلمين حين دخل أرض الإسلام ولم يذكر لهم دخول تلك الأراض ~~فإنه يبطل ما كان وجب عليه من العشور ؛ لأنه دخل دارا لا يجري فيها حكم ~~المسلمين فصار كما لو دخل دار نفسه ثم خرج ، ولو كان كذلك بطل عنه ما وجب ~~من العشور فكذلك ها هنا ، PageV05P2155 ولو كان استأمن لينفذ إلى تلك الدار ~~ويرجع إليهم فآمنوه على ذلك ، فهذا أيضا والأول سواء ويبطل عنه كل عشر وجب ~~عليه وهكذا لو استأمن على أن ينفذ إلى تلك الدار ويكون آمنا فيها من ~~المسلمين ، ثم يخرج إلى دار الإسلام آمنا حتى يرجع إلى داره فآمنوه على ذلك ~~، فدخل إليهم بعد ما وجب عليه العشور ، ثم خرج لأنه لا يعشر لما مضى ويعشره ~~المسلمون إذا خرج من تلك الدار إلى دار الإسلام ؛ لأن حكم المسلمين غير جار ~~في دار الحرب التي خرج المستأمن إليها ، وإن كان هو آمنا من المسلمين ، ~~فخروجه إلى موضع لا يجري فيه أحكام المسلمين يبطل اعتبار ما وجب عليه ويبطل ~~أيضا اعتبار ما أخذ منه ، حتى ولو عشره المسلمون حين خرج من داره إلى دار ~~الإسلام ، فمكث أياما ، ثم دخل تلك الدار الأخرى ثم خرج منها وبين ذلك أيام ~~عشره العاشر مرة أخرى ؛ لأنه حين دخل تلك الدار خرج من أحكام المسلمين ، ~~فإذا رجع أخذ منه العشر ، وصار سبيله سبيل دار الموادعة ، إذا خرج واحد ~~منهم إلى دار الإسلام بتلك الموادعة فيعشره العاشر ثم خرج في تلك السنة إلى ~~دار الإسلام بتلك الموادعة فإن العاشر يعشر ماله ثانيا ، PageV05P2156 لما ~~أنه لما عاد إلى داره فقد خرج عن ms1220 حكم المسلمين ، وإن كان هو آمنا في تلك ~~الدار ، فأبطل اعتبار ما أخذ منه ، فكذلك ها هنا ، ولو أن أهل الحرب وادعوا ~~المسلمين على أن يؤدوا إلى المسلمين كل سنة خراجا معلوما على ألا يجري ~~المسلمون أحكامهم ولا يكونوا ذمة لهم ، ثم إن رجلا منهم خرج إلى دار ~~الإسلام بأموال كثيرة على تلك الموادعة فهو آمن ، ويؤخذ منه عشر ما أمر به ~~كاملا ؛ لأنه حربي على حاله إلا أنه آمن ، ولم يصر ذميا ، لأن حكم المسلمين ~~غير جار عليهم ، فصار كما لو خرج من غير دار الموادعة بأمان فيؤخذ منه ~~العشر ، ولو وجب عليه عشور في دار الإسلام ثم دخل دار الموادعة ثم خرج فإنه ~~لا يعشره العاشر لما مضى ، لما بينا أن هذه الدار والدار التي لا موادعة ~~بينها وبين المسلمين سواء ، ودخول المسلم والذمي دار الموادعة بمنزلة ~~دخولهما دار الحرب ليس بين أهلها وبين المسلمين موادعة سواء ، لأنه لم تصر ~~دار الإسلام بتلك الموادعة لعدم جريان حكم الإسلام والله الموفق . ~~PageV05P2157 # | باب من الخمس في المعدن والركاز يصاب في دار الحرب ودار الموادعة وما ~~يلحق الذمي من ذلك والعبد والمستأمن # قال محمد - رحمه الله - : إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان وأصاب ركازا من ~~ذهب أو فضة أو جوهر فإن كان أصابه في دار إنسان منه يرده إليه ولا يغدر به ~~؛ لأن هذا مال صاحب الدار فلو لم يرده كان خيانة منه وغدرا ، وهو قد ضمن ~~ألا يخونهم ولا يغدر بهم في أنفسهم وأموالهم ، وإن كان أصابه في صحراء ، أو ~~في موضع ليس بملك لأحد من أهل دار الحرب فهو له ، بمنزلة الصيد الذي يصطاده ~~المستأمن في دار الحرب وذلك الصيد يكون له فكذلك هذا الركاز يكون له ، ولا ~~خمس فيه إذا أخرجه إلى دار الإسلام ؛ لأن لم يصبه على وجه إعزاز الدين ~~وأعلاء كلمة الله - عز وجل - ولا بإيجاف PageV05P2158 الخيل والركاب ، فصار ~~بمنزلة المتلصص ، والمال الذي أخرجه المتلصص لا خمس فيه ، فكذلك هاهنا ، ~~ولا عشر فيه إن مر به ms1221 على عاشر المسلمين ؛ لأن هذا مال أصابه في دار الحرب ~~ولم يوجد من الإمام رعاية ولا حماية في أرض الحرب فلا يعشره ، ألا ترى أن ~~المستأمن لو أدخل دار الحرب مالا له ثم أخرجه إلى دار الإسلام ، بعدما حال ~~الحول عليه في دار الحرب فإنه لا يعشر ذلك المال ، فالمال الذي أصابه في ~~دار الحرب وأخرجه إلى دار الإسلام أولى ألا يعشره ، وهكذا الجواب إذا أصاب ~~المستأمن معدن ذهب أو فضة أو حديد في أرض الحرب ، أو أصاب عنبرا أو لؤلؤا ~~في البحر فهو له ؛ لأن هذا ليس بملك لأحد فصار كالركاز الذي وجده في ~~الصحراء ولا خمس فيه ولا عشر إذا أخرجه إلى دار الإسلام ، فإن وجد المعدن ~~في ملك إنسان منهم فليرده على صاحبه ، والرجل الذي يسلم من أهل الحرب ، ~~والأسير من المسلمين في ذلك سواء ، إلا في خصلة واحدة ما أصاب الأسير ~~والرجل المسلم من أهل الحرب في دار رجل منهم فهو له أيضا ولا خمس فيه ولا ~~عشر ؛ PageV05P2159 لأنه لا أمان لهم ، ولو قدر على قتلهم وأخذ أموالهم فعل ~~ذلك ، فإذا أصاب ركازا أولى أن يكون له ، وكذلك ما أصابا من لقطة فهي لهما ~~ولا خمس ولا عشر فيها إذا خرجا على العاشر في دار الإسلام ؛ لأن الظاهر أن ~~هذا مال أهل الحرب ، ولو وجدا مالا في دار واحد منهم كان لهما ولا خمس فيه ~~ولا عشر ، فاللقطة أولى أن تكون لهما ، فأما المستأمن فما وجد من لقطة في ~~دار الحرب فيبغي له أن يعرفها ما يعرف اللقطة في دار الإسلام ؛ لأنه لا يحل ~~له أخذ أموالهم كما لا يحل له أخذ مال المسلمين ، فإن عرفها حولا فإن جاء ~~صاحبها وإلا يتصدق بها ، كما في دار الإسلام ، إذا عرفها حولا ولم يجيء ~~صاحبها يتصدق بها ، وأحب إلي أن يتصدق بها على فقراء المسلمين الذين في دار ~~الحرب ، فإن لم يجد فعلى فقراء أهل الذمة ؛ لأنه لو صرفها في دار الإسلام ~~إلى فقراء أهل الذمة يجوز ، فكذا ms1222 في دار الحرب ، فإن لم يجدهم ففقراء أهل ~~الحرب ؛ لأن هذا مال وجد من أهل الحرب فيجوز الصرف إلى فقراء أهل الحرب ، ~~PageV05P2160 بخلاف اللقطة في دار الإسلام فإنها لا تصرف إلى فقراء أهل ~~الحرب ؛ لأن تلك اللقطة مال المسلم ، فلا تصرف إلى الفقراء والذين ليسوا من ~~أهل دار الإسلام ، وإن كان فقيرا فأكلها فلا بأس بذلك ؛ لأن المسلم الملتقط ~~في دار الإسلام إذا كان محتاجا فلا بأس بأكلها فهاهنا أولى ، فإن كان غنيا ~~عندنا لا يحل له أن يتناول ، وعند الشافعي - رحمة الله عليه - يحل له ، فإن ~~أكلها أو تصدق بها ثم جاء صاحبها فإن عرفها فإني أحب له أن يغرمها له ولا ~~يجبر على ذلك في حكم الإسلام إن اختصما إلى إمام المسلمين ، بعدما أسلم ~~صاحبها ؛ لأن استهلكها في أرض الحرب ، ولو غصبها فأخفر الذمة فإنه لا يضمن ~~في الحكم ، ولكن المستحب له أن يضمن له ، فكذلك إذا استهلك اللقطة لا يضمن ~~في الحكم ، ولكن المستحب له أن يغرمها له ، وإذا دخل الحربي في دار الإسلام ~~بأمان فأصاب PageV05P2161 ركازا أو معدنا ، فاستخرج منه ذهبا أو ورقا أو ~~حديدا فإن إمام المسلمين يأخذه منه كله ، ولا يكون له منه شيء ؛ لأن هذا ~~غنيمة ، فإن المسلمين أوجفوا عليها الخيل . ألا ترى أن المسلم لو كان هو ~~الذي أصاب بخمس والباقي له ولو لم يكن غنيمة لكان لا خمس فيه ، والحربي لا ~~حق له في غنائم المسلمين . ألا ترى أن الحربي المستأمن لو خرج بغير إذن ~~الإمام مع عسكر المسلمين وقاتل المشركين فأصابوا غنائم ، فإنه لا يعطى له ~~شيء من الغنيمة فكذلك لا حق له في هذه الغنيمة ، فإن كان الحربي المستأمن ~~استأذن إمام المسلمين في طلب ذلك والعمل فيه حتى يستخرجه فأذن له في ذلك ~~فعمل فأصاب شيئا خمس ما أصاب وكان ما بقي للحربي المستأمن ؛ لأن الحربي ~~المستأمن لو قاتل المشركين بإذن الإمام صار له في الغنيمة نصيب حتى أنه ~~يرضخ له كما يرضخ للذمي ، فكذلك إذا عالج المعادن بإذن ms1223 الإمام يصير له فيها ~~نصيب ، فيؤخذ منه الخمس والباقي له ، ولو أن الحربي المستأمن أصاب من بحر ~~المسلمين لؤلؤا كثيرا أو عنبرا أو أصاب معدن جوهر ، أو فيروزجا فأصاب منه ~~شيئا كثيرا ، وذلك بغير إذن الإمام فهو له ولا خمس فيه ، PageV05P2162 أما ~~اللؤلؤ والعنبر ، فلأنه يستخرج من البحر وما في البحر لا يكون غنيمة إنما ~~الغنيمة ما يكون في البر ألا ترى أن المسلم لو أصاب ذلك لا خمس فيه ، فإذا ~~لم يكن غنيمة كان بمنزلة السمك والصيد وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله ~~تعالى عنهما - ، لأنه لا خمس في اللؤلؤ والعنبر ، وأما عند أبي يوسف - رحمة ~~الله عليه - لو أصابه المسلم بخمس فكان في حكم الغنيمة فيؤخذ كله من الحربي ~~، وأما الفيروزج فجزء من الأرض ألا ترى أنه لا ينطبع بالنار فكان بمنزلة ~~الحجر ولا خمس في الحجر وإذا لم يكن فيه خمس لا يكون غنيمة ، فيكون كله ~~للحربي المستأمن كالصيد الذي يصيبه في دار الإسلام ، وما أصاب الذمي من ~~ركاز في دار الحرب ، أو معدن وهو فيها بأمان ، أو أسير فهو فيه بمنزلة ~~المسلم ؛ لأنه من أهل دارنا فكان حكمه في ذلك وحكم المسلم سواء ، وما أصاب ~~الذمي من ركاز في دار الإسلام ، أو معدن ذهب أو فضة أو رصاص أو زئبق ، فهو ~~والمسلم فيه سواء ، بخمس ما أصاب وما بقي فهو له سواء ، كان بإذن الإمام أو ~~بغير إذن الإمام ؛ لأنه من أهل دارنا ويجري عليه حكمنا فكان بمنزلة المسلم ~~، PageV05P2163 روى محمد - رحمة الله عليه - حديثا في العنبر عن عمرو بن ~~دينار عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه سئل عن العنبر هل ~~فيه خمس ؟ فقال : إنما هو شيء دسره البحر وما وجد العبد من ركاز أو معدن في ~~دار الإسلام خمس وكان ما بقي لمولى العبد ؛ لأنه غنيمة ، والعبد من أهل ~~استحقاق الغنيمة ، ألا ترى أنه لو أعان المسلمين في قتال المشركين في قتال ~~المشركين يرضخ له من الغنيمة فلما كان هو ms1224 أهلا لاستحقاق تلك الغنيمة فكذلك ~~استحق هذه الغنيمة فيخمس والباقي يكون لمولى العبد لأن مال العبد يكون ~~لمولاه ، وكذلك المكاتب إذا أصاب ذلك فإنه يخمس ، والباقي يكون له دون ~~مولاه ؛ لأن هذه من كسبه ، والمكاتب أحق بكسبه من مولاه ، وكذلك الصبي إذا ~~أصاب ذلك في دار الإسلام يخمس والباقي يكون له ؛ لأنه يرضخ له من الغنيمة ~~إذا قاتل ، فكذلك ما استخرج من المعدن يكون له بعد الخمس ، PageV05P2164 ~~وإذا كانت دار من دور أهل الحرب قد وادع المسلمون أهلها على أن يؤدوا إلى ~~المسلمين شيئا معلوما في كل سنة ، على ألا يجري عليهم المسلمون أحكامهم ~~فهذه دار الحرب ؛ لأن الدار إنما تصير دار الإسلام بإجراء حكم المسلمين ~~فيها ، وحكم المسلمين غير جار ، فكانت هذه دار حرب ، فمن دخل من المسلمين ~~هذه الدار بتلك الموادعة فأصاب ركازا ، فإن وجده في الصحراء كان له ذلك ، ~~وإن وجده في دار واحد منهم رده عليه وإن طلبوا أن يكونوا ذمة لهم يجري ~~عليهم حكمهم ويأخذون منهم في السنة خراجا معلوما ، ولم يكن المسلمون ظهروا ~~عليهم قبل ذلك فهذه دار الإسلام ؛ لأن أحكام المسلمين جرت فيها ، فما أصيب ~~فيها من ركاز أو معدن ذهب أو فضة فإنه يخمس ، والباقي للذي أصابه كما إذا ~~أصيب ذلك في دار الإسلام ، فإن وجده في ملك إنسان منهم فإنه يخمس والباقي ~~لصاحب ذلك الموضع ، عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله تعالى عنهما - وعلى قول ~~أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الباقي للواجد ، كما لو وجده في دار الإسلام ~~، في ملك واحد من المسلمين فأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول : إن هذا ~~مال مباح فيكون لمن PageV05P2165 سبقت يده إليه ، وأبو حنيفة ومحمد - رضي ~~الله تعالى عنهما - يقولان : صاحب الخطة ملك ذلك الموضع بالإحراز فيملك ~~ظاهر الأرض وباطنها ، والدليل عليه حديث علي - رضي الله تعالى عنه - فإنه ~~قال : إذا أصيب في قرية يؤدي عنها قوم الخراج فهو لهم ، وإن كان أصيب في ~~قرية لا يؤدي عنها أحد الخراج فهو لمن أصابه ، وفيه الخمس ms1225 ، وقال محمد - ~~رحمة الله عليه - في قبرس ، وهي جزيرة من جزائر البحر ، أهلها نصارى يؤدون ~~إلى العرب شيئا وإلى الروم شيئا كل سنة ، وهم صلح للمسلمين ، وصلح للروم ، ~~إلا أن أحكام المسلمين لا تجري عليهم ، لو أصاب رجل من المسلمين فيها ركازا ~~أو معدنا ، فإن كان أصابه في ملك إنسان يرده عليه وإن أصابه في صحراء فهو ~~له ولا خمس فيه ؛ لأن هذه دار حرب ، لأن حكم المسلمين فيها غير ظاهر ، وقد ~~ذكرنا أن الجواب على هذا إذا أصيب ذلك في دار الحرب فكذلك ، هاهنا والله ~~أعلم . ولو أن عسكرا من المسلمين لهم منعة وعزة دخلوا أرض الحرب ، فأقاموا ~~فيها حينا حتى زرع منهم ناس زروعا ، فأدركت زروعهم ، فحصدوها وأخرجوها إلى ~~دار الإسلام ، فإن كان البذر الذي بذروه من بذر لهم أدخلوه من أرض الإسلام ~~فذلك الزرع كله لهم ؛ PageV05P2166 لأن هذه نماء ملكهم ونماء الملك لمالكه ~~حتى يستحق بحق ، ولا خمس فيه ؛ لأنه ليس بغنيمة ، ولا عشر فيه ولا خراج ؛ ~~لأن العشر والخراج إنما يجب في أراضي المسلمين ، وهذه أراضي أهل الحرب ~~وأراضي أهل الحرب ليست بعشرية ولا خراجية ، وإن كان البذر الذي بذر في ~~الأرض من حنطة أصلها من أرض العدو ، فأقام على ذلك حصده ودراسه ، وأخرجه ~~إلى دار الإسلام ، فإنه يؤخذ منه مقدار البذر الذي كان من طعامه هذا ، ~~فيجعل في الغنيمة ، والباقي يكون له ولا يكون الكل غنيمة وإن خرج من بذر ~~الغنيمة ؛ لأن هذا الرجل لا يكون أشقى حالا من الغاصب ، ومن غصب بذر إنسان ~~فبذره في أرض نفسه فخرج زرع كثير فإنه يضمن مقدار البذر للمغصوب منه ~~والباقي يكون للغاصب ، فهاهنا أولى ، فإن قيل : لم يؤخذ منه مقدار البذر ~~وهذا الرجل قد استهلك طعام الغنيمة ومن استهلك طعام الغنيمة في دار الحرب ~~لا شيء عليه قلنا : بذر الطعام في الأرض هذا ليس باستهلاك حقيقة ، لأنه بذر ~~يتطلب منه النماء PageV05P2167 ألا ترى أن الأب والوصي يملكان بذر طعام ~~الصبي في الأرض ، ولو كان استهلاكا لكان لا ms1226 يملكان ذلك وهو قياس الخلنج إذا ~~أصابه واحد من الغانمين فجعله قصاعا في دار الحرب وأخرجه إلى دار الإسلام ، ~~فإنه يقوم الخلنج معمولا وغير معمول ، فما كان من قيمته غير معمول يطرح في ~~الغنيمة والباقي يكون له ، وكذلك إذا أصاب جلد سمور ، فدبغه يقوم مدبوغا ~~وغير مدبوغ فما كان من قيمته غير مدبوغ يطرح في الغنيمة ، والباقي يكون له ~~، فكذلك هاهنا قال : وإن أصاب الذمي أو العبد أو المكاتب أو الصبي أو ~~المرأة معدنا في دار الإسلام ، أو ركازا خمس ما أصاب ، وكانت البقية لمن ~~أصابه ، وإن كان ذلك بغير إذن الإمام ؛ لأن هؤلاء يثبت لهم في الغنيمة حق ~~وإن أصابوها بغير إذن الإمام ، فإنهم لو غزوا مع عسكر من المسلمين بغير إذن ~~الإمام رضخ لهم من الغنيمة ، فكذلك ثبت لهم حق فيما أصابوا في دار الإسلام ~~فإن قيل : هؤلاء يرضخ لهم الغنيمة ولا يضرب لهم بسهم مقدر فهلا يرضخ لهم في ~~الغنيمة فيما أصابوا في دار الإسلام من الركاز والمعدن دون ما يعطى البالغ ~~؟ قيل له : لما وجب لهم في الغنيمة الرضخ فقد وجب لهم في الغنيمة حق ~~PageV05P2168 ونصيب والحقوق في الغنيمة متفاوتة ، فكل شيء قدره الإمام صار ~~كالذي ظهر تقديره بالشريعة وتفاوت المقادير من حيث الشريعة في الغنيمة لا ~~يمنع استحقاق جميع من أصاب من الركاز والمعدن ، ألا ترى أنه يستوي فيه ~~الراجل والفارس في إصابة المعدن ، وإن كانت حقوقها متفاوتة في الغنيمة ~~فكذلك الحر والعبد يستويان في إصابة الركاز والمعدن ، ولأن الذي يجد المعدن ~~يتفرد باستخراجه ، فهو كقوم ممتنعين من بعض هؤلاء الأصناف لو غزوا فأصابوا ~~غنائم وأخرجوها إلى دار الإسلام فهذه الغنيمة تقسم بينهم على سهام الخيل ~~والرجالة بعد الخمس ، كما يفعل ذلك للمقاتلة من المسلمين فالذي يستخرج ~~المعدن والركاز مثله ، قال : ولو أن الحربي المستأمن استأذن الإمام في طلب ~~الكنوز والمعادن فأذن له الإمام ، على أن للمسلمين مما يصيب النصف وله ~~النصف ، فعمل على هذا فأصاب ركازا أو معدنا فإن الإمام يأخذ نصف ما أصاب ms1227 ~~والحربي نصفه ، وذلك لأن الحربي المستأمن إنما يستحق من الركاز الذي أصابه ~~في دار الإسلام ما استحقه بشرط إذن الإمام ، فإنه لو أصابه بعد إذن الإمام ~~بعد إذن الإمام أخذ منه وإذا كان استحقاه بالشرط فإنما يستحق ما شرط له ~~الإمام ، والإمام شرط له النصف فلا يستحق أكثر من النصف ، ثم الإمام يأخذ ~~خمس جميع ما أصاب الحربي من هذا PageV05P2169 النصف الذي أخذه من الحربي ، ~~فيجعله للفقراء ويجعل النصف للمقاتلة ، وذلك لأن إذن الإمام يصير ما أصابه ~~الحربي غنيمة يجب فيها الخمس فقد أوجب له إذنه حقا في جميع المصاب بعد ~~الخمس ، وليس للإمام أن يصرف ذلك عنهم إلى غيرهم أبدا ، فيجعل خمس النصفين ~~للفقراء ويجعل الباقي للمقاتلة وقال : ولو أن مسلما أو عبدا أو مكاتبا أو ~~ذميا أو صبيا طلب الكنوز ، والمعادن بإذن الإمام فأذن له في ذلك على أن له ~~النصف وللمسلمين النصف ، فأصاب كنزا أو أموالا من المعادن فإن الإمام يأخذ ~~منه الخمس وما بقي فهو لمن أصابه ، وذلك لأن المسلم ما يستحق من الركاز ~~والمعدن والكنور وغير ذلك فإنما يستحقه بالإصابة لا بالشرط من الإمام لأنه ~~شرط لا يقتضيه الشرع ، فإن القياس أن يكون كله للواجد لأن هذا مال مباح ~~فيكون لمن أصابه ، إلا أنا أوجبنا الخمس بالشرع وما زاد على ذلك لا شرع فيه ~~فهو باق على أصل القياس ، بخلاف الحرب المستأمن إذا أصابه على هذا الشرط ؛ ~~PageV05P2170 لأن استحقاقه بشرط الإمام على ما قلنا ، فلا يستحق أكثر من ~~المشروط ، واستدل في الكتاب بفصل وقال : ألا ترى لو أن الإمام أرسل جندا من ~~المسلمين إلى دار الحرب وشرط لهم النصف مما أصابوا والنصف الآخر لجماعة ~~المسلمين فأصابوا غنائم خمس ما أصابوا والباقي كله لهم وكان شرط الإمام ~~باطلا لأن استحقاقهم لا بشرط الإمام ، وشرط الإمام شرط لا يقتضيه الشرع لما ~~أنه يجعل الغنيمة لمن لم يوجد منهم قتال فنفى شرطه ، وبمثله لو أن قوما من ~~أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان على أن يجتازوا من دار ms1228 الإسلام إلى دار ~~حرب أخرى لم يكونوا يظفرون بقتالهم إلا بالممر من دار الإسلام ، لو كانوا ~~يظفرون به ، فأحبوا أن يكون ذلك من دار الإسلام ليكون أرعب للعدو فأذن لهم ~~الإمام على أن للمسلمين النصف مما أصابوا ، ولهم النصف ، فأصابوا غنائم فإن ~~الإمام يأخذ النصف وما بقي فهو لهم ، لما أنهم متى خرجوا إلى دار الإسلام ~~سرية فإنما يستحقون ما يستحقون بالشرط ، فكان شرط الإمام معتبرا ، فلا ~~يستحقون أكثر مما اشترط لهم فكذلك ها هنا ، PageV05P2171 ولو أن حربيا ~~مستأمنا من الروم في دار الإسلام وجد حربيا تركيا في دار الإسلام دخل بغير ~~أمان لم يكن له شيء منه في قولهم جميعا ، أما على قول أبي حنيفة - رضي الله ~~تعالى عنه - فلأنه لما دخل دارنا صار فيئا لجماعة المسلمين حتى لو أخذه منه ~~مسلم لا يسلم له ولكنه يؤخذ منه فيوضع في بيت مال المسلمين ، فالحربي إذا ~~أخذه أولى ألا يسلم له ، وأما عند محمد - رحمة الله عليه - فلأنه لو أخذه ~~مسلم كان غنيمة في الراوية التي توجب فيه الخمس ، ولما كان غنيمة عند أخذ ~~المسلم فكذلك يكون غنيمة عند أخذ الحربي ، ولا حق للحربي في الغنيمة فيؤخذ ~~منه كله ، وصار هذا والركاز الذي وجده في دار الإسلام سواء ، ولو كان ~~الإمام أذن له في طلب ذلك فوجد قوما من أهل الحرب من أهل داره ، أو من ~~غيرها دخلوا بغير أمان فعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فكذلك لا ~~يكون له منه شيء ؛ لأنه بالدخول في دار الإسلام صار حقا لجماعة المسلمين ، ~~فيوضع في بيت المال إذا أخذه من الحربي وأما عند محمد - رحمة الله عليه - ~~يخمس ما أصاب منهم والباقي يكون له لأنه غنيمة الحربي يثبت له الحق في ~~الغنيمة PageV05P2172 إذا كان الأخذ بإذن الإمام ، وهذا كالركاز المعدن إذا ~~أصابه بإذن الإمام يخمس والباقي له فكذلك ها هنا ، ولو أن مسلما حرا أو ~~عبدا أو مكاتبا أو امرأة أذن له الإمام في طلب الكنوز والمعادن من الذهب ~~والفضة وغير ms1229 ذلك على أن ما أصاب من ذلك فهو له لا خمس فيه فأصاب مالا كثيرا ~~من المعادن فليس ينبغي للإمام أن يسلم ذلك له إن كان موسرا ؛ لأن ما يصاب ~~من الركاز والمعدن هو غنيمة ، والخمس حق الفقراء في الغنيمة ، ولا يجوز له ~~أن يبطل حق الفقراء ، فإن كان الذي أصابه محتاجا عليه دين كثير لا يصير ~~غنيا بالأربعة الأخماس ، فرأى الإمام أن يسلم ذلك الخمس له جاز ؛ لأن الخمس ~~حق الفقراء ، وهذا الذي أصابه فقير ، فقد صرف الحق إلى مستحقه فيجوز ، ~~والدليل عليه ما روي عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال لذلك الرجل الذي ~~أصاب الركاز إن وجدتها في أرض خربة فالخمس لنا وأربعة أخماسه لك ، ثم قال : ~~وسنتمها لك ، وإنما قال ذلك لأنه رآه أهلا للصدقة ، فإن قال مثل هذا لحربي ~~مستأمن أو لذمي ، وأذن له في مثل ما أذن للمسلمين فأصاب كنزا أو معدنا ، ~~خمس PageV05P2173 ما أصاب ، وكان ما بقي للحربي أو الذمي ، ولا ينبغي ~~للإمام أن يعطي الخمس للكافر غنيا كان أو فقيرا معدما ؛ لأن الخمس حق أوجبه ~~الله - تعالى - بنص القرآن للفقراء ، فلا يجوز صرفه إلى الكفار كالزكاة ، ~~ولو أن الإمام أرسل جندا من أهل الذمة أو من أهل الحرب المستأمنين أو ~~الموادعين يقاتلون له مع أهل حرب آخرين ، وأمر عليهم أميرا من أمراء ~~المسلمين ، وأمره أن يحكم فيهم بحكم المسلمين ، فدخلوا دار الحرب فأصابوا ~~غنائم ، فإنه بخمس ما أصابوا ، وما بقي فهو لهم على سهام الغنيمة ، للفارس ~~منهم ما للفارس وللراجل منهم ما للراجل ؛ لأن حكم المسلمين هو الظاهر فيهم ~~، والمأخوذ منه يكون على وجه إعزاز الدين ، وعلى حكم الإسلام فيكون غنيمة ~~وأهل الذمة هم المقصودون فيه ، ليسوا بتبع للمسلمين فيكون غنيمة بينهم على ~~سهام الخيل والرجالة ألا ترى أن أهل الذمة لو دخلوا بغير إذن الإمام كان ~~الحكم كذلك ، وإن لم يكن معهم أحد من المسلمين فالمستأمنون إذا أذن لهم ~~الإمام صاروا بمنزلة أهل الذمة ، فإن دخل معهم قوم مسلمون يقاتلون معهم ms1230 ~~فقال PageV05P2174 المسلمون : نرضخ لأهل الذمة والحربيين ولا نسهم لهم ونحن ~~نأخذ السهام ، نظر في المسلمين فإن كانوا أهل منعة بأن كانوا وحدهم يستغنون ~~عن أهل الذمة ، إلا أن كينونتهم معهم أفضل فإن السهم للمسلمين ويرضخ لأهل ~~الذمة والحربيين ؛ لأن المسلمين إذا كانوا أهل منعة وأهل الذمة تبع لهم ~~فليس لهم إلا الرضخ ، وإن كان لا منعة لهم إلا بمن معهم من أهل الذمة فأهل ~~الذمة والحربيون شركاء في الغنيمة ، يقسم بينهم وبين المسلمين على سهام ~~الخيل والرجالة ؛ لأن المال لم يصر غنيمة للمسلمين ، إنما صار غنيمة بأهل ~~الذمة ، لولاهم لكانوا متلصصين غير غزاة ، فإذا صار المال غنيمة بأهل الذمة ~~ساووا المسلمين ، وإن أصابوا الغنيمة في دار الحرب ، والمسلمون لا منعة لهم ~~، ولم تقسم الغنائم ، ولم تخرج إلى دار الإسلام حتى لحقهم جند من المسلمين ~~، مدوا لهم فصار المسلمون بجملتهم أهل منعة ، كانت السهام للمسلمين ويرضخ ~~لأهل الذمة ؛ لأن المدد إذا لحقوهم في دار الحرب صاروا كأنهم دخلوا معهم . ~~PageV05P2175 ألا ترى أنهم يشاركونهم في الغنيمة ولو دخلوا معهم وهم أهل ~~منعة يرضخ لأهل الذمة فكذلك ها هنا ، وإن كان أهل الذمة إذا انفردوا لا ~~منعة لهم والمسلمون إذا انفردوا لا منعة لهم ، فإذا اجتمعوا كانت لهم منعة ~~فاجتمعوا ، فأصابوا غنائم فإنه يسهم لأهل الذمة كما يسهم للمسلمين ؛ لأن ~~المال إنما صار غنيمة بهم جميعا ، ليس لأحد الفريقين فضل على الآخر ، ~~فاستووا جميعا في الغنيمة ، وكذلك إن كان لكل فريق منعة كانت الغنيمة بينهم ~~على سهام الخيل والرجالة ؛ لأنه ليس لأحد الفريقين فضل على الآخر فلم يكن ~~بعضهم تبعا للبعض فاستووا في الغنيمة ، وهكذا الجواب في السرية إذا كانوا ~~كلهم عبيدا أو مكاتبين دخلوا بإذن الإمام فأصابوا غنائم ، فإن الغنيمة ~~بينهم على سهام الخيل والرجالة وإن كان معهم أحرار فهو على التفصيل الذي ~~قلنا ؛ لأن العبيد أهل رضخ فلا يسهم لهم إلا أن يكون لهم منعة فيساووا ~~الأحرار في الغنيمة ، ولو أن رجلا أو رجلين أو ثلاثة أو من منعة له من ms1231 ~~المسلمين أو من أهل الذمة دخلوا دار الحرب بغير إذن الإمام PageV05P2176 ~~فأصابوا غنائم ، فأخرجوها إلى دار الإسلام كان ذلك لهم ولا خمس فيه ؛ لأنهم ~~متلصصون والمصاب على وجه التلصص لا يكون غينمة ، ولا يجب فيه الخمس ، وإن ~~دخلوا بإذن الإمام خمس ما أصابوا ؛ لأن الإمام لا يمنعهم إلا لمصلحة فيها ~~إعزاز الدين فنزلوا منزلة سرية وجههم الإمام ، فكان المصاب على وجه إعزاز ~~الدين فيكون غنيمة وفي الغنيمة الخمس ، فإن قال لهم الإمام أذنت لكم على أن ~~لكم النصف مما تصيبون ولجماعة المسلمين النصف فرضوا بذلك فأصابوا غنائم لم ~~يكن الأمر على ما قال ، ولكن يخمس ما أصابوا والباقي لهم ؛ لأن إذن الإمام ~~جعلهم أهل منعة ، وجعل المصاب غنيمة ، ولو كانوا أهل منعة شرط عليهم الإمام ~~هذا الشرط لم يصح الشرط ؛ لأنه شكر لا يقتضيه الشرع فكذلك ها هنا لا يصح ~~هذا الشرط ، فإذا بطل الشرط كان فيه الخمس ، والباقي للغانمين كما هو الحكم ~~في الغنائم ، فإن كان الإمام قال هلم لكم ما أصبتم كله PageV05P2177 ~~فاجهزوا فخرجوا وغنموا ، كان ما أصابوا كله لهم ولا خمس فيه ؛ لأنه لا حكم ~~لهذا الإذن ، فإنه لولا الإذن لكان الكل هلم ، قلنا : هذا الإذن فصار كأنهم ~~دخلوا بغير إذن الإمام ، ولو دخلوا بغير إذن الإمام لم يخمس ما أصابوا ~~فكذلك ها هنا قال : ولو أن الإمام قال لسرية أرسلها من دار الإسلام إلى دار ~~الحرب ، وقال لهم : ما أصاب إنسان منكم من ركاز أو معدن ، فأخذ منه شيئا ~~فهو له فأصاب رجل منهم ركازا فهو له ولا خمس فيه ، بخلاف ما إذا قال لهم في ~~دار الإسلام : من أصاب ركازا أو معدنا فهو له ولا خمس فيه ، فأصاب رجل شيئا ~~من ذلك في دار الإسلام خمس ما أصاب والباقي له ، والفرق بينهما هو أن ~~الركاز إذا كان في دار الحرب فالمسلمون لم يوجفوا عليه ، ولم يصر غنيمة بعد ~~، ولا يثبت فيه الخمس الذيب هو حق الفقراء ، فهذا تنفيل من الإمام قبل ~~إحراز الغنيمة فيجوز ، وأما ms1232 الركاز في دار الإسلام فقد أوجف عليه المسلمون ~~، وصار غنيمة ، ووجب فيه الخمس للفقراء ، فلم يكن هذا تنفيلا من الإمام ، ~~بل هو إبطال الخمس الذي هو حق الفقراء فلا يجوز هذا الشرط والله الموفق . ~~PageV05P2178 # | باب من له من الأمراء أن يقبل وأن يقسم وأن يجعل الأرض أرض خراج وأن ~~يقبل الخراج # قال محمد - رحمه الله تعالى عليه - : وإذا بعث الخليفة أميرا على جند من ~~الجنود فدعا قوما من المشركين إلى الإسلام ، فأسلموا فهم أحرار لا سبيل ~~عليهم ، ومالهم وأرضهم ورقيقهم لهم ، وتكون أرضهم أرض عشر كأرض المهاجرين ~~والأنصار ؛ لأن التأمير يقتضي أن يكون فعل الأمير كفعل المأمور والمؤمر وهو ~~الخليفة إذا دعاهم فأسلموا فهم أحرار ، وأرضهم أرض عشر فكذلك ها هنا ~~والمعنى في ذلك وهو أن الأرض إنما تصير خراجية إذا فتحت عنوة وثبت فيها حق ~~المقاتلة ثم لم تقسم بينهم وتركت على أربابها وقطع حق المقاتلة عنها ، ~~فتجعل خراجية ، لكون الخراج للمقاتلة ولمصالح المسلمين ، وهذا المعنى معدوم ~~فيما إذا سلم أهلها طوعا ، فإنه لم يثبت فيها حق المقاتلة ، فلا يثبت لهم ~~حق في أرضها فجعلت عشرية غير خراجية ، وإن أبوا أن يسلموا فعرض عليهم ~~الأمير أن يصيروا PageV05P2179 ذمة ففعلوا ، فإنهم يكونون ذمة ، فإن كان ~~الخليفة لم يأمره من ذلك بشيء ، فكذلك الجواب ؛ لأن الخليفة لما فوض إليه ~~أمر الحرب صار مفوضا إليه ما كان من أسبابه وتوابعه ، وما هو متعلق به ، ~~والذمة من توابع الحرب ، لأنه كما يحارب المشركين ليسلموا ، فكذلك يجب ~~مقاتلتهم ليقبلوا الذمة ، قال الله - تعالى - : ' قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله . . . . إلى أن قال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ' التوبة : 39 ~~وكما قال الله - تعالى - : ' تقاتلونهم أو يسلمون ' الفتح : 16 ، وروينا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان إذا بعث سرية أوصى صاحبهم بتقوى الله ، ~~وكان يأمرهم بالدعاء إلى الإسلام ، فإن أبوا فإلى قبول الذمة ، فكان الدعاء ~~إلى الذمة من توابع الحرب فيصير مفوضا إلى الأمير ، وكذلك لو بعث أمير ~~الجند قائدا من قواده ms1233 فدعاهم إلى مثل هذا فأجابوه كان في ذلك بمنزلة الأمير ~~الأعظم ؛ لأن الأمير أقام قائده مقام نفسه في أمر الحرب وهذا من توابع ~~الحرب ، ولو دعاهم الأمير إلى الذمة فقبلوا الذمة جاز ، فكذلك إذا دعاهم ~~القائد يجوز ، فإن صالحهم الأمير على صلح في كل سنة من رقابهم وأراضيهم ~~فذلك جائز ؛ لأن هذا نوع من إعطاء الذمة ، وقبول الجزية لأن إعطاء الذمة ~~على نوعين إما أن يصالحهم الأمير على إعطاء الجزية المقدرة على الموسع قدره ~~وعلى PageV05P2180 المقتر قدره ، أو يكون الصلح واقعا على مال مجمل مقدر ، ~~يؤدون كل سنة فبعض ذلك المال على رقابهم ، وبعضه في أرضهم كما صالح رسول ~~الله صلى الله عليه وآله سلم أهل نجران على ألفي حلة كل سنة يؤدونها إليه ، ~~وكما فعل بأهل طيء وشرج ، وإن كان الخليفة نهاه عن ذلك لم يجز له ما صنع من ~~ذلك حتى يكون الخليفة هو الذي يقطع ذلك ؛ لأنا إنما جعلنا مأذونا بالصلح ~~والأقطاع على وجه الدلالة ، فإذا جاء النهي مفصحا به كان الحكم للأفصاح لا ~~للدلالة ، إلا أن يكون الخليفة هو الذي يقطع بذلك فيما بينه وبينهم ، فإن ~~رضوا بما صنع الخليفة وإلا أبلغوا مأمنهم إن أبى الخليفة أن يجيز ما رضوا ~~به من مقاطعة الأمير ؛ لأن مقاطعة الأمير وإن لم تجز فتلك المقاطعة تضمنت ~~أمانا لهم ، فإذا لم يرضوا بمقاطعة الخليفة كان إخفارا للذمة ونقضا للعهد ، ~~فإن أبوا أن يسلموا أو يصيروا ذمة قاتلهم المسلمون فإن قاتلوهم وظفروا ~~عليهم وعلى أرضهم وما فيها ، فليس لأحد من الناس أن يعرض لشيء من هذه ~~الغنيمة أو غيرها ، حتى يستطلع في ذلك رأي الخليفة ، فإن شاء الخليفة قسم ~~ذلك كله فأخذ الخمس لليتامى والمساكين وجعل الأربعة الأخماس للغانمين وإن ~~شاء من عليهم وجعلهم أحرار يؤدون الجزية عن رقابهم والخراج عن أراضيهم ؛ ~~PageV05P2181 لأن الأمير له ولاية على جنده ، وليس له ولاية على جماعة ~~المسلمين وفي الغنيمة أو المن حق لجماعة المسلمين ، لأنه إن قسمها بينهم ~~صارت الأرض عشرية والعشر حق الفقراء ms1234 إلى قيام الساعة ، وإن من عليهم صارت ~~الأرض خراجية ، والخراج للمقاتلة ولمصالح المسلمين إلى يوم القيامة فثبت أن ~~القسمة أو المن تصرف على جماعة المسلمين ، فكان الذي يلي ذلك هو الخليفة ~~دون الأمير ، وكذلك ليس لمن دون الخليفة من الأمراء بعد ما يظهر عليهم أن ~~يقتل مقاتلتهم إذا كان غلبهم وأسرهم وظهر عليهم ؛ لأن القتل نوع من المن ~~لما فيه من إبطال حق الغانمين ، وقد ذكرنا أنه ليس له أن يمن قبل استطلاع ~~رأي الخليفة ، فكذلك ليس له أن يقتل إذ يكون القتل معتبرا بالقسمة ، وليس ~~له ولاية القسمة فلم يكن له ولاية القتل وهذا إذا كان الأمير لا يخافهم على ~~المسلمين ، فأما إذا كان يخاف على المسلمين من جانبهم أو يخاف أن يأتيه جند ~~من المشركين فيكون الأسرى عونا عليهم فلا بأس بأن ، يقتل رجالهم بغير إذن ~~الخليفة ؛ لأنه إذا كان يخافهم فقتلهم من المحاربة ، فكان قتلهم في هذه ~~الحالة وفي حالة الحرب سواء ونظيره ما قلنا إذا أسر أهل العدل أسراء من ~~الخوارج PageV05P2182 فإنه لا يقتلهم أهل العدل إذا أمنوا جانبهم ، فإذا لم ~~يأمنوهم وخافوا أن ينحازوا إلى فئة قوم فإنه يدفف على جريحهم ويقت أسراءهم ~~فكذلك ها هنا ، ولو أن الخليفة وجه رجلا على جند إلى المشركين فظهر على ~~الرجال والنساء والأموال في دار الحرب ، ولم يظهر على الدار فأخرجهم إلى ~~دار الإسلام ، فلا بأس بأن يقسمهم فيخرج الخمس للفقراء ، ويقسم أربعة ~~أخماسها بين الغانمين ولا ينتظر في ذلك إذن الخليفة ؛ لأنه إذا لم يظهر على ~~الدار فليس للخليفة حق المن ، بأن يرد المال على أربابه ، بل عليه أن يعزل ~~الخمس ، ويقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين ، فليس في الأربعة الأخماس إلا ~~حق المقاتلة وحق أصحاب الخمس تبع لحق المقاتلة ، فكذلك من كان له ولاية على ~~الجند كان له ولاية على أصحاب الخمس فتصرف هذا الأمير ليس يقع إلا على من ~~له الولاية عليه ، فجاز أن يشتغل بذلك ، بخلاف ما إذا ظهر الأمير على الدار ~~؛ لأن الخليفة له ms1235 حق المن ، وذلك حق لجماعة المسلمين فتصرف هذا الأمير ~~يتعدى إلى جنده وإلى جماعة المسلمين فليس له الاشتعال بذلك ، فإن نهاه عن ~~القسمة فليس له أن يقسم ؛ PageV05P2183 لأن الإذن ثبت له دلالة ، وقد جاء ~~النهي عنه إفصاحا ، ولا قوام للدلالة مع النص ، ولو كان الخليفة بعث على ~~الجند أميرا ، وعلى المقاسم غيره ، كانت المقاسم إلى الذي بعث على المقاسم ~~دون الأمير ؛ إلا أنه لو نعاه عن القسمة عمل نهيه ، فإذا فوض أمر القسمة ~~إلى غيره علم تفويضه ، هذا لأن أمر القسمة يحتاج إلى الحفظ والأمانة وأمر ~~الجهاد يحتاج إلى الجرأة والشجاعة ، فله أن يفرق الولاية فيجعل أمر القسمة ~~إلى أحسنهم وأحفظهم للمغنم ، وأمر الجهاد إلى أجرئهم وأشجعهم ، إلا أن ~~يشركه الخليفة في ذلك فيحنئذ القسمة إليهما جميعا ؛ لأنه خص الأمير بأمر ~~الحرب ، معهما في أمر القسمة ، فيراعي تفويضه الخليفة في كل شيء ، ومن كان ~~إليه القسمة فرأى أن يبيع قبل أن يقسم فبيعه جائز ؛ لأنه ربما لا يتهيأ ~~قسمة العين لتعذر التعديل بين الأنصباء ، فتمس الحاجة إلى بيعها وقسمة ~~أثمانها فصار البيع من توابع القسمة ، فكل من فوض إليه القسمة على الإطلاق ~~صار البيع الذي هو تبع القسمة مفوضا إليه ، كما أنه إذا فوض إليه أمر الحرب ~~على الإجمال صار أسبابه وتوابعه مفوضا إليه ، كما أنه إذا فوض أمر الحرب ~~على الإجمال صار أسبابه وتوابعه مفوضا إليه ، وإن كان أمر القسمة إلى ~~الأمير فرأى أن يقتل PageV05P2184 المقاتلة ولا يقسمهم وكان يرى ذلك خيرا ~~للمسلمين فلا بأس بقتلهم في دار الحرب وبعدما يخرجهم ؛ لأنه لما ملك التصرف ~~من حيث البيع والقسمة فكذلك من حيث القتل أيضا ، ما لم يأت بهم الخليفة ، ~~لأنه إذا أتى بهم الخليفة فقد خرج من الإمرة ، لأن إمارته مؤقتة ما دام ~~مفارقا عن الخليفة فإذا اتصل بالخليفة فقد انتهت إمارته ، فلا يجوز له ~~التصرف بعد ذلك ، فهذا كأمير الجند إذا بعث سرية في دار الحرب فكان لأسير ~~السرية أن يتصرف في السرية ما دام مفارقا لأمير الجند ms1236 ، فإذا عاد واتصل ~~بالجند لم يبق له تصرف في أمر السرية فكذلك ها هنا ، وكذلك الوكيل بالشراء ~~يملك الرد بالعيب ما دام المشتري في يده ، فإذا سلمه إلى الموكل لم يبق له ~~حق الرد ، لما أن وكالته قد انتهت فكذلك ها هنا وإن كان الذي إليه المقاسم ~~غير أمير الجند فليس للذي إليه المقاسم أن يقتل المقاتلة ؛ لأنه فوض إليه ~~أمر المقاسم ، ولم يفوض إليه أمر القتال ، والقتل من القتال ، فلا يملكه ~~صاحب المقاسم ، فلو كانت المقاسم إلى غير أمير الجند فأصاب المسلمون غنائم ~~فيها ناس من المقاتلة ، فأراد الأمير قتلهم ، فإن كان المسلمون في القتال ~~على حالهم فلا بأس بأن يقتلهم الأمير PageV05P2185 لأن قتل الأسراء في تلك ~~الحال من القتال وقد فوض إليه أمر القتال ، وإن انهزم المشركون وبقيت ~~الأسراء في أيدي المسلمين فإن كان المسلمون يخافونهم ، أو يخاف المسلمون أن ~~يأتيهم العدو فيكون الأسراء معهم فله أن يقتلهم ؛ لأن الحرب ما دام باقيا ~~يجعل كأن القتال باق ، وله أن يقتلهم في حالة المقاتلة فكذلك ها هنا ، وإن ~~كان المسلمون لا يخافونهم ، فليس ينبغي للأمير أن يقتلهم ؛ لأنهم قد صاروا ~~فيئا للمسلمين ، وثبت حق القسمة لصاحب المقاسم فليس للأمير قتلهم ، وإن ~~قتلهم الأمير فلا شيء عليه ، لأنهم أهل حرب ، لا أمان لهم ، ولو قتلهم غير ~~الأمير فلا شيء عليه ، فالأمير أولى أن لا شيء عليه إلا أنه مسيء في ذلك ؛ ~~لأنه قتل ، والقتل غير حلال له ، وإن كان إليه القسمة فله أن يقتلهم ؛ لأنه ~~ليس لغيره فيه تدبير من أمر القسمة ، فكان له أن يقتل كما يكون الخليفة ~~PageV05P2186 يدل عليه ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أوتى بأسراء فعفا ~~عنهم إلا واحدا أخبر أنه أثخن في المسلمين فقتله قال : ولو أن واليا على ~~ثغر من الثغور وجه سرية إلى دار الحرب فأصابوا غنائم فيها مقاتلة ، ~~فأخرجوها إلى دار الإسلام فليس لأمير السرية من القسمة شيء بعد ما يخرج إلى ~~دار الإسلام ؛ لأن إمارته كانت مؤقته ، وهو أن ms1237 يكون مفارقا عن الأمير ، ~~فإذا اتصل بأمير الثغر مفقد انتهت إمارته ، فلا يتصرف بعد ذلك وهذا كأمير ~~الجند الذي بعثه الخليفة على الجند ، إذا انتهى إلى الخليفة لم يكن له من ~~أمر القسمة شيء بعد ذلك ، فكذلك ها هنا ، ثم أمير الثغر ، إن شاء قتل ~~المقاتلة وقسم الباقي وإن شاء ترك القتل وقسم الكل ، وإن كان أمير الثغر لم ~~ينه صاحب السرية حين أرسله إلى دار الشرك عن القسمة ، فرأى أن يقسم ما أصاب ~~في دار الحرب فقسمه وعزل الخمس فذلك جائز ؛ لأنه وال ما دام في دار الحرب ، ~~وليس لغير السرية فيما أصابوا حق فجاز له القسمة ، وإن رأى أن يقتل ~~المقاتلة قبل أن يخرجهم فلا بأس بقتلهم ؛ لأن القسمة إليه فكان القتل إليه ~~، PageV05P2187 فإن نهاه أمير الثغر عن القسمة فليس له أن يقسم وليس له أن ~~يقتل من المقاتلة أحدا ؛ لأنه مأمور من جهة الوالي فلا يتعدى أمره ، إلا أن ~~يخاف الأسراء فحينئذ له أن يقتلهم ، كما يقتلهم في حالة المحاربة ، ولو أن ~~جندا دخل أرض الحرب عليهم أمير من قبل الخليفة ، فوجه السرايا حين دخل أرض ~~الحرب ، ولم ينفلهم شيئا فأصابت السرايا غنائم ، فليس ينبغي لأحد من أمراء ~~السرايا أن يقسموا شيئا من تلك الغنائم حتى يأتوا بها إلى العسكر ؛ لأن ~~العسكر ردء للسرية ، فلهم شركتهم فيما يصيبون وأمير السرية له ولاية على ~~السرية ، وليس له ولاية على الجند ، فلو جاز قسمة أمير السرية كان فيه ~~إبطال حق العسكر من غير ولاية له عليهم ، وذلك لا يجوز بخلاف السرية التي ~~تدخل أرض الإسلام ، إذا أصابوا ، فتصرف الأمير لا يعدو السرية إلى غيرهم ، ~~وله ولاية على السرية فجازت قسمته فيما بينهم ، فإن كان أمير العسكر أمر ~~أمير السرية ، أن يبيع ما أصابوا ويقسم بين السرية ما أصابوا ففعل ذلك جاز ~~، ولم يكن لأهل العسكر إذا قسموا فيه نصيب ، وذلك لأنه لما أمره بالقسمة ~~فقد جعل ما أصابوا للسرية خاصة وقطع حق العسكر عما أصابوا ، ثم هذا منه وإن ms1238 ~~كان جعلا فإنه فصل يسع فيه PageV05P2188 اجتهاد الرأي ، فإن ظاهر قول عمر - ~~رضي الله تعالى عنه - : الغنيمة لمن شهد الوقعة يوجب أن يكون المصاب للسرية ~~خاصة ، فالأمير حيث أمر بالقسمة فإنما أمر متأولا لهذا الحديث ، وأمر ~~الأمير متى صادف فصلا ، مجتهدا فيه نفذ أمره ، وإن قطع حق العسكر عما ~~أصابوا إذ له ولاية عليهم فجاز قسمة أمير السرية فيما بينهم ، ولو أن أمير ~~العسكر بعث سرايا ونفلهم أنفالا فقال لسرية منهم : من أصاب رأسا فهو له ، ~~وقال لسرية أخرى : لكم الربع بعد الخمس مما أصبتم ، وقال لسرية أخرى : من ~~أصاب منكم رأسا فله نصفه فخرجوا فأصابوا غنائم فيها مقاتلة فليس ينبغي ~~لأمير السرية أن يقتل منهم أحدا ؛ لأنه لو لم يكن فيما أصابوا نفل ، لم يكن ~~لأمير السرية أن يقتل أحدا من المقاتلة فإذا كان فيه نفل أولى ألا يقتل ~~أحدا منهم ، فإذا انتهوا بهم إلى لعسكر فليس ينبغي لأمير العسكر أن يقتل ~~منهم أحدا ؛ لأنه بنفس الإصابة قد ثبت فيه النفل لأصحاب النفل ، والنفل حق ~~خاص لأهله لا يشاركهم فيه غيرهم ، فصار النفل كحق الغانمين في الغنيمة بعد ~~القسمة ، وليس للأمير أن يقتل أحدا من المقاتلة بعد القسمة ، فكذلك ها هنا ~~لا يقتل أحدا منهم لحق النفل . PageV05P2189 إلا أن يخافهم على المسلمين أو ~~نظر الجند قد أقبل يريده من المشركين فيخاف أنه إن أتاه ذلك الجند كان ~~الأسراء عونا عليه فلا بأس بقتلهم ؛ لأن في هذا مصلحة ونظرا للمسلمين ، ~~فكانت هذه الحالة وحالة المحاربة سواء ، ولو أن جندا من المسلمين دخلوا دار ~~الحرب ، وعليهم أمير من قبل الخليفة فدخلوا دار الحرب وخلفوا مدائن كثيرة ~~من مدائن المشركين ، فنزلوا على مدينة من مدائنهم فدعاهم المسلمون إلى ~~الإسلام فأجابوهم إليه فإن المسلمين يقبلون ذلك منهم إذا أسلموا ؛ لأن ~~القتال إنما شرع لقبول الإسلام قال الله - تعالى - : ' تقاتلونهم أو يسلمون ~~' الفتح : 16 ، فإذا أسلموا يجب القبول منهم ، ثم الأمير يدعهم في أرضهم ، ~~ويستعمل عليهم أميرا من المسلمين يحكم بحكم أهل الإسلام ، لأن ms1239 المدينة صارت ~~دار الإسلام فلا بد من أمير بينهم يجري فيهم حكم المسلمين ، فإن كان القوم ~~إذا انصرف عنهم ذلك الجند من المسلمين لم يقدروا على أن يمتنعوا من أهل ~~الحرب ، وأبوا أن يتحولوا إلى دار الإسلام فإن الأمير يدعهم وما اختاروا ~~PageV05P2190 لأنفسهم ، لأنهم أساءوا في الاختيار فيتركهم وسوء اختيارهم ~~ولا يجبرون على التحويل لأنهم أحرار مسلمون في مدينة الإسلام فلا يجبرون ~~على التحويل ، ولا يدع عندهم أحدا من المسلمين مخافة عليه ألا تطيب نفسه ، ~~لأن فيه تعريضا على التلف ولا يجوز ، تعريضه على التلف إلا برضاه ، فإن ~~أبوا الإسلام فدعاهم المسلمون إلى إعطاء الجزية فأجابوا إلى ذلك وأبوا ~~التحول من دارهم ، وقالوا : اعطونا العهد على أن نكون في موضعنا لا نبرح ، ~~فإن كان المسلمون إذا أقاموا معهم يقوون على أهل الحرب ، وكانوا ممتنعين ~~منهم ، فلا بأس بأن يجعلهم الأمير ذمة ويجعل عليهم أميرا من المسلمين يحكم ~~بحكم المسلمين ويجعل مع الأمير من المسلمين من يقوى على المقام معهم في ~~دارهم ؛ لأن قبول الفرقة واجب قال الله تعالى : ' حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، وهذه ذمة منهم لأن الأمير يجري عليهم حكم ~~المسلمين وبإجراء الحكم عليهم يصيرون ذمة ، ومدينتهم تصير مدينة الإسلام ، ~~فيقبل ذلك منهم . PageV05P2191 وإن كان هذا الموضع لم يقو من ترك فيها من ~~المسلمين على أهل الحرب ، ولم يقدروا على أن يحكموا فيها بحكم الإسلام لم ~~يسع للمسلمين أن يجيبوهم إلى هذا ولكنهم يجعلونهم ذمة إذا خرجوا بعيالاتهم ~~إلى أرض الإسلام ؛ لأن دار الشرك إنما تصير دار الإسلام بإجراء حكم ~~المسلمين فيها ، وأهل الشرك إنما يصيرون أهل الذمة بإجراء حكم المسلمين ~~عليهم ، وقد عجز الأمير عن إجراء حكم المسلمين عليهم ، فكانوا في هذه ~~الحالة بمنزلة الموادعين للمسلمين وأهل الحرب متى طلبوا موادعتهم من ~~المسلمين لم يجب على المسلمين موادعتهم ، إلا أن يكون فيها خير للمسلمين ~~ظاهرا ، فكذلك هاهنا لا يجب قبول هذه الذمة منهم ، بخلاف ما إذا أسلموا لأن ~~الإسلام يصح من غير قبول من ms1240 الإمام ، فإذا أسلموا صاروا مسلمين فلا يتعرض ~~لهم الأمير بعد الإسلام ، ولكن يخلف فيهم رجلا يجري فيهم حكم المسلمين ، إن ~~قدروا وإلا يتركهم على ذلك ، وقد أسلم أهل نجران وأهل اليمامة ، وبينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قوم كثير من المشركين فتركهم على ~~ذلك ، فإن أجابوا إلى التحول إلى دار الإسلام فليس ينبغي للمسلمين أن يأبوا ~~عليهم وإن علموا أنهم يظفرون بهم ؛ لأنهم في الحال ممتنعون ، فلم يصيروا ~~فيئا للمسلمين فيجب قبول ذلك منهم والكف عنهم ، PageV05P2192 فإن كان ~~المسلمون تركوا فيها قوما من المسلمين قووا على المشركين من أهل الحرب إذا ~~أعانهم أهل الذمة فقال أهل المدينة : نكون ذمة لكم وتخلفون قوما نقاتل معهم ~~، فليس ينبغي للأمير أن يفعل هذا لوجهين ، أحدهما : أن في هذا تعريضا ~~للمسلمين على الهلاك إذ أهل الذمة كفار فلا يؤمن أن يغدروا بهم ، ويقتلوهم ~~، ولأن المسلمين إذا لم يقدروا على إجراء حكم المسلمين إلا برضاء أهل الذمة ~~كان أهل الذمة هم الذين يجرون أحكام المسلمين ، وأحكام المسلمين لا يجربها ~~إلا المسلمون ، فإن طلب أهل الردة الموادعة من المسلمين حتى ينظروا في ~~أمرهم فلا بأس للمسلمين أن يوادعوهم لحديث عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى ~~عنه - فإنه قال : هلا حبستموه في بيت وطينتم عليه بابا ، واستتبتموه ثلاثة ~~أيام ، فإذا ثبت في الواحد ثبت في الجماعة ، وأهل البغي من المسلمين مثل ~~الخوارج وغيرهم إذا طلبوا إلى المسلمين الموادعة من أهل العدل حتى ينظروا ~~في أمرهم فلا بأس أن يوادعهم أهل العدل لأنهم مسلمون فهم أولى بالموادعة من ~~المرتدين ، ولكن لا ينبغي لأهل العدل أن يأخذوا على ذلك خراجا ؛ ~~PageV05P2193 لأن الخراج يشبه الجزية وهم مسلمون فلا يؤخذ منهم خراج ، فإن ~~أخذوا منهم الخراج يوقف ذلك حتى إذا تابوا رد عليهم ؛ لأن مال أهل البغي لا ~~يغنم فيرد عليهم ألا ترى أن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - رد على ~~أهل البغي ما لهم حتى يلغه الكلب ، فإن قتلوا رد إلى ورثتهم ، فإن لم ms1241 ~~يعرفوا كان بمنزلة اللقطة في يد إمام المسلمين ، فإن لم يرجع أهل البغي ، ~~ولم يتوبوا حتى استهلك رجل من المسلمين بعض تلك الأموال التي أخذ منهم ~~المسلمون فهو ضامن ؛ لأن أهل البغي موادعون فمالهم في أمان من المسلمين ، ~~ولو كان الكفار موادعين فأتلف واحد من المسلمين مال واحد منهم ضمن ، فهاهنا ~~أولى أن يضمن ولو لم يكونوا موادعين فأخذ رجل من أهل العدل شيئا من أموالهم ~~فإنه إذا وضعت الحرب أوزارها يرد عليهم فإن استهلكه مستهلك وهم على حربهم ~~لم يضمن ؛ لأنه لو أتلف نفسه لا يضمن ، فكذلك إذا أتلف ماله لا يضمن ، فإن ~~لم يستهلكه حتى وضعت الحرب أوزارها فتفرقوا ثم تابوا ثم استهلكه ضمن للمالك ~~أو للورثة ؛ PageV05P2194 لأنه مال مسلم غير محارب في حالة الاستهلاك فيضمن ~~بالاستهلاك كما في سائر أحوال المسلمين والله أعلم ، ولو أن أمير الجند من ~~المسلمين افتتحوا حصنا من حصون المشركين من أهل الحرب ، فكان في ذلك الحصن ~~مطمورة فيها قوم يقاتلون ، فأسلموا ، فإن كان المسلمون قاهرين لهم فهم فيء ~~بين من أصابهم ، يخمسون وما بقي فهو فيء لمن أصابهم ؛ لأنهم إذا كانوا غير ~~ممتنعين مقهورين فقد صاروا في أيدي المسلمين قبل إسلامهم فإسلامهم لا يبطل ~~حق المسلمين ، فلا يقتلون ؛ لأنهم مسلمون ، والإسلام يحرزهم عن القتل ، ولا ~~يحرزهم عن الاسترقاق ، فإن كانوا ممتنعين في المطمورة ولا يصل إليهم إلا ~~بالقتال ، وأكبر الرأي من المسلمين أنهم سيظفرون بهم فأسلموا فهم أحرار لا ~~سبيل عليهم ؛ لأنهم إذا كانوا ممتنعين فلم يصيروا في أيدي المسلمين ، ~~فهؤلاء أسلموا قبل ثبوت أيدي المسلمين عليهم ، فكانوا أحرارا لأن المسلم لا ~~يسترق ، وصار هذا بمنزلة أهل الحصن حوصروا فأسلموا وهم محصورون فهم أحرار ~~لا سبيل عليهم فكذلك هاهنا ، PageV05P2195 وكذلك أهل المطمورة إذا دعوا ~~المسلمين أن يكونوا ذمة لهم يخرجون معهم إلى بلاد المسلمين ، فإن كانوا غير ~~ممتنعين وسع المسلمين ألا يعطوهم ذمة ؛ لأنهم صاروا في أيدي المسلمين ، ~~وجرى عليهم السبي ، ومن طلب الذمة بعدما جرى عليه السبي فإنه لا يجاب إلى ms1242 ~~ذلك ، ولكن المسلمين إن شاءوا أن يجعلوهم فيئا وإن شاءوا قتلوا المقاتلة ~~وسبوا الذراري وإن كانوا ممتنعين ويرى المسلمون أنهم سيظفرون بهم لا ينبغي ~~لأمير المسلمين أن يمنعهم عن ذلك بل يجعلهم أحرارا ذمة ؛ لأنهم لو سألوا ~~الذمة قبل الاستغنام لم يمنعوا ، لما أن الذمة خلف عن الإسلام في أحكام ~~الدنيا قال : وإن حاصر أمير العسكر أهل مدينة من مدائن العدو فقال : بعضهم ~~نسلم وقال بعضهم : نصير ذمة ، ولا نبرح منازلنا ، فإن كان المسلمون يقوون ~~على أن يجعلوا معهم من المسلمين من يقوى على قتال من يحضر بهم من أهل الحرب ~~، ويحكم فيهم بحكم الإسلام ، فعل ذلك الأمير ؛ PageV05P2196 لأن إجراء ~~أحكام المسلمين في دارهم ممكن ، والدار تصير دار المسلمين بإجراء أحكام ~~المسلمين ، فيجعلها الإمام دار إسلام ويجعل القوم أهل ذمة ، فإن كان ~~المسلمون لا يقوون على أن يجعلوا في دارهم من المسلمين من يقاتل مع أهل ~~الحرب لم يجيبوا الذميين إلى شيء من ذلك ، إلا أن يخرجوا عن تلك الدار إلى ~~دار الإسلام ، لما قلنا أن هذا ليس بذمة منهم ، إما هذا طلب الموادعة وليس ~~على المسلمين أن يوادعوهم ، وأما الذين أسلموا معهم فهم أحرار ولا يمنعون ~~من المقام ببلادهم ، لأن الحر المسلم لا يجبر على التحول من دار إلى ~~دارغيره ، فإن قال المسلمون : دعوا معنا قوما من المسلمين يكونون قوة لنا ~~على أهل الحرب فإن الإمام ينظر في ذلك فإن كان من يترك معهم في دار الحرب ، ~~يقوون على أهل الحرب له أن يفعل فعل ذلك ؛ لأنه يمكنه أن يجعله دار الإسلام ~~من غير ضرر على المسلمين فكان عليه أن يفعل ذلك ، PageV05P2197 وإن كان من ~~يترك من المسلمين لا يقوون إلا بمن أسلم من أهل الحرب ، فإن خاف على ~~المسلمين من الذين أسلموا منهم أن يرتدوا فيقتلوا المسلمين فإنه لا ينبغي ~~له أن يخلف أحد من المسلمين ؛ لأن فيه إتلاف عدة من المسلمين ، وإن علم ~~حقيقة إسلام الذين أسلموا من أهل الحرب وأنهم مناصرون لأهل الإسلام لم أر ~~بأسا ms1243 أن يجعل معهم من المسلمين نم يقوى بهم ويقوون به ويؤمر عليهم أميرا ~~يحكم بحكم أهل الإسلام في تلك المدينة ، لما قلنا إن الإمام متى أمكنه أن ~~يجعل المدينة دارا للإسلام ، من غير ضرر على المسلمين فعل ، وقد أمكنه ذلك ~~، فإذا فعل هذا فلا بأس بأن يقبل بعد ذلك من أهل الحرب ، أن يكون ذمة ممن ~~يقوم ببلاده ، لأن المدينة صارت دارا للإسلام ومن سأل الذمة في دار الإسلام ~~، وحكم المسلمين وجبت إجابته إليه ، وإن رأى الإمام في جميع ما سألوا أن ~~يقبل منهم أن يكونوا ذمة فإن طابت أنفسهم بالخروج معهم إلى دار الإسلام ~~فرأى قتالهم حتى يسلموا أو يظفروا بهم فقاتلهم وظفر بهم فخمسهم ، وقسم ما ~~بقي منهم عل سهام الغنيمة جاز ذلك ؛ لأنه قاتلهم وهم أهل حرب لا أمان لهم ، ~~ولكن الأمير أخطأ حين لم يقبل الذمة ؛ PageV05P2198 لأن قبول الذمة واجب ~~فقد ترك ما هو واجب فيكون مخطئا في ذلك ، وإذا دعوا إلى أن يسلموا فهذا لا ~~يحل لأحد أن يأبى عليهم ؛ لأن القتال شرع لأجل الإسلام ، فلا معنى لرد ~~الإسلام والقتال شرع لأجله ، فإن أباه عليهم فأسلموا ثم قاتلوا وظفر عليهم ~~خلى سبيلهم وسلمت لهم أموالهم وبطل ما كان حكم فيهم من سبي أو قسمة ؛ لأنهم ~~لما أسلموا صح إسلامهم ، لأنه لا يحتاج فيه إلى رأي الإمام فقد قاتلوهم وهم ~~مسلمون في دار الإسلام ، والمسلم لا يسترق ولا يستغنم ماله فيضمنون ما ~~أتلفوا من أموالهم وما أراقوا من دمائهم ، وإن كانوا دعوا إلى أن يسلموا ~~ويكف عنهم فأبى الأمير أن يجيبهم إلى ذلك فقاتلهم ولم يسلموا فأصابهم فقد ~~أخطأ فيما صنع ، لما قلنا : أنهم لو طلبوا الذمة وجب الكف عنهم فإذا طلبوا ~~الإسلام أولى أن يكف عنهم ، ومن قتل منهم فدمه موضوع وما استهلك من أموالهم ~~فلا ضمان فيه ؛ لأن المسلمين أصابوا ذلك منهم هم كفار لأنه لم يوجد منهم ~~إلا إرادة الإسلام وبالإرادة لا يصير مسلما فدم الكافر وضمان ماله موضوع ، ~~وأما ما بقي منهم ms1244 ومن أموالهم ، فإن أسلموا رد ذلك كله إليهم وكانوا أحرارا ~~لا سبيل عليهم ؛ PageV05P2199 لأنهم لما سألوا أن يسلموا ويكف عنهم فقد حرم ~~على المسلمين مقاتلتهم وأسرهم ، فلما حرم عليهم أسرهم لم يملكوهم بالأسر ، ~~فبقوا أحرارا لا سبيل عليهم ، بخلاف ما إذا طلبوا الذمة من المسلمين ~~وقاتلهم الإمام وظهر عليهم وقسمهم فإنهم لا يردون أحرارا توضع عليهم الجزية ~~؛ لأن هناك سألوا البقاء على الكفر ، والكفر سبب لإباحة القتل والسبي في ~~الأصل ، فالإمام إنما سباهم ومنعهم الذمة في موضع يسع فيه اجتهاد الرأي ، ~~فينفذ حكمه ، وجاز سببه فلا يرد ، فأما هاهنا سألوا من الإمام الكف عنهم ~~ليسلموا الإسلام عاصم فحرمة السبي هاهنا أقوى وآكد فلا يسع فيه اجتهاد ~~الرأي ، فإذا أسلموا فقد ظهر خطأ الإمام بيقين ، فعليه أن يمنع عن خطئه ~~ويردهم أحرارا ، يدل عليه أن القصد إلى الإسلام معتبر بحقيقة الإسلام ~~والمسلم حقيقة إن حارب المسلم لا يسبى ، فكذلك إذا قصد الإسلام وأما القصد ~~إلى الذمة معتبر بحقيقة الذمة ، والذمي حقيقة إذا حاربه المسلم في فئة ~~ممتنعة يسبى ويسترق ، فكذلك إذا اعتبر القصد ، بالحقيقة والله الموفق وهو ~~أعلم بالصواب . # PageV05P2200 # | باب ما يصدق فيه المسلم على إسلام الكافر # قال محمد - رحمة الله عليه - : إذا سبى المسلمون سبيا من الروم فشهد رجل ~~من المسلمين حرا وعبدا ومحدودا في قذف أو امرأة من المسلمين حرة أو أمة بعد ~~أن يكون الشاهد رضا من المسلمين أن هذا الأسير من المشركين أسلم قبل أن ~~يموت ووصف الشاهد إسلامه صلى عليه المسلمون واستغفروا له ؛ لأن الصلاة على ~~الميت أمر من أمور الدين ، وقول الواحد العدل في أمور الدين مقبول ، كما ~~يقبل في الأخبار عن طهارة الماء ونجاسته ، وكما يقبل في هلال رمضان ، وكما ~~يقبل في رواية الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يدل عليه ما ~~روي عن سعيد بن ذي لقوة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر ~~للنجاشي ثلاث مرات حين أتاه جعفر بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - ~~وأخبره ms1245 بأنه قد صدق به ، ثم قال في الكتاب : PageV05P2201 ووصف الشاهد ~~إسلامه قال : هذا على وجهين إن كان الشاهد فقيها لا يستفسر ، بل يجري على ~~إبهامه أنه أسلم قبل أن يموت ، وأما إذا كان الشاهد جاهلا فإنه ينبغي أن ~~يستفسر ، فإن فسر الشاهد ووصف إسلامه على المقدار المفروض جازت شهادته ، ~~ولو كان حيا فشهد له شاهد أنه أسلم قبل أن يؤسر لم يكن حرا بشهادة الواحد ~~حتى يشهد مسلمان ممن تجوز شهادتهما في الحقوق ، وذكر في الباب الذي يليه أن ~~الإمام إذا فتح حصنا فشهد رجل مسلم عدل لواحد أنه كان حربيا فأسلم ، قبل أن ~~يؤسر قال : إن شهد قبل أن يقسم أو يباع تقبل شهادته ، وإن شهد بعد ما قسم ~~أو بيع لا تقبل شهادته ، فقد قسم الجواب ثمة وأطلق الجواب هاهنا ، فمنهم من ~~قال : ما ذكر هاهنا محمول على أنه شهد بعد القسمة والبيع فلا تقبل شهادته ~~أما إذا أشهد قبل القسمة أو قبل البيع تقبل شهادته ، فإذا حمل على هذا صارت ~~المسألتان على رواية واحدة ، والثانية تكون تفسيرا للأولى ، وكان أبو بكر ~~الأعمش يقول في المسألة اختلاف روايتين في هذا الباب ، إذا شهد واحد على ~~أنه أسلم قبل القسمة لا تقبل شهادته ، وفي الباب الثاني : إذا شهد واحد ~~تقبل فالوجه لما ذكر هاهنا وهو أنه بالأسر ثبت فيه حق الغانمين ، وفي قبول ~~شهادته إبطال PageV05P2202 حق الغانمين ، فلا يبطل إلا بالشهادة التي تبطل ~~بها الحقوق في الأحكام كما أنه لا تقبل شهادته بعد البيع والقسمة ولم يبطل ~~به ملك المشتري ولا الذي وقع سهمه ، وهذا كما يقال في الشهادة القائمة على ~~استهلال الصبي أنها مقبولة في حق الصلاة على الصبي في قولهم جميعا ، غير ~~مقبولة في حق التوريث ، عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وكذلك هاهنا ~~يقبل قول الواحد في حق الصلاة على الميت ، ولا يقبل في إبطال الأسر ، ~~والوجه للرواية الأخرى أنه ، وإن ثبت فيه حق المسلمين بالأسر فإنه ليس يحق ~~لرجل خاص ، بل الحق فيه لجماعة ms1246 المسلمين ، فهو بشهادته ليس يبطل حقا خاصا ~~لرجل معين ، فجعل بمنزلة الشهادة في أمر من أمور الدين ، فيقبل إذ حرمة ~~الاسترقاق من أمور الدين ، بخلاف ما بعد القسمة لأنه يبطل ملكا خالصا ، ~~لرجل معين ، فلا يقبل في ذلك إلا ما يقبل في الأحكام من شهادة رجلين ، أو ~~رجل وامرأتين ولأن قول هذا الرجل لا يكون أقل حالا من السيماء ولو كان عليه ~~سيماء المسلمين فإنه لا يجعل فيئا فبقول المسلم العدل أولى ، فأما الفاسق ~~من المسلمين فلا تقبل شهادته في مثل هذا ولا يصلى عليه ، ولا يستغفر له ~~بشهادته ، لأن الفاسق يتبين في نبئه ، وإن كان في أمر من أمور الدين ، وهذا ~~فصل ينبغي أن يحفظ ، فإنه ذكر الطحاوي في مختصره أن الواحد إذا شهد برؤية ~~هلال رمضان تقبل شهادته ، وعليه أن يصوم ، وإن كان فاسقا ، لأن له حظا من ~~هذه الشهادة ، فلا يكون متهما فيقبل ، وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله ~~تعالى - لو أن رجلا أسلم في أرض الحرب ، ولا يعلم أن عليه الصوم ، والصلاة ~~فأخبره مسلم أن عليك الصوم والصلاة كان عليه أن يصوم وإن كان المخبر فاسقا ~~والله تعالى الموفق . PageV05P2203 # # | باب ما يصدق فيه المسلم في دار الحرب وما لا يصدق فيه # قال محمد بن الحسن - رحمه الله تعالى - : وإذا دخل المسلم دار الحرب ~~بأمان أو كان فيهم أسيرا أو أسلم في دار الحرب وقد كان من أهل الحرب فوجده ~~المسلمون في دار الحرب ومعه رجال ونساء فقال : هؤلاء عبيدي وإمائي اشتريتهم ~~من أهل الحرب ولا يعلم ذلك إلا بقوله فإن صدقه الرجال والنساء بما قال فهم ~~رقيقه كما قال ؛ وذلك لأن الأمان بالإيمان أعلى حالا من الأمان بالاستئمان ~~، ولو أن واحدا من أهل الحصن أمنه الإمام على نفسه وماله ثم فتح المسلمون ~~الحصن فقال الذي أومن : هؤلاء عبيدي وإمائي ، وصدقوه بذلك كان آمنا بجميع ~~ما قال ، فها هنا أولى والمعنى فيه أنهم لما صدقوه فقد ظهر له اليد فيهم ، ~~لأن أقصى ما يظهر من ثبوت ms1247 اليد على العبد والأمة أن يكون بحضرته ، يخدمانه ~~وثران له باليد ، وقد وجد هذه الصفة هاهنا فصاروا PageV05P2204 في يده ، ~~واليد تدل على الملك ، فكانوا ملكا له وملك المسلم لا يسبى ولا يستغنم ، ~~وإن كذبوه بما قال فهم فيء أجمعون ؛ لأنهم لما جحدوا دعواه ، لم يصيروا في ~~يده فقد ادعى شيئا لا دليل له عليه ، من يد أو غيرها فلم يصدق ، وإذا لم ~~يصدق فهؤلاء أحرار حربيون ، ولا أمان لهم فيسبون ، ولا شيء لهذا المستأمن ~~أو المسلم معهم ، ولكنهم يخمسون وما بقى فهو للمسلمين الذين أصابوا ذلك على ~~سهام الغنيمة ، لأن هذا المستأمن أو المسلم لم يدخل مع المسلمين دار الحرب ~~للغزو وإنما هو لاحق بهم ، وقد ذكرنا أن الأسير أو المستأمن إذا لحق بالجند ~~فإنه لا حق له فيما كانوا أصابوا من الغنائم من قبل ، إلا أن يلقوا قتالا ~~فحينئذ يصير شريكهم فيما أصابوا فكذلك هاهنا ، وإن صدقه بعضهم وكذبه بعضهم ~~فالذين صدقوه عبيد له وأما الذين كذبوه فهم فيء ؛ لأن البعض معتبر بالكل ~~والكل لو صدقوه كانوا عبيدا له ، ولو كذبوه جميعا كانوا فيئا كلهم ، فإذا ~~وجد التصديق من البعض والتكذيب من البعض رد كل واحد من ذلك إلى أصله ، ~~وكذلك ما وجد في يده من مال دراهم ، أو دنانير أو ثياب أو بقر فقال : هذا ~~لي اتجرت في هذه البلاد ، فأصبته فالقول فيه قوله وهو له ، PageV05P2205 ~~لما قلنا : إن اليد دليل على الملك في الحربي أو من على ماله فهذا أولى ~~فلأن يكون للمسلم دليلا على ملكه أولى ، ولو وجد المسلمون في دار الحرب ~~أسيرا مسلما ، أو مسلما مستأمنا أو مسلما قد أسلم من أهل الحرب وقد وجد معه ~~من الدراهم والدنانير وسبى من الرجال والنساء ، وذلك ليس في يده أو لا يدري ~~أفي يده ذلك أم لا فادعى أنه له وصدقه بذلك الرجال والنساء فإنه لا يصدق ~~على شيء من هذا وذلك جميعا فيء للمسلمين الذين أصابوه ؛ لأن المسلمين لما ~~وجدوهم فقد صاروا فيئا لهم في الظاهر ms1248 فلا يصدق المدعي على ما ادعى بغير ~~دليل ، فإذا كانوا عنه غائبين ليسوا في يده أو لم يدر أنهم في يده أولا ولم ~~يوجد دليل يدل على الملك فلم يصدق فإن أقام البينة على أن ذلك له أو أقام ~~البينة على أن ذلك في يده يوم افتتح الحصن ، أو أقام البينة على أن المنزل ~~الذي وجد ذلك فيه منزلة ، قبلت شهادة شهودة في ذلك ورد ذلك كله إليه ، لأن ~~الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، ولو كان المال في يده معاينة أو الرجال ~~والنساء في يده معاينة وصدقوه بذلك كان القول قوله ، ولم يصر شيء من ذلك ~~فيئا ، فكذلك إذا أثبت ذلك بالبينة ، ثم هذا الجواب يستقم في المستأمن ~~PageV05P2206 والأسير على قول الكل ، فأما في الذي أسلم في دار الحرب ، فإن ~~شهدوا أن ذلك كان في يده يوم فتح الحصن ، فكذلك يستقيم الجواب ، على قول ~~الكل أنه يرد إليه المال فأما إذا شهدوا أنه له فإن الجواب الذي ذكر أنه ~~يرد إليه مستقيم على قول محمد - رحمة الله عليه - فأما على قول أبي حنيفة - ~~رضي الله تعالى عنه - لا يستقيم هذا الجواب ويكون فيئا لأن المذهب عند أبي ~~حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أن كل ما كان ملكا له ، وهو في يد غيره من ~~أهل الحرب ، أو لم يعرف أنه في يد المسلم يكون فيئا وعند محمد - رحمة الله ~~عليه - لا يكون فيئا فيكون كمال الحربي المستأمن وهنا هنا لم نعرف أنه في ~~يد هذا المسلم ، وإن عرف أنه ملكه بالبينة ، فيكون فيئا عند أبي حنيفة - ~~رضي الله تعالى عنه - وعند محمد - رحمه الله - لا يكون فيئا ، فإن شهدوا أن ~~هؤلاء الرجال والنساء كانوا في يده حين افتتح الحصن أو في منزله ولم يشهدوا ~~أنهم عبيده وإماؤه وهم ينكرون أن يكونوا عبيدا له وإماءه ، وقالوا : إنا ~~كنا أحرارا لم ينتفعوا بذلك وكانوا فيئا للمسلمين ؛ لأنهم لم يثبتوا للمدعي ~~إلا مجرد اليد ، واليد في بني آدم لا تدل على أنه مملوك ، وهي دالة ms1249 على ~~الملك لذي اليد بعدما ثبت كونه مملوكا فإنه ذكر في الجامع الصغير إذا كان ~~في يد رجل صبي صغير يعبر عن نفسه ، أو رجل بالغ ، فزعم ذو اليد أنه عبده ~~وقال الصبي : لا بل أنا حر الأصل ، فالقول قول الصبي أنه حر ، ولو أنه أقر ~~أنه عبد ولكنه قال : أنا عبد فلان لرجل آخر غير ذي اليد ، وفلان يدعي ، ~~فالقول قول الذي العبد في يده ، وكذلك ذكر عقيبه كل شيء رأيته في يد غيرك ، ~~وسعك أن تشهد بالملك له ، ما خلا العبد PageV05P2207 والأمة ، فإذا لم تدل ~~اليد على الملك كان القول قولهم أنا أحرار ، وصاروا فيئا للمسلمين ، قال : ~~ولا يقبل في هذا إلا شهادة العدول من المسلمين ؛ لأن هذه الشهادة تبطل حق ~~الاستغنام على المسلمين ، فلا يقبل على إبطال حق المسلمين إلا شهادة ~~المسلمين ، وكذلك الذمي يوجد في دار الحرب مستأمنا أو أسيرا فيدعي مثل ما ~~يدعي المسلم فهو بمنزلة المسلم في جميع ما وصفت لك ، ما صدق فيه المسلم صدق ~~فيه الذمي وما لا فلا ؛ لأن مال الذمي معصوم عن الاستغنام كمال المسلم ، ~~فيستوي الجواب في الذمي والمسلم جميعا ، ولو أن المسلم أو الذمي وجد ~~المسلمون معه امرأة في دار الحرب فسألوه عنها فقال : هذه امرأتي تزوجتها في ~~دار الحرب ، وصدقته المرأة في ذلك فهي امرأته ؛ لأنهما تصادقا على النكاح ~~والنكاح يثبت بالتصادق ، والمرأة فيء صدقته على النكاح أو كذبته ؛ لأن ~~تزويجه لو كان ظاهرا عيانا لم يخلصها من السبي ، فإذا لم يكن ظاهرا أولى ~~قال : ولا تزويجه إياها أمانا لها ؛ PageV05P2208 لأنه تروجها في دار الحرب ~~، ولو أفصح لها بالأمان في دار الحرب لم يجز أماه على المسلمين ، كذا هاهنا ~~لا تصير بالتزويج آمنة في حق المسلمين أولى ، فإن كان معها أولاد صغار فقال ~~: هؤلاء أولادي منها وصدقته المرأة بذلك ، فالأولاد أحرار لا سبيل عليهم ، ~~فإن كان الأب مسلما فهم مسلمون بإسلامه ، وإن كان الأب ذميا فهم ذميون ~~بذمته ؛ لأن الأولاد في يدها فلما صدقته على دعواه فقد ms1250 صارت هي والأولاد ~~الذين في يدها في يد الزوج ، وإذا أثبت اليد للزوج كان القول قوله فيما في ~~يده فيكون حرا ، لأنه ولد بين أبوين حرين ، لأن الأب حر مسلم أو ذمي ~~والمرأة وإن كانت حربية فهي حرة إلى أن ظهر المسلمون عليها ، وإذا ولدت حرة ~~كان هذا الولد حرا مسلما أو ذميا تبعا لأبيه والحر المسلم أو الذمي لا ~~يسترق ، وإن كانت حبلى فهي وما في بطنها فيء للمسلمين الذين أصابوها ؛ لأن ~~الولد ما دام في بطنها فهو جزء من أجزائها ، وبعض من أبعاضها يفصل عنها ~~المقراض ثم هي إذا صارت فيئا فالولد الذي هو بعضها يصير فيئا تبعا لها ، ~~فإذا ولد فإن كان أبوه مسلما كان مسلما ؛ PageV05P2209 لأن الولد يتبع خير ~~الأبوين دينا ، لأن الإسلام لا ينافي الرق والسبي فيكون عبدا لمن أصابه وإن ~~كان ذميا فهو ذمي أيضا ؛ وإن كانت المرأة معروفة أنها في يد المسلم أو ~~الذمي أو وجدها المسلمون أمة ومعها أولادها صغار فقال المسلم والذمي : هو ~~امرأتي وهؤلاء ولدي وكذبتهما بما قالا ، وقالت : هؤلاء ولدي ولست لهذا ~~المدعي بزوجة ، ولا هؤلاء أولاد له فإن النكاح لا يثبت لتكذيبها ، ثم ~~القياس أن الأولاد فيء معها للمسلمين ، وفي الاستحسان الأولاد أولاد المسلم ~~، والذمي أحرار لا سبيل عليهم والمرأة فيء ؛ فوجه القياس في ذلك أن الأولاد ~~في حجرها وفي يدها وإذا لم يثبت النكاح بينهما لم يثبت للمسلم عليها يد فلا ~~يثبت له يد على الأولاد الذين في يدها فقد ادعى الأولاد وليس له عليهم يد ~~فلا يصدق ، ووجه الاستحسان في ذلك وهو أنه عرف كون المرأة في يده وكونها في ~~يده يوجب كون الأولاد في يده ، وإذا صاروا في يده كان القول قوله في حرية ~~الأولاد والنسب ، فكان تكذيبها بمنزلة تصديقها إذ أمر الحرية أوسع وأسهل ، ~~PageV05P2210 ألا ترى أن العبد المأذون له في التجارة إذا كان في يده صبي ~~صغير فقال : هذا لقيط التقطته قبل قبوله وكان حرا ، وإن كان العبد لا يملك ~~تحريره وإعتاقه وما ms1251 ذلك إلا لسعة أمر الحرية ، ولو ادعى أنها أم ولده ، وأن ~~هؤلاء ولده منها وهي معروفة أنها في يد المسلم ، وأنكرت ذلك فإنها فيء ~~للمسلمين ، لما قلنا : إن اليد فيها غير دالة على الرق فكان القول قولها ، ~~ألا ترى أنه لو ادعى أنها أمته وأنكرت هي كان القول قولها أنها حرة فكانت ~~فيئا ، وكذلك إذا أنكرت أمومية الولد فالأولاد أولاده أحرار لا سبيل عليهم ~~في الاستحسان ؛ لما قلنا : إنه عرف له يد فيها فكن يثبت بذلك يده على ~~الأولاد الذين في يدها فكان القول قوله فيها ، وإن صدقته أنها أم ولد له ~~فإن القول قول المسلم ولا تكون فيئا والأولاد أحرار ؛ لأنه لو ادعى بعد ~~ظهور يده فيها أنها أمته وصدقته في ذلك كان القول قوله ولم تكن فيئا فلأن ~~يصدق على أنها أم ولده أولى ، PageV05P2211 فإن لم تكن في يد المسلم أو ~~الذمي أو لا يدري أكانت في يده أو لم تكن ، فقال : هذه زوجتي أو أم ولدي ~~وهذه الولد الذين في يدها ولدي فإن أقرت بذلك كانوا ولده ، وثبت نسب الولد ~~وكانوا أحرارا لا سبيل عليهم ؛ لأن الأولاد يحتاجون إلى ثبوت نسب ، ويثبت ~~النسب بتصديق ذي اليد وإذا ثبت النسب فهم ذميون أو مسلمون فلا يسترقون ، ~~وأما المرأة فإن ادعى النكاح كانت فيئا ؛ لأن النكاح الظاهر لا يمنع السبي ~~والاسترقاق فهاهنا أولى ألا يمنع ، وإن أقرت أنها أم ولد له كانت أم ولد له ~~لا سبيل عليها في الاستحسان ؛ لأن أمومية الولد تثبت تبعا للنسب والنسب قد ~~ثبت فثبتت أمومية الولد تبعا له وأم الولدلا تسبى ، وإن كذبته بما قال كانت ~~المرأة وولدها فيئا للمسلمين ولا يصدق على ما ادعى من ذلك ؛ لأنه ادعى وليس ~~له فيها وفي أولادها يد ظاهرة وذو اليد كذبه في ذلك فلا تقبل دعواه بغير ~~دليل كما لا تقبل متى وقعت الدعوى بهذه الصفة في دار الإسلام ، إلا أن يقيم ~~البينة على ما ادعى من ذلك فالأولاد أحرار وكانت الجارية أم ولد له ms1252 وتكون ~~الزوجة فيئا ؛ PageV05P2212 لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، فإن ~~أقام البينة أن ذلك كان في يده أو في منزله يوم ظهر عليه كان الجواب فيه ~~كالجواب فيما إذا عرف أنها في يده بغير بينة سواء ، فإن صدقته صارت أم ولد ~~له والأولاد ثابتو النسب منه أحرار لا سبيل عليهم ، وأما الزوجة تكون فيئا ~~وإن كذبته فالأولاد أحرار وهي فيء لا تصير أم ولد ؛ لأن الرق لا يثبت بمجرد ~~اليد مع الإنكار والله أعلم . وقال : وإذا وجد في يد المسلم الذي وصفت لك ~~رجل أو امرأة فقال : هذا عبدي أو أمتي جئت بها من دار الإسلام وصدقته بذلك ~~العبد أو الأمة ، فهو مصدق على ما قال من ذلك ؛ لأنه لو قال : اشتريتهم من ~~دار الحرب ، وصدقوه في ذلك صدق فلأن يصدق هاهنا أولى ، وكذلك الذمي يصدق في ~~ذلك ؛ لأنه يساوي المسلم في عصمة ماله فكذلك يساويه في حكمه ، فإن كان في ~~يد أحدهما امرأة كبيرة فقال : هذه امرأتي جئت بها معي من دار الإسلام ، ~~وصدقته المرأة بذلك فهو مصدق في ذلك لا سبيل عليها ؛ لأن إقرار الرجل جائز ~~بأربع : بالمرأة والأب ، والابن ، ومولى العتاقة ، فعمل PageV05P2213 ~~إقراره بأنها امرأتي ، ويثبت النكاح بينهما بتصادقهما ، وإذا ثبت النكاح ~~بقيت على الحرية ضمنا تبعا لها كما لو كانت معروفة بأنها امرأته ، وكذلك لو ~~كان مع أحدهما امرأة كبيرة فقال : هذه ابنتي أو أختي أو أمي أو عمتي أو ذات ~~رحم محرم مني ، وصدقته بذلك ، فهي حرة لا سبيل عليها إما إذا قال : هذه ~~ابنتي فلأن النسب قد يثبت فصارت كالابنة المعروفة وأما في ذوات الرحم ~~المحرم فالقرابة التي تدعى لا تثبت لو كانت الدعوى في دار الإسلام ، فكذلك ~~لا تثبت إذا كانت الدعوى في دار الحرب إلا أنه إنما يقبل قوله فيهن ؛ لأن ~~الحربي لو استأمن على نفسه ، وماله فخرج إلى دار الإسلام فقال : هذه أخواتي ~~وعماتي وخالاتي قبل قوله فيهن ، وصرن آمنات تبعا له ، لما أن الظاهر أنهن ~~لا يخرجن إلى دار الإسلام إلا ms1253 بمحرم ، وكذلك يقبل قول الذمي والمسلم فيهن ~~في دار الحرب ويجعلن تبعا له في الخروج إلى دار الإسلام ، لأن الظاهر أنهن ~~لا يخرجن بأنفسهن ، فإذا كان مع أحدهما رجل كبير فقال : هذا ابني أو شيخ ~~فقال : هذا أبي فصدقه الرجل بذلك فهو حر لا سبيل عليه ؛ لأن الأبوة والبنوة ~~تثبت بتصادقهما لما قلنا : إن إقرار الرجل بالابن والأب PageV05P2214 جائز ~~في دار الإسلام فكذلك جائز في دار الحرب وإذا ثبت النسب ثبتت الحرية تبعا ~~له فلا يسترق لما مر ، فإن قال : هذا أخي أو عمي أو خالي أو رجل من ~~المسلمين دخل معي ، أو كانت معه امرأة فقال : هذه امرأة من المسلمين أو من ~~أهل الذمة دخلت معي فإن كان مسلما صدق على ذلك كله ، إذا صدقه بذلك الذي ~~معه ، وإن كان الرجل الذي يقول هذا للمسلمين ذميا لم يصدق ؛ لأن الذمي ~~المستأمن لو خرج برجال إلى دار الحرب فقال : هؤلاء إخواني وأعمامي لم يقبل ~~قوله ، ولم يكونوا تعبا له في الأمان ، فكذلك قول الذمي لا يقبل فيهم في ~~دار الحرب ، ولا يكونون تبعا له ، ولا يقبل قوله أيضا من حيث الشهادة لأنها ~~شهادة في أمر من أمور الدين ولا شهادة لأهل الذمة في أمور ديننا ، ألا ترى ~~أنه لو أخبر بنجاسة الماء لم يقبل خبره ، فكذلك هاهنا فأما قول المسلم : ~~إنه عمي ، أو رجل من المسلمين دخل معي شهادة منه في أمر من أمور الدين وقول ~~الواحد في أمور الدين مقبول ، فإن كان الرجل الذي مع الذمي يدعي الإسلام ~~وعليه سيماء المسلمين في لباسه وهيئته صدق أنه مسلم ولم يكن فيئا ؛ ~~PageV05P2215 لأنه يقبل قول الرجل : إنه مسلم إذا كان عليه علامة الإسلام ~~ووقع في القلب أنه مسلم ، فإذا كان مع السيماء قولا ذمي أولى أن يصدق ، وإن ~~كان الذي مع الذمي لم يدع أنه مسلم ولكن ادعى أنه ذمة للمسلمين وصدقه الذمي ~~بما قال لم يصدق الذمي ، لما قلنا : إن قول الذمي في أمر من أمور الدين لا ~~يقبل وإن ms1254 كان عدلا ، إلا أن يكون لأهل الذمة زي ولباس غير زي أهل الحرب ~~ولباسهم ، وأنهم يعرفون به أنهم ليسوا على ما عليه أهل الحرب من ذلك ، وكان ~~أكبر الرأي والظن أنه من أهل الذمة خلي سبيله ولم يجعل فيئا ، لما قلنا : ~~إن هذا أمر من أمور الدين ، وكذلك العبد المسلم ، إذا كان عدلا ، قبلت ~~شهادته فيها ؛ لأن هذا من أمور الدين وما هو من أمور الدين فقول العبد فيه ~~مقبول كما يقبل في هلال رمضان وفي رواية الأخبار ، وكذلك لو أن جلا مسلما ~~عدلا شهد لبعضهم أنه كان حربيا فأسلم ، وادعى الحربي ذلك ، ولم يكن عليه ~~سيماء المسلمين ، صدق المسلم على ذلك ، وخلي سبيل الأسير إذا لم يجر فيه ~~قسمة ولا بيع ، فأما إذا جرى فيه قسمة أو بيع لم يصدق على ذلك ؛ ~~PageV05P2216 لأن قبل القسمة هي شهادة على أمر من أمور الدين فيقبل قوله ، ~~وبعد القسمة فيه إبطال ملك المسلم فلا يبطل ملكه إلا بشهادة رجلين قال : ~~ولك شيء صدق فيه المسلم المعروف أو الذمي المعروف ، فالرجل إذا كان عليه ~~سيماء المسلمين ، ولا يعرف أنه مسلم ، يصدق فيه يعني فيما في يده من ~~الأموال والرقيق ؛ لأنه إذا حكم بإسلامه بالسيماء صار بمنزلة المسلم ~~المعروف ألا ترى أنه يصلى عليه إذا مات ، ولا يجري عليه سبي كالمسلم فكذلك ~~هاهنا ، يجعل كالمسلم المعروف ، وكل شيء صدق فيه الذمي المعروف فالمسلم ~~المعروف مصدق فيه ، وإن كان غير عدل لأن الذمي العدل لا يكون أعلى حالا من ~~المسلم الذي ليس بعدل ألا ترى أن الذمي العدل لو أخبر بنجاسة الماء لا يقبل ~~قوله ، كما لا يقبل قول الفاسق ثم لما صدق فيه الذمي العدل ، فلأن يصدق ~~المسلم الذي ليس بعدل أولى ، وكل شيء مما وصفت لك لا يصدق فيه المسلم إلا ~~أن يكون عدلا ، فإن الذمي لا يصدق فيه ، وإن كان عدلا حتى لو شهد الفاسق أن ~~هذا الحربي أسلم قبل أن يؤسر لم يصدق فيه ، والذمي وإن كان عدلا لا يصدق ~~فيه ms1255 ؛ لأن المسلم الفاسق أعلى حالا من الذمي العدل ، فلما لم يقبل قوله في ~~ذلك ، فلأن لا يقبل قول الذمي أولى ، PageV05P2217 وإذا دخل المسلم دار ~~الحرب بأمان أو كان أسيرا فيهم أو أسلم رجل منهم فظهر المسلمون على بعض تلك ~~الحصون ، وفي يده رجال ونساء ، فقال : هؤلاء بني وبناتي وعماتي وخالاتي ، ~~وقال : إني وجدتهم في دار الحرب ، ولم يسلموا فهم فيء ولا يكون ضمه إياهم ~~إليه أمانا لهم ؛ لأن هؤلاء ليسوا بتبع له في الإسلام فلم يصيروا مسلمين ~~بإسلامه ، فبقوا كأهل الحرب لا أمان لهم ولو ثبت لهم الأمان ثبت بالضم إلى ~~نفسه ولو صرح لهم بالأمان لا يجوز أمانه على المسلمين ، فالضم إلى نفسه ~~أولى ألا يوجب لهم أمانا في حق المسلمين ، فأما ولده الصغير ، فإن كان ~~مسلما فهو مسلم مثله لا يجري عليه شسبييء وإن كان ذميا فهو ذمي مثله لا ~~يجري عليه سبي ؛ لأنه بالضم إلى نفسه صار تبعا له ، وبالتبعية ثبت الإسلام ~~، والذمة فلا يسبون ، فإن قال المسلم : وجدتهم أسراء في أيدي أهل الحرب وهم ~~مسلمون وليس عليهم سيماء المسلمين ، فإن كان المسلم عدلا حرا أو عبدا فهو ~~مصدق وإن كان غير عدل من المسلمين ، أو كان ذميا عدلا لم يصدقا على شيء من ~~ذلك ، بخلاف ما إذا قال : جئت بهم من دار الإسلام فإنه يصدق ، سواء كان ~~فاسقا ذميا PageV05P2218 والفرق بينهما أنه لما قال : وجدتهم أسراء في أيدي ~~المشركين فقد أقر أن أهل الحرب ، جعلوهم تبعا لأنفسهم عبيدا ، وهذا منه ~~شهادة لهم بمنزلة ما لو شهد أنهم كانوا حربيين وأسلموا قبل أن يؤسروا ، وهي ~~شهادة على أمر من أمور الدين فتقبل ، إذا كان عدلا ولا تقبل إذا كان فاسقا ~~، أو ذميا وهذا المعنى معدوم فيما إذا قال جئت بهم من دار الإسلام ، فيصدق ~~ليه عدلا كان أو فاسقا ، ذميا كان أو مسلما ، للمعنى الذي بينا وأما أولاده ~~الصغار فلا يكونون فيئا ، لأن الولد الصغير صار في يده تبعا فيصير مسلما ~~بإسلامه ، أو يكون عليهم سيماء المسلمين ms1256 فيكونون أحرارا بحكم السيماء ، لا ~~بقول الفاسق المسلم والذمي ، ولو أخذهم المسلمون وليس عليهم سيماء يعرفون ~~بها من لباس ولا خضاب ولا قراءة قرآن فشهد لهم بما ادعوا من ذلك أهل الحرب ~~الذين كانوا معهم ، أو قوم من أهل الذمة ، أو قوم مستأمنون من أهل الحرب ~~وكتب بذلك أهل الحرب إلى إمام المسلمين لم يقبل شيء من ذلك وكانوا فيئا ؛ ~~لأن هذه شهادة منهم على أمر من أمور الدين ، وفيه إبطال حق المسلمين وكل ~~ذلك شهادة مردودة ، فإن جاء من ذلك أمر مشهود معروف يشهد عليه العوام من ~~أهل الحرب فيقع في قلوب المسلمين أنه حق فالقوم أحرار لا سبيل عليهم ؛ ~~PageV05P2219 لأن الإشهاد بخبر العوام يوجب من العلم أكثر مما توجبه ~~السيماء والعلامة ، لأن العوام منهم لا يتواطئون على الكذب والسيماء قد ~~تختلف ، ثم بالسيماء يحكم بكونهم مسلمين ، فبالشهرة الأولى ألا ترى أن ~~مسلما غريبا لو نزل في قوم مسلمين وأخبرهم أنه فلان ابن فلان الفلاني لم ~~يسع لأحد من القوم ، أن يشهد له على نسبه بقوله ، فإن كان معارفه قوم من ~~أهل الذمة ، فأخبروا بذلك أهل محلته حتى صار معروفا مشهورا ووقع في قلوب ~~أهل المحلة أنه صادق وسع لأهل المحلة أن يشهدوا على نسبه ، لاشتهار وقع ~~بخبر أهل الذمة فكذلك الإسلام ، إذا اشتهر بقولهم حكم بإسلامه ، ولو أن ~~قوما من أهل الحرب أسرهم المسلمون وليس عليهم سيماء أهل الإسلام ، ولا أهل ~~الذمة فادعوا أنهم مسلمون أو أهل ذمة ، فلم يصدقوا بذلك ، لم يدعوا ذلك حتى ~~أخرجهم الإمام إلى دار الإسلام فلم يقسمهم ولم يبعهم حتى شهد رجل من ~~المسلمين عدل على بعضهم أنه مسلم ، أو أنه رجل من أهل الذمة صدق بشهادته ~~وخلي سبيله ، وشهادته بذلك في دار الإسلام أو في دار الحرب سواء ؛ لأن نفس ~~الإخراج إلى دار الإسلام لا يجعله ملكا لرجل خاص فلم يتأكد ذلك الحق الثابت ~~العام ، فالشهادة وقعت على إسلامه والحق فيه للجماعة ، فتقبل كما تقبل إذا ~~وقعت في دار الحرب ، PageV05P2220 فإن باعهم ms1257 أو قسمهم ثم إن رجلا من ~~المسلمين شهد لبعضهم أنه مسلم أو ذمي لم تقبل شهادته ؛ لأنه صار ملكا خاصا ~~لرجل منهم فلا يبطل ملكه إلا بشهادة رجلين وقد ذكرنا في الباب الذي قبله أن ~~في المسألة اختلاف الروايتين ، وإذا شهدوا بعد البيع أو بعد القسمة يبطل ~~البيع والقسمة ؛ لأنه ظهر أن البيع والقسمة جرى فيهوهو حر فكان باطلا ، فإن ~~تفرق المسلمون عوض ذلك الذي وقع في سهمه قيمته من بيت المال ، وعوض المشتري ~~مثل الثمن من بيت المال ؛ لأنه استحق نصيبه ولا يقبل في هذا شهادة أهل ~~الذمة ، وإن كان الذي اشتراه ذميا ، لأن هذه الشهادة وقعت على المسلمين . ~~ألا ترى أنها لو قبلت يرجع المشتري على المسلمين في بيت مالهم بالثمن ، ولو ~~أن رجلا أخذه المسلمون وهو من أهل الحرب فادعى أن رجلا من المسلمين أمنه ~~وهو في الحصن قبل أن يؤخذ فسئل ذلك المسلم عما ادعى من الأمان فأقر أنه ~~أمنه لم يصدق على ذلك حتى يشهد رجلان مسلمان غير الذي أمنه على الأمان ؛ ~~PageV05P2221 لأن الذي أمنه يشهد على فعل نفسه وهو العقد الذي عقده ، فقوله ~~مردود ويبقى بعد مجرد دعوى الحربي من غير دليل فلا يصدق ، وهذا بخلاف ما ~~إذا شهد مسلم أنه أسلم قبل أن يؤسر فإن شهادته تقبل ويخلى سبيله ، وهاهنا ~~إذا شهد رجل مسلم عدل غير الذي أمنه على الأمان فإنه لا تقبل شهادته حتى ~~يشهد رجلان عدلان ، ووجه الفرق في ذلك ، وهو أن الأمان لا يخرجه من أن يكون ~~حربيا فإن الحربي وإن أومن فهو حربي من أهل الحرب ، إلا أنه اعترض عارض ~~يمنع حكم هذا السبب ويبطله فلا يبطل حكم السبب إلا شهادة رجلين ، فأما ~~الإسلام يخرجه من أن يكون من أهل الحرب فلما ادعى أنه مسلم فقد أنكر سبب ~~قيام الرق فيه وكونه من أهل دار الحرب فشهادة المسلم أنه من أهل دار ~~الإسلام شهادة علي أمر من أمور الدين فيقبل فيه قول الواحد ، فإن شهد جماعة ~~كثيرة وهم عبيد ms1258 أو محدودون في قذف وهم عدول غير فساق أمضيت شهادتهم ؛ لأن ~~الجماعة الكثيرة لا يتوهم فيهم تواطؤهم على الكذب ، لأنهم لو اجتمعوا على ~~ذلك لفشا سرهم ، فقول الجماعة يوجب العلم في قلوب الناس فيحكم به كما يحكم ~~بالسيماء التي توجب العلم أنه مسلم ، فإذا قسم أو بيع فإذا وجب فيه ملك ~~لرجل مسلم أو معاهد لم تقبل إلا شهادة رجلين مسلمين عدلين ، PageV05P2222 ~~لما أمر ، وإذا وجد المسلمون رجلا من أهل الحرب في دار الحرب ليس عليه ~~سيماء المسلمين ، ولا سيما أهل الذمة ، فقال : أنا رجل ذمي ، وشهد له رجل ~~مسلم عدل ، أنه مسلم كان الرجل المأخوذ فيئا ولم يكن مسلما ولا ذميا ؛ لأن ~~ما ادعاه المأخوذ لم يشهد به الشاهد ، والذي شهد به الشاهد فقد كذبه فيه ~~المأخوذ ، فلم يثبت لا الإسلام ، ولا الذمة فبقي حربيا يسترق ، ولو شهد له ~~المسلم العدل أنه ذمي ، وقال المأخوذ : أنا رجل مسلم ولست كما قال الشاهد ، ~~فالقياس في هذا أنه فيء للمسلمين ولكن في الاستحسان أجعله مسلما ولا أسبيه ~~، فوجه القياس فيه أنهما اختلفا في السبب ، فلما ادعاه المأخوذ لم يشهد له ~~الشاهد ، فلم يثبت وما شهد له به الشاهد لم يدعه المأخوذ ، فلم يثبت واحد ~~منهما فيكون فيئا دليله الفصل الأول ، ووجه الاستحسان في ذلك وهو أن ~~التوفيق ممكن بين الدعوى والشهادة ، لأن الذمي قد يسلم بعد الذمة ، فيجعل ~~كأنه كان ذميا كما شهد به الشاهد ، ثم أسلم في الحال ، فلما كان التوفيق ~~ممكنا يوفق ، فأما في الفصل الأول التوفيق غير ممكن ، لأن بعد الإسلام ، لا ~~يكون ذمة فاعتبر التكاذب في السبب ، ولأن في الإسلام ذمة وزيادة لأن الذمة ~~هي العهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ' من أخفر ذمة مسلم ~~كان عليه كذا وكذا ' غير أن الإسلام أعلى الذمتين ، فإن شاهده قد شهد ببعض ~~ما ادعاه المدعي ، والشاهد إذا شهد ببعض ما ادعاه المدعي تقبل PageV05P2223 ~~شهادته ، بمقدار ما شهد ، فكذلك هاهنا ثبت بشهادته الذمة ، فبعد ذلك حكم ~~بإسلامه بعد ms1259 ثبوت الذمة ، إذ الذمي قد يسلم بعد الذمة ، فلهذا قبلت شهادته ~~استحسانا ، ولو قال : أنا ذمي ، ولست بمسلم ، فشهد شاهدان عدلان مسلمان أنه ~~مسلم جعلته مسلما ؛ لأنه يثبت الإسلام ، بشهادة الشهود ، فجحوده بعدما ثبت ~~الإسلام بشهادة الشهود ردة منه ، فيجعل كأنه كان مسلما ثم ارتد والعياذ ~~بالله فيقاس بسائر المرتدين ، فإن أسلم فهو حر ، وإن لم يرجع إلى الإسلام ~~قتل . قال : ولو أن رجلا من المسلمين أخذ في دار الحرب ، ومعه بقر وغنم ~~ورمك يسوقها قوم ، فقال : هذا كله لي ، وهؤلاء أجرائي قوم من أهل الذمة ~~دخلوا معي من دار الإسلام ، وصدقوه بما قال ، فالقوم قولهم ولا سبيل عليهم ~~؛ لأن هذه السائمة في أيدي القوم ، والقوم لما صدقوه فقد أقروا أنهم في يد ~~هذا المسلم ، وأن ما في أيديهم من السائمة في يده ، وقد ذكرنا أن المسلم ~~المستأمن إذا ادعى أن ما في يده له صدق في ذلك ، وإن كذبه الذين ذلك في ~~أيديهم ، فقالوا : نحن ذمة كما قال وجميع ما في أيدينا لنا ، فالقول قولهم ~~وهم ذمة ، PageV05P2224 وذلك لأن المسلم قد شهد لهم بالذمة ، فتثبت الذمة ~~بشهادته وإن أثبتت الذمة وقد أنكروا الإجازة لم يصر ما في أيديهم ، من ~~السائمة في يد المسلم ، فتكون السائمة لهم ، ولو قال المسلم المعروف : ~~هؤلاء الذين يسوقون السائمة قوم من أهل الحرب استأجرتهم ليسوقوها ، وهي ~~كلها لي وصدقه بذلك الذين معهم ، ولا يعرف أن ذلك في يده إلا بقولهم فجميع ~~البقر والغنم فيء ، ولا يصدق على شيء من ذلك ؛ لأن الأجراء لا يصيرون آمنين ~~بعقد الإجارة ، لأن الأمان لا يثبت لهم ولو صرح لهم بالأمان في دار الحرب ، ~~فبعقد الإجارة أولى ، لا يثبت لهم الأمان ، فإذا لم يثبت لهم الأمان صاروا ~~فيئا للمسلمين ، والسائمة التي في أيديهم تصير فيئا معهم ، فإن كان يعلم أن ~~ذلك كان في يديه فدفعه إليهم بشهادة رجلين فهو له ؛ لأنه إذا عرف ذلك كانت ~~يدهم يد هذا المسلم ، فصار كأنه في يد هذا المسلم ، والمسلم لا يغنم ما ms1260 في ~~يده أيضا ، والذين يسوقون ذلك فيء للمسلمين ، وإن علم أنهم أجراء له ؛ ~~PageV05P2225 لأن عقد الإجازة يتضمن لهم الأمان ، والأمان لا يثبت لهم في ~~دار الحرب ، فإن أخرجهم المسلم إلى دار الإسلام صاروا آمنين ؛ لأن صريح ~~الأمان يصح من المسلم في دار الإسلام فكذلك يثبت بعقد الإجارة والله الموفق ~~. PageV05P2226 # | باب الدعاء إلى الإسلام لم يذكر هذا الباب في عامة النسخ # قال محمد - رحمة الله عليه - : ولو أن قوما من أهل الحرب ، بلغهم الإسلام ~~ولم يدروا كيف هو فغزاهم المسلمون فدعوا إلى أن يسلموا فأبى الأمير الذي ~~على المسلمين أن يجيبهم إلى ذلك حتى قاتلهم وظهر عليهم فإنه ينبغي أن يعرض ~~عليهم الإسلام ، فإذا أسلموا خلى سبيلهم وسلم لهم أموالهم وذراريهم ~~وأراضيهم ؛ لأن القتال شرع لأجل الإسلام ، على ما قال صلى لاله عليه وآله ~~وسلم : ' أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ' ، وهؤلاء لما ~~سألوا الإسلام فقد رغبوا فيه ، فكان يجب على الإمام أن يصف لهم الإسلام قبل ~~المقاتلة حتى يسلموا ، فإذا قاتلهم ولم يصف لهم الإسلام ، فقد أخطأ فيه ، ~~فعليه أن يرجع عن خطئه فيعرض عليهم الإسلام بعد الظهور عليهم فإن أسلموا ~~صاروا كأنهم أسلموا قبل الظهور عليهم فبقوا أحرارا كما كانوا ، وإن أبوا أن ~~يسلموا جعلوا ذمة ؛ PageV05P2227 لأنهم وقعوا في أيدي المسلمين آمنين ، لأن ~~قتالهم حرام على الإمام لما دعوا إلى الإسلام فلا يجعلون فيئا ولكن يجعلون ~~ذمة ، فإن أخطأ الإمام فسباهم ، وخمسهم وقسمهم أولم يفعل فإنه ينبغي له أن ~~يرجع عن خطئه فيعرض عليهم الإسلام ؛ لما قلنا : إنه أخطأ حيث سباهم وهم ~~راغبون في الإسلام ، والخطأ لا يستدام ولكنه يرجع عنه ، فإن أسلموا خلى ~~سبيلهم ، وأبطل القسمة فيهم ورد عليهم أموالهم ، وإن أبو الإسلام جازت ~~قسمتهم ولا يجعلهم ذمة بعد ذلك ؛ لأن الأمان لم يثبت لهم صريحا ، ليمنعهم ~~الأمان من القسمة ، إنما يثبت الأمان حكما بطلبهم الإسلام ، ولما أبوا ~~الإسلام فقد ظهر أن طلبهم لم يكن طلب رغبة في الإسلام ، وإنما كان طلبهم ~~دفع القتال ms1261 عن أنفسهم ، فنزلوا منزلة قوم لم تبلغهم الدعوة ، غزاهم ~~المسلمون ولم يطلبوا منا الإسلام فيعرض الإسلام عليهم فإن أسلموا فهم أحرار ~~، وإن أبو الإسلام جعلوا ذمة ، فإن قسمهم الإمام جازت قسمة الإمام ، لما أن ~~الموضع موضع الاجتهاد ، فإنهم أهل حرب ليس لهم صريح الأمان فنفذ حكم الإمام ~~للاجتهاد فكذلك هاهنا ، فإن جهل الإمام فقتل مقاتلتهم قبل أن يعرض عليهم ~~الإسلام فلا شيء عليه في ذلك ؛ PageV05P2228 لأن قتلهم وهم أهل حرب لا أمان ~~لهم ، فلا يكون في قتلهم شيء كما لو أسر المسلون قوما من المشركين ، فأراد ~~الإمام قتلهم ، فقالوا : نحن نسلم لم يكن للإمام أن يقتلهم حتى يعرض عليهم ~~الإسلام ، فإن قتلهم قبل أن يعرض عليهم الإسلام لم يكن عليه شيء في قتلهم ، ~~إلا أنه قد أساء فيما صنع فكذلك ها هنا ، ولو قتلهم بعد ما أسلموا فإن كان ~~قتلهم بعد ما أخرجهم إلى دار الإسلام ، ضمن قيمتهم ، فيكونون فيئا لمن ~~أصابهم ؛ لأنه يقوم بالإحراز بدار الإسلام ، إلا أنه يسقط القصاص لأجل ~~الشبهة ؛ لأنه قتل عن رأي واجتهاد ، ولم يقتل جزافا ، فإن قتلهم في دار ~~الحرب ، لم يكن عليه ضمان قتلهم للمسلمين ؛ لأن التقوم بالإحراز بدار ~~الإسلام فأجابهم الإمام إلى ذلك فقالوا : أنظرونا يوما أو يومين ، أو ثلاثة ~~، فذلك إلى الإمام إن شاء أنظرهم وإن شاء لم ينظرهم ؛ PageV05P2229 لأن ~~المرتد لو استنظر الإمام أنظره الإمام إن شاء ، فها هنا أولى ، فإن لم ~~ينظرهم حتى قاتلهم فظهر عليهم وسباهم وخمسهم وقسمهم فذلك له جائز ؛ لأن ~~الإمام لما أجابهم إلى أن يصف لهم الإيمان فقد فعل ما عليه ، فلما استمهلوا ~~بعد إجابة الإمام لهم فالتفريط جاء من قبلهم ، فلا يمنع الإمام تفريطهم من ~~مقاتلتهم ، فجاز للإمام قتالهم ، فإذا ظهر عليهم جاز لهم قسمتهم ، لأنهم ~~وقعوا في أيدينا وقتالهم للمسلمين حلال ، فلم يثبت لهم حكم الأمان فحل له ~~القسمة بخلاف الفصل الأول ، فإنهم طلبوا منا ما به حقن دمائهم وأموالهم في ~~الحال من غير استمهال ، فإذا لم يجبهم الإمام إلى ذلك ، فالنقص جاء ms1262 من قبل ~~الإمام ، فعلى الإمام أن يرجع عما قضى ويردهم أحرارا إن أسلموا وإلا جعلهم ~~ذمة ، فإن كان القوم قد عرض ذلك الأمر عليهم ، وعرفوا إلى ما يدعون ، فلما ~~أتاهم المسلمون وحاصروهم قالوا لهم : نحن نسلم فاعرضوا علينا الإسلام ، حتى ~~نجيبكم إليه ، فإن الإمام ينبغي له أن يفعل ذلك ؛ لأنهم ربما يسلمون فيكفيه ~~مؤنة القتال ، PageV05P2230 فإن أبى المسلمون وأميرهم أن يفعلوا ذلك ~~وقاتلوهم وأسروهم قبل أن يسلموا فهذا جائز لهم ؛ لأنهم قد عرفوا الإمام من ~~قبل فأمكنهم أن يسلموا في الحال قبل العرض عليهم ، فإذا لم يسلموا فالتقصير ~~جاء من قبلهم ، فلم يحرم قتلهم وسبيهم ، لتقصير من جهتهم بخلاف ما تقدم ؛ ~~لأنهم لم يعرفوا الإسلام من قبل ولا يمكنهم أن يسلموا من غير عرض فالتقصير ~~وجد من جهة المسلمين فلهذا حرم قتلهم وسبيهم ، ولو أن قوما من المشركين ~~كانوا في قاصية من الأرض لم يبلغهم الإسلام ، ولم يدعوا إليه أتاهم ~~المسلمون لم يسع المسلمين أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الإسلام ، لما روينا ~~في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا بعث سرية قال لهم : ~~إذا حاصرتم حصنا أو مدينة فادعوهم إلى الإسلام ، ولأنهم لا يدرون لماذا ~~يقاتلون ، ولو علموا أنهم يقاتلون لأجل الإسلام ، ريما ينقادون للإسلام ، ~~ولا يحتاج المسلمون إلى القتال ، فإن قاتل المسلمون المشركين الذين لم ~~تبلغهم الدعوة قبل أن يدعوهم فظهروا عليهم فقد أخطأ المسلمون في ذلك ~~PageV05P2231 لما قلنا : إن الواجب عليهم الدعاء إلى الإسلام فينبغي للإمام ~~أن يعرض عليهم الإسلام فإن أسلموا خلى سبيلهم ؛ لأنهم غير راغبين عن ~~الإسلام فصاروا كأنهم وقعوا في أيدي المسلمين بعد ما أسلموا ، فيجب تخلية ~~سبيلهم ورد أموالهم وأراضيهم ، فإن أبوا الإسلام ، جعلهم ذمة يؤدون الخراج ~~، ولم يردهم حربا بعدما ظفر بهم ، لما قلنا : إن الإمام قاتلهم ، والقتال ~~حرام عليهم ، فصاروا في عصمة وأمان فلا يغنمون ، فإن رأى الإمام قسمتهم أو ~~قتل مقاتلتهم ففعل ذلك ، ثم رفع ذلك إلى حاكم آخر يرى ما صنع باطل ، أجاز ~~ما صنع من ms1263 ذلك ؛ لأن الإمام حكم فيهم بالقسمة في موضع الاجتهاد ، ولأنهم ~~أهل الحرب ، وكونهم من أهل الحرب ، سبب يحل لحل قتالهم وسبيهم إلا بعارض ~~وذلك العارض هو الاستخبار والاستفهام ، وهذا العارض معدوم ، فقد استحل ~~قتالهم ، وسبب الاستحلال قائم ، فكان هذا موضع الاجتهاد فينفذ حكمه فلا ~~ينقض بعد ذل ، ثم لا يجب ضمان من قتل منهم عندنا ، وعند الشافعي - رحمة ~~الله عليه - يضمن ديات القتلى قبل الدعوة ؛ PageV05P2232 لأنهم متمسكون ~~بدين نبي من الأنبياء - صلوات الله عليهم - فيضمن الدية إلا أنا نقول بأنهم ~~اعتقدوا دينا باطلا ، واعتقاد الدين الباطل كفر ، فكان كافرا فلا يجب بقتله ~~شيء ، ثم عند الشافعي - رحمة الله عليه - يجب على القاتل مثل دية المسلم في ~~قول بعضهم ، وقال بعضهم : مثل دية الكتابي ، وقال بعضهم : يجب مثل دية ~~المجوس ، لأنه أقل الديات في دار الحرب فصار الحربي على ثلاثة أصناف : صنف ~~لم تبلغهم الدعوة ، ولم يسلموا أي لم يعلموا حتى يجيبوا ، فهؤلاء ينبغي ~~للإمام أن يبلغهم الدعوة فإن قتلهم وسباهم قبل الدعوة ورأى ذلك صوابا ، فإن ~~ذلك لا يرد وإن أسلموا ، وقوم لم تبلغهم الدعوة ، أو بلغتهم الدعوة ولم ~~يعرفوا ما تفسيره ، فسألوا المسلمين أن يخبروهم بدينهم فيتابعوهم عليه ~~فهؤلاء لا ينبغي للإمام أن يقتلهم ويأسرهم حتى يفهمهم ، فإن أسرهم ثم عرض ~~عليه الإسلام فأسلموا فإنه يرد تلك القسمة ، وقوم قد دعوا إلى الإسلام ، ~~غير مرة وعلموا ما يدعون إليه ، فسألوا المسلمين حتى يجيبوهم ، فالأفضل ~~للمسلمين أن يدعوهم فإن لم يفعلوا ذلك حتى قاتلوهم وأسروهم جاز ذلك ~~للمسلمين ، ولا يردون أحرارا بعد ذلك ، لأن التفريط من جهتهم وإن أسلموا ، ~~قال : ولو أن قوما من أهل الحرب الذين لم تبلغهم الإسلام ولا الدعوة أتوا ~~المسلمين في دارهم يقاتلهم المسلمون بغير دعوة ليدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا ~~منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز يخمس ذلك ويقسم ما بقي بين من أصابه ؛ ~~PageV05P2233 لأن المسلم لو شهر سيفه على مسلم حل للمشهور عليه سيفه قتله ~~للدفع عن نفسه ، فها هنا أولى ، والمعنى في ذلك أنهم ms1264 لو اشتغلوا بالدعوة ~~إلى الإسلام ، فربما يأتي السبي والقتل على حرم المسلمين ، وأموالهم ~~وأنفسهم فلا يجب الدعاء ، بخلاف ما إذا كانوا يغزون في بلادهم فإنه لا ~~ينبغي للمسلمين أن يقاتلوهم حتى يدعوهم ؛ لأنهم لا يقاتلون دفعا وإنما ~~يقاتلون لأجل الإسلام فلا بد من الدعاء إلى الإسلام ، ولو أن قوما من مشركي ~~العرب ، من عبدة الأوثان لم تبلغهم دعوة الإسلام ، إلا أنهم قد سمعوا ~~بالإسلام ولم يدروا ما هو ، فأغار عليهم المسلمون فظفروا عليهم ، فينبغي ~~للإمام أن يعرض عليهم الإسلام فإن أسلموا خلى سبيلهم ؛ لأنهم وقعوا في ~~أيدينا بغير قتال ولا محاربة ولم يوجد منهم إباء الإسلام أيضا ، فإن أبو أن ~~يسلموا حبسوا في السجن إلى أن يسلموا ولا يقتلون ؛ لأنه لا وجه بأن يضرب ~~عليهم الجزية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ' لا يجتمع في جزيرة العرب ~~دينان ' ولا وجه إلى أن يقتلوا لأنهم وقعوا في أيدينا لا على وجه المحاربة ~~فكانوا بمنزلة المستأمنين فلم يبق وجه إلا الحبس ، PageV05P2234 فإن ماتوا ~~على الكفر لم يجر على ذراريهم سبي وصارت أموالهم مواريث لورثتهم ؛ لأنهم في ~~حكم المستأمنين وأموال المستأمنين وذراريهم لا تستغنم ، فإن رأى الإمام رأى ~~الإمام حين أبوا الإسلام أن يقتل المقاتلة ويسبي الذرية ويقسم الأرضين ~~والأموال ففعل جاز ما صنع من ذلك ؛ لأنهم وقعوا في أيدي المسلمين وهم أهل ~~حرب ولا أمان لهم قصدا ، فكان هذا موضع اجتهاد في قتل مقاتلتهم وسبي ~~ذراريهم ، فإن فعل ذلك عن رأي واجتهاد جاز ، وكذلك قوم من المرتدين لحقوا ~~بنساء مرتدات فولد لهم أولاد ثم مات المرتدون وبقي أولادهم على دينهم لا ~~يعرفون الإسلام ، لم يسع المسلمين ، أن يقاتلوهم حتى يدعوهم إلى الإسلام ؛ ~~لأنه لم يظهر منهم إباء الإسلام ، فإن قاتلوهم بغير دعوة وظهروا عليهم عرض ~~عليهم الإسلام فإن أسلموا سلمت لهم أموالهم وذراريهم ؛ لأنهم غير راغبين عن ~~الإسلام ، فصاروا كما لو أسلموا قبل السبي والأخذ ، فإن أبو حبسوا لأنه لا ~~وجه لجعلهم ذمة ؛ PageV05P2235 لأنهم مرتدون والمرتدون لا يضرب عليهم ~~الجزية ، ولا يقتلون ms1265 لأنهم لم يصفوا الإسلام بأنفسهم ؛ فلا يقتلون على ~~ردتهم ، وإن رأى الإمام قتلهم وسبي ذراريهم وقسمة مالهم ففعل ذلك جاز ؛ لأن ~~الموضع موضع الاجتهاد ، على ما قلنا أنهم أهل الحرب ولا أمان لهم صريحا ، ~~وكذلك قوم من مشركي العرب من عبدة الأوثان دعاهم المسلمون إلى الإسلام ، ~~فأبوا أن يجيبوا إليه ، فقاتلوهم وحصروهم ، فقالوا للمسلمين : ننزل على حكم ~~الله - تعالى - فقالوا لهم : انزلوا ، فنزلوا ، فإن المسلمين يعرضون عليهم ~~الإسلام فإن أسلموا فلا سبيل عليهم لما قلنا ، وإن أبو أن يسلموا أجبروا ~~على الإسلام وحبسوا حتى يسلموا ؛ لأنه لا وجه للقتل لأنهم خرجوا على أمان ~~ولا وجه لضرب الجزية عليهم لأنهم من مشركي العرب ، ولا وجه لردهم إلى حصنهم ~~؛ لأنه ليس من حكم الله - تعالى - أن يتركوا ليعودوا إلى دار الحرب ، ~~فيكونوا حربا لنا فلم يبق وجه إلا الحبس ، PageV05P2236 فمن مات منهم ورث ~~ماله ورثته ؛ لأنهم في حكم المستأمنين ، وإن رأى إمام من أئمة المسلمين أن ~~يقبل من مشركي العرب الجزية جاز ذلك ، وإن كان هذا خطأ ، لأن للاجتهاد فيه ~~مدخلا قال الله - تعالى - : ' قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ' إلى أن قال : ~~' حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ' التوبة : 29 ، وليس فيه تخصيص ، ~~ولأن مشركي العرب والعجم أهل دين واحد وإن اختلفت آراؤهم ونحلهم ، وكذلك ~~أولاد المرتدين ، إن رأى الإمام أن يجعلهم ذمة جاز ذلك ؛ لأن الموضع موضع ~~الاجتهاد ، وكذلك لو أن الإمام رأى سبي مشركي العرب فخمسهم وقسمهم جاز ذلك ~~، وليس لوال آخر أن يبطل ما وضع ؛ لأن هذا موضع اجتهاد فإنهم أهل حرب ، ~~ولأن المذهب عن الشافعي - رحمة الله عليه - أن يجوز استرقاق مشركي العرب ، ~~وكذلك إن نزلوا على حكم الله فرأى الإمام أن يخمسهم ويقسمهم ففعل جاز ذلك ، ~~وليس لوال آخر أن يبطله لما قلنا أن هذا مما يسع فيه اجتهاد الرأي والله ~~تعالى أعلم . | PageV05P2237 # | باب ما ينبغي للمسلمين نصرته وبمن يبدءون # وقال محمد - رحمة الله عليه - إذا دخل العسكر من المسلمين أرض الحرب ، ~~فأخبروا أن المشركين قد ms1266 أتوا بعض أرض المسلمين أو بعض ثغورهم ، فإن خاف أهل ~~العسكر على أهل الثغر ألا يطيقوا العدو الذي أتاهم فالواجب عليهم أن ينفروا ~~إليهم ويدعوا غزوهم ؛ لأنهم إذا خافوا على أهل الثغر ، فإنه يفرض على كل ~~مسلم أن ينفر إليهم وينصرهم ودخولهم دار الحرب للعدو نافلة لهم أو من فروض ~~الكفاية ، وفرض العين لا يترك بالنافلة ، أو بما هو من فروض الكفاية ، ~~ولأنهم لو نفروا إلى أهل الثغر ، يحصل فيه شيئان اثنان قتال المشركين ونجاة ~~المسلمين ، ولو مضوا على غزوهم لا يحصل فيه إلا قتال المشركين ، فكان ~~الاشتغال يما يحصل فيه نجاة المسلمين مع قتال المشركين أولى ، وإن كانوا لا ~~يخافون على أهل الثغر ، أو كان أكبر الرأي منهم أن القوم ينتصفون منهم ، ~~فلا بأس بأن يمضوا على غزوهم ويدعوهم ؛ PageV05P2238 لأن ما من عسكر يخرجون ~~إلى أرض الحرب إلا ويتوهم أن العدو يميلون إلى بعض ثغور المسلمين ، ومع هذا ~~لا يمنعون عن الخروج ، فكذلك لا يميلون عن المضي فيه إذ لو لم يمضوا لهذا ~~المعنى يؤدي إلى ترك الجهاد أصلا ، ولأنهم لو مضوا في وجههم تحصل النكاية ~~على العدو من وجهين ، فإن أهل الثغور ربما يظفرون بمن أتاهم ، والعسكر كذلك ~~بالذين قصدوهم ، وكلما كانت النكاية بالعدو أكثر كان ذلك أحسن ، وإن كانوا ~~يخافون على أهل الثغر إن لم يمنعهم المسلمون وكان قربهم من المسلمين إن ~~أعانوهم ينتصفون من العدو أو كان أكبر الرأي أن أولئك المسلمين يقصدونهم ~~كانوا في سعة من المضي إلى غزوهم ؛ لما قلنا : إن فيه النكاية بهم من وجهين ~~، وإن كان أكبر الرأي منهم أن أولئك المسلمين لا ينصرونهم فالواجب عليهم أن ~~يرجعوا عن غزوهم ؛ لما قلنا ، وإنما يعمل بأكبر الرأي هاهنا ، لأن القلب ~~حكم فيما ليس فيه دليل ظاهر يوجب العمل بالظاهر ، والدليل الظاهر معدوم ~~هاهنا فكان القلب حكما فيه ، ولو أن عسكرين من المسلمين دخلوا أرض الحرب ~~PageV05P2239 متفرقين كل عسكر من ناحية فبلغ أحد العسكرين أن العدو تفرقوا ~~فرقتين ، فأتى فريق منهم ثغرا من ثغور ms1267 الذين خرجوا منه أو غيره ، وأتى فريق ~~منهم العسكر الآخر للذين دخلوا معهم ، وخافوا علي الفريقين جميعا إن لم ~~يعينوهم ، فإنه ينظر إن كان هذا العسكر بحال لو تفرقوا فرقتين فتذهب فرقة ~~إلى العسكر الآخر وفرقة إلى الثغر ، فظنوا أنهم ينتصفون من عدوهم تفرقوا ~~فرقتين ، فيأتي كل فريق منهم إحدى الطائفتين حتى يعينوهم على عدوهم ؛ لأن ~~فيه النكاية لكل عدو ، ولا نجاة لكل فريق من المؤمنين فكان عليهم أن يفعلوا ~~ذلك ، وإن كانوا لو تفرقوا فريقين لم يغنوا شيئا فيما يظنون ، فإنهم لا ~~يتفرقون ولكن يأتون أهل العسكر الذين في دار الحرب ، فيعينوهم ويدعون أهل ~~الثغر ؛ لأن الخوف عليهم أشد وهم من المدد أبعد ، فإن أهل الثغر ربما ~~يعينهم المسلمون أو ينحازون إلى المسلمين ، والعسكر الذين أتاهم العدو في ~~دار الحرب ، لا يعينهم المسلمون ولا يجدون ملجأ ينحازون إليه ، فكان العسكر ~~الآخر أولى بالإعانة لهم من أهل الثغر ، وإن كان أكبر الرأي من أهل العسكر ~~الذين في دار الحرب أنهم لا ينتصفون من عدوهم أتوا أهل الثغر وتركوهم ؛ ~~PageV05P2240 لأن أهل العسكر لا يحتاجون إلى إعانتهم ، وأهل الثغر يحتاجون ~~إلى الإعانة والنصرة فالميل إليهم أولى ، وإن كان أكبر الرأي من أهل هذا ~~العسكر ، أن الفريقين جميعا لا ينتصفون من عدوهم ، إلا أن أهل العسكر الآخر ~~إلى أرض المسلمين أقرب ، والمسلمون الذين يعينونهم أقرب إليهم ، وأهل الثغر ~~أبعد من أرض المسلمين ، وجب على أهل هذا العسكر أن يعينوا أهل الثغر ؛ لأن ~~الخوف على أهل الثغر أشد ، والمدد منهم أبعد فإعانتهم أوجب عليهم ، وإن كان ~~الأمر أن قد استويا في الفريقين يعني الخوف عليهما والرجاء لهما على السواء ~~، فالواجب على أهل هذا العسكر أن يعينوا أقرب الفريقين منهم على عدوهم ؛ ~~لأن عدوهم أقرب العدوين من هذا العسكر والله - تعالى - أمر بقتال الأقرب من ~~العدو ، وقال الله - تعالى - : ' قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ' ، ولأنهم ~~لو أتوا أقرب الفريقين ربما يهزمون ذلك العدو ، ثم يذهبون إلى الفريق الآخر ~~فينصرونهم فيكون فيه النكاية بالعدوين جميعا ، وإن ms1268 كان الأبعدون الخوف ~~عليهم أشد كانوا أولى PageV05P2241 بالنصرة من الأقربين ، وإن كانوا في ~~القرب منهم على السواء والخوف عليهم سواء ، أتوا أهل الثغر ؛ لأن الضرر على ~~المسلمين في هلاك أهل الثغر أكثر فكان الذب عن حرم المسلمين وما فيه إعزاز ~~لجميع المسلمين أولى ، ولو أن عساكر ثلاثة من المسلمين دخلوا أرض العدو ، ~~ودخل كل فريق منهم ناحية من النواحي ، فأتى العدو عسكرين من تلك العساكر ، ~~وتركوا العسكر الثالث ، فأخبر العسكر الثالث بكثرة العدو ، فإن كان الرأي ~~من أهل العسكر الثالث أن أهل العسكرين ينتصفون من العدو مضوا على غزوهم ؛ ~~لأن العسكرين الآخرين لا يحتاجان إلى إعانتهما ، وإن كان أكبر الرأي منهم ~~أن أحد الفريقين ينتصف ، والآخر لا ينتصف أتوا الفريق الآخر الذي لا ينتصف ~~؛ لما قلنا : إن فيه نكاية للعدو ونجاة المسلمين ، وإن كان أكبر الرأي منهم ~~أن الفريقين لا ينتصفون ممن أتاهم ، وإن تفرقوا لم يغنوا شيئا ، فإن كان ~~أحد العسكرين أقرب إلى دار الإسلام أتوا العسكر الآخر وتركوهم ؛ ~~PageV05P2242 لما قلنا : إن الخوف عليهم أكبر ، وإذا كان حال العسكرين حالا ~~واحدة أتوا أقرب العسكرين منهم وإن كان العسكر الآخر يهلك ؛ لأن عدو ذلك ~~العسكر أقرب منهم ، فإن كان الذين يلونهم قليلا ، والآخرون كثيرا بدئ ~~بالأقرب فالأقرب ولم ينظر القليل والكثير ؛ لأن حق الأقرب أوجب ، إلا أن ~~كان هذا يضر بالمسلمين إضرارا شديدا ، ويخافون أن يهلك المسلمون به ويذلون ~~، فإذا كان الأمر هكذا أتوا الكثير ؛ لأن المصلحة للمسلمين في هذا أكثر ~~وأعم ، وإن كان الذين يلونهم أكثر والأبعدون أقل لا يكون الأبعد أولى ~~بالنصرة ولكن الأقربين أولى ؛ لأن رب قليل ينتصفون من كثير ، ورب كثير لا ~~ينتصفون من قليل ، فحق النصرة لا يتعلق بالقلة والكثرة ، إنما يتعلق بالقرب ~~والبعد ، والله تعالى الموفق . | PageV05P2243 # # | باب متى يصير الحربي ذميا # قال محمد - رحمة الله عليه - إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان فاشترى ~~أرض خرج فوضع عليه الخراج فيها كان ذميا ، اعلم بأن الحربي المستأمن إذا ~~اشترى في دار الإسلام أرض عشر أو خراج ms1269 فإنه لا يصير ذميا حتى يزرعها ، ~~فيؤخذ منه عشر أو خراج ، وقال بعض الناس بنفس الشراء يصير ذميا ، وذهبوا في ~~ذلك إلى أن شراء الأرض للقرار فصار بالشراء راضيا بالمقام في دارنا فصار ~~ذميا ، إلا أنا نقول : لا يصير ذميا لأن الشراء قد يكون للتجارة وقد يكون ~~للزراعة ، فلا يصير راضيا بالمقام في دارنا ما لم يزرع ، فيؤخذ منه الخراج ~~ألا ترى أنه لو تزوج ذمية في دارنا ، لا يصير ذميا ، والتزوج للقرار ، فلأن ~~يكون ذميا بشراء الأرض كان أولى ، فإذا أخذ منه خراج أرض صار ذميا يوضع ~~عليه خراج رأسه ولم يترك أن يخرج إلى داره ، لأن خراج الأرض لا يجب إلا على ~~من هو أهل دار الإسلام ، لأنه حكم من أحكام المسلمين ، وحكم المسلمين لا ~~يجري إلى على من هو من أهل دار | PageV05P2244 الإسلام ، فلما وضع على هذا ~~المستأمن خراج ، في أرضه يصير من عليه الخراج من أهل دار الإسلام ، وإذا ~~صار من أهل دار الإسلام كان ذميا ، ولأن الخراج في الأعم الأغلب ، إنما ~~يوضع على أهل الذمة ، وإن كان قد استأنف على المسلمين في بعض الأحوال ، ألا ~~ترى أن المسلم متى اتخذ داره مزرعة وجب عليه فيها العشر ، والذمي لو اتخذ ~~داره بستانا يجب عليه الخراج فلما وضع على هذا المستأمن خراج أرضه فقد وضع ~~عليه ما يوضع على أهل الذمة في الأعم الأغلب ، فصار بذلك ذميا ، ثم قوله في ~~الكتاب ، إذا وضع عليه الخراج كان ذميا ، قال بعضهم : إذا نبه على ذلك ، ~~وبني له أنا نأخذ منك خرج أرضك إن لم تبعها ولم ترجع إلى بلادك ، لأنه لا ~~يجعل ذميا إلا برضاء منه ، فإذا لم يزل الأرض عن ملكه بعدما بين له صار ذلك ~~دليل الرضاء منه بكونه ذميا ، ومنهم من قال : معنى إذا وضع عليه الخراج كان ~~ذميا ، إذا وجب عليه الخراج حينئذ يصير ذميا ، لأن كونه ذميا إنما يتفرع عن ~~خراج أرضه ، فما لم يجب الحق في أرض لم يتفرع عن صيرورته ذميا ، ولو ms1270 أن ~~حربيا دخل دار الإسلام بأمان فاشترى أرضا PageV05P2245 من أرض الخراج ~~فباعها قبل أن يجب خراجها ، لم يكن بشراء الأرض ذميا ؛ لأنه إنما يصير ذميا ~~من أهل دارنا بوجوب الخراج عليه والخراج لم يجب بعد فلا يصير بنفس الشراء ~~ذميا ، ولو أن حربيا دخل دار الإسلام بأمان فاستأجر أرضا من أرض الخراج ~~فزرعها فخراج الأرض على صاحبها وليس على الزارع من الخراج شيء ، لأن الخراج ~~يجب بإزاء المنفعة ، والمنفعة في الحقيقة حصلت لرب الأرض ، لأن البدل حصل ~~له فكان الخراج عليه ، فإن زرعها الحربي وأدى أجرها إلى الذي استأجرها منه ~~وأخذ الخراج من صاحبها لم يكن الحربي ذميا بالزراعة ؛ لأنه لم يؤخذ منه ~~الخراج ولكن الإمام لا يدعه في دار الإسلام ، حتى يزرع ، لأن الاشتغال ~~بالزراعة مكث ومقام في دارنا ، والحربي يمتنع أن يطيل PageV05P2246 السفر ~~في دار الإسلام ، ولكنه إذا قضى حاجته في دار الإسلام تأمره بالرجعة إلى ~~بلاده فإن أطال المكث بها ، والإمام لا يعلم ، ثم علم فإنه ينبغي للإمام أن ~~يتقدم إليه ، ويخبره أنه إن أقام سنة من يوم يقدم إليه أخذ من الخراج ، فإن ~~رجع قبل تمام السنة فلا شيء عليه ، وإن أقام حتى تمت السنة أخذ الإمام منه ~~خراج رأسه ، وجعله ذميا ولا يدعه حتى يرجع إلى بلاده وقد تم الكلام فيه من ~~قبل ، ولو أن حربيا مستأمنا في دار الإسلام استأجر من رجل أرضا خراجها ~~مقاسمة نصف ما يخرج فزرعها الحربي ببذره ، فإن على قول أبي حنيفة - رضي ~~الله تعالى عنه - خراج الأرض يجب على رب الأرض وعلى قول أبي يوسف ومحمد - ~~رحمة الله عليهما - يجب على المزارع في الخارج لأن خراج المقاسمة بمنزلة ~~العشر ، ومن استأجر أرضا من أرض عشر وزرعها فإن العشر على رب الأرض في قول ~~أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمة الله ~~عليهما - يجب على الزراع في الخارج ، فإن أخذ الإمام خراجها مما أخرجت ، ~~وحكم بذلك عليه ، فكان ذلك من رأيه فإنه يصير ذميا بالاتفاق ms1271 ، أما على قول ~~أبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهما - فلا إشكال ، فإن الخراج عندهما يجب ~~على المستأجر ، والحربي هو المستأجر فقد جرى عليه حكم من PageV05P2247 ~~أحكام المسلمين حين أخذ الإمام منه الخراج ، فصار من أهل دارنا فيصير ذميا ~~، وأما عند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فلأن الخارج وإن كان يجب على ~~رب الأرض ، ولكن لما حكم به الإمام على المستأجر وأخذ من الخارج ، فقد قضى ~~في موضع مجتهد فيه فينفذ قضاؤه ، وصار الحق عليه فصار ذميا بالاتفاق ، ولو ~~اشترى الحربي المستأمن أرضا من أرض الخراج وخراجها مقاسمة النصف مما يخرج ~~أو الثلث ، فآجرها من رجل من المسلمين ، أو من أهل الذمة ليزرعها ببذرة ، ~~فأخرجت طعاما ، فأخذ الإمام من المستأجر نصف ما أخرجت ، ورأى الإمام أن ذلك ~~على المزراع فيما أخرجت الأرض فإن الحربي لا يصير ذميا ؛ لأن الخراج لم يجب ~~عليه في أرضه إنما أخذه من غيره ، وإنما ينظر في هذا إلى من يجب عليه الحق ~~لا إلى ملك الأرض ؛ لأن الذي وجب عليه الحق وأخذ منه هو الذي جرى عليه ~~الحكم فيصير بالحكم ذميا ، سواء كان هو المالك للأرض أو غيره ، ولو كان ~~الذي استأجرها منه حربيا مستأمنا صار المستأجر ذميا ؛ لأنه جرى عليه الحكم ~~في زرعه ، ولو لم يؤاجرها الحربي ، ولكنه أعارها عارية ، فإن PageV05P2248 ~~كان الخراج خراج مقاسمة ، كان الخراج في الزرع في قولهم جميعا ، ولو غصبها ~~إياه غاصب فزرعها ، وخراجها المقاسمة فأخرجت زرعا كثيرا ، فإن كانت الأرض ~~لم تنقص شيئا فالخراج يؤخذ من الخارج في قولهم جميعا ؛ لأن خراج المقاسمة ~~بمنزلة العشر ، والعشر على الغاصب ، لأن المنعة حصلت له فكذلك الخراج ولا ~~يصير صاحبها المستأمن ذميا ، لأن الحق لم يجب عليه في أرضه إنما وجب عليه ~~غيره ، وإن كانت الزراعة نقصت الأرض ؛ فإن على قول محمد - رحمة الله عليه - ~~، الخراج يؤخذ من الخارج ، والنقصان لرب الأرض ، والأجرة فكذلك إذا كان ~~غصبها كان الخراج في الخارج والنقصان لرب الأرض ، وعند أبي حنيفة - رضي ~~الله تعالى - نقصان الأرض ms1272 بمنزلة الأجرة فكذلك إذا كان غصبها كان الخراج في ~~الخارج والنقصان لرب الأرض ، وعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى - نقصان ~~الأرض بمنزلة الأجرة للأرض ، على ما يذكر فيما إذا كان الخراج خراج وظيفة ، ~~فيكون الخراج على رب الأرض ، فيصير صاحبها المستأمن ذميا ، عند أبي حنيفة - ~~رضي الله تعالى عنه - وعند محمد - رحمة الله عليه - لا يصير ذميا ، ~~PageV05P2249 وإن كان خراجها دراهم فاغتصبها مغتصب فزرعها فلم ينقصها الزرع ~~شيئا فخراجها على الغاصب ؛ لأن الحربي لم يستفد منفعة من الزراعة ، ولم يرض ~~أيضا بتعطيل منافع الأرض فإن الأرض أخذت منه غصبا ، فلا يجب عليه الخراج ، ~~كما لا يجب إذا غرقت الأرض بالماء وعجز عن زراعتها ، ثم إذا أخذ الغاصب ~~بخراجها لم يصر صاحبها المستأمن ذميا وإن أخذ خراج أرضه ؛ لأنه لم يؤخذ منه ~~إنما أخذ من غيره ولم يجر عليه حكم المسلمين فلا يصير به ذميا ، فإن كان ~~الزارع نقصها شيئا ينظر ، فإن كان النقصان مثل الخراج أو أكثر فإن المستأمن ~~يأخذ ذلك النقصان ويؤدي منه الخراج ، ويكون الفضل له إن كان ؛ لأنه وصل ~~إليه النفع من جهة الزراعة ، فصار كما لو زرعها بنفسه أو آجرها من غيره ، ~~ويصير صاحبها المستأمن ذميا ؛ لأن خراج أرضه أخذ منه ، وإن كان النقصان أقل ~~من الخراج كان قدر النقصان من الخراج على المستأمن وفضل الخراج على الغاصب ~~؛ PageV05P2250 لأن الخراج إنما يجب على المغتصب منه حكما لما يرجع إليه من ~~النفع ، بدليل أنه لو لم يرجع إليه شيء لم يؤخذ منه شيء من الخراج ، وحين ~~رجع إليه مثل الخراج أو أكثر أخذ منه الخراج كله ، فإذا رجع إليه من النفع ~~مثل بعض الخارج أخذ منه بقدره ، وكان الفضل على الغاصب ، وذكر أبو يوسف - ~~رحمة الله عليه - في المزارعة الكبيرة على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - يؤخذ الخراج كله من المغتصب منه ، قل النقصان ، أو كثر ، وذكر في ~~المزارعة الصغيرة الجواب أن على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ~~الخراج كله على رب الأرض ms1273 ، لأنه أخذ من منافع أرضه بدلا ، فصار كأنه آجر ~~أرضه بما أخذ ، ولو آجر أرضه كان الخراج عليه ، وفي الأجر بالخراج لو لم يف ~~فكذلك ما هاهنا ، ثم إذا أخذ جميع الخراج من الحربي ، المغصوب منه أو بعضه ~~يصير ذميا ؛ لأنه جرى عليه حكم المسلمين بأخذ بعضه كما يجري عليه بأخذ كله ~~، ولو زرعها الحربي المستأمن أو الغاصب أو المستأجر أو المستعير فأصاب ~~زرعها آفة فاصطلمته ، من غرق أو غيره لم يكن في الأرض خراج تلك السنة ولم ~~يصر المستأمن صاحب الأرض ذميا ؛ لأنه لم يؤخذ منه الخراج فلم يصر من أهل ~~دارنا فلا يصير ذميا ، PageV05P2251 وإذا اشترى المستأمن أرضا من أرض ~~الخراج فزرعها أو مكث في يده سنة أو أقل فوجب فيها الخراج ، فقد صار ~~المستأمن ذميا حين وجب في أرضه الخراج ، وهو لزمه وأخذ ؛ لأنه إنما يصير من ~~أهل دارنا بحكم الإمام عليه ، والحكم بالأخذ فيما لم يؤخذ منه لا يصير ذميا ~~، ثم إذا أخذ منه الخراج يؤخذ منه خراج رأسه بعد سنة مستقبلة من يوم أخذ ~~منه الخراج ، ولا يحتسب عليه في خرج رأسه لما مضى من الشهور والأرض في يده ~~، وهذا بخلاف التقديم إليه لو أطال المكث بأرض الإسلام ، فقال له الإمام : ~~ارجع إلى بلادك ، فإنك إن أقمت سنة بعد يومك هذا أخذت منك الخراج فأقام سنة ~~صار ذميا ، وأخذ منه الخراج في تمام تلك السنة ، ووجه الفرق في ذلك ، وهو ~~أن في فصل التقدم إنما يأخذ الإمام منه خراج رأسه من جهة الشرط ، فإذا شرط ~~أن يأخذ منه الخراج إن لم يرجع إلى سنة أخذ منه كما شرط ، ويصير ما شرط ~~عليه كما صالحه الإمام عليه على مقامه في دارنا في تلك السنة ، وللإمام ذلك ~~فإن له في الابتداء ألا يؤمنه وألا يدعه يخرج إلى الإسلام إلا بمال يأخذه ~~منه ، فلهذا يأخذ منه الخراج عند تمام السنة وأما صيرورته ذميا من جهة خراج ~~أرضه لا من جهة الشرط ولكن يثبت حكما ولو لم يجب في ms1274 أرضه لا يصير ذميا ~~فإنما يأخذ منه خراج رأسه إذا مضت سنة PageV05P2252 من يوم يصير ذميا ، ~~يأخذ منه الخراج فما لم يمض سنة كاملة على ذمته بعد ذلك لا يؤخذ منه الخراج ~~، ولو قال له الإمام : إن أقمت سنة بعد يومك هذا أخذت منك مائة درهم ، ثم ~~جعلتك بعد ذلك ذميا ، آخذ منك في رأس كل سنة اثني عشر درهما ، فأن أقام سنة ~~بعد التقدم إليه أخذ منه مائة درهم ؛ لما قلنا : إن ما يأخذ منه الإمام في ~~التقدم إليه إنما يأخذ من جهة الشرط والصلح هكذا جرى فيما بينهما ، وهو راض ~~به حين أقام سنة بعد الصلح ، فيؤخذ منه بحكم الصلح ، ويصير ما يؤخذ منه عند ~~تمام الصلح أجرة لسكناه في دارنا في تلك السنة ، ونظير ذلك رجل أجر دارا له ~~شهرا فقال له قبل مضي الشهر : لا تقم في داري من الشهر الداخل شيئا وأشهد ~~على ذلك أنه إن أقام الشهر الداخل فأجر الدار عليه عشرون درهما ، لما أن ~~الأجرة تجب بالشروط ، والمشروط للشهر الداخل عشرون درهما ، وقد رضي بهذا ~~المشروط حيث أقام فيها في الشهر الداخل ، فكان الحكم كما شرط ، ~~PageV05P2253 فكذلك خراج الرأس في التقديم إليه يجب بالشرط وقد رضي ~~بالمشروط حيث أقام سنة فكان الحكم كما شرط ؛ وقد انتزع أصحابنا من هذه ~~المسألة مسألة أخرى ، قالوا جميعا : لو أن رجلا غصب دارا من رجل فأراد ~~المغصوب منه تخويف الغاصب حتى يرد إليه الدار فإنه يأتي برجلين عدلين إلى ~~الغاصب فيشهدهما على الغاصب فيقول له : إن رددت الدار إلي وإلا أخذت منك كل ~~شهر ألف درهم مثلا ، فإن الإشهاد صحيح ، وإن أقام الغاصب بعد هذا التقدم ~~إليه المغصوب منه يستوجب هذا الأجر المسمى على الغاصب ، ولو كان الإمام حين ~~تقدم إليه قال له : إن أقمت سنة بعد يومك هذا كنت ذميا ، وآخذ منك الخراج ~~بعد سنة أخرى مستقبلة ، فأقام تلك السنة ، كان الأمر على ما تقدم إليه ، ~~ولم يجب عليه خراج حتى تمضي سنة بعد هذه السنة ms1275 الأولى ؛ لأن الشرط هكذا جرى ~~من الإمام فيكون الحكم لما شرط والمتقدم المعروف هذا ، ولو أن حربيا ~~مستأمنا اشترى فينا أرضا خراجية ، فجاء مستحق واستحقها لنفسه وأدى خراجها ~~سنة أو سنتين ثم وجد القاضي الشهود عبيدا ورد الأرض على المستأمن لم يكن هو ~~ذميا ؛ PageV05P2254 لأنه إنما يصير المستأمن ذميا إذا وجب عليه الخراج لا ~~بمجرد شراء الأرض الخراجية وهاهنا قد كان هو ممنوعا من الانتفاع بهذه الأرض ~~فلم يلزمه الخراج لأن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع ، وكذلك لو ~~غصبها منه سلطان لا يقاومه المستأمن ولو غصبها من يتمكن المستأمن من إثبات ~~حقه عليه بالحجة فلم يفعل ، فإن كان الغاصب زرعها فالمستأمن لا يكون ذميا ~~أيضا ؛ لأن الخراج على الغاصب إذا زرعها باعتبار انتفاعه بالأرض فلا يكون ~~على المستأمن شيء من خراجها ، وإن كان الغاصب لم يزرعها فقد صار المستأمن ~~ذميا ؛ لأنه قد لزمه خراجها ، فإنه قد كان متمكنا من استردادها والانتفاع ~~بها وإذا لزمه خراجها كان ذميا ، وهو بمنزلة ما لو غرقها ماء وقد كان ~~المستأمن متمكنا من أن يحتال بذلك بمسناة ، فلم يفعل حتى مضت السنة ، فعليه ~~خراجها وكان ذميا للمعنى الذي قلنا ، وهذا إذا لم يتمكن في الأرض نقصان ~~بزراعة الغاصب ، فإن كانت الزراعة نقصتها كان المستأمن ذميا ؛ لأنه قد لزمه ~~النقصان للمستأمن ، وحكم الخارج أنه إن كان النقصان أكثر فالخراج على ~~المستأمن ، وإن كان النقصان أقل فعلى الغاصب الخراج دون PageV05P2255 ~~النقصان على أن يكون مقدار النقصان من ذلك الخراج على رب الأرض والفضل على ~~الغاصب ، ففي الوجهين قد لزم المستأمن بعض الخراج وبه يصير المستأمن ذميا ، ~~ولو أن رجلا سقى في هذه الأرضين ماء فغرقها حتى لم يستطع الحربي زراعتها ، ~~ونقص الماء الأرض ، كان للحربي أن يضمن الذي سقى الماء النقصان المتمكن ~~بفعله ولا يكون الحربي ذميا هاهنا ؛ لأنه لا خراج في هذه الأراضي لأحد ~~هاهنا فما كان أحد يتمكن من الزراعة فيها ، وعلى هذا لو لم يزرع الغاصب ~~الأرض أيضا حتى ردها بعد مضي السنة ms1276 لم يكن الحربي ذميا ؛ لأنه لم يلزمه ~~خراجها ، ولو كان الغاصب حربيا مثل صاحب الأرض فزرعها ونقصتها الزراعة ~~فالغاصب ضامن لنقصان الأرض ، ثم إن كان الخراج مثل النقصان أو أقل فصاحب ~~الأرض يصير ذميا دون الزارع ؛ لأن الخراج على صاحب الأرض هاهنا ، ~~PageV05P2256 وإن كان النقصان أقل من الخراج فقد صارا ذميين ؛ لأن بقدر ~~النقصان من الخراج على رب الأرض ، والفضل على الزارع فقد وجب على كل واحد ~~منهما بعض الخراج ، ولو كانت الأرض لم تنقصها الزراعة فالغاصب يصير ذميا ~~دون صاحب الأرض ؛ لأن الخراج هاهنا على الغاصب كله ، ولو عطلها الغاصب فلم ~~يزرعها فإن كان صاحب الأرض يتمكن من استردادها بالحجة فلم يفعل كان الخراج ~~عليه وصار ذميا ، وإن كان لا يتمكن من ذلك فلا خراج على واحد منهما وهما ~~حربيان في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - على حالهما ، ولو كان ~~المستأمن اشترى أرضا عشرية فقد صارت خراجية في قول أبي حنيفة - رضي الله ~~تعالى عنه - ، وفي قول أبي يوسف - رحمة الله عليه - يؤخذ منه العشر مضاعفا ~~، وفي قول محمد - رحمة الله عليه - هي عشرية على حالها ، فإذا زرعها أو ~~تمكن من زراعتها ، كان ذميا في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ؛ ~~PageV05P2257 لأنه لزمه الخراج في الوجهين ، وفي قول محمد - رحمة الله عليه ~~- إن زرعها كان ذميا لأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج ولكن لا يجب إلا ~~بحصول الخارج حقيقة وما لم يلزمه ما يجب في الأراضي في دار الإسلام لا يصير ~~ذميا ، وإن باعها الحربي قبل أن يجب فيها الخراج كانت أرض خراج لا تتحول عن ~~ذلك ؛ هكذا ذكرها هنا ، وقال في رواية أخرى كان على المشتري العشر دون ~~الخراج فالوجه لهذه الرواية ، وهو أن ملك الكافر هو الذي يجعل الأرض خراجية ~~وحين اشتراها فقد ملكها ، فصارت خراجية بملكه إياها ، فقد باعها وهي خراجية ~~، والمسلم متى اشترى من كافر أرضا خراجية بقيت خراجية ، ووجه الرواية ~~الأخرى وهو أنه لما باعها قبل وجوب الخراج فيها لم يؤخذ ms1277 من الأرض حق غير ~~العشر فدامت عشرية كما كانت ، ولا يعتبر ما اعترض فيها من ملك الكافر ، ~~والحربي لا يكون ذميا ؛ لأن الأرض ، وإن صارت خراجية ، فلم يؤخذ من صاحبها ~~الخراج فلم يجر عليه حكم المسلمين فلا يصير ذميا ، فكان بمنزلة حربي في دار ~~الحرب وكل مسلما أن يشتري له أرضا في أرض العشر في دار الإسلام فاشتراها ~~صارت خراجية في قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ، ولم يصر صاحبها في ~~دار الحرب ذميا ، وإن صارت الأرض خراجية لما أنه لم يجر على صاحبها حكم من ~~أحكام المسلمين كذلك هاهنا ، ولو أن هذا المستأمن اشترى أرضا عشرية آجرها ~~PageV05P2258 فعند أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - صارت الأرض خراجية ~~والخراج يجب على صاحب الأرض فيصير به ذميا ، وفي قول محمد - رحمة الله عليه ~~- العشر في الخارج على المستأجر ، فلا يصير صاحب الأرض ذميا وإن كان ~~المستأجر حربيا فالمستأجر عنده يصير ذميا ، لأنه قد لزمه عشرها ، ثم فرق ~~محمد - رحمة الله عليه - بين العشر الذي يجب على المستأمن في الخارج من ~~أرضه ، وبين العشر الذي يأخذه العاشر من الحربي المستأمن فقال : باعتبار ~~ذلك العشر لا يصير ذميا ، وإذا أخذ العشر من أرضه يصير ذميا ، ووجه الفرق ~~بينهما وهو أن الحربي إذا مر على العاشر فإن العاشر يأخذ منه عشر ما مر به ~~ويأخذ من الذمي نصف العشر ، ومن المسلم ربع العشر ، فإذا لم يؤخذ منه مثل ~~ما يؤخذ من المسلم لم يصر هو من أهل دار الإسلام ، ألا ترى أنه يؤخذ منه ~~مرارا في يوم واحد متى عاد في كل مرة إلى داره ثم رجع إلى دار الإسلام فإذا ~~لم يصر بمنزلة من هو أهل دار الإسلام لم يصر ذميا ، وأما هاهنا يؤخذ من ~~طعامه من العشر مثل ما يؤخذ من طعام المسلم ، ولا يؤخذ منه إلا مرة واحدة ، ~~كما لا يؤخذ من المسلم إلا مرة واحدة ، فينزل بأخذ هذا العشر منزلة الذي هو ~~من أهل دارنا فيصير ذميا ، يوضحه أن ms1278 ذلك العشر مأخوذ من الحربي بطريق ~~المجازاة ، ولهذا لو لم يأخذوا من تجارنا شيئا لا نأخذ من تجارهم شيئا ، ~~وهذا العشر مأخوذ بطريق مؤنة الأرض النامية في دار الإسلام فكان كالخراج ، ~~PageV05P2259 ولو أعارها حربيا مثله كان العشر في الزرع وصار الحربي ~~المستعير به ذميا في قولهم ؛ لأن الحق أخذ من طعامه ، ولو أن حربيا مستأمنا ~~استأجر أرضا عشرية من مسلم فزرعها فإن على قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - عشر ما أخرجت الأرض على المسلم ولا يصير المستأجر ذميا ؛ لأن العشر ~~لم يجب في طعامه وفي قول محمد - رحمة الله عليه - العشر يجب في الخارج ~~فيصير المستأجر ذميا لأن الحق وجب في طعامه ، وفي العارية العشر في الطعام ~~في قولهم جميعا ، فيصير المستعير ذميا ، وهكذا الحكم في خراج المقاسمة في ~~جميع ما ذكرنا ؛ لأنه جزء من الخارج كالعشر . والله تعالى أعلم . | ~~PageV05P2260 # | باب ما يكون الرجل به مسلما يدرأ عنه القتل والسبي # قد ثبت فيما تقدم أن الكافر متى أظهر بخلاف ما كان يعتقده فإنه يحكم ~~بإسلامه والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ' أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ' وقد كان يقاتل عبدة الأوثان وهم كانوا ~~لا يقولون ذلك كما قال الله تعالى : ' إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا ~~الله يستكبرون ' ، فجعل ذلك علامة إيمانهم ثم حين دعا اليهود بالمدينة إلى ~~الإسلام جعل علامة إيمانهم الإقرار برسالته حتى قال لليهودي الذي دخل عليه ~~يعوده : اشهد أني رسول الله ، فلما شهد ومات قال : الحمد لله الذي أعتق بي ~~نسمة من النار ؛ لأنهم كانوا لا يقرون برسالته فجعل ذلك علامة إيمانهم ، ~~وإذا عرفنا هذا فنقول : إذا حمل مسلم على مشرك ليقتله فلما أرهقه قال : ~~اشهد أن لا اله إلا الله فان كان الكافر من قوم لا يقولون هذا فعلا المسلم ~~أن يكف عنه ، PageV05P2261 لأنه سمع منه ما هو دليل إيمانه . فإن أخذه وجاء ~~به إلى الإمام فهو حر مسلم إن كان تكلم بكلمة ms1279 التوحيد قبل ان يقهره المسلم ~~، وإن قال بعدما قهره فهو فيء ؛ لأن الإسلام يعصمه من القتل ، لا من ~~الاسترقاق بعد القهر ، فإن قال : ما أدرت الإسلام بما قلت إنما أردت الدخول ~~في اليهودية أو أردت التعوذ لئلا يقتلني لم يلتفت إلى قوله ؛ لأن الظاهر ~~أنه إنما قصد إجابته إلى ما طلب منه ، والمسلم إنما طلب منه الإسلام لا ~~الدخول في اليهودية وقوله : لا إله إلا الله ، دليل على إسلامه ، وإن لم ~~يكن هو يقر بالإسلام كله فيلزمه حكم الإسلام بمنزلة ما لو صلى في الجماعة ~~مع المسلمين ، فإن ذلك يكون دليلا على إسلامه ، وإن لم يكن إسلاما بعينه ~~فإذا امتنع من الإسلام بعد ذلك كان مرتدا فيقتل ، قال في الكتاب : ومن أنكر ~~شيئا من شرائع الإسلام فقد أبطل لا إله إلا الله ، معناه أنه يصير مرتدا ~~فيقتل إن لم يسلم ، وبهذا اللفظ تبين خطأ من يقول من المتأخرين من أصحابنا ~~: إن من أنكر شيئا من الشرائع فهو كافر فيما أنكره ، مسلم فيما سوى ذلك ، ~~وعليه ابتنى في تصنيف له حال مانعي الزكاة في عهد أبي بكر - رضي الله تعالى ~~عنه - وهو مخالف للرواية نزع إلى قول أهل الضلالة فإنهم يقولون : ~~PageV05P2262 إن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان غير داخل في الكفر فله ~~منزلة بين المنزلتين فهذا قريب من ذلك ، ولو كان حين قال : لا إله إلا الله ~~كف عنه فأفلت ولحق بالمشركين ، ثم عاد يقاتل فحمل عليه الرجل فلما رهقه قال ~~: لا إله إلا الله ، فإن كانت له فئة يلجأ إليها فلا بأس بأن يقتله ؛ لأنه ~~الآن بمنزلة المسلم الباغي المقاتل مع المسلمين في فئة ، ومثله يقتل وإن ~~كان مسلما ، وإن لم تكن له فئة بأن كان تفرق جمعهم فلا ينبغي له أن يقتله ، ~~وكذلك إن كان أسره فإن كانت الفئة على حالها فلا بأس بقتله ، وإن تفرقت ~~الفئة فليس له أن يقتله ، ولكن يؤدبه لما صنع ، واستدل بما روي أن رجلا من ~~المسلمين حمل على رجل من المشركين فقال : لا ms1280 إله إلا الله ، فخلى سبيله ، ~~ثم عاد فقاتل المسلمين ، فلما كر عليه قال : لا إله إلا الله ، حتى فعل ذلك ~~مرارا ، فقتله في آخره مرة ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ' ~~فكيف لك بلا إله إلا الله ' ، ولم يذكر اسم هذا الرجل وفي المغازي ذكر أنه ~~أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال له : ' اقتلت رجلا قال : لا إله إلا الله ؟ فقال : إنما قال تعوذا قال ~~: فهلا شققت عن قلبه ؟ فقال : لو شققت عن قلبه ما رأيت PageV05P2263 أبين ~~لي يا رسول الله ، قال : فإنما كان يعبر عما في قلبه لسانه ، وإنما نضع هذا ~~من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، على أنه ما كان يلجأ إلى فئة ~~في آخر مرة فلهذا عاتبه على قتله ، ولو كان حين خلى سبيله فعاد إلى صف ~~المشركين فقال : إني بريء عن دينكم ، وأنا على ديني الأول ، ثم حمل عليه ~~المسلم مرة أخرى فقال : لا إله إلا الله فهذا والأول سواء ؛ لأنه بمنزلة ~~المرتد لما سبق منه والمرتد كالحربي ، فإذا قال : لا إله إلا الله يجب الكف ~~عنه ؛ إلا أنه إذا كانت له فئة فهو بمنزلة الباغي فلا بأس بقتله لهذا ، ~~وكذلك إن كان قتل قوما من المسلمين بعد الإسلام الأول قبل الإسلام الثاني ؛ ~~لأنه حين ارتد وهو في صف المشركين كان حربيا ، والحربي لا يستوجب القصاص ~~بقتله المسلم ، ولو كان الرجل ممن يقول : لا إله إلا الله والمسألة بحالها ~~فلا بأس بأن يقتله وإن تكلم بهذه الكلمة ؛ لأن هذا ليس بدليل الإسلام في ~~حقه ، فإن قال : أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وهو ~~من قوم لا يقولون ذلك فهذا الآن دليل إسلامه ، فعليه أن يكف عنه وهو في ~~الفريع نظير ما بينا في الفصل الأول ، PageV05P2264 وكذلك إن قال حين رهقه ~~: محمد رسول الله ، أو قال : قد دخلت في دين الإسلام ، حتى لو مات بعدما ~~قال هذه المقالة فإنه ms1281 يصلى عليه ويستغفر له ، وهذا لأن ما ظهر منه فوق ~~السيماء ، وقد بينا أن بمجرد سيماء المسلمين يحكم بإسلامه في حق الصلاة ~~عليه فهذا أولى ، قال : وأما اليهود والنصارى اليوم بين ظهراني المسلمين ~~إذا قال واحد منهم : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ~~فإنه لا يكون مسلما بهذا ؛ لأنهم جميعا يقولون هذا ليس من نصراني ولا يهودي ~~عندنا نسأله إلا قال هذه الكلمة ، فإذا استفسرته قال : رسول الله إليكم لا ~~إلى بني إسرائيل ويستدلون بقوله تعالى : ' هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم ' الجمعة : 2 والمراد بالأميين غير أهل الكتاب ، فعرفنا أن هذا لا ~~يكون دليل إسلامه ، حتى يضم إليه التبري فإن كان نصرانيا قال : فأبرأ من ~~النصرانية ، وإن كان يهوديا قال : وأبرأ من اليهودية ، فحينئذ يكون مسلما ~~لإظهار ما هو مخالف لاعتقاده ، وإن قال النصراني : أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأبرأ من النصرانية لم يكن مسلما بهذا اللفظ ؛ PageV05P2265 لأن كلامه ~~محتمل فلعله دخل في اليهودية بهذا فإن الذي ذكره قول اليهود بعينه ، فإنهم ~~يقولون : لا إله إلا الله ، ويبرءون من النصرانية ، كما أخر الله - تعالى - ~~عنهم في قوله تعالى : ' وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ~~ليست اليهود على شيء ' فإن قال : مع هذا ، وأدخل في الإسلام ، فقد انقطع ~~منه الاحتمال وكان ذلك منه دليل الإسلام ، ولو قال أنا مسلم لم يكن مسلما ~~بهذا اللفظ ؛ لأن كل فريق يدعي ذلك لنفسه ، فالمسلم هو المستسلم للحق ، وكل ~~ذي دين يدعي أنه منقاد للحق ، وأن الحق ما هو عليه ، قال - رضي الله تعالى ~~عنه - : وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة عبد العزيز الحلواني - رحمه الله ~~تعالى - يقول : إلا المجوس في ديارنا ، فإن من يقول منهم : أنا مسلم يصير ~~مسلما ، لأنهم يأبون هذه الصفة لأنفسهم ويسبون أولادهم ويقولون : يا مسلمان ~~، قال : ولو كان هذا من عبدة الأوثان ممن يقول : لا إله إلا الله ، فلما ~~رهقه قال : أشهد أن محمدا رسول الله فهو مسلم ، بمنزلة ما لو ms1282 قال : أشهد أن ~~لا إله إلا الله ؛ لأنه منكر للأمرين فبأيهما شهد كان دليل إسلامه ، وكذلك ~~لو قال : إنه مسلم ، فإن عبدة الأوثان لا يدعون هذا الوصف لأنفسهم ، بل ~~يتبرءون منه على قصد المعايرة للمسلمين ، وقد علم ذلك من حال أهل مكة في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلهذا كان دليل الإسلام منه ، ~~PageV05P2266 وكذلك لو قال : أنا على دين محمد ، أو على الحنيفية أو على ~~الإسلام ، فإن هذا كله لا بد من أن يؤخذ فيه بالدليل لتعذر الوقوف على ~~حقيقة ما في قلبه ، والله أعلم . PageV05P2267 # | باب من إسلام الصبي والصبية المأسورين # قال - رضي الله تعالى عنه - : قد بينا أن الصبي يتبع خير الأبوين دينا ~~فإذا سبي ومعه أحد أبويه لم يحكم له بالإسلام ، حتى يصف الإسلام ، بنفسه أو ~~يسلم من معه من الأبوين ، وإن سبي وليس معه أحد الأبوين فإنه لا يحكم ~~بإسلامه ، أيضا حتى يخرج إلى دار الإسلام ، فيصير مسلما تبعا للدار ، أو ~~يقسم الإمام الغنائم ، أو يبيعها في دار الحرب ، فيصير مسلما حينئذ ، أما ~~إذا كان من وقع في سهمه أو اشتراه مسلم فلا إشكال فيه ؛ لأن تأثير التبعية ~~للمالك فوق تأثير التبعية للدار ، وأما إذا كان المشتري ذميا ، أو كان ~~أعطاه الذمي بطريق الرضخ من الغنيمة ، فكذلك الجواب في أنه يكون محكوما ~~بإسلامه حتى إذا مات يصلى عليه ويجبر الذمي على بيعه ؛ لأنه صار محرزا بقوة ~~المسلمين فالذمي إنما يملكه في هذا الموضع بإحراز المسلمين إياه ، فصار ~~تمام الإحراز بالقسمة والبيع ، نظير تمام الإحراز بالإخراج إلى دار الإسلام ~~، PageV05P2268 ولو سبي معه أبواه فماتا ثم أخرج إلى دار الإسلام وليس معه ~~أحد أبويه فهو مسلم ؛ لأن أبويه حين مات في دار الحرب فقد خرج هو من أن ~~يكون تبعا لهما بمنزلة ما لو بقيا في دار الحرب وإنما حصل هو وحده في دار ~~الإسلام ، بخلاف ما إذا خرج إلى دار الإسلام ، أو قسم أو بيع ، ثم مات من ~~معه من الأبوين ، فإنه لا يحكم بإسلامه ms1283 حتى يصف الإسلام بنفسه ، لأن أوان ~~الحكم بإسلامه وقت الإحراز ، فوجود أحد الأبوين معه في ذلك الوقت منه الحكم ~~بإسلامه ، ثم بموته بعد ذلك لا يتغير هذا الحكم ، بمنزلة ولد الذمي إذا مات ~~أبواه وبقي وحده صغيرا في دار الإسلام فإنه لا يحكم بإسلامه ، قال : ولو أن ~~ذميا دخل دار الحرب متلصصا فأخرج صغيرا إلى دار الإسلام فهو مسلم ، يجبر ~~الذمي على بيعه ؛ لأنه إنما ملكه بالإحراز بدار الإسلام ، فيكون محكوما ~~بإسلامه بمنزلة المنفل فإن الأمير لو قال في دار الحرب : من أصاب رأسا فهو ~~له ، فأصاب الذمي صغيرا ليس معه أحد أبويه ، فإنه يكون مسلما ، لأنه إنما ~~ملكه باعتبار منعة المسلمين وإنما صار محرزا بذلك ، بخلاف ما إذا دخل الذمي ~~دار الحرب بأمان واشترى صغيرا من مماليكهم فإنه لا يكون مسلما وإن قبضة ~~الذمي ؛ لأنه يملكه بالنقد هاهنا لا باعتبار منعة المسلمين ، فإن أخرجه إلى ~~دار الإسلام لم يكن مسلما أيضا ؛ PageV05P2269 لأنه لم يصر محرزا له بمنعة ~~المسلمين ولا بحكمهم ، وهذا بخلاف ما إذا كان المشتري مسلما ، فدخل إليهم ~~بأمان أو كان أسيرا فيهم ، أو كان رجلا أسلم منهم ، فإنه إذا أخرجه إلى دار ~~الإسلام ، وحده كان مسلما بإسلامه وتبعية المالك إنما تظهر في هذا الفصل ، ~~فإذا كان المالك مسلما كان المملوك مثله تبعا له وإذا كان المالك ذميا كان ~~المملوك مثله تبعا له ، فإذا خرج معه أبواه أو أحدهما ، عبدا لمولاه أو حرا ~~معاهدا ، فالصبي على دين أبيه ؛ لأنه ما حصل في دارنا إلا مع أب هو من أهل ~~دارنا ، وتبعية الأبوين في الدين هي الأصل فلا تظهر تبعية المالك إلا عند ~~عدم تبعية الأبوين ، فإن كان خرج معه أحد الأبوين بأمان فالصبي مسلم ؛ لأن ~~المستأمن من أهل دار الحرب ، وإن كان في دارنا صورة ، فلا يعتد بخروجه معه ~~، والصغير هو المختص ، بأنه صار هو من أهل دار الإسلام فيحكم بإسلامه تبعا ~~للمالك ، فإن بدا للمستأمن فصار ذميا بعد ذلك كان الصبي مسلما ؛ لأنه صار ~~محكوما بإسلامه ، كما ms1284 إذا أخرجه المالك المسلم ، فلا يتغير ذلك بمنزلة ما ~~لو أسر وأخرج إلى دار الإسلام ثم أسر أبواه بعد ذلك ، فإن كان الذمي الذي ~~اشتراه فأخرجه من أهل الكتاب والصبي PageV05P2270 كان من المجوس أو عبدة ~~الأوثان ، فهو بمنزلة أهل الكتاب ، تؤكل ذبيحته ويحل وطؤها إن كانت جارية ، ~~بمنزلة ما لو كان أحد أبويه كتابيا والآخر مجوسيا ، وهذا لأن تبعية المالك ~~بمنزلة تبعية الأبوين وكما أنه إذا كان أحد أبويه كتابيا كان هو تبعا له ، ~~فكذلك إذا كان مالكه الذي أخرجه كتابيا ، وإن كان الصغير في الأصل كتابيا ، ~~والذي أخرجه مجوسي فكذلك الجواب ؛ لأنه قد جرى الحكم بكونه كتابيا باعتبار ~~الأصل ، فلا يتحول عن ذلك باعتبار تبعية المالك ألا ترى أنه لو كان مسلما ~~مملوكا ، فاشتراه المجوسي لم يخرج به من أن يكون مسلما ، فكذلك إذ كان ~~كتابيا ، فإن كان القوم من أهل الحرب مماليك فأسلم أهل الدار جميعا غير ~~مماليكهم ، فمن كان صغيرا من مماليكهم فهو مسلم إن لم يكن معه أحد أبويه ~~كافرا لحصوله في دار الإسلام ، ولكون مولاه مسلما وأحد هذين المعنيين يكفي ~~للحكم بإسلامه فإن صاروا ذمة فرقيقهم كفار على دينهم ، الصغار والكبار في ~~ذلك سواء ؛ لأن مماليكهم كفار ، قد صالحوا المسلمين ، وإنما صارت دارهم دار ~~الإسلام بطريق الصلح لا بإسلام أهلها وذلك لا يوجب الحكم بإسلام المملوك ~~بمنزلة الذمي يشتري صغيرا في دار الحرب ، ويخرجه إلى دار الإسلام ، ~~PageV05P2271 وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان ومعه عبد صغير فهو على دينه ~~يرده إلى دار الحرب إن شاء ؛ لأنه حصل في دارنا بطريق المراضاة ، فيكون ~~حكمه حكم مولاه ، ومولاه من أهل دار الحرب ، فإن أسلم مولاه في دار الإسلام ~~، أو باعه من مسلم أو مات مولاه فباعه الإمام ، فأوقف ثمنه لورثته ، فهو ~~كافر على دين أبويه ؛ لأنه حصل في دارنا كافرا بأمان ، فلا يصير مسلما بعد ~~ذلك ما لم يصف الإسلام ، بمنزلة الذمي يموت في دارنا ، وله ولد صغير ، فإن ~~سبي أحد أبوي وأسلم كن الصغير مسلما بإسلامه ms1285 ؛ لأن إسلام أحد الأبوين في ~~حقه كإسلامه بنفسه ، إذا كن يعقل فلهذا حكم بإسلامه بذلك ، فإن سبي الصغير ~~مع أبيه ، ثم أخرج الصغير قبل أبيه إلى دار الإسلام فإنه لا يحكم بإسلامه ؛ ~~لأنه أخرج إلى دارنا وأبوه في يد المسلم وفي منعتهم ، فكونه في يد المسلم ~~ككونه في دار الإسلام معه فيكون الصبي تبعا له . ألا ترى أن في حق المراغم ~~والمهاجرة جعل منعة الجيش في دار الحرب كمنعة الدار ، فكذلك في حكم التبعية ~~، PageV05P2272 فإن قتل أبوه - أو هرب قبل الإخراج إلى دار الإسلام - لم ~~يكن مسلما أيضا ؛ لأنه حصل في دار الإسلام كافرا ، فلا يتحول مسلما بعد ذلك ~~ما لم يصف الإسلام ، أو يسلم أحد أبويه فيكون مسلما تبعا له ، فإن أسلم ~~المستأمن في دارنا ، وولده الصغير في دار الحرب ، ثم أسره المسلمون فأخرجوه ~~أو لم يخرجوه كان الذمي مسلما تبعا لأبيه المسلم عندنا ، أما إذا كان الأب ~~مع العسكر فغير مشكل ، وأما إذا كان في دار الإسلام فقد بينا أن منعة الجيش ~~كمنعة الدار في حكم التبعية ، فكان حصول الاتباع في منعة الجيش كحصوله في ~~دار الإسلام ، وكذلك إن كان الأب في دار حرب أخرى دخلها تاجرا ؛ لأن المسلم ~~من أهل دار الإسلام حيثما يكون ، فيصير الصبي مسلما تبعا وإن كان هو في دار ~~الحرب صورة ، ولو مات أبوه مسلما في دار الإسلام ثم أسر هو فإنه لا يكون ~~مسلما ما دام في دار الحرب ، حتى يقسم أو يباع أو يخرج إلى دار الإسلام ؛ ~~PageV05P2273 لأن الأب ميت في دارنا ، وتبعية الميت لا تعتبر في ابتداء ~~الإسلام وإن كان معتبرا في البقاء . ألا ترى أن الأم لو سبيت معه لم يحكم ~~بإسلامه فكذلك إذا سبي وحده قلنا : لا يحكم بإسلامه ما دام في دار الحرب ~~وإن سبيت الأم معه والأب حر مسلم فينا كان الصغير مسلما تبعا لأبيه ، ولو ~~دخل الحربي إلينا بأمان ثم صار ذميا ، أو سباه المسلمون كافرا فأعتقوه ، ~~وهو كافر على حاله ، أو لم يعتقوه ثم ms1286 سبوا ولده الصغير فأخرجوه إلى دار ~~الإسلام لم يكن مسلما ؛ لأن أباه كافر في دار الإسلام ، والصغير ما حصل في ~~دارنا إلا ومعه أب كافر ، يجري عليه حكم المسلمين فيكون تبعا له في الدين ، ~~فإن مات الأب كافرا قبل أن يسبى الصغير والمسألة بحالها ، كان مسلما إذا ~~خرج إلى دار الإسلام ؛ لأن الأب الميت لما يعتبر في الحكم بإسلامه ابتداء ~~تبعا له ، فلأن لا يعتبر في المنع من الحكم بإسلامه إذا خرج إلى دار ~~الإسلام كان أولى ، قال : ولو أن عسكرا من أهل الحرب لهم منعة دخلوا دار ~~الإسلام ، ومعهم صبيان لهم ، فظفر بهم المسلمون وأسروا صبيانهم فهم مسلمون ~~، كما أخذوا إذا لم يؤسر معهم آباؤهم ولا أمهاتهم ؛ لأن بنفس الأخذ صاروا ~~محرزين بدار الإسلام ، PageV05P2274 فإن أسر الآباء والأمهات بعد ذلك بساعة ~~كان الأولاد مسلمين ؛ لأنه حكم بإسلامهم ، كما أخذوا قبل الآباء ، فلا ~~يتغير ذلك الحكم بسبي الآباء والأمهات بعد ذلك ، بخلاف ما إذا كانت هذه ~~الحادثة في دار الحرب فهناك بنفس الأخذ لم يصر الصغير مسلما قبل الإخراج ، ~~فإذا أسر أبوه بعد ذلك بيوم أو أكثر فأخرجا معا كان هذا وما لو أسرا معا ~~سواء ، فأما إذا كان القتال في دار الإسلام ، فإن أسرا معا أو أسر الأب ثم ~~الصغير فكذلك الجواب ؛ لأنه ما ثبتت يدنا عليه إلا مع أب كافر فإذا أسر ~~الصبي أولا فقد صار محكوما بإسلامه ، ثم لا يتغير ذلك الحكم ، وإن أسر الأب ~~بعده بساعة ، وكذلك لو دخل الصبي وحده دارنا بغير أمان فأخذه مسلم فهو مسلم ~~حين أخذ ، فأما على قياس قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - فهو فيء ~~لجماعة المسلمين ، وأما عند محمد - رحمة الله عليه - هو فيء للآخذ ولا يكون ~~حرا بإسلامه لأنه إنما صار مسلما بعدما أخذ ، وإنما يتأكد بالإسلام حرية من ~~كان مسلما قبل أن يؤسر فأما من يصير مسلما بعد الأسر فإنه يكون قنا ، والله ~~تعالى الموفق . PageV05P2275 # # | باب الاستبراء # قد بينا في المبسوط أن سبي أحد الزوجين موجب ms1287 للفرقة ، لا لعينه بل لتباين ~~الدارين حقيقة أو حكما بين الزوجين ، ولهذا لم تقع الفرقة إذا سبيا معا ، ~~فنقول إذا سبيت المرأة وأخرجت إلى دار الإسلام فلمن وقعت في سهمه أن يطأها ~~بعدما يستبرئها بحيضة ، إن لم تكن حاملا ، وبوضع الحمل إن كانت حاملا ، ~~واستدل على ذلك في الكتاب بآثار رواها بالإسناد ، فإن حاضت المسبية في دار ~~الحرب حيضة أو أكثر منها ثم سبي زوجها فأخرجا إلى دار الإسلام فهما على ~~تزوجهما لانعدام السبب الموجب للفرقة وهو تباين الدارين وإن أخرجت وحدها ~~فوقعت في سهم رجل فليس له أن يجتزئ بتلك الحيضة من الاستبراء ، وكذلك إن ~~كانت حاضت في دار الإسلام حيضة PageV05P2276 قبل القسمة أو بعد القسمة بن ~~العرفاء قبل القسمة بين الأشخاص ؛ لأنها وجت قبل وقوع الملك في المحل لمن ~~وقعت في سهمه ، وكذلك لو وقعت في سهم رجل فلم يقبضها حتى حاضت حيضة ؛ لأن ~~الملك للغازي في الغنيمة ، إنما يثبت بطريق الصلة ، وهذا النوع من الملك لا ~~يتم إلا بالقبض ، وإن ثبت له ملك العين بالقسمة ، فملك التصرف لا يثبت إلا ~~بالقبض ، والوطء تصرف وإنما يجتزئ بالحيضة من الاستبراء بعد ملك الوطء ~~ولهذا قلنا : إذا حاضت المبيعة في يد البائع فليس للمشتري أن يجتزئ بتلك ~~الحيضة من الاستبراء ، فإن كانت المسبية حاملا ، فوضعت حملها بعدما قبضها ~~ووقعت في سهمه ، فلا بأس بأن يطأها بعدما طهرت من نفاسها ولا بأس بأن ~~يقبلها ويستمتع بها بما فوق الإزار في مدة نفاسها ، ولو كانت وضعت حملها ~~قبل القبض ثم قبضها فليس له أن يستمتع بها فوق الإزار في مدة النفاس ولا ~~بعدها ، حتى تحيض حيضة مستقبلة ؛ لأنها صارت مستبرأة بوضع الحمل بعد القبض ~~، فحرمة الغشيان بعد ذلك في مدة النفاس لمعنى الأذى ، فكان حالها كحال ~~المنكوحة إذا كانت حائضا في الاستمتاع بها ، فأما إذا وضعت قبل القبض ثم ~~قبضها فعليه أن PageV05P2277 يستبرئها بحيضة مستقبلة وهي في مدة النفاس ~~هاهنا غير مستبرأة في يده وفي مدة الاستبراء كما يحرم الغشيان يحرم اللمس ms1288 ~~والتقبيل بشهوة ، فإن أسلمت المسبية قبل الإخراج إلى دار الإسلام وزوجها ~~كافر في دار الحرب فقد بانت منه ؛ لأنها محرزة بمنعة الجيش والإحراز بمنعة ~~الجيش في حق المسلمة كالإحراز بمنعة الدار . ألا ترى أن المهاجرة إذا أحرزت ~~نفسها بمنعة الجيش بانت من زوجها فكذلك المسبية ، ثم لا عدة عليها هاهنا ~~بالاتفاق ؛ وقد بينا الخلاف في المهاجرة ، فإن قسم الإمام الغنائم في دار ~~الحرب ، فوقعت في سهم رجل ، أو باعها وسلمها إلى المشتري ، فاستبرأها بحيضة ~~كان له أن يطأها بعد ذلك ؛ لأنه لم يبق بينها وبين الزوج النكاح ولاحقه ، ~~فكان حالها كحال ما لو لم تكن ذات زوج سبيت سواء ، وبالقسمة في دار الحرب ~~أو البيع يتغير الملك ، كما يتغير الملك بالقسمة في دار الإسلام . ألا ترى ~~أنه لو لحقهم مدد بعد ذلك ، لم يكن لهم شركة مع الجيش في المصاب ولا في ~~الثمن ، إن كان الإمام باع الغنائم ، ولو أن الإمام نفل قوما في دار الحرب ~~فقال : من PageV05P2278 أصاب جارية فهي له ، رجل منهم جارية واستبرأها ~~بحيضة وهو في دار الحرب فعلى قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ليس له ~~أن يطأها حتى يخرجها إلى دار الإسلام ، وهو قول أبي يوسف - رحمة الله عليه ~~- وعلى قول محمد - رحمة الله عليه - له أن يطأها ؛ لأنه اختص بملكها على ~~وجه لا شركة لأحد فيها ، فكانت هذه والتي اشتراها أو وقعت في سهمه بالقسمة ~~سواء ، وأبو حنيفة وأبو يوسف - رضي الله تعالى عنهما - قالا : الملك في ~~المنفل إنما يثبت للمنفل له بالأخذ فلا يتم هذا الملك قبل الإحراز بدار ~~الإسلام ، بمنزلة الذي يثبت للمتلصص في دار الحرب بخلاف الملك الذي يثبت ~~بالقسمة والشراء ، والذي يوضح الفرق أن بعد القسمة والبيع لا يبقى لهم حق ~~التناول من الطعام والعلف من غير ضرورة ، وبعد التنفيل يبقى ذلك الحق ، فإن ~~أسر زوجها بعدما أخذها المنفل له ، فلا نكاح بينه وبينها ، قيل هذا قول ~~محمد - رحمة الله عليه - فأما على قياس قول أبي حنيفة - رضي الله ms1289 عنه - ~~ينبغي ألا ينقطع النكاح هاهنا بمجرد الأخذ قبل الإحراز بدار الإسلام والأصح ~~أنه قولهم جميعا ، فإن أصل الملك يثبت للمنفل له بالأخذ وإن كان ~~PageV05P2279 لا يتأكد قبل الإحراز بدار الإسلام ، وبثبوت أصل الملك للمسلم ~~فيها يصير من أهل دار الإسلام ، فتقع الفرقة بينهما وبين زوجها . ألا ترى ~~أنها لو كانت صغيرة فإنه يحكم بإسلامها حين صارت للمنفل له ، بمنزلة ما لو ~~أخرجت إلى دار الإسلام ، وكذا إن استبرأها المنفل له بحيضة ثم أخرجها إلى ~~دار الإسلام ، كان له أن يجترىء بتلك الحيضة من الاستبراء بخلاف المتلصص ، ~~وهذا لأن الملك للمتلصص لا يثبت قبل الإحراز . ألا ترى أنه إذا لحقه مدد ~~شاركوه في المصاب ، والملك للمنفل له يثبت بالإصابة حتى لا يشركه المدد في ~~ذلك وهذا لأن التنفيل من الإمام في معنى القسمة ولكنها قسمة قبل الإصابة ~~جعلها الإمام في معنى الوقوف على الإصابة ، فباعتبار معنى القسمة أثبتنا ~~هذا الحكم في المنفل وفرقنا بينه وبين المتلصص ، وباعتبار أن سبب الملك هو ~~الأخذ احتاط أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في الوطء فقال : ليس له أن ~~يطأها حتى يخرجها إلى دار الإسلام ، وكم من حكم متردد بين أصلين متوفر حظه ~~عليهما ، والله تعالى الموفق | PageV05P2280 # | باب ما يباع من السبي من أهل الذمة # وإذا سبي المسلمون السبي فاقتسموه وأخرجوه إلى دار الإسلام فلا بأس بيع ~~الرقيق من أهل الذمة ؛ لأنهم مشركون وإن صاروا من أهل دارنا بالإحراز ~~فكانوا بمنزلة أهل الذمة ، فلا بأس ببيع العبد الذمي من أهل الذمة ، إلا في ~~فصل واحد ، وهو إن سبي صغيرا ليس معه واحد من أبويه فهذا لا ينبغي أن يباع ~~من أهل الذمة ؛ لأنه صار مسلما بالإخراج إلى دار الإسلام أو القسمة في دار ~~الحرب باعتبار أن الإحراز فيه يتم بالقسمة ، كما يتم بالإخراج ، ولهذا لو ~~مات يصلى عليه ، ولو كانت كتابية فاشتراها من وقعت في سهمه كان له أن يطأها ~~، وإذا ظهر أنها محكومة بإسلامها ، قلنا : لا يحل للمسلم أن يبيعها من أهل ~~الذمة ms1290 ، وإن كان لو باعها نفذ البيع فإن كان سبي معها أحد أبويها فلا بأس ~~ببيعها من أهل الذمة ؛ لأنه لم يحكم بإسلامها هاهنا ، PageV05P2281 ويستوي ~~إن وقع كل واحد منهما في سهم رجل أو وقعا في سهم رجل واحد ؛ لأن الصغيرة ما ~~حصلت في دارنا إلا ومعها أب هو من أهل دارنا وذلك يمنع الحكم بإسلامها ، ~~ولا ينبغي أن يباع شيء من السبي من المستأمن في دار الإسلام ؛ لأنه صار من ~~أهل دارنا ، والمستأمن في دارنا يمنع من شراء مملوك هو من أهل دارنا ، ~~ويجبر على بيعه إذا اشتراه ، للأصل الذي بينا أن الذمي في حق المستأمن ~~بمنزلة المسلم في حق الذمي في حق أحكام الدنيا ، فإن اشترى المستأمن أمة ~~ذمية فدبرها أو استولدها نفذ ذلك منه ، لمصادفته ملكه ، ولكنه يمنع من ~~وطئها واستخدامها وتخرج إلى الحرية عن ملكه بطريق الاستسعاء في قيمتها ، ~~وقد بينا هذا الحكم في حق الذمي إذا دبر أمته المسلمة أو استولدها فكذلك ~~الحكم في المستأمن إذا فعل ذلك بأمته الذمية ، وإذا سبيت المرأة من أهل ~~الكتاب مع أولادها فوقعوا في سهم رجل ثم أسلم بعض ولدها ، وهو صغير فليس له ~~أن يبيعهم من كافر ؛ لأنه إن باعهم جميعا فقد باع المملوك المسلم من الكافر ~~، وذلك لا يحل PageV05P2282 وإن باع بعضهم ، فقد فرق بين الوالدة وولدها ~~الصغير ، بعدما اجتمعا في ملكه وذلك لا يحل ، ولو أن ذميا أو حربيا مستأمنا ~~اشترى أمة مرتدة جاز الشراء وأجبر على بيعها صغيرة كانت أو كبيرة ، لأن ~~المرتدة تجبر على العود إلى الإسلام ، فكان حكمها حكم المسلمة ، ولا يترك ~~الأمة المسلمة في ملك الكفار صغيرة كانت أو كبيرة ، فكذلك المرتدة ، قال : ~~ألا ترى أنها لو ارتدت إلى اليهودية أو النصرانية لا تؤكل ذبيحتها ولا يجوز ~~مناكحتها ، ومعنى هذا الاستشهاد أنه لما لم يجعل حالها كحال يهودية الأصل ~~عرفنا أنه لا يعتبر ما اعتقدت في حقها فيما يرجع إلى الأحكام ، لكونها ~~مجبرة على ترك ذلك والرجوع إلى الإسلام فلهذا كانت كالمسلمة في ms1291 أنه يجبر ~~الكافر على بيعها من المسلم ، وإذا سببت المرأة مع أولادها الصغار فأسلم ~~بعض أولادها ثم باعهم من كافر جاز البيع ، وأجبر الذي اشتراهم على بيعهم ~~جميعا إن كان حربيا ؛ لأن بعضهم مسلم وبعضهم ذمي ، والمستأمن يجبر على بيع ~~الفريقين وكان ممنوعا من التفريق بينهم في البيع ، حتى كان يجبر على بيعهم ~~جميعا ، فأما الذمي إنما يجبر على بيع المسلم منهم خاصة ؛ PageV05P2283 ~~لأنه متمكن من استدامة الملك في المملوك الذمي ، وهو غير مخاطب بالامتناع ~~من التفريق في البيع ، ولو كان مخاطبا لكان له أن يبيع هاهنا المسلم منهم ~~وحده ، لأن هذا تفريق لحق ، فقد صار إزالة المسلم عن ملكه مستحقا خاصة ~~والتفريق متى كان لحق لم يكن ممنوعا عنه ، ألا ترى أن الولد مع الوالدة إذا ~~اجتمعا في ملك رجل مسلم ثم لحق أحدهما دين ، فلا بأس بأن يباع فيه دون ~~الآخر ، ولو جنى أحدهما جناية فلا بأس بأن يدفع بالجناية وحده ، فعرفنا أن ~~التفريق إذا كان لحق لم يكن ممنوعا عنه ، ثم ذكر في فروع إسلام الصبي فقال ~~: إن وصف رجل من المسلمين لغلام كافر الإسلام فقال الغلام : أنا على هذا ، ~~فإن علمنا يقينا أنه قد فهم ما قيل له فهو مسلم ، وكذلك إن كان أكبر الرأي ~~أنه قد فهم ذلك ، وإن علمنا يقينا أنه لم يفهم ذلك أو كان أكبر الرأي أنه ~~لم يفهم ذلك فإنه لا يكون مسلما ، ولكن يقال له : صف الإسلام فإذا وصفه فهو ~~مسلم ، وما ذكر هاهنا ، يؤيد ما ذكرنا من قول المشايخ ، أن من تزوج امرأة ~~أو اشترى جارية فاستوصفها الإسلام ولم تقدر على ذلك ووصف هو الإسلام بين ~~يديها ، فقالت : PageV05P2284 أنا على هذا فإنه يجوز له أن يطأها إذا علم ~~أنها فهمت ما قال لها ؛ لأن الحياء قد يمنعها من البيان وإن كانت تقدر على ~~أن تصف الإسلام وتعتقد ذلك ، فلا فرق بين أن يصف هو بين يديها إذا قالت : ~~أنا على هذا وبين أن تكونت هي التي وصفت بين يديه ms1292 في الحكم بإسلامها والله ~~تعالى الموفق . PageV05P2285 # | باب خروج العبد بأمان من دار الحرب وخروجه مسلما أو ذميا # قال - رضي الله تعالى عنه - : أيما عبد خرج إلى دار الإسلام مسلما أو ~~ذميا مراغما لمولاه فهو حر ويوالي من شاء ؛ لأنه صار محرزا نفسه على مولاه ~~، ولو أحرز مالا من مال مولاه بدار الإسلام ملكه فإذا أحرز نفسه ، كان ~~مالكا لنفسه أيضا ، ولا يبقى للإنسان الملك على نفسه فيعتق لهذا ، وتبين ~~بهذا الفصل أنه لم يعتق على ملك غيره ، وإنما يثبت الولاء على المعتق لمن ~~يكون عتقه على ملك غيره فلهذا لا يثبت عليه الولاء هاهنا لأحد ، ثم يكون ~~حاله في الميراث والجناية كحال حربي جاء مسلما ، واستدل عليه بحديث عكرمة - ~~رضي الله تعالى عنه - قال : كان السعيد إذا جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس معه سيده عتق وبحديث طاوس قال : كان في كتاب معاذ ابن جبل - ~~رضي الله تعالى عنه - أيما عبد نزع إلى المسلمين - أراه قال : مسلما - فهو ~~حر ، وأيما عبد خرج إلى مخلاف عشيرته فإن عشره وصدقته في عشيرته ، وفي ~~رواية : أيما عبد خرج PageV05P2286 إلى غير مخلاف عشريته فعشره ، وصدقته ~~إلى مخلاف عشيرته فالمخلاف محلة من رستاق يشتمل على عدد من القرى وغيره ~~وروي عن عكرمة - رضي الله تعالى عنه - أن عبدا أسلم فلما هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، خشي أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فأخذوه وقيدوه ، فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : ' إنك ~~قد علمت إسلامي فاشترني أو خلصني ، فبعث إليه سبعة نفر على بعير وقال خذوه ~~، ولعلكم تجدون في الدار من يعينكم عليه ' ، وفي هذا دليل على أنه لا بأس ~~لقوم لا منعة لهم من المسلمين أن يدخلوا دار الحرب بغير أمان لمثل هذا ~~المقصود ، وأن هذا لا يكون منهم إلقاء النفس في التهلكة ، فإن ذلك إنما ~~يكون عند التيقن بالهلاك في موضع لا ينكي فعلهم في العدو ، فأما إذا كان ~~فعلهم ينكي في ms1293 العدو فلا بأس بمثل هذا الصنع ، وذكر : عن عبد الله بن أبي ~~بكر - رضي الله تعالى عنهما - قال : كان عبد أسود في غنم لسيده فلما رأى ~~أهل خيبر يتحصنون سألهم ، فقالوا : نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ، ~~فوقعت تلك الكلمة في نفسه ، وأقبل بغنمه حتى جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم : ' أدعو إلى PageV05P2287 الإسلام أن تشهد ألا إله إلا ~~الله وأني رسول الله وألا تعبد إلا الله ' ، قال : فماذا لي إن شهدت بهذا ؟ ~~فقال : ' لك الجنة إن مت على ذلك ' ، فأسلم العبد مكانه ، الحديث إلى آخره ~~، وإنما أورده لبيان أنه لا فرق بين أن يسلم العبد بعد أن يأتي المعسكر ~~وبين أن يأتي المعسكر مسلما ، في أنه يحكم بحريته في الوجهين ، ثم استدل ~~بحديث العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف ، فأسلموا فقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فيهم أولئك عتقاء الله ، وأورد حديث عكرمة : أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : إذا خرج الرجل قبل ماله ثم تبعه ماله ~~فهو له وإذا خرج ماله قبله فهو حر ، وبهبذا نأخذ ؛ فالمراد بالمال العبد ~~هاهنا ، فإذا خرج العبد أولا مراغما لمولاه كان حرا ، وإن خرج مولاه بعده ، ~~وإن خرج المولى أولا ثم جاء العبد فإنما جاء مظهرا لموافقة سيده محرزا ~~لنفسه لا عليه فكان مملوكا له ، والله أعلم . PageV05P2288 # # | باب العبد يعتق بالإسلام أو لا يعتق # قال - رضي الله تعالى عنه - : قد بينا في السير الصغير الخلاف في ~~المستأمن يشتري عبدا مسلما أو ذميا ، ثم يدخله دار الحرب والفرق لأبي حنيفة ~~- رضي الله تعالى عنه - بينه وبين ما إذا أسلم عبد الحربي في دار الحرب ، ~~يقول : فإن أسلم العبد وخرج غير مراغم لمولاه ومعه مال لمولاه أو لا مال ~~معه فهو عبد لمولاه على حاله ، لأنه ما قصد إحراز نفسه على مولاه هاهنا فلا ~~يملك نفسه ولكن الإمام يبيعه ويقف ثمنه ، وما في يده من مال لمولاه حتى ~~يجيء مولاه فيأخذه ؛ لأنه لو كان ms1294 المولى حاضرا كان مجبرا على بيعه ، ~~فالمملوك المسلم لا يترك في يد الكافر ، فإذا كان هو في دار الحرب ، ومن في ~~دار الحرب في حكم الميت كان للإمام ولاية بيعه عليه ، ثم كان ينبغي أن يكون ~~ما معه من المال فيئا ؛ PageV05P2289 لأنه ما استأمن هو ولا مولاه في ذلك ~~المال ، ومال الحربي إذا حصل في دارنا بغير أمان يكون فيئا ولكنه قال إذا ~~أخرجه هذا العبد المسلم على قصد العمل به لمولاه ، فكأنه أعطاه الأمان في ~~ذلك المال بعد ما حصل في دار الإسلام ، وأمانه بعد ما حصل في دار الإسلام ~~كأمان غيره من المسلمين فلهذا يجب عليه حفظ ذلك المال لمولاه ، وإذا أسلم ~~المولى أولا وخرج إلى دار الإسلام ثم تبعه عبده بعد ذلك مسلما ، أو كافرا ~~فهو عبد له ؛ لأنه حين أسلم في دار الحرب فقد صاروا محرزا لماله من وجه . ~~ألا ترى أنه لو ظهر المسلمون على الدار كان هو أحق بماله ، فخروج العبد بعد ~~ذلك يكون إتماما لذلك الإحراز ، فلهذا كان مملوكا له على حاله سواء خرج ~~مسلما أو كافرا ، ولو كان الملولى أسلم في دار الإسلام ، ثم أسلم عبد من ~~عبيده في دار الحرب ، وخرج مسلما فإن كان خرج يريد مولاه فهو عبد له ؛ لما ~~بينا أنه قصد إحراز نفسه له لا عليه ، وإن خرج مسلما أو ذميا على أن يكون ~~حرا ولا يريد أن يكون مملوكا لمولاه فهو حر ؛ لأن الذي أسلم في دار الإسلام ~~لا يكون محرزا لشيء من ماله الذي كان في دار الحرب PageV05P2290 ألا ترى ~~أنه لو ظهر المسلمون على الدار كان جميع ماله فيئا وكان حاله الآن كحال ~~المراغم الذي يخرج بمال مولاه ، وقد بينا أن هناك هو محرز نفسه وما معه من ~~المال على مولاه ، فإن اختلفا بعد خروجه فقال العبد : خرجت مراغما لمولاي ، ~~وقال المولى : إنما خرج إلي بنفسه وماله كان القول قول المولى ؛ لأنه متمسك ~~بالأصل وهو الملك الثابت له في نفسه ، وفيما معه من المال ولأن ms1295 الظاهر شاهد ~~له ، فالعبد المسلم لا يكون مراغما لملاه المسلم حتى يتبين ذلك منه فالقول ~~قول من يشهد له الظاهر ، ولو أسلم الحربي في دار الحرب ثم خرج إلى دار ~~الإسلام وخلف ثقله في دار الحرب ثم رجع إليه ، ولم يتعرض أهل الحرب بشيء من ~~ذلك حتى صارت تلك الأشياء بيده فأخرجها معه ، فجميع ذلك له لا خمس فيه ، ~~سواء كان خروجه إلى دار الحرب بإذن الإمام أو بغير إذنه ؛ لأن المال باق ~~على ملكه ما لم يتعرض له أهل الحرب فيكون هو مستديما ملكه ، فحاله كحال من ~~أسلم وخرج بماله ، فإن الخمس إنما يجب فيما يثبت فيه الملك ابتداء بالإحرار ~~بالدار ، لمن كان خارجا بإذن الإمام لأن ذلك في حكم الغنيمة فيه ، فأما ما ~~استدام ملكه فيه ، وأكده بالإحراز لا يكون في معنى الغنيمة فلا يجب فيه ~~الخمس ، PageV05P2291 | فإن ظهر المسلمون على الدار قبل خروجه ، فالصغار من ~~أولاده أحرار مسلمون ، والمال لا سبيل للمسلمين عليه ، إلا العقار خاصة . ~~لأنه لما رجع إلى ماله بمنزلة من أسلم في دار الحرب ، ولم يخرج حتى ظهر ~~المسلمون عليه إلا العقار خاصة ؛ لأنه لما رجع إلى ماله صار بمنزلة من أسلم ~~في دار الحرب ، ولم يخرج حتى ظهر المسلمون على الدار ، وقد بينا هذا الحكم ~~في هذا الفصل ، ولو أسلم الحربي بعدما دخل إلينا بأمان ثم رجع إلى ماله ~~وولده ، فأخرجهم معه ، فإن كان دخل إليهم بأمان فولده حر مسلم لا سبيل عليه ~~؛ لأن لما حصل في دار الحرب مسلما كان ولده الصغير مسلما تبعا له وما خرج ~~به من مال فهو له ، وهذا غير مشكل فالمستأمن فيهم إذا تملك مالا عليهم بسبب ~~من الأسباب وخرج به ، كان له خاصة ، فهذا الذي قرر ملكه في ماله أن يكون ~~ماله خاصة ، وأولاده الكبار وزوجته في أمانه لا سبيل عليهم ؛ لأنهم حين ~~خرجوا فقد صار معطيا الأمان لهم ، وهو في حكم المجدد لذلك الأمان لهم ، بعد ~~ما حصل في دار الإسلام فكانوا آمنين . وإن كان ms1296 دخل إليهم بغير أمان فكذلك ~~الجواب إن كان دخوله بغير إذن الإمام ؛ لأنه لا يكون دون المتلصص ، فما ~~يخرج به من مال يكون له لا خمس فيه . PageV05P2292 | وإن كان دخله بإذن ~~الإمام فكذلك الجواب فيما أخذ من ماله فأخرجه ؛ لأنه قرر ملكه في ذلك المال ~~، وما يملكه ابتداء بهذا الإخراج فلم يكن في حكم الغنيمة ، فأما ما أخرجه ~~من مال أخذه منهم ففيه الخمس ؛ لأنه يملك هذا المال اتبداء بالإحراز بدار ~~الإسلام ، وقد كان دخوله بإذن الإمام فلهذا كان لهذا المال حكم الغنيمة ، ~~ثم استدل بحديث الحجاج بن علاط السلمي ، فإنه أسلم بخيبر ، وكانت له أموال ~~بمكة ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي مكة حتى يأخذ ~~ماله فأذن له فأتى مكة وأخذ ماله ، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمس ماله ولا عرض له بشيء ، ~~وتمام هذه القصة ذكرها الواقدي في المغازي قال : إنه حين استأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر ، وكانوا ينتظرون ما حول إليه الأمر ، ~~وقد كانت الأخبار قد انقطعت عنهم فخرجوا يوما من مكة على رجاء أن يأتيهم من ~~يسألونه الخبر ، فأتاهم الحجاج فقالوا له : ما الخبر ؟ فقال : عندي ما ~~يسركم ولكن لا أخبركم حتى تضمنوا لي ما أطلبه PageV05P2293 منكم فقالوا له ~~: قد ضمنا لك ذلك ، قال : اعلموا أنه لم يحسن أحد من العرب قتال محمد ~~وأصحابه غير أهل خيبر ، فقد ظهروا عليه وقتلوا أصحابه وأسروه ، وقد تركتهم ~~على عزم أن يقدموا به عليكم لتقتلوه ، فأعينوني حتى أجمع مالي فلعلي أشتري ~~بعض غنائم أصحاب محمد منهم ، فأبربح على ذلك ، فقالوا : نفعل ذلك ، ~~واشتغلوا به عن آخرهم ، فانتهى الخبر إلى العباس - رضي الله تعالى عنه - ~~فبعث غلاما إلى الحجاج وقال : إن العباس يقرئك السلام ، ويقول : الله أعلى ~~وأجل جاء إليه فأخبره سرا بالأمر على وجهه ، وقال : قد ظهر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم على خيبر ، وأنا أسلمت ms1297 ، وما فارقت إلا بعد ما جرت ~~السهام في غنائم خيبر وإنما فارقته عروسا متزوجا بابنة حيي بن أخطب ، لكن ~~استر علي ثلاثة أيام ، فضمن له ذلك العباس حتى جمع الحجاج ماله وخرج في ~~اليوم الثالث فجاء العباس إلى بيت زوجته وقال : أين الحجاج ؟ فقالت : ذهب ~~ليشتري غنائم محمد ، فقال : كلا إنه أسلم وفر بماله ، ولست له بزوجة إلا أن ~~تتبعي أثره ، فقال : أشهد أن الحق ما تقول ، فإنه ما خلف عندي درهما من ~~ماله ، ثم دخل العباس المسجد الحرام وقد لبس مطرف خز ، فجعل يتبخر وقريش ~~جلوس يتدبرون فيما بينهم كيف يقتلون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا ~~قدم أهل خيبر به عليهم ، فقام أبو سفيان إلى العباس وقال : أتجلد للمصيبة ~~الحادية ؟ قال : كلا وأخبره بالأمر على وجهه ، فقال أبو سفيان : أنت عندي ~~أصدق من الحجاج ، ثم بعثوا إلى زوجته فظهر لهم الأمر على وجهه ، فقال أبو ~~سفيان : أنت عندي أصدق من الحجاج ، ثم بعثوا إلى زوجته فظهر لهم الأمر على ~~وجهه ، وما انكسروا بشيء مثل انكسارهم يومئذ ، ثم قد تبين بهذه القصة أن ~~الحجاج ما دخل إليهم بأمان وإنما دخل إليهم على أنه منهم ، كما كان وهذا لا ~~يكون استئمانا ومع ذلك قد سلم PageV05P2294 رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ، فعرفنا أنه لاخمس في مال يخرجه صاحبه بهذا الطريق ، وإن كان دخل ~~إليهم بغير أمان بإذن الإمام والله تعالى الموفق . # | PageV05P2295 ms1298