######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012396 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (المتوفى: 421هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 421 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تجارب الأمم وتعاقب الهمم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 7 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012396 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12396 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12396 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أبو القاسم إمامي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 2000 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: سروش، طهران #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### || مقدمة صاحب الذيل # بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي أما بعد حمد الله سبحانه والثناء عليه، ~~أهل الحمد والثناء، المفرد بالوحدانية والبقاء الذي لا يحيط به مكان، ولا ~~يغيره زمان، لا إله إلا هو مبدع المكان وموجده، ومحدث الزمان ومنفده، خالق ~~الخلق أطوارا، وجاعل الظلمة والضياء ليلا ونهارا، كتب على الخلائق تقلب ~~الأحوال لأنه لا يحول، وقضى على الأزمنة حكم الزوال لأنه لا يزول. والصلاة ~~على رسوله محمد الذي بعثه بالرسالة، وهدى به من الضلالة، وأنفذ بمعرفته من ~~الجهالة، ودل على نبوته بأفضل الدلالة، واختاره من أشرف البلاد وطنا ودارا، ~~واصطفاه من أكرم العباد حسبا ونجارا، حيث المشعر الحرام والمعشر الكرام، ~~وجعله آخر الأنبياء بعثا فى الدنيا إلى العباد، وأولهم بعثا إلى المعاد، ~~وجعلنا من أمته الذين جعلهم أمة وسطا، وأبان لهم من الإسلام منهجا جددا، ~~ووفقهم فى الدين فتحروا رشدا. فقولهم سديد، وفعلهم رشيد، وهم شهداء على ~~الناس والرسول عليهم شهيد، وعلى آله الذين سبقوا إلى مصاحبته وسعدوا ~~بمرافقته، [3] وشرفوا بمتابعته فى هجرته، وكرموا بإيوائه ونصرته، فهم معالم PageV07P007 ~~الهدى، ومصابيح الدجى [1] ، كدرارى النجوم تهدى الساري بنورها، وتقى ~~الغاوي من فتنة الدنيا وغرورها. # والدعاء لخليفته الإمام المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين صاحب العصر ~~المؤيد بالنصر المختار من شجرة طيبة للشرف [2] والعلاء، «أصلها ثابت وفرعها ~~في السماء» 14: 24 [3] شربت من ماء النبوة الطاهرة عيدانها، وتفرعت ~~بالخلافة الظاهرة أفنانها. كما قال جده العباس لبعض أصحابه رضوان الله ~~عليهم أجمعين: كان رسول الله دوحة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، وهو المنصب ~~العظيم، من المحتد الصميم، والبيت الكريم، الذي أول درجاته النبوة ~~والكرامة، وثانيهما [4] الخلافة والإمامة. ولا ثالث لها بعد ذلك إلى ~~القيامة. # توارثها إمام عن امام. وقام بها أمير المؤمنين المقتدى بأمر الله خير ~~قيام. # إن الذي رفع السماء بنى لهم ... بيتا دعائمه أعز وأطول [5] # شد الله عضده بذخر الدين، وولى عهده فى المسلمين، وباخوته الغر الميامين، ~~وجعلها كلمة باقية فى عقبه إلى يوم الدين، [4] وأيد دولته بجلالها الذاب عن ~~حماها، المناضل عن علاها، ms001 جمال الملة مغيث الأمة معز الدنيا والدين يمين ~~أمير المؤمنين الملك العادل المحبب إلى القلوب، والركن الشديد المعد لدفع ~~الخطوب، ودبر ملكه بنظامه المبارك فى أيامه، قوام الدين رضى PageV07P008 # أمير المؤمنين الوزير الظهير، الموفق بحسن التدبير. # وبعد أداء الفروض المقدمة الواجبة، والسنن المؤكدة الراتبة، وقضاء حقوقها ~~المستثبتة الأزلية وسلوك طرقها المستقيمة اللاحبة، فإن أولى ما صنفه ~~المفيد، وعنى بقراءته المستفيد، جمع أخبار الأمم الخالية، وحفظ تواريخ ~~الأزمان الماضية، لأنها أوفى المصنفات فائدة وأكثرها عائدة، وأحسنها أثرا، ~~وأطيبها ثمرا، إذ كان أنفع العلوم ما أدت مقاصده إلى التوحيد، ووقفت موارده ~~على تثبيت قدرة الخالق فى نفوس العبيد، وفى تدبير اختلاف الليل والنهار، ~~وتأمل مجاري الأقدار وتقلب الأدوار، فى توالى الأمم وتعاقبها، وتداول الدول ~~وتناوبها. قال الله تعالى: وتلك الأيام نداولها بين الناس 3: 140 [1] اكبر ~~دليل على وحدانية من ينبتهم ثم يحصدهم [5] ويشقيهم ويسعدهم، وينشئهم ~~ويبيدهم، ويعيدهم، ويحييهم ويميتهم «وهو على جمعهم إذا يشاء قدير» تبارك ~~اسمه وجل ثناؤه، وعظمت قدرته وكثرت آلاؤه، مرجع الخلق والأمر إليه و «بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه» 23: 88 [2] له الحمد كله وبتوفيقه ~~يتضح فى الرشاد سبيله، فلا عبادة إذا أرقى من التوحيد فموقعه من العبادات ~~موقع الرأس من الجسد به اعتداله وبقاؤه، ومحله من الاعتقادات محل الروح من ~~الجسم بها حياته ونماؤه. # ولو لم يكن علم القصص عظيما لما من الله تعالى به على نبيه عليه السلام ~~فقال: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين 12: 3 [3] وقال سبحانه: PageV07P009 # طسم تلك آيات الكتاب المبين، نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون 28: 1- 3 [1] وقال تعالى: كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا 20: 99 [2] ولو لم يكن فى ذلك الا ما ينتفع به المعتبر ~~من قلة الثقة بالدنيا الفانية، وكثرة الرغبة فى الآخرة الباقية، لكفى ما ~~تنتجه هذه البصيرة من جميل الأفعال، وتحث عليه هذه النتيجة من صالح ms002 [6] ~~الأعمال. فكيف وأولى ما يعتمده أولو الأمر وأصحاب الزمان، ومن بأيديهم ~~مقاليد الملك والسلطان، وأوجب ما يتشاغل به من إليهم أزمة الأمور، وعليهم ~~سياسة الجمهور، إدمان النظر فى كتب التاريخ وإحسان التتبع للأخبار، والآثار ~~والتفكر فى حال من مضى من الأخيار والأشرار، ليعلموا ما بقي للمحسن من ~~الصيت الحميد الذي صار له حياة مخلدة بالأجر [3] الذي اكتسبه، وللمسىء من ~~الذكر القبيح الذي جعل صحيفته مسودة بالوزر الذي احتقبه، ويتصفحوا حال ~~الحازم فى حزمه وعقله، والمضيع فى تفريطه وجهله، فيسلكوا من الطرائق أوضحها ~~وأمثلها، ويتقبلوا من الخلائق أشرفها وأفضلها، ويردوا من المشارب أصفاها ~~وأعذبها، ويرعوا من المراتع أمرأها وأخصبها، ويأخذوا من الأمور بأحزمها، ~~ومن التجارب بأحكمها. فمهما يكن من حسنة اقتبسوا منها، ومهما يكن من سيئة ~~ارتدعوا عنها. فالسعيد من انتفع بالأدب فيما دأب غيره فيه من التجارب، ~~والرابح من حظى بالراحة فيما تعب به سواه من المطالب. لأن العقل غريزة فى ~~الإنسان، والتجارب مكتسبة فى الزمان، والرأى [7] لقاح العقل والتجربة ~~نتاجه، والخير مقصد الحجى والاجتهاد منهاجه، ومن أين للإنسان من العمر ~~الطويل، ما يحصل فيه على تجربة الدقيق والجليل. وقيل: العمر قصير ~~PageV07P010 # والعلم كثير [1] فخذوا من كل شيء أحسنه. # فإذا تأمل المرء سيرة الماضين من الأقوام، جنى مع تقارب الشهور والأيام، ~~ثمرة ما غرسوه على تطاول الدهور والأعوام، وعلم علل الأحوال وفوائدها، وحيل ~~الرجال ومكايدها، وعرف مبادئ الأمور ومصائرها، وقاس عليها أشباهها ~~ونظائرها، وعمل بأنفع ما حبى به من الفهم والعلم، وانتفع بأصوب ما عمل به ~~فى الحرب والسلم، وأقدم على المواطن التي يرتجى فى أمثالها الظفر، وأحجم عن ~~الأماكن التي يتوقى فى أشكالها الحذر، وتسلى بمن تدرع الجلد عند حدوث ~~النوائب، وتأسى بمن توقع الفرج حين ظهور العجائب، وذكر مصير العاقبة إذا ~~أرخت يد الغفلة عنان أشره، ونظر بالبصيرة الثاقبة إذ غطى غرور الدنيا على ~~بصره. # فهذان القسمان يجمعان الدين والدنيا، ويبلغان بصاحبهما الدرجة العليا. # فأما ما فى ذلك من حسن المفاوضة والمذاكرة، وأنس المحادثة والمسامرة، فقد ~~[8] خففت القول ms003 فيه لأنه يصغر فى جنب ما قدمت ذكره من القسمين العظيمين، ~~والأمرين الجسيمين. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كل الصيد فى جوف ~~الفرا [2] . # وإننى تأملت كتاب تجارب الأمم وعواقب الهمم، الذي صنفه أبو على أحمد بن ~~محمد بن يعقوب مسكويه، فوجدت فوائده غزيرة، ومنافعه كثيرة، وعلمه جما، ~~وبحره خضما. فراقنى تأليفه، وأعجبنى تصنيفه. فرحم الله مصنفه وأجزل فى ~~الآخرة أجره كما طيب فى الدنيا ذكره. فلقد اختار فأحسن الإختيار، ومخض فأتى ~~بزبد الأخبار. وسلك سبيلا وسطا بين التطويل والاختصار. ثم لم يقنع بذلك حتى ~~قرب مسالك الطرق البعيدة، وبرز من أثناء الإختيار ذكر الآراء السديدة، ونبه ~~فيها على، مقامات حميدة، وبين PageV07P011 # ما جرى فى كل وقت من خدعة ومكيدة. لئلا يبعد من يد المتناول قطف الثمرة ~~اليانعة، ولا يطول على فكر المتأمل وجود الزبدة النافعة. وأحر به ذلك، فإن ~~فضله وإن لم يدرك زمانه باقى النفع بادى الأثر، والروض ينبئ عن فضيلة الغيث ~~وإن ولى أوان المطر. فدعاني وقوف همتى عليه إلى اقتفاء أثره، [9] وسلوك ما ~~سنه فى ورده وصدره. وصلا للسلك الذي بدأ [1] بنظامه، ونيابة عنه فى تشييد ~~ما بناه بعد انقضاء أيامه، وسنة لمن بعدنا يستمر الآتي منها على سيرة ~~الغابر، ويتصل بحبل الأول فيها حبل الآخر، لا تعاطيا منا للمساجلة، ولا ~~تماديا فى المماثلة، لا مجاراة فى المضمار، ولا مساواة فى الإختيار، ولا ما ~~قاله زهير: # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا # فهيهات كيف الطمع فى اللحاق، وقد شأى المتقدم فى السباق. لا سيما وطرف ~~الفصاحة تحتي كاب، وحد البلاغة فى يدي ناب. فأين المصلى من المجلى. وأين ~~الكهام من الحسام. وأين السنيح من المعلى، وأين العاطل من المحلى. أريها ~~السها وتريني القمر ولكنى أقول ما قاله فى البيت الثاني: # أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا # هذا لعمري أقرب إلى الصواب، وأليق بهذا الباب. فأحسنت القياس وسلمت قصبة ~~السباق وأعطيت القوس باريها، وأنشدت الضالة باغيها. ms004 [10] PageV07P012 # فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... إذا لشفيت النفس قبل التندم # ولكن بكت قبلي فهيج لى البكا ... بكاها فكان الفضل للمتقدم [1] # ثم إن للتصنيف رجالا عنوا بأمره وعاموا فى بحره، وأنسوا بجمع شارده، ~~وتفردوا بنظم فرائده. وصاروا بصدده، واستولوا على أمده. فهم لقسيه براة، ~~وإلى غرضه رماة، وفى طرقه هداة. وقد ربيت فى غير هذا الوكر، وسقيت من غير ~~هذا الدر، وتحليت بغير هذه الصناعة، فان قصرت عن بلوغ معانيه، فاحذوا العذر ~~فى العجز وإن وقع سهمي دون مراميه، فأعذر فالنزع [2] فى القوس لين، فلمن ~~سبقنا فضيلة الجمع والاستكثار. ولنا من يمدهم وسيلة الاختيار والاختصار، ~~وكل مجتهد مصيب، وله من حسن الذكر نصيب. # فسلمت إلى من تقدمنا الفضل فى زمانهم لمحاسن تلك العلوم المشهورة. # ولو أنهم أدركوا زماننا لسلموا الفضل إلينا بمحاسن هذه الدولة المنصورة، ~~دولة الإمام المقتدى بأمر الله، أمير المؤمنين ذى الكرم والفخار، والحلم ~~والوقار، والأخلاق الطاهرة، والأفعال الباهرة، والكرامات العجيبة فى المنشأ ~~والمولد، والدلالات الصحيحة فى المغيب والمشهد. به أنقذ الله الرجاء من أسر ~~اليأس [11] وألقى عليه محبة قلوب من الناس، بعد أن فجعوا بذخيرة الدين، ~~وليس للقائم رضوان الله عليهما، عقيب سواه، ولا للبيت أحد يصلح للعهد ~~فيولاه، فتقطعت النفوس حسرات، وترجعت الأنفاس زفرات. وبكت الملة واستولت ~~الوحشة والغمة، فأتى الحمل الميمون به لتمام، وبدا وجهه المنير فجلا كل ~~ظلام، وسارت البشرى بذكره فى سائر الآفاق، وزهت أعواد المنابر باسمه حتى ~~كادت تعود للإيراق. ثم كلاه فى الفتنة الحادثة أحسن PageV07P013 # كلاءة بين أعاديه، وألحفه جناحا من الحياطة ستره بين قوادمه وخوافيه. # فكانت قصته كقصة موسى عليه السلام، حين القى صغيرا فى اليم، ونجى [1] ~~كبيرا من الغم. وأعاد القائم بأمر الله رضوان الله عليه إلى مقر سلطانه، ~~وفسح فى مدته وبارك فى زمانه لإتمام عهده وانجاز وعده حتى يسلم الأمر منه ~~على حين السن المستحقة لتسلم أسبابه وتقمص جلبابه. فكان ذخيرة الدين خلفا ~~لنجله، وكان القائم بأمر الله عاد فى تلك النوبة لأجله، فاستحق بنفسه وارثه ~~شرف الخلافة ms005 العظيمة، وحوى فى شرخ الشبيبة جميع محاسن الأخلاق الكريمة، ~~وارتقى من المجد ما لا تبلغ الأوهام ذروته، [12] واجتنى من الحلم ما لا تحل ~~الأيام حبوته، وساس الأمور بهمة علية، وسيرة رضية، وخلافة جاءت كالنصر من ~~السماء، ولم يكن مثل ذلك لا مثاله من الخلفاء، وكأنما عناه أبو العتاهية ~~بقوله: # أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها # فما خلا متقلد للخلافة فى عصر ممن ينازع فى ردائها ويجاذب على عنانها، ~~ويترشح لمحلها ويتطاول لمكانها، إلى أن يستقر الرأى فى قراره، ويجتمع الأمر ~~من أقطاره، الا امام عصرنا المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، فانه تفرد فى ~~عصره بهذا الاستحقاق، واجتمعت الكلمة عليه لوقتها بالاصطلاح والاتفاق. فلم ~~يخطر منازعته بخلد ولا بال، ولو كان الزمان ذا PageV07P014 # لسان لقال: «هذا صاحبي بلا مراء ولا جدال» ، لا جرم أن سعادته مخصوصة ~~بأوفى كمال، محروسة بإذن الله تعالى عن نقصان وزوال، ودولته محوطة بأكرم ~~ظهير وموال. # وأنى يكون للدول الأولى مثل جلال الدولة بن عضد الدولة الهمام ابن الهمام ~~الملك [13] عضد الدولة المعظم من الأخوال والأعمام، الحامى حوزة الإسلام، ~~الملبي لدعوة الإمام، الذي كرم طرفاه، وعظم شرفاه، ودانت لصولته الأمم، ~~وانكشفت بدولته الظلم، وجرت بنصرته الأقدار، وانفتحت على يديه الفتوح ~~الكبار، أطول الملوك باعا، وأحسنهم فى الدين ذبا ودفاعا. # فهو تاج على جبين الأيام الزاهرة المفتدية [1] . يزيد فى أنوارها، وركن ~~الدولة القاهرة العباسية يدفع عن أقطارها. زاد على أنو شروان بفضله ~~وبمعدلته، وأوفى على بهرام ببأسه ونجدته، وفضل أردشير بتدبيره وسياسته، ~~وساوى الإسكندر بملكه وبسطته. فالشرق والغرب [2] مذعنان لطاعته، والبدو ~~والحاضر منقادان لتباعته كل ذلك ببركات مخالصته لإمامه. وحسن نيته فى محبة ~~أيامه. # وأين كان لتدبير الأقاليم وزم أمورها، وحفظ الممالك وسد [3] ثغورها مثل ~~نظام الملك قوام الدين الذي أعد للخطوب أقرانها، حين عجم بالتجربة عيدانها، ~~وجمع رياسة السيف والقلم، لما كفل بسياسة العرب والعجم، بنقيبة فى الدولة ~~ميمونة، وسريرة ms006 فى النصيحة مأمونة، وحزم لا يشان بهفوة، وعزم لا يخان ~~بنبوة، وخلق لا تجد فيه عنفا، ورأى لا [14] ترى فيه ضعفا، وهيبة مع طلعة ~~بشر، وتواضع مع رفعة قدر. فإذا قيل له اتق الله سمع وأطاع، وإذا ~~PageV07P015 # خوف بالله خاف وارتاع. فأفعاله أفعال العباد، وأخلاقه أخلاق الزهاد، مع ~~انقياد الدنيا له فى الإصدار والإيراد، ونفاذ أمره على الرعايا والأجناد، ~~وجمعه فى منهل العدل بين الظباء والآساد. # فأى دولة تباهي هذه الدولة القاهرة فى مناقبها ومآثرها، وأى أيام تضاهى ~~هذه الأيام الزاهرة فى محاسنها ومفاخرها، وأى قول ينتهى الى حد وصفها وان ~~امتد وطال، وأى بليغ يبلغ أمد فضلها وإن أسهب وقال. # فأعود الآن الى ذكر ما أنا قاصده من الاختيار، متبرئا من عهدة ما أورده ~~من الأخبار، لأنى أتبع فى كتاب التاريخ مسطورها، فأختار بحسب المعرفة ~~عقودها وميسورها. وما عساه يندر من خبر شاذ تلقف من أفواه الرجال، وخلا ~~التاريخ من ذكره إما بخفاء أو نسيان أو إغفال. فإنه يثبت فى بواطنه، وينظم ~~مع قرائنه. وإذا انتهيت، إنشاء الله سبحانه، إلى أخبار زماننا اتسع المجال، ~~وأمكن المقال، وعمدت حينئذ إلى ما شاهدناه وخبرناه فأخبرت به على وجهه ~~وذكرته مجتهدا فى التحرى وبحسب الإمكان الذي لا أقدر على سواه، [15] وبقدر ~~الوسع الذي لا يكلف الله نفسا إلا إياه. # وأول ما أبدأ به الآن فى كتابي، هو آخر ما ختم أبو على مسكويه [1] رحمه ~~الله، به كتابه فى سنة تسع وستين وثلاثمائة، والله تعالى ولى حسن التوفيق، ~~والهادي فى جميع المقاصد إلى سواء الطريق، وبه أعوذ من الخطل، واعتصم من ~~الزلل، وإياه أسأل خاتمة جميلة، بالمغفرة كفيلة. إنه غفور رحيم. # (انتهت المقدمة) PageV07P016 ### || * ### ||| تتمة خلافة الطائع الله ### |||| تتمة سنة تسع وستين وثلاثمائة ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر عضد الدولة عند توجهه إلى الجبل # رحل بالعسكر من المصلى فى يوم السبت لثلاث خلون من ذى الحجة وقد استصحب ~~أبا عبد الله الحسين بن سعدان ينفذ الأمور بين يدي عضد الدولة واليه عرض ~~العسكر. # فلما ms007 حصل بين حلوان وقرميسين عاده المرض الذي كان عرض له من قبل وحجب ~~الناس عنه حجابا وقع به الإرجاف والاضطراب ثم أفاق وظهر وركب إلى قرميسين. # ووافاه بنو حسنويه وقد كانوا راسلوا وبذلوا الطاعة بوساطة أبى نصر ~~خواشاذه إلا أنه لم يقدر أنهم يأنسون إلى الحضور بأجمعهم. [16] ### ||||| ذكر القبض على بعض أولاد حسنويه واصطناع بعضهم # حضروا المعسكر فأقعدوا فى خركاه من وراء السرادق ووكل بهم خواص الديلم ~~وغلمان الخيول ورتب الأعراب والأكراد والرجالة [و] [1] الفرس من حوالى ~~المعسكر وبظاهر البلد لئلا يفلت منهم أحد أو من أصحابهم وقبض PageV07P017 # منهم على عبد الرازق وأبى العلاء وأبى عدنان وبختيار وعلى كتابهم ~~وأسبابهم ووجوه الأكراد الذين معهم. # واستدعى بدر وعاصم وعبد الملك ووصلوا إلى حضرة عضد الدولة وخاطبهم بما ~~رآه من اصطناعهم [1] وحملوا إلى الخزانة فخلع على بدر القباء والسيف ~~والمنطقة الذهب وحمل على فرس بمركب ذهب وقلد زعامة الأكراد البرزيكانى ومن ~~يجرى مجراهم وخلع على كل واحد من عاصم وعبد الملك الدراعة الديباج والسيف ~~بالحمائل وحملا على دابتين بمركبين مذهبين ووضع على كل من كان مع المقبوض ~~عليهم من الأكراد السيف ونهبت حللهم بما فيها. # ونفذ أبو الوفاء طاهر بن محمد إلى قلعة سرماج فافتتحها [17] وأخذ ما كان ~~فيها من ذخائر حسنويه. ### |||| ودخلت سنة سبعين وثلاثمائة # وسار عضد الدولة إلى نهاوند وأقام بها ورتب العمال فى النواحي وجد فى ~~تناول الموجود لانه كان من رأيه أن يجعل همذان ونهاوند لمؤيد الدولة ~~ويستضيف الدينور وقرميسين وما يجرى مجراهما إلى أعمال العراق. # ثم انتقل فى صفر من نهاوند إلى همذان ونزل دار فخر الدولة بها. ### ||||| ذكر ورود الصاحب أبى القاسم إسماعيل بن عباد # فى هذا الشهر ورد الصاحب ابن عباد الخدمة عن مؤيد الدولة وعن نفسه فتلقاه ~~عضد الدولة على بعد من البلد وبالغ فى إكرامه ورسم لأكابر كتابه ~~PageV07P018 # وأصحابه تعظيمه ففعلوا ذلك حتى انهم كانوا يغشونه مدة مقامه مواصلة ولم ~~يركب هو إلى أحد منهم وكان غرض عضد الدولة بذلك استمالة مؤيد الدولة ms008 وتأنيس ~~[18] الصاحب. # ووردت كتب مؤيد الدولة يستطيل مقام الصاحب ويذكر اضطراب أموره ببعده فوقع ~~الشروع فى تقرير ارتفاع همذان ونهاوند معهما عليه وتولى أبو عبد الله محمد ~~بن الهيثم عمل العمل بالارتفاع. ### ||||| ذكر عمل رتب فى تكثير اعتداد بارتفاع # صدر العمل بأن قال: مبلغ ارتفاع النواحي الفلانية. وتمم الحكاية عن كذا ~~وكذا ورقا صحاحا. من الورق ينفد الخرج كذا وكذا. وأضاف اليه الربع اعتمادا ~~للتكثير. وأنفذ العمل مع أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وأبى الوفاء طاهر ~~بن محمد وأبى عبد الله ابن سعدان إلى الصاحب أبى القاسم ورسم لأبي عبد الله ~~الحضور معهم عنده وموافقته على أبوابه ففعل واستوفى مناظرته وكمل الارتفاع ~~بزيادة على موجودة. ### ||||| ذكر عود عضد الدولة إلى مدينة السلام [19] # برز عضد الدولة إلى ظاهر همذان فى شهر ربيع الآخر للعود إلى مدينة السلام ~~وخلع على الصاحب الخلع الجليلة وحمله على فرس بمركب ذهب ونصب له دستا كاملا ~~فى خركاه يتصل بمضاربه وأجلسه فيه وأقطعه ضياعا جليلة من نواحي فارس وحمل ~~إلى مؤيد الدولة فى صحبته ألطافا كثيرة وضم اليه من العسكر المستأمن عن فخر ~~الدولة عددا ليكونوا برسم خدمة مؤيد الدولة. # PageV07P019 ### ||||| ذكر ما جرى عليه أحوال أولاد حسنويه بعد وما جره الحسد من إلقاء من نجا منهم بيده الى التهلكة # لما قدم بدر وفضل بالسيف والمنطقة أحفظ ذلك عاصما وأوحشه وأقام قليلا ثم ~~انحاز إلى الأكراد المخالفين خالعا للطاعة منابذا لبدر. # فأخرج اليه أبو الفضل المظفر بن محمود فى عدة من الأولياء حتى أوقع ~~بمحمود وأخذه أسيرا وأدخله همذان راكب جمل بدراعة ديباج ولم يعرف له خبر ~~بعد ذلك وتفرد بدر بالخدمة والانتساب [20] إلى الحجبة، وقتل جميع أولاد ~~حسنويه. # وفى هذه السنة ورد الكتاب بأن أبا على الحسن بن محمان أخذ المعروف ~~بالصيداوى وقتله. ### ||||| ذكر حيلة تمت على الصيداوي حتى أخذ وقتل # كان هذا الرجل أحد قطاع الطريق فى أعمال سقى الفرات فاحتال أبو على ابن ~~محمان فى أخذه بأن دس عليه جماعة من الصعاليك أظهروا ms009 الانحياز اليه، فلما ~~خالطوه قبضوا عليه وحملوه أسيرا إلى الكوفة فقتله وأنفذ رأسه إلى مدينة ~~السلام فشهره بها. ### ||||| وفى هذه السنة ورد كتاب أبى على الحسن بن على التميمي بالقبض على ورد الرومي [1] . ذكر السبب فى ذلك PageV07P020 # لما توفى أرمانوس ملك الروم اتفق أن نقفور الدمستق وهو ~~رجل ذو سياسة وصرامة كان قد خرج إلى بعض بلاد الإسلام ونكأ فيها ثم عاد ~~فعرف خبر وفاة أرمانوس حين قرب من القسطنطينية [21] فاجتمع اليه وجوه الجند ~~وقالوا له: # - «ان الملك قد مضى وخلف ولدين لا غناء عندهما مع صغر سنهما وما يصلح ~~للنيابة عنهما فى تدبير الملك غيرك ونحن نرى ذلك من المصلحة للناس ~~والمملكة.» فامتنع فراجعوه حتى أجابهم ودخل إلى الملكين وخدمهما وأظهر ~~الحجبة لهما والنيابة عنهما ثم لبس التاج وتزوج بوالدتهما ثم وقع منه جفاء ~~لها استوحشت به منه. ### ||||| ذكر تدبير دبرته المرأة حتى تم لها قتل نقفور لقلة حزمه # راسلت ابن الشمشقيق وأطمعته فى قتل نقفور وأقامته مقامه فى التدبير ~~واستقر الأمر بينهما على أن صار هو وعشرة نفر من خواصه سرا إلى البلاط التي ~~تنزلها هي ونقفور فأدخلته ليلا وكان نقفور يجلس أكثر الليل للنظر فى الأمور ~~وقراءة السير ويبيت على باب البيت الذي يأوى إلى فراشه فيه خادمان، فلما ~~حصل ابن الشمشقيق داخل البلاط هجموا على الموضع وقتلوا الخادمين وأفضوا إلى ~~نقفور وقتلوه ووقعت الصيحة وظهرت القصة واستولى ابن الشمشقيق على [22] ~~الأمر وقبض على لاون أخى نقفور وعلى ورد بن PageV07P021 ~~لاون [1] فأما لاون فإنه كحله وأما ورد فانه حمله إلى قلعة فى البحر ~~واعتقله. وسار إلى أعمال الشام وفعل فيها الأفاعيل وانتهى إلى طرابلس ~~فامتنع عليه أهلها فنزل عليهم ونازلهم. [2] فكان لأم الملكين أخ خصى وإليه ~~وزارة الملك منذ أيام الملك أرمانوس واسمه بركموس [3] فقيل: إنه دس على ابن ~~الشمشقيق سما فى طعام أو فى شراب فأحس به ابن الشمشقيق فى بدنه فسار عائدا ~~إلى قسطنطينية وتوفى فى طريقه واستولى بركموس على الأمر. # وكان ورد بن منير ms010 [4] كبيرا من كبراء أصحاب الجيوش ومقيما فى بعض الأعمال ~~فطمع فى الأمر وجمع الجموع واستجاش بالمسلمين من الثغور وكاتب أبا تغلب ابن ~~حمدان وواصله وصاهره. # وأخرج الملكان اليه عسكرا بعد عسكر فكسرهم واستظهر وسار إلى القسطنطينية ~~ودهم الملكين ما ضاقا به ذرعا فأطلقا ورديس بن لاون واصطنعاه واستحلفاه على ~~المناصحة وأنفذاه للقاء ورد فى الجيوش الكثيرة وجرت بينهما وقائع أبلى كل ~~واحد منهما بلاء ظاهرا حتى تبارزا وتضاربا باللتوت إلى أن وقعت خوذهما عن ~~رؤوسهما. # ثم انهزم ورد ودخل إلى بلاد [23] الإسلام مفلولا وحصل بظاهر ميافارقين ~~على نحو فرسخ منها- وأبو على الحسن بن على التميمي الحاجب إذ ذاك بها- ~~وراسل عضد الدولة وأنفذ أخاه اليه فأحسن تقبله ووثق اليه بخطه وأعاده عليه ~~بوعد جميل فى إنجاده. PageV07P022 # وتلاه رسول ملك الروم يلاطف عضد الدولة فى أمره [1] فقوى فى نفسه ترجيح ~~جانب ملك الروم على ورد وبدا له رأى فى تدبير القبض عليه فكاتب أبا على ~~التميمي بالتوصل إلى تحصيله. # فخرج أبو على اليه بعد مراسلة ترددت بينهما فى الاجتماع وقبض عليه وعلى ~~ولده وأخيه وجماعة من أصحابه وحملهم إلى ميافارقين ثم أنفذهم إلى مدينة ~~السلام. ### ||||| رأى صواب رآه أصحاب ورد وأشاروا عليه فأهمله واستبد برأيه # كان وجوه أصحاب ورد اجتمعوا اليه قبل القبض عليه وقالوا: # - «لسنا نرى أمرنا مع عضد الدولة مستقرا عن نصرة ومعونة وقد تردد بينه ~~وبين ملكي الروم فى معنانا وانا لا نأمن أن يرغباه [24] فينا فيسلمنا ~~والوجه الاستظهار وترك الاغترار وأن نفارق موضعنا عائدين إلى بلاد الروم ~~على صلح إن أمكننا أو حرب نبذل فيه جهدنا، فاما ظفرنا أو مضينا أعزاء ~~كراما.» فقال: «ما هذا رأى، ولا رأينا من عضد الدولة الا الجميل ولا يجوز ~~أن نقصده ثم نتصرف عنه من قبل أن نبلو ما عنده.» فلما خالفهم وتركهم تركه ~~كثير منهم وفارقوه. # فأقام ورد وأخوه وولده وتحصلوا فى الاعتقال إلى أن أفرج عنهم صمصام ~~الدولة فى آخر أيامه على ما يأتى ذكره فيما بعد إن شاء الله. ms011 PageV07P023 ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة # لما صار إلى قزوين بعد هزيمته من همذان قفل عنها إلى بلاد الديلم وحصل ~~بهوسم [1] وأقام بها مدة. وترددت بينه وبين قابوس بن وشمكير [2] مراسلات ~~وأيمان وعهود سببها الاجتماع على عداوة عضد الدولة ومؤيدها، ثم سار إلى ~~خراسان لاستنجاد صاحبها. ### |||| ودخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة [25] # كان عضد الدولة أنفذ أبا نصر خرشيد يزديار [3] إلى قابوس برسالة يستصلحه ~~فيها فعاد بجواب ظاهره المغالظة وباطنه الملاينة [4] فسأل عضد الدولة ~~الطائع لله أن يعقد لمؤيد الدولة أبى منصور على أعمال جرجان وطبرستان وينفذ ~~اليه العهد واللواء والخلع السلطانية فأجابه إلى ذلك. # وجلس فى محرم هذه السنة وجرد أبا حرب زيار بن شهراكويه إلى مؤيد الدولة ~~عدد كثير وضم اليه أبو نصر خواشاذه وأصحاب خزائن المال والثياب والسلاح ~~فوصلا إلى مؤيد الدولة وهو معسكر بظاهر الرى وأوصلا اليه الخلع السلطانية ~~فلبسها وركب فى العسكر وسار. # فلما انتهوا إلى استراباذ وبينها وبين طبرستان عشرة فراسخ وقابوس مقيم ~~بها حفر بظاهرها خندقا أجرى فيه المياه وبنى عليه أبراجا رتب فيه الرماة ~~وعمل على المطاولة ولم يهمل مع ذلك الاستعداد للمواقعة إن دعته ضرورة ~~PageV07P024 # إليها ونزل مؤيد الدولة على فراسخ من البلد فى موضع ماء وجده، وأنفذ إلى ~~طبرستان من دخلها وملكها لأن قابوس أخلاها وجمع العساكر عنده واحتشد بغاية ~~جهده. # وطلعت طلائع العسكرين وتمسك قابوس بموضعه وتوقف [26] مؤيد الدولة عن ~~مقاربته إشفاقا من تعذر الماء وأقام الفريقان على هذه الحال أياما. ### ||||| ذكر حرب جرت على غير ترتيب آل عقباها الى الخير والاتفاق # لم يزل مؤيد الدولة يجيل الرأى ويعمل التدبير إلى أن عرف خبر واد بظاهر ~~البلد يجتمع اليه مياه الأمطار فى أيام الشتاء وأنه متى سدت أرجاء تقاربه ~~وأسيح ماؤها اليه أمكن النزول عليه فركب هو وجماعة من خواصه فى عدد قليل من ~~الغلمان لمشاهدة الموضع وتقدم إلى من كان خرج للمناوشة بالتوقف فى ذلك ~~اليوم وأقام على الجبل من يمنع ويرد. # فما هو أن بعد عن العسكر ms012 حتى زحف الديلم منازعين إلى لقاء القوم وقابلهم ~~عسكر قابوس بمثل حالهم واشتد القتال وبلغ مؤيد الدولة ذلك فقامت عليه ~~القيامة وأنفذ جماعة من الحجاب والنقباء فوجدوا الأمر قد فات عن حد القبول، ~~فانكفأ حينئذ إلى موضع المعسكر. # ولم تزل [27] الحرب قائمة على ساق إلى أن صوبت الشمس للغروب. ### ||||| ذكر غلط جرى من قابوس فى رد أصحابه بعد أن لاح له الضعف من مؤيد الدولة # ورد قابوس أصحابه وعاد مؤيد الدولة إلى معسكره وقد قتل من أصحابه خلق ~~وجرح أكثر ممن قتل من أصحاب قابوس وخرج فأنفذ مؤيد الدولة PageV07P025 ~~بدر بن حسنويه فى عدد كثير من الأتراك والأكراد إلى الجبل الحاجز بين ~~الفريقين ليضبطه إشفاقا من أن يسير قابوس على أثرهم فانه لو تبعهم لنكا ~~فيهم وبلغ مراده منهم. # واحتاج مؤيد الدولة إلى المقام أسبوعا حتى ثاب أصحابه واستراحوا وأجرى ~~الماء إلى الوادي، ثم سار ونزل عليه ثم استعد أربعة أيام وزحف بعدها فى ~~جميع العسكر. # واشتبكت الحرب وحملت ميمنة مؤيد الدولة على ميسرة قابوس فكسرتها وفيها ~~جمرة عسكره، فانهزم ودخل البلد مخترقا إلى جانبه الآخر وثبت القتال من ~~ميمنة قابوس وفيها أخوه [28] جركاس ساعتين بعد الهزيمة لأنهم كانوا من وراء ~~غيضة ولم يعلموا الصورة، فلما عرف جركاس هزيمة قابوس انهزم لا حقا به. # وأنفذ مؤيد الدولة جماعة فرسان من عسكره لاقتصاص أثره فنكب قابوس عن ~~الطريق وسار مارا على القلاع معتقدا لصعود أحدها متى أرهقه طلب إلى أن حصل ~~بنيسابور واجتمع مع فخر الدولة هناك. # ولما ملك فخر [1] الدولة استراباذ رتب أمورها واستخلف أحد أصحابه فيها ~~وسار إلى جرجان فنزلها وأقام بها وأنفذ أبا نصر خواشاذه إلى الحضرة ببغداد ~~فى رسائل ووردها فى شهر رمضان مع الأسارى من أقارب قابوس ووجوه أصحابه ~~فأعرض عضد الدولة عنه وأظهر الشكر [2] له وأخرج أبا على الحسن بن محمد إلى ~~جرجان. PageV07P026 ### ||||| ذكر خيانة فى مشورة جرت نكبة # كان عادة أبى نصر إذا أنفذ إلى الرى وقرب منها أن يتلقاه الصاحب أبو ~~القاسم ابن ms013 عباد وإذا رآه أبو نصر أن يترجل له فلما [29] خرج فى هذا الوقت ~~مع زيار أحب أن يفعل مثل فعله لئلا يكون له، فى الامتناع منه زيادة رتبة ~~عليه. فقال له زيار قول المستشير: # - «ما الذي ترى أن تفعل فى خدمة الصاحب إذا لقيته؟» فقال: «أنت أعلم، إلا ~~أن عضد الدولة ينزله المنزلة الكبيرة ويؤثر أن يقضى حقه، والذي أفعله أنا ~~الترجل له ومتى فعلت ذلك لم تأمن أن يفعل مثل ذلك.» فحمل زيارا على أن ~~يترجل له عند خروجه لتلقيه ولم يترجل الصاحب ولا كان ممن ينقاد لهذا أو ~~يسمح به وإنما خدعه أبو نصر حتى تم غرضه. # وبلغ عضد الدولة ذلك فغاظه غيظا عظيما أسره إشفاقا من أن يتأدى الى ~~الصاحب أبى القاسم فيه ما يوحشه، فلما ورد أبو نصر وفى قلب عضد الدولة من ~~[1] هذا الأمر ما فيه اطرحه وأعرض عنه ثم قبض عليه بعد مدة وحمله الى بعض ~~القلاع بفارس. # ولقابوس أبيات قالها بعد الهزيمة مستحسنة: # قل للذى بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر # أما ترى البحر تطفو فوقه جيف ... ويستقر بأقصى قعره الدرر # فان تكن نشبت أيدى الخطوب بنا ... ومسنا من توالى صرفها ضرر [30] ~~PageV07P027 # ففي السماء نجوم لا عداد لها ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر ### ||||| سخط عضد الدولة على التنوخي # وفيها سخط على القاضي أبى على المحسن بن على التنوخي وألزم منزله وصرف ~~عما كان يتقلده. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك # كان التنوخي مع عضد الدولة بهمذان، فاتفق يوما أنه مضى ~~إلى أبى بكر بن شاهويه وكان صديقه ومعه أبو على الهائم، فجلسا يتحدثان فى ~~خركاه وأبو على على بابها وقال ابن شاهويه للتنوخى: # - «أيها القاضي اجعل فى نفسك المقام فى هذا البلد مدة هذه الشتوة.» فقال: ~~«لم.» قال: «لأن عضد الدولة يدبر فى القبض على ابن عباد» وكان قد ورد إلى ~~حضرته. # فانصرف التنوخي من عنده فقال له أبو على الهائم: # - «قد سمعت ما كنتما فيه وهذا أمر ينبغي أن تطويه ms014 ولا تخرج إلى أحد به ~~ولا سيما إلى أبى الفضل ابن أبى أحمد الشيرازي.» فقال التنوخي: # - «أفعل.» ونزل إلى خيمته وجاءه من كانت عادته جارية بملازمته ومؤاكلته ~~ومشاربته وفيهم أبو الفضل ابن أبى أحمد الشيرازي فقال له: # - «ما لى [31] أراك أيها القاضي مشغول القلب؟» # PageV07P028 ### ||||| تفريط فى إذاعة سر عاد بوبال # فاسترسل اليه وقال له: # - «أما علمت أن الملك مقيم وقد عمل [1] على كذا فى أمر الصاحب وهذا دليل ~~على تطاول السفر.» ولم يتمالك أن انصرف واستدعى ركابيا من ركابية القاضي ~~التنوخي وقال له: # - «أين كنتم اليوم؟» فقال: «عند أبى بكر ابن شاهويه.» فكتب إلى عضد ~~الدولة رقعة يقول فيها: # - «كنت عند التنوخي فقال لى كذا وكذا- وذكر انه عرفه من حيث لا يشك فيه- ~~وعرفت أنه كان عند أبى بكر ابن شاهويه وربما كان لهذا الحديث أصل، فإذا ذاع ~~السر فيه فسد ما دبرته فى معناه.» فلما وقف عضد الدولة على الرقعة وجم وجما ~~شديدا وقام من سماط كان عمله للديلم على منابت الزعفران مغيظا واستدعى ~~التنوخي وقال له: # - «بلغني عنك كذا وكذا.» فخجل التنوخي، ثم جمع بينه وبين أبى الفضل ~~الساعي به، فواقفه فأنكره، وأحضر ابن شاهويه وسئل عن الحكاية فأنكرها، وسئل ~~أبو على الهائم [32] عما سمعه فقال: # - «كنت خارج الخركاه وما وقفت على شيء.» فمد وضرب مائتي مقرعة وأقيم فنفض ~~ثيابه وقال: PageV07P029 # - «أكثر الله خيركم.» واتصل ذلك بعضد الدولة فأمر بضربه مائة مقرعة أخرى، ~~واندفعت القصة فرجع التنوخي الى خيمته بعد أن ظن أنه مقبوض عليه وبقي يتردد ~~إلى خدمة عضد الدولة مدة وهو معرض عنه حتى عاد له إلى بعض الإقبال عليه. # ثم رحلوا إلى بغداد فرآه عضد الدولة وعليه ثياب جميلة وتحته بغلة بمركب ~~ثقيل، فقال له: # - «من أين هذه البغلة؟» فقال: «حملني عليها الصاحب بمركبها وأعطانى عشرين ~~قطعة ثيابا وسبعة آلاف درهم.» فقال: «هذا قليل لك مع ما تستحقه عليه.» فعلم ~~التنوخي أنه اتهمه بذلك الحديث. # وورد عضد الدولة إلى بغداد فحكى له أن الطائع لله متجاف ms015 عن ابنته وأنه لم ~~يقربها فثقل ذلك عليه فقال للتنوخى: # - «تمضى إلى الخليفة وتقول له عن والدة الصبية إنها مستزيدة لإقبال ~~مولانا عليها.» فعاد التنوخي إلى داره ليلبس أهبة دار الخلافة. ### ||||| ذكر اتفاق ردىء جاء بالعرض [33] # فاتفق أن التنوخي زلق عند عوده إلى داره ووثئت رجله فأنفذ إلى عضد الدولة ~~فعرفه عذره فلم يقبله وأنفذ اليه من يستعلم ما جرى، فرأى غلمانه روقة وفرسا ~~جميلة وعاد اليه فقال: # - «إنه يتعلل وليس بعليل وشاهدته على صورة كذا والناس يغشونه PageV07P030 ~~ويعودونه.» فاغتاظ غيظا مجددا حرك ما فى نفسه أولا فراسله بأن: # - «الزم منزلك ولا تخرج عنه ولا تأذن لأحد فى الدخول إليك.» [1] إلا نفر ~~من أصدقائه استأذنه فيهم، واستمر السخط عليه إلى حين وفاة عضد الدولة. # وفى هذه السنة أطلق أبو إسحاق ابراهيم بن هلال الكاتب [2] من الاعتقال ~~وكان القبض عليه فى سنة سبع وستين وثلاثمائة. ### ||||| ذكر السبب فى القبض عليه والإفراج عنه # كان قد خدم عضد الدولة عند كونه بفارس بالمكاتبة والشعر والقيام بما يعرض ~~من أموره بالحضرة، فقبله وأرفده فى أكثر نكباته بمال حمله اليه، ولما ورد ~~بغداد فى سنة أربع [34] وستين ازداد اختصاصه به حتى أشفق من المقام بها بعد ~~عوده. # فاستظهر له عضد الدولة بذكره فى الاتفاق الذي كتب بينه وبين عز الدولة ~~وعمدتها أخيه واليمين التي حلفا بها وشرطا عليها حراسته فى نفسه وماله. # فلما انحدر عضد الدولة لم يأمن على نفسه فاستتر حتى توسط أبو محمد ابن ~~معروف أمره وأخذ له الأمان من عز الدولة وابن بقية وظهر، فتركه مديدة ثم ~~قبض عليه بإغراء من ابن السراج لهما به، وما زال مقبوضا عليه حتى فسد أمر ~~ابن السراج. PageV07P031 ### ||||| ذكر اتفاق عجيب فى خلاص أبى إسحاق وهلاك ابن السراج # قد تقدم فى كتاب تجارب الأمم ذكر السبب فى القبض عليه عند إفاقة ابن بقية ~~من علته التي أشفى فيها فلما قبض عليه نقل القيد من رجل أبى إسحاق إلى رجله ~~وعاد أبو إسحاق إلى خدمة عز الدولة ms016 وكتب عنه فى أيام المباينة بينه وبين ~~عضد الدولة الكتب [35] التي تضمنت الوقيعة فيه [1] فنقم عليه ذلك. # فلما ورد عضد الدولة فى الدفعة الأخيرة وحصل بواسط خرج أبو إسحاق بما فى ~~نفسه من الحذر إلى أبى سعد بهرام بن أردشير وهو يتردد فى الرسائل والوساطة، ~~وسأله اجراء ذكره وإقامة عذره والاحتياط له بأمان يسكن اليه نفسه وكتب على ~~يده كتابا. # ففعل أبو سعد ذلك وتنجز له جواب كتابه وفيه توقيع عضد الدولة بالتوثقة ~~والأمان، ودخل عضد الدولة بغداد فأجراه على رسمه. فلما حصل بالموصل كتب إلى ~~أبى القاسم المطهر بن عبد الله فقبض عليه على مضض منه وكراهية. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك # لما أخرج إلى الديوان ما وجد فى قلاع أبى تغلب من ~~الحسبانات والكتب لتتأمل، كان فيها الشيء الكثير من كتب عز الدولة إلى أبى ~~تغلب بخط أبى إسحاق الصابي فحملت إلى عضد الدولة. فلما وقف عليها حركت ما ~~فى PageV07P032 # نفسه فكتب من هناك بالقبض عليه. # فبقى فى الاعتقال يكتب إلى عضد الدولة ويستعطفه بأشعاره إلى أن [36] تقدم ~~عضد الدولة إلى أبى القاسم المطهر بالانحدار إلى البطيحة فسأل حينئذ فى ~~إطلاقه والإذن له فى استخلافه بحضرته لعناية أبى القاسم به فقال: # - «اما العفو عنه فقد شفعناك فيه وعفونا له عن ذنب لم نعف عما دونه ~~لاهلنا- يعنى الديلم- ولا لأولاد نبينا صلى الله عليه- يعنى أبا الحسن محمد ~~بن عمر وأبا أحمد الموسوى- ولكنا وهبنا إساءته لخدمته وعلينا المحافظة فيه ~~على الحفيظة منه وأما استخلافك له بحضرتنا فكيف يجوز أن ننقله من السخط ~~عليه والنكبة له إلى النظر فى الوزارة؟ ولنا فى أمره تدبير وبالعاجل فاحمل ~~اليه من عندك ثيابا ونفقة وأطلق ولديه [1] وتقدم اليه بعمل كتاب فى ~~مفاخرنا.» ففعل المطهر ذلك وعمل أبو إسحاق الكتاب الذي سماه: التاجى فى ~~الدولة الديلمية. فكان إذا عمل منه جزءا حمله إلى عضد الدولة حتى يقرأه ~~ويصلحه ويزيد فيه وينقص منه، فلما كان تكامل ما أراده حرر وحمل كاملا إلى ~~خزانته. # وهو كتاب بديع الترصيف حسن ms017 التصنيف، فان أبا اسحق كان من فرسان البلاغة ~~الذين لا تكبو مراكبهم [37] ولا تنبو مضاربهم. ووجدنا آخره موافقا لآخر ~~كتاب تجارب الأمم حتى إن بعض الألفاظ تتشابه فى خاتمتها وانتهى القولان فى ~~التاريخ بهما إلى أمد واحد والكتاب موجود يغنى تأمله عن الإخبار عنه. ~~PageV07P033 ### ||||| إن الجواد عيبه [1] فراره # ومن العجب كيف نكبه عضد الدولة وهو الموصوف بحسن السيرة والإنصاف فى ~~السياسة مع ما سبق اليه من خدمته وعرفه أولا من خلوص نيته وأعطاه أخيرا من ~~أمانته وموثقته. # إن كان الذي نقم عليه منه هو ما ذكر فى تاريخ من حال الكتب التي كتبها عن ~~عز الدولة فغير مستحسن من الملوك أن ينقموا بغير حق وأن ينقضوا الأمان من ~~غير موجب. # فلو أن عضد الدولة أمره بمثل ما كان عز الدولة أمره به هل كان يقدر على ~~خلافه مع كونه فى قبضة سلطانه؟ والله تعالى يقول: «إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان» 16: 106 [2] . وربما خفى السبب أو أخطأ القياس والأشخاص تفنى ~~والذكر يبقى والشاعر يقول: # وكذلك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى الديار والآثار [38] # ولو قال: «ويبقى الحديث والاخبار» لكان أقرب إلى الصواب فإن الديار تدرس ~~والآثار تذهب والحديث يبقى والاخبار تروى على أن عضد الدولة أبقى عليه فى ~~اعتقاله وعاود الحسنى فى إطلاقه وبدأ باستئناف الجميل معه. # لو أن المنايا أنسأته لياليا ووجدت رواية أخرى [3] فى سبب إطلاقه وهو أن ~~عضد الدولة رق له لما PageV07P034 # طال حبسه، وأن أبا الريان وأبا عبد الله ابن سعدان توليا الإفراج عنه، ثم ~~شغلت عضد الدولة علته عن النظر فى أمره واظهار آثار الرضاء [1] عليه ~~بالإحسان اليه وقد حكينا ما رأينا. # وفى هذه السنة ورد عن أبى القاسم نوح [2] بن منصور صاحب خراسان رسول يكنى ~~بأبى الغنائم فخرج أولاد عضد الدولة مع سائر الجيش لتلقيه وأكرم غاية ~~الإكرام. # وفيها أخرج معه أبو الغنائم نصر بن الحسين والقضاة وأبو محمد الجهرمى ~~وأبو عقبة وأبو محمد ابن عقبة وسالم إلى أبى الغنائم [3] يذكره بما يعتمده ~~ويورده من ms018 جملتها العتاب على فخر الدولة وقابوس وايوائهما وأنه: # إن كان الوفاء بالمعاهدة التي جرت مع السلف واقعا فيجب ان يسلموها يدا ~~بيد إلى مؤيد [39] الدولة ليحمل إليكم مال الموافقة سالفا وآنفا على ~~العادة، فإن أردتم استئناف الصلح بيننا وهدر ما تقدم وأن تجعلوا إيواء ~~العاق وقابوس- يعنى بالعاق فخر الدولة- عوضا عن المال بعناكم إياهما بالثمن ~~الذي استرخصتموهما به فيبين على ممر الأيام الرابح منا ومنكم، وإن قال أبو ~~العباس [4] أنه يكلمنا فى أمر قابوس وما كان يجب فى جواب شفاعتنا التسرع ~~اليه، قيل له: # - «قد اعترفت وقلت أنت وأبو الحسين العتبى [5] بأن الرجل أحد أصحابنا ~~وأنه جان علينا مستحق للعقوبة وأنكم شافعون فى بابه ومعلوم أن الصلح ~~PageV07P035 # معقود عن جرجان وطبرستان وعن غيرهما من قومس [1] بدامغان وكرمان وما يلزم ~~واحدا منا ولا من صاحبك ان شفاعتهما ... # ثم إنا نقول فى الجواب: # - «إنه ما كان يجب التسرع فى باب أبى الحسن ابن سمجور وقد شفعنا فيه، فإن ~~كان ذلك واجبا علينا فهذا واجب عليكم وإن كان بكم التجني فهو ما لا يستعمله ~~أصحاب التحصيل ولسنا ممن يتجنى عليه. وإن اخترتم استئناف الصلح على أن ~~تطردوا العاق وقابوس طردا على أن لا يكونا فى بلادكم ويذهبا حيث شاءا [40] ~~من أرض الله قبلنا، وان سألتم أن نرضى بمقامهما عندكم رضينا على أن ينفذا ~~إلى بخارا وينفض عنهما أصحابهما وإن لم ينفضوا [2] عنهم فإنهم سينفضون من ~~ذات أنفسهم. وان سألتم أن نؤمنهما ليعودا إلى جملنا هدرنا ما تقدم من ~~الموافقة واستقبال الوقت الذي يقع فيه الصلح، فنحن نفعل ذلك كرامة لذلك ~~الكبير ولكن على أن يردوا حضرتنا ويكون ما نفعله معهم تبرعا منا ومؤكلا إلى ~~رأينا من غير اشتراط فذلك خير لهما. وان اخترتم بيعنا بمقامهما عندكم، ~~فإننا نسمح لكم بهذين المقبلين المباركين ومال الصلح الذي تأخذونه منا ~~مستأنفا، فإنه سيذهب لكم عليهما وأكثر، فليس يحسن بكم أن تعطوهما أكثر من ~~ذلك، فان أحسنتم إليهما خسرتموهما والمال جميعا ولم تحصلوا منهما على طائل، ~~وان لم ms019 تحسنوا إليهما فارقاكم عن قلى وعادا إلينا بلا منة لكم علينا فى ~~بابهما وتكون مفارقتهما لكم على ما يليق بهما إلى حيث يرمى بهما جدهما ~~الغار اليه.» وقد كنا نقول لقابوس: # - «لا تقبل العاق ولا تؤوه، فقد سمعت ما كان من أبى تغلب ابن حمدان ~~PageV07P036 # حين قبل [41] بختيار الشقى ورأيت عاقبتهما، فإن كان محمودا فسترى مغبة ~~فعلك وسيرى العاق مغبة فعله.» ورأيتم فيهما ما يليق بهما ولله الحمد وقد ~~اجتمعا عندكم وأنتم على بصيرة من أمرهما. فان استقر الصلح بنيسابور فليخرج ~~إلى بخارا لعقد الوثيقة وإحكام الأمر على حسب ما رسمناه وبمحضر من القضاة ~~والشهود ووجوه الحاشية والقواد والغزاة وأماثل البلدان، وإن أحب أن يتم ما ~~خرج له القضاة الثلاثة من حضرتنا استخار الله فيه وتممه، وإذا عاد إلى ~~نيسابور أحكم عقد الصلح فيها بشهادات الأماثل، وإن رأى الصواب فى أن يشهد ~~على أبى العباس فى نسخة العهد الذي يتولى تجديده ببخارا أو يأخذ خطه فيها ~~فعل. # وقد كان عضد الدولة متوقفا عن إنفاذ أبى غنائم [1] وقال له: # - «ان القوم قد غدروا ونكثوا العهد ورفضوا الود ولم يبق بعد إيواء فخر ~~الدولة وقابوس هوادة.» وقد سبق منهم فى قصة ابن سمجور ما قد سبق مما يدل ~~على فساد الدخائل. فما زال أبو غنائم يراجعه ويعرض عليه ما يصله من كتبهم ~~الدالة على بذل الموافقة حتى أذن له فى الخروج على ما تقدم [42] ذكره إبلاء ~~للعذر. ### ||||| فأما قصة ابن سمجور وتنكر آل سامان عليه فالسبب فى ذلك # أنه كان رجلا قد حنكته التجارب وهذبته الأيام ورأى الدولة الديلمية وهي ~~فى ابتدائها تسرى فى البلاد سرى النار فى الهشيم فكان يرقع الخرق ~~PageV07P037 # ويعتمد الرفق [1] ويسلك طريق المفارقة فعرف عند آل سامان بالمداهنة ~~والصغو إلى غيرهم وسعى بفساد ذات البين وأغمار حتى آل الأمر إلى ازالة قدمه ~~عن مستقرها. # وأخبرنا من نثق به عن صدر عظيم فى زماننا هذا انه قال وضربه مثلا فى غرض ~~له: # - «ان ابن سمجور كان كالسد لبلاد سامان ms020 يوارى عوراتهم ويغطى هناتهم وكان ~~يصرف ما يحصل من مال البلاد التي فى يديه فى مسالحها [2] ومحارسها وأنفذوا ~~يلتمسون منه مالا ويتجنون عليه أقوالا وأفعالا.» فقال فى الجواب: # - «اعلموا أن مثلي معكم مثل ستر من خرق على باب دار خراب، فدعوه بحاله ~~مسبلا على الباب [43] فإنكم ان رفعتموه بانت آثار الخراب.» فلم يقبلوا منه ~~وكان الأمر كما زعم. # ونعود إلى سياقة التاريخ: ### |||| ودخلت سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ### ||||| عدة حوادث منها الحرب بين المؤيد والفخر على باب جرجان # وفيها أخرج أبو القاسم [3] سعد الحاجب وقراتكين مددا لمؤيد الدولة عند ~~ورود فخر الدولة وقابوس وعساكر خراسان. PageV07P038 ### |||||| شرح الحال فى ذلك # قد تقدم ذكر اجتماع فخر الدولة وقابوس بنيسابور، ولما ~~حصلا بها أقام قابوس ومضى فخر الدولة إلى صاحب خراسان فاستجار به وسأله ~~المعونة وأقام عنده إلى أن جرد معه ناس وجماعة من أكابر القواد وسارت ~~الجماعة حتى نزلت على باب جرجان ومؤيد الدولة بها. # ووقعت الحرب بين الفريقين أياما كانت بينهم سجالا، ثم وقع الخلف بين ~~عساكر خراسان وانصرفوا، ورجع فخر الدولة وقابوس إلى نيسابور مفلولين. # وفيها خرج أبو الفوارس [44] ابن عضد الدولة من بغداد الى كرمان للمقام ~~بها والولاية عليها والإبعاد عن الحضرة، وقد كانت علة عضد الدولة قويت ~~واستحكمت. # وفيها ورد أبو اسحق محمد بن عبد الله بن محمد بن شهرام ومعه رسول ملك ~~الروم. ### ||||| ذكر ما جرى بين عضد الدولة وملك الروم فيما ترددت به الرسالة # كان سبب هذه الرسالة ما تقدم ذكره من دخول ورد إلى بلد الإسلام فخاف ملك ~~الروم وأنفذ رسولا إلى عضد الدولة فى أمره. # فأخرج أبو بكر محمد ابن الطيب الأشعري المعروف بابن الباقلاني بجواب ~~الرسالة فعاد ومعه رسول يعرف بابن قونس فأعيد وأنفذ معه أبو اسحق بن شهرام ~~فاستثنى على ملك الروم بعدة حصون ووصل معه رسول يعرف بنقفور الكانكلى بهدية ~~جميلة. # PageV07P039 ### ||||| نكت من جملة مشروح [1] وجد بخط [45] ابن شهرام دلت منه على دهاء وحزم وقوة رأى # قال: لما حصلت بخرشنة عرفت ان ms021 الدمستق خرج من القسطنطينية آخذا فى ~~الاحتشاد والاستعداد ومعه رسول حلب المعروف بابن مامك وكليب حمو أبى صالح ~~السديد. فأما كليب فإنه كان مع ورد وحصل فى جملة العصاة الذين أومنوا ~~وأقروا فى بلد الروم بعد ان صودروا وهم الروم بمصادرته أسوة بغيره وارتجاع ~~الضياع التي سلمت اليه حين سعى فى تسليم قلعة برزوية إليهم، فتوصل كليب إلى ~~البركموس والدمستق بما أرضاهما به وضمن لملك الروم فى أمر حلب وغيرها ~~ضمانات دفع بها الشر العاجل وبذل تعجيل ما يتعلق بخراج حلب وحمص لما كان ~~صهره وأنه لا يخالفه، فتخلص بهذه الحجة. وأما رسول حلب فإنه لم يفعل معه ~~أمر الا انه طولب بخراج ما مضى من السنين. # وحصل الدمستق بموضع عادل عن جادة البريد فعدل ابن قونس بى اليه ووجدته ~~حدث السن معجبا بنفسه لا يؤثر تمام الهدنة لا حوال منها أنه يستغنى عنه فى ~~العاجل فتبطل سوقه [46] ومنها أن يقع الطمع فيه من ملك الروم «ولا نأمن ~~بوائقه» والثالثة ما يرجوه ويشتهيه لنفسه، الا انه أظهر جميلا وقبل الهدنة ~~وشكر عليها. # ثم سألنى عما وردت فيه، فذكرت جملته وواقفه ابن قونس على نسخة الشرط فلما ~~وقف عليه قال: # - «لو تم للرؤساء ان نخلى لهم عما يريدونه من البلدان والحصون باللطف ~~PageV07P040 # والرفق لكان كل رئيس يتلطف ويستغنى بذلك عن جميع الرجال وبذل الأموال.» ~~قلت: «إذا كان اللطف والرفق من وراء قوة وقدرة فهو دليل الفضل ويجب تلقيه ~~بالقبول.» قال: «أما حلب فليست ببلدكم ولا يريدكم صاحبها وهذا رسوله وكليب ~~يبذلان لنا خراجها ويسألان الذب عنها، وأما الحصون فإنها أخذت فى زمان عمى ~~نقفور وغيره من الملوك ولا فسحة فى النزول عنها، فإن كان معك غير هذا وإلا ~~فلا تتعب نفسك بطول الطريق.» فقلت: «ان كان أمرك ملك الروم بانصرافي فعلت، ~~وإن كنت قلته من تلقاء نفسك فيجوز أن يسمع الملك كلامي وأسمع جوابه وأعود ~~بحجة.» فأذن لى فى السير. # فسرت إلى القسطنطينية ودخلتها بعد أن تلقانى من أصحاب [47] ملكها من ms022 أحسن ~~صحبتي إليها فأكرمت وأنزلت فى دار نقفور الكانكلى الذي وصل الآن معى رسولا ~~وهو خصيص بملك الروم، ثم استدعيت فدخلت إلى البركموس فقال: # - «قد وقفنا على الكتب وقد أحيل فيها على ما تقوله، فاذكر ما عندك.» ~~فأخرجت الشرط الظاهر فلما وقف عليه قال: # - «أليس قد تقرر الأمر مع محمد بن الطيب (يعنى أبا بكر الباقلاني) على ما ~~طلبتموه من ترك خراج بلد أبى تغلب الماضي والمستأنف ورضى بما شرطناه عليه ~~من رد الحصون التي أخذت منا والقبض على ورد وقد رضى مولاك بما شرطنا وفعل ~~ما أردنا وطلبنا، إن خطه معك بتمام الهدنة.» PageV07P041 ~~فقلت: «ما عقد محمد بن الطيب معكم شيئا [1] .» فقال: «ما خرج من عندنا ~~الا على تقرير ما شرطناه عليه وان ينفذ خط مولاكم بإتمامه.» فقد كان أحضر ~~كتابه بالرضا بجميع ما يمضيه هو، فاحتجت إلى أن أتطلب مجالا أقاوم به ~~مجالهم. ### ||||| ذكر بديهة جيدة انقدحت لابن شهرام فى دفع حجة الخصم # فقلت: «ما عقد محمد بن الطيب شيئا [2] ولكن ابن قونس قرر هذا الشرط [48] ~~وأخذ نسخته بالرومية.» فاشتط البركموس وقال لابن قونس: # - «من أمرك بهذا؟» فقال: «ما قررت شيئا [3] ولا محمد بن الطيب قرر شيئا ~~[4] .» وانصرفت. # فاستعادنى بعد أيام وعاود قراءة الشرط ووقف عند فصل كان قيل فيه «ما تقرر ~~مع شهرام على ما فى النسخ الثلاث» فقال: # - «هذه واحدة وأين الأخريان؟» فرجعت إلى الموضع فوجدت السهو قد وقع فى ~~ترك ذلك فقلت: # - «معنى هذا اللفظ أن يكون الشرط على ثلاث نسخ، إحداها تكون عند ~~PageV07P042 # الملك [1] وأخرى بحلب والثالثة تكون بالحضرة.» قال ابن قونس: # - «ليس كذا قيل لى «أمل على تفسير الشرط» .» قال البركموس: # - «لا ولكن هذه النسخة هي الظاهرة والأخرى بترك الحصون والثالثة بترك ذكر ~~حلب وإمضاء الشرط على ما قرره محمد بن الطيب، وانما أنفذ هذا ليأخذ خط ~~الملك وخاتمه بذلك.» فقلت: «هذا محال، وما عندي الا ما ذكرته من حال حلب ~~والحصون على ما تضمنه الشرط الذي وقفت عليه.» فقال: «لو كان ورد ms023 فى عسكره ~~وقد [49] أخذتمونا كلنا أسرى ما زاد على هذا، فكيف ذاك أسير.» ### ||||| جواب سديد لابن شهرام # فقلت: «أما قولك: لو كان ورد فى عسكره، فهو غلط لأنك تعلم أن أبا تغلب- ~~وأقل تابع لعضد الدولة أكبر منه- عاون وردا فأهلك ملك الروم سبع سنين فكيف ~~لو أمده عضد الدولة بعساكره! وهو اليوم وان كان أسيرا فى أيدينا فإننا لم ~~نفعل به ما تفعلون أنتم بأسراكم من المثلة، وكونه بالحضرة أحوط لنا لأننا ~~لم نستأسره، لربما كان يضيق صدره بمدافعتنا اياه أو ييأس [2] منا فيستوحش ~~ويمضى.» والآن فهو متصرف على أمرنا وساكن إلى ما شاهده بالحضرة من العز ~~والأمن والحبل فى أيدينا بأطرافه.» PageV07P043 # فاشتد عليه خطابي ووجم منه وعرف صحته وقال: # - «الذي تطلبه لا طريق اليه فان أردت إمضاء ما تقرر مع محمد بن الطيب ~~والا فانصرف.» فقلت: «ان أردت أن أنصرف من غير أن أسمع كلام ملك الروم ~~فعلت.» فقال: «ما أقوله أنا عنه، ولكن استأذنه فى ذلك.» ثم استدعيت [50] ~~بعد أيام فحضرت فاستعاد ملك الروم ما جرى فأعيد عليه بمحضرى فقال: # - «يا هذا قد جئت بأمر منكر لانه جاءنا رسول لكم فشرط علينا ما أجبناه ~~اليه وشرطنا عليه رد الحصون التي أخدت أيام العصيان وتريد حصونا أخر وبلادا ~~أخذها الملوك من قبلي، فإن رضيتم بما تقرر أولا، والا فامض بسلام.» فقلت: ~~«اما محمد بن الطيب فما قرر شيئا وأما الشرط الذي قد ورد معه فقد قطعتم فيه ~~نصف بلدنا فكيف يجوز أن نقرر علينا أمرا، فان الحصون التي فى ديار بكر منها ~~شيء فى قبضك وإنما هو فى أيدينا وليس لك فيها غير المنازعة ولا تدرى ما ~~يحصل منها.» فقال البركموس: # - «هذا رجل ذو جدل وتمويه للأقوال، والموت خير من الدخول تحت هذا الحكم، ~~فدعه ينصرف الى صاحبه.» وقام فانصرفت. # فاستدعاني البركموس بعد أن تكاملت مدة مقامي شهرين فى القسطنطينية وأحضر ~~القربلاط والد الدمستق وهو مكحول وعددا من البطارقة وتناظرنا فى أمر ~~الحصون، وبذلوا خراج حصن كيفا الذي فى يد ms024 والدة أبى تغلب وهو يؤدى الخراج ~~إليها فقلت: PageV07P044 ~~- «أنا أدع لكم [51] خراج سمند [1] .» فقالوا: «ما معنى هذا؟» فقلت: ~~«إنما نذكر الأطراف فى الشرط لتعلموا أن ما وراءها داخل فى الهدنة معها ~~وحصن كيفا داخل من دون آمد بخمسة أيام فكيف تذكرونه؟» وجرى جدل فى أمر حلب ~~حتى قال القربلاط: # - «إن حمل صاحب حلب الخراج إلينا علمنا حينئذ أنك مبطل فى قولك، وأنه ~~يريدنا دونكم.» قلت: «وما يؤمنني أن تحتالوا على كاتبه كليب حميه حتى ~~يعطيكم شيئا تجعلونه حجة؟ فأما بغير حيلة فأنا أعلم أنه لا يكون.» وانصرفت. # ثم أحضرنى ملك الروم بعد ذلك وقد وصل خراج حلب، فوجدت كلامهم غير الاول ~~قوة وتحكما فقالوا: # - «هذا خراج حلب قد حضر وصاحبها قد سألنا أن نشارطه على حران وسروج ~~ومعاونته عليكم وعلى غيركم.» فقلت: «أما الخراج وأخذكم اياه فأنا أعلم أنه ~~بحيلة، لأن عضد الدولة ظن أنكم لا تستجيزون ما قد فعلتموه، فلم ينفذ عسكرا ~~يمنع عسكركم، وأما ما تحكونه عن صاحب حلب، فأنا أعرف بما عنده وكل ما يقال ~~لكم عنه غير صحيح، والدعوة فيها فهي قائمة لعضد الدولة.» قالوا: «هل معك ~~شيء غير هذا؟» قلت: «لا.» قالوا: «فتودع الملك [2] وتنصرف مصاحبا.» [52] ~~PageV07P045 # قلت: «الساعة.» وأقبلت بوجهي نحوه لتوديعه. ### ||||| رأى سديد رآه ابن شهرام فى تلك الحال # قال: ثم تأملت الحال فوجدت البركموس والقربلاط وجماعة معهما ليس يؤثرون ~~الهدنة، وأصحاب السيوف يخافون لئلا تبطل سيوفهم وتنقص أرزاقهم على رسم ~~الروم إذا هادنوا، ولم يبق لى طريق سوى مداراة ملك الروم والرفق به فقلت: # - «أيها الملك يجب أن تتأمل ما فعله عضد الدولة معك ولم يعاون عليك عدوك ~~ولم يتعرض لبلادك أيام اشتغالك بمن عصى عليك، وتعلم أنك إن أرضيته وحده وهو ~~ملك الإسلام والا احتجت أن ترضى ألوفا من أصحابك، ثم لا تدرى هل يرضون أم ~~لا، ثم إن لم يرضوا ربما احتجت الى رضائه [1] من بعد، وتعلم أن كل من حول ~~عضد الدولة لم يرغبوا فى هدنتك وانما هو وحده أراد ms025 ففعل ما أراد، ولم يقدم ~~أحد على مراجعته، وأراك تريد هدنته ولعل من حولك لا يساعدونك على مرادك.» ~~فاهتز لخطابى وبان فى [53] وجهه الامتعاض من علمي بالاعتراض عليه من ~~أصحابه، وقام وانصرفت. # وكان المشرف على الخصيص بملك الروم، وهو الذي يوقع عنه بالحمرة ولا يمضى ~~أمر دونه، نقفور الكانكلى الذي وصل معى رسولا فسألته أن ينصرف معى ففعل. ~~PageV07P046 ### ||||| ذكر ما رتبه ابن شهرام مع خصيص ملك الروم حتى بلغ به غرضه # فلما خلوت به قلت: # - «أريد أن تتحمل عنى رسالة الى ملك الروم فقد طال مقامي وتعرفنى آخر ما ~~عنده، فان فعل ما أريده والا فلا وجه لمقامى.» ولا طفت هذا الكانكلى بشيء ~~حملته اليه ووعدته عن عضد الدولة بجميل وكان مضمون رسالتي: # «انه يجب عليك أولا أن تحفظ أيها الملك نفسك ثم ملكك ثم أصحابك، ولا تثق ~~بمن صلاحه فى فسادك. فان بمعاونة أبى تغلب عليك تم فى بلد الروم ما جرى، ~~وكيف تكون الحال مع عضد الدولة ان عاون عليك أيها الملك؟ وانى [54] أرى ~~أصحابك لا يريدون تمام الهدنة بينك وبين أوحد الدنيا وملك الإسلام، ~~والإنسان لا يخفى عليه إلا ما لم يجربه، وأنت فقد جربت سبع سنين عند عصيان ~~من [1] عصى عليك لملكك وملكك لا نفسك يبقى [2] الروم فما يبالون هذا ان لم ~~يتحرك هو بنفسه. وقد نصحت لما رأيت من ميل صاحبي إليك وإيثاره لك، فتأمل ~~خطابي واعمل بعد ذلك برأيك.» فعاد نقفور وقال: # - «يقول لك: الأمر كما ذكرت، ولكن ليس يمكن مخالفة الجماعة ويرونى بصورة ~~من قد خانهم وأهلكهم ولكن سأتمم الأمر وأفعل ما يمكن فعله.» ومن الاتفاق ~~الحميد أن البركموس مرض مرضا شديدا فتأخر عن الركوب PageV07P047 # وترددت الرسالة بيني وبين ملك الروم. ثم استدعاني أياما متوالية وتولى ~~خطابي بنفسه وساعدني الكانكلى بغضا للبركموس ومنافسة له، الى أن أجاب الى ~~الهدنة على جميع ما تضمنه الشرط بعد مراجعات جرت لإخراج حلب فإنه ما أجاب ~~اليه. فلما ضايقته فيه وقلت: # - «هذا كله بغير حلب لا يتم.» ms026 فقال:- دع هذا فلا نسلم غير ما سلمنا ولا ~~نخلى عن بلد نأخذ خراجه إلا بالسيف، ولكنى أحملك رسالة الى صديقي [55] ~~ومولاك فإنى أعلم أنه فاضل وإذا عرف الحق لم يعدل عنه.» ثم قال لمن حوله: # - «تباعدوا.» وقال لى سرا من كل أحد: # - «قل له: والله إنى اشتهى رضاك ولكنى أريد حجة فيه، فإن أردتم أن نحمل ~~إليكم الخراج عن حلب أو أتركه لكم تأخذونه على أن تصرفوا ابن حمدان عنها ~~فافعلوا ما بذلتموه على لسان ابن قونس.» اشارة الى تسليم ورد. # فقلت: «ما سمعت هذا ولا حضرته وإننى أستبعد فعله.» فتنكر على وقال: # - «دع التطويل فما بقي شيء تراجعني فيه.» وأمر أن تكتب جوابات، فكتبت ~~وأحضرت لتوديعه. ### ||||| واقع جيد وقع لابن شهرام # وأشفقت أن يعرض من المقادير فى موت من قد طلبوا تسليمه ما يعرض مثله ~~فنخرج من الجميع بغير منية وتحصل الهدنة عن بلدنا الى دون الفرات وبلد باد ~~بغير حلب فقلت: PageV07P048 ~~- «أنتم تعلمون أنى عبد مملوك ولست مالكا وما أقدر أن أزيد على ما أمرت ~~به وقد صدقتك عنه والذي شرطته الآن فى أمر حلب فقد حلفت لك أننى ما [56] ~~سمعته بالحضرة. فهل لك أيها الملك فى أمر قد وقع لى أنه صواب؟» قال: «ما ~~هو؟» قلت: «تكتب كتابا بالهدنة بيننا وبينك عن جميع ما [فى] أيدينا من حمص ~~الى بلد باد ولا نذكر فيه حديث من قد التمست تسليمه ولا غيره وتحلف بدينك ~~وتوقع فيه خطك وتختمه بخاتمك بحضرتى ويخرج به صاحبك معى الى الحضرة فإن رضى ~~به وإلا عاد صاحبك.» قال: «فاكتب أنت شرطا مثله.» قلت: «إن سلمت أنت شرطك ~~بما طلبت.» قال: «ان ذكرت فى خطك تسليم الرجل.» قلت: «لا أقدم على ذكر ما ~~لم يرسم لى.» قال: «فإننى أكتب شرطين: أحدهما عما قطع الفرات وبلد باد ~~والآخر بذكر حمص وحلب على الشرط، فإن اختار مولاك ما قطع الفرات على إبعاد ~~ورد كان إليه، وان اختار الآخر فعل ما يختاره.» قلت [1] : «فيكتب الشرط ولا ~~يذكر ms027 فيه شيء من هذا.» قال: «فتكتب أنت أيضا ما أعطى خطا بغير خط آخذه.» ~~قلت: «ولكن يكتب ترجمانك نسخة ما أقوله، فإذا رضى عضد الدولة بما تقوله ~~كتبته بحضرته ووقع فيه بخطه.» فرضي بهذا وكتبت الشروط والكتب عليه، وتقررت ~~الهدنة على عشر PageV07P049 # سنين. ولما فرغت من ذلك قلت له: [57]- «لا تجعل رسولك مثل فيج، ووافقه ~~على ما تحب أن يفعله بعد ما تقرر معى بحسب ما يشاهده وأمض كلما يمضيه. # فقال: «قد فعلت.» وكتب ذكر ذلك فى الكتب. # وركب البركموس من داره لما برئ وقامت قيامته لأحوال: منها انفراد ~~الكانكلى بصاحبه، ومنها إتمام الأمر بغير حضوره، ومنها أمر حلب وحمص وما ~~ضمنه له كليب. ### ||||| كلام لملك الروم استمال به قلب البركموس # قال له على ما حدثنى به بعض خواصهم: # - «يا بركموس ما معى أحد يشفق على مثلك ولا من يحل منى محلك، لأنك منى ~~بأدنى نسب وسبب وهؤلاء فكما قال الرسول لا يبالون من كان ملكا، كنت أنا أو ~~غيرى، ويجب أن تحفظ نفسي ونفسك ولا تسمع كلام القربلاط ولا تثق به ولا ~~برأيه لنا، فقد علمت ما حدثنا به ابراهيم عنه وعن ابنه [1] من إضمار الغش ~~لملكنا وخبث نياتهما فى أمرنا.» قلت لمن حدثني: # - «ومن ابراهيم؟» قال: «رسول كان للدمستق إليكم جاء الى الملك ناصحا ~~وعرفوا أنه [58] أنفذه إليكم يطالب منكم إعانته على العصيان.» فقبل ~~البركموس [2] هذا القول من ملك الروم واستدعاني ورأيت من PageV07P050 # خطابه وانبساطه معى غير الأول إلا أنه لم تكن تخفى على وجهه كراهية لهذا ~~الأمر ورتب معى هذا الكانكلى رسولا بعد امتناعه، لكن ملك الروم لم يجد أحدا ~~يجرى مجراه فى ثقته، فألزمه وساعده البركموس عليه، فقال له: # - «ليس بحضرة الملك أكبر منى ومنك فإما أن تسير أو أسير.» وجد فى الأمر ~~حتى ظننت أنه فعل ذلك إيثارا لابعاده وحسدا لما رأى من اختصاصه. ### ||||| موت عضد الدولة وحضور رسول ملك الروم مجلس صمصام الدولة # فهذه نكت معان من ألفاظ ابن شهرام وعضد الدولة عليل والناس ms028 عنه محجوبون ~~فأمر بشرح ما جرى عليه أمره ليعرض- فإن علة عضد الدولة التي توفى فيها كانت ~~فى هذا الوقت- وحضر رسول ملك الروم المذكور مجلس صمصام الدولة بعد وفاة عضد ~~الدولة، وتسلمت الهدايا منه، وتمم معه ما ورد فيه وكتب شرطان: أحدهما ~~الهدنة التي قررها ابن شهرام على إتمام مبانيها وإلقاء مراسيها، والشرط ~~الآخر بما تقرر آنفا مع نقفور. [59] ### ||||| ذكر ما تقرر فى أمر ورد وأخيه وولده # جرت مخاطبات تقرر آخرها على أن يقيم نقفور وينفذ صاحبا له مع رسول من ~~الحضرة ليأخذ خط ملك الروم وخاتمه لأخى ورد وابنه والأمان والتوثقة لهما ~~بضمان الإحسان وإعادتهما الى مراتبهما القديمة وأحوالهما المستقيمة. فإذا ~~وصل ذلك أقدما حينئذ على ملك الروم مع نقفور ويكون ورد مقيما فى هذه البلاد ~~ممنوعا من طروق بلد الروم بإفساد، فإذا عرف ما يعاملان به من الجميل فى ~~الوفاء بالعهد المبذول لهما اتبعا حينئذ وردا فى PageV07P051 ~~السنة الثالثة بعد أخذ التوثقة لهما بما يرضيهم حسب ما فعل مع ابنه ~~وأخيه، وأن يكون ما يحمله الآن ابن حمدان من حمص وحلب الى ملك الروم من مال ~~المفارقة عنهما محمولا على استقبال إطلاق ورد الى بلد الروم الى خزانة ~~صمصام الدولة، فإن دافع ابن حمدان حينئذ عن حمل، ألزمه ملك الروم ذلك لئلا ~~يتكلف صمصام الدولة [60] تجهيز عسكر اليه، وأن يجرى أمر بلد باد على ما كان ~~عليه من الملاطفة التي كان يحملها الى ملك الروم على أن لا يعاون بادا ولا ~~يجيره إن التجأ الى الروم. # وأنفذ الشرطان جميعا وعاد الجواب عنهما بإمضاء ما تقرر ثم تجدد فى أمر ~~ورد وإطلاقه من الاعتقال ما سيأتي ذكره من بعد [1] . # وفى الثامن من شوال من هذه السنة توفى عضد الدولة وأخفى خبره. # وفى التاسع منه قبض على أبى الريان. فلما قبض عليه أخذت من كمه رقاع ~~مشددة ومنها رقعة فيها: # أيا واثقا بالدهر غرا بصرفه ... رويدك إنى بالزمان أخو خبر # ويا شامتا مهلا فكم ذى شماتة ... تكون له العقبى بقاصمة الظهر ms029 # فلما وقف أبو عبد الله ابن سعدان عليها قال لحاجبه: # - «امض وسله عنها.» ففعل فقال: # - «هذه رقعة أنفذها أبو الوفاء طاهر بن محمد الى عند القبض عليه ولست ~~أحسن قول الشعر ولكن أقول إنها [2] كانت من أبى الوفاء من قبل. PageV07P052 # ونختار الآن طرفا من سيرة عضد الدولة ونورده هاهنا عن ذكر خاتمة أيامه ~~فإنه أحفظ لترتيب القول ونظامه. [61] ### ||||| أخبار من سيرة عضد الدولة # كان ملكا كامل العقل، شامل الفضل، حسن السياسة، كثير الإصابة، قليل ~~السقطة، شديد الهيبة، بعيد الهمة، ثاقب الرأى، صائب التدبير، محبا للفضائل، ~~مجتنبا للرذائل، باذلا فى مواطن العطاء كأن لا سخاء بعده، مانعا فى أماكن ~~الحزم حتى كأن لا جود عنده، يستصغر الكبير من الأمر ويستهون العظيم من ~~الخطب. # وكان يقول على ما يحدث عنه: # - «الأرض أضيق عرصة من أن تسع ملكين.» ### |||||| فأما أفعاله فى تدبير نفسه وترتيبه فى قسمة زمانه # فإنه كان يباكر دخول الحمام، فإذا خرج منه ولبس ثيابه أدى فرض الصلاة، ~~ودخل اليه خواصه وحواشيه، فجلس منهم أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف بحضرته ~~ويضع دواته بين يديه، ثم يؤذن لأبى القاسم المطهر بن عبد الله وزيره ومن ~~قام مقامه بعده [62] فيسأله عما عمله فيما سبق التقدم به اليه، فيخبره بذلك ~~ثم يذكر له ما عرض من الأمور ويستأذنه فى كل أمر فيوعز اليه بما يعتمده ~~فيه. # ويفعل مثل ذلك مع أبى الحسن على بن عمارة وأبى عبد الله ابن سعدان عارضى ~~الجيش ذاك للديلم وهذا للاتراك والاعراب والأكراد. # فإذا ترحل النهار سأل عن ورود النوب المترددة بالكتب ولها وقت معلوم PageV07P053 ~~تصل فيه وتراعى من ساعات النهار فإن اتفق أن تتأخر قامت القيامة ووقع ~~البحث عن العارض العائق، فإن كان بعائق ظاهر فيه عذر قبل، أو عن أمر يحتاج ~~الى إزالته أزيل أو من تقصير النوبيين أنزل العذاب بهم. # ولقد ذكر بعض الطراد أن أحد المرتبين قالت له امرأته: # - «قد طبخنا أرزا فتوقف لتأكل منه وتمضى.» فتوقف بقدر ما أكل وتأخرت ~~النوبة ذلك المدى ms030 فضرب الطراد والمرتبون ما بين شيراز الى بغداد أكثر من ~~ثلاثة آلاف عصا. لا جرم أن النوب كانت تصل من شيراز فى سبعة أيام وكان يحمل ~~مع المرتبين بواكير الفواكه والمشموم من نواحي فارس وخوزستان فتصل طرية ~~سليمة. # وقيل: إن بعض أصاغر الحواشي حمل فى النوبة [63] من همذان فى كتانتة [1] ~~دنانير يسيرة الى منزله وقد كان عادتهم جارية بذاك فقصرت عن أهلها وعرف عضد ~~الدولة الخبر فلم يزل يكشف عن ذلك إلى أن ظهر للخرائطى آخذ الدنانير فأمر ~~بقطع يده. # فإذا وصلت النوبة كان فض ختومها وفتح خرائطها وأخرج [2] الكتب منها ~~بحضرته ويأخذ منها ما كان الى مجلسه ويخرج الباقي الى ديوان البريد فيفرق ~~على أربابه. # ثم يقرأ الكتب اليه كتابا كتابا ويطرحه الى أبى القاسم عبد العزيز، فإذا ~~تكامل وقوفه عليها جدد أبو القاسم قراءتها عليه فيأمره فى جواب كل فصل بما ~~يوقع به تحته، وأخرج منها ما يأمر بإخراجه ليواقف عليه المطهر بن عبد الله ~~أو من يجرى مجراه فى تذكرة وهي أبدا بين يديه يعلق فيها ما يعرض له. ~~PageV07P054 # ثم يسأل عن الطعام عند فراغه من ذلك فإذا حضر الوقت الذي رسمه بالأكل فيه ~~استدعاه فأصاب منه وطبيب النوبة قائم على رأسه وهو يسئله عن شيء شيء من ~~منافع الأغذية ومضارها ثم يغسل يده وينام، فإذا انتبه جدد الوضوء وصلى ~~الصلاة الوسطى وخرج الى مجلس الشرب فجلس وحضر الندماء والملهون. # ووافى أبو القاسم عبد العزيز فقعد [64] بحضرته على رسمه وعرض عليه ما ~~كتبه الكتاب أو كتبه هو بنفسه من أجوبة الكتب الواردة، فربما زاد فيها أو ~~نقص منها ثم تصلح وتختم وتجعل فى اسكدارها وتحمل الى ديوان البريد فتصدر فى ~~وقتها. # ومتى غاب أبو القاسم ابن عبد العزيز لأمر يقطعه أو تأخر فى داره واحتيج ~~الى كتاب يكتب، يستدعى كاتب النوبة فأجلس بين يديه وتقدم بما يريده اليه أو ~~أملاه عليه وهو مع ذلك يشرب ويسمع الغناء ويسأل عما يمضى من أشعاره وما يجب ~~معرفته من اخباره ms031 ولا يزال على ذلك الى أن يمضى صدر الليل ثم يأوى الى ~~فراشه. # وإذا كان يوم موكب برز للأولياء ولقيهم ببشر وتأنيس تعلوهما هيبة ووقار ~~وأجاب كل ذى حاجة بما يجب فى السياسة من بذل ومنع، وتفرق الناس عند انتصاف ~~النهار وأقام أصحاب الدواوين وكتابهم الى حين غروب الشمس. فأما عموم الأيام ~~فإن الأمر يجرى على ما تقدم ذكره. ### |||||| عضد الدولة والجارية # فيقال: إنه مال فى بعض الأيام الى جارية ميلا دعاه إلى أن خلا معها خلوة ~~أطالها وانقطع بها عن مراعاة ما كان يراعيه من الأعمال، فلما حاول النظر فى ~~ذلك من غد وجده قد [65] تضاعف فشق عليه تلافى ما مضى. # PageV07P055 # ثم دعاه الشغف بالجارية الى أن خلا معها نوبة ثانية كالأولى فى الإطالة ~~فوقف من الأمور أكثر مما كان، وتأمل الصورة فرأى الخلل قد استمر، فأحضر شكر ~~الخادم وتقدم اليه بأخذ الجارية وتغريقها فأخذها شكر وراعى ما عرفه من شدة ~~وجده بها فاستبقاها ولم يحدث حدثا فى بابها. فلما مضت على ذلك أيام قال له: # - «يا شكر لقد عجلنا على تلك الجارية وكان التثبت أولى.» فقال: «يا مولاي ~~قد والله تثبت فى أمرها خوفا من ندمك على ذهابها فاستبقيتها.» قال: «فردها ~~الى موضعها.» فردها وعاود عضد الدولة الخلوة بها والانقطاع إليها وعاد ~~الخلل الى حاله السالفة، فاستدعى شكرا وأمره بتغريقها وقال: # - «ما يساوى طاعة النفس فى شهوتها ترك الدنيا وإفساد سياستها.» فغرقت ~~ومضت الى حال سبيلها. # هذه الحكاية وجدناها فى كتاب التاريخ كما سطرناها وهي حكاية مستفاضة قد ~~سمعناها مختلفة النسبة الى عدة ملوك والله أعلم بالصحيح [1] . # وكان ضبطه لداره أشد ضبط ونظره فى أمر الصغير من أمر الخزائن والمطابخ ~~والاقامات [66] والوظائف مثل نظره الى الكبير من أمور الممالك، فلا يطلق ~~درهما فى غير وجهه، ولا يمنع أحدا مما يستحقه. ### |||||| تدبيره لجنده # فأما ما ذكر فى أمر تدبيره لجنده فقد كانت أموالهم مطلقة فى أوقاتها ~~PageV07P056 # متتبعة فى تصرفاتها وأكثر كتابهم وأصحابهم عونا له عليهم. وطبل العطاء ~~يضرب فى ms032 كل يوم ويحضر من ينتهى اليه الدعوة من القواد ومعه أصحابه بأحسن ~~رتبة فقبض ماله والزيادات فى الأصول محظورة على العموم إلا عند الفتوح وما ~~تدعو السياسة اليه من استمالة القلوب. # فقيل إن طغان الحاجب- وكان أكبر الأتراك فى دولته- راسل عضد الدولة وقد ~~جرده الى بعض الثغور وسأله زيادة عشرة أرطال خبزا فى خزانته، فدفعه عن ذلك ~~وحمل اليه خمسة آلاف درهم صلة وقال له: # - «هذا ثمن ما استزدتناه للسنين الكثيرة ولو أجبناك الى مرادك على ما ~~طلبتنا به لا تفتح علينا باب لا يمكننا سده.» ### |||||| قصته مع الوارد من الديلمان # وحدث أبو الحسن ابن عمارة العارض قال: # - ورد الى عضد الدولة فلان الديلمي [67]- وأسماه- من أرباب البيوتات ~~المذكورة بديلمان فأكرمه وعظمه وخلع عليه وحمله على فرس بمركب ذهب. # واتفق أن دعا قائدا من أقاربه بالحضرة كانت له مروءة حسنة فشاهد من آلته ~~ومروءته وزيه وتجمله ما كثر فى عينه، فاستقصر حاله عند ما شاهده فأحضر ~~كتابا كان عضد الدولة قد استخدمه له وقال له: # - «قد دعاني ابن عمى ورأيت من مروءته ما استحسنته وشاهدت عليه فرجية ~~ورداء من حالهما كيت وكيت وأريد ان تبتاع لى مثلها.» فقال: «نحتاج لثمن ذلك ~~الى ما تقصر عنه أيدينا فى هذا الوقت.» فقال: «خذ المركب الذهب فارهنه.» ~~فصار الكاتب الى عضد الدولة فعرفه ما جرى، فاستدعاني- يعنى أبو PageV07P057 ~~الحسن ابن عمارة العارض نفسه- وقال لى [1] : # - «أحضر فلانا القائد الذي دعا الديلمي الوارد من ديلمان.» فأحضرته ~~وعرفته حضوره، فقال: # - «اخرج اليه وقل له: ليس يكفيك بطرك بالنعمة الخالصة لك وتشاغلك بالتترف ~~عن الجندية وشروطها حتى تريد أن تفسد عسكرنا علينا وتعمل الدعوات وتظهر ~~الزينة. الآن قد ندبناك للخروج الى البلد الفلاني فتأهب واخرج.» [68] قال: ~~«فلما أوردت عليه هذا القول قبل الأرض وتنصل وكاد يموت، وانصرف على عزم ~~الخروج.» ثم رسم بعد ذلك إحضار الديلمي الوارد من ديلمان، فلما حضر أمر أن ~~يفرش له بساط منجرد ويطرح عليه صدر مثله وثلاث مخاد مخلقة ولبس جبة رثة ~~وعمامة شهجانى [2] وجلس ms033 وأوصل الديلمي وتشاغل عنه ساعة، الى أن علم أنه قد ~~شاهد فرشه وثيابه وسأله عن حاله وخاطبه خطاب مؤانس له: # - «أراك يا فلان تتأمل فرشنا وثيابنا ولعلك تقول- كيف يقنع ملك الدنيا ~~بهذا؟ نعم إن الشرف والجمال بالأصول والأفعال والمواقف فى التدبير والحروب، ~~والثياب الحسان والترفه، والنعمة للنساء والمخانيث، وتالله إن الرجل ليدخل ~~على وهو متصنع متعمل، فأتصور أنه فارغ عاطل، ويدخل وهو مقتصد مسترسل، فأراه ~~بصورة من له نفس وهمة.» ثم حادثه بعد ذلك ساعة وانصرف. [قال] وعاد الكاتب ~~فقال له عضد PageV07P058 # الدولة: # - «أى شيء جرى بعد انصراف صاحبك؟» قال: لما عاد من حضرة مولانا سألنى عما ~~كان واقفنى على ابتياعه من الرداء والثوب للفرجية فأحضرتهما له. فقال: # - «ردهما على صاحبهما [69] وارتجع المركب ورده الى موضعه.» فتبسم عضد ~~الدولة. # وحدث أبو نصر خواشاذه قال: ### |||||| رأيه فى دفع المشاهرات # «كان بالقصر جماعة من الغلمان تحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة بالحضرة. ~~فلما كان فى آخر شهر قد بقي منه ثلاثة أيام استدعاني وقال لى: # - «تقدم الى الخازن فى بيت المال بأن يزن كذا وكذا ألف درهم ويسلمها الى ~~أبى عبد الله ابن سعدان ليحملها الى نقيب الغلمان بالقصر. # فقلت: «السمع والطاعة.» فأنسيت ذلك وسألنى عنه بعد أربعة أيام، فاعتذرت ~~بالنسيان فخاطبني بأغلظ خطاب فقلت: # - «أمس كان استهلاك الشهر والساعة تحمل المادة وما ههنا ما يوجب شغل ~~القلب بهذا الأمر.» فقال: «المصيبة بما لا تعلم، ما فى فعلك من الغلط أكثر ~~منها فيما استعملته من التفريط، ألا تعلم أنا إذا أطلقنا لهؤلاء الغلمان ما ~~لهم وقد بقي فى الشهر يوم كان الفضل لنا عليهم، وإذا انقضى الشهر واستهل ~~الآخر حضروا عند عارضهم فأذكروه فيعدهم، ثم يحضرونه فى اليوم الثاني فيعتذر ~~إليهم ثم فى الثالث فتبسط فى اقتضائه ومطالبته ألسنتهم، فتضيع المنة وتحصل ~~الجرأة PageV07P059 ~~ونكون الى الخسارة أقرب منا الى الربح.» ولعل عضد الدولة نظر [70] فى هذا ~~الوقت الى ما وجد فى سيرة المعتصم رضوان الله عليه، وهل ينكر لبنى هاشم أن ~~يقتدى بأقوالهم ms034 أو يهتدى بأفعالهم وهم الأصدقون أقوالا، والأكرمون أفعالا، ~~والأشرفون أنسابا، جبال الحلوم، وبحار العلوم، وأعلام الهدى، وساسة الدين ~~والدنيا، وفرسان الحروب والمحاضر، وأملاك الاسرة والمنابر، الى مكارمهم ~~ينتهى الكرم، وبمآثرهم تنجلي الظلم، المعتصم بينهم المعتصم. ### |||||| خبر مأثور فى سياسة جند # يقال: إن جندا كانوا بدمشق فطالبوا عاملها برزق استحقوه وشكوا اليه ضيقة ~~وحاجة، فاحتج بأن المال الحاصل للحمل، وأنه لا يقدم على أخذ شيء منه، ~~وسيقيم لهم وجوها من بعد، ودعتهم حاجتهم الى أن مدوا أيديهم وأخذوا بعض ما ~~يستحقون وكتب العامل على البريد الى الحضرة بذلك. # وكان المعتصم بنية الغزو وقام يكتب جوابه وقال: # - «انتفيت من الرشيد لئن لم يعيدوا المال الذي أخذوه ساعة وصول هذا الأمر ~~لأجعلن وجه الغزاة إليهم [71] ولأجعلنهم حصائد السيوف.» فعاد الجواب أسرع ~~ما يكون إلى العامل فأحضر الجند وقرأ عليهم الكتاب ونظر بعضهم الى بعض ~~وقالوا: # - «هو المعتصم وإنه يقول ويفعل.» وتبادروا الى رد ما أخذوه، فما كان طرفة ~~عين حتى اجتمع المال كأنه لم يبرح وسألوا العامل التنصل عنهم الى المعتصم ~~وذكر صورتهم التي أحلت فى أمثالها المحرمات فكتب بذلك الى الحضرة فأمر ~~المعتصم بالجواب وذم فعل العامل وتبين خطيئته كيف جنى على السياسة وجرأ ~~الجند بتأخير أعطيتهم PageV07P060 ~~عن أوان وجوبها، ويحذره أمثالها، وأمره بإطلاق ما اجتمع لهم من مال ~~استحقاقهم وإسلافهم عطاء آخر لحسن طاعتهم. ### |||||| ونعود الى ذكر ما نختاره من كتاب التاريخ [1] # وحدث أبو الحسن ولد عمارة قال: # دخل بعض الأتراك الخواص الى ديوان الجيش ومعه صك يريد أن يثبته، فقال ~~للكاتب: # «أثبته.» فقال: «أنا مشغول بعمل استدعاه الملك وما أنا متفرغ لعمل صك [2] ~~[72] اليوم.» فأخذ الحساب من يده ووضعه فى الأرض وقال له: # - «قدم أمرى أولا.» فكتب صاحب الخبر بذلك فى وقته فلم يستتم الكاتب اثبات ~~الصك حتى استدعاني عضد الدولة وقال: # - «قد جرى من فلان الديلمي كذا وكذا، فاخرج الى ديوانك واستدع الصك من ~~كاتبك وحرقه بين يديك، وتقدم بأن تجر رجل الديلمي من موضعه الى باب العامة ~~ووكل ms035 به من النقباء من يطالبه بالخروج الليلة من البلد الى ديلمان.» ففعلت ~~ذلك، وتقدم فيما بعد ألا تعمل أعمال الجند إلا فى أيدى المديرين. ~~PageV07P061 ### |||||| عضد الدولة وأسفار والتناء # وقيل: إنه كان رفع أسفار بن كردويه عن قبول الظلامات فيه ومطالبة كتابه ~~بحضور مجالس الحكم فيما يتعلق به إجلالا له، وأن أحد التناء [1] تظلم منه ~~فى معاملة ورفع قصته [2] الى عضد الدولة فوقع على ظهرها: أخونا [أبو] زهير ~~يرتفع عن مثل هذا الفعل والدعوى عليه بذلك باطلة، وإن التوقيع حمل الى ~~أسفار، فأنصف الرجل. # وحكى عن بعض التناء أنه قال: # - حصلت ضيعتي فى أيام عضد الدولة فى إقطاع أسفار بن كردويه، وكان من ~~الظلم على حال معروفة، وكان عضد الدولة قد رفع عنه وعن زيار بن شهراكويه ~~العدوى [73] فى كل فعل وتتابعت على جوائح ولم تحصل لى ما يفي بالخراج، ~~فاجتمع لأسفار على ثلاثة آلاف وستمائة درهم اعتقلنى بها وأساء الى وقيدنى ~~وأدخل يده فى نيابتي فأقمت فى حبسه سبعة أشهر. # فأنس بى الموكل وعلم أنى لا أتمكن من الهرب مع القيد الذي فى ساقى فكان ~~يستخلفنى موضعه عند خلو الباب وانتصاف النهار ويمضى الى منزله فيتشاغل ~~بشغله ويعود. # وضاق صدري، فانتهى بى سوء الحال وشدة القنوط الى أن اخترت الموت على ~~الحياة فحملت نفسي فى بعض الأيام عند مضى البواب وخلو الباب على أن خرجت ~~أمشى بالقيد. # وكان أسفار ينزل فى دار صاعد بن مخلد بدرب الريحان والزمان صائف والماء ~~ناقص، فلزمت شاطئ دجلة حتى وصلت الى الميدان الذي تحت دار PageV07P062 # عضد الدولة والناس يرونى فى طريقي، فمن منكر لى يقول: «مجنون وقد أفلت» ~~ومن عارف بى قد علم أنى هارب. # فلما وقفت فى الميدان رأيت الستائر ممدودة وعضد الدولة قائم على الروشن ~~وأنا لا أعلم، وعلى ابن بشارة الفراش على قرب منه، فصحت ودعوت، فبادر الى ~~على بن بشارة وأومى الى «أن اسكت وصر الى باب [74] البستان» . # فصرت اليه وخرج الى وقال: # - «من أنت وما قصتك؟» فشرحت له حالي ms036 وظلامتي من أسفار، فأجلسنى عند ~~البوابين وعاد، وإذا به قد خرج فأدخلنى وقال: إن الملك كان واقفا وقت مجيئك ~~وهو الذي رآك فإذا رأيته فقبل الأرض بين يديه وأكثر الدعاء له. # فمشيت وأنا أحجل فى القيد حتى قربت منه فى الموضع الذي شاهدته أولا فيه، ~~فتداخلني من الهيبة والجزع ما لم أملك نفسي معه، فقبلت الأرض مرارا ودعوت ~~له دعاء كثيرا وبكيت وسكت. فقال لعلى بن بشارة: # - «قل له حتى يشرح صورته.» فقلت: «ما لى لسان يطاوعني على القول لعظم ما ~~قد تداخلني من الرهبة والخوف.» فقال: «تكلم ولا تخف.» فقلت: «إن أسفار قبض ~~ضيعتي وطالبني بما لا قدرة لى عليه وحبسني فى القيد منذ سبعة أشهر.» فأطرق ~~ساعة ثم قال لى: # - «عد الى دار أبى زهير وأعلمه أنك جئتنا وشرحت حالك لنا وأنا أمرناك ~~بالعود اليه.» PageV07P063 ~~فقلت: «يا مولانا أخافه.» وجهلت فى قولي هذا. # فقال: «لا تخف فأنا من ورائك وعد لتعرف ما ينتهى اليه أمرك.» فقبلت الأرض ~~وخرجت أجر نفسي وأحجل فى قيودي حتى وافيت باب أبى زهير، فإذا البواب [75] ~~قد عاد فلم يجدني وبث الركابية والغلمان فى طلبى، وعرف أبو زهير خبري فضرب ~~البواب مائة مقرعة والدنيا قائمة على ساق. # فلما رآني الغلمان صاحوا: # - «ها هوذا» وقالوا: # - «أين مضيت؟» فقلت: # - «مضيت الى الملك عضد الدولة فأوصلنى وشكوت اليه أمرى فأمرنى بالعود الى ~~القائد وعدت.» فلما سمع الغلمان ذلك ذكروه لأسفار فأحضرنى وقال: # - «أين كنت؟» قلت: «يا صاحب الجيش لما ضاق صدري وغلب يأسى صبري، قصدت باب ~~الملك، فوجدته قائما على الروشن وبين يديه الأستاذ على بن بشارة، فدعوت له ~~وشكوت اليه حالي فأوصلنى [1] وحدثته حديثي فأمرنى بالعود إليك. فقلت: أخاف ~~أن أعود. فقال: «عد فإننا من ورائك. وقد جئت.» فقال أسفار: # - «تؤاخذ إذا.» PageV07P064 # وأحضر من فك القيد وأعطانى عمامة وثوبا ومائة درهم وقال: # «انصرف مصاحبا.» فقلت: «ضيعتي.» فقال: «اخرج إليها وتصرف فيها ولا تطمع ~~مستأنفا فى كسر خراجها.» فدعوت له وخرجت من عنده فمضيت من فورى ذلك ms037 الى ~~روشن عضد الدولة وصحت ودعوت له. فدنا خادم من الروشن وأومى الى أن- «تقدم ~~الى الباب» فتقدمت اليه وجاءني الخادم فقال: [76]- «من أنت؟» فقلت: ~~«المحبوس الذي كان منذ ساعة بحضرة مولانا.» وتقدم الى بالعود فدخل وخرج الى ~~على بن بشارة فأدخلنى، ورأيت الملك جالسا على عتبة البيت الذي بناه على ~~دجلة، وغلمان وقوف بالقرب منه، فقبلت الأرض ودعوت له، فقال: # - «كيف جرى الأمر؟» فشرحت له الحال وأريته الثياب والدراهم التي أعطانيها ~~أسفار. فاستدنى على بن بشارة وأسر اليه شيئا [1] لم أسمعه، ثم قال لى: # - «كم عليك لأبى زهير؟» فقلت: «ثلاثة آلاف وستمائة درهم.» قال: «نحن ~~نؤديها اليه عنك لتبرأ منها فى ديوانه وتكون مقابلة له على الجميل الذي ~~عاملك به.» فقبلت الأرض ودعوت له، وأخذ على بن بشارة بيدي ودخلت الى ~~الخزانة فأخذ ثلاثة آلاف وستمائة درهم فى كيس، واستدعى أحد نقباء ~~PageV07P065 # النوبة وقال له: # - «امض مع هذا الرجل فاحمل هذا الكيس الى أبى زهير أسفار وقل له: # هذه الدراهم التي أنفذناها إليك لعوض عملك على هذا الرجل، فأثبتها فى ~~ديوانك باسمه.» فخرجت والنقيب معى والكيس معه، وصرنا الى دار أبى زهير ~~ودخلنا اليه. فلما وضع النقيب الكيس بين يديه وأدى الرسالة قام قائما وقبل ~~الأرض ثلاث [77] دفعات وقال: # - «أنا عبد وخادم وهذا مال مولانا.» وهب لى خمسمائة درهم وللنقيب خمسمائة ~~وانصرفنا.» الذي مضى فى هذين الخبرين هو تدبير لطيف وتوصل جميل الا أن رفع ~~العدوى عن أحد الاتباع وإن كان عظيم القدر مضر بالسياسة أى إضرار، والقاعدة ~~إذا وضعت على ذلك كانت «على شفا جرف هار» 9: 109. [1] ولقد رأينا فى زماننا ~~من سياسة ملك الإسلام عضد الدولة البارسلان رحمه الله وكان أقوى جندا، ما ~~هو أوفى جدا. # وأين كان من الملوك من يصول كصولته ويهاب كهيبته! ونقتصر هاهنا على إيراد ~~خبر واحد من أخباره التي ينتهى القول بنا [2] الى ذكر أيامه بمشيئة الله ~~سبحانه. ### |||||| ذكر خبر فى إقامة سياسة # حكى أن غلاما خصيصا بسنكلو أخذ من بعض المزارعين بطيخا على ms038 قارعة الطريق ~~بغير رضاه وانتهى الخبر الى عضد الدولة رحمه الله، فطلبه PageV07P066 # فأخفى شخصه رجاء أن يسكن غضبه ويعفو عنه أو يقتصر من عقوبته على السوط ~~دون السيف. # فاستدعى بسنكلو الى بين [78] يديه وأقسم لئن لم يحضر الغلام ليقيمن ~~السياسة فيه بدلا عنه- وسنكلو يومئذ صاحب الجيش ومعه جمرة العسكر وأمره قوى ~~وجانبه منيع وهو أشد الترك بطشا وأخشن الجند جنبا- فملكه الرعب وكان قصاراه ~~البدار بإحضار الغلام. فلما أحضر وسطه بالسيف وأجرى الفرس بين شلويه على ~~سنة لهم فى قتالهم. ### |||||| قياس العضد بالمعتضد فى سياسة الجناة # ويوشك أن يكون لهذه السياسة باطن بأن تكون قد سبق للغلام جريمة يستحق بها ~~القتل وأتبعها بهذه الصغيرة التي يجرى فى مثلها التعزير فقتله عضد الدولة ~~رحمه الله، بالجريرة الكبيرة التي أوجبت قتله، وأظهر للعامة أنه قتله ~~بصغيرته الظاهرة لهم اقتداء بخبر وجدته فى بعض الكتب مرويا عن المعتضد ~~بالله رضى الله عنه، وهو أنه كان سائرا فى موكبه فتظلم أحد الرعية من بعض ~~الجند فيما يقارب قصة البطيخ، فأمر بإحضاره وسحبه الى السجن وحبسه الى أن ~~يعود الى مستقر عزه فيأمر فيه. # فلما كان فى اليوم الثاني وأصبح الناس رأوا رجلا مصلوبا فتحدثوا بقتل ~~الجاني بالأمس وصلبه. # فدخل أحد خواص [1] المعتضد اليه وقال له [79] عند خلو مجلسه: # - «يا أمير المؤمنين قد كان التعزير فيما جرى يقنع من غير صلب. ~~PageV07P067 # فقال له: # - «أتعرف الرجل.» قال: «نعم.» قال: «فامض الى السجن فانظر. # فلما دخل رأى الرجل حيا وهو مقيد فعاد وقال: # - «قد وجدته حيا.» قال المعتضد: # - «إنما أمرت بإخراج غيره من المفسدين الذين قطعوا الطريق وأخذوا المال ~~وقتلوا ووجب صلبهم، فهو الذي رأيتموه مصلوبا وظهر للعامة أن المصلوب هو ~~الجاني بالأمس إيداعا للرهبة فى قلوبهم، فما تعديت حدود الله.» ولقد وفق ~~المعتضد بالله رضى الله عنه، وهل يدافع عن حسن سياسة يضرب بها المثل؟ # وبلغني أن بعض أمراء مصر كثر المفسدون فى أيامه فقتل وتعدى حدود الله ~~التي أتت بها الشريعة فتضاعف الفساد حتى وقف أمره، ms039 فأشير عليه باتباع الشرع ~~فأحضر أحد الفقهاء المجتهدين وشاوره واستفتاه وعرض عليه من فى السجون وذكر ~~له أحوالهم، فأفتاه بما أمر الله تعالى به، فأقام الحدود فيهم بالعدل من ~~غير زيادة ولا نقصان وسلك هذه الطريقة الحميدة فيمن ظفر به من المفسدين، ~~فما مضى من الزمان إلا قليل حتى استقامت له الأحوال فانقطع الفساد فأمنت ~~البلاد [80] وليس للمخلوقين أن يحتاطوا بصلاح الأمة بزيادة على أمر الخالق ~~رب العالمين، سبحانه وتعالى. # وما أحسن سيرة هذه الدولة التركية، فإن مندوبا للمظالم قد وسموه ب ~~«أميرداذ» معناه أمير العدل يجلس للمظالم والى جانبه حاكم من أهل العلم PageV07P068 ~~يرجع ذلك الأمير الى رأيه وكلمه وينفذ ما تأمر الشريعة فى الجند والرعية. # وكل عبد من عباد الله تعالى فى إمداده بحسن التوفيق لم يهذب بسياسة ~~الأقرب فالأقرب ولم يذلل بهيبته الأصعب فالأصعب، نسب [1] الى إحدى خطتين: ~~إما ظلم فى طبعه وإما عجز فى نفسه، وكلتاهما غير حميدة. # ولم يكن مثل ذلك يخاف على عضد الدولة بن بويه مع كمال فضله، ولعله سمح ~~لأسفار وزيار بهذا الفعل. ان الخبر صحيح [2] لمداراة عاجلة، ليتلافاها من ~~بعد بسياسة شاملة، فإن غوره كان بعيدا وصبره لمداواة كل خطب عتيدا. وهو من ~~الملوك الذين لا يقدح الثلم فى سياستهم بحال، ولا يجد العيب فى سيرهم أدنى ~~مجال. ### |||||| ونعود الى سياقة الأخبار # حدث أبو إسحاق ابراهيم بن هلال [3] الصابي قال: # «لما ورد عضد الدولة فى [81] الدفعة الثانية خرجت لاستقباله الى المدائن ~~وخدمته، وخفت أن يتطرق على دارى الشاطئة [4] الترك فى سورة الدخول لأننى من ~~حواشي البختيارية وسألته إنفاذ من يحرسها فأنفذ معى أحد النقباء الأصاغر ~~وتقدمت عائدا والنقيب معى. # فكان يمضى أكثر النهار فى أشغاله. فاتفق أن هجم على الدار أحد القواد ~~الأكابر وطرح أصحابه أحمالهم وفرشوا فرشهم وربطوا دوابهم وتقدموا إلينا ~~بالانتقال فأيسنا من دورنا ومضى غلماني يطلبون النقيب. فلما حضر سلم ~~PageV07P069 # على القائد وقبل يده ووقف بين يديه وأخذ يحادثه ثم قال له الديلمي: # «فيم جئت؟» قال: «أنفذنى الملك ms040 لأحفظ هذه الدور ممن يتعرض لها.» فقال له: # - «هذا كاتب من أصحاب بختيار فأى شيء بينه وبين الملك؟» قال: «كان يخدمه ~~وله موضع عنده.» قال أبو اسحق: # - فو الله ما استتم النقيب كلامه حتى نهض القائد الديلمي ورمى بكرسي كان ~~جالسا عليه وقال لغلمانه: ارفعوا. # وركب فى الحال وخرجوا بعده فما رأيت هيبة أعظم من هيبته.» ### |||||| وأما ذكر ما فعله فى أمر الحماية [82] # فإنه حمى البلاد من كل مفسد وحفظ الطرق من كل عائث وهابه الحواضر ~~والبوادي. # وكان منه فى قتل داود بن مصعب العقيلي آمر بنى عقيل وسيدها بأبى القاسم ~~ابن الباهلي ما شاع ذكره. ### |||||| ذكر مكيدة فى قتل داود بن مصعب # وكان من خبره أن عضد الدولة أنفذ أبا القاسم ابن الباهلي الى داود برسالة ~~يدعوه فيها الى الطاعة والدخول الى بغداد وضم اليه عشرين رجلا من الحمدانية ~~وواقفه على الفتك ان وجد غرة منه. # فلما حصل عنده وكان نازلا بالقرب من سنجار أورد عليه ما تحمله ورغبه فى ~~الخدمة فقال له داود: PageV07P070 ~~- «أما الطاعة فأنا ألزمها، وأما الدخول الى الباب فما جرت لى عادة به.» ~~فلم يزل يراوضه وهو مقيم على أمره فيما بذله وامتنع عنه. وعول ابن الباهلي ~~على اغتياله وواقف فراشا كان معه على ذلك، وطلب الغرة فوجدها عند رواح ~~الجمال والبقر والغنم، فإن الصياح يكثر والرجال والنساء مشغولون بإبلهم ~~ومواشيهم وضمها إلى [83] بيوتهم وحلب ألبانها فعمل على فعل ما يريد فعله فى ~~هذا الوقت واستأذن على داود فى بعض العشايا وحضر عنده وأخذ فراشه معه- وقد ~~خرج اليه بسره- ورسم له أن يمسك داود إذا خلا مجلسه وغمزه بعينه واستصحب ~~سكينا ماضية فى كمه. # وراحت الإبل والمواشي فارتجت الحلة بأصواتها وضوضاء الناس وحادثه ساعة ثم ~~غمز الفراش فوثب وأخذ يدي داود ومسكهما وضربه ابن الباهلي بالسكين فى صدره ~~وكرر ذلك حتى أصاب مقتله وخرج غير عجل ولا مضطرب والفراش خلفه طالبا ~~للصحراء والعبد عن البيوت كأنه قاضى حاجة وقد أعد له وللفراش [1] فرسين ~~فركباهما وسارا سيرا ms041 رفيقا حتى أوغلا فى الصحراء ثم حثا وعدلا عن طريق ~~الموصل وتعسفا الطريق الى برقعيد [2] ونزلا منها الى دجلة وانحدرا فى ~~سفينة. # ودخل أصحاب داود عليه بعد ساعة فوجدوه طريحا قتيلا ولم يجدوا ابن الباهلي ~~فعلموا أن الفعل له. ومضى قوم من الفرسان يتبعون أثره فى الطريق المؤدية ~~الى الموصل فلم يجدوه فأخذ من كان معه من كان معه من الحمدانية فقتلوا ~~صبرا، ومضت على ذلك السنون وقتل ابن الباهلي بالكوفة قتله بنو عقيل. [84] ~~PageV07P071 # وقد قيل: «كل قاتل مقتول» وهو أسهل الأمرين، لأن ما جاء من الوعيد فى ~~القرآن وفى الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمن قتل نفسا بغير حق ~~مع ما يلقاه فى الدار الآخرة أشد نكالا وأعظم عقابا وأدوم عذابا، نسأل الله ~~تعالى العفو والعافية فى الدنيا والآخرة. ### |||||| إطماع المطلوب فى الصفح عنه ثم الغدر به # وذكر أبو الحسن محمد بن عيسى الهيتى قال: # «أخرجت الى هيت لتقرير ارتفاعها وارتفاع الأنبار على أبى العلاء الحسن بن ~~محمد الإسكافي، فورد علينا فى بعض الأيام كتاب من عضد الدولة يرسم فيه ~~المسئلة عن أعرابى من بنى عقيل تناول شيئا [1] من بعض زواريق المعادن ~~والمطالعة باسمه وحاله. # فأحضرت الملاحين وسألتهم عن هذه الحال فلم يعرفوها، فكتبت بذلك وورد ~~الجواب بأن نزيد فى البحث، فلم أزل أتعرف وأسأل كل واحد حتى ذكر لى بعض ~~الملاحين أن فلانا العقيلي اعترض سفينة من سفن المعادن وهي مصعدة والتمس من ~~بعض المدادين قطعة من شاروفة فأخذها قهرا من صدره وأنه لم يجر سوى ذلك ~~فأحضرنا المسيب بن رافع وطالبناه بالأعرابى فقال: # - «ما تريدان منه.» فأعلمناه أن الملك طلبه. قال أبو الحسن الهيتى: وكان ~~بيني وبين [85] المسيب أنسة ومودة فأقسم على أن اطلعه على الصورة فذكرتها ~~له فانصرف واجما وغاب عنا يومين ورجع ومعه جماعة من أهل المطلوب وبنى عمه ~~PageV07P072 # وسألونا الإمساك عنه وانتهى الأمر فيما بيننا وبينهم الى أن تصححوا ذنبه. # قال أبو الحسن: # - فلم أتجاسر على مكاتبة عضد الدولة بذلك. # وكتب ms042 به أبو العلاء وعنده أنه قد أثر أثرا منه فعاد الجواب اليه بإنكار ~~ما كان منه فى قبول ما قبله من المال وإطماع القوم فى الرضاء [1] عنهم وأن ~~الغرض حسم مواد الفساد فى الطرق وقيل له فيما خوطب به: # - «لولا أنها أول جناية لك لأنفذنا من يحسن تقويمك وتأديبك.» وكوتبت أنا ~~بالتماس الأعرابى وأخذ المسيب بتسليمه وإطماعه واطماع بنى عمه فى الصفح عنه ~~إذا سلموه فاعدت خطاب المسيب والقوم فى إحضار الرجل فأحضروه وسلموه ~~فاعتقلته وكتبت بحصوله. فورد الكتاب بأن أطالبه بالشاروفة التي أخذها فإذا ~~أحضرها خنق بها فى الموضع الذي أخذها منه وصلب ففعلت ذلك. # ثم راسل عضد الدولة المسيب ووجوه بنى عقيل بأنه: متى لم يضمن أكابركم ~~أصاغركم ويلزموا عهدتهم ويضبطوا الطرق [86] ويحموا مواد الفساد صرفناكم من ~~ممالكنا. # فحملهم الخوف على العبور الى الجانب الشامي وأوغلوا فى البرية.» ومن ~~العجب من حسن سياسة عضد الدولة إطماع المطلوب فى الصفح عنه إذا حضر وإطماع ~~بنى عمه فى مثل ذلك إذا أحضروه ثم الغدر به بعد تسليمه. قال الله تعالى: ~~«إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم» 5: 34 ~~[2] . # واستجابة الرجل الى الحضور طمعا فى الأمان قبل القدرة عليه هو توبة ~~PageV07P073 # فالغدر به بعد بذل الأطماع فى العفو قبيح إن كان ما ذكر فى هذه القصة ~~صحيحا. ### |||||| قتل القطاع بالحلاوات المسمومة # ومن بعض توصله ما وجدنا فى عين التاريخ وهو أن عضد الدولة أنفذ أحمالا من ~~الأمتعة الى مكة مع تجار أو حاج. فلما انتهوا الى بعض الطريق عند بعض أحياء ~~العرب خرج عليهم قوم منهم فقطعوا عليهم فقال المأخوذ: # - «هذه الأحمال لعضد الدولة الملك.» فسبوه عند ذكره وعاد المأخوذ الى ~~حضرة عضد الدولة وحكى ذلك. # فتقدم بعمل شيء كثير من الحلاوات المسمومة وأعاد المأخوذين وأصحبهم أمتعة ~~وجعل تلك الحلاوة المسمومة فى جملتها وقال: # - «تعمدوا لقاء القوم فإذا وقعوا [87] عليكم فقولوا: إن هذه الامتعة ~~والحلاوات أنفذها عضد الدولة لفقراء مكة. فإذا أخذوا الأحمال فعودوا ~~لوقتكم. ms043 # ففعلوا ذلك وصادفوا القوم فأخذوا ما صحبهم وأكلوا من تلك الحلاوات ~~فهلكوا. [1] فإن كان هذا الخبر صحيحا فإنه كيد يأباه كل ذى دين ويأنف منه ~~كل سلطان مكين. فذو الدين يراه من أعظم الآثام وذو السلطان يراه عجزا وضعفا ~~فى الانتقام. # وفيه تغرير نفوس من لا ذنب له. فهل كان يأمن أن يأكل من ذلك النساء ~~والولدان ومن عسى أن ينزل بالحى من ضيف بريء الساحة؟ قال الله تعالى: ~~PageV07P074 # «ولا تزر وازرة وزر أخرى 6: 164. [1] واستفتى رجل ابن عباس رضوان الله ~~عليه فى قتل أولاد المشركين فقال: # - «ان علمت منهم ما علمه الخضر عليه السلام من الغلام الذي قتله فاقتلهم» ~~إيجابا عليه بأنه لا يجوز له قتل من لم يبلغ الحلم منهم. ### |||||| ومن غريب مكايد عضد الدولة # ومن غريب مكايده التي تتداولها الألسن ما كاد به طائفة من القفص والبلوص ~~حين أوغل فى بلاد كرمان لتنظيفها منهم [2] فإنه انتهى اليه أن قوما منهم ~~بيوتهم من وراء جبل بحيث لا يمكن الوصول إليهم إلا بعد سلوك مضيق، إذا وقف ~~فيه عدد قليل [88] منع عسكرا كثيرا. فلما أيس من الوصول إليها بالقوة أعمل ~~الفكر فى الحيلة وراسلهم: بأنى لا أنصرف عنكم إلا باتاوة. # فقالوا: «ما لنا مال نؤديه إليك.» فقال: «أنتم أصحاب صيد وأريد من كل بيت ~~كلبا.» فهان عليهم ذلك فأنفذ من عد بيوتهم فأخذ منهم كلابا بعددها. # ومن شأن الكلب أن يلوذ بصاحبه ويبصبص له وحوله، ويحتك به ويألف بيته حتى ~~إنه إذا أفلت من فراسخ كثيرة عاد الى مربضه. # فأمر بأن يشد فى أعناقها حلق النفط الأبيض وتجتمع عند مضيق الجبل ثم تضرب ~~النار فى النفط ويخلى سبيلها ويتبعها العسكر. ففعلوا ذلك وأسرعت الكلاب ~~عدوا وأحس القوم بركوب العسكر فلقوهم فى المضيق وطلب كل كلب صاحبه لائذا به ~~من حرق النار. فكلما احتك بالرجل أسرت PageV07P075 # النار اليه وأفرجوا عن الطريق والكلاب تتبعهم، وتعدت النار إليهم فاحترق ~~عدد كثير منهم. وهجمت الكلاب على البيوت فخلا أهلها وأسرع العسكر وراءهم ~~ووضعوا السيف ms044 فيهم واستأصلوا شأفتهم. ### |||||| إيداع الرهبة فى صدور الرعية # فأما ما أقامه من الهيبة وأودعه [89] صدور الرعية من الرهبة فإنه كان قد ~~منع كل واحد من حمل السلاح بالحضرة إلا من كان مستخدما فى المعونة أو ~~مرتبطا فى جملة الرجالة المرتزقة، فإن وجد مع غيرهم سلاح أخذ وحبس وألزم ~~جناية. وحظر أيضا أن يضرب واحدا أو يمد اليه يده، فمن فعل ذلك أخذ وعوقب ~~وحبس واغرم فكانت أيدى الناس مقبوضة. # قال صاحب التاريخ: # وإننى لأذكر فى درب أبان من الجانب الشرقي وأبو اسحق جدى [1] إذ ذاك فى ~~الاعتقال وكان فى هذا الدرب رجل شيرازى رث البزة يذهب فى أمره مذهب التطايب ~~ويضحكنا إذا جلس معنا. فبينما هو فى بعض الأيام قاعد مع والدي على باب ~~دارنا ومعنا رجل يعرف بابن مواتة من أولاد الشهود والجيران إذ اجتاز بائع ~~رمان، فدعاه ابن مواتة وسامه وجرى بينهما ما رفع له ابن مواتة يده فلطمه. # فقبض الرجل الشيرازي يده على كم ابن مواتة وقال: # - «قم الى دار الملك.» قال له: # - «أصنع ماذا؟» PageV07P076 # قال: «أطالع بما فعلته من لطم الطواف ويؤخذ بحقه منك ثم يجرى [90] حكم ~~السياسة فيك.» لقد مات ابن مواتة خوفا وجزعا وعطف والدي على الشيرازي يسأله ~~الإمساك والطواف يقول عند ما شاهده من الحال: # - «قد وهبت وسامحت.» وهو يقول له: # - «إذا وهبت حقك وهب السلطان حقه.» ويقول لوالدي: # - «لا أتمكن من الإمساك لأن خبرنا قد رفع الساعة الى الحضرة وإذا أمسكت ~~صار لى ذنب أهلك به وتنقطع معيشتي وأنا أرتزق رزقا سلطانيا على نقل هذه ~~الأشياء.» وانتهت الحال الى أن قبل والدي وابن مواتة يده فخلى عنه وقال: # - «قد دخلت معكم فى خطر أسأل الله تعالى السلامة منه.» وصرنا بعد ذلك ~~نخافه ونرهبه. وكان معلمو الصبيان مواقفين على أن يسألوا أولاد الجند الذين ~~فى مكاتبهم عن أمور آبائهم ومتصرفات أحوالهم فى منازلهم ويكتبون بذلك الى ~~ديوان البريد ولهم على ذلك رزق دار. ### |||||| ذكر حيلة لطيفة عادت باقامة هيبة عظيمة بين رعية بعيدة ms045 خبر الحلاوى [91] # كان أحد جواسيس عضد الدولة العائدين من مصر ذكر لعضد الدولة فى جملة ما ~~أخبر به أنه تقدم الى شيخ حلاوي فى زقاق القناديل بمصر فدفع PageV07P077 ~~اليه درهما تاجيا ليبتاع به شيئا [1] مما بين يديه، فرده عليه وتنازعا ~~فيه فشتمه وشتم الآمر بضرب الدرهم وأنه سأل عن اسم الحلاوى حتى عرفه وسماه. # قال أبو عبد الله ابن الحسين بن محمد الحلاوى الموصلي: بينما أنا فى ~~منزلي فى بعض الليالي إذ طرق بابى نقيب ومعه نفاط فجزعت منه وخرجت إليه ~~فقال لى: # - «ابن محمان يستدعيك.» فمضيت معه إليه فلما حضرت بين يديه وجدت عنده ~~فراشا من دار عضد الدولة فقال لى: # - «إن مولانا سأل عن صانع حاذق فوصفت له ورسم إنفاذك الى الدار فصر مع ~~هذا الفراش إليها.» فقلت: «السمع والطاعة.» فنزلنا سمارية من سماريات ~~النوبة كانت مقدمة فى المشرعة وانحدرنا وصعدنا الى الدار فوقفنى فى الصحن ~~ودخل ثم خرج فأدخلنى الى الحجرة التي فى ظهر القبة الخضراء وإذا عضد الدولة ~~جالس وشكر قائم. فلما رأيته قبلت الأرض مرارا فقال الملك: # - «قد أزعجت فلا بأس عليك وما دعوناك إلا لخير.» [92] فقبلت الأرض. ثم ~~قال: # - «قد احتجنا الى استخدامك فى أمر تنفذ فيه إلى الموصل وتقدمنا بإطلاق ~~نفقة لك تخلفها لعيالك فخذها من أبى الثناء (يعنى شكرا) .» فقلت: «السمع ~~والطاعة.» PageV07P078 # فقال: «انصرف وانظر فى أمرك وادفع النفقة الى أهلك ولا تعرض أنت لأخذ شيء ~~منها فما بك فى طريقك حاجة إليها.» فخرج شكر وأعطانى عشرين دينارا وانصرفت ~~بها إلى أهلى وذكرت لهم الصورة ووصيتهم بما أريد. # فلما كان من غد آخر النهار وحضر من يستدعينى فصرت معه إلى الدار ووصلت ~~إلى حضرة عضد الدولة بين العشاء والعتمة فقال لى: # - «اخرج فى هذه الساعة مع من نسلمك إليه إلى مصر فإذا حصلت بها فاقصد باب ~~الجامع وسل عن منير الخادم الأبيض فإنه يكون هناك يبيع الفراخ المسمنة وهو ~~معروف فإذا رأيته فقل له: صديقك يقرئك السلام. # فسيقوم من موضعه ويمشى فاتبعه ms046 إلى منزله فإذا دخلت فانزع ثياب سفرك التي ~~عليك والبس الثياب التي يسلمها إليك وخذ منه ما تريده لنفسك واقصد بعد ذلك ~~زقاق القناديل فإنك سترى شيخا حلاويا اسمه كذا ويعرف بكذا فاسئل عنه لتتحقق ~~أنه هو. ثم اجلس عنده فاذكر له صنعتك [93] ومعرفتك بأمر الحلواء وتوصل إلى ~~أن تعمل عنده من يومك والزمه وخفف مؤنتك عليه وإن دعاك الى منزله فامض معه ~~فإذا عملت معه خمسة عشر يوما أو أكثر وعرفك الناس واشتهر عنك جودة الصنعة ~~فاستأجر بإزاء دكانه دكانا وابتع ما تريده من آلة ومتاع واستدع ثمن ذلك من ~~منير الخادم فإن زبون الحلاوى سيعدل إليك ويقف أمره ويسئلك الشركة فإذا ~~سألكها فأجبه إليها وشاركه وأقم فيها معه شهرا. ثم أظهر له شوقك الى بغداد ~~والى عيالك الذين بها وصفها عنده وعظم الكسب بها فى عينه وابعثه على الخروج ~~إليها وعده المواعيد الكثيرة فإن احتج عليك بأهله وولده فقل له: معى دنانير ~~وأنا أدفعها إليك لتجعلها نفقة لهم مدة غيبتك عنهم. وأعلمه أنك تفعل ذلك ~~إيثارا لصحبته وأنه إذا حصل ببغداد أنزلته دارك وجعلته فى دكانك وأعطيته ~~قسما وافرا من PageV07P079 ~~الربح مما تتجر فيه من مالك فإن أحب بعد ما يشاهده المقام أقام وإن آثر ~~العود إلى مصر زودته من طريق العراق ما يعود به إلى أهله واجهد فى حمله معك ~~الى حضرتنا واخدم فى ذلك خدمة تحظ [94] بحسن العاقبة فيها وتناول من منير ~~ما تحتاج اليه لنفسك وله واحفظ السر واحترس من حيلة تتم عليك واجتز على ~~طريق الموصل فى عودك.» فلما سمعت ذلك كله قلت: # - «السمع والطاعة وأرجو أن يوفقنى الله لما أهلت له.» فأخذ شكر بيدي وعدل ~~بى الى موضع ونزعت ثيابي وألبست مبطنة ودفعت الى عشرون دينارا وقال: # «هذه نفقة طريقك.» ثم استدعى أعرابيا اسمه حسان جالسا فى الصحن وسلمنى ~~اليه وقال له: # - «هذا الرجل فاحفظه وأوصله [1] الى حيث وقفت عليه.» فأخذ الأعرابى بيدي ~~ونزلنا فجلسنا فى سمارية من سماريات النوبة وصعدنا باب خراسان ms047 ومشينا الى ~~وجه الجامع فإذا هناك أربعة أجمال ورجلان من العرب وركبا وركب الأعرابى ~~وركبت وسرنا وما زلنا من موضع الى موضع آخر حتى وصلنا إلى مصر فى سبع ~~وعشرين ليلة فحطنى القوم وقال لى صاحبي منهم: # - «امض فى حفظ الله وهات علامة بوصلك.» فقلت: «العلامة أن مولانا قال لى: ~~إذا عدت فخذ على طريق الموصل.» ولا والله ما سألونى من أنا ولا فى أى شيء ~~توجهت. # وقصدت باب الجامع فإذا الخادم الأبيض فسلمت عليه وقلت له [95] ما ~~PageV07P080 # وصيت به فرحب بى ونهض معى فى الحال الى منزله ونزع ثيابي وأعطانى ثيابا ~~نظافا من عنده. وجرى الأمر مع عضد الدولة [1] مدة مقامي بمصر على ما كان ~~مثله عضد الدولة حتى كأنه حاضر معنا وما زلت أرفق بالحلاوى وأعده وأمنيه ~~حتى أجاب الى الخروج. # فعدت الى الخادم وودعته ونزعت الثياب التي أعطانيها ولبست المبطنة التي ~~وصلت بها وأخذت نفقة وتوجهت أنا والشيخ الحلاوى معى وما زلنا ننتقل من مكان ~~الى مكان حتى وصلنا الموصل وأقاربى بها فنزلنا عند بعضهم. واستأجرنا فى ~~كورة [2] البريد وما زلنا ننتقل الى أن وصلنا الى بغداد وانحدرنا الى منزلي ~~والشيخ معى لنجدد الوضوء ونصلى ونعبر. # فما استقررت حتى حضر نقيب من الدار يستدعينى ومن معى فعجبت من ذلك وكان ~~صاحب الخبر قد كتب يخبرنا فبادرت ومعى الشيخ وعبرنا الى الدار وجلسنا فى ~~موضع منها الى أن خلا وجه عضد الدولة. ثم أدخلت والشيخ معى وقد طار لبه ~~وعظم رعبه وهو يحتسب الله على وأنا أسكن منه وقد تداخلني له الرحمة الشديدة ~~وعدل بى الى موضع فيه شكر فنزعت ما كان على من الثياب وأنا أراها قد أخذت ~~[96] وحملت الى حضرة الملك فأعطيت ثيابي التي نزعتها عند خروجي ومثلت بين ~~يديه أنا والشيخ فقال: # - «كيف جرى الأمر؟» قلت: «كما مثله مولانا.» قال للشيخ: # - «أأنت فلان بن فلان الحلاوى؟» قال: «نعم.» PageV07P081 # قال: «لا تخف وإن كنت قد أسأت الى نفسك وجشمتها السفر عن منزلك بالفضول ~~من قولك وفعلك.» ms048 فبكى الشيخ بكاء شديدا فتركه قليلا ثم قال: # - «يا هذا هبك رددت الدرهم الذي من ضربنا ولم تحب أخذه من الرجل الغريب ~~الذي وقف بك فما بالك شتمته وشتمت الذي أمر بضربه؟ ولولا أن فى تأديبك ~~والفتك بك، وأنت شيخ غريب ولعل وراءك من يتوقعك ومادته منك، بعض الإثم ~~واللوم لأمرنا بتقويمك لكنا نهب جنايتك لمن خلفك من عيالك وقد تقدمنا ~~بإطلاق نفقة لك تردك الى بلدك فلا تعاود مثل ما كان منك وتحدث فى بلدك ~~بصفحنا عنك وعن جرمك ومنتنا عليك.» فبكى الشيخ حتى كاد يموت ولم يكن له ~~لسان يجيب به وخرجنا وأعطانى شكر عشرين دينارا وقال: # - «اصرفها فى نفقتك.» وأعطى الشيخ دنانير وحملته الى منزلي وأكرمته ~~واستأجرت له ما ركبه فى بعض القوافل الى الموصل [97] . # فذكر أن الشيخ لما عاد الى مصر تحدث بحديثه وشاع ذلك هناك فكان الغريب ~~إذا جلس الى بعض أهل البلد صاحوا: الحذر الحذر. فتمسك الناس عن ذكر عضد ~~الدولة وقال الحسين الحلاوى: # - «كانت فى المبطنة التي لبستها ملطفات وما علمت بها إلا بعد عودي.» ### |||||| مراعاته للقوانين فى كل الأحوال # وأما ذكر مراعاته للقوانين وحفظها فى الأحوال جميعا فإنه كان لا يعول فى ~~الأمور إلا على ذوى الكفايات ولا يقضى فيمن لا غناء عنده حقوق PageV07P082 ~~ذوى الشفاعات ولا يجعل لمن حوله من ذوى المناصب ولا لأحد من الأقارب ~~والأباعد مساغا فى الجنس المفوض الى كل فرقة منهم ويجرى الأمر فى ذلك على ~~أحسن نظام ويزمه بأحسن زمام. # قال أبو محمد الحسن ابن أبى الفرج ابن مسلمة [1] الشاهد قال: # - «أحب أبو العباس محمد بن نصر بن أحمد بن مكرم الشاهد أن تقبل شهادة أبى ~~يعلى محمد ابنه وكان أبو عمر محمد ابن عبد الله بن أيوب القطان صهره على ~~ابنته ومعاملا لأبى زهير أسفار [98] ابن كردويه ومختصا به.» وقال أبو ~~العباس لأبى عمر: # - «أنا أعلم نبوك عن [2] أبى يعلى ابني لما تنكره من أخلاقه وقد أحببت أن ~~تقبل شهادته وشرعت فى أخذ الخطوط بتزكيته ms049 وهذا أمر هو فى يدك فإن ساعدتنى ~~عليه مشى وإن وقف فما يقف إلا بك.» فقال له: # - «والله لا تركت ممكنا.» فقال أبو العباس: # - «القائد [أبو] زهير كثير القبول منك قليل الخلاف عليك وإن خاطب عضد ~~الدولة على ذلك مع حصول التزكية لم يقع امتناع عليه فيه وأريد أن تجعل هذه ~~الحاجة أكبر حوائجك إليه.» فقال: «أفعل.» قال أبو عمر: # - «فدخلت إلى أسفار وقلت له: يا صاحب الجيش قد خدمتك الخدمة التي وجب بها ~~الحق لى عليك، ولى حاجة فيها قيام جاهي فى البلد قد PageV07P083 # جعلتها ثمرة أملى فيك.» فقال لى: # - «ما هي؟» فقلت: «أبو العباس يريد أن تقبل شهادة أبى يعلى ابنه واستشفع ~~بى إليك فى خطاب عضد الدولة.» فقال: «أفعل، وقد جرت العادة فيما بيني وبين ~~الملك بأن أراسله فيما أريده على لسان ثقة.» وأحضر الرجل الذي أشار اليه، ~~فحمله فى ذلك رسالة استوفاها فمضى وعاد وقال: # «يقول لك الملك: مالك وللخطاب فى مثل هذا الأمر؟ [99] » قال أبو عمر: # «فاستدعاني أسفار حتى سمعت الجواب فقلت: يا صاحب الجيش والله ما يقبل منى ~~أبو العباس ذلك ولا يقدر إلا أنى قد قصرت فى مسئلتك مع علمه بموضعي منك ~~وموضعك من الملك وأنك لا ترد فى الكبير فضلا عن الصغير.» فقال: «ما جرت لى ~~عادة بمعاودته ولكنى أعاوده بعد أيام.» ومضت على ذلك مديدة فأعاد الرجل ~~الرسالة وجدد السؤال فعاد مثل الجواب الأول. فأظهرت الوجوم والانكسار ومضت ~~أيام وهو يراني كاسف البال فقال لى: # «يا با عمر قد عملت على الركوب الى الدار فى غد.» ووصل الى حضرة عضد ~~الدولة ووقف ساعة ثم قال: قد راسلت مولانا فى أمر أبى يعلى ابن مكرم دفعتين ~~وعاد الجواب يرسم فيه الإمساك ولى فى تمام هذا الأمر جاه والقوم الذين ~~سألونى فى ذلك فى اختلاط وأمل قوى PageV07P084 ~~ومتى وقف انكسر جاهي عندهم وعند الناس.» فضحك وقال: # «يا با زهير مالك وللخطاب فى مثل هذا وفى الشهادة والشهود؟ إنما يتعلق بك ~~الخطاب على زيادة ms050 قائد أو تقويد خاصة نقل رتبة الى رتبة. فأما قبول الشهادة ~~فليس لنا ولك قول فيه وهو متعلق بالقضاة ومتى عرفوا من إنسان ما يرون معه ~~قبول [100] شهادته فعلوا ذلك بغير أمر ولا شفاعة شافع إليهم وإلينا وإذا ~~أقمت عذر نفسك عند من سألك بمثل ما قلنا لك عرف صحة ذلك.» وانصرف أسفار ~~بهذا الجواب وحدث أبا عمر به ووقف الأمر فى قبول شهادة أبى يعلى إلى أن ~~توفى عضد الدولة. # وأما ما ذكر من صدقاته ومبراته وما تأدى [1] ذلك من فضل احتياطه ومراعاته ~~فإنه كان يخرج عن افتتاح مال كل سنة شيئا كثيرا فى البر والصدقة ويكتب إلى ~~العمال فى النواحي بتسليمه إلى قضاتها ووجوه أهلها ليصرفوه الى ذوى الحاجة ~~والمسكنة. # قال أبو نصر خواشاذه: # أعطانى عضد الدولة فى بعض الأيام توقيعا على أنه بثلاثين ألف درهم للصدقة ~~ورسم وزن ذلك وتفرقته بحسب ما جرت به العادة وكان قد غلط وكتب: # - «يخرج من الخزانة ثلاثون بدرة للصدقة» فرددته وقلت: # - «يا مولانا المال ثلاثون ألف درهم والتوقيع ثلاثون بدرة [101] » ~~PageV07P085 # فقال: «أرنيه.» فقال: «لن أعود فيها فأخرجها.» فأخرجتها فأطلقت فى ~~الصدقات. # وقد شوهد فى كثير من تذاكيره وما كان يوقعه فى تقاويمه: # - «نذرنا للأمر الفلاني كيت وكيت وكذا وكذا ألف درهم للصدقة» فى مواضع ~~كثيرة. فكان لا يهم بعزم ولا يكون فى سرور أو هم إلا وهو يقدم نذرا: أما فى ~~السرور فلكماله. وأما فى الهم فلزواله. وذلك مبنى على جميل اعتقاد وحسن ~~يقين وصحة إيمان وإقرار بالمعاد. # وكان يطلق للكتاب والعمال المتعطلين إذا شكوا أحوالهم وقصورهم أو اطلع ~~على ذلك منها ما ينسب إلى الأسلاف التي لا يحاسبون بها عند استعمالهم ~~واستخدامهم. وكان المستخدمون يستسلفون من أبى يعلى سليمان بن الحسن الناظر ~~فى التمور والأمتعة البصرية على ما يسبب به أرزاقهم ما يأخذون به منه التمر ~~وما يجرى مجراه بفضل فى ثمنه فيرغب الطالب فى الأخذ للحاجة والاتساع بالسلف ~~ويرغب المعطى فى الأسلاف للزيادة فى الأثمان والفائدة مردودة للسلطان. # وتوفى ms051 عضد الدولة وعلى المتصرفين والمتعطلين من هذه الأسلاف مال جزيل ~~كثير. # وبازاء ذلك من احتياطه ما [102] ذكره أبو نصر خواشاذه قال: ### |||||| قباء سقلاطون للجلوس فى نيروز # حضر نيروز وأراد أن يقطع عضد الدولة فيه قباء سقلاطون يجلس فيه للتهنئة ~~فقال لى: PageV07P086 ~~- «أحضر من الخزانة ثوبا يصلح للقباء.» فمضيت فاخترت منها ثوبا حسنا ~~مستعملا فجئته به فلما وضعته بين يديه تأمله وأخذه ورمانى به وقال: # - «ليس من هذا طلبت.» فظننت أنه قد استرذله وأراد ما هو أرفع منه فعدت ~~وأخرجت من بابة أخرى ما هو أجود منه فأحضرته. فلما ملا عينه منه قال لى: # - «يا أعمى القلب ليس من هذا.» فبقيت متحيرا لا أدرى ما أصنع ورجعت إلى ~~الخزانة فقال لى أبو نصر بندار: # «ما لي أراك ضيق الصدر وقد أخذت ثوبين ورددتهما.» فعرفته الصورة فضحك ~~وقال: # - «لو أعلمتنى لكفيتك ما اشتغل قلبك به.» وقام وفتح سفطا فيه ثياب ~~سقلاطونيات متقاربات يسوى الثوب منها خمسة دنانير وأخذ ثوبا واحدا منها ~~فتركه بين يدى وقال: # - «احمله اليه فإنه يرضيه.» فأخذته وحملته فلما وضعته بحضرته وشاهده ~~وأدخل يده فيه وقلبه قال: # - «هذا جيد.» فتقدم بقطعه وإعداده ولبسه فى يوم ذلك الفصل ووهبه لبعض ~~الديلم. [103] ### |||||| وأما حبه للعلم # فأما محبته للعلوم وتقريب أهلها فإنه كان يكرم العلماء أوفى إكرام وينعم ~~عليهم أهنأ إنعام ويقربهم من حضرته ويدنيهم من خدمته ويعارضهم فى PageV07P087 ~~أجناس المسائل ويفاوضهم فى أنواع الفضائل. فاجتمع عنده من كل طبقة أعلاها ~~وجنى له من كل ثمرة أحلاها. وصنفت فى أيامه المصنفات الرائقة فى أجناس ~~العلوم المتفرقة، فمنها: كتاب الحجة فى القراآت السبع، وهو كتاب ليس له ~~نظير فى جلالة قدر واشتهار ذكر، ومنها كتاب الإيضاح فى النحو، وهو مع قلة ~~حجمه يوفى على الكتب الكبار التي من جنسه فى قوة عبارة وجودة صنعة. # وحكى أبو طالب أحمد بن بكر العبدى [1] صاحب كتاب شرح الإيضاح أن عضد ~~الدولة كان ضنينا بهذا الكتاب محبا للاختصاص بقراءته دون كل أحد وإن رجلا ~~توصل الى كتبه ms052 بخطه بحيلة، فأمر عضد الدولة بقطع يده لنفاسة الكتاب فى نفسه ~~وحلاوته فى قلبه حتى سئل فى أمره فعفى عنه. # ومنها الكناش [2] العضدي فى الطب [104] المؤلف فى أيامه. [3] الموفى على ~~غيره بيانا وحسن ترتيب وكمالا وغير ذلك من المقالات الرياضية والرسائل ~~الهندسية. ### |||||| وأما آثاره الجميلة # وأما ما عمله من الآثار الجميلة فإنه جدد بفارس وخوزستان، منها ما هو ~~باقى الأثر عند الناظر شائع الخبر عند السامع. وعمد الى مصالح بغداد ~~فأوجدها بعد العدم وأعادها الى ريعانها بعد الهرم، واستدر أفاويق الأعمال ~~PageV07P088 # بعد أن كانت متصرمة واستمد ينابيع الأموال بعد أن كانت مستهدمة [1] وفعل ~~فى تجديد العمران وبناء البيمارستان ووقف الوقوف الكثيرة عليه ونقل أنواع ~~الآلات والأدوية من كل ناحية اليه [2] ما يدرك العيان بعضه إلى الآن، وعمل ~~السكور وأنفق فيها الأموال وأعد عليها الآلات ووكل بها الرجال وألزمهم ~~حفظها بالليل والنهار وراعى ذلك منهم أتم مراعاة فى آونة المدود الجوارف ~~وأزمنة الغيوث الهواطل وأوقات الرياح العواصف. # فقيل: إنه لما سد المطهر بن عبد الله بثق السهلية رتب عليه ابراهيم ~~المعروف بالأغر، وأمره بالمقام عليه [105] ومواصلة تعليته الى حين انقضاء ~~المدود. # قال ابراهيم: # فأقمت على هذا السكر زمانا طويلا والرجال معى وشقيت شقاء طويلا وكان لى ~~منزل بجسر النهروان وبيني وبينه مدى قريب فكنت لا أتجانبه على الإلمام به ~~ولا على دخول الحمام إشفاقا من أن يكتب صاحب الخبر بجسر النهروان بخبري. # فلما مضت المدة الطويلة على هذه الجملة من حالي عصفت ريح فى بعض الليالي ~~وورد معها مطر شديد فدخلت القبة المبنية على السكر أستتر بها من الريح ~~والمطر واجتهدنا فى أن نشعل سراجا فلم يدعنا عصوف الريح وضجرت وضاق صدري ~~ونازعتني نفسي أن أقوم فأمضى فى الظلمة الى جسر النهروان وأبيت فى منزلي ~~وأعاود بكرة موضعي. فبينما أنا فى ذلك وقد حققت عزمي عليه إذ سمعت كلاما ~~على باب القبة فقلت لغلامي: # - «انظر ما هو.» PageV07P089 # فخرج وعاد وقال: # - «انسان على جمل قد أناخ عندنا.» ودخل الرجل وسلم فرددت عليه ms053 وقلت ~~للغلام: # - «أشعل سراجا.» فقدح وأشعل وجاء بالنار فى نفاطة فإذا الرجل من خواص عضد ~~الدولة عربي قد ورد من بغداد فقلت له: # - «ما تشاء.» فقال: «استدعاني الساعة الأستاذ شكر وقد خرج من حضرة [106] ~~الملك فقال: أمر مولانا أن تمضى على جمازة وتقصد سكر السهيلة وتدخل الى ~~القبة التي على ظهر المروحة فإن وجدت ابراهيم الأغر هناك فأعلمه أننا ~~نجازيه على خدمته وطول ملازمته وادفع إليه هذا الكيس ففيه ألف درهم ليصرفه ~~فى نفقته وإن لم تجده وكان قد دخل إلى داره بجسر النهروان فاقصده واهجم ~~عليه فى منزله وخذ رأسه واحمله.» وترك [1] الكيس بين يدى وقال: # - «احمد الله على ما كفاك إياه.» وعاد من وقته، فبقيت حيران وعزمت على ~~نفسي ألا أدخل جسر النهروان. ### |||||| وأما ذكر ما رتبه فى تربية أولاده ودبر به دار مملكته بفارس عند غيبته عنها # فإن له من محاسن التدبير فى أمثلته التي مثلها لأصحابه فى تذاكير ~~PageV07P090 # وجدت له ما يدل على علو همته وحسن سياسته فى تربية أولاده وقسمة أيامهم ~~بين آداب البراعة والشجاعة وأوقات الجد واللعب والاقتصاد فيما يجرى بينهم ~~من الترافه والتهاجر وتهذيب من يلوذ بهم [107] ويكون فى جملتهم. فإن ~~الأخلاق بالممازحة [1] تعدى وبالمجاورة تسرى. وترتبت الأمور بدار مملكته ~~بفارس فى حال غيبته بالعراق وغيرها لتجرى على السداد وتستمر على الاستقامة ~~والاطراد. فكان إذا بعد عنها بجثمانه لم يبعد عنها بسلطانه كالشمس التي ~~يبعد جرمها عن العالم وضياؤها فيه موجود. # والقليل من ذكر سيرته ينبئ عن الكثير فنجنب الإطالة والإكثار إذ قد شرطنا ~~الاقتصار والاختصار. # ونذكر الآن طرفا مما رواه صاحب التاريخ من أخبار أضافها إلى جملة محاسنه ~~وهي بضدها أشبه، فأفردناها عنها إذ «لا تستوي الحسنة ولا السيئة» 41: 34 ~~[2] «ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور.» 35: 20- 21 [3] ### |||||| ذكر الرسوم التي أحدثها عضد الدولة # زاد فى المساحة واحدا فى عشرة بالقلم وأضافه الى الأصول وجعله رسما جاريا ~~واستمر الى هذه الغاية فى جميع السواد. # وأحدث جنايات لم تكن ورسوم معاملات لم ms054 تعهد وأدخل يده فى جميع الأرحاء ~~وجبى [108] ارتفاعها وجعل لأهلها شيئا منه وكثرت الظلامة من ذلك فى آخر ~~أيامه ... «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» 13: 11 [4] ... ~~PageV07P091 # فأزاله صمصام الدولة بعده وأطلق الارتفاع للملاك. # وجعل للمراعى وفرائض الصدقات ديوانا وأفرد له عمالا وكتابا وجهابذة ~~فارتفع من أعمال السواد ما زاد على ألف ألف درهم فى السنة. # وأدخل يده فى وقوف السواد ورتب لها ناظرين متصرفين وقرر لأربابها اجارة ~~تطلق لهم عنها فتحصل منها جملة كثيرة وصارت فى المقبوض وخرجت فى الإقطاعات ~~من بعد ذلك. # وقرر على أسواق الدواب والحمير والجمال عما يباع فيها من جميع ذاك وفعل ~~فى ضرائب الأمتعة الصادرة والواردة ما زاد فيه على الرسوم القديمة وحظر عمل ~~الثلج والقز وجعلهما متجرا للخاص وكانا من قبل مطلقين لمن يريد عملهما ~~والمتجر فيهما. # ولعل صاحب التاريخ قصد بإيراد هذه الأخبار فى محاسنه الفضيلة فى إقامة ~~وجوه المال واستنباط ينابيعه. # ولا خير فى مال يسيء ذكرا ويحبط أجرا وكلما يجمع من أشباه تلك الوجوه ~~فإنه جمع تبديد وما يشرب من أمثال هذه المناهل فإنه شرب تصديد [109] والخبر ~~المشهور المروى [1] عن النبى صلى الله عليه وسلم قوله: «من سن سنة حسنة فله ~~أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها الى يوم القيامة.» ### |||||| ذكر أخبار ضبط مسرف لا يليق بملك # حدث أبو على ابن مكيخا صاحب ديوان الخزائن قال: # سألت عضد الدولة فى بعض الأيام وقد صادفت منه طيب نفس وإقبالا ~~PageV07P092 # على زيادة فى عادته وذكرت له تضاعف مئونتي وقصور مالي عن كفايتي فقال لى: # - «أليس الموجب لك فى كل شهر كذا وكذا ولك من رسم الكسوة كذا وكذا فى ~~الفصلين؟» قلت: «نعم.» قال: «فأنت تحتاج لراتبك ومؤنك وغلمانك ودوابك الى ~~كذا وكذا فما وجه الاستزادة؟ هذا فأنت تأكل فى كل أيامك مع أبى منصور نصر ~~بن هارون.» فقبلت الأرض وتأخرت، فإذا هو يحاسبني ويعتد على بما آكله ms055 على ~~مائدة أبى منصور. # وحكى أبو على أيضا أن عضد الدولة [110] رأى له يوما بغلة بمركب حديد ثقيل ~~فتركه مدة وقبض عليه وألزمه مالا فعرض فى جملة ما يبيعه من رحله دست ديباج ~~كان له وبلغ عضد الدولة خبره فاستدعاه ليشاهده ويحتسب له بما يقوم به. قال ~~أبو على: # - «وقد كنت أعطيت فيه ألفا وخمسمائة درهم.» فقال: «احتسبوا له بألف ~~ومائتي درهم.» فقلت: «قد دفع به ألف وخمسمائة درهم وثمنه على أكثر من ذلك.» ~~فغاظته هذه المراجعة وتقدم الى الخادم بأن يسلم الى دستا دونه بكثير إلا ~~انه شبيه به فأخذته ولم يمكني أن أقول شيئا فى أمره فاجتهدت أن يحتسب لى ~~بألف ومائتي درهم المبذولة فقال: # - «لا حاجة بنا الى دسته.» وكان قصاراى ان بعت هذا المسلم بتسعمائة درهم. # وحدث أبو الحسن رستم بن أحمد قال: PageV07P093 ~~استكتبنى عضد الدولة لأبى جعفر الحجاج بن هرمز عند وروده من ديلمان ورسم ~~لى أن أعمل تذكرة بما يحتاج اليه راتبه فى كل يوم ونفقاته فى كل شهر. فعملت ~~وأحضرت التذكرة وكان فيها رطلية شمع فى كل ليلة فوقف عليها ونقص كثيرا منها ~~وزاد فى أبواب وقال: # - «رطل شمع فى كل ليلة سرف [111] وينبغي أن يكون فى كل أسبوع رطلية وأن ~~يواقف الفراش على أن يتركها فى تورها وتقدم بين يديه المنارة عليها سراج ~~بفتيلتين فإن حضر من يحتشم رفعت وأحضر التور والشمعة فأوقدت فإذا انصرف ~~شيلت وأعيدت المنارة.» فقلت: «السمع والطاعة.» وجرى الأمر على ذلك. # وحدث أبو الحسن على بن أبى على الحاجب قال: # كان لعضد الدولة فرجية سقلاطون مبطنة بقماقم فكان يلبسها كثيرا فى الطريق ~~بين بغداد وهمذان. وكان أحد الديلم قد أغرى بطلبتها وواصل المسألة فى بابها ~~وعضد الدولة يعده ويدفعه حتى زاد لجاجه فعارضه يوما فى موكبه وقال: # - «يا مولانا قد طال الوعد بهذه الفرجية وأسأل إنجازه اليوم.» فاغتاظ ~~وقال: # - «نعم.» وكان يمشى فى ركابه أصحابه الركاب ومن جانبه الأيمن أحمد بن أبى ~~حفص وفى جانبه الأيسر ابن فارس ms056 فقال لهما سرا وأرسل كمى الفرجية: # - «اقربا منى وأفتقا البطانة من الظهارة واجذباها وسلماها الى ~~الموكبدار.» ففعلا ذلك ونزل عضد الدولة وحضر الديلمي مذكرا فأخرجت اليه فى PageV07P094 ~~الحال طاقا بغير بطانة [112] فبقى متعجبا وأخذها وأمسك. # فلما خلا الملك استدعاهما وقال لهما: # - «أنا أعلم أنكما فضوليان وكأنى بكما وقد قلتما «ما أشح هذا السلطان! ~~طلب منه بعض خواصه فروة منذ أمد ودافعه بها فلما أراد عطاءها له أمره بكذا ~~بخلا بالبطانة» » فقبلا الأرض وقالا: # - «لا إله إلا الله يا مولانا ان تتصورنا بهذه الصورة.» فقال: «بلى أنتما ~~كذلك، فاعلما أن فى جوانبنا من الثياب السقلاطون ما يمكننا أن نعم به ~~عسكرنا لو أردنا أن نعطى جميعها وهذه البطائن الوبر قليلة وإنما تحمل إلينا ~~منها فى السنة من البلاد البعيدة الخارجة عن ممالكنا العدة اليسيرة ولو ~~وهبنا لهذا الديلمي بطانة الفرجية لرفعناه الى منزلة لا يستحقها لأنه أقل ~~من أن يدفع إليه مبطنا. ثم طلب منا غدا من هو أجل منه جبة مبطنة بوبر فخرج ~~ما فى خزائننا من هذا الجنس الى نفر قليل.» وقد ذكر أرسطاطاليس فى رسالته ~~المشهورة: # «إن الملوك ملك سخى على نفسه سخى على رعيته وملك شحيح على نفسه شحيح على ~~رعيته وملك سخى على نفسه شحيح على رعيته وملك شحيح على نفسه سخى على رعيته. ~~فسابقهم الى الفضل [113] من كان سخيا على نفسه سخيا على رعيته وتاليه من ~~كان شحيحا على نفسه سخيا على رعيته وعضد الدولة كان كذلك إلا أن طلب الدرجة ~~العليا أعبق بذوي الكرم وسبب الغاية القصوى أولى بأولى الهمم. ولعل بعض من ~~يقرأ كتابنا يقول: أما كان يسع طى هذا البساط وقطع هذا الرباط فكم قد طوى ~~من خبر ومحا من أثر. بلى ولكنا أردنا الخير وقصدنا النفع حتى إذا تأمل ~~المتأمل ذلك وتلك الأحاديث الجميلة والأفاعيل الشريفة استلذ من طيبها ~~واستروح PageV07P095 ~~من نسيمها الى كل ما يهز أريحيته لفعل الخير وبناء المجد وإطالة الذكر ~~واقتناء الحمد. فإذا انتهى الى ما قد ذكر ms057 أخيرا وجد من الكدر فى المنهل ~~والشرق بالزلال الذي شربه ما يحذره إهمال اليسير من رياضة أخلاقه فيصفيها ~~تصفية الذهب الخالص. والسعيد من تأدب بغيره والكمال عزيز فى كل حال.» وقد ~~قيل: # لا سلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حى من الناس يسلم [114] ### ||||| ذكر وفاة عضد الدولة سامحه الله # توفى عن سبع وأربعين سنة وأشهر وعلته التي توفى بها مشهورة. ولم تكن ~~أمثال هذا العمر عمله ولا فى أضعافه أمله ولكن فى خفاء مواقيت الآجال مشغلة ~~بأكاذيب الآمال. وما أحسن قول عدى بن زيد: # ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المهيمن الخلاق # ذاك عضد الدولة سامحه الله. أعجب بصحة عقله وفيه دهاء، وهذا عضد الدولة ~~البارسلان رحمه الله، أعجب بقوة بأسه، ومنه ليعلم أن البشر لا يملك شيئا ~~وأن الملك لله الواحد القهار. # ونورد ههنا كلمات قيلت عند وفاة عضد الدولة فيها حكمة بالغة وموعظة ~~نافعة: # ذكر أبو حيان التوحيدي فى كتاب الزلفة أنه لما صحت وفاة عضد الدولة كنا ~~عند أبى سليمان السجستاني وكان [115] القومسى حاضرا والنوشجاني PageV07P096 ~~وابو القسم غلام زحل [و] ابن المقداد والعروضي والأندلسى والصيمري، ~~فتذاكروا الكلمات العشرة المشهورة التي قالها الحكماء العشرة عند وفاة ~~الإسكندر فقال الأندلسى: # - «لو قد تقوض مجلسكم هذا بمثل هذه الكلمات لكان يؤثر عنكم ذلك.» فقال ~~أبو سليمان: # - «ما أحسن ما بعثت عليك [1] أما أنا فأقول: لقد وزن هذا الشخص الدنيا ~~بغير مثقالها وأعطاها فوق قيمتها وحسبك أنه طلب الربح فيها فخسر روحه فى ~~الدنيا.» وقال الصيمري: # - «من استيقظ للدنيا فهذا نومه ومن حلم بها فهذا انتباهه.» وقال ~~النوشجاني: # - «ما رأيت غافلا فى غفلته ولا عاقلا فى عقله مثله. لقد كان ينقض جانبا ~~وهو يظن أنه مبرم ويغرم وهو يرى أنه غانم.» وقال العروضي: # - «أما إنه لو كان معتبرا فى حياته لما صار عبرة [فى] مماته.» قال ~~الأندلسى: # - «الصاعد فى درجاتها الى سفال والنازل من درجاتها الى معال.» وقال ~~القومسى: # - «من جد للدنيا هزلت به ومن هزل راغبا عنها جدت ms058 له. انظر الى هذا كيف ~~انتهى أمره والى أى حظ وقع شأنه وإنى لأظن أن الرجل [116] الزاهد ~~PageV07P097 # الذي مات فى هذه الأيام ودفن بالشونيزية أخف ظهرا [1] . وأعز ظهيرا من ~~هذا الذي ترك الدنيا شاغرة ورحل عنها بلا زاد ولا راحلة.» وقال غلام زحل: # - «ما ترك هذا الشخص استظهارا بحسن نظره وقوته ولكن غلبه ما منه كان ~~وبمعونته بان.» وقال ابن المقداد: # - «إن ماء أطفأ هذه النار لعظيم، وإن ريحا زعزعت هذا الركن لعصوف.» فقال ~~أبو سليمان: # - «ما عندك فى هذا الحديث أحسن مما سمعت أبا إسماعيل الخطيب الهاشمي لما ~~نعاه على المنبر يوم الجمعة يقول فى خطبته: كيف غفلت عن كيد هذا الأمر حتى ~~نفذ فيك، وهلا اتخذت دونه جنة تقيك. ماذا صنعت بأموالك والعبيد ورجالك ~~والجنود وبخولك العتيد وبدهرك الشديد. هلا صانعت من عجل على السرير وبذلت ~~له من القنطار الى القطمير. من أين أتيت وكنت شهما حازما وكيف مكنت من نفسك ~~وكنت قويا صارما. من الذي وطأ على مكروهك وأناخ بكلكله على ملكك. لقد ~~استضعفك من طمع فيك ولقد جهلك من سلم العز لك! كلا، ولكن ملكك من أخسرك ~~بالتمليك وسلبك من قدر عليك بالتهليك [2] إن فيك لعبرة للمعتبرين [3] وإنك ~~لآية للمستبصرين. جافى [117] الله جنبك عن الثرى وتجاوز عنك بالحسنى، ونقل ~~روحك الى الدرجات العلى وعرفنا من خلفك خيرا وعدلا يكثر من PageV07P098 # أجلهما الدعاء وثناؤنا عليك أنه على ذلك قدير، وهو عليه بصير [1] .» ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى قيام صمصام الدولة بالملك # كانت سعادة عضد الدولة قوية فى أحواله حتى فى موته. فإنه انكتم أمره مع ~~عظم قدره للسياسة التي قدمها فى الأمور والهيبة التي أودعها بنات الصدور ~~واختياره من الأصحاب كل من كان بحسن التدبير خبيرا وبخدمة الملوك جديرا. # فلما توفى أخفى خبره، فأحضر الأمير أبو كاليجار المرزبان الى دار المملكة ~~كأنه مستدعى من قبل عضد الدولة. فلما حضر أخرج الأمر إليه بولاية العهد ~~والنيابة فى الملك واستخلاف أخيه أبى الحسين أحمد بن عضد الدولة بفارس ms059 على ~~أعمالها. # وكتبت عن عضد الدولة كتب بذلك إلى كل صقع حسب العادة وضمنت ذكر القبض على ~~أبى الريان حمد بن محمد وذم أفعاله واستدعاء [118] أبى منصور نصر بن هارون ~~الى الحضرة ليقوم مقامه فى أعماله، وأنفذ مع كل كتاب نسخة يمين بالبيعة ~~لتؤخذ على الأمراء والقواد وأتباعهم من الأصحاب والأجناد. # وروسل الطائع لله فى ذلك وسئل كتب عهد له مقرون بالخلع والألقاب واللواء ~~وإمضاء ما قلده عضد الدولة من النيابة عنه. فأنعم بالإجابة ولقبه صمصام ~~الدولة، وشرفه بالعهد واللواء والخلع السلطانية وجلس صمصام الدولة جلوسا ~~عاما حتى قرئ العهد بين يديه وهنأه بما تجدد لديه. PageV07P099 # ونظر أبو عبد الله ابن سعدان فيما كان أبو الريان ينظر فيه من أمور ~~الأعمال واستمرت الحال فى إخفاء وفاة عضد الدولة الى أن تمهد الأمر لصمصام ~~الدولة. # وفى هذا الوقت أزيل ما كان قرر على الأرحاء والطحون وأجرى الناس على ~~رسومهم القديمة. # وفيه خلع على أبى الحسين أحمد وأبى طاهر فيروز شاه ابني عضد الدولة ~~للتوجه الى شيراز وأعمالها وخرج معهما أبو الفتح نصر أخو أبى العلاء عبيد ~~الله بن الفضل برسم النيابة عن أخيه فى مراعاة أمرهما. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمرهما [119] # لما أفضى الأمر الى صمصام الدولة قبض على الأمير أبى الحسين فى الدار ~~ببغداد ووكل به. # وكانت والدته ابنة ملك الديلم [1] وشوكة الديلم قوية فعزمت على قصد الدار ~~متنكرة عند اجتماع الديلم فيها فإذا حصلت فيها استغاثت بهم وهجمت على صمصام ~~الدولة وانتزعت ابنها منه. # فعرف صمصام الدولة ذلك فخاف وراسلها رسالة جميلة ووعدها بالإفراج عنه ~~وتقليده أعمال فارس، وفعل ذلك ووافقه على المبادرة ليصل الى شيراز قبل ورود ~~شرف الدولة أبى الفوارس إليها وأزاح علته فى جميع ما يحتاج اليه. # فسار إلى الأهواز وعليها إذ ذاك أبو الفرج منصور بن خسره. فلما وصل إليها ~~طالبه بمال والتمس منه ثيابا وأشياء أخر فمنعه اياها ظاهرا وحملها إليه ~~PageV07P100 # باطنا مراقبة لصمصام الدولة وانتسجت بينهما حالة جميلة واستقر أن يستوزره ~~عند تمهد ms060 أموره. فأشار عليه أبو الفرج بالتعجيل الى أرجان، فان وصلها وقد ~~سبق شرف الدولة الى شيراز أسرع الكرة إلى الأهواز. # فلما وصل إلى أرجان ورد الخبر بحصول شرف الدولة بشيراز وكر راجعا ودخل ~~الأهواز وعول على أبى الفرج فى مراعاة [120] الأمور وتدبير الأعمال وأظهر ~~المباينة وارتسم بالملك وتلقب بتاج الدولة، وأقام الخطبة لنفسه. وعرف صمصام ~~الدولة ذلك فجرد اليه أبا الحسن على بن دبعش الحاجب فى عسكر كثير. # وندب الأمير أبو الحسين أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدى للقائه فالتقيا ~~[1] بظاهر قرقوب ووقعت بينهما وقعة أجلت عن هزيمة ابن دبعش فأسر وحمل الى ~~الأهواز وشهره بها. # فاستولى الأمير أبو الحسين على ما كان معدا بالأهواز وبقلعة رامهرمز من ~~الأموال وفرقها فى الرجال وصرف همته الى جمع العساكر وأرغبهم فمالوا اليه ~~وانثالوا عليه فاشتد أمره وسار [الى] البصرة فملكها ورتب أخاه أبا طاهر ~~فيروز شاه بها ولقبه ضياء الدولة. وجرى أمره على السداد ثلاث سنين الى أن ~~انصرف إلى أصبهان وقبض عليه شرف الدولة وحمله الى قلعة فى بعض نواحي شيراز. ### ||||| مسير شيرزيل من كرمان واستيلاؤه على شيراز # وفى هذه السنة سار شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل من كرمان إلى ~~PageV07P101 # شيراز واستولى على الأمر. ### |||||| شرح الحال فى ذلك [121] # لما توفى عضد الدولة كتب بعض الخواص بالخبر الى كرمان فسار شرف الدولة ~~عند وقوفه على ذلك إلى فارس كاتما أمره. ### ||||| ذكر رأى سديد فى كتمان أمر حتى تم # فلما وصل الى إصطخر قدم ابراهيم ديلمسفار أمامه وأمره بالإسراع الى شيراز ~~وإخفاء خبره والقبض على أبى منصور نصر بن هارون ففعل ابراهيم ذلك ودخل دار ~~أبى منصور على غفلة من أهلها ووجده فى مجلس نظره، فقبض عليه ووكل به وقال ~~للديلم: # - «هذا أبو الفوارس فاخرجوا لخدمته.» فتلقاه العسكر ودخل البلد واستقر. ~~ثم أظهر وفاة عضد الدولة وجلس للعزاء وأخذ البيعة على أوليائه وأطلق لهم ما ~~جرت به العادة من العطاء. # بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد [1] # [و] أزال ms061 التوكيل عن كورتكين بن جستان وقلده اصفهسلارية عسكره وأفرج عن ~~الاشراف: أبى الحسن محمد بن عمر وأبى أحمد الموسوي [122] وأخيه أبى عبد ~~الله وعن القاضي أبى محمد [ابن] معروف [2] وعن ابى نصر خواشاذه بعد أن طال ~~بهم الاعتقال وضعفت فى خلاصهم الآمال وكما تطرق PageV07P102 # النوائب من حيث لا يحتسب فقد يأتى الفرج من حيث لا يرتقب. # فأما أبو منصور ابن هارون فإنه وكل أمر مطالبته الى المعروف بالشابشتى ~~الحاجب فعسفه حتى إنه انتهى به إلى أن ملأ طستا بالجمر ووضعه على صدره ~~فمات. ### ||||| ذكر اتفاق عجيب # كان أبو منصور ابن هارون يبغض هذا الشابشتى فى أيام نظره ويبعده من بين ~~يديه ويقول: # - «إنى أكره هذا الرجل كرها لا أعرف سببه.» حتى كان هلاكه على يده وبان ~~أن تلك الكراهية لعلة خافية. ### ||||| ذكر اغترار بسلامة عاجلة آلت بصاحبها إلى هلاك # كان سبب سوء رأى شرف الدولة فى نصر بن هارون اغترار نصر بيومه وترك النظر ~~لغده وأنه كان يضايقه فى أيام عضد الدولة [123] فى آرابه ويستقصى عليه فى ~~أسبابه، ثم لعداوة كانت بينه وبين أصحابه فهم لا يزالون يوغرون صدره عليه ~~ويقبحون أثره لديه. # ومن سوء التدبير التقصير بأهل بيت الملك فكم قد حر [1] ذلك من وبال! ولم ~~يكن سبب هلاك محمد بن عبد الملك الزيات الوزير على يد المتوكل على الله إلا ~~ما سبق من تقصيره فى أيام أخيه الواثق بالله والخبر مشهور [2] . ~~PageV07P103 ### ||||| اغتيال أبى الفرج أبا محمد أخاه # وفى هذه السنة اغتال أبو الفرج ابن عمران أبا محمد أخاه [1] وانتصب فى ~~موضعه وكتب إلى الحضرة يظهر الطاعة ويسئل التقليد والولاية. ### ||||| ذكر حسد حمل صاحبه على قطيعة رحم # كان أبو الفرج جاهلا متهورا فحسد أبا محمد على موضعه فأعمل الحيلة فى ~~الفتك به. واتفق أن أختهما اعتلت فقال أبو الفرج لأبى محمد: # - «إن أختنا مشفية فلو عدتها.» ففعل وركب إليها ورتب أبو الفرج فى دارها ~~قوما ووافقهم على مساعدته. # فلما دخل أبو محمد وقف أصحابه لأنها دار حرم. وحمل أبو ms062 الفرج سيفه على ~~عادته ومشى من ورائه. فلما تمكن منه [124] جرد السيف وضربه. # وخرج القوم الذين رتبهم فساعدوه على الإجهاز عليه ووقعت الصيحة فصعد أبو ~~الفرج إليهم مطلعا عليهم من سطح الدار وقال: # - «قد فات الأمر ولكم عندي الإحسان.» فسكتوا ثم وضع فيهم العطايا فأطاعوه ~~وأمروه. ### ||||| مقتل الراعي بنصيبين # وفى هذه السنة قتل أبو على الحسن بن بشر الراعي بنصيبين وكان وإليها ~~وعاملها. PageV07P104 ### ||||| ذكر سيرة عادت بخراسان دنيا وآخرة # كان هذا ابن الراعي ظالما شريرا وخبره فى سمل عينه قد تقدم فى كتاب تجارب ~~الأمم [1] ثم ولى نصيبين فأساء الى أهل البلد واستحل محارمهم. # فلما شاعت الأراجيف بعلة عضد الدولة وبعد ذلك بموته ثار العامة وقصدوا ~~داره للفتك به فخرج فى لباس امرأة وغمز عليه فأخذ وقتل ومثل به ثم أحرق. # واستولى أحد الأكراد على البلد وورد الخبر بذلك فأخرج أبو سعد بهرام بن ~~أردشير لتلافي الأمر. فلما وصل الى الموصل تقاعد به أبو المطرف عاملها ~~وانزاح المستولى عليها منها ولحق بباد. # وكان أمر باد قد قوى بميافارقين فعجل بهرام الى قصده واستهان بأمره ~~وواقعه فأجلت الوقعة عن هزيمة بهرام [125] وأسر جماعة من الديلم الذين معه. ~~وشمت أبو المطرف به وكتب الى أبى القاسم سعد الحاجب يطعن على بهرام ويقول: # - «انه قد جنى على الدولة وأطمع بادا وإننى قد عملت على مكاتبة باد ~~وإعلامه موقع الخطأ فى المكاشفة.» فأجابه سعد بجواب يقول فيه: # - «أنا وارد. والسيف أصدق أنباء من الكتب» .» فلما وصل الى أبى المطرف ~~الجواب قال: # سيوف لعمري يا لؤى بن غالب ... حداد ولكن أين بالسيف ضارب PageV07P105 # فبلغ ذلك سعدا فأحفظه وأسر فى نفسه عليه. ### ||||| ذكر خبر باد ومبدأ أمره # باد لقب وهو أبو عبد الله الحسين بن دوشنك [1] من الأكراد الحميدية وكان ~~يتصعلك كثيرا ويمضى الى الثغور ويغزو بها دائما وكان فظيع المنظر عظيم ~~الهيكل. # فلما حصل عضد الدولة بالموصل حضر على الباب بوساطة زيار بن شهراكويه [2] ~~ثم هرب. ### ||||| ذكر فراسة دلت على دهاء [126] # يقال: إنه لما خرج ms063 من بين يدي عضد الدولة مضى على وجهه هاربا فسأله ~~أصحابه عن سبب هربه فقال: # - «شاهدت رجلا ظننت أن لا يبقى على بعد حصولى فى يده.» وطلبه عضد الدولة ~~فى أثر خروجه آمرا بالقبض عليه وقال: # - «هذا رجل ذو بأس وبطش وشر وغدر ولا يجوز الإبقاء عليه.» فأخبر بهربه ~~وحصل بثغور ديار بكر وأقام بها الى أن استفحل أمره. ثم خرج اليه أبو القاسم ~~سعد الحاجب فكان من أمره معه ما سيأتي ذكره فى موضعه. PageV07P106 ### |||| ودخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ### ||||| ركوب صمصام الدولة إلى دار الخلافة # وفيها ركب صمصام الدولة الى دار الخلافة وخلع عليه الخلع السبع والعمة ~~السوداء وسور وطوق وتوج وعقد له لواءان وحمل على فرس بمركب ذهب وقيد بين ~~يديه مثله وقرئ عهده بتقليده الأمور فيما بلغت الدعوة من جميع الممالك وعاد ~~الى داره. وجددت له البيعة وأطلق رسومها وأقيمت الدعوة وغيرت السكة. ### ||||| وزارة الحسين بن أحمد بن سعدان # وفيها خلع على أبى عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان خلع الوزارة وكان ~~رجلا باذلا لعطائه مانعا للقائه فلا يراه أكثر من يقصده إلا ما بين [127] ~~نزوله من درجة داره الى زبزبه ومع ذلك فلا يخيب طالب إحسان منه فى أكثر ~~مطلبه لكن يسير البشر أملك للقلوب من كثير البر. # فبسط يده فى الإطلاقات والصلات وتقرير المعايش والتسويفات وأحدث من ~~الرسوم استيفاء العشر من جميع ما تسبب به الأولياء والكتاب والحواشي من ~~أموالهم وأرزاقهم والتوقيع فى آخر الصكاك الى العمال بمقاصة أربابها به ~~وجمعه عليهم وأخذه منهم وصرفه فى مشاهرات غلمان الخيول ونفقاتهم. # وانضاف الى ضيق خلقه ما اتفق فى وقت نظره من غلاء سعر. فتطيرت العامة ~~ورجموا زبزبه وشغبوا الديلم عليه لأجله وهجموا على نهب داره وانتهت الحال ~~الى ركوب صمصام الدولة الى مجتمعهم حتى تلافاهم وردهم. # PageV07P107 ### ||||| ورود زيار وسعد بن محمد من جرجان # وفيها ورد زيار بن شهراكويه وأبو القاسم سعد بن محمد الحاجب عائدين من ~~جرجان فندب أبو القاسم الى الموصل لقصد باد وتلافى ms064 خطئه وجدد معه عسكرا ~~اجتهد فى عدته وعدته. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر سعد بن محمد مع باد [128] # سار سعد، فلما حصل بالموصل قبض على أبى المطرف عاملها وفى نفسه عليه ~~تمثله بالبيت الذي تقدم ذكره واعتقله بالموصل. # ويمم سعد الى لقاء باد وهو واثق باقتناصه ورب واثق خجل. فتواقعا على ~~خابور الحسينية فانهزم سعد واستولى باد على جميع الديلم فأسر بعضا وقتل ~~بعضا ثم ضرب رقاب الأسرى صبرا وسار الى الموصل. # وقد كان سعد سبقه إليها عند الهزيمة فثار العامة به وخرج ناجيا بنفسه حتى ~~بلغ تكريت وكتب الى الحضرة بخبره فأجيب بأن يقيم فى موضعه. ### ||||| ذكر حصول باد بالموصل وإفراجه عن أبى المطرف # لما حصل باد بالموصل أفرج عن أبى المطرف واستوزره. # وقويت شوكته بما تم له من كسر عساكر السلطان دفعة بعد أخرى واستولى على ~~الأعمال وجبى وجوه الأموال وخرج عن حكم البوادي والمتطرفين وصار فى أعداد ~~الخوارج المتجوفين وأرجف بأنه محدث نفسه بأخذ سرير الملك وقامت له هيبة فى ~~النفوس وعظم ذلك على صمصام PageV07P108 ~~الدولة وابن [129] سعدان وزيره وقطعهما الهم به عن سائر الأمور. # ولم يبق فى الحضرة من يندب لهذا الأمر مع استفحاله إلا زيار بن شهراكويه. ~~فوقف على المسير اليه وخلع عليه واستظهر له فى العدد والعدد وأخرج معه شكرا ~~فى الغلمان الأتراك وسار الى الموصل وانضم إليهما أبو القاسم الحاجب من ~~تكريت وواقعوا بادا فى صفر سنة أربع وأجلت الوقعة عن انهزام باد وأسر كثير ~~من أقاربه وأصحابه وورد الخبر بذلك فسكن ما عليه الناس من الأراجيف به. # ثم وصل الأسارى الى بغداد فشهروا. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمره بعد الهزيمة # لما انهزم باد وخيم زيار بظاهر الموصل خرج سعد الحاجب الى الجزيرة من ~~الجانب الشرقي فى عدد وافر وحصل باد فى أطراف بلاده يجمع الرجال الى نفسه ~~ليقصد ديار بكر. # فرأى ابن سعدان ان كتب الى سعد الدولة ابن حمدان وبذل له تسليم ديار بكر ~~إليه على ما كانت مع أبيه واستدعى ms065 منه تجريد أصحابه إليها قبل استيلاء باد ~~عليها. # فأنفذ ابن حمدان أصحابه إلى ميافارقين فأقاموا مديدة ثم انصرفوا ولم يكن ~~لهم [130] طاقة بمقاومة باد وملك باد ميافارقين وسار إلى تل فافان مرهبا ~~وراسل فى الصلح وتثاقل العسكر الذي مع سعد عن المسير معه الى لقائه فعمل ~~على العدول الى الحيلة ودس رجلا لقتل باد غيلة [1] . PageV07P109 ### ||||| ذكر حيلة جيدة لو وافقت قضاء # يقال: إن الرجل الذي دسه دخل على باد فى خيمته ليلا ووصل إلى موضع منامه ~~وضربه بالسيف ضربة على رجله ظن أنها على رأسه وصاح باد وهرب الرجل فلم يلحق ~~ومرض باد لتلك الضربة حتى أشفى واجتهد سعد فى انتهاز الفرصة منه عند مرضه ~~فلم يطاوعه من معه. # وكان شكر قد توجه مع الأتراك إلى نصيبين على أن يكون مسيرهم ومسير سعد من ~~الجانبين فاضطرب من كان معه من الأتراك عليه. # وراسل باد زيارا وألقى عليه نفسه ورد أمره إليه. فمال زيار للصلح غير ~~مظهر للميل مراقبة لأبى القاسم سعد وأشار على باد بسلوك سبيل الاستصلاح معه ~~أيضا. # فلما أعيت سعدا الحيل وكثرت عليه الأسباب والعلل وعلم أن كثير الاجتهاد ~~مع معاندة الأيام ضائع وقليله مع مساعدتها نافع، صالح بادا على [131] أن ~~تكون له ديار بكر والنصف من طور عبدين من غربيها وعاد سعد إلى الموصل وزيار ~~بها وانحدر زيار إلى الحضرة وأقام سعد بمكانه. # وكان أمر هذه الوقعة والصلح فى سنة أربع ولكن سياقة الحديث اقتضت إيراده ~~ههنا فى أخبار سنة ثلاث. ### ||||| استيلاء المظفر على الأمر # وفى هذه السنة قتل المظفر بن على الحاجب أبا الفرج محمد بن عمران وأجلس ~~أبا المعالي ابن أبى محمد الحسن بن عمران فى الامارة ثم استولى المظفر على ~~الأمر بعد. # PageV07P110 ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك # قد تقدم ذكر ما كان من أبى الفرج فى قتل أخيه أبى محمد. فلما جلس فى ~~الإمارة قدم القوم الذين ساعدوه وجفا مشايخ القواد، فأحفظ الأكابر تقدم ~~الأصاغر. # وكان المظفر أحد قواد عمران الذين أبلوا ms066 معه فى حروبه فاتفق هو والمعروف ~~بابن الشعراني اصفهسلار الجند وقالا لشيوخ القواد: # - «قد فعل هذا الرجل ما فعل من استحلال محرم أخيه وصبرنا عليه مع وجوب ~~حقه وحق أبيه ولم يقنعه سوء فعله حتى استأنف حط منازلنا وتقديم أراذلنا ولا ~~نأمن أن يتعدى الأمر من [132] بعد إلى إزالة نعمتنا واطراح حرمتنا.» فاتفقت ~~كلمة الجماعة على كراهيته ثم تكفل المظفر لأبن الشعراني بأمر قتله وتكفل ~~ابن الشعراني بأمر جنده وتواعدا على ذلك. ### ||||| ذكر تهور سلم صاحبه بالاتفاق # ثم إن أبا الفرج ركب من دار الإمارة إلى بناء استحدثه وعرف المظفر خبره ~~فقصده إلى الموضع ودخل عليه فلما رآه أبو الفرج قال له: # - «فيم حضرت؟» قال: «علمت ركوب الأمير فأحببت خدمته.» وحضر من أعطاه ~~كتابا. فلما أخذه وتشاغل بقراءته جرد المظفر سيفه وثار اليه فضربه. # PageV07P111 # وبادر [1] من كان بين يديه من خواصه الى المظفر بسيوفهم وهو كالجمل ~~الهائج يدافعهم عن نفسه وأكب على أبى الفرج ضربا حتى فرغ منه وقد أصابته ~~جراحة فى يده وضربات فى ذباب سيفه. # ونزل فى ورجيته [2] إلى المنصورة التي بها دار الإمارة وأخرج أبا المعالي ~~ابن أبى محمد ابن عمران وهو صغير السن فأقامه أميرا وأطلق المال وأرضى ~~الجند. # ومضى أبو الفرج بعد أخيه سريعا، صرع أخاه فأصبح بعده صريعا، وباع دينه ~~فخسرهما جميعا، وكذلك كل قاتل مقتول، وكل خاذل [133] مخذول، وكن كيف شئت ~~فكما تدين تدان. ### ||||| ونعود إلى ذكر ما جرت عليه الحال بعد ذلك # لما فعل المظفر ما فعله أظهر الصرامة وقيل له فى التوثقة من العسكر ~~بالأيمان فقال: # - «التوثقة سيفي من استقام غمدته عنه ومن اعوج سللته عليه.» وكتب إلى ~~الحضرة بما فعله من أخذ ثأر أبى محمد وإعادة الأمر إلى ولده [3] وسأل فى ~~تقليده وأنفذ من استحلف صمصام الدولة له ولنفسه فأجيب إلى ذلك جميعه وأخذ ~~المظفر أمره بالرهبة وقتل الشعراني مع بضعة عشر نفسا من القواد الذين ~~ساعدوه فى يوم واحد. # ومضت أيام والمظفر يتولى الأمور وأبو المعالي صبى لا فضل ms067 فيه ولا تدبير، ~~ثم نازعت المظفر نفسه إلى التردى برداء الإمارة والتفرد بها لفظا ~~PageV07P112 # ومعنى. ### ||||| ذكر منصوبة عملها المظفر فى إظهار إمارته # أمر كاتبه أن يكتب كتابا عن السلطان إليه بالتعويل فى تدبير الأمور [134] ~~عليه ثم أمره بإحضار ركابي غريب وتسليم الكتاب إليه ومواقفته على الدخول ~~بالكتاب عند احتفال المجلس بالناس مغبر الثياب والوجه كأنه بشعت بشعث [1] ~~الطريق ففعل ذلك. # فلما كان فى غد ذلك اليوم واجتمع الناس دخل الركابى على تلك الصورة وأوصل ~~الكتاب إليه. # فلما أخذه المظفر قبله ودفعه إلى الكاتب فقرأه وأظهر الاستبشار وقال لأبى ~~المعالي فى الوقت: # - «قم إلى أمك.» وتظاهر بالإمارة ثم أحضر الجند وتوثق منهم، وقد كان أباد ~~من خاف جانبه ولم يبق إلا من أمن بوائقه، وتلقب بالموفق واستمال القلوب ~~وعدل عن الطريق الأول. ### ||||| ذكر ما اعتمده من حسن السيرة # لما استتب له الأمر على ما أراد حمل الناس على محجة العدل وخفض لهم جناح ~~اللين وكف يده عن القتل واستعمل الرأفة بعد تلك الفظاظة والرحمة، بعد تلك ~~القساوة. # ورد على أرباب الضياع ما كان قبضه عمران وولده منهم وأجرى على ~~PageV07P113 # أبى المعالي وأمه جراية واسعة وأقرهما فى دارهما مدة طويلة ثم أمرهما ~~بالانصراف فانصرفا إلى واسط وكانت جرايته [135] دارة عليهما مع بعدهما عنه. # ومضت مدة فعهد فى الأمر إلى أبى الحسن على بن نصر الملقب أخيرا بمهذب ~~الدولة، ولقبه إذ ذاك بالأمير المختار، وإلى أبى الحسن على بن جعفر من بعده ~~وهما ابنا أختيه. # وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة مؤيد الدولة بجرجان وجلس صمصام الدولة ~~للعزاء به وجاءه الطائع لله معزيا. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى وفاة مؤيد الدولة وإلى أن استقرت الإمارة لفخر الدولة من بعده # لما انصرفت عساكر خراسان الواردة مع فخر الدولة وقابوس الانصراف الذي ~~تقدم ذكره استقر مؤيد الدولة بجرجان وجعلها داره وأقام أبو الحسن على بن ~~كامة عنده. # واتصلت الأخبار باشتداد علة عضد الدولة والعهد على صمصام الدولة فى الملك ~~من بعده وأخذ البيعة له ms068 على جنده وتفرقة الأموال بالحضرة على الرجال، فشغب ~~الجيش بجرجان وأفردوا خيمهم إلى ظاهر البلد والتمسوا الزيادة والإحسان ~~[136] وتوسط زيار بن شهراكويه والحسن بن ابراهيم الأمر معهم حتى سكنوا ~~وعادوا. # فاستأذن بعد ذلك زيار ومن كان معه فى المسير إلى بغداد فرفق مؤيد الدولة ~~بهم إيثارا لمقامهم فلم يفعلوا نزاعا إلى أوطانهم مع ما تجدد لهم من أمر ~~صمصام الدولة على ما قد ذكر فقضى عند ذلك حقوقهم وأذن لهم فى الانصراف ~~فانصرفوا شاكرين. # PageV07P114 ### ||||| ذكر ما دبره مؤيد الدولة فى الاستيلاء على الملك وحالت المقادير دونه # لما علم مؤيد الدولة بوفاة عضد الدولة سمت نفسه للاستيلاء على الممالك ~~والقيام مقامه فيها وكان قد أنفذ أبا على القاسم إلى فارس متحملا لرسالة ~~إلى الأمير أبى الفوارس ابن عضد الدولة. فورد كتاب أبى على هذا عليه بوقوع ~~الخطبة له فى بلاد فارس وثبوت اسمه على الدينار والدرهم. # وقدم أبو نصر خواشاذه ورسول من الأمير أبى الفوارس إليه فلبث عنده أياما ~~وعاد بالجواب ثم راسل أخاه فخر الدولة بالوعود الجميلة [137] وبذل له ولاية ~~جرجان وتقويته بما يحتاج إليه من الأموال فلم يسكن فخر الدولة إلى قوله ~~وأقام بموضعه. # وبينما الحال على ذلك إذ جاءه الأمر الذي لا يغلب والنداء الذي لا يحجب ~~فخضع لأمر الآمر مطيعا ولبى دعوة الداعي سريعا قضية الله سبحانه فى الأولين ~~والآخرين ومشيئته فى الذاهبين والغابرين. قال الله تعالى: «لقد أحصاهم ~~وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا» 19: 94- 95. [1] ### ||||| ذكر كلام سديد للصاحب ابن عباد # ولما عرضت لمؤيد الدولة علة الخوانيق واشتدت به قال له الصاحب: # - «لو عهد أمير الأمراء عهدا إلى من يراه يسكن إليه الجند إلى أن يتفضل ~~الله تعالى بعافيته وقيامه إلى تدبير مملكته لكان ذلك من الاستظهار الذي لا ~~ضرر فيه.» PageV07P115 # فقال له: # - «أنا فى شغل عن هذا وما للملك قدر مع انتهاء الإنسان إلى مثل ما أنا ~~فيه فافعلوا ما بدا لكم.» ثم أشفى فقال له الصاحب: # - «تب يا مولانا من كل ما دخلت فيه ms069 وتبرأ من هذه الأموال التي لست على ~~ثقة من طيبها وحصولها من حلها، واعتقد متى أقامك الله وعافاك صرفها فى ~~وجوهها ورد كل ظلامة تعرفها وتقدر على ردها.» ففعل [138] ذلك وتلطف به وقضى ~~نحبه ولعل الصاحب اقتدى فى هذا القول بقصة ابن أبى دؤاد مع الواثق بالله ~~رضى الله عنه إلا أن تلك قول وفعل: ### ||||| خبر حسن فيه تنبيه على فعل خير [1] # يقال: إنه لما اشتدت علة الواثق التي توفى فيها وكان فى حبسه جماعة من ~~الكتاب والعمال وهم فى ضنك شديد من المطالبة دخل ابن ابى دؤاد عليه وسأله ~~عما يجد فشكا الواثق بالله شدة ما به إليه فقال: # - «يا أمير المؤمنين إن فى حبسك جماعة وراءهم عدد كثير من العيال وهم فى ~~ضر وبؤس ولو أمرت بالإفراج عنهم لرجوت لك الفرج من هذه الشدة.» فقال له: # - «أصبت.» وأمر بذلك فأفرج عنهم. فلما أصبح حضر ابن أبى دؤاد عنده على ~~رسمه فقال له الواثق: PageV07P116 # - «إنى وجدت البارحة بعض الخف.» فقال ابن أبى دؤاد: # - «وفق الله لأمير المؤمنين. فلقد رفعت البارحة ألوف من الأيدى بالدعاء ~~له كانت ترفع من قبل بالدعاء عليه. هذا وقد عاد من أفرج عنهم إلى دور شعثة ~~وعيال جياع وأحوال مختلة ولو قد أطلقت ضياعهم [139] المقبوضة وأعيدت إليهم ~~أموالهم المأخوذة لكان الدعاء أكثر والأجر أعظم.» فأمر الواثق عند ذلك ~~بتسليم ضياعهم إليهم وإعادة ما أخذ من أموالهم وخرج الأمر بذلك على يد ابن ~~أبى دؤاد، فقام بتمامه فى يومه وأحيا الله أقواما على يده. # ولم يكن قد بقي للواثق أجل فمضى لسبيله واستصحب أجر ذلك الفعل معه وفاز ~~ابن أبى دؤاد بهذه المنقبة بقية الدهر. ونعود الى سياقة الحديث. ### ||||| ذكر ما دبره ابن عباد بعد وفاة مؤيد الدولة # كتب فى الوقت إلى فخر الدولة بالإسراع وأرسل أخاه وبعض ثقاته ليستوثق منه ~~باليمين على الحفظ والوفاء بالعهد. # وتجرد الصاحب لضبط الأمر ووضع العطاء فى الجند ونصب أبا العباس خسر فيروز ~~بن ركن الدولة فى الامارة تسكينا للفتنة ms070 وإزالة للخلف فى عاجل الحال، وكتب ~~الناس مثنى [1] وفرادى إلى فخر الدولة بالطاعة وهو يومئذ بنواحي نيسابور ~~على حالة مختلفة [2] وإضاقة شديدة. # وقد أنفذ نصر بن الحسن بن فيروزان [3] الى الصاحب ببخارا مع من نفذ ~~PageV07P117 # من جهة قابوس من [140] وجوه قواده حين استدعاهما صاحب بخارا للخلف الواقع ~~بينه وبين ابن عمه عبد الملك بعقب انهزام عساكره بباب جرجان. فاعتذر إليه ~~فى تأخرهما عنه بنفوسهما وأنفذ إليه أصحابهما المذكورين. # فلما ورد إلى فخر الدولة كتاب ابن عباد، وتلاه كتب وجوه العساكر أولا ~~فأولا، سار على الفور وعرف قابوس الخبر فأرسل إليه: # - «أن بيننا ما أريد مفاوضتك فيه.» فأجابه بأننى: # - «قد توجهت ولا قدرة لى على العود بعد التوجه ومهما أردت فاكتب به.» ~~وبادر يطوى المنازل نحو جرجان. ### ||||| ذكر وصول فخر الدولة إلى جرجان واستقراره فى دار الإمارة # لما ورد الخبر بقرب وصول فخر الدولة إلى جرجان قال الصاحب ابن عباد ~~للجند: # - «إنما أخذت البيعة عليكم لأبى العباس خسر فيروز على أنه خليفة أخيه فخر ~~الدولة فبادروا إلى تلقيه وخدمته.» فندبوا عند ذلك أبا الحسين محمد بن على ~~بن القاسم العارض للاستيثاق بجماعتهم، فسار إليه ولقيه بالتعزية بأخيه ~~والتهنئة بالملك والتوثق [141] للأولياء، فأكرمه فخر الدولة وتقبل منه ما ~~أورده. # وبادر الناس بعد أبى الحسين إلى خدمته فوجا فوجا وهو يقربهم ويدنيهم. ثم ~~تلقاه الصاحب أبو القاسم ابن عباد مع الأمير أبى العباس PageV07P118 ~~خسر فيروز وأكابر القواد فرحب به فخر الدولة وبالغ فى إكرامه وتناهى فى ~~إعظامه ونزل بظاهر المدينة فى الموضع الذي كان مؤيد الدولة معسكرا فيه عند ~~قتال عسكر خراسان، ثم دخل البلد من غده وأخذت البيعة له بالطاعة والمخالصة ~~واستقرت الإمارة عليه. # وكذلك الدهر يتقلب من حال إلى حال وينتقل بأهله بين أسفل وعال والبؤس ~~والنعيم فيه إلى زوال. ### ||||| ذكر كلام اختبر به ما فى نفس فخر الدولة # لما انتظم الأمر لفخر الدولة قال له الصاحب: # - «قد بلغك الله يا مولاي وبلغنى فيه ما أملته لنفسك وأملته لك ومن حقوق ms071 ~~خدمتي عليك إجابتى إلى ما أوثره من ملازمة دارى واعتزال الجندية والتوفر ~~على أمر المعاد.» وقال له: # - «لا تقل أيها الصاحب هذا، فإننى ما أريد الملك [142] إلا لك ولا يجوز ~~أن يستقيم أمرى إلا بك، وإذا كرهت ملابسة الأمور كرهت ذاك بكراهيتك ~~وانصرفت.» فقبل الأرض شكرا وقال: # - «الأمر أمرك.» وتلا ذلك أنه خلع عليه خلع الوزارة وأكرمه منها بما لم ~~يكرم وزير بمثله ثم عمل فخر الدولة والصاحب جميعا على أخذ على بن كامة ~~والاستيلاء على ماله وأعماله، وعلما أنهما لا يقدران عليه لجلالة قدره ~~فعدلا إلى إعمال الحيلة فى أمره # PageV07P119 ### ||||| ذكر حيلة تمت فى قتل على بن كامة # اجتمع رأيهما على مواقفة شرابي كان له على سمه فتوصلا إليه وقررا أمور ~~ذلك واتفق أن على بن كامة عمل دعوة واحتفل فيها واحتشد وسأل فخر الدولة ~~والصاحب الحضور عنده. فواعداه بذلك وراسلا الشرابي بفعل ما تقرر معه فى هذا ~~اليوم وأعطياه سما موجبا. # ودخل على بن كامة خزانة الشراب يتخير الأشربة ويذوقها فطرح الشرابي السم ~~فى بعض ما ذاقه فأحس فى الحال باضطراب جسمه فدخل بيتا وطرح نفسه فيه وألقى ~~عليه كساء وعلم فخر الدولة [143] خبره فتأخر عن الحضور. # وأطعم الناس وسقوا وتركه أصحابه فى موضعه وعندهم أنه نائم ولم يقدموا على ~~إنباهه. فلما كان من غد رأوه على خملته فدخلوا إليه فوجدوه ميتا. # فأنفذ فخر الدولة إلى داره من توكل بها وإلى خزانته من استظهر عليها والى ~~قلاعه من أخذها وإلى أعماله من تولاها. وكان لعلى بن كامة أولاد فلم يتم ~~لهم الأمر مع فخر الدولة. # وليس العجب من فخر الدولة فى سم الرجل كالعجب من الصاحب الذي سأل بالأمس ~~فى الخبر الذي تقدم هذا الخبر فى الإذن له فى ملازمة داره والتوفر على أمر ~~المعاد. # ووصل أبو نصر شهريسلار بن مؤيد الدولة الى حضرة فخر الدولة فى هذا الوقت ~~فأكرمه. # PageV07P120 ### ||||| ذكر السبب فى ذلك # كان أبو نصر بأصبهان مقيما نائبا عن أبيه مؤيد الدولة فى ولده وحرمه. # فلما ms072 عرف خبر وفاته بادر بمن خف معه يريد جرجان فبلغه فى بعض الطريق خبر ~~استقرار فخر الدولة فى الامارة فأقام بموضعه وكاتبه يستأذنه فى الإتمام إلى ~~حضرته. فأجابه بالجميل وصلة [144] الرحم وأمره بالإتمام والمسير فسار ووصل ~~إلى جرجان فأكرم غاية الإكرام. # وقدم أبو على القاسم بن على بن القاسم عائدا من فارس مع المال المحمول ~~وقد كان مؤيد الدولة أنفذه إليها حسب ما تقدم ذكره. # وأنفذ فخر الدولة أبا القاسم القاضي العلوي رسولا إلى الأمير أبى الفوارس ~~ابن عضد الدولة وأقام بجرجان يجمع الأموال ويملأ بها القلاع إلى أن ورد ~~إليه تاشى هاربا من خراسان فأنزله بجرجان وقرر عليه ارتفاعها وانصرف هو إلى ~~الرى وأقام تاشى بها إلى أن توفى وقيل مات مسموما. # وفى هذه السنة شغب الأتراك ببغداد وبرزوا متوجهين إلى شيراز بعد أن كانت ~~طائفة منهم قد سارت قبلهم ولحقت بفارس. # فركب زيار بن شهراكويه فى أثر هؤلاء ورد أكثرهم وأخذ أبا منصور ابن أبى ~~الحسن الناظر وكان قد خرج هاربا وولده مع شرف الدولة لم يقبض عليه فرد بعد ~~أن جرح لأنه مانع عن نفسه واعتقل. # وكان خال ولد أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف. فلما عرف عبد العزيز هربه ~~من الليل خاف أن يسعى أبو عبد الله بن سعدان به إلى صمصام الدولة ويوغر ~~صدره عليه وينسب هربه إليه فرأى أن يسبق بإظهار إبراء الساحة قبل أن [145] ~~ينتهز عدوه الفرصة. # PageV07P121 ### ||||| ذكر رأى سديد وقع لعبد العزيز بن يوسف أمن به ما خاف وقوعه # وذلك أنه غلس فى صبيحة تلك الليلة إلى الدار وجلس فى الدهليز وراعى قيام ~~صمصام الدولة من منامه وانتظر حضور على ابن أبى على الحاجب وكان له صديقا. # فلما حضر الحاجب خرج إليه عبد العزيز بما فى نفسه وسأله الاستئذان له على ~~خلوة قبل كل أحد فدخل الحاجب وأعلم صمصام الدولة بحضوره فإذن له. فلما حضر ~~قبل الأرض وبكا بكاء شديدا وقال: # - «قد خدمت عضد الدولة وخدمتك ولم تعهد منى إلا الصدق والمناصحة.» ms073 وحلف ~~بطلاق صاحبته أخت أبى منصور وبالأيمان المغلظة إن كان عرف خبر أبى منصور ~~فيما عمل عليه من الهرب أو شاوره فيه. # فسكن منه صمصام الدولة وخاطبه بما طابت نفسه به وانصرف من بين يديه وقد ~~زال إشفاقه وخوفه. # وحضر من الغد ابن سعدان وأشار إلى أبى القاسم عبد العزيز فى هرب [146] ~~أبى منصور فى أثناء كلامه إشارة لم يتقبلها منه صمصام الدولة وقال: # - «أبو القاسم بريء من هذا الأمر ولا علقة له فيه.» فأمسك حينئذ ابن ~~سعدان وزادت العداوة بينهما وجد أبو القاسم فى إفساد حال ابن سعدان حتى تم ~~له القبض عليه والانتصاب فى مكانه حتى يأتى شرح ذلك من بعد بإذن الله ~~تعالى. # PageV07P122 ### |||| ودخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة # وفيها شرف فخر الدولة من حضرة الطائع لله بالخلع السلطانية والعهد ~~واللواء وزيادة اللقب وسلم جميع ذلك إلى أبى العلاء الحسن بن محمد بن ~~سهلويه رسول فخر الدولة. ### ||||| شرح ما جرى عليه الأمر فى ذلك # لما توفى مؤيد الدولة وانتصب فخر الدولة فى موضعه شرع أبو عبد الله ابن ~~سعدان فى إصلاح ما بين صمصام الدولة وبينه، وكاتب الصاحب أبا القاسم ابن ~~عباد فى ذلك. # وتردد بينهما ما انتهى إلى ورود أبى العلاء ابن سهلويه للسفارة فى التقرر ~~وتنجز الخلع السلطانية لفخر الدولة [147] فأكرمه أبو عبد الله ابن سعدان ~~إكراما بالغ فيه وأقام له من الأنزال وحمل إليه من الأموال ما جاوز به حد ~~مثله. # واتصلت مدة مقامه من المكاتبات ما دل على إظهار المشاركة بين الجندين فى ~~كل تدبير وتقرير وتجديد السنة التي كانت بين الإخوة عماد الدولة وركنها ~~ومعزها من الاتفاق والألفة. # وسدى الصاحب فى ذلك قوله وألحم، وأسرج فيه عزمه وألجم، حتى أنه كان لا ~~يجرى أمر ولا بال بحضرة فخر الدولة إلا كتب به مساهما ولا يعرف حالا يتعلق ~~بمصلحة صمصام الدولة إلا أشار بها مناصحا. ### ||||| فمن جملة ما كتب الصاحب بشرحه إلى الحضرة # ذكر وصول أبى سعيد أحمد بن شبيب صاحب جيش خوارزم رسولا ms074 من PageV07P123 ~~أمير خراسان متحملا من الرسالة ألطف الأقوال وورود كتب أبى [العباس] تاش ~~[1] مشتملة من القرب والإخلاص على أجمل الأقوال وأن الخطاب دار مع الرسول ~~الوارد فى الصلح على قواعد أولها طاعة الخلافة، فهي التي لا دين إلا بها ~~ولا دنيا إلا معها. ثم أن لا يفرج لهم عن شيء من هذه [148] البلاد ولا يكون ~~منهم فى باب قابوس قول أو فعل فى معونة وإسعاد وأن يرد إلى بخارا ويستخدم ~~فى أبعد الأطراف وأن يقتصر على المال المبذول الذي يجرى مجرى المعونة من ~~أمير المؤمنين لهم على ما أسند [2] إليهم من الثغور وأنه قد أخرج مع الرسول ~~العائد أبو سعد صالح بن عبد الله، فإذا استتب التقرير واستحصف العقد أنفذت ~~نسخته على شروطه إلى بغداد حسب ما يقتضيه التمازج بين الحضرتين. ### ||||| ومما نطقت به الكتب من المشورة والرأى # الحث على استمالة الأمير أبى الحسين واستخلاص طاعته وأن فخر الدولة قد ~~راسله وخاطبه فى ذلك بما يجرى مجرى التقدمة والتوطئة ومتى أريد التكفل ~~بالتمام فهو على غاية الطاعة. # وقد أثبت على الدينار والدرهم اسم فخر الدولة وكتب من البصرة بإقامة ~~الدعوة كما أقامها بالأهواز وليس يتجاوز ما ينهج له ولا يتعدى ما يحكم به، ~~والصواب طلب التوازر والتعاطف وترك التباين والتخالف. ولا يقال هذا إلا من ~~طريق ابتغاء المصالح لصمصام الدولة وجمع الأهواء [149] المتفرقة إليه ورد ~~القلوب النافرة عليه. # ثم لما طال مقام ابني سهلويه وتمادت به الأيام ساء ظن فخر الدولة ~~PageV07P124 # والصاحب ووردت كتب على ابن سعدان بالمعاتبة. وكان السبب فى تأخر ذلك خطب ~~باد واتساع الخرق فيه وشغل ابن سعدان به عن كل أمر ينجزه وإرب يقتضيه. # فلما ورد الخبر بهزيمة باد واستقر الأمر فى ذلك وأسفر الخطب عن المراد ~~كما قد تقدم ذكره، خلا درع ابن سعدان وخوطب الطائع لله على ما يجدده لفخر ~~الدولة من الخلع السلطانية فأجاب. # وجلس على العادة فى أمثالها وحضر أبو العلاء الرسول وأحضرت الخلع السبع ~~والعمة السوداء والسيف والطوق والسواد واللواء والدابتان ms075 بمركبى الذهب وقرئ ~~العهد بتولية الأعمال التي فى يده وأضيف الى لقبه الأول فلك الأمة وسلم ~~جميعه إلى أبى العلاء. # وضم إليه أبو عبد الله محمد بن موسى الخازن وخرجا إلى جرجان وسلما ذلك ~~وعادا وأقام أبو العلاء برسم النيابة عن فخر الدولة بالحضرة إلى آخر أيام ~~صمصام الدولة. # وفى هذه السنة ورد كتاب أبى بكر محمد بن شاهويه مبشرا بإقامة الدعوة ~~لصمصام الدولة بعمان [150] . ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر بعمان إلى أن عادت إلى شرف الدولة # كان المتولى بها فى الوقت أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن [1] من قبل شرف ~~الدولة فما زال ابن شاهويه يفتل له فى الذروة والغارب حتى أماله إلى الحملة ~~وأزاله عما كان عليه من الانحياز إلى شرف الدولة. PageV07P125 # وكان صغوه مع من ببغداد لكون أبى على الحسن ولده بها فجمع الأولياء ~~والرعية بعمان على طاعة صمصام الدولة وخطب له على منابر تلك الأعمال. # ووصل الخبر إلى بغداد فأظهرت المسرة وجلس صمصام الدولة للتهنئة وكتب كتب ~~البشائر إلى أصحاب الأطراف على العادة وأنفذ إلى أستاذ هرمز العهد بالتقليد ~~مع الخلع والحملان. # وأحضر ابنه أبو على الحسن وخلع عليه ونقله من رتبة النقابة إلى رتبة ~~الحجبة. # ولما عرف شرف الدولة عصيان أستاذ هرمز أخرج إليه أبا نصر خواشاذه فى عسكر ~~استظهر فيه ووقعت بينهما وقعة أجلت عن ظفر أبى نصر وحصول أستاذ هرمز أسيرا ~~تحت اعتقاله واستيلائه على رجاله وأمواله. # وعند بلوغ أبى نصر ما أراده من ذلك [151] رتب بعمان من يراعيها ويشحنها ~~بمن يحميها وعاد إلى فارس ومعه أستاذ هرمز فشهر بها ثم قرر عليه مالا ثقيلا ~~وحمل إلى بعض القلاع مطالبا بتصحيحه. # وفى هذه السنة أفرج شرف الدولة أبو الفوارس عن أبى منصور محمد بن الحسن ~~بن صالحان وعن أبى القاسم العلاء بن الحسن وعن أبى الحسن الناظر أخيه ~~واستوزر أبا منصور من بينهم ورد الأمور إلى نظره. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى اعتقالهم والإفراج عنهم والتعويل على أبى منصور فى الوزارة # ولما ms076 وصل شرف الدولة أبو الفوارس إلى شيراز قبض على نصر بن هارون كما ~~تقدم ذكره واستوزر أبا القاسم العلاء بن الحسن فقصر أبو القاسم فى أمور ~~الحواشي والخواص وهم أفسدوا رأى شرف الدولة فيه وأغروه به PageV07P126 ~~وبأخيه أبى الحسن الناظر على سخيمة كانت فى نفس فخر [1] الدولة على أبى ~~الحسن فقبض بعد مدة يسيرة عليهما وعلى أبى منصور محمد بن الحسن ابن صالحان ~~معهما وأمر بحملهم إلى بعض القلاع. # ورد النظر إلى أبى محمد [152] على بن العباس بن فسانجس وإلى [2] أبى ~~الحسن محمد بن عمر العلوي فإنه أشار به للمودة البغدادية التي جمعتهما وعول ~~على أبى منصور فى الوزارة من بينهم فاتفق له بالعرض ما صار سببا لثباته ~~فيها. ### ||||| ذكر اتفاق حميد صار سببا لثبات قدم # حكى أبو محمد [3] ابن عمران أن شرف الدولة أنفذ رسولا إلى القرامطة. # فلما عاد الرسول من وجهه سأله عن مجاري الأحوال، فقال له فى جملة ~~الأقوال: # - «إن القرامطة سألونى عن الملك فوصفت لهم حسن سياسته وجميل سيرته. ~~فقالوا: من حسن سيرة الملك أنه استوزر فى سنة واحدة ثلاثة لغير ما سبب.» ~~فحصل هذا القول فى نفس شرف الدولة ولم يغير على أبى منصور أمرا وبقي فى ~~خدمته إلى أن توفى. # وأما أبو الحسن الناظر فإنه أنفذ إلى جرجان برسالة وتوفى بها. # وأما أبو القاسم العلاء فإنه أقام فى داره إلى أن خرج شرف الدولة إلى ~~الأهواز فخرج معه على ما [153] سيأتي ذكره فى موضعه. PageV07P127 # وفى هذه السنة قبض على أبى عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان ومن يليه ~~وعلى أبى سعد بهرام وأبى بكر بن شاهويه وسائر أصحابهم ونظر أبو القاسم عبد ~~العزيز بن يوسف فى الأمور ودبرها مديدة. ### |||| ودخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة # فيها شورك بين أبى القاسم وبين أبى الحسن أحمد بن محمد بن برمويه فى ~~الوزارة وتنفيذ الأمور وخلع عليهما جميعا. ### ||||| شرح الحال فيما جرى عليه أمر هذه الوزارة المشتركة # كانت الحال فيما بين أبى القاسم وبين أبى الحسن بن ms077 برمويه ثابتة على ~~الإخاء جائزة على الصفاء، وكانا يتجاوران فى منازلهما ويتزاوران فى ~~مجالسهما، فهما أبدا عاكفان إما على معاشرة وإما على مشاورة. # فلما توفى أبو الحسن على بن أحمد العماني كاتب والدة صمصام الدولة سعى ~~أبو عبد الله ابن سعدان لأبى نصر والده فى كتابتها فعمل أبو القاسم عبد ~~العزيز فى [154] عكس ذلك للعداوة التي بينهما. ### ||||| ذكر كلام سديد لعبد العزيز بن يوسف فى تحذير صمصام الدولة من الحجر عليه # قاله له: إن أبا عبد الله قد استولى على أمورك وملك عليك خزائنك وأموالك ~~وإذا تم له حصول والده مع السيدة حصلنا تحت الحجر معه وهذا أبو الحسن ابن ~~برمويه رجل قد خدم عضد الدولة وهو أسلم خبية وأطهر PageV07P128 ~~أمانة وأليق خدمة للحرم [1] لأنه كان خصيا [ابن] الياس [2] واشتراه عضد ~~الدولة من البلوص عند حصوله فى أسرهم. # فوقر هذا القول فى سمع صمصام الدولة وقبله وقلد أبا الحسن كتابة والدته. # فلما نظر أبو القاسم بعد أبى عبد الله ابن سعدان استخلف أبا سعد ~~الفيروزآباذي وأبا عبد الله ابن الحسين بن الهيثم. فاستوحش أبو الحسن ابن ~~برمويه بعدوله عنه بعد أن قدر أن الأمور تكون مفوضة إليه للحال التي ~~بينهما. فواصله أياما على رسمه ثم انقطع عنه وصار يجتاز ببابه ولا يدخل ~~إليه. # وشرع مع والدة صمصام الدولة فى طلب الأمر لنفسه فتغير أبو القاسم [155] ~~عليه واعتقد كل واحد منهما عداوة صاحبه. ### ||||| ذكر رأى ضعيف أشارت به والدة صمصام الدولة عليه فعمل به # خاطبته على أن يجمع بين أبى القاسم وبين أبى الحسن فى الوزارة فأجلبها ~~إليه وخوطب أبو القاسم فى ذلك فامتنع. وجدت السيدة فى الأمر وتردد من ~~الخطاب ما انتهى آخره إلى إلزامه الرضا [3] به فخلع عليهما وسوى فى الرتبة ~~والخطاب بينهما وجلسا جميعا فى دست واحد فى دست الوزارة المنصوب، وتقرر أن ~~يكون اسم أبى القاسم متقدما فى عنوانات الكتب عنهما. PageV07P129 # فلم يتم ذلك واستعلى أبو الحسن بقوة سره واستظهاره بعناية السيدة به وخوف ~~الناس منه، وصار ms078 الأمر سخيفا بهذا الرأى الضعيف. # والدولة إذا كفلها النساء فسدت أحوالها ووهنت أسبابها وبدأ اختلالها وولى ~~إقبالها والأمر إذا ملكنه انتقضت قواه وانهدم بناه ولم تحمد عقباه والرأى ~~إذا شاركن فيه قل سداده وضل رشاده وعند ذلك يكون الفساد إلى الأمور أسرع من ~~السيل إلى الحدور. # لا جرم أن أبا القاسم احفظه ذلك وما عاملته السيدة [156] من نصرة أبى ~~الحسن عليه و [لما] رأى أن أبا الحسن أشد بطشا فى عداوته من ابن شهراكويه ~~[1] شرع فى إخراج الملك من يدي صمصام الدولة واستغوى أسفار بن كردويه ~~ووافقه على ذلك. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى عصيان أسفار # كان قد تردد بين صمصام الدولة وبين زيار بن شهراكويه أسرار اطلع عليها ~~أبو القاسم بحكم امتزاجه بالخدمة وخرج بها إلى أسفار وخاض فيها الغمرات ~~وأشعر قلبه وحشة أخرجته من أنس الطاعة. # وتقرر بينهما فى ذلك ما أحكما عقده ودخل معهما فى هذا الرأى المظفر أبو ~~الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وأبو منصور أحمد بن عبيد الله الشيرازي ~~كاتب الطائع يومئذ وقد كان صمصام الدولة اعتل علة أشفى فيها. # فواقف أسفار أكابر العسكر وأصاغرهم على خلع صمصام الدولة وإقامة الأمير ~~أبى نصر- وسنه فى الوقت خمس عشرة سنة- خليفة لأخيه شرف الدولة ووعدهم ~~بمواعيد الإحسان واستظهر عليهم بمواثيق الأيمان وابتدأ PageV07P130 # الفتنة بالتأخر عن الدار واستعمال التخبى [1] وترددت [157] اليه من صمصام ~~الدولة مراسلات التأنيس والتسكين فما زادته إلا إغراء وتغميرا. # فصار إليه أبو القاسم عبد العزيز وأبو الحسن ابن برمويه وأبو الحسن ابن ~~عمارة العارض برسالة من صمصام الدولة هي ألطف مما تقدم. # فلما حصلوا عنده امتنع من لقائهم وقبض عليهم وجمع العسكر وأحضر الأمير ~~أبا نصر ونادى بشعار شرف الدولة وأفرج عن أبى القاسم لأن القبض عليه كان ~~بموافقة منه واجتمعوا على تدبير الأمور وترتيبها، وتولى المظفر بن الحسن بن ~~حمدويه وأبو منصور الشيرازي أخذ البيعة على الجند. # وبلغ صمصام الدولة الخبر وقد أبل من مرضه، فتحير فى أمره وجمع غلمان داره ~~وراسل ms079 الطائع لله فى الركوب، فاستعفى وامتنع منه. ### ||||| ذكر رأى سديد واتفاق حميد اتفقا لصمصام الدولة أسفر بهما الأمر عن الظفر # لما رأى الخطب معطلا استنصر فولاذ بن ماناذر [2] مستصرخا وبذل له ~~المواعيد الكثيرة على ذلك وكان فولاذ مع القوم فيما عقدوه لكنه أنف من بعد ~~رتبة الانحطاط لأسفار عن رتبة المتابعة. # وكان من [158] حميد الاتفاق إطلال المساء وحجاز الليل، ولو سار أسفار فى ~~الوقت الذي أظهر فيه ما أظهره الى صمصام الدولة لأخذه ولم يكن له دافع عنه ~~لكنه ظن أن لن يفوته الأمر وكان قدرا مقدورا. # فأصبحوا وقد خالفهم فولاذ وانحاز إلى صمصام الدولة فحضر لديه وأكد ~~PageV07P131 # العهد والعقد عليه وتنجز منه توقيعا بجميع ما التمسه من جهته وتكفل له ~~بالذب عن دولته والقيام بخدمته. # وانضاف إلى صمصام الدولة فولاذ ورجاله والجيل وهم أقاربه وأخواله وغلمان ~~داره وعدتهم كثيرة وشوكتهم قوية ففتح خزانتي السلاح والمال وعجل لهم ~~وأعطاهم ووعدهم من بعد ومناهم وسار بهم فولاذ مصعدا للقاء القوم. ### ||||| ذكر تدبير جيد دبره فولاذ فى أمر الحرب # نزل إلى زبزب صمصام الدولة وجلس على كرسيه فى دسته وعلى رأسه علامته ومن ~~ورائه وأمامه الزبازب والطيارات، حتى ظن الناس أن صمصام الدولة قد خرج ~~بنفسه. وسير العسكر بإزائه على الظهر. فلما انتهى إلى الجزيرة بسوق يحيى ~~وجد الجيل وعدتهم قليلة يقاتلون ديلم أسفار [1] وقد [159] ثابتوهم ~~وصابروهم. # فصعد من الزبزب وعبى المصاف، وسار قليلا قليلا حتى صدم عسكر أولئك- ~~وعندهم أن تحت العلامة صمصام الدولة- فانكسروا. # ورآهم أسفار من روشنه مولين فأيقن بالهزيمة، فركب وولى هاربا، وتبعه ~~طائفة من أقاربه وشيعته وأبو القاسم عبد العزيز، وأفلت أبو الحسن ابن عمارة ~~العارضى جريحا وأخذ الأمير أبو نصر وحمل إلى صمصام الدولة. # فرق له لما شاهده وعلم أنه كان لا ذنب له فلم يؤاخذه وتقدم باعتقاله ~~وترفيهه فكان فى الخزانة محروسا مراعى. # ونهبت دور الديلم والأتراك العاصين ودور أتباعهم وأشياعهم. PageV07P132 # وقتل فى الليلة التي وقعت فى صبيحتها الهزيمة أبو عبد الله ابن سعدان. ### ||||| ذكر مكيدة لعبد ms080 العزيز فى أمر ابن سعدان صارت سببا لقتله # لما قبض أسفار على أبى القاسم وأبى الحسن ابن برمويه وأبى الحسن ابن ~~عمارة انتهز أبو القاسم الفرصة وأرسل فى الحال إلى صمصام الدولة يغريه بابن ~~سعدان ويوهمه أن الذي جرى كان من فعله وتدبيره وأنه لا يؤمن ما يتجدد [160] ~~منه فى محبسه فسبق فى هذا القول إلى ظنه. # وكان أحمد بن حفص المحرى عدوا له فزاد بالإغراء به فأمر حينئذ بقتله وقتل ~~معه أبو سعد بهرام على سبيل الجرف وقد كان خليفته وقت نظره وقتل أبو منصور ~~غيظا لأبى القاسم. # قال الله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. 8: 25 [1] ~~وكان أبو بكر ابن شاهويه معتقلا فسلم لحسن اتفاق. ### ||||| ذكر اتفاق عجيب سلم به ابن شاهويه من القتل # كان محبوسا فى حجرة تتصل بالحجرة التي فيها هؤلاء، لكن بابها خلف الأخرى ~~فإذا فتح ذلك غطى هذا فلا يؤبه له، فانستر لهذه العلة وسكنت سورة الفتنة ~~فأفرج عنه من بعد. # وأطلق أبو الريان حمد بن محمد من الاعتقال وعول عليه فى الوزارة وعلى أبى ~~الحسن على بن طاهر فى كتابة السيدة، وكتب الكتب بذكر البشارة إلى فخر ~~الدولة وسائر الأطراف وقبض على أخوى أبى القاسم وكتابه PageV07P133 # وأصحابه. # وكان المظفر أبو الحسن ابن حمدويه وأبو منصور الشيرازي هربا من دار أسفار ~~يوم الهزيمة فظفر بهما وقرر أمرهما [161] على مال صودرا عليه. # وخلع الطائع لله على صمصام الدولة وجدد له تشريفا وإكراما وخلع على أبى ~~نصر فولاذ بن ماناذر الخلع الجميلة وخوطب بالإصفهسلارية [1] بعد أن استحلف ~~على الوفاء والمناصحة. # ومضى أسفار بن كردويه وأبو القاسم ومن معهما إلى الأهواز مغلولين. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أسفار وعبد العزيز بن يوسف والأتراك الخارجين من بغداد # خرجوا من بغداد إلى جسر النهروان وساروا إلى الأهواز. فلما حصلوا بها ~~تلقاهم الأمير أبو الحسين وأرغبهم فى المقام. فأما الأتراك فإنهم أظهروا ~~الموافقة وأسروا غيرها، ثم ركبوا فى بعض الأيام غفلة وساروا. # فتقدم الأمير أبو الحسين إلى ms081 سابور بن كردويه يتتبعهم وردهم فركب وراءهم ~~ولحقهم بقنطرة أربق [2] فلم يكن له بهم طاقة وجرت بينهم مناوشة ورموه ~~فأصابوا بعض أصحابه ومضوا هم وعاد هو. # وأما أسفار بن كردويه فإنه أقام بالأهواز مكرما وكان أخوه سابور زعيم ~~[162] الجيش فقدم عليه أسفار لكبر سنه وجلالة قدره وأقام على ذلك إلى أن ~~أقبل شرف الدولة من فارس، فأنفذه الأمير أبو الحسين إلى عسكر مكرم لضبطها ~~فى خمسمائة رجل من الديلم. فلما حصل شرف الدولة PageV07P134 # بالأهواز صار أسفار إليه، فأمر بالقبض عليه وحمل إلى بعض القلاع بفارس. # وكان بها إلى أن توفى شرف الدولة وأفرج عنه عند الإفراج عن صمصام الدولة ~~وأقام بفارس مديدة ومضى إلى الرى. # وأما أبو القاسم عبد العزيز، فإن أبا الفرج منصور بن خسره تكفل بأمره ~~وأعظم منزلته وعرف له حق تقدمه فجازى أبو القاسم إحسانه بسوء النية فيه ~~وحدث نفسه بطلب مكانه وألقى ذلك إلى بعض من عول عليه فيه. فأحس أبو الفرج ~~واستظهر لنفسه بالتوثيق من الأمير أبى الحسين ومن والدته باليمين على ~~إقراره فى نظره وترك الاستبدال به. # ولم يزل يتوصل حتى غير نية الأمير أبى الحسين فى أبى القاسم ونقصه فى ~~المنزلة التي كان أنزله اياها فى ابتداء وروده واطرح الرجوع فى شيء من ~~الأمور إلى رأيه «وجزاء سيئة سيئة مثلها» 42: 40 [1] والبادئ أظلم. # وبقي على هذه الحال إلى أن ورد شرف الدولة فقبض عليه مع أسفار وأنفذ إلى ~~القلعة وأفرج عنه بعد وفاته. ### ||||| ورود إسحق وجعفر الهجريين # وفى هذه [163] السنة ورد اسحق وجعفر الهجريان فى جمع كثير وهما من ~~القرامطة الستة الذين يلقبون بالسادة. فملكا الكوفة وأقاما بها الخطبة لشرف ~~الدولة. # فوقع الانزعاج الشديد من ذلك بمدينة السلام لما كان قد تمكن فى قلوب ~~الناس من هيبة هؤلاء القوم وقوة بأسهم ومسالمة الملوك لهم لشدة PageV07P135 # مراسهم حتى إن عضد الدولة وعز الدولة قبله أقطعاهم إقطاعات بواسط وسقى ~~الفرات. فكانت مآربهم تقضى ومطالبهم تمضى وأبو بكر ابن شاهويه صاحبهم يجرى ~~بالحضرة مجرى الوزراء فى ms082 حاله، والإصغاء من الملوك راجع إلى أقواله، وأكابر ~~الناس يخشونه مجتملين لكبره منقادين لأمره، ولا سبب إلا اعتزاؤه إلى هؤلاء ~~القوم. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر اسحق وجعفر القرمطيين # لما ورد الخبر باستيلائهما على الكوفة بدأهما أبو الريان بالمكاتبة وسلك ~~معهما طريق الملاطفة والمعاتبة ودعاهما إلى الموادعة والمقاربة وبذل لهما ~~ما يحاولانه. وعول على أبى بكر ابن شاهويه فى [164] الوساطة معهما وكان قد ~~أطلقه من الاعتقال وتلافى بالإحسان إليه والإجمال. فعدلا فى الجواب الى ~~التعليل والتدفيع، وجعلا ما كان من القبض على ابن شاهويه حجة فى اللوم ~~والتقريع، وزاد الخطب معهما فى بث أصحابهما فى الأعمال ومد أيديهما الى ~~استخراج الأموال، حتى لم يبق للصبر موضع ولا فى القوس منزع. # وحصل المعروف بأبى قيس الحسن بن المنذر وهو وجه من وجوه قوادهم بالجامعين ~~فى عدد كثير، فجرد إليهم من بغداد أبو الفضل المظفر بن محمود الحاجب فى عدة ~~من الديلم والأتراك والعرب وأخرج أبو القاسم ابن زعفران إلى ابراهيم بن مرح ~~العقيلي لتسييره فى طائفة من قومه. # وحصل أبو الفضل الحاجب بجسر بابل والقوم بإزائه فعقدوا جسرا على الفرات. ~~فإلى أن فرغ منه وصل ابراهيم وابن زعفران وحصلا مع القرامطة على أرض واحدة ~~وتناوشوا وتطاردوا وفرغ الجسر وعبر سرعان الخيل من الأتراك وفرسان الديلم ~~وحملوا مع ابراهيم بن مرح وأصحابه على القوم PageV07P136 ~~حملة واحدة انكشفت عن هزيمتهم وأسر أبو قيس زعيمهم مع جماعة من قوادهم ~~وأسرع إليه ابراهيم بن مرح، فضرب عنقه لثأر له عنده. وعاد الفل إلى الكوفة. ~~وجاء البشير إلى بغداد فأظهرت البشارة بها. [165] ### ||||| ذكر ما كان من القرمطيين بعد قتل أبى قيس صاحبهما # لما عاد الفل إليهما هزتهما الحمية- وللقرامطة نفس أبية- فجهزا جيشا جعلا ~~عليه قائدا من خواصهما يعرف بابن الجحيش واستكثروا معه من العدة [1] ~~والعدة، ووصل الخبر بذلك إلى بغداد فأخرج أبو مزاحم بجكم الحاجب فى طوائف ~~من العسكر وعبر إلى القوم وهم بغربي الجامعين وواقعهم وقعة أجلت عن قتل ابن ~~الجحيش وأسر عدد من قوادهم وانتهاب ms083 معسكرهم وسوادهم ونجا من نجا منهم هاربا ~~إلى الكوفة. فرحل القرمطيان فيمن تخلف عندهما وولوا أدبارهم. # ودخل أبو مزاحم الكوفة وقص آثارهم حتى بلغ القادسية، فلم يدركهم وعاد إلى ~~الكوفة. وزالت الفتنة وبطل ناموس القرامطة عند ذلك وذهبت الهيبة التي ~~اشرأبت النفوس منها. # ولكل قوم سعادة تجرى إلى أجل معدود وتنتهي إلى أمل محدود ثم تعود إلى ~~نقصان وزوال وتغير من حال إلى حال، إلا سعادة الدين فإنها إلى نماء، فإذا ~~انفصلت من دار الفناء [166] اتصلت بدار البقاء. # وفى هذه السنة أفرج عن ورد الرومي ومن معه من الأسرى بسفارة زيار بن ~~شهراكويه. PageV07P137 ### ||||| شرح ما جرى عليه أمر ورد فى الإفراج عنه وإصعاده إلى بلد الروم # قد تقدم ذكر القبض عليه فى أيام عضد الدولة وبقي فى الاعتقال إلى هذا ~~الوقت فسفر زيار فى إطلاقه وخاطب صمصام الدولة على اصطناعه فاشترطت عليه ~~وله شروط وتوثق منه فيها ووثق له على الوفاء بها. # وأما ما اشترط عليه فهو أن يعترف لصمصام الدولة بالصنيعة ويكون حربا لمن ~~حاربه سلما لمن سالمه من المخالفين فى الدين والموافقين عليه وأن يفرج عن ~~جماعة المسلمين بين من أحاطت ربقة الأسر برقابهم [1] أو طالت يد الحصر فى ~~أعناقهم ويعينهم على النهوض إلى بلادهم وحراستهم على طبقاتهم فى نفوسهم ~~وأموالهم وحرمهم وأولادهم، وأن لا يجهز جيشا إلى ثغر ولا يغضى العين لأحد ~~من أصحابه فى مثل ذلك على غدر، وأن يسلم سبعة من حصون الروم برساتيقها ~~ومزارعها آهلة عامرة [167] وأن يفي بقية ما عاش بجميع ما قرر معه واشترط ~~عليه. # وأما ما شرط له فالتخلية عن سبيله وحمايته من الأيدى الخاطفة حتى يخرج هو ~~ومن فى صحبته موفورين من البلاد التي تضمها مملكة صمصام الدولة وأن يكون ~~أمر الحصون إذا سلمها مجرى العادة المستمرة فى حراسة أهلها وإقرارهم على ~~أملاكهم وحقوقهم وإجرائهم فى المعاملات والجبايات [2] على رسومهم وطقوسهم ~~[3] . # واستوثق من أخيه قسطنطين ومن ابنه أرمانوس بمثل ما استوثق منه ~~PageV07P138 # وكتب بذلك كتب وسجلات استؤذن الخليفة الطائع لله ms084 فى إمضائها فأذن فيها ~~وأمر بإحكام قواعدها ومبانيها. # فلما استقرت القاعدة أفرج عنه وحمل إليه مال وثياب وجلس صمصام الدولة ~~للقائه. ### ||||| ذكر ترتيب جلوس صمصام الدولة بحضور ورد # قال صاحب التاريخ: عهدي بصمصام الدولة وجلس حتى يلقاه ورد ويشاهده ويخدمه ~~ويشكره وقال: كان الوقت شتاء والدار ومجالسها مملوءة بالفرش الجليلة وستور ~~الديباج النسيجة معلقة على [168] أبوابها وغلمان الخيل بالبزة الحسنة ~~والأقبية الملونة وقوف سماطين بين يدي سدته وكانت قد نصبت فى السدلى الذهب ~~الذي تفتح أبوابه إلى البستان وإلى بعض الصحن، والديلم من بعدهم على مثل ~~ترتيبهم وزيهم إلى دجلة. # وعبر ورد وأخوه وابنه فى زبزب أنفذ إليهم يمشون بين السماطين إلى حضرة ~~صمصام الدولة وبحضرته كوانين من ذهب موضوعة فيها قطع العود توقد. # فلما قرب منه ورد طأطأ رأسه قليلا وقبل يده، ووضع له كرسي ومخدة فجلس ~~عليهما. # وسأله صمصام الدولة عن خبره فدعا له وشكره بالروصية [1] والترجمان يفسر ~~عنه وله. وقال قولا معناه: # - «قد تفضلت أيها الملك ما لا أستحقه وأودعت جميلا عند من لا يجهله، ~~وأرجو أن يعين الله على طاعتك وتأدية حقوق فعلك.» وقام ومشى الحجاب ~~والأصحاب بين يديه كفعلهم عند مدخله وعبر فى PageV07P139 # الزبزب إلى داره. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر ورد بعد إصعاده من بغداد [169] # لما توجه تلقاء بلده استمال كثيرا من البوادي وأطمعهم فى العطاء والإحسان ~~وأخذ فى المسير حتى نزل على ملطية وبها كليب عاملا لملكى الروم عليها وكليب ~~من أصحاب ورد- كما قد تقدم ذكره فى المشروح الذي وجد بخط ابن شهرام- فأطاعه ~~وحفظ عهده وسلم إليه ما كان معدا عنده فلم به شعثه وقوى به حزبه وعمل على ~~المسير إلى ورديس بن لاون مظهرا حربه. # فترددت بينهما رسائل انتهت إلى تقرير قاعدة فى الصلح على أن يكون ~~قسطنطينية وما والاها من جانبها لورديس بن لاون وما كان من الجانب الآخر من ~~البحر لورد واتفقا بعد توكيد الأيمان بينهما على الاجتماع. # وسار كل واحد منهما للقاء صاحبه فاجتمعا على ميعاد، فلما تمكن منه ms085 ابن ~~لاون قبض عليه. ### ||||| ذكر غدر ورديس بن لاون بورد وقبضه عليه ثم مراجعته الحسنى بالإفراج عنه # كان ورد قد وثق بما أكده من العهود التي اطمأن إليها واعتقد ورديس [170] ~~بالبديهة أنه فرصة قد قدر عليها فغدر به وقبض عليه وحمله إلى بعض القلاع. # فلما راجع رويته علم أنه أقدم على خطة شنعاء تبقى عليه سمة الغدر وتجلب ~~إليه وصمة فى الذكر وأجرى إلى فعله نكرا ينفر كل قلب عن PageV07P140 ~~معاهدته ويحمل كل قريب على مباعدته. فاستدرك الأمر بتعجيل الإفراج عنه ~~والاعتذار إليه وتجديد المواثيق معه، فعادا إلى ما كانا عليه من الألفة ~~والاتفاق ودفعا أسباب الفرقة والشقاق. # وانصرف ورديس فنزل بإزاء قسطنطينية منازلا لباسيل وقسطنطين ملك [1] ~~الروم، وقد اجتمعت الكلمة عليه وانضوى العساكر وأهل البلاد إليه، وبقي ~~الملكان فى قل من الناس متحصنين بالمدينة وبحصينها. ### ||||| ذكر تدبير لملكى الروم عاد به أمرهما إلى الاستقامة بعد الاضطراب # لما انتهت الحال منهما إلى الضعف راسلا ملك الروسية واستنجداه. فاقترح ~~عليهما الوصلة بأختهما، فأجاباه إلى ذلك وامتنعت المرأة من تسليم نفسها إلى ~~من يخالفها فى دينها. وتردد من الخطاب فى ذلك ما انتهى إلى [دخول] ملك ~~الروسية فى النصرانية وتممت الوصلة معه وهديت المرأة [171] إليه فأنجدهما ~~من أصحابه بعدد عديد وهم أولو قوة وأولو بأس شديد. # فلما حصلت النجدة بقسطنطينية عبروا البحر فى السفن للقاء ورديس وهو ~~يستقلهم فى النظر ويهزأ بهم: كيف أقدموا على ركوب الغرر. فما هو إلا أن ~~وصلوا إلى الساحل وحصلوا مع القوم على أرض واحدة حتى نشبت الحرب بينهم ~~واستظهر فيها الروسية وقتلوا ورديس وتفرقت جموع عساكره. # وثاب أمر الملكين إلى الاستقامة والاعتدال واشتد ملكهما بعد التضعضع ~~والانحلال وراسلا وردا واستمالاه وأقراه على ولايته. فأقام على جملته ~~PageV07P141 # مديدة ثم توفى وقيل: إنه سم. # وتقدم بسيل [1] فى الملك وظهر منه حسن سياسة وأضاء له رأى وقوة عزم وثبات ~~قلب، حتى إنه صبر على قتال بلغر خمسا وثلاثين سنة يواقعهم ويواقعونه والحرب ~~[لم تزل] بينهم حتى ظفر بهم وملك ms086 ديارهم وأجلى عنها الجم الغفير منهم ~~وأسكنها الروم بدلا عنهم. # وشاع ذكره فى عدله ومحبته للمسلمين وطال عهده [2] فى بلادهم وملكه بالكف ~~عن بلادهم وإحسان معاملته مع من يحصل فى ممالكه منهم. # وفى هذه السنة هم صمصام الدولة بأن يجعل على الثياب الأبريسميات ~~والقطنيات [172] التي تنسج ببغداد ونواحيها ضريبة العشر فى إتمامها. [3] ### ||||| ذكر السبب فى ذلك # كان أبو الفتح الرازي كثر ما يحصل من هذا الوجه وبذل تحصيل ألف ألف درهم ~~منه فى كل سنة. # فاجتمع الناس بجامع المنصور وعزموا على المنع من صلاة الجمعة وكان المدن ~~تفتتن، فأعفوا من إحداث هذا الرسم. ### ||||| فتوى الخوارزمي الفقيه فى انتحار المعذب # وفيها مات أبو العباس ابن سابور المستخرج تحت المطالبة بالتعذيب ~~والمعاقبة. فقيل: إنه عرضت فتوى على أبى بكر الخوارزمي الفقيه مضمونها: ~~PageV07P142 # - «ما يقول الشيخ فى رجل مطالب معاقب قد ترددت عليه مكاره هونت عليه ~~الموت، هل له فسحة فى قتل نفسه وإراحتها مما تلاقيه.» فكتب فى الجواب: # - «إنه لا يجوز ولا يحل فعله، والصبر على ما هو فيه أدعى إلى تضاعف ثوابه ~~وتمحيص ذنوبه.» فلما انصرف حاملها، قال بعض الحاضرين لزهير بن أبى بكر: # - «هذه فتوى ابن سابور المستخرج.» قال أبو بكر: # - «ردوا حاملها.» فردوه، فسأله عنها، فأخبر أنها لابن سابور فقال أبو ~~بكر: # - «قل له: إن قتلت نفسك أو أبقيت عليها [173] فعاقبتك إلى الخسارة ومصيرك ~~إلى النار.» ### ||||| حركة شرف الدولة من فارس طالبا العراق # وفيها اتصلت الأخبار بحركة شرف الدولة [1] من فارس طالبا للعراق. # فأخرج إليه أبو عبد الله محمد بن على بن خلف رسولا وسفيرا فى تقرير. # الصلح. # فورد كتابه من الأهواز يذكر فيه: أنه صادف شرف الدولة بها فبلغ ما تحمله ~~من الرسالة فقوبل بالجميل الدال على حسن النية، ووعد بإحسان السراح وضم ~~رسول اليه ليقرر أمر الصلح والصلاح. PageV07P143 ### ||||| القبض على أبى الريان # وبعد ذلك قبض على أبى الريان حمد بن محمد وعلى أصحابه وأسبابه. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك # كان أبو الحسن على بن طاهر قد استولى على ms087 أمور والدة صمصام الدولة بحكم ~~كتابتها، وعظمت حاله ومنزلته عندها وعند صمصام الدولة لأجل خدمتها. # وقد تقدم القول بأن تملك النساء لأمور الدولة عائد عليها بعظيم الخلل، ~~فلا يزال بهن النقض والإبرام حتى تزيغ القلوب وتزل الأقدام. # وكان ابن طاهر هذا وأبو عبد الله ابن عمه قد استوحشا من أبى الريان، ~~فأفسدا حاله عند صمصام الدولة واستعانا بالسيدة عليه، وقرفاه بالميل إلى ~~شرف الدولة وأن نفوذ [1] ابن خلف لإصلاح [174] أمره معه، وما زالا يعملان ~~الحيلة حتى تم القبض عليه. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى الريان # حضر الدار على رسمه وجلس ينظر فيما جرت عادته بالنظر فيه. ومن غريب ~~الاتفاق أنه فقد خاتمه فى تلك الحال ولم يعلم كيف سقط من يده وطلب فلم ~~يوجد. ثم استدعى إلى حضرة صمصام الدولة وعدل به إلى الخزانة ووقع القبض ~~عليه. فكانت مدة وزارته هذه سبعة أشهر وأياما. # واستولى أبو الحسن وأبو عبد الله ابن عمه على الأمور كان إليهما مصادر ~~PageV07P144 # الأوامر فى الأصول، ونصبا أبا الفتح ابن فارس وأبا عبد الله ابن الهيثم ~~لمراعاة الفروع وكانا يحضران فى حجرة لطيفة فى دار المملكة ويوقعان بإخراج ~~الأحوال وإطلاق الصكاك واستيفاء الأموال وجرت الحال على ذلك إلى أن زال ~~صمصام الدولة. # وورد فى أثر القبض على أبى الريان أبو نصر خواشاذه رسولا عن شرف الدولة ~~ومعه أبو عبد الله ابن خلف فتلقاه صمصام الدولة فى خواصه وقواده وأكرمه. ~~[175] ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى وروده # قد كان أبو نصر هذا وأبو القاسم العلاء بن الحسن وأكثر الحواشي الذين مع ~~شرف الدولة يحبون المقام بفارس لأنها وطنهم وبها أهلهم ونعمهم وفى جبلة ~~البشر حب الأوطان واختيار الثواء بين الأهل والإخوان. # وكان أبو الحسن محمد بن عمر يشير على شرف الدولة بقصد العراق وهم لا ~~يتابعونه فى الرأى على هذا الاتفاق، ويقولون: غرضه العود إلى مستقر قدمه ~~والرجوع إلى بلده وأملاكه ونعمه وأن عضد الدولة منذ أعرض عن فارس وأقبل على ~~العراق لم يكن له بال ms088 رخى ولا عيش هنى. # وكان شرف الدولة يوعيهم لهذا الأمر سمعا ويحب المقام بشيراز طبعا لأن، ~~فيها مولده وبها منشأه ولما قيل: # بلاد بها نيطت على تمائمى ... وأول أرض مس جلدي ترابها # فلذلك كانت كلمة هذه الجماعة عنده قوية ومشورتها لديه مقبولة مرضية. # فلما ورد عليه ما ورد من كتب صمصام الدولة ووالدته وأبى الريان يبذل PageV07P145 ~~الطاعة والبخوع بالتباعة والإذعان بإقامة الدعوة [176] والتظاهر بشعار ~~النيابة، وجد هذا القول من قلبه قبولا وأنفذ أبو نصر خواشاذه لإتمام هذه ~~القاعدة رسولا وأصحبته تذكرة تشتمل على التماس الخلع السلطانية واللقب ~~وإقامة الخطبة وإنفاذ الأمير أبى نصر مكرما واستدعاء آلات وفرش وخدم وجوار ~~عازما على القناعة بذلك. فلما حصل بالأهواز وأتته الدنيا طوعا بإقبالها ~~وألقت البلاد مفاتيح أقفالها بدا له من ذلك الرأى فعزم على قصد العراق ~~مصمما وسار نحو بغداد متمما. وسيأتي ذكر ذلك فى موضعه بإذن الله تعالى. ### ||||| شرح الحال فى مسير شرف الدولة من فارس واستيلائه على الأهواز وانصراف الأمير أبى الحسين عنها # لما عزم شرف الدولة على المسير من فارس كتب إلى الأمير أبى الحسين ~~بالجميل والإحسان وبذل له إقراره على ما فى يديه من الأعمال والبلدان ~~وأعلمه أن مقصده بغداد لاستخلاص الأمير أبى نصر أخيه وأنه لا يحدث فى ~~الاجتياز فى بلاده أمرا يضره أو يؤذيه. # فلم يقع هذا القول [177] من الأمير أبى الحسين موقع التصديق وعرض له من ~~سوء الظن ما يعرض للشقيق. # واتفق أن والدته توفيت وهي بنت ملك ماناذر ملك الديلم ولها الحسب الصميم ~~والخطر العظيم، وكانت تكاتب شرف الدولة وتجامله وشرف الدولة يجلها لبيتها ~~الجليل ويراقبها لإذعان طوائف الديلم لها بالتبجيل. فلما مضت لسبيلها خلا ~~سابور بن كردويه بالأمير أبى الحسين فثناه عن هذه الطريقة. # PageV07P146 ### ||||| ذكر رأى أشار به سابور على الأمير أبى الحسين فى هذه الحال # قال له: إن هذه الكتب الواردة هي على وجه الخديعة والمكر، وإذا اغتررت لم ~~تأمن أن تحصل معه فى حبائل الأسر فما سار من فارس إلا لطلب الممالك ms089 جميعها ~~والاحتواء على عاصيها ومطيعها ولا يبدأ إلا بك وما لنا لا نحاربه ونقاتله ~~ولنا من العسكر والعدة ما نقاومه ونماثله؟ فأصغى إلى قوله وعمل لأمر ~~المحاربة معدا، وشمر عن ساق المباينة مجدا. # فبينما هو فى ذلك إذ ورد الخبر بنزول قراتكين الجهشيارى أرجان على مقدمة ~~شرف الدولة ونزل شرف الدولة أرجان وسار قراتكين إلى رامهرمز. [178] وتبرز ~~الأمير أبو الحسين إلى قنطرة أربق وأنفذ أسفار بن كردويه إلى عسكر مكرم ~~لضبطها وبدأ الديلم يتسللون إلى شرف الدولة لواذا وتقطعت الكلمة المجتمعة ~~جذاذا، وتحيز الغلمان الأتراك إلى جانب من العسكر ونادوا بشعار شرف الدولة. ~~فأشرف الأمير أبو الحسين وسابور بن كردويه وأبو الفرج ابن خسره على أن ~~يؤخذوا ويسلموا. فعرج الأمير أبو الحسين إلى فورة الاختلاط على الجبل وسار ~~من ورائه طالبا صوب المأمونية وراسل سابور بن كردويه باللحاق به. فلحقه بعد ~~هنات جرت له حتى خلص إليه، وثلثهما أبو الفرج ابن خسره وتبعهما غلام من ~~غلمان داره فسار هو ومن معه طالبين حضرة فخر الدولة حتى وردوا أصفهان. # فكتب منها إلى فخر الدولة وهو يومئذ بجرجان يشكو إليه أمره ويرجو منه ~~نصره، وكتب فى جوابه وعدا لم يعقبه وفاء وأظهر له ودا لم يتبعه صفاء. # ووقع له على الناظر بأصفهان بما قدره فى الشهر مائة ألف درهم فاجتمع PageV07P147 ~~عنده بتطاول مقامه فل من الديلم الذين كانوا فى جملته، وتبين له سوء رأى ~~فخر الدولة فألبس عليه أمره وضل طريق الصواب عنه. ### ||||| ذكر تدبير سيء [179] ألقى به نفسه إلى الهلاك # لما يئس من صلاح حاله أظهر لمن كان بأصفهان من الأولياء ما لا حقيقة له ~~وأعلمهم أن بينه وبين شرف الدولة مراسلة استقر معها النداء بشعاره ~~والانضواء إلى أنصار واستمال قوما من الجند المقيمين بها وعمل على التغلب ~~على البلد. # وكان المتولى لتلك الأعمال أبو العباس أحمد بن ابراهيم الضبى [1] وند ~~الخبر إليه، فعاجل الأمر وقصد دار الأمير أبى الحسين فى عدة قوية وأوقع به ~~وانهزم من كان حوله من لفيفه ms090 وأسر هو وأبو الفرج ابن خسره واعتقلا فى دار ~~الإمارة. # وأما أبو الفرج فإنه قتل من يومه، وأما الأمير أبو الحسين فإنه صفد وحمل ~~إلى الري واعتقل بها مدة يسيرة ثم نقل إلى قلعة ببلاد الديلم ولبث فيها عدة ~~سنين. # فلما اشتدت بفخر الدولة العلة التي قضى فيها نحبه أنفذ إليه من قتله. # ويروى له بيتان قالهما فى الحبس وكان يقول الشعر وهما: # هب الدهر أرضانى وأعتب صرفه ... وأعقب بالحسنى وفك من الأسر PageV07P148 # فمن لى بأيام الشباب التى مضت ... ومن لى بما قد فات فى الحبس من عمرى ~~[180] # وسار شرف الدولة من أرجان ودخل الأهواز وقد تمهدت الأمور فأطلق من كان ~~اعتقله الأمير أبو الحسين من أصحابه وقبض على أسفار وعبد العزيز ابن يوسف ~~وعلى أصفهان [1] على بن كامة الوارد معه، وأخرج العلاء بن الحسن إلى البصرة ~~للقبض على الأمير أبى طاهر ابن عضد الدولة وعلى من كان فى جملته من الخواص ~~فقبض عليه وعاد العلاء بن الحسن بعد تقرير أمر البصرة وأعيد إلى شيراز ~~للمقام بها. # واستدعى أبو منصور محمد بن الحسن ابن صالحان وعول على أبى نصر سابور [2] ~~بن أردشير فى مراعاة الأمور إلى أن يصل أبو منصور وأزمع شرف الدولة على ~~المسير إلى العراق. ### ||||| الطائع لله يبرز للتعزية # وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة ابن مؤيد الدولة فجلس صمصام الدولة للعزاء ~~وبرز الطائع لله لتعزيته. # قال صاحب التاريخ: عهدي بالطائع لله وهو فى دسته منصوب على ظهر حديدي وهو ~~لابس السواد والمعممة الرصافية السوداء، وعلى رأسه شمسة وبين يديه الحجاب ~~والمسودة [3] وحول الحديدى الأنصار والقراء والأولياء فى الزبازب، وقد قدم ~~إلى مشرعة دار المملكة من باب الميدان فنزل PageV07P149 # صمصام الدولة إليه وقبل الأرض بين يديه ورده [181] بعد خطاب جرى بينهما ~~فى العزاء والشكر. ### |||| ودخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة # فيها وقع الخوض مع أبى نصر خواشاذه فى إنجاز ما وعد به وإحكام قواعده ~~ومبانيه، فأجيب إلى جميع ما تضمنته التذكرة إلا إنفاذ الأمير أبى نصر، فإنه ~~أرجى أمره ms091 إلى أن يستبين أمر الصلح. ### ||||| ذكر ما تقرر الأمر عليه مع أبى نصر خواشاذه فى ذلك # قررت أقسام الصلح على أقسام ثلاثة: قسم منها يعم الفريقين، وقسمان يخص كل ~~فريق قسم منها. # فأما الأمر الذي يعم فهو: تألف ذات البين حتى لا يدرك طالب نبوة مقصدا فى ~~تنفير، وتصافي العقائد حتى لا يجد جالب وحشة مطمعا فى تكدير، فإن ظهر عدو ~~مباين لأحدهما ناضلاه جميعا عن قوس الموافقة والمساعدة ودافعاه المظاهرة ~~والمعاضدة، وأن يمنع كل واحد من تعرض ببلاد الآخر ولا يطمع فيها جندا ولا ~~[182] يقطع منها حدا ولا يجير منها هاربا ولا يأوى متحيزا أو موازيا. # وأما ما يخص شرف الدولة: فهو أن يوفيه صمصام الدولة فى المخاطبة ما ~~يقتضيه فضل السن والتقديم، ويلتزم من طاعته ما يوجبه حتى الإجلال والتعظيم، ~~ويقيم له الخطبة على منابر مدينة السلام وسائر البلدان التي فى يديه ويقدم ~~بعد إقامة دعوة الخليفة عليه. # وأما ما يخص صمصام الدولة: فهو أن يكف شرف الدولة عن سائر ممالكه وحدودها ~~ويمنع أصحابه كافة عن طرقها وورودها وأن يراعيه فى PageV07P150 ~~كل أمر يستمد فضله فيه مراعاة الأخ الأكبر لأخيه وتاليه. # وصدر كتاب المواضعة بالاتفاق على تقوى الله تعالى وطاعة الخليفة الطائع ~~لله وامتثال ما أمرهما به من الألفة على الشروط المذكورة. وجعل على نسختين ~~ختم أحدهما بيمين حلف بها صمصام الدولة معقودة بأن يحلف بمثلها شرف الدولة. # فلما تحرر ذلك جلس الطائع لله وحضر الأشراف والقضاة والشهود ووجوه أصحاب ~~صمصام الدولة وأبو نصر خواشاذه وقرئ كتابه إلى شرف الدولة وزين الملة ~~بالتلقيب والتقليد وسلمت الخلع الكاملة واللواء. # وندب أبو القاسم على بن الحسن الزينبي الهاشمي [183] وأحمد بن نصر ~~العباسي الحاجب ودعا الحاجب للخروج من قبل الطائع لله بذلك وأبو على ابن ~~محمان من قبل صمصام الدولة برسالة جميلة مشتملة على خفض الجناح والاستمالة ~~إلى الصلاح والإذعان بالطاعة والولاء والترقيق بالرحم والإخاء وسارت ~~الجماعة على هذه القاعدة المذكورة. # ووجد فيما خلفه أبو الحسن ابن حاجب النعمان [1] نسخة أخرى ms092 بمثل الذي تقدم ~~ذكره واتصلت بها يمين، واشتمل آخرها على لفظ شرف الدولة بذلك، وأنه قد ألزم ~~ذلك وأشهد الله عليه به وحلف باليمين المذكورة فيه. # وعلى ظهرها بخط أبى الحسن ابن حاجب النعمان: # «بسم الله الرحمن الرحيم: ثبت بحضرة سيدنا ومولانا الإمام الطائع لله ~~أمير المؤمنين أطال الله بقاه، وأعز نصره وأدام توفيقه وكبت عدوه، ما تضمنه ~~الاتفاق المكتوب فى باطن هذا الكتاب وصح عنده التزام شرف الدولة وزين الملة ~~أبى الفوارس أمد الله تأييده، لصمصام الدولة وشمس الملة أبى كاليجار ~~PageV07P151 # مولى أمير المؤمنين أعز الله نصره، ما شرح فيه بعد أن ألزم له مثله. فحكم ~~مولانا أمير المؤمنين أعز الله نصره عليهما به وجمعهما إلى الائتلاف عليه ~~فى طاعته وخدمته وقطع [184] به بينهما الفرقة والاختلاف. # وأمر بهذا التوقيع تأكيدا لما تصافيا عليه وإلزاما لهما الوفاء به وأنعم ~~بعلامة بخط يده الكريمة فى أعلاه والحكم الشريف النبوي فى منتهاه والله عون ~~مولانا أمير المؤمنين على ما التزماه وتوخياه.» «وكتب على بن عبد العزيز ~~بالحضرة الشريفة وعن الإذن السامي والحمد لله حمد الشاكرين.» علامة الطائع ~~لله: «الملك لله وحده» نقش الخاتم فى الإسرنجه [1] المسك والعنبر: «الطائع ~~لله» . # وأمر هذه النسخة عجيب لأن هذا الصلح لم يتم وما عاد به أبو نصر خواشاذه ~~ونفذ فيه أبو على ابن محمان لم يلتئم، وربما يكون ذلك فيما كتب بالأهواز ~~وأنفذ إلى بغداد ثم انتقض والله أعلم. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر الرسل الخارجين إلى شرف الدولة # انحدرت الجماعة إلى واسط ومدبرها قراتكين الجهشيارى. فأكرمهم الكرامات ~~الوافية وأقام لهم الإقامات الكافية وسار أبو على على طريق الظهر. # فورد كتاب شرف الدولة فى أثر ذلك إلى قراتكين بالقبض عليه وحمله إلى ~~الأهواز. فركب فى جماعة من [185] الغلمان متبعا له فلحقه بباذبين [2] وقد ~~نزل بها، فقبض عليه وعلى جميع ما صحبه مما كان حمل إلى شرف الدولة، ورده ~~إلى واسط واعتقله. ثم أنفذه وما كان معه على طريق البصرة. PageV07P152 # وتوجه أبو نصر خواشاذه فى الماء إلى ms093 البصرة مع رسل الطائع لله وتمم منها ~~إلى حضرة شرف الدولة فوجده وقد تغير عما فارقه عليه من حاله، وانقادت له ~~الأمور انقيادا ألواه عما كان مائلا إليه. # وخلا به أبو الحسن محمد بن عمر فثناه إلى ما أراده، فلم يكن لأبى نصر ~~موضع قول إلا فيما علا بناء هذه الرأى وشيده. # وقد كان العمال والمتصرفون مضوا إلى شرف الدولة من كل بلد من أعمال ~~العراق وتقدم أبو على التميمي من واسط وتلاه أبو عبد الله ابن الطيب من ~~النهروانات وأبو محمد الحسن بن محمد بن مكرم من الكوفة. وقصد الناس حضرته ~~على طبقاتهم من كل فج عميق ووافاه الديلم والأتراك فوجا بعد فوج وفريقا أثر ~~فريق. وكان نفوذ قراتكين الجهشيارى إلى واسط على مقدمته بعد وصول أبى عبد ~~الله ابن الطيب فضمه إليه ناظرا فى البلد وأعماله ومقيما لنفقات قراتكين ~~الجهشيارى ورجاله. # فمد ابن الطيب جناحه على الأعمال ويده إلى [186] الأموال. فلما حصل [أبو] ~~محمد ابن مكرم بالأهواز كثرت الأقوال على ابن الطيب فيما أخذه من ~~النهروانات عند مفارقته لها وبواسط عند حصوله بها، أخرج أبو محمد ابن مكرم ~~للقبض عليه والنظر بواسط. ### ||||| ذكر ما جرى الأمر عليه فى ترتيب القبض على ابن الطيب وإخفاء الحال فيه إلى أن تم # أنفذ أبو محمد من الأهواز وفى الظاهر أنه رتب فى إقامة المير لشرف الدولة ~~وعساكره بين الأهواز وواسط وفى الباطن قرر معه النظر بواسط والقبض على أبى ~~عبد الله ابن الطيب وإخوته، فأصحب كتبا باطنة وظاهرة بذلك. # PageV07P153 # فلما حصل بواسط واجتمع مع قراتكين وواقفه على ما ورد فيه قبض على الجماعة ~~الحاضرين والغائبين فى يوم واحد بتدبير دبره وبقوم قدم إنفاذهم إلى كل من ~~عاتبا على ميعاد قرره ومقدار وقته. # ورأى أن يسلك مع أبى عبد الله على طريق المياسرة والمقاربة، فأحتسب له ~~بجميع الظاهر [187] المأخوذ منه فى جملة مال المطالبة واعتمد مع إخوته ~~إظهار بعض التشديد والاستقصاء ثم سهل أمورهم عند التحقيق والإستيفاء وعلم ~~أن أعمال السلطان عوارى، ms094 فتساهل وقارن وجامل وقارب. # فمن أحسن فإنما يحسن لنفسه ومن أساء إنما يسيء إليها، والعارية فى ~~الحالين مردودة، وأيام لبثها عند المعار معدودة، ومهما سلكه الإنسان من ~~طريق فنجاحه فيه بهداية وتوفيق. ### ||||| ذكر مسير شرف الدولة من الأهواز لما استتبت له الأمور بواسط # سار إليها فى عساكر كثيرة بالجموع الظاهرة التجمل وكانت زينته وأهبته فى ~~صاحته [1] من كل نوع على أحسن ما شوهد فقيل: إن جماله كانت ثلاثة عشر ألف ~~رأس وجمال عسكره أكثر من هذا العدد وغلمان خيوله مع الخدم ألف وثمانمائة ما ~~بين غلام وخادم إلى ما يتبع ذلك ويشاكله من كل ما يكون للملوك المخولين ~~والسلاطين الممولين. # يقول صاحب التاريخ هذا القول ويستكثر هذا القدر. ولو أدرك هذه الدولة ~~القاهرة ورأى سلطانها وغلمانها وأركانها [188] وعدتها ورجالها وزينتها ~~وأموالها لعلم أن الذي استكثره فى قبيل الإقلال، ولأقر أن البحر لا يقاس ~~PageV07P154 # بالأوشال. # فلما استقر شرف الدولة بواسط سار قراتكين إلى دير العاقول ولما أجلت ~~الأحوال بمدينة السلام حدر بالأمير أبى نصر ابن عضد الدولة إلى حضرة شرف ~~الدولة مع غلام من الخواص. # وزادت أمور صمصام الدولة اختلالا وتناقصت حالا فحالا، وشغب الديلم حتى ~~أحاطوا بداره مطالبين بالمال ورفعوا سجف المراقبة ونادى سلارسرخ بشعار شرف ~~الدولة، وثار العامة فى عرض هذه الفتنة وكبسوا حبس الشرطة فأطلقوا من فيه، ~~وآذنت [1] دولته بزوال وعقدته بانحلال ولم يزل الأولياء والحواشي والنظار ~~والعمال يصيرون إلى حضرة شرف الدولة بالأهواز وواسط من غير احتشام ويقدمون ~~من غير احجام. فلما رأى صمصام الدولة ووالدته وأبو حرب زيار وفولاذ بن ~~ماناذر ما قد انتهى الأمر إليه، أجالوا الرأى بينهم. ### ||||| ذكر رأى سديد رآه زيار فى تلك الحال وأشار به على صمصام الدولة فلم يعمل به [189] # أشار بالإصعاد إلى عكبرا ليعرف بذلك من هو معهم ممن هو عليهم ويتميز ~~الآنس بهم من النافر عنهم. وقال: # - «إن الجيل كلهم فى طاعتنا مخلصون وفى سلكنا منخرطون ولا بد من أن ينضاف ~~إليهم قوم آخرون فإن رأيتم عدتنا كثيرة وشوكتنا ms095 قوية بحيث تتكافى فى ~~المقارعة أخرجنا ما فى أيدينا من المال وأطلقناه للرجال، وإن ضعفنا عن ~~القراع وعجزنا عن الدفاع تممنا إلى الموصل وينضم أبو القاسم سعد الحاجب ومن ~~العساكر إلينا ويكثر جمعنا ويقوى أمرنا. فإن الديلم PageV07P155 # والأتراك سيكثرون عند شرف الدولة ثم لا يزال بهم التنافس والتحاسد حتى ~~يحدث بينهم التباين والتباعد وبإزائهم منك ملك تعلق به آمالهم وتطمح نحوه ~~أبصارهم وهي الأيام والغير والقضاء والقدر والأمر يحدث بعده الأمر.» ### ||||| ذكر رأى آخر سديد أشار به فولاذ فلم يقبل منه # قال فولاذ: # - «الصواب المسير إلى قرميسين والحصول فى أعمال بدر بن حسنويه ومكاتبة ~~فخر الدولة- وكان فى صلح صمصام الدولة [190] بحسب ما نسجه ابن عباد بينهما- ~~واستمداد عسكر والمسير على طريق أصفهان إلى فارس والتغلب عليها.» وفيها ~~أخر: # «اين شرف الدولة وذخائره؟ فليس بإزائنا فى تلك الأعمال أحد يقاومنا ~~ويدافعنا، وإذا حصلنا بها لم يستقر لشرف الدولة قدم بالعراق ولم يستمر له ~~أمر على الاتساق ويضطرب أمره وتنحل قراه وينزل فى الصلح على حكم اختياره ~~ورضاه.» فمال صمصام الدولة إلى رأى زيار فى الإصعاد ووقع الشروع فى ترتيب ~~أسبابه ثم بدا له من ذلك. ### ||||| ذكر رأى خطأ استبد به صمصام الدولة فى إسلام نفسه إلى شرف الدولة # لما رأى الخرق قد اتسع والأمر قد التبس ضاق صدره وقل صبره. وكل ملك لم ~~يكن صدره فى النائبات رحيبا وصبره فى الحادثات عتيدا ونفسه فى المعضلات ~~مديدا أوشك أن يضمحل شأنه ويولى زمانه. # PageV07P156 # فعمل على اطراح ذلك كله والانحدار إلى شرف الدولة ونزل إلى زبزبه [1] ~~مستبدا برأيه غير ناظر فى بصائره وواردا على أمر غير [191] عالم بمصادره. # فلما حصل تحت روشن [2] زيار قدم [3] إلى فنائه وتقدم باستدعائه فنزل إليه ~~وعنده أنه يصعد إلى داره. فلما لم يبصر لصعوده أثرا قال: # - «إلى أين أيها الملك؟» قال: «إلى أخى.» قال: «أوقد تغير رأيك عما كنا ~~عليه.» قال: «نعم.» قال: «لا تفعل فإن الملك عقيم والخطب عظيم، والملوك لا ~~تصل أرحامها ولا ترعى للقربى ذمامها، وفى ms096 إسلام النفوس أخطار وحسن الظن فى ~~مثل هذه المواطن اغترار، فراجع فكرك وتبصر أمرك.» فقال له: «ما أرى لنفسي ~~رأيا صوابا إلا ما عملت عليه.» قال له: «خار الله لك.» ثم قال له صمصام ~~الدولة: # - «فعلى ماذا عملت أنت؟» قال: «إذا كنت قد رأيت ذلك رأيا وأنت أنت لم ~~أرغب بنفسي عن نفسك، ولم يكن خوفي أعظم من خوفك.» فقال له: «أما أنت فلا ~~أرى لك أن تضع يدك فى يد شرف الدولة.» وودعه وانحدر. # فلما قرب من معسكر شرف الدولة وقد خيم بنهر سابس أنفذ من يؤذن ~~PageV07P157 # بوصوله. فوافى أبو نصر خواشاذه فى زبزب وقرب من زبزبه وخدمه. ثم قال له: # - «الملك يتعرف خبر الأمير، والحمد لله على ما وفقه من هذا العزم الذي ~~يبلغ فيه مراده.» ثم صار إلى المشرعة وهناك دابة قد قدمت لأجله [192] ~~فركبها ونزل عند خيمة شرف الدولة وهو واقف ينتظره وبين يديه حواشيه وخواصه ~~وقد ارتج المعسكر بالخبر. # فلما وصل إليه قبل الأرض ثلاث مرات بين يديه وقرب منه. فقبل يده فسأله ~~شرف الدولة عن حاله فى طريقه فاستصوب رأيه فى وروده. فأجابه صمصام الدولة ~~جوابا شكره فيه وأراه قوة نفسه به. # فوقف قليلا، ثم قال له شرف الدولة: # - «تمضى وتغير ثيابك وتتودع من تعبك.» فخرج من حضرته وحمل إلى خيمة ~~وخركاه قد ضربتا له بغير سرادق وفى صدر الخركاه ثلاث مخاد. فدخل وجلس على ~~المخدتين وأطرق إطراق الواجم وأبصر أمر غلطه، فبان عليه أسف النادم. # وأخرج أبو الحسن نحرير وأبو بكر البازيار إلى بغداد للاحتياط على ما فى ~~دار المملكة والخزائن والإصطبلات. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر زيار وفولاذ # لما انحدر صمصام الدولة ولم يبق لهما ملجأ أعيتهما الحيل وضاقت بهما ~~السبل فحدثا نفوسهما بالانحدار ووقع فى قلوبهما حسن [193] الظن لتبين مواقع ~~الأقدار، فغابت عنهما الآراء وظلت عليهما تلك الأنحاء. # وقام الرشيد فانحدر بعد صمصام الدولة على الأثر وحملا أمرهما على PageV07P158 ~~الغرر، فأما زيار، فإنه قبض عليه بعيد وصوله وقتل. وأما فولاذ، فاعتقل ms097 ثم ~~حمل إلى قلعة نهر. # وسار أبو على التميمي من دير العاقول إلى مدينة السلام بعد انحدار صمصام ~~الدولة فدخلها وسكن البلد. وورد شرف الدولة ونزل الشفيعى فى شهر رمضان ~~واجتمع فى عسكره من الديلم الواردين والمقيمين تسعة عشر ألف رجل ومن ~~الأتراك ثلاثة آلاف غلام فاستطال الديلم على الأتراك فوقعت بينهم مناوشة. ### ||||| ذكر الفتنة التي جرت بين الديلم والأتراك # كان الديلم قد أعجبهم كثرتهم وغرتهم قوتهم فجرت منازعة بين نفر من ~~الطائفتين فى دار وإصطبل جرت خطبا عظيما: # فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها كلام [1] # فاجتمع الديلم بالحلبة وركب الغلمان وجرت بينهم حرب كانت [194] اليد فيها ~~للديلم. وقيل: إنهم ذكروا صمصام الدولة وهموا بانتزاعه. ### ||||| ذكر اتفاق سلم به صمصام الدولة من القتل بعد إشرافه عليه # قال أبو منصور أحمد بن الليث: حدثنى صمصام الدولة قال: # كنت فى خركاه بالشفيعى وليس بيني وبين شرف الدولة إلا لبدها وثوب ~~PageV07P159 # خيمة تجاورها، وقد ثارت الفتنة وذكرت فى الديلم، فسمعت نحرير الخادم يشير ~~على شرف الدولة بقتلى ويقول: # - «نحن على شرف أمر عظيم فما يؤمننا أن يهجم الديلم علينا وينتزعونه من ~~أيدينا فيصير إلى الملك ونصير إلى الأسر.» وشرف الدولة يمتنع عليه وعلى من ~~كان يشد رأيه فلما زاد الأمر أقيم على باب الخركاه التي كنت فيها غلام بسيف ~~وأظنه وصى بقتلى إن هجم الديلم فارتعت وأقبلت على القراءة فى مصحف كان فى ~~يدي، واستخلصت فى الدعاء إلى الله تعالى بالخلاص، ففضل الله بالسلامة وتفرق ~~جمع الديلم. ### ||||| ذكر تفريط جرى من [195] الديلم فى هذه الحرب حتى آل أمرهم إلى التشرد والهلاك # كان الاستظهار للديلم على الأتراك فى أول الأمر، لأنهم أفلتوا من أيديهم ~~مولين. فحملهم الحنق والطمع فيهم حين قلوا فى أعينهم على تتبع آثارهم ~~وتشوشت مصافهم والديلم إذا اضطربت تعبيتهم بانت عورتهم. فوجد الأتراك مجالا ~~من ورائهم وأمامهم فحملوا عليهم من وجوههم وظهورهم. وكانت الدائرة على ~~الديلم ولم يمض إلا ساعة حتى قتل منهم زهاء ثلاثة آلاف رجل وكر الغلمان إلى ms098 ~~البلد فنهبوا دورهم واحتووا على أموالهم وقتلوا كل من أدركوه منهم، وتشرد ~~الديلم فبعض أصعد إلى عكبرا وبعض مضى إلى جسر النهروان، ولاذ الأكثر منهم ~~بخيم شرف الدولة. # وبان سداد الرأى الذي كان رآه زيار لصمصام الدولة فى الإصعاد إلى عكبرا. ~~فلو أنه قبل منه لكان مع هذه الفتنة قد ثاب أمره إلى الصلاح لكن القدر غالب ~~والتسليم للقضاء واجب. # ودخل شرف الدولة [196] فى ثانى هذا اليوم والديلم اللائذون به قد PageV07P160 ~~أحدقوا بركابه ونزل فى المضارب تحت الدار الملكية. # وركب الطائع لله فى غد فى الحديدى مهنئا له بالسلامة، وتلقاه شرف الدولة ~~إلى آخر دار الفيل، فقبل الأرض بين يديه وعاد الطائع لله إلى الدار. # ووقع الشروع فى إصلاح ما بين الديلم والأتراك فيسر الله إتمامه وأخذت ~~العهود على الطائفتين فتصالحوا وتواهبوا وتهذبت الأمور وجرت على الإرادة ~~وكان ذلك من أقوى دلائل الإقبال والسعادة. ### ||||| ذكر جلوس شرف الدولة للتهنئة وما جرى أمر صمصام الدولة عليه فى الاعتقال # لما حضر عيد الفطر جلس شرف الدولة جلوسا عاما، ودخل الناس على طبقاتهم. ~~وجاء صمصام الدولة فقبل الأرض بين يديه ووقف من جانب السرير الأيمن وجاء ~~بعده الأمير أبو نصر ابن عضد الدولة وفعل مثل ذلك ووقف. وحضر الشعراء ~~فأنشدوا، وعرض بعضهم [197] بذكر صمصام الدولة بما فيه غميزة عليه، فأنكر ~~شرف الدولة ذلك ونهض من المجلس. # ولم يعرف لصمصام الدولة خبر بعد ذلك الموقف حتى قيل: إنه حمل إلى فارس ~~فاعتقل فى القلعة وسيأتي ذكر ما جرى عليه الأمر فى كحله، ثم عود الملك إليه ~~بفارس فى موضعه، بأذن الله. # ولما حصل شرف الدولة بمدينة السلام سأل عن أبى الريان وطلب فوجد ميتا ~~مدفونا بقيوده فى دار أبى الهيجاء عقبة بن عتاب الحاجب، وكان سلم إليه بعد ~~القبض عليه وأمر بقتله فقتله. فأخرج من مدفنه وسلم إلى أهله. # وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة أبى القاسم المظفر بن على الملقب. # بالموفق أمير البطيحة واستقرار الأمر بعده لأبى الحسن على بن نصر بالعهد ~~الذي ms099 عهده إليه حسب ما تقدم ذكره، وكتب إلى شرف الدولة ببذل الطاعة PageV07P161 ~~والخدمة ويسئل التقليد والتلقيب والخلع. فأجيب إلى ذلك جميعه ولقب ~~بالمهذب، أولا ثم بمهذب الدولة، من بعد. ### ||||| ذكر استقرار الإمارة بالبطيحة على الملقب بمهذب الدولة [198] # لما توفى المظفر انتصب أبو الحسن على بن نصر فى موضعه. وكان أبو الحسن ~~على بن جعفر يفوقه فى كثير من الخلال سخاء وشجاعة وأبوة ولكنه قدمه ووطئ ~~عنقه تمسكا بالوصية التي أحكم المظفر عقدها وقلدهما عهدها. # وكان مع تقديمه إياه ينزل نفسه منه منزلة المشارك فى الأعمال والمشاطر فى ~~الأموال. فأبقاه على بن نصر وقاربه وأفرد له النواحي الكثيرة والمعايش ~~الجليلة، وخلى بينه وبين ارتفاعها. # واستمرت الحال على ذلك [إلى] أن توفى على بن جعفر فارتجع على بن نصر ما ~~كان فى يديه سوى أملاكه الصحيحة فإنه أقرها على ولديه. # وتدرجت الأحوال لعلى بن نصر الملقب بمهذب الدولة فى أفعاله الرضية الى ~~الرتبة العلية حتى عظم قدره وسار ذكره واستجار به الخائف فأجاره بأمانه ~~ولاذ به الملهوف، فوطأ له كنف إحسانه وسلك بالناس طريقة جميلة فى العدل ~~والإنصاف وصارت البطيحة معقلا لكل من قصدها من الأطراف واتخذها الأكابر ~~وطنا فبنوا فيها الدور وشيدوا فيها القصور، وقصدها المسترفد [1] [199] ~~والشعراء من كل صوب وفج إلى بابه، فأوسعهم جودا ونوالا وإكراما وإفضالا. # وكاتب ملوك الأطراف وكاتبوه وقاربهم وقاربوه وزوجه بهاء الدولة ابنته ~~PageV07P162 # ونقلها إليه، واستعان به فى عدة أوقات فأعانه واستدان منه فأدانه، وخطب ~~له بواسط والبصرة وأعمالها وصرفت إليه الدنيا أعنة إقبالها. # وتوجت الأيام مفرق مفاخره بمقام القادر بالله رضوان الله عليه فى جواره ~~فضاعفت له هذه المنقبة حسبا وصارت له إلى استحقاق المدح سببا ولولا كرم ~~نفسه وخيرها لما مدحت البطيحة ولا أميرها: # نفس عصام سودت عصاما ... وعودته الكر والإقداما # وهذه عقبى أفعال الخير، فإنها تبلغ بصاحبها درجة توفى على آماله وتنتهي ~~به إلى منزلة لا تخطر بباله. فالسعيد من قدم عملا صالحا لأخراه وخلف ذكرا ~~جميلا فى دنياه. # وسيأتي ما تصرفت به ms100 الأمور فى مواضعه بعون الله تعالى وحسن توفيقه. ### ||||| ذكر ما اعتمده شرف الدولة من الأفعال [200] الجميلة عند استقراره بمدينة السلام # رد على الشريف أبى الحسن محمد بن عمر جميع ما كان له فى سائر البقاع من ~~الأملاك والضياع، وجدد عنده آثار النعمة والاصطناع. فاستضاف ضياعا إلى ~~ضياعه وتضاعفت موارد ارتفاعه، فكان خراج أملاكه فى كل سنة ألفى ألف ~~وخمسمائة ألف درهم يصححها فى ديوان السلطان، وناهيك بذلك ثروة حال وكثرة ~~استغلال. # ورد على الشريف أبى أحمد الموسوي أملاكه وأقر ابن معروف على قضاء PageV07P163 ~~القضاة وراعى لكل من الكتاب والمتصرفين معه [1] وادر عليه معيشة ورزقة ~~ورفع أمر المصادرات وقطع أسبابها وردم [2] طرق السعايات وسد أبوابها. ### ||||| ذكر اتفاق عجيب دل على حسن نية وعاد بصرف أذية # ذكر أبو الفضل مهيار بن حاتم المجوسي أستاذ الدار أنه سلم إلى شرف الدولة ~~[201] مدرجا فيه سعاية، فوقف عليه وطواه وتركه على كرسى مخاده ونهض من ~~مجلسه وانسيه. فلما كان بعد أيام ذكره فقال لى: # - «يا با الفضل، امض الى ذلك المجلس واطلب مدرجا تركته هناك.» فمضيت إلى ~~المكان فلم أجده، وسألت عنه فلم أعرف خبره. فعدت إليه فأخبرته فشق عليه ~~وشدد على فى الكشف عنه. فخرجت من بين يديه وأنا قلق لما رأيت من شغل قلبه، ~~وأحضرت كل حاضر فى الدار وغائب عنها من الحواشي والفراشين وبالغت فى الوعيد ~~والتهديد وكدت أوقع ببعضهم. # فبينما أنا فى ذلك إذ حضر فراش ومعه قطعة من قرطاس وقال: # - «وجدت الغزلان عند المخاد وقد أكل أكثره وبقيت منه بقية هي هذه.» فدخلت ~~إلى شرف الدولة وشرحت له ما قال الفراش وأريته القطعة الموجودة. فلما ~~تأملها سرى عنه وقال: # - «هذه قطعة من المدرج وقد كنت عازما على تعفية أثره لئلا يقف أحد على ~~خبره. فإذا كان الغزال قد كفانا أمره فقد أراد الله تعالى بذلك صرف الأذى ~~عن الناس، ولعن الله الشر وأهله.» فانظر إلى آثار الخير ما أحسن موضوعها، ~~وأصغ إلى أخبار العدل ما PageV07P164 # أطيب مسموعها، وقسها بضدها من ms101 الشر والظلم [202] تجد لهما منظرا فظيعا ~~ومسمعا شنيعا. فطوبى لمن حكم فى التمييز سمعه وبصره، ثم وفق فى الإختيار ~~للأحسن وتتبع أثره. # ونظر أبو نصر سابور بن أردشير فى الأعمال والمعاملات وغمس يده فيما انحل ~~عن الديلم من الإقطاعات ونظر فى الأمور ونفذها إلى حين ورود أبى منصور محمد ~~بن الحسن بن صالحان على ما يأتى ذكره. ### |||| ودخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة # فيها ورد الأمير أبو منصور وتلقاه الناس كافة من مدينة السلام إلى ~~المدائن. ثم تلقاه شرف الدولة إلى الشفيعى فدخل البلد على غاية الإكرام. # وانتظمت الأمور على يديه كل الانتظام وطالب العمال بعمل المصالح وأخذهم ~~بإقامة العمارات ووجد الأسعار متزايدة والأقوات متعذرة فرتب نقل الغلات من ~~بلاد فارس فى البحر وجد فى حملها من كل بلد. # واستتر سابور ابن أردشير مدة، ثم توسط أبو بكر الفراش حاله على أخذ ~~الأمان له من أبى منصور فآمنه. ### ||||| ذكر بعض أخلاقه وطرائقه [203] # كان الغالب عليه فعل الخير وإيثار العدل وحسن الطريقة فى الدين. فإذا سمع ~~الأذان بالصلاة ترك جميع شغله ونهض من مجلسه لأداء فرضه، ثم عاد بعد ذلك ~~إلى أمره. # قال صاحب التاريخ: # - «ما رأينا وزيرا دبر من الممالك ما دبره، فإن مملكة شرف الدولة أحاطت ~~بما بين الحد من كرمان طولا إلى ديار ربيعة وبكر، وعرضا إلى PageV07P165 ~~الإحساء والرقة والرحبة وحلوان. # وكانت له تجارات وحمولات بنيسابور تقبل توقيعاته عليها فى المعاملات وإنه ~~عرضت عليه رحال باستحقاق بعض الجند والحواشي فوقع بمالها على الموصل وعمان ~~نصفين [1] .» ونحن نقول: كيف به لو أدرك زماننا ورأى هذه الدولة القاهرة ~~التي تجول عساكرها وجند ملكها فى الأقطار [2] بأمره، فترد مشارع الخليج كما ~~ترد مشارع جيحون وسراياها الآن بالخفار قاربة لورد النيل، وكفى بما بين هذه ~~الموارد الثلاث ممالك واسعة الطول والعرض، وأوامر وزيره نافذة فيها ~~بالإبرام والنقض، والدهماء ساكنة فى جميعها برأيه وتدبيره، والهيبة ضابطة ~~لجميعها بسياسة وتقريره. # وأين من يوقع على الموصل وعمان ممن يوقع على أعمال الشام وأقاصى خراسان! ~~إن الفرق ms102 بينهما بعيد: # تريني السها [204] وأريه القمر وأى فخر فى أن يقبل فى بلاد المخالفين خط ~~يكتب على معاملة تاجرية [3] فإن يكن ذلك من جملة المناقب فأمر التجار إذا ~~أنفذ فى المشارق والمغارب. لأنهم يكتبون بالأموال الجمة على معاملاتهم ~~فيكون أسرع فى الرواج من مال الجباية والخراج. وإنما الفخر فى نفاذ الأحكام ~~على البلاد التي مهدتها السيوف للأقلام والملك ما قطر الدم من الصفائح فى ~~افتتاح أعماله ثم جرى المداد فى الصحائف بإطلاق أمواله. PageV07P166 # وليس هذا موضع بسط المقال فى ذكر هذه الفضائل ولكنا ننتهز الفرصة أولا ~~فأولا فى إقامة الشواهد والدلائل على تفصيل والدليل على تفضيل زماننا حسب ~~[1] ما قدمنا ذكره فى صدر كتابنا هذا لتكون أقوالنا محققة بالبيان ودعاوينا ~~مصدقة بالبرهان. فأحسن القول ما صاحبه الصدق فزانه، وأسوأه ما مازجه الكذب ~~فشانه. والله تعالى ولى حسن التوفيق بمنه. # ونعود إلى سياقة التاريخ. # وفى هذه السنة ندب قراتكين الجهشيارى لقتال بدر بن حسنويه وخلع عليه ~~الخلع الجليلة وفيها السيف والمنطقة الذهب وخرج شرف الدولة إلى معسكره ~~لوداعه. [205] ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر قراتكين فى هذا الوجه # كان شرف الدولة مغيظا على بدر بن حسنويه لانحرافه عنه وتحيزه إلى فخر ~~الدولة فلما استقرت قدمه وقرب من طاعته كل جامح شرع فى تدبير أمر بدر. وكان ~~قراتكين قد جاز الحد فى التبسط، فرأى أن يخرجه فى هذا الوجه. فإما أن يظفر ~~ببدر ويشفى منه صدره وإما أن يستريح من قراتكين فيلغى أمره. فجرد معه من ~~العساكر وأصحبه من الخزائن ما استظهر فيه وعرف تداريجه فاستعد واحتشد ~~وتلاقيا على الوادي بقرميسين. ### ||||| ذكر خدعة تمت لبدر على قراتكين وعسكره لتفريطهم وقلة حزمهم # لما تواقعوا انهزم بدر حتى توارى عنه، وظن قراتكين وعسكره أنه قد ~~PageV07P167 # مضى على وجهه. فنزلوا عن خيولهم وتفرقوا فى خيمهم فلم يلبثوا ساعة [206] ~~حتى كر بدر راجعا وأكب عليهم إكبابا أعجلهم من الاستعداد والتجمع وقتل منهم ~~مقتلة عظيمة واحتوى على جميع ما فى معسكرهم. # وأفلت قراتكين بحشاشة نفسه فى شرذمة من ms103 غلمانه وعاد فى يومين إلى جسر ~~النهروان وتلاحق الفل به واحد بعد واحد، وحمل إليه من بغداد ما لم به شعثه ~~ودخل إلى داره. واستولى بدر بعد ذلك على أعمال الجبل وما والاها وقويت ~~شوكته. ### ||||| ذكر ما جرى عليه حال قراتكين بعد عوده فى سوء تدبيره وما انتهى أمره إليه حتى آل إلى قتله # قد تقدم القول فيما كان حصل فى نفس شرف الدولة منه لإسرافه فى استعمال ~~الدالة واستيلاء كتابه وأصحابه والتجاء كل متعزز إلى بابه. وعاد من الهزيمة ~~المذكورة وقد زاد تجنيه وتغضبه وتضاعفت تبسطه وتسحبه، وأغرى الغلمان ~~بالتوثب فى دار المملكة على الوزير أبى منصور حتى لقوه بالصعب، وقالوا له: # - «أنت كنت السبب [207] فى هزيمتنا بتأخيرك المال والسلاح والنجدة عنا.» ~~فلوطفوا ودفعوا عنه. ثم وقع الشروع فى إصلاح الحال بين الوزير وبين قراتكين ~~فتم. # وأسر شرف الدولة من ذلك غيظا فكتمه فى قلبه وأمسك مرويا فى تدبير خطبه. ~~فلم تمض أيام حتى قبض عليه وقيد ثم قتل من يومه وأنفذ إلى داره من قبض على ~~أصحابه وكتابه واحتاط على معاملاتهم وأسبابهم. وخاض الغلمان فى الشغب ~~لأجله. فلما أيقنوا بقتله وأرضى أكابرهم تبعهم أصاغرهم PageV07P168 ~~فأمسكوا. # وقدم طغان الحاجب بينهم وأقيم مقامه فيهم. فلزموا بعد ذلك الطريقة السوية ~~واستشعروا المراقبة والتقية. # ومن أعظم الأغلاط دالة الأتباع على السلاطين وإن سبقت خدمهم وسلفت حرمهم. ~~فإنها موذنة بزوال نعمهم منذرة بورود مناهل الحمام. # ومثل المدال على السلطان بتمكنه منه كمثل راكب الأسد: فبينما تراه عزيزا ~~رفيعا إذ صار بين براثنه ذليلا صريعا ألا وأن ذلك لمن أخطر المراكب وأحقها ~~بسوء العواقب. # وكفاك بقصة قراتكين تذكرة وتبصرة. # ولما تمهدت الأمور عقد مجلس حضره الأشراف والقضاة والشهود [208] وجددت ~~التوثقة فيه بين الطائع لله وبين شرف الدولة، واستقر ركوب شرف الدولة إلى ~~دار الخلافة. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى جلوس الطائع بحضور شرف الدولة # ركب شرف الدولة فى الطيار بعد أن ضربت له القباب على شاطئ دجلة وزينت ~~الدور التي عليها فى الجانبين ms104 بأحسن زينة، وجلس الطائع لله جلوسا عاما وخلع ~~عليه الخلع السلطانية وتوجه وسوره وطوقه وعقد له بيده لوائين أسود وأبيض ~~وقرئ عهده بين يديه. # وخرج من حضرته فدخل على أخته المتصلة بالطائع لله، وأقام عندها إلى وقت ~~العصر، ثم انكفأ إلى داره والناس مقيمون على انتظاره. # ولما حمل اللواء تخرق وانفصلت منه قطعة، فتطير من ذلك. فقال له الطائع ~~لله: PageV07P169 ~~- «إنما حملت الريح منه قطعة، وتأويل ذلك أن تملك مهب الريح.» وكان أبو ~~عبد الله محمد بن أحمد معروفا فى جملة من حضر مع شرف الدولة. فلما رآه ~~الطائع لله قال له: # مرحبا بالأحبة القادمينا ... أو حشونا وطال ما آنسونا.» # [209] فقبل الأرض وشكر ودعا. # وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة سعد الحاجب بالموصل. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر سعد بعد انحدار زيار من الموصل إلى أن توفى # لما أراد زيار الانحدار أقر سعدا على الحرب وأبا عبد الله ابن أسد على ~~الخراج. فلم يلتئم ما بينهما وحصلا على وحشة. # وورد شرف الدولة مدينة السلام فكاتب سعدا بإقراره على الأمر تأنيسا له ~~وكان من عزمه أن يضربه بأبى على التميمي بوعد سبق من شرف الدولة إليه فمات ~~أبو على وبطل ذلك. # وعرف شرف الدولة ما يجرى بين سعد وأبى عبد الله ابن أسد من الخلف فى ~~الأمور، فأمر باستدعاء ابن أسد وترتيب ابن أخيه فى مكانه نائبا عنه وكتب ~~سعد يذكر تضاعف ما تأخر للأولياء من أرزاقهم وفرط مطالبتهم بما اجتمع فى ~~استحقاقهم، فعول به فى الجواب على بقايا للموصل وأعمالهم [1] بحسب ما ذكره ~~ابن أسد بالحضرة. # وأخرج إليه أبو سعد الحسن بن عبد الله الفيروزآباذي وأمر بمناظرة الديلم ~~PageV07P170 # على النزول عن الفائت جميعه أو معظمه. فلما وصل أبو سعد إلى [210] ~~الحصباء خيم بها فحمل إليه سعد أنزالا فلم يقبلها. ### ||||| ذكر رأى سيء لأبى سعد من رد ما حمله ومكيدة لسعد تمت عليه # كان من غلط الرأى ما اعتمده أبو سعد من رد ما حمله إليه سعد من الأنزال. ~~فإن ذلك ms105 عاد بسوء ظنه فيه وأوجس فى نفسه أنه لم يفعل ذلك إلا عن قاعدة ~~أحكمت فى طلب مكروهه. # وكان الديلم يميلون إلى سعد ويطيعونه، فأوحشهم من أبى سعد ووضعهم باطنا ~~على الإيقاع به فشغبوا وراسلوا سعدا: بأنك لم تزل تعدنا وتمطلنا بورود من ~~يرد من حضرة السلطان للنظر فى أمورنا وقد ورد هذا الرجل وما رأينا وجها لما ~~كنا نتوقعه وبلغنا أنه معول على المسير إلينا لاستنزالنا عن أموالنا ~~وإرضائنا من البقايا وهذا مما لا نقنع به. # فأجابهم جوابا ظاهرا أسكتهم به وراسل أبا سعد بأن: الصواب أن ترفق بهم ~~إذا راسلوك رفقا لا تلين لهم فيه وتستوفى عليهم استيفاء لا تنفرهم به. # فلما حضره رسلهم [211] غلظ فى جوابهم فوثبوا به وهموا بقتله فهرب وألقى ~~نفسه إلى دجلة فاستنقذ منها إلى بعض السفن وهو مجروح وعبر إلى الجانب ~~الشرقي إلى أن سكنت النائرة. ثم رده سعد الحاجب وأنزله داره وأمر بمداواته ~~مما به. # ومضت أيام فاعتل سعد الحاجب وقضى نحبه- وقيل إن أبا سعد الفيروزآباذي ~~واطأ بعض خواصه على سمه- فلما توفى ظهر أبو سعد وجلس فى داره واحتاط على ~~ماله وتولى الأمور إلى أن وصل إليه من الحضرة من اجتمع معه على تحصيل ~~التركة وحملها. # PageV07P171 # وأخرج أبو نصر خواشاذه إلى الموصل لحفظ أكنافها وزم أطرافها. # وتجدد لباد بن دوشنك مع وفاة سعد الحاجب طمع فى التغلب على البلاد فصار ~~إلى طور عبدين وهو جبل مطل على نصيبين. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى نصر خواشاذه مع باد عند إصعاده من الموصل # لما عرف أبو نصر الخبر دعته الضرورة لقصد نصيبين لدفع باد [212] فكتب إلى ~~الحضرة يستمد ويستنجد، فأمد وأنجد بما هو غير كاف، وخاف أن يجرى حاله مع ~~باد على ما جرت عليه حال أبى سعد بهرام وأبى القاسم سعد فاستدعى بنى عقيل ~~واستدناهم وعول فى حرب باد عليهم، لأنهم أخف خيولا وأسرع خروجا وقفولا ~~والأكراد خيولهم بطاء وعددهم للحرب ثقال. ### ||||| ذكر رأى رآه أبو نصر فى إقطاع البلاد حين تعذرت ms106 عليه وجوه الإطلاق # كان الوزير أبو منصور يقصده لشغب بينهما، فأخر أمره وعلله بالمواعيد ثم ~~كان قدر ما حمله له بعد تلك المواعيد المكررة ثلاثمائة ألف درهم، وأين يقع ~~ذلك القدر من مثل هذا الخطب! وكان أبو نصر يعلل من معه بوصول الحمل. فلما ~~عرف مبلغه رأى أن يكتم أمره خوفا أن يظهر فتنقطع الآمال وتتفرق الرجال، [1] ~~ويهجم عليه باد فينهزم بأسوأ حال. # فعدل إلى تفرقة البلاد على العرب وتسليمها إليهم وقال: PageV07P172 # - «هذه بلاد بإزاء عدو وقد استفحل أمره وإذا حصلت لهؤلاء العرب دفعوا ~~عنها فى عاجل الحال لنفوسهم دفع القوم عن حريمهم. فإن قوى أمر السلطان ~~[213] كان انتزاعها من أيديهم أسهل من انتزاعها من يد باد. # فكان الواحد منهم يكتب قصة ويسأل فيها إقطاعه الخربة الفلانية- وتكون ~~ضيعة جليلة- فيوقع له بها من غير إخراج حال ولا تعرف ارتفاع. وارتفق كاتبه ~~على ذلك أموالا جمة. ### ||||| ذكر حيلة سحر بها باد عين من بإزائه واسترهبهم # كان يقيم البقر على رؤس الجبال ويجعل بينها رجالة يبرقون بالسيوف والحراب ~~فإذا شوهدوا من بعد ظنوا رجالا فلا يقدم العسكر على الصعود إليهم. # فاتفق أنه نزل أخ لباد وقاتل قوما من العرب فقتل وبلغ قتله من باد كل ~~مبلغ وضعف أمره. فبينما هو فى ذلك إذ ورد الخبر على أبى نصر بوفاة شرف ~~الدولة فكتمه وعاد إلى الموصل فأظهر فيها العزاء به. # وانفسح باد وأصحابه وتمكن من طور عبدين واستضافها إلى ديار بكر ولم يقدم ~~على الإصحار خوفا من العرب. فصار الجبل له والسهل لبنى عقيل ونمير. # وكان أبو نصر على إصلاح أمره ومعاودة حرب باد إذ أصعد إبراهيم وأبو عبد ~~الله الحسين ابنا ناصر الدولة [214] إلى الموصل. # وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمرهم من بعد بإذن الله تعالى. ### |||| ودخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة # فيها قبض على شكر الخادم من الموضع الذي كان مستترا فيه وحمل إلى PageV07P173 ~~حضرة شرف الدولة وعلى أبى منصور أحمد بن عبيد الله بن المرزبان الشيرازي ~~لأجله. ### ||||| شرح الحال فى ذلك # كان ms107 شكر قد أسلف إلى شرف الدولة ما أوحشه وتولى إبعاده عن بغداد إلى ~~كرمان فى حياة عضد الدولة وقام بأمر صمصام الدولة، فحقد عليه شرف الدولة. ~~فلما انحل أمر صمصام الدولة ووقع اليأس منه خاف شكر. # وكان أبو منصور أحمد بن عبيد الله بن المرزبان الشيرازي صديقا خصيصا له ~~فقال له: # - «شرف الدولة قد أقبل وأرى الاستظهار لنفسي بالاستتار ثم أعمل الحيلة فى ~~الخروج عن البلد فأعد لى موضعا عندك لأصير إليك.» فقال له أبو منصور: # - «أما حصولك فى دارى فلا يخفى لكثرة من يطرقها ولكن أختار لك مكانا ~~منه.» فلما كان فى [215] الليلة التي انحدر فيها صمصام الدولة إلى شرف ~~الدولة استدعى من قبل أبى منصور من يصير به ليلا إلى الموضع الذي أعده. ~~فأنفذ إليه زوجته بنت أبى الحسين ابن مقلة ونزل شكر فى سمارية وأصعد إلى ~~الجسر كأنه ماض إلى عكبرا. ثم انتقل إلى سمارية أخرى مع المرأة ولبس خفا ~~وإزارا كان قد استصحبهما وصارت به إلى دار أبى بكر محمد بن موسى الخوارزمي ~~الفقيه، فأقام عنده مديدة. # ففطن به فانتقل إلى دار رجل بزاز فى رحبة خاقان يعرف بابن هارون كان أبو ~~منصور الشيرازي يثق به. # PageV07P174 ### ||||| ذكر رأى سديد رآه البزاز وقبله شكر ثم خالفه فيه من بعده # قال له: # - «أيها الأستاذ، ملاك أمرك وأمرى فى سترك أن أتولى خدمتك ولا يدخل إلى ~~بيني وبينك وبين هذه المرأة- أشار إلى زوجته- رابع.» فقال: «افعل.» فقام ~~الرجل بخدمته. فلما مضت مدة راسل شكر أبا منصور وقال له: # - «لى جارية حبشية، وأنا أثق بها وأريد أن تتولى خدمتي.» فأجابه: بأننى ~~لا آمن عليك. # فراجعه حتى استقر الأمر على [216] إحضارها فأحضرت وأقامت معه. # وكان قد علق قلبها بهوى. فكانت تأخذ من الدار المأكول وغيره وتخرج إلى ~~حيث يدعوها هواها وربما احتبست فى أكثر الأوقات فلحق شكرا ضجر من فعلها ~~ومنعها من الخروج فلم تمتنع. ### ||||| ذكر فساد رأى شكر فيما دبر به أمره # لم يقنع بما غلط فيه من الخروج بسره إلى ms108 غير أهله وقد قيل فى المثل «لا ~~تفش سرك إلى أمة» حتى غلط ثانيا بالضجر فى غير وقته. فإنه لما كثر ضجره ~~منها رماها فى بعض الأيام بحميدى أصاب به وجهها فخرجت من الدار غضبى ومضت ~~إلى باب شرف الدولة وصاحت «النصيحة النصيحة» فسئلت عنها فقالت: # - «لا أقولها إلا له.» فأدخلت الدار وأخرج إليها بعض خواص الحاشية، ~~فأخبرته بحال شكر. # PageV07P175 # فرتب مع صاحب المعونة من الخواص من يمضى للقبض عليه فقالت: # - «قد جرى بيني وبينه نفرة، وربما استوحش وانتقل، فابدءوا بدار أبى منصور ~~الشيرازي.» ففعلوا ذلك فما شعر أبو منصور وهو قاعد فى داره عند حرمه [217] ~~إلا بهجوم القوم عليه بغتة، فقبض عليه وفتشت الدور والحجر فلم يوجد شكر. # فمضوا إلى دار البزاز وكبسوها وأخذوا شكرا منها وحملا جميعا إلى حضرة شرف ~~الدولة. فأما شكر فإن نحريرا استوهبه قبل وصوله فوهبه له وعدل به إلى داره ~~وأحسن إليه. # ومضت مديدة وحضر وقت الحج فسأله الاستئذان له فى الحج فأذن له وخرج ثم ~~عدل عن مكة إلى مصر وحصل عند صاحبها. وأما أبو منصور فإنه اعتقل فتلطف ~~الوزير أبو منصور ابن صالحان فى أمره. ### ||||| ذكر تدبير لطيف عمله الوزير أبو منصور فى خلاص أبى منصور الشيرازي # قال لشرف الدولة: # - «هذا رجل إليه ديوان الضياع وعليه علق وحسبانات وأنا آخذه إلى الديوان ~~وأتولى محاسبته ومطالبته بما عليه.» فسلم إليه ونقله إلى حجرة تجاور داره، ~~وأولاه الجميل. ثم توصل إلى إطلاقه بعد شهور. # ولم يوجد فى بقية أحداث هذه السنة ما فيه ذكر تدبير وسياسة. [218] ### |||| ودخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة # فيها أنفذ الطائع أبا الحسن على بن عبد العزيز [بن] حاجب النعمان كاتبه PageV07P176 ~~إلى دار القادر بالله رضوان الله عليه، وهو أمير للقبض عليه فخباه الله ~~تعالى منه. ### ||||| ذكر السبب فى ذلك وما جرى عليه الأمر فيه # لما توفى اسحق بن المقتدر بالله والد القادر بالله رحمة الله عليهم، جرى ~~بينه وبين أخته آمنة بنت معجبة منازعة فى ضيعة وطال الأمر بينهما وعرضت ms109 ~~للطائع لله علة [1] أشفى منها ثم ابل. # فسعت آمنة بأخيها القادر بالله إلى الطائع لله وقالت له: # - «إنه شرع فى تقلد الخلافة عند علتك.» فظن ذلك حقا وتغير رأيه فيه. ~~وأنفذ أبا الحسن ابن حاجب النعمان وأبا القاسم ابن أبى تمام الزينبى [2] ~~العباسي الحاجب للقبض عليه فأصعدوا فى الماء إلى داره بالحريم الطاهري. # فحكى القاضي أبو القاسم التنوخي عن صفية بنت عبد الصمد ابن القاهر [219] ~~بالله قالت: # - «كنت فى دار الأمير أبى العباس- تعنى القادر بالله- يوم كبست بمن أنفذه ~~الطائع لله وقد جمع حرمه فى غداة هذا اليوم وكنت معهن. فقال لنا: # رأيت البارحة فى منامي كأن رجلا يقرأ على «الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» 3: 173 ~~PageV07P177 # [1] وقد خفت أن يطلبني طالب. وهو فى حديثه إذ شاهد زبزب ابن حاجب النعمان ~~قد قدم إلى درجة داره فقال: # - «إنا لله، هذا حضور مريب بعقب هذا المنام.» وصعد القوم من الزبزب إليه ~~وتبادرنا إلى وراء الأبواب، فقالوا له: # - «أمير المؤمنين يستدعيك.» فقال: «السمع والطاعة» . # وقام فقال له أبو الحسن: # - «إلى أين؟» فقال: «ألبس ثيابا تصلح للقاء الخليفة.» فعلق بمكه ومنعه. ~~فبرزنا إليه وأخذناه من يده ونزل إلى سرداب فى الدار ووقفنا فى صدره حتى ~~تخلص، وعاد القوم إلى الطائع لله وعرفوه الحال [2] .» وانحدر القادر بالله ~~بعد ذلك مستخفيا إلى البطيحة، فأقام عند مهذب الدولة إلى أن عقدت له ~~الخلافة. وجعل علامته حين تقلد الأمر «حسبنا الله ونعم الوكيل» 3: 173 ~~تبركا بالرؤيا التي رآها. # ومن بعد هذه [220] الحكاية نقول: إن الله تعالى إذا اصطفى عبدا أظهر عليه ~~آثار الكرامات ودل على اصطفائه بالآيات والعلامات، وإذا اختاره لأمر هيأ له ~~أسبابه وفتح عليه أبوابه ونجاه من كل سوء يخشاه وجعل إلى الخير مآله ~~وعقباه. # قال سبحانه فى محكم التنزيل «وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم ~~السوء ولا هم يحزنون» 39: 61. [3] PageV07P178 ### ||||| كحل صمصام الدولة # وفى هذا الوقت أخرج محمد الشيرازي الفراش لكحل صمصام الدولة. ### |||||| ذكر ms110 ما جرى عليه الأمر فى ذلك # كان نحرير الخادم يحض شرف الدولة على قتل صمصام الدولة ويقول له: # - «إنه ملك قد قعد على السرير ولا يؤمن الدهر وحوادثه ودولتك مع بقائه ~~على خطر.» فيعرض شرف الدولة عن هذا القول. فلما اعتل وأشفى ألح عليه فى ذلك ~~وقال له: # - «إن لم تر القتل فالكحل إذا.» فأخرج محمد الفراش لسمل صمصام الدولة، ~~وسلم إليه شيئا أمر بأن يكحله به ثلاثة أيام كحلا ويشد عليه عينيه. فمضى ~~الفراش. فقبل أن يصل توفى شرف الدولة. # فحصل الفراش بسيراف والقلعة التي فيها [221] صمصام الدولة كانت من ~~أعمالها وعاملها رجل يهودي يسمى روزبه. فذكر الفراش للعامل ما ورد فيه ~~فقال: # - «هذا أمر قد بطل حكمه مع وفاة شرف الدولة، ولا يجوز تمكينك منه إلا بعد ~~إعلام أبى القاسم العلاء بن الحسن الناظر.» فكتب إليه يستأذنه فعاد جوابه ~~بتمكينه مما ورد فيه. فقصد القلعة وكحل صمصام الدولة بما صحبه فذهب ناظره. # PageV07P179 ### ||||| ذكر قلة حزم فى استرسال عاد على صاحبه بوبال # كان فى جملة الموكلين بصمصام الدولة فراش يسمى بندارا وقد أنس به لتطاول ~~المدة. فقال له قول المترثى: # - «كيف الملك؟» فقال له بالاسترسال: # - «قد بقيت من نظري بقية أبصر بها من تلك الكوة.» فأعاد بندار قوله على ~~محمد. فاجتمعا على أن يحصا [1] عينيه بمبضع. # فلما عاد صمصام الدولة إلى الملك بفارس، رام بندار أن يخدمه على رسمه ~~فأمر صمصام الدولة بأن يكون مع الستريين [2] بالبعد منه. فقال بندار: # - «هكذا استحق من الملك بعد خدمتي له وصحبتي معه؟» فأعيد قوله عليه. ~~فقال: # - «أما يرضى بالإبقاء [222] عليه حتى يدل بهذه الدالة.» واتصل الحديث ~~بالأمير أبى طاهر واطلع على قصته، فأمر بأخذه وصلبه فصلب. وكان صمصام ~~الدولة يقول: # - «ما سملنى [3] إلا العلاء بن الحسن فإنه أمضى فى أمر ملك قد مات.» ولما ~~قبض عليه واقفه على ذلك ثم عفا عنه. # وحصل محمد الفراش ببغداد. فلما ورد عميد الجيوش أبو على الحسن بن أستاذ ~~هرمز من العراق قال: # - «أريد أن أشفى ms111 صدري بقتله جزاء له على سوء فعله.» PageV07P180 # فهرب منه إلى مصر وأقام بها إلى أن مات عميد الجيوش. # وفى هذه السنة توفى شرف الدولة وقام الأمير أبو نصر مقامه فى الملك. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى علة شرف الدولة واستقرار الأمر للأمير أبى نصر بعده # اعتل شرف الدولة العلة التي توفى فيها وكانت من استسقاء. فلما اشتدت به ~~ندب أبا على ولده إلى الخروج إلى فارس للنيابة عنه بها وأخرج معه والدته ~~وجماعة من حرمه وأصحبه جل عدده [223] من مال وسلاح وضم إليه عددا كثيرا من ~~وجوه الأتراك. # وعلى أثر انحدار ولده غلب عليه المرض حتى غلب اليأس منه على الرجاء فيه. ~~فاجتمع وجوه الأولياء وراسلوه باستخلاف الأمير أبى نصر فيهم إلى أن يبل من ~~مرضه فأجابهم إلى سؤالهم وروسل الأمير أبو نصر بالحضور، فامتنع وأظهر القلق ~~والجزع. # واستقرت الحال على إظهار استخلافه فى غد ذلك اليوم. وغدا الناس إلى دار ~~المملكة لذلك. فجرى من بعض القواد والخواص مطالبة باستحقاقهم خرجوا فيها ~~إلى التشديد، فتقوض الجمع من غير تقرير أمر. # وعاجلت شرف الدولة منيته. فقضى نحبه وكتم أمره ليلة واحدة وأصبح الناس ~~وعند أكثرهم خبره. واجتمع العسكر فطلبوا الأمير أبا نصر برسم البيعة وتردد ~~الخوض معهم فى أمر العطاء ومبلغ ما أطلق لكل واحد منهم. # فتولى خطابهم بنفسه وأعلمهم خلو الخزائن من المال الذي يعمهم ووعدهم بكسر ~~ما فيها من الأوانى والصياغات وضربها عينا وورقا وصرفها إليهم. وأطل المساء ~~وراحوا إلى منازلهم من غير استقرار وباكروا الغدو إلى الدار فوجدوا الأمير ~~أبا نصر قد أظهر المصيبة وجلس للتعزية [224] فأمسكوا PageV07P181 ~~عن الخطاب. وخرج تابوت شرف الدولة وتقدم للصلاة عليه أبو الحسن محمد بن ~~عمر العلوي وحمل إلى المشهد بالكوفة. # فكان مقام شرف الدولة ببغداد سنتين وثمانية أشهر وأياما وعاش ثماني ~~وعشرين سنة وخمسة أشهر، ثم بلغ الكتاب أجله ودعاه الداعي فاستعجله، وبزته ~~المنية ثوبي ملكه وشبابه واختطفته من بين حشمه وأصحابه، فمضى غضا طريا إما ~~سعيدا وإما شقيا فى سبيل ms112 لا بد للخلائق من سلوكها، ولا فرق فيها بين سوقتها ~~وملوكها. ولربما كانت السوقة أخف ظهورا وأسرع فى تلك الغمرات عبورا. # فأف لدار هذه صورة سكانها ولشجرة هذه ثمرة أغصانها! لقد ضل من اتخذ هذه ~~الدار قرارا واستطاب من هذه الشجرة ثمارا. فطوبى لمن قصر فى الدنيا أمله ~~وأصلح للآخرة عمله. قال الله تعالى: «إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن ~~الآخرة هي دار القرار» 40: 39. [1] وترددت بين الأمير أبى نصر وبين الطائع ~~لله مراسلات انتهت إلى أن حلف كل واحد منهما لصاحبه على الصفاء والوفاء ~~وركب الطائع لله من غد للعزاء. [225] ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى ركوب الطائع لله للتعزية # قدم الطيار على باب الدرجة، وفرش سطحه بدبيقى وعليه مقرمة ديباج حمراء ~~منقوشة ووسطه بديباج أصفر وعليه مقرمة دبيقية، ووقف الغلمان الأتراك ~~الأصاغر بالسيوف والمناطق فى دائر المجلس الأوسط ووافى PageV07P182 # حجاب شرف الدولة الأتراك والمولدون فى الزبازب بالثياب السود والسيوف ~~والمناطق وكل منهم قائم فى زبزبه واجتمع من السفن التي فيها العامة عدة ~~كثيرة. # وخرج الطائع لله من داره وتحته فرس صنابى بمركب خفيف وسرج مغرى [1] أحمر، ~~وعليه قباء ملحم أسود وعمامة خز سوداء على رصافية وهو متقلد بسيف، وبين ~~يديه خمسة أرؤس فوق سروجها جلال الديباج ونزل إلى الطيار فجلس فى المجلس ~~الأوسط على المقرمة فى الدست على خلاف عادة الخلفاء فإنهم كانوا يجلسون على ~~سطح حراقة وبين يديه مجلس طيار وقيل: إنه فعل ذلك لأنه كان فى عقيب علة، ~~وأراد أن يخفى ما بوجهه من آثارها. # فوقف بين يديه أبو الحسن على بن عبد العزيز كاتبه ودجى خادمه [226] ~~والعباس حاجبه. وسار الطيار إلى دار المملكة بالمخرم فنزل الأمير أبو نصر ~~متشحا بكساء طبرى والديلم والأتراك بين يديه وحواليه الى المشرعة التي قدم ~~إليها الطيار وقبل الأرض وصعد أبو الحسن ابن عبد العزيز إلى الأمير أبى نصر ~~فأدى إليه رسالة عنه بالتعزية، فقبل الأرض ثانيا ودعا وشكر. # وعاد أبو الحسن إلى حضرة الطائع لله وأعلمه شكره ودعاءه، وعاود الصعود ms113 ~~إلى الأمير أبى نصر لوداعه عن الطائع لله، فأعلمه شكره ودعاءه، فقبل الأرض ~~ثالثا وانحدر الطيار على مثل ما أصعد وعاد الأمير أبو نصر الى داره. # ثم ركب الأمير أبو نصر بعد خمسة أيام إلى حضرة الطائع لله، فخلع عليه ~~الخلع السلطانية ولقبه بهاء الدولة وضياء الملة، وقرئ عهده بين يديه ~~بالتقليد PageV07P183 # وقدم إليه فرس بمركب ذهب وقيد بين يديه آخر بمثل مركبه وسار العسكر ~~حواليه إلى باب الشماسية فى القباب المنصوبة ونزل إلى الطيار وانحدر إلى ~~دار المملكة. ### ||||| ذكر ما دبره بهاء الدولة عند قيامه بالملك [227] # أقر الوزير أبا منصور ابن صالحان على الوزارة وأصحاب الدواوين وغيرهم على ~~ما كان إليهم. ثم صرف أبا سعد ابن الخياط عن ديوان الإنشاء مع مد يده وعول ~~فيه على أبى الحسن على بن محمد الكوكبي المعلم، وخلع عليه الطائع لله وكناه ~~ولقبه بالكافي، وكانت الخلعة دراعة دبيقية [1] وعمامة قصب وحمله على فرس ~~بمركب. وقبض على نحرير الخادم وأبى نصر ابن كعب فاعتقلا ثم قتلا. ### ||||| فأما نحرير فكان هلاكه على يد الحسين الفراش، فأما أبو نصر ابن كعب فعلى يد أبى الحسن الكوكبي. شرح الحال فى ذلك # كان بهاء الدولة شديد الميل إلى نحرير كثير الثناء عليه. فلما توفى شرف ~~الدولة أراد منه أن يجرى فى خدمته على ما كان عليه فى خدمة شرف الدولة. ~~فامتنع نحرير وتظاهر بلبس الصوف، واجتهد معه كل الاجتهاد مراسلة بالشريف ~~أبى الحسن محمد بن عمر والوزير أبى منصور محمد بن صالحان ومشافهة بنفسه، ~~فما أجدى معه نفعا. [228] PageV07P184 ### ||||| ذكر ما ارتكبه نحرير من اللجاج حتى آل به شر مآل # لم تزل الحكماء وأولو العقول الراجحة يحذرون ركوب مطية [1] اللجاج، فإنها ~~كثيرة الكبوة والنفور، تلقى صاحبها إلى الورطة والثبور. # قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالأستاذ الفاضل: # كنت قائما بين يدي بهاء الدولة وهو يخاطب نحريرا ويقول له: # - «لا تزهد فى مع رغبتي فيك، فأنا أولى بك على ما كنت عليه من قبل.» ~~ونحرير يقبل الأرض ويستعفى. إلى ms114 أن انتهى بهاء الدولة إلى أن قال له باللغة ~~الفارسية وقد دمعت عيناه: # - «افعل لله.» فأقام نحرير على أمر واحد فى اللجاج الذي لا يقابل الملوك ~~بمثله وانصرف من بين يديه ودخل الحسين الفراش بعد ساعة وقال: # - «قد طلب نحرير عشرين ألف درهم من الخزانة.» فقال: «احملوها إليه.» ### ||||| ذكر حيلة عملها الحسين الفراش نفر بها قلب بهاء الدولة من نحرير حتى أمر بالقبض عليه [229] # لما حملت الدراهم إلى نحرير عاد الحسين الفراش وقال: PageV07P185 # - «عرفت أنه معول على الهرب فى هذه الليلة وأنه أخذ الدراهم وجعلها فى ~~أكياس نفقة الطريق.» فانزعج بهاء الدولة لذلك وسهر ليلته يراعيه وينفذ ~~فراشا بعد فراش إلى داره ليعرف ما هو فيه. إلى أن أسفر الصبح ولم يكن لما ~~ذكره الحسين الفراش أصل وإنما أراد الإغراء به. # وعطفت الجماعة بعد ذلك على بهاء الدولة باللوم له ولا سيما أبو الحسن ابن ~~عمرو فإنه كان عدوا لنحرير وقال: # - «أيها الملك قد أسرفت فى مداراة هذا الخادم إسرافا يشيع ذكره وأصر على ~~مخالفتك إصرارا يصغر عنه قدره.» وما زالوا بهذا القول وأمثاله حتى غيروا ~~رأيه فى نحرير وزادوا غيظه منه. # فحضر نحرير بعد أيام ومعه أبو نصر ابن كعب وكان خصيصا به، وأبو الحسن ~~محمد بن عمر وأبو منصور الوزير وأبو سعد ابن الخياط فى الحجرة مجتمعون، ~~فأذن بهاء الدولة فى القبض عليه. # ورأى أبو نصر أمارات التغير والتنكر، فأشار إلى بيده وقال: # - «ما الخبر؟» فأومأت إليه بالقيام فقام وتبعه أبو سعد ابن الخياط، وأخذ ~~أبو نصر ابن كعب إلى الخزانة فاعتقل فيها. وبقي أبو الحسن محمد بن عمر ~~ونحرير. فقال له محمد بن عمر: [230]- «يا هذا قد أسرفت فى الدولة ومن أنت ~~وما قدرك حتى تمتنع من خدمة هذا الملك العظيم؟» فأغلظ له فى القول ونحرير ~~مطرق. فلما زاد الأمر عليه رفع رأسه وقال له: # - «أيها الشريف، أين كان هذا القول منك فى أيام مولاي وأنت ترى PageV07P186 ~~أفضل آمالك إذا تبسمت فى وجهك؟ فأما الآن وأنا على ms115 هذه الحال فاستعمال ما ~~أنت مستعمله لؤم قدرة وسوء ملكة، وكيف ألام على ترك الدنيا بعد ملك ابتاعنى ~~بألف درهم، ثم رفعنى إلى أن كنت تخدمنى ولا أخدمك، وتحتاج إلى ولا أحتاج ~~إليك؟» فاغتاظ أبو الحسن ابن عمر وانصرف. # وأخذت بيد نحرير فأقعدته على الفراش من الأرض فقال لى: # - «أريد أن تحمل إلى مصحفا وأن تقول لمولانا الملك: ما كان امتناعي عليك ~~إلا ما جرت به الأقدار من إدبارى وقد خدمتك وخدمت أخاك وأوجبت عليك حقا ~~بذلك وأسألك أن لا تسلمني إلى عدو يشتفى منى وأن تكون أنت الآمر بما تفعل ~~بى.» وأعدت قوله على بهاء الدولة فقال: # - «ارجع إليه واحمل إليه مصحفا كما طلب وقل له: هذه ثمرة لجاجك، فإلى من ~~تريد أن أسلمك؟» وحملت إليه المصحف وأعدت عليه القول، فقال: «إلى أبى جعفر ~~الحجاج.» وعدت إلى بهاء الدولة فأعلمته، فاعترض [231] الحاضرون على ذلك، ~~فلم يصغ بهاء الدولة إلى أقوالهم وتقدم بحمله إلى أبى جعفر فحمل. ### ||||| ذكر مكيدة أخرى عملها الحسين الفراش ليتمكن بها من قتل نحرير # جاء الحسين الفراش بعد أيام، فقال لبهاء الدولة: # - «أيها الملك قد بلغني عن ثقة صادق أن أبا جعفر الحجاج معول على الركوب ~~فى غد و [على] مسئلتك فى أمر نحرير. فإن أجبته إلى ذلك أفرجت عن عدو لا ~~تأمنه فيما عاملته به، وقد علمت طاعة الأتراك له، وإن منعته PageV07P187 ~~أضفت إلى استيحاش نحرير استيحاش أبى جعفر.» قال: «فما الرأى؟» قال: «أن ~~تسبقه إلى أخذه من داره.» قال: «فإلى أين يحمل؟» قال: «إلى دارى التي نأمن ~~فيها على مثله.» فأمر عند ذلك بإنفاذ من يأخذه، فنقل واعتقل فى غرفة. # ومضت أيام واتفق أن بهاء الدولة خرج يوما فى آخر النهار من الحجرة ~~والحسين الفراش يسار أخاه وظهره إلى الموضع الذي خرج منه بهاء الدولة فلم ~~يشعر به، حتى رآه أخوه فأنذره. فأقبل إليه فقال له بهاء الدولة وقد رأى فى ~~وجهه وجوما وتغيرا: # - «فى أى شيء أنت؟» قال: «يا مولانا ذكر أخى أن ms116 جماعة من الغلمان الشرقية ~~[232] اجتازوا على دارى ورآهم نحرير من الغرفة فصاح إليهم وقال لهم: أنا ~~نحرير، فاهجموا على الدار واستخلصونى. فخاف الموكلون به أن يؤخذ من أيديهم ~~فقتلوه.» فقال: «ويلك ما تقول؟» قال: «ما يسمعه مولانا.» فورد على بهاء ~~الدولة من ذلك ما أزعجه وعرف بعد ذلك أن ما حكاه الحسين الفراش باطل، وأنه ~~هو الذي أمر الموكلين بقتله، فأسرها فى نفسه ولم يبدها له. # PageV07P188 ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى نصر ابن كعب فى قتله # كان أبو الحسن الكوكبي نقله إلى داره وأخذ منه مالا. فلما قتل نحرير خاف ~~أن يظهر ما وصل إليه منه. # قال أبو نصر المعروف بالأستاذ الفاضل: # كنت فى بعض الأيام جالسا مع الكوكبي، فوافاه بعض غلمان الخزانة وأسر إليه ~~شيئا لم أسمعه وعاد فقال لى الكوكبي: # - «أتدرى ما نحن فيه.» قلت: «لا.» قال: «قد أسقى ابن كعب السم دفعتين وما ~~عمل فيه، وسقى ثالثا وكان غاية فعله أن أظهر نفخا فى وجهه.» فوجمت من قوله. ~~فلما كان فى غد قال لى: # - «أعندك خبر ابن كعب؟» قلت: «لا.» قال: «لم ينفع ذلك السم حتى [233] ~~أعناه بالسيف» وهو يضحك. ### ||||| ذكر مقابلة عجيبة فيها عبرة وتذكرة # لما تجرأ الفراش والكوكبي على ما تجرءا عليه عجل الله الانتقام منهما ~~جميعا. فأما الفراش فإنه اعتقل فى دار نحرير وقتل بعد قليل، وأما الكوكبي ~~فإنه سقى السم عند قتله مرارا فلم يعمل فيه حتى خنق بحبل الستارة، وحضر بعض ~~الأتراك فوجأه بسكين كانت معه. # فانظر إلى هذه المقابلة الوجيعة الشريفة كيل الصاع بالصاع: PageV07P189 ~~كن [1] كيف شئت كما [2] تدين تدان وإذا كانت هذه حال الدنيا التي عود ~~الله فيها للمقابلة إمهالا، فما ظنك فى الآخرة التي جعل الله فيها لكل ذرة ~~مثقالا؟ فتعسا للظالم ما أشقاه وتبا له ما أجهله وأعناه. أتظن أنه ظلم ~~غيره؟ كلا، إنه ما ظلم إلا نفسه. أما تعلم أن الحاكم عدل وأن القضاء فصل؟ ~~فهلا أعد لموقف سؤاله جوابا فى اليوم الذي قال الله تعالى: ms117 «يوم ينظر المرء ~~ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا» 78: 40. [3] ### ||||| قتال بين الديلم والأتراك # وفى هذا الوقت جرت منافرة بين الديلم والأتراك أثارت من الصدور [234] ~~اضغاثا ولقحت بينهم حربا عوانا. وتحصن الديلم بالدروب وعظمت القصة واستمر ~~القتال بينهم حربا عوانا. وتحصن الديلم بالدروب وعظمت القصة واستمر القتال ~~أياما حتى برز بهاء الدولة إلى معسكر الأتراك وخيم عندهم لأنهم كانوا أخشن ~~فى القوة جانبا وألين فى الطاعة عريكة. # فتلافى الأمر وراسل الديلم ورفق بالأتراك حتى ألقت الحرب أوزارها ووقع ~~الصلح وعاد الأتراك إلى البلد وتواهبوا وتصافحوا وحلفت كل طائفة للأخرى. ~~PageV07P190 # وقويت شوكة الأتراك وعلت كلمتهم وضعف أمر الديلم بعد هذه الوقعة وتفرق ~~جمعهم وتسللوا فى كل طريق، ومضى فريق بعد فريق. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى على بعد انحداره # انحدر الأمير أبو على ومن فى صحبته على ما تقدم ذكره. فلما حصلوا بواسط ~~استعجمت عليه أخبار شرف الدولة وانقطعت النوبة المترددة بالكتب، فساءت ~~الظنون. ثم ورد عليهم ما دل على اليأس منه، فسار الأمير أبو على والأتراك ~~على الظهر وانحدرت الخزائن والحرم والأثقال إلى البصرة ووقع الاجتماع ~~بمطارا. # ووردت الكتب بوفاة شرف الدولة وانحدر [235] أبو شجاع بكران بن أبى ~~الفوارس والحاجب أبو على ابن أبى الريان ليرد الجماعة فأشير على الأمير أبى ~~على بالتعجيل إلى أرجان، [1] ففعل وصحبه خواص الحرم فى عماريات واستصحب ما ~~خف محمله وعول على طاهر بن زيد صاحب عبادان فى توجيه بقية الحشم والأثقال ~~التي معهم فى البحر إلى أرجان فقدم بتنفيذ شيء منها. # ووصل بكران وابن أبى الريان فاستوقفا كل من كان تأخر مع بقية الأثقال ~~وقالا لهم: # - «إنما وردنا لتطبيب قلوبكم.» [ثم] ورد الأمير أبو على إلى حضرة بهاء ~~الدولة عمه ليقضى فيه حق شرف الدولة عليه وأعاد الجماعة من عبادان إلى ~~البصرة. # ثم شغب الديلم بالبصرة وطلبوا رسم البيعة ولم يكن للمال وجه، فأخذ ~~PageV07P191 # بكران على سبيل القرض من تلك الثياب والصياغات شيئا كثيرا وصرفه إليهم ثم ~~وقع اليأس من عود ms118 الأمير أبى على فتسلم البقية. # وحصل الأمير أبو على بالرجال وكان أبو القاسم الرضيع بها على ما رتبه شرف ~~الدولة من النيابة عنه وحصل معهما عدد الأتراك وفيهم مثل خمارتكين الحمصي ~~[1] وأبو الغارات والبكى ومن يجرى مجراهم وكانوا جمهور العسكر فعملوا على ~~المسير إلى فارس. ### ||||| ذكر رأى رآه أبو القاسم [236] العلاء بن الحسن بالبادرة وندم عليه بعد الروية # لما انتهى إليه تميز القوم خاف أن يستقيم الدولة للأمير أبى على ولا يكون ~~له فيها قدم. فاستعجل بمكاتبة الأمير أبى على وأبى القاسم الرضيع وعرفهما ~~ما اعتمده من جمع كلمة الديلم على الطاعة. # وكان المرتب فى القلعة التي فيها صمصام الدولة والأمير أبو طاهر قد ~~أطلقهما وكذلك المرتبة التي فيها فولاذ بن ماناذر أيضا وحصل الثلاثة ... ~~[2] كلمة الديلم على تمليك صمصام الدولة وأبى طاهر ونادوا بشعارهما وقام ~~فولاذ بتقرير ذلك. # وندم أبو القاسم العلاء بن الحسن على مكاتبة الأمير أبى على، وعلم أن أبا ~~القاسم الرضيع باستيلائه سيستعلي عليه ويستبد بالأمر دونه، فكاتب صمصام ~~الدولة وأبا طاهر [و] فولاذ واستدعاهم ووعدهم ومناهم. وسار الأمير أبو على ~~حتى نزل على ثلاثة منازل من شيراز. PageV07P192 ### ||||| ذكر ما دبره أبو القاسم العلاء بن الحسن فى أمر الرضيع حتى قبض عليه [237] # اختار ستين رجلا من وجوه الديلم وواقفهم على أن يلتقوا الأمير أبا على ~~ويخدموه، ويعرفوه عن الأولياء طاعتهم له، ويطالبوه بالقبض على أبى القاسم ~~الرضيع قبل الدخول إلى البلد، وترتيب من يقوم مقامه بعد الاستقرار فيه. # وضمن العلاء بن الحسن لهؤلاء الوجوه إقطاعات الرضيع بفارس وكانت كثيرة ~~فطمعوا فيها وبالغوا فى خطابهم حتى أجيبوا إلى القبض على الرضيع وحمل إلى ~~العلاء بن الحسن فأنفذه إلى القلعة. وتمم الأمير أبو على والأتراك إلى ~~شيراز فخيموا بظاهرها. ### ||||| ذكر حيلة رتبها العلاء بن الحسن أفسد بها الحال بين الديلم والأتراك حتى بلغ غرضه # أحضر غلاما من الأتراك يعرف بانوشتكين وخدعه وقال له: # - «هل فيك لاستخدامك فى أمر يكون فيه رفع لقدرك وتقديم لمنزلتك؟» قال: ~~«نعم.» قال: «تعرض ms119 للديلم فتقتل منهم رجلين أو ثلاثة على سبيل الغيلة وتهرب ~~لاظهرك من بعد وأوفى لك بما وعدتك به.» فانخدع الغلام لجهله وخرج [238] ~~وصعد إلى حائط بستان ورمى رجلين من الديلم جازا تحته بفردات أصابت مقاتلهما ~~وثارت الفتنة بين الديلم والأتراك ثم وقع الشروع فى إصلاح ما بين الفريقين ~~وتم على ذحل. # وعدل العلاء بن الحسن إلى مراسلة الأمير أبى على ووالدته ويحذرهما من ~~الديلم وبوادرهم لما ظهر من ميلهم إلى صمصام الدولة وأبى طاهر. # PageV07P193 # فخرج الأمير أبو على من دار الإمارة مستخفيا بالليل إلى مخيم الأتراك ~~وتبعته والدته. # وأصبح الديلم قد أجمعوا رأيهم على الإبتداء بالأمير أبى على والاحتياط ~~عليه فوجدوهم قد برزوا إلى المعسكر فكشفوا القناع ونابذوا الأتراك وجرت ~~بينهم مناوشات فى عدة أيام. # ثم ارتحل الأتراك بالأمير أبى على وساروا إلى فسا، فوجدوا بها أبا الفضل ~~ابن أبى مكتوم عاملا وتحت يده مال معد يريد حمله إلى شيراز وعنده نحو ~~أربعمائة من الديلم. فراسلوه واستمالوه فمال إليهم واستوزره الأمير أبو على ~~وفرق المال المجتمع عليهم وحاصروا الديلم المقيمين بها فى دار لجأوا إليها. ~~فلما فتحوها قتلوهم بأسرهم وقوى أمر الأتراك بما حصل فى أيديهم من أسلابهم. # وعاد الأمير أبو على مع علافهم إلى أرجان ومضى البكى ومعه جمرة العسكر ~~إلى باب شيراز وقد حصل فيها صمصام الدولة [239] فأقاموا بظاهرها مدة ~~يقاتلون الديلم وينهبون السواد. ثم ضجروا من المقام فانصرفوا إلى أرجان. ### ||||| ذكر سوء تدبير ابن أبى مكتوم فى عداوة البكى حتى هلك # كان قد جرى بين [ابن] أبى مكتوم وبين البكى تنافر أصر البكى على عداوته ~~فيه. فلما قرب من البلد تلقاه الأمير أبو على [و] ابن أبى مكتوم معه يسير ~~على جانبه. فحين وقف للقاء الواردين سبقوا إليه وخدموه والبكى بمعزل عنهم. # ثم تقدم أحد الأتراك إلى ابن أبى مكتوم فجذبه بكم دراعته وساعده PageV07P194 ~~الباقون على سحبه إلى البكى فضرب عنقه. # وسار البكى لوقته إلى الأمير أبى على وقد ماج الناس وتوارى أكثر الحواشي. ~~فحين بصر به ms120 قبل الأرض بين يديه واعتذر إليه وقال: # - «إن عبيدك ما أقدموا على قتل هذا الرجل إلا لما عرفوه من سوء نيته فيك ~~وفيهم واطلعوا عليه من مكاتبة صمصام الدولة وتسليمك وتسليمهم ونحن خدمك ~~ومماليكك ورؤوسنا ونفوسنا دونك.» فأجابه بما أظهر به الرضاء [1] عنه. # ومضت مديدة ووافى أبو على [240] الحسن بن محمد بن نصر رسولا من حضرة بهاء ~~الدولة بالمواعيد الجميلة فكاثر الأتراك وكاثروه واستمالهم فى السر حتى ~~اتفقت كلمتهم على الانكفاء إلى حضرة بهاء الدولة بواسط. # فلما قرب منها تلقى وأكرم ووصل إلى حضرة بهاء الدولة وهو فى مجلس أنس ~~فقربه وأدناه وباسطه وسقاه ثم قبض عليه بعد أيام وحدر إلى البصرة واعتقل ~~بها. وسار بهاء الدولة إلى فارس. فلما عاد إلى العراق استدعاه وتولى أبو ~~الحسن الكوكبي المعلم قتله خنقا بيده. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة فى خلاصه وعوده إلى الملك بفارس بعد شرف الدولة # قد تقدم ذكر خلاصه وخلاص أبى طاهر وحصولهما بسيراف. فلما ارتحل الأمير ~~أبو على والأتراك من باب شيراز كتب أبو القاسم العلاء بن الحسن إليهما بما ~~فعله من تمهيد الأمور وأشار عليهما بتقديم السير فساروا ونزلوا بدولت آباذ، ~~ثم دخلا البلد. PageV07P195 # فاستولى الأمير أبو طاهر على الأمر بقوة نفسه وشدة بأسه، وتقلد فولاذ بن ~~ماناذر أمور الديلم [241] ومايله العلاء بن الحسن فتعاضدوا، وصارت كلمتهما ~~واحدة. # ثم مات الأمير أبو طاهر وقيل: إنه سم، فغلب فولاذ على الأمور واستبد ~~بالتدبير وعرض من فساد الحال بينه وبين العلاء ما صار سببا لانفصاله عن ~~فارس وحصوله بالرى. وسيرد ذلك فى موضعه إن شاء الله. # وفى هذا الوقت ورد الخبر بمسير فخر الدولة من همذان طالبا أعمال خوزستان ~~ومحدثا نفسه بقصد العراق. ### ||||| ذكر السبب فى حركة فخر الدولة لطلب العراق # كان الصاحب ابن عباد على قديم الأيام وحديثها يحب بغداد والرياسة فيها ~~ويراصد أوقات الفرصة لها. فلما توفى شرف الدولة سمت نفسه لهذا المراد وظن ~~أن الغرض قد أمكن. فوضع على فخر الدولة من يعظم فى ms121 عينيه ممالك العراق ~~ويسهل عليه فتحها وأحجم الصاحب عن تجريد رأى ومشورة بذلك نظرا للعاقبة ~~وتبريا [1] من العهدة إلى أن قال له فخر الدولة: # - «ما الذي عندك أيها الصاحب فيما نحن فيه.» فقال: «الأمر لشاهانشاه وما ~~يذكر [242] من جلالة تلك الممالك مشهور لا خفاء به وسعادته غالبة، فإذا هم ~~بأمر خدمته فيه وبلغته أقصى مراميه.» فعزم حينئذ على قصد العراق وسار إلى ~~همذان ووافاه بدر بن حسنويه وأقام بها مدة يجيل الرأى ويقلبه ويدبر الأمر ~~ويرتبه، حتى استقر العزم على أن يسير الصاحب وبدر بن حسنويه على طريق ~~الجادة، ويسير فخر الدولة PageV07P196 # وبقية العسكر على طريق الأهواز، ورحل الصاحب مرحلة. ### ||||| ذكر رأى أشير به على فخر الدولة اقتضى رد الصاحب من الطريق # قيل لفخر الدولة: # - «من الغلط مفارقة الصاحب لك، لأنك لا تأمن أن يستميله أولاد عضد الدولة ~~فيميل إليهم.» فاستعاده وسارت الجماعة إلى الأهواز وكان أبو منصور ابن ~~عليكا واليا للحرب بالأهواز، وأبو عبد الله ابن أسد ناظرا فى الخراج على ما ~~رتبهما شرف الدولة. فلما توفى شرف الدولة عمل أبو الحسن الكوكبي المعلم فى ~~تغيير أمر أبى منصور ابن عليكا والقبض عليه، وندب لذلك أخا للحسين الفراش، ~~وانتهى [243] الخبر إلى أبى منصور من أصحابه بالحضرة فترك داره ورحله وأكثر ~~كراعه، ومضى مع بعض العرب قاصدا حضرة فخر الدولة ونهب الديلم بعد انصرافه ~~رحله، وكان شيئا كثيرا. ### ||||| ذكر رأى سديد لأبى عبد الله ابن أسد استرجع به المأخوذ وحفظ فيه السياسة # جمع قواد الديلم وقال لهم: # - «إن هذا الرجل والكراع المأخوذ هو اليوم لبهاء الدولة، وإذا أخذ ونهب ~~كان ذلك خروجا عن الطاعة. فإما أن تردوا المأخوذ وإما أن تخلوا عنى لأفارق ~~موضعي وأنتم بشأنكم أبصر.» فقالوا: «إنما فعل ذلك أصاغرنا الذين لا قدرة ~~لنا على انتزاع ما فى أيديهم.» PageV07P197 ~~فراجعهم وراجعوه حتى التزموا رد المنهوب وتحالفوا على استخلاصه. # ففعلوا ذلك فأعادوه. # ثم عدلوا إلى المطالبة بمال البيعة فجمع أبو عبد الله صدرا من مال ~~الارتفاع وقوم بقية الرحل ms122 والكراع على القوم وأرضاهم به. # وشاع خبر مسير فخر الدولة فوقع بين الديلم والأتراك [244] تنافر أدى إلى ~~حرب بينهما أياما. ثم سار الأتراك ومن مال إلى بهاء الدولة من الأهواز على ~~سمت العراق. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر فخر الدولة عند حصوله بالأهواز وما اعتمده من سوء التدبير والسياسة حتى عاد بالخيبة # كان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد سبق إلى الأهواز وملكها ولحقه فخر ~~الدولة بعد عشرين يوما وخيم ببستان البريدي. # وتشوف الجند إلى ما يكون من عطائه وإحسانه. فلم يكن منه فى ذلك ما اقتضته ~~الحال ولا بعض ما كانت عليه الآمال. # وحضر المهرجان فقاد القواد الخوزستانية خيلا برسم خدمته على ما جرت به ~~العادة فى مثل هذا الفصل، فردها عليهم وسامهم أن يمكنوا المخيرين من اختيار ~~ما يرتضونه لمراكبه، وأخذ من خيلهم جيادها فنفرت قلوبهم لذلك. # ثم حظر على إقطاعاتهم ومنعهم التصرف فى ارتفاعها وإن لم يظاهرهم بحلها ~~وارتجاعها ومد العمال فى أثناء الخطر أيديهم فى تناول موجودها. # فضاقوا صدورا وازدادوا نفورا. # فأما وجوه الديلم الذين وصلوا مع فخر الدولة، فإن نياتهم ساءت PageV07P198 ~~أيضا [245] لأن إقطاع كل واحد منهم بالرى وأعمال الجبل كان من عشرين ألف ~~درهم إلى ثلاثين ألف درهم. ورأى كل واحد من قواد الديلم الخوزستانية ~~وإقطاعه ما بين مائتي ألف درهم إلى ثلاثمائة ألف درهم فكثر تحاسدهم وظهر ~~تحاقدهم. # وكان من عجيب الاتفاق (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) [1] أن دجلة الأهواز ~~زادت فى تلك الأيام زيادة لم تجر بها العادة ودخل الماء إلى الخيم فأخذ ~~بعضها. فرحل فخر الدولة وعسكره وعظم فى أعينهم ما رأوه لأنهم ألفوا المدود ~~[2] وقال بعضهم لبعض: إنما حملنا الصاحب إلى هذه البلاد طلبا لهلاكنا. # فاشمأزت قلوبهم وساءت ظنونهم وتقلقل الأمر ولاح من كل وجه وهي أسبابه. ~~واتصلت الأخبار إلى بغداد بحصول فخر الدولة بالأهواز. ### ||||| ذكر ما دبره بهاء الدولة فى تجهيز العسكر للقاء فخر الدولة # لما عرف وصول فخر الدولة إلى الأهواز انزعج انزعاجا شديدا وندب الحسين بن ~~على ms123 الفراش للخروج فى هذا الوجه والقيام بتدبير الحرب، وقدمه وعظمه ولقبه: ~~الصاحب، مغايظة لابن عباد وخلع عليه [246] خلعا توفى على قدر من هو أوفى ~~منه، وأصحبه من المال والسلاح والآلات كل خطير كثير وجرد معه أبا جعفر ~~الحجاج بن هرمز وألفتكين الخدام ومعهما عسكر جرار. # وسار بعد أن خرج بهاء الدولة لتوديعه فرتب نفسه فى طريقه ترتيب ~~PageV07P199 # الملوك فى مجالسه ومواكبه وانخرق فى العطاء وأسرف فى التدبير. # وكان السبب فى بلوغه هذه المرتبة مع عناية بهاء الدولة تجرد أبى الحسن ~~الكوكبي المعلم لتشييد أمره لا عن صفاء له، وإنما قصد بمساعدته على ذلك ~~إبعاده عن الحضرة والاستراحة منه. فإنه كان شديد الاستيلاء على بهاء ~~الدولة. # فلما حصل بواسط وبعد، حكيت عنه حكايات وأقوال، ووجد فى تغير رأى بهاء ~~الدولة متسع ومجال. ### ||||| ذكر السبب فى تغير رأى بهاء الدولة فى الحسين الفراش وما جرى عليه الأمر فى القبض عليه ورده من الطريق إلى بغداد وقتله فى دار نحرير [247] # قال أبو نصر المعروف بالأستاذ الفاضل: لما أراد الحسين الفراش التوجه، ~~قال لى بهاء الدولة: # - «أريد أن أشاهده إذا ركب فى موكبه وبرز إلى مضاربه.» فقلت: «الأمر لك.» ~~فخرج ووقف من باب الحطابين ينظر إلى الطريق، فاجتاز للحسين عدة غلمان أتراك ~~بالسيوف والمناطق وتحتهم الخيل بالمراكب الجميلة فقال لى: # - «يا با نصر هذه المراكب من الخزانة؟» قلت: «نعم، لما بيعت ابتاعها ~~وطراها.» واجتازت بعد ذلك جنائبه بمراكب ذهب وغير ذهب، وفيها بغلة عليها ~~مركب كان يحبه بهاء الدولة، فأخرج فيما بيع وحصل له فقال: # - «يا با نصر هذا مركبي الفلاني؟» PageV07P200 ~~قلت: «نعم.» ولم يزل يسأل عن شيء شيء ويقول: # - «متى جمع هذا وحصله!» فلما مضى الحسين عاد بهاء الدولة إلى مجلسه. ~~ورأيت وجهه قد تغير ونشاطه قد فتر، ودخل الحجرة فنام إلى العصر ولم يطعم ~~طعاما إلى آخر النهار، ثم راسله الحسين الفراش على لساني يسأله الأذن فى ~~ضرب طبول القطاع. # فامتنع عليه من ذلك وقال: # - «هذا لا يجوز.» وعدت إليه بهذا الجواب ms124 فاشتط وقال: # - «بمثل هذه المعاملة يراد منى أن أدفع فخر الدولة وقد استولى على ~~المملكة مما ذهب فيه مذهب الجهل؟» واتفق أن أحمد الفراش كان حاضرا معى ~~[248] وسامعا لما يجرى. وقمنا وسبقني أحمد الفراش فحدث بهاء الدولة بما ~~جرى. ثم جئت من بعد فسألنى عما كان من الجواب، فقلت: # - «قد كان أحمد الفراش حاضرا وتقدمنى إلى حضرتك ولعله قد شرحه.» فقال: ~~«أعده.» فحسنت ما أورده، فقال: # - «ما كان هكذا.» قلت: «إذا كان مولانا قد عرف الأمر على صحته فما ~~الفائدة فى تكرير إعادته؟» ثم تتابعت الأخبار بما يفعله الحسين فى طريقه من ~~الأفعال التي تجاوز PageV07P201 ~~الحد فوجد أبو الحسن الكوكبي سبيلا إلى تقبيح آثاره، وحكى عنه الحكايات ~~التي أدت إلى بوازه. # فقال له بهاء الدولة فى بعض الأيام وقد جاراه ذكره: # - «أنفذ من يقبض عليه.» فانتهز أبو الحسن الكوكبي الفرصة وبادر بإنفاذ ~~أبى الفتح أخى أبى عبد الله بن عليان وأبى الحسن على بن أبى على لذلك. ### ||||| ذكر اتفاق عجيب انكتم به الأمر عن الحسين الفراش حتى قبض عليه # ذكر الثلاثة المنحدرون أنهم لما وصلوا إلى مطارا والحسين بها ساء ظنه ~~بورودهم فأنفذ إلى زبازبهم من فتشها وأخذ ما وجده من الكتب فيها. [249] ~~فلحسن الاتفاق لهم وسوء الاتفاق عليه كانوا قد استظهروا بترك الملطفات ~~المكتوبة بالقبض عليه فى سمارية كانت فى صحبتهم، إلا أنها مفردة من جملة ما ~~يخصهم، فلم يجدوا إلا الكتب الظاهرة التي كانت إليه فأنس وسكن. # ثم اجتمعوا مع أبى جعفر وألفتكين فأوصلوا إليهما الملطفات ووقفوهما على ~~ما رسم فيها. وصاروا إلى الحسين واجتمعوا فى خركاه له وحادثوه ساعة ونهضوا ~~من عنده وأطبقوا عليه بابها ووكلوا به وبخزانته، ثم حملوه مقيدا إلى البصرة ~~وسلموه إلى بكران بن أبى الفوارس وأبى على ابن [أبى] الريان فحمل منها إلى ~~بغداد. وقد أوغر عليه صدر بهاء الدولة، فحبس فى دار نحرير وأمر بإخراج ~~لسانه من قفاه، فمات ورمى من بعد إلى دجلة. # فكان بين استخدامه فى الكنس والفرش وبين الخلع ms125 عليه مدة يسيرة وبين الخلع ~~عليه وبين قتله مدة أيسر من الأولى. # PageV07P202 # وإن من صعد من الحضيض الأوهد إلى محل الفرقد، ولم يكن ليديه بأسباب الخير ~~تعلق، ولا لقدميه فى أبواب البر تطرق، يوشك أن يهوى سريعا ويخر صريعا فتنبت ~~حباله [1] وتنقطع أوصاله فتحول حاله إلى الفساد. وتحور ناره الى الرماد. ~~فالنار فى الحلفاء أعجل وقودا [250] وصعودا ولكنها أسرع خمودا وهمودا، وهي ~~فى جزل الغضا أبطأ عملا، لكنها أبقى جمرا وأفسح مهلا. والمعول فى كل حال ~~على العاقبة فعندها تبين الناجية من العاطبة. # وعول بهاء الدولة بعد أخذ الحسين الفراش على أبى العلاء عبيد الله بن ~~الفضل فى هذا الوجه وأنجح فيه ما يأتى شرحه بأذن الله تعالى. ### ||||| ذكر ما رتبه فخر الدولة فى تجهيز الجيش إلى الأهواز # لما عرف فخر الدولة دنو عسكر بهاء الدولة من أعمال خوزستان جرد العساكر ~~للقائهم فسار ابن الحسن خاله وشهفيروز بن الحسن وغيرهما فى ثلاثة آلاف من ~~الديلم وبدر بن حسنويه فى أربعة آلاف من الأكراد ودبيس بن عفيف الأسدى وكان ~~قد انحاز إليه فى عدة كثيرة من العرب. فلما تلاقى العسكران أجلت الحرب عن ~~هزيمة أصحاب فخر الدولة. ### ||||| ذكر اتفاقات كانت سببا لهزيمة عسكر فخر الدولة [251] # لم يكن فى التقدير وظن النفس ورأى العين أن يثبت لهم عسكر بهاء الدولة ~~لولا النصر فإنه من عند الله. PageV07P203 # فاتفق أن المعركة كانت بقرب أنهار وجاءت زيادة مد أخذ الصحارى وظن عسكر ~~فخر الدولة أنها مكيدة عملت بفتح بثق عليهم يغرقون فيه، ولم يكن لهم علم ~~بحال المدود ولا هي عندهم من المألوف والمعهود. فولوا أدبارهم ونكصوا على ~~أعقابهم [1] إلى الأهواز واستأسر أناس من أكابرهم واستأمن كثير من أصاغرهم. # وقيل: إن بدر ابن حسنويه وقف بنجوة من الأرض واعتزل الحرب وإن دبيس بن ~~عفيف انصرف قبل اللقاء. وربما كان سبب هذا الفعل من الصاحب ما اعتمده فخر ~~الدولة معه من الارتياب به ورده حين سار من همذان على جادة العراق خوفا من ~~ميله إلى أولاد ms126 عضد الدولة ومثل ذلك ما أثر فى القلوب وأقام البريء مقام ~~المريب، ثم ما استمر من مخالفته إياه فى آرائه. # فلما عاد الفل إلى الأهواز قلق فخر الدولة وتقلقل رأيه وتململ. ### ||||| ذكر رأى سديد رآه الصاحب لم يساعده عليه فخر الدولة [252] # قاله له: أمثال هذه الأمور تحتاج إلى توسع فى العطاء وضايقت الناس مضايقة ~~وأضعفت فينا آمالهم وقطعت منا حبالهم. فإن استدركت الأمر بإطلاق المال ~~واستمالة الرجال ضمنت لك رد أضعاف ما تطلقه بعد سنة من ارتفاع هذه البلاد. # فلم يكن منه اهتزاز لهذا القول وكان قصارى ما فعل تلافى القواد الأهوازية ~~بإزالة الحظر عن إقطاعاتهم فلم يقع هذا الفعل موقعا منهم مع ذهاب ارتفاعها ~~فى تلك السنة. PageV07P204 # ولم تسمح نفس فخر الدولة بعطاء، للشح [1] الغالب عليه. وأخذ الناس فى ~~التسلل لاحقين بأصحاب بهاء الدولة حتى كان النقباء يطوفون فى صبيحة كل يوم ~~على الخيم فيجدون كثيرا منها قد خلا من أصحابها. واتسع الخرق على الراقع ~~وأعضل الداء على الطبيب: # كما أن الأديم إذا تفرى ... بلى وتعفنا غلب الصباحا [2] # فضاق فخر الدولة ذرعا بالمقام مع انتشار الحبل فى يديه وتفرق الناس عنه ~~وانصرف عائدا إلى الرى وقبض فى طريقه على جماعة من القواد الرازية وقتلهم. ~~ووافى أبو العلاء عبيد الله بن الفضل فدخل الأهواز وملك الأعمال. # وأما أبو عبد الله بن أسد فإن الديلم قبضوا عليه قبل وصول [253] الصاحب ~~إلى الأهواز وتوفى فى الاعتقال من علة عرضت له. ومرض الصاحب بالأهواز مرضا ~~أشفى منه ثم أقيل فتصدق بجميع ما كان فى داره من المال والثياب والأثاث، ثم ~~استأنف عوض كل شيء من بعد. ### ||||| ذكر ما حفظ على الصاحب فى مقامه بالأهواز # قيل: إن قوما تظلموا إليه من حيف لحقهم فوقع على ظهر قصتهم: # يظلمون شهرا وينصفون دهرا. وهذا توقيع طريف. فهل يجوز الغفول عن الظلم ~~ساعة فكيف شهرا وما يدريه لعل الله يحدث قبل الشهر أمرا. # وقيل: إنه رسم لكتاب البلد عمل حساب بارتفاع كل كورة، فعملوه PageV07P205 # وحملوه إليه. فأمر ms127 بجمع العمال والمتصرفين وأن يخرج ارتفاع كل ناحية ~~ويعرض عليهم ويزايد بينهم. فكان ينادى على النواحي بين العمال كما ينادى ~~على الأمتعة بين التجار. وهذا الحديث مستطرف فى حكم النظر. # وقيل: إنه غير مستنكر عند كتاب الرى وتلك البلاد، لأن معاملاتهم جارية ~~على عقود وقوانين. فأما العراق وما والاها فلم نسمع بمثل ذلك فيها [254] ~~إلا ما كان من قديم الناس من المزايدة بين التجار فى غلات السلطان. ### ||||| ذكر خبر مستحسن فى ذلك # قيل: إن أحد الوزراء- وأظنه على بن عيسى والله أعلم- جمع التجار إلى مجلس ~~نظره فى بعض السنين ليبيع الغلات عليهم فتقاعدوا بالأسعار على اتفاق بينهم ~~فبرز أحدهم فزاد زيادة توقف عنها الباقون ظنا منهم أنه لن يقنع بذمة رجل ~~واحد دون الجماعة. لأنه مال عظيم فأمضى الوزير البيع له. # فلما خافوا فوت الأمر زادوه عشرة آلاف دينار فقال الوزير: # - «قد نفذ السهم وسبق القول والغلات للرجل والثمن لنا وله الإختيار فى ~~قبول الزيادة منكم أو ردها عليكم فهي له خالصة دوننا.» فسألوا الرجل قبول ~~الزيادة أو المشاركة فقبل الزيادة وولاهم البيع وبرئت ذمته من الثمن وعاد ~~إلى منزله بعشرة آلاف دينار. # فما أحسن هذا الفعل الكريم والمذهب المستقيم وكم فى أثناء الوفاء بالعقود ~~والثبات على الشروط والصدق فى الوعود، من مصلحة خالصة وسياسة شاملة! وإن ~~لاح فى أولاها بعض الغرم ففي عواقبها كل النعم وإذا لم يوثق بأقوال الصدور ~~فعلام [255] تبنى قواعد الأمور؟ والسياسة بنيان والصدق قاعدة، والبنيان يشد ~~بعضه ببعضه. فإذا اضطربت القاعدة آل البنيان PageV07P206 ~~إلى النقض. ونعود إلى سياقة التاريخ. # وفى هذه السنة أفرج عن أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وعاد إلى بغداد ~~ناجيا من الهلاك بعد أن كان أشرف عليه. ### ||||| ذكر أناءة اعتمدها العلاء بن الحسن فى بابه أدت إلى خلاصه # كان قد حصل فى القلعة معتقلا على ما تقدم ذكره والعلاء بن الحسن يراعيه ~~مراعاة مستورة. # فورد عليه فى آخر أيام شرف الدولة [من] يأمره بقتله فانزعج لهذه الحال، ~~لما كان بينهما من حرمة ms128 الاتصال وثبت فى إمضاء ما ورد. وتجدد من وفاة شرف ~~الدولة ما تجدد، فأنفذ فى تلك الفترة من أخرجه من الحبس وأشار عليه بقصد ~~العراق فسار إلى البصرة واستأذن فى الإصعاد فأذن له. ### ||||| ذكر القبض على ابن عمر العلوي وعلى كاتبه # وفيها قبض على أبى الحسن محمد بن عمر العلوي وعلى كاتبه أبى الحسن على بن ~~الحسن. ### |||||| ذكر ما جرى عليه الأمر فى ذلك [256] # كانت حال أبى الحسن محمد بن عمر قد تضاعفت فى أيام شرف الدولة، وقد تضاعف ~~ارتفاع أملاكه حتى إن أبا الحسن على بن طاهر لما خرج إلى نواحي سقى الفرات ~~لتأمل أحوالها فى أيام شرف الدولة، عمل فى عرض ما راعاه عملا بارتفاع ضياعه ~~اشتمل على عشرين ألف ألف درهم. وعرف PageV07P207 ~~الشريف أبو الحسن ذلك فضاق صدره وساء ظنه. ### |||||| ذكر رأى سديد رآه ابن عمر فى تلك الحال استمال به قلب شرف الدولة # استدعى على بن الحسين الفراش الملقب بالخطير. فلما أحضر عنده قال له: # - «احمل عنى رسالة إلى الملك وقل له: يا مولانا ما لأحد على نعمة كنعمتك ~~ولا منة كمنتك. أطلقتنى من حبسي ومننت على بنفسي ورددت أموالى وضياعي إلى ~~وزدت فى الإحسان الى. وبلغني أن ابن طاهر عمل بضياعى عملا بعشرين ألف [ألف] ~~درهم وهذه الضياع هي لك ومنك. وقد أحببت أن أجعل نصفها للأمير أبى على هدى ~~ونحلة طيبة عن طيب نفس وانشراح صدر.» فأعاد [1] على بن الحسين الفراش ~~الرسالة على شرف الدولة. ### |||||| ذكر جواب لشرف الدولة عن [257] رسالة أبى عمر تدل على شرف نفس وعلو همة # قال شرف الدولة فى الجواب: # - «قل له: قد سمعت رسالتك وكل جميل اعتددت به فاعتقادى يوجب لك أوفى منه. ~~والله لو أن ارتفاعك أضعاف ما ذكرته لكان قليلا لك عندي. # وقد وفر الله عليك مالك وأملاكك وأغنى أبا على عن مداخلتك فى ضياعك، فكن ~~فى السكون والطمأنينة على جملتك. فانظر إلى هذه الهمة ما أشرفها ~~PageV07P208 # وأعلاها، وأنصت إلى هذه الأحدوثة ما أطيبها وأحلاها. وتلك مواهب ms129 من الله ~~يخص بها من يشاء من عباده والمرء يصيب بحسن التوفيق لا بحوله واجتهاده.» ~~فلما توفى شرف الدولة وانتقل الملك إلى بهاء الدولة استولى أبو الحسن ~~المعلم على الأمور وامتدت عينه إلى حاله، وأشار على بهاء الدولة بأخذ نعمته ~~وقبض أملاكه، فقبض عليه وعلى وكلائه وكتابه وبقي فى الاعتقال الذي يرد ذكره ~~فيما بعد. # وفى هذه السنة خرج أمر بهاء الدولة بإسقاط ما يؤخذ من المراعى من سائر ~~السواد. # وفيها عاد أبو نصر خواشاذه من الموصل بعد إصعاد ابني حمدان إليها. ### ||||| ذكر خروج ابني حمدان من [258] بغداد وذكر ما جرى عليه أمرهما فى حرب أبى نصر خواشاذه # لما توفى شرف الدولة شرع أبو طاهر ابراهيم وأبو عبد الله الحسين ابنا ~~حمدان فى الخروج إلى الموصل واستأذنا فى ذلك فوجدا رخصة انتهزا بها الفرصة. ~~فأصعدا بأهلهما أجمعين وعلم من بالحضرة وقوع الغلط فى إصعادهما فكوتب أبو ~~نصر خواشاذه بدفعهما وردهما. # فلما وصلا إلى الحديثة راسلهما أبو نصر بالرجوع من حيث جاءا. فهما إن ~~خالفاه ودخلا البلد قبض عليهما فأجاباه جوابا جميلا ببذل الطاعة وقبول ما ~~يؤمران به. وعاد الرسول وسار [ا] على أثره حتى نزلا بالدير الأعلى. # وثار أهل الموصل على الديلم والأتراك فنهبوا أرحالهم وأخذوا أموالهم ~~وخرجوا إلى ابني حمدان وأظهروا المباينة والعصيان. # فأنفذ أبو نصر من كان معه من العسكر لقتالهم فقامت الحرب بينهم إلى PageV07P209 ~~العصر ثم انهزم أصحاب السلطان وهلك منهم عدد كثير قتلا وغرقا ولحق ~~الباقون بأبى نصر فاعتصموا بدار الإمارة التي هو نازل فيها وتبعهم ابنا ~~حمدان والعامة، فغلقت الأبواب دونهم واستوعب القتال بقية النهار. ثم حجز ~~الليل بينهم وعاد ابنا حمدان إلى مخيمهما. ### ||||| ذكر رأى سديد رآه ابنا حمدان [259] فأحسنا فيه الظن علما للعاقبة # لما جرى ما جرى [و] علما أن العامة لا تقنع إلا بقتل الديلم وأن السلطان ~~لا يغمض على مثل هذه الجناية خافا عواقب الأمر وراسلا أبا نصر فى ليلتهما ~~وقالا له: # - «نحن خدم السلطان وقد جرت الأقدار بغير الاختيار ولا ms130 قدرة لنا الآن على ~~ضبط العامة لما فى نفوسهم من الديلم وهم فى غد يحرقون الدار ويسفكون الدماء ~~فإما أن تصير إلينا وإما أن تعلم أنك مهلك نفسك.» فعرف أبو نصر خواشاذه ~~أنهما قد نصحاه وخرج إليهما ليلا فأكرماه ثم عدلا إلى تدبير أمر العامة ~~فأحضرا شيوخهم ووجوههم وقالا لهم: # - «إن كنتم تؤثرون مقامنا بين ظهرانيكم فولونا أموركم ولا تشفوا بقتل ~~أصحاب السلطان صدوركم، فإنه شفاء يعقب داء عضالا، ولا تجدون من السلطان فى ~~ذلك إغضاء وإجمالا. والذي نراه أن تكفوا أحداثكم عن القتل وانصراف هؤلاء ~~القوم عنكم صرفا جميلا ويتلطف السلطان أقدامنا عندكم.» فأجابوه بالسمع ~~والطاعة وبذل المكنة والاستطاعة وبكر العوام إلى الدار فلم يزل ابنا حمدان ~~والمشيخة بهم رفقا ولطفا حتى استقر الأمر بعد هناة على أن يهبوا الدم ~~وينهبوا الأموال وأن يصعد الجند إلى [260] السطوح ويقف على الدرج من الشيوخ ~~من يمنع العامة من الصعود. # PageV07P210 # ودخلوا الدار وخرجوا بنهب الموجود. ثم غلقت الأبواب وصار جند السلطان ~~محبوسين أياما إلى أن انحدروا بأسوأ حال فى الزواريق إلى بغداد وأفرج عن ~~أبى نصر وأحسن إليه وعاد إلى الحضرة. # وتشاغل ابنا حمدان بالنظر فى أمورهما وانثال عليهما من بنى عقيل العدد ~~ولم يكن لهما من الجند إلا العامة والثلاثون ألف من الحمدانية. ### |||| ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة # فيها كانت الوقعة بين باد وبين أبى طاهر [1] وأبى عبد الله ابني ناصر ~~الدولة بن حمدان وبين بنى عقيل بظاهر الموصل. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الحال فى هذه الوقعة من قتل باد وهزيمة أصحابه # لما حصل أبو طاهر وأبو عبد الله ابنا ناصر الدولة بظاهر الموصل استضعفهما ~~باد وطمع فى قصدهما وأخذ البلد منهما. وعلم أن لا جند لهما سوى العامة ~~فكاتب أهل الموصل واستمالهم. فأجابه بعضهم وسار فى ستة آلاف رجل من أصناف ~~الأكراد ونزل فى الجانب الشرقي. # فخافه [161] ابنا حمدان وعلما أن لا طاقة لهما به فلجأ إلى بنى عقيل ~~وراسلا أبا الدواد محمد بن المسيب وسألاه النصرة وبذلا له النزول ms131 على حكمه ~~فالتمس منهما الجزيرة ونصيبين وبلد وعدة مواضع فأجاباه إلى ملتمسه. # فلما استقرت بينهم هذه القاعدة سار إليه أبو عبد الله ابن حمدان ووافى به ~~PageV07P211 # فى ألفى فارس إلى بلد وهي فى أعلى الموصل فى الجانب الغربي [1] وعبرا ~~دجلة وحصلا مع باد على أرض واحدة وباد عنهما غافل وبحرب أبى طاهر وأهل ~~الموصل متشاغل. # فجاءته طليعة من طلائعه تخبر بعبورهما فخاف أن يعبر إليه من بازائه ~~ويكبسه أبو عبد الله وبنو عقيل من ورائه. فتقدم إلى أصحابه بالانتقال ~~واللوذ بأكناف الجبال، واضطربوا واخلطوا ما بين سابق مستعجل ولاحق مرتحل ~~وثابت فى المعركة مستقبل. ### ||||| ذكر اتفاق عجيب آل إلى هلاك باد بعد انقضاء مدته # بينما الحال على ما ذكر من اختلاط أصحاب باد إذ قتل عبد الله حاجبه ~~المعروف بعروس الخيل، ففجع به وانزعج لفقده وأراد الانتقال من فرس [262] ~~إلى فرس، فحول رجله من ركاب إلى ركاب ووثب فسقط إلى الأرض بثقل بدنه، ~~فاندقت ترقوته والحرب قائمة بين الفريقين حتى عرف أبو [2] على الحسن بن ~~مروان ابن أخته خبره. فصاروا إليه فقالوا له: # - «احمل نفسك كي تلحق الخيل.» فقال لهم: # - «لا حراك بى فخذوا لنفوسكم.» فانصرفوا فى خمسمائة فارس طالبين الجبل ~~عرضا حتى خلصوا إليه من السهل. وجدل بنو عقيل منهم فرسانا وسلم بنو مروان ~~وأكثر من معهم وساروا فى لحف الجبل إلى ديار بكر. # وحصل باد فى جملة القتلى وبه رمق فعرفه أحد بنى عقيل، فأخذ رأسه ~~PageV07P212 # فحمله إلى ابني حمدان وأخذ عليه منهما جائزة سنية ودل على جثته فحمل إلى ~~الموصل وقطعت يده ورجله وحملت إلى بغداد وصلب شلوه على باب دار الإمارة ~~بالموصل. # فثار العامة وقالوا: # - «هذا رجل غاز فلا تحل المثلة به.» فحط وكفن وصلى عليه ودفن. وظهر من ~~محبة العامة له بعد هلاكه ما كان طريفا. بل لا يستطرف من الغوغاء تناقض ~~الأهواء ولا يستنكر للرعاع اختلاف الطباع، وهم أجرأ الخلق إذا طمعوا ~~وأخبثهم إذا قمعوا. # ومضى أبو على ابن مروان من فوره إلى قلعة ms132 كيفا، وهي قلعة على دجلة حصينة ~~جدا وبها زوجة باد الديلمية. [263] ### ||||| ذكر حيلة لابن مروان ملك بها القلعة # لما وصل إلى باب القلعة قال لزوجة باد: # - «قد أنفذنى خالي إليك فى مهمات.» فظنته حقا. فلما صعد وحصل عندها ~~أعلمها بهلاكه، ثم تزوج بها ورتب أصحابه فيها ونزل فقصد حصنا حصنا حتى رتب ~~أمر جميع الحصون، وأقام ثقاته فيها وصار إلى ميافارقين. [1] ونهض أبو طاهر ~~وأبو عبد الله ابنا حمدان إلى ديار بكر طمعا فى فتح القلاع وحملا معهما رأس ~~باد، فوجدا الأمر ممتنعا وقد أحكم ابن مروان بناه وحمى حماه. فعدلا إلى ~~قتاله ووقعت بينهما وقعة كان الظفر فيها لابن مروان، وحصل أبو عبد الله ابن ~~حمدان أسيرا فى يده. PageV07P213 ### ||||| ذكر جميل لابن مروان إلى أبى عبد الله عند أسره لم يشكر عليه فساءت عاقبة أمره # لما أسر ابن مروان أبا عبد الله أحسن إليه وأكرمه وأفرج عنه. فصار إلى ~~أخيه أبى طاهر وقد نزل على آمد. فأشار عليه بمصالحة ابن مروان [264] ~~وموادعته والانكفاء عن ديار بكر فأبى أبو طاهر إلا معاودة حربه مع جمع كثير ~~من بنى عقيل ونمير، واضطر أبو عبد الله إلى مساعدته كما ينصر الأخ أخاه ~~ظالما ومظلوما. # وسارا إلى ابن مروان فواقعاه وكان النصر له قهرهما وأسر أبو عبد الله ~~أسرا ثانيا، فأساء إليه وضيق عليه واعتقله زمانا طويلا إلى أن كاتبه صاحب ~~مصر فى بابه فأطلقه بشفاعته وخطابه ومضى إلى مصر وتقلد منها ولاية حلب [1] ~~وأقام بتلك الديار حتى توفى وله بها عقب. # وأما أبو طاهر فإنه انهزم ودخل نصيبين وقصده أبو الدؤاد محمد بن المسيب، ~~فأسره وعليا ابنه والرغفير أمير بنى نمير فقتلهم صبرا. # وملك محمد بن المسيب الموصل وأعمالها وكاتب السلطان وسأل إنفاذ من يقيم ~~عنده من الحضرة. فأخرج المظفر أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه وذلك ~~عند غيبة بهاء الدولة عن بغداد ومقام أبى نصر خواشاذه بها فى النيابة عنه. # فلم تدخل يد المظفر إلا فى أبواب المال وفيما ms133 كان له ولأبى نصر خواشاذه ~~من الأموال والإقطاع فى النواحي، فاستولى بنو عقيل على سوى ذلك. ~~PageV07P214 ### ||||| القبض على صاحب المعونة ببغداد وقتله # وفى هذه السنة قبض على أبى الفرج محمد بن أحمد بن الزطى صاحب المعونة ~~ببغداد. [265] ### |||||| ذكر ما جرى عليه أمره فى القبض عليه إلى أن قتل # كان هذا الرجل قد تجاوز حد الناظرين فى المعونة وأسرف فى الإساءة إلى ~~الناس حتى وترهم، وبالغ فى أيام صمصام الدولة بعد فتنة أسفار فى منع أسباب ~~أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وتطلب حرمه واستيصال أمواله ونعمه، وأغرق فى ~~الفعل القبيح معهم ومع غيرهم. # وكثرت الطوائل لديه واجتمعت الكلمة عليه وأطمع بهاء الدولة وأبو الحسن ~~الكوكبي المعلم فى ماله وكثر عندهما مبلغ حاله فقبض عليه واعتقل فى الخزانة ~~وكرر الضرب عليه أياما. # ووقع الشروع فى تقرير أمره فاجتمع أبو القاسم عبد العزيز وأبو محمد ابن ~~مكرم على نصب الحبائل لهلاكه، ووضعا أبا القاسم الشيرازي على أن يضمنه بمال ~~كثير. ### ||||| ذكر مكيدة تمت لعبد العزيز بن يوسف فى أمر الزطى حتى هلك [266] # قال أبو نصر الحسين بن الحسن المعروف بالأستاذ الفاضل: إن أبا القاسم عبد ~~العزيز هو الذي سعى واجتهد فى أمر ابن الزطي وذكره عند المعلم بكل PageV07P215 ~~ما خوفه منه وقال: # - «نحن بصدد حرب والمسير للقاء عدو، والحوادث لا تؤمن ومتى استبقيت هذا ~~الرجل لم نأمنه جميعا على من نخلفه وراءنا من حرمنا وأولادنا وفى الراحة ~~منه قربة إلى الله تعالى وأمن فى العاقبة.» قال المعلم: # - «إن الملك قد أطمع فى مال كثير من جهته.» فقال عبد العزيز: # - «لعمري إنه ذو مال ولكنه لا يذعن به طوعا ولا يعطيه عفوا. وهذا أبو ~~القاسم الشيرازي يبذل فيه ألف ألف وخمسمائة ألف درهم ويقول: إن المال لا ~~يصح وهو حى تخافه أصحاب الودائع.» وحضر الشيرازي وبذل مثل ذلك بلسانه. # قال الأستاذ الفاضل: فقلت له: # - «هل أنت على ثقة مما بذلته؟» فقال لى سرا: # - «على الاجتهاد، فإن بلغت المراد وإلا حملت إلى زوجة هذا- وأشار ms134 إلى ~~المعلم- عشرة آلاف درهم وقد خلصتنى من يده.» وضحك وضحكت. # ولم يزل عبد العزيز بالمعلم حتى تقرر الأمر على قتله. واستؤذن بهاء ~~الدولة وتحقق عنده المال المبذول عنه. فأذن فى ذلك وعبر بالرجل إلى الجانب ~~الغربي وحمل رأسه إلى المعلم، فأنفذه إلى محمد بن مكرم فوضعه فى غد فى ~~دهليزه ليشاهده الناس. # وهذه حكاية عجيبة [267] وليس العجب من قتل ابن الزطي. فإنه كان من ~~الأشرار وما آل إليه الأشرار من البوار، وإنما العجب من استيلاء المعلم PageV07P216 ~~على بهاء الدولة واستيلاء المرأة على المعلم حتى يلعبا بالرجال ويتحكما ~~بالدماء والأموال. وإن أمثال هذه الأحوال لتكسو الدول من العار برودا وتنظم ~~لها من المساوى عقودا. فإذا أحب الله صلاح دولة طهرها من مثل هذه الأدناس ~~وقيض لتدبيرها أخيار الناس، فتكون ما بقيت منصورة مؤيدة، ثم تبقى محاسنها ~~فى الصحف محفوظة مؤبدة. # وعول بعد قتل ابن الزطى على أبى محمد الحسن بن مكرم الحاجب وخلع عليه، ~~فأبان فيها أثرا جميلا وأخذ العيارين والدعار أخذا شديدا بعد أن كان قد ~~استشرى أهل الفساد. # فقامت الهيبة واستقامت الأمور على السداد، وأمن البلد وهرب كل ذى ريبة. ~~ثم استعفى منها وخرج فى الصحبة إلى واسط. ### ||||| ذكر السبب فى ذلك # كان رأى أبى الحسن المعلم فاسدا فى الوزير أبى منصور، وإنما أقره على ~~الوزارة تأنيسا لأبى القاسم العلاء بن الحسن وتقريرا لحيلة تتم عليه. # فلما فعل بفارس ما فعله ووقع اليأس من خداعه بعد كشف قناعه، قدم على [1] ~~القبض [268] على الوزير أبى منصور ما كان أخر، وعول على أبى نصر [2] سابور ~~بن أردشير فى النظر وخلعت عليه خلع الوزارة ونقل الوزير أبو منصور إلى ~~الخزانة ونزل أبو نصر سابور داره. # وعلى ذا مضى الناس! منصور ومخذول ومولى ومعزول ومختار ومردود ومشتهى ~~ومملول، وأعمال السلطان عوارى لا بد من استرجاعها، وملابس لا بد من ~~انتزاعها. والسعيد من حسنت من تلك العواري حاله، وكرمت فى PageV07P217 # خلال تلك الملابس خلاله. فإذا ارتجعت منه بقي له من المجد حظ موفور، وإذا ms135 ~~انتزعت منه صفا عليه من الحمد برد محبر، فختمت بالصالحات أعماله وذكرت بعده ~~بالخيرات أفعاله. ### ||||| مسير بهاء الدولة إلى شيراز # وفيها سار بهاء الدولة متوجها إلى شيراز بعد استتباب أبى نصر خواشاذه فى ~~خلافته ببغداد وخلع عليه وطرح له دستا كاملا فى دار المملكة الأولى وثلاث ~~مخاد فى الدار الداخلة وما رئي [1] أحد من الوزراء والأكابر جلس فى هذه ~~الدار على مثل ذلك، وكتب له عهد ذكر فيه ب «شيخنا» ، وهو أول من خوطب بهذا ~~الاسم من الحواشي. # وعول على أبى عبد الله ابن طاهر فى النيابة عن الوزير أبى نصر سابور ~~ببغداد فلم يستقم ما بينه وبين أبى نصر [269] خواشاذه واستمر الفساد بينهما ~~إلى أن عاد بهاء الدولة، فقبض عليهما على ما يأتى ذكره فى موضعه. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر بهاء الدولة فى هذه السفرة # انحدر ومعه أبو الحسن المعلم والوزير أبو نصر سابور، والأمر لأبى الحسن ~~فى الكبير والصغير وهو الغالب على الرأى فى التدبير. # وأقام بواسط أياما وسار ونزل بمعسكر أبى جعفر ابن الحجاج ودخل البصرة ~~فشاهدها وعاد إلى مخيمه. # وورد عليه خبر وفاة أبى طاهر أخيه، فجلس لعزائه. ثم توجه إلى الأهواز ~~وسير أبا العلاء عبيد الله بن الفضل على مقدمته ومعه جمهور عسكره ~~PageV07P218 # فصار إلى أرجان ودخلها، وفتح القلعة بالجند وملكها، وكان فيها من أصناف ~~الأموال شيء كثير. # فلما وصل الخبر إلى بهاء الدولة سار إلى أرجان ونزلها وأمر بحط جميع ما ~~كان فى القلعة من المال وغيره وتسليمه إلى الخزان وكان من العين ألف [1] ~~ألف دينار ومن الورق ثمانية آلاف ألف ألف درهم [2] ومن الجوهر والثياب ~~والآلات والأسلحة ما يذخر الملوك مثله. [270] ### ||||| ذكر ما جرى فى أمر هذا المال حتى تفرق أكثره # لما حصل المال فى الخزائن أحب بهاء الدولة تنضيده بأجناسه فى مجلس الشرب. ~~فنضد جميعه على أحسن تنضيد ووكل الحفظة والخزان به فى موضعه أياما. فكان ~~منظرا أنيقا إلا أنه شاع من ذلك ما صار إلى التفرقة طريقا. # فعند ذلك شغب ms136 الأتراك والديلم شغبا متتابعا. فأطلقت تلك الأموال حتى لم ~~يبق منها بعد مديدة غير أربعمائة ألف دينار وأربعمائة ألف [3] ألف درهم ~~حملت إلى الأهواز. # وتوجه أبو العلاء ابن الفضل من أرجان إلى النوبندجان، وهزم من كان بها من ~~عساكر صمصام الدولة وأثبت أصحابه فى نواحي فارس. وبرز أبو منصور فولاذ بن ~~ماناذر من شيراز، وسار على مقدمة صمصام الدولة وواقع أبا العلاء بخواباذان ~~[4] فهزمه. PageV07P219 ### ||||| ذكر هذه الوقعة والمكيدة التي كانت سببا لهزيمة عسكر بهاء الدولة # لما حصل أبو العلاء والأتراك بإزاء فولاذ والديلم فى وادي خواباذان ~~وقنطرة [271] حجاز بين الفريقين تطرق قوم من الغلمان إلى جمال الديلم ~~فساقوها وعادوا بها إلى معسكرهم ورآهم بقية الغلمان الأتراك فطمعوا فى مثل ~~ذلك، وركب من الغد منهم سبعون غلاما من الوجوه وعبروا القنطرة. # وكان الديلم قد أرسلوا جمالا مهملة لا حماة معها على سبيل المكر والخديعة ~~فاستاقهم الغلمان وكروا راجعين. # ووقعت الصيحة فركب فى أثرهم فرسان من الديلم والأكراد كانوا معدين ووصل ~~الغلمان إلى القنطرة فوجدوا من دونها خمسمائة رجل من الديلم كان فولاذ قد ~~رتبهم وراء جبل بالقرب. فلما عبر الغلمان بأموالهم رأوهم على القنطرة ~~بالرصد فلم يكن للغلمان سبيل إلى العبور ولحقهم الفرسان فأوقعوا بهم ~~وقتلوهم عن بكرة أبيهم، وأخذوا رؤوس أكابرهم فأنفذوها إلى شيراز. # وكان ذلك وهنا عظيما وثلما كبيرا فى عسكر بهاء الدولة. # وراسل فولاذ أبا العلاء فأطمعه وخدعه ثم سار إليه وكبسه، فانهزم من بين ~~يديه وعاد إلى أرجان مفلولا. ولما وصل الخبر بذلك إلى صمصام الدولة سار من ~~شيراز. # وغلت الأسعار بأرجان ونواحيها وضاقت المير والعلوفة. ثم وقع الشروع فى ~~الصلح وترددت فيه كتب ورسل فتم على أن يكون لصمصام [272] الدولة فارس ~~وأرجان، ولبهاء الدولة خوزستان والعراق، وأن يكون لكل واحد منهما إقطاع فى ~~بلاد صاحبه. # وعقدت العقود وأحكمت العهود وحلف كل واحد منهما للآخر على PageV07P220 ~~التخالص والتصافي بيمين بالغة، وشرطت وحررت على النسختين وعاد بهاء ~~الدولة إلى الأهواز. # وورد أبو عبد الله الحسين بن على بن ms137 عبدان نائبا عن صمصام الدولة بالحضرة ~~وناظرا فيما أفرد له من الإقطاع بالعراق، وعول على أبى سعد بندار ابن ~~الفيروزان فى النيابة عن بهاء الدولة بفارس. ### ||||| وفاة صاحب مصر الملقب بالعزيز # وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة أبى الفرج يعقوب بن يوسف وزير صاحب مصر ~~الملقب بالعزيز [1] . ### ||||| ذكر حاله وما جرى عليه أمر الوزارة بمصر من بعده # كان أبو الفرج كبير الهمة عظيم الهيبة فاستولى على الأمر ونصح صاحبه فيه ~~فقرب من قلبه وتمكن من قربه، ففوضت الأمور إليه واستقامت على يديه. # فلما اعتل علة الوفاة ركب إليه صاحب مصر عائدا ووجده على شرف اليأس فحزن ~~له وقال: # - «يا يعقوب، وددت أن تباع فأبتاعك بملكي أو تفدى فافتديتك. فهل من حاجة ~~توصى بها؟» فبكى [273] يعقوب وقبل يده ووضعها على عينه وقال: # - «أما فيما يخصنى فلا، فإنك أرعى لحقى من أن أسترعيك، وأرأف PageV07P221 # بمخلفى من أن أوصيك، ولكنى أقول لك فيما يتعلق بدولتك: سالم الروم ما ~~سالموك واقنع من الحمدانية بالدعوة والسكة، ولا تبق على المفرج بن دغفل ابن ~~الجراح متى أمكنت فيه الفرصة.» ولم يشغله ما كان فيه من فراق دنياه عن نصح ~~صاحبه ومحبته وهواه، وكذلك حال كل ناصح صدوق. # ثم توفى فأمر صاحب مصر بأن يدفن فى قصره فى قبة كان بناها لنفسه وحضر ~~جنازته فصلى عليه وألحده بيده فى قبره، وانصرف من مدفنه حزينا لفقده وأغلق ~~الدواوين أياما من بعده. # واستخدم أبا عبد الله الموصلي مدة ثم صرفه وقلد عيسى بن نسطورس وكان ~~نصرانيا. فضبط الأمور وجمع الأموال ومال إلى النصارى وولاهم الأعمال وعدل ~~عن الكتاب والمتصرفين من المسلمين، واستناب بالشام يهوديا يعرف بمنشا بن ~~ابراهيم بن الفرار، فسلك منشا مع اليهود سبيل عيسى مع النصارى، واستولى أهل ~~هاتين الملتين على جميع الأعمال. ### ||||| ذكر حيلة لطيفة عادت بكشف هذه الغمة [274] # كتب رجل من المسلمين قصة وسلمها إلى امرأة وبذل لها بذلا على اعتراض صاحب ~~مصر بالظلامة وتسليمها إلى يده وكان مضمونها: # «يا مولانا، بالذي أعز النصارى بعيسى ms138 بن نسطورس واليهود بمنشا بن الفرار ~~وأذل المسلمين بك إلا نظرت فى أمرى.» وكانت لصاحب مصر بغلة معروفة إذا ~~ركبها مرت فى سيرها كالريح ولم تلحق. فوقفت له المرأة فى مضيق، فلما قاربها ~~رمت بالقصة إليه ودخلت فى الناس. فلما وقف عليها أمر بطلبها فلم توجد وعاد ~~إلى قصره متقسم الفكر فى أمره واستدعى قاضيه أبا عبد الله محمد بن النعمان ~~وكان من خاصته PageV07P222 ~~وأهل أنسه فشاوره فى ذلك فقال ابن النعمان: # - «أنت أعرف بوجه الرأى.» فقال: «لقد صدقت المرأة فى القصة ونبهت من ~~الغفلة.» وتقدم فى الحال بالقبض على عيسى بن نسطورس وسائر الكتاب من ~~النصارى وكتب إلى [1] الشام بالقبض على منشا بن الفرار وجماعة المتصرفين من ~~اليهود، وأمر برد الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين والتعويل فى ~~الإشراف عليهم فى البلاد [2] . ### ||||| ذكر تدبير توصل به عيسى بن نسطورس إلى الخلاص والعود إلى النظر [275] # كانت بنت المتقلب بالعزيز المعروفة بست الملك كريمة عليه حبيبة إليه لا ~~يرد لها قولا. فاستشفع عيسى بها فى الصفح عنه وحمل إلى الخزانة ثلاثمائة ~~ألف دينار. وكتب إليه يذكره بخدمته وحرمته فرضي عنه وأعاده إلى ما كان ~~ناظرا فيه وشرط عليه استخدام المسلمين فى دواوينه وأعماله. ### ||||| فتنة العيارين # وفى هذه السنة كثرت فتن العيارين بعد انحدار بهاء الدولة ورفعت الحشمة ~~وجرى من الحرب بين أهل الدروب والمحال نوبة بعد نوبة ما أعيا فيه الخطب ~~وتكرر الحريق والنهب تارة على أيدى العيارين وتارة على أيدى الولاة. وولى ~~المعونة عدة فما أغنوا شيئا واستمر الفساد إلى حين عود بهاء الدولة. ~~PageV07P223 ### |||| ودخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ### ||||| ذكر القبض على سابور الوزير # فيها قبض على أبى [نصر] سابور الوزير بالأهواز ونظر أبو القاسم عبد ~~العزيز بن يوسف فى الأمور. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك # لما عاد بهاء الدولة بعد الصلح إلى الأهواز شغب الديلم والأتراك وطالبوا ~~[276] بإطلاق المال وذكروا أبا الحسن المعلم وأبا نصر سابور وأبا الفضل ~~محمد بن أحمد عارض الديلم وعلى بن أحمد عارض الأتراك وجاهروا بالشكوى منهم ms139 ~~وظاهروا بالكراهية لهم. # وترددت بينهم وبين بهاء الدولة مراسلات انتهت إلى أن استوهب منهم أبا ~~الحسن المعلم وأبا القاسم على بن أحمد وأرضاهم بالقبض على أبى نصر سابور ~~وأبى الفضل محمد بن أحمد، وقلد أبا القاسم عبد العزيز الوزارة وخلع عليه. # ومن حسن سياسة الملوك أن يجعلوا خاصتهم كل مهذب الأفعال محمود الخصال ~~موصوفا بالخير والعقل معروفا بالصلاح والعدل فإن الملك لا تخالطه العامة ~~ولا أكثر الجند، وإنما يرون خواصه. فإن كانت طرائقهم سديدة وأفعالهم رشيدة ~~عظمت هيبة الملك فى نفس من يبعد عنه لاستقامة طريقة من يقرب منه. # فقد ورد عن الإسكندر أنه قال: # - «انا إذا فتحنا مدينة عرفنا خيارها من شرارها قبل تجربتهم.» قيل له: PageV07P224 ~~- «كيف؟» قال: «لانا نرى خيارهم يتصافون إلى خيارنا وشرارهم إلى شرارنا.» ~~وروى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال: # - «ما شيء أدل على شيء ولا الدخان على الدخان [1] من الصاحب على الصاحب.» ~~قال عدى بن زيد: [277] # عن المرء لا تسأل وأبصر [2] قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدى # وإذا كان خواص الملك ممن يقدح فيهم وتذكر مساويهم، قلت الهيبة فى النفوس ~~فأظهر الجند استقلالا لأمره، ثم صار الإضمار نجوى بينهم، ثم زادت الحيرة ~~فصارت النجوى إعلانا. فعند ذلك تقع المجاهرة وترتفع المراتبة ويتحكمون عليه ~~تحكم الآمر لا المأمور، والقاهر لا المقهور. # وفى هذه السنة أنفذ خلف بن أحمد عمرا ابنه إلى كرمان ودفع تمرتاش عنها. ### ||||| شرح [ما] [3] عليه أمر خلف بن أحمد صاحب سجستان فى إنفاذ عمرو ابنه إلى كرمان ويتصل هذا الحديث بما جرى بعد هذه السنة من أحوال تلك البلاد # كان أبو أحمد خلف بن أحمد المعروف بابن بنت عمرو [4] بن الليث ~~PageV07P225 # الصفار قد ورد العراق فى أيام معز الدولة، وخلع عليه بالحضرة الخلع ~~السلطانية لولاية سجستان. # وكان ردىء الدخيلة فى الباطن جيد الناموس فى الظاهر، شديد الطمع فى ~~الأموال، متوصلا إلى أخذها باللطف والاحتيال، ويقول: [278]- «ليس يجب أن ~~يكون للرجال من الرعية أكثر من عشرة آلاف درهم. # لأنها ذخيرة ms140 لذي الحاجة وبضاعة لذي التجارة» . ### ||||| ذكر الحيلة التي استمر عليها خلف بن أحمد فى أخذ أموال رعيته # كان يتبع أمور أهل البلاد فى مكاسبهم ومتاجرهم وبضائعهم وذخائرهم. # فإذا عرف استظهار قوم منهم عمل ثبتا بأسمائهم. # وخرج على وجه التنزه والتصيد ونصب رجلا من أصحابه فى النيابة عنه ووافقه ~~على أخذهم ومطالبتهم بالفضل الذي يقدر أنه فى أيديهم. فإذا علم أن المال ~~معظمه قد صح من جهتهم، رجع فيشكون إليه ما عوملوا به. فيظهر لهم التوجع ~~ويتقدم بالإفراج عن من بقي منهم فى الاعتقال ومسامحتهم بما تأخر عليهم من ~~المال، ويحضر صاحبه الذي استنابه فيجلله بالإنكار، وربما ضربه بمشهدهم ~~ليزول ما خامر قلوبهم من الاستشعار. # وكان يمشى إلى المسجد الجامع فى كل جمعة بالطيلسان. وربما خطب وصلى ~~بالناس وأملى الحديث وله إسناد عال ورواية عن شيوخ العراقيين ومحدثى ~~الحرمين. # وكان عضد الدولة عند حصوله بكرمان [1] قرر معه هدنة على أن لا ~~PageV07P226 # يتعرض [279] كل واحد منهما ببلاد صاحبه، وكتبا بينهما كتابا بذلك شاع ~~ذكره عند أمراء سامان [1] وكبراء أهل خراسان وجرى الأمر على المسالمة مدة ~~أيام عضد الدولة. # فلما توفى وملك شرف الدولة وانصرف أبو على الحسين بن محمد الحاجب عن ~~كرمان وتقلدها تمرتاش وسار شرف الدولة إلى العراق، تحدثت نفس خلف بالغدر، ~~ثم أحجم عن الأمر. # فلما توفى شرف الدولة وملك صمصام الدولة فارس ووقع الخلف بينه وبين بهاء ~~الدولة قوى طمعه وجهز جيشا مع عمرو ابنه، فلم يشعر تمرتاش بهم حتى نزلوا ~~بعيص أردشير ليلا، وكان هو وعسكره فى موضع يعرف بتركياباد من أبنية أبى عبد ~~الله بن إلياس [2] ومعهم أموالهم وعلاهم. فكان قصاراهم أن تركوا الدور وما ~~فيها من الأموال ودخلوا بردشير [3] بما أمكنهم حمله وحصلوا فى الحصار وملك ~~عمرو بن خلف جميع أعمال كرمان سوى بردشير وجبى الأموال وصار تمرتاش [4] إلى ~~فارس. # وكانت بينه وبين العلاء بن الحسن عداوة من أيام شرف الدولة فوجد العلاء ~~فى هذا الوقت الفرصة التي كان يتوقعها فى أمره. ### ||||| ذكر الحيلة التي رتبها ms141 العلاء بن الحسن فى القبض على تمرتاش وقتله من بعد [280] # قال العلاء ابن الحسن لصمصام الدولة: PageV07P227 # - «إن تمرتاش فى جنبه بهاء الدولة ولا يؤمن أن يميل إليه ويقيم الخطبة ~~له.» وقرر معه تجهيز عسكر كثير من الديلم لمعونته وموافقة وجوههم على القبض ~~عليه عند الحصول ببردشير، فأخرج أبا جعفر نقيب نقباء الديلم وتقدم إليه ~~بذلك. # وسار أبو جعفر إلى كرمان وعرف عمرو بن خلف حصوله بالشيرجان [1] فعاد إلى ~~بم ونرماشير. وتمم أبو جعفر إلى بردشير. فاستقبله تمرتاش مبعدا فى استقباله ~~وسارا جميعا إلى الخيم التي ضربت لأبى جعفر. فلما وصلا إليها قال أبو جعفر ~~لتمرتاش: # - «بيني وبينكم ما يجب أن نتواقف عليه فى هذا العدو والصواب أن نقدمه.» ~~فعاد إلى مضاربه. وكان أبو جعفر قد رتب فيها قومان من الديلم لما يريده ~~فحين نزلا قبض عليه وقيده فأنفذ إلى داره من احتاط على خزائنه وإصطبلاته ~~وكان ممولا، فوجد له ما عظم قدره. وحمل تمرتاش إلى شيراز فحبسه العلاء، ثم ~~قتله. # ولما فرغ أبو جعفر من أمر تمرتاش سار بالعسكر الذي صحبه وبمن كان مقيما ~~ببردشير يطلب مواقعة عمرو بن خلف. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر [281] أبى جعفر فى هزيمته # لما التقى الفريقان بدارزين وهي فى سهل من الأرض يتسع فيها اطراد الفرسان ~~استظهر ابن خلف عليه بكثرة من الفرسان وضاقت المير على أبى PageV07P228 # جعفر ومن معه. فهرب ليلا وعاد على طريق جيرفت. # وبلغ الخبر صمصام الدولة ومدبرى أمره فانزعجوا منه، ثم أجمعوا أمرهم ~~وأخرجوا العباس بن أحمد الحاجب إلى هذا الوجه فى عدد كثير من طوائف العسكر ~~وسار متوجها للحرب. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر عمرو بن خلف فى هذه الوقعة وهزيمته وما آل حاله إليه من القتل # لما حصل العباس بن أحمد الحاجب بقرب الشيرجان، برز إليه عمرو بن خلف ~~ووقعت الوقعة على باب البلد. فكانت الدائرة على عمرو وأسر ألفتكين وكان ~~وجيها فى عسكره والمعروف بابن أمير الخيل صهر خلف وعدد كثير من السجزية ~~وذلك فى محرم سنة ms142 اثنتين وثمانين. # وعاد عمرو إلى سجستان مفلولا مع نفر من أصحابه. ولما دخل إلى أبيه قيده ~~وأزرى به وعجزه [282] فى هزيمته. وحبسه أياما ثم قتله بين يديه، وتولى غسله ~~والصلاة عليه ودفنه فى القلعة. # فليت شعري ما كان مراده من قتل ولده! ما [1] كان عذره فى قطع يده بيده؟ ~~أتراه ظن أنه يشفى غلته أو يجبر وهنه بفت عضده؟ كلا بل خاب ظنه وزاد وهنه ~~وطال حزنه لقد فعل فى الدنيا نكرا وحمل للآخرة وزرا. # فويل للقاسية قلوبهم ما أبعدهم من الصواب وأقربهم من العذاب! ووصل أبو ~~على ابن أستاذ هرمز إلى فارس وقرب من خدمة صمصام الدولة فشرع فى إنفاذ ~~أستاذ هرمز أبيه [2] إلى كرمان وقرر الأمر معه واستعيد العباس وتوجه أستاذ ~~هرمز. PageV07P229 # فقال أبو بكر ابن عمرو بن يعقوب كاتبه: لما انتهى الخبر إلى خلف بن أحمد ~~وجم لذلك الجند، ورأى أنه قد رمى [1] بحجره حين لا قدرة له على الذب عن ~~حريمه لتمزق رجاله واضطراب حاله، وعلم أنه متى قصده فى عقر داره وهو على ~~هذه الصورة انتهز فيه الفرصة. فعمد إلى إعمال الحيلة. ### ||||| ذكر حيلة عملها خلف بن أحمد فى تعليل أستاذ هرمز عن قصده [283] # كتب كتابا غير معنون أقام فيه العذر لنفسه وجعل حجته فى نقض الهدنة ~~العضدية اختلاف صمصام الدولة وبهاء الدولة. إذ كان من شروط الهدنة أنها ~~ماضية بينهما مدة حياتهما ومنتقلة إلى أولادهما بعدهما ما لم يختلفوا وأن ~~نقضه لها كان لهذا العذر، وأنه متى استونف معه الصلح أجاب إليه. # وأنفذ الكتاب على يد أحد الصوفية. قال أبو بكر: فلما وصل الكتاب قرأته ~~على أستاذ هرمز وعرفته ما فى الصلح من الصلاح. فتقدم إلى بكتب جوابه على ~~نحو ما وقع الإبتداء، ففعلت. # واستمر خلف على هذه الطريقة فى مواصلة المكاتبة وتقرير أمر الهدنة حتى ~~استقرت. وكتب بها كتابا أخذ فيه خطوط الشهود وتوثق بالأيمان والعهود. ~~واتصلت المهاداة والملاطفة بين الجهتين وخلف فى أثناء هذه الأحوال يجمع ~~المال ويثبت الرجال ويتجدد العهد، حتى ms143 إذا قويت شوكته نقض عهده. # وأظهر كتابا من المعتضد بالله رحمة الله عليه، ببلاد كرمان إقطاعا لجده ~~عمرو [ابن] الليث الصفار وجعل ذلك عذرا عند ملوك الأطراف العارفين بما ~~PageV07P230 # استقر من تلك المعاهدة. ### ||||| ذكر مكيدة لخلف أراد بها [284] إساءة سمعة أستاذ هرمز # كان بسجستان قاض يعرف بأبى يوسف البزاز مقبول القول بين الرعية يعظمونه ~~غاية الإعظام ويجرونه عندهم مجرى الإمام. فاستدعاه خلف وأخرجه رسولا إلى ~~أستاذ هرمز وضم إليه رجلا من الصوفية يعرف بالحلبي كالمؤانس له، وسلم إلى ~~المتصوف سما وواقفه على أن يقتله فى طعام يحمل إليه من دار أستاذ هرمز وفى ~~عقب حضوره على طبقه، لينسب الناس قتله إليه. ورتب للصوفي جمازات بين سجستان ~~وبم وقال له: # - «إذا قضيت الأرب فأهرب.» فتوجه أبو يوسف غافلا عما يراد به، ووصل إلى ~~أستاذ هرمز وهو ببم، فأكرمه وسمع منه ما أورده عليه ووعده بالجواب عنه. # ودخل الصوفي بينهما فى السفارة وحصلت له بها قدم عند أستاذ هرمز فآنس به. ~~فأشار عليه باستدعاء أبى يوسف إلى طعامه ليشاهد فضل مروءته فيتحدث به فى ~~بلده. # فقبل منه واستدعى أبا يوسف لذلك، فاستعفاه وامتنع. فصار الصوفي إلى أبى ~~يوسف وقال له: # - «إن فى امتناعك عليه إيحاشا له.» ولم يزل به حتى لبى دعوته وحضر عنده ~~فى بعض ليالي شهر رمضان. # واتخذ الصوفي شيئا كثيرا من القطائف. فمنه ما عمله بالفانيد السجزى على ~~عادة تلك البلاد ومنه ما عمله بالسكر [285] الطبرزد واللوز على رسم أهل ~~بغداد، وجعل السم فى البغدادي. # PageV07P231 # فلما انصرف أبو يوسف من دار أستاذ هرمز بعد إفطاره معه، سأله الصوفي عن ~~حاله وما شاهده من مروءته. فما زال أبو يوسف يذكر شيئا شيئا حتى أفضى ~~الحديث إلى ذكر القطائف. فوصف أبو يوسف جودة ما أحضر منه على الطبق. فقال ~~الصوفي: # - «ما أظن القاضي أكل مما يصلح عندنا فى العراق، وقد عملت منه شيئا ~~ليأكله ويعلم أن لبغداد الزيادة على كل بلد.» وقام وأحضر ما أودعه السم. ~~فاستدعى أبو يوسف جماعة من ms144 أصحابه ليأكلوا معه. فقال له الصوفي: # - «هذا شيء نحب أن يتوفر عليك، وقد عملت لاصحابنا ما يصلح لهم.» وأحضر ما ~~كان عمله على رسم تلك البلاد، ودعا القوم إليه، وأكل أبو يوسف من المسموم ~~[1] وأمعن فيه. # وخرج الصوفي من الدار وقصد باب البلد وركب جمازة معدة ودخل المفازة ~~متوجها إلى سجستان ونام أبو يوسف. فما مضت ساعة حتى عمل السم فيه وطلب ~~الصوفي، فلم يلحق ولا عرف له خبر، فأحس بالحيلة. # قال أبو بكر الكاتب: # - «فجاءني رسوله فى جنح الليل يستدعينى. فجئته وهو كما به يتقلب على ~~فراشه ويحتسب الله على خلف. فوصانى بحفظ ما يخلفه ومعاونة أصحابه على حمله ~~إلى بلده وتسليمه إلى ورثته. وبقي ساعة وقضى [نحبه] [286] وعرف أستاذ هرمز ~~الخبر فقلق لأجله. ثم رأى كتمان الأمر وأحسن إلى أصحاب أبى يوسف وأعادهم ~~موفورين.» ووصل الصوفى إلى خلف وحدثه الحديث، فقرر معه أن يقول فى المحفل ~~PageV07P232 # الذي يجتمع الناس فيه: أن أستاذ هرمز غدر بأبى يوسف وسمه وقتله، وأراد أن ~~يفعل بى مثل ذلك فخرجت على وجهى هاربا منه، وأنه قد نقض العهد وعزم على ~~المسير إلى هذه البلاد. # ثم عقد مجلسا فيه القضاة والشهود ووجوه الخاصة والعامة وأحضر الصوفي حتى ~~أورد ما توافقا عليه. فما استتم الصوفي كلامه حتى أجهش بالبكاء والنحيب ~~وقال: # - «وا أسفاه على القاضي الشهيد.» ونادى: «النفير لغزو كرمان.» فكتب محاضر ~~بذلك، وأنفذها إلى أصحاب الأطراف، وشنع على أستاذ هرمز بالغدر والنكث. وندب ~~ولده طاهرا المعروف بشير بابك [1] مع أربعة آلاف غلام وخمسة آلاف رجل من ~~السجزية إلى كرمان. # فسبحان من خلق أطوارا وجعل منهم أخيارا وأشرارا! ما كان أجرأ [2] هذا ~~الرجل على فعل المحظور وقول الزور! أتراه ما سمع قول الله تعالى: # «ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما» 4: 93 [3] . وقوله سبحانه: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا فقد احتمل [287] بهتانا وإثما مبينا» 4: 112 [4] ، إن الإنسان ~~لظلوم كفار» 14: 34 [5] ولقد أقدم ms145 على ظلم عظيم. PageV07P233 ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر طاهر بن خلف بكرمان # سار طالع مع عسكره إلى نرماسير وبها شهفيروز ابن بنت ملكا بن وندا خرشيد ~~فى عدة من وجوه الديلم والجيل [1] وفيهم سراهنك بن سياهجيك الجيلي قريب ~~زيار بن شهراكويه، وكان فارسا شجاعا، فوصلوا إلى باب البلد سحرا. فما شعر ~~الناس إلا بنعرة الأتراك. # وبادر الديلم عند ذلك إلى ميدان فى البلد، فاجتمعوا فيه وتشاوروا فيما ~~بينهم فيما يدبرون به أمرهم مع قصورهم عن مقاومة من نزل بساحتهم. # فبينما هم فى تراجع القول إذ أحرق السجزية أحد أبواب البلد وصعدوا السور. ~~واستقر رأى الديلم على الخروج من باب يفضى إلى البساتين والحيطان وسلوك ~~طريق بينهما تضيق عن مجال الفرسان وتوجهوا على هذه النية. # فلما وصلوا إلى الباب صادفوا السجزية داخلين منه. فتلاقوا وكان يقدم ~~الديلم سراهنك بن سياهجيك. فرمى مليلين [2] الدواتى أحد قواد خلف بزوبين ~~سقط منه صريعا ورمى آخر فقتله وثلث. فانهزم السجزية ناكصين على أعقابهم ~~[288] إلى الصحراء. # وخرج الديلم بأهلهم وأموالهم ولزموا حيطان البساتين وقصدوا جبلا كان ~~قريبا منهم وصعدوا فيه حتى خلصوا ومضوا إلى جيرفت. # ولم يقدم فرسان ابن خلف على اتباعهم فى تلك الطريق ودخل طاهر بن خلف ~~نرماسير [3] بعد انصرافهم منه. PageV07P234 # وبلغ أستاذ هرمز الخبر وهو ببم، وكان فى القلعة التي هو بها سلاح كثير له ~~خطر كبير. ### ||||| ذكر ما دبر به أستاذ هرمز أمره عند وصول الخبر إليه # جمع إليه من كان معه من الديلم وشاورهم فى الأمر فقالوا: # - «لا طاقة لنا اليوم بهذا الرجل مع قوة شوكته، لا سيما وقد انقطع عنا ~~العسكر الذين كانوا بنرماسير، والصواب أن نحمل من هذه الأسلحة ما نقدر على ~~حمله ونحرق الباقي، لئلا يستظهر العدو به علينا ونمضي إلى جيرفت ونقرر ~~رأينا هناك» . # فاستصوب رأيهم وعمل به وبادر إلى جيرفت وأقام بها يستكثر من الرجال ~~ويستعد للقتال. # وسار ابن خلف إلى بردسير [1] لأنها قطب كرمان ومن ملكها وقلعتها تمكنت ~~قدمه واستقام ملكه. [289] ### ||||| ذكر ما جرى عليه ms146 أمر ابن خلف فى قصد بردسير وما آل أمره إليه من الهزيمة # كان الحامى ببردسير فى ذلك الوقت أبو بكر محمد بن الحسن قريب أبى الوفاء ~~طاهر بن محمد، فجاهد فى الذب عن البلد ثلاثة أشهر ثم ضاقت الميرة، فكتب إلى ~~أستاذ هرمز يعلمه اشتداد الحصار به وأنه متى لم يدركه سلم البلد. ~~PageV07P235 # فبلغ ذلك من أستاذ هرمز كل مبلغ وخاف أن تتم الحيلة فيه. فسار من جيرفت ~~فى سنة أربع وثمانين والزمان شات، ولاقى عسفا فى طرق سلكها وأخطار ركبها. ~~فلما قرب من بردسير أخذ فى لحف الجبل حتى صار بينه وبين القلعة ثلاثة فراسخ ~~ثم رتب مصافه وسار. # وعرف من فى القلعة وروده، فضربوا البوقات والطبول وبرزوا. وتلاقى السجزية ~~عسكر أستاذ هرمز واقتتلوا عامة النهار وأستاذ هرمز زحف بعسكره إلى باب ~~البلد حتى إذا شارفه قلع السجزية مضاربهم من موضعها وتأخروا واختلطوا ~~محاصرين [1] لعسكر أستاذ هرمز. # وقوى بعضهم ببعض وهابهم السجزية وأحجموا عن الإقدام عليهم وأقاموا يوما ~~واحدا. [290] ثم أوقدوا النيران ليلا يوهمون بها أنهم مقيمون، ورحلوا. # وعرف أستاذ هرمز خبر انصرافهم سحرا فأنفذ أبا غالب ابنه فى جماعة من ~~الفرسان لاقتصاص آثارهم فسار مجدا فى طلبهم وقتل جماعة ظفر بهم منهم. # ورحل أستاذ هرمز يطوى المنازل إلى نرماسير، فوصلها وقد دخل طاهر بن خلف ~~المفازة عائدا إلى سجستان. # ونعود إلى سياقة التاريخ. ### ||||| عود بهاء الدولة من الأهواز إلى مدينة السلام # وفى هذه السنة عاد بهاء الدولة من الأهواز إلى مدينة السلام وقبض على أبى ~~نصر خواشاذه وأبى عبد الله ابن طاهر. PageV07P236 ### |||||| ذكر السبب فى ذلك # كان أبو الحسن المعلم يتوقع فى كل ناظر خدمة وهدية وكان أبو نصر فيه شح ~~يمنعه عن ذلك، فإذا أشير عليه قال: # - «إنما يفعل هذا الفعل من يرتزق أو يرتفق.» ففسد رأى أبى الحسن فيه ~~فسادا عرفه كل أحد، وبلغ أبا نصر فخافه وهم بالهرب عن قرب بهاء الدولة، ~~واستدعى من العرب من يخرج معه. # ثم توقف وأشار عليه أهل أنسه بتلافى ms147 أبى الحسن بما يحمله إليه، فنازلهم ~~إلى ألف دينار. فقالوا له: # - «تكون وزنا يلقى بها بواسط.» فلم يفعل وأخذ خط بعض الباعة به وأنفذه ~~إليه فلم يقع موقعه، إلا أنه قبله تأنيسا له. وورد مدينة [291] السلام فقبض ~~عليه وأخذ له عند القبض عليه من عدة مواضع ما بلغ قيمته ألفى ألف دينار ~~وأفرج عنه بعد ذلك بمدة. # فانظر إلى هذا الشح المطاع كيف ألقى صاحبه فى المهالك، وأخرجه إلى ضيق ~~المسالك. فإنه ضيع الكثير من حيث حفظ القليل. # والجواد أملك لماله من الشحيح. لأن ذلك يبدله: إما لنفع عاجل وإما لذخر ~~آجل. وهذا يخزنه: إما لحادث وإما لوارث. فذاك محظوظ وهذا محروم. وذاك مشكور ~~وهذا مذموم. # وقد قيل: أنفق فى حالتي الإقبال والإدبار والإنفاق فى زمن الإقبال لا ~~ينقص حالا والإمساك فى زمن الادبار لا يحفظ مالا. قال الله تعالى: «ومن يوق ~~شح نفسه فأولئك هم المفلحون» 59: 9 [1] . PageV07P237 ### ||||| القبض على ابن طاهر # فأما أبو عبد الله ابن طاهر فإنه كان نائبا عن أبى نصر سابور، إلا أنه ~~أقر على أمره عند القبض على سابور بالأهواز، لأنه أعطى أبا الحسن المعلم ما ~~أرضاه، ثم [لم] [1] يدفع عنه كراهة منه لإيحاش أبى القاسم عبد العزيز، فقبض ~~عليه وقرر أمره على مال صححه وخلى عنه. ### ||||| سكون فتنة العيارين # وفيها سكنت الفتنة وتتبع العيارون وأخذوا وقتلوا واطمأن الناس وقامت ~~الهيبة. وكان فى جملة العيارين المأخوذين إنسان يعرف بابن جوامرد [2] من ~~وجوههم، وكان قد أبقى فى أيام [صمصام الدولة] [292] وحرس الأسواق. # فسئل بهاء الدولة فى أمره فآمنه، [3] ومن أبقى أبقى عليه، ومن أساء أساء ~~[4] إليه، ومن أحسن أحسن إليه. # وفيها هرب أبو منصور فولاذ بن ماناذر من شيراز. ### ||||| ذكر السبب فى هرب فولاذ # لما استفحل أمره بفارس وزاد على حد أصحاب الجيوش حصل صمصام الدولة تحت ~~حكمه وجعل اسمه مقترنا باسمه فى المناشير وكتب فيها: # «هذا كتاب من صمصام الدولة وشمس الملة أبى كاليجار بن عضد الدولة ~~PageV07P238 # يمين أمير المؤمنين، ومن عبده وصاحب جيشه نجم ms148 الدولة أبى منصور مولى أمير ~~المؤمنين.» كانت بينه وبين العلاء بن الحسن المودة التي تقدم ذكرها. ثم ~~استحالت عداوة ثبتت على الأيام أصولها وبسقت فروعها. فعمل فولاذ على القبض ~~عليه وخاطب صمصام الدولة على ذلك، فأجابه إلى مراده منه. ### ||||| ذكر الحيلة التي رتبها فولاذ على العلاء بن الحسن وانعكاسها حتى صارت الدائرة على فولاذ [293] # صار فولاذ إلى دار الإمارة وفيها أبو القاسم العلاء بن الحسن على عادته. # فقدم إليه واستقبله وقضى حقه وأخذ بيده وما شاه وحادثه. ثم وقف على باب ~~بيت ودفع فى صدره حتى حصل بالبيت وأغلق بابه عليه ووكل به قوما. # فاشتغل فولاذ بلقاء الديلم وسلامهم وخطابهم على أمورهم. وكان البيت الذي ~~حصل فيه له باب آخر قد سمر فعالجه حتى فتحه وخرج منه ودخل على صمصام الدولة ~~فى حجرة خلوته. فقال له: # - «قد قبض هذا الرجل على، وغرضه فى ذلك أن لا يترك بين يديك من يخدمك، ~~وفى نفسه أن يعلو على الملك.» قال: «فما الرأى.» قال: «أن تقبض عليه إذا ~~دخل إليك الساعة وعلى أن لا يجرى من العسكر قول فى معناه.» ففعل وتقدم إلى ~~بعض الحواشي بالقبض عليه إذا أقبل إلى حضرة صمصام الدولة والعدول به إلى ~~بعض البيوت. # PageV07P239 # وسمع على الأرزنانى [1] النديم الحديث، وكان يتجسس على صمصام الدولة ~~لفولاذ. فلما وافى فولاذ أومى على [2] إليه بيده أن: # - «ارجع فإنك مأخوذ.» فرجع فولاذ نافرا وانصرف إلى داره. # وخرج العلاء بن الحسن إلى وسط العسكر على أثره وأظهر لهم عصيانه ونادى ~~للركوب إليه والقبض عليه. فعرف فولاذ ما عول عليه العلاء، فأخذ ما خف من ~~ماله على الجمازات وسار. # وتبعه العلاء مغذا فى طلبه [3] قانعا بما تم عليه [294] من هربه. ومضى ~~فولاذ إلى الأكراد الخسروية فنزل عليهم. وعاد العلاء وأقطع الديلم إقطاعات ~~فولاذ واستقام الأمر له. # وكاتب الأكراد وطالبهم بفولاذ وسبق إليهم بالوعيد إن لم يسلموه وكانوا قد ~~طمعوا فى مال فولاذ. وانضاف إلى الطمع فيه الخوف من العلاء، فنهبوه وأفلت ~~بنفسه منهم وحصل بالرى ms149 وأقام عند فخر الدولة، إلى أن توفى. فأما على ~~الارزنانى، فإن صمصام الدولة أمر بقتله فقتل. ### ||||| ذكر القبض على عبد العزيز بن يوسف وأصحابه # وفيها قبض على أبى القاسم عبد العزيز بن يوسف وعلى أصحابه وأسبابه. # وكانت مدة نظره ببغداد شهرين ونصفا. وقلد أبو القاسم على بن أحمد ~~الأبرقوهى الوزارة وخلع عليه. PageV07P240 # وفى هذا الوقت قبض على الطائع لله وقد جلس لبهاء الدولة. ### ||||| ذكر السبب فى القبض على الطائع لله رضوان الله عليه # كان أبو الحسن المعلم- وبئس القرين هو- قد كثر عند بهاء الدولة مال ~~الطائع لله وذخائره وأطمعه فيها وهون عليه أمرا عظيما وجرأه على خطة شنعاء، ~~فقبل منه وقبض عليه. ثم لم يحظ من ذلك إلا بسوء الذكر إلى آخر الدهر. ولولا ~~أن حسنات أيام القادر بالله رضوان الله عليه، أسبلت [295] على مساوئ هذا ~~الفعل سترا، لما وجد عند الله تعالى ولا عند المخلوقين عذرا. # لكن محاسن ذلك الإمام التقى الرضى أعادت وجه الدين مشرقا وعود الإسلام ~~مورقا. # فأما شرح ما جرت عليه الحال يوم القبض فلم نذكره إذ لا سياسة فيه فتحكى، ~~ولا فضيلة فتروي. إلا أبياتا للرضى أبى الحسن الموسوي رحمه الله. فإنه كان ~~فى جملة من حضر. فلما أحس بالفتنة أخذ بالحزم وبادر الخروج من الدار، وتلوم ~~من تلوم من الأماثل، فامتهنوا وسلبت ثيابهم وسلم هو فقال: # أعجب لمسكة نفسي بعد ما رميت ... من النوائب بالأبكار والعون # ومن نجاتي يوم الدار حين هوى ... غيرى ولم أخل من حزم ينجينى # مرقت منها مروق النجم منكدرا ... وقد تلاقت مصاريع الردى دوني # وكنت أول طلاع ثنيتها ... ومن ورائي شر غير مأمون # من بعد ما كان رب الملك مبتسما ... إلى أدنيه فى النجوى ويدنيني # أمسيت أرحم من أصبحت أغبطه ... لقد تقارب بين العز والهون # ومنظر كان بالسراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني PageV07P241 ~~هيهات أغتر بالسلطان ثانية ... قد ضل ولاج أبواب السلاطين [1] # [296] # وبالله تعالى نستعين من شر الفتن وانقلاب الزمن، وإياه نسأل سلامة شاملة ~~وعاقبة حميدة بمنه. PageV07P242 ### ||| خلافة القادر ms150 بالله ### |||| * # ولما انصرف بهاء الدولة إلى داره- وقد حمل الطائع لله قبله إليها واعتقل ~~فيها- أظهر أمر الخليفة القادر بالله أبى العباس أحمد بن اسحق بن المقتدر ~~بالله رضوان الله عليهم، ونادى بشعاره فى البلد. # وكتب على الطائع كتابا بالخلع وتسليم الأمر إلى القادر بالله رضى الله ~~عنه، وشهد الشهود فيه عليه، وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر ~~وخمسة أيام. # وانحدر إلى حضرة القادر بالله من خواص بهاء الدولة من يهنيه بالخلافة ~~ويصعد فى خدمته إلى مدينة السلام. # وشغب الديلم والأتراك مطالبين برسم البيعة ومنعوا من الخطبة باسم الخليفة ~~فى يوم الجمعة، فقيل: # - «اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله. [1] » فقيل: «اللهم أصلح عبدك ~~وخليفتك» [2] ولم يسم. # وترددت الرسل بين بهاء الدولة وبين العسكر، فأرضى الوجوه والأكابر ثم ~~PageV07P243 # قرر لكل واحد ثمانمائة درهم وأخذت البيعة على الجماعة واتفقت الكلمة على ~~الرضا [1] والطاعة. # وأقيمت الخطبة باسم أمير المؤمنين القادر بالله أبى العباس أحمد رضوان ~~الله عليه، فى يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان. وقيل: إن القادر بالله ~~[297] رضوان الله عليه، رأى رؤيا قبل ورود الخبر إليه بمصير الأمر إليه. ### ||||| ذكر الرؤيا التي رآها القادر بالله رضوان الله عليه # قال هبة [الله] بن عيسى كاتب مهذب الدولة: # كنت أغشى مجلس القادر بالله فى مقامه بالبطيحة فى كل أسبوع يومين. # فإذا حضرت رفعنى وإذا رمت تقبيل يده منعني. فدخلت إليه يوما فوجدته قد ~~تأهب، لم تجر عادته بمثله ولم أر منه ما عودنيه من الإكرام، وجلست دون ~~موضعي فما أنكر ذلك منى، ورمت تقبيل يده فمدها إلى. فاختلفت بى الظنون لزلة ~~منى، فإن تكن فأسأل إعلامى بها، فإما أن أطلب مخرجا منها بالعذر، أو ألوذ ~~فيها بالعفو. فأجابنى بوقار أن اسمع: # - «رأيت البارحة فى منامي كأن نهركم هذا- وأومى إلى نهر الصليق- قد اتسع ~~حتى صار عرض دجلة دفعات، وكأنى متعجب من ذلك وسرت على حافته [مستعظما] ~~لأمره ومستطرفا لعظمه. فرأيت دستاهيج قنطرة عظيمة [2] فقلت: ترى من قد حدث ~~نفسه بعمل قنطرة فى هذا الموضع على ms151 مثل هذا البحر الكبير؟ وصعدته فكان ~~[298] بثقا محكما ومددت عيني وإذا بازائه مثله، وزال الشك عنى فى انهماد ~~دستاهيج قنطرة وأقبلت أصعد وأصوب فى التعجب. فبينما أنا واقف عليه إذ رأيت ~~شخصا قد تأملنى من ذلك الجانب PageV07P244 # وناداني: يا أحمد أتريد أن تعبر؟ قلت: نعم. فمد يده حتى وصلت إلى وأخذنى ~~وعبر بى. فهالني فعله فقلت له وقد تعاظمنى أمره: من أنت؟ قال: # على بن أبى طالب. هذا الأمر صائر إليك ويطول عمرك فيه، فأحسن إلى ولدي ~~وشيعتي.» فما أنهى الخليفة هذا المقال من قوله حتى سمعنا صياح ملاحين وضجيج ~~ناس. فسألنا عن ذلك فقيل: # - «ورد أبو على ابن محمد بن نصر وجماعة معه.» فإذا هم الواردون للإصعاد ~~به فقد تقررت الخلافة له. فعاودت تقبيل يده ورجله وخاطبته بإمرة المؤمنين ~~وبايعته. # ثم قام مهذب الدولة بخدمة الخليفة فى إصعاده وانحداره أحسن قيام، وحمل ~~إليه من المال والثياب والآلات ما يحمل مثله إلى الخلفاء، وأعطاه الطيار ~~الذي كان صنعه لنفسه، وشيعه إلى بعض الطريق وأنفذ هبة [الله] بن عيسى فى ~~خدمته. # فلما وصل إلى واسط اجتمع الخدم بها وطالبوا برسم البيعة وجرت لهم خطوب ~~انتهت إلى أن وعدوا بإجرائهم مجرى البغداديين. # فلما تقررت أمورهم عليه ورضوا. سار. فلما بلغ الجبل انحدر بهاء الدولة ~~ووجوه الأولياء وأماثل الناس لتلقيه [299] وخدمته ودخل دار الخلافة ليلة ~~الأحد ثانى عشر رمضان. ### ||||| ذكر جلوس القادر بالله أمير المؤمنين رضوان الله عليه على سرير الخلافة # جلس ثانى يوم حصوله فى الدار جلوسا عاما وهنئ بالأمر وأنشد المديح PageV07P245 ~~بالشعر. وكان من ذلك قصيدة للرضى أبى الحسن الموسوي [1] أولها: # شرف الخلافة يا بنى العباس ... اليوم جدده أبو العباس # هذا الذي رفعت يداه بناءها ال ... عالى وذاك موطد الآساس [2] # ذا الطود بقاه الزمان ذخيرة ... من ذلك الجبل الأشم الراسى # وتمامها مثبت فى ديوان شعره [3] ولقد صدق الموسوي فى قوله. [4] إن القادر ~~بالله جدد معاهد الخلافة وأنار أعلامها، وكشف غمم الفتنة وجلى ظلامها، ~~ويقولون: لئن كان لكل من الائمة رضوان الله ms152 عليهم مناقب مروية وطرائق ~~مرضية، فإن لأربعة منهم فضائل أفردوا بمزاياها وحظوا بمرباعها وصفاياها: ~~قام أمير المؤمنين السفاح سفح دماء الأعداء وتأخى كشف الغماء [5] وتفرد ~~وتفضل بفضيلة الإبتداء، والمنصور بالله، أيد بالنصر فى توطيد [300] قواعد ~~الأمر، فذلل كل صعب وأزال كل شعب وثقف كل مناد [6] ومهد لمن بعده أحسن ~~مهاد، ثم المعتضد بالله عضد الدولة بحسن تدبيره وسياسته وتلافاها بشرف نفسه ~~وعلو همته وأعادها بعد الضعف إلى PageV07P246 # القوة وبعد اللين إلى الشدة وبعد الأود إلى الاستقامة وبعد الفتنة إلى ~~السلامة، ثم القادر بالله قدر من صلاحها على ما لم يقدر عليه سواه وسلك من ~~طريق الزهد والورع ما تقدمت فيه خطاه، فكان راهب بنى العباس حقا وزاهدهم ~~صدقا. ساس الدنيا والدين وأغاث الإسلام والمسلمين واستأنف فى سياسة الأمر ~~طرائق قويمة ومسالك مأمونة سليمة هي إلى الآن مستمرة والقاعدة عليها مستقرة ~~لم تعرف منه زلة ولا ذمت له خلة. فطالت أيامه وطابت أخباره وأقفيت آثاره ~~وبقيت على ذريته الشريفة أنواره رضى الله عنه رضاه عن الائمة المتقين، ~~وجعلها كلمة باقية فى عقبه إلى يوم الدين.» ### ||||| حمل ما كان أخذ من دار الخلافة # وحمل إلى القادر بالله بعض ما كان أخذ من دار الخلافة من الأثاث والأوانى ~~والآلات وجعل كتابه وحجابه وحواشيه جميعهم من أصحاب بهاء الدولة، ثم أعاد ~~القادر بالله بعد ذلك حاشية الدار القدماء إلى مواضعهم. وكان مدة مقامه ~~[301] بالبطيحة من يوم وصلها إلى يوم خرج منها سنتين وأحد عشر شهرا. ### ||||| توقير أخت بهاء الدولة # فأما أخت بهاء الدولة التي كانت فى حبال الطائع لله فإن دارها حرست يوم ~~القبض من النهب. ثم نقلت إلى دار بمشرعة الصحراء أقامت فيها موقرة إلى أن ~~توفيت. # وفى هذه السنة ورد الخبر بوفاة سعد الدولة أبى المعالي ابن سيف الدولة PageV07P247 ~~بعد قتله بكجور غلامه [1] . ### ||||| شرح الحال فى عصيان بكجور وما آل إليه أمره من القتل ونبذ من أخبار المصريين تتصل بها فى هذه السنة وما بعدها # كان لسعد الدولة غلام يعرف ببكجور فاصطنعه ms153 وقلده الرقة والرحبة واستكتب ~~له أبا الحسن على بن الحسين المغربي. # فلما طالت مدته فى ولايته جحد الإحسان وحدث نفسه بالعصيان واستغوى طائفة ~~من رفقائه فصاروا إليه وخرج إلى أبى الحسن المغربي بسره، فأشار إليه ~~بمكاتبة صاحب مصر الملقب بالعزيز والتحيز إليه فقبل منه وكاتبه واستأذنه فى ~~قصد بابه فأذن له. وسار عن الرقة بعد أن خلف عليها سلامة الرشيقى غلامه ~~وأخذ رهائن أهلها على الطاعة. فلقيته كتب صاحب مصر وخلعه [302] وعهده على ~~دمشق، فنزل بها وتسلمها ممن كان واليا عليها. # ووجد أحداثها وشبانها مستولين، ففتك بهم وقتل منهم، وقامت هيبته بذلك. ~~[2] وترددت بينه وبين عيسى بن نسطورس الوزير مكاتبات خاطبه فيها بكجور ~~بخطاب توقع عيسى أوفى منه. ففسد ما بينهما وأسر عيسى العداوة له وأساء غيبه ~~وقطع بكجور مكاتبة عيسى وشكاه إلى صاحب مصر، فأمر عيسى باستئناف الجميل معه ~~فقبل ظاهرا وخالف باطنا. # وخاف بكجور عيسى ومكيدته فاستمال طوائف من العرب وصاهرهم فمالوا إليه ~~رغبة وعاد إلى الرقة وكتب إليه صاحب مصر يعاتبه على فعله فأجابه جواب ~~المعتذر الملاطف. PageV07P248 ### ||||| ذكر السبب فى مسير بكجور إلى حلب لقتال مولاه [1] # كان لبكجور رفقاء بحلب يوادونه. فكاتبوه وأطمعوه فى الأمر وأعلموه تشاغل ~~سعد الدولة باللذة، فاغتر بأقوالهم وكتب إلى صاحب مصر يبذل له فتح حلب ~~ويطلب منه الإنجاد والمعونة فأجابه إلى كل ملتمس. وكتب إلى نزال الغورى ~~وإلى طرابلس بالمسير إليه متى [2] استدعاه من غير معاودة. # وكان نزال هذا [203] من قواد المغاربة وصناديدهم ومن صنائع عيسى وخواصه. ### ||||| ذكر الحيلة التي رتبها عيسى مع نزال فى التقاعد ببكجور حتى ورطه # كتب عيسى إلى نزال سرا بأن يظهر لبكجور المسارعة ويبطن له المدافعة. # فإذا تورط مع مولاه وصادمه تأخر عنه وأسلمه. # فرحل بكجور عن الرقة وكتب إلى نزال بأن يسير من طرابلس ليكون وصولهما إلى ~~حلب فى وقت واحد وسار إليها. # ورحل نزال وأبطأ فى سيره وواصل مكاتبة بكجور بنزوله فى منزل بعد منزل ~~وقرب عليه الأمر فى وصوله. وقد كان سعد الدولة كتب ms154 إلى بسيل عظيم الروم ~~وأعلمه عصيان بكجور عليه وسأله مكاتبة البرجى صاحبه بأنطاكية بالمسير إليه ~~متى استنجده بالمسير إليه فسار. # وبرز سعد الدولة فى غلمانه وطوائف عسكره- ولؤلؤ الجراحي الكبير ~~PageV07P249 # يحجبه- ولم يكن معه من العرب إلا عمرو بن كلاب وعدتهم خمسمائة فارس إلا ~~أنهم أولو بأس ومن سواهم من [1] عدته وعدته. فنزل إلى الأرض وصلى وعفر خديه ~~وسأل الله تعالى النصر. # ثم استدعى كاتبه وأمره بأن يكتب إلى [304] بكجور عنه ويستعطفه ويذكره ~~الله ويبذل له أن يقطعه من الرقة إلى باب حمص ويدعوه إلى الموادعة ورعاية ~~حق الرق والعبودية. # ومضى بالكتاب رسول فأوصله إليه. فلما وقف عليه قال: الجواب ما يراه ~~عيانا. فعاد الرسول وأعاد على سعد الدولة قوله وأخبره أنه سائر على أثره. # فتقدم سعد الدولة وتقارب العسكران ورتب المصاف ووقع الطراد. ### ||||| ذكر وجود عاد على سعد الدولة بحفظ دولته وشح آل ببكجور إلى ذهاب مهجته # كان الفارس من أصحاب سعد الدولة إذا عاد إليه وقد طعن أو جرح خلع عليه ~~وأحسن إليه. وكان بكجور شحيحا فإذا عاد إليه رجل من رجاله على هذه الحال ~~أمر بأن يكتب اسمه لينظر مستأنفا فى أمره. # وقد كان سعد الدولة كاتب العرب الذين مع بكجور وآمنهم ووعدهم ورغبهم. ~~فلما حصلت كتبه بالأمان معهم عطفوا على [2] سواده ونهبوه واستأمنوا إلى سعد ~~الدولة. # ورأى بكجور ما تم عليه من تقاعد نزال به وانصراف العرب عنه وتأخر رفقائه ~~الذين كانوا كاتبوه ووعدوه بالانحياز إليه إذا شاهدوه. فاستدعى أبا ~~PageV07P250 # الحسن المغربي كاتبه وقال له: # - «لقد غررتنى فما الرأى الآن؟» قال له: # - «أيها الأمير لم أكذبك فى شيء قلته ولا أردت [305] إلا نصحك. # والصواب مع هذه الأسباب أن ترجع إلى الرقة وتكاتب صاحب مصر بما اعتمده ~~نزال معك وتعاود استنجاده.» وكان فى العسكر قائد من القواد يجرى مجراه فى ~~التقدم فسمع ما جرى بينهما فقال لبكجور: # - «هذا كاتبك إذا جلس فى دسته قال: الأقلام تنكس الأعلام. فإذا تحققت ~~الحقائق أشار علينا بالهرب والله لاهربنا.» وحلف بالطلاق على ذلك ms155 وسمع أبو ~~الحسن المغربي قوله فخاف وكان قد واقف بدويا من بنى كلاب على أن يحمله إلى ~~الرقة متى كانت هزيمة وبذل له ألف دينار على ذلك. # فلما استشعر ما استشعر قدم ما كان أخره وسأل البدوي تسييره إلى الرقة ~~فسيره. ### ||||| ذكر ما دبره بكجور بفضل شجاعته فحالت المقادير دون إرادته # لما رأى الأمر معضلا عمل على أن يعمد إلى الموضع الذي فيه سعد الدولة من ~~المصاف ويحمل عليه بنفسه ومن ينتخبه من صناديد عسكره موقعا به فاختار وجوه ~~غلمانه وقال لهم: # - «قد حصلنا من هذه الحرب على شرف أمرين صعبين من هزيمة وهلاك وقد عولت ~~على كيت وكيت فإن ساعدتمونى رجوت لكم الفتح.» PageV07P251 ~~فقالوا: «نحن طوعك وما نرغب بنفوسنا عن نفسك.» فغدر واحد من الغلمان ~~واستأمن إلى لؤلؤ [306] الجراحي وأعلمه بما عول عليه. ### ||||| ذكر ما فعله لؤلؤ من افتداء مولاه بنفسه فنجاهما الله بحسن النية # أسرع لؤلؤ إلى سعد الدولة وأخبره الحال وقال: # - «قد أيس بكجور من نفسه وهو لا شك فاعل ما قد عزم عليه، فانتقل من مكانك ~~إلى مكاني لأقف أنا فى موضعك وأكون وقاية لك ولدولتك.» فقبل سعد الدولة ~~رأيه ووقف لؤلؤ تحت الراية وجال بكجور فى أربعمائة غلام شاكين فى السلاح ثم ~~حمل فى عقيب جولته حملة أفرجت له العساكر ولم يزل يخبط من تلقاه بالسيف إلى ~~أن وصل إلى لؤلؤ وهو يظنه سعد الدولة فضربه على الخوذة ضربة قدها ووصلت إلى ~~رأسه ووقع لؤلؤ إلى الأرض. # وحمل العسكر على بكجور وبادر سعد الدولة عائدا إلى مكانه مظهرا نفسه ~~لغلمانه. فلما رأوه قويت شوكتهم وثبتت أقدامهم واشتدوا فى القتال حتى ~~استفرغ بكجور وسعه، ثم انهزم فى سبعة نفر. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر بكجور بعد الهزيمة إلى أن قتل # كان تحته فرس ثمنه ألف دينار فانتهى إلى ساقية تحمل الماء إلى رحا الطريق ~~سعتها [307] قدر ذراعين فجهد الفرس على أن يعبرها خوضا أو وثبا PageV07P252 ~~فلم يكن [1] فيه ووقف ولحقته عشرة فوارس من العرب فرجلته وأصحابه ms156 وجردوهم ~~من ثيابهم وآبوا عنهم بأسلابهم. # ونجا بكجور ومن معه إلى الرحا فاستكنوا فيه. ### ||||| بكجور ورجل من بنى قطن # ثم خرجوا من بعد إلى قراح فيه زرع فمر بهم قوم من العرب وكان فيهم رجل من ~~بنى قطن كان بكجور يستخدمه كثيرا فى مهماته فناداه: أن ارجع، فرجع وهو لا ~~يعرفه فأخذ ذمامه، ثم عرفه نفسه وبذل له على إيصاله الرقة حمل بعيره ذهبا، ~~فأردفه وحمله إلى بيته وكساه. # وكان سعد الدولة قد بث الخيل فى طلبه وجعل لمن أحضره حكمه. # فساء ظن البدوي وطمع فيما كان سعد الدولة بذله واستشار ابن عمه فى أمره ~~فقال: # - «هو رجل بخيل وربما غدر فى وعده وإذا قصدت سعد الدولة به حظيت برفده.» ~~فأسرع البدوي إلى معسكر سعد الدولة وأشعره بحال بكجور واحتكم عليه مائتي ~~فدان زراعة ومائة ألف درهم ومائة راحلة محملة برا وخمسين قطعة ثيابا فبذل ~~له سعد الدولة ذلك جميعه. # وعرف لؤلؤ الجراحي الخبر وتقرر أن يمضى البدوي ويحضره. فتحامل وهو مثخن ~~بالضربة التي أصابته ومشى يتهادى على أيدى غلمانه حتى حضر عند سعد الدولة. ~~PageV07P253 ### ||||| ذكر حزم أخذ به لؤلؤ دل منه [308] على أصالة رأى # لما حضر سأل عما يقوله البدوي فأخبر به فقبض لؤلؤ على يده وقال له: # - «أين أهلك.» فقال: # - «فى المرج على فرسخ.» فاستدعى جماعة من غلمانه وأمرهم أن يسرعوا إلى ~~الحلة ويقبضوا على بكجور ويحملوه فتوجهوا وهو قابض على يد البدوي، والبدوي ~~يستغيث. # فقدم لؤلؤ إلى سعد الدولة وقال: # - «يا مولانا لا تنكر على فعلى، فإنه منى عن استظهار فى خدمتك فلو عاد ~~هذا البدوي إلى بيته لم نأمن أن يبذل له بكجور مالا جما فيقبل منه وتطلب ~~منه بعد ذلك أثرا بعد عين والذي طلبه البدوي مبذول وما ضر الاحتياط.» فقال ~~له سعد الدولة: # - «أحسنت يا أبا محمد، لله درك.» ولم يمض ساعات حتى أحضر بكجور فشاور سعد ~~الدولة لؤلؤا فى أمره، فأشار عليه بقتله خوفا من أن تسأل أخت سعد الدولة ~~فيه فيفرج عنه، ms157 فأمر عند ذلك بضرب عنقه. # فسار سعد الدولة إلى الرقة فنزل عليها وفيها سلامة الرشيقى وأبو الحسن ~~المغربي وأولاد بكجور وحرمه وأمواله ونعمه. فأرسل إلى سلامة يلتمس منه ~~تسليم البلد فأجابه: # - «بأنى عبدك وعبد عبدك إلا أن لبكجور على عهودا ومواثيق لا مخلص PageV07P254 ~~لى عند الله منها إلا بأحد أمرين: إما أنك تذم لأولاده على نفوسهم وحرمهم ~~[309] وتقتصر فيما تأخذه منهم على آلات الحرب- وعددها- وتحلف لهم على ~~الوفاء به، وإما بأن أبلى [1] عذرا عند الله تعالى فيما أخذ على من عهد ~~وعقد معى من عقد.» فأجابه سعد الدولة إلى ما اشترطه من الذمام وحلف له ~~بيمين مستوفاة الأقسام ودخل فيها الأمان لأبى الحسن المغربي بعد أن كان قد ~~هدر دمه. إلا أنه أمنه على أن يقيم فى بلاده. فهرب إلى الكوفة وأقام بمشهد ~~أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر سلامة الرشيقى وأولاد بكجور فى خروجهم من الرقة وغدر سعد الدولة # لما توثق سلامة لنفسه ولأولاد بكجور سلم حصن الرافقة وخرجوا منها ومعهم ~~من الأموال والزينة ما كثر فى عين سعد الدولة. فإنه كان يشاهدهم من وراء ~~سرادقه وبين يديه ابن أبى الحصين القاضي وقال له: # - «ما ظننت أن حال بكجور انتهت إلى ما أراه من هذه الأثقال والأموال.» ~~فقال له ابن أبى الحصين: # - «إن بكجور وأولاده مماليكك وكلما ملكه وملكوه هو لك لا حرج عليك فيما ~~تأخذه منهم ولا حنث فى الأيمان التي حلفت بها، ومهما كان فيها من وزر وإثم ~~فعلى دونك.» [310] PageV07P255 # فلما سمع هذا القول أصغى إليه وغدر بهم وقبض على جميع ما كان معهم. # فما كان أسوأ محضر هذا القاضي الذي حسن لسعد الدولة تسويل الشيطان وأفتاه ~~بنقض الأيمان، ثم لم يقنع بما زين له من غدره ولبس عليه من أمره حتى تكفل ~~له بحمل وزره. وهل أحد حامل وزر غيره؟ أما سمع قول الله تعالى فى أهل ~~الضلالة: «وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما ~~هم بحاملين ms158 من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون» 29: 12 [1] . # وكان أولاد بكجور كتبوا إلى العزيز بما جرى على والدهم وسألوه مكاتبة سعد ~~الدولة بالإبقاء عليهم. ### ||||| ذكر ما جرى بين صاحب مصر وسعد الدولة من المراسلات وما اتفق من وفاة سعد الدولة بعقب ذلك # كتب صاحب مصر إليه كتابا يتوعده فيه ويأمره بالابقاء عليهم وتسييرهم إلى ~~مصر موفورين ويقول فى آخره: # - «فإن خالفت كنت خصمك ووجهت العساكر نحوك.» وأنفذ الكتاب مع فائق ~~الصقلبى [2] أحد خواصه وسيره على نجيب إسراعا به. فوصل فائق إلى سعد الدولة ~~وقد وصل من الرقة إلى ظاهر حلب وأوصل إليه الكتاب. فلما وقف عليه جمع وجوه ~~عسكره وقرأه عليهم ثم قال لهم: # - «ما [311] الرأى عندكم.» قالوا له: # - «نحن عبيد طاعتك ومهما أمرتنا به كنا عند طاعتك منه.» PageV07P256 # فأمر بإحضار فائق فأهانه وقال له [1] : # - «عد إلى صاحبك وقل له: لست ممن يستفزه وعيدك وما بك حاجة إلى تجهيز ~~عسكر إلى، فإننى سائر إليك وخبري يأتيك من الرملة.» وقدم قطعة من عسكره إلى ~~حمص أمامه وعاد فائق إلى صاحبه فعرفه ما سمعه ورآه فأزعجه وأقلقه. وأقام ~~سعد الدولة بظاهر حلب أياما ليرتب أموره ويتبع العسكر الذي تقدمه، فعرض له ~~القولنج أشفى منه وعاد إلى البلد متداويا وأبل وهنئ بالسلامة. # وعول على العود إلى المعسكر، فحضرت فراشه فى الليلة التي عزم على الركوب ~~فى صبيحتها إحدى حظاياه، وتبعتها النفس الشهوانية المهلكة فواقعها وسقط ~~عنها وقد جف نصفه. وعرفت أخته الصورة فدخلت إليه وهو يجود بنفسه واستدعى ~~الطبيب فأشار بسجر الند [2] والعنبر حوله فأفاق قليلا فقال له الطبيب: # - «أعطنى يدك أيها الأمير لآخذ مجسك.» فأعطاه اليسرى فقال: # - «يا مولانا اليمين.» فقال: «أيها الطبيب ما تركت لى اليمين يمينا.» ~~فكأنه تذكر ما فرط من خيانته وندم على نقض العهد ونكثه. # ومضت عليه ثلاث ليال وقضى نحبه بعد أن قلد عهده لولده أبى الفضائل ووصى ~~إلى لؤلؤ الجراحي به [312] وببقية ولده. PageV07P257 ### ||||| ذكر قيام أبى الفضائل ابن سعد الدولة بعد أبيه وما جرى له مع العساكر ms159 المصرية # جد لؤلؤ فى نصب أبى الفضائل فى الأمر وأخذ له البيعة على الجند، وتراجعت ~~العساكر إلى حلب واستأمن منها إلى صاحب [مصر] وفاء الصقلى [1] وبشارة ~~الإخشيدي ورباح وقوم آخرون فقبلهم وأحسن إليهم وولى كلا [2] منهم بلدا. # وقد كان أبو الحسن المغربي بعد حصوله فى المشهد بالكوفة كاتب صاحب مصر ~~وصار بعد المكاتبة إلى بابه. فلما توفى سعد الدولة عظم أمر حلب عنده وكثر ~~له أموالها وهون عليه حصولها وأشار باصطناع أحد الغلمان وإنفاذه إليها. # فقبل منه إشارته وقدم غلاما يسمى منجوتكين فخوله وموله ورفع قدره ونوه ~~بذكره وأمر القواد والأكابر بالترجل له وولاه الشام واستكتب له أحمد بن ~~محمد القشوري وسيره إلى حلب وضم إليه أبا الحسن المغربي ليقوم بالأمر ~~والتدبير. ### ||||| ذكر مسير منجوتكين من مصر إلى حلب ونزوله عليها [313] # لما وصل إلى دمشق تلقاه قوادها وأهلها وعساكر الشام كلها فأقام بها مدة. ~~ثم رحل إلى حلب وقد استعد واحتشد ونزلها فى ثلاثين ألف رجل وتحصن أبو ~~الفضائل ابن سعد الدولة ولؤلؤ بالبلد. PageV07P258 # وقد كان لؤلؤ عند معرفته بورود العساكر المصرية كتب إلى بسيل عظيم الروم ~~وذكره ما كان بينه وبين سعد الدولة من المعاهدة والمعاقدة، وبذل له عن أبى ~~الفضائل ولده الجري على تلك العادة، وحمل إليه ألطافا كثيرة واستنجده وأنفذ ~~إليه ملكوثا [1] السرياني رسولا. # فوصل إليه ملكوثا وهو بإزاء عساكر ملك البلغر مقاتلا. فقبل ما ورد فيه ~~وكتب إلى البرجى صاحبه بأنطاكية بجمع عساكر الروم وقصد حلب ودفع المغاربة ~~عنها. # فسار البرجى فى خمسة آلاف رجل ونزل بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب وعرف ~~منجوتكين وأبو الحسن ذلك فجمعا وجوه العسكر وشاوراهم فى تدبير الأمر. ### ||||| ذكر مشورة أنتجت رأيا سديدا كان فى أثنائه الظفر بالروم # أشار ذو الرأى والحصافة منهم بالانصراف عن حلب وقصد الروم [314] ~~والإبتداء بهم ومناجزتهم لئلا يحصلوا بين عدوين. فأجمعوا على ذلك وساروا ~~حتى صار بينهم وبين الروم النهر المعروف بالمقلوب. # فلما تراءى الجمعان تراموا بالنشاب وبينهم النهر، وليس للفريقين طريق إلى ~~العبور. فبرز من ms160 الديلم الذين فى جملة منجوتكين شيخ فى يديه ترس وثلاث ~~زوبينات ورمى بنفسه إلى الماء والمسلمون ينظرون إليه والروم يرمونه بالنبل ~~والحجارة وهو يسبح قدما والترس فى يده والماء إلى صدره. # وشاهد المسلمون ذلك وطرحوا نفوسهم فى أثره، وطرحت العرب خيولهم ~~PageV07P259 # فى النهر وهجم العسكر عن المخاض، وحصلوا مع الروم على أرض واحدة ~~ومنجوتكين يمنعهم فلا يمتنعون. وأنزل الله تعالى النصر عليهم وولى الروم ~~أدبارهم [1] بين مقتول ومأسور ومفلول. # وأفلت البرجى فى عدد قليل وغنمت منهم الغنيمة الكثيرة وجمع من رؤس قتلاهم ~~نحو عشرة آلاف رأس وحملت إلى مصر. وتمم منجوتكين إلى أنطاكية ونهب رساتيقها ~~وأحرقها وكان وقت إدراك الغلة. فأنفذ لؤلؤ وأحرق ما يقارب حلب منها، إضرارا ~~بالعسكر المصري وقاطعا الميرة عليهم. وكر منجوتكين راجعا إلى حلب. ### ||||| ذكر تدبير لطيف دبره لؤلؤ فى صرف العساكر المصرية عن حلب [315] # لما رأى لؤلؤ هزيمة الروم وقوة العساكر المصرية وضعفه عن مقاومتهم كاتب ~~أبا الحسن المغربي والقشوري ورغبهما فى المال وبذل لهما منه ما استمالهما ~~به، وسألهما المشورة على منجوتكين بالانصراف عن حلب فى هذا العام والمعاودة ~~فى القابل [2] لعلة تعذر الأقوات والعلوفات. # فأجاباه إلى ذلك وخاطبا منجوتكين به فصادف قولهما منه شوقا إلى دمشق وخفض ~~العيش وضجر من الأسفار والحروب وكتبت الجماعة إلى صاحب مصر بهذه الصورة ~~واستأذناه فى الانكفاء. فقبل أن يصل الكتاب ويعود الجواب رحلوا عائدين وعرف ~~صاحب مصر ذلك. فاستشاط غضبا ووجد أعداء أبى الحسن المغربي طريقا إلى الطعن ~~عليه فصرفه بصالح بن PageV07P260 # على الروذبارى. ### ||||| ذكر ما دبره المتلقب بالعزيز فى إمداد العسكر بالميرة وإعادتهم إلى حلب # آلى على نفسه أن يمد العسكر بالميرة من غلات مصر. فحمل مائة ألف تليس- ~~والتليس قفيزان بالمعدل- فى البحر إلى طرابلس ومنها على الظهور إلى حصن ~~أفامية [1] . # ورجع منجوتكين فى السنة الثانية إلى حلب ونزل عليها وصالح بن على ~~الروذبارى المدبر. فكان يوقع للغلمان بجراياتهم وقضيم دوابهم إلى أفامية ~~على [316] خمسة وعشرين فرسخا فيمضون ويقبضونها ويعودون بها. وأقاموا ثلاثة ~~عشر شهرا وبنوا الحمامات ms161 والخانات والأسواق وأبو الفضائل ولؤلؤ ومن معهما ~~متحصنون بالبلد. وتعذرت الأقوات عندهم فكان لؤلؤ يبتاع القفيز من الحنطة ~~بثلاثة دنانير ويبيعها على الناس بدينار رفقا بهم ويفتح الأبواب فى الأيام ~~ويخرج من البلد من تمنعه المضرتان عن المقام [2] وأشير على منجوتكين بتتبع ~~من يخرج وقتله، ليمتنع الناس من الخروج ليضيق الأقوات عندهم فلم يفعل. # وأنفذ لؤلؤ فى أثناء هذه الأحوال ملكوثا إلى بسيل عظيم الروم معاودا ~~لاستنجاده. وكان بسيل قد توسط بلاد البلغر فقصده ملكوثا إلى موضعه وأوصل ~~إليه الكتاب وقال له: # - «متى أخذت حلب فتحت أنطاكية بعدها وأتعبك التلافي وإذا سرت PageV07P261 # بنفسك حفظت البلدين جميعا وسائر الأعمال.» ### ||||| ذكر مسير بسيل إلى الشام لقتال العساكر المصرية وما جرى عليه أمره فى ذلك # لما سمع بسيل قول ملكوثا سار نحو حلب وبينه وبينها ثلاثمائة فرسخ. # فقطعها فى سنة وعشرين يوما، وقاد الجنائب بأيدي الفرسان، وحمل الرجالة ~~[317] على البغال. # وكان الزمان ربيعا وقد أنفذ منجوتكين وعسكره كراعهم إلى المروج لترعى ~~فيها وقرب هجوم بسيل عليهم من حيث لا يشعرون. ### ||||| ذكر ما دبره واعتمده لؤلؤ من رعاية حرمة الإسلام وإنذار منجوتكين بخبر هجوم الروم # أرسل إلى منجوتكين يقول له: # «إن عصمة الإسلام الجامعة لنا تدعوني إلى إنذاركم والنصح لكم وقد أظلكم ~~بسيل فى جيوش الروم، فخذوا الحذر لأنفسكم.» وجاءت طلائع منجوتكين بمثل ~~الخبر فأحرق الخزائن والأسواق والأبنية التي كان استحدثها ورحل فى الحال ~~منهزما. # ووافى بسيل فنزل على باب حلب وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ولقياه، ثم عاد ~~ورحل فى اليوم الثالث إلى الشام. وفتح حمص ونهب وسبى ونزل على طرابلس فمنعت ~~جانبها منه فأقام نيفا وأربعين يوما، فلما أيس منها عاد إلى بلاد الروم. # وانتهى الخبر إلى صاحب مصر فعظم ذلك عليه وأمر فنودي بالنفير فنفر الناس. # PageV07P262 ### ||||| ذكر مسير المتلقب بالعزيز من [318] مصر لغزو الروم وما اتفق من موته وجلوس ولده المتلقب بالحاكم فى موضعه # خرج من داره مستصحبا جميع عساكره وعدده وأمواله وسار منها مسافة عشرة ~~فراسخ حتى نزل بلبيس [1] وأقام ms162 بظاهرها. # وعارضته علل كثيرة أيس منها من نفسه فأوصى إلى أرجوان [2] الخادم الذي ~~كان خصيصا به ومتوليا لأمر داره، بولده المتلقب بالحاكم من بعده، ثم قضى ~~نحبه. # وقام أرجوان بأمر الحاكم ودعا الناس إلى البيعة وحالفهم على الطاعة وأطلق ~~لهم العطاء وذلك فى شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وانكفأ الحاكم إلى ~~قصر أبيه وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة. # وتقدم أبو محمد الحسن بن عمار وكان شيخ كتامة وسيدها، ويلقب بأمين ~~الدولة، وهو أول من لقب فى دولة المغاربة ونفذ أوامره فى الخزائن والأموال ~~إطلاقا وعطاء حتى على جواري القصر هبة وعتقا. واستولى أصحابه وقلت مبالاتهم ~~وأشاروا عليه بقتل الحاكم فلم يعبأ به استصغارا لسنه واستهانة بأمره. ~~وأرجوان فى أثناء ذلك يحرس الحاكم ويلازمه ويمنعه الركوب والظهور من قصره. # واتفق شكر العضدي معه فتعاضدا وصارت كلمتهما واحدة [319] حتى تم لهما ما ~~أراداه. PageV07P263 ### ||||| ذكر ما دبره أرجوان فى أمر ابن عمار ومكاتبة منجوتكين والإستنصار به عليه # لما زاد أمر ابن عمار فى تمكنه كتب أرجوان إلى منجوتكين وشكا إليه ما هم ~~فيه، ودعاه إلى قصد مصر ومقابلة نعمة العزيز عنده وكشف هذه الغمة عن ولده. # فتقبل منجوتكين كتابه وركب إلى المسجد الجامع بثياب المصيبة وجمع الناس ~~وذكرهم جميل العزيز إليهم. ثم خرج إلى ذكر ما له عليه خاصة من الإصطناع وما ~~يلزمه من خدمة ولده بعده. ثم ذكر تغلب ابن عمار على الملك وسوء سيرته وما ~~يلقاه أئمتنا المقيمون بمصر من الذلة والهوان، وبكى بكاء شديدا رقت له ~~القلوب وخرق ثيابه واقتدى الناس به فى البكاء وتخريق الثياب وأجابوه إلى ~~الطاعة وبذل المهج من غير التماس عطاء ولا مؤونة. فشكرهم وعاد إلى داره ~~وأجمع أمره للمسير فسار إلى الرملة. ### ||||| ذكر ما دبره ابن عمار فى تجهيز [320] الجيش وما آل إليه أمر منجوتكين من الهزيمة # لما وصل الخبر إلى ابن عمار بما فعله منجوتكين عظم عليه وجمع وجوه كتامة ~~[1] وأخبرهم بما تجدد، وأظهر أن منجوتكين قد عصى على الحاكم فبذلوا الطاعة ms163 ~~والانتهاء إلى ما يأمرهم به. # وأحضر أرجوان وشكر العضدي واستمالهما واستحلفهما على المساعدة والمعاضدة، ~~فحلفا له اضطرارا. PageV07P264 # وندب العساكر لقتال منجوتكين وقدم أبا تميم سالم [1] بن جعفر عليها وأمده ~~من الأموال والعدد ما أسرف فيه. وكان عيسى بن نسطورس على حاله فى الوزارة، ~~فبلغه عنه ما أنكره فضرب عنقه. ### ||||| التقاء أبى تميم ومنجوتكين # وسار أبو تميم من مصر ورحل منجوتكين من الرملة بعد أن ملكها والتقيا ~~بعسقلان وتواقعا. فأجلت الوقعة عن هزيمة منجوتكين وأصحابه وتتبعوا. # وجعل أبو تميم لمن يأتيه بمنجوتكين عشرة آلاف دينار ومائة ثوب. # فانبثت العرب فى طلبه وأدركه على بن الجراح فأسره وجاء به إلى أبى تميم ~~فسلمه إليه وقبض المال منه. فحمل إلى مصر وأبقى ابن عمار عليه واصطنعه ~~وأحسن إليه استمالة للمشارقة بذلك. # وسار أبو تميم فنزل طبرية وأنفذ أخاه عليا إلى دمشق فاعتصم أهلها عليه ~~ومنعوه الدخول، وكاتب أخاه بعصيانهم واستأذنه [321] فى قتالهم. فكتب أبو ~~تميم إلى متقدميهم من الأشراف والشيوخ وحذرهم عواقب فعل سفهائهم. # فلما وصل الكتاب إليهم خافوا وخرجوا إلى على مذعنين بالطاعة ومنكرين لما ~~فعله أهل الجهالة فلم يعبأ بقولهم وزحف إلى باب البلد، فملكه وأحرق وقتل ~~وعاد إلى معسكره. # ووافى أبو تميم فى غد، فأنكر على أخيه ما فعله، وتلقاه وجوه الناس فشكوا ~~إليه ما أظلهم. فأحسن لقاءهم وأمن [2] جناتهم، فسكنوا وعادوا إلى معايشهم. ~~PageV07P265 ### ||||| ذكر ما اعتمده أبو تميم الكتامى [1] من حسن سيرة ملك بها قلوب الرعية # ركب إلى المسجد الجامع فى يوم الجمعة بزى أهل الوقار، واجتاز فى البلد ~~بسكينة وبين يديه القراء وقوم يفرقون الدراهم على أهل المسكنة، وصلى الجمعة ~~وعاد إلى القصر الذي نزله بظاهر دمشق، وقد استمال قلوب العامة بما فعله. ثم ~~نظر فى الظلامات وأطلق من الحبوس جماعة من أهل الجنايات، فازدادوا له حبا ~~واستقرت قدمه واستقام أمره. # وعدل من بعد إلى النظر فى أمور السواحل فهذبها، وولى أخاه طرابلس وصرف ~~عنها جيش [2] بن الصمصامة. وكان جيش هذا من شيوخ [322] كتامة أيضا إلا أنه ~~كانت ms164 بينه وبين أبى تميم عداوة. # فلما عزله عن طرابلس مضى إلى مصر وجها واحدا واجتمع مع أرجوان سرا ورمى ~~نفسه عليه فقبله وبذل له المعاونة. # ورأى أرجوان الفرصة قد أمكنت ببعد كتامة عن مصر، إلا العدد القليل منهم. ~~فقرر مع الأتراك المشارقة الفتك بهم وأحكم الأمر فى الاستيثاق. # وأحس ابن عمار بذلك فعمل على الفتك بأرجوان وسبقه إلى ما يحاوله منه. ### ||||| ذكر ما هم به ابن عمار من الفتك بأرجوان وشكر وما دبراه فى التحرز منه حتى سلما منه وتورط هو # رتب ابن عمار جماعة فى دهليزه وواقفهم على الإيقاع بأرجوان وشكر ~~PageV07P266 # إذا دخلا داره. وكان لأرجوان عيون على ابن عمار فصاروا إليه وأخبروه بما ~~قد رتبه. فاجتمع أرجوان وشكر وتفاوضا الرأى فى التحرز مما بلغهما وقررا ~~بينهما أن يركبا عند ركوبهما جماعة من الغلمان يتبعوهما. فإن أحسا على باب ~~ابن عمار بما يريبهما رجعا القهقرى وفى ظهورهما من يمنع عنهما. # فرتبا ذلك وتوجها إلى دار ابن عمار. فلما [323] قربا من الباب بانت لهما ~~شواهد الشر وما كانا أخبرا به. فكر راكضا ومنع عنهما الغلمان الذين كانوا ~~وراءهما ودخلا قصر الحاكم باكيين صارخين وثارت الفتنة. # واجتمع المشارقة وعبيد الشرى على باب القصر، وركب الحسن بن عمار فى كتامة ~~ومن انضاف إليهم من القبائل إلى الصحراء، وفتح أرجوان الخزائن ففرق الأموال ~~وحث الرجال. # وبرز ثلاثة من وجوه الأتراك فى خمسمائة فارس لقتالهم فواقعوهم وكسروهم ~~وهرب ابن عمار واستتر عند بعض العامة. ### ||||| ذكر ما دبر به أرجوان أمر الملك # لما تم له الظفر فتح باب القصر وأخرج الحاكم وأجلسه وأخذ له بيعة مجددة ~~على الجند وأمن وجوه كتامة وقوادها فحضروا وأعطوا أيديهم بالطاعة ومهد ~~الأمور فى يومه وليلته. # وكتب الملطفات إلى الأشراف وإلى وجوه العامة بدمشق بالإيقاع بأبى تميم ~~ونهبه والى المشارقة بمعاونتهم عليه. ### ||||| ذكر ما تم على أبى تميم من أهل دمشق [324] بقلة حزمه وضعف رأيه # كان أبو تميم مع سياسته مستهتزا باللذات ووصلت الملطفات وأبو تميم PageV07P267 ~~مشغول بلهوه. فلم يشعر ms165 إلا بهجوم المشارقة والعامة على قصره. فخرج هاربا ~~على ظهر فرسه، ونهبوا خزائنه وأوقعوا بمن كان فيه من كتامة وعادت الفتنة ~~بدمشق واستولى الأحداث. # وكان فهد بن ابراهيم النصراني المكنى بأبى العلاء يكتب لأرجوان من قبل. ~~فلما صار الأمر إليه استوزره. ولم يزل أرجوان [1] يتلطف للحسن بن عمار حتى ~~أخرجه من استتاره وأعاده إلى داره وأجرأه على رسمه فى إقطاعاته واشترط عليه ~~إغلاق بابه واستحلفه على لزوم الطريقة المستقيمة. # وكان أهل صور قد عصوا وأمروا عليهم رجلا ملاحا يعرف بالعلاقة، وكان ~~المفرج [2] بن دغفل بن الجراح قد نزل على الرملة وعاث فى البلاد وانضاف إلى ~~هذين الحادثين نزول الدوقس صاحب الروم فى عسكر كثير على حصن أفامية. # فاصطنع أرجوان جيش بن محمد بن الصمصامة وقدمه وجهز معه عسكرا وسيره إلى ~~دمشق وبسط يده فى الأموال ونفذ أمره فى الأعمال. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر جيش [325] بن الصمصامة فى هذا الوجه إلى أن توفى # سار جيش ونزل على الرملة وعليها وحيد الهلالي واليا فتلقاه طائعا، وصادف ~~أبا تميم بها فقبض عليه قبضا جميلا. # وندب أبا عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدان فى عسكر إلى صور، بعد ~~أن كان أنفذ إليها مراكب فى البحر مشحونة بالرجال. فأحاطت العساكر بها برا ~~وبحرا، وضعف أهل صور عن القتال وأخذ العلاقة فحمل إلى PageV07P268 # مصر فسلخ وصلب بها وأقام ابن حمدان بصور واليا عليها. # وسار جيش لقصد المفرج بن دغفل بن الجراح، فهرب من بين يديه واتبعه حتى ~~كاد يدركه. فضاقت الأرض على ابن الجراح وعاذ بالصفح وأنفذ إليه عجائز نسائه ~~يطلب الأمان. فكف جيش عنه وأمنه واستحلفه على ما قرره معه وعاد سائرا إلى ~~عسكر الروم النازل على حصن أفامية. # فلما وصل إلى دمشق تلقاه أهلها فى أشرافها ووجوه أحداثها مذعنين له ~~بالانقياد راغبين إليه فى استصحابهم للجهاد فجزاهم خيرا. ### ||||| ذكر مكيدة بدأ جيش بها فى هذه النوبة مع أحداث دمشق إلى أن أمكنته [326] الفرصة منهم فى الكرة الثانية # أقبل على رؤساء الأحداث ms166 وبذل لهم الجميل ونادى فى البلد برفع المؤن ~~وإباحة دم كل مغربى يتعرض لفساد. فاجتمعت الرعية وشكروه وسألوه دخول البلد ~~والنزول بينهم، فلم يفعل وأقام ثلاثة أيام وسار بعد أن خلع على رؤساء ~~الأحداث ووصلهم، ونزل بحمص واجتمعت عساكر الشام وتوجه إلى حصن أفامية. فوجد ~~أهلها وقد اشتد بهم الحصار فنزل بإزاء عسكر الروم وبينه وبينهم النهر ~~المعروف بالمقلوب، ويعرف بالعاصى. ### ||||| التقاء المسلمين والروم عند نهر العاصي # ثم التقى الفريقان من بعد وتنازعا الحرب وكان المسلمون يومئذ فى عشرة ~~آلاف من الطوائف وألف فارس من بنى كلاب. فحملت الروم على المسلمين فزحزحوهم ~~عن مصافهم وانهزمت الميمنة والميسرة واستولى الروم على كراعهم وعطفت بنو ~~كلاب على أكثر ذلك فنهبوه، وثبت بشارة PageV07P269 ~~الإخشيدي فى خمسمائة فارس. # ورأى من فى حصن أفامية من المسلمين ما أصاب إخوانهم، فأيسوا من نفوسهم ~~وابتهلوا إلى الله تعالى يسألونه الرحمة، فاستجاب لهم. ### ||||| ذكر ما أنزل الله تعالى على المسلمين [327] من النصر فقتل زعيم الروم على يد أحدهم # كان الدوقس [1] قد وقف على رابية وبين يديه ولد له وعشرة غلمة وهو يشاهد ~~ظفر أصحابه وأخذهم للغنائم. فقصده كردى يعرف بأحمد بن الضحاك السليل على ~~فرس جواد وبيده اليمنى خشت [2] فظنه الدوقس مستأمنا إليه أو مستجيرا فلم ~~يحفل به. فلما دنا منه حمل عليه فرفع الدوقس يده متقيا وضربه الكردي بالخشت ~~فأصاب خللا فى الدرع فخرقه ونفذ فى أضلاعه وسقط إلى الأرض ميتا. # وصاح المسلمون: # - «إن عدو الله قد قتل!» ونزل النصر فانهزمت الروم وتراجع المسلمون، ونزل ~~من كان فى الحصن وقتل من الروم مقتلة عظيمة. وباتوا غانمين مستبشرين بنعمة ~~من الله وفضل 3: 171 و «إن الله لا يضيع أجر المحسنين» 9: 120 [3] . # ثم سار جيش بن الصمصامة إلى باب أنطاكية فسبى وأحرق، وانصرف عائدا إلى ~~دمشق وقد عظمت هيبته فى النفوس. PageV07P270 ### ||||| ذكر تمام هيبته فى المكيدة التي كان بدأ بها جيش فى تسكين أحداث دمشق [328] حتى ظفر بهم # لما عاد إلى دمشق استقبله أهلها مهنئين داعين. فتلقاهم بالبشاشة والبشر ms167 ~~وزادهم من الكرامة والبر وخلع على وجوه الأحداث وحملهم على الخيل والبغال ~~ووهب لهم الجواري والغلمان. وعسكر بظاهر البلد وسألوه الدخول والجواز فى ~~الأسواق وقد كانوا زينوها إظهارا للسرور فلم يفعل وقال: هذه عساكر وإذا ~~دخلت لم آمن أن تثقل وطأتهم. # والتمس منهم أن يخلوا قرية على باب دمشق [1] ليكون مقامه فيها، فأجابوه ~~إلى ذلك وتوفر على استعمال العدل وتخفيف الثقل، فاستخص رؤساء الأحداث ~~واستحجب جماعة منهم. وكان يعمل لهم سماطا يحضرونه فى كل يوم للأكل عنده ~~ويبالغ فى تأنيسهم. # فلما اطمأنوا ومضت مدة على ذلك أحضر قواده وتقدم بأن يكونوا على أهبة لما ~~يريد استخدامهم فيه وتوقع ما يأمرهم به فى رقاع مختومة والعمل بما فيها. # ثم كتب رقاعا بقسمة البلد وعين لكل من قواده الموضع الذي يدخل منه ويفتك ~~فيها وختمها وأعدها. ثم رتب فى حمام داره قوما من المغاربة وتقدم إلى أحد ~~خواصه بأن يراعى حضور رؤساء الأحداث طعامه. فإذا أكلوا [329] وقاموا إلى ~~المجلس الذي جرت عادتهم بغسل أيديهم فيه، أغلق بابه عليهم وأمر المتكمنين ~~فى الحمام بالخروج على أصحابهم والإيقاع بهم. PageV07P271 # وحضر القوم على رسمهم وبادر جيش بإنفاذ الرقاع إلى قواده وجلس معهم ~~للأكل. فلما فرغ وفرغوا نهض إلى حجرته ونهضوا إلى المجلس فأغلق الفراش ~~عليهم بابه وخرج من فى الحمام فأوقعوا بأصحابهم وقتلوهم بأسرهم. # وركب القواد ودخلوا البلد فقتلوا قتلا ذريعا وثلموا السور من كل جانب ~~ونزلت المغاربة دور دمشق وركب جيش، فدخل دمشق وطافها واستغاث الناس به ~~ولاذوا بعفوه، فكف عنهم واستدعى الأشراف استدعاء حسن ظنهم فيه. فلما حضروا ~~أخرج رؤساء الأحداث وأمر بضرب رقابهم بين أيديهم، ثم صلب كل واحد منهم فى ~~محلته، حتى إذا فرغ من ذلك قبض على الأشراف وحملهم إلى مصر واستأصل أموالهم ~~ونعمهم ووظف على البلد خمسمائة ألف [1] دينار. # ثم جاءه أمر الله الذي لا يغلب وقضاؤه الذي لا يوارب ولاقته المنية التي ~~تجعل العزيز ذليلا والكثير قليلا [2] فما أغنت عنه عندها قدرة ولا حيلة ولا ~~نفعته معها فدية ms168 ولا وسيلة. # وكان سبب منيته علة باطنة حدثت به [330] : # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد # وورد الخبر إلى مصر بموته فقلد محمد ولده مكانه. # واستقامت الأمور على يد أرجوان وجرت بينه وبين بسيل عظيم الروم ~~PageV07P272 # مراسلات وملاطفات انتهت إلى تقرير الهدنة مدة عشر سنين وصلحت الحال مع ~~العرب. # وكان يواصل النظر فى قصر الحاكم نهاره أجمع، إلا ساعة فى وقت الظهر، ثم ~~يعود إلى منتصف الليل ويوفى السياسة حقها وفهد بن ابراهيم بين يديه ينفذ ~~الأمور أحسن تنفيذ. فلم يزل على هذه الوتيرة إلى أن قتل. ### ||||| ذكر السبب فى قتل أرجوان وشرح الحال فى ذلك # كان أرجوان يأخذ الحاكم بتهذيب الأخلاق وينصحه- والنصح مر المذاق- ويمنعه ~~كثرة الركوب لفرط الإشفاق ويصده عن التبذير فى غير موضع الاستحقاق. فصارت ~~له هذه الأحوال ذنوبا، ثم لأن لكل امرئ أجلا مكتوبا. # وكان مع الحاكم خادم يعرف بريدان [1] الصقلبى قد خص به. فأنس فى شكوى ~~أرجوان إليه فزاده ريدان إغراء به وقال: إنه يريد [331] أن يجعل نفسه فى ~~موضع كافور الإخشيدي ويجريك مجرى ابن الإخشيد فى الحجر عليك. # ولم يزل بالحاكم حتى حمله على قتل أرجوان واستقر بينهما أن يستدعى أرجوان ~~فى وقت الظهر بعد انصرافه إلى داره وأن يؤمر الناس بالركوب إلى الصيد ~~ليتفرقوا، فإذا حضر أمر بقتله. ففعل ذلك وقال الحاكم لريدان: # - «إذا حضر أرجوان وتبعني إلى البستان فاتبعه. فإذا التفت إليك فاغتله ~~بالسكين.» فبينما هما فى الحديث إذ دخل أرجوان فقال: PageV07P273 # - «يا مولاي الحر شديد، والبزاة لا تصيد فى مثله.» فقال: «صدقت، ولكنا ~~ندخل البستان ونطوف ساعة ونخرج.» فقام ومشى أرجوان خلفه ريدان بعده فأهوى ~~ريدان عند التفات الحاكم إليه بالسكين إلى ظهر أرجوان فأطلعها من صدره. ~~فقال أرجوان: # - «يا مولاي غدرت.» وصاح الحاكم بالخدم وتكاثروا وأجهزوا عليه، وخرج ~~الخدم الكبار، فردوا الجنائب وبغال الموكب والجوارح. فسألهم شكر العضدي عن ~~الحال فلم يجيبوه، فجاء الناس أمر لم يفهموه. وعاد شكر والموكب وشهر الجند ~~سيوفهم وظنوا حيلة تمت لابن عمار ms169 على الحاكم وأحاطوا بالقصر وعظم الأمر ~~واجتمع القواد والوجوه. # فلما رأى الحاكم زيادة الاحتياط ظهر من منظرة على أعلى الباب وسلم على ~~الناس، فترجلوا له [332] وخدموه، وأمر بفتح الباب وأنفذ على أيدى أصحاب ~~الرسائل رقاعا بخط يده إلى شكر وأكابر الأتراك والقواد مضمونها: # - «إنى أنكرت من أرجوان أمورا أوجبت قتله وقتلته. فالزموا الطاعة وحافظوا ~~على ما فى أعناقكم من الأيمان.» فلما وقفوا عليها أذعنوا وسلموا، واستدعى ~~الحسين بن جوهر، وكان من شيوخ القواد، فأمره بصرف الناس. فصرفهم وعادوا إلى ~~دورهم والنفوس خائفة وجلة من فتنة تثور بين المشارقة والمغاربة. # ثم جلس الحاكم بعد عشاء الآخرة واستدعى الحسين بن جوهر وفهد بن ابراهيم، ~~وتقدم بإحضار الكتاب فحضروا وأوصلهم إليه وقال لهم: # - «إن فهدا كان كاتب أرجوان وهذا اليوم وزيرى، فاسمعوا له وأطيعوا.» وقال ~~لفهد: # - «هؤلاء الكتاب خدمي، فاعرف حقوقهم وأحسن إليهم.» PageV07P274 ~~وأمر بأن يكتب إلى سائر ولاة البلاد بقتل أرجوان وتسكينهم فى أعمالهم ~~ونفذت الكتب وسكن الناس وأمن ما خيف من الفتنة. وكان ذلك فى سنة تسع ~~وثمانين وثلاثمائة. # ومضى أرجوان كأنه لم يكن ولو علم أن هلاكه على يد الحاكم لأقصر عن ذلك ~~الاجتهاد فى حفظه. # ورب حافظ دواء داؤه فيه، وحامل سلاح حتفه به، وضنين بذخر وباله منه. ومع ~~الأحوال كلها فالإفراط [333] فى منع الملوك عن شهواتهم جناية، والإقصار عما ~~يلزم من نصحهم خيانة، لكن بشرط الإقتصاد. وقد قيل: كثرة المراقبة نفاق، ~~وكثرة المخالفة شقاق. وكم من شفيق على الملوك قد هلك بفرط شفقته وحبيب صار ~~بغيضا بكثرة نصحه. # ولم يبعد العهد بما شوهد من فعل الملك أبى كاليجار بخادمه المتلقب ~~بالمؤيد وقصته مناسبة لقصة أرجوان. # وما أحسن الرواية التي تروى عن المأمون رضوان الله عليه، حين سأل جلساءه ~~عن أرفه الناس. فقال كل واحد منهم قولا لم يعجبه فقال المأمون: # - «أرفه الناس عيشا رجل أتاه الله كفاية لا يعرفنا ولا نعرفه.» وقال بعض ~~العقلاء: # - «مثل السلطان كمثل النار. فلا تقرب منها قربا تباشر فيه لهبا، ولا تعبد ~~عنها ms170 بعدا تفقد معه ضوءها.» وجملة القول، أن القرب من الملوك عز مع تعب، ~~والبعد منهم ذل مع راحة، والعيش فى الخمول، وتختلف الطباع فى هذا الاختيار، ~~وكل امرئ ميسر لما خلق له. # PageV07P275 ### ||||| ذكر ما جرت عليه الأمور بعد قتل أرجوان [334] # استوزر فهد بن ابراهيم وقدم الحسين بن جوهر ولقبه بقائد القواد. ثم استمر ~~الفتك منه بالناس، فقتل فى المدة اليسيرة العدد الكثير. # واستحضر بعد أربعة أشهر الحسن بن عمار من داره. فلقيه بالإحسان وأعطاه ~~يده بالأمان وانصرف مسرورا إلى داره وركب الناس إليه يهنئونه بالعفو عنه، ~~ثم قتله بعد أسبوع. # ثم قتل فهد بن ابراهيم بسعاية كاتبين من كتاب الدواوين به، وولاهما ~~الأعمال ثم قتلهما. ثم قتل الحسين بن جوهر ولم يكن فى شرح أحوال قتلهما ما ~~يستفاد منه تجربة، لأنه اختباط واختلاط. # ثم قتل عليا ومحمدا ابني المغربي وأمر بإحضار أبى القاسم الحسين بن على ~~صاحب الشعر والرسائل الذي وزر ببغداد وأخويه. فظفر بأخويه فقتلا واستتر ~~الوزير أبو القاسم وما زال يعمل الحيلة حتى هرب مع بعض [أهل] [1] البادية ~~وحصل عند الحسان بن المفرج بن الجراح واستجار به وأجاره. # وقد كان فى نفس الحاكم ما جرى على عساكر مصر بباب حلب. فعول على يارختكين ~~[2] العزيزي للخروج إلى الشام وقدمه وكثر أمواله ونعمه وأمر وجوه القواد ~~بتبجيله والترجل فى موكبه. # وكان فى جملة من أمر بخدمته والترجل له على ومحمود ابنا المفرج [وجاءا] ~~إلى أبيهما وعرفاه ما أمرا به من الترجل ليارختكين والمشي بين [335] يديه ~~وما لقياه من ذلك من المشقة وان نفوسهما تأبى الصبر على PageV07P276 # هذه المذلة ثم حذراه يارختكين وتوجهه وقالا: # - «إنك لا تأمن أن ينتهز فيك فرصة ويستفحل أمره فينبو [1] بك وبنا المقام ~~فى هذه الديار فدبر أمرك فى فسحة من رأيك وعاجله فى الجفار قبل وصوله إلى ~~الرملة واعتضاده بعساكرها.» وكان يارختكين سار فى عدة قليلة على أن يجمع ~~عساكر الشام ويسير بها إلى حلب، وصحبه أهله وماله وعدد كثير من التجار. ~~فلما توسط الجفار أشار ms171 أبو القاسم المغربي على حسان بن المفرج بلقائه ~~وانتهاز الفرصة فيه. # فسار حسان إلى أبيه وسهل عليهما الأمر، فاجتمع رأيهما على ذلك. # وجمعا العرب ورصدا وصول يارختكين إلى غزة وعرف يارختكين الخبر فجمع ذوى ~~الرأى من أصحابه وشاورهم. ### ||||| ذكر رأيين كل منهما سديد لو ساعد القدر فيه # قال أحدهم له: # - «إنك من الرملة على عشرة فراسخ وبها خمسة آلاف رجل، وعندك خيول مضمرة ~~ولو أسريت ليلا لصبحت الرملة وحصلت فى قصرك آمنا، وعرفت العرب خبرك فهابوك ~~وراقبوك، وسرنا بعدك على طمأنينة.» [336] فاعترض آخر وقال: # - «هذا المرء اليوم فى ابتداء أمره فإذ [2] شاع بين الناس أنه أشفق وهرب ~~لم تبق له هيبة فى النفوس ولكن الرأى أن يستدعى قائدا من قواد الرملة فى ~~ألف فارس ليلقانا بعسقلان.» PageV07P277 # فاستقر الأمر على ذلك وكتب يارختكين إلى قائد يعرف بابن سرحان يستدعيه ~~وأنفذ الكتاب مع رسول قدر لوصوله وخروج ابن سرحان ثلاثة أيام. # فاتفق أن الرسول أخذ فى الطريق قبل وصوله إلى ابن سرحان. ### ||||| ذكر عجلة ضاع الحزم بها # لما مضى يومان من الثلاثة التي قدرها يارختكين سار على طريق الساحل وهو ~~لا يشك فى تعجيل ابن سرحان إليه. # وكان حسان بن المفرج قد عرف خبره. فبث الخيل من كل جانب، فوقعت على ~~يارختكين وجرت بين الفريقين حرب شديدة كانت الغلبة فيها للعرب وأسر ~~يارختكين وأخذ ولده وحرمه وأموال التجار وجعل أكثر ذلك فى يد حسان. # وعادت العرب إلى الرملة وشنوا الغارة على رساتيقها وخرج العسكر الذي بها ~~فقاتلوهم قتالا همت العرب معه بالانصراف. ### ||||| ذكر رأى أشار به ابن [337] المغربي فى تلك الحال # قال لهم الوزير أبو القاسم ابن المغربي: # - «إن رحلتم على هذه الصورة وقع الطمع فيكم، وإن صبرتم حتى تفتحوا البلد ~~خافكم الحاكم وملكتم الشام. والرأى أن تبادروا وتنادوا فى السواد وتسمعوا ~~الشراة فى الجبال بإباحة النهب والغنيمة.» فقبلوا منه وحشروا فنادوا، فوافى ~~خلق كثير وزحفوا إلى البلد وملكوه وأساؤا الملكة بالفتك والهتك. # PageV07P278 # وتأدى الخبر إلى الحاكم فانزعج وكتب إلى المفرج بن ms172 دغفل كتابا عاتبه فيه ~~وحذره سوء العاقبة وطالبه بانتزاع يارختكين من يد حسان وحمله إلى مصر ووعده ~~على ذلك بخمسين ألف دينار. ### ||||| ذكر رأى لابن المغربي قصد به تأكيد الوحشة بين حسان وصاحب مصر # قال لحسان: # - «إن والدك سيركب إليك ولا يبرح من عندك إلا بيارختكين ومتى أفرجتم عنه ~~وعاد إلى الحاكم رده إليكم فى العساكر التي لا قبل لكم بها.» فلما سمع حسان ~~ذلك- وكان فى رأسه نشوة- أحضر يارختكين بقيوده، فضرب عنقه صبرا. وأنفذ رأسه ~~إلى المفرج. فشق عليه ما جرى وعلم فوت الأمر فأمسك. [338] ثم اجتمع الوزير ~~أبو القاسم مع المفرج وأولاده وقال لهم: # - «قد كشفتم القناع فى مباينة الحاكم ولم يبق من بعد للصلح موضع.» وأشار ~~عليهم بمراسلة أبى الفتوح الحسن بن جعفر العلوي واستجذابه به إليهم ~~ومبايعته على الإمامة، فإنه لا مغمز فى نسبه، وسهل الخطب عليهم فى ذلك. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى الفتوح العلوي المتلقب بالراشد بالله # كان أبو الفتوح بمكة أميرا. فمضى إليه ابن المغربي وأطمعه فى الأمر فطمع ~~فيه. وجمع بنى حسن وشاورهم، فصبوا إلى العز وأعطوه أيديهم PageV07P279 ~~بالبيعة. ثم عاد [1] الناس إليه وتلقب بالراشد بالله، وصعد المنبر وخطب ~~لنفسه. # واتفق أن إنسانا موسرا توفى تلك السنة بجدة، ووصى لأبى الفتوح من تركته ~~بمال لكي يسلم الباقي لورثته. فمد يده إلى التركة فاستوعبها بمشورة ابن ~~المغربي عليه بذلك وسار لاحقا بآل الجراح. فلما قرب من الرملة تلقوه وقبلوا ~~الأرض بين يديه وسلموا عليه بإمرة المؤمنين ونزل الرملة. # ونادى فى الناس بأمان الخائفين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ونسى ~~نفسه فى أخذ تركة التاجر بجدة، إلا أن الناس تراجعوا إلى معايشهم [339] ~~وظهروا من استتارهم. وركب فى يوم الجمعة والمفرج وأولاده وسائر أمراء طى ~~مشاة بين يديه حتى دخل المسجد ودعا ابن نباتة الخطيب [2] وأمره بصعود ~~المنبر وأسر إليه بما لا يبدأ به [3] فصعد وقد طالت الأعناق. فحمد الله ~~وأثنى عليه وقرأ: # - بسم الله الرحمن الرحيم. طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلوا عليك من ms173 نبإ ~~موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ~~يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد ~~أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن ~~لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون 28: 0- 6 ~~[4] . # ولما فرغ أبو الفتوح من الصلاة عاد إلى دار الإمارة. PageV07P280 # ونرى أن أبا الفتوح اتبع فى هذا الاستشهاد بهذه الآيات محمد بن عبد الله ~~بن حسن فيما جرى بين المنصور بالله وبينه من المكاتبات فإنه استشهد بها. # ويتضمن كتاب الكامل الذي صنفه أبو العباس المبرد ذكرها [1] وقد نظر [2] ~~المنصور فيها ولولا شرط الاختصار لذكرناها فإنها عجيبة جدا. وقد قارعا على ~~الأحساب «والنبع يقرع بعضه بعضا» . # وما أحسن أدب القائل حين دخل إلى المنصور بالله بعد قتل إبراهيم بن عبد ~~الله بن [340] حسن بن حسن أخى محمد، والناس ينالون من ابراهيم والمنصور ~~يكره كثيرا من ذلك فقال: # - «أجرك الله يا أمير المؤمنين فى ابن عمك وغفر له ما استحله من قطيعتك.» ~~أو ما هذا معناه. # فتهلل وجه المنصور سرورا بصوابه، وقربه إليه من دون أصحابه. والله تعالى ~~يقول: «وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم» ~~8: 75 [3] . ### ||||| ذكر ما دبره صاحب مصر عند وصول الخبر إليه # لما تأدى إلى الحاكم شرح ما جرى، عظم عليه وكبر لديه. وكتب إلى حسان ~~ملطفات وبذل له بذولا كثيرة، وإلى المفرج بمثل ذلك، واستمال آل الجراح ~~جميعهم، وحمل إلى على ومحمود ابني المفرج أموالا جزيلة حتى فلهما عن ذلك ~~الجمع وجعلهما فى حيزه مع جماعة من العرب. PageV07P281 # وبدأ أمر الحاكم يقوى وأمر أبى الفتوح يضعف، وبان له تغير آل الجراح ~~عليه، وانضاف إلى ذلك ورود الخبر بنزول ابن عمه على ملكه طالبا موضعه. ### ||||| ذكر تحاسد بين الأهل عاد بوبال [341] # كان لأبى الفتوح ضد من بنى عمه يعرف بابن أبى الطيب يخاطب بالإمرة ~~وبينهما تحاسد وتنازع. فكتب إليه الحاكم فى هذا ms174 الوقت وقلده الحرمين وأنفذ ~~له ولشيوخ بنى حسن مالا وثيابا. # فسار مع من انضوى إليه من بنى عمه إلى مكة وبها صاحب أبى الفتوح، فنازله ~~وأسرعت النجب إلى أبى الفتوح بالخبر، فازداد قلقا وخاف خروج الحرمين من ~~يده. # وكان حسان قد أنفذ والدته فى أثناء هذه الخطوب إلى مصر بتذكرة تتضمن ~~أغراضه وسأل فى جملتها أن تهدى له جارية من إماء القصر. فأجابه الحاكم إلى ~~جميع ما سأل من إقطاع وتقرير وأمضاه، وكتب له أمانا بخط يده وأهدى له جارية ~~جهزها بما بلغ قيمته مالا عظيما. فعادت والدة حسان إليه بالرغائب له ~~ولأبيه، فسر بذلك وأظهر طاعة الحاكم ولبس خلعه. # وعرف أبو الفتوح الحال فأيس معها من نفسه، فركب إلى المفرج مستجيرا به ~~وقال: # - «إنما فارقت نعمتي وأبديت للحاكم صفحتي سكونا إلى ذمامك، وأنا الآن ~~خائف من غدر حسان، فأبلغنى مأمنى وسيرنى إلى وطنى.» فحفظ المفرج ذمامه وضم ~~إليه من أجازه وأدى القرى. فتلقاه بنو حسن وأصحابه ومضوا إلى مكة واستقامت ~~أموره بها وكاتب الحاكم واعتذر إليه فقبل عذره. وأما الوزير أبو [342] ~~القاسم فإنه استجار بالمفرج حتى سيره إلى العراق. # PageV07P282 # وصبر الحاكم مدة يسيرة ثم جرد العساكر مع على بن جعفر بن فلاح أخى أبى ~~تميم ولقبه قطب الدولة وسار فى عشرين ألف وتلقاه على ومحمود ابنا المفرج ~~طائعين. # وكان الحاكم قد خدع كاتبا للمفرج يعرف بابن المدبر، وبذل له بذولا على ~~قتل المفرج بالسم. فتوصل الكاتب إلى أن سقاه سما فمات وهرب ابن المدبر إلى ~~مصر ووفى له الحاكم بما وعده ثم قتله من بعد. # وكذلك عاقبة من خان مولاه وباع دينه بدنياه، فهو يخسرهما جميعا ويحتقب ~~إثما عظيما. # واضمحل أمر حسان وأخذت معاقله وصار طريدا شريدا مدة حتى ضاقت عليه أرضه. ~~فأنفذ والدته والجارية إلى مصر لائذا بالأمان واستشفع إلى الحاكم بأخته ~~فشفعها فيه وأعطى والدته خاتمه وثياب صوف كانت على بدنه وعمامة على رأسه ~~والحمار الذي يركبه. فعادت الجارية بجميع ذلك إليه وأقامت والدته. # فبادر حسان إلى ms175 الورود ودخل البلد على ذلك الحمار بتلك الثياب فعفا عنه ~~وأعطاه أرضه واصطنعه وأقطعه وأعاده إلى الشام ولم يتعرض حسان بعدها بفساد ~~إلى أن قتل الحاكم. # ونعود إلى سياقة التاريخ. ### ||||| مسير خمارتكين إلى الرحبة والرقة # وفى هذه السنة المقدم ذكرها [343] وردت كتب أهل الرحبة والرقة إلى الحضرة ~~باستدعاء من يسلمون إليه البلاد، فندب خمارتكين الحمصي للمسير. # PageV07P283 ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمره فى ذلك # سار إلى الرحبة وملكها وأقام بها أياما ثم سار إلى الرقة وبها سعد ~~السعدى، فاعتصم بالرافقة وجرت بينه وبين خمارتكين وقعات ولم يتم فتحها وعاد ~~إلى الرحبة. # وقد بلغه اضطراب الأمور ببغداد فرجع واعترضه قوم من العرب فى رجوعه ~~فأخذوه أسيرا فى أيديهم حتى افتدى منهم بمال. # وفيها خرج أبو جعفر الحجاج بن هرمز إلى أعمال الموصل مع عدد كثير من ~~العسكر وحصل بها. # واجتمعت بنو عقيل وزعيمهم يومئذ أبو الدواد محمد بن المسيب على حربه فجرت ~~بينهما وقائع ظهر من أبى جعفر فيها شجاعة سار ذكره بها حتى إنه كان يضع ~~كرسيا فى وسط المصاف ويجلس عليه والحرب قائمة بين يديه وتمكنت له فى قلوب ~~العرب هيبة بذلك. # واستنجد من الحضرة، فأنجد بالوزير أبى القاسم على بن أحمد [1] واستقر ~~الصلح مع العرب على المناصفة فيما قرب من أعمال الموصل وبقي أبو جعفر هناك ~~إلى أن توفى محمد بن المسيب وعاد بنو [344] عقيل فأخذوا منه البلد. # وفيها وصل الأشراف والقضاة والشهود إلى حضرة القادر بالله رضوان عليه، ~~وسمعوا يمينه لبهاء الدولة بالوفاء وخلوص النية وتقليده ما وراء بابه مما ~~تقام فيه الدعوة، وذلك بعد أن حلف له بهاء الدولة على صدق الطاعة والقيام ~~بشروط البيعة. PageV07P284 ### |||| ودخلت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ### ||||| خروج الوزير أبى القاسم لقتال بنى عقيل # وفيها خلع على الوزير أبى القاسم على بن أحمد وندب إلى الخروج إلى الموصل ~~وقتال بنى عقيل. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك وما انتهى إليه الأمر فيه # كانت الحال بين أبى القاسم وبين أبى الحسن المعلم قد بدأت فى الفساد ~~ودخلت ms176 بينهما بلاغات حلت عرى الوداد. وكان أبو القاسم يجرى نفسه معه مجرى ~~الكاتب حتى إنه نزل يوما معه فى زبزبه، فجلس على الكهوار بين يديه والناس ~~يشاهدونه ويتعجبون منه. # ووردت كتب أبى جعفر الحجاج باجتماع بنى عقيل عليه، فأشار أبو الحسن على ~~بهاء الدولة بإخراج أبى القاسم [345] فتقدم إليه بذلك وجرد معه عددا كثيرا ~~من طوائف العسكر وسار بعد أن ركب إليه بهاء الدولة وودعه. # فوصل إلى الموصل وخيم بظاهرها واجتمع مع أبى جعفر وانصرف بنو عقيل وبدأ ~~بإحكام قواعد الأمور، فلم يمهله أبو الحسن المعلم حتى كاتب أبا جعفر بالقبض ~~عليه. ### ||||| ذكر رأى سديد لأبى جعفر نظر فيه للعاقبة # علم أبو جعفر أنه إن فعل ذلك اضطرب الأمور وطمعت العرب ولم يمكنه الثبات، ~~فتوقف وراجع أبا الحسن وأعلمه وجه الغلط فيما رآه. # PageV07P285 # واتصل الخبر بأبى القاسم بما يجرى من الخوض [1] فى بابه من عيون له على ~~بهاء الدولة وأبى الحسن وخواصهما [2] وعول على مهادنة بنى عقيل وأخذ ~~رهائنهم وعمل على الانكفاء إلى بغداد. ولما رأى أبو الحسن أن أبا جعفر قد ~~توقف عما كاتبه فيه، فأخرج أبا الفتح محمد بن الحسن الحاجب إليه ليلزمه ~~إمضاء العزيمة فيما أمره به. # فحكى أبو نصر محمد بن على بن سياجيك وكان كاتب أبى القاسم يومئذ، قال: # لما وصل الخبر إلينا بما تقرر من خروج أبى الفتح محمد بن الحسن [346] على ~~القاعدة المذكورة، ثم تلاه كتاب من تكريت بوصوله إليها، خاف أبو القاسم ~~وأشار عليه من يثق به بالهرب. ففرقت نفسه عنه، وعزم على الانكفاء إلى بغداد ~~ولم يأمن أن يظهر فيمنعه أبو جعفر. ### ||||| ذكر ما رتبه أبو القاسم من الحيلة حتى تم له الانحدار # راسل أبا جعفر وقال له: # - «قد توقف محمد بن المسيب عن تفرقة العرب من حوله وتسليم ما وقف على ~~تسليمه من النواحي وقال: لست فاعلا ذلك إلا بعد أن تنحدر أنت ومن معك من ~~العسكر وآمن انتقاض ما تقرر، وقد عزمت على أن أنتقل بمعسكرى من موضعه وأظهر ms177 ~~الانحدار، فليكن أدعى إلى سكونه.» فاستصاب أبو جعفر رأيه وأمر أبا القاسم ~~بالرحيل ليلا وأصبح على عشرة فراسخ من الموصل. PageV07P286 # فراسله أبو جعفر وعاتبه على فعله. فرد عليه جوابا معللا بالاعتذار وقال: # - «إن الأولياء طالبوني بالانحدار ولم يمكن مخالفتهم.» ووصل إلى الحديثة ~~وقد نزلها أبو الفتح الحاجب فخرج وتلقى الوزير وخدمه وأعطاه كتابا من بهاء ~~الدولة مضمونه: # - «إن الأمور قد [347] وقفت ببعدك وخيل لنا أن أبا جعفر منعك من العود ~~ولم يقف عند ما تدبره به. فأنفذنا أبا الفتح ليواقف أبا جعفر على طاعتك ~~والرضاء [1] بما تقرره ليتعجل عودك.» فوقف أبو القاسم على الكتاب. فلما نزل ~~مخيمه استدعى أبا الفتح وراوضه على أن يصدقه عن باطن الأمر وبذل له ثلاثة ~~آلاف دينار. فحلف له أبو الفتح على تقابل الظاهر والباطن فيما أوصله إليه. ~~فقال أبو نصر: # فاستدعاني الوزير بعد خروج أبى الفتح من عنده وقال لى: # - «قد ورد هذا الكتاب بما قد علمته وقد كتب أصدقاؤنا ونصحاؤنا بما عرفته ~~فما الرأى؟» قلت له: # - «ليس إلا مراسلة أبى الدواد فإنه نازل بازائنا، وأخذ الذمام منه ~~والعبور إليه والمقام عنده ثم تدبير الأمر مع الأمن.» فقال: # - «لعمري إن هذا هو الرأى الذي توجبه الخبرة فى حراسة النفس ولكنى أستقبح ~~ذلك وسأدخل بغداد متوكلا على الله تعالى.» ثم ورد الخبر فى أعقاب ذلك ~~بالقبض على أبى الحسن المعلم وقتله. PageV07P287 # فدخلت إلى الوزير فأقرأنى الكتاب الوارد بذكر ذلك وعنده من يحتشمه فأظهرت ~~وجوما. فلما خلا عدت إليه وفى وجهى آثار الاستبشار، ووجدته مفكرا مطرقا ~~فلما رآني قال: # - «أظنك قد سررت بما ورد.» قلت: «نعم.» قال: «وما ذاك مما يسر، لأن ملكا ~~قرب رجلا [348] كما قرب بهاء الدولة أبا الحسن وفوض إليه التفويض الذي ~~رأيته ثم أسلمه للقتل بمرأى عينه لحقيق بأن تخاف ملابسته.» وفيها ورد أبو ~~العلاء عبيد الله بن الفضل قادما من الأهواز وكان أبو الحسن المعلم قد مد ~~عينه إلى حاله وماله واستدعاه للقبض عليه. ### ||||| ذكر تدبير جيد سلم به أبو العلاء ms178 عبيد الله بن الفضل # لما أحس أبو العلاء بما هم به أبو الحسن ملأ عينه بالتحف والملاطفات وعمل ~~الدعوات المترادفات وسلك معه سبيل التذلل والمخادعة حتى اندفعت عنه النكبة ~~وتجدد من قتل المعلم ما كفى به أمره. # وفيها أفرج عن أبى الحسن محمد بن عمر العلوي. # وفيها قبض على أبى الحسن المعلم وقتل. ### ||||| شرح حال أبى الحسن المعلم فى القبض عليه وقتله # كان قد استولى على الأمور الاستيلاء الذي تقدم ذكره ووتر القريب والبعيد ~~وخنق أبا على ابن شرف الدولة بيده وأفسد نيات وجوه العسكر PageV07P288 ~~والرعية [349] وفعل الأفاعيل المنكرة وأملى له حتى امتلأت صحيفته. # فشغب الجند فى هذا الوقت وبرزوا إلى ظاهر البلد وراسلوا بهاء الدولة ~~بالشكوى منه وطالبوه بتسليمه إليهم فأخذهم باللطف ووعدهم بإزالة شكواهم وأن ~~يتولى بنفسه أمورهم ويقتصر أبو الحسن المعلم على خدمته فيما يخصه. # فلم يقنعوا، فبذل لهم أن يبعده عن مملكته إلى حيث يأمن على مهجته ويبلغ ~~الجند مرادهم ببعده ولا يتقبح هو بتسليمه وقتله. فكان جوابهم أخس من القول ~~الأول. # فقال بكران لبهاء الدولة وكان السفير بينه وبين العسكر: # - «أيها الملك إن الأمر على خلاف ما تقدره وأنت مخير بين بقاء أبى الحسن ~~وبين بقاء دولتك، فاختر أيهما شئت.» فقبض عند ذلك على أبى الحسن وعلى جميع ~~أصحابه وأسبابه وظن أنهم يرضون ويعودون. فلم يفعلوا وأقاموا على المطالبة ~~بتسليمه إليهم فتذمم من ذلك وركب بنفسه ليسألهم العود والاقتصار على ما جرى ~~من القبض على المعلم فلم يقم أحد منهم إليه ولا خدمه وأبوا أن يرجعوا إلا ~~بعد تسليمه. # فسلم حينئذ إلى أبى حرب شيرزيل [1] وسقى السم دفعتين فلم يعمل فيه، فخنق ~~بحبال الستارة ودهمه أحد الغلمان بسكين فقضى نحبه وأخرج ودفن. # ثم عاد [350] الجند إلى منازلهم وسكنت الفتنة. # ولو أن بهاء الدولة اقتصد فى أمر هذا المعلم لكان ذلك أحسن بداية وأجمل ~~توسطا وأحمد عاقبة وآمن مغبة وأطيب أحدوثة. ولكنه أخطأ باختيار من لا خير ~~فيه، ثم أفرط فى تقريبه ثم أسرف فى تمكينه، ms179 لا جرم PageV07P289 # أن السمعة ساءت والرقية رفعت والحشمة ذهبت والوصمة بقيت ولم يسلم المعلم ~~مع ذلك كله. # فيا قرب ما بين العز وهذا الهوان وذلك الإكرام وهذا الإسلام! «فما بكت ~~عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» 44: 29 [1] . ### ||||| تسليم الطائع إلى القادر وإنزاله فى حجرة # وفيها سلم الطائع إلى الخليفة القادر بالله رضوان الله عليه وأنزله فى ~~حجرة من حجر خاصته ووكل به من يحفظه من ثقات خدمه. # وأحسن ضيافته ومراعاة أموره حتى إنه كان يطالب من الخدمة بمثل ما كان ~~يطالب به أيام خلافته وكان القادر بالله رضوان الله عليه، يتفقد ما يقام له ~~ويقدم بين يديه أكثر تفقد مما يخص به نفسه. وأقام على ذلك إلى أن توفى ~~رضوان الله عليه. # وفيها ورد الوزير أبو القاسم على بن أحمد والعسكر فى صحبته. [351] ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر الوزير أبى القاسم وما استقر فى أمر النظر بعد القبض عليه # ورد وعنده أنه قد كفى ما يحاذره بهلاك المعلم وكان بهاء الدولة قد نقم ~~عليه لأسباب أكدها المعلم فى نفسه، أحدها ما كان منه بمقاربة بنى عقيل ثم ~~صح فى نفسه أن الشغب الواقع من العسكر كان بكتبه ورسائله إليهم. # فقبض عليه وخلع على أبى عبد الله [2] الحسين بن أحمد ورد إليه العرض ~~PageV07P290 # وأقر أبا الحسن على [1] بن سهل الدورقي على رسمه فى نيابة الوزارة. # وخوطب أبو منصور ابن صالحان على تقلد الأمر، فاستعفى فاستقر الأمر على ~~استدعاء أبى نصر سابور، وكان قد صار إلى البطيحة مستوحشا من المعلم فكوتب ~~بالحضور فحضر. # وأشير على بهاء الدولة بالجمع بينه وبين أبى منصور ابن صالحان فى ~~الوزارة. فأمر بذلك بعد أن قرره معهما وخلع عليهما جميعا وطرح لهما دستا ~~كاملا وكانا يتناوبان فى تقديم اسم أحدهما على الآخر فى المكاتبات. ### ||||| ذكر القبض على أبى القاسم بشيراز # وفيها قبض صمصام الدولة على أبى القاسم العلاء بن الحسن بشيراز. [352] ### |||||| ذكر ما جرت عليه الحال فى ذلك # كان العلاء بن الحسن غالبا على أمر صمصام الدولة ms180 ووالدته كثير الإفضال ~~على أصحابه وحاشيته. ولم يكن مع ذلك مغضيا لهم على أمر يحل عرى السياسة. # وكان قد اصطنع أبا القاسم الدلجى واستصحبه من الأهواز لما أعاده شرف ~~الدولة إلى شيراز وقدمه وقربه. ثم ولاه ديوان الإنشاء حين حصل صمصام الدولة ~~بشيراز وخلع عليه ورتبه فى ذلك ترتيب الوزراء ومضى الأمر على هذا زمانا. # وتبسط الرضيع وسعادة وكتاب السيدة والدة صمصام الدولة واستولوا ~~PageV07P291 # وطالبوا العلاء بما تقصر المادة عنه وتضطرب الأمور معه. # فضاق مجال قدرته عن اقتراحاتهم ففسدت الحال بينه وبينهم لأجل ذلك، وشرعوا ~~فى فساد أمره، فوجدوا عند أبى القاسم الدلجى مساعدة لهم عليه عند صمصام ~~الدولة طمعا فى حاله وحال [من] دونه فقبض عليه وعلى كتابه وحواشيه وعلى ~~ابنته وزوجة العلوي الرازي، وطولبوا أشد مطالبة وعوقبوا أشد معاقبة حتى ~~تلفت ابنته وجماعة من أصحابه تحت الضرب. # وبقي العلاء معتقلا فى بعض المطامير [353] لا يعرف له خبر. إلى أن فسد ~~أمر أبى القاسم الدلجى فتغير رأى السيدة والدة صمصام الدولة وقبض عليه فى ~~سنة ثلاث وثمانين وأفرج عن العلاء بن الحسن ورد إليه النظر. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر العلاء بن الحسن فى عوده إلى الوزارة # أخرج من محبسه وقد ضعف بصره وحصل فى دار السيدة وعولج حتى برئ وخلع عليه ~~ورد إلى الوزارة وصحب صمصام الدولة إلى الأهواز. ثم رجع إلى أرجان فأقام ~~بها على النظر فى أمور فارس. # فلما جرى ما جرى بتل طاؤوس وعاد الديلم منهزمين وانهزم صمصام الدولة إلى ~~شيراز، فسار العلاء إلى الأهواز وقاتل عسكر بهاء الدولة ثم مات بعسكر مكرم. # ولم تخلص نيته لصمصام الدولة بعد ما لحقه وابنته وأهله، بل أهلك دولته ~~بإقطاع الإقطاعات وإيجاب الزيادات وتمزيق الأموال وتسليم الأعمال، وتأدت ~~أمور صمصام الدولة إلى الاضطراب وأحواله إلى الاحتلال. وهكذا PageV07P292 ~~يعيس [1] فى فساد الأمور كل حنق موتور. ### ||||| ورود الخبر بنزول ملك الروم على خلاط وأرجيش # وفيها ورد الخبر بنزول ملك الروم على خلاط وأرجيش وأخذهما وانزعج الناس ~~لذلك، ثم ذكر من ms181 بعد [354] استقرار الهدنة بين أبى على الحسن ابن مروان ~~وبينه مدة عشر سنين وانصرف عن الأعمال. [2] ### |||| ودخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ### ||||| استيلاء أولاد بختيار على القلعة # وفيها ورد الخبر باستيلاء أولاد بختيار على القلعة التي كانوا معتقلين ~~فيها ومسير أبى [على] الحسن بن أستاذ هرمز من شيراز إليهم والقبض عليهم ~~وقتل نفسين منهم. ### |||||| ذكر الحال فى ذلك وما انتهى إليه أمرهم # قد تقدم ذكر حال هؤلاء القوم واحسان شرف الدولة إليهم بالإفراج عنهم ولما ~~هم بقصد العراق أخرجهم إلى بعض دور شيراز وجعل معايشهم وإقطاعاتهم منها. # فلما توفى قبض عليهم وحبسوا فى قلعة خرشنة فكانوا فيها إلى أن مضى صدر ~~كبير من أيام صمصام الدولة. PageV07P293 ### ||||| ذكر حيلة عملها أولاد بختيار ملكوا بها القلعة [355] # استمالوا حافظ القلعة ومن كان معه من الديلم فطاوعوهم فأفرجوا عنهم. # ثم أنفذوا إلى أهل تلك النواحي المطيفة بالقلعة وأكثرهم رجالة أصحاب سلاح ~~ونجدة، فاجتذبوا منهم عدة كثيرة واجتمعوا تحت القلعة. # وعرف صمصام الدولة الخبر فأخرج إليهم أبا على ابن أستاذ هرمز فى عسكر ~~وسار. فلما قرب من القلعة تفرق من كان اجتمع تحتها من الرجال وتحصن بنو ~~بختيار والديلم فيها ونزل أبو على عليها محاصرا ومحاربا. ### ||||| ذكر ما دبره أبو على ابن أستاذ هرمز فى فتح القلعة # راسل أحد وجوه الديلم الذين فى القلعة وأطمعه فى الإحسان والزيادة فى ~~المنزلة. فاستجاب له وواقفه على أن ينزل إليه حبلا من أعلى القلعة ليرتقى ~~به الرجال إلى بابها وكان على سن من الجبل. # فلما دنا الحبل خاطب أبو على ابن أستاذ هرمز جماعة من الذين معه على ~~الصعود، فتوقفوا حتى ابتدر [1] أحد أصحابه فصعد. فلما دنا يقرب من الباب ~~اضطربت يده على الحبل فخر مترديا وأحجم الباقون. فصب بين أيديهم أموالا ~~وبسط [356] منهم آمالا وابتدر [2] قوم من أصحابه فيهم لوثة وجرأة، فصعدوا ~~إلى القلعة واحد بعد واحد حتى حصل عدد منهم على الباب. ففتح لهم ودخلوا ~~القلعة وملكوها، فقبض على أولاد بختيار وكانوا PageV07P294 # ستة. # وكتب كتابا بالفتح إلى ms182 صمصام الدولة فأنفذ فراشا تولى قتل نفسين من أولاد ~~بختيار وأنفذ الباقون إلى قلعة الجنيد فاعتقلوا فيها. ### ||||| وفيها ندب أبو العلاء عبيد الله بن الفضل للخروج إلى الأهواز وخلع عليه. ذكر السبب فى ذلك # كانت بين الشريف أبى الحسن محمد بن عمر وبين [أبى] العلاء عبيد الله ~~عداوة ومباينة وتقدم أبو العلاء عند بهاء الدولة وقرب منه بخدمته له. # فاجتمع أبو الحسن محمد بن عمر وأبو نصر سابور الوزير واتفقا على الشروع ~~فى إبعاده. فأرسل الوزير أبو نصر سابور الأستاذ الفاضل أبا نصر الحسين بن ~~الحسن إلى بهاء الدولة وقال له: # - «قل للملك: أنا أعلم ما فى نفسك من أمر فارس وقد انحل أمر صمصام الدولة ~~ومضى أكثر أعوانه ولك عشرون ألف ألف درهم معدة: منها ما آخذه من أبى محمد ~~ابن مكرم والمتصرفين بالأهواز، ومنها ما وجوهه لائحة. # والتدبير فى هذا الأمر أن يخرج أبو العلاء إلى الأهواز كأنه عائد [357] ~~إليها للمقام بها ويجرد معه قطعة من العسكر ثم تتبعه بعد مدة بطائفة أخرى. ~~فإذا تكاملت العساكر هناك أظهرنا حينئذ ما نظهره.» وسار أبو العلاء من ~~الأهواز فأعجل القوم عن أهبة واستعداد. فأعاد الأستاذ الفاضل أبو نصر على ~~بهاء الدولة ما ذكره سابور، فتشوفت نفسه إليه وتعلق طمعه به، وأمر فى ~~الجواب بما يجب ترتيبه، وكتب بالقبض على أبى محمد ابن مكرم وأصحابه، وتقدم ~~إلى أبى العلاء بالمسير بعد أن أعلم بباطن التدبير واستكتمه. # PageV07P295 ### ||||| ذكر تفريط من أبى العلاء فى إذاعة سر عجل به # قال الأستاذ الفاضل: # فو الله لقد خلع على وسرت فى موكبه إلى داره. فما استقر فى مجلسه حتى دخل ~~أبو الحسين شهرستان بن اللشكرى لتهنئته. فقال: # - «يا با الحسن أى دار تريدها بشيراز.» فغمزته فتنبه واستدرك وقال ~~لشهرستان: # - «إنما أردت بالأهواز.» ولم يخف الخبر وشاع. فإن القول كالسهم، إذا نفذ ~~على كبد القوس فات. # وأقام أبو العلاء فى معسكره أياما كثيرة ولم يخرج معه أحد، وبطل ما كان ~~سابور بذله فى أمر المال [358] وحصوله. # وخرج ms183 أبو العلاء بعد ذلك فى شر ذمة قليلين. فسار إلى الأهواز فما وصلها ~~إلا وقد عرف الخبر بفارس ووقع الشروع من هناك فى المسير إلى العراق. # وفيها جلس القادر بالله رضوان الله عليه، لأهل خراسان عند عودهم من الحج ~~وخوطبوا على أمر الخطبة وإقامتها، وحملوا رسالة وكتبا إلى صاحب خراسان فى ~~المعنى. ### ||||| شغب الديلم # وفيها شغب الديلم لأجل النقد وفساد السعر وغلائه [1] وتأخر العطاء، ~~ونهبوا دار الوزير أبى نصر سابور وأفلت منهم ناجيا بنفسه، وراسلوا بهاء ~~PageV07P296 # الدولة بتسليمه وتسليم أبى الفرج محمد بن على الخازن [1]- وكان ناظرا فى ~~خزانة المال ودار الضرب- وتردد القول بينهم إلى أن وعدوا بالإطلاق وتجويد ~~النقد، وسكنت الفتنة. # واستمر سابور على استتاره وروسل وهو مستتر بتسليم أبى القاسم على بن أحمد ~~وكان سلم إليه ليعتقله عنده فسلمه، وحمل فى هذا الوقت إلى الخزانة فى دار ~~المملكة. # ولما جرى على سابور ما جرى استعفى أبو منصور ابن صالحان من التفرد بالنظر ~~وأظهر العجز عنه. # وكانت الإقامات قد زادت على قدر المادة وأحوجت النظار إلى التسكع فيها. ~~وصارت الهمة جميعها مصروفة إلى ما يحصل لأبى العباس أحمد بن على وهو الوكيل ~~فى هذا الوقت. # فبدأ عند ذلك أبو القاسم على بن أحمد [359] فى طلب العود إلى الوزارة ~~وراسل بهاء الدولة وبذل له أن يكفيه الاهتمام بأمر الإقامة متى مكنه وبسط ~~يده. فاشرأبت نفس بهاء الدولة لذلك فأحاله إليه واستوزره وخلع عليه. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى القاسم على ابن أحمد فى هذه الوزارة # قبض على جماعة من الكتاب والمتصرفين وأخذ منهم مالا مبلغه ستة آلاف [2] ~~درهم وأحضر أبا العباس الوكيل وقرر عليه تقريرا صالحا عن نفسه وأعطاه وأقام ~~له وجوها بالإقامة لمدة أربعة أشهر وأخذ خطه باستيفاء ذلك وأنفذه إلى بهاء ~~الدولة فحسن موقعه عنده وملك به رأيه وقلبه. لكنه أفسد PageV07P297 # قلوب الحواشي وأبعد بعضهم ومضت على ذلك مدة وحالة تزداد عند بهاء الدولة ~~تمكنا واستقرارا وتزداد قلوب الحواشي منه استيحاشا ونفارا. # وكان قد قلد أبا محمد ms184 الحسن بن مكرم البصرة حربا وخراجا فى أعجاز نكبته ~~بالأهواز وأمره بالقبض على أبى عبد الله ابن طاهر وكان ناظرا بالبصرة فقبض ~~عليه وحبسه. ### ||||| ذكر سبب وجد به الحواشي طريقا [360] إلى فساد حال الوزير أبى القاسم # ورد الخبر أن أبا عبد الله ابن طاهر قتل فى محبسه، وأنه وضع عليه قوما ~~دخلوا إليه وفتكوا به. فوجد الحواشي سبيلا إلى الوقيعة فى الوزير وعرفوا ~~بهاء الدولة من قتل [1] أبى عبد الله على الوجه القبيح ما غير رأيه فقال: # - «قد قتل فى تلك الكرة المعلم وفى هذه الكرة ابن طاهر أفتراه بمن يثلث؟» ~~وانتهى هذا القول إلى أبى القاسم من عيون كانت له فى الدار بحضرة بهاء ~~الدولة. فخاف وهرب فى ليلة يومه. ### ||||| ذكر ما جرت عليه الأمور بعد هرب الوزير أبى القاسم على بن أحمد وعود أبى نصر سابور [2] # قصد أبو نصر سابور دار بكران واستعاذ به حتى أصلح له قلوب الديلم ~~PageV07P298 # وأمن جانبهم وظهر من داره. # وأفرج عن الجماعة الذين اعتقلهم الوزير أبو القاسم ورتب فى كل من ~~الدواوين كاتبا يتولى أمره ونظر هو فى الخبر والبريد والحماية ظاهرا، وفى ~~تدبير الأمور وتقريرها وتنفيذها باطنا. فكانت الجماعة يصدرون عنه ويوردون ~~إليه وجرت الحال على هذا الترتيب [361] أشهرا ثم تظاهر بالعمل. # وفيها وردت كتب أبى العلاء عبيد الله بن الفضل ويذكر فيها مسير عساكر ~~فارس مقبلة إلى الأهواز ويحث على إمداده بالعساكر. ### ||||| ذكر ما دبره بهاء الدولة فى ذلك # ندب أبا طاهر دريده شيرى. [1] للخروج إلى الأهواز فى جماعة من الديلم ~~وجرد أبا حرب شيرزيل إلى البصرة. # وورد الخبر بانفصال عسكر فارس من أرجان فأمر بهاء الدولة بإخراج مضاربه ~~ثم ورد الخبر بحصولها برامهرمز. # فندب طغان الحاجب فى عدد كثير من الغلمان وخلع عليه وأخرج معه عيسى بن ~~ماسرجس [2] ناظرا فى خلافة الوزارة وأخرج ما فى الخزائن من الأوانى الذهب ~~والفضة فكسرت وضربت دنانير ودراهم وفرقت عليهم. # ثم ورد الخبر بدخول عساكر فارس وعليهم أبو الفرج محمد ابن على بن زيار ms185 ~~إلى الأهواز، وهزيمة أبى العلاء عبيد الله بن الفضل وحصوله أسيرا فى ~~أيديهم. PageV07P299 ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى العلاء بعد الأسر والاتفاق الذي سكن به [362] # لما أسره أبو الفرج ابن زيار حمله إلى شيراز وصمصام الدولة بدولت آباد ~~[1] للتوجه على سمت العراق فأدخل المعسكر على جمل وقد ألبس ثيابا مصبغة ~~وطيف به وكل أحد لا يشك أنه مقتول. # فاتفق أنه أجيز على خيم السيدة والدة صمصام الدولة فأومئ بيده كالمستغيث ~~المسترحم. فبدرته قهرمانة من الديلميات بالسب فسمعتها السيدة فأنكرت قولها ~~عليها. وتقدمت بحطه عن الجمل ونزع الثياب المصبوغة عنه وإلباسه غيرها وحمله ~~إلى القلعة واعتقاله بها وإحسان مراعاته فيها. فكان فعل هذه المرأة سبب ~~حياته والإبقاء عليه. # ولما ورد على بهاء الدولة خبر كسر عسكره بالأهواز وأسر أبى العلاء انزعج ~~انزعاجا شديدا وتقدم إلى طغان بالمسير. ورأى خلو خزائنه من المال وحاجته ~~إليه. فأمر الوزير أبا نصر بالانحدار إلى واسط واجتذاب ما يلوح له وجه منه ~~ومراسلة مهذب الدولة والاستدانة منه على رهن يجعل له عنده وسلم إليه من ~~الجوهر والآلات كل خطير. ### ||||| عقد القادر بالله على ابنة بهاء الدولة # وفيها عقد القادر بالله رضوان الله عليه على ابنة بهاء الدولة [2] بصداق ~~PageV07P300 # مائة ألف دينار بحضرته والولى الشريف أبو أحمد ابن موسى الموسوي وتوفيت ~~قبله النقلة. [363] ### |||| ودخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ### ||||| مصاهرة بين المهذب والبهاء # وفيها وقع العقد لمهذب الدولة أبى الحسن على ابنة بهاء الدولة وللأمير ~~أبى منصور ابن بهاء الدولة على ابنة مهذب الدولة. وكل عقد منهما كان على ~~صداق مائة ألف دينار وحمل المهذب بالمبلغ مالا وغلة، وخطب له بواسط ~~وأعمالها واحتسب له من مال ضماناته بأسفل واسط بألف ألف وثلاثمائة ألف درهم ~~غياثية منسوبة إلى الإقطاع. وكان عيار الدرهم الغياثى ثمانية ونصف حرفا [1] ~~فى كل عشرة. ### ||||| مراسلة بين البهاء والفخر # وفيها أشار أبو نصر خواشاذه على بهاء الدولة بمراسلة فخر الدولة ~~باستصلاحه واستكفافه عن مساعدة صمصام الدولة فاستصوب ذلك ورسم له السفارة ~~فيه. # فاختار أبا ms186 الحسن الأقسيسى [2] العلوي للخروج فى الرسالة نيابة عن أبى ~~نصر خواشاذه وخرج الأقسيسى فقبل أن يصل إلى مقصده قبض عليه. ### ||||| ذكر السبب فى ذلك # كان بين أبى نصر خواشاذه وبين أبى نصر سابور صداقة ومخالطة. [364] ~~PageV07P301 # فلما انحدر أبو نصر سابور إلى واسط هرب إلى البطيحة فوجد أعداء أبى نصر ~~خواشاذه طريقا إلى السعى فحسنوا لبهاء الدولة القبض عليه. # فتأمل هذه الآراء الطريفة والأهواء العجيبة فى تقارب ما بين القبض ~~والإطلاق والعزل والتولية حتى صار الأمر عجبا والجد لعبا. على أن الحياة ~~الدنيا لعب ولهو ولكن فى اللعب مستقيم ومختل. # وهذا من المختل الذي تخالفت أعجازه وبواديه، وتناقضت أواخره ومباديه. فهل ~~ترى فى جميع ما شرد من أخبار الدولة البهائية نظاما مستقيما تحمد سلوك ~~مذاهبه وتدبيرا جيدا ينتفع بمعرفة تجاربه؟ # كلا فجميعه واهي الأسباب وما يجرى فيه من صواب فإنما هو بالاتفاق. # ونعود إلى سياقة التاريخ. # وفيها سار طغان والغلمان من واسط إلى خوزستان. ### ||||| شرح ما جرى عليه أمره فى هذا الوجه وظفرهم بعساكر صمصام الدولة وانهزامه من بين أيديهم # لما شارفوا السوس انهزم أصحاب صمصام الدولة عنها ودخلوها [365] وتقدم ~~ارسلان تكين الكركيرى فى سرية من الغلمان إلى جندي سابور ودفعوا من كان بها ~~وانتشرت الأتراك فى أعمال خوزستان وعلت كلمتهم وظهرت على الديلم بسطتهم. # ووصل صمصام الدولة إلى الأهواز وقد اجتمعت معه جيوش الديلم وبنو تميم ~~وبنو أسد. فلما حصل بدستر [1] رحل ليلا على أن يسرى فيكبس معسكر الأتراك. ~~PageV07P302 ### ||||| ذكر اتفاق سيىء عاد بضد التقدير # ضل الادلاء الطريق وساروا طول ليلتهم على حيرة وأسفر الصبح عنهم وبينهم ~~وبين معسكر الأتراك مدى بعيد. # وشاهد [1] بعض طلائع طغان بسواد العسكر فكر إليه راجعا وأخبره وقال: # - «تأهب لأمرك فإن الديلم قد صبحوك موكبا.» فركب وتلاحق به الغلمان ~~واستعاد كل من كان قد ذهب ممتارا فاجتمعوا حوله فكانوا نحو سبعمائة غلام ~~والديلم ومن معهم فى ألوف كثيرة. # فصعد أرسلان تكين الكركيرى تل طاؤوس فوقف عليه وقسم طغان الغلمان كراديس ~~وأنفذ كردوسا مع يارغ [2] وقال ms187 له: # - «سر عرضا وأخرج على الديلم من ورائهم وبلبلهم فى سوادهم لنشاغلهم نحن ~~عن أمامهم. فإذا حملت [366] حملنا عليهم.» فسار على ذلك ووقف طغان والغلمان ~~بين يديه يطاردون الفرسان، وزحف الديلم فملكوا التل ونزل أرسلان تكين ~~الكركيرى عنه ووقف صمصام الدولة عليه ووقع يارغ وكردوسه على السواد وحمل ~~على المصاف وحمل طغان والغلمان وكانت الهزيمة. # ووقف سعادة وعنان صمصام الدولة فى يده متحيرا ما يدرى ما يصنع. # فقال له يارغ بالفارسية: # - «ما وقوفك يا حجام خذ صاحبك وانصرف.» فولى عند ذلك صمصام الدولة ومضى ~~ولم يتمكن رجالة [صمصام] الدولة PageV07P303 # من الهرب مع إرهاق الأمر واشتداد الطلب وكد السير. فاستأمن منهم أكثر من ~~ألفى رجل وتقطع الباقون وغنم الأتراك غنما عظيما. ### ||||| ذكر ما دبره الغلمان فى قتل المستأمنة إليهم من الديلم # لما اجتمع الديلم المستأمنون إلى خيم ضربها طغان لهم تشاور الغلمان فيهم ~~فقالوا: # - «هؤلاء قوم موتورون وعدتهم أكثر من عدتنا، وإن استبقيناهم معنا خفنا ~~ثورتهم، وإن خلينا عنهم لم نأمن عودتهم.» فاستقر رأيهم على القتل وطرحوا ~~الخيم عليهم ودقوهم بالأعمدة حتى أتوا عليهم. # فكانت هذه [367] الوقعة أخت وقعة الحلبة فى كثرة من قتل من الديلم [1] ~~ووردت الأخبار فى أمثالها وسار طغان إلى الأهواز فدخلها واستولى على جميع ~~أعمالها وعادت طائفة من الغلمان إلى مدينة السلام. ### ||||| ذكر ما فعله بهاء الدولة عند حصوله بواسط # استقرض من مهذب الدولة مالا بعد القرض الأول واستقر بينهما فى أمر البصرة ~~أن يحدر بهاء الدولة عسكرا ويضم مهذب الدولة إليهم عددا من رجاله. فجرد أبا ~~كاليجار المرزبان لذلك فى طائفة من الجند ورتب مهذب الدولة أصحابه معهم ~~وانحدر الجماعة. # وكان أبو الطيب الفرخان قد وصل من سيراف فى البحر وملك البصرة ~~PageV07P304 # فواقعوه بنهر الدير وكان الظفر لهم ودخل المرزبان بن شهفيروز البصرة وخطب ~~لمهذب الدولة بها تاليا لبهاء الدولة. # ولما ورد الخبر على بهاء الدولة بهزيمة صمصام الدولة رحل سائرا إلى ~~الأهواز وآثر أن يبتدئ بالبصرة فقصدها ونزل بها. [368] ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر الوزارة ms188 فى البصرة فى هذه السنة # استوزر بهاء الدولة عند حصوله بها أبا الحسن عبيد الله بن محمد بن حمدويه ~~ونظر فى السابع من شعبان واعتزال فى الثالث والعشرين منه. # وبان من ركاكة أفعاله فى هذه الأيام القريبة كل أمر سخيف منها: أنه كان ~~فى مجلس نظره يوما وهو حفل بالناس وأبو العباس الوكيل حاضر فقال: # - «ادعوا لى أبا العباس الوكيل.» فقال له أبو العباس: # - «ها أنا يا مولانا.» فقال: «نعم.» والحاضرون يتغامزون عليه. ومنها: أنه ~~ركب إلى دار الفضل يعوده فوقف على مزملة العامة فاستسقى منها ماء. ثم لما ~~وصل إلى باب الفاضل حجب وانكفأ وعرف الفاضل حضوره فأنفذ أصحابه إليه حتى ~~لحقوه فى بعض الطريق فأعادوه ودخل إليه فشكا فى أثناء الحديث حاله إليه ~~وأراه قميصا رثا تحت ثيابه يلتمس بذلك مراعاة من بهاء الدولة ومعونة. # ثم استعفى بعد أيام من النظر وشرع أبو العباس عيسى بن ماسرجس فى خطبة ~~الوزارة وراسل الفاضل أبا نصر فى السفارة فيها بعد أن كان قد [369] بذل أبو ~~على الحسن الأنماطى لبهاء الدولة عنه بذولا ووعده بملاطفات PageV07P305 ~~يحملها [1] وعشرة آلاف دينار يخدمه بها. ### ||||| ذكر رأى سديد أشار به الفاضل على ماسرجس فلم يعمل به # أشار عليه فى جواب رسالته بأن يلاطف أبا على الحسن بن محمد بن نصر صاحب ~~البريد وأبا عبد الله الحسين بن أحمد العارض ومكاتبتهما ويسألهما النيابة ~~عنه ويخاطب أبا عبد الله العارض بسيدنا، ليكون عونا له على تقرير أمره فلم ~~يقبل. # قال الفاضل: فما راعني إلا حضور من أخبر بوروده ونزوله فى بعض البساتين. ~~ثم جاءني رسوله يستقرض منى مائة دينار فحملتها إليه فى الحال، وعجبت من ~~التماسه هذا القدر النزر مع ما بذل عنه [أبو على] لبهاء الدولة. # ثم حضر عند بهاء الدولة وترك بين يديه دينارا ودرهما وخدمه وانكفأ. # فأنكر بهاء الدولة ذلك من فعله فقال للانماطى: # - «أين ما وعدتنا به؟» فعنوان خدمته يدل على ما وراءه. فقال الأنماطى: # - «يحمل ما أعده من بعد.» فمضى ذلك اليوم ms189 وغيره ولم يحمل شيئا، وكاتب أبا ~~عبد الله العارض بمولاي ورئيسى. فاجتمع هو وأبو على الحسن بن محمد بن نصر ~~على إفساد أمره. [370] PageV07P306 ### ||||| ذكر ما رتباه من الحيلة فى أمره حتى انحل # وضعا منصور بن سهل وكان هو العامل فى الوقت [1] على أن أشاع فى البلد أن ~~ابن ماسرجس قد بذل بذولا كثيرة فى مصادرات التجار وفتح المخازن وأخذ أمتعة ~~المجهزين والبحرانين [2] فماج الناس وكادت الفتنة تثور ورفع أبو على ذلك ~~الخبر إلى بهاء الدولة وعظم الأمر فى نفسه. # واتفق أن الفاضل أبا نصر غاب أياما فى بعض الأشغال. فخلا أبو عبد الله ~~وأبو على ببهاء الدولة وقالا له: # - «قد ورد هذا الرجل بيد فارغة وما وفى بشيء مما بذله والبلد على ساق ~~خوفا منه ولا يؤمن حدوث فتنة يبعد تلافيها وأبو الحسين ابن قاطر ميز يبذل ~~أن يأخذ منه مالا يخفف به عنك أثقالا.» وسهلا عليه الأمر فى ذلك، فأحالهما ~~على الفاضل أبى نصر فى الجواب وقال: # - «اجتمعا به إذا عاد وقررا الأمر.» فلما عاد الفاضل اجتمعا معه وقالا: # - «إن الملك قد أمرنا بالقبض على أبى العباس.» فقال: «لاية حال.» قالا: ~~«لما ظهر من نفور الرعية منه ولنكوله عما كان بذل عنه.» فقال لهما: «هذا ~~مما لا يسوغ فعله وكيف يصرف اليوم رجل مستدعى بالأمس بغير سبب يقوم به ~~الغدر وهل يجلب ذلك إلا سوء المقالة من الناس فينا [371] ونسبتهم إيانا إلى ~~سخافة الرأى وضعف النحيزة وأن خدمة هذا PageV07P307 # الملك لا تستقيم على أيدينا؟ وأنا أحضر عند الملك وأعرفه ما فى ذلك.» ~~فقالا له: «تعرفه ماذا؟ وقد أنفذنا أبا الحسن الكراعى كاتبك وأصحابك إلى ~~الرجل ووكلنا به.» فوجم أبو نصر وأطرق ونفذ السهم وسلم الرجل إلى الحسن بن ~~قاطرميز فطالبه واستقصى عليه. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد انصرافه من الوقعة # لما انصرف به سعادة من المعركة سار عائدا إلى الأهواز. فلما عبر به وادي ~~دستر كاد يغرق. فاستنقذه أحد بنى تميم ووصل إلى الأهواز فى عدد ms190 قليل من ~~الديلم وترحل عنها طالبا أرجان. # فتلقاه أبو القاسم العلاء بن الحسن وحمل إليه من الثياب والرحل ما رم [1] ~~به شعثه وسيره إلى شيراز ومعه الصاحب أبو على ابن أستاذ هرمز وتلقته والدته ~~بما يجب تلقيه به من المراكب والثياب والتجمل. # وكان بينها وبينه نفرة. فلما رأته بكت بكاء شديدا وكان صمصام الدولة فى ~~عمارية وعليه ثياب سود حزنا وكآبة لا يطعم فى الأيام إلا اليسير من الطعام ~~فسكنت [372] والدته منه وقالت له: # - «ما زالت الملوك تغلب وتغلب وإذا سلمت المهجة رجوت الأوبة.» فغيرت ~~ثيابه وأصلحت حاله وحصل بشيراز ثم تلاحق الناس به وتكامل الديلم عنده من ~~بعد. # ولم نجد فى بقية شهور هذه السنة ما يستفاد منه تجربة. PageV07P308 ### |||| ودخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ### ||||| وفاة الصاحب بن عباد وما جرى فى علته وبعد موته # فيها توفى الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد بالرى ونظر فى الأمور بعده ~~أبو العباس أحمد بن ابراهيم الضبى ويلقب بالكافي الأوحد. ### |||||| شرح ما جرت عليه الحال فى ذلك # لما اعتل ابن عباد كان أمراء الديلم وكبراء الناس يروحون إلى بابه ويغدون ~~ويخدمون بالدعاء وينصرفون. # وعاده فخر الدولة عدة مرات. فيقال: إنه قال لفخر الدولة أول مرة وهو على ~~يأس من نفسه: # - «قد خدمتك أيها الأمير خدمة استفرغت قدر الوسع وسرت فى دولتك سيرة جلبت ~~لك حسن الذكر بها. فإن أجريت الأمور بعدي على نظامها وقررت القواعد على ~~أحكامها نسب [1] ذلك الجميل السابق إليك ونسيت أنا فى أثناء ما يثنى به ~~عليك ودامت [373] الأحدوثة الطيبة لك. وإن غيرت ذلك وعدلت عنه كنت أنا ~~المشكور على السيرة السالفة وكنت أنت المذكور بالطريقة الآنفة وقدح فى ~~دولتك ما يشيع فى المستقبل عنك.» فأظهر فخر الدولة قبول رأيه. # وقضى ابن عباد نحبه فى يومه. وكان أبو محمد خازن الكتب ملازما داره على ~~سبيل الخدمة له وهو عين لفخر الدولة عليه، فبادر بإعلامه الخبر. # فأنفذ فخر الدولة ثقاته وخواصه حتى احتاطوا على الدار والخزائن. ووجدوا ~~PageV07P309 # كيسا فيه رقاع أقوام ms191 بمائة وخمسين ألف دينار مودوعة له عندهم. # فاستدعاهم وطالبهم بالمال فأحضروه وكان فيه ما هو بختم مؤيد الدولة. # فرجمت الظنون فى ذلك: فمن مقبح لآثاره ينسبه إلى الخيانة فيه، ومحسن ~~لذكره يقول: إنما أودعه مؤيد الدولة لأولاده. ونقل جميع ما كان فى الدار ~~والخزائن إلى دار فخر الدولة. # وجهز ابن عباد وأخرج تابوته وقد جلس أبو العباس الضبى للصلاة عليه ~~والعزاء به. فلما بدا على أيدى الحمالين قامت الجماعة إعظاما له وقبلوا ~~الأرض ثم صلوا عليه وعلق بالسلاسل فى بيت إلى أن نقل إلى تربة له بإصفهان. # وقال القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد: # - «إننى لا أرى الترحم عليه. لأنه مات [374] عن غير توبة ظهر عليه.» فنسب ~~عبد الجبار فى هذا القول إلى قلة الرعاية. # ثم قبض فخر الدولة عليه وعلى المتعلقين به وقرر أمرهم على ثلاثة آلاف ألف ~~درهم فباع فى جملة ما باع ألف طيلسان وألف ثوب من الصوف المصري. # فهلا نظر هذا القاضي فى شأن نفسه ثم أفتى فى شأن غيره مثل ابن عباد الذي ~~قدم قدمه وأثل نعمته وراش جناحه ومهد أحواله! صدق المثل «تبصر القذى فى عين ~~غيرك وتدع الجزع المعترض فى حلقك» [1] فرحم الله من أبصر عيب نفسه فشغل ~~بستره عن عيب غيره. # وبلغنا أن رجلا من الصالحين لقى أخا له فقال له: # - «إنى أحبك فى الله.» PageV07P310 # فقال الآخر: # - «لو تظهر لك عيوبي لأبغضتنى فى الله.» فقال له: «عيبي يشغلني عن تأمل ~~عيب غيرى.» نسأل الله توفيقنا بما يعصم جوارحنا وقلوبنا وصنعا جميلا يستر ~~مساوينا وعيوبنا. ### ||||| بين فخر الدولة وأبى العباس الضبى # وقلد فخر الدولة أبا الحسن ابن عبد العزيز قضاء القضاة وطالب أبا العباس ~~الضبى بتحصيل ثلاثين ألف ألف درهم من الأعمال ومن المتصرفين فيها وقال له: # - «إن الصاحب أضاع الأموال وأهمل الحقوق وقد ينبغي أن يستدرك ما فات ~~منها.» فامتنع أبو العباس من ذلك مع تردد القول فيه. وكتب أبو على ابن ~~حمولة يخطب الوزارة وضمن عنها ثمانية آلاف ألف درهم ms192 وأجيب إلى [375] ~~الحضور. فلما قرب قال فخر الدولة لأبى العباس: # - «قد ورد أبو على وقد عزمت على الخروج فى غد لتلقيه وأمرت الجماعة ~~بالترجل له. فلا بد أن تخرج إليه وتعتمد مثل ذلك معه.» فثقل ذلك على أبى ~~العباس وقال له خواصه ونصحاؤه: # - «هذا ثمرة امتناعك عليه وقعودك عما دعاك إليه وسيكون لهذه الحال ما ~~بعدها.» فراسل فخر الدولة وبذل ستة آلاف ألف درهم عن إقراره على الوزارة ~~وإعفائه من أن يلقى أبا على. وخرج فخر الدولة وتلقاه ولم يخرج أبو العباس. # PageV07P311 # ورأى فخر الدولة أن من الصلاح الإشراك بينهما فى النظر. فسامح أبا على ~~ابن حمولة بألفي ألف درهم من جملة الثمانية التي بذلها وسامح أبا العباس ~~بمثلها من الستة، وقرر عليهما جميعا عشرة آلاف ألف درهم وجمع بينهما فى ~~النظر وخلع عليهما خلعتين متساويتين ورتب أمرهما على أن يجلسا فى دست واحد ~~ويوقعا جميعا: فيوما يوقع هذا ويعلم [1] ذاك ويوما يوقع ذلك ويعلم هذا. ~~ووقع التراضي بذلك ونظرا فى الأعمال. # وقبضا على أصحاب ابن عباد وتتبعا كل من جرت مسامحة باسمه فى أيامه وقررا ~~المصادرات فى البلاد، وأنفذا أبا بكر ابن رافع إلى استراباذ ونواحيها بمثل ~~ذلك. ### ||||| ما فعله ابن رافع فى إستراباذ # فقيل: إنه جمع الوجوه وأرباب الأحوال وأخر الإذن لهم [376] حتى تعالى ~~النهار واشتد الحر ثم أطعمهم طعاما أكثر ملحه ومنعهم الماء عليه وبعده، ~~وطالبهم بكتب خطوطهم بما يصححونه. فلم يزل يستام عليهم وهم يتلهفون عطشا ~~إلى أن التزموا عشرة آلاف ألف درهم. # واجتمع لفخر الدولة فى الخزائن والقلاع ما كثره المقللون. ثم تمزق بعد ~~وفاته فى أقرب مدة فلم يبق منه بقية. # وكذاك مال كل ثروة ذميمة المكاسب، ومصير كل زهرة خبيثة المنابت. # فلئن عمر خزائنه لقد خرب محاسنه. ولئن جمع المال الجزيل لقد ضيع الذكر ~~الجميل. ثم لم يحظ من ذلك إلا بالأوزار التي احتقبها والآثام التي اكتسبها. ~~وقبح الأحدوثة التي علقت بأخباره سماتها، وبقيت على الأيام PageV07P312 # عظاتها، إذ لم يبق من عظامه رفاتها. ms193 «وما يغني عنه ماله إذا تردى» 92: 11 ~~[1] فيا ندم النادم إذا ترك ما اكتسبه وراء ظهره، وانقلب بثقل الوزر وسوء ~~الذكر إلى قبره. وأصعب من ذلك ما بعده «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من ~~أتى الله بقلب سليم» 26: 88- 89 [2] . ### ||||| صمصام الدولة يقتل أتراك فارس # وفيها أمر صمصام الدولة بقتل من بفارس من الأتراك. فقتل قوم منهم بشيراز ~~وأجفلت طائفة منهم، فعاثوا فى بلاد فارس. فجرد صمصام الدولة إليهم من دفعهم ~~عنها وانصرفوا إلى كرمان وبها أبو جعفر أستاذ هرمز، فدفعهم أيضا فدعتهم ~~الضرورة [377] إلى قصد بلاد السند واستأذنوا ملكها فى دخول بلده. ### ||||| ذكر الحيلة التي عملها صاحب السند على الأتراك حتى قتلهم # أظهر لهم القبول وخرج لاستقبالهم ورتب أصحابه صفين وهم رجالة، وواقفهم ~~على الإيقاع بهم إذا دخلوا بينهم. ففعلوا ذلك ولم يفلت منهم إلا نفر حصلوا ~~بين القتلى وهربوا تحت الليل. ### ||||| وفاة أبى نصر خواشاذه # وفيها توفى أبو نصر خواشاذه بالبطيحة وسبب حصوله بها أنه لما قبض عليه ~~خرج فى الصحبة إلى واسط واعتقل بها فتوصل إلى الهرب. PageV07P313 # قال صاحب الخبر [1] : # فأذكر وقد انحدرت إلى مهذب الدولة واجتمعت مع أبى نصر. فرأيت كتب فخر ~~الدولة وصمصامها وبهائها وبدر بن حسنويه إليه يستدعيه كل واحد منهم، ويبذل ~~له من المعيشة والإحسان ما يرغب فى مثله. لكن فخر الدولة قال له فى كتابه: # - «لعلك تسيء الظن بمعتقدنا للقبيح الذي قدمته فى خدمة عضد الدولة عندنا ~~وما كنا لنؤاخذك بطاعة من قدمك واصطنعك ومناصحة من كان [378] يصنعك ويرفعك، ~~وأن نعتد لك من وسائلك لم نجعله ذنوبك [2] وقد علمت ما عاملنا [3] به أبو ~~القاسم إسماعيل ابن عباد وأننا طوينا جميع ما كان بيننا وبينه واستأنفنا ~~معه من الإكرام والتفويض ما لم يقدره ويظنه. ولك علينا عهد الله وميثاقه فى ~~أيماننا من كل ما تخافه وتحذره وإنا لك بحيث تحبه وتؤثره. # فإن أردت الخدمة قدمناك إلى أعلى رتبها وأرفع درجها، وإن رأيت الاعتزال ~~والدعة أوجبنا لك مائة ألف درهم معيشة من أصفهان ms194 ووفرناك على المقام فى ~~دارك بها.» فقلت له: «فإلى أى جهة ميلك.» فقال: «ما كنت أنفر إلا من جهة ~~فخر الدولة وقد وثقت به ولم يعلق قلبي إلا به وأنا عازم على قصد الرى عند ~~ورود من أستدعيه من أصحاب بدر بن حسنويه.» فعاجلته المنية المريحة من الحل ~~والترحال القاطعة للحاجات والأشغال. # وفيها ورد الخبر بمسير العلاء بن الحسن والديلم من أرجان ووفاة طغان ~~PageV07P314 # بالأهواز، فسار بهاء الدولة على سمت الأهواز. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر مع العلاء بن الحسن واستيلائه على الأهواز # لما توفى طغان الحاجب كوتب بهاء الدولة بخبره وبما عول عليه الغلمان ~~[379] وما حدثوا به أنفسهم من العود إلى بغداد. فانزعج لذلك وعلم ما فى ~~أثنائه من ذهاب الدولة مع استعداد العلاء للمقارعة، وقدم تسيير أبى كاليجار ~~المرزبان بن شهفيروز إلى الأهواز للنيابة عنه، ورم العسكر بها وكان بينهما ~~تذمما [1] فى جميع الأمور مستقلا للتوقيع والتدبير. # وأنفذ أبا محمد الحسن بن مكرم إلى ألفتكين الخادم للمقام بموضعه، وكان ~~حصل برامهرمز منصرفا مرتين إلى عساكر فارس. فلم يستقر بألفتكين قدم وانكفأ ~~إلى الأهواز، وكوتب أبو محمد ابن مكرم بالنظر فى الأعمال والجد فى استخراج ~~الأموال وإرضاء الجند. # وقرب العلاء بن الحسن فعرج على عسكر مكرم ونزل بهاء الدولة بطلا [2] ~~وترددت بينه وبين العلاء مراسلات ومكاتبات سلك فيها العلاء سبيل اللينة ~~والإطماع والمكر والخداع. ثم سار على نهر المسرقان لازما له إلى أن حصل ~~بخان طوق. # ووقع الحرب بينه وبين أبى محمد ابن مكرم وألفتكين ومن فى جملتهما من ~~الغلمان، وصدق الفريقان وزحف الديلم بين البساتين والنخيل حتى دخلوا البلد ~~ودفعوا أبا محمد وألفتكين منه. PageV07P315 # وأرسل أبو محمد وألفتكين إلى بهاء الدولة وأشاروا عليه بالعبور والبدار ~~فتوقف عن ذلك ووعد وسوف ثم أمدهما بثمانين غلاما من غلمان داره مع خدم ~~للخيل، فعبروا وحملوا على الديلم من ورائهم بغرة الصبوة [1] وقلة التجربة، ~~فأفرج الديلم لهم حتى توسطوهم، ثم انطبقوا عليهم [380] فقتلوهم. # وعرف بهاء الدولة ما جرى على غلمانه فضعفت نفسه ms195 وهم بالهزيمة وخاف أن ~~يظهرها فيطمع فيه بنو أسد. فتقدم بأن تسرج الخيل ويطرح عليها السلاح وتحمل ~~الأثقال، وأظهر أنه يقصد الأهواز. # فلما رتب ذلك جميعه ركب وأخذ سمت الأهواز قليلا، ثم عطف فتوجه تلقاء ~~الجزيرة وأمن ما خافه من اختلاط العسكر عند الهزيمة، وتعسف فى طريقه حتى ~~عاد إلى عسكره بظاهر البصرة. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى محمد ابن مكرم والغلمان # لما عرف أبو محمد والغلمان خبر بهاء الدولة فى انصرافه ساروا إلى عسكر ~~مكرم وتبعهم العلاء بن الحسن والديلم ورفعوهم عنها فارتفعوا ونزلوا براملان ~~بين عسكر مكرم ودستر. # وتكررت الوقائع بين الفريقين مدة، لأن الأتراك كانوا يركبون إلى باب ~~البلد ويخرج الديلم إليهم ويقاتلونهم قتال المحاجزة لا المناجزة، ومع ~~الأتراك دستر وسوادها يمتارون منها. # ثم سار الأتراك إلى رامهرمز ومنها إلى أرجان واندفع من كان فيها من بين ~~أيديهم واستولوا عليها واستخرج أبو محمد لهم الأموال منها وأقاموا بها ~~PageV07P316 # ستة [381] أشهر ثم كروا راجعين إلى الأهواز. # وبلغ العلاء خبرهم حين قربوا فأنفذ إلى قنطرة أربق من قطعها ووصل أبو ~~محمد والغلمان إليها. فطرحوا الأجذاع وأعمدة الخيم عليها وعبروها وحصلوا مع ~~الديلم على أرض واحدة ونزلوا بالمصلى وخيم العلاء نحو شهرين. ثم رحل ~~الأتراك من معسكر مكرم وتبعهم العلاء فوجدهم قد امتدوا واسطا وكان العلاء ~~بن الحسن قد رتب مناجزة أبى جعفر بالسوس عند مصير الأتراك إلى أرجان وفرق ~~مقطعى كل كورة فيها. # فلما عاد بهاء الدولة إلى واسط على ما يأتى ذكره ولم يبق بينه وبين ~~الديلم من يحول دونه جرد قلج فى عدة من الغلمان وسيره إلى السوس. # وكتب إلى أبى محمد ابن مكرم ومن فى جملته من الغلمان بالتوقف عن الإتمام ~~فلقيهم قلج والكتب فى الطريق، فرجعوا وحصل المعسكر جميعه مع أبى محمد ~~وأقاموا ببصنى [1] . # وفيها عاد أبو القاسم على بن أحمد من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة ~~للوزارة. ### ||||| ذكر ما جرت عليه حاله فى هذه النوبة # قال الأستاذ الفاضل أبو نصر: # لما عاد بهاء ms196 الدولة إلى معسكره بظاهر [382] البصرة وقفت أموره فترددت ~~بينه وبين أبى القاسم مراسلة فى العود إلى خدمته. فاستقر ذلك بوساطة مهذب ~~الدولة بعد أن اشترط على بهاء الدولة أنه إن مشى الأمر على يديه وإلا أعاده ~~محروسا إلى البطيحة. PageV07P317 # وكان السفير بينهما الشريف أبو أحمد الموسوي. ولم أعرف ذلك إلا بعد ~~استقراره وكنت فى بقايا علة واستأذنت بهاء الدولة فى الإصعاد إلى بغداد ~~للمداواة فلم يأذن. فلما ورد الرجل ومضى على وروده ثلاثة أيام راسلني الملك ~~وقال: # - «كنت استأذنتنا فى الإصعاد إلى بغداد للمداواة وقد أذنا لك.» فعلمت أن ~~هذا القول على أصل، وأن الغرض إبعادى فقبلت الأرض وقلت: # - «السمع والطاعة.» وانصرف الرسول. ### ||||| ذكر رأى سديد رآه الفاضل فى استمالة قلب بهاء الدولة # قال الفاضل: # أخذت دواة ودرجا [1] وأثبت ما كان لى بالبصرة من صامت وناطق حتى لم أترك ~~إلا ما كان على جسدي وحملت جميعه على التذكرة به إلى الخزانة وقلت: # - «هذا ما أملكه وأنا مع إصعادى مستغن عنه والخزانة مع كثرة الخرج محتاجة ~~إليه.» واستأذنت فى الحضور للوداع، فوقع ذلك [383] موقعا جميلا وأذن لى فى ~~الحضور. وجاءني فى أثناء ذلك الشريف أبو أحمد الموسوي وكان يتهمنى بالميل ~~إلى الشريف أبى الحسن محمد بن عمر ويستوحش منى لأجله فقال: # - «قد بلغني أنك تصعد الليلة إلى بغداد وما كنت أوثر البعد عن سلطانك ~~PageV07P318 # ولو وقفت وتركتني أتوسط ما بينك وبين هذا الوزير الوارد وأتوثق لكل واحد ~~من صاحبه لكان أولى.» فقلت: «قد كنت على العزم الذي بلغ الشريف وإذ قد رأى ~~لى الصواب فى المقام أقمت يومين [أو] ثلاثة معولا على تفضله فيما يقرره- ~~وأردت بهذا القول كتمان حقيقة أمرى عنه إشفاقا من أن يعرف الوزير خبري- ~~فراسل بهاء الدولة فيما تعرفنى به [1] وربما بلغ غرضه فى تعاجل الحال.» ~~وانصرف الشريف أبو أحمد ولم تقلنى الأرض حتى مضيت إلى المضرب وودعت بهاء ~~الدولة وقبلت الأرض وبكيت، فبكى لبكائى وقال: # - «لا تشغل قلبك فإننى لك على أجمل نية، وما أنفذتك إلا إلى مملكتي ms197 وأين ~~كنت فإنك على بال من مراعاتى وملاحظتى.» وخرجت فاتبعنى بعض خواصه وقال: # - «إن الملك يأمرك أن تتوقف ليسلم إليك رهونا تحملها إلى مهذب الدولة ~~وتستقرض عليها مهما أمكنك.» فأشفقت من أن أتربث فتتجدد من الوزير فى أمرى ~~مراسلة بهاء الدولة بما أتقيه فقلت للرسول: # - «تقول لمولانا: إننى قد أحسست [384] بأول دور الحمى وأنا أصعد وأتوقف ~~بنهر الدير إلى أن يلحقني ما يرى إنفاذه.» فدخل وخرج وقال: # - «امض فإنا نحمل على أثرك ما يصحبك.» فاغتنمت الفرصة وأسرعت ولم أتوقف ~~ووصلت إلى واسط. فما استقررت بها حتى ورد على الطائر كتاب من عبد العزيز بن ~~يوسف يقول فيه: PageV07P319 # - إن الرجل- يعنى الوزير أبا القاسم على بن أحمد- وقف أمره وعاد إلى ~~البطيحة فبادرت فى الحال إلى الإصعاد علما بأن الكتب سترد بالعود إلى. # فما بلغت فم الصلح [1] حتى صاح بنا ركابيان وردا من البصرة ومعهما كتاب ~~بهاء الدولة إلى بالانحدار. فاعتذرت فى الجواب بقربى من مدينة السلام وأننى ~~أدخلها وأحصل من المال والثياب ما أعلم أن الحاجة داعية إلى تحصيله وأعود. # فأما سبب فساد أمره فإنه عامل أبا العباس الوكيل بما أوحشه به واستشعر ~~أبو عبد الله العارض وأبو الفرج الخازن منه واجتمعت كلمة الحاشية عليه، ~~وتطابقوا على فساد أمره خوفا من بوادره. # وعول بهاء الدولة على القبض عليه فذكره الشريف أبو أحمد العهد الذي استقر ~~مع مهذب الدولة بالقبيح وأخرج عن اليد، فعند ذلك فسح فى عوده مع الشريف أبى ~~أحمد إلى بغداد. ### |||| ودخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة [385] ### ||||| وفيها ملك لشكرستان بن ذكى البصرة وانصرف أصحاب بهاء الدولة عنها شرح الحال فى ذلك # كان لشكرستان ذا نفس أبية وهمة علية ولم يزل يلوح من شمائله فى بدء أمره ~~ما يدل على ارتفاع منزلته وقدره وهو من جملة من انحاز عن بهاء الدولة إلى ~~صمصام الدولة وحصل مع العلاء بن الحسن بالأهواز. # فلما انصرف الأتراك إلى أرجان على ما تقدم ذكره، حدثته نفسه بالخروج ~~PageV07P320 # إلى البصرة ودفع بهاء الدولة عنها. والتمس من العلاء ms198 بن الحسن مساعدة على ~~ذلك فأحجم العلاء عن إفراد بعض العسكر عن نفسه، لحاجته إلى الاستظهار بكثرة ~~العدد. # فبينا تردد الخطاب بينهما إذ ورد إليهما نحو أربعمائة رجل من الديلم ~~مستأمنين من ديلم بهاء الدولة. فضمهم لشكرستان إليه وفرق فيهم خمسة آلاف ~~دينار من ماله وسار بهم إلى حصن مهدى. # وجرد بهاء الدولة أبا مقاتل خمارتكين البهائى لقتاله، فجرت بينهما ~~مناوشات واعتصم الديلم بالبلد ولم يقدر خمارتكين على مواقعتهم فيه. # فلما كان فى بعض الأيام عاد منهم وخرج لشكرستان على أثره وحمل نفسه على ~~الصعب وسار على التعسف [386] حتى حصل هو ومن معه بلشكرابان. # وتسلل إليه من بقي مع بهاء الدولة من الديلم ولم تكن لأصحاب بهاء الدولة ~~قدرة عليهم لإعتصامهم بالبساتين والمياه التي يضيق مجال الفرسان فيها. ثم ~~ضاقت عليهم الميرة وانقطعت عنهم المادة فقطعوا النخل وأكلوا جمارها وأكلوا ~~الزرع. # وكان أبو العباس ابن عبد السلام وطائفة من أهل البصرة مائلين إلى بهاء ~~الدولة ونزلوا بإزاء الديلم يصدقونهم القتال. وكان أبو الحسن ابن أبى جعفر ~~العلوي مائلا إلى لشكرستان بن ذكى مضادة لابن عبد السلام لما بين الفريقين ~~من المباينة. فحمل العلوي إلى الديلم فى السماد دقيقا أمارهم به ونفس عنهم ~~كربهم، وعرف بهاء الدولة ذلك وظفر ببعض السفن التي حملت فيها الميرة فأنفذ ~~من يقبض عليه فهرب وكبست داره ونهبت. # وطلبت هذه الطائفة فاستوحشوا وصار منهم عدد كثير مع أبى جعفر إلى ~~لشكرستان وقويت بهم شوكته وجمعوا له سفنا وحملوا الديلم فيها على PageV07P321 ~~ركوب أخطار وشدائد حتى جعلوهم على أرض البصرة ووافوا بهم إلى محالهم ~~وواقعوا أصحاب بهاء الدولة فهزموهم ونهبوا دور بنى عبد السلام وطائفته ~~وخربوها. # وجلا [1] ناس كثير من البصرة ونبا ببهاء الدولة مكانه [387] وخرج البلد ~~عن يده وأصعد إلى واسط على الظهر فوصل إليها وقد تقطع عسكره وتمزق سواده. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر لشكرستان بالبصرة إلى أن استقر ما بينه وبين مهذب الدولة من الصلح # لما حصل لشكرستان [2] بالبصرة بطش بأهلها فقتل وسفك، وخرج ms199 الناس على ~~وجوههم لفرط الهيبة الواقعة فى نفوسهم ومد يده إلى أموال التجار فخرب البلد ~~وتشرد كل من فيه. وكتب بهاء الدولة إلى مهذب الدولة يقول له: # - «إذا كان لشكرستان قد غلب على البصرة فأنت أحق بها منه.» فاستعد مهذب ~~الدولة للقتال وجرد أبا عبد الله ابن مرزوق إليه فى عدة كثيرة من الرجال ~~وكاتب أبا العباس ابن واصل وكان بعبادان وغيره من أصحاب الأنهار بالاحتشاد ~~والاستظهار والاجتماع مع ابن مرزوق على حرب لشكرستان، وانحدر ابن مرزوق ~~ودفعه عن البصرة. # فاختلفت الرواية فى دفعه عنها، فقيل: إن أهل البصرة قويت نفوسهم فوثبوا ~~على الديلم وانصرف لشكرستان من غير حرب إلى أسافل دجلة. # وقيل: بل عقد جسرا [388] فى الموضع المعروف بالجل وقال: PageV07P322 # - «الديلم يرمون كل من يرد من نهر عمر.» وجعل أمامه سلسلة حديد ممتدة من ~~إحدى حافتي نهر ابن عمر إلى الأخرى ليدفع عن الجسر ما يرسل على الماء من ~~شاشات القصب المضرمة بالنار تغوص بثقلها فتعبر الشاشات عليها فتغرقها. # فى عسكر البطيحة من نهر ابن عمر وجمعوا قصبا كثيرا بعرض النهر وأرسلوه ~~مضرما بالنار وجعلوا سفنهم التي فيها مقاتلتهم من ورائه، فوقع على السلسلة ~~وتقطعت وعلى السفن الصغار فاحترقت ووصل إلى الجسر ودخل عسكر البطيحة البصرة ~~يقدمهم ابن مرزوق وعسكره إلى الجزيرة. # وحصل لشكرستان بسوق الطعام وهي فسيحة واستمر القتال بين الفريقين وكان ~~للديلم الاستظهار فى الحرب ولهؤلاء قطع الميرة. # فراسل لشكرستان مهذب الدولة وسأله المصالحة والموادعة وبذل له الطاعة ~~والمتابعة على أن يقيم له الخطبة ويسلم ابنه إليه رهينة. فمال مهذب الدولة ~~إلى الصلح وسلم لشكرستان ابنه أبا العز واتصل الصفاء واستمر الوفاء زمانا ~~طويلا. # وأظهر لشكرستان طاعة صمصام الدولة وبهائها وأمر نفسه واعتضد بما عقده ~~بينه وبين مهذب الدولة من المودة، وعسف أهل البصرة مدة، ثم عدل فيهم وأحسن ~~السيرة بهم وخفف [389] الوطأة عنهم بعد أن قرر نصف العشر عليهم. وكان يؤخذ ~~من سائر ما يتبايع حتى من المأكولات، وعاد البصريون إلى دورهم ومنازلهم. # والذي تكثر به ms200 العشرة وتطول فيه الفكرة ويستفاد منه التبصر وتنتفع بمثله ~~التجربة خامل حالتي بهاء الدولة ومهذبها. كيف اختل أمر ذلك وهو عريق فى ~~الملك صاحب مملكة لسوء سيرته! وكيف استقام أمر هذا وهو دخيل فى الإمارة ~~صاحب بطيحة لحسن طريقته! PageV07P323 ~~لقد ضل من ظن أن الملك يستقيم بالظلم والمال ويثمر بالجور، أو الارتفاع ~~يكثر بالحيف، أو الضرع يدر بالعسف. لا ورافع السماء ومؤتى الملك من يشاء، ~~ما يصلح الملك إلا بإحسان السيرة وإحكام السياسة وترتيب الخاصة وتهذيب ~~العامة والهيبة فى الجند والعدل فى الرعية. # وهيهات أن يصلح الملك تدبير مملكته إلا بعد تدبير مدينته، أو تدبير ~~مدينته إلا بعد تدبير داره، أو تهذيب رعيته إلا بعد تهذيب جنده، أو تهذيب ~~جنده إلا بعد تهذيب حاشيته، أو تهذيب حاشيته إلا بعد تهذيب نفسه. # ولولا أننا لا نباهى أصحاب عصرنا أطال الله بقاءهم، من الملوك والوزراء ~~الماضين إلا كل من كان عالى الرتبة فى العلاء والمجد، طيب الأحدوثة بالثناء ~~والحمد، لأوردنا فى هذا الفصل ما تتبين به مقادير [390] التفاوت والفضل ~~ويقوى معه الدليل على ما قدمناه فى صدر كتابنا هذا من تفضيل زماننا بهم. # لكنا لا نقيس الفاضل بالناقص ولا المخدج بالكامل ولا العاجز بالقادر ولا ~~النابى بالباتر. لأن الشيء يقاس بما يناسبه ويشبه بما يقاربه. # ونعود إلى سياقة التاريخ. ### ||||| عود سابور بن أردشير إلى الوزارة # وفيها عاد أبو نصر سابور بن أردشير إلى الوزارة ونظر نحوا من شهرين ثم ~~هرب. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر أبى نصر سابور فى هذه النوبة # كان بهاء الدولة أنفذ أبا عبد الله العارض وأبا نصر الفاضل إلى مهذب PageV07P324 ~~الدولة واستقرضا منه قرضا وتطيبا إلى سابور وقررا معه العود إلى الوزارة. # فلما حصلا بالبطيحة وقررا الأمر مع سابور، حضرا عند مهذب الدولة ليعلماه ~~بحال ما استقر. فقال مهذب الدولة: # - «أنتما فى طرف والملك فى آخر.» وأخرج كتابا بخط بهاء الدولة يسأله ~~إنفاذ أبى القاسم على بن أحمد. فلما شاهداه وجما وقالا: # - «قد يجوز أن يكون هذا قد ms201 بدا له بعدنا رأى آخر.» وانصرفا فقال أبو عبد ~~الله العارض للفاضل: # - «ما فعل الملك ما فعله إلا على أصل، والصواب القعود هاهنا والأخذ ~~بالحزم.» فقال له الفاضل: # - «لا يضعف [391] قلبك، واصعد معى، ودعني ألقى الملك وأحل ما عقد بعدنا ~~معه، فإنى أعرف بأخلاقه منك، ومتى تأخرنا بلغ أعداؤنا منا مرادهم.» وما زال ~~به حتى أصعد معه. فلما وصلا إلى بهاء الدولة قال لهما: # - «ما وراءكما.» قالوا [1] : «كنا قررنا مع مهذب الدولة أمر القرض ومع ~~سابور أمر النظر. # فوافى كتابك باستدعاء أبى القاسم على بن أحمد، فانتقض جميع ذلك وانصرفنا ~~بعد النجاح بالخيبة.» فلما سمع ذلك وجم- ولم يكن لأكثر ما قالاه من أمر ~~القرض حقيقة لكنهما قصدا بذلك تقديمه- فقال لهما: # - «ما كتبت ما كتبته إلا بما ألزمنيه أبو أحمد الموسوي، وإذا كنتما قد ~~PageV07P325 # قررتماه فالرأى العدول إليه.» وأمر بكتب الكتب إلى مهذب الدولة بالشكر ~~على ما أورداه عنه، وبإخراج سابور إلى الحضرة [1] وتطيب نفسه وحثه على ~~البدار. # وانصرف الفاضل إلى داره ليغير ثياب السفر، وواقف أبا عبد الله على المقام ~~بحضرة بهاء الدولة إلى أن تنفذ الكتب لئلا يدخل إليه من يثنيه. # ونفذت الكتب وورد أبو نصر سابور وقد استوحش الشريف أبو أحمد الموسوي منه ~~لما أسلفه إليه. فقال لبهاء الدولة: # - «بيني وبين العلاء بن الحسن مودة، وأنا أخرج إليه وإلى صمصام الدولة ~~وأستأنف أمر الصلح.» فمال بهاء الدولة إلى قوله واستروحت [392] الجماعة إلى ~~بعده وأذن له فى ذلك ونظر سابور إلى الأمور. # وبدأ أبو القاسم على بن أحمد يكتب إلى بهاء الدولة ويشرع معه فى تقلد ~~الأمر وبلغ أبا [2] نصر من ذلك ما انزعج منه، وأراد الاختبار لما عند بهاء ~~الدولة فيه. ### ||||| ذكر الحيلة التي عملها سابور فى اختبار بهاء الدولة # خلا به وقال له: # - «أيها الملك، قد علمت أننى قصير اللسان فى خطاب الجند، وقد استشعروا فى ~~الطمع واستشعرت منهم الخوف. ولو استدعيت أبا القاسم على بن أحمد وعولت عليه ~~فى منابذتهم ومعاملتهم ووفرتنى على جمع المال وإقامة ms202 وجوهه، لكان ذلك أدعى ~~إلى الصواب.» PageV07P326 # فقال له بهاء الدولة: # - «هذا هو الرأى وقد أردت أن أبدأك به. فإذ قد سبقت إلى القول فيه فهذا ~~كتاب أبى القاسم يخطب الخدمة، وقد تقرر الأمر معه على هذه القاعدة.» فسمع ~~أبو نصر ذلك وانصرف من حضرته وأطلق يده للتوقيعات فى الجند ولم يبق وجها ~~إلا أحال عليه أكثر مما فيه. فلما علم أنه لم يبق بواسط ما تمتد إليه يد، ~~فارق مكانه وهرب إلى الصليق، وكتب بهاء الدولة إلى أبى القاسم يستدعيه. ~~[393] وأنفذ إليه أبا الفضل الإسكافى رسولا بما بذله له من بسط اليد ~~والتمكين، وانحدر أبو الفضل واجتمع معه وأصعدا. # فلما حصلا فى بعض الطريق عدل أبو القاسم على بن أحمد عن السمت. # فقال له أبو الفضل: # - «إلى أين أيها الوزير.» قال: «إلى حيث أبعد به عنكم. أما علم بهاء ~~الدولة أن أبا نصر فرق أمواله وأفسد أمره وأبطل مملكته؟ وأنا رغبت فيما ~~رغبت فيه أولا، لأنه كان هناك ما يمكن تمشية الأمور به. فأما الآن فلم يبق ~~إلا شجى الحلوق وقذى العيون ولقاء المكروه. فلما أنشط لذلك.» وفارقه ومضى ~~إلى الجبل وبقي مجلس النظر خاليا حتى ورد أبو العباس عيسى بن ماسرجس ونظر ~~فى الأمور. ### ||||| استكتاب القادر بالله أبا الحسن ابن حاجب النعمان # وفيها استكتب القادر بالله رضوان الله عليه، أبا الحسن على بن عبد العزيز PageV07P327 ~~حاجب النعمان [1] . ### |||||| ذكر السبب فى ذلك # كان رجلان من التجار خرجا للحج. فتبايعا عقارا فى الكرخ وهما بمكة، ~~وأشهدا إنسانا من الذين حضروا الموسم، ورد [2] المشترى إلى مدينة السلام ~~فحاول ثبوت كتابه عند القضاة الأربعة وهم أبو عبد الله الضبى وأبو محمد ابن ~~الأكفانى وابو الحسين ابن معروف وأبو الحسين الجوزي [394] بشهادة من شهد من ~~التجار. وقد كان القادر بالله رضى الله عنه، أمرهم أن لا يقبلوا فى مثل ذلك ~~إلا شهادة الشهود المعدلين. # فتنجز المشترى كتبا من بهاء الدولة إلى القضاة باستماع قوله، وإلى الشريف ~~أبى الحسن محمد بن عمر والوزير أبى منصور ms203 ابن صالحان- وكان نائبا عن بهاء ~~الدولة ببغداد- بالزامهم ذلك. فخاطباهم فقالوا: السمع والطاعة، إلا أبا عبد ~~الله الضبى. فإنه امتنع واحتج بما رسم له من دار الخلافة. # وغاظ الشريف أبا الحسن فعله فأطلق لسانه بالوقيعة فيه. وفارق الضبى داره ~~بالكرخ وعبر إلى الحريم معتصما به. وسمع أبو محمد الأكفانى شهادة القوم، ~~وعزم القاضيان الآخران على مثل ذلك. فاستدعوا إلى دار الخلافة وأغلظ القول ~~عليهم واعتيقوا إلى آخر النهار، ثم اذن لهم فى الانصراف والعود من غد. # وكان قوم من الشهود زكوا التجار الذين شهدوا فى الكتاب، منهم ابن ~~PageV07P328 # النشاط وأبو اسحق بن أحمد الطبري. فطعن الضبى عليهم عند الخليفة، فخرج ~~التوقيع بإسقاطهم وأمر بقراءته على المنبر فى المسجد الجامع. # وعرف الشهود ذلك ومضى أبو اسحق الطبري إلى أبى الحسن محمد بن عمر مستصرخا ~~وكان خصيصا. وبلغ أبا الحسن على بن عبد العزيز ما يجرى من الخوض فى الأمر. ### ||||| ذكر تدبير لطيف توصل [395] به ابن حاجب النعمان إلى خدمة دار الخلافة # استدعى القاضي أبا محمد ابن الأكفانى وأبا اسحق الطبري سرا، وقال لهما: # - «قد علمت ما أنتم عليه وإن طويتموه عنى ومتى روسل الخليفة بى، توصلت ~~إلى مرادكم.» فصار أبو اسحق إلى ابن عمر وأشار عليه بإنفاذ على بن عبد ~~العزيز الى دار الخلافة فراسل أبا منصور ابن صالحان فى ذلك فكان جوابه: # - «إنك عارف بما وردت به كتب بهاء الدولة من منع ابن حاجب النعمان عن دار ~~الخلافة وإخراجه إلى حضرته، فكيف يجوز أن تنفذه فيما هذه سبيله؟» فعاد ~~مراسلة ثانية وسهل الأمر، فأذن أبو منصور فى ذلك من غير اختيار. # وانحدر أبو الحسن على بن عبد العزيز إلى دار الخلافة ووصل إلى حضرة ~~القادر بالله رضى الله عنه، وأعاد ما حمله من الرسالة، وكانا قالا له: # - «تخدم الحضرة الشريفة عنا بالدعاء وتقول: إن الذي جرى فى هذه القصة مما ~~يوحش بهاء الدولة ويشعره التغير له والعدول عنه فيما كان مستخدما فيه.» PageV07P329 ~~وأتبع ما يورده عنهما من نفسه بأن قال: # - «يا ms204 أمير المؤمنين ما الذي فعل [396] هؤلاء القضاة مما خرجوا به عن حكم ~~الشريعة أو حدث من الشهود حتى أسقطوا الإسقاط الذي يقرأ على المنابر؟ أو ~~ليس ابن النشاط أحد الشهود الذين شهدوا على المخلوع بخلع نفسه وتسليمه ~~الأمر إلى أمير المؤمنين؟ ولو أردنا اليوم شهادة حاضرة بذلك لما وجدنا غيره ~~فيها، فإن الشريف أبا أحمد الموسوي غائب بشيراز، وأبا القاسم ابن أبى تمام ~~قد مضى لسبيله، وأبا محمد ابن المأمون من أهلك، وأبا الغنائم محمد بن عمر ~~ممن لا تقوم به بينة. ونحن إلى الآن نزكى هذا الشاهد ونعدله أولى من أن ~~نقدح فيه ونجرحه [1] وهذا أبو اسحق الطبري واحد القراء المتقدمين وأهل ~~العلم المشهورين ولم يبق من يحضر الحرمين ويصلى فيها [2] بالناس مثله وهو ~~إلى هذه الدولة منسوب وفى شعبها محسوب والباقون منهم أقل من أن يعرفهم أمير ~~المؤمنين ويسميهم، فضلا عن أن يذكرهم على المنابر ويقع فيهم. وما الذي ~~يؤمننا من أن ينفذ إلى الجامع من ينفذه، فيعترض بما يحول بينه وبين ما ~~يحاوله ويلحقنا من ذلك ما لا خفاء به؟» فلما سمع القادر بالله رضى الله ~~عنه، ما قاله تبين الصواب فيه. فأضرب عما عزم عليه وهم، ورده بجواب جميل ~~سكن إليه القضاة والشهود، وتوقيع فيه علامته بإجرائهم على رسومهم. # وعاد أبو الحسن إلى الشريف والوزير فأعلمهما بما فعل [397] وبزوال ما كان ~~الخوض واقعا فيه، وأشار بأن يعود برسالة ثانية محدودة تتضمن الشكر والدعاء ~~والاستئذان فى حضور القضاة. # فتقدما إليه بذلك ومضى وعاد بالإذن فى حضور القضاة ورجع ثالثا ~~PageV07P330 # والقضاة معه فجمع بينهم وبين القاضي أبى عبد الله الضبى، واستطال أبو عبد ~~الله فى القول عليهم، فمنهم من أجاب ومنهم من أمسك عنه. # وانصرف القوم وتأخر أبو الحسن فأقام فى الدار وقرر أمر نفسه واستعطف ~~الشريف أبا الحسن ابن عمر واستكف كل من كان يقصده واستصلح فتم له الأمر ~~واستتب. ### ||||| وفيها عاد أبو جعفر الحجاج من الموصل ذكر السبب فى ذلك وما جرى الأمر عليه # لما توفى ms205 أبو الدواد محمد بن المسيب طمع المقلد أخوه فى الإمارة فلم ~~تساعده العشيرة، لأن من عادتها تقديم الكبير من أهل البيت وكان على [1] أسن ~~منه فأجمعوا عليه وولوه. # وأيس المقلد من الإمارة فعدل إلى طلب الموضع وبدأ باستمالة الديلم الذين ~~كانوا مع أبى جعفر، واستفسادهم عليه وثنى برسالته بهاء الدولة خاطبا لضمان ~~الموصل بألفي ألف درهم [398] فى كل سنة، وبذل تقديم مال عنها واستصلح قلوب ~~الحاشية. # ثم عدل إلى على أخيه وأظهر له أن بهاء الدولة قد ولاه الموصل وأن أبا ~~جعفر يدافعه عنها، وسأله النزول معه بالحلل عليها، فإن أبا جعفر إذا علم ~~اجتماع الكلمة خاف واندفع عنها. # فلبى على دعوة أخيه وأجابه إلى سؤاله قاضيا حقه فيه. فلما نزلت الحلل على ~~باب الموصل استأمن عدد من الديلم الذين استفسدوا من قبل وعلم أبو جعفر أن ~~لا طاقة له بالقوم، فاعتصم بقصر كان استحدثه ملاصقا إلى دار PageV07P331 # الإمارة مع سبعين رجلا من خاصته وسألهم أن يفرجوا له عن الطريق ليسلم ~~الديلم إليهم، فأجابوه إلى ذلك. ### ||||| ذكر مكيدة عملها أبو جعفر سلم بها فى انحداره # وواعدهم فى خروجه يوما معلوما واستظهرهم عليه، وكانوا أجمعوا أمرهم على ~~أن يأخذوه يوم مسيره. فاستذم أبو جعفر من على بن المسيب وأنفذ إليه كراعه ~~ليسير من عنده. ثم جمع سفنا حط فيها رحله وصناديقه وسلاحه وأصحابه، فجاءة ~~وانحدر قبل اليوم الموعود وما عرفوا خبره إلا بعد انحداره، فتبعوه ودافعهم ~~عن نفسه حتى خلص ووصل إلى [399] مدينة السلام. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر بالموصل بعد انحدار أبى جعفر # لما خرج أبو جعفر من البلد تقدم المقلد إلى أصحابه بالدخول، وعمل على ابن ~~المسيب فى الرحيل. فحسن له أبو الفضل طاهر بن منصور وكان كاتبه ووزيره ~~وجماعة من أصحابه أن يلتمس من المقلد مشاركته فى البلد، فتذمم على من ذلك ~~حياء من أخيه فقالوا له: # - «إذا كان البلد لأخيك كان هو الأمير وكنت أنت الصعلوك.» وما زالوا به ~~حتى راسلوه واستقرت الحال بينهما تذكرة من المقلد ms206 على إقامة خطبة لهما ~~جميعا وتقديم على بحكم الإمارة وإقامة عامل من قبلهما لجباية الأموال وجرى ~~الأمر على ذلك مديدة. # PageV07P332 ### ||||| زيادة التشاجر # ثم زاد التشاجر والتجاذب بين أصحابهما وانتهى إلى الإفراط واتصلت الشكاوى ~~من الفريقين وسيأتي ذكر ما جرت عليه الحال من بعد إن شاء الله. ### |||||| ذكر الحال فى ذلك # كان أبو على [1] خدم بهاء الدولة فى أيام إمارته. فلما ولى الملك قدمه ~~وكاد [400] ينوه به فنكبه أبو الحسن الكوكبي المعلم وبقي على العطلة ثم ~~استخدم فى الخواص بمدينة السلام. # فلما عاد بهاء الدولة إلى واسط على الصورة التي ذكرت من اختلال الحال، ~~كاتب أبا منصور ابن صالحان والشريف أبا الحسن ابن عمر وأبا على هذا يذكر ~~بما هو عليه من الإضاقة واستدعى منهم ملتمسات من ثياب وغيرها. # فأجاب أبو منصور وأبو الحسن جميعا بالوعد والتعليل وحصل [2] أبو على أكثر ~~الملتمس بعد أن طلب من أبى على ابن فضلان اليهودي قرضا يرد عوضه عليه فلم ~~يسعفه وانحدر إلى حضرة بهاء الدولة بما صحبه. # فوقع فعله موقعا جميلا ازداد به عنده قبولا، وقرر معه فى أخذ اليهود ~~ومصادرتهم تقريرا معلوما، وفى أمر أبى الحسن محمد بن عمر وأبى منصور ابن ~~صالحان ما كان مستورا مكتوما، وأصعد على هذه القاعدة. فلما حصل ببغداد قبض ~~على جماعة من اليهود وعسفهم فى المطالبة والمعاقبة. # وأما الشريف أبو الحسن ابن عمر وأبو منصور ابن صالحان فإنه بدا لهما ~~PageV07P333 # خبر ما أبطن فى أمرهما فخرج ابن عمر إلى القصر وصار منها إلى البطيحة، ~~واستقر أمر ابن صالحان وكاتب بهاء الدولة واستصلحه وانحدر إليه. # ودبر أبو على الأمور ببغداد واستمال الجند وقرر مع الأتراك [401] عن ~~أثمان أقامتهم ورقا يطلق لهم مسابعة، ثم نقله إلى المشاهرة ونسبه إلى ~~القسط، وسلك أيضا بالديلم هذه الطريقة. فصار ذلك سنة مستمرة من بعد فى ~~الأقساط وسقطت كلف الإقامات وكانت قد انتهت إلى الإفراط. ومشت أموره على ~~السداد إلى أن جرى من المقلد بن المسيب ما صار سببا للقبض عليه. ### ||||| ذكر ما ms207 جرى من المقلد بن المسيب فى هذه السنة # كان المقلد يتولى حماية القصر وغربى الفرات متصرفا على أمر العباس بن ~~المرزبان فاستناب المقلد أبا الحسن ابن المعلم أحد أصاغر المتصرفين ببغداد ~~وكان فيه تهور وإقدام، فتبسط وانتهى عنه إلى ابن المرزبان ما غاظه وعول على ~~القبض عليه. # ولم يأت الحزم من أقطاره فى أخذه فاستوحش ابن المعلم واستظهر وجرت ~~مناوشات أدت إلى كشف القناع واستنجد ابن المعلم صاحبه. فوافى من الموصل فى ~~عدته وعديده وحصل مع ابن المرزبان على أرض واحدة وجرت بينهما حرب أجلت عن ~~هزيمة ابن المرزبان وأخذه أسيرا وحبسه وأمر بقتله من بعد. # وملك المقلد القصر وأعماله [402] وكتب إلى بهاء الدولة بأعذار مختلفة ~~وأقوال متفقة، وسأل إنفاذ من يعقد عليه البلاد بمبلغ من المال يؤديه عنها. # وكان بهاء الدولة مشغولا بما هو بصدده والضرورة تدعوه إلى المغالطة ~~والمداراة فأنفذ إليه أبا الحسن على بن طاهر وجرت بينهما مناظرات PageV07P334 ~~ومواقفات كتب بها تذكرة عاد بها ابن طاهر استأمر فى أبوابها. # ولما انفصل ابن طاهر عنه زاد فى بسط يده فى الأعمال واستضاف ما فيها من ~~الأموال، فضج المقطعون بالشكوى إلى أبى على ابن إسماعيل، فاستعد للخروج ~~إليه واستدعى محمد بن عباد وخاطب أبا موسى خواجه بن ساكيل على البروز، فبرز ~~وخيم بظاهر البلد. ### ||||| ذكر الغيلة التي عملها المقلد # لما انتهى الخبر إليه ببروز من برز من السندية أنفذ أصحابه ليلا فكبسوا ~~معسكر ابن ساكيل وضربوا الخيم. فبادر ابن سياهجنك [1] إلى زبزبه وعبر إلى ~~داره واستنفر الديلم. فإلى أن اجتمعوا قطع أصحاب المقلد الجسر لئلا يتكاثر ~~عليه الجند. # وركب أبو على ابن إسماعيل وابن عباد والأولياء. فإلى أن أعيد سد الجسر ~~مضى أصحاب المقلد وتبعهم أبو على فلم يلحقهم. [403] وهم بالإتمام إلى ~~السندية [2] لمواقعة المقلد فأشاروا عليه بالعود. فعاد وقد تمم لما ثبت له. # وكان الشريف أبو الحسن ابن عمر قد حصل بالبطيحة على ما تقدم ذكره. # فلما ورد أبو جعفر الحجاج توسط حاله مع بهاء الدولة وأصلحها وجدا ms208 جميعا ~~فى السعى على أبى على وذلك قبل أن يحدث من أمر المقلد ما حدث. # وشد منهما ابن ماسرجس وكان هو الوزير يومئذ، وبذل ابن عمر لبهاء الدولة ~~عشرة آلاف دينار عن تسليمه إليه. وكان بهاء الدولة سريع القبول PageV07P335 # شديد الميل إلى هذه البذول وكل ما يعقد معه محلول وكل ما يبنى لديه ~~مهدوم. # ومن شرط السياسة أن يفي الملك بقوله وعهده وأن يصدق فى وعيده ووعده وأنه ~~متى أخلف استولت على المحسن الخيبة وزالت عن المسيء الهيبة، ومن قارب بين ~~التولية والعزل لا يعقل. فنعود إلى تمام الحديث. # فخاضوا فى تدبير أمر أبى على ولم يكن ببغداد من يكاتب بالقبض عليه ويوثق ~~به فى الخروج بالسر إليه. لأن ابن سياهجنك كان من خاصته والقهرمانة معه وفى ~~كفته، وكل من وجوه الجند مائلا إلى جنبته ويخافون أن يخرجوا إنسانا من ~~[404] واسط فربما شاع الخبر وظهر. ### ||||| ذكر المكيدة التي رتبت فى القبض على أبى على # أحضروا أبا الحسن محمد بن الحسن العروضي وكان بواسط، وواقفوه على أن ~~يكاتب أبا على ويشكو إليه حاله ويسأله استدعاءه إليه وضمه إلى جملته، ~~ودبروا الأمر أنه إذا عاد الجواب إليه بالإصعاد أصعد، وقرروا معه القبض ~~عليه. # وكتب أبو الحسن كتابا بهذا الذكر فإلى أن عاد الجواب إليه حدث من أمر ~~المقلد وهجوم أصحابه على مدينة السلام ما حدث وورد الخبر بذلك على بهاء ~~الدولة فانزعج واستدعى أبا جعفر الحجاج فى الوقت ورسم له المبادرة إليها ~~وتلافى الحادث بها ومصالحة المقلد والقبض على أبى على ابن إسماعيل. # ووجد أبو جعفر الفرصة فسار ووصل إلى مدينة السلام فى آخر ذى الحجة وسيأتي ~~ذكر ما جرى الأمر عليه بمشيئة الله تعالى. # PageV07P336 ### ||||| ذكر القبض على أبى نصر # وفيها قبض على الفاضل أبى نصر فاستقصى عليه فى المطالبة. وهرب أبو عبد ~~الله العارض إلى البطيحة، وأقام إلى أن أصلح حاله. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك [405] أولا وما جرت عليه الحال ثانيا # كان جرى بين أبى عبد الله العارض وبين أبى طاهر ms209 سباشى المشطب [1] المعروف ~~بالسعيد كلام تنابزا فيه، وجنايات اللسان عظيمة وصراعاته أليمة. # فأمر بهاء الدولة بالقبض على أبى طاهر لأجل ذلك واعتقاله. # فاجتمع عدد كثير من الغلمان وصاروا إلى باب الخيمة الخاص وجبهوا بهاء ~~الدولة بما فيه بعض الغلظ وقالوا: # - «إن لم تفرج عنه أخذناه.» فدعت الضرورة إلى إطلاقه فأطلق، ثم لم يرضوا ~~بالإفراج عن المشطب حتى اقترحوا إزالة أبى عبد الله عن ولاية العرض وإبعاد ~~الفاضل أبى نصر، [2] وخاف بهاء الدولة مخالفتهم. فاعتقل العارض والفاضل ~~اعتقالا جميلا، ثم أذن لهما فى الإصعاد إلى بغداد بعد أن قرر أمر الفاضل ~~على مبلغ من المال. # فأما الفاضل، فإنه صحح المال المقرر بعد إصعاده وأقام فى داره إلى أن ~~وافى أبو جعفر. ونظر أبو الحسن العروضي فى نيابة الوزارة عن ابن ماسرجس ~~فخافه الفاضل وكاتب بهاء الدولة يسأله حسن التعطف والحراسة. PageV07P337 # فعاد جوابه بالجميل ورسم له الانحدار فانحدر. ولما وصل إلى المعسكر قبض ~~عليه وسلم إلى ابن ماسرجس فاستقصى [406] عليه فى المطالبة، لما أخذ عليه من ~~نوبة البصرة ونسبها إليه، وكان بريئا منها. # وأما أبو عبد الله العارض، فإنه خاف بعد إصعاده، فاستشار نصحاءه فى أمره ~~وقال: # - «لست أحب الحرب فأجعل لنفسي حديثا ولا الاسترسال فأطرق غلبتها.» ### ||||| ذكر رأى سديد أشير به على العارض فكان سببا لنجاته # قال له على بن عيسى صاحب البريد: # - «إذا كان هذا اعتقادك، فكيف تسمح بذهاب ما فى دارك من الآلات ومن ~~الغلمان؟» قال: «نعم.» قال: «فاعبر إلى الجانب الشرقي، كأنك زائر والدتك ~~ودع دارك وحاشيتك على ما هي وهم عليه، وأنا أحضر فى كل يوم وألقى الناس ~~فيها عنك وأكتب كتب النوبة إلى بهاء الدولة وإذا حضر من يجوز الاعتذار إليه ~~وأنا قاعد اعتذرت إليه بنومك أو صلاتك ومن وجب أن أقوم وأدخل الحجرة كأنى ~~أستأذنك وأخرج إليه بمثل العذر قمت وإذا رأى الناس ذلك ظنوك حاضرا وأنت فى ~~الباطن مستظهر.» فاستصوب ذلك وعمل به واندرج الأمر على هذا أياما ثم كبست ~~الدار لطلبه والقبض عليه ms210 فلم يوجد. # ودبر أمره فى [407] الخروج من البلد مستترا وحصل بالبطيحة وأقام بها PageV07P338 ~~مدة وأصلح حاله مع بهاء الدولة وأصعد إلى واسط ونظر فى دواوين الإنشاء ~~والبريد والحماية. # وفيها حج بالناس أبو عبد الله ابن عبيد العلوي. # وحمل بدر بن حسنويه خمسة آلاف دينار مع وجوه القوافل الخراسانية لتنصرف ~~فى خفارة الطريق عوضا عما كان يجيء من الحاج فى كل سنة، وجعل ذلك رسما زاد ~~فيه من بعد حتى بلغ تسعة آلاف دينار. # وكان يحمل مع ذلك ما ينصرف فى عمارة الطريق ويقسم فى أولاد المهاجرين ~~والأنصار بالحرمين، ويفرق على جماعة من الأشراف والفقراء والقراء وأهل ~~البيوتات فى مدينة السلام بما تكمل به المبلغ عشرين ألف دينار فى كل سنة. ~~فلما توفى انقطع ذلك حتى اثر فى أحوال أهله ووقف أمر الحج. ### ||||| ذكر ما يستدل به على حزم بدر # ونحن نذكر ههنا طرفا من أفعال بدر وآدابه يستدل به على حزم الرجل ودهائه، ~~فنقول: # إن من شرط الولاية المستقيمة أن يكون صاحبها عالما بالسياسة قامعا للجند ~~عادلا بين الرعية خبيرا بجمع المال من حقوقه بصيرا بصرفه فى وجوهه راغبا فى ~~فعل الخير ملتذا بطيب الذكر ثابت الرأى فى الخطوب رابط [1] الجأش فى ~~الحروب. على أن انتقاع ذوى الولاية بالرأى [408] السديد أكثر من انتفاعهم ~~بالبأس الشديد. فان ذا البأس يقاوم رجالا وعشيرة، وذو الرأى يقاوم أمة ~~كثيرة. PageV07P339 # الرأى قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثانى # فإذا هما اجتمعا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان [1] # وقد كان بدر جامعا لهذه الخلال الحميدة والأفعال الرشيدة. فإنه ساس قومه ~~وهم البرزيكان [2] شر طائفة فى ظلمهم وعداوتهم وبغيهم وطغيانهم سعيا فى ~~الأرض بالفساد وقطعا للسبل واستباحة للأموال وسفكا للدماء [3] ، ولى عليهم ~~وقد استولوا على تلك الأعمال يسومون أهلها سوء العذاب ويذيقونهم مرارات ~~البلاء والعقاب، على طريقة من قال الله تعالى فيه: «وإذا تولى سعى في الأرض ~~ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد 2: 205 [4] . # فداوى داءهم وكف بلاءهم واستدنى من الأكراد ms211 من كانوا ضدا لقومه، فاستعان ~~بهم عليهم فطهر الأرض من ظلمهم غير مبق على آصرة ولا ملتفت إلى رحم ~~متشاجرة، فبدد شملهم وفرق جمعهم. ### ||||| ذكر مكيدة عملها بدر لقومه [409] # قيل: إنه طالت أسباب الفساد وكاد الحرث يبطل فى تلك البلاد. عمل سماطا ~~وأمر بأن يقدم عليه من جميع الألوان المطبوخة باللحمان- وكانوا أصحاب ~~أغنام- وأن لا يترك على السماط خبز بتة، ثم أحضرهم فجلسوا وأيديهم لا تصل ~~إليه توقعا للخبز. فلما طال الأمر بهم قال لهم: PageV07P340 # - «ما لكم لا تأكلون.» قالوا: «ننتظر الخبز.» قال: «فإذا كنتم تعلمون أنه ~~قوت لا بد منه، فما لكم قد أهلكتم الزرع؟ # قبحا لوجوهكم وتبا لأفعالكم! وأقسم لئن [1] تعرض أحد منكم لصاحب زرع ~~ليقابلنه [2] بسفك دمه.» وأبر قسمه بقتل العدد الكثير منهم وأخذ الباقين ~~بالهيبة وساسهم بالغلظة ولم يغض لهم عن الخيانة اليسيرة حتى تهذبت الأمور. ### ||||| ذكر سياسة بليغة من أفعاله # قيل إنه اجتاز فى بعض مرتحلاته برجل متحطب قد حط حمله عن ظهره على طريق ~~وإن بعض الفرسان أخذ منه رغيفين كانا معه فلما حصل بإزائه قال: # - «أيها الأمير إنى رجل متحطب وقد كانت معى رغيفان أعددتهما لأتغدى بهما ~~فيقوياننى على حمل الحطب إلى البلد [410] فأبيعه فأعود بثمنه إلى العيال ~~وقد اجتاز بى أحد الفرسان وغصبني إياهما.» فقال له: # - «هل تعرف الرجل؟» قال: «نعم بوجهه.» فجاء به إلى مضيق جبل وأقام عنده ~~حتى اجتاز عليه العسكر جميعه وجاء صاحبه فعرفه فأمر بدر بحطه عن فرسه ~~وإلزامه حمل الحطب على ظهره إلى البلد والدخول به إلى السوق وبيعه وتسليم ~~ثمنه إلى صاحبه جزاء PageV07P341 # على فعله. # وكان الرجل موسرا فرام أن يفتدى نفسه بمال وزاد حتى بذل بوزن الحطب دراهم ~~فلم يقبل منه وألزمه فعل ما عزم به عليه فقامت الهيبة فى النفوس فلم يقدم ~~بعدها أحد من أصحابه على أذية. # وأما بصره بوجوه المال فإنه عم وعدل فدرت عليه ضروع الأعمال وجمع من ~~الذخائر والأموال من بلاد محدودة محصورة مالا يكاد يجمع مثله من ممالك ~~واسعة. ولو ms212 لم يكن إلا ما أخذه فخر الملك أبو غالب ابن خلف من قلعته [1] ~~لكان عظيما. ### ||||| ذكر رأى سديد فى تدبير الأعمال # كان من حسن تدبيره أنه يحفظ الارتفاع من كل ثلم ثم يفرد العشر منه ويجعله ~~موقوفا على المصالح والصدقات. # وأخذ عماله بتوفية أمواله [411] أشد أخذ ويخلدهم الحبس على الخيانة فإن ~~علم أن عجز المال كان عن آفة وأن العامل نقى الجيب من خيانة أعطاه من مال ~~الصدقة ما تبرأ به ذمته من الضمان ويستعين ببعضه على الزمان فلا يقدم أحد ~~على تجاوز الطريقة المرضية فى أداء الامانة وتجنب الخيانة. # وأما بصيرته بصرف الأموال فى وجوهها فقد تقدم ذكر ما كان يحمله فى كل سنة ~~بطريق مكة وكانت له صدقات كثيرة فى بلده وأنفق أموالا جمة فى اتخاذ المصانع ~~وعمل القناطر واستخراج الطريق فى الجبال لوارد وصادر فتذللت بعد أن كانت ~~مانعة ودنت المسافات بعد أن كانت شاسعة مع حزم كامل فى الإنفاق. ~~PageV07P342 ### ||||| ذكر ما دبره فى أمر النفقات على القناطر والطرقات # كان إذا بدأ بعمل من هذه الأعمال أقام من قبله عنده سوقا جامعة لسائر ما ~~يبتاع فى البلدان وجلب إليها جميع ما يحتاج إليه من الأصناف بأرخص الأثمان ~~فإذا قبضت الرجال سلفا من الورق صرفوه فى تلك السوق على اختلاف أجناس ما ~~يبتاعونه بالثمن الوافي فيجمع جميعه. [412] فكان ما يخرج فى أول الأسبوع من ~~الخزانة يعود إليها فى آخر الوقت اليسير الذي يتصل مع بعض الرجال ممن يقدر ~~على نفسه فى النفقة. # فبقيت له الآثار الحميدة والأحاديث الجميلة. قال الله تعالى: «وما عند ~~الله خير وأبقى» 28: 60 [1] وقال تعالى: «وللآخرة خير لك من الأولى» 93: 4 ~~[2] . # وأما حسن تدبير الخطوب فله فى ذلك أخبار مشهورة منها ما دبره عند وصول ~~رسول يمين الدولة أبى القاسم محمود بن سبكتكين رحمه الله إلى الرى. ### ||||| ذكر رأى سديد فى إقامة هيبة # قيل: إن رسولا لمحمود وصل إلى الرى عند استيلاء السيدة على الأمر مهددا ~~بالمسير إليها وكانت لا تحل ولا تعقد إلا ms213 بمشاورة بدر فكتبت إليه بما تجدد ~~فأشار عليها بإنفاذ الرسول إليه ليتولى هو جوابه. # ثم رتب طوائف الأكراد وأصناف العساكر وأمرهم أن ينزلوا بحللهم بطول ~~الطريق من باب الري إلى سابور خواست [3] ويظهروا عند اجتياز الرسول بهم ~~PageV07P343 # عددهم وأسلحتهم ويأخذوا زينتهم ويسيروا به من حلة إلى حلة ومن عسكر إلى ~~عسكر حتى يوصلونه إليه ففعلوا ذلك. # ورأى الرسول فى طريقه من [413] العساكر ما هاله فلما وصل إليه رأى من ~~حزمه ودهائه وحسن تدبيره ورأيه ما ازدادت به هيبته فى صدره. # وأجاب عن الرسالة بما أشار به إلى الاستمرار على طريق المسالمة واجراء ~~الأمر على ما كان عليه من قبل مع أصحاب خراسان فعاد الرسول إلى الرى وكتب ~~الأجوبة حسب ذلك وانصرف إلى خراسان وأخبر بما شاهده فكان ذلك طريقا إلى ~~الكف والموادعة. # وأما مكايده فى الحروب وبصيرته بأمورها، فقد تقدم من ذكر الوقعة التي جرت ~~بينه وبين قراتكين الجهشيارى على أخذ شرف الدولة ما يدل على صرامته وله بعد ~~ذلك مقامات مشهورة. # فلما انقضت مدته وتناهت سعادته لم ينفعه ماله ولا رجاله ولم تدفع عنه ~~حزامته ولا احتياله، قتله أقل الجند وأذلهم ومضى رخيصا. # الحول القلب الأريب ولا ... يدفع ريب المنية الحيل # وإذ قضينا من ذكر أخباره الشاذة [1] وطرا مع التبرأ من عهدة صحتها فقد ~~عدنا إلى سياقة التاريخ. ### |||| ودخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة # وفيها تغير أمر أبى على ابن إسماعيل ووكل به فى دار المملكة ثم ~~PageV07P344 # أفرج [414] عنه واستتر. ### ||||| ذكر ما جرت عليه الحال فى ذلك # لما ورد أبو جعفر الحجاج ساء ظن أبى على ابن إسماعيل ثم اتصل به من واسط ~~ما حقق ظنه فأقام فى دار المملكة ملتجئا إلى القهرمانة وتلطف أبو جعفر له ~~طمعا فى أن يصير إليه فلم يفعل فأنفذ من وكل به فى موضعه. # وتردد بينه وبين القهرمانة قول كثير انتهى آخره إلى أن كتبت خطا بتسليمه ~~وإنها تمتثل ما يرد إليها فى معناه فصرف التوكيل حينئذ عنه. # وأنفذ ابن إسماعيل إلى بارسطغان وبدرك ms214 ووضعهما على أن جمعا جمعا كثيرا من ~~الغلمان وصاروا إلى تحت دار أبى جعفر وراسلوه وقالوا له: # - «قد كانت أحوالنا مختلة وأموالنا متأخرة إلى أن جاء هذا الرجل فتلافى ~~أمورنا بحسن التدبير وقد حاولت الآن بورودك القبض عليه وإزالة هذا الترتيب ~~ونحن لا نمكن منه ونكاتب الملك بشرح الأحوال وإن دعتنا حاجة إلى الانحدار ~~إليه انحدرنا.» وتردد فى ذلك ما طال وأفضى آخره إلى خط القهرمانة إليها ~~والاتفاق على خروجه ونظره ومكاتبة الملك بما عليه الأولياء من إيثاره. # فلما كان من غد خرج أبو [415] على من الدار وقصد أحد وجوه الأتراك واستتر ~~عنده. # ونظر أبو الحسن العروضي فى النيابة عن أبى العباس ابن ماسرجس وتشاغل أبو ~~جعفر بتقرير ما بينه وبين أبى حسان المقلد بن المسيب. ### ||||| ذكر ما جرت عليه الحال فى ذلك # أنفذ المقلد إلى أبى جعفر فى أمر الصلح وبذل له البذول على حكمه فيه. # PageV07P345 # فاستقر بعد مراجعات ومنازعات على أن يصحح المقلد عشرة آلاف دينار وتحمل ~~إلى الخزانة بواسط ويقود معها خيلا ويرفع يده عن الاقطاعات ويقنع بما يقرر ~~له من رسوم الحماية عنها ويمكن العمال من المحلول ويشد منهم فى استيفاء ~~الحقوق السلطانية ويفرج عن الديلم المأسورين ويخطب لأبى جعفر بالموصل بعد ~~بهاء الدولة ويحمل فى كل سنة ألف ألف درهم غياثية عنها وعلى أن يخلع على ~~المقلد الخلع السلطانية من دار الخلافة ويكنى ويلقب بحسام الدولة، ويحمل له ~~اللواء ويعقد له بهاء الدولة على الموصل والكوفة والقصر والجامعين ويقلد ~~زعيم العرب ويقطعه بألف ألف درهم غياثية من المحلول. فأجيب ما التمسه وجلس ~~القادر [416] بالله رضوان الله عليه لذلك على العادة. # ولم يف المقلد بجميع ما أشرطه على نفسه إلا بحمل المال المعجل واطلاق ~~الديلم المأسورين ثم استولى على البلاد فقصده الكتاب والمتصرفون والأماثل ~~وخدموه ونبل قدره واستفحل أمره. # وفيها توفى العلاء بن الحسن بعسكر مكرم وورد أبو الطيب الفرخان وبعده أبو ~~على ابن أستاذ هرمز شيراز. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة العلاء بن ms215 الحسن # قد تقدم ذكر خروج العلاء إلى عسكر مكرم فى أثر الغلمان العائدين من أرجان ~~مع أبى محمد ابن مكرم ومقامه بها مرتبا للأمور ثم جاءه أمر الله الذي لا ~~يدفع [1] وورد المنهل الذي لا محيد للبشر عنه. # فلما انتهى الخبر إلى صمصام الدولة أنفذ أبا الطيب الفرخان بعد أن ~~PageV07P346 # استوزره لسد مسده فورد ولم يكن منه ما ظن فيه. فبان منه العجز والقصور ~~وتقاعد به الديلم وملك أصحاب بهاء الدولة السوس وجنديسابور. # وعرف صمصام الدولة ما جرى فأنفذ الصاحب أبا على ابن أستاذ هرمز وأصحبه ~~مالا ففرقه على الديلم وسار بهم إلى جنديسابور ودفع الأتراك عنها وجرت مع ~~الأتراك وقائع كثيرة كانت اليد الطويلة لأبى على فيها حتى أزاحهم عن بلاد ~~[417] خوزستان وعادوا إلى واسط. # فخلت له البلاد ورتب فيها العمال وجمع منها الأموال [1] وتأمل حال ~~الاقطاعات بها. فجرى بين سيامرد بن بلجعفر وبين عامل لأبى على تنازع فى حد ~~وارتفع النزاع فيه إليه فأربى سيامرد فى القول بمجلسه فغاظه. ### ||||| ذكر تدبير يدل على قوة نفس وشهامة # أمر أبو على أن يعمل عملا بما فى يد سيامرد وداود ولده وأبى [2] على ابن ~~بلعباس فاشتمل العمل على مائة ألف دينار وزيادة فأحضر الثلاثة المذكورين ~~وكتابهم للموافقة ثم عدل بهم إلى حجرة وقبض عليهم وقيدوا وأخرجوا بعد أيام ~~على النفي إلى بلاد الديلم. # وجعل إقطاعهم لخمسمائة رجل من الديلم الأصاغر وثلاثمائة رجل من الأكراد ~~بعد أن أفرد منه شيئا للخاص فتمكنت هيبته فى الصدور وتضاعفت قوته فى الأمور ~~وتألف قلوب الديلم وراسل وجوه الأتراك الذين مع بهاء الدولة واستمالهم، ~~فأجابه بعضهم وصار إليه من جملتهم قراتكين الريحى فملأ عينه وقلبه ~~بالإحسان. # واستمرت أحواله على الانتظام والتمكن من أعمال خوزستان من غير ~~PageV07P347 # منازعة إلى أن عاد أبو محمد ابن مكرم والأتراك من واسط. # فلما عرف أبو على ابن أستاذ هرمز رجوعه استعد للحرب وجرت بينهم [418] ~~مناوشات ووقائع. ولم يكن للغلمان قدرة على إزالة الديلم من قصبات البلاد ~~وأشرفوا على الانصراف ثانيا إلى ms216 واسط حتى خرج أبو على ابن إسماعيل من ~~البطيحة وسير بهاء الدولة من القنطرة البيضاء وكان من الأمر ما يأتى ذكره ~~فى موضعه. # وفيها كوتب أبو جعفر الحجاج بالمسير من بغداد لقصد أبى الحسن على ابن ~~مزيد وسار ابن ماسرجس من واسط لذلك. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر مع أبى الحسن على بن مزيد # كان على بن مزيد قد استوحش من بهاء الدولة بسبب مال طولب به فكاشفه ~~بالخطاب وانتسب إلى طاعة صمصام الدولة وأقام الخطبة له وأطلق لسانه بكل ما ~~يوجب السياسة الإمساك عنه وانبسطت بنو أسد فى الغارة على نواحي واسط. # فغاظ بهاء الدولة فعله وعرض من أمر المقلد ما استقل به عن غيره. فلما ~~استقرت الحال معه كتب بهاء الدولة إلى أبى جعفر بالمسير إلى ابن مزيد من ~~بغداد وسير أبا العباس ابن ماسرجس من واسط فاجتمعا. # واندفع أبو الحسن على بن مزيد من بين أيديهما معتصما بالآجام وتتبعاه ~~فراسلهما واستعطفهما وسأل إصلاح أمره مع بهاء الدولة وبذل على ذلك بذلا. # وكان الأمر قد ضاق بهما [419] فى المقام وتعذر عليهما وعلى العسكر نقل ~~المير لبعدهم عن السواد فكاتبا بهاء الدولة فى أمره وسألاه الصفح عنه ~~وإقراره على ما يتولى الخدمة فيه، فأجاب إلى ذلك وسار أبو جعفر وابن ماسرجس ~~إلى الكوفة. فأما أبو جعفر فإنه عاد إلى بغداد وأما ابن ماسرجس PageV07P348 ~~فإنه أقام بالكوفة مستوحشا، ثم صار إلى المقلد ومضى من عنده إلى البطيحة. # وفيها توفى فخر الدولة أبو الحسن على بن ركن الدولة بالرى. ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر بعد وفاة فخر الدولة # لما اشتدت العلة به أصعد إلى قلعة طبرك فبقى أياما يعلل ثم مضى لسبيله. ~~وكانت الخزائن جميعها مقفلة ومفاتيحها قد حصلت عند أبى طالب رستم ولده ~~الملقب من بعده بمجد الدولة، فلم يوجد ليلة وفاته ما يكفن به لقصور الأيدى ~~عما فى الخزائن وتعذر النزول إلى البلد لشدة الشغب حتى ابتيع له من قيم ~~الجامع الذي تحت القلعة ثوب لف به. وجاء من ms217 الشغل بالجند ومطالبتهم العنيفة ~~ما لم يمكن معه حطه سريعا. فأراح حتى لم يمكن القرب من تابوته فشد بالحبال ~~وجر على درجة القلعة حتى تكسر وتقطع. # وذكر أنه خلف من العين والورق والجواهر سوى الثياب والسلاح والآلات ما ~~يزيد على [420] عشرة آلاف ألف [1] درهم فكان نصيبه من أمواله الثوب الذي ~~كفن فيه وعاقبته من أيامه اليوم الذي حط فيه. # فما أقله من نصيب مبخوس وأشأمه من يوم منحوس ف «ما أغنى عنه ماله وما ~~كسب» 111: 2 [2] ثم ربه أعلم بما صار إليه من شقاوة أو حوقق [3] أو سعادة ~~أو سومح. # ورتب أبو طالب رستم ولده فى الأمر وسنه إذ ذاك أربع سنين. فأخذت له ~~البيعة على الجند وأطلقت له الأموال الكثيرة حتى قيل: إن الأمر أعجلهم ~~PageV07P349 # عن حط المال من القلعة على رؤوس الرجال فحطوه بالزبل والبكر والحبال. # والوزيران يومئذ هما أبو العباس الضبى المتلقب بالكافي الأوحد، وأبو على ~~ابن حمولة المتلقب بأوحد الكفاة، وبينهما أشد عداوة. # فبسط أبو على ابن حمولة يده فى اطلاق الأموال واستمالة الرجال. # فمالت قلوب الجند إليه ووقعت أهواؤهم عليه وامتنع أبو العباس الضبى عن ~~مثل ذلك إلا أنه معظم لمنزلته المتأثلة وقدمه المتقدمة. # فتجدد من ورود قابوس بن وشمكير إلى جرجان واستيلائه عليها ما وقع الخوض ~~فى تدبير خطبه [1] . ### ||||| ذكر عود قابوس إلى جرجان وما جرى الأمر معه عليه # كان فخر الدولة عند استقراره فى الملك عزم على رد قابوس إلى أعماله قضاء ~~[421] لحقه ومقابلة على إحسانه، فصده ابن عباد عن رأيه وكثر ارتفاعها فى ~~عينه فوقر هذا القول فى سمعه لشح مطاع كان فى طبعه. # فلما مات كتب أهل جرجان إلى قابوس وهو بنيسابور يستدعونه، فصار إلى ~~بلادهم وملكها وورد الخبر إلى الرى بذلك فجرت فى ذلك منازعات فى الرأى ~~وكوتب بدر بن حسنويه بسببه. ### ||||| ذكر جواب سديد لبدر خولف رأيه فيه # قال: إن الأمير الذي ورث هذا الملك حدث السن ولا ينبغي أن يضيع ماله ~~وذخائره فيما لا تتحقق عواقبه ومصايره والصواب ms218 أن تترك الأمر على حاله فإن ~~يك نجيبا على ما عهد من خلائق آبائه قدر على ارتجاع ما أخذ PageV07P350 # منه، وأن ضعف عن ذلك لم تكونوا جمعتم عليه [ذهاب] ماله وذهاب أعماله.» ~~فخالفوا رأى بدر وجردوا العساكر وأشار أصحاب أبى على ابن حمولة ونصحاؤه ~~عليه بالخروج فى هذا الوجه واستصحاب الخزائن والأموال وقالوا: # - «إنك إذا حصلت بجرجان وملكتها كنت أميرا لا وزيرا وكانت الحاجة إليك ~~داعية والآمال بك متعلقة وبعدت عن الحضرة التي أنت فيها مجاذب على ~~المنزلة.» وغبي [422] أن قاعدة غيره التي يبنى عليها أمره هي بتلك الحضرة ~~وإلى من يزاحمه فى الرتبة يترقب به الفرصة فى نقصها، لكن هيهات قيامه عليها ~~وإذا بعد عنها لسرعت اليد الهادمة إليها. # فعمل فيه قول هؤلاء النصحاء المجتمعين عليه وسار بالخزائن والأموال لأمر ~~تسوقه المقادير اليه وحصل بين عدوين: أحدهما أمامه لا يعلم ما يكون منه ~~معه، وآخر وراءه يقصد مقاتله. # ووافى قابوس وتصافا فى الحرب. فما كانت إلا حملة واحدة من أصحاب قابوس ~~حتى انهزم أصحاب أبى على ابن حمولة وغنم قابوس وأصحابه غنيمة كثيرة وعاد ~~إلى جرجان. وثبتت قدمه بأحسن السيرة ورفع الرسوم الجارية والضرائب ~~المأخوذة. # وعاد أبو على إلى الرى مفلولا ووقع الشروع فى تجريد العساكر ثانيا إلى ~~جرجان فقال أبو على: # - «قد خرجت نوبة وهذه نوبة أبى العباس الضبى.» وتردد فى ذلك قول كثير ثم ~~أجمع رأى السيدة ورأى بدر بن حسنويه على صرف أبى على بن حمولة والقبض عليه. # PageV07P351 ### ||||| ذكر ما جرى الأمر عليه فى القبض على ابن حمولة # حضر أبو عيسى سافرى بن محمد كاتب بدر مظهرا تجديد العهد بالخدمة [423] ~~واجتمعت الجماعة فى دار الإمارة وخلوا فى الحجرة الركنية لتقرير أمر من ~~يخرج إلى جرجان. فاتفق أن ابن حمولة نهض لحاجة يقضيها فاتبع بمن عدل به إلى ~~موضع فى الدار وقيد وانصرف أبو العباس الضبي إلى داره وأبو عيسى إلى دار ~~على بن كامة وكانت برسمه وهي طرف البلد. # وشاع خبر القبض على ابن حمولة فثار ms219 الديلم وقصدوا دار أبى عيسى ليهجموا ~~عليه فهدم حائطا منها يلي الصحراء وخرج منه وركب وتبعه أصحابه ووقف على قرب ~~من البلد حتى أخرج إليه ابن حمولة فسار به إلى بلاد بدر وحبسه فى بعض ~~القلاع [1] وأنفذ إليه من الرى بعد أيام من تولى قتله. # وأقام الديلم على شغب ونهبوا دار أبى العباس وطالبوا بتسليمه واقتضت ~~الحال عند تفاقم الأمر القبض عليه ففعل ذلك وحمل فى عمارية وهو مقيد وقد ~~أخرجت رجله منها ليشاهد القيد فيها بحضرة العسكر وأصعد إلى قلعة طبرك. # وكان الجند قد هموا بالفتك به وكف الله سبحانه وتعالى أيديهم عنه وألقى ~~فى قلوبهم هيبة منه. فلما حصل فى القلعة راسل أكابر الديلم واستمالهم ~~وأصلحوا له قلوب أصاغرهم واجتمعوا بعد ثلاثة أيام وتشاوروا بينهم وقالوا: # قد مضى ذاك الوزير الذي قد فعلنا هذا الفعل لأجله ولا يجوز أن نتعوض ~~PageV07P352 # عن أبى العباس [424] مع رياسته المأثورة وكفايته المشهورة بغيره. # فصاروا إلى دار الإمارة وخاطبوا السيدة على ذلك فاستقر الرأى على خروجه ~~ونظره. فخرج فى اليوم الرابع من القلعة وتلقاه الناس على طبقاتهم بتقبيل ~~الأرض واظهار السرور. وسيأتي ذكر ما جرى عليه أمره من بعد فى موضعه. # وفيها قبض المقلد بن المسيب على أخيه بالموصل. ### ||||| ذكر القبض على على بن المسيب والإفراج عنه وما جرى فى ذلك من الخطوب فى هذه السنة وما بعدها ليتسق الحديث # قد تقدم ذكر ما تقرر بين على والمقلد فى أمر الموصل والمشاركة فيها وما ~~وقع من الخلف بين أصحابهما. # فلما عاد المقلد من سقى الفرات إلى الموصل عزم على الفتك بأصحاب أخيه. ثم ~~على أنه متى فعل ذلك بهم فعل على بأصحابه مثله، فقوى رأيه فى القبض على ~~أخيه. # وكان مع المقلد من الديلم والأكراد وغيرهم نحو ثلاثة آلاف رجل تطلق لهم ~~الأرزاق فى كل شهر. فحين عزم على ما عزم عليه جمعهم إلى داره وأظهر بأنه ~~يريد المسير إلى دقوقا [425] وحلفهم على الطاعة واستوثق منهم. ### ||||| ذكر الحيلة التي عملها المقلد فى ذلك ms220 # كانت دار المقلد متصلة بدار على ولم يكن مع على إلا نحو مائة رجل من ~~خاصته فأمر بالنقب إلى الموضع الذي هو فيه فى ليلة علم فيها أنه PageV07P353 ~~سكران ودخل إليه ومعه عدة من خواصه فحمله على ظهر أحد الفراشين وحصله فى ~~خزانته ووكل به جماعة من غلمانه الأتراك. # واستدعى فى الحال غلامين من البادية وسلم إليهما فرسين جوادين وأرسلهما ~~إلى صاحبته يقول لها: # - «إنى قد قبضت على على فخذي حذرك وأسرعى فى الحال بولديك قرواش وبدران ~~إلى تكريت فإن أحمد بن حماد صديقي وهو يدفع عنكم ولا تخلفى ما تخلفينه ~~وراءك فى الحلة قبل أن يعرف أخى الحسن الخبر فيبادر إليك ويقبض على ولديك.» ~~فكد الغلامان فرسيهما ركضا وتقريبا [1] ووصلا إلى تكريت فى يومهما عند غروب ~~الشمس وجلسا من تكريت فى ركوة وانحدرا إلى موضع الحلة وكانت على أربعة ~~فراسخ منها فأنذرا المرأة وأديا إليها الرسالة. # فركبت فرسا وأركبت ولديها فرسين وهما يومئذ صغيران وساروا فى الليل إلى ~~تكريت فدخلوها. [426] وعرف الحسن بن المسيب حال القبض على أخيه من غلام ~~أسرع إليه من الموصل بالخبر فبادر الحسن إلى حلة المقلد ليقبض على ولديه ~~وأهله وعنده أنه يسبق إليهم ففاتوه وبطل عليه ما قدره من ذلك. # وقام المقلد بالموصل يستدعى وجوه بنى عقيل ويخلع عليهم ويقطعهم إلى أن ~~اجتمع عنده زهاء ألفى فارس. # وقصد الحسن حلل العرب بأولاد على وحرمه يستغيثون ويستنفرون ويقولون: # - «إن المقلد قطع الرحم وعادى العشيرة وقبض على أميرها وانحاز إلى ~~PageV07P354 # السلطان» فنفر منهم نحو عشرة آلاف رجل وراسل المقلد وقال: # - «إنك قد احتجزت عنا بالموصل وأقمت فإن كان لك قدرة على الخروج فاخرج.» ~~فأجابه بأنه يخرج ولا يتأخر وسار على أثر الرسول وأخرج معه عليا أخاه فى ~~عمارية وهو محروس فى نفسه مراعى فى أحواله إلا أنه مستظهر عليه بالتوكيل. # وقرب من القوم حتى لم يبق بين الفريقين إلا منزل واحد بإزاء العلث وجد فى ~~أمر الحرب فحضره وجوه العرب واختلفت آراؤهم فقوم دعوه إلى الصلح ms221 وصلة ~~الأرحام وقوم حضوه على المضى والإقدام. # وكان فى القوم غريب ورافع ابنا محمد بن مقن فتنازعا القول عند المقلد ~~وظهر من رافع حرص على الحرب وخالف غريب [1] . ### ||||| ذكر كلام سديد لغريب [427] # قال لرافع: # - «ما قولك هذا بقول ناصح أمين ولا ناصر معين. فإن كنت فى هذا الرأى عليه ~~فقد أخفرت الأمانة وأظهرت الخيانة وإن كنت معه فقد سعيت فى تفريق الكلمة ~~وهلاك العشيرة وإطماع السلطان.» والمقلد ممسك لا يتنفس [2] فدخل عليه داخل ~~وقال له: # - «أيها الأمير هذه أختك رهيلة بنت المسيب- وكانت عند جعفر بن على بن ~~مقن- قريبة منك تريد لقاءك.» PageV07P355 # فامتدت الأعين إليها فإذا هي فى هودج على بعد. فركب المقلد وسار حتى لحق ~~بها وتحادثا طويلا ولا يعلم أحد ما جرى بينهما إلا أنه حكى فيما بعد أنها ~~قالت له: # - «يا مقلد قد ركبت مركبا وضيعا وقطعت رحمك وعققت ابن أبيك. # فراجع الأولى بك وخل عن الرجل واكفف هذه الفتنة ولا تكن سببا لهلاك ~~العشيرة، ومع هذا فإننى أختك ونصيحتي لا حقة بك ومتى لم تقبل قولي فضحتك ~~وفضحت نفسي بين هذا الخلق من العرب.» فلان فى يدها ووعدها بإطلاق على وعاد ~~فى وقته. فأمر بفك قيده ورد عليه جميع ما كان أخذه منه وأضاف إليه مثله ~~ورتب له مخيما جميلا ونقله إليه واستكتب له أبا الحسن ابن أبى الوزير وجعله ~~عينا عليه متصرفا على أمره بين يديه. # فأصبح الناس مسرورين بما تجدد من الصلح وزال من الخلف واجتمع المقلد مع ~~على وتحالفا ومضى على [428] عائدا إلى حلته والمقلد سائرا إلى الأنبار لقصد ~~أبى الحسن على بن مزيد ومقاتلته. فقد كان تظاهر بمعصية على حين قبض عليه ~~المقلد وطرق أعمال سقى الفرات واجتذب شيئا منها. # ولما انفصل على بن المسيب اجتمع إليه العرب وحملوه على مباينة المقلد ~~فامتنع عليهم وقال: # - «إن كان قد أساء فإنه قد أحسن من بعد.» فما زالوا حتى غلبوه على رأيه ~~وأصعد إلى الموصل مباينا واعتصم من كان معه من أصحاب مقلد بها بالقلعة ms222 ~~فنازلها وفتحها واستولى على ما كان فيها. # فطار الخبر إلى المقلد فكر راجعا واجتاز فى طريقه على حلة الحسن وهو فيها ~~فخرج إليه وشاهد من قوة عسكره ما خاف على أخيه منه فقال PageV07P356 ~~له: # - «دعني أصلح ما بينك وبين أخيك وأضمن لك العهد فيما تريد منه.» ورفق به ~~حتى استوقفه وسار فى الوقت إلى على من غير أن يعود إلى حلته فوصل إليه آخر ~~النهار وقد جهد نفسه وفرسه وقال لعلى: # - «إن الأعور قد أقبل بقضه وقضيضه وأنت غافل.» ثم شاوره فأشار عليه أن ~~يستميل كل من بالموصل من أهالى الجند الذين هم فى جملة المقلد ويضعهم على ~~[توسط] [1] ما كان بينهم واستمالتهم فإن قبلوا وفارقوا المقلد قاتله وإن ~~امتنعوا وأقاموا معه صالحه ففعل ذلك. # وكان المقلد قد قرب من الموصل وبات وهو متيقظ قد رتب الطلائع فظفر بقوم ~~قد وردوا بالملطفات إلى أصحابه فحملوهم إليه [429] ووقف على ما معهم من ~~الكتب فأصبح وقد عبى [2] عسكره وزحف إلى الموصل وأيس على والحسن من فساد ~~جند المقلد عليه فخرج إليه ولاطفه [3] ثم دخل البلد وعلى عن يمينه والحسن ~~عن شماله. # وناوش العرب بعضهم بعضا طلبا للفتنة فخرج الحسن حلا وأرهب قوما وحسم ~~الفتنة وحصل جميع الناس بالموصل على صلح. # ثم خوف على من المقام فخرج هاربا فى الليل وتبعه الحسن وترددت الرسل ~~بينهما وبين المقلد واستقر أن يكون دخول كل واحد منهما البلد عن غيبة الآخر ~~وجرت الحال على ذلك إلى بقية سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. # وسار المقلد إلى الأنبار ممضيا [4] لما كان عزم عليه من حرب على بن ~~PageV07P357 # مزيد فدخل بلده واندفع على بن مزيد إلى الرصافة ولجأ إلى مهذب الدولة ~~فقام بأمره وتوسط ما بينه وبين المقلد حتى أصلحه وانصرف المقلد إلى دقوقا ~~ففتحها. # وعدل إلى تدبير أمر الحسن أخيه فإن عليا مات فى أول سنة 390 وقام الحسن ~~فى الامارة مقامه. # فجمع المقلد بنى خفاجة بحللهم وبيوتهم وأصعد بهم إلى نواحي برقعيد يظهر ~~طلب بنى نمير ويبطن الحيلة ms223 على أخيه. # وعرف الحسن خبره فخاف ومضى فى السر هاربا على طريق سنجار إلى العراق ~~فأسرى خلفه طمعا فى اللحاق ففاته. وعاد المقلد إلى الموصل وأقام بها ثلاثة ~~[430] أيام وانحدر يقص آثاره فمضى الحسن إلى زاذان واعتصم بالعرب النفاضة ~~وتمم المقلد إلى الأنبار وعادت خفاجة معه. فاتفق فى أمره ما سيأتي ذكره فى ~~موضعه إن شاء الله. # وفيها عاد الشريف أبو الحسن محمد بن عمر إلى بغداد نائبا عن بهاء الدولة. # وفيها استكتب ولد أبى الحسن ابن حاجب النعمان للأمير أبى الفضل ابن ~~القادر بالله رضى الله عنهما وجلس الأمير أبو الفضل وسنه يومئذ خمس سنين ~~فدخل إليه الناس وخدموه. ### |||| ودخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ### ||||| وفيها هرب عبد الله بن جعفر المعروف بابن الوثاب من الاعتقال فى دار الخلافة شرح حاله وما انتهى إليه أمره بعد هربه # هذا الرجل كان يقرب بالنسب إلى الطائع لله وكان مقيما فى داره. فلما PageV07P358 ~~قبض عليه وخلع من الأمر هرب هذا وتنقل فى البلاد وصار بالبطيحة وأقام عند ~~مهذب الدولة فكاتبه القادر بالله رضوان الله عليه فى أمره [431] فأخرجه من ~~بلده. # ثم صار إلى المدائن منتقلا فانتهى إلى القادر بالله خبره فأنفذ من اعترضه ~~وأخذه مقبوضا عليه وحبس فى بعض المطامير. # فأمكنه فرصة فى الهرب من موضعه فهرب ومضى إلى كيلان [1] وادعى أنه هو ~~الطائع لله وذكر لهم علامات عرفها بحكم أنسه بدار الخلافة فقبلوه وعظموه ~~وزوجه محمد بن العباس أحد أمرائهم ابنته وشد منه وأقام له الدعوة فى بلده ~~وأطاعه أهل نواح أخر وأدوا إليه العشر الذي جرت عادتهم بأدائه إلى من يتولى ~~أمرهم فى دينهم. # وورد من هؤلاء الجيل إلى بغداد قوم وصلوا إلى حضرة القادر بالله رضى الله ~~عنه، فأوضحت لهم حقيقة الحال وكتب على أيديهم بإزالة الشبه فلم يقدح ذلك ~~فيه لاستقرار قدمه واعتضاده بحميه. # وكان أهل جيلان يرجعون إلى القاضي أبى القاسم بن كج [2] فى أمور دينهم ~~وفتاويهم فى أحكامهم وله وجاهة عندهم فكوتب من دار الخلافة ورسم له ms224 ~~مكاتبتهم بما يزيل الشبهة عن قلوبهم فى أمر عبد الله بن جعفر. فكتب إليهم ~~وصادف قوله قبولا منهم وتقدموا إلى عبد الله بالانصراف عنهم فانصرف. # وفيها أصعد أبو على ابن إسماعيل من البطيحة إلى حضرة بهاء الدولة فانصرف ~~الشريف أبو الحسن محمد بن عمر من بغداد مستوحشا وعاد إلى البطيحة. [432] ~~PageV07P359 ### ||||| ذكر الحال فى حصول أبى على ابن إسماعيل بواسط ناظرا وما جرى عليه أمر الشريف أبى الحسن ابن عمر معه # قد تقدم ذكر ما جرى عليه أمره فى استتاره ثم تنقل من موضع إلى موضع حتى ~~حصل بالبطيحة وعرض له مرض حدث به منه استرخاء فى مفاصله وصار إلى قرية ~~ابراهيم يطلب صحة الهواء بها. # وراسل وروسل وكان بهاء الدولة جميل النية فيه وانضاف إلى ذلك قصور المواد ~~عنه وخروج البلاد عن يده واحتياجه إلى من يدبر أمره واستقر النظر لأبى على ~~وأصعد إلى واسط. فلما حصل بها استوحش الشريف أبو الحسن ابن عمر وانصرف من ~~بغداد إلى حلة مقلد ورتب أبا الحسن ابن اسحق كاتبه فى ضياعه بسقى الفرات ~~وتمم إلى البطيحة. # وشرع أبو على ابن إسماعيل فى تتبع أسباب الشريف أبى الحسن وأخرج ثلاثة من ~~المتصرفين لقبض أملاكه ومعاملاته وتحصيل أمواله وغلاته. فنظروا فيما كان له ~~ببغداد دون ما كان له بسقى الفرات. فإن المقلد دفعهم عنها ومكن أبا الحسن ~~ابن اسحق كاتب ابن عمر منها فكان يتناول ارتفاعها [433] وبحمله إليه وهو ~~بالبطيحة فلما انصلح ما بين الشريف أبى الحسن وبين أبى على ضمن منه ~~المتصرفين الثلاثة بمال بذله عنهم وأطلق يده فيهم وكان ذلك لؤما منه فما ~~المؤتمر بالظلم بأظلم من الآمر. ### ||||| ذكر السبب فى صلاح ما بين الشريف أبى الحسن محمد بن عمر وأبى على ابن إسماعيل # كان أبو الحسن ابن يحيى السابسى سعى فى الصلح بينهما وانحدر إلى PageV07P360 ~~البطيحة وخلا بالشريف أبى الحسن ابن عمر وقال له: # - «أيها الرجل مالك والتطرح والتشبث كلما تجدد ناظر ووزير مغررا بنعمتك ~~ونعمنا فى معاداة من لا تصلح لموضعه ms225 ولا يصلح لموضعنا؟ وهذا أبو على مخايل ~~سعادته لائحة فسالمه ودعني أتوثق لكل واحد منكما من صاحبه.» ولم يزل به حتى ~~لانت عريكته للقبول. # واتفق أن مهذب الدولة تنكر على أبى على ابن إسماعيل بسبب تمور كانت لابن ~~الحداد صاحبه فاستقصى أبو على فى استقضاء ضريبتها بواسط فأطلق مهذب الدولة ~~لسانه فيه، ومهذب الدولة يومئذ بحيث يحتاج إليه الملك ومن دونه. فانحدر أبو ~~على إليه لاستلال سخيمته واستصلاح نيته، وتقدمه أبو الحسن ابن يحيى السابسى ~~وقال للشريف أبى الحسن ابن عمر: # - «قد ورد أبو [434] على وأمكنت الفرصة فى إصلاح الحال.» وأشار عليه ~~بتلقيه وقضاء حقه. فتلكأ قليلا ثم فعل ونزل فى زبزبه وصار إلى أبى على. ~~فلما صعد إليه أكرمه وقام له وأجلسه إلى المخدتين وحضر أبو نصر سابور فجلس ~~إلى جانب أبى على عن يمينه وسلم كل واحد منهما على صاحبه وسأله عن خبره ثم ~~قام الشريف. # وانحدر أبو على إلى مهذب الدولة واجتمع معه واعتذر إليه وأخذ معه منه ~~خمسة آلاف دينار على وجه القرض وخرج من عنده إلى داره التي كان نزلها قبل ~~الإصعاد. # وجاء أبو الحسن ابن يحيى إلى الشريف وألزمه العود إليه وقال له: # - «تلك النوبة كانت للتلقى وهذه للصلح وتقرير القاعدة.» فمضى إليه وتقرر ~~بينهما على أن التزم الشريف عشرين ألف دينار وحلف كل واحد منهما لصاحبه على ~~الصفاء والوفاء. # PageV07P361 # وكان الشريف أبو الحسن قد استوثق قبل ذلك من بهاء الدولة بيمين كتبها له ~~بهاء الدولة بخطه واستظهر بأخذ خط مهذب الدولة فى آخرها يقول: # - «إن الوفاء للشريف مقرون بالوفاء لى والغدر به معقود بالغدر بى، ومتى ~~عدل به عن العهود المأخوذة فلا عهد لبهاء الدولة فى عنقي ولا طاعة على.» ~~والتفت أبو على إلى تقرير أمر أبى نصر سابور فواقفه على الإصعاد وآمنه من ~~بهاء الدولة ومن كل ما يتخوفه وقرر أمر أبى غالب محمد بن على ابن خلف [435] ~~وغيره ممن كان قد بعد خوفا على خمسة آلاف دينار فحصل معه من هذه ms226 الوجوه ~~ثلاثون ألف دينار. # وعاد إلى واسط وفى صحبته الشريف أبو الحسن وأبو نصر سابور وجماعة من كان ~~بالبطيحة من المتصرفين وسكنت الجماعة إلى صدق وعد أبى على وصحة عهده ولقب ~~بالموفق. وأشار على بهاء الدولة بالمسير إلى خوزستان ومباشرة الخطب بنفسه ~~وجد فى تجريد العساكر فخالفه أبو عبد الله العارض فى هذا الرأى وقال: # - «إن الملوك لا تغرر ولا تخاطر ولا تضمن لها العاقبة فى أمثال ذلك.» ### ||||| ذكر ما دبره أبو على فى نصرة رأيه # أرسل إلى الشريف أبى الحسن وقال: إنى صائر إليك فى هذه العشية. # وكانت فى شهر رمضان ثم صار إليه ومعه أبو العلاء الإسكافى خاله وأبو نصر ~~سابور فأفطروا عنده ثم خلوا وخامسهم السابسى. فقال أبو على لأبى الحسن ابن ~~عمر: # - «قد علمت أيها الشريف ما عليه أمر هذا الملك من الاختلال وقصور المادة ~~به وخروج البلاد عن يده وإننا من هذه الحروب والمطاولة على خطر، ومتى لم ~~يمدد أصحابنا- يعنى أبا محمد ابن مكرم والغلمان الذين معه PageV07P362 ~~-[436] بالمال لم يثبتوا، وإن عادوا فقد سلموا الدولة وإذا أمددناهم ضاق ~~الأمر بهذا الملك ولم يكن له بد من مد اليد إلى مالك ومال ابن عمك هذا- ~~وأشار إلى أبى الحسن السابسى- ومال كل ذى ثروة، ولم يدفع عنكم ولا عنا دافع ~~وإن ساعدتنى على ما أشير به من مسير بهاء الدولة بنفسه كنا بين أن يأتى ~~الله بنصر، فقد بلغنا المراد أو يقضى الله بغير ذلك فقد أبلينا العذر ~~وبذلنا الاجتهاد. وفى غد تستدعى إلى الدار وتشاور فيما قلته. فإن ضربته فقد ~~استرحت منا ببعدنا عنك وعسى الله أن يأذن بالفرج وإن ملت إلى من يشير بخلاف ~~هذا الرأى، فالحال تفضى والله إلى ما حسبته لك.» فقال الشريف: # - «كل هذا صحيح إلا أن المشورة القاطعة على الملوك بمثل ذلك لا تؤمن ~~عواقبها ولكن سأتلطف فيما تريده.» فانقضى [1] المجلس. # واستدعى الشريف فى صبيحة تلك الليلة إلى حضرة بهاء الدولة وجمع وجوه ~~الأولياء وشوورت الجماعة فى خروج بهاء الدولة بنفسه فقال ms227 الشريف: # - «إنما جعل الله الملوك أعلى منا يدا وأفضل تأييدا بما خصهم [2] من ~~الرأى الصائب والنظر الثاقب وإذا كان الملك قد عزم على التوجه بنفسه، فالله ~~تعالى يقرن ذلك بالخير [3] والسعادة ويجعله سببا لنيل الإرادة.» فقال أبو ~~على ابن إسماعيل: # - «أيها الملك فقد وافق الشريف رأيى ولم يبق إلا إمضاء العزيمة ~~PageV07P363 # وتقديمها.» وتفرق الناس [437] على ذلك. ### ||||| ذكر مسير بهاء الدولة من واسط إلى القنطرة البيضاء # لما استقر الأمر على المسير بدأ أبو على بإخراج أبى الحسن محمد بن عمر ~~وأبى نصر سابور وأبى نعيم الحسن بن الحسين إلى بغداد على أن يكون إلى أبى ~~الحسين حفظ البلد وإلى أبى نصر ملاحظة الأمور وإلى أبى نعيم جمع المال ~~وإقامة وجوه الأقساط. # ثم جد فى تسيير بهاء الدولة وتحصيل ما يزجى به الأمر من الآلات والظهور ~~حتى استعان ببغال الطحانين وسار على اختلال فى أهبته وإقلال من عدته، حتى ~~نزل الموضع المعروف بالقنطرة البيضاء. وثبت أبو على ابن أستاذ هرمز بإزائه ~~وجرت بين الفريقين وقائع كثيرة وضاق ببهاء الدولة وبعسكره الميرة فاستمد من ~~بدر بن حسنويه فامده بدر بما قام ببعض الأود وأشرف الأمر على الخطر. # ووجد أعداء أبى على بن إسماعيل مجالا فى الطعن على رأيه بتعريض الملك ~~وأوغر صدر بهاء الدولة عليه حتى كاد يبطش به. فتجدد من خروج ابني بختيار ~~وقتل صمصام الدولة ما يأتى ذكره وجاء من الفرج ما لم يكن فى الحساب وانقلب ~~الرأى الذي كان خطأ إلى الصواب [438] # ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال # فاجتمعت الكلمة على بهاء الدولة ودخل أبو على ابن أستاذ هرمز ومن PageV07P364 ~~معه من الديلم فى طاعته، وسيأتي شرح ذلك من بعد بمشيئة الله تعالى. # وفيها جلس القادر بالله رضوان الله عليه للرسولين الواردين من أبى طالب ~~رستم بن فخر الدولة وأبى النجم بدر بن حسنويه وكنى أبا النجم بدرا، ولقبه ~~نصرة الدولة، وعهد لأبى طالب على الرى وأعمالها وعقد له لواء، وحمل إليه ~~الخلع السلطانية الكاملة، وعهد ms228 لبدر على أعماله بالجبل وعقد له لواء، وحمل ~~إليه الخلع الجميلة. وذلك بسؤال بهاء الدولة وكتابه. # فأما مجد الدولة فإنه لبس الخلع وتلقب، وأما بدر فإنه كان سأل أن يلقب ~~بناصر الدولة. فلما عدل به عنه إلى نصرة الدولة توقف عن اللقب. ثم أجيب ~~فيما بعد سؤاله فلقب بناصر الدين والدولة، فقبله وكتب وكوتب به. # وفيها حدثت بفارس أمور كانت سببا لانتقاض ملك صمصام الدولة وقتله فى ~~آخرها. ### ||||| شرح الحال فى الأمور التي أدت إلى قتل صمصام الدولة # قد تقدم ذكر ما كان العلاء بن الحسن اعتمده بعد تلك النكبة التي صار بها ~~[439] موترا من السعى فى هلاك الدولة بإطماع الجند وإيجاب الزيادات التي ~~تضيق المادة عن القيام بها. ثم مضى لسبيله وقد اضطربت أمور صمصام الدولة ~~وطال تبسط الديلم عليه وقصرت مواده عما يرضيهم به. # فامتدت عيونهم إلى إقطاع السيدة والرضيع والحواشي. فبدأ الديلم الذين ~~كانوا بفسا وطالبوا عاملها بما استحقوه وألزموه مد اليد إلى الإقطاعات ~~للمذكورين وإرضائهم بها. فأبى عليهم فثاروا وشغبوا وحملوه إلى باب شيراز ~~على غضب وشغب. فلم يقدم أحد من أصحاب صمصام الدولة على الخروج إليهم ~~وأقاموا ثلاثة أيام ثم قتلوا العامل وذكروا الحواشي بما أزعجهم، فبعدوا PageV07P365 ~~عن مواضعهم خوفا منهم. # وخرج صمصام الدولة بنفسه إليهم فلقوه بالغلظة ولقيهم بالرفق واشتدوا عليه ~~ولان لهم وأجابهم إلى ملتمساتهم وسكنوا وعادوا إلى مواضعهم بفسا [1] ~~فاستولوا على إقطاعات الحواشي جميعها. # ومضت على ذلك مدة وزاد الأمر على صمصام الدولة فى انقطاع المواد عنه ~~واجتماع الديلم عنده ومطالبتهم له، فضاق بهم ذرعا. ### ||||| ذكر رأى خطأ لم تحمد عواقبه [440] # أشار على صمصام الدولة نصحاؤه بعرض الديلم فى جميع الأعمال وإمضاء كل من ~~كان صحيح النسب أصيلا وإسقاط كل من كان متشبها بالقوم دخيلا والاتساع بما ~~ينحل من الإقطاعات عنهم بهذا السبب فعمل هذا القول فيه وعزم على العمل به ~~وتقدم إلى مدبرى أمره بذلك فقيل له: إن ديلم فسا يتميزون بكثرة العدد وشدة ~~البطش ولا يقدر على عرضهم إلا أبو ms229 جعفر أستاذ هرمز بن الحسن فإن له معرفة ~~بالأنساب والأصول وهيبة فى العيون والقلوب. # فاستقر الأمر على استدعائه من كرمان وإخراج أبى الفتح أحمد بن محمد بن ~~المؤمل ليقوم مقامه بها ففعل ذلك وعاد أبو جعفر فأخرج إلى فسا. فلما حل بها ~~وأظهر ما رسم له وبدأ بالعرض ومسير [2] الصفاء من الأوباش. فما استتم العرض ~~حتى سقط بها ستمائة وخمسين رجلا وفعل أبو الفتح ابن المؤمل مثل ذلك فأسقط ~~نحو أربعمائة رجل. # وحصل هؤلاء المسقوطون [3] وهم أرباب أحوال وأولو قوة وبأس PageV07P366 # متشردين متلددين يطلبون موضعا يقصدونه ومنشرا [1] يصعدونه. # واتفق أن ابني بختيار وهما أبو القاسم اسبام وأبو نصر شهفيروز قد خدعا ~~الموكلين بهما فى القلعة، فساعدوهما وأفرجوا عنهما فجمعا إلى نفوسهما من ~~لفيف الأكراد [441] من قوى به جانبهما واتصل خبرهما بمن [2] أسقط من الديلم ~~فصاروا إليهما فوجا بعد فوج. # فلما استحكم أمرهما سارا لأخذ البلاد وصار أبو القاسم اسبام إلى أرجان ~~فملكها ودفع أصحاب صمصام الدولة عنها وتردد أبو نصر شهفيروز فى الأعمال ~~مستمدا للأموال ومستميلا للرجال. # وتحير صمصام الدولة فى أمره ولم يكن بحضرته من ينهض بالتدبير ليقضى الله ~~أمرا سبق فى التقدير. # وكان أبو جعفر أستاذ هرمز مقيما بفسا على ما تقدم ذكره. فلما تجدد من ~~ابني بختيار ما تجدد اجتمع إليه نسوة من نساء أكابر الديلم المقيمين ~~بخوزستان عند أبى على ولده وكن يجرين مجرى الرجال فى قوة الحزم وأصالة ~~الرأى والمشاركة فى التدبير. ### ||||| ذكر رأى سديد أشرن به على أبى جعفر فلم يقبله # قلن له: # - «أنت وولدك [3] اليوم صاحبا هذه الدولة ومقدماها، وقد لاحت لنا أمور ~~نحن مشفقات منها ومعك مال وسلاح، وإنما يراد مثل ذلك للمدافعة عن النفس ~~PageV07P367 # والجاه. فالصواب أن تفرق ما معك على هؤلاء الديلم [442] الذين هم عندك ~~وتأخذهم وتمضى إلى شيراز وتسير صمصام الدولة إلى الأهواز وتخلصه من الخطر ~~الذي قد أشرف عليه. فإنك إذا فعلت ذلك أحييت الدولة وقضيت حق النعمة وتقربت ~~الرجال إلى قلوب رجالنا المقيمين هناك. ومتى لم تقبل ms230 هذه المشورة وثب هؤلاء ~~الديلم عليك ونهبوك وحملوك إلى ابني بختيار، فلا المال يبقى ولا النفس ~~تسلم.» فشح أستاذ هرمز بما معه وغلب عليه حب المال فغطى على بصيرته حتى صار ~~ما أخبر به حقا: فنهب داره واصطبله ونجا بنفسه واستتر فى البلد، فدل عليه ~~وأخذ [1] وحمل إلى ابن بختيار ثم احتال لنفسه فخلص من يده. ### ||||| ذكر ما جرى عليه أمر صمصام الدولة بعد خروج ابني بختيار إلى أن قتل # لما أظله من أبى نصر ابن بختيار ما لا قوام له به، أشار عليه خواصه ~~ونصحاؤه بصعود القلعة التي على باب شيراز وقالوا له: # - «إنك إذا حصلت فيها تحصنت بها، وكان لك من الميرة والمادة ما يكفيك ~~الشهر والشهرين ولم تخل من أن ينحاز إليك من الديلم من يقوى به أمرك.» فعزم ~~على ذلك وحاول الصعود [443] إليها فلم يفتح له المقيم فيها، فازداد تحيرا ~~فى أمره. فقال له الجند وكانوا ثلاثمائة رجل: # - «نحن عدة وفينا قوة ومنعة وينبغي أن تقعد أنت ووالدتك فى عمارية ~~PageV07P368 # لنسير بك إلى الأهواز ونلحقك بأبى على ابن أستاذ هرمز وعسكرك المقيمين ~~معه ومن اعترضنا فى طريقنا دافعنا برؤسنا عنك وبذلنا مهجتنا دونك.» فقال ~~الرضيع: # - «هذا أمر فيه غرر. والوجه أن نستدعى الأكراد ونتوثق منهم ونسير معهم.» ~~فمال إلى هذا الرأى وراسل الأكراد واستدعاهم وتوثق منهم وخرج معهم بخزينته ~~وجميع ذخائره فلما بعدوا عن البلد عطفوا عليه ونهبوا جميع ما صحبه وكادوا ~~يأخذونه فهرب وصار إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز. # وعرف أبو نصر ابن بختيار خبر انفصاله فبادر إلى شيراز ونزل بدولت آباذ ~~وطمع طاهر الدودمانى رئيس القرية فى صمصام الدولة واستظهر عليه إلى أن وافى ~~أصحاب ابن بختيار فأخذوه وقتلوه وذلك فى ذى الحجة سنة ثمان وثمانين ~~وثلاثمائة، وكانت مدة عمره خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر. # وما أقلها من مدة وأسوأها من عاقبة أمر! فلقد كانت حلاوة دولته يسيرة ~~ومرارة مصائبه فى ملكه ونفسه كثيرة، فما وفى شهده بصابه [444] ولا عوافيه ~~بأوصابه، ولم يكن ms231 له فى أيامه يوم زاهر ولا من ملكه نصيب وافر: # وإن امرأ دنياه أكبر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور # وقبض على والدته وعلى الرضيع وقوم من الحواشي. وجاءت امرأة من الدودمان ~~تسمى فاطمة فغسلت جثته وكفنتها ودفنتها وأحضر رأسه فى طست بين يدي أبى نصر ~~ابن بختيار. فلما رآه قال مشيرا إليه: # - «هذه سنة [سنها] [1] أبوك.» PageV07P369 # وأمر برفعها. # وأما والدته، فإنها سلمت إلى لشكرستان كور فطالبها وعذبها فلم تعطه درهما ~~واحدا، فقتلها وبنى عليها دكة. وأما الرضيع، فإنه قتل بعد ذلك وبعد أن صودر ~~واستصفى ماله. ### |||| ودخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة ### ||||| دخول ابن أستاذ هرمز والديلم فى طاعة بهاء الدولة # وفيها دخل أبو على ابن أستاذ هرمز والديلم فى طاعة بهاء الدولة واجتمعت ~~الكلمة عليه وملك شيراز وكرمان فاستتبت أموره واستقامت أحواله واستقرت ~~دولته واهتزت سعادته. ### |||||| شرح ما جرى عليه الحال فى ذلك [445] # قد تقدم ذكر نزول بهاء الدولة بالقنطرة البيضاء. وتكرر الوقائع بين ~~الفريقين وأقام بهاء الدولة شهرين وأكثر يطلب مناجرة الديلم وهم يقصدون ~~مدافعته ومحاجزته وطال الأمر بينهم. # وكان أبو على ابن إسماعيل الملقب بالموفق، يباشر الحرب ويتولى التدبير ~~وكان معه مناح صاحب محمد بن عباد مع مائة فارس من السادنجان. # فرتبهم فى الطلائع وأمرهم أن يقتصوا أمر كل من يخرج من السوس أو يدخلها ~~فيأخذوه. # وضاق الأمر بالديلم من هذا الحصار وببهاء الدولة من تعذر الميرة وتطاول ~~الأيام، وأشرف على العود حتى إنه لو تأخر ما تقدم من أمر ابني بختيار وقتل ~~صمصام الدولة لانهزم بهاء الدولة. # PageV07P370 ### ||||| ذكر حيلة رتبها أبو على ابن أستاذ هرمز برأيه فكشفها أبو على ابن إسماعيل بألمعيته ودهائه # وكان بهاء الدولة وكل رجاله الفرس لأخذ من يوجد فى الجواد فظفروا برجل ~~معه زنبيل دستنبوا [1] فحملوه إلى المعسكر وسئل عن أمره فقال: # - «أنا عابر سبيل أتعيش بحمل هذا المشموم من موضع إلى موضع.» [446] فهدد ~~وخوف حتى أقر بأنه رسول الفرخان إلى الصاحب أبى على ابن أستاذ هرمز بملطف ~~معه: # - «إنا سائرون من طريق ms232 عند قرب وصولنا فتصمد للقاء القوم.» [2] فلما وقف ~~بهاء الدولة على ذلك قلق قلقا شديدا وقال: # - «كل من يطعن على رأى [أبى] على ابن إسماعيل ويعاديه .... # [3] وإن قصدنا من هذا الجانب فقد حصلنا فى أيدى القوم أسارى وأعوزنا ~~الهرب وضاق بنا المذهب.» فتابع بهاء الدولة الرسل إلى أبى على ابن إسماعيل ~~وكان فى الحرب يستدعيه فحين حضر أعلمه الحال وأعطاه الملطف فلما قرأه قال: # - «هذا محال.» وخرج من بين يديه وأحضر الرجل المأخوذ وقال له: # - «اصدقنى.» وعاصه بالجميل فلم يزده على القول الأول. فأمر بشده وعمد ~~إليه بدبوس PageV07P371 # فضربه بيده ضربا مفرطا فلما برح به الضرب قال: # - «خلونى أصدقكم: أنا رجل من أهل السوس استدعاني أبو على ابن أستاذ هرمز ~~وسلم إلى هذا الملطف وقال لى: امض وتعرض للوقوع فى أيدى أصحاب بهاء الدولة. ~~فإذا وقعت وسئلت عن أمرك فقل: إنى رسول الفرخان إلى الصاحب ومعى هذا ~~الملطف. وأصرر على قولك وأصبر للمكروه إن أصابك، فإنى أحسن إليك.» فعاد أبو ~~على ابن إسماعيل إلى حضرة بهاء الدولة وأخبره بالصورة وأنها منصوبة. [447] ~~فسكن قليلا وقال للحواشي: # - «إن القول الأول هو الصحيح وإن الضرب والمكروه أحوجا الرجل إلى هذا ~~القول الثاني.» ### ||||| ذكر حزم اعتمده أبو على ابن إسماعيل فى تلك الحال # رأى أن الأخذ بالحزم أصوب على كل حال، وأنفذ ابن مكرم وألفتكين الخادمى ~~مع عدد من الأتراك إلى دستر وأمرهما بالنزول على الوادي للمنع حتى إن حضر ~~من يحاول العبور دفعاه فسارا إلى حيث أمرهما وخيما به وأقاما أياما ووافى ~~خرشيد بن باكليجار [1] [و] الكوريكى فى عدة كثيرة من الديلم والرجالة فتقدم ~~ابن مكرم وألفتكين إلى أصحابهما بقلع الخيم والتحمل. # لأن عدتهم كانت قليلة وساروا حتى غابوا عن مطرح النظر. ثم كمن ألفتكين ~~الخادمى والغلمان فى بعض المكامن إلى أن عبر الديلم والرجالة وحصلوا معهم ~~على أرض واحدة فحمل ألفتكين وصاح الغلمان وارتفع الغبار وظن PageV07P372 # القوم [أنهم] [1] فى عدد كثير فتواقعوا فى الوادي منهزمين وقتل خرشيد ~~والكوريكى وجماعة من أصحابهما. # وكان ms233 ذلك فى اليوم الذي انصلح ما بين الديلم والسوس وبين بهاء الدولة ~~ووقع التحالف ووصل من غد وقد اختلط الفريقان. # وأما [448] ما جرى عليه الأمر فى دخول الديلم فى طاعة بهاء الدولة، فإن ~~أبا على ابن إسماعيل كان قد اعتمد ما يعتمده من الرأى الأصيل وشرع فى ~~استمالة قوم من العسكر إلى طاعة بهاء الدولة. # وترددت بينه وبين شهرستان مراسلات بوساطة بهستون بن ذرير وقرر الأمر فى ~~اجتذابه وإمالته. ثم اتفق أن المعروف بمناح الكردي المرتب فى الطائع ظفر ~~بركابى ورد من شيراز فأخذه وأحضره عند أبى على ابن إسماعيل، فسأله عن حاله ~~فأخبره بالخطب الحادث بشيراز وأخرج كتابا كان معه من بنى زيار إلى شهرستان ~~يشرح ما جرت عليه الحال فى قتل صمصام الدولة. فلما وقف أبو على ابن إسماعيل ~~على الكتاب طالع بهاء الدولة مضمونه ثم أعاده على الركابى ليتمم إلى حيث ~~بعث ثم قال أبو على لبهستون: # - «إنه لم يبق لشهرستان بعد اليوم عذر فإن كان على العهد فليقدم الدخول ~~فى الطاعة.» فمضى بهستون إلى شهرستان وقرر معه أن يتحيز فى غد ذلك اليوم مع ~~ثلاثمائة رجل من الجيل إلى بهاء الدولة وتفارقا على هذا الوعد. # فأحس فناخسره بن أبى جعفر بما عزم عليه شهرستان فقصده وخلا به. ~~PageV07P373 ### ||||| ذكر كلام سديد لفناخسره بن أبى جعفر [449] # قال لشهرستان: # - «قد بلغني ما أنت عازم عليه وحالي عند بهاء الدولة الحال التي لا تخفى ~~ونيته فى النية التي تخالف وتحتمي، ومتى عجلت فى الانحياز إليه هلكت وهلك ~~الديلم بأسرهم ويلزمك على كل حال صلاح أمرهم فأنظرنى ثلاثة أيام لأسبر جرح ~~هذه القصة بمراسلة بهاء الدولة، فإن رجوت لها برأ واندمالا اتفقت معك فى ~~إمضاء العزيمة واجتماع الكلمة وإن تكن الأخرى أخذت لنفسي وتوجهت أنا وأهلى ~~إلى بلدي ثم أفعل ما بدا لك.» فأجابه شهرستان إلى ذلك. # وبكر أبو على ابن إسماعيل على رسمه إلى الحرب متوقعا من شهرستان إنجاز ~~الوعد. فراسله بالعذر المتجدد فضاق أبو على بذلك ذرعا واعتقد أنه ms234 كان سخرية ~~ودفعا. فقال له بهستون: # - «إن مصداق هذا القول يبين عند غسق الليل فإن جاء رسول فناخسره فقد صدق ~~شهرستان ووفا، وإن تأخر فقد كذب وغدر والموعد قريب.» فلما جن الليل ورد ~~رسول فناخسره برسالة يعتذر فيها من سابق الأفعال ويطلب الأمان على استئناف ~~الخدمة فى مستقبل الحال فأجيب بما يسكن إليه ووثق به. # ووصل فى أثناء ذلك كتاب ابن بختيار إلى أبى على ابن أستاذ هرمز يذكران ~~فيه سكونهما إليه وتعويلهما عليه ويبسطان أمله كما يفعله مبتدئ بملك يروم ~~إحكام قواعده وأركانه [450] واستمالة اعضاده ويأمره أنه يأخذ البيعة لهم ~~على الديلم قبله والمقام على الحرب التي هو بصددها. # فأشفق أبو على بما سلف له من الدخول إليهما ولم يثق بوفائهما بعد قتل PageV07P374 ~~أخويهما وحقيق بمن قتل للملوك شقيقا أن يكون على نفسه شفيقا. # وبقي متلددا فى أمره مترددا فى فكره مجيلا للرأى فى صدره فرأى أن الدخول ~~فى طاعة بهاء الدولة أصوب والتحيز إليه أدنى من السلامة وأقرب. ### ||||| ذكر ما دبره أبو على ابن أستاذ هرمز فى صلاح حاله مع بهاء الدولة # جمع وجوه الديلم وشاورهم فيما ورد عليه من كتاب ابني بختيار فأجمعوا ~~رأيهم على الاعتزاء إلى طاعتهما والثبات فى حرب بهاء الدولة على ما هم عليه ~~فلم يوافقهم على رأيهم وقال: # - «إن وراثة هذا الملك قد انتهت إلى بهاء الدولة ولم يبق من يجوز له ~~منازعة بهاء الدولة فيه وإن نحن عدلنا عنه إلى من داره منا نائية ونيته عنا ~~جافية أضعنا الحزم، والصواب الدخول فى طاعة بهاء الدولة بعد التوثق منه.» ~~فامتنعوا وقالوا: # - «كيف نسلم نفوسنا للأتراك وبيننا وبينهم ما تعلم من الطوائل؟» فقال ~~لهم: # - «إذا كان هذا رأيكم فإنى أسلم [451] ما معى من المال والعدة إليكم ~~وأنصرف بنفسي عنكم وأنتم لشأنكم أبصر.» وتقوض المجلس، ثم وضع أكابرهم على ~~ما يقولونه ويفعلونه. # وكان قد أنفذ إلى أبى على ابن إسماعيل من يلتمس منه شرابا عتيقا للعلة ~~التي به. فقال أبو على ابن إسماعيل لبهاء الدولة: ms235 # - «إنه ما طلب منا شرابا ولكنه أراد أن يفتح لنا فى مراسلته بابا.» فأنفذ ~~بهاء الدولة رسولا يقول: PageV07P375 ~~- «إنه قد كنت أنت والديلم معذورين قبل اليوم فى محاربتى حين كانت ~~المنازعة فى الملك بيني وبين أخى. فأما الآن فقد حصل ثأرى وثأركم فى أخى ~~عند من سفك دمه واستحل محرمه. فلا عذر لكم فى القعود عنى فى المطالبة ~~بالثأر واستخلاص الملك وغسل العار.» فكان من جواب أبى على ابن أستاذ هرمز ~~[بعد] [1] السمع والطاعة لقوله أن الديلم مستوحشون والاجتهاد فى رياضتهم ~~واقع وسأل فى إنفاذ أبى أحمد الطبيب لمعرفة قديمة كانت بينهما فأنفذ إليه. ### ||||| ذكر كلام سديد لأبى على ابن أستاذ هرمز # لما حضر الطبيب عنده قال له: # - «قد علمت اصطناع صمصام الدولة إياى [452] وإحسانه إلى وما وسعنى إلا ~~الوفاء فى خدمته وبذل النفس فى مقابلة نعمته. وقد مضى لسبيله وصارت طاعة ~~هذا الملك واجبة على ونصيحته لازمة لى وهؤلاء الديلم قد استمرت بهم الوحشة ~~والنفور واستحكمت بينهم وبين الأتراك الترات والذحول، وبلغهم أن الاقطاعات ~~عنهم مأخوذة وإلى الأتراك مسلمة، ومتى لم يظهر ما يزول به استشعارهم وتسكن ~~إليه قلوبهم وبادرهم لم يصحب جنبهم.» فمضى الطبيب إلى بهاء الدولة بالرسالة ~~وعاد بالجواب الجميل الذي تسكن إلى مثله وتردد من الخطاب ما انتهى آخره إلى ~~حضور جماعة من وجوه الديلم إلى بهاء الدولة لاستماع لفظ بيمين بالغة فى ~~التجاوز عن كل إساءة سالفة وأخذ أمان وعهد بزوال كل غل وحقد. فلما طابت ~~نفوس هؤلاء PageV07P376 # بالتوثق كاتبوا أصحابهم المقيمين بالسوس بشرح الحال. # وركب بهاء الدولة فى ثانى اليوم إلى باب السوس يتوقع دخول الكافة فى ~~السلم. فخرج الديلم فقاتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله معهم فيما تقدم فضاق ~~صدره وظن أن ذلك عن فساد عرض أو لأمر انتقض. فقال له الديلم: # - «طب نفسا فالآن ظهر تسليمهم الأمر إليك فمن عادتهم أن يقاتلوا عند ~~التسليم أشد قتال، لئلا يقدر أنهم سلموا عن عجز أو ضعف.» وكان الأمر على ~~ذلك [453] لأنهم استوثقوا فى اليوم ms236 الثالث بنسخة يمين نفذوها إلى بهاء ~~الدولة، فحلف بها هو ووجوه الأتراك. # والتمس الديلم لأبى على ابن إسماعيل أن يحلف لهم فامتنع وقال: # - «هذه يمين يدخل فيه الملوك وجندهم، فأما الحواشي فهم بمعزل عنها.» فلم ~~يقنعوا بذلك فألزمه بهاء الدولة الحلف فحلف. # وجلس بهاء الدولة للعزاء بأخيه ثم ركب بالسواد، فتلقاه الناس وخدموه وصار ~~إليه أبو على ابن أستاذ هرمز واختلط العسكران. ### ||||| قتل الديلم نقيب نقبائهم # ومن قبل ذلك بيوم أو يومين قتل الديلم أبا الفتح ابن الفرج نقيب نقبائهم. ### |||||| ذكر السبب فى ذلك وما كان من مكيدة أبى على ابن أستاذ هرمز فى أمره # كان هذا الرجل مقدما فى العسكر فاستدعى أبو على ابن إسماعيل أخاه سهلان ~~من بغداد وجعله وسيطا معه ليستميله. فلما استقر معه الدخول فى طاعة بهاء ~~الدولة قال لهم أبو على ابن أستاذ هرمز: PageV07P377 ~~- «هذا أبو الفتح رجل شرير وهو خبير بأموركم وأسبابكم وأصولكم وأنسابكم. ~~فان اجتمع مع أبى على أظهر له من أسراركم ما لم يطلع عليه ودله من أموركم ~~على ما لا يهتدى [454] إليه.» فقالوا: «سندبر أمره.» ثم أجمعوا رأيهم على ~~قتله فقتلوه. # ولما اختلط العسكران سار بهاء الدولة إلى السوس ومعه أبو على ابن إسماعيل ~~وحوله الديلم والأتراك. ### ||||| ذكر رأى طريف رآه أبو على ابن إسماعيل لا يعلم موجبه # لما قرب بهاء الدولة من مضربه عدل أبو على إلى خيمته المختصة به ولم يتمم ~~معه حتى ينزل على ما جرى به رسمه. # ونزل بهاء الدولة وطلب الديلم أبا على فلم يجدوه وقالوا: # - «من يكلمنا.» وانتهى الخبر إلى بهاء الدولة فأرسل إلى أبى على يستدعيه ~~فاحتج بعارض عرض له ولم يحضر فخرج بهاء الدولة بنفسه إليهم وكلمهم حتى ~~انصرفوا. # وأظهر أبو على ابن إسماعيل الاستعفاء وأقام على أمر واحد فيه حتى وقعت ~~الإجابة إليه وكتب له منشور بمعيشة التمسها، فأذن له فى العود إلى بغداد ~~والمقام فى داره. # وشاع هذا الخبر بين العسكر فركب وجوه الأتراك إلى مضرب بهاء الدولة فأخرج ~~إليهم الحجاب ms237 ليسألوهم عن حاجتهم، فطلبوا لقاء الملك فأخرج إليهم أبا عبد ~~الله العارض ليستعلم منهم مرادهم. فما زادوه على القول الأول PageV07P378 ~~فأوصلهم. [455] ### ||||| ذكر ما جرى بين الأتراك وبين بهاء الدولة من الخطاب # لما دخلوا إلى حضرته وقفوا وقالوا: # - «يا أيها الملك قد خدمناك حتى بلغت مناك ولم تبق لك علينا حجة ولا بك ~~إلى مقامنا حاجة، وما فينا إلا من نفذت نفقته ونقصت عدته، ونسأل الأذن لنا ~~فى العود إلى منازلنا لنصلح حالنا ومتى احتيج إلينا من بعد رجعنا.» فأنكر ~~هذا القول منهم وسألهم عن سببه فراجعوه وراجعهم حتى قالوا: # - «هذا وزيرك الموفق الذي عادت الدولة إليك على يده واستقامت أحوالنا ~~بيمن نقيبته قد صرفته وما لنا من يشهد بمقاماتنا المحمودة عندك سواه، ولا ~~نجد فى الوساطة بيننا وبينك من يجرى مجراه، وليس من السياسة صرف مثله ولا ~~قبول قول من يشير عليك ببعده.» قال بهاء الدولة: # - «ومن يريد ذلك؟» قالوا: «الذي كتب له المنشور عنك وهون خطبه عندك.» - ~~اشارة الى أبى عبد الله العارض. # قال: «معاذ الله أن أقبل فيه قولا ولكنه لج فوافقته وسأل فأجبته، والرأى ~~ما رأيتموه من التمسك فكونوا الوسطاء معه فى تطبيب قلبه.» فانصرفوا عن حضرة ~~[456] بهاء الدولة إلى مخيم أبى على ابن إسماعيل وقد عرف خبرهم فحجهم ~~فراجعوه حتى أوصلهم. فلما دخلوا عليه عاتبهم على ما كان من خطابهم فى معناه ~~وقال: PageV07P379 ~~- «ليس من حقى عليكم أن تعترضوا على بما لا أهواه.» فقالوا: «دع عنك هذا ~~القول، فإن حراسة دولة صاحبنا التي بها ثباتنا وفيها حياتنا أولى من قضاء ~~حقك فى موافقتك على غرضك.» وما زالوا به حتى ركب إلى مضرب بهاء الدولة فلقى ~~منه ما أحبه وعاد إلى عادته فى تدبير الأمور وتنفيذها. # وأذن لجماعة من الأتراك فى العود إلى مدينة السلام وتوجه [مع] [1] بهاء ~~الدولة إلى الأهواز. ### ||||| ذكر ما دبره أبو على ابن إسماعيل بالأهواز # أول ما بدا بالنظر فيه أمر الاقطاعات وتقريرها بين الديلم والأتراك وعول ~~فى ذلك على أبى على الرخجي ms238 الملقب من بعد بمؤيد الدولة، واستقرت المناصفة. ~~ثم امتنع ديلم دستر عن الدخول فى هذا الحكم وكادت القاعدة تنتقض والاستقامة ~~تضطرب والشر بين الفريقين يعود جذعا. # فقام الرخجي فى التوسط بينهم مقاما محمودا على أن تكون أبواب المال فى ~~قصبات البلاد مقرة على من هي بيده وتكون المناصفة فيما عداها من الضياع ~~[457] والسواد. فتراضوا بذلك. # وأفردت له خيمة كان يحضر فيها ومعه فناخسره بن أبى جعفر وألفتكين الخادمى ~~ومن يتبعهما من وجوه الطائفتين، فتولى تقرير المناصفات وإخراج الاعتدادات ~~وإشراك [2] طائفة مع أخرى وكتب الاتفاقات فلم تمض [3] أيام قلائل حتى انتجز ~~الأمر على المراد. PageV07P380 # وكان الفرخان قد فارق الأهواز ومضى إلى إيذج مستوحشا وأنفذ أبو محمد ابن ~~مكرم إليه بما وثق به من الأمان فأمنه وعاد به. فلما ورد الفرخان خلع عليه ~~أبو على ابن إسماعيل واستخلفه مدة بين يديه ثم سيره أمامه إلى بلاد سابور ~~والسواحل. # وأخرج شهرستان بن اللشكرى فى عدة كثيرة من العسكر مقدمة إلى أرجان فصار ~~إليها ودفع ابن بختيار عنها، فلحق بأخيه المقيم بشيراز. ### ||||| ذكر رأى أشار به أبو على ابن إسماعيل على بهاء الدولة # أشار عليه بأن يستدعى الأمير أبا منصور ولده ويرتبه بالأهواز ويضم إليه ~~أبا جعفر الحجاج وأن يسير بنفسه إلى فارس وإذا فتحها استدعى الأمير أبا ~~منصور وأقامه فيها وانكفأ إلى الأهواز فجعلها للأمير أبى شجاع [458] وقصد ~~البصرة، فإذا ارتجعها جعلها للأمير أبى طاهر وعاد إلى بغداد فاستوطنها ودبر ~~أمر الموصل منها. # فلم يعجب بهاء الدولة هذا الرأى وكان أبو على قبل أن يفاوض بهاء الدولة ~~فى ذلك فاوض أبا الخطاب حمزة بن ابراهيم فيه- وأبو الخطاب يومئذ ينوب عنه ~~بحضرة بهاء الدولة- فقال له أبو الخطاب: # - «أنا أعرف بأخلاق الملك وأغراضه. والصواب لك أن تدعه بالأهواز وتسير ~~أنت والعسكر إلى فارس، فإذا فتحتها أقمت بها ورتبت للنظر فى الأمور بحضرة ~~بهاء الدولة من تأمنه وترتضيه. فإنك إذا بعدت عنه حصلت من تلك البلاد فى ~~مملكة واسعة وتصرفت على اختيارك من غير معارضة مانعة. ms239 فإنه متى سار معك كنت ~~بين أن تستبد برأيك أو تخالفه فتوغر صدره عليك ولا تأمن ما يكون من بوادره ~~إليك، وبين أن تصبر على معارضته لك PageV07P381 ~~فتجرع الغيظ منه بالاحتمال، أو تظهر من الاستعفاء ما يؤدى إلى فساد ~~الحال.» فلم يقبل أبو على منه واستبد برأيه وعمل أبو الخطاب بالأحوط لنفسه ~~وانحرف عن أبى على ومال إلى مطابقة بهاء الدولة فيما ينفق عليه. # قد استمررنا على النهج فى ذكر ما وجدناه فى التاريخ ونحن نرى أن أبا على ~~أصاب فى رأيه ولا نرى حزما فيما أشار به أبو الخطاب عليه من البعد عن حضرة ~~ملك سريع [459] التقلب فى الأحوال، كثير القبول للأقوال إذا بنى معه أمر ~~نقض، وإذا عقد معه عهد نكث. فإذا كان الباني مع حضوره يخاف انتقاض بنائه ~~فكيف يثق ببنائه إذا غاب عن فنائه؟ وهل مجال الأعداء فى الطعن على الوزراء ~~وهم مقيمون فى منصب عزهم كمجالهم إذا خلت الحضرة منهم ببعدهم؟ كلا إن لسان ~~الغيبة يطول عند الغيبة مع البعد عن بساط المراقبة والهيبة، وكل مجر فى ~~الخلاء يسر [1] . # فما أخطأ أبو على فيما رآه، وما عليه ان خانه مقدور، فالقدر حتم والمرء ~~معذور: # غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الزمن الخؤون # وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت الظنون # وأطرف من ذلك مشورة أبى الخطاب عليه باستخلاف من يأمنه بالحضرة ليحفظ عنه ~~وأين الأمين الذي يرعى العهد إذا لابس الحل والعقد؟ أليس أبو الخطاب وكان ~~نائبه وصنيعته جحد إحسانه وطلب مصلحة نفسه فتبرأ منه وخانه؟ PageV07P382 # وكذلك كل ذى ثقة إذا استحلى الدنيا [صار] [1] ظنينا وكل ذى مقة إذا حسد ~~[2] صار عدوا مبينا. ورب أخ قد شاق فى الحسد أخاه، بل ربما ولد عق فى طلب ~~الرتبة أباه، ومثل ذلك موجود [460] نشهده ونراه. وإنما كان خطأ أبى على فى ~~إفراط إعجابه وكثرة إدلاله وشكاسة أخلاقه ومنافسته لولى نعمته. فالملوك لا ~~يشاكسون وأولياء النعمة لا [3] ينافسون. # ومع ذلك فلكل أجل كتاب، والصواب مع الشقاوة ms240 خطأ، والخطأ مع السعادة صواب: # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى ولأم المخطىء الهبل # ونعود إلى سياقة الحديث. # ولما استقر ما بين الديلم من المناصفات عول على أبى جعفر الحجاج فى ~~المقام بالأهواز، وسار بهاء الدولة وأبو على إلى الموفق إلى رامهرمز، وتقدم ~~أبو على مع العسكر وصار إليه أبو جعفر أستاذ هرمز فى بعض الطريق هاربا من ~~ابن بختيار. ### ||||| ذكر خلاص أبى جعفر أستاذ هرمز # قد تقدم ذكر حصوله فى قبضة ابن بختيار فقرر أمره على ألف ألف درهم وأدى ~~أكثرها ثم حصل عند لشكرستان كور موكلا به مطالبا بالبقية فاحتال صاحب له ~~طبرى فى الهرب به إلى دار أحد الجند ثم أحضر قوما من الأكراد PageV07P383 # وأخرجه إليهم فساروا به وألحقوه بأبى على ابن إسماعيل. [461] وطوى أبو ~~على المنازل حتى نزل بباب شيراز. ### ||||| ذكر فتح شيراز # لما نزل أبو على بظاهر البلد برز ابن بختيار فى جنده ورجالته وعسكر ~~بإزائه ووقعت الحرب بينهما فتضعضع ابن بختيار فى اليوم الأول وصادف عساكر ~~بهاء الدولة وغدر به كثير من الغلمان ودخلوا الباب ونهبوا بعضه ونادوا ~~بشعار بهاء الدولة. # وكان أبو أحمد الموسوي بشيراز على ما تقدم ذكره فى مسيره من واسط إليها ~~وظن أبو احمد أن أمرا قد تم فاستعجل وركب إلى المسجد الجامع وكان يوم ~~الجمعة فأقام الخطبة لبهاء الدولة. # ثم ثاب ابن بختيار وعسكره فخاف أبو أحمد واحتال لنفسه وقعد فى سلة وحمل ~~مغطى حتى أخرج إلى معسكر أبى على ابن إسماعيل. # وعادت الحرب فى اليوم الثالث بين الفريقين فلم يمض من النهار بعضه حتى ~~استأمن الديلم إلى أبى على وهرب ابن بختيار ناجيا بنفسه وتبعه أخوه فى ~~الهرب. فأما أحدهما وهو أبو نصر فإنه لحق ببلاد الديلم، وأما الآخر فإنه ~~مضى إلى بدر بن حسنويه، ثم تنقل من عنده إلى البطيحة، وملك أبو على البلد ~~وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح وإتمام المسير فسار إلى شيراز واستقر فى الدار ~~بها. [462] ### ||||| ذكر ما جرى عليه الأمر بعد هذا ms241 الفتح # لما حصل بهاء الدولة بفارس أمر بنهب قرية الدودمان وحرقها وقتل كل من وجد ~~بها من أهلها حتى استأصل شأفتهم. # PageV07P384 # وكشف عن رمة صمصام الدولة وجددت أكفانها وحملت [1] إلى التربة بشيراز ~~فدفنت بها وأحسن إلى فاطمة الدودمانية خاصة وبرها ووصلها. # وذلك ثمرة فعلها الجميل. فإن المعروف شجرة مباركة أصلها زكى وعودها رطيب ~~وورقها نضير، وما خاب من غرسها وسقاها ولا ندم من حفظها ورعاها. # فاجتمع ديلم فارس جميعهم بشيراز وجرى الخوض فى أمر الإقطاعات وارتجاع ما ~~يرتجع منها وإقرار ما يقرر، وترددت فى ذلك مناظرات. ### ||||| ذكر تقرير للإقطاعات [2] وتوفير فى المصارفات # تقرر أن تجعل أصول التقريرات مصارفة ثلاثمائة درهم بدينار وأن ينظر [463] ~~ما لكل رجل من الإيجاب الأصلي فيعطى به من الاقطاع الذي فى يده ما يكون ~~ارتفاعه بقدره على هذا الصرف ويرتجع الباقي وان يبطل كل ما كان وقع به فى ~~آخر أيام صمصام الدولة. # وجرى الأمر على ذلك فى معاملة الأواسط [3] والأصاغر. فأما أكابر الديلم ~~فإن أبا على ابن إسماعيل أعطاهم حتى ملأ عيونهم. وعرفوا مذهبه فى العجب ~~والكبر فوضعوا له خدودهم وخدموه خدمة لا يستحقها الملوك فضلا عن الوزراء. ~~فكانوا يقبلون الأرض إذا بصروا به وإلى أن يصلوا إليه عدة مرات ويمشون بين ~~يديه إذا ركب كما تمشى أصاغر الديلم. # وزاد الأمر به فيما أعطاهم من الأموال وأعطوه من الطاعة والانقياد وكل ~~زيادة تجاوزت حد الاستحقاق فهي نقصان، وكل عطية سلبت نفع الارتفاق ~~PageV07P385 # فهي حرمان. # وعول على أبى غالب محمد بن على بن خلف فى الغيابة عنه وقدمه واصطنعه، ~~وفرق العساكر فى النواحي، وأخرج أبا جعفر أستاذ هرمز إلى كرمان واليا ~~عليها، وقبض على ألفتكين الخادمى. ### ||||| ذكر السبب فى القبض على ألفتكين [464] # كان أبو على ابن إسماعيل يرعى لفلح ما أسداه إليه من جميل فى استتاره ~~ببغداد. فقدمه ونوه بذكره وثقل ذلك على ألفتكين وأضمر به استيحاشا منه. # واتفق أن أبا على فى بعض مواقفه بباب السوس قال لألفتكين: # - «يا حاجب الحجاب قد عزمت على [1] أن ms242 أمضى فى قطعة من الجيش إلى وراء ~~السوس وأدخل أطراف البلد. فإن الديلم إذا عرفوا خبرنا اضطربوا وانصرف قوم ~~منهم إلينا فتشوشت تعبيتهم. فإذا بدت ذلك الفرصة وأمكنتك الحملة فاصنع ما ~~أنت صانع.» وقرر ذلك معه وترك أبو على علامته بحالها ودار من وراء الديلم ~~ومعه نجب من الغلمان غيرهم ودخل شوارع السوس فانفصل من العسكر الصمصامى ~~شهرستان فى خمسمائة رجل وتلقاهم واقتتلوا قتالا شديدا واضطرب مصاف الديلم ~~ولاحت الفرصة لألفتكين فى الحملة، فتوقف عنها غيظا من أبى على الموفق لأنه ~~كره أن يتم أمر على يده. فنقم أبو على هذا الفعل عليه وأسره فى نفسه. # وحصل على باب شيراز بإزاء ابن بختيار فظهر من ألفتكين من التقاعد قريب ~~مما تقدم. فلما تم أمر الفتح وورد بهاء الدولة واستقرت الأمور، عمل ~~PageV07P386 # فى إبعاده. فندبه للخروج إلى بعض الكور وأمره بالتأهب وحمل إليه عشرين ~~ألف درهم نفقة. # فأحضرها [465] النقيب وألفتكين شارب ثمل، فتكلم بقبيح أعيد على الموفق، ~~فاغتاظ منه، وقال لبهاء الدولة: # - «هذا الغلام كالعاصى علينا والصواب القبض عليه وإقامة الهيبة فى نفوس ~~الغلمان به.» فأذن له فى ذلك فقبض عليه وحمله إلى القلعة. ### ||||| ذكر حيلة لطيفة كانت سببا لسلامة ألفتكين # اجتمع الغلمان ليخاطبوا فى أمره. فانتدب أحد وجوههم لأبى على وقال له: # - «نحن عبيدك وأمرك نافذ فى صغيرنا وكبيرنا وما نطالبك بالإفراج عنه وقد ~~أنكرت ما أنكرت منه. ولكنا نسألك أن تهب لنا دمه وتعطينا يدك على حراسة ~~نفسه.» فقال: «أما هذا فنعم.» وأخذوا يده على ذلك وتوثقوا منه. فلما عرض ~~لأبى على المسير فى طلب ابن بختيار حين عاد من بلاد الديلم إلى كرمان اجتمع ~~إليه خواصه ونصحاؤه وقالوا: # - «ليس من الرأى أن تخرج فى مثل هذا الوجه وتترك وراءك مثل هذا العدو.» ~~وأشاروا إلى ألفتكين فقال: # - «ما كنت لأبذل قولي فى أمر ثم أرجع عنه.» # PageV07P387 ### ||||| ذكر أغلاط لأبى على ابن إسماعيل [466] كانت سببا لفساد حاله # أدل أبو على بعد فتح شيراز على بهاء الدولة إدلالا أفرط فيه وتجبر ms243 تجبرا ~~لا توجبه السياسة ولا تقتضيه. واطرح ما يلزم فى خدمة الملوك من التقرب ~~إليهم والتوفر عليهم وسلك خلاف هذه الطريقة وخرج من حد المتابعة والموافقة ~~إلى المنافقة والمضايقة. من غلطاته أن أحد النبهاء قال لبهاء الدولة فى ~~مجلس أنسه على سبيل الدعابة: # - «زينك الله يا مولانا فى عين الموفق.» وبلغه ذاك، فطالبه بتسليمه إليه ~~ودوفع عنه فلم يندفع، وأقام على الاستعفاء حتى سلم إليه فبالغ فى عقوبته. # ومنها أنه وقع بين غلمان داره وبين غلمان الخيول الخاصة ما يقع من ~~أمثالهم بين أمثالهم عند اللعب بالصوالجة. فغلق بابه ومنع العسكر من لقائه ~~ولم يقبل مشورة أحد من خواصه وراسل بهاء الدولة فقال للرسول: # - «يا هذا، إن المخاطبة لى على غلمان دارى قبيح وإن التعصب على لأجل ~~منابذة جرت بينه وبين غلمانه، أقبح وتسليمهم إليه ليشفى صدره منهم أقبح ~~وأقبح، فارجع إليه بالمعاتبة اللطيفة، وعرفه ما عليه فى هذه المراسلة ~~الطريفة.» فمضت معه خطوب حتى أمسك. # ومنها أن بهاء الدولة كان يجلس فى الجوسق [1] الذي فى دار الامارة بشيراز ~~وهو مشرف على الميدان ويجتاز أبو على فيه [467] راكبا وبين يديه ~~PageV07P388 # أكابر الديلم مشاة فلا يرى أن يترجل وبهاء الدولة يراه وينفطر غيظا منه. # ومنها أنه أنفذ إليه بعض خواصه فى ليلة نيروز يلتمس منه ثلاثة آلاف درهم ~~فقال للرسول: # - «لأى حاجة يريدها، للخبز أو للحم أم للشعير؟» فقال له الرسول: # - «أيها الوزير لا يحسن أن يكون جواب الرسالة غير حمل الدراهم.» فقال له: # - «ما ههنا مال.» وخاف الرسول أن تجرى منافرة يكون هو سببها فحمل الدراهم ~~من ماله وعرف بهاء الدولة ذلك من بعد. # فانظر إلى عجب الزمان وتقلب الأعيان: هذا أبو على هو الرجل الذي تكلف ~~واستدان وحمل إلى بهاء الدولة من بغداد ما امتنع من حمله ابن عمر وابن ~~صالحان، فقربت من قلبه منزلته وعلت لديه درجته ورتبته، ثم ينتهى الأمر به ~~إلى أن يطلب منه بهاء الدولة فى ليلة نيروز هذا القدر النزر مع اتساع حاله ~~وتبذخه ms244 على الديلم بعطائه ونواله فيمنعه. هل ذلك إلا لحادث قد يغطى على كل ~~بصر وبصيرة؟ [1] فشتان بين ابتداء السعادة وانتهائها لقد أحسنت أيامه فى ~~إقبالها وأساءت فى انفصالها والخبر المأثور مشهور: إذا أقبلت الدنيا على ~~قوم كستهم محاسن غيرهم، وإذا ولت عنهم سلبتهم محاسن أنفسهم. # وكان أبو غالب ابن خلف فى خلال هذه المضايقات يحول إلى بهاء الدولة ~~الدنانير الكثيرة فى الأوقات [468] المتفرقة سرا فتمهدت له بذلك حال ~~PageV07P389 # راعاها، وكانت أكبر وسائله عنده. وتأكدت الوحشة بين بهاء الدولة وأبى على ~~وجرى أمره على ما يأتى من بعد ذكره بمشيئة الله تعالى. ### ||||| ذكر القبض على نقيب نقباء الديلم # وفى هذه السنة قبض بكران بن بلفوارس على الحسين بن محمد بن مما نقيب ~~نقباء الديلم ببغداد ثم أفرج عنه. ### ||||| ذكر الحال فى القبض عليه # كان بكران مستنابا من قبل بهاء الدولة ببغداد على أمور الديلم. # فاستوحش من ابن مما وسعى بينهما سعاة بالفساد. فقبض عليه بغير أمر من ~~بهاء الدولة واعتقله فى داره ووكل به كوشيار بن المرزبان مع جماعة من ~~الديلم وضيق عليه وقلد أبا الحسين ابن راشد نقابة النقباء وأنزله فى دار ~~ابن مما وقيل: إنه هم بالفتك به. فتوسط أبو الفتح منصور بن جعفر أمره وضمن ~~عنه عشرين ألف دينار وأخذه إلى داره وأقام خطوطا وكفالات بالمبلغ. # وعرف الشريف أبو الحسن ابن عمر ما أقدم عليه بكران فأنكره وأطلق لسانه فى ~~بكران وفى ابن راشد بكل عظيمة، وكتب إلى بهاء الدولة وإلى أبى على ابن ~~إسماعيل بذلك. [469] ### ||||| ذكر سياسة قامت بها الهيبة فى الإفراج عنه # لما وصلت الكتب إلى أبى على ابن إسماعيل امتعض الامتعاض الشديد وكتب إلى ~~بكران بما أغلظ القول فيه، وإلى الشريف أبى الحسن بانتزاع ابن مما من يده ~~وارتجاع الكفالات المأخوذة بالمال منه. وكتب إلى أحمد الفراش بملازمة بكران ~~إلى أن يفرج عن الرجل. # PageV07P390 # فامتثلت الجماعة مرسومه وأفرج عن ابن مما وردت عليه الكفالات وانحدر إلى ~~الأهواز وجدد عهدا بالخدمة وعاد موفورا. # واستدعى بكران وأنفذ ms245 شيرزيل أخوه إلى بغداد ليقوم مقامه وقبض على كوشيار ~~وحل إقطاعه ووفيت السياسة حقها فى ذلك. # وفيها توجه الأمير أبو منصور ابن بهاء الدولة إلى الأهواز. # وفيها استولى الأمير أبو القاسم محمود بن سبكتكين على أعمال خراسان بعد ~~أن واقع عبد الملك بن نوح بن منصور ومن فى جملته من توزون وفائق وابن سمجور ~~بظاهر مرو، وهزمهم وأقام الدعوة لأمير المؤمنين القادر بالله رضى الله عنه، ~~على منابر تلك البلاد وكان آل [سامان] مستمرين على إقامتها للطائع لله. # وورد كتاب أبى القاسم [470] محمود إلى القادر بالله رضى الله عنه، يذكر ~~الفتح على ما جرت به العادة فى أمثاله. # انقضت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وبانقضاء أخبارها ختمنا هذا الكتاب، ~~ومن الله تعالى نرجو أحسن التوفيق والهداية للصواب، وبه سبحانه نعود من شر ~~القصد وخيبة المنقلب وآفة الإعجاب وهو حسبنا ونعم الوكيل آخر ما صنفه ~~الوزير أبو شجاع رضى الله عنه وأرضاه، والحمد لله كثيرا. # PageV07P391 ms246