######OpenITI# #META# bkid: 17882 #META# bk: الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة #META# المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489 ه) #META# المحقق: د. نايف بن نافع العمري #META# الناشر: دار المنار للطبع والنشر والتوزيع #META# الطبعة: الأولى، سنة النشر: 1412 ه - 1992 م #META# عدد الأجزاء: 2 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: السمعاني، أبو المظفر #META# authinf: أبو المظفر السمعاني (426 - 489 ه = 1035 - 1096 م). منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي، أبو المظفر: مفسر، من العلماء بالحديث. من أهل مرو، مولدا ووفاة. كان مفتى خراسان، قدمه نظام الملك على أقرانه في مرو. له. (تفاسير السمعاني - خ) [ثم طبع] ثلاث مجلدات،. (الانتصار لأصحاب الحديث). (القواطع - خ) في أصول الفقه [ثم طبع]،. (المنهاج لأهل السنة). (الاصطلام) في الرد على أبى زيد الدبوسي،. وغير ذلك. وهو جد السمعاني صاحب (الأنساب) عبد الكريم بن محمد. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 17882 #META# over: 1 #META# seal: 798CAB31 #META# oauth: 1013 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 2 #META# vername: None #META# cat: فقه شافعي #META# lng: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي #META# higrid: 489 #META# ad: 489 #META# aseal: E4CF6546 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17882 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الشيخ الإمام شيخ الإسلام قدس الله روحه ونور ضريحه: بالله أستعين، ~~وإياه أحمد، وعليه أتوكل، ومنه استهدي، وبه ألوذ، وفيه أجاهد، له الفضل ~~والثناء الأسنى، وله الصفات العلى والأسماء الحسنى، اللهم كن لنا ولا تكن ~~علينا، وأعذنا من هواجس أنفسنا، ومضلات أرائنا وخواطرنا، وأمدنا بلطفك ~~العزيز، وأقبل علينا بوجهك الكريم (اللهم اجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني ~~مفتاح تمجيدك، وجوارحي في حرم طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى ~~إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، ولا قرر إلا في القلق نحوك، ~~ولا روح إلا في الكرب لوجهك، ولا راحة إلا في الرضا بقسمتك، ولا عيش إلا في ~~جوار المقربين عندك)، اللهم اجعل سعينا فيما يقرب إليك، وكدنا فيما يوجب ~~رضاك، وقد بزمامنا من حولنا وقوتنا على حولك وقوتك، وأهدنا الأرشد والأوفق ~~فالأوفق والألطف فالألطف. # اللهم ونسألك أن تهدي إلى رسولك وصفيك وخيرتك من خلقك من الصلوات أفضلها ~~وأزكاها، وأتمها، وأنماها وأعدلها وأوفاها، واجعلها وسيلة لنا إلى نيل ~~شفاعته والوصول إلى كريم وجهه، إنك أنت الجواد المنان والرحيم الرؤوف. PageV01P039 # أما بعد: # فقد سبق مني كتاب جمعته من الخلافيات سميته ((البرهان)) وبلغت فيه غاية ~~ما رمته على ما اتفق لي من إقامة الدلائل وإيضاح البراهين وإزاحة الشبهات ~~وكشف المعاني غير أن الكتاب طال جدا، فإني لم أكن شرعت فيه شروع طالب ~~للاختصار والإيجار بل قصدت فيه قصد الاستيفاء والاستقصاء وأردت أن يكون ذلك ~~عمدة المدرس لا عدة الحافظ، نعم، وحين طال بي المراس في المسائل، وتردد ~~القول في سبرها وسبكها جدالا مع المخالفين ومذاكرة مع الأصحاب، وعرضتها على ~~فكرى مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى، عرضت في خلال ذلك طرق متينة ومعاني محكمة ~~وأسرار عجيبة ونكت معجبة، ورأيت عجز المعترضين دونها وتضأل المخالفين ~~عندها، وتعظم المتدافعين عند جانبها فعند ذلك رأيت أن أسعى في مجموع آخر ~~للأصحاب خاصة، ولكل من طلبه عامة سعى من طب لمن حب، ألفت فيه بنات صدري ms001 ~~وأجمع له كدي وجدي وأبلغ فيه الغاية بجهدي وأجعله زبدة عمري ونهاية فكري، ~~وقصدت فيه قصد الإيجاز والاختصار وهو كتاب لم يطل ذلك الطول المفرط الذي ~~يسأم منه الناظر ولم يقصر قصور العجز عن بلوغ المراد، واعتنيت في المسائل ~~التي أعضلت على فحول النظر زيادة اعتناء، وكشفت عن حقائقها زيادة كشف. # ونصصت على المعاني التي يمكن الاعتماد عليها، ونبهت على كثير من مجازفات ~~المتفقهة وتجوزاتهم وتمسكهم بطرق حقها الإطراح، وغفلتهم عن معاني حقها ~~القبول والإتباع، وذكرت حجج المخالفين بأتم لفظ وأوجز معنى، وأثبت بما ~~يعتمد الأئمة منهم في الوقت، ولم أشتغل بالمستسقط من كلام مشايخهم إلا ~~أشياء لابد من إيرادها والانفصال عنها، وسميت الكتاب ((كتاب الإصطلام)) ~~لإصلامه كلام المخالفين لنا ابتلاء ولإطراحه PageV01P040 # كثير من كلام مشايخنا المتقدمين توهينا وضعفا، وعندي أن من نظر في هذا ~~الكتاب نظر بتأمل غائص في معانيه فهم لحقائقه معرض عن طريقة التعصب ~~والتقليد راي كل كتاب صورة في هذا الفن للمتقدمين والمتأخرين في صورة ~~المطرح المستغني ..... أن يشكر سعيي وتعبي فيه، ويعرف حق قيامي بأعبائه ~~ويمدني بالدعاء ..... ، والله تعالى يعصم من الإعجاب بالقول ويرشد إلى ~~الأصوب والأهدى/ من الأمور بمنه وفضله وعميم طوله. # * * * PageV01P041 ### | AUTO كتاب الطهارة ### || AUTO (مسألة) # لا يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء # عندنا، وهذا قول محمد، وزفر من أصحابهم. # وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يجوز. # لنا: # إن الماء طهور شرعا لا لمعنى، فلو ألحق به غيره في الطهورية كان لمعنى، ~~فإذا كان ثبوته لا لمعنى إلحاق غيره به. # والدليل على أن الماء طهور لا لمعنى، الحكم والحقيقة: # أما الحكم فلأن طهورية الماء في الحدث لا لمعنى كذلك في النجاسة، وهذا ~~لأن عمل هذا الوصف بنفي محلين، فإذا لم يكن لمعنى في أحد الملحين فكذلك في ~~الآخر. PageV01P042 # وأما الحقيقة فلأنه لو كان معلولا كان معلولا بعلة الإزالة، وهذا لا ~~يجوز، لأن معنى الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وصفة تطهيره لغيره ~~إنما توجد عند اتصاله بذلك الغير، كقولنا: ضارب للغير وشاتم للغير ms002 ومكلم ~~للغير، إنما يوصف بهذا عند اتصاله شتمه وضربه بالغير، وإذا اتصل بالمحل ~~النجس امتزج بالنجس، والماء الممتزج بالنجس نجس، وما لا يكون طاهرا في نفسه ~~لا يكون مطهرا لغيره فدل تعليل الطهورية به بالإزالة باطل، فبقى أنه طهور ~~شرعا لا لمعنى، وبطل إلحاق سائر المائعات به. # فإن قالوا: إذا قلتم إن الماء بامتزاجه بالنجس يصير نجسا فكيف يزيل ~~النجاسة؟ وبالإجماع إنه يزيل النجاسة عند استعماله في المحل غسلا. # قلنا: إنما يزيل النجاسة شرعا لا لمعنى الإزالة، على هذا إن عندنا يبقى ~~الماء طهورا بعد وروده على النجاسة ثبوت صفة الطهورية له. # والحرف أن الطهورية منصوص عليها للماء، ووقت ظهور الطهورية عند غسل المحل ~~النجس فبقيت هذه الصفة للماء وإن امتزج بالنجس ليحصل العمل بالنص ولا ~~يتعطل، ولم يكن لمعنى حتى يلحق غيره به. # وهذا لأن الضرورة ارتفعت بالماء فبقى غيره على أصل ما عقلنا من المعنى ~~وهو أن المائع الوارد امتزج بالنجس وتنجس وإزالة النجاسة بالنجس غير معقول، ~~ولأن غير الماء ليس في معنى الماء حتى يلحق به، لأن الماء خلق ليكون طهورا، ~~وقد ورد الإنزال بمعنى الخلق في القرآن مثل قوله تعالى: {وأنزلنا الحديد ~~فيه باس شديد}. # ومثل قوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}. PageV01P043 # وغير الماء من المائعات لم يخلق ليكون طهورا. # ولهذا يكره استعمال ماء الورد والخل في إزالة النجاسة، ويعد سفها وتضيعا ~~للمال، ولأن الماء يسهل وجود ويعم إصابته وللناس بلوى في طهارة الأحداث ~~والأنجاس فشرع إزالة ما يعم به البلوى بما يسهل وجوده تسهيلا للأمر على ~~الناس وتيسيرا، ومعنى سهولة الوجود وعموم الإصابة لا يوجد في سائر ~~المائعات، وإذا كان غير الماء يخالف الماء في هذين المعنيين المؤثرين لم ~~يجز إلحاقه به. # وأما حجتهم: # قالوا: أجمعنا على أن الماء طهور والطهور هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره، ~~والتعليل واجب ما أمكن، لأن القياس دليل الله وأمر الله يتصل بإظهار دليل ~~الله ليبني عليه حكم الله، ثم الدليل على أن التعليل في مسألتنا واجب ممكن ~~أن ms003 إمكان التعليل بإظهار علة مؤثرة وهو موجود في مسألتنا، وذلك بالتعليل ~~بالإزالة، والدليل على أن الطهورية معللة بالإزالة أن ما لم يوجد الإزالة ~~لا يطهر بطهارة المحل، ولم لم يكن العلة هي الإزالة كان ينبغي أن يكفي مجرد ~~استعمال الطهور. # يدل عليه أن استعمال الطهور غسلا في هذا المحل مفيد طهارة المحل فلا يخلو ~~إما أن يكون إفادته طهارة المحل بتبديله النجس طاهرا أو بإزالته النجاسة، ~~ولا يجوز الأول، لأن استعمال الماء لا يتبدل النجس طاهرا فدل أن طاهرت ~~المحل بإزالته النجاسة عن المحل. PageV01P044 # والدليل على التأثير أن نجاسة المحل لما كانت هي النجس الذي حله فلابد أن ~~يكون زواله مخيلا في إفادة الطهارة. # وقالوا: ولا يجوز أن يقال إن النجاسة إن زالت حقيقة بقيت حكما، لأن الحكم ~~مع الحقيقة، فإذا زالت حقيقة زالت حكمها، فمن قال بزوالها حقيقة وبقائها ~~حكما فعليه/ إقامة دليل قادح في ذلك وإلا فسد مجرد الدعوى. قالوا: وأما ~~الذي قلتم إن الماء يتنجس بأول الملاقاة. قال: ليس كذلك، لأن الطهورية صفة ~~ثابتة للماء في الأصل بالنص. # ومعنى قولنا: إنها صفة ثابتة له في الأصل بالنص، أنها ثابتة قبل ~~الاستعمال والدليل على ثبوتها له قبل الاستعمال أنه يوصف بها قبل ~~الاستعمال، ولو كانت صفة ضرورية لا صفة أصلية لم يوصف بها قبل الاستعمال ~~كالحلية للميتة لما كانت صفة ضرورية لم يوصف بها قبل الأكل. # وقولكم ((إن المطهر للغير إنما يكون عند اتصاله بالغير)). # قال: هذا في الحسيات فأما الطهورية صفة حكمية فيجوز أن يوصف بها وإن لم ~~يتصل بالغير، وإذا ثبت أن الطهورية صفة أصلية، وهي معللة بالإزالة بقيت هذه ~~الصفة للماء عند الإزالة ليظهر عمله، وأعرض عن الامتزاج الحاصل ثم إذا ~~انفصل عن الثوب حكم بنجاسة الغسل مثل ما يحكم للماء بالاستعمال عند ~~الانفصال عن العضو، ولا يحكم له بذلك قبل الانفصال، كذلك هاهنا. PageV01P045 # يدل عليه أنه لو كانت الطهورية بالضرورة وجب أن يكون بقدر الضرورة، ~~والضرورة تزول بالماء الجاري، والماء العذب. فينبغي ألا تثبت ms004 هذه الصفة ~~للماء الراكد والماء الأجاج، وحين تثبت لجميع أنواع المياه عرفنا أنها غير ~~ثابتة ضرورة. # قالوا: وأما طهارة الحدث فغير معللة بالإزالة، لأنه ليس هناك عين تزال ~~إنما هي حكم بلا عين. # فإن قلتم: فيبطل إذا تعليلكم للطهورية بالإزالة. # قال: لا يبطل، لأن الحكم إذا ثبت في محل النص وعلل وعدى الحكم إلى فرع ~~فالحكم في الفرع يثبت بالمعنى، وفي الأصل بالنص لا غير. # وهذا لأن النص مغنى عن طلب المعنى في محل النص، وإنما ظهور عمل المعنى في ~~الفرع فحسب. # قالوا: وكذلك نقول في الأشياء الستة مع فروعها، وهذا لأن التعليل ليس إلا ~~التعدية، وطلب الحكم في الفرع، ولهذا نقول: إن العلة التي لا تكون متعدية ~~لا تكون علة، وإذا عرف هذا الأصل فالطهورية للماء ثابتة بالنص فحسب، ~~والتعليل لإثبات هذا الحكم فيما وراءه فيكون ثبوته في الفرع أعني المائعات ~~لعلة الإزالة وفي الأصل بالنص لا غير، وإذا كان ثباتا في الأصل لا بعلة ~~الإزالة ظهر عمله في موضع الإزالة وغير موضع الإزالة، وذلك في طهارة الحدث. # وأما الخل وماء الورد لما ثبتت الطهورية فيهما بعلة الإزالة عمل في موضع ~~الإزالة ولم يعمل في غير موضع الإزالة. PageV01P046 # قالوا: ولا يلزم المرق والدهن، لأن الإزالة لا توجد بهما فإذا لم يعتصر ~~بالعصر بقي النجس في الثوب حتى لو كان بحيث يعتصر بالعصر يحصل به إزالة ~~النجاسة. # قالوا: وأما قول مشايخكم إن غير الماء لا يطهر بالمكاثرة فلا يطهر غيره ~~بالمباشرة بخلاف الماء فرق ممنوع، فإن عند جماعة من أصحابنا إذا كثر الخل ~~أو ماء الورد وصار بحيث لا يخلص بعضه إلى البعض مثل الماء، ولئن سلما الفرق ~~فإنما دفع الماء النجاسة عن نفسه عند الكثرة لبلوى الناس وحاجتهم، ولهم ~~بلوى في الماء وذلك في الحياض والأدوية والغدرانات ولا بلوى فيما وراءه، ~~لأنه لا يكون في الجوابي والأواني مصونا في البيوت .. إلى هذا الموضع انتهت ~~طريقة أبي زيد ذكرناها بزيادة شرح وبسط. # وقد تعلق مشائخهم بالاستنجاء حيث لا يختص بالحجر، ms005 وقالوا: جنس له أثر في ~~إزالة النجاس فلا يختص بشيء منه دون شيء، دليله الجامد، والتعليل للماء، ~~وتعلقوا أيضا بالدن الذي فيه الخمر حيث يطهر PageV01P047 # بانقلاب الخمر خلا من غير استعمال لماء وكذلك دباغ الجلد يحصل به طهارته ~~من غير ماء أصلا. # الجواب: # أما قولهم: ((إن التعليل واجب ما أمكن)). # قلنا: لا إمكان في مسألتنا. # وقولهم: ((إنه معلل بالإزالة)). # قلنا: لو كان كذلك لم يكن طهورا في الحدث، لأنه لا إزالة هناك، وتعليل ~~الطهورية بالإزالة بلا وجود إزالة، محال. # وقد قال بعض مشايخهم: إنا نعلل الوضوء بالوضاءة والحسن. # قلنا: فعدوا ذلك إلى كل ما يحصل به هذا المعنى ما ماء الورد وغيره. # فأما قولكم في العذر عن طهارة الحدث إنها طهارة حكمية غير/ معلولة ~~بالإزالة وهي حكم بلا عين. # قلنا: ففذا يبطل التعليل بالإزالة، لأن الماء طهور في الحدث نصا ولا ~~إزالة فيه، فبطل تعليلهم بالإزالة. # وأما قولهم: ((إن الحكم ثبت في الأصل بنص لا بعلبة)). # قلنا: التعليل لطلب علة الأصل، فأما إذا كان المعنى المستخرج من الأصل ~~ساقطا في تعليل الأصل به لم يتصور التعدية. # وقولهم: ((إن النص مغنى عن التعليل)). # قلنا: بلى في ثبوت الحكم لكن من ضرورة ثبوت الحكم في الفرع بالمعنى ثبوت ~~الحكم في الأصل بذلك المعنى، ويجوز أن يكون الحكم ثابتا PageV01P048 # بالنص والمعنى جميعا كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: ((إنها ليست ~~بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). نص على نفي النجاسة ونص على ~~التعليل فكان الحكم ثابتا بالنص والمعنى، وعلى أن الحكم إن كان لا يثبت في ~~الأصل بالمعنى فلابد من وجود المعنى في الأصل، كما في علة الأشياء الستة ~~على المذهبين، وطهورية الماء في الحدث أصل، فإذا كانت الطهورية معللة ~~بالإزالة، فلابد من وجودها في الأصل ليمكن التعليل. # وقد بينا إنه لا وجود، وفصل طهارة الحدث في نهاية الإشكال عليهم إذا قرر ~~على هذا الوجه، وعلى أنا بينا بطريق التحقيق أن التعليل بالإزالة متعذر غير ~~ممكن بحال. # وأما قولهم: ((إن الطهورية صفة ms006 أصلية ثابتة بالنص)). # قلنا: فإذا كانت صفة أصلية تكون ثابتة بذاتها لا بنص الشارع ثم قد بينا ~~أن الطهورية صفة لا يمكن إثباتها حقيقة إلا عند اتصالها بالغير. # وقولهم: ((قد وصف من قبل)). # قلنا: هذا على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة. # وقولهم: ((إن الطهورية صفة حكمية)). # قلنا: وإن كانت حكمية لكنها صفة متعدية، لأنه لا يتصور وجودها إلا بعد ~~اتصالها بالغير، وهذا موضع ضيق الخناق عليهم، لأن إثبات PageV01P049 # الطهورية حقيقة في غير وقت الاستعمال لا مطمع فيه للخصوم وقد سموا هذا ~~الموضع مزل القدم، وهو مزل قدمهم بلا إشكال. # وأما قولهم: ((إن الضرورة ترتفع بالماء الجاري أو بالماء العذب)). # قلنا: النص وارد في طهورية الماء المطلق وهو يشتمل على جميع أنواع المياه ~~عذبها وملحها وراكدها وجاريها وصافيها وكدرها. # وأما تعلق مشايخهم بفصل الاستنجاء فيقال لهم: لا إزالة للنجاسة في ~~الاستنجاء. # فإن قالوا: إن لم تكن إزالة فقد وجب التخفيف فتعتبر طهارة الإزالة بطهارة ~~التخفيف. # قلنا: التخفيف رخصة، والرخص بابها على السهولة والسعة، والإزالة عزيمة، ~~والعزائم بابها على الاستقصاء والمضايقة، وجواز استبدال الحجر بغيره من باب ~~السعة والسهولة، ووجوب الاقتصار على شيء واحد مثل باب المضايقة واعتبار ~~العزائم بالرخص فيما يرجع إلى السعة والمضايقة اعتبار باطل. PageV01P050 # وأما تخريج فصل الاستنجاء على الطريقة التي اعتمدناها هو أن التخفيف أمر ~~حسي لم يبن على استعمال طهور، فإذا وجد بأي آلة حصل التخفيف. # فأما الطهارة في مسألتنا مبنية على استعمال الطهور، وقد بينا أن الطهور ~~هو الماء لا غير لأنه معنى ثابت شرعا لا لمعنى، فاتبعانا موضع الشرع على ما ~~سبق. وقد أجاب المشايخ: وقالوا إنما جاز العدول من الحجر إلى غيره في ~~الاستنجاء بالنص فإنه روى في بعض الروايات: ((ثلاث أعواد، وثلاث حثيات من ~~تراب وثلاث مسحات)). # وعندي: إن الاعتماد على التخريج الذي قلنا، لأن هذا الخبر فيه نظر. # وأيضا فإنه لا يشتمل على جميع ما يستنجى به. # وأما فصل الدن والدباغ فيخرج على ما قلنا، لأنه ليس طهارة الجلد والدن ~~باستعمال ms007 طهور، إنما هو في الخمر بانقلابها خلا، وفي الجلد بطيبه وزوال ~~النجاسة عنه. فلم يكن المثال نظير مسألتنا بوجه ما فسقط إلحاقه به. # * * * PageV01P051 ### || AUTO (مسألة) # لا يجوز التوضئ بالماء الذي تغير أحد أوصافه بمخالطة شيء إياه، وإن كان ~~المخالط طاهرا # . # وعندهم يجوز إذا لم يكن غالبا عليه. # وموضع الخلاف إذا تغير بالزعفران أو العصفر وما يشبه ذلك. # وقد قال بعض أصحابنا: إنه إنما لا يجوز إذا تفاحش/ التغير، فأما إذا كان ~~التغير يسيرا فإنه يجوز. # وقد قال بعض أصحابهم مثل ذلك. # فعلى هذا لا خلاف، وقد ذكر المتقدمون المسألة على الاختلاف الذي ذكرناه ~~وأطلقوها إطلاقا من غير تقييد وتفصيل فنتكلم عن ذلك فنقول: PageV01P052 # الوضوء شرع ورد إقامته بالماء المطلق في الكتاب والسنة فإذا أقامه لا ~~بالماء المطلق لم يجز. لأن المقيد غير المطلق، وهذا لأنه إذا كان غيره ~~فالدليل الوارد في أحدهما لا يكون واردا في الآخر وإنما قلنا: إن هذا الماء ~~ليس بماء مطلق الاسم والمعنى. أما من حيث الاسم فلأنه يقال له ((ماء ~~الزعفران)) فيقيد اسمه بالزعفران ولا يطلق إطلاقا. # وأما من حيث المعنى فلأنه يقصد ويطلب لخلطه لا لعينه وهذا مخيل جدا لأنه ~~إذا طلب ماء الزعفران فصار هو المقصود، وكان الماء الذي هو محله كالتابع ~~له، وصار هذا كماء الورد والمرق، فإنه لما طلب لرائحته صار المقصود، والمرق ~~لما طلب لدسمه كان هو المقصود أيضا، كذلك هاهنا. # وأما حجتهم: # قالوا: لم يوجد إلا مجرد التغير، وتغير الماء لا يسلب وصف الطهورية منه- ~~كما لو تغير بطول المكث، وكما لو تغير بالطين أو الطحالب أو الورق. # قالوا: وبهذا نعترض على قولكم: إنه ليس بماء مطلق، لأنه مجرد التغير لا ~~يزيل اسم الماء على الإطلاق بدليل ما قدمنا. # وأما قولكم: ((إنه يقال ماء الزعفران)) فمعناه الماء الذي وقع فيه ~~الزعفران وعلى أنه كما يقال: ماء الزعفران يقال: ماء الكبريت وماء البير ~~وماء البحر فتقيد بهذه الأشياء ومع ذلك يجوز التوضئ به. # وقولكم: ((إنه يقصد لخلطه)) فيرد عليه ماء الكبريت، ms008 والماء المسخن فإنه ~~يطلب لصفته لا لذاته ومع ذلك كان بمنزلة سائر المياه. PageV01P053 # قالوا: وأما ماء الورد والمرق فليس بماء بل هو طيب، وطعام سنة أنه تعمل ~~النار فيه استجد اسما آخر. # فدل أن الاسم الأول فات منه بخلاف مسألتنا، فإنه مستبق على الاسم الأول ~~غير أنه تقيد بالزعفران ليدل على الواقع فيه، والمخالط إياه مثل ما قدمنا. # وقال بعضهم: لو كان تغيره بالواقع فيه يمنع جواز الوضوء لكان نفس الوقوع ~~مانعا أيضا، كالواقع النجس. # الجواب: # أما قولهم: ((لم يوجد إلا مجرد التغير)). # قلنا: عندنا نفس التغير غير مانع من التوضئ به إنما المانع زوال اسم ~~الماء على الإطلاق، ويمكن أن يقال: إن السالب للطهورية تغير مزيل لإسم ~~الماء المطلق. # وقولهم: ((إن هذا ماء مطلق)). # قلنا: كيف يصح هذا واسمه ماء الزعفران لا الماء المجرد، والمعنى المطلوب ~~منه المقصود فيه الزعفران، لا أنه الماء لذاته وعينه على ما سبق. # وقولهم: ((إنه يقال ماء الزعفران أي الماء الذي وقع فيه الزعفران)). # قلنا: فقولوا مثل هذا في ماء الورد وهو أنه الماء الذي أغلى بالورد. # وأما قولهم: ((إن هناك تجدد له اسم آخر)). # قلنا: وهاهنا إذا تفاحش التغير فتجدد له اسم آخر فيسمى المتغير بالزعفران ~~صبغا وبالزاج حبرا، وعلى أن المانع هو التقييد الذي قلناه. PageV01P054 # وقد ذهب الاسم المطلق منه وعرض التقييد، وأما ماء الكبريت وماء الآبار ~~والبحار فهو إضافة له إلى مواضعه، وهذا لا يوجب زوال اسم الماء المطلق منه. # وأما المسخن والأجاج والكدر والعذب فهذه الأشياء صفات الماء المطلق مثل ~~الحسن والقبح والبياض والسواد صفات الآدمي المطلق. # ألا ترى أن الماء في الأصل منوع إلى هذه الأنواع ويوجد على هذه الصفات ~~بخلاف الصفة التي تنازعنا فيها. # وأما التراب والطحلب والورق فهذه الأشياء لا يمكن صون الماء منها على ما ~~عرف فأعرض عن التغير الحاصل بها، أو يقال: يعفى عن التغير بها لعموم البلوى ~~مثل ما يعفى عن دم البراغيث لعموم البلوى. # وقد قيل: إن التراب ليس له مع الماء مخالطة ms009 حقيقة، ألا ترى أنه بمضي ~~الزمان ينزل إلى قراره ويصفو الماء الذي هو محله. # وقد قال الأصحاب: إن المخالط للماء على ثلاثة أصناف: # ما هو موافق له في صفتي الطهارة والطهورية كالتراب، ومخالف فيهما ~~كالنجاسة، وموافق في الطهارة مخالف في الطهورية كمواضع الخلاف في مسألتنا، ~~فالمخالف في صفتيه يسلبهما/ والموافق في صفتيه لا يسلبهما، والموافق في ~~إحدى الصفتين دون الأخرى يسلب الصفة المخالفة دون الموافقة والاعتماد على ~~ما سبق. PageV01P055 # وقولهم: ((إن بنفس الوقوع لا يزول الطهورية)). # قلنا: لأنه لا يزيل اسم الماء المطلق بخلاف ما إذا تغير، وعلى أنه ينتقض ~~بالماء الكثير والماء الجاري فإن تغيره بالنجاسة يسلب صفة الطهورية بخلاف ~~نفس الوقوع. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P056 ### || AUTO (مسألة) # لا يجوز التوضئ بنبيذ التمر # عندنا. # وعند أبي حنيفة يجوز التوضئ به على الرواية الظاهرة. # وروى عنه أنه رجع إلى ما قلناه. # وقول أبي يوسف مثل قولنا. # لنا: # قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}. # وهذا لم يجد الماء فتيمم، وموضع الاحتجاج إذا عدم الماء ومعه نبيذ التمر. PageV01P057 # فإن قالوا: نحمل الآية على عدم الماء والنبيذ. # قلنا: نص الآية اقتضى شرط عدم الماء للنقل إلى التيمم ف حسب فمن ضم إليه ~~عدم النبيذ فقد خالف النص، ولأن عندكم يتيمم لعدم النبيذ لا لعدم الماء. ~~ألا ترى أنه إذا وجد النبيذ وعدم الماء يتوضأ بالنبيذ، ولأن الطهارة لا ~~تتأدى إلا بطهور والطهور هو الماء بنص الشارع، وقد عرف الشرع الماء، ولا ~~غير فما لا شرع فيه لا طهورية له. # وأما حجتهم: # تعلقوا بحديث ابن مسعود المعروف في الباب، قالوا: وأبو فزارة هو راشد بن ~~كيسان العبسي الزاهد، وأبو زيد هو PageV01P058 # مولى عمرو بن حريث المخزومي. # والخبر في جامع أبي عيسى، وسنن أبي داود، وغيره. # وقولكم: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي عليه السلام ليلة الجن فقد نقل علي ~~بن المديني باثني عشر طريقا كون ابن مسعود مع النبي عليه السلام. # فقد ورد كونه معه ليلة الجن في خبر الاستنجاء على ما ms010 روى أنه قال له تلك ~~الليلة: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجرين وروثة ...)) الخبر. # وهو خبر مشهور معمول به عند الفقهاء، وعلى أنا نقول إنه كان معه ليلة ~~الجن ولم يكن معه عند خطاب الجن فيكون جمعا ما روينا وبين ما تروون إنه لم ~~يكن معه. PageV01P059 # قالوا: وأما الآية التي تعلقتم فنحن نقول: إن نبيذ التمر ماء شرعا بدليل ~~قوله عليه السلام: ((ثمرة طيبة وماء طهور)) فدخل في قوله تعالى: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا ...}. # وقد ورد من طريق عكرمة عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((الوضوء ~~بنبيذ التمر وضوء من لا يجد الماء)). # ورووا مثل مذهبهم عن علي، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم. # الجواب: # إن خبر ابن مسعود كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة، وقد تضمن نسخه ~~لأنه لما نقل من الماء إلى التراب فقد رفع النقل إلى النبيذ، ولأنه نقل إلى ~~التراب من غير واسطة فيكون رفعا للواسطة. # فإن قالوا: عندكم لا تنسخ السنة بالكتاب. # قلنا: يجوز على أحد قولي الشافعي رضي الله عنه، وعلى أنه قد وردت أخبار ~~كثيرة من السنة موافقة لما في الكتاب فيكون نسخ السنة بالسنة. PageV01P060 # وقد وافق المحققون من أصحابهم مذهب الشافعي في هذه المسألة، وتركوا قول ~~أبي حنيفة، لأنهم رأوا خبر ابن مسعود زائدا على الكتاب، والزيادة عندهم ~~نسخ، ولا يجوز النسخ عندهم بخبر الواحد. # وقد قال الأصحاب: إن الذي كان مع ابن مسعود لم يكن نبيذا على الحقيقة، ~~إنما كان ماء نبذ فيه التمر لتزول ملوحة الماء، ليمكن شربه، فإن عامة مياه ~~العرب كان الغالب عليها الملوحة، فكانوا ينبذون فيها التمر لتزول ملوحتها ~~بدليل قوله عليه السلام: ((ثمرة طيبة وماء طهور)). PageV01P061 # وأما تسمية ابن مسعود إياه نبيذا كان على طريق المجاز لا على طريق ~~الحقيقة. # وعن أبي العالية: ((أتظنونه نبيذكم؟ إنه كان معه ماء نبذ فيه تميرات)). # وهذا جواب حسن، لكن الجواب الأول أحسن. # وأما قولكم: إنه ماء شرعا. # قلنا: هذا جدل. # وأما قوله عليه السلام ((وماء طهور))، فإن ms011 ثبت أن ابن مسعود كان معه ~~النبيذ، فإنما سماه ماء إخبارا عن أصله، لأنه ماء كما سماه تمرا إخبارا عن ~~أصله لا أنه تمر. # وأما الخبر الثاني: # فهو عن عكرمة كذلك قاله الدارقطني، والإسناد إلى النبي عليه السلام وهم/ ~~فيه المسيب بن واضح، والآثار لا يعرف صحة شيء منها، وعلى الجملة لا يجوز ~~الاعتراض على الكتاب بمثل هذا. PageV01P062 # وقد رووا عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا لم يجد ~~أحدكم الماء ووجد نبيذا فليتوضأ به)). # وعن ابن عباس قال: ((النبيذ وضوء من لم يجد ماء)). # وعن علي رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ. # قلنا: أما الخبر الأول رواه مجاعة عن أبان بن أبي عيش عن عكرمة عن ابن ~~عباس، وأبان متروك، ومجاعة ضعيف. # وأما أثر ابن عباس رواه عبد الله بن محرر عن قتادة عن ابن عباس وعبد الله ~~بن محرر متروك. # وأما أثر علي قال الشعبي: الحارث كذاب. والله أعلم. # * * * PageV01P063 ### || AUTO (مسألة) # لا يجوز التوضئ والغسل من الجنابة والحيض إلا بالنية # . # وعندهم يجوز من غير نية. # لنا: # إن الوضوء طهارة شرعية فيتبع فيها مورد الشرع، والشرع ورد بالوضوء للصلاة ~~بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم ...} الآية، والمعنى: فاغسلوا هذه الأعضاء للصلاة مثل قول القائل: ~~((إذا جاء الشتا فتأهب)) أي فتأهب للشتاء، و ((إذا لقيت الأسد فاحذر)) أي ~~فاحذر من الأسد، والوضوء للصلاة هو النية التي وقع الخلاف فيها، فإذا توضأ ~~لتعليم الغير أو للتنظيف أو اغتسل للتبرد فلم توجد الطهارة الشرعية، ~~والطهارة بغير طهارة لا تجوز، ونظير PageV01P064 # هذا التيمم، فإن التيمم لما كانت طهارة شرعية والشرع أمر به للصلاة لم ~~يكن طهارة في غير مورد الشرع كذلك هاهنا. # فإن قالوا: عندكم لو توضأ لا للصلاة لكن لمس المصحف أو سجود التلاوة يجوز وضوءه. # قلنا: الأصل هو الوضوء للصلاة إلا أن النية ما لا يستباح شرعا إلا ~~بالوضوء ألحق بالصلاة من حيث المعنى وحصلت الطهارة ms012 الشرعية بها، وذلك لمعنى ~~وهو إنه نوى بوضوءه ما لا يستباح شرعا إلا به فصار كما لو نوى الصلاة، ~~وإنما قلنا إن الوضوء طهارة شرعية لأنه لا تعرف طهارة الأعضاء الأربعة عن ~~الحدث باستعمال الماء إلا شرعا، يبينه أن عمل الحدث في الأعضاء لما كان محض ~~شرع فكذلك رفعه، وتحصيل الطهارة في محله يكون محض شرع. # وقد قال الأصحاب في هذه المسألة: إن الوضوء عبادة فلا يتأدى إلا بالنية ~~لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}. # والإخلاص عمل القلب وذلك بالنية. # واستدلوا على أنه عبادة بقوله عليه السلام: ((الوضوء شطر الإيمان)). PageV01P065 # فإذا كان الإيمان عبادة فشطره عبادة، لأن النبي عليه السلام قال: ((أمتي ~~غر محجلون من آثار الوضوء))، وأثر العبادة يبقى إلى الآخرة، فأما أثر غيرها ~~فلا، والخبران صحيحان، ولأن العبادة فعل يأتي به العبد على جهة التقرب إلى ~~الله تعالى بأمره لثواب الآخرة، وهذا الحد موجود في الوضوء، وإذا ثبت أنه ~~عبادة لم يتصور بغير نية، لأن النية شريطة العبادات فلا يحصل بدون شرطها، ~~وهذه الطريقة وإن كانت حسنة لكن الأولى أحسن وأدل على حقيقة المسألة، وهي ~~داخلة في الطريقة الأولى معنى على ما يتبين من الجواب عن كلامهم. # وأما حجتهم: # تعلقوا بالآية، وزعموا أن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء الأربعة فلا يجب ~~شيء سوى الغسل. # يدل عليه أن شرط النية زيادة على الغسل لا يدل عليه ذكر الغسل فيكونه ~~زيادة على النص الوارد في الكتاب، والزيادة على النص نسخ، لأنه يتضمن تغيير ~~حكمه وبيان التغيير في مسألتنا أن نص الآية اقتضى إطلاق الصلاة عند غسل ~~الأعضاء الأربعة، فإن تقدير الآية: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وصلوا، كما يقال: إذا دخلت على الأمر تلبس وتطيب، أي افعل ذلك وادخل عليه. # وعند شرط النية يتغير هذه الحكم لأنه لا يطلق له الصلاة لما لم ينو. PageV01P066 # وهذا أمر وراء الغسل الذي ورد به نص الكتاب فيكون إثباتا بتغير حكم ~~الكتاب على ما سبق. # وأما من حيث المعنى ms013 قالوا: الطهارة شرط الصلاة، والوضوء وجب بحصول ~~الطهارة وقد حصلت الطهارة/ وإن لم ينو فسقط عنه الأمر بالوضوء كما لو توضأ ~~مرة سقط عنه فعله مرة أخرى. # والدليل على حصول الطهارة وإن لم ينو أن الله تعالى خلق الماء طهورا كما ~~قال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} أي خلقنا. # والطهور اسم لما يحصل به الطهارة كالقطوع اسم لم يحصل به القطع فإذا ~~استعمله في الأعضاء طهرها، لأنه عمل له بذاته وعينه ولا يتبدل ذلك لقصد ~~المستعمل وعدم قصده، وصار هذا نظير إزالة النجاسة فإن استعمال الماء في ~~المحل النجس أوجب تطهير المحل سواء قصده أو لم يقصده. # ونظيره من الحسيات الماء المروي إذا شربه الإنسان روى بذاته لا بقصد ~~الشارب والطعام المشبع إذا أكله حصل الشبع بذاته لا بقصده قالوا: فإن قلتم ~~هذا الكلام صحيح في الحسيات، فأما في الحكميات فلا، والطهارة في مسألتنا ~~طهارة حكمية لا حسية. # فنقول: إن طهارة المحل باستعمال الطهور في محل النجاسة أمر حقيقي بحصول ~~الري بشرب الماء. # فإن قلتم: ((لا نجاسة في أعضاء الوضوء)). PageV01P067 # نقول: هي في حكم النجس إلا أن النجاسة عرفت شرعا، فإن النجاسة في حق ~~الصلاة ما يمنع من الصلاة، وإذا كانت الأعضاء نجسة حكما فما يرجع إلى ~~الصلاة صار الزوال إلى الطهارة باستعمال الطهور عملا لذات الماء وحكما له ~~خلقة وطبعا. # قالوا: وإنما لم يجز الوضوء بغير الماء (لأن الخل طهور لا لعينه، فإن ~~الله تعالى لم يخلقه طهورا بل هو طهور لمعناه، وهو إزالة عين النجاسة ولم ~~يثبت ذلك في أعضاء المحدث)، فلم يكن طهورا في حقه لهذا المعنى. # قالوا: وعلى هذا نسلم أن الوضوء عبادة لكن ليست مقصودة لعينها بل المقصود ~~منه التمكن من الصلاة لحصول الطهارة فإذا حصلت الطهارة بأي وجه كان سقط، ~~كالسعي إلى الجمعة يسقط بسعي لا للجمعة، بأن يكون لطلب غريم أو لقاء إنسان، ~~لأن المقصود منه التمكن من الجمعة بالحصول في المسجد فعلى أي وجه حصل سقط ~~الأمر، كذلك هاهنا. # وحرفهم في هذا ms014 أن العبادة متى لم تكن مقصودة سقط بحصول المقصود دون ~~العبادة كالسعي إلى الجمعة والجهاد وغير ذلك. # قالوا: ((وإذا عرفت هذا ظهر الفرق بين الوضوء والتيمم، فإن التراب ما خلق ~~طهورا ليطهر أعضاء المحدث بطبعه، وكان القياس أن لا يحصل بالتراب الطهارة ~~وإن نوى إلا أن الشرع جعل التراب طهورا للصلاة إذا عدم الماء فما لم يرد ~~الصلاة عند المسح لا يكون التراب طهورا، كما لم يعدم الماء، وإذا لم يصر ~~طهورا لم يفد استعماله طهارة، وإذا أراد الصلاة فالآن صار التراب طهورا ثم ~~الطهارة تحصل باستعماله بغير نية الطهارة، PageV01P068 # فصارت الطهارتان غير معتبرتين في حق النية بل الماء والتراب افترقا في ~~صفة الطهورية فالماء طهور بنفسه، والتراب طهور بشرط إرادة الصلاة)). # قالوا: وأما تعلقكم بالآية فلا معنى له، لأن الآية قوله تعالى: {فاغسلوا} ~~أي فاغسلوا لتحصل لكم الطهارة وتتمكنوا من أداء الصلاة وقد حصلت الطهارة ~~الممكنة من أداء الصلاة وإن لم يتوضأ للصلاة فهذا مجموع كلامهم تحقيقا ~~ذكرناه على الاختصار. # الجواب: # أما التعلق بالآية فقد بينا أنها دليل عليهم. # وأما قولهم: ((إن الآية لا تقتضي إلا الغسل)). # قلنا: قد ذكرنا أن مقتضى الآية غسل الأعضاء للصلاة، وهذا هو معنى النية. # وأما قولهم: ((إن شرط النية زيادة على نص الكتاب، والزيادة نسخ)). # قلنا: قد ذكرنا أن بالكتاب عرفنا شرط النية، وعلى أن النسخ هو تغيير ~~الحكم، وحكم الآية غسل الأعضاء الأربعة، وليس في الآية تعرض النية لا بنفي ~~ولا بإيجاب، فإيجابها لا يكون تغييرا لحكم الآية، لأن حكم الآية على ما كان ~~من قبل، وإنما القياس دليل آخر تعرض لشيء لم يتعرض له الكتاب أصلا فلم يكن ~~تغييرا لحكم الكتاب. # وقولهم: ((إن الآية اقتضت إطلاق الصلاة بغسل الأعضاء الأربعة)). PageV01P069 # قلنا: ذلك عند عدم الدليل على وجوب شرط زائد من نية أو ترتيب أو غير ذلك، ~~فأما مع قيام الدليل على النية أو الترتيب فلا، وقد قام الدليل لنا على/ ~~النية وغير ذلك من الشرائط، وبهذا نقول: إن إيجاب طهارة البدن ms015 والثوب ~~والغسل من الحيض وغير ذلك لا يكون نسخا بل هو ضم شريطة إلى شريطة، كذلك هاهنا. # وأما المعنى الذي قالوه فضعيف جدا، لأن عمدتهم هو أن الطهارة قد حصلت ~~بدون النية ولا نسلم ذلك وهل وقع النزاع إلا في هذا. # فأما قولهم: ((إن الماء طهور بذاته وعينه)). # قلنا: هذا الأصل لا يمكن القول به في الطهارة عن النجاسة، لأنها طهارة ~~حسية والماء مطهر للمحال من حيث الحس. # فأما الطهارة عن الحدث فلا يمكن إثباتها بهذا الطريق بحال، لأنها طهارة ~~حكمية، ومعنى قولنا: ((طهارة حكمية)) أنها إثبات طهارة في محل شرعا لا يعقل ~~له معنى سوى التعبد. # والحرف إن الماء طهور حسا، والواجب طهارة حكما، فكونه طهورا حسا لا يفيد ~~الطهارة الحكمية، نعم يجوز أن يقال: يفيد الطهارة الحسية فلا جرم نقول لا ~~تعتبر النية في الطهارة عن النجاسة للمعنى الذي قالوه. فأما الطهارة ~~الحكمية فلا تثبت إلا بالشرع، لأن الأحكام لا تثبت إلا شرعا ولا تنفى إلا ~~شرعا، والشرع ورد بالوضوء للصلاة على ما سبق فلا تثبت الطهارة في غير هذا ~~الموضع، ويمكن أن يقال: إن محز الكلام في المسألة هو (إن الطهارة باستعمال ~~الماء يحكم إنه عبادة أم بنفس الماء، فعندنا باستعمال الماء يحكم إنه ~~عبادة، وعندكم بنفس الماء وطبعه، فنقول ما قلناه أولا، لأنه لا نجاسة ~~بالأعضاء حتى يزيلها الماء بطبعه) PageV01P070 # فكان ثبوت الطهارة لإقامته عبادة باستعمال الماء وإقامته العبادة ~~باستعمال الماء هو نيته وإرادته فإذا لم توجد لم يكن عبادة، وإذا لم يكن ~~عبادة لم تحصل الطهارة. # وقولهم: إن ((أعضاء المحدث نجسة حكما)). # قلنا: ((إنه مانع من الصلاة)). # قلنا: بلى ولكن من حيث الحدث لا من حيث النجس، والمانع من الصلاة يكونه ~~من وجهين: حدثا تارة، ونجاسة أخرى، والطهارة من كل واحد غير الطهارة من ~~الآخر، والدليل على المغاير بين الحدث وبين النجاسة أن قليل النجاسة معفو ~~عنها ولا يعفى عن قليل الحدث، ولأن المسح يدخل في طهارة الحدث ولا مدخل له ~~في طهارة النجاسة بحال. ms016 # وأما السعي إلى الجمعة فمعنى حسي فإذا حصل في مكان الجمعة سقط السعي عنه، ~~لأنه لا معنى في إيجاب السعي إلى الجمعة عليه وهو حاضر في مكانها وعند ~~إقامتها. وأما في مسألتنا فقد بينا أن الطهارة حكمية فلا تثبت إلا بدليل ~~الشرع وقد انتفى طريق الشرع عند عدم النية فانتفت الطهارة. # وفي المسألة كلام كثير للمشايخ تركناه واقتصرنا على هذا. # وخرج بعض أصحابنا إزالة النجاسة على قولنا: إن الوضوء عبادة. # وقال: إن إزالة النجاسة إنما هو تنزه وتنظف وذلك محض مرؤة. # وربما يقولون: طريقها طريق التروك، لا طريق العبادات، ويدخل عليه الصوم، ~~والاعتماد على ما سبق من التخريج، والله أعلم. # * * * PageV01P071 ### || AUTO (مسألة) # الترتيب واجب في الوضوء # عندنا. # وعندهم ليس بواجب. # لنا: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~...} ... الآية. وقوله: {إذا قمتم} شرط، وقوله: {فاغسلوا} في موضع الجزاء ~~ولا يجوز إدخال فاصل بين الشرط والجزاء، وعندكم إذا قدم غسل اليدين على ~~الوجه يجوز، وفيه إدخال فاصل فيكون خلاف الآية، يدل عليه أنه تعالى أدخل ~~المسموح- وهو الرأس- في خلال المغسولات، والعرب لا تخرج في الكلام من جنس ~~إلى جنس حتى .... الجنس الأول لا تقول: اضرب زيدا وأكرم جعفرا واضرب عمرا، ~~ولكن تقول: اضرب زيدا PageV01P072 # وعمرا وأكرم جعفرا، فلما خرج من الغسل إلى المسح ثم عاد إلى ذكر الغسل في ~~الرجل علمنا أن ذلك لوجوب الترتيب. # وأما حجتهم: # احتجوا من الآية قالوا: إن الواو للعطف وقد أمر الله تعالى بأفعال عند ~~القيام للصلاة (وعطف بعضها على بعض بالواو العاطفة موجب الواو في اللغة ~~شركة المعطوف عليه في خبره شركة مطلقة غير مقيدة بصفة الترتيب أو/ القرآن ~~أو التفريق فإنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو، كنت مخبرا عن مجيئهما مطلقا) غير ~~مقيد بصفة مما ذكرناه وصار حقيقة الكلام الخبر عن مجيئهما فحسب (بلا إخبار ~~عن كيفيته، كذلك في مسألتنا كان مقتضى الآية وجوب غسل هذه الأعضاء بلا ~~كيفية فالتقييد بوصف يكون زيادة على كتاب الله وذلك يجرى مجرى النسخ. ms017 # والدليل على أن الواو لا تقتضى) إلا ما ذكرنا أنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو ~~يحسن السؤال من السامع عن كيفية المجيء من ترتيب أو مقارنة، ولو كان يقتضى ~~كيفية بلفظه لم يحسن السؤال عنهما، كما لا يحسن السؤال عن أصل المجيء بعد ~~خبره عن المجيء، وهذا لأن (الحروف لم توضع في الأصل إلا لفائدة جديدة ~~كالأساسي فللقرآن كلمة ((مع))، وللترتيب بلا فصل كلمة ((الفاء))، وللترتيب ~~المتراخي كلمة ((ثم))، فلا تحمل الواو على فائدة من حروف آخر إذا أمكن ~~حملها على فائدة جديدة، وقد أمكن، وهو إيجاب أصل الشركة بين المعطوف ~~والمعطوف عليه في الخبر بلا صفة ليكون سائر الكلمات لبيان أوصاف الشركة ~~فتجرى الواو منها مجرى اسم الذات من الأوصاف وإذا كان كذلك)، بطل قول من ~~قال من أصحابهم: PageV01P073 # إن الواو تحتمل الجمع والترتيب والقرآن، فيصير ذلك بمنزلة المجمل فيتعرف ~~بيانه بالسنة وقد توضأ النبي عليه السلام مرتبا، لأن الواو إذا كان للفائدة ~~التي قلناها وسائر الحروف للفوائد الآخر على ما سبق، لم يكن اللفظ مجملا بل ~~كان ظاهرا في معناه الموضوع له. # قالوا: وقولكم: (إن الله تعالى جعل غسل الوجه جزاء الشرط فليس كذلك، لأن ~~الجمل إذا عطف بعضه على بعض تصير جملة واحدة ولا تحصل مفصلة لقرب بعضها من ~~الشرط وبعد الآخر. # ألا ترى أن من قال لغلامه: إذا جاء الغد فاشتر لي بدرهم لحما وبدرهم خبزا ~~وأعتق عبدي، فجاء الغد واشترى الخبر قبل اللحم أو أعتق العبد قبل كل شيء ~~أجزأه، وإنما يتعلق إطلاق الفعل بمجيء الغد لا ما دخل تحت الإطلاق، فكذلك ~~هاهنا يجب الوضوء بالقيام إلى الصلاة. # وأما الأعضاء المغسولة فلا تعلق لها بالقيام بحكم القرب فصار الجزاء ~~هاهنا هو الوضوء لا ما دخل تحت الوضوء، وصار الجزاء هناك الوكالة لا ما دخل ~~تحت الوكالة). # قالوا: وأما إدخال المسح بين المغسولات فليس يدل على الترتيب، بلى يقال ~~قد أدخل لفائدة لولاها لكان ضم المغسول إلى المغسول أولى لاجتماعهما في ~~الوظيفة وقد أدخل عندنا لفائدة ms018 وهي أن الترتيب سنة والكمال يتعلق بذلك ونحن ~~نقول به. PageV01P074 # قالوا: ولا وجه لاستعمال القياس في المسألة، لأن الوضوء عبادة وشروط ~~العبادات وأركانها لا تثبت قياسا، ولا تنفي قياسا كأعداد الركعات ومقادير ~~الزكوات والكفارات وغيرها، ولكننا نتكلم من حيث التأصيل، فإن الوضوء أصل ~~ثابت بكتاب الله تعالى ومن طريق لا شبهه فيه، فلا يمكننا أن نزيد عليه ~~شيئا، ونجعله منه إلا من طريق يثبت أصله، وشرط العبادة بمنزلة ركنها فلا ~~يثبت إلا بما يثبت به ركنها. # قالوا: وإنما تخريجا لهذه المسالة على الطريقة التي ذكروها في المسألة أن ~~الماء طهور بنفسه فإذا استعمل في الأعضاء حصلت الطهارة بنفس الاستعمال سواء ~~رتب أو لم يرتب، وإذا حصلت الطهارة، والوضوء وجب لتحصيل الطهارة فلا يبقى ~~إلا من بعد حصولها. # الجواب: # أما التعليق بالآية بالوجه الذي قلنا فصحيح، وذلك لأن الله تعالى علق غسل ~~الوجه بالقيام إلى الصلاة بكلمة ((الفاء)) فتمنع تخلل فاصل بينهما من غسل ~~عضو آخر، كما لو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر. وقولهم على هذا أن ~~الجمع بمنزلة الجملة الواحدة، والتعليق بالقيام في أصل الوضوء لا فيما ~~يشتمل عليه الوضوء، ولنا: جعل الجمل بمنزلة الجملة الواحدة لابد فيها من ~~دليل قطعي. # وأما قولهم: إنما يتعلق بالقيام ما علقه الشرع بالقيام، وقد علق به غسل ~~الوجه فيتعلق به تعلق الجزاء بالشرط/ فبطل إدخال الفاصل من غسل عضو آخر. PageV01P075 # وأما الذي تعلقنا به من الاستدلال بإدخال الممسوح بين المغسولات فاستدلال ~~صحيح على ما سبق بيانه. # وقولهم على ((هذا إنه لبيان فائدة السنة)). # قلنا: الآية في الوضوء وردت لبيان الواجب لا لبيان السنة فلا يجوز صرف ما ~~دل عليه الآية ما لم يرد به الآية. # وأما الذي تكلموا على أن ((الواو)) ليس للترتيب. # فاعلم أن كثيرا من أصحابنا زعم أن الواو للترتيب، ونحن لا ندعي ذلك ولا ~~دليل عليه من حيث اللغة، ولكن استدلالنا بالآية على الوجه الذي قلناه ~~استدلال حسن. # وقد استدل الأصحاب في المسألة بقوله عليه السلام: ((نبدأ بما ms019 بدأ الله ~~به))، وربما رووا قولا عن النبي عليه السلام: ((ابدؤا بما بدأ الله به)). # وفي القول نظر، أما الأول فمشهور، وهو وإن ورد في البداية بالصفا على ~~المروة لكن العبرة بعموم اللفظ. PageV01P076 # وقد قال المخالف: ((نحن نقول بالخبر فإنا نبدأ بما بدأ الله به سنة)). # ونحن نقول إن الأمر على الوجوب هذا في قوله: ((ابدؤا بما بدأ الله به)). # وأما الذي رووا: ((نبدأ بما بدأ الله)) فهو أيضا في معنى الأمر، لأنه ~~عليه السلام فعل ذلك ليقتدي به فكأنه قال: اقتدوا بي، فيكون ظاهره للإيجاب. # واستدل الأصحاب بالحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: ((لا يقبل الله ~~صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ~~ثم يغسل رجليه))، والخبر الذي يروون من رواية الربيع بنت معوذ أن النبي ~~عليه السلام ((مسح برأسه بعد غسل رجليه)) فلا يثبتها أصحاب الحديث والرجوع ~~إليهم في هذه الصيغة. # والأولى أن يعتمد في المسألة فيقال: الوضوء عبادة غير معقول المعنى ~~وطريقها الإتباع المحض، وقد ورد الكتاب والسنة بالوضوء لنلتزمه حدا وفعلا ~~فوجب أن يلتزم على ما ورد، ولم يرد الشرع بالوضوء إلا مرتبا وهو المنقول عن ~~صاحب الشرع فنلتزم على ما نقل، ولا نحكم عليه المعقول والقياس بوجه ما، وهو ~~كالركعات في الصلاة وورودها على ترتيب مخصوص فإنه يلتزم على ما ورد من غير ~~أن يحكم عليه قياس ومعقول كذلك هاهنا. PageV01P077 # وقد تعلق المخالف بتقديم الشمال على اليمين وبتقديم الرجل في غسل الجنابة ~~على الرأس. # الجواب: # إن اليمين والشمال في الوضوء كعوض واحد. ألا ترى أنهما في الكتاب بلفظ ~~واحد، وكذا في الرجلين، ولأن الوضوء بالإجماع مشتمل على أربعة أعضاء لا على ستة. # فإن قالوا: أليس يجوز نقل الماء من أحد اليدين إلى الأخرى؟. # قلنا: إنما كان كذلك، لأنه إذا انفصل من إحدى اليدين فقد صار مستعملا ~~واستعمال الماء المستعمل لا يجوز. # وأما الغسل من الجنابة فإنما لم يجب فيه الترتيب، لأن جميع البدن فيه ~~بمنزلة العضو الواحد. # فإن ms020 قالوا: ما تقولون فيما لو كان عليه الوضوء فاغتسل بدل الوضوء وبدأ ~~بغسل الرجل. # قلنا: يجوز أن يقال لا يجوز، وإن قلنا بالجواز فلأنه إذا اغتسل بدل ~~الوضوء صار الحكم للغسل. # فإن قالوا: ما قولكم فيما إذا انغمس المحدث في الماء غمسة؟. # قلنا: لا يجوز ما لم يمكث مكثة حتى تترتب الأعضاء والله أعلم. # * * * PageV01P078 ### || AUTO (مسألة) # الثلاث سنة في مسح الرأس # عندنا. # وعندهم السنة أن يمسح برأسه مرة واحدة بماء واحد. # لنا: # حديث أبي بن كعب أن النبي عليه السلام توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء من ~~يعطيه الله كفلين من الأجر))، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: ((هذا وضوئي ~~ووضوء الأنبياء قبلي)). PageV01P079 # وقوله: ((توضأ)) ينصرف إلى المسح والغسل فكذلك قوله: ((مرتين مرتين، ~~وثلاثا ثلاثا)) ينصرف إليهما. # وروى مثله ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من توضأ فمضمض ~~ثلاثا واستنثر ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا ومسح برأسه ~~ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا غفر الله له ما بين الوضوئين)). # وأما من قال: إنه يمسح مرة واحدة أفتوا بحديث عثمان رضي الله عنه أنه ~~توضأ ومسح برأسه مرة، وقال: هكذا توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك توضأ علي رضي الله عنه ومسح برأسه مرة، وقال: ((من/ سره أن ينظر ~~على وضوء رسول الله فهذا وضوءه)). PageV01P080 # قالوا: وقد ثبت أن النبي عليه السلام توضأ ومسح برأسه مرة وهو مذكور في ~~الصحيحين. # ورواه معاذ، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمرو، وجماعة. # فالرسول عليه السلام قدوة فيتبع في فعله ولا يعدل عنه. # الجواب: # إن الروايات عن عثمان وعلي متعارضة. # روى حمران وغيره عن عثمان أنه مسح ثلاثا. # وكذلك رواه عبد خير عن علي، وعلى أن نهاية ما في الباب ثبوت ما قالوا عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أن الزائد من الروايات أولى. PageV01P081 # وقد روي أنه عليه السلام: ((توضأ فغسل وجهه ثلاثا، وغسل اليدين مرتين ~~مرتين)). وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى، فالمعتمد هو التعليق ms021 ~~بالمغسول من الأعضاء، وهو قياس صحيح شبها ومعنى. # أما الشبه: فلأن كل واحد أصل بنفسه في الوضوء، لأن المسح أحد قسمي الوضوء ~~كالغسل أحد قسميه. # وأما المعنى: فلأن الوضوء طهارة حكمية، والغسل والمسح واحد في الطهارة ~~الحكمية إلا أن الغسل له زيادة على المسح من حيث الحس، فأما من حيث الحكم ~~فهما واحد، وقد شرع التكرار في أحدهما لتكميله، وليشرع في الآخر على ما شرع ~~في قرينه، وذلك لتحصل زيادة في الطهارة بمثل فعل الأول في محل الأول، يبينه ~~أن الطهارة تكون بمطهر فلابد من تجديد مطهر ليزداد الطهارة، وذلك يكون بماء ~~جديد بفعل جديد مثل الغسل سواء. وهذا معنى في غاية الوضوح فليعتمد عليه. # أما حجتهم: # من حيث المعنى قالوا: طهارة مسح فلا يسن فيها التكرار كالمسح على الخف ~~والتيمم، وفقه ذلك وهو إنه لما كان طهارة مسح فقد بنى على الخفة فإذا خف ~~ماء حتى اكتفى فيه بالبلل دون الماء السيال، وخف محلا حتى اكتفى فيه ببعض ~~المحل، فوجب أن يخف فعلا حتى يكتفي فيه بالمرة الواحدة. # قالوا: وليس كالاستنجاء، لأنه في الأصل طهارة غسل، وإنما يجوز PageV01P082 # فيه التمسح بالأحجار رخصة، ألا ترى أنه لو غسل بالماء يكون أفضل بخلاف ~~مسألتنا. # ولهذا يكره العدول في الرأس من المسح إلى الغسل، وإذا كان الأصل هناك هو ~~الغسل، والمبالغة بالتكرار في الغسل مشروع، لأنه مبني على الاستقصاء، ~~والتكرار نوع مبالغة فيليق أن يكون مشروعا معه إلا أن الرخصة وردت في ~~استعمال الحجر مكان الماء لنوع ضرورة وحاجة فبقى التكرار المشروع في أصل ~~الغسل مشروعا فيه بخلاف مسألتنا. # فإن المسح أصل في الوضوء بني على الخفة فيوفر عليه مقتضى الخفة من كل وجه. # قالوا: وأما التكميل المشروع في الوضوء فقد حصل في المسح بالاستيعاب، لأن ~~التكميل في الغسل باستعمال طهور في محل الفرض، وقد وجد هذا المعنى في ~~مسألتنا بالاستيعاب، لأن البلة على اليد طهور. # ألا ترى كيف يستوعب به الرأس، ويجوز وقد استعمالها في محل الفرض. # لأن جميع الرأس محل ms022 الفرض فصار هذا مثل استعملها ماء جديد في الوضوء ~~ثانيا وثالثا إلا أن هناك لابد من ماء جديد ليكون طهورا، لأن الماء المنفصل ~~على العضو مستعمل، والبلة على اليد لا يحصل به الغسل فصارت البلة هاهنا ~~كالماء الجديد هناك، وصار مسح باقي الرأس هنا بمنزلة تضعيف غسل الوجه، لأن ~~الفرض يستوعب الوجه فلم يمكن تكميله بالاستيعاب فعدل إلى التضعيف. # قالوا: ومن تأمل في هذا فقد عرف أن الصورتين استويا معنى واختلفا اسما ~~ولقبا ولا عبرة بالأسامي والألقاب من ذكر تكرار وتثليث وإنما العبرة ~~بالمعاني. PageV01P083 # قالوا: ولأن الزيادة إنما تشرع إذا لم يعد بنقص على المزيد عليه، ~~والزيادة في الغسل بالتكرار لا تعود بنقص في المزيد عليه، لأن الغسل ~~والتكرار مرات فجميعه غسل، وأما في المسح فلانا إذا شرعنا فيه التكرار عاد ~~بنقص على أصله، لأن المسح إذا كرر يخرج عن كونه مسحا ويلتحق بالغسل فيصير ~~غيره، وإذا صار غيره عاد بالنقص على المزيد عليه فلم يشرع. # يبينه أن النقاوة مطلوبة/ في الغسل والتكرار يزيد في النقاوة، وأما في ~~المسح فلا يطلب إلا مجرد إيصال البلة وبالتكرار لا يزداد هذا المعنى فكأن ~~الثاني هو الأول فلا معنى لفعله واقتصر على مرة واحدة وهذا نهاية تحقيقهم. # الجواب: # أما قولهم: ((إن المسح مبني على الخفة)). # قلنا: هذا لمقابلته بالغسل، فقولوا على هذا أن الوضوء مبني على الخفة عند ~~مقابلته بالغسل فوجب أن لا يشرع فيه التكرار، فيكون التكرار مشروعا في ~~الغسل خاصة، وعلى أنه إن بنى على الخفة فقد شرعنا تكميلا لا نقاء به وهو ~~تكراره مسحا، وهذا مثل الاستيعاب عندهم، فإنه مشروع ولا يقال: إنه بنى على ~~الخفة فلا يشرع فيه الاستيعاب، ولكن قيل: قد شرع فيه الاستيعاب بالمسح فلم ~~يناف الخفة، كذلك نحن شرعنا التكرار بالمسح فلم يناف الخفة. # وأما كلامه الثاني: # قلنا: التكميل المطلوب لا يحصل بالاستيعاب، لأن التكميل المطلوب زيادة ~~طهارة على الطهارة المفروضة وإذا استوعب فالكل فرض. PageV01P084 # ولا نقول: إن بعضه فرض وبعضه نفل، وإن كان لو اقتصر ms023 على البعض جاز وهو ~~مثل ما لو أطال القيام، فإن الكل فرض، ولا يقال: إن بعضه نفل وبعضه فرض وإن ~~كان لو اقتصر على مقدار قراءة الفاتحة جاز، ويمكن أن يقال أيضا على تسليمنا ~~أن البعض فرض والبعض نفل: أن التكميل بزيادة طهارة في محل الفرض، وإذا مسح ~~بعض رأسه فالباقي ليس بمحل الفرض في هذه الطهارة، بل إن كان محل الفرض فهو ~~محل الفرض في طهارة أخرى فلم يحصل التكميل المطلوب على حد التكميل بالغسل ~~إلا بالتكرار، ويقال أيضا: إن تكميل الطهارة بزيادة الطهارة وزيادة الطهارة ~~بطهور فأين الطهور؟ # وقولهم: ((إن البلة التي على اليد طهور)). # قلنا: هو طهور في الأصل لا في التكميل. ألا ترى أن إنسانا آخر لو أخذ من ~~تلك البلة واستعمله في رأسه للمسح لا يجوز. # وأما الاستيعاب بالبلة فهو ملحق بالأصل، يبينه أن الاستيعاب تكميل محل ~~المسح فكأن الشرع سن تكميل المحل بالاستيعاب وسن تكميل المسح بالتكرار ~~ليلتحق بالغسل من كل وجه. # وأما قولهم: ((إن الزيادة على المسح بالتكرار يعود بالنقص على الأصل)). ~~فليس كذلك، لأن المسح وإن كرر مسحا مثل الغسل سواء. # ولهذا لا ينوب عن غسل الوجه، ولهذا لو حلف أن لا يغسل وجهه فمسح مرات لا ~~يحنث، وهذا لأنه تكرار شيء فلا يصير غير ذلك الشيء مثل التكرار في سائر ~~الأشياء لا يصير غيره، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P085 ### || AUTO (مسألة) # المضمضة والاستنشاق لا يجبان في الوضوء ولا في الغسل # عندنا. وعندهم يجبان في الغسل. # لنا: # إنهما عضوان باطنان فلا تتعلق بهما الجنابة. # دليلة سائر البواطن، وهذا لأن الغسل يتعلق بالظواهر لا بالبواطن ومعنى ~~قولنا: إنه باطن ((أي باطن في أصل الخلقة))، فإن الإنسان يخلق منطبق الفم، ~~وإنما يفتحه لحاجة الكلام، والأكل، وداخل الأنف باطن أيضا، لأن قصبة الأنفة ~~حائل بينه وبين الإبصار، ولهذا يقال: داخل الفم والأنف، والداخل والباطن في ~~المعنى واحد. يبينه أن الظاهر ما يظهر PageV01P086 # للأبصار والباطن ما يبطن عن الأبصار، ومعلوم قطعا أن داخل الفم والأنف ~~غير ظاهرين للأبصار. ms024 # دل أنهما باطنان، ونستدل بالوضوء فنقول: الفم والأنف عضوان مركبان في ~~الوجه، وغسل الوجه واجب بنص القرآن فلو كانا محلى وجوب الطهارة بالحدث لكان ~~أولى موضع بذلك ثم نبني عليه الغسل من الجنابة وغيره، فلما لم يجب غسلهما ~~في الوضوء علمنا أن المعنى المسقط ما ذكرناه من بطونهما، وهذا المعنى موجود ~~في الغسل فسقط فيه أيضا. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، ومعناه: طهروا أبدانكم، ~~والبدن اسم لجملة صورة لإنسان ظاهرا وباطنا فكل ما هو من البدن طاهر أو نجس ~~يجب تطهيره بإيصال الماء إليه بحاكم ظاهر الآية إلا أن يعجز عنه فيسقط ~~حينئذ بالعجز، وداخل الفم والأنف يمكن الوصول إليهما فيجب تطهيرهما/ بظاهر الآية. # وقالوا على ذلك موضع من البدن يتيسر الوصول إلى تطهيره فيلحقه حكم ~~الجنابة. دليله سائر المواضع. # قالوا: وقولكم ((باطن)) هو باطن من وجه ظاهر من وجه. ألا ترى أنه يفتح ~~فمه فيظهر داخل فمه كأنه وجه ويطبق فمه فيسقط كأنه جوف. ولأنه فيما بينه ~~وبين الظاهر ظاهر. # ألا ترى أن الصائم لو وضع شيئا في فمه لا يفطر، وفيما بينه وبين الباطن ~~باطن، ألا ترى أن الصائم لو ازدرد ريقه لم يفطر فدل أنه ظاهر من وجه باطن ~~من وجه، وأمر الطهارة يحتاط فيها فما بنى فيها على العموم PageV01P087 # والشمول تعلق به، ووجب غسله احتياطا له بخلاف الوضوء، فإنه لم يبن على ~~العموم والشمول بل إنما يتعلق بمواضع مخصوصة من بدنه فإذا كان باطنا من وجه ~~سقط عنه. # ولهذا يسقط إيصال الماء إلى باطن اللحية في الوضوء، لأنه باطن من وجه ~~ووجب في الغسل لأنه ظاهر من وجه، وكذلك داخل الخف. # وأما الوضوء واجب خاص، فإذا كان باطنا من وجه خرج عن خصوصه ولم يتعلق إلا ~~بما هو ظاهر من كل وجه. # وتعلقوا بالطهارة من النجاسة فإنها تتعلق بداخل الفم والأنف للمعنى الذي ~~بينا من عموم محلها فكذلك في مسألتنا. # قالوا: ويتبين بهذا فساد تعلقكم بكونه باطنا، فإن الطهارة من الحدث كما ms025 ~~لا تتعلق بالبواطن، كذلك الطهارة من النجاسة لا تتعلق بالبواطن، فدل أن ~~المعتبر في الطهارة التي تعم محلها كون المحل ظاهرا من وجه فحسب قالوا: ~~وأما غسل وجه الميت فإنما يسقط المضمضة والاستنشاق في حقه لعذر. # والواجبات تسقط بالأعذار، والعذر هو العجز الغالب، فإن الميت تنغلق ~~مفاتحه بالموت فيشق عليه إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه وربما يؤدي التكلف ~~لذلك إلى المثلة بالميت، ولهذا لا يسن أيضا. # وأما هاهنا لا عذر في الترك، ولهذا يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين عندكم. # قالوا: وكذلك داخل العين يسن إيصال الماء إليه. PageV01P088 # وقيل: إن من دوام على ذلك يعمى، ونقل أن ابن عمر رضي الله عنه عمى من ~~كثرة إدخال الماء في العين. # الجواب: # أما الآية قلنا: معنى الآية: فاطهروا أي فاغسلوا والاغتسال قد وجد، وإن ~~ترك المضمضة والاستنشاق، لأن الاغتسال هو فعل يسمى اغتسالا وقد فعله. فإن ~~قالوا: إذا ترك المضمضة يسمى مغتسلا أيضا، وإن كان لا يسقط الواجب عنه. # قلنا: كان ترك الاعتداد به لقيام الدليل، وعلى إنه كان المراد ما ذكروا ~~فتقديره: طهروا أبدانكم ما ظهر منها، لأن هذا التطهير يكون بالاغتسال ~~والاغتسال هو إفاضة الماء على ظاهر بدنه. # وقال النبي عليه السلام: ((أما إني أفيض على رأسي وجسدي فإذا أنا قد ~~طهرت)) وهذا كلام معتمد. # فأما قولهم: ((إنه باطن من وجه ظاهر من وجه)). # قلنا: هو باطن في أصل الخلقة على ما سبق، والمعتبر أصل الخلقة. ألا ترى ~~أن داخل اللحية باطن بكل وجه لا يظهر بحال لكن لما كان ظاهرا في الخلقة ~~تعلق به حكم الجنابة. PageV01P089 # فأما في الوضوء إنما يسقط إيصال الماء إليه إذا كانت لحيته كثيفة لأن ~~الوضوء واجب متكرر، وفي إيصال الماء إليه نوع عسر ومشقة فسقط لدفع الحرج. # وأما الجنابة تندر فلم يشق إيصال الماء إليه فاعتبر كونه ظاهرا في أصل ~~الخلقة فوجب إيصال الماء إليه، وهاهنا لا ظهور في أصل الخلقة فالتحق بسائر ~~البواطن ولم ينظر فيه إلى التيسر في الحدثين؟ # قلنا: أليس ms026 يسن إيصال الماء إليهما في الحدثين؟ # قلنا: إنما يسقط الوجوب لأنهما باطنان في أصل الخلقة، ولما كانا يظهران ~~للأبصار في بعض الأحوال يسن إيصال الماء إليهما فأخذ في صفة الواجبية بأغلب ~~المعنيين وأرجحهما، وأخذ في صفة السنة التي أدنى الرتبتين بأدنى المعنيين ~~وأضعفهما .... ولا انفصال لهم عن الوضوء بما ذكروه من خصوصه وعموم الغسل ~~لأنه وإن كان خاصا فهو عام في جميع الوجه وهذا من أجزاء الوجه ويدخل/ على ~~العموم الذي اعتمدوا عليه، فصل غسل الميت والذي اعتذروا به ضعيف، لأنه ~~ينافي أن يجب بقدر الممكن أو يجب في داخل الأنف، لأنه لا مشقة في إيصال ~~الماء إليه، وأما فصل الطهارة من النجاسة وعلم أن الكلام إذا رجع إلى ~~الاعتبار والتعلق بالمثال، وأولى المثالين الوضوء لتحلق به الجنابة لأنهما ~~طهارتان عن حدث. # ولأن كل واحد طهارة حكمية غير معقول المعنى، والطهارة عن النجاسة طهارة ~~حسية، والحكميات بعيد الشبه عن الحسيات، وإنما يعتبر في الحسي نفس الوصول ~~إلى موضع تصل إليه اليد بدليل أصل الفم وداخل PageV01P090 # العين فإنه إذا اكتحل بإثمد نجس يجب غسل عينه حتى لو كان بموضع آخر من ~~بدنه نجاسة، فإذا ضم إليه زاد على قدر الدرهم لا تجوز صلاته. # وكذلك المبالغة تسقط في الوضوء والجنابة ويجب غسل أصل الفم وأعلى الحلق ~~إذا أصابته نجاسة، فدل أنهما مختلفان في الاعتبار ووضع الشرع فسقط تمثيل ~~أحدهما بالآخر والله تعالى أعلم. # * * * PageV01P091 ### || AUTO (مسألة) # يجب الوضوء من الملامسة الحاصلة بين الرجال والنساء # عندنا. وعندهم لا يجب. # والمعتمد نص الكتاب وهو قوله تعالى: {أو لامستم النساء}، واللمس باليد ~~حقيقة بدليل قوله تعالى: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا}، وأراد به اللمس باليد، ويدل عليه قول الشاعر: PageV01P092 # لمست بكفي كفه أبتغى الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى # فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فبددت ما عندي # فنحن على الحقيقة حتى يقوم دليل قاطع على خلافه، وقد أيد هذا ما روى عن ~~عمر، وابن مسعود، وابن عمر ms027 إنهم ذهبوا إلى أن اللمس حدث تمسكا بحقيقة ~~الآية، وأما هم حملوا الآية على الوطء، قالوا: إن اللمس كناية عن الوطء، ~~ويروون عن ابن عباس أنه قال: إن الله حيي كريم يكنى بالحسن عن القبيح فكني ~~باللمس عن الوطء. # قالوا: وهو مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن}، و ((تماسوهن)) والمراد منه الوطء، وربما رووا ~~عن علي رضي الله عنه على ما يوافق قول ابن عباس فلأنه قرئ: {أو لامستم ~~النساء} وذلك هو الجماع حقيقة، لأن الملامسة مفاعلة يكون بين اثنين، فلا ~~يتناول اللمس الذي يقوم به واحد. # قال أبو زيد: لابد أن يحمل اللمس على الوطء لتكون الآية PageV01P093 # مشتملة على ذكر الطهارتين أعني الغسل والوضوء في حالتي وجود الماء وعدمه، ~~ولا يكون ذلك إلا إذا حمل اللمس على الوطء، وإما قلنا ذلك لأن قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}. # معناه: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين {فاغسلوا} إلى آخر الوضوء، ثم قال: ~~{{وإن كنتم جنبا فاطهروا ....} فصارت الجنابة على الإطلاق مذكورة كما صار ~~الحدث مذكورا على الإطلاق، وذلك في حال وجود الماء ثم قال: {وإن كنتم مرضي ~~أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ..}. # معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنى به عن الحدث، لأنه سبب له. # {أو لامستم النساء}، وفي القراءة الأخرى: {أو لمستم}، فكنى بذلك عن ~~الجنابة {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} فصار الحدثان مذكورين في حالتي ~~وجود الماء وعدمه. # ودلت الآية على جواز التيمم للجنب، كما يجوز للمحدث على ما هو المذهب. # وأما قولكم: إذا حملتم اللمس على اللمس باليد لم يكن الطهارة من الجنابة ~~مذكورة في الآية حال عدم الماء، بل اقتضى أن لا يجوز التيمم PageV01P094 # للجنب على ما قاله عمر وابن مسعود، لأنهما لم يجوزا التيمم للجنب حين ~~حملوا اللمس على اللمس باليد. # وأما علي وابن عباس فإنهما جوزا التيمم للجنب، وحملا اللمس على الوطء. # فدل أن كل من ms028 جوز التيمم للجنب جوز أن يحمل اللمس على الوطء. # قالوا: وقد دلت السنة على ما بينا فإن الأعمش روى عن حبيب بن إبراهيم عن ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام PageV01P095 # ((قبل بعض نسائه وصلى ولم يتوضأ))، وكذلك روى إبراهيم التيمي عن عائشة. # روى الأول أبو عيسى في جامعه، والثاني أبو داود/ في سننه. # قالوا: والقياس الجلي معنا، لأن الأصل في وجوب الطهارة أن نسند وجوبها ~~إلى نجاسة خارجة من البدن، أو سبب النجاسة في الغالب ليقام السبب مقام ~~المسبب، ولا نجاسة يظهر باللمس ولا هو سبب في الغالب لانفصال النجاسة. فإن ~~اللمس يخلو في الغالب عن انفصال شيء منه حتى لو تفاحشت المباشرة نقضت ~~الوضوء، لأنها في الغالب لا يخلو عن خروج المذي منه، وكذلك التقاء الختانين ~~لا يخلو في الغالب عن انفصال المني منه، وكذلك النوم في الحدث الخارج عنه. # قالوا: ولأن المسبب إنما يقام المسبب إذا كان في اعتبار نفس الشيء حرج ~~ظاهر مثل المشقة في السفر، واعتدال العقل عند بلوغه سن البلوغ، واعتبار ~~وجود الماء حقيقة عند ملك اليمين، فأما إذا لم يكن في اعتبار نفس الشيء ~~حرج، فإنه يعتبر نفسه ولا يقام السبب مقامه ومسألتنا من ذلك. # الجواب: # إن التمسك بحقيقة الكتاب واجب حتى يقوم دليل قاطع على الصرف عنه فنحن ~~عليه إلى أن يوجد دليل قطعي على صرفنا عنه، ولم يوجد. PageV01P096 # وقد أجمعوا على أن العدول عن حقيقة الكتاب لا يجوز بقول الواحد والاثنين ~~من الصحابة، وكذلك بالقياس. # وأما قراءة الملامسة فهو لمعنى قوله: {أو لمستم} يقال: لامس، ولمس بمعنى ~~واحد، وقد تأتي المفاعلة في الفعل من الواحد، كما يقال: سافر وسارع وطارق النعل. # وأما قوله: ((إن الحمل على الوطء يفيد جواز التيمم للجنب)). # قلنا: ومن أين قلتم إنه ينبغي أن يكون هذا الحكم مستفادا من الكتاب بل ~~نقول: هو مستفاد بالسنة وهو خبر عمار بن ياسر على ما عرف في المذهب. وعلى ~~أن في الآية تقديما وتأخيرا إذا قدرناه اقتضت ms029 جواز التيمم للجنب أيضا، مع ~~تقرير اللمس على حقيقته، ويفيد أيضا ذكر أسباب الحدث جملة بالنص ودلالته. # ووجه ذلك وهو أن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}، ~~معناه: إذا قمتم من النوم، وقد أفاد النوم وما في معناه من الجنون والإغماء ~~وغير ذلك، ثم قوله: {أو جاء أحد منكم من الغائط} مقدم في المعنى وإن كان ~~مؤخرا في التلاوة، وتقديره: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} ~~يعني من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط، وقد يتناول ذلك الغائط وما في ~~معناه من البول والمذي والريح وغيره {أو لامستم النساء} ويتناول ذلك اللمس ~~باليد وما في معناه {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} ... إلى آخر المذكور ثم قال: ~~{وإن كنتم جنبا فاطهروا} PageV01P097 # فأفادت الآية ذكر الطهارتين عند وجود الماء مع ذكر أسباب الحدث والتنبيه ~~عليها، ثم قال: {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا}، ينصرف هذا إلى الطهارتين جميعا، ~~وأفاد جواز التيمم عن الحدثين جميعا وهذا أولى مما قاله لوجوه منها: إنا ~~نقرأ اللمس على حقيقته. # ومنها: إنا نستفيد على هذا الوجه ذكر أسباب الحدث. # ومنها: أنه منقول عن زيد بن أسلم من التابعين، وابنه عبد الرحمن ابن زيد ~~وما قالوه ليس بمنقول عن أحد من السلف وهو اختراع لتسوية القرآن على ~~المذهب. ويمكن أن يقال أيضا: إنا نحمل قراءة اللمس على اللمس باليد، وقراءة ~~الملامسة على الوطء لتكون الآية أكثر فائدة، ويحصل ما قالوه من التقرير على ~~قراءة الملامسة وما قلناه على قراءة اللمس وهو جواب حسن إلا أن الأول أحسن. # وأما الحديث الذي رووه فقد قال محمد بن إسماعيل البخاري: إنه لا يصح ~~لحبيب بن أبي ثابت سماع عن عروة، ولا لإبراهيم التيمي سماع عن عائشة. PageV01P098 # وقد قال يحيى بن سعيد القطان: بلغوا عني أن هذا الحديث شبه لا شيء. # وقد أوله الأصحاب قالوا: يحتمل أنه كانت القبلة من وراء حجاب. # وأما دعواهم ms030 القياس الجلي في الباب: # فمعتمدنا نص الكتاب ولا ثبات للقياس معه جليا كان أو خفيا وعلى أنا وجدنا ~~هاهنا معنى مؤثرا، وذلك أن اللمس يجل الشهوة طبعا وشرعا سبب لخروج المذي، ~~والطهارة عبادة مبنية على الاحتياط فأقيم سبب الخارج مقام الخارج في ~~وجوبها، كما أقيم النوم مقام الحدث، لأنه ميسر لخروجه، وكذلك أقيم التقاء ~~الختانين مقام خروج المني، لأنه جالب لخروجه، وكذلك اللمس/ جالب لخروج المذي. # ويقال: إن القبلة برق الجماع ويريده فتقوم مقام الخارج في نقض الطهارة. # وأما قولهم: ((إنما يقام إذا كان السبب يؤدي إليه في الغالب)). # قلنا: الغالب لا يعتبر فيما يبني على الاحتياط بل يعتبر أصل السبب فإن ~~قليل النوم مضطجعا ينقض الوضوء، وليس بسبب لخروج الحدث في الغالب وكذلك ~~مجرد التقاء الختانين من غير معالجة من التحريك والإيلاج ليس بسبب لخروج ~~المني في الغالب، ومع ذلك يقام مقام خروج المني. # وقولهم: ((إنه ليس في اعتبار نفس العلة حرج)). PageV01P099 # قلنا: والحرج أيضا غير معتبر بدليل التقاء الختانين، فإنه لا حرج في ~~اعتبار نفس خروج المني فإنه يحس بخروجه، ومع ذلك قد نقل إلى سببه بل خرج ~~المذي عند الملامسة أخفى من خروج المني عند التقاء الختانين فثبت أن ~~المعتبر نفس وجود السبب. # قال أبو زيد: هذا غلو من الشافعي. # قلنا: ومنكم تقصير، والله الموفق والمستعان على إدراك الصواب ومنه العصمة ~~من الزلل بمنه وفضله. # * * * PageV01P100 ### || AUTO (مسألة) # مس الذكر بباطن الكف ينقض الوضوء # عندنا. # وعندهم: لا ينقض. # لنا: حديث يحيي بن سعيد القطان عن هشام بن عروة عن أبيه عن PageV01P101 # بسرة بنت صفوان أن النبي عليه السلام قال: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى ~~يتوضأ)). # وفي الباب عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة وأورى بنت أنيس، وعائشة، ~~وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله PageV01P102 # ابن عمر، ذكره أبو عيسى على هذا الوجه في جامعه ثم قال: هو حديث حسن ~~صحيح، وحكى عن أبي زرعة أنه قال: حديث أم حبيبة في الباب صحيح وهو حديث ~~العلاء بن الحارث ms031 عن مكحول عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة. # وروى الدارقطني من طريق أبي هريرة: ((من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ ~~وضوءه للصلاة)). # وفي رواية عائشة: ((ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤن)). PageV01P103 # وفي رواية: ((إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فلا يصلي حتى يتوضأ)). # وهذا اللفظ يقتضي أن يكون المس بباطن الكف، وليس لهم كلام يبالي به على ~~هذا الخبر. # والذين يقولون إن هذا خبر واحد ورد فيما يعم به البلوي فلا يقبل حتى ~~يشتهر في السلف العمل به، وليس هذا بشيء، لأن الخبر إذا ثبت فإنه يجب العمل ~~به سواء كان فيما يعم به البلوى أو لا يعم به البلوى وسواء اشتهر في السلف ~~العمل به أو لم يشتهر، وهذا لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أدى هذا ~~الشرع إلى الواحد. فالواحد من أصحابه فيؤديه إلى الناس فكل حكم أمكن التوصل ~~إلى معرفته من جهة الراوي فقد وقع تمام بيانه من النبي عليه السلام، والحكم ~~وإن كان مما يعم به البلوى، وقد رواه الواحد من أصحابه - صلى الله عليه ~~وسلم -، فالتوصل إلى معرفة ذلك من جهة ذلك الواحد ممكن فتم البيان من النبي ~~عليه السلام ولم يوصف بتقصير فاستوى في ذلك ما يعم به البلوى وما لا يعم. # لأنه وإن كانت البلوى تعم به ويحتاج إليه كافة الناس، ولكن إذا أمكن ~~الوصول إلى معرفته حصلت الكفاية، والإبلاغ التام من غير تفريط، وأم ضم ~~اشتهار عمل السلف به إليه فهو شيء ضمه أبو زيد إلى هذا الأصل وليس تحته ~~معنى، لأن العمل بخبر الواحد واجب على كل من وصل إليه الخبر فلم يعتبر عمل ~~السلف به، وكذلك به، وكذلك قال: يعتبر أن يكون PageV01P104 # الراوي فقيها. وهذا أيضا ليس بشيء، لأن الراوي إذا كان ثقة ونقل على ما ~~سمع فسواء كان فقيها أو لم يكن فقيها فقد صحت الرواية والنقل وافترض العمل به. # يبينه أن لا يعتبر في الشهادة أن يكون الشاهد فقهيا مع مبالغة الشرع في ms032 ~~شأنها وزيادة الاحتياط في بابها، فكيف يعتبر في الرواية أن يكون الراوي ~~فقيها. وقد حمل بعضهم الوضوء على غسل اليد، لأنهم كانوا يستنجون بالأحجار ~~ويعرقون فتبتل موضع الاستنجاء، وذلك البلل نجس فإذا مسه بيده فتصيب يده ~~موضع الاستنجاء فتنجس فأمر بالغسل لهذا المعنى. # وهذا المعنى أيضا باطل، لأن الوضوء المعهود، والمعروف في الشرع هو وضوء ~~الصلاة، فلا يحمل الوارد في الشرع على غيره إلا بدليل. # لأنا روينا في بعض الروايات: ((حتى يتوضأ وضوءه للصلاة))، وهذا يسقط ~~التأويل، ولأن عندهم لا يجب الغسل بمس الذكر، والذي ذكروه من العلة فلا ~~يصح، لأن إيجاب غسل اليد بالشك والتوهم لا يجوز إلا بخبر يقتضي الإيجاب. # وأما حجتهم: # تعلقوا بحديث قيس/ بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على النبي PageV01P105 # عليه السلام فجاء رجل كأنه بودي فقال: يا رسول الله، ما ترى ف مس الرجل ~~ذكره بعد ما توضأ؟ قال: ((وهل هو إلا مضغة منه- أو بضعة منه)) ذكره أبو ~~داود في سننه على هذا الوجه. # قالوا: وهذا الخبر أولى، لأنه ذكر الحكم بعلته، وما رويتم حكم بلا علة. # قالوا: والقياس معنا، لأنه عضو منه كسائر أعضائه، ولأن مسه لفخذه لا ينقض ~~الوضوء، وهو عورة فبغير العورة أولى، ولأنه لو مس الفرج بالفرج لم ينتقض ~~وهو أفحش فباليد أحرى أن لا ينتقض. وكذلك لو مس ذكر غيره لم ينتقض عندكم ~~وهو الممسوس وهو أولى من نقض وضوء الماس لأن اللذة وهيجان الشهوة إنما يحصل ~~للممسوس ذكره لا للماس # الجواب: # إن أئمة الحديث قد قالوا: إن أصح شيء في الباب حديث بسرة بنت PageV01P106 # صفوان، قالوا: ذكره الساجي، والبخاري، وابن خزيمة وحكى ذلك عن أبي حاتم، ~~وأبي زرعة، والأخذ بالأصح أولى، والأولى أن يقال إن خبرنا متأخر وخبرهم ~~متقدم، لأن طلق بن علي قدم على النبي عليه السلام وهو إذ ذاك يبني مسجد ~~المدينة في أول زمن الهجرة. # وأما خبرنا فقد رواه أبو هريرة وهو متأخر الإسلام وأسلم سنة سبع من ~~الهجرة. # وإنما يؤخذ بآخر الأمرين من النبي ms033 عليه السلام، وأول الأصحاب خبر طلق ~~فقالوا: أراد به المس ودونه حائل. # واستدلوا على ذلك برواية الثوري، وشعبة، وابن عيينة PageV01P107 # أنه سأل عن مسه في الصلاة، والمصلي لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه ~~وهذا التأويل ضعيف بالتعليل الذي أشار غليه النبي عليه السلام، فالأولى ما سبق. # وأما القياس الذي قالوه فلا يقبل مع النص الوارد في الباب، وعلى أنا نقول ~~إن مس الفرج بآلة المس سبب لخروج المذي فينقض الوضوء احتياطا كما ينتقض ~~الوضوء بالتقاء الختانين، وقد ذكرنا سؤالهم هذا، والجواب عنه في المسألة ~~المتقدمة. # وأما إذا مس بالفخذ فلم يقع المس بآلة المس، وكذلك في مس الذكر بالذكر، ~~والمعتمد السنة. # * * * PageV01P108 ### || AUTO (مسألة) # لا يجب الوضوء بالخارج من غير السبيلين # عندنا. # وعندهم: يجب. # لنا: # ما روى حميد الطويل عن أنس ((أن النبي عليه السلام احتجم وصلى ولم يتوضأ ~~ولم يزد على غسل محاجمه)) وهذا نص. PageV01P109 # وأما المعنى نقول: إن الطهارة من الحدث محض تعبد، وقد علق بسبب فلا يجب ~~تغير السبب كسائر العبادات لما علقت بأسبابها لا تجب بغير تلك الأسباب. # وإنما قلنا: محض تعبد، لأن الحدث الخارج من السبيلين يوجب الوضوء في ~~الأعضاء الأربعة، والسبب إذا كان في موضع والواجب في موضع آخر لم يكن السبب ~~سببا معنويا مؤثرا في إيجابها كزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، وشهود الشهر ~~سبب لوجوب الصوم، وليس هذا بسبب معنوي في إيجابه فكان الواجب محض تعبد، ~~كذلك هاهنا لما لم يعرف معنى وجوب الوضوء في الأربعة مع وجود الحدث في ~~غيرها لم يبق الوجوب إلا حكما شرعيا بوصف التعبد المحض فلم يجب بغير السبب ~~المعهد في الشرع ولم يقبل قياس غيره عليه، وللأصحاب مسائل إلزامية على ~~أصوالهم تعلقوا بها ونذكرها في تخريجها على كلامهم، وعندي: أن الاعتماد على ~~ما ذكرناه. # أما حجتهم: # قالوا: روت عائشة أن النبي عليه السلام قال: ((من قال أو رعف أو أمذى في ~~صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم)). # وروى تميم الداري أن النبي عليه ms034 السلام قال: ((الوضوء من كل دم سائل)). PageV01P110 # قالوا: وروى زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي عليه السلام ~~قال: ((القلس حدث)). # وروى ميمون بن مهران عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((ليس في ~~القطرة والقطرتين وضوء حتى يكون دما سائلا)). # وعن سلمان أنه رعف فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أحدث لذلك ~~وضوء)) واحتجوا بالخبر المعروف أن النبي عليه السلام قاء فأفطر قال ثوبان: ~~((أنا صببت له الوضوء)). PageV01P111 # أما تعلقهم بالمعنى قالوا: الخارج نجس ينقض الوضوء، دليله كما إذا كان من ~~السبيل. # قالوا: ووجه التأثير أن الواجب هو وجوب الطهارة، فتغيرها بخروج النجس ~~المعنوي مؤثر، لأن الطهارة/ لا تجب إلا عن نجاسة في الأصل. # لأنها مشروعة لرفعها، والدليل عليه أن الله تعالى شرع الوضوء ثم قال: ~~{ولكن يريد ليطهركم} ولم يقل: ليتعبدكم، ولهذا تعلق في الأصل بالخارج من ~~السبيل لأنه مسلك النجس. # وروى عن بعض الصحابة أنه قال في مس الذكر: ((إن كان منك شيء نجس فاقطعه)) ~~أي هو طاهر، فلا يتعلق بمسه وجوب الطهارة. # وعن بعض الصحابة أيضا في رد خبر الاغتسال عن الميت: ((إن كان صاحبكم نجسا ~~فاغتسلوا منه)). # فثبت أن الأصل هو وجوب الطهارة عن النجاسة قالوا: (وأما معنى العبادة ~~التي تقولون فهو تبع، وكان القياس ألا يجب الغسل حيث PageV01P112 # لا نجاسة إلا أنها وجبت شرعا تعظيما لأمر القيام إلى الله تعالى في ~~الصلاة، وكان يجب أن يغتسل لكل حدث كما في المني. # لأن الشرط أن يقدم بنفسه طاهرا إلى الله تعالى وقد لزمه حكم النجاسة ~~بخروج النجس إلا أن الله تعالى قصر على الظواهر بالخارج المعتاد تيسيرا ~~علينا، لأنه مما يكثر فبقيت إضافة أصل الوجوب إلى أصل النجاسة على أصل ~~القياس، والزيادة احتياط لأمر العبادة تعظيما لأمر هذا القيام) وربما ~~يقولون إن الأصل وجوب الطهارة في محل النجاسة إلا أن الشرع أقام توضئة ~~الأعضاء الأربعة وتطهيرها مقام الطهارة في ذلك المحل، لأن ذلك المحل يخفي ~~في الغالب والمطلوب تعظيم ms035 القيام بين يدي الرب وذلك يكون بفعل الطهارة في ~~الأعضاء الظاهرة. قالوا: ((وأما القهقهة فعندنا إنما نقضت الوضوء بخلاف ~~القياس نصا)) وعلى أن الإثم الذي يلحقه بالقهقهة بين يدي الله تعالى في أخص ~~حالة وهو حالة الصلاة جعل في معنى النجاسة حكما إلا أن قيام الإثم مقام ~~النجاسة ما عرف إلا شرعا فلم يقم إلا في عين ما ورد به النص. # فثبت أنه لابد من صفة النجاسة، ولابد من صفة الخروج أيضا، لأنه لا يخلو ~~عن نجاسات باطنة لو كانت حدثا لم يطهر بحال، وأنه لا يمكنه تطهير الباطن عن ~~النجاسات فلا يرد التكليف به، وإذا كان لابد من خروج فالخروج هو الانتقال ~~من محل باطن إلى محل ظاهر فالخروج في غير PageV01P113 # السبيلين بالسيلان عن رأس الجرح. لأن تحت كل جلد رطوبة سيالة، وفي كل عرق ~~دم يظهر ذلك لنا وهو في محله بزوال البشرة عن جلده فلم يمكن مجرد الظهور عن ~~باطنه خروجا فإذا زال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله الذي كان باطنا فيه ~~وصار خارجا). # فأما قبل السيلان فهو في محله على ما كان، وأما في السبيلين فإن الخارج ~~قد انتقل عن معدنه، لأنه لا يظهر على المخرج إلا بالانتقال عن مضوعه، وحد ~~الخروج هو الانتقال وقد حصل فتعلق الحكم الشرعي بالخروج وعدمه إلا أن ~~الخروج من السبيلين يكون بنفس الظهور، وفي غير السبيلين يكون بالسيلان عن ~~رأس الجرح. # قالوا: وأما الدودة والحصان والولد الجاف إنما نقض الطهارة، لأن هذه ~~الأشياء لا تخلو عن قليل بلة نجسة، وقد بينا أن خروج القليل من السبيل ينقض ~~الوضوء. # قالوا: وأما إذا قاء ما دون ملء الفم إنما لا ينقض الطهارة، لأن الفم ~~فيما بينه وبين الباطن باطن على ما ذكرنا من قبل، وفيما بينه وبين الظاهر ~~ظاهر وملء الفم ما لا يمكنه ضبطه، وما دون ملء الفم ما يمكنه ضبطه. وللفم ~~حكمان: فإذا لم يقو القيء على الخروج عن الفم بأن كان دون ملء الفم وأمكنه ~~ضبطه لم ms036 يثبت له حكم الخروج، كما لم يثبت لبزاق يبتلعه حكم دخول من خارج، ~~وأما إذا كان ملء الفم ولم يمكنه ضبطه ثبت له حكم الخروج، فتبين أنا إنما ~~أدرنا الحكم على الخروج وعدم الخروج. # وأما الريح إنما انتفض الوضوء بخروجها لأنها انفصلت عن موضع النجاسة فلا ~~يخلو من وجود أجزاء النجاسة فيها وإن كانت يسيرة. PageV01P114 # وقال أبو زيد: وعلى أنا عللنا النص الوارد في وجوب الوضوء بالخارج من ~~السبيلين بعلة مؤثرة وهو بخروج النجاسة إلا أن الحكم في موضع النص يتعلق ~~بعينه لا بالعة وفي غيره يتعلق بالعلة فلم يعتبر في النص ظهور حكم النجاسة ~~وهو وجوب الغسل في موضع النجاسة، واعتبرناه في الفرع فلم نوجب الوضوء ما لم ~~يجب غسل النجاسة عن موضع الخروج، وقد ذكروا مثل هذا في مسألة إزالة ~~النجاسة. # الجواب: # أما تعلقهم بالأخبار. # قلنا: الخبر الأول رواه ابن جريج عن أبيه مرسلا. # فإن قالوا: / أسنده ابن أبي مليكة عن عائشة. PageV01P115 # قلنا: تفرد بإسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف. # وأما الخبر الثاني راه عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري ولم يلقه، ورواه ~~عن عمر يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد وهما مجهولان. # وأما الخبر الثالث: رواه عمرو القرشي الواطسي، قال أحمد ويحيي: هو كذاب. # وأما خبر زيد بن علي، رواه سوار بن مصعب، وهو متروك. PageV01P116 # وأما خبر ميمون بن مهران عن أبي هريرة رواه سفيان بن زياد عن حجاج بن ~~نصير، وهما ضعيفان، وعلى أنا نحمل الجميع على الاستحباب. # أما قولهم: ((خارج نجس)). # قلنا: ((إن الواجب هو الطهارة والطهارة تجب عن النجاسة)). # قلنا: نعم هذا مسلم في الطهارة الحسية، وأما الطهارة الشرعية فلا يعرف ~~لها إلا وصف الوجوب فحسب. # ومعنى قولنا: ((طهارة شرعية)) أنها محض تعبد لا يعقل لها معنى والدليل ~~على إنها محض تعبد ما بينا في أول المسألة. # فإن قالوا: فلم سمي طهارة ولم يسم عبادة؟ # قلنا: تسميته طهارة لا ينافي التعبد، فيجوز أن يكون طهارة بمحض تعبد، ~~ويجوز أن يقال: سمي طهارة ms037 لأنها يقام بطهور. # يبين ما قلنا أن هذه الطهارة يجوز أن تجب بلا خروج نجاسة أصلا بدليل ~~الريح والحصاة. # وقولهم: ((إن في خلال الريح أجزاء النجاسة)). PageV01P117 # قلنا: هذا خلاف المحسوس ولا تعرف أجزاء نجاسة لا ترى ولا تحس. # وأما فصل الحصاة فلازم، وقولهم: (إنه يكون على الحصاة بلة نجاسة)). # قلنا: تصور فيما إذا كانت الحصاة أنقى من الراحة، وعلى أنه إن ثبت لهم أن ~~الطهارة تنتقض بخروج النجاسة فإيجاب الطهارة في غير موضع النجاسة لا يعقل ~~ولا يعرف. # وقولهم: ((إنه أقيم طهارة الأعضاء الأربعة مقام تطهير موضع النجاسة لرفع ~~الحرج)). # قلنا: وأي حرج في إيجاب الطهارة في موضع النجاسة؟ # أليس أنه أمر باستعمال الحجر في موضع النجاسة فهلا أوجبتهم ذلك واقتصرتم ~~عليه إن كنتم تعقلون معنى الطهارة؟ # وأما قولهم: ((إن في الأصل وإن أوجبنا لا في موضع النجاسة ففي الفرع ~~أوجبنا في موضع النجاسة وفي غير موضع النجاسة)). # قلنا: ولو كان الواجب طهارة عن نجاسة لم يجب إلا في موضع النجاسة وعلى أن ~~أجبنا عن هذا الأصل الذي يدعونه في مسألة منع إزالة النجاسة بغير الماء من ~~المائعات. # فإن قالوا: سلمنا لكم هذا الأصل، وهو أن الطهارة عن الحدث طهارة شرعية ~~غير معقول المعنى، لكن لا شك أنها وجبت بخروج النجس وهذا القدر معقول، وإن ~~لم يكن الوجوب معلولا به فوجب أن يلحق به أمثاله ونظائره وذلك في كل موضع ~~وجد خروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر. # قلنا: لابد أن يكون الإلحاق بمعنى فإذا لم يكن معقول المعنى بطل الإلحاق. PageV01P118 # وقولهم: ((إن خروج النجس معقول)). # قلنا: بلى ولكن غير معلول به، ولأنا بينا وجوب الطهارة بلا خروج النجاسة ~~أصلا، ثم نقول: إن خروج النجاسة من سائر المواضع لا يشبه خروج النجاسة من ~~السبيلين، لأن السبيل المعتاد لخروج النجس موضع النجاسة ومسلكها. # وأما الفم والأنف وسائر المسالك ليس بموضع النجاسة ومسلكها فتغلظ هناك ~~الخارج بالمخرج ومثل هذا لا يوجد في مسألتنا وهو أن يتغلظ شيء بانضمام شيء ~~آخر إليه فيمتنع إلحاق ms038 غيره به. # ألا ترى أن الزنا جناية يتغلظ بالإحصان ثم امتنع إلحاق زنا غير المحصن ~~به، لأنه لم ينضم إليه ما يوجب تغليظه كذلك هاهنا، وهذا كلام حسن غير أن ~~الأول كاف، وهو حقيقة المسألة والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P119 ### || AUTO (مسألة) # المني طاهر # عندنا. # وعندهم نجس. # لنا: # ما رواه شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال: سئل النبي ~~عليه السلام عن المني يصيب الثوب قا ل: ((إنما هو بمنزلة البزاق والمخاط ~~وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بأذخرة)). PageV01P120 # وعن ابن عباس نفسه كذلك. # قالوا: أليس يورى عن النبي عليه السلام أنه قال لعائشة: ((إذا رأيت المني ~~رطبة فاغسليه، وإذا وجدته يابسا فافركيه)). # وأيضا فإن النبي عليه السلام مر على عمار وهو يغسل ثوبه من النخامة فقال: ~~((إنما يغسل الثوب عن خمس: البول والغائط والقيء والدم والمني)). # الجواب: # أما الخبر الأول/ فلا يعرف على ما رووا، وإنما المعروف عن عائشة أنها ~~قالت: ((كنت أفرك المني عن ثوب رسول الله إذا كان يابسا وأغسله إذا كان ~~رطبا)) وهذا نقول به على الاستحباب. # وأما الخبر الثاني: لم يروه غير ثابت بن حماد، قال الدر قطني: هو ضعيف ~~جدا. PageV01P121 # ومن جهة المعنى نقول: المني متولد من أصل ليصير أصلا مثله فلا يكون نجسا، ~~دليله البيض، وتأثيره أن نجاسته إما أن يكون من أصله أو من عينه، فإذا كان ~~من أصله فأصله طاهر فلا يوجب نجاسة متولدة منه، وإن كان من عينه فليس عينه ~~إلا غذاء مستحيل، وهذه الاستحالة إلى صلاح وهو تكون الولد منه. # والاستحالة إلى صلاحية تكون الولد منه كالاستحالة إلى صلاحية تغذي الولد ~~به وذلك اللبن، ثم تلك الاستحالة لا توجب النجاسة كذلك هاهنا. # فإن قالوا: إن الاستحالة إلى نتن وقذارة. # قلنا: أما النتن فلأن رائحته رائحة الطلع، وأما القذارة فقذارة يسيرة مثل ~~قذارة المخاط، وذلك لا يعتبر. # واستدل الأصحاب بجواز الفرك في اليابس إذا أصاب الثوب. قالوا: لو كان ~~نجسا لم يجز الاقتناع بالفرك، لأنه يلين الموضع، ms039 وليس يستأصل أجزاء ~~النجاسة، ولهذا المعنى لو أصاب الموضع بعد ذلك ماء فإنه ينجس، ثم ناقضوا ~~الثوب بالبدن وقالوا: لو أصاب المني بدنه ويبس لم يطهر بالفرك وهذه مناقضة ~~بينة ولا يتبين بينهما فرق، والاعتماد على ما سبق. # وأما حجتهم: # قالوا: خارج ينقض الوضوء فيكون نجسا، دليله البول، وتأثيره أن وجوب ~~الطهارة إنما يكون عن نجاسة على ما سبق، فوجوب الطهارة دليل النجاسة قطعا ~~بل هذا أولى من البول، لأنه ينقض الطهارة الصغرى والمني ينقض الطهارة ~~الكبرى. PageV01P122 # واعترضوا بما قالوه على قولنا: ((إنه ليس في أصله ولا في عينه ما يدل على ~~نجاسته))، لأنه إن لم يكن في أصله وفي عينه ما يدل على نجاسته ففي حكمه ما ~~يدل على نجاسته. # قالوا: وأما الاكتفاء بالفرك عند يبسه فإنما كان لدفع الحرج، وذلك لأن ~~المني يكون حصوله في الغالب بين بنات الإنسان ويكثر ويتردد على العادات ~~فإنه يوجد بالغشيان وهو يكثر بين الرجال والنساء، فلو أوجبنا الغسل أدى إلى ~~الحرج بخلاف البول، فإنه يكون في المواضع المعتاد من الكنيف والمستراحات ~~(وعلى أن المني شيء غليظ لزج فإنما يخف على ظاهر الثوب، ولا يدخل أجزأه ~~فإذا فرك يزول معظمه، وإنما تبقى أجزاء يسيرة لا يعتد بها. # وأما في البدن فقد قال بعضهم: يطهر بالحت أيضا وعلى التسليم قالوا: إن ~~حرارة البدن تتشربه فلا يزول إلا بالغسل. # وقد تعلق بعضهم في الحكم بنجاسة المني بجريانه في الموضع وهو داخل ~~القضيب) وقالوا: ((مائع جاري في مجرى البول فيكون نجسا كالمذي)). # وتعلقوا من الحكمة بالعلقة، وزعموا أنها أخت النطفة وقرينتها. # قالوا: وبهذا نعترض على قول من قال من مشايخكم: إن النطفة أصل الآدمي ~~فيكون طاهرا كالتراب، فإن العلقة أصله أيضا ومع ذلك هي نجسة. ثم قالوا: إن ~~الأصل لنبي آدم ليس إلا التراب فإن الله تعالى قال: {ومن آياته أن خلقكم من ~~تراب}. PageV01P123 # وإنما النطفة عارض داخل في الوسط مثل العلقة، فالحكم بنجاستها لا يوجب ~~إدخال نقيصة في كرامات الآدمي مثل العلقة سواء. # قالوا: وأما ms040 البيض فإنه يحتجب بقشرة عن الفضلات النجسة في البدن، وعلى ~~أنه يخرج على الأصل الذي قلناه، فإنه لم يقم دليل حكمي على نجاسته بخلاف ~~مسألتنا على ما سبق. # الجواب: # أما قولهم: ((إنه خارج ينقض الطهارة)). # قلنا: ولم إذا نقض الطهارة وجب أن يكون نجسا؟ # قالوا: لأن الطهارة لا تجب عن نجاسة. # قلنا: ليس كذلك، وقد بينا أن الطهارة عن الأحداث محض تعبد ولا يدل الوجوب ~~على النجاسة أصلا، هذا وقد سبق بما فيه المقنع والكفاية. يبينه أنه لو كان ~~وجوب الطهارة دليل النجاسة في الخارج فيجب أن يقال: إن الواجب من الطهارة ~~إذا كان أعظم تكون النجاسة أغلظ وإذا كان الواجب أخف تكون النجسة أخف كذلك ~~فإن نجاسة البول أغلظ من نجاسة المني ومع ذلك خروج المني يوجب الطهارة ~~الكبرى، وخروج البول يوجب الطهارة الصغرى. # وقد نقض الأصحاب ما قالوه/ بالولد الجفاف والحصا، والاعتماد على ما بينا. # وأما ما تعلق به مشايخهم من جريانه في مجرى البول فليس بشيء. # لأن هذا يقتضي أن يكون نجاسة المني نجاسة مجاورة لا نجاسة عينية. وعندهم ~~أن نجاسة المني نجاسة عينية، وعلى أنه لا ينكر أن يكون بين PageV01P124 # مجرى المني ومجرى البول حاجز يمنع اختلاط البول به، ولهذا المعنى اجتزوا ~~بالفرك من اليابس منه، وما تنجس بالبول فإنه لا يجتزئ بالفرك فيه. # وأما ما اعتذروا به من اعتبار الحرج فلا حرج، وعلى أنه موجود في المذي، ~~ولعل ابتلاء الناس به بوجوده في ثيابهم أكثر منه في المني، ومع ذلك لا ~~يكتفي فيه بالفرك فبطل ما قالوه. # وأما العلقة فقد منع بعض أصحابنا، وقال إنها طاهرة، ولئن سلمنا فلأنها ~~دم، ولا يدل الحكم بنجاسة الدم على نجاسة المني. # فإن قالوا: إن المني أيضا دم إلا أنه أبيض بنار الشهوة، كما يبيض ماء ~~الورد الأحمر بتصعيد النار. # قلنا: هذا هوس من يدرس أنه دم، وإنما خلقه الله منيا كما هو في صلبه، كما ~~خلق البيضة في جوف الطير كهيئته، وخلق اللبن في الضرع كهيئته، والرجوع إلى ms041 ~~قول الطبيعيين باطل. # * * * PageV01P125 ### || AUTO (مسألة) # جلد ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بذبحه # عندنا. # وعندهم يطهر. # لنا: # إن الموجود قتل وليس بذكاة فلا يعمل في تطهير الجلد. # دليله إذا كان الذابح مجوسيا، وإنما قلنا لأن الذكاة فعل شرعي لا يوجد ~~إلا من أهله في محله، والمحل مفقود هاهنا، لأن الذكاة فعل مشروع لحل اللحم ~~بدليل قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} إلى أن قال: ~~{... إلا ما ذكيتم}. فعد ما حرم أكله ثم استثنى المذكاة في الحكم الذي وردت ~~له الآية وهو الأكل. والمعنى: لا تأكلوا هذه الأشياء إلا المذكاة ((فكلوا)) ~~دل أن الذكاة مشروعة للأكل. # ولأن تحريم تعذيب الحيوانات أصل عظيم معقولا ومشروعا إلا أن بالناس حاجة ~~إلى اللحوم لمعنى التغذية وهو حاجة عامة ولا يوجد شيء آخر يقوم مقامه في ~~معناه والميتات خبيثة وكرامة بني آدم اقتضت تحريم الخبائث PageV01P126 # عليهم، وتحليل الطيبات لهم، والذكاة معنى مطيب للحم من حيث إنه يسيل ~~النجاسات من الحيوانات مزيل للخبائث بقدر الإمكان، فإن الله تعالى ببالغ ~~حكمته وعميم كرامته ببني آدم أباح لهم لحوم بعض الحيوانات بطريق مخصوص شرعي ~~وهو الذكاة. # وإنما قلنا إنه شرعي لأنه وضع بآلة مخصوصة في محل مخصوص من فاعل مخصوص، ~~وشرع أيضا على وجهة مخصوص على ما هو المعلوم فإذا وجد فيما عدا ذلك من ~~المحال لم يكن ذكاة أصلا، وإن وجدت بصورتها والتحق الفعل بالتخنيق والتوقيذ ~~وغير ذلك، وإذا ثبت عدم الذكاة ثبتت نجاسة الجلد، لأنه لو طهر لكان يطهر ~~بالذكاة فإذا لم تكن ذكاة لم يطهر. # وأما حجتهم: # قالوا: جلد يطهر بالدياغ فيطهر بالذكاة، دليله مأكول اللحم. # ثم استدلوا على وجود الذكاة بصدوره من أهله في محله. # أما قولنا: ((من أهله)) فهو المسلم أو الكتابي. # وأما قولنا: ((في محله)) لأنه حيوان طاهر عينه في حال حياته فيكون محل ~~الذكاة، لأن الذكاة نوع معالجة لطلب منفعة، فإذا كان الحيوان طاهر العين في ~~نفسه كان محل هذه المعالجة. # وقولنا: ((لطلب منفعة)) عنى بذلك منفعة الجلد، وهو ms042 معنى مطيب للجلد مثل ~~الدباغ في جلد الميتة مطيب له. PageV01P127 # ألا ترى أن في مأكول اللحم، فإن الجلد كما يطهر بالدباغ يطهر بالذكاة. ~~لأن كل واحد منهما يعمل عمل صاحبه في تطييب الجلد، كذلك هاهنا تعمل الذكاة ~~عمل الدباغ، وجلد هذا الحيوان يطهر بالدباغ فيطهر بالذكاة. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن منفعة الجلد تبع لمنفعة اللحم فإذا لم يفد ~~الفعل حلا في المتبوع لا يفيد طهرا في التبع، لأنا لا نسلم هذه التبعة بل ~~لكل واحد منفعة أصلية، بدليل أن في الشاة الميتة لا يحل لحمه بحال ويحل ~~جلده بالدباغ. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الفعل محظور في هذا المحل لأنا نسلم ذلك بل ~~هو مطلق لطلب الجلد، كما هو مطلق لطلب اللحم في مأكول اللحم. قالوا: وأما ~~تعلقكم بحرمة تعذيب الحيوان، تعلق فاسد، لأنه لا يجوز ذلك إذا كان لا ~~لمنفعة، فأما لمنفعة فيجوز، ورووا أن النبي عليه السلام نهى عن/ تعذيب ~~الحيوان إلا لمنفعة. # الجواب: # أنا بينا انعدام الذكاة في مسألتنا، وكلامهم راجع إلى حرف واحد وهو شرع ~~الذكاة لمنفعة الجلد، ونقول على هذا: إن الشرع قد شرع طريقا للوصول إلى ~~منفعة هذه الجلود وهو الدبغ بعد موت الحيوان، والذكاة فعل مشروع للحاجة ~~فإذا عدمت الحاجة ارتفعت المشروعية، وخرج اللحم على هذا، لأنه لا طريق ~~للوصول إليه سوى الذكاة. # فإن قالوا: ذاك طريق وهذا طريق. PageV01P128 # قلنا: شرع الدباغ قد أغنى عن الذكاة المعذبة للحيوان. # قالوا: ما يغنى لأنه يتعجل إليه وصوله بالذكاة ولا يحتاج إلى تربص الموت. # قلنا: الحيوانات غايتها الموت وهو منتفع بها في الحال بوجه آخر، فلا ضرر ~~عليه في التربص، وقد يصل إلى الجلد بوجه آخر إن احتاج إليه. # فإن قالوا: فإن كانت الذكاة لحلية اللحم خاصة فلم طهر الجلد في مأكول ~~اللحم بالذكاة دون الدباغ؟ # قلنا: لأنه تبع له، ولأنه يؤكل معه في كثير من البلدان، فإذا لم يطهر ~~بطهارته أدى إلى حرج عظيم فحكمنا بطهارته دفعا للحرج. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P129 ### || AUTO ms043 (مسألة) # عظام الميتات وشعورها نجسة في الظاهر من مذهب الشافعي # . # وعندهم: إنها طاهرة. # لنا: # إنه جزء من الميتة فيكون نجسا كسائر أجزاءها. # وفقه المسألة: وهو أن الأصل أن الميت نجس لقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة} وتحريمها يدل على تنجيسها بدليل قرينتها من الدم والخنزير، ولأن ~~معنى النجاسة في المحل وجوب التباعد منه وترك الانتفاع وتحريمه قد دل على ~~هذين المعنيين فثبت أنه نجس. # وأما الآدمي الميت فلئن قلنا إنه طاهر فهو لاحترامه فيكون مستثنى من هذا ~~الأصل إما بالنص، أو لمعنى الاحترام. PageV01P130 # وإذا ثبت نجاسة الميت فنقول: إن الموت إذا حل بالحيوان يحله بجميع أجزائه ~~فكما أنه حي بجميع أجزائه وأعضائه وأبعاضه فكذلك إذا مات فهو ميت بجميع ~~أجزائه وأبعاضه وهذا لأن الحيوان ذات تركيب مخصوص يستمد بقاءه من معنى ~~مخصوص فما دام على تركيبه باستمداده فهو حي، فإذا فنى الاستمداد مات وخرب ~~التركيب، وكل جزء من الحيوان له قوة الاستمداد وصفة البقاء وفيه الصلاح صفة ~~الحياة وعند انقطاع الاستمداد واتصافه إلى الفناء والفساد فله صفة الممات. # وهذا ثابت لجميع أجزائه لا يختص بجزء دون جزء، فثبت أن الحياة ثابتة ~~لجميع أجزائه ما دام حيا فإذا مات بجميع أجزائه ولئن تكلمنا في العظام ~~فالكلام فيه أظهر نصا ومعنى. # أما النص قوله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي ~~رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ....}. # وأما المعنى فلأن قوام التركيب بالعظام أكثر من قوامه باللحم والذات حي ~~بتركيبه فإذا كان اللحم محلا للحياة فلئن يكون العظام محل الحياة أولى. # ونستدل من حيث الحكم بالخنزير فإن الإجماع انعقد على نجاسته بعظامه ~~وشعوره، والاعتماد على ما سبق. # وأما حجتهم: # قالوا: الشعور والعظام ليست بمحل الحياة فلا يكون محل الموت، ودليل أنها ~~ليست بمحل الحياة أنها لا تحس بشيء ما، بدليل أن الشعر يقطع فلا يحس ~~الحيوان والعظم يبرد بالمبرد من القرن والسن وغيره فلا يحس به، ويستحيل ~~وجود الحياة في محل لا حاسة له. PageV01P131 # وحرفهم أن علامة الحياة ms044 الحس والتألم فلا يوجد مع فقد علامتها وصار الشعر ~~كجزء من الجلد يموت ويذهب منه الحس والتألم، فإنه لا يكون محل الحياة، ~~فكذلك الشعر في أصل خلقته. # قالوا: وأما النماء فلا يدل على الحياة بدليل النبات والأشجار، وعلى أنه ~~إنما تنمو الحياة في محل نباته لا بحياة فيه بخلاف سائر الأعضاء، فإن ~~النماء فيها بمعنى لا في المحل بل لمعنى في أعيانها. # قالوا: ولا جائز أن يقال إن للعظم حاسة بدليل وجع الضرس وذلك لأن الوجع ~~وجع اللثة واللحم المتصل بالسن ويظن الإنسان أنه وجع الضرس، وكيف يتصور أن ~~ذلك من وجع الضرس حقيقة، ولو قطع قطعا أو برد بالمبرد لم يألم. # واستدلوا من حيث الحكم في أنه لا حياة في الشعر والعظم بأنه إذا أبين من ~~الحيوان في حالة يجوز/ الانتفاع به ولو كان محل الحياة لمات بإبانته منه ~~بدليل قوله عليه السلام: ((ما أبين من حي فهو ميت)). وبدليل سائر الأجزاء. # وقد قال أبو زيد في هذه المسألة: إن الموت ليس بمنجس في نفسه وإنما PageV01P132 # النجاسة بأحد شيئين إما بتحريم متعلق به وهو تحريم الأكل، وهذه الأشياء ~~غير مأكولة فلا نجاسة بهذا المعنى أو باتصال من الرطوبات النجسة والدماء ~~السيالة بالجامد منها. # والعظم والعصب شيء صقيل لا يتعلق به منها شيء فلم ينجس لعدم العلة وصار ~~كالجلد بعد الدبغ بخلاف ما قبل الدبغ فإنه يتصل به الرطوبات النجسة. # قالوا: ولهذا تعاين الشعر والقرن لا يتعلق بهما شيء من الرطوبات، واستدل ~~على أن الموت ليس بمنجس في نفسه، بما ذكرنا من مسألة موت الحيوان الذي ليس ~~له دم سائل، وذلك مذكور في الأوساط وقد ذكرنا الطريقة الأولى أيضا، ثم زعم ~~أنها لا تأتي في العصب. وذكر أن الطريقة الأولى أقرب إلى النفقة وأولى ~~بالصواب. # الجواب: # إنا دللنا على وجود الحياة في الشعر والعظم، والحرف المعتمد للأصحاب أن ~~النمو بحياة الحي دليل الحياة في الشعر والعظم، ويمكن أن يقال: جزء نامي ~~بحياة الأصل فينجس بالموت. # دليله الأذن، وليس كالبيضة، لأنا ms045 قلنا: وجب أن ينجس بالموت وموت البيضة ~~ليس بموت الأصل بل بأن لا ينمي فلا ينقلب فرخا وذلك أن يصير مذرة فينجس ~~حينئذ، وأما حياتها فبعاقبتها. PageV01P133 # ألا ترى أن المحرم إذا أخذ بيض الصيد ضمن الجزاء لأنه في حكم الحي. وعلى ~~أن المذهب في البيض أنه إن كان غير متصلب فهو كاللبن ينجس وإن كان متصلبا ~~فلا ينجس لأنه ليس بجزء متصل بالأصل بل هو شيء مخلوق في جوفه بمنزلة الولد ~~فلم يعمل فيه موت الأصل، وليس كما لو جز الصوف أو قطع القرن حيث لا ينجس. ~~لأن الجز من الشعر بمنزلة الذكاة شرعا كما جعل موت السمك ذكاة شرعيا، وإنما ~~كان كذلك، لأن الناس بحاجة إلى الشعور والأوبار، وفي تركها ضرر بالحيوانات ~~فجعل الشرع أخذها بالجز بمنزلة الذكاة من جملة الحيوان نفعا للعباد، وهذا ~~المعنى لا يوجد في سائر الأعضاء فصارت إبانتها إماتة لها. # وأما الذي اعتمدوا عليه في هذه الطريقة من التعلق بعدم الحس وفقد التألم ~~فإن استقام لهم هذا في الشعر فلا يستقيم لهم في العصب والعظم. # وقولهم: ((إن وجع الضرس وجع اللثة)). # فليس بشيء بدليل أن الضرس إذا قلع يسكن الوجع، دل أن الوجع كان له، وعلى ~~إنه لا ينكر أحد حياة العظام في داخل البدن ومنكر هذا مثل منكر وجود الحياة ~~في اللحوم والأعصاب. # وقد قال الأصحاب: إنه إن فقد الحس للشعر فإنما فقد أحد علامات الحياة، ~~وقد وجدت علامة أخرى، وهو ما ذكرنا من النمو بحياة الحي فإذا كان فوات ~~علامة بإخلاء علامة أخرى لم يدل على فقد الحياة مثل البصر للعين والسمع ~~للأذن والنطق للسان، فإنه إن فقد البصر للعين وهو علامة حياة العين، ولكن ~~وجدت علامة أخرى وهو السمع، والكلام بدون هذا الاستشهاد صحيح مقنع، وهذا ~~الاستشهاد ضعيف على الأصل الذي أصلوه. PageV01P134 # وأما الأشجار فقد قال بعضهم: إن لها حياة وهي المغذية والمنمية والمولدة. ~~وللحيوان هذه الحياة والحياة السياسية أيضا، وللآدمي هذه الأنواع كلها من ~~الحياة، والحياة الناطقة أيضا اختص بها من ms046 بين سائر الحيوانات وهذا كلام ~~الحكماء الأوائل، ولا ينبغي أن نشتغل به. # والجواب المعتمد بالتخريج وهو أنا استدللنا على حياة الشعر بنمه بحياة ~~الشخص الحي مثل سائر الأجزاء، وهذا لا يوجد في النبات والأشجار. وقولهم: ~~((إن نموه لمعنى في المحل)). # قلنا: لا، بل لمعنى في نفسه، ولمعنى في المحل من الاستمداد منه مثل سائر ~~الأعضاء سواء. # وأما الطريقة الثانية التي اعتمدها أبو زيد، فقد ذكرنا أن الموت منجس ~~بنفسه ودللنا عليه. # وقولهم: ((إن النجاسة تكون باتصال الرطوبات والأشياء السيالة إليه)). # فليس بشيء، لأن الجلد نجس بكل حال، ورب جلد لا يتلوث بشيء من الرطوبات ~~بعد الموت ويكون في جفافه ونظافته مثل ما كان في حال الحياة. # فثبت أن الموت منجس بنفسه، وقد ذكرنا في تلك المسألة. والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # * * * PageV01P135 ### || AUTO (مسألة) # إذا كان معه آنيتا ماء إحداهما طاهرة والأخرى نجسة وليس معه غيرها فإنه يتحرى # عندنا، ولا يتيمم. # وعندهم: يتيمم ولا يتحرى. # لنا: # إن الاجتهاد له مدخل في هذا المحل، والدليل عليه أنه إذا كان معه ثلاثة ~~أواني طاهرتان ونجسة فإنه يتحرى بالإجماع ولأن الاجتهاد طلب الشرع بدليل ~~واستعمال دليل الشرع في طلب الشرع مطلق لا يحرم بحال بدليل سائر المواضع، ~~وأقربها طلب القبلة عند الاشتباه والتحري في ثوبي نجس وطاهر. ويمكن أن يحرر ~~فيقال: شرط من شرائط الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فيجب ذلك. # دليله: ما بيناه من استقبال القبلة وستر العورة. PageV01P136 # يتبين ما ذكرنا أن الصلاة بالتيمم لا تجوز إلا بشرط عدم الماء فلا يجوز ~~ثبوت العدم باشتباه الطاهر بالنجس، وإن كانا على السواء كما لو كان عنده ~~ثوبان أحدهما طاهر والآخر نجس وحضرت الصلاة فإنه يصلي في أحدهما بالتحري ~~ولا تجوز الصلاة إلا بازار لأن الصلاة عريانا لا تجوز إلا بشرط عدم الثوب ~~الطاهر فلم يثبت العدم باشتباه الطاهرة بالنجس وإن كان على السواء كذلك ~~هاهنا، والاعتماد على الأول. # وأما حجتهم: # قالوا: التحري عمل بما يقع في القلب، والعمل بما يقع في القلب باطل لأنه ~~قد ms047 يقع في القلب من قبل الله، وقد يقع من قبل الشيطان فلا يجوز الرجوع إليه ~~وهذا حكمه. # قالوا: وأما القبلة فإما وجب الاجتهاد فيها، فإن للشرع دلائلا منصوبة على ~~القبلة فليس برجوع إلى مجرد ما يقع في القلب بل هو طلب القبلة بالدلائل ~~المنصوبة عليها من قبل الله تعالى، وفي الثوبين إنما جاز التحري، لأن ستر ~~العورة بالثوب النجس جائز في الجملة. # وعندنا: لو لم يجد إلا الثوب النجس وصلى فيه يجوز فلم يكن التحري رجوعا ~~إلى مجرد ما يقع في القلب بل استند الجواز إلى دليل شرعي، وهو جواز الصلاة ~~في الثوب النجس إذا لم يجد غيره. # وأما هاهنا فإن التحري عمل بمجرد القلب ولم يرجع جوازه إلى دليل، وأما ~~إذا كانت الغلبة للماء الطاهر فإنما جاز التحري، لأنه وجد دليلا شرعيا ~~يستند إليه وهو اعتبار الغلبة واعتبار الغلبة أصل عظيم في الشرع خصوصا في ~~المأكولات، والمشروبات بدليل المعاملات، فإن من يكون PageV01P137 # الغالب على ماله الحلال يجوز المعاملة معه، وكذلك يجوز التناول من ماله ~~أكلا وشربا عند إذنه ومن كان الغالب على ماله الحرام يكره له ذلك. # وأما أبو زيد قال في هذه المسألة: ((إن التحري باطل متى أصاب ماء طاهرا ~~بالإجماع فكذلك وإن عدمه، لأن التراب جعل خلفا عنه في إفادة طهارة الصلاة ~~فإذا فات إلى خلف يعمل عمله عند عدمه فلا يثبت العدم حكما بخلاف الثياب، ~~فإن التحري باطل إذا استوى النجس والطاهر وأصاب ثوبا طاهرا ويجوز إذا عدم ~~الطاهر، لأنه عدم بلا خلف يعمل عمله في الستر الذي هو شرط الصلاة، فثبت ~~العدم وتبدل حال الاختيار بحال الضرورة فأبيح بالضرورة ما لا يباح ~~بالاختيار. # قال: ولأن المعارضة وقعت بين التراب والماء تحراه فنحن نقول التراب أولى، ~~لأن ذلك الماء على الحقيقة يحتمل النجاسة والطهارة، فلئن كان نجسا فالتيمم ~~طهارة، وإن كان طاهرا فالتيمم لا ينجس أعضاءه وإن استعمل الماء فإن كان ~~طاهرا فالصلاة تكون بطهارة وإن كان نجسا فالصلاة تكون بنجاسة العضو فيكون ~~حال فساده شرا ms048 من التيمم، وقد استويا في حال الجواز فصار التيمم أولى هاهنا ~~بخلاف الثوب فإن حال نجاسته مساوية بحال العري)) ويفضل حال اللبس بوجود ~~الستر بالثوب وإن كان نجسا فصار أولى. # الجواب: # أما الطريقة الأولى فهو سعى لإبطال التحري وهو باطل، لأن التحري نوع ~~اجتهاد واستدلال وهو دليل الله تعالى نصبه للعباد ليتوصلوا به إلى PageV01P138 # أحكامه في الشرعيات والرجوع إليه واجب في كل موضع فكان الرجوع بدليل ما ~~ذكرناه من الاشتباه. # فأما قولهم: ((إنه عمل ما يقع في القلب)). # قلنا: والوقوع في العمل بما يقع في القلب جائز بدليل مسألة الثوبين ~~وبدليل مسألة/ القبلة، وهذا لأن غالب الظن حجة شرعية عند عدم النصوص. # وقولهم: ((إن في القبلة دلائلا منصوبة عليها)). # قلنا: إذا اشتبه عليه الدليل، فإنه بالاتفاق يرجع إلى ما يقع في قلبه، ~~وكذلك في الثوبين وعذره عن الثوبين باطل، لأنه لو كان الأمر على ما ذكروا ~~لجاز الصلاة في أيهما شاء من غير تحرى لحصول ستر العورة به وهذا لأنه يتحرى ~~ويلزمه اللبس عند ما يقع في قلبه أنه طاهر، على اعتقاد أنه طاهر. # وقد قالوا: إنه لو اشتبه على الرجل إعداد ما صلى من الركعات أنه يرجع إلى ~~غالب ظنه وهو حكم بمجرد ما يقع في القلب. # وقد قال أصحابنا في هذه المسألة: أن التحري رجوع في غالب الظن إلى علامات ~~ودلالات مثل ما في القبلة سواء. # وكذلك في الثوبين إلا أن ما قلناه أولى، لأنه إذا لم يجد علامة ولا دليلا ~~ولم يتخيل له شيء في ذلك فإنه يتحرى أيضا وليس إلا الرجوع إلى غالب الظن ~~بما يقع في القلب. # وأما طريق أبي زيد ففي غاية الضعف، لأن المسألة التي جعلها عماد كلامه ~~ممنوعة على أحد وجهي الأصحاب. PageV01P139 # فإنهم قالوا: إنه يجوز التحري في الإنائين وإن كان عنده إناء طاهر بيقين، ~~وعلى أنا سلمنا هذه المسألة، فنقول: إنما لم يجز التحرير في هذه الصورة، ~~لأن وجود إناء طاهر عنده بيقين انتصب مانعا من الاجتهاد مثل النص في ~~الحادثة. ms049 فأما قوله: ((إذا عدم ينعدم إلى خلف)). # قلنا: إنما يصار إلى الخلف إذا لم يمكن الوصول إلى الأصل وقد أمكن ~~بالاجتهاد فصار كما لو أمكن بوجوه يقينا، ويمكن أن يقال: إن الاجتهاد خلف ~~عن النص في العمليات، فإذا كان عنده إناء بيقين قد بينا انه بمنزلة نص يوجد ~~في الحادثة فإذا عدم فإنما عدم إلى خلف وهو الاجتهاد في الانائين فكما أن ~~الأصل منع العدول إلى التيمم فخلفه يكون مانعا أيضا. # وأما الفصل الثاني: الذي ذكره من ترجيح جانب التيمم فليس بشيء، لأن ~~اجتهاد لما أدى إلى أن هذا الماء طاهر وجب العمل به شرعا صار جواز أنه نجس ~~مطرحا متروكا، والتحق هذا الماء بسائر المياه الطاهرة فلا تثبت به نجاسة ~~الأعضاء بوجه ما، وجواز أنه نجس لم يعتبر. # يبينه أن التحري دليل ظاهر، والماء الذي حكم بطهارته فظاهر فسقط جانب من ~~التجوزات فيه أصلا بدليل الماء يجده في الفلاة، والماء الذي بخبر الواحد ~~أنه طاهر يجب استعماله، وسقط جواز أنه نجس، ثم يقال لهم: الترجيح لجانب ~~التوضئ بالماء الذي يقع له أنه طاهر، لأنه إذا توضأ بالماء PageV01P140 # الذي تحراه كانت صلاته بطهارة حقيقة من وجه ومتى تيمم كان صلاته بغير ~~طهارة حقيقة من كل وجه فكان الترجيح لجانب الوضوء لا لجانب التيمم. # وعلى أنه يبطل جميع ما قالوه بما إذا كانت الغلبة للماء الطاهر، وعندهم ~~الرجوع إلى مجرد الغلبة تمسك بمحض صورة، ويبطل بالقبلة. # وهذا لأن المجتهد قد تتكاثر عليه الأشباه في الحادثة الواحدة وإنما يأخذ ~~بشبه واحد ويطرح سائرها، ولا فرق فيما يطرحه بين أن يكثر عدده وبين أن لا ~~يكثر وقد تعلق مشايخهم بما لو كان عنده إناءان أحدهما بول والآخر ماء فإنه ~~لا يتحرى. # وكذلك إذا اشتبهت الأجنبية بذات المحرم فإنه لا يتحرى في أمر النكاح. ~~وكذلك على أصلنا في المسلوختين أحدهما ذكية والأخرى ميتة. # ونحن نقول: الاجتهاد إنما يجوز في محل الاجتهاد، وهذه المواضع ليست بمحل ~~الاجتهاد بدليل أنه لا يجتهد وإن كانت الغلبة للماء ms050 في المسألة الأولى، ~~وكذلك إذا كانت الغلبة للأجنبيات في المسألة الثانية والمذكيات في المسألة ~~الثالثة. # وهذا لأنه لابد من النظر إلى الأصل ليكون الاجتهاد رادا له إلى أصله ~~ويصير اجتهاده وتحريه فيما أدى إليه معتضدا بأصله الذي خلق له، والبول خلق ~~على النجاسة والأبضاع في الأصل على الحرمة. # وكذلك المساليخ في الأصل على الحرمة حتى يتحقق شرط الحل من الذكاة فلم ~~يصادف الاجتهاد في هذه المواضع محاله، لأن رده فيما يجتهده إلى أصله يوجب ~~الحرمة لا الحل، بخلاف مسألتنا، فإن الماء في الأصل خلق طهورا والتحري/ رد ~~له إلى أصله فقد صادف الاجتهاد محله. PageV01P141 # وإنما اعتبر الأصحاب هذا، لأن دليل العمل غالب الظن، ولا يوجد غالب الظن ~~إلا باعتضاد ما يقع في القلب من طهارة الإناء بأصله الذي خلق عليه، وهذا ~~كما في سائر المجتهدات، فإنه ما من حادثة إلا ولله تعالى فيها حكم، وعلى ~~ذلك الحكم شبه مغلب للظن فإذا اجتهد المجتهد يقوي اجتهاده فيما يؤدي إليه ~~بأصله في الوضع الإلهي في الحوادث فيوجد قوة الظن من هذا الوجه فيفيد حكمه ~~من العمل الواجب به. والله أعلم. # * * * PageV01P142 ### || AUTO (مسألة) # المتيمم إذا رأى الماء في خلال صلاته فإنه لا يبطل صلاته ولا تيممه ويمضي فيها # عندنا. # وعندهم: يبطل تيممه وصلاته ويلزمه التوضئ والاستئناف، وهو اختيار المزني، ~~وابن سريج. PageV01P143 # لنا: # إن الله تعالى قال: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} وهو معطوف على قوله: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}. # ومعناه: فلم تجدوا ماء فيتمموا للقيام إلى الصلاة، فقد جعل عدم الماء شرط ~~التيمم للقيام إلى الصلاة، وقد فعل التيمم مع وجود شرطه المشروط له، وهو ~~عدم الماء، وإذا تم المأمور به بشرطه فلا يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كسائر ~~الأفعال إذا تمت بشروطها لم يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كذلك هاهنا. # فإن قالوا: فلم يجب التوضئ لصلاة أخرى؟ # قلنا: لأن الله تعالى جعل القيام إلى الصلاة بالتيمم مشروطا بعدم الماء ~~وقد قام إلى الصلاة الثانية بالتيمم، والشرط مفقود ms051 فلم يجز. # فأما الصلاة الأولى فقد قام إليها بالتيمم مع وجود شرطه والمأمور به إذا ~~استوفى شرطه لم يعتبر بعد ذلك بقاء الشرط، وهذه طريقة في غاية المتانة، ~~وسنذكر ما يتكلمون عليه في حجتهم. # وقد اعتمد في الفقه عامة الأصحاب طريقة أخرى، وهي أنه غير قادر على ~~استعمال الماء لحرمة الصلاة، فإن الصلاة مانعة من كل ما ينافيها وهي منافية ~~لفعل الوضوء. ألا ترى أنه لو فعلها تبطل صلاته فتصير حرمة الصلاة مانعة ~~منها وإذا كانت القدرة معدومة حكما على هذا الوجه وجب المضي في صلاته كما ~~لو وجد الماء وبينه وبين الماء حائل من سبع أو غيره. # والطريق الأولى أحسن واصبر على المحك وسيظهر من بعد. PageV01P144 # وأما حجتهم: # قالوا: وجد الماء المقدور على استعماله فينتقض تيممه كما قبل الشروع في ~~الصلاة. أما الوجود فظاهر، وأما دليل القدرة هو أنه قادر على استعماله حسا ~~وحقيقة فلو انعدم انعدم حكما، ولابد من دليل على العدم حكما، لأن نهاية ما ~~في الباب أن ينسب هذا المعنى إلى حرمة الصلاة فيقال: إن استعمال الماء يؤدي ~~إلى هتك حرمة الصلاة فينتصب الصلاة مانعة منه، وحرمة الصلاة غير مانعة من ~~الاستعمال لأنه يستعمل الماء ليقيم حرمة الطهارة، فلا يؤدي إلى الهتك وهذا ~~(لأن الصلاة ما شرعت إلا بالطهارة. # والأصل هو الطهارة بالماء وهو يحصل حقيقة به، وإنما نقل إلى التيمم بعذر ~~فيكون إفساد الصلاة في هذه الصورة لأدائها بالماء أداء الصلاة بالطهارة ~~الحقيقة على سبيل الكمال فيكون تحته إقامة لحرمة الصلاة على الحقيقة لا ~~إفسادا). # (ألا ترى أنه إذا وجد الثوب وهو يصلي عاريا، والثوب بعيد منه تبطل صلاته ~~ويستأنف بالثوب، لأن فيه أداء الصلاة بستر على الكما، ولا يجعل القدرة على ~~لبس الثوب بمنزلة العدم لحرمة الصلاة، وكذلك لو خاف فوات وقت الصلاة لو ~~توضأ لا يجوز له التيمم وإن انتقض بالقضاء، لأن فيه قضاء بوضوء والتفاوت ~~الذي بين الأداء والقضاء فوق التفاوت الذي بين المضي في الصلاة والإفساد ثم ~~الأداء في الوقت فلما ms052 لم يجعل ذلك التفاوت عذرا فهذا أولى، وكذلك من شرع في ~~الفرض ثم أقيمت الصلاة يقطع الفرض ليؤديه بالجماعة وأصل الجماعة سنة ~~والطهارة PageV01P145 # بالماء في مسألتنا فريضة، فثبت أن وجود الماء قد حصل ولم يصر عادما له ~~حكما من الوجه الذي قلتم فخرج التيمم من أن يكون طهارة لفوات شرطه فيبطل ~~صلاته كما لو أحدث). # قالوا: وليس كما لو كان تيمم في صلاة الجنازة في فرأى الماء وهو يخاف ~~فوتها لو اشتغل بالوضوء حيث يمضي فيها. # لأن عندنا صلاة الجنازة لا تقضى فلو أفسدناها فاتته الصلاة أصلا، والماء ~~يجب استعماله لا لعينه بل للصلاة، فإذا كان لا يفيد في حق الصلاة لفواتها ~~أصلا صار عادما للماء في حق تلك الصلاة وإن وجد حسا بخلاف مسألتنا. # قالوا: وأما إذا كان يصلي بالتيمم فوجد سؤر الحمار، فإنه يمضي في صلاته ~~ثم يتوضأ بسؤر الحمار ويعيد الصلاة، ويصير في المعنى كأنه جمع بين التيمم ~~وسؤر الحمار في الابتداء، وإنما عمل كذلك لأن سؤر الحمار طهور بالشك، وقد ~~شرع في صلاة بطهارة فلا يخرج بالشك كما في الابتداء لا يدخل بشك بل يجمع ~~ليزول الشك، كذلك هاهنا لا يجبر بالشك بل يمضي ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ليزول ~~الشك هاهنا. # قالوا: وليس كما لو وجد الماء بزيادة على ثمن المثل حيث يجعل الوجود ~~كالعدم (لأن قدر الزيادة يذهب بلا عوض، ولذا اعتبرت المحاباة بالهبات في ~~باب التصرفات وللمال حرمة وإن قل فكان له ألا يبذله جزافا بلا عوض، فإذا لم ~~يصل إلى الماء إلا ببذله يصير عادما للماء حكما. PageV01P146 # ألا ترى أنه إذا كان عريانا ووجد الثوب بزيادة ثمن على ثمن المثل يصلي ~~عريانا وبمثله في مسألتنا لو كان يصلي عريانا ووجد الثوب ولا يمكنه لبسه ~~إلا بقطع الصلاة قطع الصلاة). # وحرفهم في هذه الطريقة أن أداء الصلاة لا يصح إلا بشرط الطهارة وقد فاتت ~~الطهارة فلم يجز المضي فيه، لأنه بالمضي يؤدي الصلاة بلا طهارة فلا يجوز. # قالوا: فإن قلتم إذا رأى الماء في ms053 تضاعيف الصلاة فلم لا يبنى مثل ما إذا ~~سبقه الحدث يبنى على صلاته؟ # قال: لأن رؤية الماء ليست بحدث لعينه، ولكنه إذا رآه خرج الصعيد من أن ~~يكون طهورا فتبطل الطهارة بالصعيد مستندا على أول الاستعمال حتى يكون جنبا ~~إن كان تيمم من جنابة ومحدثا إن كان تيمم من حدث وإذا استند إلى أول الصلاة ~~امتنع البناء إلا أن الفساد يظهر في حق الصلاة القائمة دون الصلاة التي فرغ ~~منها وسلمها إلى الله تعالى. # وأما إذا سبقه الحدث فإنه تنقطع الطهارة في الحال ولا يستند فلا يصير ما ~~مضى من الأداء أداء بحدث بحال فأمكنه البناء على جزء مضى على الصحة بدليل ~~شرعي يقوم عليه). # قالوا: ونظير رؤية الماء في خلال الصلاة انقضاء مدة المسح في خلال الصلاة ~~فإنه تبطل الصلاة فلا يجوز له المضي، ويجب عليه الاستئناف، كذلك هاهنا. PageV01P147 # (قالوا: وأما قولكم في الابتداء أن البدل شرع لصحة الشروع في الصلاة وقد ~~صح بشرطه فلا يعتبر دوام الشرط من بعد. # قال: التيمم ما شرع للشروع فحسب بل شرع للشروع والأداء جميعا، ولو قيل ~~الأداء فحسب فهو صحيح إلا أنه شرط للشروع، لأن الافتتاح لا يوجد إلا متصلا ~~بالأداء فشرط له شروط الأداء، وإذا كان البدل مشروعا للأداء، ولم يتم ~~الأداء بعد اعتبر قيام الشرط ليبقى البدل مشروعا فإذا سقط وجود الأصل لم ~~يصح الأداء بعده). # وحرف الاعتراض أن الأداء لا يصح إلا ببدل مشروط بقيام عدم الماء فإذا وجد ~~الماء فات وبطل الأداء. # (قال: وليس كما لو وجد هدى التمتع بعد صوم الثلاثة قبل السبعة حيث لا ~~يعود إليه، لأن الهدى ليس بنسك مقصود بل هو مشروع للتحلل وبصوم الثلاث قد ~~حصل التحلل فسقط الرجوع على الهدى، لأنه لما تحلل وقد كان وجب التحلل عليه ~~فسقط وجوبه كما لا تجب الطهارة إلا للصلاة، وهاهنا الطهارة مشروعة للحاجة ~~إلى أداء الصلاة والحاجة باقية على ما مر). # الجواب: # أما الطريقة الأولى فهي أمتن الطريقتين ووجه تمشيها ودفع اعتراضهم عليها ~~أن الصلاة ms054 مشروطة بالطهارة، والطهارة بالتراب مشروطة بعدم الماء وقد أتى ~~بالتيمم مقارنا بشرطه المشروط فيه فلا يعتبر بعد ذلك قيام العدم، لأن ~~الشرائط متى عملت عملها لم يعتبر وجودها من بعد. PageV01P148 # وعلى هذا نقول: إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه لا لأنا ~~جعلنا قيام العدم شرطا لازما لبقاء التيمم بل إنما أبطلنا تيممه وأمرناه ~~بالوضوء بدليل مستخرج من نص الكتاب وهو أن الله تعالى قال: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا}. # وقد بينا أن المعنى: فتيمموا للقيام إلى الصلاة، والمراد من القيام هو ~~الشروع فقد جعل عدم الماء شرطا للشروع في الصلاة بالتيمم فإذا كان الماء ~~موجودا فقد الشرط المشروع، وهذا لا يوجد في أثناء الصلاة فرجعنا إلى الأصل ~~الممهد في الشرع وهو أن الشيء إذا تم بشرطه لا يعتبر قيام الشرط من بعد. # فأما قولهم: ((إن هذا الشرط للشروع والأداء جميعا)). # قلنا: ظاهر النص لا يترك وقد جعله الله تعالى شرط الشروع ثم نقول: إن ~~أداء الصلاة مشروطة بالطهارة وهو عند المضي في مسألتنا مؤدى للصلاة بطهارة ~~وهو طهارة التيمم غير أن هذه الطهارة لها شرط وقد فعلها بشرطها، وقيام ~~الدليل عند الشروع اعتبرناه بالدليل المستخرج من النص على ما سبق فلم يعتبر ~~فيما وراء الشرع وصح الأداء لأنه أداء بطهارة وقد تمت بشرطها هذا هو نهاية ~~هذه الطريقة. # وقد خرج على هذه الطريقة فصل العاري، لأن الستر شرط الصلاة ولا ستر مع ~~القدرة، وهاهنا الطهارة شرط، والطهارة موجودة إلا أنها بالتراب، وكذلك إذا ~~أحدث في خلال الصلاة فقد فاتت الطهارة، وكذلك إذا مضت مدة المسح فقد ظهر ~~الحدث القائم في الرجل. # فإن قالوا: وهاهنا إذا رأى الماء فقد ظهر الحدث السابق الذي تيمم له. PageV01P149 # قلنا: لا يظهر، لأنه لو ظهر يظهر باعتبار شرط قيام عدم الماء بجواز ~~التيمم وقد بينا أنه غير معتبر. # وأما المسح فرخصة موقوتة بالنص فإنه ما ورد إلا كذلك. # فإن قالوا: وهذا أيضا موقوت بوجود الماء. # قلنا: لا، فإن الله تعالى قال: {فلم تجدوا ms055 ماء فتيمموا} أطلق إطلاقا فهو ~~طهارة صحيحة مطلقة عند وجود شرطها وبطلانه عند رؤية الماء لصلاة أخرى بدليل ~~آخر على ما سبق ولابد من تمشية هذه الطريقة من فضل قوة في الجدال والله ~~الموفق بمنه. # أما الطريقة الثانية: فغاية ما يمكن الجواب عن اعتراضهم أن ندعي أن ~~الطهارة بالتيمم والوضوء واحد والصلاة بهما على صفة الكمال ولا تفاوت بين ~~الصلاة بالوضوء والصلاة بالتيمم بوجه ما إلا أن الماء طهور في حال والتراب ~~طهور في حال، وإذا كان الأمر هكذا فيصير إفساد هذه الصلاة للوصول إلى صلاة ~~أخرى لا زيادة ولا تفاوت فتصير حرمة الصلاة مانعة منه، وعلى هذا ينبغي أن ~~ندعي التيمم يرفع الحدث في حق الصلاة المؤداة مثل الوضوء سواء. # وأما فصل العاري إذا وجد الثوب وبينهما مسافة فقد منع في وجه بعيد وعلى ~~أن اللبس غير مناف للصلاة بدليل أنه لو كان قريبا منه يلبس ويمضي في صلاته ~~فتتحقق القدرة بخلاف مسألتنا، فإن نفس الوضوء مناف للصلاة فتصير الصلاة ~~مانعة منه. # وأما الحدث المعترض في خلال الصلاة، فإنما أفسد الصلاة لأنه مبطل للصلاة ~~لعينه، فإذا وجد عينه فلابد من إبطاله الصلاة، وأما رؤية الماء يبطل الصلاة ~~بواسطة القدرة على استعماله ولم يوجد، وكذلك مسألة PageV01P150 # انقضاء مدة المسح يخرج على هذا الأصل، فإنه إذا انقضت المدة وطهر الرجل ~~فثم حدث قائم في الرجل فصارت كنفس الحدث وهم يدعون هكذا في مسألتنا. # والجواب: لا يمكن إلا بدعوى رفع الحدث بالتيمم على الإطلاق في حق الصلاة ~~بخلاف مسح الخف وهو في نهاية الصعوبة. # وقد تمسك المزني أيضا بفصل العدة وهو إذا قدرت على الأقراء في خلال ~~الشهور، وليس يرد هذا على الطريقة الأولى، وعلى الطريقة الثانية مانع من ~~المصير إلى الأقراء بخلاف مسألتنا على ما سبق بيانه. والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # * * * PageV01P151 ### || AUTO (مسألة) # إذا كان عند المسافر من الماء ما يكفي لبعض أعضائه لزمه استعماله ثم ~~يتيمم للباقي على أحد قولي الشافعي # . # وعندهم: يتيمم، ولا يلزمه استعماله وهو القول الثاني واختيار ms056 المزني. # لنا: # إنه مأمور بتحصيل الطهارة في الأعضاء الأربعة، وقد قدر على تحصيل بعضها ~~فتجب عليه، كما لو كان عليه نجاسة في أعضائه فوجد من الماء ما يغسل به بعض ~~النجاسة لزمه بقدره، وكذلك لو كانت عورته مكشوفة فوجد من الساتر ما يستر به ~~بعض العورة. # ومن غير هذا الباب إذا وجد المضطر من الطعام بعض ما يسد به/ رمقه لزمه ~~تناوله ثم يعدل إلى الميتة، وهذا لأن من لزمه فعل شيء فإذا قدر على البعض ~~وعجز عن البعض يلزمه بقدر المقدور عليه وسقط بقدر المعجوز عنه. PageV01P152 # والحرف أن عمل العلة لا يتعدى من محل العلة إلى غير محل العلة فكذلك عمل ~~العجز لا يتعدى عن محله إلى غير محله، وهذا ظاهر. وإنما الشأن في إثبات ~~قولنا أنه قدر على تحصيل بعض الطهارة، وإنما قلنا ذلك، لأن الطهارة عن ~~الحدث بغسل الأعضاء الأربعة فكلما غسل عضوا زال الحدث عنه وحكم بطهارته، ~~وهذا لأن الغسل المعقول أمر حسي وله عمل شرعي من زوال الحدث فإذا وجد الفعل ~~الحسي يتبعه الحكم الشرعي ولم يتخلف عنه مثل ما لو كان التابع حسيا أيضا، ~~فإنه يتبع ولا يتخلف عنه، وذلك في مسألة إزالة النجاسة وستر العورة التي ~~قدمناها فثبت ما ادعيناه من قدرته على تحصيل الطهارة في بعض الأعضاء فإذا ~~ثبت القدرة ثبت الأمر فوجب ألا يعدل إلى التيمم إلا بعد العجز. # وأما حجتهم: # قالوا: ((عدم الطهور في طهارة الصلاة فوجب أن يعدل إلى التيمم. دليله إذا ~~لم يكن عنده شيء من الماء وإنما قلنا ذلك لأن طهارة الصلاة طهارة حكمية. # ومعنى قولنا: ((حكمية)) هو أنها لا تعرف إلا بالحكم وهو تحليل الصلاة، ~~فإذا لم تكن محللة للصلاة لا تكون طهارة وغسل بعض الأعضاء لا تكون محللة ~~للصلاة فلا يكون طهارة، فثبت أنه عدم الطهور لطهارة الصلاة يبينه أن غسل ~~الأعضاء الأربعة علة واحدة لإفادة الصلاة، وبعض العلة لا عمل له بدليل علة ~~الربا)). دليله إذا وجد بعض الرقبة يلزمه فعل الصوم ولا يجب ms057 عليه إعتاق هذا ~~البعض والمسألة مشكلة. PageV01P153 # قالوا: ولا يلزم مسألة إزالة النجاسة وستر العورة، لأنه أمر حسي فلابد من ~~وجود ما باشره حسا بقدرة من زوال النجاسة وستر العورة لأنه أمر حسي وفي ~~مسألتنا حصول الطهارة حكم فلابد من وجود تمام العلة ليحصل الحكم المبني عليه. # قالوا: والدليل على أنه لم يحصل شيء من الطهارة أنه لا يفيد حكما ما، ~~وكيف يتصور وجوب طهارة حكمية خالية من كل حكم؟ # قالوا: ولا يلزم إذا كان عنده سؤر الحمار حيث يلزمه التوضئ به عندنا، ~~لأنه لم يعدم الطهور بيقين لأنه يجوز أنه طهور وفي مسألتنا عدم الطهور بيقين. # الجواب: # إنه قولهم: ((عدم الطهور)) في طهارة الصلاة ممنوع على الإطلاق بل نقول: ~~وجد الطهور في بعض الطهارة على ما سبق بيانه. # وقولهم: ((إن هذه الطهارة حكمية)). # قلنا: حكم مبني على فعل محسوس وهو غسل الأعضاء. # وقولهم: ((محللة للصلاة)). # قلنا: نعم، ولكن عند تمامها وكمالها، فأما قبل التمام والكمال فيوجد بقدر ~~ما حصله ولا يفيد حل الصلاة ألا بعد تمامها وكمالها مثل ما لو شهد شاهد عند ~~الحاكم فهو شهادة لكن لا يفيد حكما إلا بعد تمامها وكمالها فإن أمكنه أن ~~يتمها بالماء فعل وإلا فعدل إلى التيمم فيها ونزل إتمام الطهارة منزلة أصل ~~الطهارة في الماء والتراب عند وجوده وعدمه. PageV01P154 # وأما مسألة الرقبة فقد فرق بعض أصحابنا بصورة النص فإن الله تعالى قال في ~~شأن الكفار: {وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد} يعني رقبة، وبعض الرقبة لا ~~يكون رقة. # وأما في مسألتنا فالنص قوله: {فلم تجدوا ماء} والموجود ماء. # قالوا: المراد منه الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة، لأن هذا ~~اللفظ مسنون على ما سبق والمراد من السابق هذا. # قلنا: المراد من أول الخطاب الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة عند ~~القدرة عليها وما يغسل به البعض أيضا إذا لم يقدر إلا على ذلك لما بينا أن ~~الأمر إذا تناول مجموع أشياء ما يقدر عليه من ذلك يلزمه الإتيان به والعجز ms058 ~~عن الباقي لا يسقطه، وأيضا فإن العتق عن الكفارة محض حكم. لأنه تكفير فلا ~~يحصل شيء منه إلا بظهور حكمه. # وأما الوضوء حكم مبني على فعل محسوس فبقدر ما يوجد من الفعل المحسوس ~~يبتنى عليه المحكوم كما نقول في إزالة النجاسة وستر العورة. # ولهذا لو أعتق نصفي رقبة لا يجوز، ولو غسل/ هاهنا بعض الأعضاء وأعوز ~~الماء الباقي ثم وجده من بعد بنى على ما فعله مثل قبل ولا يستأنف الوضوء ~~ويمكن أن يقال في الجواب عن أصل الطريقة: أن الطهارة معنى يحتاط فيها شرعا ~~فإذا قدر منها على بعض ما لو تم يفيد الحكم الشرعي من الطهارة المحلة ~~للصلاة ويلحق بالكل في تناول الأمر إياه في لزوم الفعل ليظهر الاحتياط ~~المشروع فيها فعلا. PageV01P155 # ونظيره القدح الواحد الذي لا يسكر من الخمر ملحق بالعدد منه احتياطا ~~للتحريم المشروع فيه، لأنه في الشرع مبني على الاحتياط وعلى هذا خرج فصل ~~الرقبة، لأن التكفير لم يبن على الاحتياط في تحصيله ليلحق البعض منه عند ~~القدرة عليه بكله في لزوم فعله هذا غاية الإمكان في الجواب عن فصل الرقبة. ~~ولم نستعن في هذه المسألة بما أورده الأصحاب من المجروح في بعض أعضائه لأن ~~مذهبهم في ذلك أن الواجب هو التيمم إذا كان الجرح بأكثر أعضائه، والواجب هو ~~التطهير بالماء إذا كان الجرح بأقل أعضائه، ولا يثبتون الجمع بين التيمم ~~والوضوء بحال. # وأما قولهم: ((إن ما قلتم يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل)). # قلنا: لا، لأنا نثبت التيمم في محل الغسل ولا نثبت الغسل في محل التيمم ~~فلا جمع، وإذا لم يحد المحل لم يقع المنع، كما توضأ وسبقه الحدث في خلال ~~الصلاة فلم يجد الماء يتيمم عندهم، وقد جمع بين الأصل والمبدل ولكن لا في ~~محل واحد فلم يمنع منه كذلك هاهنا. والله تعالى أعلم. # * * * PageV01P156 ### || AUTO (مسألة) # إذا نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم ذكره أعاد # عندنا. # وعندهم: لا يعيد، إلا أبا يوسف فإنه وافقنا فيما قلناه. # لنا: # إن التيمم أخطأ محله ms059 فلم يصح، وإنما قلنا إنه أخطأ محله، لأن محل التيمم ~~حال عدم الماء بنص الكتاب، وهذا واحد للماء حقيقة وحكما. # أما الحقيقة فلأنه واجد قبل النسيان فإذا نسى لا يصير عادما، لأن النسيان ~~لا ينافي الوجود، وإنما ينافي الذكر فيكون واجدا ناسيا. # يبينه أن رحله في يده والماء في رحله فيكون الماء في يده فكيف يتصور أن ~~يقال هو عادم لشيء في يده وقبضه؟ PageV01P157 # أما الحكم: فلأنه وجد على الماء علم ظاهر وهو عمله برحله، ورحل المسافر ~~قلما يخلو عن الماء وإن خلا فهو نادر، وكما لو نزل المسافر بجنب قرية عامرة ~~لا يجوز له التيمم، لأن القرية قلما تخلو عن الماء فلا يجوز أن يجعل عادما ~~للماء والحالة هذه، كذلك هاهنا. # وإذا ثبت ما قلناه من وجود الماء فنقول: التيمم صح في الظاهر، لأنه ظن ~~أنه عادم للماء، ولم يصح حقيقة، لأنه غير عادم له حقيقة وقد تبين ذلك ~~فيلزمه الإعادة، كما لو كان عنده رقبة وهو ناس لها فصام ثم ذكر الرقبة ~~يلزمه إعتاقها، وكذلك إذا كان ثوبا وهو ناس له فصلى عاريا ثم ذكر يجب عليه ~~الإعادة. # وكذلك إذا ظن أنه على الوضوء فصلى ثم تبين أنه ليس على الوضوء والأمثلة تكثر. # وأما حجتهم: # قالوا: عاجز عن استعمال الماء فيجوز له التيمم، كما لو كان يخاف العطش. ~~والدليل على أنه عاجز أن القدرة لا تكون إلا بالوصول إلى الماء ولا يتصور ~~الوصول إلا بالذكر، فدل أنه عاجز، وربما يقولون: النسيان حائل بينه وبين ~~الماء، فصار كما لو كان حائل من سبع أو غيره. # قالوا: وأما ((قولكم إنه واجد للماء))، نسلم الوجود إنما ندعى العجز عن ~~الاستعمال مع الوجود، كما يعجز عند خوف العطش بل العجز في مسألتنا فوق ~~العجز بالعطش. # وأما قولكم: ((إنه وجد علم ظاهر على الماء)). # قلنا: ذلك الظاهر قابله ظاهر آخر، وهو أن ما يكون في رحله يكون بعلمه ~~ووضعه فلو كان فيه ماء لم يخف عليه، وإذا تقابل الظاهران سقطا وبقى ما قلنا ms060 ~~إنه عاجز عن استعمال الماء. PageV01P158 # وأما فصل نسيان الرقبة ونسيان الرقبة ونسيان الثوب فقد منعوا المسألتين. # واعتذر أبو زيد عن فصل الرقبة وقال: تفسير الوجود في الرقبة هو الملك. # ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده الذي عليه كفارة الظهار أو القتل: اعتق ~~هذا العبد عن كفارتك لا يجوز، وإن وجد الرقبة لأنه لا ملك له. # وأما تفسير الوجود في الماء هو القدر بدليل أنه لا يعتبر ملكه، ولو بذل ~~له الغير ماء من غير تملك لم يجز له التيمم. # قال: وأما إذا نسى الطهارة أصلا فلأن الطهارة شرط الصلاة ولا .... / في ~~إسقاط أصلا. # وأما في مسألتنا جواز التيمم لا يؤدي إلى أصل الطهارة، لأنه إن لم يوجد ~~الوضوء فقد وجد التيمم. # الجواب: # أما قولهم: ((إنه عاجز عن استعمال الماء)). # قلنا: أيش تعنون بهذا إن عنيتم به من حيث الظاهر، فمسلم، وإن عنيتم من ~~حيث الحقيقة فليس كذلك، لأنه قادر على الماء حقيقة، لأن القدرة هو التمكن ~~وإذا كان الماء في رحله فهو متمكن منه لأنه متمكن من رحله فيكون متمكنا من ~~الذي يشتمل عليه رحله وإذا كان قادرا حقيقة عاجزا من حيث الظاهر، والعجز ~~الظاهر من غير حقيقة لا ينتصب علة من جواز الانتقال إلى التيمم، وعلى أنا ~~قد بينا أنه وجد علم ظاهر على الوجود، وذلك علم على الوجود والقدرة جميعا. PageV01P159 # وقولهم: ((إنه قد قابله ظاهر آخر)). # قلنا: والظاهر الذي قلتم قابله ظاهر آخر، وهو أن الماء الذي في رحله وإن ~~كان الظاهر أنه يكون بوضعه وعمله، ولكن الإنسان تعتريه الغفلة والنسيان ~~فيغفل عن الشيء، ثم ينتبه، وينسى الشيء ثم يذكره فينبغي أن يحمل أمره على ~~هذا، ويطلب الماء في رحله ويفتشه حتى يعثر عليه وخرج على ما قلناه إذا كان ~~على رأس بئر مطموم وليس عليه أثر، تيمم ثم إنه وجد، وكذلك إذا ضل رحله بين ~~الرحال يخرج على ما قدمنا إن سلمنا، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P160 ### || AUTO (مسألة) # لا يحل وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم، وإذا كان ms061 لأكثر مدة الحيض حتى تغتسل # عندنا. # وعندهم: يحل وطئها بدون الاغتسال في هذه الصورة. # قالوا: ولو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض لم يحل الوطء قبل الاغتسال أو ~~مضى وقت الصلاة)). # لنا: # قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فاتوهن ...} # وقوله: {فإذا تطهرن} معناه فاغتسلن، وقد قرئ ((حتى تطهرن)) PageV01P161 # بالتشديد. وهو صريح في الاغتسال بدليل قوله تعالى: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} أي اغتسلوا. فعدمه التحريم إلى حالة الاغتسال فلا يحل قبله، ~~والاعتماد على الآية، ولا تأويل لهم لقوله: {حتى يطهرن} بالتشديد، لأنه لا ~~يحتمل سوى الاغتسال إلا أنهم ربما يقولون: يحتمل أن يكون المراد به حال ~~انقطاع الدم لأقل من أكثر الحيض وهو تأويل ضعيف. لأن الآية لم تتعرض بحالة ~~دون حالة فيجب إجراؤها على ما يقتضيه إطلاقها حتى يقوم دليل قطعي يوجب ~~خلافه، وعلى أنهم لا يقولون بهذا التأويل فإن عندهم: لا يقف حل الوطء على ~~الاغتسال وإن كان الانقطاع لأقل من أكثر الحيض فإنهم قالوا: لو مضى عليها ~~وقت الصلاة حل وطئها ولا اغتسال في هذه الصورة، ولا مجال للمعنى في المسألة ~~سوى أن يقال: إن حدث الحيض قائم بعد الانقطاع إلى أن تغتسل وهو أثر من ~~آثاره فيعمل أثر الحيض عمل نفسه فيما بنى أمره على الاحتياط كالعدة تعمل ~~عمل النكاح في تحريم العقد، والاعتماد على الآية. # وأما حجتهم: # قالوا: انقطع الحيض عنها بيقين فحل للزوج وطئها. # دليله: إذا اغتسلت ولا إشكال في انقطاع الحيض بيقين، بدليل أنه لو عادوها ~~الدم يكون استحاضة ولا يكون حيضا. PageV01P162 # وأما وجه التأثير فهو في غاية الظهور، لأن المحرم نفس الحيض، وهو آيل إلى ~~الارتفاع والزوال فإذا زال المحرم وجب أن يزول التحريم، لأن زوال العلة ~~يوجب زوال المعلول، كما لو اغتسل مع الانقطاع فإنه ليس لزوال التحريم هاهنا ~~سبب سوى زوال الحيض. وربما عبروا عن هذا، وقالوا: إن التحريم بالأذى، قال ~~الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} وقد ~~زال ms062 الأذى بالانقطاع وإنما بقى مجرد الحدث وهو غير مانع من الوطء بدليل حدث ~~الجنابة وخرج على هذا استباحة الصلاة ومس المصحف وغيره، لأن الحدث مانع منه ~~بدليل حدث الجنابة. # أما الوطء فنفس الحيض مانع منه لأن الجنابة ونفس الحيض قد زالا. # قالوا: وأما قولكم: ((انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض)) فلم يزل الحيض ~~بيقين لجواز أن يعود الدم فضعف الطهر عن الحيض فوقعت حقيقة الوطء على ثبوت ~~حكم من أحكام/ الطاهرات لها وذلك إما بوجود اغتسال صحيح منها أو وجوب صلاة ~~في ذمتها حتى يقوى الطهر عن الحيض بانضمام هذا المعنى الحكمي إليه. # وأما في مسألتنا فقد قوى الطهر عن الحيض بنفس الانقطاع، لأنه لا يتوهم ~~العود فاستغنى عن معنى ينضم إليه فيقويه. # وقد تعلق بعض مشايخهم بالصوم، وقالوا: طهر يفيد إباحة الصوم فيفيد إباحة ~~الوطء. دليله ما بينا. # وقالوا: وكما أن حرمة الوطء معنى يختص بالحيض فكذلك المنع من الصوم معنى ~~يختص بالحيض فكل واحد قرينة صاحبه فاستويا. PageV01P163 # الجواب: # إنا اعتمدنا على نص الكتاب، ولا نسمع القياس المعنوي في مقابلته، ويمكن ~~أن يقال إن الحيض وإن انقطع بيقين، ولكن أثره قائم فيعمل عمله كما بينا، ~~ويدخل على ما قالوه إذا انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض. # وقولهم: ((إنه يتوهم عود الدم))، يبطل بما بعد الاغتسال. # وقولهم: إنه يقوى الطهر عن الدم بالاغتسال. # قلنا: ولم قالوا: لأن صحة الاغتسال حكم الطاهرات؟ # قلنا: فقولوا إنه يقوى بنفس وجوب الاغتسال، لأنه من حكم الطاهرات أيضا ~~وعلى هذا انقطع لهم الكلام. # والجواب عن فصل الأذى بما قلنا أن الأذى وإن زال فأثره قائم. وأما من ~~تعلق منهم بصحة الصوم فيبطل بما لو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض، ويقال ~~أيضا من حيث المعنى: إنه لا يحتاط في المنع من الصوم حتى يقوم أثر الحيض ~~فيه مقام نفسه بخلاف المنع من الوطء. والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV01P164 ### | AUTO كتاب الصلاة ### || AUTO (مسألة) # الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا # . وهو قول أبي شجاع الثلجي من أصحابهم، ms063 وقد اختاره أبو زيد في أصوله. # وذهب الكرخي وجماعة من أصحابهم أنها تجب بآخر الوقت. PageV01P165 # واختلفوا في المؤدى في أول الوقت: # فقال بعضهم: هو نفل يسقط به الفرض الواجب في آخر الوقت مثل الزكاة ~~المعجلة. ومنهم ن قال: هو موقوف إن أدرك آخر الوقت وهو من أهل الوجوب كان ~~المؤدى واجبا وإن لم يدرك كان المؤدى نفلا. # ومنهم من قال: المؤدى واجب، فعلى هذا يكون الوجوب بأحد المعنيين إما ~~بإدراك آخر الوقت أو باختيار المكلف فعل الصلاة في آخر الوقت. # لنا: # إن الأمر يفيد الوجوب باتفاق مننا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت لأن ~~الخلاف في أمر مؤقت معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون ~~متناولا جميع الوقت وإلا فلا يكون الأمر مؤقتا، وإذا تناول جميع الوقت ثبت ~~الوجوب في جميع الوقت فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة. ونظير ما قلناه قول ~~السيد لغلامه: افعل كذا غدا أو افعله وقت الظهر، يكون الخطاب متناولا جميع ~~الوقت المذكور حتى يكون فاعلا بأمر إذا فعله. # يبينه أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر أول الوقت فإن كان الأمر فقد وجد ~~في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل فلابد من الحكم بالوجوب على كل واحد ~~من السببين. # ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء ~~المأمور أو ينوي المفروض، وإذا أدى الواجب وأداء الواجب في وقت دليل على ~~وجود وقت الواجب لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته. PageV01P166 # وأما حجتهم: # قالوا: مخير في أول الوقت بين فعل الصلاة وتركها فلا تكون واجبة فيه. ~~دليله النافلة، وهذا لأن حد الواجب ما لا يسع تركه فإذا وسع الترك ل على ~~أنه ليس بواجب. # وربما يقولون: لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره، لأن الواجب مرة لا ~~يجب ثانيا فلما وجب في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن واجبا في أوله. # قالوا: ولأنه وجب في أول الوقت وجب أن يأثم إذا/ مات قبل فعله وحين لم ~~يأثم إذا مات ms064 في أول الوقت قبل فعله، لما أنه لم يكن واجبا، وأيضا لو وجب ~~لاستقر بإدراك وقت فعله ولو استقر لم يتغير بالسفر، وحين أجمعنا على أنه لو ~~سافر في آخر الوقت يجوز له القصر علمنا أنه لم يجب أصلا. # الجواب: # أما قولهم: ((إنه مخير بين فعل الصلاة وتركها))، لا نسلم إطلاق الترك على ~~ما زعموا، بل إنما نطلق له الترك بشريطة وهو العز على فعلها في آخر الوقت ~~وما لم يكن على هذا العزم لا يجوز له تركها في أول الوقت. # فإن قالوا: أتقولون إن العزم بدل عن الواجب من الفعل؟ # فإن قلتم: ليس ببدل فقد أطلقتهم الترك، لأنه إذا ترك لا إلى بدل تحقق ~~الترك، وإن قلتم: هو بدل فأقمتموه مقام الأصل في سقوط الأمر عنه وتأدى ~~المصلحة به. يدل عليه أن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت فكيف يتصور ~~أن يكون بدلا؟ PageV01P167 # قلنا: لسنا ندعي أن العزم بدل عن الواجب ولكن أردنا بما قلنا أن نبين أن ~~الترك على الوجه الذي ظنوه من مذهبنا لا مطلقه. # وتبين بهذا الشرط وقوع الفرقان بينه وبين النافلة. # وإن قلنا: بدل، فهو بدل من وجه لا من وجه، وإنما يقوم البدل مقام الأصل ~~في سقوط الواجب إذا كان بدلا من كل وجه. # ونعني بقولنا: ((بدل من وجه لا من وجه)) أنه بدل تركه في أول الوقت لا ~~بدل تركه أصلا وهذا جواب. # وجواب آخر: وهو الأولى، قولكم ((مخير في أول الوقت بين الصلاة وتركها)) ~~لا نسلم أن الموجود ترك الصلاة بل هو تأخير من وقت لها إلى وقت مثله ~~ليؤديها فيه على ما كان يؤديها في أول الوقت، وإنما جاز هذا التأخير، لأن ~~الوجوب تعلق بأول الوقت على وصف التوسع، ومعنى قولنا: ((وجب موسعا)) هو هذا ~~فإن الشارع كلفه أداء الصلاة في أول هذا الوقت المسمى وهو وقت يسع للمأمور ~~ويفضل عنه فضلات كثيرة فقيل: وجب وجوبا موسعا على معنى أن المكلف يتخير في ~~الواجب إن شاء فعله في أول الوقت ms065 وإن شاء فعله في أوسطه وإن شاء فعله في ~~آخره مثل الأمر المطلق في الكفارات وقضاء الصلوات والحج على أصلنا، ويلزمه ~~مع هذا ألا يخلي الوقت عنه فصار التأخير الذي تعلقوا به فائدة الوجوب على ~~وصف التوسع فلم يدل على سقوط أصل الوجوب، وعلى هذا صار الواجب على وصفين: ~~واجب مضيق، وواجب موسع، فالمضيق ما لا يسع تأخيره كالإيمان إذ لا يفضل وقته ~~عنه وكالصوم، والموسع ما يفضل الوقت عنه ويسع تأخيره، والوجوب موجود في ~~الصورتين فهذا هو الموضع الذي خفى على القوم بلوغه ولم يدركوا حقيقته. # وأما قولهم: ((إنه لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره)). PageV01P168 # فهوس، فإنه لا يتجدد الوجوب عندنا بآخر الوقت إنما يمتد الوجوب إليه على ~~التوسع. # وقولهم: ((لو مات بعد التأخير لم يأثم))، فقد منع ذلك بعض من لم يعرف ~~حقيقة المسألة، وقال: لا تتم المسألة إلا بمنع هذا والمنع بعيد، وهو يخرج ~~على ما قلنا، لأن عدم الإثم إنما هو لقولنا إنه وجب وجوبا موسعا مطلق ~~التأخير إلى وقت مثله وكذلك جواز القصر بالسفر، وهذا لأن عندنا جميع الوقت ~~لهذه الصلاة كشيء واحد، والموجود في أوله وآخره كوجود واحد فيكون حكم الكل ~~واحد، وخص هذه المسألة من الأصول. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P169 ### || AUTO (مسألة) # الإقامة فرادى # عندنا. وعندهم مثنى. # لنا: # حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن PageV01P170 # يشفع الأذان ويوتر الإقامة. # وفي رواية أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر ~~الإقامة إلا الإقامة، والخبر في الصحيحين. # وروى وهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة وزاد ~~فيه ألفاظا، دل على أن الأمر لبلال كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم -. # وروى موسى بن إسماعيل عن وهيب، وعبد الوهاب عن خالد عن PageV01P171 # أبي قلابة عن أنس. قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا/ وقت الصلاة بشيء ~~يعرفوه فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا، فأمر بلال أن يشفع الأذان ~~ويوتر ms066 الإقامة، وقد كان هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعا ~~فيكون الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لا يجوز أن يأمر غيره في ~~زمانه بلالا بالآذان. # وقد قال بعض الجهال من المخالفين: يحتمل أن يكون الآمر لبلال بعض أمراء ~~بني أمية. # وهذا محال لأن بلالا رضي الله عنه أذن في زمن النبي عليه السلام فلما ~~توفي - صلى الله عليه وسلم - أذن صدرا من خلافة أبي بكر ثم إنه استأذنه في ~~الخروج إلى الشام حين جهز أبو بكر الجيوش إلى الشام ولم يؤذن لأحد من بعد ~~إلى أن توفى بالشام في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان. # وقد ذكر الدارقطني في سننه برواية إسماعيل بن إبراهيم عن خالد PageV01P172 # الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: ((أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)). وعلى هذا انقطع الكلام. # وعن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أن المؤذن كان إذا قال: ((قد قامت ~~الصلاة)) قال: ((قد قامت الصلاة مرتين))، وعن سلمة بن الأكوع قال: كان ~~الأذان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثنى مثنى، والإقامة فرادى. # وروى ابن عمر أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أذن اثنتي ~~عشر سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون ~~حسنة))، وهذا دليل على أنها على النصف من الأذان. PageV01P173 # وروى عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن أبيه (عن) علي رضي الله عنه. ~~قال: نزل جبريل بالإقامة مفردا وسن النبي عليه السلام الأذان مثنى مثنى. ~~والأخبار في هذا الباب كثيرة واقتصرنا على هذا القدر، ولا مزيد عليه. # وقد أول بعضهم الخبر الذي رويناه قال: معنى الشفع في الأذان والإيتار في ~~الإقامة هو أن يشفع بصوتين صوتين، ويوتر بصوت صوت، وليس هذا بشيء، لأن في ~~الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة هي الكلمات ms067 لا الصوت ~~المسموع في الكلمات. وعلى أن في الخبر قال: ((إلا الإقامة)). وعندهم كما ~~نقول سائر الكلمات في الإقامة بصوت واحد كذلك نقوله قوله: ((قد قامت ~~الصلاة)) بصوت واحد فبطل التأويل والاعتماد على الأخبار ولا مجال للقياس فيه. # ويمكن أن يقال: إن الإقامة مبنية على الخفة بخلاف الأذان بدليل الإيتار ~~في الصلاة على ما قالوه، ولأنه يسترسل فيها ولا يمد كما يمد في الأذان، ~~وهذا لأنه إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة. PageV01P174 # وأما الأذان فإنه دعاء الغائبين، ودعاء الغائبين وإسماعهم يكون بزيادة ~~مبالغة في نفس الأذان وصفاته ليقع إسماعهم ودعائهم فيحضروا، وأما إعلام ~~الحاضرين فلا حاجة فيه إلى مثل ذلك المبالغة فاقتصر على المرة الواحدة ~~والأولى هو الاقتصار على الأخبار. # وأما حجتهم: # تعلقوا بحديث ابن أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن ~~عبد الله بن زيد قال: كان أذان النبي - صلى الله عليه وسلم - شفعا شفعا في ~~الأذان والإقامة. # ورواه أيضا وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. PageV01P175 # ورووا أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان في منامه حكى الأذان على ما هو ~~المعهود قال: ثم مكث ساعة ثم قام وقال مثل ذلك، وزاد قوله: ((قد قامت ~~الصلاة)). # وربما رووا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل هذا الخبر. # وتعلقوا أيضا بحديث مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة أن النبي علمه ~~الأذان سبعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشر كلمة، وهذا خبر صحيح. PageV01P176 # ورووا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: سمعت بلالا أذن بمنى بصوتين ~~صوتين وأقام مثل ذلك)). # وفي رواية أخرى عن أبي جحيفة قال: كان بلال يؤذن ويقيم مثنى مثنى. # قال: وروى عبد الرازق عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود أن بلالا ~~كان يثنى الأذان ويثنى الإقامة، وكان PageV01P177 # يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير. وهذه الأخبار نصوص في الباب وهو أولى من ~~أخباركم. لأنها/ تتضمن زيادة لم تتضمنها أخباركم، والمثبت ms068 للزيادة أولى من ~~المنافي. # ورووا عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أول من نقض الإقامة معاوية. ونقلوا عن ~~مجاهد أنه قال: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى حتى قام بنو أمية وأفردوا ~~الإقامة للسرعة. # أما المعنى فاعتبروا الإقامة بالأذان وهذا لأن كل واحد منهما ذكر الله ~~وإعلام الصلاة فاستويا. # الجواب: # إن الأخبار التي رووها عامتها ضعيفة الإسناد. # أما خبر عبد الله بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالرجال أن عبد الرحمن ابن ~~أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد شيئا، وكذلك لم يسمع من معاذ شيئا ولم ~~يدركهما أصلا. PageV01P178 # وقد قيل: إن عبد الله بن زيد الذي أدى الأذان استشهد يوم أحد. # وذكر أبو دا ود في سننه برواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه هذا ~~الخبر وذكر فيه أنه حكى إفراد الإقامة. # وقيل إن هذه الرواية أصح الروايات في الباب. # وأما حديث أبي محذورة عن أبيه هذا الخبر وفيه ((أنه علمه الإقامة فرادى: ~~الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ~~حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قد قامت ~~الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، وقد كان الأذان بمكة في ~~أولاد أبي محذورة وكان يفردون الإقامة فه كان المعمول به بالحرمين في زمان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن استولى البصريون على PageV01P179 # الحجاز وذلك سنة اثنتي وستين وثلثمائة فغيروا الإقامة فدل أن الصحيح من ~~حديث أبي محذورة ما كان عليه أولاده، وما عرف من المعمول بمكة والمدينة. # وأما حديث عون بن أبي جحيفة فقد قالوا: إن الراوي له زياد ابن كليب عن ~~إدريس الأودي عن عون بن أبي جحيفة، وزياد بن كليب وهم في هذا الخبر على ~~أدريس الأودي، وقد أورد هذا الخبر في الصحيح وذكر الأذان خاصة ولم يذكر ~~الإقامة. # وأما حديث الأسود فلم يدرك أذان بلال لما بينا أنه لحق بالشام في زمان ~~أبي بكر. PageV01P180 # وقد رووا ms069 أيضا عن سويد بن غفلة أيضا أن بلال كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، ~~وسويد أيضا لم يدرك أذان بلال. # وقد نقلنا عن أنس أن بلالا بماذا أمر. # ونقل أيضا سعد القرظ أذان بلال، وحكى فيه الإقامة فرادى وهو خبر ثابت، ~~وقد كان سعد نائب بلال في الأذان وكان مؤذن مسجد قباء، وقد أذن لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأقام لعمر، وعثمان مرة مرة، وبلال أقام لأبي بكر ~~مرة مرة، والراوي شريك وحماد بن أبي سليمان لخبرهم، ولم تخرج الرواية عنهما ~~في الصحيح، فهذا أيضا يوجب ضعفا في الراوية. # واعلم أن الأذان والإقامة شعار من شعائر الإسلام، فالأول في الرجوع فيه ~~إلى ما عليه أكثر أهل الإسلام. # وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان أن الإقامة كانت لهم مرة مرة بفعل بلال ~~وسعد القرظ. PageV01P181 # وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن إقامة علي رضي الله عنه كانت مرة مرة. # وعن بكير بن عبد الله الأشج قال: ((أدركت أهل المدينة في الأذان على مثنى ~~مثنى، والإقامة مرة واحدة)) وبكير بن عبد الله من كبار فقهاء التابعين ~~وخبرة هذا عن الصحابة والتابعين بالمدينة. # وعن ثوبان قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، وكان مؤذننا وإمامنا ~~وكان إذا أذن ثنا وإذا أقام أفرد. # وعن مجاهد قال: كان أذان عبد الله بن عباس مثنى مثنى، وإقامته مرة رمة. # وروى قتادة عن قيس أنه كان أذانه مثنى مثنى وإقامته واحدة. PageV01P182 # روى يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه كان إذا أذن ثنى وإذا أقام أفرد. # وروى إفراد الإقامة عن سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة بالمدينة وعن ~~الحسن البصري كذلك. # وكذلك عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبي ~~قلابة، وعراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، وابن شهاب الزهري وغيرهم ممن ~~يكثر عددهم. # وقد ذهب إلى هذا من الأئمة مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن ~~حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم، ولم ينقل ما صاروا ms070 إليه عن أحد من الأئمة ~~إلا عن سفيان وابن المبارك. # وقد ورد في الخبر: ((عليكم بالسواد الأعظم)) وهو معنا في هذه المسألة. ~~وأما الذي رووه عن إبراهيم فقد روى محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: ~~((أول من نقض التكبير في الصلاة وخطب قبل الصلاة في العيد وجلس على المنبر ~~ونقض الإقامة معاوية بن أبي سفيان)). # والمنقول بالضاد لا بالصاد، وكان نقضه بالإقامة إن جعلها مثنى مثنى، فإنا ~~روينا أن الإقامة كانت فرادى في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والخلفاء الراشدين من بعده فذكر إبراهيم أن أول من غيرها معاوية بن أبي ~~سفيان. PageV01P183 # قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ: ((والدليل على المنقول عن إبراهيم هكذا، ~~أنا روينا عن إبراهيم النخعي ما يوافق مذهبنا)). # روى إسحاق عن جرير عن مغيرة بن إبراهيم قال: لم يكونوا يرون بأسا إذا ~~انتهى المؤذن إلى قوله: ((حى على الصلاة، حى على الفلاح)) أن يقولها مرة ~~مرة في الإقامة وكانوا يقولونها في الأذان مرتين مرتين. قال الحاكم: ول كان ~~عند إبراهيم سنة صحيحة في تثنية الإقامة لم يرخص في إفرادها، كما لو يرخص ~~في الأذان، فإذا جمعنا بين الروايتين عن إبراهيم ظهر أن نقض الإقامة ~~تثنيتها لا إفرادها. # وأما الذي نقلوا عن مجاهد فلا يعرف أصلا، وقد بسطنا القول في هذه المسألة ~~زيادة بسط لأنها شعار المذهب. # وأما تعلقهم بالزيادة في ترجيح الأخبار فقد بينا أنه لا تعارض حتى يصار ~~إلى الترجيح، ثم ينعكس عليهم في الترجيح، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P184 ### || AUTO (مسألة) # إذا اشتبهت القبلة على إنسان فصلى على جهة بالتحري ثم تبين أنه أخطأ ~~القبلة فإنه يلزمه الإعادة على أحد القولين # . # وعندهم: لا يلزمه، وهو القول الثاني، واختيار المزني. # لنا: # إن الأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد الاشتباه قائم بدليل أنه قد كان مأمورا ~~بالتوجه إلى الكعبة ولم يوجد إلا الاشتباه، واشتباه الكعبة لا يوجب سقوط ~~الأمر بالتوجه إلى الكعبة، لأن الاشتباه إلى الارتفاع، ولأنه يتصور إصابة ~~الكعبة مع الاشتباه فلم يسقط الأمر ms071 بالتوجه إليها. PageV01P185 # يبينه أنه أذا اشتبه الثوب الطاهر في ثوبين: نجس وطاهر، واشتبه الماء ~~الطاهر في أواني بعضها طاهر وبعضها نجس، فإنه لا يسقط وجوب الصلاة في الثوب ~~الطاهر والتوضئ بالماء الطاهر، كذلك في مسألتنا، وإذا ثبت أن الأمر السابق ~~قائم كلف التوجه إلى الكعبة فإذا ظهر الخطأ فقد تبين أنه أخطأ ما كلف ~~إصابته فيجب عليه أن يعيد الصلاة ليأتي بالصلاة على وفق المأمور، فإن كان ~~الوقت قائما أدى وإن كان فائتا قضى، ونظيره إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ~~ظهر له النص بخلاف ما حكم فإنه ينقض حكمه لما بينا من المعنى، كذلك هاهنا، ~~وكذلك إذا صلى في يوم غيم بغالب الظن، ثم تبين أنه صلى قبل الوقت فإنه ~~يلزمه الإعادة، كذلك هاهنا، ولا فرق بينهما عند التأمل. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~قالوا: (نزلت هذه الآية في شأن الصلاة حالة الاشتباه بدليل ما روى عن عامر ~~بن ربيعة قال: كنا في سفر فاشتبهت علينا القبلة فصلينا بالتحري فلما أصبحنا ~~علمنا أنا أخطأنا القبلة فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية)). PageV01P186 # قالوا: وآية استقبال الكعبة لا ترد هذا، لأن هذا الآية نزلت حال ~~الاشتباه، وتلك الآية نزلت في حالة العلم، وهذا لأن حقيقة شرط الصلاة ~~استقبال وجه الله بنص الكتاب لأنه قام إلى تعظيمه وعبادته كما يكون في ~~الشاهد إلا أن أفعال العباد لم تشرع إلا على سبيل يكون العبد مبتلى بأدائه ~~بضرب اختيار طاعة الله تعالى على خلاف هواه وفي استقبال وجه الله تعالى على ~~الحقيقة لا يتصور معنى الابتلاء، لأن الله تعالى لا جهة له فلا يتوجه العبد ~~شطرا إلا وثم وجه الله كما قاله الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~فأقيمت الكعبة مقام الحقيقة ليتحقق الابتلاء بقصد تلك الجهة، ولما اشتبهت ~~أمر بجهة هي عنده جهة الكعبة ليتحقق معنى الابتلاء بطلبها فإذا فعل تم شرط/ ~~صحة الفعل عبادة ولم يتبين الخطأ ms072 من بعد، لأن المراد وجه الله وقد أصاب وما ~~أخطأه)، وخرج على هذا فصل الحاكم إذا اجتهد ثم ظهر له النص، لأن الأصل هو ~~النص في الحادثة إذا وجد وقد أخطأه وهاهنا الأصل وجه الله وقد أصابه على ما بينا. # وكذلك سائر المسائل، هذا استدلال أبي زيد في الأسرار بالآية قال: ~~(والمعنى أن التكليف من الله تعالى مبنى على وسع العبد أو دونه وليس في وسع ~~الغائب عن الكعبة إصابة عينها فإن النجوم تدل على الجهة دون العين فسقط ~~إصابة العين بالإجماع، فكذلك إصابة جهة الكعبة تسقط إلى جهة الكعبة في ظنه ~~وتحريه إذا تغيمت السماء) وفقدت PageV01P187 # الدلائل، لأنه ليس في وسعه إصابة الجهة حقيقة، وبقى الأمر بالصلاة إلى ~~جهة هي جهة الكعبة وقد فعل وأدى الصلاة إلى ما كلف وفعلها على الشرط الذي ~~أمر فلا يجب عليه إعادتها بحال. # وربما يعبرون عن هذه فيقولون: إن الغائب عن الكعبة لا يعرفها إلا بالدليل ~~وقد خفيت الدلائل ولم يبق إلا فراسة القلب وشهادته فإذا صلى على ذلك وتوجه ~~إلى جهة شهد قلبه أن الكعبة في تلك الجهة فقد أتى ما أمر. # واستدلوا من حيث الحكم في أنه غير مأمور بالصلاة إلى الكعبة حقيقة أنه لو ~~تحرى ومال رأيه إلى جهة ثم ترك الجهة وصلى إلى جهة أخرى وتبين أنه أصاب ~~الكعبة لا تجوز صلاته لأنه خالف القبلة، ولو كانت قبلته الكعبة لجازت ~~صلاته، كما نقول لو تحرى في الثوب، أو الماء في موضع الجواز عندنا وترك ~~تحريه وصلى في الثوب الآخر أو توضأ بالماء الآخر ثم تبين أنه قد أصاب من ~~الثوب الطاهر أو الطاهر من الماء فإنه تجوز صلاته. ثم قالوا: مسألة الثوب ~~والماء، الدليل الموصل إلى نجاسة الثوب والماء قائم في حال الاستعمال، لأنه ~~إما أن يعلم بخبر مخبر أو أثر يراه أو كان في وسعه تحصيل ذلك العلم بالطريق ~~الذي ثبت له العلم بعد ذلك ومتى حصله يبقى معه، فإنه متى علم بنجاسة الثوب ~~ونجاسة الماء يبقى معه ms073 ذلك العلم فلما لم يحصل ذلك كان لتقصير وتفريط من ~~جهته فلم يكن معذورا إلا أنه لا يأثم لأنه لا يلحقه الحرج في تحصيله وإن ~~كان في وسعه، فمن حيث إنه يلحقه الحرج في تحصيله لا يأثم وتحريه الصلاة إذا ~~بقى الاشتباه، ومن حيث إنه يمكنه تحصيله لم يسقط الخطاب باستعمال ماء طاهر ~~والصلاة في ثوب طاهر. # وأما في مسألتنا فأكثر ما في الباب أن يتعلم علم النجوم ويعرف الدلائل ~~إلا أن هذه الدلائل لا تبقى معه حال الاشتباه، فلم يبق دليل سوى PageV01P188 # التحري والتحري لا يوصله إلى جهة الكعبة حقيقة فثبت سقوطها وبقى عليه ما ~~في وسعه. # قالوا: وكذلك إذا اجتهد الحاكم في حادثة ثم ظهر النص، لأنه مقصر في طلب ~~النص، لأنه لو طلبه على وجهه لأصابه فلم يكن معذورا. # فإن قلتم: هو مقصر هاهنا أيضا، لأنه كان في وسعه أن لا يسافر. # نقول: السفر مباح له، وربما يجب في مواضع فلا يعد مقصرا بالسفر وليس كما ~~لو تبين أنه صلى قبل دخول الوقت، لأنها مل تجب عليه بعد، لأنها تجب بدخول ~~الوقت وأداء الواجب قبل الوجوب لا يتصور. وأما هاهنا فالصلاة واجبة، وإنما ~~الكلام في شرط الأداء وهو أصابه، وقد أصاب ما كلف على ما سبق. # قالوا: وأما أصل الطلب إنما يوجب، لأن الطلب مطمع للوصول وإن كان غير ~~موصل حقيقة فوجب لهذا يبينه أنه لما وجب الطلب لرجاء أن يصب قام رجاء ~~الإصابة مقام حقيقة الإصابة في حق جواز الصلاة وسقط عنه إصابة الكعبة حقيقة العجز. # وهذا كالغازي افترض عليه الرمي إلى الكافر لرجاء إصابة الكافر وإذا رمى ~~ولم يصب نال من الثواب ما لو أصاب، لأن الإصابة متعذرة عليه فقام رجاء ~~الإصابة مقام حقيقة الإصابة. ويلزمون على قولنا أنه ظهر بعد ذلك. كما إذا ~~صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بالاجتهاد، فإنه لا يلزمه إعادة شيء منها، ~~وإن تيقن الخطأ في ثلاث صلوات منها، ويلزمون أيضا إذا تيامن أو تياسر ثم ~~ظهر ذلك فإنه لا ms074 يلزمه الإعادة كذلك إذا استدبر. PageV01P189 # الجواب: # قد دللنا أنه مأمور/ بالتوجه إلى الكعبة عند الاشتباه، ودللنا عليه ~~بدلائل معتمدة، ووجوب الطلب دليل قوي أيضا، لأن الواجب بالتحري طلب الكعبة ~~ووجوب طلبها دليل بقاء الأمر بالتوجه إليها. # فأما تعلقهم بالآية فهي نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت به ~~راحلته هكذا رواه ابن عمر. # وخبرهم رواه أبو الربيع السمان وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهم ~~متروكون ضعفاء. PageV01P190 # وقد روى الدارقطني هذا الخبر برواية جابر بن عبد الله بأسانيد حسنة. # وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أن خبر ابن عمر في الباب أحسن وأقوى ~~في الإسناد من خبر عامر بن ربيعة وجابر فيكون الأخذ به أولى. # وأما الذي قالوا: إن ((الواجب استقبال الله تعالى)). # قلنا: هذا شيء مخترع مردود على قائله. وإذا زعموا أنه لا جهة له كيف ~~يتصور استقباله، وإنما الواجب ه التوجه إلى الكعبة بنص الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة وإنما وقع لهم هذا الكلام من قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم ~~وجه الله}. # وقد بينا أنه ورد لا في موضع الخلاف، وعلى أن المراد من قوله: {وجه الله} ~~رضا الله أو عبارة عن القبول، وبه نقول في الموضع الذي حملنا عليه الآية. # وأما المعنى الذي تعلقوا به فهو مبني على حرف واحد وهو أنه لا يجوز أن ~~يكلف الإنسان ما ليس في وسعه، وليس في وسعه إصابة الكعبة حقيقة فسقط الأمر ~~بالتوجه إليها. # قلنا: نحن لا نكلفه ما ليس في وسعه فإنا وإن بقينا الأمر الأول عليه، ~~فإنما نكلفه بذلك الأمر بما يطيقه وما هو في وسعه، فإنا نقول: عليك طلب ~~الكعبة لتصور الوصول ثم وإن وصلت بهذا الطلب فقد حصل المقصود، وإن PageV01P191 # لم تصل وظهر لك يقين الخطأ فعليك أن تعيد الصلاة إلى جهة الكعبة فيبقى ~~واجب الأمر الأول عليه على هذا الوجه وهو في وسعه قطعا، ونظيره المسائل ~~التي أوردناها، ونختار منها: مسألة اجتهاد الحاكم، فإنها نظير هذه المسألة ~~من غير ارتياب فإن ms075 عليه طلب النص ولم يسقط بخفائه، ولكنه وجب عليه الحكم ~~باجتهاده، مع اعتقاد أنه إذا وجد النص بخلافه نقض الحكم وحكم بما يوافقه، ~~ولم يصير وجوب الحكم بالنص عليه حال الاشتباه تكليفا إياه ما ليس في وسعه ~~كذلك هاهنا. # وعذرهم عن هذه المسألة ومسألة الثوب والماء أنه مقصر، ليس بشيء. لأن ~~المسألة مصورة فيما إذا لم يقصر وطلب بغاية الجهد ولم يجد ولهذا لم يأثم. ~~وقولهم: ((إنما لم يأثم للحرج)). # قلنا: فأسقطوا عنه أصل الأمر للحرج، وكذلك مسألة الصلاة قبل الوقت لازمة ~~أيضا، وقولهم: ((إنه صلى هناك قبل الوجوب)). # قلنا: وهاهنا بلا شرط الجواز وقد عدت هذه المسألة من المشكلات. وقد اتضح ~~بما بيناه غاية الوضوح ولم يبق إشكال أصلا. # وأما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات فقد منع، وعلى أن الصلاة التي ~~أخطأ فيها القبلة غير متعينة له فلم يجب عليه الإعادة مثل ما لو قضى في ~~حادثة بأحكام وعلم أن فيها نصا يوافق بعضها ويخالف البقية، ولا يدري أيها ~~يوافق فإنه لا ينقض شيئا من الأحكام. # وأما مسألة ظهور التيامن والتياسر، لأن هناك ما ظهر يقين الخطأ، لأن ~~القبلة عين الكعبة ولا يصيبها إلا بالاجتهاد، وقد فعل ما فعل بالاجتهاد ~~بالاجتهاد فلو أمرنا بالإعادة نقضنا الاجتهاد بالاجتهاد، وفي مسألتنا تبين ~~يقين الخطأ حتى نقول: لو تبين نفس الخطأ في تلك المسألة نقول يجب عليه ~~الإعادة. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P192 ### || AUTO (مسألة) # إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لا إعادة عليه # عندنا. # وعندهم: عليه الإعادة وهو اختيار المزني. # والمسألة في نهاية الإشكال وهي واضحة للمخالفين، لأن المؤدي في أول الوقت ~~نفل فإذا أدرك بالبلوغ آخر الوقت وجب فرض الوقت عليه. # ألا ترى أنه لو لم يكن صلى وجب عليه، ولأنه وقت الوجوب فإذا أدركه الوجوب ~~بالغا فقد أدرك الوجوب بالغا فقد أدرك وقت الوجوب فأفاد الوجوب، وإذا ثبت ~~وجود سبب الوجوب فلو سقط بالمفعول في أول الوقت، وقد بينا أنه نفل، والنفل ~~لا يسقط به ms076 الواجب. وأما دليل صحة مذهب الشافعي رحمة الله عليه فقد قال بعض ~~أصحابنا: إن فرض الوقت يجب على الصغير PageV01P193 # وجوب مثله بدليل ورود الأمر/ به والضرب عليه عند الامتناع، وبدليل الأمر ~~بالوضوء وهو واجب وإذا وجب عليه وقد فعله فلا يجب ثانيا. # وهذا ليس بشيء لأن البلوغ شرط التكليف في العبادات البدنية بالإجماع بنص ~~النبي عليه السلام، ولأن حد الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وهذا ~~لا يوجد في حق الصغير. # وإن قلتم: إن هذا في البالغ، فهو ساقط، لأن حد الشيء لا يختلف لشخص وشخص. # وقول القائل: ((يجب عليه وجوب مثله))، كلام لا يفهم، والواجب واحد في ~~جميع المواضع وعلى جميع الأشخاص. # وأما الأمرية والضرب فهو للتأديب والتمرين بفعله ليتخلق ويعاد ذلك وينشأ عليه. # وأما الوضوء فلا نقول إنه واجب لكنه نفل بشرط لنفل. # ومن أصحابنا من قال: إن المؤدي وظيفة الوقت، لأنه طهر، ولهذا يؤم بنية ~~الطهر ولو لم ينو يقال له: أعد، ووظيفة الوقت لا يثنى كما في حق البالغ. # يبينه أن تثنية وظيفة الوقت يؤدي إلى الحرج، والحرج مدفوع ولهذا لهذا لا ~~ندعى الوجوب ونسلم أن المفعول نفل، ولكن نقول: هو وظيفة الوقت مع النفلية، ~~وهذا أمثل من الأول. # وهم يقولون: ليس بوظيفة الوقت حقيقة، ولكن في صورة وظيفة الوقت أمر به ~~للاعتياد والتخلق، لأن وظيفة الوقت في الحقيقة هو الفرض ولا فرض عليه. PageV01P194 # الجواب: # إن منع كونه وظيفة الوقت لا يمكن، لأنها صلاة مأمور بها في وقت محدود ~~معلوم لا يتوجه الأمر بها إلا بالوقت وينتهي بانتهاء الوقت، وهذا معنى ~~قولنا: ((وظيفة الوقت)). وأما صفة النفل والفرض من وراء ذلك. # والمعتمد في المسألة أن نقول: لم يدرك البلوغ وقت الوجوب فلا تجب عليه ~~الصلاة كما لو بلغ بعد مضي الوقت. # وإنما قلنا ذلك، لأن الوقت غير مراد لعينه، وإنما هو مضروب للصلاة فإذا ~~اتصل به الصلاة المضروب لها الوقت انتهى في حق المصلي، لأنه إذا كان إنما ~~شرع لمعنى فإذا تم ذلك المعنى ms077 وانتهى لم يكن لبقاء الوقت معنى. # وهذا لأن وقت الصلاة بعد الفراغ عن الصلاة لا عمل له في معنى ما، فلم يكن ~~وقت الصلاة بل كان زمانا من الأزمنة مثل سائر الأزمنة. # فأما في حق غير المصلي فيبقى الوقت مشروعا في حقه بظهور عمله وفائدته. # فإن قالوا: هذا الذي قلتم يستقيم في حق البالغ، لأنه أدى الفرض ولا ~~يستقيم في حق غير البالغ، لأنه لم يؤد فرض الوقت فيبقى الوقت في حقه لطمع ~~الأداء وترتيبه في ثاني الحال. # قلنا: هو قد أدى المشروع له الوقت، وهذا لأن الوقت شرع في حقه لصلاة ~~يؤديها، فإذا أداها انتهى الوقت في حقه مثل ما ينتهي في حق البالغ، وهذا ~~غاية الوسع. PageV01P195 # والإشكال عظيم في المسألة، وقد تعلقوا بالحج إذا فعله الصبي ثم بلغ يلزمه ~~وإنما ألزموه ذلك، لأن الواجب فريضة العمر فعين لفعله أكمل حالات الإنسان ~~شرعا ليجعل بفعله في هذه الحالة كالمستوعب لجميع عمره بفعله، وهذا لا يوجد ~~في حال الصغر، لأنه حالة ناقصة ولا يمكن أن يجعل بفعله فيه بمنزلة المستوعب ~~لجميع عمره بفعله. لأن الحالة الناقصة لا تنتظم الحالة الكاملة والحالة ~~الكاملة جاز أن تنتظم الحالة الناقصة. والله أعلم. # * * * PageV01P196 ### || AUTO (مسألة) # القراءة واجبة في جميع الركعات # عندنا. # وعندهم: تجب في ركعتين منها. # لنا: # حديث الأعرابي أن النبي عليه السلام علمه الصلاة والقراءة ثم قال: ~~((وكذلك أفعل في كل ركعة))، والأمر على الوجوب. PageV01P197 # فإن قالوا: إن قوله: ((افعل)) ينصرف إلى الفعل دون القول. # قلنا: بل ينصرف إلى الكل. ألا ترى أنه ينصرف إلى التكبيرات والتسبيحات ~~وإن كان من المقول لا من المفعول، وهذا لأن الذكر فعل الإنسان فهو كفعل ~~سائر الجوارح، ولأن الثالثة والرابعة ركعة من الصلاة فتجب فيها القراءة ~~الأولى والثانية، وهذا قياس جلي شبها. # ويمكن أن يقال من حيث المعنى: إن القيام متردد بين العادة والعبادة فوجبت ~~القراءة لتمييز العبادة عن العادة، وهذا المعنى موجود في جميع الركعات. # ألا ترى أن الركوع والسجود لما كان متميزا عن العادة بذاته ms078 لم تجب فيها ~~التسبيحات، والقعود لما تردد بين العادة والعبادة كلف ووجب التشهد/ المميز ~~فيه ويقال أيضا: إن الثانية تكرار الأولى، والثالثة تكرار الثانية فيجب ~~فعله على رسم الأولى والثانية لهما وإلا لم يكن. # وأما حجتهم: # نقلوا عن علي، وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا في المصلي: إنه ~~بالخيار في الركعتين الأخراوين إن شاء قرأ وإن شاء سبح)). PageV01P198 # ولأن القراءة في الأخراوين ذكر يخافت فيه جميع الأحوال فلم يكن واحدا ، ~~دليله التسبيحات، وهذا لأن الصلاة في الأصل ركعتان على ما روى عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في ~~الحضر))، وإذا كانت كذلك فالركعتان أصل والباقي من ركعة في المغرب واثنتين ~~في الصلوات ذوات الأربعة زيادة، وقد ثبتت على الخفة في الشرع ولهذا لا تقرأ ~~السورة ولا يجهر بالقراءة فيها. ومن الخفة ألا تجب القراءة بل تسن. # وأيضا فإنه لما لم تكن الركعتان الأخراوان أصلا بل كان زيادة لم يتحقق ~~فيهما التكرار الذي احتججتم به، لأن الأصل لا يكرر بما ليس بأصل. # قالوا: وأما الذي قلتم بأن القراءة مميزة بين العادة والعبادة فليس ~~بصحيح، لأنه لو كان هذا المعنى يفيد الوجوب لوجب التشهد في القعود الأول، ~~وبإجماع هو غير واجب. # الجواب: # أما التعلق بالمخافتة فضعيف، لأن القراءة تخفيها في الظهر والعصر في جميع ~~الأحوال وهي واجبة، وعلى عكس هذا فإن الإمام يجهر بالتكبيرات الفواصل بين ~~الأركان وهي غير واجبة، وهذا لأن الجهر والمخافتة إتباع محض، ولا يهتدي ~~إليهما قياس بحال. # وأما قولهم: ((إن الأصل ركعتان)). PageV01P199 # قلنا: لا بل كل الواجب أصل، يبينه أنه وجب في كل واحد من الركعتين ~~الأخراوين من الفعل ما وجب في الأوليين، دل أنهما أصل مثل الأوليين. والخبر ~~الذي رووه عن عائشة فليس في دليل، لأنه يجوز أن يجب من بعد ويصير أصلا مثل ~~الأول كالشرائع التي وجبت شيئا فشيئا صارت كلها أصولا وأركانا. # فإن تعلقوا بالسقوط في السفر فليس بشيء، لأن الركعة الثالثة في صلاة ~~المغرب ms079 لا تسقط وليست بأصل على ما زعموا، ولأن عندنا ما سقط ولكن القصر ~~رخصة كما أن الإفطار رخصة. # وأما قولهم: ((إنه وجبت الركعتان الأخروان على طريق الخفة)). # قلنا: ليس لهم على هذا دليل سوى حذف السورة منهما، وهذا ممنوع على أحد ~~القولين فإنه يشرع قراءة السورة فيهما كما يشرع في الركعتين الأوليين، وعلى ~~أنه لا يدل شرع الخفة من هذا الوجه على سقوط أصل القراءة، فإنه قد شرع في ~~الركعة الثانية في الصبح على أصلهم نوع خفة حتى إنه لا يطول فيها ما يطول ~~في الأولى، ومع ذلك يجب القراءة فيها مثل ما يجب في الأولى. # وأما الذين تكلموا به على فصل التمييز بين العادة والعبادة من إلزام فصل ~~التشهد الأول. # قلنا: وجب التشهد في الجملة، فإنه إن لم يجب الأول فقد وجب الثاني وعلى ~~إنه خرج عن هذا الأصل بالنص الوارد في إسقاط وجوبه على ما عرف. PageV01P200 # وأما تعلقهم بأثر علي وابن مسعود. # فقد قيل: إن الراوي عن علي هو الحارث الأعور، وقد زعم الشعبي أنه كان ~~كذابا، وعلى أن قول الصحابي الواحد والاثنين لا يقدم على القياس عندنا. ~~اللهم إلا أن ينتشر في الصحابة ولا يظهر له مخالف فينزل منزلة الإجماع، ~~وعلى أن التعلق بالظاهر من أفعال النبي عليه السلام أولى، وقد قرأ النبي ~~عليه السلام في الركعات الأربع وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والله أعلم. # * * * PageV01P201 ### || AUTO (مسألة) # قراءة الفاتحة ركن في الصلاة # عندنا. # وعندهم: الركن أصل القراءة، فأما قراءة الفاتحة سنة. # وزعم أبو زيد أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة وليس بركن، وجعل الفرق بين ~~الركن والواجب أن ركن الصلاة ما يفسد بتركه الصلاة والواجب لا تفسد بتركه ~~الصلاة. # لنا: # حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أن PageV01P202 # النبي عليه السلام قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). # وفي رواية: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)). # وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ms080 ((كل صلاة لا تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج)). PageV01P203 # وروى شعبة/ عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يجزئ صلاة لا يقرأ فيها فاتحة الكتاب، ~~قلت: فإن كنت خلف الإمام؟ فأخذ بيدي وقال: ((اقرأ في نفسك يا فارسي)). # وقد روى هذا الحديث جماعة سوى عبادة وأبي هريرة، منهم عمر بن الخطاب ~~وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين. وروى عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: ~~((أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة ~~فاتحة الكتاب)). # وروى ((أنه أعطاه نعليه)) ليكون علامة له، والاعتماد على السنة ولا مدخل ~~للقياس في هذه المسألة. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن}. # وبقوله: {فاقرءوا ما تيسر منه}، فالتقييد بفاتحة الكتاب زيادة على كتاب ~~الله وهو يجري مجرى النسخ، ولا يجوز بخبر الواحد، وكذلك الصلاة ثابتة بكتاب ~~الله تعالى، وهي عبارة عن أركانها فلا يجوز إثبات ركن فيها إلا بالطريق ~~الذي ثبت أصله. قال: والعدل من القول هو القول بين الكتاب والسنة فنأمره ~~بالعمل ونوجبه ولا نفسد الصلاة بتركها، فعلى هذا راعينا حق كتاب الله تعالى ~~الثابت باليقين، ولم نلحق به زيادة، وراعينا PageV01P204 # خبر الواحد بأن عملنا به، والأصل في خبر الواحد أنه يوجب العمل دون ~~العلم). # قال: (ويجوز أن يكون الشيء واجبا ولا يكون ركنا كالسعي عندنا واجب وليس ~~بركن للحج، وصدقة الفطر واجبة وليست بركن من أركان الإسلام. # وكذلك العمرة على أصلكم، وكذلك الطواف محدثا ومنكوسا وعريانا وهذا لأن ~~الأمر بالطواف ورد من غير قيد فالتقييد ثبت بالسنة فلا نزيد لأنه نسخ بل ~~نثبته تكميلا وتحسينا. # ولا تلزم القعدة الأخيرة، لأن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أنها ليست ~~بواجبة، ولأنه قد ثبت بالأخبار المتواترة أن النبي عليه السلام لم يسلم إلا ~~بعد القعدة، والأمر بالصلاة في كتاب الله مجمل فيكون فعله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيانا لما لم يبينه الكتاب بخلاف ms081 القراءة، لأن الآية ظاهرة مستغنية ~~عن بيان رسول الله ولأن فعله يكون زيادة على كتاب الله تعالى وأنها نسخ ~~وليس ببيان فيحمل فعله على بيان الكمال لأن الآية الكمال لأن الآية لم ~~تتعرض له). # قالوا: (ولأن فريضة الصلاة في الأصل متعلقة بالفعل دون القول فيكون فعل ~~رسول اله بيانا للفعل ولا يصير بيانا للقول، لأن القول فرض زائد ثبت بقوله: ~~{فاقرءوا ما تيسر} وهو ظاهر لا بقوله: {وأقيموا الصلاة} الذي هو مجمل) وهذا ~~استدلال أبي زيد في المسألة ذكره في الأسرار. PageV01P205 # وقد تعلق بعضهم: بنوع آخر من الاستدلال وهو أن الفاتحة مدنية وقد كان ~~الجواز ثابتا بالإجماع قبل نزول الفاتحة بلا فاتحة ولا يرفع هذا الحكم إلا ~~بدليل مجمع عليه. # وقالوا: أيضا: (إن القرآن لا يحفظ إلا بالقراءة وحفظه واجب وأن لا يهجر ~~شيء منه ولا تجب القراءة إلا في الصلاة فلو عينا الفاتحة للركن وأوجبناها ~~لصار الباقي مهجورا غير محفوظ فوجب أن يجعل ركن القراءة غير متعين لتأتي ~~القراءة على جميع القرآن). # وقالوا: أيضا: (إن القرآن له أحكام مخصوصة نحو جواز الصلاة بقرأته وحرمة ~~القراءة على الحائض والجنب وحرمة مس المصحف إلا طاهرا وحرمة القراءة حيث لا ~~يسمع في مجامع الناس ووجوب الاستماع حيث يقرأ في الصلاة والخطبة ومواضعه ~~إبانة لشرفه ثم لا يختص شيء من القرآن بشيء من هذه الأحكام حتى لا يصير ~~الباقي مفضولا فيصير مهجورا، فكذلك في هذا بل أولى، لأن إبانة الشرف في هذا أكثر). # قالوا: (وأما أخباركم وردت زائدة على كتاب الله تعالى فلا تقبل، أو تحمل ~~على الزيادة سنة، أو يقال: ثبتت هذه الزيادة عملا لا علما فيلزمه القراءة ~~وتجوز الصلاة بدونه)، وقد رووا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~((لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب)). PageV01P206 # ورووا عن النبي عليه السلام قال: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها، ~~ومعتمدهم التعلق بالآية، وقد أيدوا ذلك بحدث الأعرابي وهو ما روى عن النبي ~~عليه السلام أنه قال له: ((ثم أقرأ ما ms082 تيسير معك من القرآن)). # الجواب: # أما التعلق بالآية، قلنا: ليس فيها أكثر من الأمر بقراءة ما يتسر وما ~~تيسر يختلف، لأنه قد تتيسر السورة الطويلة وقد لا تتيسر السورة القصيرة ~~فصارت الآية مجملة من هذا الوجه. وصارت الأخبار التي رويناها بيانا لها. # وأما قولهم: ((إن إيجاب الفاتحة زيادة في الكتاب)). # قلنا: قد تثبت الزيادة على الأصلين، لأن عندنا تجب الفاتحة، وعندكم يسن ~~قرأتها حتى لو تركها يجب عليه سجود السهو، وإنما تثبت الزيادة عندكم بالسنة ~~فكذلك الوجوب، وعلى أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب وغيره أن مثل هذا لا ~~يعد نسخا ولا يجوز اعتقاد النسخ فيه أصلا، ومن اعتقد النسخ في أمثال هذا ~~فلم يعرف معنى النسخ. PageV01P207 # وأما قول أبي زيد: ((إن قراءة الفاتحة واجبة وليست بركن حتى لا تفسد ~~الصلاة بتركها)). # قلنا: إذا سلمت أنها واجبة لزمت قراءتها في الصلاة، وإذا لزمت صارت منها ~~كأصل القراءة فيكون تركها مفسدا لها. # وهذا لأن علامة الواجب في الصلاة فسادها بتركه. # وأما الذي قالوا: إن قراءة الفاتحة لم تكن واجبة فبقى الأمر على ما كان ~~من قبل، ولأن الفرائض كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~التعيين، وقد كانت القراءة واجبة من قبل من غير تعيين سورة من القرآن ثم ~~ورد الشرع بتعيين سورة الفاتحة فوجب الصلاة على هذا المعنى. # وأما قولهم: ((إن تعين الفاتحة يؤدي إلى أن يصير باقي القرآن مهجورا))، ~~فهذا محال لأنه إن كان إيجاب قرأة الفاتحة يؤدي إلى هذا فاستنان قراءتها ~~أيضا يؤدي إلى هذا، وهذا لأنا وإن أوجبنا قراءة الفاتحة فيشرع معها قراءة ~~غيرها من السورة فلا يؤدي إلى ما قالوه. # وأما قولهم: ((إن سائر الأحكام المتعلقة بالقرآن لا تختص بالفاتحة)). # قلنا: سائر الأحكام قد تعلقت بالقرآن على العموم، وهذا على الخصوص بدليل ~~أن عندنا قراءة الفاتحة على التعيين مشروعة على الوجوب، وعندكم على السنة. # وقد قال أصحابنا: إن قراءة القرآن لما وجب في الصلاة وجب أن يتعين ~~الفاتحة لأن القرآن امتاز عن ms083 غيره بالإعجاز، وأقل ما يحصل به الإعجاز سورة ~~وهذه أشرف السور لأنها السبع المثاني. PageV01P208 # ولأنها تصلح عوضا عن جميع السور ولا يصلح جميع السور عوضا عنها، ولأنه ~~تشتمل على ما لا تشتمل عليه سورة ما على قدرها من الآيات، وذلك مثل التمجيد ~~والثناء للرب والاستعانة والاستعاذة والدعاء من العبد، وإذا صارت هذه ~~السورة أشرف السور وحالة الصلاة أشرف الحالات فتعينت أشرف السور في أشرف ~~الحالات. # وأما الخبران اللذان تعلقوا بهما فلا يثبت واحد منهما. # أما الأول فرواه أبو علي جعفر بن ميمون قال يحيي: ليس بثقة. # والخبر الثاني: رواه طريف بن شهاب السعدي، قال أحمد: لا يكتب حديثه. فلا ~~يعارض ما ذكرنا. والله أعلم. # * * * PageV01P209 ### || AUTO (مسألة) # ((بسم الله الرحمن الرحيم)) آية من الفاتحة عندنا ويجهر بها في الصلاة # . # وعندهم: ليست بآية من الفاتحة يخفيها عند القراءة. # وقال أبو بكر الرازي من أصحابهم: إنها مفردة أنزلت للفصل بين PageV01P210 # السورتين. والمعتمد من الدليل لنا: أن التسمية مكتوبة في المصاحف بقلم ~~الوحي على رأس كل سورة، والصحابة ما أثبتوا في المصاحف إلا القرآن، وكان ~~مقصودهم بذلك صيانته عن الزيادة والنقصان. # ولهذا كرهوا التفاسير، وقالوا: جردوا القرآن، وإذا كانت التسمية مثبتة في ~~المصاحف بقلم الوحي على رأس كل سورة، دل أنهم إنما أثبتوها في مواضعها ~~لأنها من القرآن في موضعها المثبتة فصارت مثبتة كسائر آيات القرآن. # يبينه أنه إذا لم تكن من القرآن في موضعها المثبتة فيه يؤدي إلى أن ~~يكونوا خلطوا القرآن بغير القرآن، وهذا لا يجوز. # ويمكن أن يقال: إن ما بين الدفتين قرآن بإجماع الصحابة. # وقد اشتملت الدفتان على التسمية في مواضعها. # دل أنها من القرن في مواضعها وهذا هو المعتمد من الدليل. # وقد تعلق الأصحاب بحديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أن ~~النبي عليه السلام عند الفاتحة آية آية للأعرابي، وعد/ بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية منها)). PageV01P211 # وبحديث ابن أبي بريدة عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: ((لا أخرج من ~~المسجد حتى أعلمك ms084 آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري)) قال: ثم خرج وأخرج ~~إحدى رجليه من المسجد فقلت في نفسي: لعله نسى فالتفت إلي وقال: ((بم تفتتح ~~القراءة في الصلاة))؟ فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم فقال: ((هي هي)). ~~والاعتماد على الأول. # وأما حجتهم: # تعلقوا بحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: يقول الله تعالى: ~~((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب ~~العالمين}، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمان الرحيم}، قال ~~الله تعالى: أثنى على عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال: مجدني عبدي، ~~وإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين}، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ~~ما سأل)). والاستدلال من وجهين: PageV01P212 # أنه صلى الله عليه لم يذكر التسمية ولو كانت آية منها لم يتركها بل كان ~~ينبغي أن يبتدئ بها. # الثاني: أنه قال ((بيني وبين عبدي نصفين))، وإنما يكون نصفين إذا قلنا إن ~~التسمية ليست بآية من الفاتحة، لأن الفاتحة سبع آيات بإجماع الأمة، والذي ~~لله ثلاث آيات ونصف من قوله: {الحمد لله رب العالمين} ... إلى قوله ..... ~~{إياك نعبد ...}. # والذي للعهد ثلاث آيات ونصف من قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين}، إلى آخر ~~السورة. # فأما إذا عددنا التسمية آية منها كان الذي لله أربع آيات ونصف، والذي ~~للعبد ثلاث ونصف فلم يستقم قوله: ((بيني وبين عبدي نصفين)). PageV01P213 # وتعلقوا بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام كان يفتتح ~~الصلاة بالتكبير والقرأة ب {الحمد لله رب العالمين}. # وبحديث أنس قال: صليت خلف النبي عليه السلام وأبي بكر وعمر فكانوا ~~يفتتحون القراءة {بالحمد لله رب العالمين}، وفي رواية أخرى فلم أسمع أحدا ~~منهم يجهر ب {بسم الله الرحمن الرحيم}. وبحديث عبد الله بن مغفل الذي ذكره ~~في جامع أبي عيسى والأخبار كلها ثابتة صحيحة. PageV01P214 # وتعلقوا أيضا بنوع من الاستدلال وهو أنه لو كان التسمية من القرآن في كل ~~موضع أثبتت، لنقل إلينا بطريق يوجب العمل بذلك، لأن القرآن لا يجوز إثباته ~~إلا بمثل هذا الطريق، ms085 فأما الطريق الآحاد فلا سبيل إلى إثبات القرآن بمثله. # قالوا: ولا يجوز أن يعكس هذا، فيقال لهم: لو لم يكن من القرآن لنقل كونه ~~غير القرآن بطريق مقطوع به موجب العلم، لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من ~~القرآن لأن ذلك أمر يطول ولا ينحصر. # فأما ما هو من القرآن فعليهم أن ينقلوه إلينا ولو نقلوا لوقع لنا العلم به. # قالوا: وأما الإجماع الذي تعلقتم به فهو ضعيف لأنه لو ثبت كونه من القرآن ~~بالإجماع لوقع لنا العلم به، ولكان يكفر جاحد ذلك ويفسق تاركه. # وحين اختلفت الأئمة في ذلك اختلافا ظاهرا وساغ الاجتهاد فيه علمنا أنه لا إجماع. # الجواب: # أما الاستدلال الذي تعلقنا به فمعتمد، وهو في الحقيقة إجماع استدلالي ~~والإجماع على وجهين: # إجماع نص وهو إجماع المجمعين على الشيء صريحا. # وإجماع استدلالي مثل ما بينا. # فالأول يوجب العلم القطعي، والثاني لا يفيد العلم القطعي لكنه يوجب العمل ~~بأبلغ الدلائل الموجب له، ونظيره ((الحجر)) فإنه من البيت بدليل لا يوجب ~~العلم بل يوجب العمل وهو الطواف عليه وسائر الكعبة قبلة الناس بدليل مقطوع ~~به يفيد العلم ويقطع العذر، وظهر بهذا الجواب عن قولهم: ((إنه لو كان من ~~القرآن لنقل كونه من القرآن بدليل يفيد العلم))، فإنا نقول: هو من القرآن ~~في رأس كل سورة عملا لا علما ونظيره ما بينا. PageV01P215 # وكذلك على أصلهم قراءة ابن مسعود في قوله: ((فصيام ثلاثة أيام متتابعات)) ~~فهو من القرآن عملا لا علما. # وأما الأخبار التي رووها ففي معارضتها أخبار لنا بعضها وقد ذكر الدارقطني ~~الجهر بالتسمية عن النبي عليه السلام برواية على، وابن عباس وأبي هريرة، ~~وابن عمر، والنعمان بن بشير وغيرهم. # وأسانيدها وإن كان فيها مقال لكن يثبت بمجموعها ورود الجهر بالتسمية. # وقال .... عبد الله الحافظ قد صح الجهر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ونقل ذلك عن الصحابة: عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة/ ~~وجماعة من التابعين. # وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: إن المصلي بالخيار، إن شاء ms086 جهر PageV01P216 # وإن شاء أسر، فتعارض الأخبار في ذلك. # ونحن نقول: إن أخبارنا أولى لتضمنها زيادة لم تتضمنها أخباركم. # ولأن الراوي للإسرار يجوز أن يكون بعيدا عن النبي عليه السلام فلم يسمع، ~~ولأن الأثبت من أخبارهم هو رواية من روى أنهم يفتتحون القراءة ب {الحمد لله ~~رب العالمين}. ويحتمل أن يكون ذلك اسما للسورة، وقد كان افتتحها ب {بسم ~~الله الرحمن الرحيم}. # وروى عن أنس أنه سئل: هل كان رسول الله يجهر أو يسر بالتسمية؟ فقال ~~للسائل: ((ما سألني عن هذا أحد قبلك وإني لا أحفظ)). # وهذا يوهن ما رووا من خبر أنس، ولهذا لم يخرجه البخاري بذلك اللفظ، وإنما ~~خرجه مسلم وحده، لأنه متساهل في الأخبار ما لم يتساهل فيه البخاري. # وأما الخبر الأول فيحتمل أنه لم يبتدأ بالتسمية، لأنه قد ذكر {الرحمن ~~الرحيم} من بعد فاكتفي به عن الأول. # وأما قوله: ((نصفين)). # قلنا: يجوز أن يكون معنى ((نصفين)) أي البعض لله تعالى والبعض للعبد، ~~كقول الشاعر: PageV01P217 # إذا مت كان الناس نصفين شامت ... بموتي ومثن بالذي كنت أفعل # وقال شريح: أصبحت ونصف الناس على غضاب. والله تعالى أعلم. # * * * PageV01P218 ### || AUTO (مسألة) # تجب القراءة على المؤتم سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها # ، وهذا أصح قولي الشافعي رضي الله عنه. # والقول الثاني: أنه تجب إذا أسر الإمام ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك، ~~وابن المبارك وأحمد إلا أن أحمد لا يفسد الصلاة بترك القراءة خلف الإمام ~~بحال، وإنما يأمر بالقراءة استحبابا. PageV01P219 # وعند أبي حنيفة: تكره القراءة خلف الإمام بكل حال. # لنا: # قوله عليه السلام في رواية عبادة بن الصامت: ((لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب)). ولا فصل بين الخبرين أن يكون منفردا، أو خلف إمام يقتدي به. # فإن قالوا: قد روى في بعض الأخبار ((من صلى صلاة لم يقرأ بأم الكتاب فلم ~~يصل إلا أن يكون وراء إمام))، رواه جابر عن النبي عليه السلام. # فيكون خبر عبادة محمولا على حال الانفراد بدليل هذا الحديث ثم يكون معنى ~~قوله: ((لا صلاة)) أي لم ms087 يصل يعني صلاة كاملة. # قلنا: الذي رويتم صحيح عن جابر نفسه رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر. ~~فأما عن النبي عليه السلام فلا يصح، وقيل: رفعه يحيى بن سلام، ولا تقوم ~~بروايته حجة لضعفه وقلة تثبته. PageV01P220 # وظاهر العموم لا يخص عندنا بقول صحابي واحد. # وقد نتعلق من جهة الخصوص بما روى محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن ~~ربيع عن عبادة بن الصامت قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح ~~فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: ((إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم)) قال: ~~قلنا يا رسول الله أي والله، قال: ((لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة ~~لمن لم يقرأها)) أورده أبو عيسى على هذا الوجه قال: وفي الباب عن أبي ~~هريرة، وعائشة وأنس، وابن قتادة، وعبد الله بن PageV01P221 # عمر ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ~~يرون القراءة خلف الإمام)). # وروى الدارقطني هذا الخبر في سننه من وجوه. وقال: رواته ثقات. # وروى عن عبادة بإسناده قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف أقبل علينا بوجهه وقال: ~~((هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة))؟ قال بعضنا: إنا لنصنع ذلك. وفي رواية: ~~((قلنا: أجل يا رسول الله)) قال: ((وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا تقرؤا ~~بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن)). # وفي رواية: ((ولا يقرأ أحد منكم إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم ~~يقرأ بها)). ويدل عليه حديث أبي السائب عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي ~~خداج))، قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة أني أكون أحيانا وراء الإمام ~~فقال: اقرأ بها في نفسك، يا فارسي فإني سمعت رسول الله PageV01P222 # - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~...)) ... الخبر إلى آخره. # وأما الكلام من حيث المعنى فظاهر، لأن القراءة ركن ms088 الصلاة وركن الصلاة لا ~~يسقط بالاقتداء، دليله سائر الأركان وهذا لأنه إذا وجبت القراءة على المصلى ~~فلا يجوز أن تسقط عنه إلا بمعنى مؤثر في الإسقاط، ولم يوجد إلا الاقتداء ~~بالإمام والاقتداء تأثيره في وجوب التأسي والمتابعة فأما لا تأثير له في ~~سقوط ركن عن المقتدى بالاقتداء، يبينه أن الاقتداء قد يوجب على المقتدى ما ~~لم يكن واجبا عليه فكيف يسقط عنه ما هو واجب عليه. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~والأمر على الوجوب فوجب الإنصات والاستماع إذا جهر الإمام، ووجب الإنصات ~~إذا لم يجهر، وقد أيدوا هذا أيضا بما رواه أبو موسى الأشعري أن النبي عليه ~~السلام قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به ....). PageV01P223 # وقال فيه: ((وإذا قرأ فانصتوا)). # قالوا: روى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن النبي ~~عليه السلام انصرف في صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: ((هل قرأ أحد منكم معي ~~آنفا))؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. قال: ((إني أقول مالي أنازع القرآن))، ~~قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~جهر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ~~ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)). PageV01P224 # وتعلقوا أيضا بما رووا عن عبد الله بن شداد عن جابر أن النبي عليه السلام ~~قال: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)). # وفي رواية عن جابر قال: صلى بنا رسول الله وخلفه رجل يقرأ فنهاه رجل من ~~أصحاب النبي عليه السلام فقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((من صلى ~~إمام فإن قراءته له قراءة)). # قالوا: ورواه أيضا سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي عليه السلام. # قالوا: ولا يجوز أن يحمل على أن معناه: فإن قراءة الإمام للإمام قراءة، ~~لأن هذا تعطيل للخبر وليس بتأويل، ومثل هذا التأويل لا يقوله فقيه. ms089 # ولأن هذا على مثال قول القائل: من دخل الدار خلف ابني فأعطه كذا، ينصرف ~~إلى الداخل لا إلى الابن. PageV01P225 # ورووا بطريق عمران بن حصين قال: ((كان النبي عليه السلام يصلي بالناس ~~ورجل يقرأ خلفه فلما فرغ قال: ((من ذا الذي يحالجني))؟ ونهاهم عن القراءة ~~خلف الإمام. # ورووا عن الشعبي أن النبي عليه السلام قال: ((لا قراءة خلف الإمام)). # وعن علي رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي عليه السلام: أقرأ خلف الإمام ~~أو أنصت قال: ((أنصت فإنه يكفيك)). # وروى عون عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((يكفيك قراءة الإمام ~~خافت أو جهر)). # وروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((من قرأ خلف الإمام فليس على ~~الفطرة)). PageV01P226 # وفي رواية: ((إنما يقرأ خلف الإمام من ليس على الفطرة)). # وعن زيد بن ثابت قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له)). # وأما تعلقهم بالمعنى: من صح اقتداؤه بالإمام سقطت القراءة عنه دليله ~~المسبوق بركعة. # قالوا: ولا معنى في سقوط القراءة عن المسبوق سوى الإتباع والاقتداء فإنه ~~لا يجوز أن يكون المعنى مجرد إثبات الركعة حتى لا تفوته، لأن هذا المعنى ~~موجود إذا أدركه بعد الركوع، ولأنه لا فوت في الحقيقة فإنه يقضي ومع القضاء ~~لا يتحقق الفوت. ولأن النبي عليه السلام أمر القاصد إلى الصلاة بالمشي ~~ومنعه من السعي وإن كان فيه خوف الفوت، ولا يجوز أن يكون المعنى سقوط ~~القيام لأنه غير ساقط، ولابد من وجود قيام عنه بعد التكبير وإن قل وإنما ~~يسقط مد القيام لسقوط القراءة. # وأما في مسألتنا فالمؤتم وإن سقط عنه القراءة لكن وجب عليه القيام بحكم ~~المتابعة. وفي المسبوق لا قراءة عليه ولا متابعة فسقط عنه مد القيام، وأما ~~القيام فقد أتى به، وأما القراءة سقطت لأجل صحة الاقتداء ولا يعرف معنى سوى ~~هذا. فإن طلبتهم كثيرا في الاقتداء، والمتابعة توجب سقوط القراءة فوجب ذلك ~~(أن القراءة وجبت لمعنى العمل، وقد روى عن الحسن البصري قال: أنزل الله ~~القرآن ليعمل به الناس فاتخذ الناس ms090 PageV01P227 # قراءته عملا وإذا كان وجوب القراءة للعمل فالعمل التدبر والتفكر) وذلك ~~يكون بالاستماع لقراءة الإمام. # فأما بقراءة الجميع على التغالب لا يحصل هذا المقصود للأمر بالاستماع ~~وقام الاستماع خلف الإمام مقام القراءة إذا كان منفردا فصار سقوط القراءة ~~إلى خلف يقوم مقامه في المعنى/ وسقوط الفرض إلى فرض مثله في المعنى غير ~~مستنكر في الشرع وبل قد ورد الشرع على هذا المعنى في مواضع كثيرة. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذا مستقيم عند جهر الإمام، فأما عند الإسرار ~~فلا يستقيم، لأن الأصل هو الجهر المسمع للقوم، ولأن الله تعالى أمر ~~بالقراءة بين الجهر والإخفاء بقوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها}، إن لا يجهر الجهر الشديد ولا يخافت اخفات من لا يسمع القوم {وابتغ ~~بين ذلك سبيلا}، بين الجهر الشديد والإخفاء، فثبت أن الأصل كان هو الجهر ~~المسمع للقوم إلا أن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بالإسرار في الظهر ~~والعصر لعارض أذى المشركين، فإنهم كانوا يجتمعون ويؤذون النبي عليه السلام ~~في الظهر والعصر. # ويحاكون صلاته وقراءته ويصفقون ويصفرون فأمره الله تعالى بالإسرار لذلك ~~ثم بقى كذلك، وإن زال المعنى الذي أمر به لأجله، ومثل هذا يكثر أن يرد ~~الشرع بمعنى ثم يزول ذلك المعنى ويبقى المشروع كالرمل والسعي في الحج وما ~~أشبه ذلك. # وتعلقوا أيضا بالسورة، وقالوا: إحدى صورتي القيام فتسقط بمتابعة الإمام ~~كالسورة المضمومة إلى الفاتحة. PageV01P228 # الجواب: # أما تعلقهم بالآية ... # قلنا: وردت الآية في الخطبة في الجمعة ونحن نقول بذلك في خطبة الجمعة. # قالوا: روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: نزلت الآية في القراءة ~~خلف الإمام، وذكروا ذلك أيضا عن مجاهد. # قلنا: ما ذكروه عن أبي هريرة رواه الأوزاعي عن عبد الله بن عامر وهو ~~ضعيف. وكذلك الإسناد عن مجاهد ضعيف أيضا. # وعلى أن عندنا يقرأ في سكتات الإمام، وعند قراءته يسمع وينصت. # وقد روى محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عطاء عن أي هريرة قال: قال ~~رسول الله - صلى ms091 الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ ~~بفاتحة الكتاب في سكتاته ومن انتهى إلى أم القرآن فقد أجزأه)). PageV01P229 # فإن قالوا: إذا لم يسكت الإمام. # قلنا: يقرأ ويكره للإمام أن لا يسكت، وإن لم يسكت فالوبال عليه لا على ~~المأموم. وعلى هذا الجواب يخرج ما تعلقوا به من قوله عليه السلام: ((وإذا ~~قرأ فانصتوا)). وعلى أن الأصح من ذلك الخبر أنه خال عن هذه اللقطة، وإنما ~~وردت هذه اللفظة الزائدة في بعض الروايات، وعلى ذلك فنحن قائلون به. # وأما خبر ابن أكيمة الليثي فهو حجة مالك وأحمد في أنه يقرأ إذا أسر ~~الإمام ولا يقرأ إذا جهر وهو أحد قولي الشافعي، وليس بحجة لهم. # وعلى أنه قد قيل إن ذلك اللفظ وهو قوله: ((فانتهى الناس)) من قول الزهري، ~~وليس بقول أبي هريرة فيكون مرسلا. PageV01P230 # وقد ورد في بعض الروايات قال الزهري: فانتهى الناس. # وأما حديث جابر، فالصحيح أنه مرسل، رواه الأئمة مثل سفيان الثوري، وابن ~~عيينة وشعبة، وشريك، وإسرائيل عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن ~~النبي عليه السلام. # وعبد الله بن شداد من التابعين، ولم يسنده غير أبي حنيفة رحمة الله عليه ~~والحسن بن عمارة، قالوا: وهما ضعيفان في الحديث فعند التفرد عن سائر ~~الإثبات لا تقوم الحجة بروايتهما، وهذا قول أئمة الحديث. # وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب علل الحديث: ((أجمع أهل العلم أن كل ~~من أسند هذا الحديث فقد أخطأ)). PageV01P231 # وأما روايته عن سالم عن أبيه هذا الخبر فرواه ممد بن الفضل بن عطية وهو ~~ضعيف متروك. # وأما حديث عمران بن حصين فلم يرووه على ما نقلوا غير الحجاج بن أرطأة وهو ~~لا يحتج بروايته. # وأما حديث الشعبي فمرسل، وأما حديث علي رضي الله عنه فمداره على غسان بن ~~الربيع وهو ضعيف)). # وأما حديث ابن عباس فرواه عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهل عن عون عن ابن ~~عباس، وعاصم بن عبد العزيز من جملة الضعفاء أيضا، ولا تقوم ms092 بروايته حجة. # وأما حديث علي بعينه فقد قال الدارقطني: إن إسناده لا يصح. # وحديث زيد بن ثابت لا يعرف. هذه أوجه العلل في أخبارهم. PageV01P232 # وأما المعنى الذي تعلقوا به: # أما فصل المسبوق فقد قال بعض أصحابنا: إنه ثبت بالنص غير معقول المعنى ثم ~~الجواب المعتمد أن سقوط القراءة لسقوط القيام، وهذا لأن القيام لا يراد ~~لعينه وإنما يراد للقراءة، وإذا سقط القيام سقطت القراءة. # وقولهم ((إنه لم/ يسقط)). # قلنا: دليل السقوط هو أن الرجل مسبوق بالقيام، فلو جعلنا القيام عليه ~~واجبا وألزمناه الإتيان به لصار آتيا بما سبق به قبل فراغ الإمام من صلاته، ~~وهذا لا يجوز بل هو مبطل للصلاة فعرفنا قطعا بهذا الدليل أن القيام عنه ~~ساقط، وأما الذي يأتي به من القيام فهو لقيام تحريمه. # واعتذر أبو زيد عما قلناه، وقال: الراكع بمنزلة القائم لأنه بنصفه الأسفل ~~قائم وإنما هو مائل بنصفه الأعلى، وإذا كان بمنزلة القائم فيكون قيام ~~المسبوق مشاركة له في فعل القيام، ولا يكون فعلا لما سبق له. # وهذا هوس، لأن الراكع ليس بقائم حقيقة، لأن القيام عبارة عن هيئة مخصوصة، ~~لا ينطلق هذا الاسم إلا على تلك الهيئة، ولئن جاز أن يقال: إن الراكع نصفه ~~قائم جاز أن يقال: القائم نصفه راكع، ومن دخل في أمثال هذا فقد جنى على ~~عقله وعدل عن طريقة الفقهاء إلى طريق المهوسين الهازلين. # فإن قالوا: فلم يسقط القيام؟ # قلنا: لا يلزمنا بيانه، وعلى أنه يمكن أن يقال: إنما يسقط بعلة العجز، ~~فإنه لما أمر بالمتابعة فقد عجز عن القيام فصار كما لو عجز بالمرض. # وأما المعنى من قولهم: ((إن القرآن إنما أنزل للعمل به، فهو كلام صحيح في ~~أصله، وليس بشيء في هذه المسألة، لأن الاستماع والتدبر وإن PageV01P233 # أمر به فهو سنة وأدب من آداب الشرع، والقراءة ركن، بدليل أنه لو قرأ بغير ~~تدبر جازت صلاته، ولو سكت غير مستمع تجوز صلاته عندكم، ولو ترك القراءة ~~أصلا بطلت صلاته، وإذا كان الاستماع من سنن القراءة وآدابها، فلا ms093 يجوز أن ~~يقام مقام أصل القراءة. # والدليل على أن الاستماع ليس بأصل أن الشرع ورد بالإسرار تارة وبالجهر ~~أخرى فلا يتصور الاستماع مع الإسرار، وبهذا يفارق الخطبة، فإن الاستماع ~~هناك لما كان أصلا لم يرد الشرع فيها إلا بالجهر، وهذا لأن الصلاة بأركانها ~~كلها مؤداه لله تعالى، وليس بخطاب لأحد من الخلق حتى يشرع استماعهم على صف ~~الوجوب. نعم هو أدب وسنة في حال الجهر تعظيما للقرآن، وإذا كان مؤداه لله ~~تعالى من المصلى فلا خلل فيها سواء اتصل به الاستماع أو لم يتصل، بخلاف ~~الخطبة فإنها خطاب للناس وعظة لهم، فإذا لم يوجد الاستماع اختل أمر الخطبة ~~فثبت بمجموع هذا الكلام، أن الاستماع لا يجوز أن يكون خلفا عن القراءة ~~بحال، والقراءة ركن فإسقاطها بالإتباع والاقتداء إلى غير خلف لها في معناها ~~لا يجوز. وقولهم ((أن الجهر هو الأصل)). # قلنا: لا بل لو قلب وقيل أن الإسرار هو الأصل كان صحيحا بل الأصح أن ~~القراءة أصل أمر بها بوصفي الإسرار والإخفاء لتختلف تارات القارئ، ويشتمل ~~وصف العبادة كما تختلف أحوال المصلى من انتقالاته من قيام إلى ركوع إلى ~~سجود إلى قعود، ويشمل وصف العبادة جميعها، فأما أن يجعل أحدهما أصلا والآخر ~~مأمورا بعارض فليس عليه دليل. # ألا ترى أن الإسرار قد ورد به الشرع في صلاة المغرب والعشاء الآخرة فيما ~~زاد على الركعتين، فدل أنه ليس الأمر على ما زعم. PageV01P234 # وخرج على ما قلناه فصل السورة، لأنها سنة. وقد بينا أن الاستماع سنة، ~~فيجوز أن يسقط بسنة على سنة مثلها. # أما القراءة ركن والاستماع سنة فلا يجوز أن يسقط ركن إلى خلف هو سنة. # والله تعالى أعلم. # * * * PageV01P235 ### || AUTO مسألة # قراءة القرآن بالفارسية لا يجوز وغيرها من اللغات # عندنا. # وهو قول أكثر أهل العلم. # وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه بدون صاحبيه يجوز، وعلى مذهبه اختلافات ~~لأصحابهم مذكورة في كتبهم. # لنا: # قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} والقرآن اسم للمنزل بلغة العرب ~~بدليل قوله تعالى: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا}. ms094 PageV01P236 # وقال الله تعالى: {بلسان عربي مبين}، فغير العربي لا يكون قرآنا. يبينه ~~أن القرآن ما أنزل الله تعالى على نبيه محمد عليه السلام فتلوناه بألسنتنا ~~وكتبناه في مصاحفنا وحفظناه في صدورنا. # ونحن نعلم قطعا أن الفارسية ليست مما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا هو المتلو على الألسن ولا المكتوب في المصاحف فلا يكون قرآنا ولأنه ~~إذا قرئ بالفارسية فقد أخل/ بنظم القرآن، والقرآن قرآن بنظمه ومعناه. # وهذا لأنه كلام امتاز عن كلام الخلق بالإعجاز، والإعجاز في نظمه، لأنه ~~نظم خارج عن أقسام كلام العرب، فإذا اختل النظم ذهب الإعجاز، وإذا ذهب ~~الإعجاز لم يكن قرآنا. # يدل عليه (إن القرآن نزل حجة على النبوة وعلما للهدى، والهدى بمعناه ~~والحجة بنظمه، ثم الإخلال بالمعنى يسقط حكم القراءة، كذلك الإخلال بالنظم). ~~يبينه أن حفظ القرآن واجب بنظمه ومعناه ليكون حجة النبوة، وحجة الأحكام ~~محفوظة في أيدي الناس، والحفظ يكون بالقراءة، ولا تجب القراءة إلا في ~~الصلاة فعرفنا أن جوازها متعلق بعين ما أنزل الله ليحصل الحفظ المطلوب من ~~الناس على ما أنزل. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله سبحانه وتعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى}. # وقوله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين} ولم يكن فيها بالعربية. PageV01P237 # وقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أي بالقرآن وإنما ~~ينذرون بلغاتهم، فدل أنه لا يصير شيئا آخر باختلاف اللغة، وعن ابن مسعود- ~~رضي الله عنه- أنه لقن رجلا {طعام الأثيم} وكان يقول: طعام اليتيم، فقال: ~~قل طعام الفاجر. # وعن أنس أنه قرأ: ((وحططنا عنك وزرك)) مكانه قوله: {ووضعنا عنك وزرك}. # قال: ولأن العبرة بالمعنى فإنه هو المقصود، وقد أدى المعنى وإن كان بلغة أخرى. # وأما الإعجاز فهو اختصار المعنى، والإخبار عن الغيوب فهذا لا يذهب وإن ~~قرئ بلغة أخرى. # الجواب: # أما الآيات التي تعلقوا بها فليس فيها دليل لهم، بل هو دليل عليهم، لأنه ~~كان في زبر الأولين ولم يكن قرآنا، فإن زبر الأولين والصحف الأولى ليست ~~بقرآن، ولو قرأ ذلك في صلاته لا تجوز ms095 صلاته، وإذا كان على هذا الوجه فيجوز ~~أن يكون معنى الآية: ذكر الرسول أو يكون المراد معنى القرآن لا نفس القرآن. ~~وأما الذي نقلوا عن ابن مسعود فيحتمل أنه إنما قال ذلك تنبيها له على ~~المعنى فإذا تنبه على المعنى كان لسانه بذلك أطلق. PageV01P238 # وأما المروي عن أنس فهو من القراءات الشواذ، وقد كانوا يقرؤون الشواذ على ~~أنه من المنزل، ولكن انقطع النقل الآن، واتفق الأمة على مصحف الإمام وهو ~~مصحف عثمان رضي الله عنه وترك ما سواه فلم يجز قراءة غيره لأجل الإجماع. # وأما الذي قالوا: ((إن العبرة بالمعنى)). # قلنا: قد بينا أن القرآن بنظمه ومعناه جميعا فلا يجوز الإخلال بواحد منهما. # وقولهم ((إن الإعجاز في اختصار المعنى)). # قلنا: الاختصار وغير الاختصار قد وجد في القرآن، وليس ذلك من الإعجاز ~~وإنما الإعجاز في نظمه على ما سبق. # وأما الإخبار عن الغيوب فإن ذلك في بعض السور وما من سورة من القرآن إلا ~~وهي معجزة، فلم يكن الإعجاز على العموم إلا في النظم. # فإن قالوا: (إن القراءة في الصلاة للثناء على الله تعالى ليس للمحاجة مع ~~الكفار والثناء يتأدى بالمعنى)). # (قلنا: القراءة في الصلاة ليست للثناء على الله تعالى، فإنه يقرأ بما ليس ~~فيه ثناء، وإنما الثناء سنة في الصلوات كلها، ولكن القراءة ركن. فدل أنه ~~إنما يقرأ القرآن ليكون محفوظا، كما أنزل حجة على النبوة، والأحكام جميعا ~~على ما سبق، ولأنه لو نظم معناه شعرا ثم قرأ به فسدت صلاته. لأنه نظمه من ~~كلام الناس لا من كلام الله وهذا فصل معتمد. والله أعلم. PageV01P239 ### || AUTO مسألة # يسن رفع اليد عند الافتتاح وعند الركوع وعند رفع رأسه من الركوع # عندنا. # وعندهم: لا يسن إلا عند الافتتاح. # لنا: # حديث الزهري عن سالم عن أبيه وهو ابن عمر قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه وإذا ركع، وإذا ~~رفع رأسه (من الركوع) فعل مثل ذلك وكان لا يرفع من السجدتين)). PageV01P240 # وروى هذه السنة ms096 عن النبي عليه السلام قريب من ثلاثين نفسا من الصحابة ~~منهم: عمر وعلي رضي الله عنهما، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث، وأبو ~~هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سيد، وأبو حميد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، ~~وأبو قتادة، وأبو موسى الأشعري، وعمر الليثي. # وعن علي بن المديني قال: حديث ابن عمر مثل هذه الإسطوانة- يعني في ~~الثبوت. وقد قال بهذه السنة ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأنس، ~~وابن عباس، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، من التابعين: الحسن البصري، وعطاء، ~~وطاووس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وغيرهم. # وقال بها الأئمة: الأوزاعي، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وعبد الله بن ~~المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. PageV01P241 # وقد اختلف فيه عن مالك، وابن عيينة إلا أن أصح الروايتين عنهما ما ~~قدمناه. نقله ابن وهب وغيره عن مالك. # وقد اتفق على هذه السنة أهل الحجاز، وقيل: إن أهل مكة أخذوا رفع اليدين ~~في المواطن الثلاثة عن ابن جريج، وأخذه ابن جريج عن عطاء، وأخذه عطاء عن ~~عبد الله بن الزبير، وأخذه ابن الزبير عن أبي بكر، وأخذ أبو بكر عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # أما حجتهم: # تعلقوا بحديث سفيان عن عاصم بن كليب الجرمي عن عبد الرحمن بن الأسود عن ~~علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله فصلى فلم ~~يرفع يديه إلا في أول مرة. PageV01P242 # قالوا: ورواه حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. # ورواه يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى فرفع يديه في التكبير الأولى ثم لم يعد)). # وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((لا ترفع الأيدي PageV01P243 # إلا في سبعة مواطن))، وذكر منها حال الافتتاح، ولم يذكر ما سوى ذلك من ~~أحوال الصلاة. # وتعلقوا أيضا بالحديث المعروف أن النبي عليه السلام رأي أصحابه وقد رفعوا ~~أيديهم فقال: ((ما بالكم رافعي أيديكم، ms097 كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في ~~الصلاة)). # قالوا: وراوى خبركم ابن عمر. وقال مجاهد: صحبت ابن عمر من المدينة إلى ~~مكة فلم يكن يرفع يديه إلا في الافتتاح. # ونقلوا عنه أنه قال: رفع اليدين بدعة. # قالوا: ولأن رفع اليدين مجرد حركة بلا عنى، وأما في حال الافتتاح سلم ~~للنص. PageV01P244 # الجواب: # أما حديث ابن مسعود فقد روى سفيان بن عبد الملك عن ابن المبارك قال: ثبت ~~حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي عليه السلام لم يرفع إلا ~~في أول مرة. # وقيل: إن عبد الرحمن بن الأسود لا يصح سماعه عن علقمة. # ولأنه يحتمل أنه خفى عن ابن مسعود هذه السنة كما خفى عليه الأخذ بالركبة ~~في حال الركوع، وقد كان يطبق حتى توفاه الله. # أما حديث البراء بن عازب فقوله: ((ثم لم يعد)) غير ثابت وقد كان يزيد بن ~~أبي زياد روى بالحجاز من غير هذه الزيادة ثم روى بالكوفة مع هذه الزيادة، ~~فيحتمل ((أنه لقن فتلقن، وقد كان اختلط في آخر عمره)). PageV01P245 # وأما حديث مقسم فهو عن ابن عباس نفسه، والرواية: ((برفع الأيدي)) وليس ~~فيه نفي الرفع في غير المواضع السبعة. # وأما الذي رووا عن قوله عليه السلام: ((ما بالكم رافعي أيديكم ....)). ~~فقد ذكر مسلم في صحيحه هذا الخبر، وذكر أنهم كانوا يرفعون أيديهم في التشهد ~~ويشيرون بالسلام فقال النبي عليه السلام ما قال. # والذي نقلوا عن ابن عمر فقد ثبت عن ابن عمر ما قدمناه. # وروى زيد بن واقد عن نافع أن ابن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه في ~~الصلاة حصبه- أي رماه بالحصباء. PageV01P246 # وقولهم: ((إنه قال ((بدعة)) أثر موضوع. وكيف وقد روى عنه ما قدمنا ثم ~~يخالفه ويسميه بدعة مع شدة تمسكه بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى قال بعض الصحابة: ما أحد منا فتش إلا فتش عن جائفة أو منقلة غير عمر، ~~وابن عمر منه)). # وأما قولهم: ((حركة بلا معنى)). # قلنا: الاعتراض على السنة بمثل هذا الكلام باطل، وعلى ms098 أنه زينة الصلاة ~~وقد ورد هذا في بعض الآثار. والله أعلم. # * * * PageV01P247 ### || AUTO مسألة # إذا تكلم في صلاته ناسيا أو مخطئا أو مكرها لم تبطل صلاته # عندنا. # وعندهم تبطل صلاته. # لنا: ما رواه مالك عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه ~~السلام صلى إحدى صلاتي العشى أو الظهر أو العصر PageV01P248 # فسلم على اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أو نسيت يا رسول الله؟ ~~فقال النبي عليه السلام: ((أصدق ذو اليدين))؟ قالوا: نعم، فعاد وأتم صلاته ~~ثم سجد سجدتي السهو. والخبر نص. # قالوا: كان هذا قبل تحريم الكلام في الصلاة، وقيل:/ إن القوم تكلموا ~~عامدين ومع ذلك لم يعيدوا الصلاة. # قلنا: هذا حمل الحديث على النسخ بلا دليل، ولأن أبا هريرة متأخر PageV01P249 # الإسلام فإنه أسلم سنة سبع من الهجرة، وقد كان الكلام حرم قبل هذا بزمان مدريد. # وأما قوله: ((إن القوم قد تكلموا عامدين ولم يأمرهم بإعادة الصلاة)). # قلنا: قد كان الكلام واجبا عليهم بخطاب النبي عليه السلام، وإذا وجب ~~الكلام لا تبطل به الصلاة. # وأما الكلام من حيث المعنى فنقول: # الكلام محظور الصلاة فعمله في إبطال الصلاة من حيث ارتكاب الحظر وفي حال ~~النسيان زال الحظر فزال عمله كما لو أكل ناسيا في الصوم. # وإنما قلنا: إنه محظور الصلاة، لأن الصلاة مجموع أفعال يؤديها مثل الحج ~~سواء وليس ترك الكلام من أفعال الصلاة إلا أن الشرع حظر عليه الكلام. لأن ~~الصلاة عبادة وقيام في موضع المناجاة وإقبال على الله تعالى بالكلية، فكان ~~من قضيتها ترك الكلام لتحقيق الإقبال على الله بالكلية، واحترام موضع ~~النجوى، وتعظيم المعبود مثل الحج فإنه مهاجرة إلى الله تعالى وزيارة لبيته ~~فاقتضى تحريم ما يشبه من أحوال المرفهين المتنعمين مثل لبس المخيط والتطيب ~~والتجمل ليكون أشبه بالمهاجرين إلى الله تعالى، وإذا ثبت أن الكلام محظور ~~الصلاة، وليس تركه فعلا يؤدي به الصلاة فمتى زالت الحظرية زال عمله. # أما حجتهم: # قالوا: ترك الكلام شرط صحة الصلاة، وشروط الصلاة لا تسقط بالنسيان ~~كالطهارة، واستقبال ms099 القبلة وسائر الشرائط. PageV01P250 # يدل عليه أن أصل الصلاة لا يسقط بالنسيان فكذلك شروطها. # والدليل على أنه شرط الصلاة أن النبي عليه السلام قال لمعاوية بن الحكم ~~السلمي: ((إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)). وإخراج ما لا يصلح ~~في الصلاة يكون شرط الصلاة، كالتطهير من الحدث. # يبينه أنه إذا كان لا يصلح في الصلاة بالنص يكون منافيا للصلاة لعينه ~~فمتى وجد سواء كان عامدا أو ناسيا تبطل به الصلاة بمنزلة الحدث سواء. # قالوا: وأما الأكل ناسيا في الصوم فإنما لم يبطل به الصوم بالنص فهو حكم ~~ثبت بالنص غير معقول المعنى فلا يقاس عليه غيره، ولأنه لو أكل ناسيا في ~~الصلاة تبطل به الصلاة، كذلك الكلام، لأن كل واحد منهما فعل غير صالح في ~~الصلاة. # قالوا: وليس يدخل على ما قلنا إذا سلم في الصلاة ناسيا، لأن جنسه مشروع ~~في الصلاة فلم يكن مبطلا للصلاة بعينه بل بقصد الخروج، فإذا وجد لا في حين ~~الخروج بطل قصده، ونفى مجرد السلام وهو بعينه غير قادح في الصلاة وأما ~~الكلام فإنه مفسد للصلاة بعينه على ما سبق. PageV01P251 # الجواب: # أما قولهم: ((إن إخلاء الصلاة من الكلام شرط الصلاة)). # قلنا: قد بينا أنه محظور الصلاة، ودللنا عليه. # أما الخبر فإنه قد أخبر من أنه لا يصلح في الصلاة، ويجوز أن يكون المعنى ~~لا يصلح للحظرية. # يبينه أن جنس الكلام مشروع في الصلاة، ولو كان مبطلا للصلاة لعينه لم ~~يشرع جنسه كالحدث، فدل أنه مبطل للصلاة لمعنى ارتكاب المحظور، وهذا لا يوجد ~~في حال النسيان، وخرج على هذا الحدث فإنه منافي للطهارة لعينه ثم إذا ~~ارتفعت الطهارة فات شرط الصلاة فلم تجز الصلاة. # فإن قالوا: لا عمل للنسيان إلا في رفع الحرج ففيما وراءه يجعل بمنزلة ~~العدم. قلنا: هذا دعوى بلا دليل بل عمل النسيان إزالة الحظر، فإذا زال ~~الحظر كان الحكم على ما قدمنا، ويبطل هذا الكلام أيضا بما لو أكل ناسيا في ~~الصوم فإنه قد عمل النسيان فيما وراء رفع الإثم ms100 حين لم يبطل به الصوم. # وأما الذي قالوا: ((إنه بالنص غي معقول المعنى)). # قلنا: قد ذكرنا معنى صحيحا يمكن التعويل عليه فلا يترك له. # وأما إذا أكل ناسيا في الصلاة فلا نسلمه بل نقول: إذا أكل ناسيا وإن كان ~~في الصلاة لا تبطل صلاته كما لو تكلم، اللهم إلا أن يكثر الأكل حتى يخرج به ~~عن هيئات المصلين، وكذلك إذا أكثر الكلام في مسألتنا فدل أنه يبطل الصلاة ~~أيضا، لما ذكرنا. # أما إذا سلم ناسيا فهو لازم، وعذره ضعيف، لأن السلام الذي يخرج به عن ~~الصلاة هو ما كان خطابا لقوم حاضرين، وهذا غير مشروع جنسه في الصلاة بحال. # وعلى أنا قد بينا أن مسألتنا قد شرع جنس الكلام في الصلاة، فتستوي ~~الصورتان بلا فرق ... والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV01P252 ### || AUTO مسألة # المرتد إذا عاد إلى الإسلام يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة # عندنا في حال الردة. # وعندهم: لا يلزمه. # وكذلك ما كان عليه من واجبات لله تعالى، وفي ذمته قبل الردة فإذا ارتد ثم ~~أسلم فهي عليه كما كانت. # وعندهم: تسقط كلها. # وعلى هذا الأصل إذا ارتد وقد حج أو صلى الظهر في أول الوقت ثم عاد إلى ~~الإسلام لم يلزمه أن يحج ويصلي ثانيا. PageV01P253 # وعندهم: يلزمه. # وإنما جمعنا بين المسألتين، وإن اختلفا في الصورة، لأنهما يتفقان في ~~المعنى على ما سيأتي بيانه. # وبناء المسألتين على أن الخطاب بالعبادات وسائر الشرعيات متوجه على ~~الكفار عندنا. # وعندهم: غير متوجه، وقد ادعوا فقد أهلية العبادات في الكفار، ونحن ندعي ~~وجود الأهلية وتوجه الخطاب إلا أنه سقط بعفو من الشرع في موضع، ولا يسقط في ~~موضع بحسب قيام الدليل فهذا محل النزاع. # لنا: # إن الكافر مكلف يمكنه التوصل إلى فعل العبادة فيلحقه خطاب العبادة دليله ~~المسلم، أما قولنا: ((مكلف)) فلا إشكال فيه، والدليل عليه أنه مكلف ~~بالإسلام. وأما قولنا: ((يمكنه الوصول إلى فعل العبادة))، فهو أن يسلم ~~ويصلي، فهذا طريق التوصل فثبت ما ادعيناه، وتحقيقه أن الكافر عبد من العباد ~~وقد خلق الله ms101 تعالى عباده ليعبدوه على ما نطق به الكتاب، فكل من سهل له ~~طريق العبادة بوجه ما، يلحقه خطاب العبادة لإطلاق الخطاب وشمول الأمر فيكون ~~هو داخلا في زمرة المخاطبين، ويكون الخطاب المطلق متناولا إياه. فإن قالوا: ~~إن الكافر لا يمكنه التوصل إلى فعل العبادة، لأنه إذا أسلم لا يكون كافرا. PageV01P254 # قلنا: هذا ليس بشيء، لأن الخطاب متناول ذات المخاطب، والإسلام والكفر ~~صفتان له فهو وإن أسلم فذاته واحد، وقد اتصل بذاته إلى فعل ما خوطب به ~~فيكون المخاطب هو المتوصل إلى فعل خوطب به في الموضعين وإن بدل وصفه بوصف. ~~وهذا مثل الجنب يخاطب بالصلاة، فإن طريق توصله إلى فعل الصلاة بالاغتسال، ~~وإذا اغتسل لم يكن جنبا ثم هذا لا يدل على أن الخطاب لا يتناوله، وكان طريق ~~تحقيق توجه الخطاب مع تبدل وصفه بوصف الاغتسال هو ما بينا. كذلك هاهنا. # وإذا ثبت ما بينا من توجه الخطاب عليهم فنقول: # المرتد مخاطب بالصلوات في حال الردة ولم يوجد عفو من الشرع في حقه، فإذا ~~أسلم يلزمه قضاء ما فات. # وكذلك نقول في الكافر الأصلي أنه مأمور بالعبادات إلا أنه إذا أسلم سقط ~~عنه بعفو الشرع، وذلك بقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف}. وأجمع أهل العلم أن هذا الخطاب للكفار الأصليين. # وهذا لأن الكافر الأصلي عارف بدينه غير عارف بدين الإسلام وقد ادعى من ~~دينه الذي عرفه وتعوده ورأى فيه نجاته ومصلحته ثم دعى إلى دين لم يعرف ما ~~يشتمل عليه فاحتاج إلى نوع ترغيب والطاف لينزع عما كان عليه، ويرغب فيما لم ~~يكن عليه، ومن اللطف المرغب في حقه هو عفو الشرع عنه بعد قبول الإسلام عما ~~سلف منه، فهذا نوع لطف من الله تعالى مع الكفار ليرغبوا في الإسلام ولا ~~ينفروا عنه وهو كسائر ألطافه الخفية الغزيرة. PageV01P255 # فأما المرتد فقد كان عرف الإسلام، وعرف ما يشتمل عليه ثم أنه ترك الإسلام ~~وعاد إلى رأس كفره، فكانت الحاجة إلى تشديد الأمر عليه، فيرد أولا ms102 إلى ~~الإسلام شاء أم أبى من غير إمهال وتثبت، ثم لا يعفى عن شيء من الواجبات ~~المتوجهة عليه بل يؤمر بقضائها ولا يحابي ولا يساهل في شيء منها، فإنه قد ~~حصل استعمال اللطف في حقه ابتداء حتى قبل الإسلام ابتداء، فلما لم ينفع ~~اللطف، وقد عاد إلى رأس أمره كانت الحكمة في استعمال العنف والتشديد في ~~حقه، وذلك باستمرار الخطاب عليه ثم بالمؤاخذة بفعل ما يتوجه عليه شاء أو ~~أبى فيحصل بهذا تأديبه وتعريكه، ويحصل بها أيضا زجر سائل المسلمين عن ~~ارتكاب مثله فعله فهذا هو المعنى المفرق بين الصورتين وهذه حكمة لطيفة من ~~حكم الشيء لا يقع عليه إلا من أمده الله تعالى بنور من عنده. # وإذا عرف هذا الأصل فعلى/ هذا يخرج غيره من المسائل وهو بقاء الواجبات ~~عليه وكذلك بقاء العبادات له، فإن خطاب العبادات إذا استمر في حقه بعد ~~الردة بقيت الواجبات في ذمته، وبقي الحج الذي فعله، والصلوات التي فعلها له ~~مثل ما بقي لسائر المسلمين فلم يؤمر بفعلها ثانيا. # أما حجتهم: # قالوا: الكافر ليس من أهل العبادة فلا يخاطب بالعبادة دليله البهيمة، ~~وإنما قلنا: ((إنه ليس من أهل العبادة)) لأن العبادة معنى شرعي يعرف بموجبه ~~وهو الثواب، والثواب هو الجنة، والكافر ليس من أهل الثواب، فلا يكون من أهل ~~العبادة، وهذا كالنكاح معقود للحل، والبيع للملك ثم من لا يكون من أهل الحل ~~لا يكون من أهل النكاح. PageV01P256 # وكذا في الملك مع البيع، وهذا لأن الأمر بالعبادة ليس لمعنى يرجع إلى ~~المعبود، لأنه تعالى غنى عن جميع الناس، وإنما الأمر بالعبادة لنفع، لنفع ~~العبد بالثواب، فحقيقة العبادة فعل مخصوص يعرف بموجبه وهو الثواب، ولا ثواب ~~له بحال فلم يكن من أهلها. # قالوا: وهذا بخلاف السكران لأنه من أهل الثواب فإنه مسلم وكذلك الجنب ~~والمحدث، فصارت الطهارة شرط الأداء لا شرط الوجوب فلم ينتف الوجوب بتراخي ~~شرط الأداء. # وأما الإسلام فهو شرط الوجوب فإذا عدم الإسلام عدم الخطاب بالوجوب. # يبينه: أن الإسلام أصل والصلاة فرع، ms103 ولا يصلح الأصل شرطا للفرع. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إنا لو أسقطنا الخطاب عن المرتد لصار الكفر سببا ~~للتخفيف عنه، وهذا لا يجوز، وذلك لأن إسقاط الخطاب بالعبادة عن المرتد، ~~وسائر الكفار ليس بطريق النظر والرحمة، مثل ما يسقط عن الصبيان نظرا لهم ~~ومرحمة، ولكنا نسقط الخطاب بطريق الخزي والتنكيل، وذلك أنه بكفره ألحق نفسه ~~بالبهائم والخطاب بالعبادة كرامة (فإن الله تعالى أكرم بني آدم بالتخليق ثم ~~بالتأهيل لحمل الأمانة ثم بالتوفيق لأداء ما حمله ثم بالثواب الموعود)، ~~فإذا سقط الخطاب عن الكفار بالعبادات، كان السقوط خزيا له وتنكيلا له بحكم ~~جنايته بالكفر، فكأنا ألحقناه بالبهائم بكفره وصرفنا عنه التكريم بالخطاب. # وأما عذاب الآخرة فلا تخفيف عنه لهذا السبب، لأنا لو قلنا لا عقوبة عليه ~~بترك العبادات فالعقوبة متوجهة بتأخيره بترك الإسلام وارتكاب هذا PageV01P257 # الجناية العظيمة وإلحاقه نفسه بالبهائم، وربما تكون المعاقبة عليه بهذا ~~أشد من المعاقبة بترك الفروع من الشرعيات. # قالوا: وأما الخطاب بأصل الإيمان فمتوجه على الكفار، لأنه لو أتى به صح ~~ولأنه إذا تم منه يكون فرضا، وهو من أهل الثواب، فاستقام خطابه بالإسلام، ~~لأنه من أهل موجبه إذا وجد منه، وفي مسألتنا لا يستقيم الخطاب بسائر ~~العبادات لما بينا أنه ليس من أهل موجبها. # قالوا: وإذا ثبت أنه لا خطاب على الكافر بالعبادات، قلنا: لا يجب عليه ~~القضاء إذا أسلم، لأن القضاء ثاني الوجوب، فإنه إذا لم يكن وجوب فلا قضاء. # وكذلك ما فعله من الحج والصلاة في أول الوقت يلزمه إذا أسلم أن يفعل ~~ثانيا، لأنه إذا لم يكن من أهل العبادة لا تبقى له العبادات فصار بعد عوده ~~إلى الإسلام ككافر أصلي أسلم ابتداء فتلزمه الصلاة عند إدراكه بعض الوقت ~~ويلزمه الحج، وصار المفعول بمنزلة العدم. # وربما يقولون: إن المسلم إذا ارتد- والعياذ بالله- بطل ما فعله من ~~الإسلام من قبل، لأن زمان الإسلام لا يقبل التبعيض والتجزئ، ولو أسلم وخرج ~~لحظة من عمره عن الإسلام لم يصح إسلامه، فإذا لم يتبعض، فإذا ترك الإسلام ms104 ~~في المستقبل بطل ما فعله في الماضي بمنزلة الصوم في اليوم الواحد. وإذا بطل ~~الإسلام بطل ما فعله أيضا في حال الإسلام، ولابد من وجوب الحج عليه ثانيا، ~~وكذلك الصلاة. # قالوا: وليس كمن تيمم في إسلامه ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام حيث يبقى ~~تيممه، لأنا إنما ادعينا ما ادعيناه في العبادات والتيمم ليس PageV01P258 # بعبادة على ما سبق بيانه، وأما اشتراط النية فيه فلم يكن لأنه عبادة بل ~~كان لما رأينا أن التراب ليس بطهور في ذاته، وإنما صار طهورا بالشرع، ~~والشرع إنما جعله طهورا عند إرادة الصلاة به، فإذا لم يرد لم يكن طهورا. # وأما هاهنا فإن الصلاة عبادة، وقد بينا أنه ليس من أهل الخطاب/ بالعبادة ~~يبينه: وهو أن العبادة فعل مقرب على الله تعالى فمن لا يعرف الله أو لا ~~يكون من أهل التقريب إلى الله تعالى، كيف يكون محلا للخطاب بالعبادة؟ # وتعلقوا بقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله}، وهذا اللفظ عام ~~في كل عمل إلا ما يخصه الدليل. # الجواب: # إنه قولهم: ((إنه ليس من أهل العبادة)). ليس كذلك بل هو من أهل العبادة ~~بفطرته وخلقته، لأن خلق ليعبد ربه، ولأنه عبد من العباد، والعبادة تعبد ~~فيكون له أهلية العباد. # وقولهم: ((إن العبادة للثواب)). # قلنا: قد توجد العبادة بلا ثواب، بدليل أن النبي عليه السلام قال: ~~((الغيبة تفطر الصائم))، ومعناه تلحقه بالمفطر لفقد ثواب الصوم ومع ذلك فإن ~~صومه صحيح، وكذلك قال الله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~الذين هم يراءون .....}. PageV01P259 # ومعلوم أن المراياة تفوت ثواب الصلاة، ومع ذلك فإن صلاته صحيحة. # قالوا: فوات الثواب في هذين الموضعين بحكم مقابلة الوزر بالغيبة ~~والمراياة لثواب الصلاة والصوم، وإذا تقابلا وتوازيا، صار الثواب كالعدم، ~~ولم يكن لأجل فوات أهلية الثواب. # وأما في مسألتنا كان فوات الثواب لفقد الأهلية فسقط الخطاب. # قلنا: هذا كلام تقولونه في كثير من المواضع فلا تعرف صحته، والتقابل الذي ~~يدعونه لا يعرف إلا بوحي، وقد أخبر النبي عليه السلام أنه ms105 لا ثواب للصائم ~~المغتاب ومع ذلك قد صح صومه. # ويمكن أن يقال: إن صحة العبادة ليس من ضرورتها الثواب، ويجوز أن تصح ~~العبادة من الشخص ولا يثاب عليه أصلا، وهذا كلام طويل ذيله واسع مجاله، ~~وليس من باب الفقه. # والأصح أن نوافقهم فيما ادعوه، لكن نقول: صحة الخطاب بالعبادة بإمكان ~~التوصل، فإذا أمكن التوصل بوجه ما صح الخطاب. # وهذا لأن خطاب العبادة إذا كان الثواب، ولم يصح فعلها منه إلا بعد أن صار ~~أهلا للثواب استقام الخطاب بها ليؤديها بعد أن يأتي بشرط الإسلام، وهذا ~~كالخطاب بأداء الصلاة فإنه متوجه على الجنب، وكذلك السكران، ولا يقال: إنه ~~كيف يخاطب بالأداء من لا يصح منه الأداء، ولكن يقال: إنه مخاطب بأداء ~~الصلاة ليؤديها بعد أن يعقل من السكر أو بعد أن يطهر من الجنابة فاستقام ~~الخطاب بالأداء على هذا التقدير. # والحرف أن الثواب لما كان بالفعل ولا فعل إلا بعد الإسلام لم يمنع عدم ~~أهلية الثواب من توجه الخطاب، وهذا بخلاف البهيمة، لأن خطابها مستحيل ولا ~~وقت لوجود فعل العبادة منها بحال. PageV01P260 # وها هنا ليس فقد الخطاب عنهم لاستحالة الخطاب فإن الخطاب مع الكافر صحيح ~~معقول، ولكن كان عدم الخطاب عندهم لعدم أهلية الثواب فإذا قدرنا لفعله ~~تقديم الإسلام زال هذا المعن، واستقام الخطاب. # جواب آخر نقول: # وهو أن صحة العبادة بإفادة الخطاب، وقد أفاد الخطاب مع الكافر. لأنه إذا ~~لم يفد فعلا يستحق به الثواب أفاد تركا يستحق عليه العقاب، وهذا لأن خطاب ~~الفاجر عن الأداء بالأداء مستحيل، كما أن خطاب غير الأهل مستحيل، ثم يتوجه ~~خطاب أداء الصلاة على السكران وإن كان عاجزا عن الأداء، ولكن توجه الخطاب ~~بالأداء لأنه إن لم يفد فعلا فقد أفاد تركا حتى يعاقب عليه، وهم يقولون على ~~هذا الخطاب ليس إلا للفعل فلا يجوز تصحيح الخطاب لمعنى يعود إلى ترك الفعل، ~~وفي السكران الخطاب بالفعل صحيح، لأنه ليس فيه إلا بآخر الأداء وبآخر ~~الأداء لا يسقط الخطاب بالأداء. # ونحن نقول: إن صحة الخطاب ms106 لفائدة، فأما إذا أفاد الخطاب صح الخطاب وقد ~~أفاد على ما بينا. وأما السكران ففي غاية اللزوم. # وقولهم: ((إنه لم يفت الأداء في السكران وإنما تأخر)). # قلنا: في حالة السكر هو مخاطب بالأداء آخرا يعاقب على تركه. ولا يتصور ~~منه أداء في هذه الحالة، ومع ذلك صح الخطاب بالأداء لما بينا. # وقولهم: ((إن الإسلام أصل لا يصلح شرطا لفرعه)). # قلنا: معنى الشرط ما تقف عليه العبادة فسواء وجد معناه في الإسلام الذي ~~هو أصل العبادات أو غيره استقام تسميته شرطا، ويمكن أن يقال: إن الإسلام ~~أصل فيما يرجع إلى ذاته شرط فيما/ يرجع إلى الصلاة المؤداة بعدها. PageV01P261 # والجواب الأول أحسن وأجرى في المعاني. # وأما قولهم: ((إنه إذا ارتد بطل الإسلام الذي وجد منه وصار بمنزلة ~~العدم)). # قلنا: إلحاق الموجود بالمعدوم لابد فيه من دليل قطعي، وعلى أنه إن جاز أن ~~يقال: إذا ارتد يصير الإسلام الموجود منه بمنزلة المعدوم، يجوز أن يقال: ~~إنه إذا عاد إلى الإسلام تصير الردة الموجودة منه بمنزلة المعدوم، وهذا ~~أحسن، والشرع عليه أدل، والاعتقاد له أقبل. # وأما الآية التي تعلقوا بها فقد قال في موضع آخر: {ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم}. وذلك الآية المطلقة محمولة على ~~هذه المقيدة، ويصير عمله بمنزلة الموقوف إن مات على الردة بطل عمله، وإن ~~عاد إلى الإسلام بقي له عمله. # وقد قالوا: هذا في أملاك المرتد أنها موقوفة إن دام على الردة، وإن قتل ~~أو مات زالت أملاكه من وقت الردة، وإن عادة إلى الإسلام جعل ملكه بمنزلة ~~المستمر ولم يزل شيء من أملاكه عن ملكه، كذلك هاهنا. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P262 ### || AUTO (مسألة) # يسجد سجدتي السهو عندنا قبل السلام # . # وعندهم: بعد السلام. # لنا: # حديث الزهري عن الأعرج عن عبد الله بن بحينة أن النبي عليه PageV01P263 # السلام قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلا أتم صلاته سجد سجدة السهو فكبر ~~في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسى من ms107 الجلوس ~~قال: ((وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف)). # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر ~~أثلاثا صلى أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل ~~أن يسلم)). PageV01P264 # ولهم في المسألة من حيث الأخبار: # حديث شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن النبي عليه ~~السلام صلى الظهر خمسا فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فسجد سجدتين بعد ما سلم)). # وروى أيضا ابن مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((إذا شك أحدكم فلم يدر ~~أثلاثا أم أربعا فليتحرى أقرب ذلك إلى الصواب ثم ليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد ~~سجدتين)). PageV01P265 # ويدل عليه حديث ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام سجدهما بعد ~~السلام، وهذا في حديث ذي اليدين. # ونحن نقول: إن أخبارنا أولى، لأنها ناسخة لغيرها من الأخبار فإنه روى عن ~~الزهري قال: كان آخر الأمرين من النبي عليه السلام فعل سجدتي السهو قبل ~~السلام. # وروى يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم أن أبا هريرة، PageV01P266 # والسائب القاري كانا يسجدان سجدتي السهو قبل السلام. # وأبو هريرة الراوي لخبرهم المشهور المعروف وهو خبر ذي اليدين، دل أنه ~~إنما خالف، لأنه عرف أن خبرهم منسوخ. # وقد قال بعض أصحابنا: إن معنى قوله: ((بعد السلام)) أي بعد التشهد ويجوز ~~أن يسمى التشهد سلاما لاشتماله على السلام، مثل الصلاة تسمى قراءة ~~لاشتمالها على القراءة. # والجواب الأول أمثل، ولأن سجدتي السهو جزء من الصلاة فليس فعله قبل ~~السلام دليله سائر الأجزاء، ويمكن أن يقال: سجدة مشروعة لإتمام الصلاة ~~فصارت كالسجدة الأصلية. # وإنما قلنا: ((لإتمام الصلاة))، لأنه قائم مقام ما تركه يوجب نقصانا في ~~الصلاة فيكون فعله إتماما لها. # يدل عليه أن ما أنجبر به الشيء يصير منه بدليل الحسبات، فإذا أنجبر سجدتي ~~السهو الصلاة صارتا من الصلاة، ولهذا المعنى حكموا بالعودة إلى الصلاة عند ~~فعل السجدتين فإذا ثبت أنهما من الصلاة أخر عنهما السلام مثل ما يؤخر عن ~~سائر ms108 أفعال الصلاة. # وأما حجتهم من حيث المعنى: # قالوا: (ما قبل السلام جزء من الصلاة والسهو فيه يوجب سجدتي PageV01P267 # السهو لولا السهو الأول فوجب سجود سجدتي السهو عنه دليله ما قبله. # وهذا لأن سجدتي السهو يجبان بالسهو فأخرتا عن موضعها، لأنا لا نأمن سهوا ~~آخر بعده فيلزمه مرة أخرى، والموجود يجبر ما قبله لا ما بعده والشرع لم يأت ~~بالتكرار فأخرتا سجدتي السهو ليجبر بهما كل سهو في الصلاة وذلك لا يحصل إلا ~~بالتأخير عن السلام). # فصار الحرف/ لهم أن كل جزء يتصور فيه السهو ووجب سجدتا السهو به يجب ~~تأخير السلام عنه لما بينا، ولا يدخل على هذا بعد السلام لأنه لا تجب سجدتا ~~السهو في هذه الحالة. # وهذا لأنه لا سهو بعد السلام حقيقة، فإنا إذا قدرنا أنه لا سهو قبله ولا ~~يكون في الصلاة أصلا، ومع السهو الأول يكون البقاء في الصلاة بسبب السهو لا ~~غير حتى لولاه لكان خارجا من الصلاة فيكون السهو الثاني إذا قدرنا وجوده ~~بعد السلام حاصلا فيما هو جبرا لصلاة على التمحص ولا يجب جبر آخر لأنه سهو ~~شرع لجبر الصلاة لا لجبر جبر الصلاة. # قالوا: وقولكم: ((إن الجبر شرع في الصلاة)). # (فعندما حرمة الصلاة لا تنقطع بالسلام ولا يسجد إلا وهو في الصلاة وإنما ~~قدمنا السلام ليمتاز الجبر عن نفس الصلاة). # الجواب: # إن قولهم: ((إن ما قبل السلام جزء من الصلاة)) على ما زعموا. # قلنا: ما قبل السلام هو زمان فعل سجدتي السهو، وزمان فعل PageV01P268 # سجدتي السهو لا يوجب سجود السهو، وهو كما بعد السلام على أصله، فإنه عاد ~~إلى الصلاة عندهم ولا يجب سجود السهو بالسهو الحاصل فيه. # فإن قالوا: ((يعود إلى حرمة الصلاة لا إلى الصلاة)). # قلنا: مذهبهم هو العود إلى الصلاة، وعلى أنه لا يعرف حرمة الصلاة بلا ~~صلاة، نقول في الفرق بين الجزء الذي قبل السلام وبين سائر الأجزاء: إن في ~~سائر أجزاء الصلاة يمكن تأخير السجود عنها فأخرنا لما ذكروا، وأما الجزء ~~الذي قبل السلام فلا يمكن ms109 تأخير السجود عنه، لأنه إذا أخر سلم، وهذا سلام ~~محلل من الصلاة، وإذا فعل في موضعه فيوجب الخروج منها وبعد الخروج من ~~الصلاة لا يتصور جبر الصلاة، ولا يمكن أن يقال إنه يعود إلى الصلاة ~~بالسجود، لأن الخروج من الصلاة إذا تحقق بالسلام المشروع للتحلل لا يتصور ~~العود إليها إلا بتحريمة جديدة واستئناف الصلاة. # فثبت أن في سائر الأجزاء يمكن التأخير، وفي هذا الجزء لا يمكن التأخير ~~لما بينا. وسقط قولهم: ((إنه وقت السهو)) لأنهم إن قالوا: قبل أن يسجد، ~~فذاك زمان لا سجود فيه فهو كسائر أزمان الصلاة، فإن قالوا: بعد أن سجد، فهو ~~ليس بزمان السهو، إنما هو زمان سجود السهو، وزمان سجود السهو لا يكون زمان ~~السهو، مثل قولهم ذلك فيما بعد السلام، ثم الدليل على الفرق بين سائر ~~الأجزاء وبين هذا الجزء وعلى الأصلين. أما على أصلنا فظاهر، وأما على أصلكم ~~فلأنه لو سجد قبيل السلام فإنه يقع به الاعتداد وإن لم يسن فعله، وأما إذا ~~سجد في سائر أزمان الصلاة قبل هذا الزمان فإنه لا يقع به الاعتداد، فتبين ~~الفرق بين الحالين، وسقط ما قالوه جملة)). # * * * PageV01P269 ### || AUTO (مسألة) # محاذاة الرجل المرأة في صلاة الجماعة لا يوجب بطلان صلاة واحد منهما # عندنا. # وعندهم: تبطل صلاة الرجل. # لنا: # إن الرجل متابع وقف في موقف المتابعة فلا تفسد صلاته. # دليله سائر المتابعين، يبينه أن نهاية ما في الباب أنه مسيء في موقفه ~~بجنب المرأة، والإساءة في الموقف لا توجب بطلان الصلاة. # دليله إذا انفرد خلف الصف، ودليله إذا وقف الرجل على يسار الإمام. # ودليله: إذا ترك القوم الاصطفاف في الصلاة خلف الإمام بأن قام كل منفردا ~~أو قاموا بجنب الإمام صفا. PageV01P270 # والحرف أنه لا مفسد لصلاة الرجل، والإفساد بغير مفسد محال. # أما حجتهم: # قالوا: إن الرجل ترك فرضا عليه في الموقف فلم تجز صلاته. # دليله: إذا تقدم على الإمام، وإنما قلنا: ((ترك فرضا عليه في الموقف)) ~~لأنه فرض عليه تأخير المرأة عن موقفه، لقوله عليه السلام ((أخروهن من ms110 حيث ~~أخرهن الله)). وكلمة ((حيث)) للمكان، والأمر للوجوب ولا ترتيب يجب .... ~~المكان بين الرجل والمرأة سوى مكان الصلاة. # ولأن النبي عليه السلام قال: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير ~~صفوف النساء آخرها وشرها أولها)). PageV01P271 # والاحتراز من الشر واجب يدل عليه الحديث الصحيح: أن النبي عليه السلام ~~((صلى فأقام أنس وراءه واليتيم وراءه وأقام أم سليم وراءهما)). # وإنما قدم الصبي وأخر العجوز .... / كراهية الانفراد خلف الصف، لأنه كان ~~محظورا وقوفها بجنب الرجل فاختار الكراهية على الحظر، ولأن النساء إتباع ~~الرجل في حكم الجماعة، ولهذا لا تجوز إمامتها بحال، فورد الشرع بالترتيب ~~مكانا بين التبع والمتبوع، كما ورد بين الإمام والمؤتم، ثم لو ترك المؤتم ~~مكانه بأن تقدم على إمامه فسدت صلاته، كذلك إذا ترك الترتيب هاهنا أيضا. # وإنما اختص الرجل بفساد صلاته، لأنه هو المخاطب بهذا الترتيب لما بينا من ~~الخبر، ولأن الرجال هم القوامون بإقامة الجماعات وتسوية الصفوف، وإذا كان ~~الخطاب للرجال دون النساء اختص الفساد بصلاة الرجل. # قالوا: وإنما اعتبره تقديم المؤتم على إمامه لتفسد صلاته، وفسد في ~~مسألتنا بمجرد المحاذاة، لأن المواقف ثلاثة قدام، وخلف وحذاء، فقدام موقف ~~المتبوع، وخلف موقف التبع، وحذاء وسط بين موقف المتبوع PageV01P272 # وموقف التبع، فإذا كان مؤتما وقف بجنب الإمام وهو موقف متمثل بين ~~الجانبين فرجحنا موقف الخلف على موقف القدام في حقه بفعله المتابعة وهو فعل ~~التتابع، ولم يكن في مسألتنا مثل هذا المرجح إذا وقف الرجل بجنب المرأة ~~فاعتبرنا معنى آخر، وهو معنى الاحتياط للعبادة فإن الأصل ألا صلاة وإنما ~~توجد الصلاة لموقف بترتيب ولم يوجد فبطل أصل الصلاة. # قالوا: وليس يلزم صلاة الجنازة، لأنا إنما ادعينا ثبوت هذا الترتيب في كل ~~صلاة ورد للنساء فيها موقف بالشرع، وإنما ورد في الصلوات الخمسة. # فأما في صلاة الجنازة فلا، لأن النبي عليه السلام قال لنسوة وقد رآهن في ~~جنازة: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات))، فلم يأمرهن بالصلاة وأمرهن بالرجوع، ~~دل أنه لا موقف لهن فيها. # واعتذر أبو زيد عن صلاة الجنازات بشبه ms111 الصلوات الخمسة من وجه، لأنها صلاة ~~في الجملة، وبشبه سجود التلاوة من وجه، لأنها ركن واحد وهو القيام مثل سجود ~~التلاوة وهو ركن واحد وهو السجود، والمرأة تصلح إماما في سجود التلاوة، مثل ~~ما لو قرأت فسجدت سجد القوم السامعون معها، والثاني بمنزلة الإمام ~~للسامعين، فلما أن صلاة الجنازة تشبه الصلوات الخمسة. # قلنا: إنها لا تصلح إماما فيها، ولما أنها تشبه سجود التلاوة. # قلنا: إذا وقفت المرأة بجنب الرجل لم تفسد عليه صلاته فهذا منتهى ما ~~قالوا في هذه المسألة. PageV01P273 # الجواب: # إن كلامهم ينبني على أن تأخير المرأة عن مقام الرجل في الصلاة واجب على ~~الرجال، وهذا لا نسلمه بل هو عندنا سنة. # لأن الرجال إنما قدموا على النساء لفضلهم، والنساء إنما أخرن لنقصانهن ~~فليس في ترك هذا إلا ترك تأخير فاضل وتقديم ناقص أو تسوية بين فاضل وناقص ~~في الموقف وهذا غاية ما فيه الكراهة ولا يتعدى إلى التحريم والحظرية بدليل ~~قوله عليه السلام: ((ليليني منكم ذوو الأحلام والنهى)). # وإنما قدمهم لفضلهم وأحر غيرهم لنقصانهم ثم كان هذا أمرا مستحبا لا حتما ~~واجبا، كذلك هاهنا. # وأما تقدم المأموم فإنما لم يجز، لأنه لم يقف موقف المأموم المتبع. # وفي مسألتنا قد وقف كل واحد منهما موقف المأموم المتبع لإمامه فلا معنى ~~لمنع الجواز. # وقولهم: ((إن النساء تبع الرجال)). # قلنا: هذا غير مستنكر، ولكن على معنى أنه لا يجوز إمامتهن PageV01P274 # للرجال والمشروع إمامة الرجال لهن وقد قمنا بهذا الواجب حيث قلنا إنه لا ~~تجوز إمامتهن للرجال بحال. # فأما في مسألتنا فإن المرأة قامت مقام الإتباع، لأنها إن قامت بجنب واحد ~~من المؤتمين فهذا لا يذهب تبعية المأموم للإمام وهو رجل، وإن قامت بجنب ~~الإمام فهي متابعة للرجل بفعل الصلاة ولا تذهب تبعيتها أيضا. # وأما كونهن إتباعا للرجل الذين هم أتباع الإمام، والتبع لا تبع له إلا ~~أنه كره لهن الوقوف مع الرجال على المساواة لفضل الرجال ونقصان النساء فهذا ~~لا يوجب فساد الصلاة لو ترك، بدليل ما ذكرنا من ذوى الأحلام ms112 والسفهاء ~~والنهي. # أما قولهم: ((أنه لا يجوز إمامتهن)). # قلنا: هذا لا يدل على أنها إذا وقفت بجنب الرجل فسدت صلاته بدليل أن/ ~~إمامة المرأة في صلاة الجنازة لا تجوز. # ولو وقفت بجنب الرجل لا تفسد صلاته، ثم إنها لم تجز لأنها ناقصة الدين ~~والصلاة ركن الدين، والجماعة لإحراز الثواب والفضيلة فلم يجز إحراز الثواب ~~والفضيلة في الدين من ناقصة الدين، وبيان نقصان الدين بنص رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وإن ألزموا العبد والصبي فلا نقصان دينا هنا ك، وهاهنا ثابت بالنص، ولابد ~~من اعتقاد وجوده عقلنا معناه أو لم نعقل. # وأما عذرهم عن صلاة الجنازة ففي غاية الضعف، لأن النساء لهن من الحظ في ~~صلاة الجنازة ما لهن ذلك في سائر الصلوات. # ألا ترى أنه يجوز لهن فعلها مع الرجال مثل ما يجوز في سائر الصلوات. PageV01P275 # والخبر محمول على أنهن كن حضرن لا للصلاة، وعلى أنه إذا لم يكن لهن نصيب ~~في صلاة الجنازة، فيكون الفساد بالمحاذاة أولى منه إذا كان لهن نصيب. # وأما الذي قاله أبو زيد أنه يشبه كذا وكذا فهذا عذر عاجز ملتزم للمناقضة، ~~لأنا نعلم قطعا أنه لا إمامة ولا جماعة في سجود التلاوة. والله أعلم. # * * * PageV01P276 ### || AUTO (مسألة) # إذا صلى الرجل بقوم ثم أخبر أنه كان جنبا أو محدثا لزمته إعادة الصلاة # . # وأما القوم فقد مضت صلاتهم على الصحة ولا إعادة عليهم عندنا. # وعندهم: عليهم الإعادة. # لنا: # حديث ابن أبي عروية عن قتادة عن أنس قال: ((دخل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في صلاته كبر وكبرنا معه ثم أشار إلى القوم: كما أنتم، فلم نزل ~~قياما حتى أتى نبي الله عليه السلام قد اغتسل ورأسه يقطر ماء)). PageV01P277 # وروى ثوبان عن أبي هريرة قريبا من هذا وفيه: ((ثم خرج ورأسه يقطر ماء ~~فصلى بهم، فلما انصرف قال: ((إني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل)). # وروى جويبر عن الضحاك عن البراء بن عازب قال: ((صلى بنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وليس هو على وضوء فتمت ms113 للقوم وأعاد النبي عليه السلام)). # وأما الذي يروون أن النبي عليه السلام صلى بالناس وهو جنب فأعاد ~~وأعادوا)). PageV01P278 # فرواه أبو جابر البياضي عن سعيد بن المسيب أن النبي عليه السلام صلى ~~بالناس، وأبو جابر البياضي متروك ثم هو مرسل. # قالوا: ((روى عن علي رضي الله عنه أنه صلى بالقوم وهو جنب فأعاد ثم أمرهم ~~فأعادوا)). # قلنا: رواه عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي. # وعمرو بن خالد أبو خالد الواسطي متروك الحديث، رماه أحمد بن حنبل بالكذب ~~وقد روى ابن المنكدر عن الشريد الثقفي أن PageV01P279 # عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد، ولم يأمره أن يعيدوا. وكذلك روى الحرث بن ~~أبي ضرار عن عثمان مثل هذا، وعن ابن عمر مثل ذلك. # ومن حيث المعنى نقول: إن كل واحد من القوم مصلى لنفسه مؤدى فرضه مثل ما ~~لو كان منفردا وصلاته غير متعلقة بصلاة الإمام في الجواز والفساد. # لأن الأصل أن الاثنين إذا اجتمعا على أداء فريضة لا يتعلق أداء أحدهما ~~بأداء الآخر بل إن جاز فعل كل واحد منهما بجواز فعله وإن فسد ففساده بفعله، ~~لأن الفرض عليه على الإنفراد، ولا يجوز أن يؤاخذ في فعله بفعل غيره. # وأما الاقتداء فهو مجرد قصد إتباع في الفعل لتجتمع الجماعة على أداء هذا ~~الفرض فيكون أقرب إلى الخشوع والخضوع، وأبعد من السهو والغفلة وأدنى من ~~المغفرة والرحمة. # وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: نهاية ما في هذا الباب أنه يظهر أنه قصد إتباع ~~من ليس في الصلاة في أفعال الصلاة ومجرد القصد غير عامل في إفساد الصلاة، ~~كما لو قصد الكلام ولم يتكلم أو قصد فعلا آخر ولم يفعله، فنجعل إقتداؤه به ~~كلا إقتداء ويبقى فرضه مؤدى بأفعاله المفروضة، وأركانها المعهودة، لكن يصير ~~كأنه أدى لا في جماعة لكن على الإنفراد. PageV01P280 # وقد قال الأصحاب في هذه المسألة إنه لا يمكن الوقوف على طهارة الإمام ألا ~~بعرضه للإمامة، فإن نهاية ما في الباب أن يتوضأ بمشهد لكن مع ms114 هذا يجوز أنه ~~غير متطهر حتى افتتح الصلاة بأن أحدث وأخفاه وإذا تعذر الوقوف على طهارة ~~الإمام إلا بهذا الوجه سقط ما وراءه. # وقال بعضهم: إن خبره عن جنابته وحدثه غير مقبول، لأنه يحتمل الصدق والكذب ~~ولأنه مهتم في خبره فيجوز أنه قصد به إفساد صلاة القوم. # وكلا المعنيين/ فاسد، لأن في كلا الطريقتين أن صحة صلاة القوم مبنية على ~~صحة صلاة الإمام، وإنما لم نأمر القوم بإعادة الصلاة في مسألتنا، لأنا بينا ~~أن الإمام صلى على طهارة، والمؤتم قد اعتمد في معرفة طهارته بغاية ما يمكن ~~الاعتماد عليه وسقط عنه ما وراء ذلك. # وفي الطريق الثاني: أنه لم يصدقه إن كان جنبا أو على وضوء. وحملنا الأمر ~~على أنه قد صلى بالطهارة. # وينبغي على مذهب الشافعي أن يسلك طريقة يدل على أن الإمام وإن لم تصح ~~صلاته يكون جنبا أو محدثا فإن صلاة القوم صحيحة، وأن هذا هو مذهبه وأصله ~~وليس يمكن ذلك إلا بالوجه الذي قلنا، فافهم هذا فإنه خفي على كبار الأصحاب. ~~وأما المخالفون قد زعموا أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفسادا، ~~وهذا يأتي في المسألة الثانية، وسنبين الكلام عليه. وقد قاسوا على ما إذا ~~ظهر أن الإمام كان كافرا أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنه يجب على ~~المأمومين أن يعيدوا الصلاة ونقضوا قولنا أن كل إنسان من القوم مصلى لنفسه ~~بهذه المسائل، وقد قالوا لو كان الأمر على ما قلتم لم تبطل المؤتمين في هذه ~~المسائل. PageV01P281 # الجواب: # أما إذا ظهر أن الإمام كان كافرا أو امرأة أو علم أن الإمام جنب فإنما ~~بطلت صلاتهم لتفريطهم وتقصيرهم، فإن الغالب أنه يكون للكافر علامة على ~~الكفر، وللمرأة هيئة على أنوثتها فيعرفان بذلك حقيقة، فإذا لم يتعرف وصلى ~~كان لتقصير وجد من قبله حتى قالوا فيمن يعتقد الاستمرار بكفره فظهر ذلك من ~~بعد: لا يبطل صلاة القوم. # فإن قلتم: قد يوجد الكافر ولا علامة له، وكذلك المرأة ولا علاقة لها فهذا ~~نادر ولا يعتبر النادر. ms115 # وأما إذا علم أن الإمام جنب فإنما بطلت صلاته لبطلان نيته للصلاة، فإنه ~~إذا علم أن الإمام لاعب فإتباع اللاعب لعب حقيقة، فبطلت نيته للصلاة بهذا ~~الوجه وفي مسألتنا قد ظن أن الإمام مصلى حقيقة فلم تبطل نيته، وهو مصلى ~~لنفسه كما بينا، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV01P282 ### || AUTO (مسألة) # يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل # عندنا. # وعندهم: لا يجوز. # وكذلك إذا اختلف فرض الإمام والمؤتم بأن اقتدى مؤدى الظهر بمؤدي العصر. PageV01P283 # لنا: ((إن معاذا رضي الله عنه كان يصلي مع النبي عليه السلام صلاة العشاء ~~ثم يعود فيؤم قومه))، والخبر ثابت، وهو برواية جابر. # وفي رواية: ((فيكون له تطوعا ولهم مكتوبة)). # فإن قالوا: ليس معناه أن النبي عليه السلام علم بذلك وأقره عليه. # قلنا: مثل معاذ في فقهه وعلو منزلته في الدين لا يقدم على مثل هذا إلا ~~بعلم من النبي عليه السلام. # وقد ثبت علم النبي عليه السلام بذلك في الخبر المشهور وهو افتتاحه سورة ~~البقرة في العشاء الآخرة، وانفراد الأنصاري ثم قول النبي عليه السلام ~~لمعاذ: ((أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت عن سورة كذا وسورة كذا)). # ولا سؤال لهم على الخبر أصلا. PageV01P284 # وأما المعنى فنقول: كل واحد من المؤتمين يصلي لنفسه مؤدي فرضه بفعله، وقد ~~بينا أن فوات صلاة الإمام أصلا لا يوجب فساد صلاة المؤتم، وذلك بأن كان ~~جنبا أو محدثا ففوات صفة صلاته من الفرضية لا يوجب فوات هذه الصفة من صلاة ~~المقتدي أيضا. # وهذا لأن كل واحد من القوم لما كان مصليا لنفسه مؤديا فرضه بفعله لم ~~تتعلق بصلاة الإمام، فنقول: من لا تتعلق صلاته بصلاة غيره فنفل غيره لا ~~يمنع أداء فرضه. دليله الإمام مع المؤتم. # وأما الدليل على عدم التعلق أن الوارد في الشرع هو فعل الجماعة، وفعل ~~الجماعة يوجب الاجتماع على أداء الصلاة، واقتداء المؤتم يوجب متابعة الإمام ~~في الأفعال الظاهرة، فإذا اجتمع القوم على فعل الصلاة ووجدت المتابعة من ~~المؤتم في الأفعال الظاهرة فقد تمت الجماعة. # ثم الاقتداء والإتباع فعل كل واحد ms116 من القوم فيما وراء هذا كمنفرد بالصلاة ~~فيؤدي على حسب ما يختاره وما ينوبه وهو مثل الإمام فإنه متبوع في الأفعال ~~الظاهرة فإذا تمت المتبوعية بوجود صورة الأفعال منه على ما تبعه فيها ~~المقتدي به كان فيما وراء ذلك بمنزلة منفرد بالصلاة يؤدي صلاة على حسب ~~اختياره ونيته، كذلك هاهنا. PageV01P285 # وقد حرر الأصحاب وقالوا: صلاتان اتفقتا في الأفعال الظاهرة فيجوز لمن ~~يقيم أحدهما أن يقتدي/ بمن يقيم الأخرى. # دليله المتنفل خلف المفترض. # أما حجتهم: # قالوا: الاقتداء يوجب ابتناء صلاة المؤتم على صلاة الإمام حتى تصير ~~الصلاتان كصلاة واحدة جوازا وفسادا. # (والدليل عليه قوله عليه السلام: ((الإمام ضامن)) أي ضامن صلاته صلاة ~~المؤتم، وضمانه صلاته بصلاته هو أن صلاته صارت في ضمن صلاته، ولأن الإتباع ~~واجب وإنما يوجب الإتباع تتعلق صلاته بصلاته، وهو أن صلاته صارت في ضمن ~~صلاته) ولولا ذلك وإلا لم يجب الإتباع، وجاز للمؤتم أن ينفرد بصلاته عن ~~صلاة الإمام متى شاء. وحين أجمعنا على أنه لا يجوز أن ينفرد بصلاته عن صلاة ~~الإمام، عرفنا أنه إنما لم يجز، لأنه ارتبط صلاته بصلاة الإمام جوازا ~~وفسادا. # ويدل عليه أن الواجبات على المنفرد تتغير بالاقتداء، بدليل أنه على أي ~~حال أدركه وجب عليه المتابعة، ولم يجز له أن يفعل ما يوجبه الإفراد أو ما ~~هو واجب الصلاة في الأصل ولو كان على ما زعمتم من قولكم إن كل واحد مصلي ~~لنفسه وجب أن يفعل الصلاة على ما هو المشروع في الأصل، وأيضا فإن الإمام ~~إذا سها يجب على القوم أن يسجدوا لسهوه ولو لم يسجد الإمام سجد القوم ~~عندكم، ولو سها المؤتم لم يجب عليه شيء. PageV01P286 # وإذا ثبت الإبتناء الذي ادعيناه ثبت أن الصلاتين قد صارتا كصلاة واحدة، ~~فكل تحريمه يجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه يجوز أن يبتنى غيره عليها ~~تلك الصلاة، وكل تحريمه لا تجوز له أن يبتنى عليها صلاته لنفسه لا يجوز ~~لغيره أيضا أن يبنيهما عليها، ومعلوم أن تحريمة النفل إذا وجدت من الإمام ms117 ~~لا يجوز أن يبني عليها صلاة الفرض لنفسه، وكذلك المؤتم أن يبني عليها هذه ~~الصلاة. # قالوا: ويخرج على هذا المتنقل خلف المفترض، لأن الإمام يجوز له أن يبني ~~صلاة النفل على تحريمة الفرض، فكذلك جاز من المؤتم ذلك. # وقد تعلق كثير منهم بالجمعة، وقالوا: أجمعنا على أن الإمام لو كان يؤدي ~~النفل في الجمعة لم يجز اقتداء القوم به. فكذلك في غير الجمعة، وهذا لأن ~~نهاية ما في الباب أن الجماعة واجبة في الجمعة، وسنة في غيرها من الصلوات ~~ولكن لا اختلاف في نفس الجماعة. # وقد بينتم أنها للإجماع على فعل الصلاة والاقتداء في الأفعال الظاهرة. # وقد وجد هذا في مسألة الجمعة، وإن كان الإمام متنفلا مثل ما وجد في ~~مسألتنا ومع ذلك لا يجوز، وكذلك أوردوا الجمعة في المسألة الأولى فإنه لو ~~ظهر أن الإمام جنب أو محدث لم تجز الجمعة القوم. # الجواب: # دعواهم أن صلاة القوم تتبنى على صلاة الإمام حتى تصير الصلاتان بمنزلة ~~الصلاة الواحدة جوازا وفسادا. PageV01P287 # لا نسلم ذلك على ما بينا من قبل. # وأما الخبر فمعناه أن الإمام ضامن إكمال صلاة القوم بحكم المتبوعية ولأجل ~~هذا الضمان إذا أكمل فله الأجر لصلاته وصلاة القوم، وإذا نقض فعليه الوزر ~~لصلاته وصلاة القوم. # وأما دخول صلاة المؤتم في ضمن صلاة الإمام فلا يعرف. # وأما قولهم: ((إنه وجب الإتباع)). # قلنا: وجوب الإتباع بحكم نية الإقتداء أو لأنه إمام وهذا مؤتم، ومن قضية ~~كونه مؤتما إتباعه إياه في أفعاله، وهذا هو المتابعة في الأفعال الظاهرة. # فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب ~~فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة. # فأما الإقتداء والإتباع في النية فغير متصور، لأنه أمر في باطن القلب ~~فكيف يوجد فيه المتابعة ثم الإتباع في الأفعال الظاهرة لتحصل الجماعة ~~المشروعة ويتحقق الإقتداء والإتمام، وإذا حصل هذا فما وراء ذلك فكل وشأنه ~~وكل امرئ ونيته. # وقولهم: ((إنه تتغير الواجبات بالإقتداء)). # قلنا: أما أصل الواجبات فلا تتغير بالإقتداء منه شيء وإنما ms118 وجب المتابعة ~~في بعض أفعاله بسبب الإقتداء أو الإئتمام مع بقاء الواجب عليه في أصل ~~الصلاة على ما كان من قبل من غير أن يتغير منه شيء. # أما سجود السهو. قلنا: إذا سها الإمام وجب السجود على القوم بحكم ~~المتابعة وإن لم يسجد الإمام لم يجب على القوم، وإذا سها واحد من القوم لم ~~يجز له أن يسجد، لأنه يؤدي إلى الخلاف في الأفعال الظاهرة، ويمكن أن يقال: ~~إن الجماعة لإحراز فضيلة الجماعة وعلى هذا نص النبي عليه السلام فقال: ~~(صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين PageV01P288 # درجة)) فإذا وجدت الجماعة في الظاهر حصلت فضيلة الجماعة وحصل المقصود/ ~~والمطلوب فصار صلاتهما وإن اختلفا في صفة الفرضية والنفلية كصلاتهما إذا ~~اتفقنا في الفرضية والنفلية. # فأما في مسألة سهو القوم: فإنما يسقط عنهم سجود السهو لأنه مشروع لجبر ~~النقصان الداخل في الصلاة، وقد أنجبر النقصان بفضيلة الجماعة فصار كما لو سجدوا. # وأما مسألة الجمعة فقد منعت، وعلى التسليم وهي ظاهر المذهب نقول: إن ~~الجماعة فرض الجمعة، وإنما صارت مفروضة لأجل الجمعة وإذا كان الإمام متنفلا ~~فلا جماعة في الجمعة، وإنما الجماعة في أصل الصلاة، وشرط الجماعة لم يكن ~~لأجل الصلاة فصاروا بمنزلة المنفردين فيما شرعت الجماعة لأجلها فلم يجز. ~~وهم يقولون: قد صاروا هاهنا أيضا بمنزلة المنفردين في صلاة الظهر، والجماعة ~~مسننة فيها كما أن هناك مفروضة في الجمعة، وربما يقولون: النية ركن الصلاة ~~لا إمام له فيها فصار بمنزلة PageV01P289 # الركوع والسجود، وكذلك إذا صلى صلاة من الصلوات الخمس مقتديا بمن يصلي ~~صلاة الجنازة. # قلنا: كذلك نقول له في فضيلة الجماعة في أصل الصلاة ولا فضيلة له في ~~جماعة الظهر إلا أن فوات ذلك لا يبطل الصلاة بخلاف الجمعة فإن فوات الجمعة ~~مبطل لها، ونحن نقول: إنما يحرز فضيلة الجماعة في أصل الصلاة وصفتها إذا ~~اتفقا على أصل الصلاة، واتفقا في صفتها هذا غاية ما يمكن الجواب عن الجمعة ~~وإن منعنا فقد وقع الخلاص. # وقولهم: ((إنه لا إمام له في النية)). # قلنا: ms119 وإذا كان الإمام مفترضا والمؤتم متنفلا فلا إمام له في النفل أيضا، ~~لأن النفل ضد الفرض ومع ذلك جاز. # وعلى أنا بينا أن المعتبر وجود الإمام في الأفعال الظاهرة، وبما ذكرنا من ~~الجواب يجاب عن فصل الجمعة في المسألة الأولى .. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV01P290 ### || AUTO (مسألة) # إذا صلى الكافر في جماعة لم يحكم بإسلامه # عندنا. # وعندهم: يحكم بإسلامه. # لنا: إنه لم يأت بالإسلام فلا يصير مسلما، والدليل على أنه لم يأت ~~بالإسلام أن الإسلام المأمور به هو كلمة الشهادتين بدليل خبر جبريل أنه سأل ~~النبي عليه السلام عن الإسلام فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله ...) الخبر. PageV01P291 # وقال أيضا عليه السلام: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله ....)) الخبر. # وقد قال الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} أي شرك. # وقال الله تعالى: {تقاتلونهم أو يسلمون}، فدل أن هذا هو الإسلام المدعو ~~إليه وهو لم يأت به، ويقال أيضا: إن الإسلام هو الإقرار باللسان والاعتقاد ~~بالقلب وتمامه بالأعمال .. ولم يوجد. PageV01P292 # وقيل: إن الأصل هو الاعتقاد بالقلب واللسان مترجم عنه، ولم يوجد الأصل ~~ولا الترجمة، وإنما غاية ما في الباب أن فعله الصلاة بالجماعة. يدل على أنه ~~يعتقد الصلاة جماعة، ولو صرح بهذا الاعتقاد لم يكن مسلما فإذا جاء بما يدل ~~عليه لم يكن مسلما أيضا. # أما حجتهم: # تعلقوا بما روى أن النبي عليه السلام قال: ((من صلى صلاتنا واستقبل ~~قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله مالنا وعليه ما علينا)). # وروى بعضهم أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلى صلاتنا فهو منا)). # ولأنه أتى بما يدل على الإسلام فيصير مسلما. # دليله إذا أتى بالشهادتين، والدليل على أنه دليل الإسلام ما روى في بعض ~~الأخبار: ((إذا رأيتم الرجل ملازما للجماعة فاشهدوا له بالإيمان)). # ولأن الصلاة بالجماعة شرع مختص بدين الإسلام ففعله يدل على قبول الإسلام ~~كالشهادتين. # يبينه أن الأصل هو الاعتقاد، وقول الشهادتين دليل عليه، فكذلك فعل الصلاة ~~جماعة دليل عليه، ولأن الكفر يثبت بفعل يدل عليه ms120 وهو إذا سجد بين يدي ~~الصنم، فكذلك الإسلام يثبت بدليل يدل عليه. PageV01P293 # قالوا: وأما إذا صلى وحده فيجوز أن يقال إنه يصير مسلما. # وربما رووا ذلك عن محمد بن الحسن، وعلى أنه ليس بشرع مختص بالإسلام لأن ~~كل أهل الأديان يصلون، وكذلك الصوم والاعتكاف. # وأما الحج فقد كان أهل الجاهلية يحجون، ويدعون أن حجهم على ملة إبراهيم ~~عليه السلام، وقد قال بعضهم: إنه لو حج على ما يحج أهل الإسلام يصير مسلما. # الجواب: # أما قولهم: ((إنه أتى بدليل الإسلام)). # قلنا: لا نسلم لأنه لم يوجد منه إلا فعل شرع في الإسلام، وفعل شرع في ~~الإسلام لا يكون دليلا على الإسلام بدليل سائر الشرائع، لأنه لا يدل على ~~قبول الإسلام من حيث الاستدلال، ويحتمل غيره، لأنه يجوز/ أن فعله عابثا أو ~~حاكيا، وما يشبه ذلك. # والجملة أنه لابد من الإتيان بشيء لا يدل إلا على الإسلام، وذلك ~~بالشهادتين فإنه لا يحتمل سوى الإسلام بدليل النص، ثم نقول أن الكافر مدعو ~~إلى حقيقة فعل الإسلام فما لم يأت به حقيقة لا يحكم له بالإسلام، وقد بينا ~~أن حقيقة الإسلام ماذا. # ويمكن أن يقال أيضا أن الإسلام يشتمل على الالتزام العام وذلك بالتزام ~~الشرائع فلابد من وجود دليل على هذا الالتزام، وذلك بالشهادتين، ولأن ~~الشهادة بقوله: ((لا إله إلا الله)) اعتراف بالصانع ووحدانيته، واعتراف ~~بجميع صفاته من حيث الدليل، ودليل أيضا على الاعتراف بتنزهه وتقدسه عن سمات ~~الحدث والنقص. # وقوله: ((محمد رسول الله)) التزام للشرائع أجمع، ولا توجد كلمتان تدلان ~~على مثل ما تدل عليه هاتان الكلمتان. PageV01P294 # فأما فعل صلاة الجماعة فنهاية ما في الباب أنه يدل على اعتقاده فضل ~~الجماعة وأنها مشروعة مسنونة، ولو قال هذا لم يصر مسلما، كذلك إذا فعله. # ولأنه لا يدل على الالتزام العام بحال والإسلام ما يدل على ذلك. # وأما تعلقهم بدليل الكفر من حيث الفعل. # قلنا: الكفر أسرع ثبوتا من الإسلام، ولهذا لو جحد شرعا واحدا يكفر ولو ~~التزم شرعا واحدا من الشرائع لم يصر مسلما، ms121 ولأن قبول الصلاة جماعة لا يدل ~~على الالتزام الذي يحل به الإسلام. والله أعلم. # * * * PageV01P295 ### || AUTO (مسألة) # عندنا الإيتار بركعة جائز # ، وعندهم: لا يجوز، وسموا هذه المسألة مسألة المبتورة. # لنا: أنه قد ثبت الإيتار بركعة فعلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وقولا بالأمر به. # أما الفعل فحديث أنس بن سيرين عن ابن عمر قال: ((كان رسول - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي بالليل مثنى مثنى ويوتر بركعة))، وهذا في الصحيحين. PageV01P296 # وروت عائشة أيضا أن النبي عليه السلام أوتر بركعة. # ورواه أيضا سعد بن أبي وقاص، قال قيس بن أبي حازم: رأيت سعدا أوتر بركعة ~~فسألته عن ذلك فقال: رأيت النبي عليه السلام يوتر بركعة. PageV01P297 # وروى فعل الوتر ركعة عن النبي عليه السلام سوى هؤلاء: جابر، وابن عباس ~~والفضل بن عباس، وأبو أيوب. # وأما القول فالخبر الصحيح المقبول عند جميع الأئمة قول - صلى الله عليه ~~وسلم - برواية ابن عمر وغيره: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح ~~فأوتر بركعة)). # وروى أيوب أن النبي عليه السلام قال: ((من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن ~~أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)). ولا مزيد على ~~القول والفعل من النبي عليه السلام. PageV01P298 # وأما حجتهم: # رووا بطريق أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يوتر بثلاث. # قالوا: وكذلك رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي عليه السلام. # قالوا: ورواه أيضا عمران بن حصين وعائشة وابن عباس. # وروا أن النبي عليه السلام نهى عن البتيراء، والبتيراء هي الوتر بركعة. PageV01P299 # وروى ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال: ((وتر الليل ثلاث كوتر ~~النهار صلاة المغرب)). # قالوا: وروى ابن عمران النبي عليه السلام نهى عن السلام على الركعتين في ~~الوتر)). # الجواب: # إن أخبارنا أخبار صحيحة، وأما أخباركم أخبار معلومة. # فإن خبر أبي بن كعب، رواه ابن أبزي عن أبي بن كعب، ورواه ابن أبزي مرة عن ~~النبي عليه السلام مرسلا من غير ذكر أبي بن كعب، وهذا ويجب ms122 ضعف الرواية. PageV01P300 # وأما حديث علي رواه أبو إسحاق عن الحارث عن علي، وهذا الحارث هو الحارث ~~الأعور، ورماه الشعبي بالكذب وغيره. # وأما الذي رووا عن النبي عليه السلام نهى عن البتيراء، فرواه محمد بن كعب ~~القرظي عن النبي عليه السلام فيكون مرسلا. # وقد روى عن ابن عمر أنه قال: البتيراء أن تصلي بركوع وسجود ناقص. # وأما الذي رووا عن ابن مسعود فمداره في رفعه علي ابن أبي الحواجب يحيي بن ~~زكريا، وهو ضعيف .. ذكره الدارقطني. PageV01P301 # وقد روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: ((لا توتروا بثلاث أوتروا ~~بسبع أو خمس ولا تشبهوا بصلاة المغرب)). # وإما الذي رووا أنه نهى عليه السلام في الركعتين فلا يعرف، وكيف يصح ~~برواية ابن عمر هذا؟ وقد ثبت أن ابن عمر كان يسلم على الركعتين، حتى روى ~~أنه كان يأمر ببعض حاجته ثم يصلي ركعة. # وعلى أن الإيتار بثلاث أن ثبت عن النبي عليه السلام فيحتمل أنه عليه ~~السلام كان يسلم على الركعتين بدليل ما/ بينا قولا وفعلا أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أوتر بركعة وأمر به، فلا يستقيم الجمع بين الأخبار إلا إذا ~~حملنا على هذا الوجه. فإن رووا أنه عليه السلام ((كان يوتر بثلاث لا يسلم ~~إلا في آخرهن)). PageV01P302 # فهذه زيادة لا تعرف، وإنما المنقول أنه كان يوتر بثلاث مطلقا ويحتمل ما قلنا. # وقد رووا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ((ما أجزت ركعة قط)). # قلنا: قد ثبت عن جماعة كثيرة من الصحابة أنهم كانوا يوترون بركعة منهم: ~~عثمان، وسعد بن أبي وقاس، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وغيرهم. # فقول ابن مسعود لا يقدح في هذه الأقوال. # وعلى أنه قيل: إنما قال هذا ردا على ابن عباس حيث قال: إن صلاة الصبح في ~~السفر تعود إلى ركعة، والمسألة خبرية. # وقد قال المخالفون سلوكا لطريق المعنى: # إن التنقل بركعة لا يجوز بحال، دل أنها ليست بصلاة، ولأن الصبح بالسفر لا ~~يرد إلى الشطر مع أن السفر مشطر، وإنما لم يرد لأن ms123 الركعة لا تكون صلاة، ~~فلو رد إلى الشطر لكان إعداما والسفر ليس بمعدم للصلاة. # قالوا: أيضا: إن الركعة الواحدة لو كانت صلاة لورد الشرع بينها وبين PageV01P303 # الركعة الثانية بجلسة ذات تشهد- مثل الركعتين- والركعتين، ليقع الفصل بين ~~ما هو أصل الصلاة وبين ما هو زيادة عليها. # والجواب: # إن هذه كلمات ضعيفة، ونحن قد اعتمدنا على السنة، ولا حاجة بالسنة إلى ~~علاوة من التمسك بقياس ضعيف أو معنى غير مخيل. # وإن تكلمنا في المعنى فكلامنا يكون أظهر، لأن الركعة الواحدة اشتملت على ~~جميع أفعال الصلاة، والصلاة إنما صارت بمجموع أفعال يؤتي بها على شرائط ~~مخصوصة، فما يشتمل على تلك الأفعال يكون صلاة صحيحة، والركعة الواحدة قد ~~اشتملت عليها. # وأما الثانية إعادة لها فلم تقف صحتها على إعادتها، كما لا تقف على ~~إعادتها بثالثة ورابعة، وهذا لا معنى في نهاية الحسن. # وأما قولهم: ((إن التنفل بركعة لا يجوز)). # قلنا: يجوز. # فإن قالوا: لم يرد الفرض بركعة. # قلنا: ولم إذا لم يرد الفرض بركعة ما يدل على أن الركعة لا تكون صلاة، ~~وهذا لأن التنفل باختيار العبد، والفرض بإيجاب الشرع، والأصل أن ما يختاره ~~العبد فقدره متعلق باختياره، وأما ما أوجبه الشرع فقدره بحسب ما ورد به ~~الشرع. وقد قالوا: إن التنفل بثمان ركعات وزيادة يجوز بتسليمة واحدة ولم ~~يرد الشرع بمثل هذا بحال. PageV01P304 # أما قولهم: ((إن صلاة الصبح لا تتشطر بالسفر)). # قلنا: هذا بناء على ما ذكرنا، وهو أن الفرض لم يرد بركعة واحدة بحال، ~~والسفر يعمل في تشطير الفرض فلم يعمل في الرد إلى ما لم يرد المفروض بمثله بحال. # وقد ذكرنا الفرق بين الفرض والنفل، وعلى أن عندهم أن الفرض كان في الأصل ~~ركعتين فزيد في الحضر وأقر في السفر على ما كان في الأصل على ما يذكرونه في ~~المسالة الثانية، فكيف يستقيم على هذا الأصل التشطير؟ # وأما قولهم: ((إن الشرع لم يرد بالفصل بين الركعة والركعة بجلسة)). # وقلنا: وقد ورد بين الركعتين والركعة في المغرب فهذا يدل إذن على أن ~~الركعة ms124 صحيحة فدل أن ما قالوه تعلق باطل. والله أعلم. # * * * PageV01P305 ### || AUTO (مسألة) # القصر عندنا: رخصة، وعندهم: عزيمة # . # قالوا: لا يجوز الإتمام بحال ولو أتم يكون فرضه ركعتان، والباقي نافلة. # لنا: قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة}. # ورفع الحرج عبارة عن الإباحة، والمباح ما تخير الإنسان بين تركه وفعله. ~~فإن قالوا: أليس الله تعالى قال في السعي: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما}، ~~ومع ذلك هو واجب. PageV01P306 # قلنا: ظاهر قوله: {فلا جناح} يقتضي ما قلنا، إلا أن الدليل قام هاهنا على ~~وجوب السعي، وكونه ركنا بخلاف مسألتنا. # وقد قيل: إن السبب إن الصفا والمروة كان موضع الصنمين في الجاهلية يقال ~~لإحداهما إساف والآخر نائلة، فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بين ~~الصفا والمروة لمكان الصنمين فأنزل الله هذه الآية. # ومن جهة يبينه حديث لعلي بن أمية أنه قال لعمر رضي الله عنه: ما بالنا ~~نقصر وقد أمنا، فقال: تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي عليه السلام فقال: ~~((صدقة تصدق الله تعالى بها عليكم فاقبلوا صدقته)). # فسمى القصر صدقة، والرخصة والصدقة يتقارب معناهما. # وأما الاستدلال من حيث المعنى فظاهر جدا، وذلك لأن القصر ثابت بنص الكتاب ~~وطلب المعنى واجب إذا أمكن فلا يعرف معنى في إطلاق القصر إلا/ التخفيف فإن ~~السفر حال مشقة والمشقة سبب للتخفيف لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} والتخفيف بإطلاق PageV01P307 # القصر، وقد حصل كمال التخفيف بإباحته ولا معنى للإيجاب والتحتيم، وهو مثل ~~إباحة الفطر سواء فنقول: تخفيف ربط بالسفر فلا يكون حتما، ودليله الفطر. # ومما يستدل الأصحاب بمسألة على أصولهم وهو أنه لو اقتدى مسافر بمقيم ~~يلزمه الإتمام، فلو كان فرضه ركعتان لم يتغير بالاقتداء، وهذا في نهاية ~~الإشكال عليهم، لأن الإقتداء لم يوضع لتغير الفرائض. # يبينه أنه لو كان المقتدى مقيما بمسافر لا يعود فرضه إلى ركعتين فكذلك ~~إذا كان الاقتداء من مسافر بمقيم وجب ألا يصير فرضه إلى الأربع فإن الزيادة ~~على الفرض المحدود مثل ms125 النقصان فيه، فإذا لم يجز أحدهما لم يجز الآخر، وليس ~~لهم على هذا سؤال سوى أنهم يقولون: اجتمع في هذه الصلاة حكم السفر ~~والإقامة. # وبيان ذلك: أنا بينا أن صلاة المقتدى منوطة بصلاة الإمام وقد جعلت ~~الصلاتان كصلاة واحدة على ما سبق. # وإذا اجتمع فيها حكم السفر وحكم الإقامة غلب حكم الإقامة، وهذا ليس بشيء، ~~لأن الأصل الذي ادعوه قد أجبنا عنه وبينا بطلانه. # ولأنه إذا اختلف الفرضان لا يمكن جعل الصلاتين كصلاة واحدة فينبغي أن ~~يفسد الإقتداء على أصلهم، وأيضا فإنهم يطالبون بإقامة الدليل على تغلب فرض ~~الإقامة على فرض السفر وعلى هذا ينقطع كلامهم. # وأما حجتهم: # تعلقوا بحديث عائشة رضي الله عنه أنها قالت: فرضت الصلاة في الأصل ركعتان ~~ركعتان فأقرت في السفر وزيدت في الحضر)). PageV01P308 # وبحديث ابن عباس قال: ((فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر ~~أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة)). # وبحديث عمر رضي الله عنه قال: ((صلاة الصبح ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان ~~وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم -)). # والأخبار نصوص: # وأما المعنى قالوا: ما زاد على الركعتين صلاة يجوز تركها على الإطلاق فلا ~~تكون واجبة كالنوافل، وهذا لأن الواجب ما لا يسع تركه، وإذا جاز ترك ~~الركعتين الأخراوين على الإطلاق دل أنهما ليستا بواجبتين. # قالوا: ونعني بالإطلاق أنه يجوز تركها لا إلى بدل. PageV01P309 # وحرفهم أن السفر سبب لسقوط الركعتين بدليل ما بينا من جواز الترك وإذا ~~سقط لم يبق شيء منه وصار كالدين الساقط. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن سقوطهما معلق باختيار العبد، لأن هذا يؤدي ~~إلى تفويض الشرع إلى رأي العباد، وهذا لا يجوز فيقال: إنه إذا رأى يجب كذا ~~وإذا لم ير لم يجب. # يبينه أن الشرائع مصالح وتفويض المصالح إلى رأي العباد غير جائز، لأنه لا ~~يعرفون ما يصلحهم. # قالوا: ولأن المقبول إنما يعتبر في التملكيات، فأما ما كان يوجب الإسقاط ~~فلا معنى لاعتبار القبول فيه بدليل الطلاق والعتاق. # وخرجوا الإفطار ms126 في الصوم على هذا الأصل، لأنه ليس بإسقاط بل هو تأجيل ~~وتأخير. # وأما لفظ الصدقة المذكورة في الخبر فهو عبارة عن الإسقاط ويجوز أن يسمى ~~الإسقاط صدقة كما لو قال لمديونه: تصدقت بديني عليك، يكون إسقاطا. # الجواب: # أما الخبر الأول، قلنا: قد عرف إعداد الركعات على ما نصليها بالإجماع ~~والدلائل القطعية، فإثباتها في الأصل ركعتين ركعتين ثم الزيادة من بعد لابد ~~فيه من نقل تواتر، والخبر واحد كيف ... ؟ وقد دل الكتاب على تأصيل الأربع ~~فإن قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ومعناه من الصلاة ~~المعهودة وهي الأربع، فدلت الآية على PageV01P310 # أنها الأصل، وأيضا فإن ((من)) للتبعيض، وقد قال: ((من الصلاة)) فدل أن ~~المفعول بعض الصلاة، ولأنا إذا قلنا على ما رويتم لا يتحقق معنى القصر، لأن ~~القصر عبارة عن الحط فلا تكون صلاة السفر مقصورة بل تكون صلاة الإقامة ~~مزادة ثم يجوز أن يكون المراد من الخبر إباحة القصر، ويكون قوله: ((فأقرت ~~في السفر)) إذا اختاره العبد. # وكذلك قوله في الخبر الثاني: ((فرض الله تعالى صلاة الحضر أربعا وصلاة ~~السفر ركعتين)) يعني إذا اختاره العبد، وقد قلنا ما قلناه على وجه النقل ~~والتوقي من كلام في الأخبار على الوجه الاعتراض. # والذي يوهم الرد وترك القبول/ واجب، والتأويل المذكور محتمل. # ويؤيده ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها ((أنها أتمت في السفر)). # وهذا يدل على أنه كان المراد ما بيناه. # وأما الحديث الثالث وهو حديث عمر. # قلنا: معنى قوله: ((تمام غير قصر)) أي تمام في الثواب، وكذلك نقول بل ~~نزعم أن السنة هي القصر في الأسفار، كما أن السنة هي المسح على الخفين بل ~~هذا آكد، لأن النبي عليه السلام لم يتم في شيء من أسفاره وكذا أبو بكر وعمر. # وقد روى الأصحاب أخبارا في إتمام النبي عليه السلام، ولم نر الاعتماد ~~عليها لضعف أسانيدها. # وأما المعنى، قولهم: ((يجوز له ترك ما زاد على الركعتين)). PageV01P311 # قلنا: نعم، ولكن قبولا لا رخصة مثل ما يجوز ترك غسل الرجلين بالمسح ms127 قبولا ~~للرخصة، وهذا لا يدل على أنه لو كان أتم لا يكون فاعلا للواجب مثل مسح الخف ~~سواء فإنه لو تركه وغسل الرجلين يكون فاعلا للواجب مثل مسح الخف سواء ولم ~~يدل جواز تركه على سقوطه أصلا. # وأما قولهم: ((إن السفر سبب لسقوط الركعتين)). # قلنا: لا، بل هو سبب للرخصة، يبينه أن النبي عليه السلام سمي القصر صدقة ~~فنجعل العدد الأربع من الركعات كأربعة دراهم وجبت لإنسان على إنسان فتصدق ~~باثنين من ذلك عليه. فإن قبل سقطتا عنه، وإن لم يقبل وجب عليه قضاء الأربع، ~~فكان قضاؤه إياهن على أن جميع ذلك واجب عليه. # وقولهم: ((إن ذلك ليس بتمليك)). # قلنا: ولكنه صدقة بنص الشارع فكان حكمها ما بينا، ويمكن ينزله على ما ~~ذكرنا فنزل ذلك منزلة مسح الخفين وغسل الرجل. # وقولهم: ((إن هذا تفويض الشرع إلى رأي العباد)). # قلنا: قد ورد مثل هذا في تفاصيل العبادات والجزئيات منها، وإن لم يرد في ~~الكليات، ألا ترى أن الله تعالى ذكر ثلاث أشياء في كفارة اليمين وجعل ~~تعيينها إلى رأي العبد، وأيضا فإن من أتى بالركوع بأدنى ما ينطلق عليه ~~الاسم فعل الواجب على أصولهم، ولو أطال كان الكل واجبا. # وكذلك قالوا في قيام الصلاة: إذا قام بقدر آية أو ثلاثة آيات يكون هو ~~الواجب عندهم، وإذا قام وقرأ الفاتحة يكون جميعه واجبا، وهذا أيضا تفويض ~~بقدر الواجب إلى رأي العبد. والله أعلم. # * * * PageV01P312 ### || AUTO (مسألة) # العاصي بسفره لا يترخص برخص المسافرين # عندنا. # وعندهم: يترخص. # لنا: قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}. # وقال تعالى في موضع آخر: {غير متجانف ?ثم}، والعاصي بسفره باغ وعاد ~~ومتجانف لإثم ولا يطلق له الضرورة ما أطلق للمضطر، ولأن السفر عذر مبيح ~~للقصر والفطر فإذا كان معصية لم يكن عذرا. # دليله السكران فإنه لما كان زوال العقل عذرا في سقوط الخطاب فإذا كان ~~بمعصية لم يكن عذرا، كذلك هاهنا. PageV01P313 # يبينه أن المعنى المخيل في ثبوت العذر بالسفر هو المشقة، والمشقة مشعرة ~~بالتخفيف، والمعصية ms128 لا تكون سببا للتخفيف بحال، لأن المعاصي أسباب للتشديد ~~فلا توجب ضدها من التخفيف. # والحرف الوجيز: إن المعصية واجب تركها فلم تصلح عذرا لسقوط واجب عليه. ~~لأن ما كان واجبا تركه لا يصلح عذرا لترك واجب آخر. # لأنه لو أطلق ترك واجب لكان الأولى أن يطلق فعل نفسه. # وإذا لم يكن فعل نفسه مطلقا، فكيف يطلق ترك غيره أو فعل غيره؟ وقد قالوا: ~~إن هذا التخفيف الثابت بالسفر إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية وجب ~~تركه، لم يجز إثبات الإعانة عليه. # لأن الإعانة على المعصية معصية، فهذه كلمات قوية في غاية الإخالة. # وأما حجتهم: # تعلقوا بظاهر قوله: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}، ~~فقد جعل مطلق السفر عذرا فمن زاد عليه صفة الإباحة فقد قيد مطلقا بزيادة ~~عليه، والزيادة على المطلق تقييد، والتقييد نسخ على ما عرف في مواضع كثيرة. ~~وأما المعنى قالوا: لا معصية في نفس السفر فجاز أن يكون مقيدا للرخصة ~~المتعلقة به، دليله إذا كان السفر مباحا، وإنما قلنا: لا معصية في نفس ~~السفر، لأن حقيقة السفر قصده بالسير إلى مكان بعينه بينه وبينه مسيرة ~~محدودة، وهذا لا معصية فيه، وإنما المعصية في نية الإغارة وقطع الطريق، ~~وهذا معنى وراء السفر فصار هو عاصيا في سفره لا عاصيا بسفره فلم يمنع تعلق ~~الرخص بسفره. PageV01P314 # (وصار هذا كما لو لبس خفا مغصوبا يطلق هل المسح على الخف، لأنه لا معصية ~~في حقيقة اللبس، لأن حقيقته ستر موضع الغسل من القدم ولا معصية في الفعل من ~~حيث الستر، وكذلك من صلى في/ الأرض المغصوبة صحت صلاته، لأنه لا معصية في ~~الفعل من حيث الصلاة فجازت صلاته، كذلك هاهنا لا معصية في الفعل من حيث ~~السفر فأفاد الرخص. # قالوا: وأما السكران فنفس الشرب معصية فإذا زال عقله لم يصر عذرا في سقوط ~~الخطاب، فتوجه الخطاب عليه مثل ما يتوجه على غير السكران). # ولهم مسائل إلزامية في هذه المسألة سوى هاتين المسألتين غير أن هاتين ms129 ~~المسألتين أقواها، والخروج عن المسائل الباقية سهل على ما ذكرناها في ~~التعليق فاختصرنا على هاتين المسألتين، ولابد من الاعتناء في الجواب عنهما ~~هذا جملة تحقيقهم. # الجواب: # إنا قد بينا أنه عاص بسفره، لأنه قصد المكان الذي عينه لقطع الطريق أو ~~لتجارة في الخمر، والسفر يصير سفرا بقصده، فإذا قصد بسفره المعصية صار ~~السفر معصية، وهم يقولون: نقل الخطى ليس بمعصية في نفسها ونفس الخطى بقصده ~~مكانا بعينه صار سفرا والمعصية أمر وراء هذا. PageV01P315 # قلنا: القصد لغرض إلى المكان الذي عينه شرط ليكون المفعول سفرا، والغرض ~~معصية، فصار السفر سفرا بما هو معصية. # والدليل على أنه لابد من الخروج إلى المكان الذي عينه لغرض أنه لو خرج ~~إلى ذلك المكان لا لغرض، نقول: لا يترخص برخص المسافرين وينزل منزلة الهائم ~~الذي لا يدري أن يتوجه في سفره، ولا يمكن تمشية المسألة إلا بهذا، وهذا ~~كلام في نهاية القوة، ويتبين به أن المعصية في نفس السفر قد وجد، والحرف ما ~~ذكرنا أن ما به صار السفر سفرا معصية، وخرج على هذا الصلاة في الأرض ~~المغصوبة لأن ما به صار فعله صلاة ليس بمعصية إنا المعصية في شغله أرض ~~الغير، ولم يصر الفعل صلاة بهذا. # وقد أجاب بعض من يدعى التحقيق من المتأخرين عن هذه المسألة وقال: القياس ~~أن لا تجوز صلاته لكنا جوزنا بالإجماع، وهذا مردود لا يلتفت إليه عالم، ~~وكيف يدعى الإجماع، وقد ذهب جماعة كثيرة من علماء الأمة إلى إفساد هذه ~~الصلاة وليس تتأتى مسالك الفقه لكل واحد، ولا ينبغي أن يغتر بطنطة الناس ~~وتزخرفهم في عباراتهم، فإن مع أكثرهم دعاوي عريضة وعجز ظاهر، وتهالك على ~~الألفاظ المروقة من غير طائل. والله العاصم بمنه. # وأما مسألة لبس الخف المغصوبة فلا نسلمها على ما ذكرها ابن القاص وهو ~~الأصح. وأما تعلقهم بالآية فهي محمولة على السفر المباح ودعواهم النسخ ~~بإثبات قيد المطلق كلام تكلمنا عليه مرارا في المسائل. والله أعلم بالصواب. PageV01P316 ### || AUTO (مسألة) # تارك الصلاة يقتل # عندنا. # وعندهم: لا يقتل لكن ms130 يعزر ويؤدب. PageV01P317 # لنا: الحديث الصحيح وهو قوله عليه السلام: ((العهد الذي بينا وبينهم ~~الصلاة فمن تركها متعمدا فقد كفر))، وروى مطلقا: ((من ترك الصلاة متعمدا ~~فقد كفر)). # فالخبر قد تضمن إلزام الكفر وإلزام القتل، وقد قام الدليل أنه لا يكفر ~~فبقى القتل لازما، وهذا استدلال ضعيف، لأن الخبر لم يتضمن إلا الكفر نصا. # فأما القتل فوجوبه في ضمنه حكما له، فإذا لم يلزم الكفر سقط ما في ضمنه. PageV01P318 # يبينه أن القتل أن وجب بالخبر فيكون وجوبه على أنه واجب الكفر، ولا ~~يستقيم إيجاب واجب الكفر بلا كفر. # وقال بعضهم في وجه الاستدلال بالخبر: إن تعطيل الخبر لا سبيل إليه ولابد ~~من العمل به من وجه، وقد اتفقنا نحن وأنتم على أنه لا يكفر فلم يبق إلا ~~التشبيه بالكفر في إلزام خاصيته فيكون في التقدير: من ترك الصلاة متعمدا ~~فقد كفر- أي ضاهى الكفار وأشبههم في المضاهاة في التزام عقوبة الكفر لا في ~~نفس الكفر، وعلى هذا لا نقول إن الواجب عقوبة الكفر لكنه عقوبة ترك الصلاة ~~لكنه عقوبة مثل عقوبة الكفر، وهذا كلام لا بأس به، وإن تضمن ترك ظاهر ~~الخبر، وما يدل عليه من حديث النص. # وقد تعلق المخالفون من حيث السنة بقوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث ....)) الخبر. # وقالوا: ولم يوجد من تارك الصلاة واحد من الثلاث فلم يقتل، ونحن نقول: قد ~~وجد ترك الإيمان من وجه، فإن الصلاة إيمان بنص الكتاب. قال الله تعالى: ~~{وما كان الله ليضيع إيمانكم}. # وقد أجمع أهل التفسير أن المراد به الصلاة فعلى هذا وجد ترك PageV01P319 # الإيمان بترك الصلاة، وعلى أن الحصر بالعدد الثلاث لا يمنع إلحاق رابع/ ~~بها عند قيام الدليل عليه، وقد كانت الواجبات في زمن النبي عليه السلام ~~بعرض الزيادة والنقصان، وليس في الخبر الذي رووه دليل على منع وجوب القتل ~~بترك الصلاة. وقد أوجبوا القتل على الردأ في قطع الطريق ولم يوجد منه واحد ~~من الثلاث ويباح دم القاصد إلى مال الغير ونفسه إذا ms131 لم يمكن دفعه إلا ~~بالقتل ولم يوجد منه أيضا واحد من الثلاث. # ونعتمد في المسألة على نوع من الاستدلال فنقول الشرع قسمان: أمر، ونهى، ~~والخلاف داخل في كل واحد من القسمين إلا أن في قسم الأمر يكون الخلاف ~~بالترك، وفي قسم النهى يكون الخلاف بالفعل، والعقوبات المشروعة في الجنايات ~~زواجر عن الجنايات فكلما كانت الجناية أغلظ تكون العقوبة أبلغ، وإذا كانت ~~الجناية أخف فتكون العقوبة أخف، وقد وجد في الجناية في أحد قسمي الشرع وهو ~~النهي ما يعاقب عليه بالقتل وهو الزنا وسفك الدم، فوجب أن توجد في القسم ~~الآخر ما تكون الجناية بالخلاف فيه موجبا لعقوبة القتل وليس ذلك إلا ترك ~~الصلاة. # وهذا لأن الجناية المتناهية موجبة للعقوبة المتناهية، والزنا وسفك الدم ~~جناية متناهية، لأنه لا جناية فوقهما في قسم ارتكاب النهي إلا الكفر، كذلك ~~إذا ترك الصلاة فقد وجد جناية متناهية، لأنه لا جناية فوق ترك الصلاة في ~~هذا القسم، وهو ترك الأمر فإذا تناهت الجناية تناهت العقوبة، والعقوبة ~~المتناهية بالقتل المعدم للحياة أصلا فجرى وجوبه في الطرفين ليستحق الشرع ~~على التعديل والتسوية ولا يحكم بتناقض واختلاف، وتصير المعاني المؤثرة في ~~الأحكام مطردة مستمرة، ثم الدليل على تناهي الجناية بترك الصلاة، أن الصلاة ~~امتازت من بين سائر العبادات بنوع شرف وخطر لا يوجد لغيرها. PageV01P320 # ويمكن أن يقال بغلبة اشتباه أصل الإيمان عليه، الدليل على امتيازه بهذا ~~الحظر والحرمة الاسم الشرعي والمعنى، أما الاسم فهو أن الله تعالى سماها ~~إيمانا ولم يرد هذا الاسم لشيء من العبادات سواها، ولأن النبي عليه السلام ~~سماها عماد الدين، وعماد الشيء ما يكون بقاؤه به ولم يوجد هذا لغيرها. # وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -: ((نهيت عن قتل المصلين))، كما قال ~~((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)). # ومن جهة المعنى: لأنها وظيفة دارة على درور الليل والنهار وكرورها مثل ~~الإيمان وظيفة مستمرة على دوام الليل والنهار وقرارهما، ولأنه لا تدخلها ~~النيابة بنفس ولا مال مثل الإيمان سواء بخلاف الزكاة ms132 والحج والصوم على أحد ~~القولين، وأيضا لا يسقط بعذر عجز ومشقة بعد إن أمكن الإتيان به بوجه ما ~~كالإيمان سواء فثبت ما قدمنا، وتأصل الأصل واستمر واستقر. # وأما حجتهم: # تعلقوا بسائر العبادات. # وقالوا: عبادة من فروع الإيمان فتركها لا يوجب القتل كسائرها. # والجواب: ما سبق. # وقد قال أبو زيد: ترك الصلاة محض كف عن الفعل فلم يكن معصية بنفسه، وإنما ~~كان معصية بغيره، وهو أنه ترك مأمورا به وما صار معصية بمعنى في غيره لم ~~يوجب العقوبة، وهو مثل تناول مال الغير لما لم يكن معصية لعينه، وإنما صار ~~معصية لتعلق حق الغير بالمحل لم يكن PageV01P321 # موجبا للعقوبة وهذا ليس بشيء، لأن الكف من الفعل معصية بنفسه إذا اتصل ~~الأمر بالفعل المكفوف عنه كالكف عن الفعل طاعة بنفسه إذا اتصل الأمر به ~~وذلك في الصوم. # وهذا لأن هذه جناية من حيث ترك الأمر والجناية من حيث ترك الأمر لا يتصور ~~إلا على هذا الوجه وهو الكف عن الفعل المأمور به وإنما صار جناية من حيث ~~الأمر لا من حيث نفس الكف كالفعل من الزنا والقتل صار جناية من حيث النهى، ~~لا من حيث نفس الفعل فمتى تناهى الأمر في المبالغة تناهت الجناية عند ~~الترك، كما إذا تناهى النهي في المبالغة تناهت الجناية عند الفعل. # وقد قيل: إنه لا يتصور جناية لمعنى راجع إلى نفس الفعل، لأنه لو كانت ~~الجناية لنفس الفعل لم يتصور إباحته بحال، والشرعيات قد أبيح فيها أجناس ~~المنهيات مثل: قتل وقتل، ووطء ووطء، وأخذ وأخذ، ولو نهى عن الشيء لعينه لم ~~يتصور ورود الإباحة في نفسه بحال، فثبت أن المعتبر وجود الجناية من حيث ~~ارتكاب النهي أو ترك الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV01P322 ### || AUTO (مسألة) # يجوز للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات ويجوز أيضا للزوج أن [يغسل] امرأته ~~إذا ماتت # . # وعندهم: يجوز في الأول، ولا يجوز في الثاني. # لنا: إن عليا عليه السلام غسل فاطمة رضي الله عنها حين توفيت. PageV01P323 # وهذا بحضرة من الصحابة وعلمهم، ولم ينكر ms133 عليه أحد فصار إجماعا منهم. # قالوا: ويجوز أن يكون معنى قوله: ((غسلها)) أي أعان على غسلها وعلى أن ~~فاطمة رضي الله عنها كانت زوجة لعلي رضي الله عنه في الدنيا والآخرة. # فإنما غسلها لبقاء الزوجية، وهذا لا يوجد في غيرهما. # قالوا: وعلى أنه روى أن فاطمة عليها السلام اغتسلت ثم تمددت وتوفيت ~~واكتفوا بغسلها ذلك كرامة لها، وكانت معرفتها بوقت فواتها واكتفائها بغسلها ~~بإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الجواب: # إن كل ما قالوه ضعيف. # أما الأول فنقول: إن المروى أنه غسلها، والإعانة على الغسل لا تكون غسلا. # وأما الثاني: قلنا: نحن نقطع بانقطاع الزوجية بالموت، لأن الزوجية من ~~أحكام الدنيا. فأما القول ببقاء عقد النكاح بعد الموت والانتقال إلى PageV01P324 # الآخرة فمقال محال، والآخرة لا تكون دار الأنكحة، وما عهد في الجنة ~~والنار تزويج ولا بقاء تزويج. # وأما الثالث: فهو من نقل الروافض ..... فلا نعرف ذلك، وإنما نهاية ~~الرواية أن النبي عليه السلام قال لها: ((أنت أول أهلي لحاقا بي)). فأما ما ~~يقال أنه أخبرها بوقت وفاتها وأمرها بالاغتسال قبل الموت والاكتفاء بذلك ~~فلا يعرف، وما رأينا تعجيل غسل الميت قبل الموت وهذا لأن الواجب غسل الميت ~~فلابد من وجوده في ميت وهذا الأثر معتمد. # وأما المعنى: نقول الغسل حق الميت ولابد من قائم به، ثم الزوج إذا مات ~~قامت المرأة بغسله قضاء لحقه، فكذلك إذا ماتت المرأة يقوم الزوج بغسلها ~~قضاء لحقها لأن حق النكاح ثابت من الجانبين، فإذا بقى هذا الحق عليها له ~~بعد موته فليبق لها عليه بعد موتها. # ونقول في التحرير: حق ثبت لأحد الزوجين قبل صاحبه فثبت للآخر قبله. # دليله سائر الحقوق ونعين الوطء في القياس عليه، والتعليل للمس غسلا. # ونقول أيضا: المفاقهة أن الميت محل اللمس حلا وحرمة. # ألا ترى أنه يحل للرجل غسل الرجل ولمسه، ولا يحل للمرأة، وكذلك المرأة مع ~~المرأة، وإذا كان محل الحل والحرمة في حق اللمس عمل عقد النكاح في إباحته ~~وعمل التجانب في تحريمه كاللمس والوطء في حال ms134 الحياة، وهذا لأن النكاح عامل ~~في إثبات كل حل يقبل الثبوت كالتجانب عامل في كل حرمة تقبل الإثبات. PageV01P325 # وأما حجتهم: # قالوا: حل اللمس مستفاد بالنكاح فيزول بزواله، دليله حل الوطء. يبينه: أن ~~حل الغسل لابد فيه من سبب ولا سبب هاهنا لأن السبب كان هو النكاح وقد ~~ارتفع، وصار كالعدم، وإنما قلنا ذلك لأن النكاح إنما بقى في محل النكاح ~~والميت ليس بمحل النكاح لأنه جماد. # ولأنه أدنى من البهيمة فيستحيل أن يكون محلا للنكاح، لأن النكاح ملك فلا ~~يبقى الملك إلا في محل الحياة كملك اليمين، ولا يتصور بقاؤه في الميت. # ويدل عليه أنه يجوز له نكاح أختها وأربع سواها، ولو أن النكاح ارتفع لم ~~يحل لأنه يصير جامعا بين أختين نكاحا أو بين خمس نسوة نكاحا. # قالوا: وتصور فيما لو ماتت المرأة وتزوج هو بأختها في الحال، ثم إنه ~~غسلها يجوز عندكم، وهو يؤدي إلى الجمع بين الأختين استحلالا في اللمس، وليس ~~كما لو مات الزوج، لأن النكاح هناك قائم لقيام العدة وهذا لأن العدة حق ~~النكاح، وإن أشكل هذا في عدة الطلاق فلا إشكال في عدة الوفاة، لأنه تجب ~~سواء وجد الماء أو لم يوجد. # والنكاح مجموع حقوق: فإذا بقى حق له حكم ببقاء النكاح في ذلك الحق. وأما ~~موته فلا يمنع بقاء النكاح من هذا الوجه، لأنه مالك، والمالك يجوز أن يبقى ~~له الملك بعد موته، بدليل ما لو كان على إنسان دين ومات تبقى تركته على ~~ملكه لحقه، ولأنا نجعل ملكه لوارثه على طريق الخلافة، وفي جعل الملك للوارث ~~على طريق الخلافة (وفي جعل الملك للوارث على طريق الخلافة) إبقاء الملك ~~للميت من وجه وهذا يستقيم في ملك اليمين لأنه يقبل الخلافة فيه. PageV01P326 # وأما ملك النكاح لا يقبل الخلافة فبقى للزوج وظهر عمله فيما يمكن إظهار ~~عمله إلا أنه يبقى ما بقيت العدة، فإذا ذهبت العدة وحكم بانقطاع فراش ~~النسب، وحلت للأزواج لم يتصور بقاء النكاح. # قالوا: وأما قولهم إن الميت محل الحل والحرمة في ms135 اللمس، فليس كذلك، وقد ~~خرج بالموت عن محلية مثل هذه الأشياء، وإنما حل الغسل لضرورة ولولا الضرورة ~~لم يحل والنكاح عقد استحلال فإذا لم يكن الميت محلا للحل بحال لم يتصورها ~~بقاء النكاح المعقود للحل. # الجواب: # إن قولهم: ((إن النكاح ارتفع بموتها)). # قلنا: وقد ارتفع بموته فكما ينافي محلية النكاح منكوحا ينافي محلية ~~النكاح ناكحا ولا يتصور، ولا يعقل ميت ناكح فلم يعقل أيضا بقاء النكاح له ~~بعد موته. # وأما العدة فتعبد شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح سبق عقده مثل الشهادة تعبد ~~شرعي وجب لإظهار حرمة نكاح عقده. # فإن قالوا: أبحنا الغسل لنفس العدة، وهي علقة عظيمة، ولأنها وجبت بالنكاح ~~السابق ولم توجد هذه العلقة إذا ماتت. # قلنا: إذا طلقها ثلاثا في المرض وماتت عقيبه وهي في العدة لا يطلق لها ~~الغسل والعدة موجودة. # يبينه أن العدة عندهم حق النكاح سواء كانت واجبة من طلاق أو وفاة والتمسك ~~بجانب الزوج في نهاية القوة. # وأما المعنى الذي بيناه فهو صحيح أيضا يمكن الاعتماد عليه. PageV01P327 # وقولهم: ((إنه ليس بمحل الحل)). # قلنا: قد بينا المحلية. # وقولهم: ((إنه جاز للضرورة)). # قلنا: شرع الغسل لا يقال له ضرورة إنما يقال: بقاء حل لإقامة شرع، وبقاء ~~الحل لإقامة الشرع لا يسمى ضرورة مثل الحل في حال النكاح لا يقال ضرورة ~~لأجل الوطء، وعلى هذا نقول: إن النكاح إما أن يحكم ببقائه حكما في هذا ~~الحكم الخاص بدليل قام عليه، أو يقال أن النكاح قد ارتفع ولكن عمل في إثبات ~~هذا الحكم بعد الموت لأنه لا يوجد إلا بعد الموت كما عمل في إثبات الإرث ~~بعد الموت، لأنه لا يوجد إلا بعد الموت وهذا كلام معتمد فليعمل به، والله ~~تعالى أعلم بالصواب. # * * *# بسم الله الرحمن الرحيم # الجزء الثاني # ويشمل: باب الزكاة والصوم والحج # الاصطلام # في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة # رحمهما الله # ----NO PAGE NO------ # / # ----NO PAGE NO------ # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة # الحمد لله .. نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا، من ms136 يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله ~~عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. # أما بعد .. # فهذا هو الجزء الثاني من كتاب ((الاصطلام)) لأبي المظفر السمعاني وهو ~~يشتمل على كتاب الزكاة والصوم والحج، وقد سبق أن حققت الجزء الأول منه ~~ولاقى إقبالا كبيرا من المهتمين بهذا الفن ألا وهو فقه الأحكام. # وبهذا الجزء تم ربع العبادات، ويتلوه- إن شاء الله- الربع الثاني من ~~الكتاب وهو ربع المعاملات ويبدأ بكتاب البيوع، وسنحاول إخراجه في أقرب وقت ~~نظرا لرغبة الإخوان في الاطلاع عليه والاستفادة منه، أعان الله على إكماله ~~بمنه وكرمه، ورحم الله علماءنا الذين خلفوا لنا هذا التراث العظيم الذي لا ~~يوجد مثله عند أمة من الأمم. # وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه .. والحمد لله أولا وآخرا. # المحقق # د. نايف بن نافع العمري # * * * # ----NO PAGE NO------ PageV01P328 ### | AUTO كتاب الزكاة PageV02P005 ### || AUTO (مسألة) # إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استقر الواجب على الحقاق وبنات اللبون، ~~واستقرت النصب على الخمسينات والأربعينات # . وهذا مذهب أكثر أهل العلم، غير أن الشافعي رضي الله عنه قال: إذا زادت ~~الإبل على مائة وعشرين واحدة تجب ثلاث بنات لبون ثم الأمر من بعد على ما ~~بينا. PageV02P007 # وعندهم: يستأنف الواجب بعد المائة والعشرين وتجب الأغنام وبنت المخاض. # لنا: # الأخبار الثابتة برواية أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~وبرواية الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي عليه السلام ذكر في كتاب الصدقة ~~الذي كتبه: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل PageV02P008 # خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون))، والكتاب يشتمل على أشياء كثيرة من ~~باب الزكاة ذكره أبو داود وغيره، غير أن الاستدلال في هذه المسألة بهذ ~~القدر وكان صلى الله عليه وسلم ختم عليه وقرنه بقراب سيفه. # وعمل بذلك بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. ms137 PageV02P009 # وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري أن سالم بن عبد الله بن عمر قرأ ~~الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في الصدقات ~~وفيه: (فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون)). # ولا يتجه لهم تأويل لهذه الأخبار أصلا. # وقد تكلفوا أشياء بعيدة أعرضنا عنها لبعدها، فإن صوروا في موضع يجب في كل ~~خمسين حقة وفي الأربعين بنت لبون وذلك في مائة وتسعين. # قالوا: وقد قلنا بهذا الخبر في هذا الموضع. # يقال لهم: أنتم لا تقولون بهذا الخبر بحال، لأن عندكم لا تجب الحقة في ~~الخمسين بحال، ولا بنت اللبون في الأربعين، فإنكم تقولون إن الحقة في ستة ~~وأربعين وبنت لبون في ست وثلاثين على حسب ما كان في الابتداء، فقد تركوا ~~القول بهذه الأخبار جملة من غير دليل. # وأما هم تعلقوا من جهة الخبر بما روى أنه كان في صحيفة عمرو بن حزم الذي ~~كتبها له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فرائض الزكاة: ((وما زاد في ~~الإبل على PageV02P010 # مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون فما فضل بعد ذلك ~~يعاد إلى أول فريضة الإبل فما كان/ أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل ~~خمس شاة)). # ورووا بطريق عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام: أنه قال ((إذا زادت الإبل ~~على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة)). # وعن ابن مسعود كذلك، وهذا لا يقال قياسا، دل أنهما قالا ذلك عن النبي ~~عليه السلام. # والجواب: # أما الخبر الأول فقد رواه حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن صحيفة عند أبي ~~بكر. PageV02P011 # ابن عبد الله بن عمرو بن حزم فيكون مرسلا، والمرسل ليس بحجة. # وعلى أن فيه ما يؤيد مذهبنا لأنه قال: ((فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ~~ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون)). # وأما حديث عاصم بن ضمرة، فقد قال ابن المنذر: لا يثبت حديث عاصم ابن ضمرة ~~عن علي رضي الله عنه. # وقد ms138 روى عن علي رضي الله عنه مثل ما ذهبنا إليه. # وعلى الجملة .. لا يثبت ذكر الغنم وبنت المخاض بعد المائة والعشرين عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الصحيح ما ~~رويناه فلا يعدل عنه. PageV02P012 # وإن التفتنا إلى المعنى بعد أن لا حاجة إليه، فهو أيضا يؤيد ما قلنا. ~~وذلك لأن الأصل الموصل في الشرع أن الواجب في كل جنس من جنسه، لأن الواجب ~~جزء من النصاب، لأن الزكاة واجبة للمواساة مع الفقراء بجزء من النصاب على ~~مال نام، والجزء من الشيء جنسه، وهم يعترفون بهذا الأصل فلا يحتاج إلى كثير ~~دليل، إلا أنه عدل عن هذا الأصل عند قلة الإبل لأنها لا تحتمل المواساة من ~~جنسها، فإذا كثرت احتملت فعدنا إلى الأصل. # فإن قالوا: ((لم لا ينتظر إلى أن تبلغ حدا يحتمل الوجوب من جنسه مثل ~~البقر))؟ # قلنا: لأن الخمس من الإبل مال كثير القيمة كثير المنفعة قليل المؤونة فلم ~~يستجز الشرع إخلاء مثل هذا عن حق الفقراء، وعلى أن هذا الذي قالوا اعتراض ~~على الشرع، وعلينا أن نتلقى الشرع بالقبول ثم نطلب له معنى يخرج ذلك الشرع ~~عليه، وقد فعلنا. # وأما البقر .. فقد كان غالب أموال العرب الإبل، وقد كانت الزكاة طهرة ~~لمالهم فلم يرض بإخلائه عن الواجب بعد أن يبلغ الحد الذي قلناه من كثرة ~~المنفعة والقيمة وقلة المؤنة، وأما البقر فقد كان قليلا فيهم، فإبقاؤها على ~~الأصل المعهود وهو ترك الإيجاب حتى يحتمل الواجب من جنسه هذا في الأغنام. ~~وأما سقوط بنت مخاض فهو يخرج على أصل آخر: # وذلك لأن ما بعد المائة والعشرين حال تقرير النصب والواجبات وما قبل ~~المائة والعشرين قد كان حال اضطرابها واختلافها، فمن الواجب أن يكون ~~الاستقرار على النمط الأعدل، والنمط الأعدل في الأوقاص طرح PageV02P013 # وقص الأربع، والأربعة عشر أعلى الذي ورد، الأغنام، وبنت المخاض والجذعة ~~وبنتي اللبون والحقتين قبل المائة والعشرين، وتقرير الوقص على التسع لأنها ~~الوسطى، وطريقة العدل في الوسط، وطرح ما يخرج عنه ms139 من الجانبين، كذلك في ~~الواجبات اخترنا النمط الأعدل الأوسط وهو تقرير الواجب على الحقاق وبنات ~~اللبون، وطرحنا ما خرج عنها من الجذعة وبنت المخاض ليكون ذلك لزوما لجادة ~~العدل، والطريقة الوسطى بين طرفي الترقي والنزول الذي أحدهما يؤدي إلى نوع ~~إجحاف بأرباب الأموال والآخر يؤدي إلى ترك نظر الفقراء، ونزل القرآن على ~~هذا واستمر عليه الشرع. # وأما الذي ذهبوا إليه من إيجاب الغنم والعود إليها مع كثرة الإبل وتقرير ~~وجوب بنت المخاض مع خروجه عن النمط الأوسط ومع طرح قرينته من الجانب الآخر ~~وهو الجذعة فلم يدل عليه نص ولا اهتدى إليه قياس، فكان متروكا مطروحا غير ~~مأخوذ به بحال. # وفي المسألة وراء هذه إلزامات كثيرة عليهم في إبطال الاستئناف على ~~مذهبهم: # * من التزامهم القول بالموالاة بين الوقصين، وهذا لا يجوز في الشرع. # * PageV02P014 # ومن عدولهم من بنت المخاض إلى الحقة في الخمسين الثالثة من غير إيحاب بنت ~~لبون في الوسط. # * ومن ألزم جعل نصاب الحقة ثلاثين إذا قالوا بالاستئناف بعد المائة ~~والعشرين وأوجبوا في مائة وخمسين ثلاث حقاق، وقد أعرضنا عن شرح هذا كله، ~~لأن فيما قلناه غنية عن الكل، هذا كلامنا. # وأما حجتهم من حيث المعنى: # فقد قال مشايخهم: إن إيجاب ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين يؤدي إلى ~~مخالفة الرسول أو مخالفة الأصول وواحد منهما لا يجوز. أما مخالفة الرسول ~~إذا أوجبتم في كل أربعين وثلث، ومخالفة الأصول إذا أوجبتم في كل أربعين ~~وذلك لأن الواحدة/ لم تجعلوا لها قسطا من الواجب وغيرتم بها الواجب، وما لا ~~يأخذ قسطا من الواجب لا يغير الواجب هذا هو الأصل المعهود في الشرع، وقد ~~خالفتم. # قالوا: وليس كما لو ماتت المرأة عن أبوين وأخوين حيث يغير الأخوان فريضة ~~الأم، ولا يرثان، لأنهما بمحل الميراث، وإنما حجبا في هذه الصورة بالأب، ~~وههنا ليست الواحدة بمحل الوجوب بحال، فنظير هذا في مسألة الميراث أن يكون ~~الأخوان عبدين أو كافرين، وقالوا أيضا: في إيجاب ثلاث بنات لبون إسقاط ~~الحقتين، وقد أوجبنا بدليل مقطوع ms140 به فلا يسقط بخبر الواحد. # واستدلوا في تصحيح مذهبهم، والحكم بعود الغنم وبنت المخاض، أن الحقاق ~~وبنت اللبون ينبني وجوبها على الغنم وبنت المخاض في قضية PageV02P015 # وجوبها، وربما يقولون: الغنم وبنت المخاض أصل في واجبات الإبل فلابد من ~~عودها، وقولهم: ((إن الغنم ليس من جنس الإبل)). # بلى، ولكن لما وجبت وبنى عليها سائر ما أوجب صار أصلا، وخرج على هذا ~~الجذعة، لأنها غير مبنية على الحقاق وبنات اللبون فلا يقتضي وجوب الحقاق ~~وبنات اللبون وجوبها. # وأما الحقاق وبنات اللبون يبتنى وجوبها على الغنم وبنت المخاض فلابد من ~~عودها إذا عادت. # قالوا: وأما قولكم: ((إن ما بعد المائة والعشرين زمان الاستقرار)). # قلنا: بلى، وقد استقر الواجب على الحقة وبنت اللبون، ولكن بشرط أن يعود ~~ما هو الأصل مثل المسنة استقر عليها الواجب بشرط عود التبعية. # الجواب: # إن كل ما قالوه ضعيف. # أما الأول فنحن نختار أنه يجب في كل أربعين وثلث أو يوجب في كل مائة ~~وإحدى وعشرين من غير تعرض للتقسيم، وهذا بالخبر الذي رويناه في هذا نصا. # ومثاله: إيجاب الحقتين في إحدى وتسعين في الابتداء، ويكون هذا إيجاب كل ~~حقه في خمس وأربعين ونصف إلا أنه بالخبر، أو يوجب مطلقا من غير تعرض ~~للتقسيم، ويمكن أن يقال: قد وجد نصاب ثلاث بنات لبون إلا أن فيه أنه انتهاء ~~وقص فلا يمكن إيجابها من غير وجود زيادة، فإذا PageV02P016 # وجدت بزيادة ظهر الآن وجوب بنات لبون لوجود نصابها والترقي من انتهاء ~~الوقص إلى زيادة، وهذا الكلام إذا قلنا إن الواجب في كل أربعين، والزيادة ~~ليس لها عمل إلا في التغير فحسب. # وأما الكلام الثاني الذي قالوه .. # قلنا: نعم، وجبت الحقتان في المائة والعشرين بدليل مقطوع به ولكن حين ~~زادت واحدة فات محل وجوب الحقتين وانقطع الإجماع فصلح التعرض لما يدل عليه ~~الخبر الواحد فنوجب ما أوجبه، ولهذا لم يجز الاجتهاد لإيجاب شيء آخر في ~~المائة والعشرين، وصح الاجتهاد لإيجاب ثلاث بنات لبون عند وجود الزيادة. # وأما الكلام الثالث .. # وهو الذي قالوا: ms141 إن وجوب الحقاق وبنات اللبون يبتنى على وجوب الغنم وبنت ~~المخاض. # قلنا: إن زعمتم أن المراد بالإبتناء أنها وجبت بعد وجوبهما فهذا مسلم. # وإن زعمتم أن معناه أن ذلك يصير أصلا وهذا يصير فرعا له فلا نسلم. # والدليل عليه: أن في الخمسين الثانية للمائة الأولى قد عادت الحقة وثلاث ~~بنات لبون، لم تعد الغنم ولا بنت المخاض، ولو صار ذلك أصلا وهذا فرع له لم ~~يجز إلا أن يعود الأصل ثم يعود الفرع، وعلى أنا قد دللنا أن وجوب الغنم ~~ضرورة والضرورة تلزم موضعها. # وأما بنت المخاض فقد بينا أنها خارجة عن النمط الأعدل والطريقة الوسطى ~~مثل الجذعة فلم يستقم عودها، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P017 ### || AUTO (مسألة) # الزكاة تتعلق بالنصاب والوقص # عندنا، وهو قول محمد بن الحسن من أصحابهم. وعند أبي حنيفة رحمة الله ~~عليه وأبي يوسف تتعلق بالنصاب دون الوقص، وهو قول الشافعي رضي الله عنه. # لنا: # إنه قد ثبت أن النبي عليه السلام قال: ((في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض ~~إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين)). PageV02P018 # وقوله: ((إلى الحد الواجب))، دل أنه متعلق بالنصاب والوقص، ولأن جميع ~~المال محل للواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه، وليس تعليق الواجب ببعض ~~المال أولى من البعض فتعلق بالكل الواجب، وهذا كما لو سرق مالا بقدر نصب ~~كثيرة فإنه يتعلقا القطع بالكل للمعنى الذي بينا كذلك ههننا، وكذلك إذا ~~أوضح جميع رأسه فإنه يتعلق الأرش بجميع الموضحة، لأنه ليس إيجابه في البعض ~~أولى من إيجابه في البعض فتعلق الواجب بالكل. # والحرف لنا: أن تقدير النصاب/ لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه ~~بما زاد عليه مثل النصاب في السرقة، والقدر الذي ينطلق عليه اسم الموضحة ~~فإنه لمنع تعليق الواجب بما دونه لا يمنع تعليقه بما زاد عليه، وهذا لأن ~~المال إذا كان محل الواجب، والرجل من أهل وجوب الزكاة عليه فلا يمكن إخلاؤه ~~من الوجوب. # وأما حجتهم: # قالوا: الزيادة لها حكم نفسها بدليل أنها ms142 إذا بلغت قدرا معلوما تعلق بها ~~واجب جديد فتخلو من الواجب حتى تبلغ ذلك المقدار، وهذا كالنصاب الأول فإنه ~~لا يتعلق به شيء حتى يبلغ الحد المعلوم، وبهذا فارق السرقة ومسألة الموضحة، ~~لأن الزيادة ليس لها حكم نفسها بدليل أنها لو زادت زيادة كثيرة لا يتعلق ~~بها واجب آخر بحال آخر بحال فكانت الزيادة بمنزلة الأصل في تعلق الواجب ~~بالكل. PageV02P019 # قالوا: ولأن الزيادة لو هلكت لم يسقط شيء من الواجب، وصوروا إذا هلك قبل ~~التمكن من الأداء ليكون في محل الإجماع فلو كان تعلق بها شيء من الواجب ~~لسقط من الزكاة بقدر الهالك، كما لو هلك النصاب. # الجواب: # أما قولهم: ((إن الزيادة لها حكم نفسها)). # قلنا: ليس لهذا معنى سوى أنه إذا بلغ حدا معلوما يتعلق به واجب آخر وهذا ~~أولا تدخل عليه الزيادة على إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين فإنه لا يتعلق ~~بهذه الزيادة واجب آخر، لأنه عندهم يستأنف الحكم بعده ومع ذلك لم يتعلق ~~الواجب الأول بهذه الزيادة على أصلهم. # فإن قالوا: يتعلق، فقد التزموا المناقضة. # فإن قالوا: يتعلق واجب آخر إذا بلغت الإبل مائة وخمسين فإنه تجب حقة ~~ثالثة في الخمسين الثالثة. # فقلنا: فإذا لا استئناف، وقد قلتم بالاستئناف، وعلى أن هذا إن استقام ~~فيما بعد المائة فلا يستقيم في التسع الزائدة من إحدى وتسعين إلى تمام ~~المائة فإنه لا يتعلق بها واجب آخر بحال، ومع هذا لا يتعلق بها الواجب ~~الأول، ثم نقول: للزيادة حكم نفسها إذا بلغت قدرا معلوما. والكلام فيما إذا ~~لم تبلغ ذلك القدر فهو وما زاد عليه واحدة والجميع بمنزلة شيء واحد ومال ~~واحد، وقد بينا أنه ليس تعليق الزكاة ببعض المال أولى من بعض فتعلق بالكل، ~~ثم إذا بلغت الزيادة نصابا آخر حينئذ يتعلق به واجب آخر. PageV02P020 # فإن قالوا: إذا كان تعلق به الواجب الأول كيف يتعلق به واجب ثان؟ # قلنا: هذا غلط، لأنه إن كانت الزيادة بعد حؤول الحول فالواجب الأول لا ~~يسرى إليها، وإن كانت الزيادة قبل حؤول الحول ms143 فعندنا لا يضم النصاب بل ~~يعتبر لها حول جديد من وقت الاستفادة فلم يتصور اشتغال الزيادة بالواجب ثم ~~خلوها عن الواجب، واستقام ما قلنا إن الزيادة لها حكم نفسها إذا بلغت قدرا ~~يتعلق بها واجب آخر، فأما إذا لم تبلغ من قبل فلا. # وأما قولهم: ((ينبغي أن ينتظر)). # قلنا: لا معنى للانتظار وقد وجدنا مال الزكاة وقد ملكه من هو من أهل ~~الزكاة. # وأما في الابتداء فلأنه لم تبلغ نصابا والزكاة لا تجب فيما دون النصاب ~~وههنا قد بلغ نصابا وقد زاد، وقد ذكرنا وجه تعلق الواجب بالكل. # وأما قولهم: ((إذا هلكت الزيادة قبل التمكن من أداء الزكاة)). # قلنا: قد قال بعض أصحابنا: إنه يسقط من الواجب بقدره وإن سلمنا أنه لا ~~يسقط فلأن الزيادة جعلت وقاية لما هو الأصل فانصرف الهلاك إليها حكما، وصار ~~النصاب بمنزلة القائم جميعه من غير أن يهلك منه شيء. وهذا مثل ما لو هلك ~~بعض مال القراض وقد ظهر فيه الربح فإنه ينصرف الهلاك إلى الربح، وجعل الربح ~~وقاية لرأس المال، وصار رأس المال كأنه لم يهلك منه شيء كذلك ههنا. والله ~~أعلم بالصواب. # * * * PageV02P021 ### || AUTO (مسألة) # إذا هلك مال الزكاة بعد حؤول الحول ووجود التمكن من أداءها لم تسقط ~~الزكاة عمن عليه بهلاكه # عندنا. # وعندهم: تسقط. # لنا: # إن المال سبب الوجوب لأداء فعل الوجوب فإذا حصل الوجوب واستقر فقد عمل ~~السبب عمله، والسبب إذا تم عمله فبعد ذلك شرط وجوده لغو لا معنى له كسائر ~~الأسباب إذا تمت، وأقواها صدقة الفطر فإنها لم تسقط عنها بهلاك المال لما بينا. # وهذا لأن الوجوب محله الذمة فإذا وجب الشيء فقد حصل في محله الذي له ~~فاستغنى عن تعلقه بمحل آخر، لأن الذمم مستقلة تحمل الواجبات مستغنية في ~~وجوبها عن ضم محل آخر إليها بل لا يتصور الوجوب إلا في الذمة فإن معنى ~~الوجوب في الذمة تكليف المكلف فعلا على صفة مخصوصة فيقال وجب عليه كذا، ~~وكلف/ كذا، ثم إنما يكون أداؤه بآلة: PageV02P022 # فإما أن تكون الآلة ms144 هو البدن مثل العبادات البدنية، وإما المال مثل ~~اللوازم المالية، فإن كان بدنيا فلا التفات فيه إلى المال، وإن كان ماليا ~~فلا يتعين له مال دون مال، لأن جميع الأموال في تصور الأداء به واحد فلا ~~معنى لتعين محل واحد له، اللهم إلا أن يكون التعيين لمعنى لغرض مطلوب يطلبه ~~الشرع من توثقه مؤدية إلى اختصاص باستيفاء وخلاص من مزاحمة لولاها لم يحصل ~~به ذلك مثل الرهن فتعين له ذلك المال من وجه لا من وجه على ما عرف في كتاب ~~الرهن. وإذا لم يتعين له محل فهلاك مال بعينه لا يوجب سقوطه بل يؤمر ~~بالتوصل إلى الأداء بمال آخر، فإن وجد ولم يفعل لم يعذره الشرع، فإن لم يجد ~~عذره الشرع رحمة وتخفيفا لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}. # فأما تعلق الوجوب بأعيان الأموال فلا مطمع لأحد في تحقيقه وتصويره، ولئن ~~قاله قائل فهو مجازف مباهت ولا كلام مع مثل هذا. # واستدل الأصحاب في أن الوجوب لا يلاقي المال أنه لو أدى الزكاة من مال ~~آخر يجوز ولو تعلق بالعين لم يجز، ولتعين هذا المال له على التحتم واللزوم، ~~وما ذكرناه من القاعدة مستغنية عن هذا الحكم، وسنذكر كلامهم عليه. # وقد سلك كثير من مشايخنا طريقة أخرى وهي: # أنه بالتأخير بعد التمكن آثم جان متعد فيضمن إذا هلك، كما لو منعه من ~~الساعي ثم يهلك، والدليل على أنه جان وجوب إخراج الزكاة على الفور، PageV02P023 # لأنها وظائف موظفة على السنين لدفع حوائج تتجدد للفقراء على مرور الأوقات ~~والأزمان عليهم فإطلاق التأخير ليؤديها من عليه متى اختاره لا يجوز، لأن ~~الحوائج إذا تعجلت والوظائف إذا تأخرت بطلت الإغراض ويموت المحاويج، وما ~~أوجب لسد الحاجة فلا يوجب على وجه لا ينسد به الحاجة. # يبينه: أنه إذا جاز التأخير، والمنايا طوارق على الرجال، والنوائب على ~~الأموال غوادي وروائح، وكل واحد منهم مسقط للزكاة لم يبق للوجوب أثر. فدل ~~على أن الوجوب على الفور، وأنه جان متعد بالتأخير فيلحقه وبال جنايته ليبقى ms145 ~~الحق عليه وإن هلك محل أدائه ليؤديه من محل آخر، ويجعل المال في حقه ~~كالقائم فيلزمه الغرامة، مثل ما لو استهلك المال، وهذه طريقة جيدة يمكن ~~تمشيتها، غير أن الاعتماد على الطريقة الأولى، والتحقيق فيها، وسنذكر ~~كلامهم على الطريقة الثانية، ووجه الجواب عنه. # وأما حجتهم: # قالوا: الواجب جزء من المال فإذا هلك المال فلم يبق محل ليجب جزء منه ~~فسقط الواجب لفوات المحل. # وربما يقولون: حق تعلق بعين المال فيسقط بهلاكه. # دليله: العبد الجاني إذا هلك، والدليل على أن الواجب جزء من المال النصوص ~~من الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {فى أموالهم PageV02P024 # حق معلوم} ونظائر ذلك، وكذلك: ((في خمس من الإبل شاة))، ((وفي أربعين من ~~الغنم شاة)). # وكلمة ((في)) دليل على المحلية وأن الواجب جزء منه. # واستدل أبو زيد على هذا الأصل بمسائل منها: # أنه لو باع المالك مال الزكاة لا يجوز، وأراد به مذهبنا. # قال: ((ولو تصدق بجميع النصاب على فقير نفلا سقطت عنه الزكاة، ولو لم ~~يتعلق بالمحل لم يسقط، ولأن تقدير الواجب بالعشر أو ربع العشر دليل على أن ~~الواجب جزء منه)). # قال: ((والواجب عليه فعل في المحل بالإخراج، وشبه هذا بمن قال لغيره: ~~ادفع وديعتي إلى فلان، فلم يدفع حتى هلك سقط الأمر منه، وكذلك المودع إذا ~~قبل الحوالة ليقضي دين المودع من الوديعة فهلكت الوديعة بطلت الحوالة)). # وأمثال هذا ليس له كلام معنوي يدل على هذا الأصل الذي يدعيه بعد زعمه ~~تدقيق النظر وإكثار الرواية، وادعى بعضهم على صحة هذا الأصل من أصل الشافعي ~~أن الزكاة عنده تمنع الزكاة، مع قوله: ((إن الدين لا يمنع الزكاة))، وليس ~~ذلك إلا لأن الواجب جزء من المال. PageV02P025 # قالوا: وأما إذا أدى الزكاة من موضع آخر إنما جاز لأصل ذكره في مسألة القيم. # وحرفهم في هذا أنه إنما جاز ذلك بطريق أن حق الله في إخراج جزء من المال ~~المعين، وحق الفقير في المال المطلق فملك أن يؤدي عين المستحق كأنه أداه ~~برضا صاحب الحق وهو الله تعالى، ووجود ms146 رضاه بأمره يصرفه إلى الفقير الذي ~~حقه في المال مطلق. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان بالتأخير حتى هلك المال فقد قال بعضهم: ~~لا جناية أصلا. # قال أبو زيد: لم يوجد منه من التعدي ما صلح علة لضمان لعين لأنه لا جناية ~~على نفس الحق، لأن وقت الأداء قائم، ولئن عد جانبا على نفس الحق يكون ~~بالتفويت ولا تفويت، لأنه وإن أخر مدة طويلة ثم أدى يكون مؤديا وهو مثل ~~تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه جان على محل الحق، لأن الجناية عليه تكون ~~بالإتلاف أو الغصب الذي عندنا حده إزالة اليد ولم يوجد، لأن العين قائمة ~~ولا يد لأحد حتى تزال وسلم الإثم إلا أنه قال: مجرد الإثم لا يدل على ~~الضمان كالممسك وغيره. # وقالوا: والأصح أنه وإن طالبه الساعي بإخراج الزكاة فامتنع حتى هلك لا ~~ضمان. PageV02P026 # وأما إذا استهلك المال فقد جنى على محل الحق بالإتلاف فضمن وصار كالمولى ~~إذا قتل العبد الجاني يضمن، بخلاف ما لو هلك بنفسه. # قالوا: وأما صدقة الفطر فالواجب ليس بجزء من المال بل هو واجب في ذمته ~~بسبب رقبته ورقبته شخص يلي عليه على صفة مخصوصة. # وأما ملك المال عندنا إنما اعتبر ليصير غنيا فيكون أهلا لوجوب الصدقة ~~عليه ونظير هلاك المال في الزكاة هلاك الرقبة في صدقة الفطر. # قالوا: وأما الحج فخارج على ما قدمنا، لأن الفوات يتحقق بتأخيره عن وقته ~~فصار جانيا عليه بالتأخير، وأما إدراكه في السنة الثانية فهو على التوهم ~~على ما يذكرونه في كتاب الحج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذه الطريقة إذا ~~انتهت إلى هذا الوضع. # وقد ذكروا في الأمالي طريقة أخرى: # وهو أن وجوب الزكاة كان بصفة فلا يبقى إلا على ذلك الوصف حتى لا يبقى غير ~~ما وجب، والوصف المشار إليه وصف اليسر، وهذا لأن المكنة غير كافية لأنه ~~يملك عشرة وعشرين توجد المكنة من إخراج خمسة دراهم لكن لا على سبيل اليسر، ~~فإذا بلغ نصابا ms147 تيسر، وصفة اليسر إنما تبقى ببقاء المال، فإذا هلك المال ~~فات اليسر، لأن صفة اليسر بإخراجه من المال النامي ليكون النماء في مقابلة ~~ما يخرجه فتيسر عليه فإذا هلك وألزمناه الأداء من كيسه كان غرامة وزال ~~الوصف الذي ذكرناه. # قال: وليس كما لو كان عنده مائتا درهم وحال عليها الحول وهلكت مائة حيث ~~يبقى على ردهمان ونصف، لأن إخراج هذا القدر من مائة درهم مثل إخراج خمسة من ~~مائتين وكلاهما بوصف اليسر إلا أن اعتبار ملك المائتين في الابتداء شرط ~~ليصير أهل وجوب الصدقة عليه ثم تلك الأهلية تعتبر PageV02P027 # عند الوجوب فإذا تحقق فحينئذ تسقط بقدر الهالك وتبقى بقدر الباقي، ~~وتعلقوا بهلاك المال قبل التمكن من الأداء. # وقالوا: شرط التمكن لتجب الزكاة بعيد جدا، ولو استهلك المال قبل التمكن ~~من أداءه غرم الزكاة ولو لم تجب لم يغرم، كما لو استهلك قبل حؤول الحول، ~~ولأن التمكن لا يعتبر في الواجب إنما يعتبر تحقق السبب بدليل النائم ~~والمغمى عليه في جميع وقت الصلاة تجب عليهما الصلاة ولا تمكن. # وقد قال مشايخهم: إن قدر الزكاة في يده أمانة لحصوله بغير فعله مثل الثوب ~~هب به الريح وألقته في حجره، فإذا كان أمانة وهلك من غير فعله فلا ضمان كما ~~في الوديعة. # الجواب: # أما الطريقة الأولى فلم أعثر فيها إلا على مجرد الدعوى. ومسألة البيع ~~ممنوعة، وعلى أحد القولين وإن أبطلنا البيع فهو كبيع المرهون فإن المال ~~وثيقة به، ومسألة التصدق بجميع المال على أصلهم. # ومسألة منع الزكاة وجوب الزكاة في الحول الثاني على أصولهم أيضا. # وإيجاب العشر في الزروع لتقدير الواجب بقدر معلوم لا لأن الواجب على ما ~~زعموا، وقد طال تعجبي من هذه الدعوى العريضة التي بنى عليها مسائل كثيرة من ~~غير أن يحكم هذا الأصل بمعنى وإن قل، وكيف يجوز أن يترك الأصل الذي يعرفه ~~كل أهل العلم وهو أن الوجوب لا يتصور إلا في الذمة بمثل هذه الأشياء؟ # وأما الكتاب والسنة اللذان وردا في كذا وكذا لتحقيق السنية وليس ms148 كما ~~زعموا. PageV02P028 # يبينه: أنه قال عليه السلام: ((في خمس من الإبل شاة))، والشاة لا تكون ~~جزء من الإبل، ولهم على هذا حرف يذكرونه في مسألة القيم وسيرد. # وقولهم: ((إن الواجب فعل الإخراج)). # قلنا: فعل الإخراج أداء الواجب الذي استقر في الذمة مثل فعل الإخراج في ~~سائر الواجبات. # وأما مسألة العبد الجاني، فنحن نقول: إن الرقبة للعبد بمنزلة الذمة ~~للأحرار، ومعنى التعلق بالرقبة وجوب بيعه في الجناية. # وعلى أنا نقول: وإن هلك العبد الواجب باقي عليه في الآخرة غير أن السيد ~~لا يؤاخذ بهذا الواجب، لأنه لا فعل منه/ يعني الجناية، والواجب واجب الفعل. # وأما ههنا فهذا واجب مبتدأ بسبب يكون في الذمة على ما سبق. # وأما الواجب عن هذه الطريقة على الطريقة الثانية فسهل، لأن نهاية ما في ~~الباب أن يسلم لهم ما ادعوه لكن هو متعد بالتأخير فيضمن كما لو منع الوديعة ~~من المودع. # وقولهم: ((لم توجد الجناية على نفس الحق)). # قلنا: ليس معنى هذا إلا أنه يكون مؤديا متى أخرج الزكاة، ويبطل هذا ~~بالمودع إذا منع الوديعة حتى هلكت ضمنها، ولو منع ثم أدى يكون مؤديا على ~~الحد الذي لو سلمها قبل المنع. # والحرف أن المضمن حظرية التأخير وإذا حرم التأخير وأخر وهو حق الآدمي على ~~ما سنبين دخل في ضمانه، وعندي أن الاعتماد على الطريقة PageV02P029 # الأولى لأنها محض التحقيق، وخلاصة الفقه، والتضمين مجرد التأثيم فيه خطر عظيم. # وأما طريقتهم الثانية قولهم: ((وجبت الزكاة بصفة اليسر)). # قلنا: بلى، الوجوب معلوم، فأما ضم هذا الوصف إليه فليس عليه دليل اللهم ~~إلا أن يكون المراد به إيجاب قليل من كثير وغيض من فيض فهذا مسلم، وقد ~~وفينا الواجب هذه الصفة حيث لم يوجب إلا على هذا الوجه. # وقولهم: ((وجب أن يبقى على وصف ما وجب)). # قلنا: هو ذلك الواجب لم يتغير وبقاؤه بعد هلاك المال من قضية كونه في ~~الذمة وكون المال آلة الأداء، وهذه الآلة وإن هلكت لم يعوز آلة أخرى. وهذا ~~لأن بهلاك المال لا يصير وصفنا الواجب ms149 بكونه قليلا من كثير فائتا بل هو على ~~ما كان. # الجواب على الطريقة الثانية ممكن أيضا، لأنه وإن وجب على هذا الوصف لكن ~~تعديه أدخله في ضمانه، كما لو استهلك المال. # وأما فصل هلاك المال قبل التمكن من الأداء فسقوط الزكاة إن سلمنا وجوبها ~~كان لعدم استقرارها، ودليل عدم الاستقرار عجزه عن فعل الإخراج وسقوطه عنه ~~مع تصوره منه محسوسا، بخلاف النائم والمغمى عليه وسقوط غير المستقر غير ~~مستبعد، لأنه يكون واجبا من وجه لا من وجه وهذا الحرف إذا أصابه الفقيه مشى ~~الكلام فليتأمل فيه. # وأما قولهم: ((إن قدر الزكاة أمانة)). # قلنا: ليس كأمانة أموال الناس عند الناس إنما معنى الأمانة أن الشرع جعل ~~الإخراج إليه مثل الصلاة والصوم وغيره وفوض إليه، وجعل أمينا عليه، وهذا لا ~~يمنع وجوب الضمان عند قيام الدليل عليه. وقد قام الدليل عليه على ما سبق، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P030 ### || AUTO (مسألة) # المستفاد في خلال الحول لا يضم إلى النصاب الذي عنده في الحول بل يستأنف ~~له الحول # عندنا. # وعندهم: إذا كان من جنس النصاب يضم إليه ويزكى بحوله. # لنا: # ما رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر أن النبي عليه ~~السلام قال: ((من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول)). # ورواه أيضا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه ~~السلام، ذكر هذين الخبرين أبو عيسى الترمذي في PageV02P031 # جامعه، وروى عن ابن عمر نفسه أيضا أن المستفاد يستأنف له الحول. # قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، ثم حكى الضم عن سفيان الثوري ~~وأهل الكوفة. # فإن قالوا: راوي خبركم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف كثير الغلط، ~~كذا ذكره أحمد وعلي بن المديني. # قلنا: قد قواه من روى عنه، وعلى أنا قد روينا بطريق آخر. # وأما الكلام من حيث القياس: # نقول: المستفاد مال مملوك أصلا بنفسه لا على طريق التبع لغيره فيعتبر له ~~حول نفسه لوجوب الزكاة فيه، دليله: ms150 إذا كان من غير جنس النصاب. # ودليل قولنا: ((أنه ليس بتبع لما عنده من النصاب))، لأنه مملوك بسبب مثل ~~السبب الذي ملك به النصاب فلم يصلح أن يكون تبعا له، لأن مثل الشيء لا يكون ~~تبعا له بحال. PageV02P032 # يدل عليه: أن تبع الشيء ما يكون قيامه به بوجه ما، ومن ملك خمسا من الإبل ~~ثم ملك خمسا من الإبل فلا قيام للثاني بالأول بوجه ما، فكيف يتصور إثبات ~~تبعية له؟ فدل أنه أصل بنفسه مثل الأول، والحول شرط الزكاة فما لم يوجد لم ~~يجب، ولم يوجد فقات الوجوب مثل ما إذا لم يوجد في النصاب الذي عنده، فإنه ~~يفوت الوجوب كذلك ههنا. # والحرف الوجيز لنا: هو فوات الحول في المستفاد حسا، وعدم قيام الدليل على ~~كون الحول المنعقد للأصل حولا له، لأنه لو كان هو التبعية، وقد ذكرنا أنه ~~لا تبعية، وإذا ثبت فوات الحول لم يجز إيجاب الزكاة بلا حول. # وأما حجتهم: # قالوا: مستفاد من جنس النصاب في حول لم يزك/ أصله فيضم إليه ويزكى بحوله. # دليله: الأولاد والأرباح. # وأما الفقه لهم: قالوا: أجمعنا على أن الضم في الحول مشروع في الجملة ~~بدليل الأولاد والأرباح، ولابد له من علة وأصح علة له الجنسية حكما وحقيقة. # أما الحكم فلأن الأولاد والأرباح يضم إلى النصاب في حكم الحول فليس هو ~~بعلة التفرع والتولد، لأن التولد إن كان علة فهذا علة إسراء الحكم من الأصل ~~إلى الفرع، ولو كان يوجب إسراء حكم الحول الذي هو شرط الوجوب لكان يوجب ~~إسراء حقيقة الوجوب إذا حدثت الأولاد بعد حول الحول، وحين لا يكون علة ~~الإسراء حقيقة الوجوب بعد الحول فلأن لا تكون علة إسراء شرط الوجوب أولى، ~~ولأن الأولاد تأخذ محلية الزكاة بعد الانفصال وزالت التبعية بعد الانفصال ~~بل صارت أصولا مثل أصولها، ولأن الأولاد تغير حكم الأصل من الواجب فإنه ~~ربما ينتقل الواجب من سن إلى سن بحدوث PageV02P033 # الأولاد والتولد توجب أخذ الأولاد حكم الأصول، فأما أن يوجب تغيير حكم ~~الأصل فلا. # فدل ms151 أنه لا يجوز أن يكون الضم معلولة بعلة التفرغ والتولد، فدل أنه بعلة ~~الجنسية وقد وجدت في مسألتنا فثبت الضم. # وأما من حيث الحقيقة فلأن الجنس إذا اتحد صار الجميع في حكم الشيء الواحد ~~لاتفاق الكل في المعنى، وإذا صار الجميع كالشيء الواحد يجوز أن يجعل كأنه ~~ملك الكل في وقت واحد فيكون بعضه مضموما إلى البعض ضرورة. # وقد قالوا: إن المستفاد تبع النصاب الذي عنده في الحكم، بدليل أن المالك ~~لنصاب واحد لو أخرج زكاة أنصبة يجوز فصار النصاب الذي عنده سببا لملك ~~المستفاد فصح التعجيل بهذا الوجه. # ولأن المستفاد زيادة على الأصل، والزيادة على أصل تبع الأصل وهو في ~~المعنى نظير شجرة تنمو وعبد يكبر وغيره هذا من الأمثلة، وإذا صار له تبعا ~~له من هذا الوجه وجب الضم مثل ما يجب الضم في الأولاد والأرباح لما كانت ~~أتباعا لما عنده. فهذا معتمدهم وأحسن التمسك كلامهم بالأولاد على ما سبق ~~تقريره. # وقد قال بعضهم: إن الحول صار ساقط العبرة في المستفاد لأجل الحرج وهذا ~~لأن وجوه الفوائد كثيرة، وإذا كثرت وجوه الفوائد كثرت الفوائد، فيشق حفظ ~~الحول لكل فائدة، ويلحق المالك إذا أوجبناه عليه حرج شديد فسقط عنه بعلة ~~الحرج وهو مثل الأولاد والأرباح لا يعتبر حول جديد لكل ربح ولكل ولد، لأنه ~~يكثر في العادة فتكليف المالك حفظ الحول لكل فائدة يؤدي إلى حرج شديد فسقط ~~لعلة الحرج كذلك ههنا. # قالوا: وأما ثمن السائمة الزكاة وصورته إذا كان عنده نصاب من السائمة ~~ونصاب من الدراهم فسبق مضى حول السائمة وأدى زكاتها ثم إنه باعها بنصاب PageV02P034 # من الدراهم أو دونه لا يضم إلى حول الدراهم التي عنده لأنا احترزنا عن ~~هذا في العبارة بقولنا: ((لم يزك أصله)). # وأما من حيث المعنى .. # قالوا: الجنسية علة الضم على ما ذكرنا، وقد وجدت في هذه المسألة إلا أنا ~~لم نضم لأنه قام دليل مانع من الضم وهو تحريم الثني في الصدقة والضم يؤدي ~~إلى الثني في الصدقة. # وقد قال النبي عليه ms152 السلام: ((لا ثنا في الصدقة))، وإنما قلنا إنه يؤدي ~~إلى الثني لأن الزكاة حق المال، والثمن بدل عن مبدل قد أدى زكاته والمالية ~~في البدل والمبدل واحد، ولهذا لا ينقطع حول التجارة بالمبادلة فإذا أوجبنا ~~الضم في هذه الصورة التي ذكرتم وزكيناه عند حول النصاب الذي عند بثني ~~الصدقة فلأجل هذا امتنع الضم، ويجوز أن يمتنع عمل العلة بمانع من العمل، ~~هذا من جملة ذلك، وليس كما لو أدى صدقة الفطر عن عبده ثم باعه حيث يضم ثمنه ~~إلى النصاب الذي عنده، لأن صدقة الفطر ليس بحق المال إنما هو حق الرقبة، ~~بدليل وجوبها في رقبة الحر. # وإنما ملك المال شرط الوجوب فلم يؤد الضم إلى الثني في الزكاة، وليس كما ~~لو أدى عشر الزرع ثم باع الزرع بدراهم حيث يضمها إلى ما عنده من النصاب، ~~لأن العشر ليس بحق الزرع، إنما هو حق الأرض النامية مثل الخراج على ما نذكر ~~من بعد فلم يؤد الضم إلى الثني في PageV02P035 # الصدقة بخلاف ما نحن فيه على ما سبق بيانه، وقد احتج بعضهم بفصل القدرة. # وقالوا: المستفاد يضم إلى ما عنده في القدر فيضم إلى ما عنده في الحول/ ~~بل الحول أولى بالضم، لأن القدر أصل والحول وصف فإذا ضم المستفاد إلى ما ~~عنده فيما هو الأصل فلأن يضم في الوصف أولى. # وبيان الضم في القدر عدم اعتبار القدر في المستفاد لا تفسير له سوى هذا ~~وذلك إذا كان عنده مائتا درهم فملك زيادة عليها لم يعتبر النصاب فيها أصلا. # أما عندكم يجب في الزيادة بحساب ما سبق قل أو كثر. # وعندنا يجب إذا ملك أربعين درهما، ولم يعتبر ملك المائتين، وكذلك من عنده ~~ثلاثون من البقر ثم ملك عشرة وحال عليها الحول يجب فيها ربع مسنة. # وكذلك قلتم من كان عنده خمس وثلاثون من الإبل ثم ملك بعيرا وحال عليه ~~الحول يجب عليه جزء من ستة وثلاثين جزء من بنت لبون وأمثال هذا يكثر وأصل ~~الإيجاب في هذه المواضع ليس إلا ms153 باعتبار الضم في القدر. # قال أبو زيد في آخر المسألة: # (ووجه آخر عن الاستدلال بالنص الحديث المشهور في باب الزكاة في حديث ابن ~~عمر وعمرو بن حزم: ((ليس في أقل من خمس من الإبل السائمة PageV02P036 # الصدقة فإذا كانت خمسا ففيها شاة ثم ليس في الزيادة شيء حتى يكون عشرا ~~فإذا كانت عشرا ففيها شاتان ...)) إلى آخره. # ونحن نعلم قطعا أن الزيادة خمسا على خمس لا يكون كما حال الحول على الأصل ~~ولا تقع جملة فلما أوجب الشرع شاتين بوجود الحول علم أن الضم واجب وكذلك ~~بنت مخاض بزيادة خمس بعد العشرين). # الجواب: # أما التحرير فليس في صورته دليل على الحكم، لأن الخلاف في مستفاد بهذه ~~الصورة وقع فلابد من بيان المعنى. # وأما قولهم: ((إن الجنسية علة الضم)). # قلنا: التعليل بالجنسية فاسد، لأن الضم في الحول إثبات تبعية المستفاد ~~للنصاب الذي عنده، لأنه إذا لم يكن تبعا لم يتصور القول بالضم، لأنه لا ~~يكون ضم المستفاد إلى النصاب أولى من ضمه إلى المستفاد، فدل أن القول بالضم ~~مبني على إثبات التبعية ولا دليل على التبعية، لأن المجانسة لا تدل على ~~التبعية، ويجوز أن يوجد أصلان من جنس واحد والدنيا ملاآء من هذا. # وإنما حد التبع ما ذكرناه، وهو أن يكون قيامه به بوجه، ولا يوجد هذا في ~~مسألتنا على ما سبق. # ويخرج فصل الأولاد على هذا، لأن قيامها كان بالأمهات والآن صار أصلا ~~بذواتها فيجوز أن يقال إنها أتباع، وكذلك الأرباح والذي ذكر من الكلام على ~~علة التفرع فلا يسمع لا ادعينا التبعية محسوسا وعينا فبل الانفصال. # وقولهم: إنها صارت أصولا)). PageV02P037 # قلنا: انفصلت على التبعية إلى أن صارت أصولا بعد تمام الانفصال وإنما لم ~~يسر الوجوب بعد الحول، لأن الوجوب يكون في الذمة فيكف يسرى معنى الذمة في ~~الأولاد؟ # وأما تغير حكم النصاب كان لأن الأولاد قد صارت أصولا بعد الانفصال، ~~والحروف أنها انفصلت حين انفصلت إتباعا فسرى إليها حكم الحول المنعقد على ~~الأصول ولما صارت أصولا بعد الانفصال جاز تغير ms154 حكمها على ما نص عليه الشارع ~~هذا تمشية مع جواب الأصحاب، وقد استدل الأصحاب على تصحيح علة التفرع بمسألة ~~نصوا عليها في الجامع الكبير وهي أنه إذا كان عنده نصابان مختلفان في الحول ~~من جنس واحد فاستفاد مالا يضم إلى أقربهما إلى الحول، ولو كان من ربح ~~أحدهما أو نتاجه يضم إلى أصله وإن كان أبعدهما من الحول بعلة التفرع، ولهم ~~على هذا عذر ذكرته في التعليق، والجواب سهل. # ويمكن أن يجاب بجواب أولى من هذا، وهو أن اعتبار الحول في الأولاد سقط ~~بالحرج، لأن الأولاد يكثر حصولها، وتتفاوت أوقاتها وأزمانها تفاوتا فاحشا، ~~وإذا أوجبنا اعتبار حول كل ولد يحصل من زمان الحصول وكذا كل ربح يحصل من ~~زمان التجارة، وزمان الحصول مع كثرة البياعات واشتغال التجار بها في جميع ~~أوقاتهم، وكثرة الأولاد لكثرة السوائم أدى إلى حرج في نهاية العظم فقسط ~~لاعتبار هذا الحرج. # وهذا لا يوجد في الفوائد من وجوه الإرث والهبات والشراء وغير ذلك لأنه لا ~~يكثر، واستفاد صاحب السائمة زيادة على السائمة بهذه الوجوه يندر ويقل فلا ~~يؤدي على الحرج، وإن ادعوا وجود الحرج على ما ذكروا يكون مجرد دعوى زيادة ~~بلا برهان وهذا الجواب أولى من الأول، وعليه الاعتماد. PageV02P038 # وأما سائر ما قالوه في إثبات التبعية فليس بشيء، ومسالة التعجيل على ~~أصولهم، وقولهم: ((إن الزيادة على أصل يكون وصفا له ويكون كشجرة تطول، ~~وصغير يكبر)). # فهوس، ومن ملك/ خمسا من الإبل ثم بعد شهرين يملك خمسا من الإبل، كيف تكون ~~الخمسة الثانية وصفا للخمسة الأولى؟ # وأما قولهم: ((إن الكل في المعنى واحد)). # قلنا: ولا يجوز أن يكون الغرض والمطلوب من شيئين معنى واحدا ولا يكون ~~أحدهما تبعا للآخر، أليس في المرأتين والهدين، والجاريتين والدابتين يتفق ~~الغرض في كل شيئين من هذه الأشياء ومع ذلك لا يكون أحدهما تبعا للآخر؟ # وأما تعلقهم بضم القدر فهو مندفع بجدال جيد قريب المأخذ سهل المتناول، ~~وذلك لأن الواجب في الصورة التي قالوها يبتني على قدر المستفاد حتى وجب فيه ms155 ~~بقدره، ولم يجب بقدر الأصل، فكذلك الواجب في مسألتنا وجب أن يبتنى على حول ~~المستفاد حتى يجب فيه بحوله ولا يجب بحول الأصل. # يبينه: أن القدر الذي عنده لم يجعل كأن المستفاد مشتمل عليه بالحول ~~المنعقد على ما عنده وجب أن يجعل كأنه حائل على المستفاد. # ثم الجواب معنى: # إن المال قد كثر بالمستفاد فإذا كثر قدرا يكثر الواجب ثم يكون الواجب في ~~الأصل بقدره وفي الزيادة بقدرها. PageV02P039 # فإن قالوا: ((لم لا يعتبر وجود قدر كأصل في المستفاد يعني النصاب)). # قلنا: أما في الدراهم والدنانير سقط بالنص فإن النبي عليه السلام قال: ~~((وفيما زاد فبحسابه)). # وأما السوائم فلأن النصاب المعهود اعتبر في السوائم ليصير غنيا بالغنى ~~الشرعي ويصير محلا لوجوب الزكاة عليه ثم توجب الزكاة عليه إذا كما نصاب ~~بالزيادة مثل الصورتين اللتين قالوهما في أمثال ذلك. # لأن إخلأهما عن الواجب لا يمكن وقد كمل بها نصاب شرعا غير أنا أوجبنا ~~بقدرها، ولم يثبت الضم الذي ظنوه، ولم يوجب في الزيادة إذا لم يكمل بها ~~النصاب، لأنها في الشرع وقص، والوقص حقيقة ما خلا من الوجوب الزائدة، فهذا ~~وجه الجواب معنى. # وقد أعيا كثيرا من الفحول فليتمسك به وليقارع عليه. # وقد أورد بعضهم على الضم قدرا فصل الجمعة، ولست أرى الاعتماد عليها لوجوه ~~ذكرتها في التعليق. # وأما الخبر الذي تعلقوا به فالخبر صحيح. # ووجه تعلقهم في هذه المسألة ضعيف، لأن الخبر وارد لبيان مقادير الواجبات ~~في مقادر النصب على الإطلاق من غير تعرض لمحال التفاصيل، فإذا جاءت ~~التفاصيل فيطلب الدليل من موضع آخر وقد ذكرنا. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P040 ### || AUTO (مسألة) # صغار الغنم تجب فيها الزكاة # عندنا. # وعندهم: لا تجب. # وقول أبي يوسف مثل قولنا. # لنا: # إن الزكاة على التوقيف ولم يرد التوقيف فيها إلا بذكر عدد من جنس مخصوص ~~مثل خمس من الإبل، وأربعين من الغنم، وثلاثين من البقر، ثم ورد بناء الواجب ~~عليه، واسم الجنس يشتمل على الصغار والكبار والعدد المسمى يؤخذ في الكل ~~فوجب إثبات الواجب على كل ms156 حال. # يبينه: أن السن صفة مثل صفة المرض والصحة والهزال والسمن ثم رأينا أن هذه ~~الصفات غير معتبرة بل إذا وجد العدد المذكور من الجنس المذكور وجبت الزكاة ~~على أي صفة كان الجنس، كذلك صفة السن تلحق بسائر الصفات، ولا ينظر إلى أي ~~سن كان الجنس الموجود. PageV02P041 # وقد استدل الأصحاب بالكبار والصغار والمختلط بعضها ببعض فإنه تجب فيها ~~الزكاة بالإجماع، وقالوا: كل نوعين يجب الزكاة فيهما عند اختلاط أحدهما ~~بالآخر يجب في كل واحد منهما على الانفراد وتمام العدد منه. # دليله: الضاينة والمعز والجواميس والبقر. # وأما حجتهم: # قالوا: نقصان السن نقص يمنع وجوب السن المنصوص عليه فيمنع وجوب الزكاة أصلا. # دليله: نقصان العدد. # يبينه: أن الفرض تارة يتغير بالسن وتارة يتغير بالعدد بدليل فرائص الإبل ~~والبقر لما كان النقصان من حيث العدد مانعا من وجوب الزكاة في الجملة فيكون ~~النقصان من حيث السن كذلك أيضا. # ومعتمدهم: هو أن الزكاة على التوقيف وقد ورد التوقيف بوجوبه على ترتيب ~~مخصوص، ومعنى هذا أن في الإبل يبتدؤن بالغنم ثم تجب بنت مخاض ثم ينتقل من ~~بنت المخاض إلى بنت اللبون ثم إلى الحقة ثم إلى الجذعة على ما عرف. # وأما البقر فيجب التبيع ثم المسنة ثم تستقر الأوقاص على عدد PageV02P042 # معلوم، والواجب على ......... سن معلوم ففي كل موضع أمكن الإيجاب على هذا ~~الوجه أوجبنا وإلا لم نوجب أصلا، لأن الأصل عدم الوجوب. # يدل عليه: أن عندكم يجب في خمس وعشرين من الفصلان فصيل ثم بعد/ ذلك لا ~~يجب حتى يبلغ العدد ستا وثلاثين فيجب حينئذ فصيلان ثم بعد ذلك إلى مائة ~~وعشرين فتجب ثلاث من الفصلان. # فنقول: الشرع ورد بزيادة واجب على واجب إذا وجد زيادة نصاب على نصاب ~~ونعني بذلك وجوب بنت لبون وحقة وجذعة عند وجود ستة وثلاثين، وستة وأربعين، ~~وإحدى وستين، ففي الفصلان زيادة النصاب لا عمل لها في زيادة الواجب حتى إنه ~~يجب في ستة وثلاثين من الفصلان مثل ما يجب في خمس وعشرين، وكذلك في ستة ~~وأربعين وإحدى ms157 وستين، فنقول: كل ما لا تعمل زيادة النصاب فيه في زيادة ~~الواجب لا يعمل النصاب فيه في أصل الواجب، وإن شئت استدللت عكسا فقلت: لو ~~كان أصل النصاب يؤثر في أصل الواجب لكان زيادة النصاب يؤثر في زيادة الواجب ~~كالكبار، وعلى العكس منه كل جنس لا زكاة فيه. # وقالوا: وخرج على ما قلنا المرضى والهزال، وخرج أيضا إذا اجتمع الصغار مع ~~الكبار فإن في هذه الصورة إنما يجب في الكبار على الترتيب الوارد من غير ~~تغيير بخلاف مسألتنا. PageV02P043 # الجواب: # إن قولهم: ((هذا النقصان يمنع وجوب السن المنصوص عليه))، فقد منع بعضهم ~~على الإطلاق هذا وقال: يجب في الصغار ما يجب في الكبار وهو قول زفر من ~~أصحابهم وهو القول الأول لأبي حنيفة رحمة الله عليه وإن كان قد رجع عنه. # ثم وإن سلمنا أنه لا يجب في الصغار ما يجب في الكبار فنقول: إنما كان ~~كذلك لأنا إن أوجبنا ما أوجبنا في الكبار أدى إلى ضرر عظيم بأرباب الأموال ~~وإجحاف بهم، والشرع ورد بإيجاب الزكاة على نظر يشتمل من الجانبين فلا يجوز ~~تركه في أحد الجانبين، والحمل عليه بالكلية فعلى هذا نقول: وجد سبب الوجوب ~~بوجود العدد من الجنس المخصوص فلا يمكن الإسقاط لما بينا من الدليل. # وحرفنا فيه: وهو أن الشرع ذكر العدد والجنس ولم يتعرض للوصف فالتعرض له ~~في أصل الإيجاب اعتراض على الشرع، ثم قام دليل آخر وهو منع الشرع من ~~الإجحاف بأرباب الأموال بدليل أنه أمر بالوسط، ونهى عن أخذ كرائم أموال ~~الناس فقام الدليل على أصل الوجوب فقلناه به واعتقدناه، وقام الدليل على ~~المنع من الإجحاف بأرباب الأموال يمكننا أن نوجب الأسنان المنصوص عليها ~~فأوجبنا فيها من جنسها فعملنا بالدليل في الطرفين، فعملنا بالدليل القائم ~~على أصل الوجوب، وعملنا بالدليل المانع من الإيجاب على وجه يضر بأرباب ~~الأموال، والعمل بالدليل بقدر الممكن واجب فعلى هذا نوجب في السخال سخلة ~~ولا نغير هنالك في الفرض إلا بالعدد فلم تغير إلا بالعدد. PageV02P044 # وأما في الإبل والبقر فيعتبر ms158 قدر الإمكان فنوجب في خمس وعشرين من الفصلان ~~فصيلا لقرب قيمته من بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين فصيلا يقرب قيمته من بنت ~~لبون، وكذلك في ستة وثلاثين، وفي ستة وأربعين أو يعتبر أربعا متقاربا في ~~القيمة للفصلان التي توجبها في هذه المواضع. # وعلى أنا إن قلنا إنه يجب شيء واحد في خمس وعشرين، وست وثلاثين وست ~~وأربعين وإحدى وستين على معنى أنه يجب في الكل فصيل فصيل، فلأنه لا يمكن ~~إيجاب غير ذلك، ولو أمكن لفعلنا. # وأما إخلا المال من أصل الواجب مع كونه على الوصف الذي بينا فمحال. فهذا ~~هو الجواب عن معتمدهم وهو جواب حسن جيد خارج على المذاهب فليعتمد عليه. # وأما تعلقهم بنقصان العدد، فليس بشيء، لأنه دخل الجواب عنه فيما قلناه، ~~ويمكن التعلق في الجواب الذي ذكرناه عن معتمدهم بالمرضى والهرمي، فإنه يجب ~~واحد منهما، ولا يجب الوسط المعهود، لأن في إيجاب الوسط المعهود إجحافا ~~وإضرارا برب المال فأوجب الواحد من النصاب وإن لم يكن وسط بل كان من رذال ~~المال، وكان المعنى أن الكل رذال فلم يمكن إخلاؤه من الواجب مع وجود النصاب ~~المعروف، ولم يمكن إيجاب الوسط المعهود لتضمنه الإجحاف برب المال، فعملنا ~~بالدليل بقدر الممكن، وهو العمل بأصل الإيجاب والرضا بالواحد من الموجود، ~~كذلك ههنا، والله أعلم. # * * * PageV02P045 ### || AUTO (مسألة) # الخلطة الصحيحة بشرائطها مؤثرة في الزكاة # عندنا. # وبيان التأثير أن الخليطين يصدقان ماليهما صدقة المال الواحد للمالك ~~الواحد وإن كان نصب كل واحد من الخليطين ناقصا عن النصاب وذلك بعد أن صحت ~~الخلطة واتصل بها شرائطها ........ المعهودة في الشرع على ما عرف في ~~المذهب. # وعنده: لا تأثير للخلطة أصلا، وحكم كل واحد من الخليطين عند الاختلاط مثل ~~حكمة عند الانفراد بلا فرقان، حتى لو كان/ ملك كل واحد منهما قاصرا على ~~النصاب لم يجب شيء أصلا، وإن كان ملك PageV02P046 # أحدهما قاصرا والآخر كاملا يعتبر حالهما بحاليهما عند الانفراد فيعمل على ذلك. # لنا: # حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms159 - قال: ((لا ~~نفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما ~~يتراجعا بينهما بالسوية)). # الاستدلال: أن الاجتماع والتفرق حقيقة في المكان مجاز في غيره يقال: جمع ~~كذا وكذا إذا قارب بينهما مكانا، وفرق بين كذا وكذا إذا باعد بينهما مكانا. # وإذا ثبت أنه حقيقة في المكان فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين ~~المجتمع في المكان مخافة الصدقة، وذلك لا يكون إلا على أصلنا حيث نقول: إن ~~المجتمع في المكان تجب فيه الزكاة وإذا تفرق سقطت فيكون النهى منصرفا إلى ~~المالكين مخافة أخذ الساعي على الصدقة. PageV02P047 # وأما قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) فهو محمول على المتفرق عنه في المكان ~~أيضا، وقد ورد النهي عن جميعه فيكون النهي عن جميعه منصرفا إلى الساعي، ~~وكذا نقول: إذا كان متفرقا في المكان لا يجمع ليأخذ، ويجوز أن يكون قوله: ~~((لا يفرق بين مجتمع)) منصرفا إلى الساعي أيضا، وذلك في ثمانين من الغنم ~~بين رجلين في مكان واحد لا يفرق ليأخذ من كل واحد شاة ثم قال صلي الله عليه ~~وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)). # وهذا أيضا دليل على تأثير الخلطة أخذا على معنى أن للساعي أن يأخذ الواجب ~~من المال الذي بين الخليطين، ويجعل الجميع بمنزلة الواحد ثم يثبت منهما ~~التراجع على ما يوجبه أصل ملك كل واحد منهما، هذا بيان تأثير الخلطة أخذا، ~~والأول دل على تأثير الخلطة وجوبا وسقوطا. # وقد روى الأصحاب في آخر الخبر زيادة وهو أنهم رووا أن النبي عليه السلام ~~قال: ((والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى)). # ولئن ثبت هذا فهو لبيان شرائط الخلطة، وعندكم الخلطة وشرائطها ساقط لغو، ~~وليس لهم للخبر تأويل متضح يستقيم على أصولهم غير أن بعض أصحابهم قال: ~~المراد من التفريق والاجتماع هو في الملك لا في المكان. PageV02P048 # وقالوا: وعندنا المجتمع في المكان لا يفرق، والمتفرق في الملك لا يجمع ~~وليس هذا التأويل بشيء لأنه ترك الحقيقة على ما سبق. # ولأن تفريق ms160 المجتمع ملكان وجمع المتفرق ملكا من الساعي وصاحب الزكاة لا ~~يتصور، اللهم إلا بالبيع أو الشراء، وهذا لا ينهي عنه المالك ولا يتصور من ~~الساعي. # فإن قالوا: لا يفرق مكانا بين المجتمع ملكا ولا يجمع مكانا بين المتفرق ~~ملكا فقد عادوا إلى ما ذكرناه من التفرق والاجتماع في المكان، وإذا حمل ~~عليه بعض الخبر لابد أن يحمل عليه جميع الخبر فصار التعلق بالخبر في هذه ~~المسألة في نهاية الوضوح. # وإن ذكروا خبرا من المنع من إيجاب الزكاة فيما دون النصاب فهو محمول على ~~حال الانفراد وبه نقول. # وإنما الكلام في حكم الخلطة وقد ورد فيه لفظ خاص من صاحب الشرع يدل على ~~تأثيرها على ما سبق. # وأما الكلام من حيث المعنى: # فالكلام فيه عسر جدا، والذي يمكن أن يعتمد عليه هو أن السائمة بين ~~الخليطين سائمة واحدة وقد بلغت عدد النصاب، والمالكان من أهل الوجوب عليهما ~~فصارت كما لو كانت لمالك واحد. # وإنما قلنا: ((إن السائمة واحدة))، لأن السائمة إنما صارت سائمة بمعاني ~~من المراح والمرعي والمسرح والبئر والفحل والراعي وغير ذلك، فإذا اجتمعت ~~هذه المعاني صارت السائمة مجتمعة وجعلت كسائمة واحدة لمالك واحد. # يدل عليه: أن الشرع لم يعتبر إلا بلوغ السائمة عددا معلوما فإذا وجد PageV02P049 # ذلك العدد، ووجد وصف السوم فقد تم السبب فلم ينظر إلى اتحاد الملك أو تعدده. # يبينه: أن القياس الكلي أن الواجب إذا تعلق بعدد يتعلق أبعاض ذلك الواجب ~~بأبعاض ذلك العدد، ونعني بهذا أنه إذا وجب في أربعين شاة واحدة منها يتعلق ~~بعشرين نصف شاة إلا أن الشرع لم يوجب عند التفرد يملك نصف النصاب نظرا ~~لأرباب الأموال، فإن السائمة إذا قل عددها كثرت مؤنتها وقل رفقها فيكون في ~~إيجاب الزكاة فيها إضرارا وإجحاف برب المال فسقط الواجب بنوع نظر، فإذا بلغ ~~العدد المسمى في النصاب وإن كان لجماعة واتفقت الخلط بشرائطها خفت المؤنة ~~خفة بينة وكثر الرفق فزال المعنى الذي كنا نعتبره في إسقاط الواجب فقلنا ~~بالوجوب ورجعنا إلى الأصل الكلي، الذي ms161 قدمناه، ولم ننظر إلى اتحاد المالك ~~أو تعدده، لأنه ليس في اتحاده أو في تعدده معنى يؤثر/ في الوجوب أو السقوط ~~فهذا المعنى الذي قلناه نهاية ما يمكن التعلق به من حيث المعنى وهو وجه حسن ~~يمكن تمشيته فليعتمد عليه. # وأما حجتهم: # قالوا: ملك كل واحد منهما قاصر على النصاب فلا تجب عليه الزكاة. # دليله: إذا كان منفردا، وهذا لأن كمال النصاب جزء ابتداء الوجوب فلا ~~يتصور وجوب قبل ملكه نصابا كاملا. # يبينه: أنه ولو وجب الزكاة قبل تمام ملك النصاب سقط اعتبار النصاب، وحين ~~اتفقنا على اعتبار النصاب دلنا ذلك أن الملك قبل تمامه بمنزلة العدم. # قالوا: وأما قولكم: ((إن المؤنة قد خفت بالخلطة)). # قال: ((خفة المؤونة بناء على وجود النصاب أولا فما لم يوجد النصاب أولا ~~فما لم يوجد النصاب PageV02P050 # لا تعتبر خفة المؤنة، فإن الواجب بالشرع عرف، والشرع اعتبر عدد النصاب ~~ووصف السوم فما لم يوجد كل واحد منهما لا يوجد الوجوب. # وحرفهم أنهم يقولون: نحن لا ننكر أن الخلطة تفيد خفة المؤنة من وجه لكن ~~زيادة خفة المؤنة بالخلطة كأصل خفة المؤنة بالسوم، ثم أصل خفة المؤنة لا ~~تعتبر إلا في نصاب كامل، كذلك زيادة خفة المؤنة لا تعتبر إلا في نصاب كامل. # وقالوا أيضا: إنكم جعلتم خفة المؤنة سببا لنقصان الواجب فإنكم قلتم: لو ~~ملك رجلان ثمانين من الغنم وحصلت بينهما خلطة تجب عليهما شاة واحدة، ولو لم ~~تكن هذه الخلطة لوجبت على كل واحد منهما شاة كاملة. # قالوا: وأما تعلق مشايخكم من جواز أخذ الساعي حقه من عرض الغنم وإن كان ~~قد وجب على أحدهما ولم يجب على الآخر. # وذلك في صورة ستين من الغنم بين رجلين لأحدهما أربعون وللأخر عشرون، ~~وإنما جوزنا ذلك، لأن الساعي يلحقه الحرج في طلب القسمة بينهما ثم بناء ~~الأخذ عليه فلأجل دفع الحرج أطلقنا له الأخذ من عرض الغنم ثم يثب بينهما ~~التراجع عند قسمة المأخوذ على النصبين. # وربما يقولون: أطلقنا الأخذ لأجل النص وهو قوله عليه السلام: ms162 ((وما كان ~~من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية)). # وهذا مطلق الأخذ مثبت للتراجع. # وأما أبو زيد فقد قال في هذه المسألة: ((إن كل واحد منهما فقير فلا تجب ~~عليه الزكاة، والدليل على الفقر حل الصدقة، وزعم أن الفقير PageV02P051 # لا يكون محل وجوب زكاة بحال، والغنى لا يكون محل حل الزكاة بحال، وهذه ~~طريقة يأتي شرحها في مسألة زكاة المديون. # الجواب: # أما قولهم: ((إن ملك كل واحد منهما قاصر عن النصاب)). # قلنا: ولم قلت لا تجب الزكاة إذا كان ملك كل واحد منهما قاصرا عن النصاب ~~فإن تعلق بحال الانفراد فقد ذكرنا أن سقوط الزكاة في حال الانفراد كان على ~~جهة النظر لرب المال ولدفع الضرر عنه، وهذا المعنى معدوم في حال الاختلاط، ~~وإن تعلق بالمعنى وقال: لما كان ملك كل واحد منهما قاصرا عن النصاب فهو ~~فقير فلا تجب عليه الزكاة، فهذه طريقة يأتي الجواب عنها في مسألة المديون، ~~وعلى الفور تبطل بابن السبيل فإنه فقير بدليل حل الصدقة له ومع ذلك تجب ~~عليه الصدقة، ثم نقول: ملك كل واحد من الشريكين وإن كان قاصرا عن النصاب ~~لكن النصاب في نفسه كامل، والسائمة واحدة، والعبرة بوجوب نصاب كامل من ~~السائمة سواء أكان لواحد أو لاثنين. # يبينه: أنه لما كانت السائمة واحدة بإجماع شرائط الخلطة واتحادها وجب ~~الإعراض عن اتحاد المالك وتعدده لمعنيين: # أحدهما: فلأن الشرع لم يعتبر إلا وجود السائمة بعدد معلوم وقد وجد فما ~~وراء ذلك فهو ساقط العبرة. # وأما الثانية: فلأنه ليس في تعدد المالك معنى يمنع الوجوب سوى النظر له ~~وحين صارت السائمة واحدة، واتحدت شرائطه الخلطة، وخفة المؤنة على ما سبق ~~وجب النظر لجانب الفقراء، ومن النظر لهذا الجانب هو الإعراض عن اقتران ~~المالكين لاعتبار اتحاد السائمة وجعلها كأنها لمالك واحد. PageV02P052 # وقولهم: ((إن خفة المؤنة بعد وجود نصاب كامل في نفسه)). # قلنا: قد ذكرنا أن اعتبار نصاب كامل عند الانفراد كان لمعنى لا يوجد ذلك ~~المعنى عند الخلطة. # وقولهم: ((إن أصل خفة المؤنة بالسوم لم يعتبر إلا ms163 في نصاب كامل)). # قلنا: قد كثرت المؤنة في تلك الصورة لاحتياج كل واحد إلى مسرح ومراح وبئر ~~وراع وغير ذلك على الانفراد، وهذه الأشياء لابد فيها من تحمل مؤن بخلاف حال ~~الخلطة فإنه يوجد الاكتفاء بواحد من هذه الأشياء فتخف المؤنة)). # وقولهم: ((إن عندكم خفة المؤنة عملت في الإسقاط لا في الإيجاب)). # قلنا: قد صارت السائمة واحدة وجعل كأنها لمالك واحد، ثم إذا ثبت هذا ~~فحينئذ يكون حكمها ما يكون/ حكمها حال الانفراد فيجب في موضع الوجوب ويسقط ~~في موضع السقوط. والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P053 ### || AUTO (مسألة) # تجب الزكاة في مال الصبيان والمجانين # عندنا. # وعندهم: لا تجب. # إن الزكاة حق الفقير يجب بسبب ملك المال، وملك الصبي والمجنون مثل ملك ~~البالغ فتجب عليه، كما تجب على البالغ. # يبينه: أن السبب إذا تحقق للواجب، وكانت الذمة محتملة لوجوبه لم يمتنع ~~الوجوب بحال فقد تحقق في مسألتنا، وهو ملك المال على ما سبق. # وذمة الصبي محتملة للوجوب بدليل الغرامات والنفقة، وسائر مؤن المال تجب ~~عليه كما تجب على البالغ، فأشبه الصبي البالغ في هذا الباب ولم يقع بينهما ~~الفرق بوجه ما، فإذا وجب على أحدهما وجب على الآخر. # والدليل على أن الزكاة حق الفقراء قوله تعالى: {إنما الصدقات PageV02P054 # للفقراء}، ولا كلمة أبلغ من هذا في إثبات حق الفقراء، وهو مثل قول ~~القائل: ((ثلث مالي بعد موتي للفقراء)). # وقال تعالى: {أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}. # ولأن الواجب هو التمليك، والحق في التمليكات لمن يقع له الملك. # دليله: سائر التمليكات. # يبينه: أن التمليك من الله تعالى لا يتصور، لأن الأشياء لله تعالى قبل ~~التمليك وبعد التمليك على وجه واحد، وأيضا فإن التمليك هو نقل الملك الذي ~~للعبد في شيء إلى غيره، والملك الذي يكون للعبد لا يكون العبد من أهله ~~بحال، وقد وجب التمليك في مسألتنا، وهو نقل الملك الذي للعبد، فإذا لم ~~يتصور أن يكون من الله تعالى علمنا قطعا أنه حق العباد وهم الفقراء. # يدل عليه: أن الأملاك ثابتة للعباد لنفع العباد، ms164 والنفع للفقراء في ~~الصدقات فيكون الحق لهم، والله تعالى يجل عن الانتفاع بشيء أو التضرر بشيء، ~~فإذا وجب المال الذي يتطلب به النفع كان حقا لمن له النفع، فهذه كلمات في ~~نهاية الوضوح، وتبين أن الزكاة حق الفقراء فصارت مؤنة مالية وجبت بملك ~~المال ومؤن المال يتبع وجوبها المال كسائر المؤن، وأحسن ما يتعلق به العشر ~~وصدقة الفطر، فإنهما لما كانا من المؤن المالية تبعا المال، فسواء وجد ذلك ~~للبالغ أو للصبي أو المجنون اتصل به الوجوب، كذلك ههنا. PageV02P055 # وقد تعلق الأصحاب بالعشر وصدقة الفطر ابتداء، وقاسوا الزكاة عليهما ~~بطرديات ذكروها، ووجه التعلق بهما بطريق التحقيق هو ما قدمنا. # وأما حجتهم: # قالوا: عبادة محضة فلا تجب على الصبي والمجنون. # دليله: الصلاة والصوم والحج، وهذا لأن الصبي ليس من أهل وجوب العبادات ~~عليه، والشيء لا يجب إلا على أهله، والدليل على أنه ليس بأهل لوجوب العبادة ~~عليه، أن العبادة ابتلاء من الله تعالى لعبده ليظهر من يطيعه ممن يعصيه، ~~ولا يتصور ابتلاء العبد إلا في فعل العبد، فأما الذي لا فعل للعبد فيه فلا ~~يتصور ابتلاءه به، لأن الابتلاء اختبار وامتحان، والإنسان يمتحن بما فعله، ~~ولا يمتحن بما يفعله غيره. # وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: ابتلاء الصبي بالعبادة لا يجوز، لأنه إن ابتلى ~~بفعله ففعله غير معتبر، وإن ابتلى بفعل الولي فلا يجوز أن يبتلى الإنسان ~~بفعل غيره، اللهم إلا أن يكون ذلك الغير يفعله بأمره فيقوم فعله مقام فعله ~~لأمره إياه، فأما إذا كان فعله الغير عليه قهرا وجبرا فلا يتصور ابتلاؤه ~~وامتحانه بذلك. # قالوا: وعلى هذا خرج البالغ إذا أمر غيره بأداء الزكاة عنه، لأنه إن كان ~~يؤدى عنه بأمره تحقق معنى الابتلاء والامتحان، وقد حد بعضهم العبادة فقال: ~~هو فعل يفعله العبد على وجه التعظيم لمعبوده باختياره وإرادته ويشتمل ~~الأجرية على ابتلائه وامتحانه. ثم استدلوا على أن الزكاة PageV02P056 # عبادة محضة بقوله عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس ...))، وذكر فيه ~~((الزكاة)). # وبالحديث الثاني: وهو سؤال جبريل صلوات الله عليه ms165 النبي عليه السلام: ~~((ما الإسلام؟ فقال: أنتشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة ~~....)) الخبر. # وإذا كان الإسلام عبادة محضة كان ما يبتني عليه عبادة محضة). # وقال أيضا لما فسر الإسلام بالأوامر التي اشتملت على الزكاة وغيرها ~~فالمفسر والمفسر به يكون كله عبادة. # يبينه: أنه لما كانت هذه الأشياء تفسير الإسلام، أو ما بنى عليه الإسلام ~~يكون مشروعا لما شرع له الإسلام، وإنما شرع ليكون حقا لله تعالى على ~~الخلوص، كذلك هذه الأشياء تكون كذلك. # قالوا: ولأن النعمة/ نعمتان: نعمة بدنية، ونعمة مالية، والشكر لله تعالى ~~فيهما واجب فوجبت الصلاة لتكون شكرا لنعمة البدن، ووجبت الزكاة لتكون شكر ~~نعمة المال، وشكر المنعم حق المنعم فإذا كان أحدهما لله تعالى بوصف العبادة ~~فكذلك الآخر، وأيضا فإنه يتحقق معنى الابتلاء في كل واحد منهما. # أما الابتلاء في الصلاة والصوم بتعب البدن، والابتلاء في الزكاة PageV02P057 # بنقصان المال، وكل واحد منهما بخلاف هوى النفس فحينئذ يظهر من يطيع ربه ~~ممن يعصيه. # قالوا: وإنما افتراق الصلاة والزكاة بجواز أحدهما بالنائب وعدم جواز ~~الآخر، فإنما كان كذلك، لأن الابتلاء في الصلاة والصوم لا يكون بفعل غيره، ~~لأنه يتعب البدن ولا يتعب بدنه ببدن غيره. # وأما الابتلاء في الزكاة يوجد بفعل غيره، لأنه بنقصان المال ونقصان المال ~~بفعله وفعل غيره واحد إلا أنه مع هذا لابد من فعل منه حتى لو أدى زكاته ~~بغيره أمره لا يجوز بخلاف الديون والغرامات، وإذا لم يكن بد من فعل تحقق ~~معنى العبادة فيه. # وقولكم: ((إن الواجب حق الفقراء)). # لا يصح، لأن الفقر لا يكون علة في استحقاق حق على الغير إنما النعمة من ~~قبل الله تعالى تكون سببا في إيجاب الشكر على العبد، ولأنه لو كانت الزكاة ~~حق الفقراء لكانت حقا خالصا لهم ولم يكن فيه معنى العبادة أصلا. # وقد سلمتم أن فيها معنى العبادة حتى لا يجوز أداؤها إلا بأمر من قبله ~~ليوجد معنى العبادة بوجود فعله. # وقولهم: ((إن الواجب هو التمليك، والتملك حق المتملك)). # قال: (الواجب ms166 هو الإخراج إلى الله تعالى وهو يتولى قبض الزكاة بدليل قوله ~~تعالى: {هو يقبل التوبة عن عباده وياخذ الصدقات}. PageV02P058 # وقال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} والقرض حق المستقرض واقع ~~في قبضه وملكه وملك المستقرض. # وقال عليه السلام: ((إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد ~~الفقير)). # فثبت بهذه الدلائل أن الزكاة حق الله تعالى وهو القابض لها بواسطة يد ~~الفقير فكأن الفقير يأخذ لله تعالى ثم يقبض منه لنفسه صلة أو عوضا عن الرزق ~~الموعود، ونظيره ما لو قال: ((اقض بوديعتي التي لي عندك ما على لفلان من ~~الدين)) فإنه يصير صاحب الدين قابضا له أولا ثم يصير قابضا منه لنفسه، ~~وكذلك لو قال: ((اقض بما لي عليك من الدين ما لفلان على من الدين)). # قالوا: وقولكم: ((إن التمليك من الله لا يتصور)). # قلنا: يتصور، فإن إخراج الملك إلى الله تعالى متصور بدليل الوقف والعتق. # وأما فصل النفع التي قلتم، فنحن حققنا نفع العبد بالوجه الذي قلنا إلا ~~أنه بواسطة قام الدليل على إثباتها. # قالوا: ((وأما صدقة الفطر والعشر)). PageV02P059 # أما صدقة الفطر فعندنا لا تجب على الصبي إنما تجب على الولي بسببه وهو ~~مما يجب على الغير بسبب الغير. # أما ههنا لو وجبت الزكاة وجبت على الصبي، لأنها لا تجب على الغير بسبب ~~الغير، ولأن الوجوب بسبب الملك، والملك للصبي فيكون الوجوب على الصبي، ~~وصدقة الفطر تجب إذا كان يمون رأسا عن ولاية وقد وجد هذا المعنى في حق ~~الابن الصغير، كما يوجد في حق السيد مع العبد. # فإن قلتم: إن صدقة الفطر تجب على الصبي بدليل أنه يخرج عن ماله. # قلنا: يخرج من مال نفسه على قول محمد وزفر، ولا يخرج من مال الصبي بحال، ~~ولو أخرج ضمن، وهو القياس، وإن سلمنا استحسانا، فإنما أخرج من ماله، لأنه ~~وجب بسببه. # وقد قال بعضهم: # إن صدقة الفطر ليست بعبادة محضة، لأنها تشبه النفقات بدليل وجوبها على ~~الغير بسبب الغير فيجب على الصبي لا على ms167 وجه العبادة بل على أنها مؤنة ~~ويصير معنى العبادة تبعا ووجوب تبعية في معنى العبادة لا يمنع وجوبها على ~~الصبي، لأنه في الجملة من أهل العبادة بخلاف PageV02P060 # الكافر، إلا أنها لما وجبت على جهة المؤنة وصار معنى العبادة تبعا جاز أن ~~يؤدي بولاية تثبت جبرا لا باختيار من عليه. # وأما الزكاة عبادة محضة على ما سبق فلم يمكن إيجابها على الصبي لتأدى عنه ~~بولاية لا على وجه الاختيار. # وأما العشر فليس أيضا عبادة محضة بل مؤنة الأرض مثل الخراج على ما سيأتي ~~من بعد هذا إلا أن الخراج ليس فيه معنى العبادة، وأما العشر ففيه معنى ~~العبادة فافترقا حتى يجب الخراج على الكافر ولا يجب العشر إلا على المسلم، ~~وإذا وجب على أنه مؤنة الأرض فيجب على الصبي كما تجب سائر المؤن. # قالوا: ولهذا أوجبنا العشر والخراج في أرض المكاتب والأرض الموقوفة. # وهذا لأن الأراضي لا تكون محفوظة على ملاكها إلا بحفظ الإمام وحمايته ~~فكأن الله تعالى جعلها للعبادة كمؤنة أوجبها عليهم للمقاتلة تارة وللفقراء ~~تارة لتصير محفوظة بالإمام على صاحبها وتسلم له منافعها ولم يمكن إيجابها ~~على طريق التعبد المحض ابتلاء واختيارا، وأما سائر الأموال فمحفوظة بأيدي ~~أربابها/ فلا يحتاج إلى مؤنة يلتزمها ليحفظها الإمام عليه فكان إيجاب ~~الزكاة محض تعبد على وصف الابتلاء كما سبق بيانه فلم يستقم إيجابها على ~~الصبي على ما ذكرنا. # الجواب: # أما قولهم: ((الزكاة عبادة محضة)). PageV02P061 # يقال لهم أولا بطريق الجدل: لم لا يجوز إيجاب العبادة المحضة على الصبي؟ ~~فإن تمسكوا بالصوم والصلاة فسنجيب عنه، وإن تعلقوا بقولهم: ((إن العبادة لا ~~تحقق من الإنسان إلا بفعل يوجد منه)). # قلنا: نعم، ولكن يجوز أن يقام فعل غيره مقام فعله فيها ويجعل كأنه الفاعل ~~لها. ألا ترى أنه لو أمر البالغ غيره بأداء الزكاة جاز وقام فعل النائب ~~مقام فعله، وليس لهم على هذا إلا قولهم إن الاستنابة هناك كان باختيار من العبد. # لذلك نقول: العباد في فعل الشيء لا في الأمر به، ولكن قام فعل ms168 النائب ~~مقام فعله فتحقق معنى العبادة، كذلك ههنا يقوم فعل الولي مقام فعل الصبي ~~فيتحقق معنى العبادة، وهذا لأن المقصود من الأمر في كل موضع نفس وجود ~~المأمور به، والمأمور به إخراج مال عن مال من عليه فإذا أطلقنا إخراج ~~الزكاة من ماله سواء أكان بأمره أو بأمر الشرع أفاد الأمر، وإذا أفاد الأمر ~~صح ونفذ. وأما الابتلاء لحكمة الأمر وصحة الأمر لا يكون به بل بإمكان ~~المأمور فحسب، فإذا أمكن المأمور صح الأمر، فهذا جواب من حيث المجادلة في ~~نهاية الحسن. # وأما الجواب من حيث الفقه بالمنع على ما سبق: # وحقيقته أن الزكاة حق الفقراء، ومعنى العبادة تبع مثل العشر وصدقة الفطر ~~على ما سلموا، وإنما جعلنا حق الفقراء الزكاة حق الفقراء وأثبتنا فيها معنى ~~العبادة بحسب قيام الدليل، لأن الدليل قد قام بكونها حقا للفقراء على ما ~~سبق، وقام الدليل أيضا بثبوت معنى العبادة فيها، لأنها لما وجبت ابتداء، ~~وقد اشتملت على شكر نعمة المال وفعلها بطلب التقرب إلى الله تعالى وتحصل ~~رضاه كانت قربة، والعبادات قرب فتضمنت معنى العبادة من هذا الوجه ونظيره ~~العشر. PageV02P062 # وأما دلائلهم على أنها عباده محضة: # أما الخبران الأولان فنقول: هذه الأشياء مباني الإسلام اعتقاد وجوب، ~~وكذلك هي الإسلام باعتقاد الوجوب إلا أن تخصص هذه الأشياء كانت تشريفا لها، ~~لأنها وجبت ابتداء من قبل الله تعالى من غير فعل سبق من العبد، وليس في ~~جملة الأوامر من البدنية والمالية ما وجب ابتداء من قبل الله تعالى على ~~العبد إلا هذه الأشياء، وهي مثل الإسلام وجب ابتداء من قبل الله تعالى على ~~العبد ثم كون بعضها عبادة محضة أو حقا للآدمي يكون بدليل يقوم عليه. # وأما قولهم: ((إن الزكاة شكر نعمة المال)). # قلنا: وكونه للفقراء لا ينفي شكر نعمة المال، لأن شكر نعمة العبد لربه في ~~امتثال أمره، وذلك يوجد سواء أكان الحق لله أو للفقير وعلى أنا جعلنا فيها ~~معنى العبادة بهذا السبب على ما سبق. # وأما الصلاة والصوم لم يكن عبادة، لأنها ms169 شكر نعمة بل بدليل آخر: # وهو أن الصلاة محض تقرب إلى الله تعالى بالتخشع والتذلل، ومحض تعظيم له، ~~ومثل هذا لا يستحقه سوى الله تعالى بل لا يجوز لغيره بحال. # أما في مسألتنا فالزكاة محض تمليك، وقد بينا أنه لا يصلح أن يكون حقا لله ~~تعالى على الخلوص. # يبينه: أن الصلاة لما كانت عبادة محضة لله تعالى لم يتصور أن يكون جنسها ~~ومثلها للعبد، وفي مسألتنا قد تصور جنس الزكاة حقا للعبد بدليل العشر وصدقة ~~الفطر، دل على انقطاع المشابهة. # وكذلك الحج خارج على هذا. # وقد أجاب المشايخ عن الصلاة والصوم بالتفريق بالبدلية والمالية. # وقالوا: بدن الصبي ناقص ويكمل بالبلوغ وماله كامل من غير نقصان PageV02P063 # ولهذا أثر السفر الذي يشعر بالمشقة بدنا في الصلاة والصوم ولم يؤثر في ~~المال وهذا أحسن، إلا أنه على تسليم أن الزكاة عبادة محضة، فأما على ~~الطريقة التي اخترناها بالتخريج بما قلنا، والحج قد خرج أيضا على ما ~~ذكرناه، وعلى طريقة المشايخ هو عبادة بدنية ويؤدي بالبدن وإنما انقلب في حق ~~المغصوب إلى المال لعارض عجز فلا يعتبر ذلك مثل ما لا يعتبر انتقال الصوم ~~إلى المال بعارض العجز، ولأنه يؤدي بدنا بكل حال، فإن النائب يؤديه بالبدن، ~~لكنه استوجب عليه المال، وأما الزكاة تؤدي بالمال فانقطعت الشبهية بكل وجه، ~~والمعتمد ما سبق. # وأما قولهم: ((لا سبب ليجب الحق على الفقراء)). # قلنا: وجب ابتداء من قبل الله تعالى لا يطلب له سبب مؤثر، وعلى أن ~~المواصلة دينا سبب لهذه الصلة، والمواصلات تصلح سببا لإيجاب الصلات. وأما ~~ما ذكروا من الاعتراض على قولنا: ((إن التمليك من/ الفقير من أنه مخرجها ~~الزكاة مخرجها إلى الله تعالى ثم إلى الفقير)). # فنقول: هذا إثبات ترتيب لا يدل عليه نص ولا معنى، بل النص والمعنى دليلان ~~على أنها حق العباد ابتداء على ما ذكرناه، وما ذكر من الكتاب والخبر، ~~فالمراد من ذلك تحقيق القبول من الله تعالى، فأما أن تملك من الله تعالى ثم ~~الفقير يملكه من قبل الله تعالى ms170 بالرزق الموعود، فهذا شيء لا يعرف. # وأما قولهم: ((إنه إخراج إلى الله تعالى)). # قلنا: ليس الواجب إلا التمليك ولا يعرف للإخراج معنى سوى هذا، PageV02P064 # وقد بينا أن التمليك لا يتصور إلا من العبد، وعلى أن الرزق الموعود الذي ~~قالوه يوجد إيصاله إلى العباد بإيجاب الحق للفقراء ابتداء فلا حاجة إلى أن ~~يجعل لله ثم يجعل للعبد على الوجه الذي قالوه. # وأما العشر وصدقة الفطر ففي نهاية اللزوم، والعذر في نهاية الضعف وقد ~~جعلا عبادة في اعتبار فعل العبد حتى لو أدى الأجنبي عن الأجنبي ذلك لا يجوز ~~إلا بأمره، ومع ذلك قد تأديا بولاية تثبت قهرا وجبرا على الصبي والمجنون. ~~فهذا حرف الإلزام ولا كلام لهم على هذا. وعلى إنا حققنا في جانب الزكاة ما ~~حققوه في جانب العشر وصدقة الفطر وهو كونه حق الفقراء وإدراج معنى العبادة ~~تبعا فاستوى الكل، وصارت في رتبة واحدة على ما سبق. والله أعلم. # وأما الكلام في المسألة من حيث الخبر: # فقد روى الوليد بن مسلم عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وقال: ((ألا من ولى يتيما ~~وله مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)). PageV02P065 # وذكره أبو عيسى في جامعه قال: # (عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سمع شعيب ~~من جده عبد الله بن عمرو قال: ((وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في حديث عمرو ~~بن شعيب وقال: هو واهي، وإنما ضعفه لأنه كان يروي عن صحيفة جده عبد الله بن ~~عمرو، وأما سائر أئمة الحديث فإنهم يحتجون بحديثه ويثبتونه منهم أحمد بن ~~حنبل)، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم. # قالوا: روى وجوب الزكاة في مال اليتيم عن عمر وعلي وعائشة وابن عمر وهو ~~قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P066 ### || AUTO (مسألة) # الدين لا يمنع وجوب الزكاة على الأصح من قولي الشافعي رضي الله عنه # . # وعندهم: يمنع. # لنا: ms171 # إن الزكاة حق مالي لا يمنع الدين من وجوبه. # دليله: سائر الحقوق، وكالعشر إن أسلموا. PageV02P067 # وفقه المسألة: # أن سبب وجوب الزكاة مال بصفة لمالك مخصوص وقد وجد بعد وجود الدين حسب ~~وجوده قبل وجود الدين، ونعني بالمال بصفة هو النصاب النامي، إما بالسوم أو ~~بالتجارة، ونعني بالمالك المخصوص هو الحر المسلم وهذا قبل وجوب الدين وبعد ~~وجوبه واحد لا يختلف، وهذا لأن الدين وجب في الذمة ولا اتصال له بالمال إلا ~~عند قضائه وأدائه فقبل أن يتصل به فعل القضاء يكون المال وصفة الملك فيه ~~على ما كان من قبل وهو كالشقص المشفوع، فإن الملك فيه للمشتري قبل اتصال ~~أخذ الشفيع به على ما كن من قبل للبائع، وكذلك في القصاص فإن عصمة دم من ~~عليه القصاص اتصال الاستيفاء به يكون على ما كان من قبل وجوب القود. # يبينه: أن الوجوب في الذمة ولا تضايق ولا تمانع الذمة فيجوز أن يجب فيها ~~الحقوق الكثيرة وتجتمع فيها من غير تزاحم وتضايق، فإذا جاز أن تجتمع الديون ~~للناس والزكوات لله تعالى، كذلك حقوق الله تعالى من الكفارات وغيرها ~~والديون، جاز أن تجتمع أيضا الزكوات والديون، لأنه لا تزاحم في المحل ولا ~~تنافي في الأهلية فاستوى الكل في الوجوب. # وأما حجتهم: # قالوا: ((المديون فقير فلا تجب عليه الزكاة كسائر الفقراء)). # والدليل على أنه فقير أنه يحل له الصدقة مع تمكنه من ماله وحل الصدقة ~~دليل الفقر بدليل قوله عليه السلام: ((لا تحل الصدقة لغنى ولا لقوى ولا ~~مكتسب)). PageV02P068 # ولقول معاذ حين صار إلى اليمن: ((أمرت أن آخذ الصدقات من أغنيائكم وأردها ~~في فقرائكم)). # ولأن علة استحقاق الصدقة هو الفقر بدليل قوله تعالى: {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين ....}، هذا هو أصل العلة، وسائر الأسباب المذكورة لبيان ~~جهات الفقر أو أسباب الحاجة. # فثبت أن حل الصدقة دليل الفقر. # يبينه: أن ماله بمنزلة المعدوم لاستحقاقه بالدين، ألا ترى أنه يحبس ~~ويطالب لاستحقاق الغرماء لذلك، وعندكم يباع ماله ويقضي منه دينه ويحكم ~~بإفلاسه وإذا مات يموت بمنزلة الفقراء/ ms172 المعدومين لا تقسم ورثته درهما ولا ~~دونه، فدل أنه فقير حقيقة وحكما، والفقير لا زكاة عليه، لأنه لا يليق بحكمة ~~الشرع أن يلزمه إغناء الغير بإحواج نفسه، ولأن نفسه أهم إليه من غيره فإذا ~~كان هو نفسه تصرف إليه الزكاة فكيف تجب عليه الزكاة؟ وترك ما في يده عليه ~~أولى من أخذه ورد مال غيره إليه. # وربما يقولون بوجه آخر: # وهو أن مال المديون مشغول بحاجته فلا تجب عليه فيه الزكاة. # دليله: عبيد الخدمة وثياب المهنة، ونعني بالحاجة حاجة قضاء الدين بل PageV02P069 # حاجة قضاء الدين أهم من حاجة اللبس والركوب، لأن تلك الحاجة يجوز التجاوز ~~عنها وتزحية الوقت بما يدفعه، وهذه الحاجة لا يجوز التجاوز عنها بحال بل ~~يجب تقديمها ويحرم التغاضي عنها، فإن قلتم: ((إن إعداد ماله للسوم والتجارة ~~دليل عدم الحاجة)). # فنقول: اشتغال ذمته بالدين دليل الحاجة فتعارض ظاهران، والأصل عدم الوجوب ~~فلم يجب. # قالوا: ولا يلزم على الطريق الأول مسألة ابن السبيل والعامل حيث يحل لهما ~~الصدقة وتجب عليهما الزكاة. # أما ابن السبيل فهو فقير يدا غنى ملكا فصار كشخصين غنى وفقير فتجب عليه ~~الزكاة لغناء بملكه، وتحل له الصدقة لفقره بيده، أما ههنا فملكه في يده ~~فإذا كان غنيا فلا يتصور أن يكون فقيرا، لأن الغنى والفقر وصفان متضادان لا ~~يجتمعان بحال، لأن أحدهما وصف وجودي والآخر وصف عدمي، فكما لا يجتمع العدم ~~والوجود في شيء واحد لا يجتمع الفقر والغنى أيضا، اللهم إلا أن يتفرق ~~الوجود والعدم في مجلس، كما كان في ابن السبيل. # يبينه: أن عندكم في مسألتنا تحل له الصدقة في حال وجوب إعطاء الزكاة عليه ~~ولا يتصور هذا في ابن السبيل، لأن حال ما يأخذ لا إعطاء عليه. # وأما العامل فمنع بعضهم فقال: لا يجوز إلا أن يكون فقيرا، وليس بشيء، ~~والمذهب التسليم، والأول خرق الإجماع. PageV02P070 # وقالوا على التسليم: أن الذي يأخذه العامل أجرة عمل لا صدقة بدليل أنه ~~يستحق بالعمل إلا أنه لما دخل في سهام الصدقات أشبه الصدقة من وجه ms173 فلم يحل ~~للهاشمي ونزه عنه، لأن حرمة الصدقة عليه على سبيل التنزيه له عن غسالة ~~أوساخ الناس ومن تمام التنزيه أن ينزه عن ما يشبه الصدقة. # وأما الغني فلم تحرم عليه الصدقة على طريق التنزيه له إنما حرم لعدم ~~الحاجة وبالعمل ظهر نوع حاجة إلا أنه لما شغل نفسه وأعوانه بجمع الصدقات ~~فلابد من جامع لها ولابد من كفاية رزق مثل أرزاق القضاة، والأئمة ~~والمحتسبين والمؤذنين وغيرهم الذين يشغلون أنفسهم بأعمال المصالح فحل له ~~أجرة عمل بعمله ولم ينظر في جريانه في سهام الصدقات وكونه غنيا في نفسه، ~~لأن حدوث نوع حاجة له بالعمل قد منع النظر إلى غناء وجريانه في سهام ~~الصدقة. # قالوا: وأما إذا كان له خمس من الإبل مهازيل فإذا أوجبنا عليه الزكاة ~~حرمنا عليه الصدقة. # وأما إذا كان عنده من الفاضل عن ثياب المهنة وأقمشة البذلة ما يبلغ قيمته ~~نصابا لم يحل له الصدقة لغناه، ولم تجب عليه الزكاة لفقد شرط شرعي اعتبر مع ~~الغنا وهو كون النصاب بوصف النما ليندفع الحرج بإيجاب الزكاة ويصير الوجوب ~~بوصف اليسر، فهذه مسائل تمسكتم بصورها وهي خارجة عن المعاني القادمة ~~المؤثرة، وأما القاعدة فهي على حقيقتها في نهاية الوضوح على ما سبق. PageV02P071 # وقد تعلق مشايخهم في هذه المسألة بالحج قالوا: لما منع الدين وجوب الحج ~~فيمنع وجوب الزكاة. # يبينه: أن كل واحد متعلق بالملك، فإذا جعل الملك كالعدم في الحج فكذلك في ~~الزكاة. # قالوا: وأما الدين المظنون فلا يمنع وجوب واحد منهما. # وأما نفقة الأهل للذهاب والرجوع فمتحقق وجوبها حال اشتغاله بالحج فكيف ~~يكون مظنونا؟ وهذا لأن فعل الحج لابد له من مدة ولابد للمدة من نفقة وهذا ~~لا يوجد في الزكاة. # ومنعوا الدين الطارئ في الحكمين. # وأما الدين المؤجل فقد اضطربوا فيه فبعضهم اعتبر نفس وجوب الدين ومنع به ~~الحج والزكاة. # وبعضهم نظر إلى وجود المهلة والفسحة في الحال وسقوط المطالبة. # قالوا: وأما ديون الله تعالى مثل الكفارات وغيرها فلا تمنع الحج ولا ~~الزكاة، والسبب فيه عدم وجود ms174 المطالبة في الدنيا، وإنما نهاية أمرها ~~التأثيم في الآخرة فكأنها واجبة في أمر الآخرة لا في أمر الدنيا، ويقال: ~~وجود الحاجة إلى فعلها للآخرة لا للدنيا فلم يصر المال مشغولا بتلك الحاجة ~~حتى/ يكون اشتغاله بحاجته مانعا من وجوب زكاته بخلاف مسألتنا على ما سبق. # قالوا: وأما العشر فيمنعه الدين في إحدى الروايتين، وإن سلمنا فهو مؤنة ~~من مؤن الأرض، ويجب على الفقراء والأغنياء جميعا كالخراج، وقد أدى كثير من ~~مشايخهم في هذه المسألة نقصان الملك بالدين ودليل النقصان كون الدين إذا ~~اتصل به القضاء إيفاء في جانب من عليه واستيفاء في PageV02P072 # جانب من له، ووصف الإيفاء والاستيفاء دليل على سبق الاستحقاق، والمستحق ~~للغير ناقص الملك في حق مالكه في الحال. # ويدل عليه: أن من له الدين إذا قدر عليه، وكان من جنس حقه يأخذ من غير ~~قضاء ولا رضا وإذا أخذه ملكه، فهذا إن كان لا يدل على عدم الملك فلا أقل أن ~~يدل على النقصان. # قالوا: وأما الأخذ بالشفعة فلابد فيه من قضاء أو رضا فيأخذ حكم التمليك ~~المبتدأ. وقال بعضهم: إيجاب الزكاة على المديون يؤدي إلى إيجاب الزكاة بسبب ~~مال واحد مرتين أو مرات، وصوروا صورة فهذا مجموعة كلامهم في المسألة. # الجواب: # أما قولهم: ((فقير)). # لا نسلم، بل هو غنى، لأن الغنى بالملك، وقد بينا أن ملكه قبل الدين وبعد ~~الدين واحد، لأن الدين لا ينافي صفة الغنا فهو غنى مديون. # وأما حل الصدقة فقد منع إلا في موضع مخصوص على ما عرف، وإن سلم فحل ~~الصدقة لا يمنع الغنى، بدليل ابن السبيل والعامل. # وعذرهم ضعيف عن المسألتين. # أما ابن السبيل فهو غنى قطعا، لأنه يملك الألوف إلا أنه بعيد عن ماله غير ~~متمكن منه والغنا بالملك لا بالتمكن، والدليل على الغنى وجوب الزكاة عليه. # وقولهم: ((إنه غنى ملكا فقير يدا)). PageV02P073 # قلنا: الغنى بالملك يوجد، فأما اليد ثمرة الملك، ألا ترى أن المكاتب ~~والعبد المأذون لهما يد في المال ولا غنى لهما، والراهن لا يد له وهو ms175 غنى ~~بما يفضل عن دينه من الرهن، وذلك إذا كان الرهن يساوي الألوف والدين شيء ~~يسير، وتجب عليه الزكاة في الفاضل عن الدين. # وأما العامل فهو لازم المنع ليس بمذهب وهو مخالفة لنص القرآن والإجماع. # وقولهم: ((إنه أجرة العمل)). # قلنا: هو يعمل لله تعالى، لأن الحق عندكم متمحض له فوجب أن تجب الأجرة في ~~مال المصالح، وعلى أنه يبطل بالهاشمي فإنه لا يجوز أن يكون عاملا، ولو كان ~~المأخوذ أجرة العمل يحل له. # وقولهم: ((إنه يشبه الصدقة من وجه ويشبه أجرة العمل من وجه)). # قلنا: فإن كانت شبهة الحرام يصان الهاشمي عنها فوجب أن يصان الغنى عنها أيضا. # وقولهم: ((إنه حدث له نوع حاجة)). # قلنا: عندكم محل الصدقة هو الفقير فقط، وباشتغاله بهذا العمل لا يصير ~~فقيرا بدليل وجوب الزكاة عليه مثل ما يجب على الغني غير العامل، فالمسألتان ~~في نهاية اللزوم، ولا يتضح لهم العذر عنهما أصلا. # ثم الجواب فقها: # إن وجوب الزكاة بالغنا وحل الصدقة بكونه غارما، والغارم تحل له الصدقة ~~بنص القرآن. # فإن قالوا: ((لابد من بيان المعنى)). # قلنا: لا يلزمنا، ثم حلية الصدقة بحاجة الغارمية. PageV02P074 # قالوا: ((فإذا هو فقير)). # قلنا: لا، لأن الغنا بملك النصاب النامي والملك بعد الدين كما كان قبل ~~الدين، والغنى في الحالين واحد، والغنى بالملك لا ينافي حاجة تحدث بوصف ~~عارض، لأن الغنى لا ينافي الحاجة غرما، كما لا ينافي الملك الغرم، لا ينافي ~~الغنا بالملك وجود الحاجة بالغرم فهو غنى ملكا محتاج غرما فوجب الزكاة عليه ~~لغناه بالملك وحلت له الصدقة بحاجته بالغرم مثل ابن السبيل غنى بملك محتاج ~~لبعده عن ملكه فوجبت الزكاة عليه بملكه وحلت له الصدقة لبعده عن ملكه، وهذا ~~جواب معتمد. # ويمكن أن يقال: إن وجوب الزكاة بالغنا الشرعي، وذلك بملك النصاب النامي، ~~وحرمة الصدقة بالغنا الحقيقي، بدليل أن من ملك فاضلا عن ثياب مهنة، وأموال ~~بذلته ما بلغ قيمته نصابا لا يجب عليه الزكاة لعدم الغنا الشرعي، وحرمة ~~الصدقة للغنا الحقيقي، فإن عندنا من ملك خمسة ms176 من الإبل المهازيل وهو ذو ~~عيلة وجب عليه الزكاة للغنا الشرعي، وحلت له الصدقة للفقر الحقيقي، فكذلك ~~المديون له الغنا الشرعي فوجبت عليه الزكاة، وليس له الغنا الحقيقي فحلت له ~~الصدقة. # وأما قولهم: ((إنه مشغول بحاجته)). # قلنا: لا ننكر وجود أصل الحاجة، وما من مال للغنى إلا وهو محتاج إليه. # وأما اشتغال المال بالحاجة ممنوع لما بينا أن الدين في ذمته، ولا حاجة ~~للدين إلى محل سواه، وإنما يتصل بالمال عند الأداء فلا يوصف باشتغاله به ~~قبل الأداء مثل القصاص الواجب في النفس لا توصف النفس باشتغالها بهذا ~~الواجب إلا عند اتصال الاستيفاء به وظهر بما قلنا الفرق بين مال المديون/ ~~وبين الأموال التي يتخذها لبذلته ومهنته، ثم نقول: علامة الفاضل عن حاجته ~~في المال إعداده للتجارة والسوم، وهذا موجود وإن كان مديونا. PageV02P075 # وقوله: ((على هذا أنه يعارض اشتغاله بذمته بالدين)). # قلنا: ولكن الرجحان لوصف السوم والتجارة، لأنه وصف لازم المال، وأما ~~الدين بالذمة فلا تعلق بالمال. # يبينه: أنه يوجد فاضل عن الحاجة لا تجب فيه الزكاة مثل ما يملكه من العبد ~~والدواب والحوانيت التي لا يريد بها التجارة ولا حاجة له إليها لبذلته، ~~فكذلك يجوز أن يوجد مشغول بحاجته تجب فيه الزكاة وكان المعنى في الأول وصف ~~النماء وإن كان فاضلا عن حاجته، وكذلك ههنا المعنى في الوجوب وصف النماء ~~وإن كان مشغولا بحاجته، وعلى هذا انزاح الإشكال، ووضح الكلام نهاية الوضوح. # وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه: # أن وجوب الحج بالمكنة، ولا يمكن مع الدين حقيقة وحكما. # أما الحقيقة المحسوسة فلأنه يطالب ويلازم ويحبس فلا يتمكن من الخروج، ~~وأما الحكم فلأن المسلم هو الدين الحال، وقد ثبت عندنا أن الحج على التراخي ~~والدين على الفور فقدم عليه في حكم الشرع وصار تقدمه عليه مفوتا للمكنة ~~التي هي من شرط الوجوب. # وأما الزكاة فلا تشترط المكنة، في وجوبها، وأيضا فإنه على الفور مثل ~~الدين فلم يقدم عليه ولا يمانع ولا يضايق في وجوبها فالدين وجوبه بعقد ~~المعاملة والزكاة وجوبها ms177 بنفس الملك وواحد منهما لا أثر له في صاحبه فاجتمع ~~الواجب بهما اجتمع سبباهما والحج لا يجب بنفس الملك ما لم يوجد المكنة، وقد ~~بينا أنها فاتت فسقط وجوبه. # وقد أجاب الأصحاب بوجوه، رأيت كلها ضعيفة. # وهذا الوجوب حسن يمكن تمشيته فاقتصرنا عليه. PageV02P076 # وأما الدين الذي ادعوه من نقصان الملك فليس بشيء، وقد دللنا على كمال ~~ملكه وملك التبرعات وحل الوطء معتمد. # وقولهم: ((إن الدين إذا قضي فمن عليه يقضي ما عليه وصاحب الدين يقتضى ~~ماله)). # قلنا: نعم، هذا يقضي دينا عليه، وهذا يقتضي دينا له، والاقتضاء في الدين ~~كذا يكون. # فأما العين التي هي محل الزكاة، فالتمليك بها يستأنف قطعا فهو نظير تملك ~~الشقص بالشفعة فلا يمنع الوصف بتمام الملك، ووجوب الزكاة بدليل مسألة ~~الشفعة. # وقوله: ((إنه يأخذ حقه من ماله إذا قدر عليه)). # قلنا: لا جرم ......... إذا أخذ ملكه فلم يدل هذا على نقصان ملكه قبل الأخذ. # ألا ترى ن الأب يأخذ مال ابنه عند الحاجة ويملكه، ولا يدل على نقصان ~~الملك من قبل، وكلامه الأخير ليس بشيء، وقد سبق جوابه. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P077 ### || AUTO (مسألة) # لا يجوز دفع القيم سوى المنصوص عليه في الزكاة # عندنا. # وعندهم: يجوز بطريق القيمة. # لنا: # الحديث المعروف وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((ومن بلغت إبله خمسا ~~وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم يكن فابن لبون ذكر))، فقد شرط صلى الله عليه ~~وسلم عدم ابنة مخاض في جواز إخراج ابن اللبون، دل أنه لا يجوز مع وجودها. # يبينه: أنه صلى الله عليه وسلم نقل من سن معين إلى سن معين من غير تعرض ~~للقيمة مع علمه باختلافهما في القيمة عند اختلاف الأزمنة والأمكنة، دل أن ~~الرجوع إلى القيمة ساقط. # ويمكن أن يقال أيضا: أنه صلى الله عليه وسلم جوز ابن اللبون على الإطلاق. ~~وعندكم لا يجوز إلا إذا كانت قيمته مثل قيمة بنت المخاض، فهذا تقييد ليس ~~عليه دليل، فقد قلتم: إن تقييد زيادة، والزيادة نسخ. PageV02P078 # قالوا: إنما جوزنا ابن اللبون مكان بنت ms178 مخاض بالقيمة بدليل أنه صلى الله ~~عليه وسلم قابل فضلا بفضل، والمقابلة تقتضي المعادلة، والمعادلة تكون ~~بالقيمة. # واستدلوا على جواز القيمة في الزكاة بالخبر الذى روى أنه صلى الله عليه ~~وسلم رأى ناقة كوماء في إبل الصدقة فغضب وقال: ((ألم أنهكم عن أخذ كرائم ~~أموال الناس؟ فقال الساعي: أخذته ببعيرين من إبل الصدقة))، وأخذ البعير لا ~~يكون إلا بطريق القيمة. # واستدلوا بحديث معاذ المعروف وهو قوله لأهل اليمن: ((ائتوني بكل خميس أو ~~لبيس آخذه منكم مكان الصدقة)). PageV02P079 # الجواب: # أما الأول فنحن لا ننكر أن الشرع ورد بمقابلة فضل بفضل، والكلام أنه هل ~~كان بطريق القيمة؟ وليس عليه دليل. # والجملة أن ابن اللبون ورد به التوقف، وكذلك الخبران المذكوران في أخذ ~~شاتين أو عشرين درهما أوردهما في الموضع الوارد فالكل على التوقيف. # فأما الخبران اللذان أوردهما ففي إسنادهما مقال. # والأصحاب أولوا الأول، وقالوا: كان ذلك شراء وبيعا بإذن الإمام. وقالوا ~~في الثاني:/ المراد من الصدقة الجزية، وسميت صدقة على طريق المجاز، كما كان ~~يسمى المأخوذ من بنى تغلب صدقة وقد كان جزية، بدليل أن معاذا رضي الله عنه ~~أخبر أنه ينقلها إلى المدينة، ولم يكن من مذهبه جواز النقل في الصدقات، ~~ولأنه ذكر الهجرة والنصرة في الإشارة إلى الاستحقاق بهما والجزية تستحق ~~لهما لا الصدقة. # وأما المعنى: نقول المنصوص عليه هو الواجب فلا يجوز غيره. # دليله: كل الواجبات في الشرع، والدليل على أن المنصوص عليه هو PageV02P080 # الواجب أن الوجوب علم بالشرع، والشرع ورد بالمنصوص عليه فلا يجب بالنص ~~إلا ما ورد به النص. # يدل عليه: أن الزكاة إن كانت عبادة فلا يجوز في العبادة إلا ما ورد به ~~التعبد بدليل الصلاة وأفعالها، فإنه لا يقوم الركوع فيه مقام السجود ولا ~~السجود مقام الركوع، وكذلك لا يقوم السجود على الخد والذقن مقام السجود على ~~الجبهة، وكذلك في سائر العبادات ووجه التقريب بين مسألتنا وهذا الأصل أن ~~الله تعالى إذا وضع عبادته على جارحة بفعل يوجد منها لم تقم جارحة أخرى ~~مقامها، كذلك ms179 إذا وضع العبادة على المال وسماه بفعل يوجد منه لم يقم الفعل ~~منه في مال آخر مقامه. # يدل عليه: أن أصل العبادة لا تجب بالتعليل ولا تقبله فكذلك كيفيتها، وإن ~~قلنا: إن الزكاة حق الفقراء، فالحق الواجب للآدمي في عين لا يقوم غيرها ~~مقامها إلا بسبب شرعي من معاقدة ومعاوضة وغير ذلك. # يدل عليه: أن سبب وجوب الحق إذا اتصل بمحل يتعلق الوجوب بصورته ومعناه ~~مثل ما لو أسلم في شيء واشترى شيئا، وكذلك إذا أوصى الإنسان بشارة أو أوصى ~~بشاة من أربعين من الغنم أو ببعير من خمس وعشرين من الإبل للفقراء تعلق ~~حقهم بعين ذلك، كذلك ههنا. # وأما حجتهم: # قالوا: الزكاة واجبة للإغناء أو لدفع الحاجة، لأنها وجبت على الغنى ~~للمحتاج فيكون بعلة الإناء ودفع الحاجة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في ~~صدقة الفطر: ((أغنوهم عن المسألة في هذ اليوم)). PageV02P081 # ولأن التعليل واجب ما أمكن، وقد أمكن التعليل بالإغناء وهو تعليل صحيح ~~مؤثر، وإذا علل بهذا فالإغناء بالأصل والقيمة واحد فاستويا في الجواز، ~~وشبهوا الزكاة بالجزية والخراج. # وقالوا: أما الصلاة فإنما لم يجز فيها التعليل، لأنها لو عللت عللت ~~بالخشوع، وفي كل فعل من الصلاة نوع خشوع لا يوجد في غيره فبطل التعليل، وفي ~~مسألتنا الإغناء الذي يوجد في المنصوص عليه يوجد في القيمة. # قالوا: وأما السجود على الذقن والخد فليس بعبادة بل هو عبث فلا يقوم مقام ~~العبادة بخلاف القيمة فإن إخراجها في الجملة يكون عبادة فجاز أن يقوم ~~أداءها مقام أداء المنصوص عليه. # قالوا: وأما إخراج المنافع إنما لا يجوز، لأنها ليست بمال، وإن كانت مالا ~~فهي في المالية دون العين على ما عرف في كتاب الغصب فلا يقوم مقامه، ~~فتعلقوا بما لو أخرج بعيرا عن خمس من الإبل فإنه يجوز وإنما جاز بالقيمة ~~لأنه غير منصوص عليه، ولا يجوز أن يقال: جاز بدليل النص، لأنه لما جاز عن ~~أضعاف الخمس ففي الخمس أولى، لأن هذا يبطل بما لو أخرج ست حقائق عن إحدى ~~وستين ms180 وهو ثلاث مائة وخمسة مثل البعير في مسألة الإلزام. # قالوا: ((ولا يجوز أن يقال إن الواجب في خمس من الإبل خمس بعير فلأن يجوز ~~بعير كامل أولى. لأنه ليس كما زعمتم بل الواجب في خمس من الإبل شاة، وإنما ~~يجب البعير عند بلوغه خمسا وعشرين فقبل بلوغه PageV02P082 # هذا القدر لا يقدر فيه إيجاب شيء من البعير، كما أن الشاة تجب عند بلوغ ~~الغنم أربعين فقبل بلوغه هذا القدر لم يقدر إيجاب شيء من الشاة)). # يبينه: أنه كيف يقدر إيجاب خمس من البعير في خمس من الإبل، وقد وجبت ~~الشاة فيها؟ فثبت بما قلنا أن جواز البعير كان بالقيمة فإذا جازت القيمة في ~~هذه الصورة فوجب أن يجوز في كل موضع هذه طريقة مشايخهم. # وأما طريقة أبي زيد فقد بنى كلامه على ما سبق من قبل وهو أن الزكاة حق ~~الله تعالى على ما بينا، ثم الفقير مصرف لهذا الحق، ووصوله إليه من قبل ~~الله تعالى إيفاء للرزق الموعود إلا أن الرزق الموعود للفقير مال مطلق يحصل ~~به كفايته لا بمال مخصوص معين، وهذا لأن حاجته ترتفع بالمال المطلق لا ~~بالمقيد. # وأما حق الله تعالى في مال معين ثم لما أمر الله تعالى بصرفه إلى الفقراء ~~نائبا عن الله تعالى في قبض حقه فإذا حصل الأداء إلى الله تعالى بقبض ~~الفقير فبعد ذلك يصير حقا للفقير لرزقه الموعود فصار الفقير قابضا رزقه ~~الموعود بواسطة حصول الأداء إلى الله تعالى، وهذا كمن له على إنسان عشرة ~~دراهم/ فأمر رب المال المديون أن يتصدق بها على الفقراء فإنه يصح، ويصير ~~الفقير نائبا عن صاحب الدين في قبض الدين ثم يصير قابضا حقا لنفسه، وكذلك ~~إذا كان على رب الدين عشرة دراهم لرجل آخر فقال لمديونه: اقبض العشرة التي ~~على بما لي عليك فقضاها يصير القابض نائبا عنه في قبض حقه أولا ثم يصير ~~مستوفيا حق نفسه كذلك ههنا. PageV02P083 # قالوا: وإذا كان القابض هو الفقير وحقه في مال مطلق احتجنا إلى أن نجعل ~~حق ms181 الله تعالى في مال مطلق ليصح قبض الفقير، فإنما يقبض لله تعالى ما يقبضه ~~لنفسه رزقا له فيسقط حق الله تعالى في صورة الشاة لضرورة تحقيق قبض الفقير ~~حق نفسه فصار حق الله تعالى مؤدى بمال مطلق بقبض الفقير ثم صار الفقير ~~قابضا، وهذا هو الأصل في كل حقين مختلفين يتأديان بقبض واحد فإنه يصير الحق ~~الأول على وصف الحق الثاني ليتأدى حق الأول بقبض الثاني حقه. # ومثال هذا: رجل عليه مائة درهم لرجل وله على آخر كر حنطة أو عنده كر حنطة ~~وديعة فقال للذي عليه الحنطة: اقض الدراهم التي على بما لي عليك من الحنطة، ~~فإنه يصير مأمورا ببيع الحنطة بالدراهم حتى يمكن أداؤها إلى صاحب الدين وهو ~~الدراهم، فقبض هو حق نفسه وحقه في الدراهم فثبت قبض صاحب الحنطة في ضمن ~~قبضه حق نفسه وذلك إنما يتصور إذا كان حق صاحب الحنطة على وصف حقه فجعل ~~الديون مأمورا ببيع الحنطة ليصير كذلك، فكذلك ههنا يثبت ما ادعيناه ~~بالحقيقة والمثال، وربما قالوا على فصل التعليل: إنا لا نعلل حق الله تعالى ~~إنما نعلل جانب حق الفقير وهو ما استحق من مال صالح لكفايته ويعدى معنى ~~الصلاحية لكفايته إلى كل ما يكون في معناه. # قالوا: ولا يلزم صدقة الفطر، وذلك إذا أدى ربع صاع حنطة يساوي نصف صاع ~~حنطة حيث لا يجوز عن النصف، فإنه إنما لم يجز لأنه لو جاز إنما جاز لقيمة ~~الجودة، ولا يجوز أن تعتبر الجودة في هذا المد بدلا عن مد آخر، لأن الجودة ~~في مال الربا لا قيمة لها بانفرادها بخلاف ما لو أدى شاة سمينة في الزكاة ~~فإنها تجوز عن شاتين، لأن الجودة في الشاة متقومة، فأما إذا أعطى نصف صاع ~~تمر جيد عن شعير وسط أو بالعكس إنما لم يجز PageV02P084 # لأن التمر والشعير والحنطة وإن كانت أجناسا مختلفة في سائر الأحكام، ولكن ~~في صدقة الفطر كلها جنس واحد، لأن المعنى المطلوب من الكل واحد وهو دفع ~~حاجة الفقير، وإذا صار الجنس ms182 جنسا واحدا في هذه الحكم بطلت نية التمييز، ~~ولم تصح نية إقامة الحنطة مقام الشعير، لأن الكل شيء واحد، ومتى بطلت النية ~~وقعت الحنطة عن نفسها والجودة لا قيمة لها فلا يجوز إلا عن القدر الذي أدى، ~~ولا يلزم على العدد إذا أعطى ثوبا واحدا عشرة مساكين عن طعامهم في الكفارة ~~حيث يجوز، لأن الطعام مع الكسوة جنسان مختلفان لاختلاف معنى المطلوب منهما، ~~وأمكن صرف أحدهما إلى الآخر لتغايرهما. # قالوا: وأما إذا أعطى ثوبا واحدا عشرة مساكين عن كسوتهم وهو يساوي ذلك لا ~~يجوز، لأن الكسوة في كفارة اليمين وجبت مطلقة غير مقيدة بالوسط فعلى أي وصف ~~كان الثوب وقع عن نفسه فلم يمكن إقامة جودته مقام ثوب آخر، وليس كما لو ~~أعطى شاة سمينة عن شاتين وسطين حيث يجوز، لأن الواجب الشاة هو الوسط بالنص، ~~والجودة متقومة فيها فقدر الوسط وقع عن نفسه، وفضل الجودة المتقومة وقع عن ~~شاة أخرى فهذا هو المعنى في المسائل. # وأما أصل القيمة فمجزية في صدقة الفطر بدليل أنه لو أعطى عن الصلع دراهما ~~أو دنانيرا فإنه يجوز عندنا. # قالوا: ولا يلزم الضحايا والهدايا والعتق حيث لا تجوز القيمة فيها، لأنا ~~نسلم أن الحق متى وجب لله تعالى لا يجوز إبطاله بالتعليل، وكذلك حق العباد، ~~ولكن ادعينا أن الله تعالى رضي بتغير حقه لما أمر بصرفه إلى الفقير، وفي ~~الضحايا والهدايا حق الله غير مصروف إلى الفقير، لأن حق الله بتأدى بإراقة ~~الدم لا بصرف اللحم إلى الفقير، وإنما أثبتنا رضا PageV02P085 # الله تعالى بتغيير حقه بضرورة أن الفقير هو القابض، وهذا المعنى ههنا ~~معدوم، وكذلك العتق، لأن الحق يتأدى بنفس إتلاف الرق وليس هناك شيء مصروف ~~إلى العبد حتى تقع الحاجة إلى تغيير حق الله تعالى، وكذلك الركوع والسجود ~~وسائر العبادات البدنية، لأن أداءها بفعل يوجد من البدن من غير أن يكون ~~هناك صرف شيء إلى الفقير فخرج على ما قلنا. # الجواب: # أما الطريقة الأولى فهي بناء على إثبات التعليل، وهذا باطل لما بينا ms183 من ~~قبل ولأن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في الأصل ثم التعدية مثل ما يفعل ~~في الأشياء/ الستة وسائر المواضع. # وعندهم بهذا التعليل يتغير حكم الأصل، لأن حكم الأصل وجوب الشاة ويفوت ~~الوجوب بالتعليل، لأن الواجب ما لا يجوز غيره، فإذا جاز غير الشاة فات وجوب ~~الشاة فتعين حكمه من الوجوب إلى الجواز فبطل التعليل من هذا الوجه. # فإن قالوا: لا يتغير حكم الأصل، لأن الشاة إذا أداها يكون أدى الواجب، ~~لكن يتسع محل الواجب مثل الصلاة في وقت الظهر يكون وجوبها موسعا لا أن يفوت ~~الوجوب في أول الوقت. # والجواب: # أن النص اقتضى وجوب الشاة على التعيين، وبالتعليل يفوت هذا، فثبت تغيير ~~حكم الأصل قطعا، وتحقق أن التعليل باطل لهذا الوجه، وهذا جواب حسن على هذه ~~الطريقة. # وطريقة أبي زيد والذي يختص بهذه الطريقة: # أن يقال لهم إذا عللتم بالإغناء فقد ناقضتم أصلكم، لأن الزكاة عندكم ~~عبادة PageV02P086 # محضة وهي حق الله تعالى على الخلوص، وإذا عللت بالإغناء يكون حق الفقير، ~~لأن ما أوجب لإغناء الآدمي يكون حق الآدمي، ولأن التعليل لإسقاط الحقوق عن ~~الأعيان باطل، كما لو أوصى فقال: ((أغنوا فلانا بشاة أو ببعير أو بدراهم)) ~~لا يجوز أداء غيرها، وهذا لأن العين محل تعلق الحق بها لله تعالى وللفقير، ~~فإذا اتصل بها الخطاب والإيجاب لابد من تعلق الحق بها، وإذا تعلق الحق بها ~~فالتعليل لإبطال الحقوق عن الأعيان باطل مثل سائر الحقوق في العالم. ويقال ~~لهم أيضا: وجبت الزكاة للإغناء، ولكن بهذا الذي عينه ولا يجوز غيره كما في ~~العبادة البدنية لما أوجب التعبد والتخشع بهذا الفعل الذي عينه فلم يجز غيره. # وقولهم: ((إن في كل واحد من الأفعال نوع تخشع لا يوجد في صاحبه)). # قلنا: على القطع نعلم أن ما يوجد من التعظيم والتخشع بوضع الجبهة يحصل ~~بوضع الخد وأكثر فوجب أن يجوز. # وأما إذا أدى بعيرا عن خمس من الإبل. # قلنا: عندنا جاز بالنص وهو قوله عليه السلام: ((خذ من الإبل الإبل، ومن ~~البقر البقر)). ms184 PageV02P087 # وهذا لأن الواجب جزء من النصاب ليكون وجوبه على وجه المواساة وصفة اليسر، ~~ولشاة ليست بجزء من الإبل فيكون وجوبها رخصة فإذا لم يوجد وأدى ما هو ~~الواجب الأصلي فلابد من الجواز وهو مثل المسح على الخفين فإنه رخصة ولو لم ~~يفعل بفعله وغسل الرجلين يجوز، وكذلك ههنا، وهذا معتمد. # وأما طريق أبي زيد فهي بناء على أصل ممنوع وليس على إثباته دليل معتمد عليه. # أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)). فقد دللنا أنها على حق الفقراء فلا ~~نعيد وإذا صارت حق الفقير بطلت حق التعليل لإبطاله حقه أو يعتبره من محل ~~إلى محل، والمنع معتمد. # وأما قولهم: ((إن الفقير بقبض ما يقبضه عن الرزق الموعود)). # فليس عليه دليل، ويقال لهم: اجعلوا الزكاة صلة من الله تعالى للفقير. # وأما الرزق الموعود فدار عليه، والشاة والدراهم في صورة الزكاة صلة، ~~والسيد قد يرزق عبده على الدرور ثم يصله بصلة وراء ذلك فإذا جعلنا الزكاة ~~صلة فكأن الله تعالى وصل الفقير بما سماه فيتعين ذلك وهذا أولى مما قاله، ~~لأنه على هذا يبقى حق الله تعالى على ما كان وعلى ما زعموا أبطلا حق الله ~~تعالى عن الواجبات التي نص عليها بعد ثبوتها بلا دليل. # وأيضا يقال لهم: قولوا إن الله تعالى وعد الرزق بمال مطلق ثم حين أمر ~~بصرف الزكاة إلى الفقراء فقد نقل رزقهم في هذا الموضع من المال المطلق PageV02P088 # إلى مال معين، ويجوز أيضا للسيد أن يرزق عبده بمال مطلق ويجوز أن يرزقهم ~~بمال معين وله ولاية النقل فلأي ضرورة سقط أصل حق الله في الواجبات التي ~~سماها ونص عليها وعنده لو سقط سقط ضرورة، ولا كلام على هذين الجوابين، وهما ~~في نهاية الوضوح، وعلى أنا قد بينا أن من شرط صحة التعليل تقرير الحكم في ~~الأصل ثم تعدية الحكم إلى الفرع، ولا يوجد في هذه الموضع هذا الشرط فإذا ~~فات شرط التعليل بطل التعليل. # وأما المسائل التي تعلقوا بها فهي معاملات بين العباد ومبناها على ~~المراضاة، وقد تضمن ms185 الأمر من صاحب الدين في تلك المواضع الرضا بما قالوه. # فإن قالوا: ((إن ههنا وجد الرضا من الله تعالى بانتقال حقه من المال ~~المعين إلى المال المطلق)). # فهذا مجرد تحكم من غير حجة. # وأما تعلقهم بأمره تعالى بصرفه إلى الفقير فقد وجدنا وجها لصرفه من غير ~~أن يحتاج إلى تغيير حق الله، ونقله من شيء وهو أحد الوجهين اللذين قدمناهما ~~فقد بطل ما قالوه وفسد فسادا لا يقبل الصلاح. وإن تعلقوا بالجزية والخراج ~~فإنما جازت القيمة فيهما بالنص على ما عرف، وعلى أن هناك ولاية الإمام ~~ثابتة في الابتداء وضعا فثبت في الانتهاء أخذا بخلاف مسألتنا، ولأن المنافع ~~تجزى في الجزية بخلاف الزكاة/ وكان المعنى في الفرق ما ذكرنا، والله أعلم. # * * * PageV02P089 ### || AUTO (مسألة) # إذا مات من عليه الزكاة لم تسقط الزكاة بموته وتؤدى من تركته كما تؤدى الديون # عندنا. # وعندهم: تسقط بموته وإن أوصى بإخراجها تخرج كما تخرج التبرعات حتى تعتبر ~~من الثلث. # لنا: # إن الزكاة حق الفقراء على ما سبق بيانه فنقول: حق من حقوق الآدميين فلا ~~يسقط بموت من عليه. # دليله: سائر الحقوق للآدميين، وقياسا على العشر إن سلموا، وهذا لأن الموت ~~ليس بسبب مسقط للحقوق المالية إنما هو للانتقال من الدنيا إلى الآخرة ~~والواجبات المالية عليه كما كان في حال الحياة فتقضى من المال إن خلف مالا ~~وتقدم على حق الورثة، لأن قضاء الدين حقه والميراث حق الورثة فيقدم حقه على ~~حق الورثة، كما يقدم التجهيز والتكفين ثم إذا بقى مال بعد قضاء الحقوق ~~الواجبة عليه حينئذ يقسم بين الورثة، وإن لم يخلف شيئا سقط وجوب القضاء ~~للعجز، لأن أصل الحق سقط وهو مثل ما لو أعسر في الحياة لم يطالب للعجز، ~~ونستدل بما لو أوصى بالزكاة فنقول: لا يخلو إما إن قلتم: إن الزكاة بقى ~~وجوبها بعد الموت أو قلتم: سقطت، فإن PageV02P090 # قلتم بقي وجوبها بعد الموت فقولوا إن الوصية باطلة لأن الوصية حصلت ~~بالزكاة، فإذا لم تكن الزكاة واجبة فتكون الوصية بالزكاة كلا وصية، وهذا ms186 ~~إلزام معتمد. # وأما حجتهم: # قالوا: الزكاة عبادة محضة فتسقط بالموت كالصلاة والصوم. # والدليل على أنها عابدة محضة ما بينا من قبل. # وقولكم: ((إنها حق الفقراء)). # قالوا: لا، بل حق الله تعالى، وإنما الفقراء مصارف بالطريق الذي قلنا. # يدل عليه: أنه لا معنى يعرف لوجود حق الفقراء في مال الأغنياء، لأنه إن ~~كان لفقرة وحاجته ففقرة وحاجته لا تدل على وجوب حق له على من ليس بفقير، ~~وإن كان للدين فالدين أمر بين العبد وبين ربه فلا يوجب له شيئا على عبد آخر ~~لدينه، وهذا لأن حد الدين ليس بأمر بين العبد والعبد حتى يجب بسببه حق له عليه. # وخرج على هذا القرابة، لأنه معنى بين القربتين فجاز أن يجب له بسببها حق ~~له على صاحبه، وإذا ثبت أنها عبادة محضة فتسقط بموت من عليه العبادة، لأن ~~حقيقة العبادة فعل من عليه العبادة، وفعل من عليه العبادة يفوت بموته ففاتت ~~العبادة ضرورة. # يدل عليه: أن العبادة من غير متعبد محال، ولا متعبد فلا عبادة وصارت هذه ~~العبادة مثل عبادة الصلاة والصوم سواء إلا أن هناك آلة العبادة بدون ~~المتعبد وههنا آلة العبادة مال المتعبد، فحصل الاختلاف في الآلة التي تؤدي ~~بها العبادة لا في نفس العبادة، لأن العبادة حقيقتها في الموضعين واحد لا ~~يختلف. PageV02P091 # قالوا: وليس كما لو أمر بأداء الزكاة في حال الحياة، لأن أمره لما اتصل ~~بالأداء أمكن تحقيق معنى العبادة بخلاف مسألتنا على ما ذكرنا في مسالة زكاة الصبي. # والحرف لهم: أنه لما فات بالموت فعله وأمره تعذر تحقيق العبادة فعلا من ~~قبله فصار سقوطها في أحكام الدنيا من ضرورة هذا الفوات. # قالوا: وأما إذا أوصى بالزكاة فقد وجد من قبله الأمر وإذا اتصل أمره بها ~~صار كما لو اتصل أمره بها في حال الحياة إلا أنه اعتبر من الثلث، لأنه لم ~~يلزم إخراجها لولا الأمر أشبه الوصية بالتبرعات فكانت من الثلث. # قالوا: وأما العشر فقد منع في إحدى الروايتين، وعلى الرواية الأخرى وهو ~~ظاهر المذهب، إنما لا ms187 يسقط بالموت، لأنه وظيفة الأرض مثل الخراج فصار مؤنة ~~مالية مثل سائر المؤن ولم يكن عبادة فلم يسقط بالموت مثل ما لا يسقط سائر ~~الديون. # الجواب: # أما قولهم: ((إن الزكاة عبادة محضة)). # فقد أجبنا عن هذا في مسألة زكاة الصبي. # وقولهم: ((أنه لا سبب يوجب للفقراء حقا في ماله)). # قلنا: وجد بينهما وصلة الدين، وهي وصلة زائدة على كل وصلة فإن كل وصلة ~~النسب توجب الحق لأحد القربتين على الآخر فوصلة الدين أولى. # وقولهم: ((إن الدين أمر بينه وبين ربه)). # قلنا: نعم، وهو أيضا يفيد أخوة بينه وبين المشارك له في الدين، كما PageV02P092 # قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}. فكان سبب الاستحقاق هو الأخوة دينا ~~بشرط الفقر وإنما شرطنا الفقر بالشرع، ولأنه لما وجب لدفع الحاجة وجب ~~للمحتاج، ولا ينكر ضم شرط إلى سبب الاستحقاق بعد أن قام عليه الدليل، ثم ~~وإن سلمنا أن الزكاة عبادة محضة لكن هذا لا يوجب سقوطها بالموت، لأنها ~~عبادة مالية، والمال قائم، والأصل أن كل واجب بقى في محل/ وجوبه إلى أن ~~يقوم الدليل على سقوطه. # فإن قالوا: هذا الواجب عليه ولم يبق من عليه. # قلنا: موت من عليه الحق لا يوجب سقوط الحق مثل سائر الديون، وهذا لأنه ~~جعل بمنزلة الحي في تصوير البقاء عليه إلى أن يؤدي من ماله. # ألا ترى أن في سائر الديون جعل بمنزلة الحي في بقائها عليه إلى أن تؤدى ~~من ماله. # وأما قولهم: ((حقيقة العبادة في فعله)). # قلنا: نعم، في فعله أو في فعل من يقوم فعله مقام فعله بسبب صحيح شرعا ~~بدليل الثابت في حال الحياة. # فإن قالوا: هنا وجد أمر من عليه الحق بالفعل، وههنا لم ويجد. # قلنا: وههنا وجد أمر الشرع فيقام أمر الشرع بالفعل مقام أمره، وهذا لأن ~~الخطاب يتصل بالفعل واعتبر في بقائه تصور الفعل إما محسوسا أو اعتبارا، ~~وههنا إن لم يتصور فعله محسوسا تصور فعله اعتبارا بالشرع، وإذا تصور فعل ~~الزكاة من قبله بهذا الاعتبار بقى الوجوب وهو نظير العشر، وقد ms188 بينا أنه مثل ~~زكاة سائر الأموال، وعلى أنا PageV02P093 # إن كلمناهم في صدقة الفطر ضاق الكلام عليهم جدا، لأنها تتأدى بولاية ~~شرعية لا من قبل من عليه، بدليل أن الولي يخرج زكاة الفطر عن الصبي على ما ~~عرف، ومع ذلك قالوا: إنها تسقط بالموت. # قالوا: ((إن الصبي في الجملة من أهل الفعل فجاز أن يقوم فعل الولي مقام ~~فعله، وأما الميت فليس من أهل الفعل أصلا فلم يمكن إقامة فعل الغير مقام ~~فعله)). # قلنا: والصبي ليس من أهل فعل معتبر شرعا وكلامنا في مثل هذا الفعل ~~فاستويا من هذا الوجه. # وأما فصل إلزام الوصية فقوى جدا. # وقولهم: ((إنه وجد الأم منه بالزكاة فبقى وجوب الزكاة)). # قلنا: وإنما يقوم فعل غيره مقام فعله حكما إذا كان من أهل الفعل محسوسا، ~~وقد خرج بالموت عن أهلية الفعل، فكيف يقوم فعل غيره مقام فعله ولا فعل له؟ ~~ولئن جاز أن يقوم فعل غيره مقام فعله حكما، وإن كان خرج عن أهلية الفعل ~~محسوسا جاز أيضا ههنا أن يقوم فعل غيره مقام فعله وإن كان لا فعل له ولا ~~أمر. ثم يقال لهم: إنكم إذا أبقيتم الوجوب لوجود الأمر فقولوا يكون من جميع المال. # وقولهم: ((إنه يشبه التبرعات)). # قلنا: كيف يشبه التبرعات وهو في نفس واجب؟ ولأنا بينا أن الواجب إنما كان ~~من جميع المال، لأن قضاء حقه مقدم وحق الورثة متأخر عن حقه، وفي هذا المعنى ~~يستوي جميع الواجبات سواء أحتاج إلى أمره بالإخراج أو استغنى عنه. والله ~~أعلم بالصواب. # * * * PageV02P094 ### || AUTO (مسألة) # لا يضم أحد النقدين إلى الآخر في حكم الزكاة بل يعتبر كل واحد على حياله ~~فإذا تم فحينئذ تجب الزكاة # . # وعندهم: يضم أحد النقدين إلى الآخر ويحكم بكمال النصاب إلا أن أبا حنيفة ~~قال: يضم بالقيمة. # وعند أبي يوسف ومحمد يضم بالأجزاء. PageV02P095 # لنا: # إنهما مالان من جنسين مختلفين فلا يضم أحدهما إلى الآخر في نصاب الزكاة، ~~دليله البقر والغنم. # والدليل على أنهما مالان من جنسين مختلفين، لأن أحدهما ذهب والآخر فضة، ~~وكل ms189 واحد من الاسمين اسم للعين، فإذا تغايرا اسما تغايرا عينا، لأنا نعلم ~~قطعا أن الذهب غير الفضة والفضة غير الذهب، بدليل الصورة والمالية، فإنهما ~~اختلفا صورة ومالية، ولئن جاز أن يقال إنهما مال واحد جاز أن يقال إن البقر ~~والغنم واحد أيضا. وإذا ثبت هذا الاختلاف عينا ثبت الاختلاف جنسا، واستمرت ~~العلة وصحت. # ويدل عليه: من حيث الحكم أن الربا لا يجرى بينهما ولو كان من جنس واحد ~~يجرى بينهما الربا، وحين لم يجر الربا دل أنهما جنسا مختلفان، وقد تأيد ~~الاستدلال بهذا الحكم بنص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله عليه ~~السلام: ((فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد)). # ونقول من حيث التحقيق: إن الضم محسوس غير معتبر بدليل ضم البقر إلى الغنم ~~والغنم على البقر لا يعتبر، وإنما اعتبر الضم حكما فلابد من دليل ولم يوجد. PageV02P096 # وأما حجتهم: # قالوا: الذهب والفضة في حق الزكاة في حكم مال واحد فيكمل نصاب بعضه ~~بالبعض كالكسور والصحاح والمعز والضأن. # وإنما قلنا ذلك، لأن الزكاة تجب في الأموال بوصف النماء على ما عرف، ~~والنماء في الذهب والفضة بصفة الثمنية، وصفة الثمنية صفة منمية لأنها صفة ~~التجارة وطريق التوصل إلى الأشياء، والذهب والفضة من حيث الثمنية في حكم ~~مال واحد، لأنهما خلقا ثمنا للأشياء فوجب ضم بعضه إلى البعض كما وجب ضم ~~أموال التجارة بعضها إلى بعض. # يبينه: أنها باعتبار الثمنية صار مالا للتجارة فصار كالعروض التي يعدها ~~للتجارة. # ولهذا قال أبو حنيفة: إنه يضم باعتبار القيمة/ لأنهما إذا صارا مالي ~~التجارة فكان الضم بالقيمة كسائر أموال التجارة. # وريما يتعلقون باتفاق الواجب فيهما، فإنه ربع العشر بكل حال، وكذلك اتفاق ~~النصاب فإن كل دينار يعدل بعشرة دراهم، وعلى هذا يكون نصاب الدنانير مثل ~~نصاب الدراهم. # قالوا: ولأن كل واحد منهما يضم إلى سلع التجارة فإذا ضممناها إلى سلع ~~التجارة حضم الضم بينهما ضرورة. PageV02P097 # الجواب: # أنا دللنا على أنهما مالان مختلفان جنسا وتعلقنا بالحكم والحقيقة. # وأما قولهم: ((إنما خلقا ms190 للثمنية فيكونا مالا واحدا في المعنى)). # قلنا: ولم لا يجوز أن يختلفا جنسا، وإن كان خلقا لشيء واحد، لأنه غير ~~مستنكر ولا مستبدع أن يخلق الله تعالى أشياء كثيرة لمعنى واحد، وهذا لأنه ~~إذا خلق شيئا واحدا لمعنى واحد ضاق الأمر على الناس، وإذا خلق أشياء كثيرة ~~لمعنى واحد اتسع الأمر على الناس وزال الضيق حتى إذا تعذر وصوله إلى واحد ~~في ذلك المعنى وصل إلى غيره. # والدليل على جواز ما قلناه أن الله تعالى قال: {والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة ...}. # فقد أخبر أنه تعالى خلق هذه الأشياء لمعنى واحد، ومع ذلك لم يجعل الجميع ~~كمال واحد، وليس كمال التجارة. # ولأن نصاب أموال التجارة من قيمتها، وإذا كان النصاب من قيمتها صار الجنس ~~واحدا، لأنه يقومها إما بالدنانير أو بالدراهم أو بالدراهم وينظر إلى ما ~~اشترى من العروض بها من هذين النقدين فإذا قوم بأحدهما فهو مال واحد وتكميل ~~النصاب جرى في مال واحد لا في مالين مختلفين بخلاف مسألتنا، فإن نصاب ~~الدراهم والدنانير من أعيانها. ألا ترى أن كل جنس لو انفرد لم تجب الزكاة ~~حتى يكمل نصابا من عينه، قلت القيمة أو كثرت كالسوائم سواء بخلاف الثياب ~~وسائر العروض إذا كانت للتجارة، فإن ثوبا لو بلغت قيمته ألفا كان نصابا، ~~وثياب كثيرة إذا لم تبلغ قيمتها PageV02P098 # نصابا لم يكن نصابا. فإن قيل: إنما كن كذلك، لأن الجودة من كل واحد منهما ~~غير متقومة إذا انفرد، وإذا لم يتقوم، فلهذا اعتبر كمال النصاب عينا فأما ~~عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب عينا فأما ~~عند المقابلة بجنس آخر تقوم الجودة، فإذا ظهرت قيمته كمل النصاب بالقيمة، ~~وعند الانفراد لم تظهر قيمته فأكمل النصاب بالعين. # قالوا: (وهذا كما قلنا فيمن غصب قلبا فقسمه ثم رد على صاحبه فأخره صاحب ~~القلب وأراد أن يضمنه قيمة الجودة لم يكن له ذلك، لأنه أراد أن يضمن الجودة ~~بانفرادها، ولو أراد أن يترك الأصل عليه ويضمنه بخلاف جنسه جيدا كان ms191 له ~~ذلك) بخلاف مسألتنا. # والجواب: # إن الجودة مال متقوم، وإنما سقط اعتبارها في موضع مخصوص بالنص ففيما وراء ~~ذلك الموضع هي معتبرة متقومة، ومسألة القلب المقسوم على أصولهم، وعلى الأصح ~~من الوجوه لأصحابنا له أن يضمنه الجودة من جنس الفضة، لأن الربا إنا يعتبر ~~في المعاقدات، فأما في ضمان الإتلاف فلا. # وأما قولهم: ((إن الواجب واحد وهو ربع العشر)). # قلنا: هذا لا يدل على اتفاق الجنسين بدليل العشر في الأجناس الخارجة من ~~الأرض، وكذلك الخمس في الغنائم المشتملة على الأجناس المختلفة. # وأما قولهم: ((إن النصاب واحد)). # فليس كذلك، لأن الدنانير عندنا غير معدلة بعشرة دراهم PageV02P099 # بل هو معدل بإثني عشر درهما فلم يتفق النصاب والنصاب. # وأما قولهم: ((إن كل واحد منهما يضم إلى السلعة)). # فهذه الصورة كل صورة يوردونها على مذهبهم، وعندنا ينظر إلى الذي اشترى به ~~السلعة فإن كان دراهما تقوم السلعة بها ويضم إليها الدراهم ولا يضم ~~الدنانير وكذا على العكس فلا ضم عندنا على ما زعموا. والله أعلم. # * * * PageV02P100 ### || AUTO (مسألة) # لا زكاة في حلي النساء على أحد قولي الشافعي رضي الله عنه # . # وفي الآخر يجب، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. # وقد روى عن جماعة من الصحابة القول بنفي الزكاة على الحلي منهم: PageV02P101 # ابن عمر، وعائشة، وأسماء، وجابر، وأنس بن مالك، نقل عنهم بأسانيد معروفة. # وروى مثل ذلك عن التابعين: عن القاسم بن محمد، والشعبي، ومن الأئمة عن ~~مالك، وأمد، وإسحاق. # وقد ذهب من أوجب الزكاة فيها إلى أخبار رووها في الباب منها: # ما رواه أبو داود في سننه بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أن ~~امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها ~~مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن PageV02P102 # يسورك الله بهما يوم القيامة بسوارين من نار؟ قال: فخعلتهما وألقتهما إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: هما لله ورسوله)). # وذكر أبو عيسى هذا الخبر في جامعه وقال: ((إن امرأتين أتتا النبي ms192 عليه ~~السلام في أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاتهما؟ قالتا: لا، ~~فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من النار؟ قالتا: لا/ قال: فأديا ~~زكاته)). PageV02P103 # وروى أبو داود أيضا برواية عبد الله بن شداد عن عائشة قالت: ((دخل على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا ~~يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتها؟، قلت: ~~لا، قال: هو حسبك من النار)). # وروى الدارقطني بإسناده من عطاء عن أم سلمة: ((أنها كانت تلبس أوضاحا من ~~ذهب، فسألت النبي عليه السلام عن ذلك، فقلت: أكنز هو؟ فقال: إذا أديت زكاته ~~فليس بكنز. PageV02P104 # وروى الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس قالت: ((أتيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، قلت: يا رسول الله، خذ منه ~~الفريضة، فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال)). # وفي رواية أخرى عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي عليه السلام قال: ~~((في الحلي الزكاة)). # وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ((قلت للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إن لامرأتي حليا من عشرين مثقالا، قال: فأد زكاته نصف ~~مثقال)). # ونحن نقول: هذه الأخبار ضعيفة في الإسناد: # فالخبر الأول: رواه عمرو بن شعيب، والحسين المعلم، PageV02P105 # وابن ربيعة، والمثنى بن الصباح، والحجاج بن أرطأة، وهؤلاء كلهم ضعفاء في ~~الرواية. # والخبر الثاني: رواه محمد بن عطاء عن عبد الله بن شداد، قال الدارقطني: ~~((ومحمد بن عطاء هذا مجهول)). # والخبر الثالث: رواه أبو حميد الحمصي عن عثمان بن سعيد PageV02P106 # الحمصي عن محمد بن مهاجر عن ثابت بن عجلان، وهذا إسناد مظلم، وأكثر ~~الرواة ضعفاء مجاهيل. # والخبر الرابع: رواه أبو بكر الهذلي عن شعيب بن الحبحباب عن الشعبي، وأبو ~~بكر الهذلي متروك لا يحتج بحديثه. # والخبر الخامس: رواه صالح بن عمرو عن أبي حمزة ميمون عن الشعبي. PageV02P107 # قال الدارقطني: أبو حمزة هذا ضعيف الحديث. # والخبر السادس: رواه عن حماد: يحيى بن ms193 أبي أنيسة. # قال الدارقطني: يحيى بن أبي أنيسة، متروك الإسناد، وهم، والصواب أنه مرسل موقوف. # وإذا ضعفت الأخبار من هذا الوجه فنصير إلى المعنى فنقول: مال مصروف عن ~~جهة النماء إلى ابتذال مباح فلم تجب فيه الزكاة. # دليله: مال التجارة إذا جعلها للبذلة. # وتحقيقه: أن نقول: فقد محل الزكاة فلا تجب فيه الزكاة. # والدليل على أنه فقد محل الزكاة أن محل الزكاة هو المال النامي، لأنها ~~واجبة بوصف اليسر، وعلى جهة المواساة ولا يتحقق هذا الوصف وهذه الجهة إلا ~~أن يكون المال مالا ناميا، ولهذا المعنى لا تجب الزكاة، فيما دون النصاب، ~~ولهذا يشترط الحول، لأن المال إنما يكثر ببلوغه نصابا، والنماء يطلب في ~~المال الكثير، والحول مشروط لتحقيق النماء. # وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: # وصف النماء في الذهب والفضة بالتقلب والتصرف فإن هذه الجهة جهة منمية مثل ~~التجارة في سائر الأموال، ولما اتخذ الحلي من الذهب والفضة PageV02P108 # فقد فاتت هذه الجهة، لأنه جعله ليلبسه ويتحلى به ويتزين به مثل ثوب يجعله ~~للبسه وللتجمل به عند الناس، وهذه جهة صحيحة مطلقة شرعا مثل اللبس في ~~الثياب فيفوت بها جهة النماء، لأن التقلب والتصرف لا يكون إلا بإخراجه عن ~~يده، واللبس والتحلي لا يكون إلا بإمساكه في يده فحصلت مضادة ومنافاة بين ~~الجهتين، ولم يتصور اجتماعهما، فإذا تحقق الثاني فات الأول قطعا، وإذا فات ~~سقطت الزكاة لفوات محلها على ما سبق فهذا الذي قلناه معتمد المسألة، وسنبين ~~كلامهم عليه، والجواب عنه، ويمكن أن يقال في الابتداء أن الحلي مشغول ~~بحاجته، والزكاة لا تجب إلا في المال الذي يفضل عن حاجته مثل ثياب اللبس ~~والعبيد للخدمة، والدواب للركوب، وهذا الكلام يصلح تقريرا للأول والاعتماد ~~على الأول. # وأما حجتهم: # قالوا: (الزكاة حكم شرعي يتعلق بالذهب والفضة فيتعلق با لحلي. دليله: ~~الربا). # ودليل تعلقها بالذهب والفضة أنها تجب بملك العين من غير شرط زائد، بدليل ~~وجوبها في التبر والسبائك والدراهم المعدة للإنفاق. # والحرف أن الزكاة تجب في الذهب والفضة كيف ملكها وعلى أي جهة ms194 أمسكها ~~فصارت متعلقة بنفس الملك من غير اعتبار معنى زائد عليه، فثبت أنه حكم متعلق ~~بعينها مثل الربا سواء. # وقد قال بعضهم: إن الذهب والفضة مال التجارة بعينها لأنهما خلقا لذلك ~~فبقيا مالين للتجارة ببقاء عينهما، والزكاة واجبة في مال التجارة. PageV02P109 # والدليل على أنهما خلقا للتجارة أنههما خلقا للتقلب والتصرف والتوصل بهما ~~إلى الفوائد المالية، وهذا هو التجارة. # قالوا: وأما قولكم: ((إنه فاتت جهة النماء باتخاذ الحلي)). # فليس كذلك، لأنهما لما خلقا للتجارة فلم يفت ذلك بفعل من العباد. # وتحقيقه: أن الذهب والفضة صارا للتجارة بعينهما وعينهما باقي. # وربما يقولون: صارا للتجارة لقبولهما جهة التقلب والتصرف، وهذا المعنى ~~قائم/ بعد اتخاذ الحلي للتجارة، وهذا لأن التزين والتحلي بالذهب والفضة ليس ~~بمضاد لجهة التجارة بالوجه الذي قدمنا. # قالوا: وخرج على هذا عروض التجارة، لأنها صارت للتجارة بمعنى عارض وقد ~~ترك العارض فخرجت عن جهة التجارة، أما ههنا إنما صار هذا المال مال التجارة ~~لا مال بعارض بعينه وباتخاذ الحلي ما فاتت العين فبقى مالا للتجارة. # يبينه: أن نهاية ما في الباب أن الحلي يعد للإمساك فإذا لم يكن صار الذهب ~~والفضة للتجارة بالإعداد للتقلب والتصرف، والإعداد للتقلب والتصرف لا يفوت ~~بالإمساك. # ألا ترى أنه لو لم يعده للتقلب والتصرف بل أعده للنفقة أو دفنه في موضع ~~ليكون ذخيرة له وجبت الزكاة، بل صار للتجارة بمجرد وجود العين، فكذلك ههنا ~~بالإعداد والإمساك للتحلي والتزين لا يخرج عن كونه مال التجارة وهذا فصل معتمد. # قالوا: ولأن التحلي والتزين جهة دون جهة التقلب والتصرف لأن التقلب ~~والتصرف بهما قيام المعاملات وبالمعاملات بقاء العالم. # وأما التخلي والتزين فلا يتعلق به القوام إنما هو من فضول الحاجات، PageV02P110 # فإذا ثبت أن هذه الجهة دون تلك الجهة، فالشيء لا يرتفع بما دونه كما لا ~~ينسخ الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد. # قالوا: وبهذا فارق عروض التجارة إذا جعلها للبذلة والمهنة، لأنه جهة مثل ~~جهة الأولى، لأن القوام متعلق بالجهتين فاستويا فجاز أن ترتفع الأولى بجهة ~~مثلها، وعلى هذا خرجت ms195 الجواهر إذا اتجر فيها حيث تصير للتجارة، لأنها خلقت ~~لجهة التزين، وإذا صرفها إلى جهة التجارة فقد صرفها إلى جهة فوقها فجاز أن ~~ترتفع الأولى بها. # وقد تعلق كثير منهم بالحلي إذا كانت للرجال، فإن الزكاة فيها واجبة ~~بالاتفاق. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن هذه الجهة محظورة على الرجال، لأن الصرف عن ~~جهة النماء إذا حصل سقط الزكاة سواء أكان بجهة محظورة أو بجهة مباحة. # ألا ترى أن السائمة من الإبل إذا علفها بعلف مغصوب سقطت زكاتها، وكذلك ~~ثياب التجارة من الحرير إذا اتخذها الرجل للبسه سقطت زكوتها، وكذلك البقر ~~السائمة إذا جعلها عوامل لنقل الخمر فإنه تسقط زكاتها. # الجواب: # أما قولهم: ((إن الزكاة تتعلق بعين الذهب والفضة)). # قلنا: إن عنيتم أنها تعلقت بعينهما لا لمعنى، فلا نسلم، وإن عنيتم لمعنى ~~فمسلم، وهذا كالسوائم تتعلق الزكاة بأعيانها لمعنى، كذلك ههنا. # فإن قالوا: ((فأيش ذلك المعنى)). # قلنا: وصف النماء وقد فات في مسألتنا على ما سبق. PageV02P111 # وأما الربا يتعلق بعينها بنص الشارع وعينهما باقي. # قالوا: ((إن عندكم علة الربا الثمنية وقد زالت باتخاذ الحلي)). # قلنا: نحن نقول إن جريان الربا حكم متعلق بعين الذهب والفضة، وأما العلة ~~بالثمنية لم يكن لأنه غير متعلق بعين الذهب والفضة بل لمنع إلحاق غير الذهب ~~والفضة بالذهب والفضة. # وقد قال بعض أصحابنا: إن العلة كونهما جوهري الأثمان وهذا المعنى باقي ~~بعد الصنعة. # ومنهم من قال: إن لم يبق حقيقة الثمنية بعد صنعة الحلي فقد بقيت شبهة ~~الثمنية، والتحريم يثبت بشبهة الربا، وأما الزكاة لا تجب بشبهة النماء بل ~~تجب بحقيقة النماء. # وأما قولهم: ((إن وصف النماء أو صفة التجارة قائمة بعد صنعة الحلي)). # قلنا: قد دللنا على الفوات ثم يتبين وجه ذلك على ما يمكن الاعتماد عليه ~~فنقول: إن الله تعالى خلق الذهب والفضة لمنافع العباد فكل منفعة يجوز ~~حصولها من الذهب والفضة، فهما مخلوقان لذلك، فعلى هذا خلق الله تعالى الذهب ~~والفضة لمنفعة التقلب والتصرف، ولمنفعة التحلي والتزين وغير ذلك، إلا أن في ms196 ~~الابتداء تعين جهة التقلب والتصرف ويجعل الذهب والفضة كأنهما خلقا لذلك، ~~لأن هذه المنفعة أعم من منفعة التحلي والتزين. # ألا ترى أنها تعم الرجال والنساء، ومنفعة التحلي والتزين تختص بالنساء، ~~وإنما يجوز للرجال في الفضة على الخصوص في شيء معين من خاتم وما يشبهه، وهو ~~شيء يسير لا يقع الالتفات إليه فتعين جهة التجارة بهذا الرجحان، إلا أنه مع ~~ذلك يقبل أن يجعل للمنفعة الأخرى، ويصرف PageV02P112 # إليها بعارض من صنعة مباحة مشروعة لذلك النوع من المنفعة على الخصوص، ~~فإذا صرف وصنع انصراف عن تلك الجهة إلى هذه الجهة، وفات صفة النماء، وهي ~~شرط وجوب الزكاة فسقطت لفقدان شرطها، وهذا كالثياب والدواب خلقت لمنافع ~~فيها، وتعينت في الابتداء لجهة البذلة بنوع دليل ثم إذا صرفها عنها بفعل ~~التجارة انصرف ووجبت الزكاة، فإذا عرفنا هذا الأصل فيخرج عليه ما ذكروا من ~~المعنى، وما تعلقوا به من الأحكام. # وأما قولهم: ((إن جهة التجارة/ تبقى بعد صنعة الحلي)). # قلنا: جهة التجارة وجهة البذلة جهتان مختلفتان، والشرع قد علق بكل جهة ~~حكما يخالف الجهة الأخرى، ولا يجوز أن يحكم باجتماعهما، بل إذا ثبتت ~~إحداهما انتفت الأخرى، كما لو جعل ثياب البذلة للتجارة. # وقولهم: ((إنه تصور فيه التقلب والتصرف بعد اتخاذه حليا)). # قلنا: هذا كمن يقول إن الثياب والدواب يتصور فيهما اللبس والركوب بعد ~~جعلهما للتجارة، ثم ذلك الزعم باطل، كذلك ههنا، وعلى أنا بينا وجود ضدية ~~ومنافاة بين الجنسين محسوسا ومشروعا. # وأما قولهم: ((إنه صار للتجارة بعينه من غير اعتبار معنى وراء العين)). # قلنا: بلى، ولكن بنوع دليل مرجح لهذه الجهة على غيرها مع قبول العين ~~جعلها مشروعا ومحسوسا لجهة أخرى، فإذا جعل لتلك الجهة وصرف عن هذه الجهة ~~صار لها، وفاتت هذه الجهة مثل الثياب والدواب. # وأما قولهم: ((إن جهة التحلي والتزين دون جهة التجارة)). PageV02P113 # قلنا: وجهة التجارة دون جهة اللبس والأكل والشرب في الدواب والثياب، لأن ~~قوام الحياة يتعلق بعين هذه الأشياء. # وأما التجارة فلا يتعلق قوام الحياة بها، إنما هي طريق التوصل ms197 إلى ما ~~يتعلق به القوام فيكون دون الأول قطعا، ومع ذلك ينصرف إليها بالصرف، وعلى ~~أن جهة التحلي والتزين جهة مقصودة مطلوبة بدليل قوله تعالى: {والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وزينة}. # فقد أخبر أنه خلقهما لهذين وجعلهما بمنزلة واحدة، ولأنه تعالى خلق ~~الجواهر سوى الفضة والذهب في الابتداء للتحلي والتزين وإن قبل الانصراف عنه ~~على غيره مثل ما خلق الذهب والفضة في الابتداء للتجارة، وقبل الانصراف إلى ~~غيره، فاستويا منفعة التجارة ومنفعة التزين من هذا الوجه، لأنه ما يفوته ~~الإنسان باختياره لا يفرق بين أن يفوته إلى شيء مثله أو فوقه أو دونه مثل ~~الاعتياض عن المالية في الأشياء يجوز أن ينقل إلى ما هو مثله أو فوقه أو دونه. # أما المسائل التي تعلقوا بها فنقول: # إذا عرف الأصل الذي ذكرنا سهل التخريج عليها، لأن جهة التجارة إنما تفوت ~~وتزول بفعل محقق للصرف والإزالة، وذلك لا يوجد إلا بعد اتخاذه حليا بالصنعة ~~المعروفة، ولا يوجد هذا إلا بالسبك ولا بإعداده للنفقة، ونية الإنفاق لا ~~يلتفت إليها، لأنه لم يكن للتجارة بالنية حتى تفوت بنية أخرى، وإنما كان ~~ببقائه على أصل الخلقة من غير أن يوجد عارض صنعة مغيرة، وفي الذهب والفضة ~~المضروبة إن وجد عارض صنعة، فإنما وجد عارض صنعة محققة لجهة التجارة لا ~~عارض صنعة مغيرة مفوتة بخلاف صنعة الحلي على ما سبق. PageV02P114 # وأما الحلي للرجال فالصرف لم يوجد لحظرية الصنعة فكأن الشرع لحظرية ~~الصنعة جعل الصنعة كالمعدومة، وصار كأنها باقية على الجهة التي كانت عليها ~~من قبل. # وأما المسائل التي أوردوها على هذا العذر: # ليس يلزم، لأن تلك الأفعال وإن كانت محظورة لكن تضمنت ترك جهة التجارة، ~~أو جهة السوم، فلذلك سقطت الزكاة، وهذا الترك لا يوصف بالحظر والحرمة، وقد ~~كانت جهة السوم والتجارة بفعله فتزول بتركه. # وههنا أيضا يمكن أن يقال إنه باتخاذ الحلي وإن كان محظورا ترك جهة ~~التجارة لكن لم تكن جهة التجارة بفعله حتى يزول بتركه، بل كان بنوع دليل ~~قام عليه من الشرع فينصرف ms198 عنها بشرع مثله وقد صرفه عنها بشرع صحيح، وابتذال ~~مشروع وصنعة مباحة مطلقة فانصرف وسقط الوجوب. والله أعلم. # * * * PageV02P115 ### || AUTO (مسألة) # وجوب الخراج لا ينفي وجوب العشر في الخارج من الأراضي الخارجية # عندنا. # وعندهم: لا يجتمع الخراج والعشر. # لنا: # إن العشر واجب في الخارج فما يجب بسبب الأرض لا ينفيه، لأن الواجب في مال ~~لا ينتفي بواجب في مال آخر. # والدليل على أن العشر واجب في الخارج، أن الواجب عشر الخارج فيكون واجبا ~~بملك الخارج وبسببه، مثل زكاة الذهب والفضة لما كان الواجب ربع العشرة كان ~~واجبا بملك الذهب والفضة وبسببهما، لأنه يكثر بكثرة الخارج ويقل بقلته، ~~وأيضا يختلف باختلاف أجناس الخارج والأرض واحدة غير مختلفة، فثبت أن العشر ~~واجب في الخارج. # وأما الخراج مؤنة الأرض، بدليل أنه يجب بملك الأرض، وإن لم يكن زرع بعد ~~أن تمكن من الزرع، وأما العشر لا يجب بحال إلا بوجود الزرع PageV02P116 # وصار الخراج بمنزلة كراء الحانوت، وصار زكاة العشر بمنزلة زكاة المال ~~الذي يتجر فيه على الحانوت ثم هالك جاز اجتماع وجوبهما، كذلك في مسألتنا. # وقد قال الأصحاب: حقان اختلفا سببا ومحلا ومصرفا وصفة فاجتمع وجوبهما ~~فالسبب قد ذكرنا، والمحل محلين: أحدهما دراهم في الذمة، والآخر عشر العين، ~~وأما الصفة فلأن أحدهما عبادة، والآخر مؤنة، وأما المصرف فلأن/ أحدهما يصرف ~~إلى أهل السهمان، والآخر إلى المقاتلة. # وأما حجتهم: # تعلقوا بحديث رووا عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ~~بن مسعود أن النبي عليه السلام قال: ((لا يجتمع العشر والخراج في أرض ~~مسلم)). وهو نص لأن الخراج وظيفة الأرض، PageV02P117 # كذلك العشر بدليل أنه يقال: أرض عشرية وأرض خراجية، والإضافة المطلقة في ~~الشرع دليل السببية. # دليله: سائر المواضع فلما أضيف كل واحد من العشر والخراج إلى الأرض دل ~~أنها سبب وجوبهما، ولأن الأرض مال نامي فلا يخلو عن واجب. # دليله: سائر الأموال النامية. # وأما الزرع ليست بمال النماء، لأن العروض والحبوب إنما يصير مال النماء ~~بالتجارة، والحبوب في هذه المواضع ليست ms199 بمال التجارة. # يبينه: أن النامي ما يراد بقاءه في ملكه، وطلب النماء منه، والأرض بهذا ~~الوصف، فأما الزرع فلا يراد للبقاء، فإنه مطلوب في العادة من الأراضي ~~للقوت، والتقوت جهة مثوبة لا جهة مبقية، فثبت أن العشر وظيفة الأرض مثل ~~الخراج إلا أن الخراج دراهم في الذمة فإذا ملك الأرض وتمكن من زراعتها وجب. # وأما العشر مقدر من الخراج فما لم يوجد الخارج لا يمكن إيجابه، ولهذا ~~افترقا في هذه الصورة وهذا الافتراق لا يدل على اختلاف السبب، ألا ترى أن ~~الأجر للأجير الواجد، والأجير المشترك في مقابلة العمل، وإن كان أحدهما لا ~~يجب إلا بالعمل والأجر يجب بتسليم النفس وإن لم يوجد العمل، وأما اختلاف ~~مصرفهما جاء من حيث أن أحدهما مشتمل على معنى العبادة وهو العشر، والأجر ~~محض مؤنة فصرف العشر إلى أهل السهمان والخراج إلى المقاتلة، وهذا الاختلاف ~~لا يمنع اتجاه السبب. PageV02P118 # ولأن الدليل قد قام أن ملك الأرض صالح لإيجاب كل واحد منهما، أما العشر ~~فدليل وجوبه ملك المال النامي، والأرض مال نامي، وأما الخراج فلأن الأرض ~~قطعة من دار الإسلام لا يمكن حفظها إلا بحماية الإمام كما لا يمكن حفظ جميع ~~دار الإسلام إلا بحمايته، والحماية تكون بجند ومقاتلة، ولابد لهم من رزق ~~يعيشون به فوجب الخراج بوصف أنه مؤنة الأرض ووجب لمن يوجد منهم حماية ~~الأرض، واستدلوا في أن العشر واجب بسبب الأرض لا بملك الخارج أنه لو اجتنى ~~الثمار من المواضع التي لا تملك وبلغ نصابا لا يجب فيه العشر مع وجود الثمر ~~لعدم الأرض، وكذلك النخيل التي في داره المملوكة لا يجب العشر في ثمارها ~~لعدم الأرض الخراجية أو العشرية. # الجواب: # أما الخبر فلم يثبت، ولئن ثبت لقلنا به. # وقد قيل: رواه يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة، ويحيى بن عنبسة، متروك. # وكيف يثبت هذا الخبر؟ وقد تفرد بإسقاط العشر بسبب الخراج أبو حنيفة رحمة ~~الله عليه من بين أهل العلم، ولم يوافقه عليه أحد من الأئمة سوى أصحابه ~~الذين درجوا على ms200 قوله ونسجوا على منواله. # ونقل ابن المنذر في كتاب ((الاختلاف)) عن جملة أهل العلم شرقا وغربا PageV02P119 # إيجاب العشر من الخراج، وقال: وقد قالت طائفة قليلة عددها شاذ قولها ~~بخروجه عن أقوال أهل العلم أنه لا عشر مع الخراج وذكر أصحاب الرأي، ونقل عن ~~ابن المبارك أنه ذكر له قول أبي حنيفة رضي الله عنه في هذه المسألة فقال: ~~لا يترك كتاب الله وسنة رسوله بقول أبي حنيفة رضي الله عنه، فجاء مما ذكرنا ~~أنه لو صح ذلك الخبر لم يخف على أهل العلم من الأئمة، ولو عرفوا ذلك لم ~~يخالفوه، فدل أن الخبر موضوع لا يلتفت إليه. # وأما المعنى: # قولهم: ((إن العشر وظيفة الأرض)). # لا نسلم، بل هو زكاة الخارج. # وأما قولهم: ((إنه مضاف إلى الأرض)). # قلنا: ويضاف إلى الزرع فيقال: عشر الزرع، ولعل هذه الإضافة أشهر وأظهر ~~فتكون بالاعتبار أولى، ثم يجوز أن تكون الإضافة التي تعلقوا بها على طريق ~~التوسع والمجاز. # ومعنى قولهم: ((أرض عشرية)). # أي أرض يجب العشر في الخارج منها. # وأما قولهم: ((إن الأرض مال نامي)). # قلنا: هذا غلط قبيح، لأن الزرع ليست بنماء الأرض، وإنما هي نماء البذر، ~~ولهذا يكون لصاحب البذر لا لصاحب الأرض، ولأن نماء كل شيء PageV02P120 # من جنسه فلا يتصور نماء الأرض بالزرع، نعم يحصل من الأرض قوة في نماء ~~البذر، فأما أن يكون نماء الأرض فمطمع محال، وهذا كالحاضنة للولد تكون منها ~~قوة في تربية الولد، وأما الولد فهو ولد أبيه وأمه. # وأما قولهم: ((إن الزرع ليس بمال النماء)). # قلنا: هو نفس النماء فيكون الإيجاب فيه أولى، وهذا كالسخال تجب فيها ~~الزكاة بالإجماع، وإن لم يكن مالا ناميا، وأما عذرهم عن فصل الذي ألزمناهم ~~وهو إذا ملك الأرض ولم يزرع، وقد تمكن منه لا يجب العشر. # وقولهم: ((إنه لا يمكن الإيجاب، لأن العشر مقدر بجزء من الخارج/ فلا يجب ~~بدون الخارج)). # قلنا: وجب أن يجب، ويقدر وجود الخارج، وهذا مثل ما قلتم إن المكري يجب ~~العشر عليه وإن لم يجب بملك ms201 الخارج وقدر ملكه له، والحرف في هذا أنه يستحيل ~~ملك المال النامي سبب صالح تام في وجوب الحق المسمى سواء وجد حقيقة النماء ~~أو لم توجد بدليل السوائم وعروض التجارة. # وأما الأخير الذي قالوه وهو: ((إذا اجتنى الثمار من الأراضي التي هي غير ~~مملوكة)). # قلنا: إنما وجب العشر في الخارج بعلة أنه نماء ملكه فإذا وجب في المال ~~النامي فلأن يجب في نفس النماء أولى، وهذا لا يوجد فيما صوروه، لأن ذلك ليس ~~بنماء ملكه، والمسألة الأخيرة ممنوعة. والله أعلم. # * * * PageV02P121 ### || AUTO (مسألة) # نصيب العامل من الربح الحاصل في مال القراض لا تجب فيه الزكاة # عندنا. # وعندهم: تجب وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه. # والمسألة بناء على أن العامل هل يملك نصيبه بنفس ظهور الربح؟ # عندنا: لا يملك ما لم يقسم، وعندهم يملك. # لنا: # إن المسمى للعامل عمالة فلا يملك قبل القبض، دليله: المسمى لعامل ~~الصدقات، والأولى أن نقول: جعل على العمل فلا يملكه قبل تمام العمل. # دليله: الجعل في الجعالات، والدليل على أنه جعل أن تصحيح العقد بوجه ~~الإجازة لا يجوز، لأن العمل مجهول، والإجارة على العمل المجهول باطل، ولا ~~يمكن تصحيحه بجهة الشركة، لأن اختلاف الجنس من الجانبين يمنع صحة الشركة. # وقد اختلف الجنس من الجانبين في القراض، لأن في أحد الجانبين مال وفي ~~الجانب الآخر عمل، ولا مجانسة بين المال والعمل، وإذا بطل هذان PageV02P122 # الوجهان لم يبق للصحة وجه إلا جهة الجعالات، وحكم الجعالة أن لا يملك ~~الجعل فيها إلا بتمام العمل، وتمام العمل بالقسمة وإيصال حق رب المال على ~~الكمال إليه. # ويستدل بمسألة على أصولهم قالوا: لو اشترى برأس المال عبدين وقيمة كل ~~واحد بقدر رأس المال، فإن العامل لا يملك شيئا من العبدين حتى لا تجب فيه ~~الزكاة، ولا يعتق نصيبه إذا أعتق، فكذلك إذا كان العبد واحدا، لأن الصورتين ~~في المعنى واحد. # وأما حجتهم: # قالوا: العامل أحد الشريكين في الربح فيملك نصيبه بنفس الظهور. # دليله: رب المال (والدليل على أنهما شريكان، أنهما يملكان شرط ms202 واحد وهو ~~قوله: ((على أن ما رزق الله تعالى فهو بينا نصفان)). # ولأن الربع تفرع عن أصل مشترك بينهما، فيكون مشتركا بينهما كالحاصل بين ~~شريكي العنان وكالشريكين في الشجرة إذا أثمرت تكون الثمرة مشتركة بينهما، ~~وإنما قلنا: ((إنه تفرع عن أصل مشترك بينهما))، لأن عقد المضاربة صحيح ~~بالإجماع، وإنما صح على جهة ثبوت الشركة بين رأس المال والعمل، وتولد الربح ~~منها جميعا فإن رأس المال دراهم ولا يتولد منها ربح بدون التصرف، والتصرف ~~نفسه كلام ولا يتولد منه ربح بدون مال، فإذا اجتمعا حصل الربح مثل المزارعة ~~والمساقاة فإن الأرض بدون الزرع لا تنبت، والزرع بدون الأرض لا عمل له، ~~فإذا اجتمعا PageV02P123 # انعقدت الشركة بين منافع الأرض والعمل ثم يخرج الزرع على سبيل الشركة). # قالوا: وأما العمالة والجعالة فباطلتان إذا كانتا بصنع من العباد ~~(والعمالة عبارة عن كفاية ليفرغ لعمله، ومثل هذا لم نجده مشروعا مفوضا ~~إلينا حتى نوجبها قصدا فيما نحتاج إليه من الأعمال بل هذا مما تولى الله ~~إيجابها لعمل العامة، كما أوجب الكفاية للإمام الأكبر، والقاضي، والمفتي، ~~وكل من فرغ نفسه لأمر من أمور الدين فقدر له كفاية من بيت مال المسلمين، ~~فكانت معاملة بين الله تعالى وبين عبده، وما يصح من الله تعالى على عباده ~~لا يشبه ما فوض إليها مما يوجبه بعضنا على بعض، فكان اعتبار القراض بما ~~نوجبه نحن من إجارة أو شركة أولى) من اعتبارها بما يوجبه الله تعالى مما ~~يتولاه بنفسه. # قالوا: (وأما مسألة العبدين فإنما لم يملك العامل شيئا منهما، لأن ملكه ~~إنما يكون من الربح، ولا ربح في هذه الصورة فإن كل واحد من العبدين مشغول ~~برأس المال وإنما كان كذلك، لأنه قد ثبت عندي أن العبيد لا تقسم جملة ~~ويعتبر كل عبد كأنه ليس معه غيره، وإذا كان أمر العبد هكذا في القسمة، ~~والفضل لا يحصل فضلا إلا بعد إحراز رأس المال وتحصيله، والمقاسمة بينه وبين ~~الربح، لكن على سبيل الترتيب، ومعنى الترتيب أنه يحصل رأس المال أولا ثم ms203 ~~الربح، وكل عبد وجب PageV02P124 # اعتباره في هذا الحكم كأنه ليس معه غيره فلم يفضل شيء من العبد عن رأس ~~المال، وهذا بخلاف العبد الواحد، لأنه قد فضل. # وحرفهم في هذا أن رأس المال لا يعتبر/ شائعا في العبدين بل في كل عبد على ~~حدة، وإذا جعل هكذا لم يحصل فضل رأس المال). # الجواب: # إن كلامه مبني على أن القراض شركة، وقد بينا أن الشركة مع اختلاف الجنس ~~في رأس المال لا تنعقد، وقد بينا هذا في كتاب ((الشركة)). # وقلنا: إن الشركة لا تكون شركة إلا بالاختلاط، ولا يتصور الاختلاط بين ~~المال والعمل. ونقول أيضا: إن المال نماء المال بكل حال، ولا يتصور أن يكون ~~العمل نماء، لما بينا أن نماء كل شيء ما يكون من جنسه فلا يتصور أن يكون ~~المال نماء العمل، وإنما العمل شرط ظهور الربح، فأما أن يكون الربح متولدا ~~من المال والعمل فكلام مستحيل، ولا يمكن تصحيحه بوجه ما، وإذا ثبت هذا لم ~~يكن القراض عقد شركة إنما هو تسمية جعل للعامل فيستحق ما يستحقه عمالة أو جعالة. # وأما قولهم: ((إن الجعالة باطلة فيما بين العباد)). # قلنا: هي صحيحة بدليل أنه لو قال: ((من رد آبقى فله كذا)) يصح، وإذا رد ~~استحق ولأنهم إذا سلموا أنه صح شرعا فإذا عقد العقد على وفاق الشرع انعقد، ~~ولأن مثل هذا العقد يحتاج إليه العباد وذلك بأن يكون العمل مجهولا لا يمكن ~~إعلامه، وإذا احتاج إليه العباد فلو لم يصح ذلك منهم أدى ذلك إلى الحرج ~~العظيم فإذا صح سائر العقود لحاجة العباد، فكذلك هذا العقد يصح ويجوز لحاجة ~~العباد أيضا. PageV02P125 # وأما مسألة العبدين ففي نهاية اللزوم، فإن الربح قد ظهر قطعا، بدليل أن ~~العامل له المطالبة بالقسمة، وهو بالبيع حتى لو أراد المالك أن يأخذ ~~العبدين ويفوز بهما ولا يعطي العامل شيئا ليس له ذلك، بل يجبر على التمكين ~~من البيع وقسمة الربح، وكذلك إذا استهلك العبدين أو أعقتهما فإنه يضمن نصيب ~~العامل. # ويدل عليه: أنه لو مات ms204 العامل يورث نصيبه من العبدين، وأيضا فإنه لا تجب ~~زكاة العبدين على رب المال، فدلت هذه المسائل أن العبدين كالعبد الواحد، ~~وأنه قد ظهر الربح فيهما، ومع ذلك لم يملكه العامل ولم تجب عليه زكاته دل ~~أن المعنى ما بينا وبطل بهذه المسائل قوله: ((إنه يجعل كل واحد من العبدين ~~كأنه ليس معه غيره))، ثم هذه دعوى بلا دليل ودفع للحقيقة بلا برهان، وبمثل ~~هذا لا تندفع الإلزامات، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P126 ### | AUTO كتاب الصوم ### || AUTO (مسألة) # تبييت النية واجبة في صوم الفرض # عندنا. # وعندهم: ليس بواجب إذا كان الفرض في وقت بعينه، وإن كان لا في وقت بعينه وجب. # لنا: # حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ((من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له)) ذكره أبو داود في ~~سننه. PageV02P127 # (والإجماع: إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعته بمعنى واحد). # فإن قالوا: (إن هذا الخبر ليس بمسند، لأن سفيان، ومعمرا وقفاه على حفصة). # قلنا: (قد أسنده عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، وروايات ~~الثقات مقبولة). # ووجه الاستدلال: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الصوم إذا لم ينوه ~~من الليل، فيقتضى نفيه من كل وجه، وذلك نحمله على نفي الجواز. # فإن قالوا: يوجد الصوم مع فقد النية من الليل محسوسا، فكيف ينتفي؟ PageV02P128 # قلنا: الصوم الفرض مشروعا لا يوجد قط مع فقد النية من الليل، ومطلق الصوم ~~في الشرع يحلم على الصوم الشرعي، لا على الصوم اللغوي، وليس لهم تعلق صحيح ~~من حيث الأخبار، لأن الخبر الذي يروونه بطريق عكرمة عن ابن عباس، لا يعرف. # وقيل: إنه عن عكرمة. # والذي يروونه في صوم عاشوراء فلم يثبت وجوب صوم عاشوراء. # وقد روى معاوية أن النبي عليه السلام قال: ((صوم عاشوراء لم يكتب عليكم، ~~فمن شاء صام، ومن شاء لم يصم)). # وعلى أنه قد نسخ فصارت أحكامه منسوخة أيضا. # وأما المعنى: # نقول: المفروض عليه صوم كل اليوم، ms205 وقد صام بعض اليوم ولا يخرج عن المفروض عليه. # دليله: إذا نوى بعد الزوال، والكلام مستغن عن القياس، لأن من وجب عليه ~~جملة شيء فيفعل بعضه لا يكون فاعلا لكله. # يبينه: أنه إذا وجب عليه صوم يوم كامل فبعض اليوم لا يتسع لصوم يوم كامل ~~فلم يتصور أداء الواجب عليه في هذا الوقت الذي نواه بالصوم، PageV02P129 # وما لا يتصور محسوسا لا مشروعا إلا بدليل قاطع، ثم إن الدليل على أنه لم ~~يصم كل اليوم أن النية شرط لأداء الصوم فإن/ الصوم لا يكون صوما إلا ~~بالنية، والنية عزيمة على الشيء في المستقبل. # وأما العزم على فعل شيء في الماضي فلا يعقل، وهذا لأن ما مضى يتأسف عليه ~~وما يوجد في المستقبل يعزم عليه. # ولأن الفعل في الزمان الماضي إذا لم يتصور فكذلك العزم على الفعل في ~~الزمان الماضي لا يتصور، وهذا لا يحتاج إلى كثير إطناب، لأنه أمر قطعي ~~ببدهية الرأي وأول النظر، بل لا يحتاج على نظر أصلا. # فثبت بما قلناه أنه لم يصم كل اليوم فلا يسقط عنه المفروض عليه في كل ~~اليوم، ويمكن القياس على القضاء، وكل واجب من الصوم لا في زمان متعين. # ووجه إلحاق الأداء بالقضاء أيضا في غاية الوضوح، لأن القضاء مثل الأداء ~~من غير زيادة ولا نقصان، ولم يعهد الأمر بزيادة في القضاء لا تجب في الأداء ~~مثل قضاء الصلاة، والحج، وغيرها. # وهذا القياس بهذا التقدير وإن كان في نهاية الحسن غير أن المعنى الذي ~~قلناه كاف وهو مستغن عن كل شبه وعماد فعليه الاعتماد. # وأما حجتهم: # فاعلم أن معتمدهم النفل فإنه جاز بنية من النهار قبل الزوال بالإجماع. # فمشايخهم قالوا: صوم عين فجاز أداؤه بنية من النهار قبل الزوال. PageV02P130 # دليله: النفل. # قالوا: ومعنى قولنا: ((إنه صوم عين)) أن الوقت متعين له شرعا، وقرروا ~~النفل، وقالوا: النفل والفرض مستويان في أصل النية ولا يختلفان فيها بحال، ~~ألا ترى أنهما يستويان في أصل النية، ولأن النية هي الإخلاص في العمل وجعله ~~لله تعالى فلا ms206 يجوز أن يختلف فيها الفرض والنفل، لأن الإخلاص فيهما واجب، ~~ولابد أن يكونا لله تعالى ليصحا. # قالوا: وقولكم: ((إن مبنى النفل على المسامحة والمساهلة بدليل جواز صلاة ~~النفل قاعدا مع القدرة على القيام، وجوازه راكبا مع القدرة على النزول))، ~~لا ننكر هذا الافتراق، لكن مع هذا استويا في النية أصلا ومحلا على ما سبق. # وعلى أن ما استشهدتم به دليل عليكم، لأنه لما جازت الصلاة قاعدا مع ~~القدرة على القيام بكل حال إذا كانت نفلا جازت أيضا إذا كان فرضا بحال، ~~وعندكم لا يجوز. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه يصير صائما في النفل من وقت النية، لأنه لو ~~كان كذلك لم يضره الأكل من قبل كما لا يضره الأكل في السحر لمن يصوم من وقت الفجر. # ولأنه لو نوى أن يصوم نصف النهار لا يجوز، ولو كان كافرا في أول النهار ~~أو المرأة إذا كانت حائضا لم يجز لهما أن يصوما. # ولو نذر أن يصوم بعض اليوم لا يصح نذره، ولو صام بدل الطعام في جزاء ~~الصيد في الحج، فإنه يصوم عن كل مد يوما فلو بقي نصف مد PageV02P131 # لم يصح صوم نصف اليوم، وهذا لأن الصوم عبادة فلا يعرف أصله ولا مقداره ~~إلا بالشرع والتوقيف ولم يرد الشرع بصوم بعض اليوم بحال، ولو جاز أن يجعل ~~إمساك بعض اليوم صوما بالرأي جاز أن يجعل السجدة الواحدة والركوع والقومة ~~بانفرادها صلاة بالرأي، وهذا اعتراض معتمد. # فهذا وجه تعلقهم بالنفل، وإيرادهم لإظهار إشكاله. # وأما أبو زيد قال: تعلق بالنفل أيضا، وادعى نوعا من المعنى وتحريره ((يوم ~~صوم)) فالإمساك في أوله لا يتعين للفطر بل يوقف على صيرورته صوما بوجود ~~النية في معظمه، دليله النفل. # وربما يقولون: ركن واحد ممتد فتجعل النية في أكثره كالموجود في كله، قال: ~~((وإنما فعلناه ذلك لعذر خوف فوت العبادة فإن العبادة إذا فاتت عن وقتها ~~حكم بفواتها على الإطلاق والقضاء يجب بأمر جديد، ولأن الاستدراك بفعل ~~القضاء استدراك فيما يرجع إلى تبعات الآخرة، فأما في ms207 درك الثواب وجعل ~~الفوات كلا فوات فلا، بدليل قوله عليه السلام: ((من ترك صوم يوم من رمضان ~~لم يقضه صوم الدهر كله)). PageV02P132 # ولأن القضاء إن كان مثل الأول فعلا فلا يكون مثل الأول وقتا، وإذا لم يكن ~~القضاء مثل الأول من كل وجه فلم يتحقق الاستدراك والحكم بعدم الفوات. # فثبت أن القول بعدم جواز النية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة، فلأجل ~~خوف الفوات جوز بنية من النهار وحكم بوقوف الإمساك ليصير صوما بنية توجد في ~~أكثر النهار فيصير كالموجود في كل النهار حكما مثل النفل سواء. # فأما إذا لم يجز بنية من النهار يؤدي إلى فوات العبادة أصلا فلخوف فوتها ~~حكم بما ذكرنا كذا ههنا. # قالوا: وأما إذا نوى بعد الزوال فلا يمكن كما في النفل، لأنه لم يغلب ~~وجود النية بل غلب عدمها، وههنا غلب وجودها وإقامة عذر في عذر ........ عند ~~غلبة وجود النية لا يدل على إقامة ذلك العذر عند غلبة العدم. # وربما تعلقوا بالمسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع يصير مدركا للركعة ~~لغلبة الإدراك. # وأحسن استشهاده لهم في التعلق بالعذر الذي قالوه، هو أنه إذا نذر أن يصوم ~~شهرا بعينه متتابعا فأفطر في ومن منه لا يؤمر بالاستئناف بخلاف ما إذا أطلق ~~الشهر، لأنا إذا أمرناه/ بالاستئناف في شهر بعينه أدى إلى PageV02P133 # فوات العبادة عن وقتها الذي سمى له بخلاف المسألة الثانية فهذا نهاية ما ~~يمكن من إبراز المعنى. # وقد تعلق أبو زيد أيضا بالحرج وقال: ((إذا لم يجوز بنية من النهار أدى ~~إلى حرج عظيم يلحق الناس، لأنه يجوز أن ينسئ الصوم حتى يصبح والنسيان عذر ~~عام في الناس وقد يكون يوم شك لم يظهر أنه من رمضان بعد ارتفاع النهار، ~~وكذلك ربما يحتلم الصبي في بعض الليل ولا يعلم إلا بعد أن يصبح، أو تطهر ~~الحائض ولا تعلم إلا بعد أن تصبح فجوز الشرع التأخير في النية لدفع الحرج، ~~كما جوز تقديم النية لدفع الحرج، وحصول الحرج في المنع من تقديم النية شيء ~~معلوم ms208 لا يخفى، فإنه يتعذر على أكثر الناس فعل النية عند الشروع، لأنه وقت ~~نوم وغفلة، ولأنه لا يعلم وقت طلوع الفجر إلا الخواص من الناس فالحرج ظاهر ~~في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى بينا وجوده أيضا فليتفق الجانبان في ~~الجواز أعني التقديم والتأخير). # قالوا: وأما بعد الزوال فلا حرج، لأن الأعذار التي قلناها ترتفع غالبا ~~قبل الزوال ولا تدوم إلى أن تزول بحال، وأوردوا تقديم النية على فصل العزم ~~الذي قلناه. # وقالوا: كما لا يتصور محسوسا انعطاف العزم على زمان ماض فلا يتصور أيضا ~~أن يقدم العزم إلى عارض في المستقبل خصوصا إذا عزم من أول الليل ثم ينام ~~إلى الصبح فأين العزم عند الشروع وهو لا يشعر بشيء ما؟ بل قيل: وجد العزم ~~حكما وإن لم يتصور محسوسا، كذلك PageV02P134 # ههنا إذا أخر، نقول: وجد العزم من أول اليوم حكما وإن لم يتصور محسوسا. # الجواب: # أما الأصل الذي ادعيناه فهو في نهاية القوة. # والحرف الوجيز: أن الصوم لا يكون إلا بالنية، والنية لا تتصور إلا في ~~المستقبل فصار صائما بعض اليوم وصوم كل اليوم لا يتأدى ببعضه. # وأما النفل فعندنا يصير صائما من وقت النية، لأن إثبات الصوم قبل وجود ~~النية لا مطمع فيه. # وقد ورد النص الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام كان ~~يدخل عليها ويقول: ((هل عندكم من طعام؟ فإذا قالت: لا، قال: فإني إذا ~~لصائم)). # فلا يمكن إبطال الصوم لوجود النية بالنهار بهذا النص، ولا يمكن إثباته من ~~أول النهار لما بينا من الحقيقة فجعلناه صائما من حين ما نوى ضرورة. # وقد أيد هذا النص كون الصائم متبرعا، والمتبرع يتبرع بقدر ما يختاره PageV02P135 # فإن شاء صام كل اليوم وإن شاء صام بعض اليوم، كما أنه بالخيار إن شاء ~~تصدق بحبة وإن شاء بمائة دينار، والاعتماد على الخبر. # وأما الذي قالوا: ((إنا عرفنا أصل الصوم وقدره بالشرع، ولم يرد الشرع ~~بالصوم فيما دون ما ذكرنا)). # وأما الأحكام فنحن نجوز صوم بعض اليوم بشرط أن ms209 لا يكون أكل من أول ~~النهار، لأن النص كذلك ورد فجعلنا ترك الأكل في أول النهار شرطا لئلا يقع ~~العدول عن مورد النص، ولأنه إذا أكل فيكون الصوم على وفاق العادة وإذا لم ~~يأكل يكون على خلاف العادة والعبادة ما يكون على خلاف العادة. # وأما الحائض إذا طهرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في غير رمضان ~~فنوى صوم باقي اليوم يجوز، وأما إذا نوى أن يصوم إلى نصف النهار فقد منع ~~بعضهم، وليس بشيء، والصحيح التسليم وهو مشكل جدا. # ووجه الصواب من هذا الفصل أن نقول: # إنما جوزنا صوم بعض النهار بالنص، والنص ورد بصورة واحدة وهو أن يكون ~~ممسكا في أول النهار ثم يصوم البقية ويصير إمساكه في أول النهار شرطا لصومه ~~في آخر النهار، وهذا يمكن إثباته على وفق أصول الشرع، لأن شرط العبادة، قد ~~يسبق العبادة. فأما إذا نوى الصوم إلى نصف النهار ثم يفطر فهو على خلاف ~~صورة النص. ولأنه لو أكل في باقي النهار فيكون إمساكا على وفاق العادة، وقد ~~بينا أن مثله لا يكون عبادة، وإن لم يكن وجعلناه شرطا لصومه في أول النهار ~~فيكون هذا شرطا متراخيا عن العبادة ولا يوجد لهذا نظري في أصول الشرع فلا ~~يمكن إثباته. # وأما مسألة جزء الصيد فنحن إنما ادعينا ما ادعيناه في النفل لا في PageV02P136 # الواجبات، والواجب لا يكون في معنى النفل بحال، فهذا الذي قلناه وجه ~~الجواب عن النفل، وقد خبط الأصحاب فيه خبطا عظيما. # وعندي أنه قد انزاح الإشكال عنه بالطريق الذي قلته فليعتمد عليه. # وإذا عرفت هذا الجواب على هذا الوجه، سهل الكلام على باقي ما أوردوه، ~~ونشير إلى وجه الجواب عن بقية كلام على التخليص فنقول: # أما العذر الذي اعتقدوا وجوده لجواز النية من النهار فهو خوف فوات ~~العبادة قلنا: لا فوت بحال، لأن القضاء قد وجب، والقضاء وجب شرعا لئلا يقع ~~الفوات فإذا وجب القضاء منع الفوات فكيف يجوز/ اعتقاد الفوات مع وجوه؟ وهذا ~~لأنا نقطع أن من فاته صوم ms210 في رمضان بعذر فقضى يصير متلافيا ما فاته من كل ~~وجه، والخبر الذي أوردوه إنما هو فيما إذا ترك صوما متعمدا. # ثم نقول: النية شرط، والفوات الذي تحقق فهو فضيلة وقت، وفوات فضيلة الوقت ~~لا يكون عذرا في ترك شرط الصوم، لأن الشرط واجب، والفضيلة زيادة على واجب. # وأما قولهم: ((إن الإمساك ينبغي أن يكون موقوفا)). # قلنا: إيقاف الإمساك في زمان ماض لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ~~ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا عنه. # وكذلك الجواب عن قولهم: ((إنا نقيم وجود النية في الأكثر مقام النية في ~~الكل)). # فهذا لابد فيه من دليل قاطع، وليس لهم على ذلك دليل سوى النفل، وقد أجبنا ~~عنه، وهذا لأن صوم كل اليوم واجب فتكون النية في كل PageV02P137 # يوم واجبة، فإذا لم يقم صوم الأكثر مقام الكل فلا تقوم نية الأكثر مقام الكل. # وأما مسألة المسبوق، فليس إثبات إدراك الركعة بإقامة أكثر الركعة مقام ~~الكل، لأن ما أدركه ليس هو الأكثر على أصلهم، لأنه لم يدرك إلا الركوع ~~والسجود، وقد فاته الأكثر وهو الافتتاح والقيام والقراءة. # فإن قالوا: قد وجد منه القيام، والافتتاح ليس من الصلاة فأي شيء فاته؟ ~~ولأنه لو كان بإقامة الأكثر قيام الكل لوجب أن يجوز في حال الانفراد أيضا، ~~فدل أنه إنما جعلناه مدركا بالنص من غير أن يعقل له معنى. # وأما مسألة نذر صوم شهر بعينه متتابعا، ومخالفتها في المسألة الثانية، ~~فليس لما ذكروه، بل لأجل أن ذكر التتابع في صوم شهر بعينه لغوا. # وأما تعلقهم بفصل الحرج، فليس بشيء. # ويقال لهم: أولا تعبير الشرائع بنوع حرج يلحق المتعبد لا معنى له، لأن ~~الشرائع ثبتت على إيقاع الناس في الحرج والتعب، وهل التكاليف من أولها إلى ~~آخرها إلى محض التعب والنصب؟ نعم، إذا وقعت ضرورة يجوز أن يشرع لها مخرج ~~ومخلص دفعا للضرورة، فأما اعتقاد المعتقد أنه لا حرج على العباد وأنهم متى ~~حرجوا اتسع الأمر، فهذا مما لا يسوغ اعتقاد ويعود هو إلى أصل وضع ms211 الشرع ~~بالهدم. # وأما قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} فمعناه PageV02P138 # أنه ما أدخل عباده في شيء إلا وقد جعل لهم مخلصا، وهو معنى قوله: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها}. # وجواب آخر نقول: # إن الحرج الذي قالوه نادر، والشرع العام لا يجوز أن يوضع بحرج نادر، وخرج ~~على هذا تقديم النية، لأنه حرج عام فجاز وضع الشرع العام بالحرج العام، ~~ولئن أمكن تصوير مثل هذه الأعذار النادرة واستخراجها بالمناقيش فيمكن مثل ~~ذلك فيما بعد الزوال، وبالإجماع هو ساقط، ثم نقول تخريجا لفصل تقديم النية ~~على ما سبق من التحقيق: وهو أن العزيمة على فعل في المستقبل صحيح سواء أكان ~~ذلك الفعل متصلا بالعزيمة أو متراخيا عنها، فأما إثبات العزيمة على فعل ~~يفعله في الماضي فلا يجوز بحال، وهذا لأن الفعل لا يتصور في الزمان الماضي، ~~والعزيمة لا تتصور أيضا على الفعل أيضا في الزمان الماضي. # وقد قال مشايخهم: إن الصوم مستحق عليه مع فوات النية من الليل بدليل أنه ~~لا تجوز نية التفل، وإنما لم يجز لاستحقاق صوم الفرض عليه، وإذا كان صوم ~~الفرض مستحقا عليه فإذا فعله وجب أن لا يجوز، لأنه لا يتصور أن يكون الشيء ~~مستحقا عليه، وإذا فعله لم يجز. # ونحن لا نسلم ذلك، وإنما نقول: أصل الاستحقاق قائم ليقضيه في يوم آخر، ~~فأما أن يستحق عليه الصوم في هذا اليوم وقد فاتته النية من الليل فلا نقول بحال. # وأما قولهم: ((إنه لو نوى النفل لا يجوز)). # قلنا: لم يكن عدم الجواز لما قلتم، بل، لأنه نوى النفل لا في وقت النفل، ~~والله تعالى قد عين للنفل لوقتا، وللفرض وقتا فلا يجوز واحد منهما إلا في ~~وقته، والله تعالى أعلم. # * * * PageV02P139 ### || AUTO (مسألة) # نية الفرض واجبة في صوم رمضان # عندنا. # وعندهم: لا تجب، بل إذا أطلق النية أو نوى النفل. # قالوا: يقع على الفرض، قالوا: وكذلك في كل صوم زمان معين. # وقد وافقهم بعض أصحابنا فيما إذا أطلق النية، وليس بمذهب ولا هو صحيح ms212 على ~~المعنى. # لنا: # قوله عليه السلام: ((الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى)). PageV02P140 # أي له ما نوى بعمله، وهذا الإنسان نوى بعمل النفل فلا يحصل له الفرض. # وأما الكلام من حيث المعنى: أن النية شرط في أداء المفروض بالإجماع، ولأن ~~المفروض عمل يعمله لله تعالى ولا يصير العمل لله تعالى إلا بالنية، فعرفنا ~~أن النية شرط في أداء الفروض، وإذا ثبت هذا فنقول: # إذا لم ينو المفروض عليه لم يحصل المفروض عليه، لأن فقد الشرط يوجب فقد ~~المشروط له الشرط، وهذا كأصل الصوم في غير رمضان فإنه إذا لم ينوه لا يحصل ~~له/ الصوم، لأن النية شرط لحصلوه فإذا لم توجد لم يحصل الصوم، كذلك ههنا. # فإن قالوا: ((نية أصل الصوم شرط لكن نية المفروض عليه من الصوم ليس بشرط ~~وفي هذا اختلفنا)). # قلنا: هو مأمور بأداء ما عليه ولا يصير ما عليه مؤدى إلا بنية ما عليه، ~~لأن النية شرط للأداء بالاتفاق، وبالمعنى الذي قلناه فلابد أن يتصل الشرط ~~بما عليه حتى يحصل أداء ما عليه، ولا يتصل إلا بأن يعين ما عليه بالنية ~~أداء وفعلا فم يعينه بالنية فقد الشرط ففقد المشروط. # ولأنه لما كان مأمورا بفعل ما عليه، ولا يصير فاعلا للصوم إلا بالنية ~~فعند عدم النية ما عليه ينعدم فعل ما عليه، وإذا لم يفعل بقي الأمر عليه. PageV02P141 # يدل عليه: أن الصوم له أوصاف، والشروع في هذا اليوم موصوف بوصف وهي وصف ~~الفرضية فلا يصير مصيبا هذا الوصف من بين سائر الأوصاف إلا بنيته على ~~التعيين، كقوم في دار مختلفي الأوصاف من عالم وجاهل، وعربي، وأعجمي، وقريب ~~وأجنبي، فنادى أحدهم لا يصير مصيبا له إلا بتعيينه بوصفه، كذلك ههنا. # وكما تقول في المسلم فيه من ثوب أو طعام، فإنه لما كان ذا أوصاف مختلفة ~~لا يصير معينا لبعضها إلا بتعيينه إياه بالوصف، وهو مثل مسألتنا، لأنه يوجد ~~بوصفه مثل الصوم يوجد بنيته ثم لا يحكم بوجود المسلم فيه ما لم يعنيه بوصفه ~~فلا يحكم بوجود الصوم المفروض ms213 عليه ما لم يعينه بنيته فهذه كلمات في نهاية القوة. # وقال جماعة من أصحابنا: # إنه بنية النفل معرض عن الفرض فلا يحصل له الفرض مع الإعراض عنه، كما لو ~~ترك النية أصلا. # وما ذكرناه أحكم، وأحسن. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. # وهذا الرجل قد صام فيكون قد صام المشروع، لأنه لم يشرع له إلا الصوم ~~المطلق لقوله: ((فليصمه)). # وأما المعنى فقد قال مشايخهم: PageV02P142 # إن المستحق عليه صوم واحد في هذا اليوم فعلى أي وجه أتى بالصوم وجب أن ~~يقع عن المستحق. # دليله: إذا كان عنده غصبا أو وديعة فإنه على أي وجه رد يكون عن المستحق ~~عليه، كذ لك ههنا. # وربما يقولون: الصوم عن رمضان هو المستحق فليقع عن المستحق عليه. # يبينه: أن النية للتمييز بين المفعول وغيره على صورته، فأصل النية اعتبر ~~لتتميز العبادة عن العادة، فإن الإمساك قد يكون عادة، وقد يكون عبادة ~~فاحتاج إلى النية لتمييز العبادة عن العادة. # فأما الصوم عن الفرض متميز شرعا، لأنه لا يوجد في هذ الوقت غير هذا الصوم ~~فاستغنى عن تمييزه عن غيره، لأن تمييز المتميز لغو. # وإنا احتاج إلى أصل النية لما بينا، وليصير عمله لله تعالى على ما قلتم. # وقد صام وما عليه متميز عن غيره فاستغنى عن التعيين والتمييز. وتعلقوا ~~بالحج وهو فصل مشكل، وقالوا: مطلق النية في العبادة إذا لم يقع عن النفل ~~يقع عن الفرض. # دليله: الحج، وألزموا فصل الحج على جميع المعاني الذي قلناه. # والإشكال أنه قد وقع عن الفرض بدون نية الفرض، دل أن نية الفرض غير واجبة ~~في كل عبادة اختص بزيادة استحقاق وقتا # قالوا: وقولكم: ((الحج يستوي فرضه ونفله في الأحكام بخلاف الصوم، أو يمضي ~~في فاسده بخلاف الصوم، أو يجوز بإحرام مبهم بخلاف الصوم)). PageV02P143 # فليست هذه الكلمات بشيء، ومفارقة الصوم الحج في هذه الأشياء لا يدل على ~~مفارقته في استغنائه عن تعيين النية واحتياج الصوم إلى تعيين النية. # لأن الفرض والنفل إن استويا في الأحكام إلا ms214 أنهما غيران، لأن أحدهما فرض، ~~والآخر نفل ولا يجوز أن يتأديا جميعا بنية واحدة، فإذا استويا ولم يتأديا ~~جميعا فلابد أن يعين أحدهما ليصير مؤدى فوجب أن يقدم الذي عينه بالنية. # وأما المضي في فاسد الحج، فهو نوع تغليظ ورد في المنع من الخروج منه إلا ~~بالطريق المشروع للخروج منه إلا أنه لا يصير داخلا فيه إلا بفعله فينبغي أن ~~يصير داخلا فيما يفعله ويقصده بفعله وهو ما ينويه ويعينه بنيته وقد نوى ~~التطوع. # وعندكم صار داخلا في الوقت بنوع دليل، فكذلك في الصوم عندنا. # قالوا: وأما عندنا إذا نوى التطوع في الحج لا يصير داخلا في الفرض لأن ~~الوقت لم يتعين له على الخصوص بخلاف وقت الصوم عندنا، وأما إذا أطلق النية ~~فلم يعين بنيته الفرض ولا النفل، وإنما يحتاج إلى صرفه إلى أحدهما، وقد مال ~~دليل الحال على صرفه إلى الفرض، لأن الحج يحتاج فيه إلى كلفة شديدة ومشقة ~~عظيمة، والإنسان لا يتحمل مثل هذه الكلفة والمشقة للنفل وعليه الفرض، بل ~~يقصد الفرض، ثم إذا اتفق له بعد ذلك التطوع يفعله فلأجل دليل الحال صرفنا ~~نيته إلى الفرض، ودليل الحال دليل مرجوع إليه في كثير من الشرائع، فأما إذا ~~عين نية النفل فقد/ سقط دليل الحال، لأنه قابله صريح نية التطوع ولا نفاد ~~لدليل الحال مع التصريح بغيره. PageV02P144 # وأما جواز إعدام الإحرام فليس فيه دليل، والإبهام متصور في الإحرام، لأنه ~~ينقسم إلى حج وعمرة، ولا يتصور في الصوم. # وقد ذكر أبو زيد طريقة أخرى قال: # الوقت متعين لصوم الفرض، فنقول: متعين في هذا الوقت شرعا فيصيبه باسم ~~جنسه، كما يصيبه باسم بعينه، وهذا كشخص متعين عينا في موضع معلوم، فإنه ~~يصيبه باسم عينه ويصيبه باسم جنسه فالأول أن تقول: يا زيد أو يا عمرو- إذا ~~كان اسمه ذلك- والثاني أن تقول: يا رجل. # كذلك ههنا اسم الجنس هو الصوم المطلق، اسم العين هو الصوم الفرض، والفرض ~~عين في هذا الوقت فيصيبه بالاسمين. # وحقق هذا وقال: ((الصوم واحد في الأحوال كلها، ms215 لكنها تارة تكون فرضا، ~~وتارة تكون نفلا، وإذا كان واحدا يكون مؤديا له أطلق النية أو عينه، كالشخص ~~لما كان واحدا، يكون داعيا له أطلق النداء أو عينه)). # والحرف لهم، أنهم يقولون: # لا مزاحم لهذا الصوم الواجب في هذا اليوم فيتعين وإن لم يعنيه. # وريما يقولون: إذا قبل الوقت أوجها من الصيام مثل خارج رمضان إنما لم ~~يتعين الواحد منها لأجل التعارض، ولا تعارض في مسألتنا، لأنه لا يقبل إلا ~~صوما واحدا. # وخرجوا على هذا وقت الصلاة، لأنه وإن ضاق يقبل الفرض وغيره. # قالوا: وقولكم ((: إنه عليه نية الفرض)). PageV02P145 # كلام مبتدأ، لأن الذي عليه هو الصوم وحده إلا أنه لازم عليه أن يفعله وقد ~~فعله، ويستحيل أن يقال: إن الصوم مستحق عليه بوصف زائد على كونه صوما، لأنا ~~إذا قلنا: مستحق عليه فلا معنى لقول من يقول: ((إنه بوصف زائد))، وهو راجع ~~إلى قولهم: ((إن الصوم واحد)) وقد سبق. # وأما إذا عين النفل بالنية فتلغو نية النفل، وكذلك إذا نوى القضاء أو ~~النذر أو الكفارة، وإنما لغى بعدم قبول الوقت هذه الصيامات، وإذا لغى بقى ~~مطلق النية فكان الأمر على ما قلنا. # ولا يجوز أن يقال: إذا لغت نية النفل تلغو نية أصل الصوم، لأن هذه ~~الأشياء وصف زائد، وبطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل، ولهذا إذا نوى القضاء ~~خارج رمضان ثم يتبين أنه ليس عليه أو نوى الكفارة بعد انفجار الصبح تغلو ~~نية القضاء، ولا تلغو أصل النية حتى يصير صائما عن النفل. # قالوا: وبهذا يعترض على قولكم: ((إنه إعراض عن نية الفرض)) لأنه لو كان ~~معرضا عن الفرض لصار معرضا بنية النفل وقد لغت نية النفل فلغى الإعراض أيضا ~~مثل الحج على أصلكم، والطواف نفلا إذا كان عليه فرض. # يدل عليه: أن الإعراض في ضمن نية النفل، فإذا بلطت نية النفل بطل ما في ضمنها. # الجواب: # أما الآية فهي دليل عليكم، لأنه قال: ((فليصمه)) ومعناه: فليصم الشهر، ~~وإنما يكون صائما الشهر إذا صام صيام الشهر، ألا ترى أنهم ms216 PageV02P146 # صرفوه إليه وجعلوا صومه عن صيام الشهر ولم يثبتوا له صوما مطلقا في الشهر ~~وإن صححوا نيته. # وأما المعنى: # قولهم: ((إن المستحق عليه صوم واحد)). # قلنا: بلى، ولكنه لم يأت بذلك المستحق عليه، ولا يتأدى المستحق عليه إلا ~~بفعله، وشرط فعله نيته وقصده، وإذا لم يأت بالشرط فات المشروط. # وأما رد المغصوب والودائع، فهناك لا تستحق عليه نية، إنما المستحق عليه ~~هو نفس الرد. # أما ههنا فإن النية مستحق عليه، والمراد بالنية: ((نية ما عليه)) فإذا لم ~~يأت بها بقى فعل لا نية. # أما قولهم: ((إن النية للتمييز)). # فهذيان عظيم، ومن تكلم بهذا قلم يعرف النية، وإنما شرطت النية ليصير عمله ~~لله تعالى وهو بنية أداء ما عليه، فإذا نوى أداء ما عليه لله تعالى صار ~~عمله لله تعالى، في التطوع ينوي أن يصلي لله أو يقوم لله، ويدخل على ~~التمييز، الذي قالوه أصل النية، فإن الإمساك متميز شرعا متعين لوجه العبادة ~~قطعا، بدليل أنه حرام عليه غيره فوجب أن يقال: إنه على أي وجه أمسكه يكون ~~عن التمييز المتعين، ولكن اعتبر على أصل النية ليصير أصل صومه لله تعالى ~~فتعتبر نية ما عليه ليصير العزم بوصف الفرضية لله تعالى، وهذا حرف معتمد ~~غاية الاعتماد. PageV02P147 # وأما فصل الحج فوجه الجواب عنه: # إن وقوعه عن الفرض على النص، وهذا الحديث المعروف الذي روى أن النبي عليه ~~السلام سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال: ((هل حججت عن نفسك؟ فقال: لا، قال: ~~هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)). # ونحن ادعينا حقيقة عظيمة في المسألة، وهو أنه لا يصير الإنسان فاعلا لشيء ~~بفعل غيره، وذلك كأن ينوي النفل أو يطلق النية، فكيف يكون هو ونية النفل ~~واحدا؟ هو النفل ليس له وصف سوى أنه صوم، وسمة النفل للتمييز بينه وبين ~~الفرض فليس له وصف زائد على الصومية فتصير النية/ المطلقة ونية النفل ~~واحدا، وإذا فعل النفل وقصده بنيته لا يصير فاعلا غيره من الفرض فهذه حقيقة ~~تشهد بها المعقولات والمنقولات، وقد صرفنا عن ms217 هذه الحقيقة للشرع في الحج ~~فانصرفنا إليه تقديما للوحي على المعقول والشرع على الرأي. PageV02P148 # وأما في الصوم رجعنا إلى أصل ما نعقله. # ودل عليه: سائر الأصول الموصلة والقواعد المقننة، وهم عدلوا في الحج عن ~~قانون أصولهم حتى جوزوه بمطلق النية مع سعة الوقت للفرض وغيره، وكونه في ~~هذا المعنى كوقت الصلاة سواء، ثم تفريقهم بينه وبين الصلاة في هذه المواضع ~~وهو إذا أطلق النية فليقبلوا منا مثل ذلك وليرضوا به. # وإن ألحوا في طلب المعنى فيجوز أن يقال: إنه كان بنوع نظر من الشرع لهذا ~~العبد الذي ترك النظر لنفسه ولم يعين الفرض بنيته، وكان اختصاص الحج بالنظر ~~فيه من الشارع لعظمه في نفسه واحتياجه إلى تحمل المؤنات والمشقات العظيمة، ~~وأنه قل ما يتفق في العمر إلا مرة واحدة فلو لم يصرف نيته إلى الفرض نظرا ~~من الله تعالى فربما لم يصل إلى فعله من بعد فضاع أصلا، وهذا لا يوجد في ~~غيره من العبادات. # وأما طريقة أبي زيد فقد وضعها في مطلق النية، وقد بينا أن النية المطلقة ~~ونية النفل واحدا لا تختلف، فصار إذا أطلق النية كأنه نوى النفل، ثم يقال ~~لهم ما اعتمدوه، وهو أن هذا الصوم متعين في هذا الوقت، وهذا مسلم، ولكن ~~لابد من أدائه وآداؤه بالنية، فإذا لم ينوه فلم يؤده. # وقولهم: ((إنه يصير مصيبا إياه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين مثل ما ~~استشهدوا به من الشخص القاعد في الدار)). # قلنا: ليس في الوقت شيء موجود حتى يصيبه باسم الجنس كما يصيبه باسم العين ~~مثل ما قلتم في الشخص القاعد في الدار، وإنما الصوم في العدم وقد أمر ~~بإيجاده فإنما يوجد بما يوجده، وهو ما قصد إلا إيجاد النفل فلا يوجد الفرض ~~بنيته أنه قصد هذا الصوم من حيث أنه صوم فحسب، لا من حيث أنه فرض فلا يصيب ~~الفرض واعتبر قصده. PageV02P149 # ألا ترى أن من رمى سهما على ظن أنه حربي يكون خطا، لأنه لم يقصد من حيث ~~أنه مسلم، فلم يجز ms218 أنه يعطي له حكم التعمد للمسلم. # فإن قالوا: ((أليس لو سمى الدراهم المطلقة في البياعات ينصرف إلى نقد ~~البلد، وإن كان هو الذي يوجده ويوجبه مثل مسألتنا، ولكن لما كان نقد البلد ~~يعين عرفا انصرف إليه، كذلك ههنا الصوم عن هذه الجهة وقد تعين شرعا فيصرف ~~الإطلاق إليه)). # قلنا: المعاملات العرفية يجوز أن يحكم فيها العرف، فأما في مسألتنا فهذه ~~عبادات شرعية فيصار فيها إلى شرائط الشرع، نعم، لو قدرنا جواز صوم لا بنية ~~كأن يجوز أن يقال: إذا أطلق ينصرف على المعتاد المتعارف، بدليل العرف، فأما ~~إذا لم يجز إلا بنية، فلابد أن ينظر إلى نيته فإذا لو ينو المفروض عليه لم ~~يجز أن يحصل المفروض عليه، ويجوز أن يقال: إن تلك المسألة خرجت عن هذا ~~الأصل بدليل وعلى أنها دليل عليهم إذا عين نقدا آخر يتعين، فقولوا ههنا: ~~النفل يتعين ولا يصح الفرض، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P150 ### || AUTO (مسألة) # المرأة لا تلزمها الكفارة بالتمكين من الوطء في نهار رمضان # . # وعندهم: تلزمها، وهو أحد قولي الشافعي رضي الله عنه. والمناظرة على القول الأول. # لنا: # حديث أبي هريرة أن أعرابيا أتى النبي عليه السلام وقال: ((هلكت وأهلكت يا ~~رسول الله، قال: ماذا صنعت؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان قال: أعتق رقبة ~~.......)) الخبر إلى آخره. PageV02P151 # فالنبي عليه السلام أمره بعتق رقبة ولم يأمر في جانبها بشئ مع أنه كان ~~أخبر عن وقاعها، والوقاع وطء لا يكون إلا من رجل وامرأة، فلو كان تجب ~~الكفارة لما يسعه السكوت عن ذكرها لوجهين: # أحدهما: أنه يوهم السكوت أن لا شيء عليها، وهذا الإيهام من صاحب الشرع ~~غير واسع، لأنه بعث لبيان الواجبات فلا يسعه ما يوهم سقوط واجب مع تحقق سببه. # الثاني: أنه أخبر بفعل مشترك من شخصين فوجب جوابه على وفق السؤال، فلو ~~كانت وجوب الكفارة على الاشتراك لم يسع إفراده ببيان الواجب عليه، لأنه ~~يكون السؤال عن فعلين، والجواب عن واجب أحد الفعلين، وهذا تقصير في البيان، ~~وقد بعث النبي - صلى ms219 الله عليه وسلم - لبيان الكامل لا لبيان القاصر، ألا ~~ترى أن في قصة العسيف لما وجب الحد عليها لم يسكت عن بيانه بل قال: ((فاغد ~~يا أنيس إلى امرأة فإن اعترفت فارجمها))، والخبر معتمد في الحجة. # وقد قالوا على تعلقنا بهذا الخبر بوجود/ من الأسولة: PageV02P152 # أحدها: أنهم قالوا: إن المرأة كانت مكرهة بدليل ما روى في رواية: # ((أنه قال: هلكت وأهلكت)) فإنما يكون مهلكا لها إذا كانت مكرهة من قبله، ~~وعندنا إذا كانت مكرهة فلا كفارة عليها. # والثاني: قال إنه صدقه على نفسه، ولم يصدقه عليها، ولو جاءت وسألت كان ~~تبين الواجب، ألا ترى أنه لم يذكر القضاء، وبالإجماع هو واجب. # والثالث: أن بيان إيجاب الكفارة عليه كان بيانا للواجب عليها، لأن الفعل ~~واحد من الجانبين، والبيان في أحد الجانبين بيان في الجانب الثاني. # قالوا: وأما خبر العسيف، فقد كان حكمها مخالفا لحكمه فلم يكن بد من ~~البيان. # وأما ههنا فحكمهما واحد لا يختلف فذكره في أحد الجانبين بيان في الجانب ~~الثاني. # وعلى السؤال الثاني قالوا: لما لم يصدقه عليها كان في بيان الحكم في ~~جانبها متبرعا فكان مفوضا إلى اختياره، فاختار البيان في حادثة الزنا، ~~واختار ترك الذكر في حادثة الكفارة. # الجواب: # أما الأول: قلنا: قوله ((هلكت وأهلكت))، مذكور في رواية غريبة، PageV02P153 # والثابت قوله: ((هلكت))، ونحن نتعلق به، وعلى أن اللفظ لا يدل على أنها ~~كانت مكرهة، لأنه سماها هالكة ولا تكون هالكة إذا كانت مكرهة، بل إنها كانت ~~مطاوعة إلا أنه أضاف الهلاك إلى نفسه، لأن الغالب أن الزوج يدعو المرأة إلى ~~الوطء، فلأجل غالب الأمر أضاف هلاكها إلى نفسه. # وأما الذي قالوه: ((أنه لم يصدقه عليها)). # قلنا: استدلالنا بترك إخباره عن وجوب الكفارة عليها مع إخباره عن فعله ~~وفعلها، وجواب الفتوى لا يحتاج إلى التصديق مثل جواب المفتين في سائر ~~الأعصار، وإنما الإلزام يحتاج إلى التصديق. # وأما الثالث الذي قالوه في غاية الضعف، لأن بيان الوجوب عليه لا يكون ~~بيان الوجوب عليها كيف هذا؟ وقد اختلف العلماء ms220 في وجوب الكفارة عليها مع ~~اتفاق الكل على وجوب الكفارة عليه. # وكيف يجوز أن يحال أعرابي جاهل على مثل هذا البيان؟ ولابد من نظر واجتهاد ~~وقياس معنوي، وقد خفى على كثير من العلماء فيكف يتنبه عليه مثل ذلك ~~الأعرابي ويقنع في حقه بمثل هذا البيان؟ # وأما القضاء، فإنما لم يذكره من الجانبين، لأنه سأل عن واجب الهلاك، ~~والقضاء إنما يجب بمجرد فوات الصوم، بدليل المريض. # وأما المعنى فسيتبين في الجواب عن كلماتهم. PageV02P154 # أما حجتهم: # قالوا: الواجب كفارة الفطر على وجه التعدي الكامل وقد وجد هذا المعنى في ~~جانبها، كما وجد في جانبه. # أما الفطر فلا إشكال، أما كمال التعدي فلأن كل جناية تحصل من الرجل بفعل ~~الوطء تحصل من المرأة بالتمكين من الوطء بدليل الحد، ولأنه لا يتوهم منها ~~جناية على الصوم تفعل بحرمة الصوم فوق هذه الجناية. # قالوا: ولهذا سوى الشرع بين الجانبين في واجب الوطء والإحرام فإن القضاء ~~وفساد الحج مثل الكفارة ههنا، وقد استوى الجانبان فيه بحيث لم يقع فرقان ~~بوجه ما. # قالوا: وأما المهر فهو بإزاء ملك البضع، وملك البضع للرجل دون المرأة، ~~وأما الكفارة واجب جناية، والجناية منها حسب الجناية منه، وقد نزل الشرع ~~التمكين منها بمنزلة الإيلاج منه قطعا في الأحكام المتعلقة بالجناية بدليل ~~الحد، وأيضا فإن منفعة بضعها قومها الشرع على خلاف الأصل، وأما منفعة بضعه ~~فلم يقومها بوجه ما. # وأما ثمن ماء الاغتسال فهو من مؤن الزوجية كالنفقة فيكون عليه لا عليها. # قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم: أنها أفطرت بغير الوطء، لأن بتغييب ~~طرف الذكر في فرجها قبل غيبوبة الحشفة يفطر ولا يكون الفعل وطء إلا بعد ~~غيبوبة الحشفة، فسهو عظيم، وهو هرب من المسألة، لأن هذه المسألة رويت منذ ~~زمان الشافعي: أنه هل تجب الكفارة بطواعيتها في الوطء؟ واختلفت أقوال ~~الشافعي في ذلك على ما عرف. # وإذا كان الأمر على ما ذكرتم فيكون الخلاف في صورة الفطر: فإن PageV02P155 # عندنا بذلك لا يفطر وقد ادعيتم أنه يفطر مثل ما لو ms221 غيب أصبغا أو خشبة ~~فتذهب هذه المسألة أصلا، فإن المسألة في فطر يقع من الجانبين، هل تجب ~~الكفارة عليها كما تجب عليه؟ وإذا قال هذا القائل الذي ضعفت خبرته في النظر ~~في هذه المسألة أنها تفطر قبل وجود الوطء، فأين صورة المسألة التي اشتهرت ~~في العالم، ودونت في الكتب، واختلف فيها أقوال الشافعي؟ فدل ما ذكرنا أنه ~~وقع سهو عظيم لقائل هذا المقال. # وأيضا فإن الآلة آلة الوطء والمحل محل الوطء بإدخال ودخول فإذا لم يعتبر ~~هذا الفعل أعني تغييب رأس/ الحشفة في الفعل المخصوص بهذه الآلة في هذا ~~المحل وجعل في حقه كالعدم، فكيف تعتبر في شيء آخر؟ ويلحق بفعل يوجد ~~باستعمال أصبع أو خشبة؟ والمذهب الصحيح أن المرأة لا تفطر حتى تغيب الحشفة ~~ويصير الفعل وطء فيقع حينئذ الفطر من الجانبين. # قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إن فرضية الصوم في حقها ناقصة، لأنه ما من ~~يوم يمضي إلا ويجوز أن يعرض عارض فيسقط الصوم عنها مع بقاء التكليف، وذلك ~~بالحيض)). # وهذا أيضا ليس بشيء، لأنه إن كان هذا يوجب وهاء فرضية الصوم وجب أن يوجب ~~وهاء فرضية الصلاة، بل تأثير الحيض في الصلاة أكثر من تأثيره في الصوم ~~فينبغي إذا تركت الصلاة لا تقتل، وعندكم تقتل كالرجل إذا ترك الصلاة يقتل، ~~ولأن المرأة إذا صامت في أول زمان طهرها فوطئها الزوج فوجب على مؤدى هذا ~~الكلام أن تجب عليها الكفارة، لأنه لا يتوهم ما قالوه إلا بعد مضي خمسة عشر ~~يوما، وأيضا اعتبار موهم PageV02P156 # في تنقيص فرض محال، ولو جاز أن يعتبر توهم الحيض في حق المرأة وجب أن ~~يعتبر توهم الجنون في حق الرجل، وتأثيره أكثر، لأنه يسقط أصل الخطاب، بخلاف ~~الحيض، لأنه لا يسقط أصل الخطاب حتى تؤمر بالقضاء عند الطهر. # الجواب: # وهو أن نبين ما يمكن الاعتماد عليه من حيث المعنى فنقول: # الكفارة طريق وجوبها التوقيف لا غير، فإن الجناية وإن تحققت فلا يمكن ~~معرفة وجوب الكفارة على الوجه الذي ورد بهذه الجناية رأيا ومعقولا وإنما ms222 ~~يمكن بالنص المجرد، والنص ورد في فعل الوطء وفعل الوطء حقيقة إنما يكون من ~~الرجل، فأما الموجود من المرأة فهو التمكين من الفعل، والتمكين من الفعل لا ~~يكون ذلك الفعل كالتمكين من القتل لا يكون قتلا، وكذا في كل موضع. # ولهذا يقال: جامع الرجل فهي مجامعة، ووطئ الرجل فهي موطوءة فالأمر ~~المحسوس المعقول الوطء من الرجال، فأما النساء لا يكون منهن وطء بحال، ~~وإنما النساء محال الوطء كالأرض التي توطأ بالأقدام، وكذا الإنسان الذي ~~يطأه الإنسان بقدمه لا يكون منه فعل في الوطء بالقدم، وهذا مثل ذلك سواء. # ألا ترى أن الفعل الحسي وطء لا يمكن تصويره بوجه ما إلا أن الشرع نزل ~~التمكين من الوطء في الحد نصا، وفي قضاء الحج بإجماع الصحابة فسلم الموضعان ~~للنص والإجماع. # وفي مسألتنا لا نص ولا إجماع في جانبها، وإنما النص والإجماع في جانبه، ~~وقد علق الوجوب عليه بالوطء من غير أن يهتدي إليه رأي PageV02P157 # أو يتصرف فيه بمعقول، بل بالنص المحض فإذا لم يكن جانبها مشابها لجانبه، ~~فإن التمكين من الفعل دون حقيقة ذلك الفعل معنى، وغيره صورة فلم يلحق به ~~نصا، لأنه غيره صورة، واستدلالا، ولأنه دونه معنى فسقط وجوب الكفارة في ~~جانبها بهذا الطريق. # يبينه: أن في الخبر ذكر المواقعة، والمواقعة لا تكون إلا من الرجل، فأما ~~من المرأة فلا تتصور ولا يقال أصلا، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P158 ### || AUTO (مسألة) # الإفطار بغير الوطء لا يوجب الكفارة # عندنا. # وعندهم: يوجب إذا كان بجنس ما يتغذى به أو يتداوى به. # لنا: # إنه بالأكل والشرب تارك للصوم في باقي النهار فلا تجب عليه الكفارة. # دليله: إذا ترك الصوم في كل النهار بأن لم ينو الصوم أصلا، أو نلخص ~~العبارة فنقول: # لم يوجد منه إلا ترك الصوم فلا شيء عليه، كما تركه ابتداء، وهذا لأن ترك ~~بعض الصوم لو كان يوجب عليه الكفارة لكان تركه بالإيجاب أولى. PageV02P159 # ثم الدليل على أنه بالأكل والشرب تارك الصوم، أن حقيقة الصوم هو الكف عن ~~الجنس الأكل والشرب فحسب، ms223 لأن الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة معتاد فعلها، ~~لأن وصف الابتلاء وصف لازم للعبادة لا يجوز أن تخلو عنه بحال، وإنما يتحقق ~~الابتلاء بالخطاب بالكف عن قضاء شهوة مألوفة معتادة، فأما ترك غير المألوف ~~والمعتاد فيه ابتلاء فيه، فإنه سهل تركه والابتلاء إنما يوجد بترك ما يشق ~~تركه، كما يوجد بفعل ما يشق فعله، وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: # شهوة البطن في الأكل والشرب شهوة مألوفة معتادة في زمان الصوم وهو النهار ~~فيوجد معنى العبادة في الخطاب بالكف عن قضاء هذه الشهوة، والصوم عبادة كف ~~عن قضاء الشهوة فإذا وجد معنى العبادة في هذا الكف صح. # قولنا: ((إن الكف عبادة كف عن قضاء هذه الشهوة فإذا أقدم عليه فيكون تارك ~~فعل الصوم، لأن الصوم هو نفس الكف فإذا لم يكف فقد تركه، وترك الصوم لا ~~يوجب الكفارة كما في الابتداء. # فأما الوطء فهو محظور الصوم وفعله بمواقعة/ محظورة فيه وتركه اجتناب ~~محظور بسبب عبادة، لا أنه نفس العبادة، لما بينا أن الصوم عبادة كف عن قضاء ~~الشهوة فيقتضي الكف عن شهوة معتادة مألوفة ليوجد معنى الابتلاء الذي هو وصف ~~العبادة على سبيل اللزوم، والوطء بالنهار غير المعتاد ولا مألوف، لأنه وقت ~~الاشتغال بالأعمال والتصرفات، ولا يوجد ابتلاء في الخطاب بالكف عنه في زمان ~~النهار فلم يصح أن تكون نفسه عبادة، نعم، يجوز أن يكون محظور الصوم كما ~~يكون محظور الحج، ومحظور الاعتكاف وإن كانت حقيقة الاعتكاف بغيره من اللبث ~~في المسجد، والأفعال المعهودة المعروفة، لكن كان الوطء محظور العبادتين، PageV02P160 # كذلك ههنا الوطء محظور الصوم، وإذا ثبت أنه محظور الصوم فلم يكن بفعله ~~تاركا للصوم بل كان جانبا على الصوم بمواقعة المحظور بسبب مؤثر فاستقام ~~إيجاب الكفارة، كما تجب الكفارة بمواقعة المحظورات في الحج، لأن مواقعة ~~المحظور سبب في إيجاب العقوبة. # ألا ترى أن فساد الصوم بالوطء كان على وجه العقوبة، فكذلك الكفارة وجبت ~~على طريق العقوبة. # وأما حجتهم: # قالوا: إفطار كامل فيوجب الكفارة، كما إذا كان بالوطء، وهذا لأن ms224 الواجب ~~كفارة الفطر، بدليل أنه يضاف إليه، والأصل أن الحكم إذا أضيف إلى الشيء ~~يكون سببا له مثل كفارة القتل وكفارة الظهار، وكفارة اليمين على أصلكم، ~~وزكاة المال، وغير هذا من الإضافات. # ولأن الفطر جناية على الصوم بتفويت ركنه فيصلح موجبا للكفارة إلا أنه ~~يكون بجهة التعدي على الكمال ليصلح موجبا للعقوبة. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن الكفارة واجب الوطء، لأنه لو وطئ ناسيا للصوم ~~وتصور إذا زنا ناسيا بامرأة لم تجب عليه الكفارة وإن وجد الوطء لعدم الفطر، ~~ولو وطئ امرأته أو مملوكته وجبت الكفارة وإن استوفى هنا بضع مملوكة لوجود ~~الفطر، فدل أن الكفارة كفارة الفطر، وهذا ثبت هذا فنقول: الفطر بالأكل ~~والشرب مثل الفطر بالوطء، لأن الصوم عبادة كف عن قضاء الشهوة والشهوة ~~شهوتان: شهوة بطن، وشهوة فرج، وهما شهوتان مركبتان في العبد جبلة وخلقة ~~فلابد من قضائهما على المعتاد، وقضاء أحدهما بالوطء، والأخرى بالأكل ~~والشرب، والصوم عبادة كف عنهما. # قالوا: ولهذا تناول نص الكتاب كل واحد منهما تحليلا وتحريما PageV02P161 # بقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}، فهذا من الوطء، ثم ~~قال: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر}، ثم قال: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}. # أي الكف عن هاتين الشهوتين إلى زمان الليل فجعل هذين هو المقصود بالصوم ~~في الكف فثبت نصا ومعقولا أن ركن الصوم هو الكف عن قضاء هاتين الشهوتين، ~~وفعل كل واحد منهما تفويت لركن الصوم، فإذا وجبت الكفارة في أحدهما وجبت في الآخر. # يدل عليه: أن الجناية كملت في كل واحد من الفعلين فإن كمال الجناية متفق ~~عليه في الوطء من حيث أنه جناية بتفويت ركن الصوم وهذا المعنى بعينه موجود ~~في الأكل والشرب فتكمل الجناية أيضا، وإذا كملت الجناية وجبت الكفارة. # قالوا: بل جانب الأكل والشرب أرجح، لأن تأدى الصوم بترك الأكل والشرب فوق ~~تأديه بترك الوطء لما ذكرتم أن الصوم اختص بزمان الأكل والشرب عادة ولم ~~يختص بزمان الوطء عادة، ولأن الصوم ms225 عبادة صبر، والصبر عن الأكل والشرب أشق ~~من الصبر عن الوطء، فإن الإنسان يصبر عن الوطء دهرا ولا يصبر عن الأكل ~~والشرب يومين، وإذا كان أشق فيكون الثواب بالصبر عنه أكثر وعلى مقابلته ~~يكون العقاب بالإقدام عليه أكثر، لأن الثواب مقابل العقاب بدليل قوله ~~تعالى: {يا نساء النبي من يات منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين}، ~~وقال تعالى: PageV02P162 # {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ..}. وإذا كان ~~العقاب بالإقدام على الأكل والشرب أكثر كان بإيجاب الكفارة أولى، فهذا ~~إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من حيث الاستدلال لا من حيث القياس الأكل ~~والشرب على الوطء، لأن الكفارات لا يجوز إثباتها بالقياس، لكن يجوز بطريق ~~الاستدلال بالنص، وهذا من هذا النمط، وهو مثل تحريم التأفيف يكون تحريما ~~للشتم والضرب استدلالا أو فحوى خطاب ولا يكون تحريما من حيث القياس. # قالوا: ((وأما قول بعضكم إن الصبر عن الوطء عند هيجان الشهوة يصعب ما لا ~~يصعب الصبر عن الأكل والشرب عند هيجان الجوع))، فليس بشيء، لأن على المعتاد ~~المعروف يكون الصبر عن الوطء أسهل من الصبر عن الأكل والشرب/ والذي صورتم ~~صورة نادرة، والصورة النادرة لا تعتبر، بل تعارض المعتاد الغالب من حالات ~~الناس وأمورهم. # قالوا: وأما قولهم: ((إن الوطء محظور الصوم، والأكل والشرب نقيض الصوم)). ~~ليس كذلك بل كان كل واحد منهما نقيض الصوم على ما سبق، وكما إنه يوجد ~~الابتلاء بترك الأكل والشرب في النهار يوجد الابتلاء بترك الوطء فيه إلا أن ~~الابتلاء في هذه الصورة ربما يكون أخف من الابتلاء في تلك الصورة. # يبينه: أن خطاب الشارع في الكل على وجه واحد لقوله تعالى: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل}، فكيف يجوز أن تميز التمييز الذي قلتم مع اتحاد الخطاب؟ PageV02P163 # ثم قالوا: إن سلمنا أنه محظور الصوم والآخر نقيض الصوم لكن الجناية بهما ~~واحد، فإذا جاز أن تجب الكفارة بارتكاب محظور الصوم جاز أن تجب بارتكاب ~~نقيضه، لأن كل واحد منهما سبب لتفويت الصوم على وجه واحد، والجماعة في ms226 ~~تفويت الصوم، وكما يوجد ترك الصوم ولا كفارة وذلك في الابتلاء فقد توجد ~~مواقعة المحظور ولا كفارة، وذلك بالغيبة والوطء فيما دون الفرج. # وقد ألزموا مسألة المرتدة على ترك الصوم في الابتداء فإن ترك الإسلام من ~~المرأة في الابتداء لا يوجب القتل وفي الدوام يوجب القتل على أصلكم. # قالوا: ((وأما قول مشايخكم: إن الوطء متغلظ في نفسه فيمتاز عن غيره في ~~الحكم))، فليس بشيء، لأن العبرة بالسبب الحاظر، والسبب الحاظر للكل واحد، ~~وإذا اتحد السبب لابد أن يتحد الحظر، وإذا اتحد الحظر اتحدت الجناية، لأن ~~الفعل صار جناية من حيث الحظرية. # قالوا: وأما الوطء في ملك الغير والتناول من ملك الغير إنما افترقنا في ~~وجوب الحد، لأن الحد يندرئ بالشبهات، والزنا محرم لعينه فخلا من الشبهة، ~~والأكل والشرب محرمان لا لعينهما بل لغيرهما وهو حق المالك، ألا ترى أنه ~~إذا سقط حقه بالإذن أبيح، والوطء لا يباح وإن أذن المالك فيه. # قالوا: وأما الإحرام فإنما امتاز الوطء فيه عن غيره من المحظورات، لأن ~~التحريم لمكان الارتفاق والاستمتاع، والارتفاق بالوطء أكثر منه بفعل سائر ~~المحظورات. PageV02P164 # وأما ههنا فإن قضاء الشهوة بالأكل أو الشرب مثل قضاء الشهوة بالوطء بل أكثر. # قالوا: ((قولكم: إن اللذة في الوطء أكثر منها في الأكل والشرب)). # فليس بشيء، بل اللذة عند الجوع الصادق والعطش الصادق لا يكون دون اللذة ~~عند شدة الشبق بالوطء، لأنه إن كانت اللذة هناك أكثر فالارتفاق ههنا أكثر، ~~لأن قوام الحياة يحصل بهذا دون الوطء. # قالوا: ((وقولكم: إن الأكل لا يخلو عن شبهة لوجود بعض ما لو لوجد كله ~~أباح بخلاف الوطء)). # كلام في نهاية الضعف، لأن المبيح هو الضرورة، والضرورة تخوف الهلاك، ولا ~~يتصور وجود خوف منها. # يدل عليه: أنه لو سرق طعاما ليأكله يجب عليه القطع عندكم، ولو أخذ على ~~هذه الصورة بالضرورة أبيح له ذلك، ومع ذلك لم يحكم بوجود شبهة في الصورة ~~الأولى. # الجواب: # أما قوله: ((إفطار كامل)). # قلنا: في اللفظ خلل، لأن الفطر إنما يصح وصفه بالكمال إذا ms227 كان يصح وصفه ~~بالنقصان، والفطر في نفسه عبارة عن فوات الصوم بفعل من الصائم، والشيء إذا ~~فات ففواته على وجه واحد لا يصح، يجوز أن يوصف بالكمال تارة وبالنقصان ~~أخرى، وهذا كالأفعال الحسية متى وقعت يكون وقوعها على وجه واحد. # فإن قالوا: إذا تناول الحصاة أو النواة فهو إفطار ناقص، لأنه إفطار اسما ~~لا معنى من حيث أنه أكل صورة وليس بأكل معنى. PageV02P165 # قالوا: وفي الإستيقاء إنه ليس بفطر حقيقة، لأن الفطر يكون بما يدخل لا ~~بما يخرج وإنما أفطر به الشرع ولولا الشرع لم يحصل به فطر أصلا. # قلنا: قد بينا أن الفطر هو تفويت الصوم بفعل يفعله الصائم، والشيء إذا ~~فات لا يتصور أن يفوت من وجه دون وجه بل يفوت من كل وجه، وإذا فات من كل ~~وجه يكون الفطر كاملا ولا يكون ناقصا. # وأما قولهم: ((إن الكفارة كفارة الفطر)). # قلنا: لا، بل هو كفارة الوطء المفطر. # فإن قالوا: ((نحن بينا تأثر الفطر، فبينوا أنتم تأثير الوطء)). # قلنا: وجه تأثيره أن الأصل في الشرع أن السبب إذا حرم الوطء وغيره يكون ~~تأثير السبب في الوطء أكثر من تأثيره في غيره بدليل التحريم إذا كان لعدم ~~الملك أو كان بالإحرام، وهذا لأن الوطء فعل متغلظ في نفسه ممتاز عن سائر ~~الأفعال شرعا، بدليل أنه لا يستباح بالإباحة وبدليل أنه يستحق به القتل، ~~وبدليل أن العقد على استحقاقه يقف على شرائط لا يقف عليه عقد ما، وذلك ~~لتغلظه في نفسه، هذا نهاية ما يمكن في تحقيق طريقة المشايخ. # وعذرهم عن فصل/ عدم الملك، ليس بشيء، لأنهم في عذرهم ادعوا أن في تناول ~~مال الغير شبهة الإباحة، ولو كان كذلك لم يجب القطع بسرقة مال. # وقولهم: ((إن الزنا محرم لعينه فلا تكون فيه شبهة)). # قلنا: لو كان محرما لعينه لم يحل جنس الوطء بحال، بل الصحيح أن كلا ~~الفعلين محرم بتحريم الشرع وإن كان السبب ملك الغير إلا أن الوطء لا يستباح ~~بالإباحة لغلظه في نفسه، والأكل يستباح بالإباحة لخفة ms228 أمره، PageV02P166 # وعلى أن استباحة المال بدليل عارض وعدم استباحة الوطء بمثل ذلك الدليل لا ~~يدل على اختلافهما في أصل التحريم، ويجوز أن يوجد سببان محرمان لا شبهة في ~~واحد منهما، وإن اختلفا مثل الاختلاف الذي قلتم. # ألا ترى أن الكفر والقتل كل واحد منهما محرم من غير شبهة، وإن كان جنس ~~أحدهما يستباح بدليل يقوم عليه وهو القتل ولا يستباح الآخر بحال وهو الكفر. # وأما عذرهم عن الإحرام وقولهم: ((إن الوطء استمتاع وارتفاق فهذا المعنى ~~فيه أكثر منه في سائر المحظورات)). # قلنا: مقادير الارتفاقات غير معتبر بدليل أن الارتفاق في اللبس أكثر منه ~~في قلم الظفر وحلق الشعر ومع ذلك يستوي الكل في الكفارة، فدل أن المعتبر ~~أصل الارتفاق ولا مقداره، ولكن إنما خالف الوطء سائر المحظورات، لأن تأثير ~~السبب في أكثر من تأثيره في غيره على ما يوجبه قضية الشرع. # فإن قالوا: قد ظهر تأثيره في الحج حتى إنه يمتد زمان تحريم الوطء ما لا ~~يمتد زمان سائر المحظورات، وههنا زمان التحليل والتحريم في الوطء وغيره واحد. # قلنا: تمييز الوطء من بين سائر المحظورات لم يكن لما قلتم بدليل أن الوطء ~~يمتاز من بين سائر المحظورات وإن كان في العمرة، كما يمتاز في الحج حتى إن ~~القضاء يجب بالوطء ولا يجب بسائر المحظورات وإن كان التحليل والتحريم في ~~الكل واحد في العمرة. # وإذا ثبت أن تأثير السبب في الوطء أكثر منه في الأكل والشرب جاز أن يختص ~~بإيجاب الكفارة مع مساواته الأكل والشرب في كل ما قلتم، هذا تحقيق طريقة ~~الأصحاب. PageV02P167 # وأما الذي اعتمدناه من أن الوطء مواقعة محظور والأكل والشرب مجرد ترك ~~الصوم، فهي طريقة متينة محكمة. # وعندي أن الاعتماد عليها أولى، وقد ذكرنا وجه تقريرها. # وأما الغيبة والوطء فيما دون الفرج، فنحن لا نقول إن مواقعة كل محظور ~~يوجب الكفارة، لأن المحظور والمحظور يجوز أن يختلف فيهما مقادير الجناية ~~وعظمها وصغرها لكن ما يتعلق بالمحظور لا يتعلق بترك العبادة، لأن مواقعة ~~المحظور مع فعل الصوم في حقيقته ms229 جناية على الصوم الذي هو عبادة، والترك ليس ~~بجناية على العبادة، لأن ما مضى لا يتصور الجناية عليها وما بقي لم يفعله ~~حتى يجني عليه وإنما مجرد ترك مأمور، وما لا يستدرك بالقياس إذا جاء وجوبه ~~في موضع لا ينتقل إلى موضع آخر، لأن الجناية على العبادة إذا لم توجد في ~~الأكل والشرب وتوجد في الوطء فيجوز أن توجب الجناية على العبادة بإفسادها ~~ما لا يوجبه مجرد تركها من غير جنابة عليها وهذا ظاهر. # وأما فصل المرتدة فقد بينا في ربع القصاص أن الكفر ابتداء وعودا بالردة ~~موجب للقتل في حق المرأة، كما يوجب كفر الرجل إلا أنه في حق الكافرة ~~الأصلية قدمت عقوبة أخرى على عقوبة القتل بدليل قام عليه، ولم يوجد في حق ~~المرتدة مثل ذلك الدليل فتعين القتل، والله أعلم. # * * * PageV02P168 ### || AUTO (مسألة) # إذا وطئ مرتين في يومين في شهر رمضان وجبت عليه كفارتان يلزمه أداؤهما # . # وعندهم: يكفيه كفارة واحدة. # لنا: # أن ندل أولا على وجوب الكفارة بالوطء في اليوم الثاني فإنهم ربما يمنعون ~~ذلك فنقول: # سبب الوجوب تكرر فتكرر الوجوب، مثل القتل إذا تكرر فيتكرر وجوب الكفارة، ~~وكذلك الظهار واليمين. # والدليل على تكرر السبب أن سبب الوجوب، هو الجناية على صوم رمضان بالوطء، ~~وقد وجود هذا في اليوم الثاني مثل ما وجد في اليوم الأول. # يبنيه: أنه لو لم يطأ في اليوم الثاني وأتم صومه كان صومه على PageV02P169 # الكمال والتمام مثل الأول لو لم يفسده، كذلك إذا أفسده بالوطء تكون ~~الجناية عليه مثل الجناية على الصوم في اليوم الأول. # والحرف: أن الجناية الموجودة في صوم اليوم لا تؤثر في صوم الغد بحال، ومن ~~المحال اعتقاد تأثير الوطء الذي يوجد في الغد وبعد الغد. # وقد ادعى بعضهم أن الجناية تقاصرت في الوطء الثاني، لأن حرمة الشهر صارت ~~مهتوكة بالوطء الأول فصادف الوطء الثاني حرمة الصوم دون حرمة الشهر فلم ~~توجب الكفارة عليه. # دليله: إذا وطئ في القضاء، وهذا لأن الجناية المحسوسة على المحل توجب ~~النقصان حسا والجناية الحكمية ms230 توجب النقصان حكما. # قالوا: وهذا لأن الشهر له حرمة واحدة، لأن الشهر واحد، وإن تخللت الليالي ~~التي لا تقبل الصوم أصلا، وتخلل الليالي لا يوجب تعدد الحرمة، بدليل شهري ~~التتابع فإن لهما جميعا حرمة/ واحدة وإن تخللت الليالي لا تقبل الصوم فيما ~~بين ذلك. # الجواب: # إن القول بانتهاك حرمة الشهر على معنى فواتها، قول مستبعد جدا ، نعم، ~~يجوز أن يقال إنه لم يراع حرمتها ولم يحفظها، فأما اعتقاد فوات الحرمة فمحال. # يبينه: أنه ليس معنى حرمة الشهر سوى أن الله تعالى خص هذا الشهر بواجب من ~~أركان الإسلام وشرع فيه وجوها من المشروعات تشعر بخطرها وحرمتها واختصاصه ~~من ذلك بما لا يوجد في سائر الشهور، وهذا المعنى لا يفوت بوطئه في يوم من ~~أيامه، لأن الأمر بالصوم واختصاصه بما عرف PageV02P170 # من السنن المشروعة وتكثير الثواب لما يأتي من العبادة فيها وأمثال ذلك ~~كلها باقية عليه في الشهر، فكيف يقال إنه ذهبت حرمتها في حقه وصار بمنزلة ~~سائر الأيام التي هي خارج رمضان؟ وأيضا فإن الكفارة واجب الجناية على الصوم ~~لا واجب الجناية على الشهر، لأن عندنا الكفارة واجب وطء مفطر، وعندكم ~~الواجب واجب الفطر على جهة مخصوصة، والفطر إنما يوجد بجناية على الصوم لا ~~بجناية على الشهر إلا أنه يعتبر أن يكون الصوم في هذا الشهر ليلاقي زمان أدائه. # وقد قيل أيضا: إن لكل يوم من رمضان حرمة على انفرادها فيما يرجع إلى ~~الصوم والشهر جميعا. # والدليل عليه: أنه لو لم يصم يوما من رمضان أصلا وجامع فيه أو جامع فيما ~~دون الفرج وهو صائم، أو أكل حصاة أو نواة ثم صام من الغد وجامع فيه وجبت ~~الكفارة وإن كان قد هتك حرمة الشهر بالفعل الأول فحين وجبت دل أنه إنما ~~وجبت، لأن الحرمة لم تصر مهتوكة أو لأن لكل يوم حرمة على حدة فيما يرجع إلى ~~الصوم والشهر جميعا وهذا لا سؤال لهم عليه، فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليوم ~~الثاني حسب وجوبها في اليوم الأول وجب أداؤهما، لأن ms231 الوجوب يراد للأداء ~~فإذا وجب وجب الأداء. # وأما حجتهم: # المعتمد، قالوا: نسلم الوجوب في اليوم الثاني مثل ما وجب في اليوم الأول ~~لكن نقول: يتداخلان، ويكتفي بواجب واحد أداء مثل ما لو زنى ثم زنى فإنه ~~يكتفي بحد واحد، لأن كل واحد منهما عقوبة تندرئ بالشبهات، ودليل أنها عقوبة ~~تعلقها بالجناية، ودليل سقوطها بالشبهة ما ذكرنا في المسألة الأولى، وهذا ~~لأن الواجب لما كان على جهة الزجر وهو محمول في الشرع على نوع من السقوط لا ~~يوجد في غيره فالواجب الواحد زاجر كامل PageV02P171 # وإن تعدد السبب مثل الحد في الزنا سواء، أو يقال: إذا وجد أداء هذا ~~الواجب بعد وجود أسباب له فجعل في حق كل سبب كأن الأداء حصل لذلك السبب ~~وحده، مثل الحد سواء فإنه يقام بعد زنيات منه ويجعل في كل زنا كأن الحد ~~أقيم له وحده. # قالوا: وأما إذا كفر عن الأول ثم وطء ثانيا وجبت الكفارة، كما لو زنى فحد ~~ثم زنى ثانيا، ولأن التكفير لما اتصل بالأول صار الأول كالعدم فصار الثاني ~~بمنزلة الأول حين وجد. # قالوا: وأما إذا وطئ في رمضانين يجب كفارة واحدة مثل ما لو زنا في سنتين ~~يكتفي بحد واحد. # الجواب: # أما قولهم: ((عقوبة)). # قلنا: إن ادعوا (أنها عقوبة محضة) فلا يصح، لأنها تتأدى بمحض العبادة وهو ~~الصوم فلا يكون عقوبة محضة، وإن ادعوا أن فيها معنى العقوبة، فمسلم، لكن ~~لما قالوا: يلحق بالعقوبة المحضة وهو الحد؟. # وقولهم: ((إنه يسقط بالشبهات)). # إن عنوا بكل شبهة، فليس كذلك، لأن أعظم الشبهات الملك، ولا يسقط به حتى ~~لو وطئ زوجته أو أمته وجبت الكفارة عليه. # واعتذر بعضهم وقال: المسقط هو الشبهة في محل الجناية ولم يوجد، لأن محل ~~الجناية هو الصوم ولا شبهة فيه، وإنما وجدت الشبهة في آلة الجناية، لأن ~~منافع البضع آلة الجناية، وكذلك المطعوم والمشروب، فنظيره PageV02P172 # أن لو قتل إنسان بسيف مملوك له فلا يكون ذلك شبهة، وأيضا فإن الصوم إنما ~~يحرم في الوطء في الملك، وإذا كان تأثيره ms232 في التحريم في الملك، فكيف يصير ~~الملك شبهة؟ # وكلا العذرين ليس بشيء، لأنا ندعي وجود شبهة الإباحة، والملك مبيح لقيام ~~الملك لابد أن يوجب شبهة، مثل ما لو وطئ أمته المجوسية أو كانت أخته من ~~الرضاع لا يجب الحد لقيام الملك، وبطل العذر الثاني أيضا بهذه المسألة، لأن ~~التمجس والرضاع إنما يوجبان التحريم في الملك أيضا، ومع ذلك صار الملك ~~شبهة، وملك السيف لا يبيح القتل به بحال حتى يصير شبهة. وأما الذي ادعوا من ~~سقوط الكفارة بالغلظ، فلأن في الكفارة معنى العقوبة في الجملة، فأما ~~إسقاطها بكل شبهة وإلحاقها بالعقوبة المحضة فلا يصح ذلك بحال. # وإذا ثبت هذا فنقول: # غاية كلامهم إلحاق الكفارة بالحد، والتداخل في الحد على خلاف/ القياس لأن ~~الأصل أن كل شيئين اجتمع وجوبهم اجتمع وجوب أدائهما، فإن عدل عن هذا الأصل ~~في موضع بدليل لا يلحق به ما ليس في معناه. # يبينه: أن الكفارة واجب مالي وليس في الواجبات المالية تداخل في موضع ما. # وأما الحد إيلام وإيجاع يجوز أن يكتفي بالواحد احترازا من الإهلاك لأنها ~~إذا اجتمعت أهلكت، وهذا لا يوجد في الحقوق المالية فاعتبر فيها ما هو ~~الأصل، والله أعلم. # * * * PageV02P173 ### || AUTO (مسألة) # إذا انفرد الواحد برؤية هلال رمضان لزمه الصوم # عندنا. # وإذا أفطر فيه بالوطء لزمته الكفارة. # وعندهم: لا يلزمه. # لنا: # أنه أفطر في يوم من رمضان بالوطء فتلزمه الكفارة. # دليله: إذا كان في اليوم الثاني، والدليل على أن هذا اليوم من رمضان أنه ~~يلزمه أن يصومه من رمضان مثل ما يلزمه الثاني. # والمعتمد في المسألة أن الكفارة واجب بينه وبين ربه فيعتبر فيه ما ألزمه ~~ربه، وما يعتقده فيما بينه وبين ربه، والله تعالى قد ألزمه أن يصوم في هذا ~~اليوم من رمضان وهو يعتقد في نفسه أنه من رمضان فلو سقطت الكفارة لسقطت لأن ~~هذا اليوم ليس من رمضان عند سائر الناس، PageV02P174 # وما عند الناس لا يعتبر في الواجب الذي سبيله هذا، بدليل ما لو اجتمع قوم ~~على شراب فيشربونه وأحدهم ms233 يعلم أنه خمر يلزمه الحد، وكذلك إذا زفت إليه ~~امرأة وهو يعلم أنها أجنبية، وسائر الناس يظنون أنها امرأته، وكذلك إذا رأى ~~الصبح وحده وأفطر بالوطء وعند سائر الناس أنه ليل. # وأما حجتهم: # قالوا: (إنه مفطر بشبهة فلا تلزمه الكفارة، كمسألة الغالط في السحر ~~والإفطار). # والدليل على أنه مفطر بشبهة دلائل: # منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((صومكم يوم تصومون ...)) وهذا يقتضي أن ~~لا يصح صومه إلا مع الجماعة إلا أنه قدم عليه قوله عليه السلام: ((صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته))، لأنه إذا PageV02P175 # تعارض دليلان أحدهما يوجب الصوم، والآخر لا يوجب، فالموجب أولى احتياطا ~~للعبادة فنفي ظاهرا بخبر شبهة في درء الكفرة، مثل قوله عليه السلام: ((أنت ~~ومالك لأبيك))، قدم عليه قوله عليه السلام: ((:ل امرئ أحق بماله من ولده ~~ووالده وسائر الناس أجمعين)) ولكن بقى ظاهره شبهة في درء الحد. # فإن قلتم: إن معنى قوله: ((صومكم يوم تصومون ...)) يعني صوم كل إنسان يوم ~~صومه، ويكون هذا تعطيلا للخبر، لأن هذا لا يخفي على أحد، ولأن المراد من ~~الخبر ذكر الأحكام التي تتعلق بالجماعة مثل قوله: ((أضحاكم يوم تضحون ~~وعرفتكم يوم تعرفون)) وإن ادعيتم النسخ، فليس عليه PageV02P176 # دليل، وإنما يكون بالنقل، بل تقابل ظاهران فقدمنا أحدهما في إلزام الصوم، ~~لما ذكرنا واعتبرنا الآخر وأسقطنا ما يسقط بالشبهة. # ومنها: أن اليوم من شعبان في حق سائر الناس فلم يكن من رمضان مطلقا بل ~~كان من رمضان من وجه لا من وجه فتقاصرت حرمته فتقاصرت الجناية بالوطء فيه ~~أيضا، وهذا لأن ما يجب بالجناية الكاملة لا يجب بالجناية المتقاصرة. # يبينه: إنه لما لم يكن من رمضان في حق سائر الناس لخلل في الدليل أنه من ~~رمضان، لأنه لما انفرد بدعوى الرؤية مع مساواة الناس إياه في النظر وموقفه، ~~وحدة النظر وموضع المنظور إليه، دل أنه لم يكن لرؤيته حقيقة بل كان نوع ~~خيال، كما روى في حديث عمر رضي الله عنه أنه مسح حاجب من كان يدعى رؤية ~~الهلال ثم قال: أين الهلال؟ ms234 فقال: فقدته، فقال: ((تلك شعره قامت من ~~حاجبك)). # قالوا: وبهذا فارق المسائل التي قلتم واستشهدتم بها، لأنه لا خلل في ~~الدليل في تلك المسائل فاعتبر ما عنده من الدليل، وما يزعم في اعتقاده. # ومنها: أن القاضي قضى يكون هذا اليوم من شعبان، لأن الرد يدخل تحت القضاء ~~بدليل أنه لو شهد لإنسان في حادثة فرد لفسق ظهر منه ثم تاب وأعاد لا يقبل ~~لجريان القضاء برده وإذا دخل الرد تحت القضاء دخل موجبه أيضا، وهو كون ~~اليوم من شعبان فصار القضاء شبهة، لأنه يقضي بدليل شرعي يقوم له فأشبه قضاء ~~برد من الشرع. PageV02P177 # الجواب: # أما الخبر، قلنا: هو ضعيف في الإسناد فإن مداره على الواقدي وهو ضعيف. # وقد روى أبو داود فلم يذكر قوله: ((صومكم يوم تصومون))، ولأنه ترك لقوله ~~عليه السلام: ((صوموا لرؤيته))، وإذا ترك بدليل آخر فلا يصير صورته شبهة، ~~لأن الصورة لا تصير شبهة عندنا بحال. وأما سقوط الحد عن الأب لم يكن بقوله: ~~((أنت ومال لأبيك)) وهذا أيضا خبر مرسل، وإنما كان ثبوت حقه في مال ولده ~~على ما ذكرنا في النكاح، ولأن قوله: ((أنت ومالك لأبيك)) لم يصير شبهة في ~~سقوط الحد إذا زنا بالبنت. # فإن قالوا: ((الإضافة/ إلى الوالد إضافة كرامة)). # قلنا: صورة اللام للملك، وقد قيل: إن معنى الخبر هو النهي عن صوم يوم الشك. # وأما دليلهم الثاني: # قلنا: هو في حقه من رمضان على الإطلاق من كل وجه، وهذا لأنه تيقن برؤيته ~~قطعا، ونقول له: إن تيقنت فعليك الكفارة. PageV02P178 # وقوله: ((إنه تفرد من بين سائر الناس)). # قلنا: تفرده جائز بالإجماع، ولهذا المعنى جاز للقاضي أن يقبل وإذا قبل ~~لزم جميع الناس صوم اليوم فصارت هذه المسألة مثل سائر المسائل التي قلناها. # ودعوى الخلل في الدليل باطل، لأن تشكيك المتيقن لا معنى له. # وأما دليلهم الثالث فنقول: # أولا: لا قضاء، إنا وجد ترك قبول فحسب، ومسألة الرد كذا نقول، وإنما لم ~~تقبل شهادته بعد توبته لمعنى آخر ثم يبطل بما لو شهد أربعة ms235 من الشهود على ~~رجل بالزنا ورجم الإمام المشهود عليه، ثم رجع أحدهم فإنه يحد مع قيام ~~القضاء بزناه، بدليل أنه لو قذفه إنسان لا يحد، لأنه محكوم بزناه ولا محيص ~~لهم عن هذا، لأن ما قالوه: إن القضاء انفسخ في حق الراجع وإن كان انفسخ في ~~حق الراجع في تلك المسألة فلم يوجد ههنا في حق الزاني أصلا، فنقول: لو أن ~~هذا الرائي صام ثلاثين يوما ولم ير الناس الهلال يجوز له أن يفطر على أصح ~~الوجهين، لكن يفطر في مكان لا يراه الناس، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P179 ### || AUTO (مسألة) # إذا تمضمض الصائم واستنشق ولم يبالغ وسبق الماء إلى حلقه لم يفسد صومه # عندنا. # وعندهم: يفسد. # وكذلك لو أكره على الأكل والشرب أو صب الماء في حلقه لم يفسد عندنا. # وعندهم: يفسد. # لنا: # أنه لو فسد صومه لكان يفسد بوجود المناقض لصومه ولم يوجد، لأن العبادة ~~فعل الكف عن الأكل والشرب ولم يوجد ما ينافي الكف، لأنه كاف عن الأكل ~~والشرب على ما أمر به وإنما وجد سبق الماء إلى حلقه بغير PageV02P180 # فعله أو وجد صب الماء في حلقه ولا فعل له في هذا بل يتصور فيما كان نائما ~~فصب الماء في حلقه. # وعندهم: يبطل صومه في هذه الصورة أيضا. # وأما إذا أكره على الأكل والشرب فنقول: # فعله وإن وجد لكن جعل فعله كالمعدوم مثلما صار فعله كالمعدوم في حق لحوق ~~الإثم، وصار فعله كالمعدوم فيما لو أكره على إتلاف مال الغير حتى وجب ~~الضمان على المكره دون المكره، فثبت أنه لم يوجد ترك فعل العبادة أصلا في ~~هذه الصورة كلها، وإذا ثبت أنه لم يوجد ترك فعل الكف، لم يبطل صومه لأنه لو ~~بطل بطل بما قلناه ولم يوجد فلا يبطل ونستدل بالناسي فإنه لا يبطل صومه. # والعذر في هذه المسائل أظهر منه في الناسي، لأن في صورة الناسي قد وجد ~~منه فعل ما يضاد الكف إلا أنه مع نسيان العبادة. # وأما ههنا فلم يوجد منه فعل ما ينافي ms236 الكف أصلا فإذا لم يبطل في الصورة ~~الأولى كذلك في هذه الصورة. # ونظير مسألتنا: إذا طارت الذباب فدخلت حلقه لم يفسد صومه لما بينا. # وأما حجتهم: # قالوا: وصل المغذى إلى جوفه مع ذكره للصوم فوجب أن يبطل صومه. # دليله: المخطئ، وصورة الخطأ في المسألتين المعروفتين وهي أنه لو PageV02P181 # تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه طلع، أو أفطر على ظن أن الشمس ~~قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب. # وأما الفقه لهم: # هو أنه فات معنى الصوم في هذه المسائل فيفوت الصوم، وهذا لأن قيام الصوم ~~بقيام معناه، فإذا مات معناه لم يتصور بقاءه. # يبينه: أنه لو فاتت صورة الصوم بأن تناول حصاة أو نواة لم يبق الصوم فإذا ~~فات معناه في مسألتنا أولى أن لا يبقى، لأن قيامه بمعناه أكثر من قيامه ~~بصورته. # وإنما قلنا: ((إن معناه فات، لأن معنى الصوم هو الكف عن قضاء الشهوة فإذا ~~حصل قضاء الشهوة وجد الفوات معنى))، وفي هذه المسائل وجد قضاء الشهوة وفات ~~معنى الصوم. # فإن قلتم: ربما كان الفعل تناول لقمة أو تناول حبة حنطة وبهذا لا يحصل ~~قضاء الشهوة. # قلنا: قد وجد من جنس ما يقضي به الشهوة، والمعتبر وجود جنس ما يقضي به ~~الشهوة وإذا وجد يفعله وجد فوات الصوم صورة ومعنى، وإذا وجد لا بفعله وجد ~~فوات الصوم معنى، وإن لم يوجد صورة وفي الموضعين يبطل الصوم. # قالوا: (وأما إذا أكل أو شرب ناسيا فقد وجد ما ينافي الصوم صورة ومعنى ~~إلا أنه بقى الصوم بالنص، وههنا لا نص). فلو بقي بقي بمجرد الصورة مع فوات ~~المعنى وهذا لا يجوز. PageV02P182 # قالوا: وليس كما لو طارت ذبابة إلى حلقه، لأنه لم يوجد فوات الصوم لا ~~صورة ولا معنى، أما الصورة فلأن الحاصل حاصل بغير فعله، وأما المعنى فلأن ~~قضاء الشهوة لم يوجد لأن الذبابة ليست من جنس ما تقضي به الشهوة. # الجواب: # إن قولهم: فات/ الصوم معنى لا نسلم، لأن معنى الصوم وصورته في فعله حتى ms237 ~~إن من جاع أو عطش من غير نية منه للصوم لا يقال وجد له معنى الصوم، وكذلك ~~إذا صام ولم يجع ولم يعطش لا يقال لم يوجد له معنى الصوم. # فدل أن معنى الصوم وصورته في فعله، وذلك الفعل هو فعل الكف، وفوات المعنى ~~والصورة في فوات فعل الكف ولم يوجد فوات فعل الكف في المسائل التي اختلفنا ~~فيها فلم يفت الصوم لا صورة ولا معنى على ما ذكرنا. # والحرف إن وجود قضاء الشهوة لا بفعله ساقط ومجعول كالعدم، لأن الصوم لم ~~يكن حصوله لا بفعله بل حصوله بفعله فيكون فواته بفعله. # فإن قالوا: إذا تمضمض واستنشق فقد وجد فعله في سبب سبق الماء إلى حلقه ~~....... السبق كأنه حصل بفعله مثل ما لو قبل أو أنزل. # قلنا: المضمضة والاستنشاق فعلان مطلقان شرعا فما يؤديان إليه مما لا فعل ~~له فيه لا يجعل كالحاصل بفعله، كما لو حفر بئرا في ملكه فوقع فيه إنسان، ~~هذا إذا لم يبالغ، أما إذا بالغ فهو فعل محظور فيجعل ما يؤدي إليه كأنه حصل ~~بفعله كما لو حفر بئرا في ملك غيره ثم وقع فيه إنسان. PageV02P183 # وأما فصل الناسي فهو لازم على ما سبق. # وقولهم: ((إنه لم يفسد الصوم بالنص)). # قلنا: قد ذكر في النص: ((أن الله تعالى أطعمه وسقاه))، ولما كان الواصل ~~بفعل غيره لم يفسد صومه، فكذلك ههنا وصل الواصل بفعل غيره فلا يفسد أيضا، ~~وهذا كلام حسن مستخرج من النص فإن قوله عليه السلام: ((فإن الله أطعمه ~~وسقاه)). # يبينه: أن كل ما يحصل من هذا الجنس بفعل غير الصائم لا يفسد صومه. # وقد تعلق الأصحاب بقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه)). PageV02P184 # ووجه التعلق به ما سبق. # وهم حملوا هذا على الإثم وادعوا أن المقتضى لا عموم له. # ونحن نقول: إن الخبر يقتضي رفع عين ما وقع فيه الخطأ والنسيان فإذا لم ~~يرتفع مشاهدة يرتفع حكما، وإذا ارتفع حكما لم يبق له حكم. # وأما فصل الخاطئ فهو خ ms238 ارج على ما قلناه، لأنه قد وجد منه فعل ينافي ~~الصوم. والله أعلم. # * * * PageV02P185 ### || AUTO (مسألة) # المجنون إذا أفاق في بعض الشهر في رمضان لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر # عندنا. # وعندهم: يلزمه. # لنا: # إن خطاب الإيجاب لم يتناول المجنون في حال جنونه فإذا أفاق فالخطاب في ~~حقه ابتداء إيجاب فلا يتناول الزمان الماضي. # دليله: الصبي إذا بلغ في خلال الشهر فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى من الشهر، ~~كذلك ههنا، ثم الدليل على أن الإيجاب بخطاب الشرع أن PageV02P186 # هذه عبادة من العبادات السمعية فلا تجب إلا بسمع ولا سمع إلا بخطاب ~~الشرع، ولأنه لا دليل يدل على الوجوب سوى الخطاب. # أما العقل فليس فيه دليل على وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج على هذا ~~الوجه، وكذلك في سائر العبادات. # وأما دخول وقت الظهر، ووجود المال، وشهود الشهر ووجود البيت، فليس في ذلك ~~إلا وجود وقت أو وجود مكان وليس في الأوقات والأمكنة ما يدل على وجوب واجب ~~فلم يبق سوى خطاب المعبود عبادة بفعل العبادة، وهذا أقوى دليل يوجد، لأن ~~المال له حق استعباد مماليكه لقضاء حقوقه وأداء حق عبوديته، وهذه الأوامر ~~من الاستعباد، وللمالك حق تصريف عبده في عبوديته. # يدل عليه: أن أصل الإيمان يجب بخطاب الشرع، فكذلك فروعه وشرائعه، فدل أن ~~الوجوب بخطاب الشرع ولا خطاب على المجنون بدليل قوله عليه السلام: ((رفع ~~القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى ~~يفيق))، لأن المجنون ليس من PageV02P187 # أهل الخطاب لأنه لا يعقل الخطاب فيصير خطابه بمنزلة خطاب البهائم فيكون ~~سفها وعبثا. # والحرف أن الخطاب بالفعل إنما يصح مع من هو أهل الفعل، والخطاب بالعبادات ~~خطاب بفعل العبادات بدليل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، وقال ~~الله تعالى في الصوم: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}. # وقوله: {فليصمه} أمر بالفعل، وكذلك الحج: {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع ...}، معناه فعل الحج، وإذا كان خطابا بفعل العبادة فمن لا يكون من ~~أهل فعل العبادة لا ms239 يتصور معه خطاب فعل العبادة. # وأما حجتهم: # قالوا: (الجنون آفة معجزة عن فهم الخطاب، فلا ينافي وجوب الصلاة والصوم ~~ولا صحة الأداء إذا تصور كالنوم والإغماء، وهذا لأن وجوب هذه العبادات ~~بأسباب متحققة في حق الناس أجمع كالشهر للصوم، والوقت للصلاة، والمال ~~للزكاة). # والدليل على أن الوجوب بهذه الأسباب: أن هذه الأحكام مضافة شرعا إلى هذه ~~الأسباب، والإضافة المطلقة دليل على/ أن الوجوب بها. PageV02P188 # يبينه: أن الله تعالى قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} واللام في مثل هذا ~~تذكر للتعليل، كما قال: اضربه لأنه لص، وتوضأ للصلاة، وتأهب للشتاء. # ويدل عليه: أن الوجوب يتكرر بتكرر هذه الأسباب، والأمر بالفعل لا يقتضي ~~التكرار، وتكرار الشرط لا يوجب تكرر الحكم، فدل أن التكرار إنما كان لأن ~~السبب تكرر والأصل أن السبب إذا تكرر فلابد من تكرر المسبب ويصير وجوده ~~ثانيا وثالثا مع وجوده أولا مثل تكرر القتل واليمين وتكرر سائر الأسباب ~~الموجبة للأحكام، (وهذه أسباب متحققة بنفسها فينفذ حكمها وهو الوجوب على من ~~هو أهل له، والآدمي يصير أهلا للوجوب عليه بالذمة، والذمة لا تختل بالجنون ~~فإنه يلزمه حقوق الناس ولا تبطل حقوقه لكن الأداء شرط وهو القدرة، ويكون ~~وجوبه بالخطاب، وأمر الشرع لا يجب على العاجز والذي لا يفهم الخطاب، لأن ~~الخطاب لا يصح في حق من لا يفهم، وهذا كالنائم تلزمه العبادات ولا يلزمه ~~الأداء حتى لو مات، كذلك لا يؤاخذ به، ومثاله: ابن السبيل تلزمه الزكاة في ~~المال الذي خلفه في بلده ولا يلزمه الأداء لأن الوجوب بملكه القائم وهو ~~ثابت، والأداء باليد ولا يد، وهو كالبائع يقول للمشتري: اشتريت فأد الثمن، ~~فالأداء يلزمه بالأمر والوجوب بالشراء). # (ولا يلزم إذا استغرق الجنون الشهر، لأن القضاء إنما يسقط بسبب الحرج، ~~لأن الجنون مما يمتد كالصبا) وقد يقصر كالإغماء فلا بد من PageV02P189 # فارق بين المديد والقصير (فاعتبر أصحابنا في الفارق بين المديد والقصير ~~بالشهر، لأنه وقت كل الصوم وبعده إنما يوجد التكرار والتضاعف، واعتبروا في ~~الصلاة ست صلوات، لأن وقت كل الصلاة ms240 يوم وليلة وهو قصير في نفسه فقدروا ~~تعدد الصلاة واعتبروا أن يدخل في حد التكرار والتضاعف)، وإذا ثبت هذا فنقول: # إذا استوعب الجنون كل الشهر ألحق بالصبي لأنه قد امتد وطال فلو لم تسقط ~~العبادة عنه لتضاعف القضاء عليه وحرج فسقط بسبب الحرج، ولهذا سقط بسبب ~~الصبا، لأنه يطول فلو أوجبنا القضاء بعد البلوغ أدى إلى حرج عظيم. # قالوا: (وأما الكافر إذا أسلم إنما سقط عنه القضاء بعد الإسلام بقوله ~~تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}، ولأن الكافر ليس له ~~أهلية وجوب العبادات)، لأنه ليس من أهل موجبها على ما ذكروا في أصول الفقه، ~~وفي موضع آخر. فأما المجنون من أهل العبادات وجوبا، لأنه من أهل الجنة ~~ولأنه يبقى له الإسلام وسائر العبادات بعد الجنون لينال بها الثواب في ~~الآخرة بخلاف الكافر. # قالوا: وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: # (إذا حن الصائم في خلال اليوم صح يومه، لأن الركن بعد النية ترك المفطرات ~~في اليوم، وأنه متصور من المجنون، كما هو متصور من العاقل PageV02P190 # ولما تصور الركن وهو بالجنون لم يخرج من أهلية العبادة صح الصوم منه كما ~~يصح من النائم والمغمى عليه. # والدليل على أنه لم يخرج من أهلية العبادة أنه مؤمن والمؤمن من أهل تعبد ~~الله تعالى، ولأنه أهل الجنة، والجنة جزاء العبادة) فإذا كان من أهل موجب ~~العبادة كان من أهل العبادة. # قالوا: وكذلك إذا أفاق في بعض الشهر وجب عليه قضاء ما مضى لما بينا أن ~~الوجوب قد سبق، والجنون إنما تأثيره في منع خطاب الأداء وتأخير خطاب الأداء ~~غير مانع من الوجوب، لأن خطاب الأداء يجوز أن يتأخر عن الوجوب كما بينا في ~~المغمى عليه والنائم، وكذلك الحائض في حق الصوم، وهذا لأن الوجوب يستدعي ~~فائدة ليتحقق في نفسه. # وخطاب الأداء سواء اتصل بزمان الوجوب أو تأخر فالفائدة قد تحققت واستقام ~~تحقيق الوجوب مع تأخر خطاب الأداء ثم أفاق وقدر على الأداء فالآن يتوجه ~~خطاب الأداء للواجب السابق بمنزلة المغمى عليه ms241 سواء. # هذه جملة كلامهم في هذه المسألة ذكرناها مع زيادة بسط، لأنه كلام يحتاج ~~إليه في هذه المسألة، ويدخل أيضا في مسائل كثيرة فاحتاج إلى زيادة بسط وشرح ~~ليوقف على حقيقته. # قالوا: (وأما الخبر فهو حجة عليكم، لأنه جمع بين الصبي والمجنون والنائم ~~وأثبت فيهم رفعا واحدا فيجب أن يكون حكمه فيه متفقا ثم النوم أخر الأداء ~~حتى لم يأثم بتركه ولم يسقط أصل الوجوب فكذلك الصبي والمجنون). PageV02P191 # قالوا: وأما في حق الصبي فأهلية الوجوب في حقه موجودة بوجود الذمة إلا أن ~~الصبا مما يمتد فصار الصبا عذرا مسقطا للوجوب لئلا يحرج الصبي في القضاء ~~بعد القدرة والبلوغ، فصار سقوط الوجوب/ عن الصبي بدلالة أخرى. # قالوا: ونحن لا ننكر أن يسقط الوجوب بعد وجود السبب والأهلية بدليل آخر. # الجواب: # أنا بينا أن الوجوب بخطاب الشرع هذا هو محز الكلام ومفصل الخصام وقد ~~دللنا عليه. # يدل عليه: أن هذه الأسباب قد كانت ولا وجوب أن بالخطاب وجبت العبادات. # يبينه: أن هذه العبادات ما عرفت واجبة إلا بخطاب الشرع فكيف يقال إنها لم ~~تجب بخطاب الشرع؟ لكن خطاب الشرع وجد عقيب هذه الأسباب فصارت هذه الأسباب ~~علامات وأمارات للوجوب بخطاب الشرع، وأيضا فإن العبادات في الابتداء لا تجب ~~على من لم يبلغه الخطاب وهو الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، ولو ~~كان الوجوب بوجود الأسباب دون الخطاب لوجبت عليه العبادات، وهذا حرف معتمد، ~~فإن البلوغ شرط الوجوب، والمجنون لا يتصور بلوغ الخطاب إليه، لأنه ليس في ~~نفسه بأهل معرفة الخطاب. PageV02P192 # واعتذر أبو زيد عن هذا الفصل وهو اعتبار البلوغ في الابتداء في الأسرار ~~قال: نحن إنما جعلنا هذه الأشياء أسبابا للوجوب بجعل الله تعالى إياها ~~أسبابا وقد ورد خطاب الشرع بجعل هذه الأسباب أسبابا غير أن شرع الخطاب ~~والعلم به شرط، (لأنه أوسع للامتثال قبل العلم ولا علم للناس قبل البلوغ، ~~فإذا انعدم العلم لخفاء الخطاب من قبل الله تعالى، أو لم يظهره بعد لم يلزم ~~الناس، فأما بعد الظهور ms242 فالخفاء على البعض غير معتبر لسقوط الحكم عنه، لأن ~~التبليغ إلى كل شخص متعذر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يجب ~~تبليغه إلى كل أحد وتعلق صيرورته سببا موجبا بوجود الإظهار في الناس حتى ~~يصير بحيث يوجد في الناس وقام ذلك مقام البلوغ عاما). # واعتذروا عن مسألة الحربي إذا أسلم في دار الحرب وقالوا: إنما سقط عنه ~~الوجوب أيضا دفعا للحرج، لأن مقامه في دار الحرب قد يطول ولا يجد من يوقفه ~~على العبادات فلو وجبت عليه من غير علم اجتمعت عليه عبادات كثيرة، ويقع في ~~حرب عظيم لقضائها فسقط الوجوب دفعا للحرج حتى لو أسلم في دار الحرب ومضت ~~عليه أيام ولم يشعر بوجوب العبادات عليه وجب القضاء عليه، لأنه لا يؤدي إلى ~~الحرج فإنه يجد من يوقفه عليها ويعلمه إياها. # والجواب عن كلام الكلامين سهل. # وقد ثبت أن بلوغ الخطاب شرط الوجوب باعترافهم بذلك ولا بلوغ في حق ~~المجنون. PageV02P193 # وقولهم: ((إنه لا يعتبر ظهور الخطاب في الناس)). # قلنا: يجوز أن يقال هذا فيمن هو محل البلوغ إلا أنه لم يبلغه لما ذكروا ~~أن التبليغ إلى كل أحد حرج. # فأما من ليس بمحل البلوغ ولا هو من أهل الخطاب فلا يجوز إثبات الوجوب في ~~حقه، لأن من هو من أهل الخطاب ومحل البلوغ يجوز أن يجعل الخطاب كأنه قد ~~بلغه دفعا للحرج. # فأما من هو بمنزلة بهيمة في الخطاب ولا يتصور أن يبلغه محسوسا لا يجوز أن ~~يجعل في حقه بمنزلة الواصل البالغ والمجنون بهذه المنزلة. وأما الحرج الذي ~~يعتمدون عليه في دفع المسائل الإلزامية، ففي نهاية الضعف، لأن الشرائع بنيت ~~على الحرج، وما من تكليف إلا وفيه حرج فلا يجوز أن يجعل هذا أصلا لإسقاط ~~الواجبات عند وجوده، وإثبات الواجبات عند وجوده وإثبات الواجبات عند ~~انتفائه. # وأما الآية وهو قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}. # معناه أنه لم يوجب على عباده شيئا لا سبيل لهم إلى الخروج عنه وهو منى ~~قوله تعالى: {لا يكلف ms243 الله نفسا إلا وسعها}. # وأما استدلالهم في أن الوجوب بالأسباب لأجل ورود الشرع بالإضافة المطلقة. # قلنا: الإضافات للإعلام، ونحن لا ننكر أن هذه الأوقات والأمكنة PageV02P194 # علامات للوجوب بإيجاب الله تعالى فكانت الإضافة مشعرة بمجرد الإعلام. # وأما التكرار بتكرار الأسباب فنقول: # إن الأمر قد يفيد التكرار عند اقتران دليل به يوجب التكرار وإنما قالوا: ~~إن الأمر المطلق الخالي عن قرينة لا يفيد التكرار، فأما لم يقل أحد إنه لا ~~يجوز أن يكون مفيدا للتكرار عند اقتران دليل به فوجب التكرار، وهذه ~~الواجبات المتكررة من هذا النمط. # وأما قولهم: ((إن الوجوب يحصل بوجود هذه الأسباب والخطاب بالأداء ~~يتأخر)). # فنقول: ليس أصل الإيجاب إلا بخطاب الأداء، لأن الإيجاب لابد وأن يلاقي ~~شيئا وليس يلاقي إلا الفعل، فكيف يتصور أن يفصل الوجوب عن خطاب الأداء؟ # والدليل عليه: أنا إذا تأملنا في خطاب الشرع لم نرها إلا خطابا بالفعل ~~مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، وقوله: {فليصمه}، وقوله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت}. # فدل أن الوجوب ليس إلا إيجاب الفعل إلا أنه يتضيق مرة ويتسع أخرى ويطلق ~~له التأخير بعذر. PageV02P195 # وأما مسألة الإغماء والنوم فنحن لا نقول إن/ الخطاب متوجه عليهما في حال ~~الإغماء والنوم بل يتوجه بعد الإفاقة والانتباه، وكذلك الحائض في حق الصوم، ~~وهذا لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد. # فإن قالوا: ((قد سمي قضاء فلابد من وجوب سابق)). # قلنا: لفظ القضاء والأداء في المعنى واحد على ما عرف، ولأنه سمى قضاء ~~ليقوم هذا الفعل مقام من فعل هذا الواجب في قوته المسمى ويلتحق به حكما. # فأما أن يكون لما قلتم فلا، وعلى هذا الأصل نقول: # إذا نوى الصوم ثم طرأ الجنون في بعض اليوم بطل صومه، لأن الأهلية تفوت ~~بالجنون ولا يجوز وجود الصوم من الإنسان مع فوات الأهلية. # وأما عندهم: لا يبطل صومه، لأن بطريان الجنون لا تفوت الأهلية والكلام في ~~الجانبين قد سبق بيانه، والله أعلم. # * * * PageV02P196 ### || AUTO (مسألة) # صوم التطوع لا يلزم بالشروع # عندنا. # وعندهم: يلزم بالشرع. # وفائدته: ms244 أنه لا يجب عليه عندنا أن يمضي فيه لكن يستحب له ذلك، ولو أفسده ~~لم يجب عليه القضاء. # وعندهم: يلزمه أن يتمه ولو أفسده وجب عليه القضاء. PageV02P197 # لنا: # حديث سماك بن حرب عن ابن أم هاني عن أم هاني قالت: ((كنت قاعدة عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأتى بشراب فشرب منه ثم ناولن فشربت منه، ~~فقلت: إني أذنبت فاستغفر لي، فقال: ما ذاك؟ فقلت كنت صائمة فأفطرته، قال: ~~أمن قضاء كنت تقضينه؟ قلت: لا، قال: فلا يضرك إذا)). # رواه أبو عيسى في جامعة بهذا الإسناد، قال: ((وفي الباب عن أبي سعيد ~~الخدري وعائشة)). # وروى هذا الحديث من وجه آخر عن أم هاني أن النبي عليه السلام PageV02P198 # قال: ((الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر)). # وروى أبو عيسى أيضا بطريق بشر بن السري عن سفيان عن طلحة بن يحيى عن ~~عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يأتيني فيقول: ((عندك غداء؟، فأقول: لا، فيقول: إني صائم، قالت: ~~فأتاني يوما، فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ ~~قلت: حيس، قال: أما إني أصبحت صائما، قالت: ثم أكل)). # قال: ((وهذا حديث حسن))، وفي إسناد الخبر الأول مقال. PageV02P199 # وروى أبو داود الخبر الأول من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الله ابن ~~الحارث عن أم هاني ... وذكر في آخره: ((ولا يضرك إن كان تطوعا)). # وذكر الخبر الثاني، وقال فيه: ((وقال طلحة بن يحيى: وأصبح صائما وأفطر)). # وروى الدارقطني الخبر الثاني برواية الثوري عن طلحة بن يحيى، ثم قال: ~~((إسناد هذا الخبر صحيح)). # وأما تعلقهم بالحديث الذي رواه جعفر بن برقان عن الزهري PageV02P200 # عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا ~~طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبدرتني ~~حفصة وكانت بنت أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين فعرض لنا ~~طعاما فاشتهيناه فأكلنا منه، ms245 فقال: اقضيا يوما مكانه)). # وتعلقوا بالخبر الذي رواه الدارقطني بإسناده عن محمد بن عمرو ابن العباس ~~الباهلي عن سفيان بن عيينة عن طلحة بن يحيى عن عمته عائشة عن عائشة أم ~~المؤمنين قالت: دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((إني أريد ~~الصوم وأهدى لي حيس، فقال: إني آكل وأصوم يوما مكانه)). # وروى أيضا بإسناده عن إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد PageV02P201 # الخدري طعاما فدعى النبي عليه السلام وأصحابه فقال رجل من القوم: إني ~~صائم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صنع لك أخوك وتكلف لك ~~أخوك، أفطر وصم يوما مكانه)). # XXX الأخبار ضعيفة. # أما الخبر الأول: فقد رواه ومعمر وعبد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير ~~واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلا، وهذا أصح، لأنه روى عن ابن جريج ~~قال: سألت الزهري فقلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع عن عروة ولكن ~~أخبرني به رجل على باب سليمان ابن عبد الملك عن عروة). # وقيل: أسنده زميل مولى عروة بن الزبير وهو مجهول. # وقد حمل الأصحاب أمر النبي عليه السلام في هذا الخبر على الندب. # وأما الخبر الثاني: قال الدارقطني: ((تفرد بروايته على الوجه الذي قالوا- ~~محمد بن عمرو بن العباس الباهلي- ولم يتابع عليه، PageV02P202 # وخالفه الثقات ولعله شبه عليه))، والأصح من الخبر هو الرواية على الوجه ~~الذي قدمنا. # وأما الخبر الثالث: فإنما هو مرسل، فإن إبراهيم بن عبيد لم يلق أبا سعيد، ~~والمرسل لا يكون حجة، وأما الكلام من حيث المعنى نقول: هو بالإفطار تارك ~~للتطوع فلا يجب عليه شيء. # دليله: إذا ترك في الابتداء، وإنما قلنا: إنه تارك، لأن الصوم هو فعل ~~الكف والإمساك عن الأكل والشرب فإذا أكل أو شرب فقد ترك فعل الصوم فثبت أنه ~~لم يوجد منه إلا/ مجرد الترك لصوم التطوع. # ويدل عليه: أن مباشرة التطوع ليس له حكم سوى صحته شرعا، فأما اللزوم فليس ~~عليه دليل، لأن اللزوم إنما يكون بإلزام الشرع أو بالتزام العبد ms246 ذلك ولم ~~يوجد واحد منهما، وإنما هو متبرع، فنهاية ما فيه أن تصح مباشرته لذلك بقدر تبرعه. # فأما الذي لم يباشر فبقى على العدم ولم يتصل به التزام من قبله ولا إلزام ~~من قبل الشرع، ولا اتصل به أيضا مباشرة من قبله فصار الباقي في حقه بمنزلة ~~الجميع إذا لم يباشر شيئا منه فلم يجب عليه مباشرة صوم بقية اليوم عليه لما ~~لم يكن واجبا عليه فعله من الصوم في أول اليوم، فصار الحرف لنا: أن ما بقى ~~من صوم اليوم له حكم ما مضى فإذا لم يكن لما مضى حكم سوى الصحة ولم يقض ~~بوجوبه عليه بل قبل كان متبرعا PageV02P203 # بفعله إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله فكذلك في الباقي من اليوم يكون حكم ~~صومه كذلك. # فإن قالوا: ((إن عندنا إذا وجد شروعه يجب عليه صوم جميع اليوم)). # قلنا: يلزمكم الجزء الأول من الصوم، ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن واجبا ~~عليه، فكذلك سائر أجزاء الصوم، ولما كان إليه في الجزء الأول، فكذلك يكون ~~الخيار إليه في الباقي من اليوم، لأن الكل صوم تطوع فيكون حكم الكل واحدا. # وأما حجتهم: # قالوا: الصوم عبادة يلزم بالنذر، فيلزم بالشروع. # دليله: الحج، وألزموا الحج على جميع ما قلنا. # قالوا: وأما قولكم: ((إن الحج لا يمكنه الخروج عنه)). # قال: ليس كذلك، فإن بالإفساد قد خرج عن الحج الصحيح، وإنما بقى في حج ~~فاسد ووجوب القضاء بفوات الصحة، وهي مثل أصل الصوم في مسألتنا، وعلى أنه ~~وإن لم يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل لكنه قد أدى الحج بأفعاله المعهودة، ~~فالحج الذي لا يمكنه الخروج عنه إلا بالفعل، وقد فعله فلماذا يجب عليه ~~القضاء؟ وحين وجب دل أنه إنما وجب أن الشروع سبب ملزم بمنزلة النذر، وقد ~~قرنوا الشرع بالنذر. # قالوا: قد اتصل عزيمة الفعل بالشروع، لأنه لا يشرع في صوم النفل إلا وهو ~~على عزيمة إتمامه وإكماله. # والعزيمة مشعر بوجوب المعزوم عليه، ولهذا قال: أعزم أو أعزم بالله PageV02P204 # يكون يمينا قال الله تعالى: ms247 {فإذا عزم الأمر} معناه حق ووجب. # ويقول الإنسان لغيره: عزمت عليك لتفعلن- أي أوجبت- فأشبه النذر الذي هو ~~صريح الالتزام. # وأما المعتمد في المسألة من حيث المعنى أن إبطال العبادة محظور بدليل ~~قوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم}، ولأن من فعل فعلا بطلب رضا معبوده ثم ~~قصد إبطاله فقد تعرض لسخط ربه، وإذا ثبت أن إبطال العبادة محظور فنقول: ما ~~مضى من الصوم في اليوم عبادة، لأنه فعل الصم قطعا، وكذلك إذا شرع في صلاة ~~النفل هو فعل الصلاة قطعا، وهذا لأن الإمساك من أول النهار إلى آخره فعل ~~الصوم وإن كان تمامه آخره، وكذلك أداء الصلاة من أولها إلى آخرها فعل ~~الصلاة وأن تمامها بتمام الأفعال. # وإذا ثبت أنه فعل الصوم فيكون عبادة، لأن فعل العبادة عبادة، وإذا كان ~~عبادة حرم إبطالها ووجب حفظها ذلك بفعل الباقي من الصوم، لأنه إذا لم يفعل ~~ذلك كان مبطلا لما مضى من الصوم، وقد بينا أنه محظور فلزم فعل الباقي لهذا ~~الوجه وإذا لزم فإذا تركه وجب قضاؤه وأشبه المنذور الذي قدمنا. # قالوا: وليس كما لو شرع في الصوم على ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه، ~~لأن الشروع إنما يكون ملزما إذا لاقى غير واجب مثل النذر إنما يكون ملزما ~~إذا لاقى غير لازم، وإذا شرع على ظن أن المشروع فيه PageV02P205 # عليه فشروعه لاقى واجبا عليه، لأن المعتبر ما عنده لا ما عند الله تعالى، ~~ألا ترى أن من كان عنده أنه لم يصل الظهر وقد صلى ونسى فإنه يلزمه فعله ولو ~~لم يفعل يأثم ويحمل وزره وبمثله لو لم يكن فعله وكان عنده أنه فعله لم يكن ~~عليه شيء بتركه. # وإذا ثبت أن الشروع لاقى واجبا عليه لم يكن ملزما مثل ما لو نذر أن يؤدي ~~شيئا واجبا عليه وعنده أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه يبطل نذره وإذا تبين ~~أن الشروع ليس بملزم وتبين أنه ليس عليه لم ينقلب نذره ملزما، وكان القياس ~~الأصلي يقتضي أن يرتفع صومه أصلا إلا ms248 أن الله تعالى تفضل ومن عليه بأن لم ~~يبطل عليه صومه وجعله له نافلة، وليس من مقتضى التفضل والمنة أن يلزمه ما ~~لم يلتزمه فلم يكن له حكم سوى حصوله فإن مضى عليه تم الحصول، وإن أفسده لم ~~يكن عليه شيء، لأنه لم يوجد سبب يوجب عليه شيئا. # أما ههنا وجد سبب الوجوب على ما سبق. # قالوا: وليس يلزم على هذا العذر إذا شرع في الحج على ظن أنه عليه ثم تبين ~~أنه ليس عليه فإن/ هذا لا يوجد في الحج، فإن الحج يحتاج إلى مشقة شديدة ~~وقطع مسافة بعيدة وتدخل فيه مدة مديدة فيبعد أن يشتبه عليه أنه فعل الحج أو ~~لم يفعل، ولئن وجد فهو نادر، والنادر لا يلتفت إليه. # وقد منع بعضهم جانب الصوم وقال: إذا شرع فيه على ظن أنه عليه ثم تبين ~~خلافه يلزمه مثل الحج، وليس بمذهب، والصحيح ما قالوا. # هذا جملة كلامهم، ونهاية تحقيقهم. PageV02P206 # الجواب: # أما التعلق باللزوم بالنذر ففي غاية الضعف، لأن النذر التزام. وأما ~~الشروع فليس بالتزام إنما هو مجرد مباشرة الفعل فلا يدل اللزوم بالالتزام ~~على اللزوم بالمباشرة، لأن الالتزام إذا صح شرعا اقتضى اللزوم فإن ما صح ~~شرعا صح بمعناه ومعناه اللزوم. فأما المباشرة المطلقة شرعا فنهاية ما ~~تقتضيه هو الصحة شرعا ولا جرم. # قلنا: هو صحيح، فأما لزوم ما يفعله فليس يدل عليه الشروع بحال. # يبينه: أن النذر ما لم يلاق جميع اليوم لا يظهر في اليوم حكم النذر فكذلك ~~الشروع ما لم لا يلاق جميع اليوم وجب أن لا يظهر فيه حكم المباشرة وذلك بأن ~~يتم صوم جميعه. # وأما قولهم: (بأن العزيمة تدل على الإيجاب)). # قلنا: لا يدل، لأنه عزم أن يفعل، والعزم لا يوجب شيئا كما لو عزم أن يصلي ~~كذا ركعة أو يصوم كذا يوما، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عفا عن ~~أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به)). # والعزائم موضوعة من العباد فضلا من الله تعالى ورحمة، وإنما الأحكام ms249 ~~مبنية على أقوالهم وأفعالهم، وهذا لأنه يجوز أن يقصد فعل شيء ولا يفعله، ~~كما يجوز أن يفعل شيئا ثم يتركه، فلا يدل العزم على وجوب المعزوم عليه، كما ~~لا يدل الفعل على وجوب المفعول. # وأما قولهم: ((إن إبطال العبادات لا يجوز والذي فعله من صوم بعض النهار ~~عبادة)). PageV02P207 # قلنا: يجوز أن يقال إن عبادة الصوم لا توجد إلا بعد إتمام اليوم والكلام ~~في عبادة هو صوم، وهذا كمن أخرج الدراهم من صندوقه أو كيسه بنية الصدقة ~~وقال للفقير: تصدقت بها عليك، فإن هذه عبادة وطاعة ولكن لا يلزم به شيء، ~~لأنه إنما يصير عبادة الصدقة إذا وصل إلى الفقير، كذلك ههنا إنما تصير ~~عبادة الصوم إذا أتم صوم اليوم فعلى هذا يكون المفعول من إمساك بعض اليوم ~~موقوفا فإن أتم اليوم يكون صوما وإلا لمن يكن صوما، وهذا الجواب إنما يمكن ~~تمشيته جدالا لا تحقيقا لأن فعل الصوم منه موجود، وكيف لا يكون فاعلا للصوم ~~حقيقة وهو مأمور به وإذا لم يكن صوما في الحال لا ينقلب صوما في باقي ~~الحال، نعم يجوز أن يقال: ليس بصوم تام، وإنما يتم بتمام جميع النهار. # والمعتمد من الجواب أن هذا ليس بإبطال بل هو ترك لفعل الصوم في المستقبل ~~وله ذلك كما في الابتداء. # وأما بطلا ما فعله فليس بإبطاله إنما يبطل حكما، لأن الشرع لم يقبل صوم ~~بعض اليوم بحال فبطل هذا لإبطاله، ويقال أيضا: المفعول نفل فحفظه لا يزيد ~~على درجة الأصل فإذا لم تكن لأصله درجة سوى الاستحباب فكذا بحفظه. # ونحن نقول: إنه يستحب له أن لا يبطل صومه كما يستحب له فعله في الابتداء. # وأما وجوب حفظه، فساقط كما سقط في الابتداء وجوب فعله والأول أولى، وأما ~~الصوم المظنون فلازم. # وقولهم: ((إنه حصل النفل بطريق التفضل والمنة)). PageV02P208 # قلنا: كل الأشياء بمنة من الله تعالى إلا أن الصوم حاصل له بفعله، لأنه ~~لا يتصور حصوله بغير فعله، وإذا حصل بفعله فوجب أن يكون فعله موجبا عليه ~~الصوم على ما ms250 قلتم في صوم النفل ابتداء ثم فصل الحج داخل على عذرهم. # وقولهم: ((إنه نادر في الحج)). # قلنا: وهو نادر أيضا في الصوم. # وأما فصل الحج الذي قاسوا عليه. # قلنا: الفرق بالمظنون صحيح، ولا عذر لهم يصح عنه أصلا. # وأما من حيث المعنى فوجه العذر عنه أن الحج عبادة لازمة شرعا بدليل أنه ~~إذا دخل فيه لم يجز له الخروج عنه إلا بطريق مخصوص، وذلك الطريق هو بفعل ~~الأفعال المعهودة فإذا فعلها على الفساد جعل كالعدم فيلزمه أن يأتي مثلها ~~صحيحا شرعا ليخرج عن ما لزمه شرعا، وذلك بأن يأتي بها بإحرام جديد، لأن ~~الإحرام قد فسد، والمبتنى عليه فاسد والخروج بالفاسد كان لضرورة إذ لم يخرج ~~بالفاسد لبقى فيه أبدا فحكم بخروجه بما فعله من الأفعال على وصف الفساد ~~للضرورة ولم يسقط الأمر بالخروج بالأفعال الصحيحة بإحرام صحيح فلزمه ~~استئناف الإحرام وفعل الأفعال على وجه الصحة ليخرج على موجب الشرع وقضيته. # فهذا هو وجه الجواب عن الحج. # وأما الصوم فليس بلازم شرعا، وليس فيه دليل على اللزوم بوجه ما على ما سبق. # والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P209 ### || AUTO (مسألة) # إذا نذر أحد يومي العيد أو أيام التشريق لم يصح نذره # عندنا. # وعندهم: يصح نذره، ويصوم أيام أخر بعد هذه الأيام، وإن صام هذه الأيام ~~خرج عن موجب نذره. # لنا: # إنه أضاف النذر إلى غير محله فيبطل، كما لو نذر صوم الليالي بدل الأيام. # وإنما قلنا: ((إنه أضاف النذر إلى غير محله))، لأن المنذور هو الصوم وهذه ~~الأيام ليست بمحل الصوم والدليل على أنها ليست بمحل الصوم أنه لا يحل ~~صومها، ولو صام كان صومه معصية ولو كان الأيام محل الصوم لجاز صومه طاعة، ~~ولم يتصور أن يكون معصية، لأن فعل الصوم في محل الصوم من أهل الصوم يكون ~~قربه فيستحيل أن يكون معصية. # ثم الدليل على ما قلنا أن الصوم عقد شرعي فلا يكون صحيحا إلا بالشرع ~~والشرع في الصوم هو الإيجاب مرة، والاستحباب أخرى وليس PageV02P210 # له رتبة دون هذا ولا ms251 إيجاب في صوم هذا اليوم ولا استحباب بل هو منهي عنه ~~بالنص الثابت فانتفى الشرع في صوم هذه الأيام بالكلية وإذا لم يكن مشروعا ~~بوجه لم يكن الفعل صوما أصلا، لأن ما ثبت بالشرع لا يتصور صحته بدون الشرع. # وأما وجه تقريب هذه الأيام بالليالي هو أن هذه الأيام أيام الأكل بنص ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال: ((إنها أيام أكل وشرب)). # كالليالي زمان الأكل بنص الكتاب وهو قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم ...} إلى أن قال: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ....}. PageV02P211 # فثبت أن أحد الزمانين كالآخر فإذا لم يصح النذر في أحدهما لا يصح في الآخر. # فإن قالوا: ((إن أيام رمضان متعينة للصوم بالنص ومع ذلك تقبل ضده وهو ~~الفطر)). # قلنا: نعم، متعبنة للصوم لكن فعلا فإذا لم يفعل لم يتصور الصوم. # وأما هذه الأيام متعينة للأكل إلا من حيث الفعل بدليل أنه لو لم يأكل ~~فيها شيئا لا حرج عليه مثل الليالي سواء، وإنما معنى تعيينها للأكل هو نفي ~~الصوم عنها، بدليل أنه لا يأثم إلا عند الصوم مثل أيام رمضان متعينة لفعل ~~الصوم فيها بدليل أنه ما لم يترك فعل الصوم لا يأثم فكما أن تعين أيام ~~رمضان للصوم فعلا يمنع خروجها عن محلية الصوم، فكذلك تعين هذه الأيام للأكل ~~يمنع ثبوت محلية الصوم لها. # أما حجتهم: # قالوا: يوم، فيكون محلا للصوم. # دليله: سائر الأيام. # واستدلوا في هذه الأيام محل الصوم بالنص والمعنى: # أما النص فلأن النبي عليه السلام نهى عن صوم هذه الأيام، والنهي عن الشيء ~~دليل على تكونه، ألا ترى أنه لا يقال للأعمى لا تبصر وللآدمي لا تنظر، لأنه ~~لا يتصور منهما ذلك، ولأن النهي طلب الانتهاء والأمر طلب الفعل فصارت قضية ~~الأمر ليصير الشيء حاصلا بفعله، وصارت قضية النهي ليصير الشيء منعدما بكفه وتركه. # فإذا قلنا: إنه لا يكون محلا للصوم لم يكن لانعدامه بفعله وكفه. PageV02P212 # وأما المعنى: فلأن اليوم إنما صار ms252 محلا للصوم، لأنه بياض نهار. # والدليل عليه: أن الصوم عبادة كف النفس عن قضاء الشهوات وإنما يكون عبادة ~~بالكف عن قضاء الشهوات في زمان قضاء الشهوة والنهار زمان قضاء الشهوة، فأما ~~الليل هو زمان الاستراحة ولأن العبادة عبادة مخالفة النفس الأمارة بالسوء، ~~ومخالفة النفس بفعل على خلاف العادة أو بكف خلاف العادة، وذلك بكون وجوده ~~في النهر دون الليالي. # فثبت أن ما به صار الصوم صوما موجود في هذه الأيام إلا أنه نهى عن الصوم ~~فيها لمعنى في غير الصوم وهو تحقيق إجابة الداعي فإن الناس أضياف الله ~~تعالى في هذه الأيام، وقد دعاهم إلى الأكل لتحقيق الضيافة ونهاهم عن الصوم ~~لتحقيق الإجابة وإذا كان النهي لمعنى في غيره لم يوجب فوات الصوم أصلا أو ~~خروج الأيام عن محلية الصوم، وهذا كالصلاة في الأرض المغصوبة، وكالبيع وقت ~~النداء، والطلاق زمان الحيض، والإحرام وقت الوطء. # قالوا: وقولكم: ((إن الصوم في هذه الأيام معصية)). # قلنا: بلى، ولكن معصية لغيرها لا لعينها مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، ~~وكالبيع وقت النداء إذا كانت معصية لغيرها لا لعينها لم يوجب ذلك انتفاء ~~الصحة مثل هذه المسائل. # وربما يقولون: الصوم في هذه الأيام مشروع بأصله لا بوصفه، ومعنى قولنا: ~~((مشروع بأصله)) لأنه مشروع من حيث أن اليوم يوم. # ومعنى قولنا: ((إنه غير مشروع بوصفه)) فإنه غير مشروع من حيث أن اليوم ~~يوم عيد أو يوم فطر وأكل، والعيد وصف اليوم، إلا أنه وصف لا يزايل اليوم ~~فمن حيث أنه وصف العيد كان الصوم غير مشروع فصار فعله معصية، واتصف ~~بالحظرية والقبحية ومن حيث أصل الصوم. PageV02P213 # قلنا: يكون محل ........ عذرا له فيصح/ نذره وإن أضاف النذر إليه. # يبينه: أن عندنا إنما يصح نذره من حيث أصله لا من حيث وصفه، وليس كما لو ~~شرع في صوم هذه الأيام، لأن الشروع إنما يوجب الصوم بدليل المنع من إبطاله ~~شرعا، والصوم في هذه الأيام لما كان قبحا محظورا أطلق له تركه ولم يجب حفظه ~~ففات المعنى الموجب فلم يجب. ms253 وأما النذر فهو واجب بالالتزام، والالتزام قد ~~وجد من أهله في محله، أما الأهلية معلوم، وأما المحلية لما سبق من قبل. # قالوا: وأما إذا شرع في الصلاة في الأوقات المنهية فإنما لم تجب، لأن سبب ~~الوجوب هو الشروع، والشروع بالتكبير والتكبير ليس من الصلاة التي نهى عنها ~~فلزمت الصلاة به، وههنا نهى عن الصوم والشروع في الصوم صوم فلم يكن الشروع ~~موجبا لورود النهي، ولا يكون موجبا عندنا لا لعينه بل بواسطة وجوب حفظه ~~فإذا لم يجب حفظه، لأنه منهي عنه لم يكن سببا للوجوب. # قالوا: وأما إذا قضى يوما في هذه الأيام إنما لم يجز، لأنه لما كان ~~مشروعا بأصله دون وصفه كان الصوم فيه ناقصا، والواجب عليه من القضاء واجب ~~كامل فلم يتأد الكامل بالناقص إلا أن في مسألتنا إذا صام هذه الأيام إنما ~~خرج عن موجب النذر، لأنه قد أضاف الصوم إليها والخروج لحق الإضافة. # قالوا: وليس كما لو نذرت أن تصوم يوم حيضها، لأن اليوم هناك قابل للصوم ~~إلا أن فساد النذر في هذه الصورة إنما كان، لأن الناذر ليس PageV02P214 # بأهل للصوم فإن طهارتها عن حدث الحيض شرط لتصير أهلا لفعل الصوم مثل ~~طهارة الرجل عن الحدث شرط ليصير أهلا لفعل الصلاة. # وقد استدل بعض مشايخهم على كون هذه الأيام محل الصوم: بأن تخللها في صوم ~~شهري التتابع يقطع التتابع، ولو لم يكن محلا للصوم لم يقطع، كما نقول في ~~الليالي إذا تخللت، ومعتمدهم الأول. # الجواب: # أما قولهم: يوم. # قلنا: اليوم اسم زمان ومثل هذا لا يصلح لبناء الشرعيات عليه، كقول ~~القائل: وقت، أو قطعة زمان وما أشبه ذلك. # وأما استدلالهم بالنهي وهو معتمدهم. # قلنا: إنما صح النهي، لأنه يتحقق محسوسا وإن لم يتحقق مشروعا، وهذا لأن ~~الصوم له حقيقتان: حقيقة حسية، وحقيقة شرعية، فصح النهي لوجود الحقيقة ~~الحسية ثم كان عمل النهي في نفي الحقيقة الشرعية على ما سبق بيانه. # وسؤالهم على هذا أن النهي ورد عن الصوم، والصوم هو الصوم الشرعي لا الصوم ~~الحسي ms254 فاقتضى النهي وجود ما هو الصوم حقيقة. # قلنا: قد كان يقتضي ذلك إلا أنه لا يمكن إثبات الصوم الشرعي بعد ورود ~~النهي عنه لما بينا. # ثم الجواب المعتمد تحقيقا: # إن الصوم حقيقة من العبد ليس إلا الإمساك مع النية، والنهي منصرف إلى ما ~~هو فعل العبد، والذي هو فعل العبد متصور منه فصح النهي عنه لتصوره منه. PageV02P215 # وأما كونه عبادة وصوما شرعيا بالشرع، والنهي لا يتصور عنه أصلا غير أنه ~~انتفى الشرع، فثبت بهذا تحقق النهي وتكون النهي عنه ثم ظهر عمل النهي في ~~نفي المشروعية من قبل الشارع، وإذا انتفت المشروعية من الشارع انتفى الصوم ~~الشرعي قطعا، وهو مثل النهي عن نكاح المشركات ونكاح الأمهات والبنات ونكاح ~~امرأة الأب وبيع الحر وغير ذلك، صح النهي في هذه الصورة كلها لتصور وجودها ~~من العبد على غاية ما يمكن منهم ثم انتفت الصحة شرعا، لأن النهي نفى ~~المشروعية ولا يتصور عقد مشروع مع انتفاء المشروعية. # وأما قولهم: ((في التفريق بين النهي الوارد عن الشيء لعينه ولغيره)). # فهذا تفريق لا يعرف، والنهي عن الشيء لعينه لا يتصور عندنا، لأن النهي ~~بخطاب الشرع ولا ينهي عن الشيء لعينه بحال، وأيضا لو نهى عن شيء لعينه لم ~~تتصور إباحة مثله بوجه من الوجوه، فإن النهي عن القتل لو كان لعين القتل ~~فينبغي أن لا يباح القتل بحال، وكذلك الزنا وغير ذلك، فهذا كلام مردود ~~متلقي من القائلين بكون الأشياء واجبة عقلا محظورة عقلا أخرى، وهذا مذهب ~~مردود وهو بدعة وضلالة. # وأما عندنا: فالحظر والإباحة والإيجاب بالسمع لا غير. # ونقول: إن الشيء إذا ورد النهي عن نفسه كان نفس الشيء وهو العقد أو غيره ~~منهيا عنه أوجب فساده. # وإن شئت قلت: أوجب خروجه عن كونه عقدا شرعيا أو مشروعا على الإطلاق. # وقولنا: ((إن نفسه يكون منهيا عنه)). # يعرف ذلك بأن لا يوجد النهي إلا بوجود الشيء مثل النهي عن نكاح الأمهات ~~والبنات والأخوات، وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين، وكذلك النهي عن PageV02P216 # نكاح المشركات، والوثنيات ms255 وبيع/ الأحرار وبيع المضامين والملاقيح وغير ~~ذلك، فإنه لا يوجد النهي عن شيء من هذه العقود إلا بهذه العقود وكذلك في ~~مسألتنا لا يوجد النهي عن صوم هذه الأيام إلا بوجود الصوم حتى لو أمسك ولم ~~يأكل في هذه الأيام لا عنت عليه. # فثبت بهذا أن النهي يتناول نفس الصوم فأوجب ما ذكرناه. # وخرج على هذا المسائل: # فإن مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة ليس النهي عن نفس الصلاة بدليل أنه ~~لو شغل الأرض المغصوبة بشيء آخر سوى الصلاة كان منهيا عنه، وكذلك البيع وقت ~~النداء ليس النهي عن نفس البيع بدليل أنه لو اشتغل بشيء آخر سوى البيع يكون ~~منهيا عنه، وكذلك الطلاق في زمان الحيض ليس النهي عن نفس الطلاق بل هو عن ~~تطويل العدة والإضرار بالمرأة حتى لو طلق قبل الدخول في حال الحيض لا بأس ~~به، وكذلك لو طول العدة عليها بالمراجعة من غير رغبة والطلاق بعد ذلك محرم، ~~وكذلك الإحرام مجامعا ليس النهي عن الإحرام إنما النهي عن المجامعة عند ~~الإحرام، فهذا وجه بين تخرج عليه جميع المسائل. # ويمكن أن يقال: إن النهي عن الشيء إذا كان لطلب ضده فيكون النهي عن نفس ~~الشيء وإذا لم يكن لطلب ضده فلا يكون عن نفس الشيء. وقد نهى في مسألتنا عن ~~الصوم وهذه الأيام لطلب ضده وهو الفطر. PageV02P217 # فدل أن نفسه منهي عنه مثل النهي عن نكاح الأم والبنت كان لطلب ضده وهو ~~عدم النكاح وكذلك النهي عن الجمع بين الأختين كان لطلب ضده وهو التفريق إن ~~أراد النكاح أو ترك النكاح أصلا. # وعلى هذا خرج المسائل. # فإن النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة ليس الطلب ضدها أو هو ترك الصلاة، ~~وكذلك في البيع وقت النداء حتى لو باع وهو يسعى إلى الجمعة لم يكن منهيا ~~عنه، وكذلك في الطلاق حالة الحيض لم يكن لطلب ضده وهو بقاء النكاح حالة ~~الحيض، ألا ترى أنه لو طلق وهي طاهرة ثم حاضت فلا نكاح والحيض موجود، وكذلك ~~النهي عن الإحرام ms256 مجامعا وغير ذلك مما يوردونه كل ذلك خارج على الأصل الذي ذكرنا. # وأما المسائل الإلزامية من فصل الشروع وعدم جواز القضاء في هذه الأيام ~~وفساد نذر المرأة صوم يوم حيضها مسائل لازمة، واعتذارهم ضعيفة عند التأمل، ~~تركنا الكلام عليها لظهورها ولئلا تطول المسألة. # وأما فصل انقطاع التتابع فإنما كان كذلك لوجود الانقطاع صورة، وكذلك في ~~الليل إلا أن الاحتراز لا يمكن هناك فسقط اعتباره بخلاف مسألتنا فاعتبر ~~وبطل التتابع. والله أعلم. # * * * PageV02P218 ### || AUTO (مسألة) # لا يشترط الصوم لصحة الاعتكاف # عندنا. # وعندهم: هو شرط. # فعلى هذا نقول: PageV02P219 # يجوز الاعتكاف في الليالي على الانفراد. # وعندهم: لا يجوز. # لنا: # حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلا في ~~المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبي عليه السلام عن ذلك قال: ((أوف ~~بنذرك))، والخبر في الصحيحين. # روى عبد العزيز بن محمد. PageV02P220 # عن أبي سهيل بن مالك- عم مالك بن أنس- عن طاووس عن ابن عباس أن النبي ~~عليه السلام قال: ((ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه)). # وأما هم يروون عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: ((لا اعتكاف إلا بصيام)). # قالوا: وأما الخبر الأول الذي رويتم فقد روى عمرو بن دينار عن عمر أنه ~~سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اعتكاف عليه فأمره أن يعتكف ويصوم. PageV02P221 # قالوا: وأما الخبر الثاني، فالصحيح منه أنه موقوف. # الجواب: # أما الخبر الذي رووه فقد تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن ~~الزهري، وقد تكلموا في سويد وسفيان بن حسين فيما ينفردان به. # ويحتمل أن يكون المراد من الخبر نفي الكمال لا نفي الجواز. # وأما الخبر الثاني: تفرد به عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار وهو ضعيف. PageV02P222 # (قال أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري: هذا حديث منكر، لأن الثقات من ~~أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه مثل ابن جريج وابن عيينة وحماد بن سلمة ~~وغيرهم، ms257 قال: وابن بديل ضعيف الحديث). # وروى مثل مذهبنا عن علي وابن مسعود. # وهم يرون عن عائشة وابن عباس وغيرهما. # وأما الكلام من حيث المعنى نقول: # الاعتكاف عبادة بنفسها فيصح من غير صوم. # دليله: الصلاة. # والدليل على أنه عبادة بنفسه: أن الصوم عندهم شرط لصحة الاعتكاف ثم إذا ~~انضم هذا الشرط إلى الاعتكاف فيكون الاعتكاف هو العبادة بنفسه، وكذلك ~~الطهارة عن الحدث إذا انضمت إلى الصلاة تكون الصلاة هي العبادة بنفسها. PageV02P223 # ويدل عليه أن الله تعالى أطلق الاعتكاف ........ فقال/: {وأنتم عاكفون في ~~المساجد}، دل أنه بنفسه عبادة مثل إطلاقه الصوم والصلاة وغير ذلك. # وإذا ثبت أن الاعتكاف عبادة فاستغنى عن الصوم ليكون عبادة مثل سائر ~~العبادات. # يبينه: أن الصوم ركن من أركان الإسلام فيبعد أن يكون شرطا لعبادة من ~~النوافل، والاعتماد على الأول. # وقد تعلق الأصحاب بجواز الاعتكاف ليلا، وقالوا: لو كان الصوم شرطا لما صح ~~بالليل، لأنه ليس بزمان الصوم فإذا جوزنا الاعتكاف فيه فقد جوزنا بلا صوم. # وإن قالوا: إن الاعتكاف بالليل تبع للاعتكاف بالنهار، أو قالوا: إن الصوم ~~بالنهار شرط الاعتكاف ليلا ونهارا إلا أنه يختص بالنهار، لأنه لا يتصور ليلا. # نقول: كلا الكلامين باطل، لأن دعوى التبعية لا دليل عليه. # ولأن الصوم عندهم شرط، وقد انعقد الاعتكاف بالليل، وصح الابتداء به إذا ~~وصل إليه الاعتكاف بالنهار، وشرط العبادة: إما أن يتقدم عليها كالطهارة أو ~~يقارنها كالاستقبال وستر العورة والطهارة عن النجاسة، فأما أن يتراخى عنها ~~فلا يعرف. PageV02P224 # وقولهم: ((إنه لا يتصور الصوم بالليل)). # قلنا: إن لم يتصور الصوم بالليل يتصور قصر جواز الاعتكاف على النهر دون ~~الليالي ليتفق زمان الشرط والمشروط فيتصور مقترنا به أو متقدما عليه. # وقد قال بعض أصحابنا: # إن الصوم لو كان شرطا لصحة الاعتكاف لم تصح أيام رمضان، لأن الصوم ليس له ~~بل هو وظيفة هذا الزمان ابتداء ولو وجب الصوم لصح الاعتكاف به وجب أن يلزم ~~أن يكون الصوم للاعتكاف. # وهذا ليس بشيء، لأنهم يقولون: إن الصوم شرط والشرط يجب وجوده في ms258 صحة ~~المشروط له، فأما أن يكون وجوده له فهذا غير معتبر بدليل أن الطهارة لما ~~كانت شرطا للصلاة اعتبر وجودها ولم يعتبرها أن تكون الطهارة للصلاة حتى لو ~~توضأ للنفل وأدى به الفرض يجوز مع أنه لم يتوضأ للفرض، لكن اكتفى بوجوده، ~~كذلك ههنا، والاعتماد على ما سبق. # وأما حجتهم: # تعلقوا بالخبر الذي قدمناه، وقد بينا الكلام عليه. # وأما المعنى: # قال مشايخهم: لبث في مكان مخصوص فلا يكون عبادة إلا بانضمام عبادة أخرى إليه. # دليله: الوقوف بعرفة، وهذا لأن اللبث في مكان وملازمة بقعة PageV02P225 # لا يكون مخيلا في كونه عبادة، فإذا صار عبادة إنما يصير عبادة بعبادة ~~أخرى تنضم إليه وليس ذلك إلا للصوم. # وأما معتمدهم قالوا: (أجمعنا على أنه لو نذر أن يعتكف صائما يلزمه ~~الاعتكاف بصوم) فلا يخلو إما أن يكون بالنذر أو بكونه شرطا له شرعا، ولا ~~يجوز أن يكون بالنذر، لأن النذر لم يلاقه فإنه قال: لله على أن أعتكف ~~صائما، والنصب في قوله: ((صائما)) على الحال كأنه قال: لله على أن أعتكف في ~~حال صومي، والنذر إنما يصح في العبادة ووصف العبادة، أما حال المتعبد لا ~~يدخل تحت النذر فكان ينبغي أن لا يجب فلما وجب دل أنه شرط بالشرع. # قالوا: وليس كما لو قال: لله على أن أصوم متتابعا، لأن التتابع صفة الصوم. # ألا ترى أنه يقال له ((صوم متتابع)) ولا يقال ((اعتكاف صائم)). # قالوا: ولا يجوز أن يقال إن قوله: ((صائما)) نصب على إضمار المصدر، لأن ~~هذا يستقيم في قوله: ((ضربته وجيعا، وكلمته بليغا)) أي ضربا وجيعا وكلاما ~~بليغا، لأنه إذا أظهره صح هذا الكلام فأما ههنا فلا يستقيم هذا التقدير، ~~لأنه لا يستقيم أن يظهره فيقول: أعتكف اعتكافا صائما أو صوما. # الجواب: # أما قولهم: ((لبث في مكان مخصوص))، فقد ذكروا فيه القلب المعروف وهو أن ~~يقل: فوجب أن لا يكون الصوم شرطا. PageV02P226 # دليله: ما قاس عليه. # وأما قولهم: ((إن اللبث في مكان مخصوص ليس فيه معنى مخيل في كونه ~~عبادة)). # قلنا: العبادة ms259 ما جعله الله تعالى عبادة ولا يعتبر المعنى المخيل الذي ~~ظنوه وعلى أن ملازمة مكان العبادة وترك الترددات مشعرة بكونه عبادة وهو ~~لعله فوق الطواف حول البيت فإذا كان التردد حول بيت العبادة بكونه عبادة ~~فملازمة موضع العبادة لأن يكون عبادة أولى. # وأما تعلقهم بفصل النذر فقد منع على أحد القولين. # وقيل: إنه لا يجب الاعتكاف بالصوم لكن يجبان جميعا- أعني الصوم ~~والاعتكاف- ولو أفرد كل واحد منهما بالفعل فإنه يصح. # وعلى أنا سلمنا أنه يجب الاعتكاف بشرط الصوم فإنما يجب بالنذر وليس فيما ~~أنه يجب بالنذر ما يدل على أنه يجب لا بالنذر كأصل الاعتكاف. # وقولهم: ((إن النذر لم يلاق الصوم)). # قلنا: إنما أوجبنا الصوم لضرورة صحة قولكم لأنه كما يجب الاعتكاف في حال ~~الصوم فلابد من وجوب الصوم ليصير حالا له فيصح نذره بالاعتكاف على/ هذه ~~الحالة وكل ما كان من ضرورة قوله فهو كالمصرح به. # فإن قالوا: ((وجب أنه إذا قال: لله على أن أصوم معتكفا أن يلزمه على هذا ~~الشرط، وكذلك إذا قال: لله على أن أعتكف مصليا)). # قلنا: في المسألة الأولى كذلك نقول، وأما المسألة الثانية فهي مسلمة، ~~ولكنها مجرد استغراق من غير بيان وجه الإلزام ووجوب الفرق. PageV02P227 # ونحن إذا بينا وجه اتصال النذر بالصوم خرجنا وتقصينا عن عهدة كلامهم، وما ~~اعتمدوه في تعلقهم. # وقد أجاب الأصحاب عن المسألة التي ألزموها وقالوا: ليس بين الصلاة ~~والاعتكاف مناسبة ومشابهة، لأن أحدهما فعل الجوارح والآخر ليس من فعل ~~الجوارح فإذا لم يكن بينهما مناسبة لا يصير أحدهما شرطا في الآخر. # وأما الصوم والاعتكاف فبينها مناسبة ومشابهة، لأن كل واحد منهما كف فجاز ~~أن يصير أحدهما شرطا في الآخر ليصير كل واحد منهما كاملا لصاحبه متزينا به، ~~وهذا غاية الإمكان، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P228 ### | AUTO كتاب الحج ### || AUTO (مسألة) # تثبت الاستطاعة ببذل الابن الطاعة # عندنا. # وعندهم: لا تثبت. # وقد ذكر مشايخهم رواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاستطاعة لا تثبت ~~بمجرد المال بحال، وزعموا أن هذه الرواية هي ms260 الرواية الظاهرة عنه. # ورووا عن أبي حنيفة رحمة الله عليه رواية أخرى أن الاستطاعة PageV02P229 # تثبت بمجرد المال، وزعم المحققون منهم أن هذه الرواية هي الأصح. # وفائدة الروايتين تظهر في المغضوب الموسر، هل يجب الحج عليه أم لا؟ # لنا: # قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت}، وإنما قلنا إنه يصير مستطيعا، ~~لأن الاستطاعة ليس إلا الإمكان وقد أمكنه الحج حين بذل له الابن الطاعة وهو ~~أن يكون معضوبا فقيرا فيبذل له أن يحج عنه أو يكون فقيرا صحيحا فيبذل له ~~المال فقد تحققت الاستطاعة في الصورتين، أما في الصورة الأولى فليس بينه ~~وبين حصول الحج له إلا الأمر به، وهو مما يدخل تحت الأمر وتجرى فيه ~~النيابة، وفي الصورة الثانية، أمكنه الحج بإنفاقه مال الابن في سفر الحج، ~~كما أمكنه إذا كان المال له، لأن الإمكان لا يختلف في الموضعين فإن ركوبه ~~مركوب الغير وركوبه مركوب نفسه واحد، وكذلك لا يختلف في المطعوم والمشروب. # فثبت أن الإمكان موجود وإذا وجد الإمكان وجب عليه الحج، لأنه لا شرط له ~~سواه، وكذلك في المعضوب الموسر وجد الإمكان وهو أن يبذل ماله ليحج عنه غيره ~~فوجب أيضا. # وهذه المسالة مبنية على أن النيابة جارية في الحج، وسنبين من بعد. PageV02P230 # ويدل عليه: أنه لو كان مستطيعا للحج بنفسه فطرأ عليه العجز بقى الوجوب ~~عليه، وكذلك إذا وجد المال وهو معضوب جاز أن يجب عليه أيضا، لأن الباقي هو ~~الواجب عليه ابتداء، والواجب عليه ابتداء هو الباقي فإذا جاز أن يبقى عليه ~~وجوب الحج وهو عاجز ببدنه ليؤدي بماله، فكذلك في الابتداء جاز أن يجب عليه أيضا. # وأما حجتهم: # قالوا: غير مستطيع للحج فلا يجب عليه الحج، كما إذا كان الباذل أجنبيا، ~~وإنما قلنا: ((إنه غير مستطيع))، لأن الاستطاعة بملك الزاد والراحلة بالنص ~~وهو الإجماع بيننا وبينكم ولم يوجد. # ثم قالوا: لو صار مستطيعا لصار مستطيعا ببذل الابن المال له وهذا لا يجوز ~~شبها ولا معنى. # أما الشبه فالدليل عليه: أن العبد لو أذن له مولاه ms261 في الحج وبذل له المال ~~فإنه لا يجب عليه الحج، ولو ثبتت الاستطاعة بالبذل والإباحة وجب أن يثبت ~~ويجب الحج في هذه الصورة، لأن العبد من أهل الحج والإمكان قد وجد. # يبينه: أنه إنما لم يجب لعدم الإمكان مثل العسر لا يجب عليه لعدم الإمكان ~~والسيد بذل له المال فقد تحقق الإمكان، وهذا شبه معتمد. # ويدل عليه: أن الابن إذا بذل المال في كفارة اليمين والظهار جميعا فكذلك ~~ههنا لا يحكم بالاستطاعة. PageV02P231 # وأما المعنى: # قالوا: الاستطاعة بالزاد والراحلة شرط لوجوب الحج بالإجماع، وهو استطاعة ~~بمال لا يوجد مباح الأصل في العادة فوجب أن يكون الملك شرطا لوجوب الحكم ~~المبتنى عليه، لأن أصل القدرة على ما ......... والأفعال هو بالملك/ وأما ~~القدرة بالإباحة عارضة، والأحكام إنما تتعلق بالأصول لا بالأعراض، ألا ترى ~~أن الصلاة قائما إنما تتعلق بالاستطاعة ينالها الإنسان بسلامة أحواله، ولا ~~تحجب بما يحدها بمعين بعينه من ولده أو غيره للمعنى الذي بينا، وهو أن ~~الأصل أن الاستطاعة مبنية على سلامة الحال، والأخرى عارض، ولا يلزم على هذا ~~الماء في الطهارة، لأن الماء على العادات موجود مستعمل على الإباحة فصار ~~الإمكان بالإباحة في حق الماء أصلا فقام مقام الملك، وأما الزاد والراحلة ~~قل ما يوجد على أصل الإباحة وإنما يتمكن الإنسان من استعمالها على العادات ~~الجارية بالملك، والإباحة عارضية فبني الحكم على الملك ولم يعتبر العارض. # قالوا: وأما المعضوب الموسر فيجب عليه الحج على الصحيح من المذهب لأن ملك ~~الزاد والراحلة قد وجد. # وقد نص مشايخهم إحدى الروايتين عن صاحبهم. # وقالوا: تعلق الحج بالبدن فوق تعلقه بالمال، لأنه يؤدي بالبدن وإنما ~~المال وصلة، ثم إذا كان عاجزا بماله لم يجب عليه الحج وهو الفقير الصحيح ~~فإذا كان عاجزا ببدنه أولى أن لا يجب. # قالوا: وأما قولكم: ((أنه لو كان صحيحا موسرا فعرض العجز يبقى عليه وجوب ~~الحج)). PageV02P232 # قال: هذا لا يدل على أنه يجب عليه ابتداء كالميت يبقى عليه وجوب الحج ولا ~~يجوز أن يجب عليه ابتداء. # الجواب: # أما قولهم: ms262 ((إنه لا يجوز أن يصير مستطيعا ببذل الابن له الطاعة بدليل ~~الأجنبي)). # قلنا: قد منع بعضهم. # والصحيح على المذهب أنه لا يصير مستطيعا إلا ببذل الابن على الخصوص، ~~وإنما كان كذلك، لأن الإمكان قد وجد صورة ومعنى ببذل الابن ماله، أما ~~الصورة معلومة، وأما المعنى فلأنه لا منة تلحقه ببذل الابن وإباحته ماله له ~~ليحج به، لأن هذا وإن كان إحسانا لكن إحسان الأب إليه أكثر فيكون هذا على ~~معنى المجازاة والشكر لإحسانه إليه لا على معنى الامتنان به عليه، لأن ~~الشرع أضافه ماله إليه إضافة الملك إلى مالكه، ولأنه سمى الولد كسبا له مثل ~~ما يكون العبد كسبا لسيده فيكون حجه بماله مثل حجه بسائر أكسابه فثبت أنه ~~لا منة تلحقه في بذل الابن فتحقق الإمكان بصورة ومعنى. وهذا لا يوجد في غير ~~الابن فلم يوجد الإمكان معنى، لأن تحمل المنة في غاية الشدة وهي دقاقة ~~لأعناق الرجال. # * * * # * PageV02P233 # وأما فصل العبد الذي تعلقوا به: # قلنا: وإنما لم يجب، لأنه ليس من أهل وجوب الحج عليه والدليل عليه النص ~~والحكم: # أما النص: قوله عليه السلام: ((أيما عبد حج عشر حجج ثم عتق فعليه حجة ~~الإسلام)). # وأما الحكم: فإنه لو حضر بعرفات مع سيده لم يجب عليه الحج ولو كان عدم ~~الوجوب لعدم الإمكان فإذا حضر بعرفات وجب أن يجب عليه الحج كالفقير، خصوصا ~~إذا كان السيد قد أذن له في فعل في فعل الحج، وحين أجمعنا على أنه إذا فعل ~~الحج في هذه الصورة لم يكن فاعلا واجب الحج عليه بخلاف الفقير، وبخلاف ~~العبد الذي حضر الجمعة مع سيده ويؤديها، دل أنه إنما لم يكن لأجل أنه ليس ~~من أهل فرض الحج عليه أصلا. # * * * PageV02P234 # وأما فصل الكفارة: # فلا نسلم، ونقول: إذا بذل الابن الرقبة أو الطعام لأبيه لم يجز له أن ~~يعدل إلى الصوم، وعلى أن الكفارات حق مالي فلا يتأدى إلا بماله أو بما يصل ~~إليه بماله. # وأما الحج بدني فلا يحصل إلا ببدنه أو ببدن يصل إليه بأي ms263 سبب كان ويقوم ~~بدن ذلك الغير مقام بدنه ولم يعتبر أن يكون الوصول بالمال لأنه ليس بواجب ~~مالي فاعتبر أصل الوجوب فحسب، والأصح المنع في الطعام خاصة، وفي العتق إذا ~~وهب الرقبة له أنه يجب عليه قبولها، وعلى هذا في مسألتنا لو وهب الزاد ~~والراحلة له يجب عليه قبولها أيضا. # وفيه وجه آخر: أنه لا يجب القبول، لأن المنة تكثر في ذلك ما لا يكثر في ~~مجرد البذل. # وأما دعواهم ببيان المعنى، وقولهم: ((إن الأصل هو القدرة بالمال الذي ~~يكون له)). # قلنا: لا نسلم، بل الأصل هو القدرة بأي وجه كان، لأن الشرط تيسير الوصول ~~إلى الحج بالإمكان الذي يوجد إما بماله ولده، فأما اعتبار ماله فلا معنى ~~له، كما نقول في الوضوء، فإنه لا فرق بين أن يكون إمكانه بماله أو بمال ~~غيره وقد بذل ذلك الغير له. # وقولهم: ((إن الماء يوجد مباحا والزاد والراحلة لا يوجدان مباحان)). PageV02P235 # قلنا: وبأن كان يوجد الماء مباحا في الأصل بخلاف الزاد والراحلة لم ينبغي ~~أن يفترقا في مسألتنا، والماء مملوك للغير إباحة له، وكذا الزاد والراحلة ~~إلا أن التعلق بفصل الماء في الوضوء يقتضي أن لا يفترق الحكم بين أن يكون ~~الباذل أجنبيا أو غيره. # وقد بينا أن الأصح التفريق/ وحرف الجواب ما قدمنا، ونقول: إن الإمكان أمر ~~حسي لا يتصور أن يختلف بماله ومال غيره، والموجود بمال غيره هو الموجود ~~بماله ولا يتصور أيضا أن يجعل أحدهما أصلا والآخر فرعا. # وأما تعلق مشايخهم بالمعضوب الموسر، فقولهم: ((إن تعلق الحج بالبدن فوق ~~تعلقه بالمال)). # فليس بشيء، لأنا إن سلمنا لهم ذلك لكن القدرة على الحج بدنا قد وجد، لأن ~~بدن غيره يقوم مقام بدنه على ما عرف، لأن الحج يجب بمجرد القدرة بدليل أن ~~الفقير إذا حصل بعرفات فوجب أن يجب بمجرد المال، والاعتماد على ما سبق. # وأما فصل الميت الذي ذكروه، فليس بشيء، لأنه ليس من أهل التكليف ابتداء ~~بخلاف المعضوب فإنه من أهل التكليف ابتداء، وإنما بقى الحج على الميت ms264 بقاء ~~الديون فكما تبقى سائر الديون عليه بقى الحج عليه أيضا. والله أعلم ~~بالصواب. # * * * PageV02P236 ### || AUTO (مسألة) # وجوب أداء الحج على التراخي # عندنا. # ومعنى قولنا: ((على التراخي)) أنه ليس على الفور. # وعندهم: على الفور، وزعموا أنه قول أبي يوسف. # وحكوا عن محمد بن الحسن أنه قال على التراخي. # قالوا: وليس عن أبي حنيفة رضي الله عنه رواية في ذلك. # وقال بعضهم: عنه روايتان. PageV02P237 # وقد صححوا كونه على الفور. # لنا: # إن مطلق الأمر لا يقتضي الفور، ولو يوجد في الحج إلا مطلق الأمر، والدليل ~~على أنه لا يقتضي الفور أن قول القائل لغيره: ((افعل كذا)) حقيقة طلب الفعل ~~وليس فيه تعرض للوقت بوجه ما فصار جميع أوقات الحج وقتا له على وجه واحد ~~حتى إنه في أي وقت أدى يكون ممتثلا للمأمور، وهذا كالمكان في الصلاة فإن ~~الله تعالى أمر بالصلاة في زمان ولم يتعرض للمكان فصار جميع أمكنة الصلاة ~~مكانا للصلاة على وجه واحد حتى إن في أي مكان أدى يكون ممتثلا للمأمور، ~~كذلك ههنا. # والحرف أن الأمر بالفعل لا يقتضي إلا طلب الفعل، وأما التعجيل والتأخير ~~فليس عليه دليل من صيغة اللفظ فصار مطلق الأمر مقتضيا مطلق الفعل فتقييد ~~الأمر تقييد زائد لابد فيه من دليل زائد، وإذا سقط التقييد بالفورية ~~والبدار من ظاهر اللفظ فصار هو بالتأخير مؤخرا للفعل من زمان الفعل إلى ~~زمان الفعل فجاز له ذلك، وهذا كما لو أخر الصلاة من أول وقتها إلى آخر ~~وقتها، فإنه يجوز للمعنى الذي بينا. # يدل عليه أن الواجب من الفعل كما يصلح واجبا على الفور والبدار حتى يتضيق ~~عليه بوجود أول أوقات الإمكان فيصلح واجبا لا على الفور والبدار حتى يتوسع ~~عليه في مدة عمره فيفعله في أي وقت أحب من أوقات عمره من غير أن يخلي الوقت ~~عنه، والدليل على أن الإيجاب على مثل هذا جائز، المشروع والمعقول: PageV02P238 # أما المشروع: فلأنه قد وجد نظير ذلك في الزكوات والكفارات وقضاء رمضان ~~إذا كان الفطر بعذر، كذلك على نحوه وجب ms265 الصلاة في الأوقات المحدودة، لأنها ~~أوقات تفصل عما يسع للفعل فلم يكن الوجوب إلا على هذا الوجه وهو الأمر ~~بالفعل لا على وجه الفور والبدار لكن على التوسع في الوقت المضروب حتى ~~يفعله في أي وقت أحبه من غير أن يخلى الوقت المضروب منه، فصار الوقت ~~المحدود هنالك كمدة العمر ههنا. # وأما المعقول: فلأن الإيجاب على وجه التضييق ومبادرة الفعل، كما يجوز أن ~~يكون هو مراد الآمر ومصلحة المأمور فيجوز أن يكون الإيجاب على وجه التوسيع ~~في الوقت مراد الآمر ومصلحة المأمور، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، فهذا الذي ~~ذكرناه هو المعتمد من الدليل، وهو في نهاية القوة، وفي المسألة إلزامات ~~حكمية ذكرناها في التعليق، واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر، وفيه ~~الغنية. # وقد تعلق الشافعي رضي الله عنه بتأخير النبي عليه السلام الحج من السنة ~~التي وجبت فيها إلى السنة الأخيرة من سني عمره، وهي السنة العاشرة مع ~~التمكن من فعله فإنه صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة في سنة ثمان في شهر ~~رمضان وعاد إلى المدينة، واستخلف على الحج عتاب ابن أسيد، وبعث أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه في السنة الثانية وهي سنة تسع، وحج سنة عشر فقد أخر ~~سنتين من أول سني الإمكان. # ولنا في رسول الله أسوة وبه قدوة مما أطلق له فمطلق لنا، وإن ادعوا عذرا ~~في التأخير فلابد من بيانه. # وأما حجتهم: # قالوا: الأمر المطلق على الفور، لأنه مفيد للوجوب، والواجب ما لا يسع ~~تركه والتأخير ترك. PageV02P239 # يبينه: أن الأمر بالفعل قد تناول أول سني الإمكان فأفاد الوجوب فيها، ~~وإذا وجب الفعل في أول سني الإمكان لم يجز تركه، لأنه إذا جاز تركه لم يكن ~~واجبا فعله. # وحرفهم: إن الواجب ما لا يجوز تركه في زمان وجوبه. # فإن قلتم: إنما يجوز إلى بدل وهو العزم. # قال: لا يجوز أن يكون العزم بدلا عن الفعل، لأنه لو كان بدلا من الفعل ~~لقام مقامه بحال في حصوله المطلوب منه وتأدى المأمور به كسائر ms266 الأبدال، ~~ولأن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت، وما يجب قبل دخول الوقت لا ~~يتصور أن يقوم مقام الواجب في الوقت، ولأنه لا دليل على كونه بدلا، ولا ~~يجوز إثبات بدل بلا دليل، فدل عليه أنكم جوزتم تركه مطلقا لا إلى بدل، وهذا ~~لا يجوز لأنه يكون نقلا ولا يكون فرضا. # قالوا: ولأن التأخير يؤدي إلى أقسام كلها باطلة فيكون التأخير باطلا، لأن ~~ما يؤدي إلى الباطل باطل، وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يخلو: إما إن جاز ~~التأخير لا إلى غاية أو إلى غاية. # فإن قلتم يجوز تأخيره لا إلى غاية فيكون باطلا، لأنه ينافي الوجوب فإن ~~الوجوب لابد له من فائدة، فإذا جوزنا التأخير لا إلى غاية سقطت فائدة ~~الوجوب، وهذا لأن الأمر طلب الفعل، فإذا جاز التأخير على الإطلاق بقى أمر ~~بلا فعل، وإن قلتم: وجد بدله وهو العزم، فقد تكلمنا عليه. # وإن قلتم: يؤخر ويوصي، فليس كل الأوامر مما تجوز فيها الوصية، ولأنا إذا ~~قلنا يؤخر المأمور ويوصي فكذلك وصيه يوصى، ووصى وصيه يوصى فيؤدي إلى تسلسل ~~الوصية أبدا، فلا يوجد فعل ما. PageV02P240 # وإن قلتم: يجوز التأخير إلى غاية، فلا تخلو تلك الغابة، إما أن تكون غاية ~~معينة أو موصوفة. # فأما المعينة: بأن تقول أخر الفعل إلى سنة كذا أو يوم كذا، وتعيين السنة ~~أو اليوم، وهذا غير موجود بالإجماع. # وأما الموصوفة: فهو أن يطلق له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر ~~فات وهذا أيضا باطل، لأن الظن لا عن إمارة هو الظن السوادي، وذلك غير ~~معتبر، وأما الظن عن إمارة من علو سن أو مرض فالناس يختلفون في ذلك، وإنما ~~لا يظن أصلا فيؤخر ويموت فيفوت الفعل أو يموت فجاءة وبغتة فيفوت أيضا، ~~والأمر بالفعل يقتضي الفعل لا محالة، وبهذا الطريق وجب الفعل، وفيما قلتم ~~إخراج الأمر من أن يكون موجبا للفعل لا محالة، وأيضا ما قلتم يقتضي أنه إذا ~~أخر حتى مات أنه لا يعصي الله بتأخيره فيكون هذا والنافلة سواء. ms267 # قالوا: وأما الكفارات والزكوات والقضاء وغير ذلك قالوا على هذه الطريقة: ~~إن قضية الأمر فيها أنها على الفور وإن جوزنا التأخير إنما جوزنا بقيام دليل. # وأما أبو زيد فقال في هذه المسألة: إن التأخير عن السنة الأولى تفويت فلا ~~يجوز التأخير عن السنة الأخيرة من سني العمر، وإنما قلنا ذلك، لأن فوات ~~العبادة بفوات وقتها، والحج له وقت معين من السنة فإذا أخر عنه فقد فات، ~~ألا ترى أنه فعله لا يجوز والتفويت محظور. # قالوا: فإن قلتم إن لم يحج في هذه السنة يحج في السنة القابلة قال: إنما ~~يمكنه الحج في السنة القابلة عند مساعدة الحياة إلى السنة القابلة وقد PageV02P241 # يجوز أن يساعد، ويجوز أن لا يساعد فلا يجوز إطلاق تفويت متيقن به بإدراك ~~مشكوك فيه. # وربما يقولون: لو جعل غير مفوت لجعل بإدراكه وقت الحج في السنة الثانية ~~فإذا كان إدراك الحج في السنة الثانية على الشك لم يجز الحكم بإدراكه ولم ~~يذهب الفوات. # قالوا: وليس كما لو أخر القضاء إلى الغد، لأنه وإن فات الصوم بدخول الليل ~~لكن موته الليل نادر، والنادر لا يعتبر. # فأما موته في السنة الثانية فليس بنادر، وهذا لأن السنة مدة طويلة ~~ليتقابل فيها احتمال الحياة والممات ولا يظهر رجحان، فأما الليلة فمدة ~~قريبة فيترجح جانب الحياة. # قالوا: وعلى هذا تخرج الزكوات والكفارات، لأن الفوات لا يوجد بالتأخير ~~فإن وقت فعلها وقت ممتد ولي بوقت يوجد وينقضي مثل ما يكون الحج. # قالوا: وأما قول مشايخكم: ((إنه يكون مؤديا للحج في أي سنة فعله)). # قال: إنما كان كذلك لأنا إنما جعلناه مفوتا، لأنه لا يقين لإدراكه وقت ~~الحج في السنة الثانية. # قال: إدراك جاء اليقين وذهب الشك فنزلت السنة الثانية منزلة السنة ~~الأولى، وكذا في الثالثة والرابعة إلى ما بعدها من السنين. # قالوا: وأما تعلقكم بتأخير النبي عليه السلام حجه إلى آخر عمره، فإنما ~~يستقيم التعلق به إذا كان عن غير عذر فبينوا أنه أخر لا عن عذر حتى يصح ~~التعلق به. PageV02P242 # والدليل عليه: ms268 أن عندنا يجب فعل الحج في أول سني الإمكان ولا يجوز ~~التأخير. # وعندكم: الأفضل أن لا يؤخر أيضا، والرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا ~~يترك الأفضل ولكن ترك لعذر، كذلك عندنا ترك الواجب بعذر جائز. # وقد قال بعضهم: إنما أخر بعذر الفقر، لأنه قد كان اختاره على الغنى، أو ~~أخر لأنه خاف المشركين على المدينة فلم يمكنه أن/ يقربها. # أو أخر لأن العرب كانوا يحجون على سنن المشركين وكان بينه وبينهم عهد فلم ~~يرد أن يحج وهم يظهرون أعلام الشرك بحضرته ولا يكون منه تغيير. # وقال أبو زيد على طريقته: # ((إن الله تعالى كان أعلم النبي عليه السلام أنه لا يموت حتى يحج فلم يكن ~~التأخير تفويتا، وكان على يقين من الإدراك في المستقبل وهذا لا يوجد في ~~غيره)). # الجواب: # أما دلائلهم في أن الأمر المطلق على الفور. # نقول: قولكم: ((إن الأمر يفيد الوجوب)) مسلم. # وقولكم: ((إن الواجب ما لا يسع تركه)) مسلم، ولكن هذا ليس بترك PageV02P243 # على الإطلاق بل هو ترك في وقت ليؤديه في وقت مثله مع استواء الوقتين فيما ~~يرجع إلى فعل المأمور. # وقولهم: ((إنه وجب في الوقت الأول)). # قلنا: بلى، ولكن على التوسع لا على التضييق، ومعنى التوسع أن جميع زمان ~~العمر مجعول كالوقت الواحد في قبول فعل المأمور، والتخير ثابت للمخاطب ~~بالفعل ليؤديه في أي أوقات هذا الزمان الممتد متى شاء بشرط أن لا يخلي ~~العمر من فعله. # وقد بينا أن هذا جائز مشروعا ومعقولا، فإذا عرف هذا تبين الفرق بين هذا ~~وبين النفل، لأن في النفل يجوز إخلاء العمر عنه. # واعلم أنا لا نزعم أن العزم يدل على الفعل الواجب ولا يحتاج إليه وإن كان ~~قد قاله جماعة من الأصوليين، لأنه إذا عرف الوجوب على الوجه الذي بينا كان ~~ترك فعله في أول أوقات الإمكان مطلقا ولم يحتج إلى إقامة بدل مقامة، وهذا ~~لأن الآفة للمخالف جاءت من الجهل بمعرفة تنوع الواجب، فإذا عرف تنوع الواجب ~~وإنما يكون مضيقا مرة وموسعا أخرى ففارق ms269 النفل في إلزام الفعل على الجملة ~~وفارق المضيق في جواز التأخير ليؤديه في وقت آخر مثل الوقت الأول، فصار ~~جواز التأخير عن أول سني الإمكان، لأنه واجب موسع، لا لأنه ليس بواجب موسع. # وأما قولهم: ((إن التأخير لا يخلو من كذا)). # قلنا: يجوز التأخير عندنا إلى أن يغلب على ظنه أنه لو أخر عن هذه السنة ~~يعجز عن فعله في السنين التي تليها. PageV02P244 # وقولهم: ((إن الناس يختلفون في الظنون)). # قلنا: نحن نعلم أن للموت إمارات وعلامات ونعلم أن تلك الإمارات يغلب على ~~ظن العاقل ما ذكرناه والحكم بالإمارة المغلبة للظنون صحيح في الشرع بدليل ~~الأقيسة والاجتهادات. # وأما غلبة ظن السوادي من غير إمارة غير معتبر، فأما إذا كان عن إمارة فهو ~~معتبر مثل غلبة الظن عن الأشياء والمعاني المخيلة معتبرة في الأحكام. # وأما غلبة الظن لا عن شبه ولا عن معنى مخيل غير معتبر، وقد ورد لهذا نظير ~~في الشرع فإن الوصية واجبة في ابتداء الإسلام على المريض إذا غلب على ظنه ~~الموت من ذلك المرض. # فإن قالوا: إذا مرض يمكنه أن يوصى، وإذا مرض لا يمكنه أن يحج. # قلنا: لابد له من مرض معجز ليضيق الواجب عليه، لكن نقول: إذا غلب على ظنه ~~أنه إذا أخر عجز عن أدائه يتضيق وبناء الحكم على غالب الظن عن أمارة مثل ~~بناء الحكم على النص بدليل الشرعيات وكان الشرع ضيق الصلوات الموظفة في ~~الأوقات بوجود آخرها من حيث النص، وضيق الحج وأشباهه من الأوامر المطلقة ~~بوجود آخر أوقاتها من حيث غالب الظن، والكل صحيح جائز. # وأما العصيان وإلزام سمته تارك الحج فقد تخبط فيه الأصحاب. # والأولى أن نقول: # ((يجوز التأخير ولا يوصف بالعصيان إلى أن يغلب على ظنه ما ذكرناه، PageV02P245 # فإذا وجد غلبة الظن وأخر لحقته حينئذ سمة العصيان، وإن مات لقي الله ~~تعالى عاصيا وإن مات فيما بين ذلك بغتة قبل أن يوجد غلبة الظن عن أمارة ~~تقول: لا يكون عاصيا)). # فإن قالوا: نعم، ترك ولكن إنما يترك واجبا موسعا عليه، ms270 وقد كان ينتظر ~~تضيقه عليه بوجود غلبة الظن، وذلك أمر معهود في عادات الناس فإذا اخترمته ~~المنية، واختزلته من بين سائر الناس قبل أن يبلغ المعهود في أجناسه لم يكن ~~عليه عيب ولم تلحقه سمة العصيان لأنه كان على عزم أنه إذا تضيق عليه لا ~~يؤخره مثل من عليه الصلاة مات قبل أن يبلغ آخر الوقت، وكذلك على أصلهم في ~~الزكوات والكفارات إذا أخرها ومات في خلال ذلك. # فهذا تتمة ما قصدناه من الجواب عن هذه الطريقة المذكورة على سمة الأصول ~~وهو تام بين بحمد الله عز وجل. # وقد انتصب جماعة من المنتسبين إلى الكلام للذب عن أصول الفقه، وظنوا أنهم ~~يمشون من ذلك ما يعجز الفقهاء عن تمشيه، وادعوا أنهم أصحاب الحقائق وأن ~~الفقهاء أرباب الأشباه والظنون من غير عثور وعلى حقيقة. # وعندي أن المتكلمين أجانب عن أصول/ الفقه، ومن لم يعرف معاني الفقه ~~وقوانينه لا يجوز الاعتماد عليه في معرفة أصولها فلا ينبغي لفقيه أن يعدل ~~عن سمة أهل الفقه وأن يأخذ أصول مذهبه عن من لا يعرف PageV02P246 # معاني مذهبه فلهذا وأمثاله ........ البيان عن الفقه وقل طلابه واستولى ~~على الناس محض التقليد والله المستعان، وسنتبين في أصول الفقه إن شاء تعالى ~~ما يكشف عن عورات هذه الطبقة وما تقر به أعني المتبعين للحقائق الذابين عن ~~معاني الفقه ومسالكه. # وأما طريقة أبي زيد ففي نهاية الضعف فإن حرفه في طريقته أن الحياة ربما ~~لا توجد في السنة الثانية. # قلنا: الغالب الوجود، لأن الموت من غير أمارات الموت من كبر ومرض ووجود ~~ضعف وغير ذلك نادر، والأغلب أن الشاب الطري يعيش إلى أن يهرم وعلى هذا بنى ~~الله أمر العالم ولو كان على خلاف ذلك لخربت الدنيا ولم تبق إلى هذا الوقت. # وإن تعلقوا بجواز الوجود، فهذا غير معتبر بدليل قضاء الصوم بؤخره إلى ~~الغد ويجوز أن يموت الليلة، وكذلك الصلاة يؤخرها إلى أن يفعلها في آخر ~~الوقت ويجوز أن يموت قبل ذلك، وهذا لأن الأصل موافقة الحياة للآجال والمدد ms271 ~~المضروبة وإن كانت على الشهور والسنين الكثيرة وأحكام الشرع مبنية على ذلك. # ولهذا لو أجل الأثمان إلى السنين الكثيرة أو كاتب العبيد ونجم إلى سنين ~~يجوز، وكذلك الدية على العاقلة تجب إلى ثلاث سنين ولو اعتبرنا ما قالوا لم ~~يصح شيء من ذلك، كما لو ضرب الأجل إلى زمان لا يعيش إلى مثله قطعا من مائتي ~~سنة أو ثلثمائة سنة وأمثال ذلك. # ويقال لهم بطريق الجدل: لو ثبت الفوات لثبت لعدم الإدراك في السنة ~~الثانية وذلك على الشك فلا يثبت الفوات بالشك. PageV02P247 # والاعتماد على الأول. # وأما التعلق بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحج فصحيح، وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم واحدا لما يحج به، ألا ترى أنه كان يجهز الجيوش ويبعث ~~السرايا وقد فتح الله عليه الفتوح ووسع عليه الدنيا. # وقولهم: ((إنهم كانوا يحجون على سنن الشرك)). # قلنا: إن كان ثم عهد فلا بأس بترك التغيير، لأنه وفاء بالعهد، وإن لم يكن ~~فكان ينبغي أن يحج ويغير. # وأما قولهم: ((إنه علم أنه لا يموت حتى يحج)). # قلنا: هذا لابد فيه من نقل، ودعوى علم الغيب على الرسول محال، وإنما ~~أخرنا للبناء على غالب الظن هذا هو الأصل إلى يثبت غيره، والله تعالى أعلم ~~بالصواب. # * * * PageV02P248 ### || AUTO (مسألة) # من عليه فريضة الحج إذا نوى التطوع يقع عن الفرض # عندنا. # وعندهم: لا يقع. # وعلى هذا لا يجوز للصرورة أن يحج عن غيره. # وعندهم: يجوز. PageV02P249 # لنا: # ما رواه الحسين بن ذكوان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ~~رضي الله عنه قال: ((سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقول: يلبي ~~عن شبرمة فقال له رسول الله: هل حججت أنت قط؟ قال: لا، قال: لا، قال هذه ~~عنك وحج عن شبرمة)). # وروى أبو بكر بن عياش عن عطاء عن ابن عباس قال: ((سمع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، ~~قال: عن نفسك فلب)). PageV02P250 # وفي رواية ثالثة: ((أيها ms272 الملبي عن فلان إن كنت لم تحج حجة الإسلام فلب ~~عن نفسك)) والخبر نص. # قالوا: روى خالد بن صبيح عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن ~~طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام سمع رجلا يلبي عن نبيشة، فقال: ~~(أيها الملبي عن نبيشة هل حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: هذه عن نبيشة وحج عن ~~نفسك)). # الجواب: # (إنه تفرد بهذه الرواية الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث والمحفوظ عن ابن ~~عباس حديث شبرمة) الذي ذكرناه. # وقد روى الحسن بن عمارة مثل ما رواه غيره، ذكره الدارقطني في السنن، ~~وقال: ((وهذا هو الصحيح عن ابن عباس وما قبله وهم، قال: والحسن بن عمارة ~~كان يرويه على ما رووا ثم رجع إلى الصواب فحدثه على موافقة غيره من الرواة ~~وهو متروك الرواية على كل حال). PageV02P251 # والمعنى: أن وقوع الحج المنوي عن فريضة نوع نظر من الشرع للعبد، وقد ورد ~~مثل هذا النظر في الحج بدليل أنه لو أطلق النية، فإنه يقع عن الفرض ونية ~~المطلقة ونية النفل واحد لأنه ليس للنفل وصف زائد على مطلق العبادة. # وقولهم: ((إنها نفل)) معناه ليس بفرض، ولهذا المعنى في جميع العبادات إذا ~~أطلق النية تقع عن النفل، ولكن إذا أطلق نية الحج يقع عن الفرض نظرا من قبل ~~الشرع، كذلك إذا طاف النفل وعليه فريضة الطواف يقع عن الفرض أيضا، وإنما ~~كان هذا التخصيص من النظر للعبد في أمر الحج، لأنه عبادة شاقة ويحتاج في ~~أدائها إلى كلف شديدة وقطع شقة بعيدة، وتحمل مؤنات كثيرة على ما ورد به نص ~~الكتاب فقال تعالى: {لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس}، ولا يجوز أن يقال: ~~إن هذا في حق بعض الناس دون البعض، لأن هذا موجود في حق أكثر الناس وإنما ~~يوجد العدد اليسير حضورا لحضرة الكعبة. # فأما عامة الناس فإنهم يدانونه من البعد ويضربون أكباد الإبل ويقطعون ~~المفاوز البعيدة والبراري الشاسعة حتى يصلون إلى الحج فاحتاج لهذا المعنى ~~من عليه الحج إلى نوع ms273 نظر من قبل الشارع فكان من النظر أن منع من عليه ~~فريضة الحج أن يقصد النفل منه وعين عليه الفرض ثم اكتفى منه بنية أصل الحج ~~وألغى كل وصف يضمه إليه مما لا يلائم صفة الواجب عليه من وصف نفل أو نية عن ~~الغير أو نية نذر وما أشبه ذلك فصار الحج في هذه الصورة مثل الإسلام ~~المفروض ولو أسلم بنية النفل أو أسلم عن الغير فإنه يكون إسلامه عن الفرض ~~الذي عليه بكل حال، كذلك ههنا. PageV02P252 # وأما حجتهم: # قالوا: عبادة مقدرة بأفعالها فلا يقع بفعلها عن فرضها. # دليله: الصلاة. # والدليل على أنها مقدرة بالأفعال أنه إذا سئل عن الحج فإنه يعلم بالأفعال ~~فيقال: إحرام ووقوف وطواف وسعى ورمى وحلق، مثل الصلاة تعرف بالأفعال فيقال: ~~افتتاح وقيام وقراءة وركوع وسجود وقعود، وهذا لأن العبادة لما كانت أفعالا ~~فوجوبها في الذمة وكان الوقت خاليا عنها إلى أن يأتي بها ثم إذا أتى بها لا ~~يكون الوقت لتقدير العبادة حتى إذا قدر بنوع من العبادة لا يقبل غيره بل ~~كان محلا وشرطا للعبادة مثل الوضوء شرط للصلاة فإن فعل الفرض فيه صح وإن ~~فعل النفل فيه صح، ومثل الوضوء إن صلى الفرض به يصح وإن صلى النفل به يصح ~~وهو مثل وقت الصلاة. # قالوا: وأما الصوم فإنه عبادة مقدرة بالوقت فإذا قدرت عبادته لم يبق ~~غيرها مقدرة به وصار ذلك الوقت مسمى بهذه العبادة على التخصيص فلم يتصور أن ~~يكون لغيرها مثل ما يوضع شيء في مكان وشغل به لا يتصور أن يكون غيره مشغولا ~~به، وكذلك من استأجر رجلا ليعمل له عملا في وقت معلوم فعلى أي وجه عمل ذلك ~~العمل يكون عن ذلك العمل المسمى فيه بالعقد. # قالوا: وأما إذا أطلق النية إنما وقع عن الفرض، لأنه وجدت نية الفرض ~~بدلالة الحال وإن لم توجد بالصريح والنص، ودلالة الحال هي أن الإنسان لا ~~يتكلف أداء مثل هذه العبادة عن جهة النفل وعليه الفرض PageV02P253 # فهو وإن أطلق النية ولم يرده صريحا ms274 فكأنه أراده دلالة، ومثل هذه الدلالة ~~لا توجد في الصلاة غير أن هذه الدلالة إنما يصار إليها إذا لم يوجد التصريح ~~بالنفل، فأما إذا صرح بالنفل سقط حكم الدلالة مثل نقد البلد فإنه يتعين في ~~البياعات بدلالة الحال ثم إذا وجد التصريح بغيره سقط دليل الحال. # قالوا: وأما إذا طاف عن النفل وعليه طواف الفرض فذلك فعل مستحق عليه بأصل ~~الإحرام فتغيره بالنية باطل، مثل ما لو نوى بسجود الصلاة سجود النفل فإنه ~~تبطل نيته ويقع عن الفرض. # الجواب: # أن أصل كلامهم، مسلم، ولكن يدخل عليه الصوم، وليس لهم عذر واضح. # وقولهم: ((إنه مقدر بالزمان)). # قلنا: وإن كان كذلك لكن الواجب عليه فعل يفعله وهو الكف عن قضاء الشهوات ~~على ما عرف، وليس بشيء محسوس فوضع في مكان حتى لا يتصور أن يكون ذلك المكان ~~مشغولا بغيره، وكما أن الوجوب في أفعال الحج والصلاة يلاقي الذمة، كذلك ~~الوجوب في فعل الصوم يلاقي الذمة، وكما أن الوقت في الصلاة والحج يكون ~~خاليا إلى أن يأتي بالأفعال كذلك في الصوم يكون الوقت خاليا إلى أن يأتي ~~بالفعل الذي هو الصوم، وكما يقبل وقت الحج والصلاة الخلو عن فعل العبادة ~~أصلا كذلك وقت الصوم يقبل الخلو عن الصوم أصلا فيبقى على هذا أنه إذا أتى ~~بالفعل لا يكون آتيا بالفرض ويصير كأنه لم يأت بالصوم أصلا، وعلى الجملة لا ~~يتضح لهم عذر عن الصوم بحال. PageV02P254 # وأما عذرهم عما إذا أطلق النية، فليس بشيء، فإنه لو أبهم النية في ~~الإحرام ولم ينو حجا ولا عمرة فإنه لا يقع عن الحج عندهم، وإن كانوا يقولون ~~إن العمرة تطوع والحج فرض، ودلالة إن كانت توجد إذا أطلق النية في الحج ~~فيوجد إذا أبهم بأن أحرم ولم ينو حجا ولا عمرة فاجعلوا إحرامه عن الحج في ~~هذه الصورة كما جعلتم حجه عن الفرض في تلك الصورة لأجل دلالة الحال. # فأما ما قالوه من دلالة الحال موجود في الموضعين، وهذا لا يلزم على أصلنا ~~لأن عندنا العمرة فرض ms275 كالحج سواء، وإن كان قد أدى العمرة فإن إحرامه كيف ~~فعله يقع عن ....... فإن الاعتبار/ دليل الحال ساقط من وجه آخر، وذلك أن ~~الإنسان لا يتكلف لفعل هذه العبادة الشاقة ويحمل المؤنات الكثيرة ثم يدع ~~نية الفرض فدلالة الحال موجود في ترك الفرض لا في فعل الفرض، فاجعلوا مطلق ~~النية بمنزلة نية النفل بدليل الحال فإن هذا أقرب إلى الصواب. # وأما مسألة نقد البلد، فليس يدخل على هذا، لأن الكلام فيما يحتاج إلى ~~النية من العبادات. # فأما أمر المعاملات فعلى خلاف أمر العبادات ولا حاجة فيها إلى النية ~~أصلا، والعرف حكم في المعاملات في كثير من المواضع فجعل أيضا حكما في هذا ~~الموضع. # وأما مسألة الطواف فلازمة. # وقولهم: ((إنه مستحق عليه فعله بعقد الإحرام)). PageV02P255 # قلنا: نعم، ولكن الوقت واسع فقولوا: إذا طاف بنية النفل يقع عن النفل ثم ~~إذا طاف بعد ذلك عن الفرض يكون عما عليه من الفرض مثل من عليه فرض الصلاة ~~إذا فعل فعلا، ومع ذلك لم يجز ووقع عن الفرض، دل أنه كان للمعنى الذي بيناه ~~من النظر الشرعي بالفائت في أمر الحج على الخصوص. # وأما قولهم: ((لو سجد بنية النفل وعليه سجود الفرض يقع عن الفرض)). # قلنا: هذا عندكم، أما عندنا تبطل صلاته. والله أعلم. # * * * PageV02P256 ### || AUTO (مسألة) # لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج # عندنا ويكون إحرامه لعمرة. # وعندهم: ينعقد الحج. # وحرف المسألة: أن عندنا فعل من أفعال الحج. # وعندهم: شرط الحج وليس بفعل من أفعاله. PageV02P257 # وعلى هذا الخلاف، تحريمه الصلاة. # لنا: # إن الإحرام فعل من أفعال الحج فلا يجوز في غير وقته. # دليله: سائر أفعاله، وكما لا تجوز أفعال الصلاة في غير وقت الصلاة، ~~والدليل على أنه فعل من أفعال الحج أنه شروع في الحج، والحج فعل عبادة، ~~والشروع في فعل عبادة لا يكون إلا بفعل العبادة، وإن شئت قلت: الإحرام شروع ~~في أداء العبادة والشروع في أداء العبادة لا يكون إلا بأداء العبادة. # والوجيز من الكلام هو أن الشروع في الأداء أداء، وهذا ms276 دليل في نهاية ~~القوة، وهو على مثال الدلائل القطعية. # يبينه: أنه يقال له قبل الإحرام حج، ويقال له بعد الإحرام أتم الحج، ولو ~~قيل له بعد الإحرام حج يكون القائل هاذيا لاغيا، وقبل الإحرام يكون في قوله ~~مستقيما محقا، ولأنا اجتمعنا على أن النية شرط عند الإحرام، وكذلك في ~~الصلاة عند التحريمة، والنية إنما تشترط لصحة الأداء، ولو لم تكن التحريمة ~~من الصلاة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند ~~التحريمة والإحرام في الحج من الأداء لما شرط إحضار نية الأداء عند ~~التحريمة والإحرام فثبت بهذه الدلائل أن الإحرام فعل من أفعال الحج. # وإذا عرف هذا فنقول: PageV02P258 # وقت الحج هو الأشهر المعلومة، وذلك شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. # والدليل عليه: الوحي الناطق، والحكم الصادق. # أما الوحي فقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} ومعناه وقت الحج أشهر ~~معلومات، لأن نفس الحج أفعال وليس بأشهر، غير أن العبادة تذكر ويراد بها ~~وقتها يقال: شك صلاة الظهر أي وقت الظهر، وقال النبي عليه السلام: ((إن ~~للصلاة أولا وآخرا)) معناه لوقت الصلاة أولا وآخرا بدليل أنه فسره بالوقت ~~فقال: إن أول وقت الظهر كذا وآخر وقته كذا. # يدل عليه: أنه تعالى قال: {فمن فرض فيهن الحج}، ومعناه فعل فيهن الحج ~~يعني في هذه الأشهر. # وقد أجمع المفسرون أنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. # وأما الحكم فعلى أصلنا ظاهر، وإنما الحاجة في بيان ذلك على أصلهم فالدليل ~~(أنهم قالوا: فيمن أحرم لعمرة في رمضان وقضاها ثم حج من عامه لا يكون ~~متمتعا، ولو أحرم بالعمرة في شوال وقضاها ثم حج من PageV02P259 # عامه يكون متمتعا، وكذلك على أصلهم لو أحرم بالعمرة في رمضان وأتى ~~بأفعالها في شوال، وإنما افترقت الصورتان لأن المتمتع هو الذي يجمع بين ~~النسكين في وقت الحاجة ولو كان رمضان وقتا لكان متمتعا في الحالين. # وكذلك قالوا: لو أحرم بالحج في رمضان وسعى فيه كان عليه أن يعيد السعي ~~إذا طاف يوم النحر، ولو كان طاف ms277 في شوال والمسألة بحالها لم يعد السعي، لأن ~~السعي من أفعال الحج فلا يجوز أداؤه قبل الوقت) وفي المسألة الأولى أتى به ~~خارج الوقت، وفي المسألة الثانية أتى به في الوقت. # قالوا: أيضا (لو وجد الزاد والراحلة في رمضان وحضره الموت لا يلزمه أن ~~يوصى بالحج، ولو وجد في شوال وحضره يلزمه أن يوصى به)، والمفرق ما بينا. # فثبت أن وقت الحج مقصور على هذه الأشهر، وثبت بما قدمنا أن الإحرام فعل ~~من أفعال الحج فلم يجز قبل وقته. # وأما حجتهم: # قالوا: الإحرام شرط لأفعال الحج وليس/ بفعل من أفعاله ولا هو ركن من ~~أركانه، ومحله محل الطهارة في الصلاة وقت فعل العبادات لا يشترط لشرط ~~العبادة، ألا ترى أنه يجوز الوضوء قبل دخول الوقت ولم PageV02P260 # يعتبر لصحته وجود وقت الصلاة، ثم الدليل على أنه شرط وليس بركن أنه معنى ~~يستوعبه كل أفعال العبادة مثل الطهارة في الصلاة وهذا هو حد الشرط وهو ما ~~يراعي قيامه لفعل العبادة كلها إلى أن تنتهي إلى آخرها كالطهارة وستر ~~العورة والمكان والوقت في باب الحج والجمعة. وأما حد الركن ما تؤدي به ~~العبادة ويكون انقضاؤه بشروع في ركن مثله كالقيام يكون انقضاؤه شروعه في ~~الركوع، والركوع ينقضي بالسجود، وهذا لأن العبادة التي تشتمل على أفعال ~~مختلفة تكون أفعالها على التوالي والترادف يفرغ من فعل ويشرع في فعل بدليل ~~أفعال الصلاة وكذلك سائر أفعال الحج، فلو كان الإحرام فعلا من أفعال الحج ~~لكان سبيله هذا ولم تعتبر استدامته ليؤدي كل الأفعال ثم يتحلل منه. # قالوا: ولأن أفعال الحج تنفصل عن الإحرام بدليل أنه يحرم في أول هذه ~~الأشهر ثم إنه يأتي بالأفعال في الأيام المخصوصة ولو كان الإحرام فعلا من ~~أفعال الحج لم يجز أن ينفصل عنها كسائر أفعاله وكان من حقها أن توجد على ~~الترادف والتولي مثل أفعال الصلاة، ولأن الحج زيارة أمكنة معلومة وحضور ~~مشاهد مخصوصة تعظيما لها وقضاء لحقها لامتثال أمر الواضع لتلك الحرمات ~~والمثبت لتلك الحقوق، والتلبية ليس من هذا ms278 في شيء وإنما هي ذكر باللسان ~~وليس عبادة الحج عبادة الأذكار إنما هي عبادة الأفعال على ذلك المنهج ~~المخصوص. # قالوا: ولهذا يختص كل فعل من أفعال الحج بمكان مخصوص، وكذلك بزمان مخصوص، ~~بخلاف الإحرام فإنه لا يختص بزمان على التعيين ولا بمكان. فثبت بهذه ~~الدلائل أنه شرط وليس بركن فأشبه الطهارة على ما ذكرنا. PageV02P261 # قالوا: (وليس كالخطبة في الجمعة حيث يعتبر لها وقت الجمعة وإن كانت شرطا، ~~لأن وقت الجمعة إنما اعتبر لها، لأنها أقيمت مقام الركعتين) في الشرع على ~~ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا أقيمت مقام الركعتين لم يكن بد ~~من اعتبار وقت الصلاة لها. # قالوا: ولا يجوز أن يقال إنه لو كان شرطا لما لزمه المضي في العبادة ~~بمباشرة الشرط، كما لا يلزمه المضي في الصلاة بمباشرة الطهارة، لأن عندنا ~~وإن كان الإحرام شرطا لكنه مع ذلك عقد على الأداء وهو نظير عقد الإجارة على ~~أصلنا فمن حيث أنه عقد على الأداء يلزمه المضي في الحج بخلاف الطهارة. # قالوا: ولهذا يكره الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، لأنه عقد على الأداء. # وبعضهم قال: إنما كره لخوف أن يقع في محظورات الحج لامتداد الوقت فيكون ~~التقديم سببا للوقوع في الجناية فيكره لهذا المعنى. # والجملة أنهم يقولون: الإحرام شرط لأداء العبادة وعقد على أداء العبادة ~~وإلى أيهما نظرنا لا يكون ركنا من أركان العبادة فلم يعتبر وقت العبادة في فعله. # قالوا: وأما تحريمة الصلاة إنما اعتبر لها وقت الصلاة وإن لم تكن من ~~الصلاة عندنا لأنها لا تصح إلا متصلة بالأداء وهو القيام فينظر لها ما ~~يشترط في الصلاة لأجل القيام بخلاف الإحرام فإنه يوجد منفصلا عن أفعال الحج ~~فلا يشترط له ما يشترط لأفعال الحج. PageV02P262 # وقد قال أبو زيد في الأسرار: ((إن الإحرام التزام الحج فأشبه النذر، ~~واستدل في أنه التزام للحج بالوجوه التي بيناها. # وقال أيضا: إنه من وجه يشبه النذر، لأنه التزام غير متصل بالأداء في ~~الحال ومن وجه يشبه تحريمة الصلاة، لأنه التزام يفضى ms279 إلى الأداء بنفسه من ~~غير حاجة إلى عقد الأداء وعلى هذين الشبهين قسم الأحكام. # قالوا: ولأجل الشبه بالتحريمة كرهنا الإحرام في غير أشهر الحج. # قالوا: ولا يجوز أن يقال بأن الإحرام يتصل به الكف عن المحظورات وهو فعل ~~من أفعال الحج، وذلك لأن الكف عن المحظورات ليس من أفعال الحج ولا هو أداء ~~له بوجه ما. # ألا ترى أنه وإن طال الكف شهر أو شهران لا يتأدى به شيء من الحج ويكون ~~الحج بعد ذلك في الكمال مثل ما لو أحرم وأتى بالأفعال عقيبه، ولا يقال إذا ~~مضى أوقات في الكف أنه فعل بعض الحج بخلاف ما لو أتى ببعض الأفعال، وهذا ~~لأن الحج أفعال على ما ذكرنا أنه عبارة عن زيارة أمكنة على سبيل التعظيم ~~لله تعالى وليس بعبارة عن الكف وليس من شرط الأداء أن يكون كافا عما حظره ~~عليه إحرامه كالصلاة عبارة عن الأفعال ولكن ن شرط الأداء أن يكون كافا عما ~~لا يليق بالصلاة من كلام الناس وغيره. # وأما الصوم ففعله نفس الكف بدليل أنه إذا مضى بعض اليوم يقال فعل بعض اليوم. # قالوا: ولا/ يجوز أن يقال إن الإحرام لو كان التزاما للحج لكان يصح PageV02P263 # لسنة أخرى كالنذر، لأنا قد ذكرنا أنه التزام كالنذر وعقد على الأداء ~~كتحريمة الصلاة فمن حيث أنه التزام منفصل عن الأداء صح قبل الوجوب، ومن حيث ~~أنه عقد على الأداء يتناول يصلح له كعقد الإجارة يتناول أول وقت يصلح له ~~وأشبه نية الصوم فإنه إذا نوى بالليل أن يصوم يتناول أول اليوم الذي يليه ~~ولا يتأدى بها صوم يوم آخر وإن صحت النية في غير وقت الأداء فلم يتناول نية ~~اليوم الذي يليها، كذلك الإحرام يتناول الوقت الذي يليه، ولم يجز أن يستديم ~~الإحرام ليؤدي الحج في سنة أخرى. # الجواب: # إنا قد دللنا على أن الإحرام أحد أفعال الحج ودعواه أنه شرط بعيد جدا ~~بدليل ما قدمنا، وبدليل وجوب مباشرة أفعال الحج وتحريم تأخرها عن هذه السنة ~~مباشرة شرط العبادة ms280 لا يوجب فعل العبادة بدليل الطهارة وستر العورة وهذا ~~الدليل أيضا وارد على قولهم: ((إنه التزام))، لأنه لو كان كذلك لصار كالنذر ~~ولو كان كالنذر وجب أن يحتاج إلى ابتداء المباشرة ثم يكون ذلك إلى اختياره. # وقولهم: ((إنه عقد على الأداء)). # يقال لهم: على الأداء من حيث الشروع أو من حيث الالتزام؟ فإن قلتم: من ~~حيث الشروع، جاء ما قلنا على ما سبق تقريره، وإن قلتم: من حيث الالتزام، ~~فوجب أن يكون بمنزلة النذر ويكون حكمه على ما قدمنا. # وقولهم: ((إنه يشبه هذا من وجه وهذا من وجه)). # قلنا: الشروع في مثل هذا الكلام علامة عجز المدعى عن تمشية ما ادعاه، ~~ويقال: إذا كان التزاما لا يكون شبه بالشروع وإذا كان شروعا لا يكون له شبه ~~بالالتزام، وأيضا إذا كان الالتزام المحض يجوز قبل دخول PageV02P264 # الوقت والشروع المحض لا يجوز قبل دخول الوقت، فما يشبه الالتزام ويشبه ~~الشروع لم يجز قبل دخول الوقت وما يجوز من وجه ولا يجوز من وجه لم قلتم إنه يجوز؟ # وأما الذي اعتمدوا عليه في قولهم: ((إنه معنى يستوعب جميع العبادة)). # فوجب الجواب عنه: # إن الإحرام ركن من أركان الحج وفعل من أفعاله، وهو أيضا شرط لسائر أفعال ~~الحج حتى إنه ما لم يكن قائما لا تجوز سائر الأفعال وإنما قلنا ذلك بحسب ~~قيام الدليل، فإن الدليل قد قام أنه فعل من أفعاله على ما قدمنا، وقام ~~الدليل أن وجوده شرط لصحة سائر الأفعال فقلنا بهما جميعا، ولا يستنكر أن ~~يكون الشيء الواحد فعلا في عبادة من العبادات ثم يكون وجوده شرطا لصحة سائر ~~الأفعال، وقد ورد مثل هذا فإن الإسلام معنى واجب في نفسه وهو أصل كل أركان ~~الدين ثم هو شرط لصحة سائر أفعال العبادات. # وأما تعلقهم بانفصال الأفعال عن الإحرام. # قلنا: وقد ينفصل وقد لا ينفصل بدليل أنه لو أحرم وطاف وسعى عقيبه فإنه ~~يعتد بهذا السعي عن السعي الواجب في الحج، وكذلك طواف القدوم مشروع فعلا من ~~أفعال الحج وقد أتى ms281 به عقيب الإحرام فدل على أن الانفصال الذي قالوه ليس ~~بشيء لازم، بل يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، وعلى أن مبنى أفعال الحج على ~~الانفصال مكانا وزمانا، ألا ترى أن بعضها يفعل في مكان من الحل وبعضها يفعل ~~في مكان من PageV02P265 # الحرم وبعضها يفعل بقرب البيت وبعضها يفعل بالبعد من البيت فلما كان وضع ~~هذه الأفعال على الانفصال فيجوز أن تقرب مرة مدة الانفصال وتبعد مرة مدة ~~الانفصال، وأما الصلاة موضع أفعالها على الاتصال. # وأما قولهم: ((إن الحج عبارة عن زيارة بقاع مخصوصة وحضور مشاهد معلومة)). # قلنا: مع هذا كله يجوز أن يكون الذكر فعلا من أفعال الحج، ألا ترى أن ذكر ~~الله تعالى من التلبية والتكبير مشروع في أثناء الحج على وجه السنة وذلك ~~فعل من أفعال الحج، فكذلك يجوز أن يكون مشروعا في الابتداء ويكون فعلا من ~~أفعال الحج فهذا وجه الجواب عما تعلقوا به. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P266 # (مسألة) # وعلى هذا الأصل الذي قدمناه نقول: ### || AUTO إذا أحرم بحجتين لم تنعقدا وينعقد أحدهما # ، وكذلك إذا أحرم بعمرتين، ومذهب محمد مثل مذهبنا. # وعند أبي حنيفة رضي الله عنه وأبي يوسف ينعقدان جميعا، ثم ترتفض أحدهما ~~في الحال على قول أبي يوسف. # وعند أبي حنيفة ترتفض إذا شرع في العمل لأحدهما. PageV02P267 # والدليل على أنهما لا ينعقدان أن الإحرام ركن من أركان الحج فلم يتصور ~~الجمع بين ركنين من الحج كما لا يجوز الجمع بين وقوفين وطوافين، وكذلك لا ~~يصح الجمع بين حجتين في سنة واحدة أداء أو قضاء. # وأما أبو حنيفة رحمة/ الله عليه وأبو يوسف قالا: الإحرام التزام للحج ~~فيصح الجمع فيه بين حجتين. # دليله: النذر. # يبينه: أن فساد الجمع بين الحجتين إنما هو لأجل الأداء فإن الله تعالى ما ~~شرع أداء حجتين في سنة واحدة من واحد بحال، كما لم يشرع أداء صومين في يوم ~~واحد بحال فإذا كان الفساد للأداء والأداء ينفصل عن الإحرام لتعذر الأداء، ~~كما لو أحرم ليلة عرفة بالكوفة أو بأقصى خراسان ms282 فإنه عاجز عن أداء الحج في ~~هذه الصورة ومع ذلك ينعقد إلا أن العجز في هذه الصورة من حيث عجز العبد عن ~~إدراك الحج وفعله، والعجز في مسألتنا من حيث أن الشرع لم يجعل له أن يجمع ~~أداءين في وقت واحد فإذا كان العجز في أحد الموضعين لا يمنع الانعقاد كذلك ~~في الموضع الآخر. # قالوا: وليس كما لو جمع بين أختين حيث لا ينعقد واحد من النكاحين، لأن ~~مسألتنا مخالف لهذه المسائل بدليل أن في مسألة النكاح لا ينعقد واحد من ~~النكاحين، وفي مسألتنا انعقد إحدى الجهتين بلا خلاف فوجب أن ينعقد الآخر، ~~لأنه لو بطل الانعقاد كان يبطل فيهما. # ثم قالوا: النكاح إيجاب ملك محلل وما له حكم غير ذلك، وهذا الحكم فائت ~~إذا جمع بين الأختين، لأن الجمع فائت شرعا لا يثبت بحال مثل ما يفوت في ~~الخمس من الأجنبيات، والعقد لا ينعقد إلا لحكمه فلا ينعقد إذا تحققنا فوات ~~حكمه. PageV02P268 # وأما الإحرام فينعقد في الحال لأجل الالتزام وفي المال للأداء فالأداء إن ~~لم يتصور جمعا، فالالتزام يتصور ثم الخروج عن حكم الالتزام بفعل أحدهما ~~وقضاء الآخر. # وأما الارتفاض في أحدهما فعند أبي يوسف في الحال، لأنه لو بقى لبقى ~~الأداء والأداء جمعا فلابد أن يرتفض أحدهما فارتفض في الحال. # وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه لابد للارتفاض من رافض فجعل الشروع في ~~أحدهما ثم حصول التوجه إلى أحدهما فصار الآخر مثل ما جعل الظهر مرفوضا ~~بالتوجه إلى الجمعة. # الجواب: # إن هذه كلها بناء على أن الإحرام التزام الحج، وقد بينا أنه حج في نفسه ~~والجمع غير مشروع في الحج فبطل، وليس كما لو أحرم بأقصى خراسان ليلة عرفة، ~~لأنه أحرم لمشروع إلا أنه عجز عنه فصار بمنزلة فائت الحج، وأما ههنا أحرم ~~بما ليس بمشروع. # وأما انعقاد إحرامه بإحدى الحجتين فلأنه لا مانع منه، أما إذا جمع بين ~~أختين فقد تعلق به منازعة الأذى في حقه، وليس إثبات الحق لأحدهما بأولى من ~~الآخر فبطلا، وهذا لا يوجد ms283 في مسألتنا. # وأما إذا أحرم بصلاتين أو نوى صومين ففي النفلين أو النفل والفرض ينعقد ~~أحدهما نفلا، وفي الفرض لم ينعقد لعدم التعيين، ونية التعين شرط في صحة ~~الفرض. والله أعلم. # * * * PageV02P269 ### || AUTO (مسألة) # يجوز الاستئجار على الحج # عندنا. # وعندهم: لا يجوز. # وعلى هذا الخلاف الاستئجار على تعليم القرآن، والاستئجار على الآذان على ~~أحد الوجهين. # والجملة أن عندهم لا يجوز الاستئجار على شيء من الطاعات. # وعندنا: يجوز على كل عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفاءه غير مفترض على الأجير ~~فعله. PageV02P270 # لنا: # أنه استأجر على عمل معلوم يمكن تسليمه وإيفائه غير مفترض على الأجير فعله فجاز. # دليله: إذا استأجر على نصب قنطرة أو بناء مسجد أو بناء رباط وغير ذلك من ~~أفعال الخير. # وقولنا: ((معلوم)) ظاهر، لأن أفعال الحج معلومة في نفسها متعين زمانها ~~ومكانها. # وقولنا: ((إنه يمكن إيفاءه وتسليمه)) يعني أنه متصور تلبيته ووقوفه ~~وطوافه عن الغير وإذا فعلها صارت كالمسلمة إليه شرعا، ولهذا سقط الفرض عنه- ~~أعني الآمر- وكذلك إذا استأجره على تعليم سورة بعينها فإيفاء ذلك السورة ~~بتعليمها مثل ما لو استأجره على تعليم الخط والحساب أو كتاب معلوم من اللغة ~~وعلوم العربية وغيرها. # وقولنا: ((غير مفترض على الأجير)) حتى إنه لو افترض في موضع فعله لم يجز ~~الاستئجار عليه. # ويدل على جواز النيابة في الحج فنقول: أجمعنا على أنه لو قال المعضوب ~~لغيره: ((حجي عني))، فإنه يصح هذا الأمر والمأمور ينوي الحج عنه أو يقول: ~~لبيك يعن فلان، ويظهر عمله في حقه حتى سقط الحج المفروض عن ذمة الآمر، ~~وكذلك إذا أوصى بالحج عنه فإنه إذا مات جاز الحج المأمور عنه. # وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: ((لو مات رجل فحج عنه ابنه يجزيه إن شاء ~~الله تعالى))، وإنما أدخل الاستثناء لأنه صور المسألة فيما إذا حج عنه بغير ~~أمره، فأما إذا أمره أن يحج عنه فإنه يجوز عنه قطعا. PageV02P271 # فثبت أن النيابة جائزة في الحج فنقول: عمل تجري فيه النيابة فيجوز ~~الاستئجار عليه بالمال. # دليله: سائر الأعمال. # وأما حجتهم: # قالوا: ms284 عبادة بدنية فلا يجوز/ الاستئجار عليها. # دليله: الصوم والصلاة، وإنما قلنا إنها عبادة بدنية من الوقوف والطواف ~~والسعي والرمي وغير ذلك. # قالوا: والفقه في ذلك: أن العبادات أوجبت على وجه الابتلاء للعباد، ~~والابتلاء لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، لأنه يظهر عند ~~إتعاب البدن طواعية العبد لربه وانقياده لحكمه أو كراهية لذلك ونفوره عنه ~~فيعرف الصادق من الكاذب والمطيع من العاصي والمخلص من المنافق ويتحقق ~~الابتلاء والاختبار الذي أوجبت العبادات بوصفه. # وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: # لا يوجد معنى الابتلاء إلا فيما يفعله العبد بنفسه ويتحمل تعبه بذاته ~~وجسمه فأما عند أمره غيره بفعله واستنابته في ذلك من تسبينه فلا يتحقق معنى ~~الابتلاء فيه بحال، وهذا لأن الابتلاء في التعب، ولا تعب في الأمر إنما ~~التعب في الفعل. # قالوا: ولهذا لم تجز النيابة في الصلاة والصوم، وكذلك لم تجز النيابة في ~~الحج عند القدرة على فعله، وأما الزكاة وسائر واجبات المال فالابتلاء فيها ~~بتنقيص المال وذلك يوجد سواء فعله بنفسه أو فعله نائبه، ولهذا دخلتها ~~النيابة مع قدرته على فعلها بنفسه. PageV02P272 # وإذا ثبت هذا الأصل أن النيابة غير داخلة في هذه العبادات فالاستئجار ~~عليها باطل. # قالوا: وأما إذا أمر غيره أن يحج عنه فإنما جاز ذلك عند العجز أو جاز بعد ~~موته على معنى أن فرض الحج لازم عليه بدنا وقد عجز عن نفسه فالشرع نقل ~~الفرض الذي كان على بدنه إلى المال الذي يبذله له في الحج فيكون له ثواب ~~النفقة على الحج وسقط به الحج عنه، لأنه فعل ما كان عليه بقدر الإمكان، أو ~~لأنه لما انتقل الواجب من البدن إلى المال فلابد من سقوطه عنه. # ونظيره الشيخ الهم إذا تصدق بدل الصوم فإنه يسقط الفرض عنه لانتقال ~~الواجب إليه. # قال أبو زيد في ((الأمالي)) محتجا في هذه المسألة: # إن الحج عن الغير لا يكون حاجا عنه إلا بعد ما يقع الحج عن الحاج وإذا ~~وقع الحج عنه لم يستحق الأجر على غيره. # دليله: الآذان. # والدليل ms285 على أنه يقع حجه عن نفسه أنه لا يصح حجه ما لم يكن من أهل الحج ~~عن نفسه حتى إذا كان كافرا لا يصح، لأنه ليس من أهل الحج عن نفسه ولو كان ~~الفعل يقع عن الآمر لم يشترط لصحته كون الفاعل من أهله لنفسه. # ألا ترى أن بناء القناطر والرباطات والمساجد لما صح للعامل فيها أن يكون ~~أجبرا ووقع عمله عن الآمر جاز أن يكون الأجير فيه كافرا، وهذا PageV02P273 # لأن العبد متعين لفعل العبادة حقا لله تعالى، إما فرضا أو نفلا، فلا ~~يتصور مع كونه فاعلا فعل العبادة أن يكون فاعلا عن غيره بخلاف بناء الرباط ~~والمساجد، لأن فعلها في ذاته ليس بعبادة عن الفاعل، بدليل أنه يجوز منه وإن ~~لم يكن من أهل العبادة مثل أن يكون الأجير كافرا. # قالوا: وأما قولكم: ((إن النيابة صحيحة)). # فالقياس أن لا يصح، لأنه عبادة بدنية على ما ذكرنا، ولكن الشارع جوز ذلك ~~لما فيه من المال، لأن الحج لا يتأدى إلا بنفقة فأخذ شبهة الزكاة من هذا ~~الوجه حتى إذا استعان برجل ليحج عنه ولم يعطه النفقة لا يجوز، وكذلك إذا ~~أمر أن يحج عنه فأنفق المأمور عامة النفقة من جهة نفسه لا يجوز. # فثبت أن جواز النيابة لشبهه بالزكاة من حيث النفقة. فأما من حيث أنه ~~عبادة بدنية فلا ينبغي أن تجوز فيه النيابة فجوز الشرع فيه النيابة في حال ~~اليأس عن فعله بنفسه لشبهه بالزكاة ولم يجز في غير حال اليأس لشبهه بالصلاة ~~وإذا جازت النيابة فيه من ذلك الوجه لم يكن بد من نيته عنه، وتلبيته باسمه ~~وصح أمره إياه بأن يحج عنه وسقط الفرض عن الآمر لا عن المأمور. # وأما الأجر على أصلكم إنما وجب للأجير من حيث أنه فعل الحج بدنا وأقام ~~فعله ببدنه مقام فعله بنفسه، ومن هذا الوجه لا ينبغي أن تجوز فيه النيابة، ~~لأنه عبادة بدنية فلم يجز الاستئجار عليه ولم يجب له الأجر، هذا نهاية ما يمكن. # الجواب: # أما قولهم: ((إنه عبادة ms286 بدنية)). PageV02P274 # قلنا: يمكن أن يقال: ليس بعبادة محضة، وقد سلم هذا في الطريقة الثانية ~~حيث قال: ((إنه يشبه الزكاة من وجه، وعلى أنا وإن سلمنا أنه عبادة بدنية ~~لكنه عبادة بدنية تجرى فيها النيابة، وفيه الإجماع ولا يمكن منعه بحال. # والحرف أن أداء العبادة بدنا قد وجد إلا أنه قام فعل الأجير بدنا مقام ~~فعل المستأجر بعقد مشروع وهو عقد الإجارة فصار كأنه الفاعل بنفسه. # وأما قولهم: ((إن وصف الابتلاء لا يوجد إلا لفعله بنفسه)). # قلنا: هذا لا يغنى بعد/ أن تلجئهم الضرورة إلى تسليم جواز النيابة فيه، ~~وعلى أن معنى الابتلاء موجود وإن أدى بفعل الأجير، لأنه لابد من الأمر ~~بفعله ولابد من بذل المال لفعله فيوجد الابتلاء، ألا ترى أن الابتلاء موجود ~~في العبادات المالية، كذلك ههنا يوجد الابتلاء ببذل المال غير أنه كان ~~الابتلاء بفعله بدنا والتوصل إليه مالا، وههنا الابتلاء كله النقل إلى المال. # وأما الذي قالوه: ((إن النيابة غير جارية أصلا لكن سقط الفرض عن الآمر ~~ببذل النفقة)). فكلام في غاية الرذالة والنذالة ولا يتصور فرض الحج إلا ~~بفعل الحج. # فإن قالوا: إنه إذا انتقل الفرض من البدن إلى بذل المال فينبغي أن يؤمر ~~بصدقته على الفقراء ويكون وجوبه باسم الفدية على الحج مثل الشيخ الهم تجب ~~عليه الفدية عن الصوم، فأما أن يقال إن الحج بقى وجوبه عليه حتى يجب عليه ~~أن يأمر نائبه بالحج عنه ويجب على النائب أن ينوي عنه الحج ويسميه في ~~تلبيته ثم الحج يكون عن الحاج ويكون للآمر ثواب النفقة ويسقط الحج عن ذمته ~~بثواب النفقة، فهذا كلام غير مفهوم، ولا يستجيز اعتقاده والقول به فقيه، ~~وإن صار واجب الحج واجب بذل المال فبأي وجه PageV02P275 # تعين بذل المال في جهة الحج بل ينبغي أن يجب صرفه إلى مصارف الصدقات، ثم ~~كيف يتعين بذله في حج يفعله النائب عن نفسه ويكون واجبا عليه أن ينويه عنه ~~ويسميه في تلبيته ولو نواه عن نفسه كان مخالفا ويلزمه رد ما أخذه عليه، ms287 ~~فهذه كلها تخبطات عظيمة وحكايتها كافية عن الكلام عليها. # وأما طريقتهم الثانية، وقولهم: ((إن الحج وقع عن الحاج)). # فقد قال بعضهم: وقع عن الحاج نفسه من وجه وإنما يجوز عقد الإجارة إذا وقع ~~عن المستأجر من كل وجه. # فنقول: لم يقع عن الحاج بوجه ما وهو واقع عن الآمر من كل وجه. # وأما قولهم: ((إنه يشترط أن يكون من أهل الحج لنفسه)). # قلنا: إنما اعتبر ليكون من أهل الحج وإنما يجوز الاستئجار على الحج لمن ~~يكون من أهل الحج، وهذا بمنزلة كل فعل يستأجر الإنسان عليه إنما يجوز إذا ~~كان الأجير من أهل ذلك الفعل إلا أن الحج فعل شرعي فيعتبر أن يكون من أهل ~~فعله شرعا وهو بمنزلة ما يستأجره على فعل حسي يعتبر أن يكون من أهل فعله حسا. # ونظير هذا إذا استأجر المسلم مجوسيا لذبح شاة لا يجوز وإن كان الذبح ~~محسوسا يوجد منه مثل ما يوجد من المسلم، ولكن قيل إن الذبح المحلل فعل شرعي ~~فيعتبر في الأجير أن يكون من أهل فعله شرعا فإذا لم يكن، لم يصح الاستئجار ~~عليه ولم ينظر إلى تصوره محسوسا منه، كذلك ههنا، وهذه الطريقة كان بناؤها ~~على هذا الأصل وإذا حصل الجواب بطل الباقي منها. PageV02P276 # وقولهم: ((إنه تصح النيابة من حيث وجود المال فيها لا من حيث أصل ~~الفعل)). # قلنا: هذا إنكار المحسوس، لأن النائب إنما فعل ما فعله بدنا لا مالا، ~~والنية وجدت منه في الحج بدنا، والآمر قال له: حج عني، وقوله: ((حج عني)) ~~ينصرف إلى الأفعال البدنية. # وقوله من قال: إن النيابة جازت من حيث المال لا من حيث البدن لغو باطل. # يبينه: إن النيابة جوازها من حيث الأمر، والأمر يتناول الواجب عليه وإذا ~~كان الواجب هو الفعل فيكون الأمر بالفعل، وإذا كان الأمر بالفعل تكون ~~النيابة جارية في الحج من حيث الفعل. # وأما المال سبب يتوصل به إلى الحج، وأما الوجوب لا يتناوله ولا الأمر ~~يتناوله فسقط ما قالوه. والله أعلم. # * * * PageV02P277 ### || AUTO (مسألة) # العمرة واجبة ms288 # عندنا. # وعندهم: تطوع. # لنا: ما رواه ابن فضيل عن حبيب بن أبي عمرة عن PageV02P278 # عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قلت: يا رسول الله، هل على ~~النساء جهاد؟ قال: ((عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)). # وروى محمد بن كثير الكوفي قال: حدثنا إسماعيل بن يعلى بن مسلم عن محمد بن ~~سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن ~~الحج والعمرة فريضتان لا يضربك بأيهما بدأت)). # وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن PageV02P279 # جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى اليمن كتابا وبعث به مع ~~عمرو بن حزم وفيه: ((إن العمرة الحج الأصغر، وألا يمس القرآن إلا طاهرا)). # وفي بعض ما رواه عمر عن النبي عليه السلام أن جبريل عليه السلام سأله عن ~~الإسلام فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم ~~الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر)). وهم يروون بطريق حجاج بن أرطأة عن ~~محمد بن المنكدر عن جابر قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الصلاة والزكاة أواجبة هي؟ قال: ((نعم))، فسأله عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ~~((لا، وأن تعتمر خير لك)). PageV02P280 # وروى عبيد الله بن المغيرة/ عن أبي الزبير عن جابر قال: قلت: يا رسول ~~الله، العمرة واجبة فريضتها كفريضة الحج؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك)). # ويروون بطريق طلحة بن عبيد الله أن النبي عليه السلام قال: ((الحج جهاد، ~~والعمرة تطوع)). PageV02P281 # واعلم أن في أسانيد كل هذه الأحاديث مقال: # فإن الخبر الأول بما أسنده الحجاج بن أرطأة وعبيد الله بن المغيرة، وهما ~~ضعيفان. # وخبر طلحة رواه عمرو بن قيس وهو متروك. # وكذلك الأخبار التي رويناها في أسانيدها أيضا مقال يطول ذكرها إلا الخبر ~~الذي ذكرناه أن النبي عليه السلام قال: ((وأن تحج وتعتمر))، حين سئل عن ~~الإسلام معتمد، وهو رواية سليمان بن طرخان التيمي عن يحيى بن يعمر عن عبد ~~الله ms289 بن عمر عن عمر وهو خبر جبريل المعروف حيث جاء فسأل النبي عليه السلام ~~عن الإيمان والإسلام وفي آخر الخبر قال: ((هذا جبريل أتاكم ليعلمكم معالم ~~دينكم فخذوا عنه)). # وهو خبر ثابت، وهذه الزيادات رواتها ثقات. PageV02P282 # وقد أوردها الجوزقي في متفق الصحيحين. # ويمكن أن يحتج ويعتمد على قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} والمراد ~~من الإتمام في هذه الآية ابتداء الفعل على أكمل الوجوه. # وقد قال جماعة من أهل العلم: إن ابتداء فريضة الحج كان بهذه الآية وهو ~~أول ما نزل في القرآن في إيجاب الحج وهو تناولت الحج والعمرة تناولا واحدا. # وقد قامت الدلائل القطعية أن الأمر على الوجوب فاقتضت وجوب العمرة كما ~~اقتضت وجوب الحج. # وقد روى النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه ~~السلام قال: إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام ولا يستطيع الحج والعمرة ولا ~~الظعن، فقال: ((حج عن أبيك واعتمر)). PageV02P283 # وهذا أمر والأمر على الوجوب. فقال الدارقطني حين روى هذا الحديث: رجال ~~هذا الحديث كلهم ثقات. # وروى أيضا بطريق روح بن القاسم عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة ابن مالك ~~قال: قلت: يا رسول الله، أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ قال: ((لا، بل للأبد ~~.. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)). # وقال: رجاله كلها ثقات. # ومثل هذا السؤال لا يكون إلا في واجب، وقوله: (العمرة في الحج)) المراد ~~من ذلك في الأفعال على ما سنبين. # وقد ثبت عن ابن عباس قال: ((الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر ~~العمرة)). # وإذا كان حجا فكل ما يدل على وجوب الحج يدل على وجوبها، ولا معنى يدل على ~~وجوب العمرة سوى التشبيه بالحج، ومجرد الشبه بلا معنى مخيل لا يعرف حجة. PageV02P284 # وأما المخالف: صار إلى أن العمرة غير مؤقتة، لأنها تجوز في جميع السنة ~~والحج مؤقت، والفرق بين النفل والفرض هذا فإن الفرض لا يكون إلا مؤقتا، ~~لأنه واجب علينا ولو قلنا وجب فعله وإذا لم يكن مؤقتا، وقد خلق الله ms290 الناس ~~العباد ليعبدوه وجب فعله في جميع الأوقات فيؤدي إلى أن يقع الناس في الحرج ~~العظيم أو يؤدي إلى تكليف العاجز، لأن العباد يعجزون عن مباشرة العبادة في ~~جميع الأوقات على العموم. # وأما النفل ففعله مفوض إلى اختيار العبد فإن الله وإن خلق الناس ليعبدوه ~~وجعل النفل مشروعا في عموم الأحوال والأوقات فلا يؤدي إلى الحرج ولا إلى ~~تكليف العبد ما يعجز عنه فنظرنا إلى عموم الأوقات على ما دلت عليه الآية ~~واعتبرنا ذلك وقلنا: لا يختص بوقت دون وقت. # قالوا: فإن قلتم: ((إن العمرة عندكم لا يجوز فعلها في خمسة أيام من السنة ~~وهي يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق)). # قلنا: لا نقول إن فعلها لا يجوز لكن يكره ترجيحا لأمر الحج على العمرة. ~~لا شك أنه مرجح في الشرع، والأيام التي تعينت لفعله في الشرع كرهت العمرة ~~فيها تقديما للحج على العمرة. # وقد قالوا أيضا: إن الحج سبب وجوبه البيت، وكذلك العمرة لو وجبت وجبت ~~بالسبب الذي يجب به الحج فيؤدي إلى التنافي الواجب، وهذا لا يجوز كما لا ~~يجب ظهران بوقت واحد وزكاتان بمال واحد وصومان بيوم واحد. PageV02P285 # الجواب: # إن كلا الدليلين في غاية الضعف والذي قالوا: في التفريق بين الفرض والنفل ~~بالحد الذي قالوه لا يعرف، وليس عليه فإن الإسلام واجب وهو غير مؤقت، وكذلك ~~الجهاد واجب وكذلك صلاة الجنازة والكفارة وما يشبه ذلك، وعلى عكسه النوافل ~~الرواتب في الصلاة والصوم مؤقتة وليس واجبة ونعني في الصوم صوم يوم عرفة ~~ويوم عاشوراء والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر. # وأما الذي قالوه إن الله تعالى خلق العباد ليعبدوه فيقتضي العبادة على ~~العموم. # قلنا: له خلينا هذا والظاهر لاقتضى أنهم عبدوه مرة سقط عنهم الأمر إذ ليس ~~في ظاهر هذا اللفظ دليل على فعلها في/ عموم الأوقات وأيضا إذا قلنا إن ~~الفريضة لا تتوقت لا يؤدي إلى ما قالوه من تكليف العاجز وإيقاع المكلف في ~~الحرج الذي ظنوه، لأنه يكون مأمورا بفعله على الجملة حتى لا يجوز ms291 تركه، ~~فأما أن يكون مأمورا بفعله على الاستدامة حتى لا يجوز أن يخلى عنه وقتا ما ~~فليس عليه دليل. # وأما في النفل إذا قلنا إنه لا يتوقت، وقلنا إنه يكون مفوضا إلى اختيار ~~العبد وربما لا يختار فعله أصلا فلا يظهر لما قالوه أن العبد خلق للعبادة ~~في جميع الأوقات أثر، وعلى أن العباد إذا فعلوا الفرائض في مواقيتها وقاموا ~~بحق الأوامر الموظفة عليهم فقد عبدوا الله في جميع مدى عمرهم حكما، وإن ~~كانوا خلى بعض الأوقات عن عبادتهم حسا. PageV02P286 # وأما كلامهم الثاني، وقولهم: ((إن إيجاب العمرة يؤدي إلى الثناء في ~~الواجب)). # قلنا: لا يؤدي لأن الثناء بإيجاب حجتين وعمرتين، فأما إيجاب حج وعمرة ~~وهما عبادتان مختلفتان متغايرتان فلا يؤدي إلى هذا، ولئن جاز أن يقال هذا ~~ثنى فيجوز أن يقال إن إيجاب الظهر والعصر ثنى، وإيجاب صدقة الفطر لك سنة ~~ثنى، وكذلك إيجاب الزكاة كل سنة ثنى، ومثل هذا لا يدخل فيه فقيه. # وقد ذكر الأصحاب لنا: إن العمرة واحد نسكى القرآن فأشبه الحج. # وقالوا: عبادة يجب المضي في فاسدها فكانت واجبة في الحج، والمعتمد ما ~~سبق. والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P287 ### || AUTO (مسألة) # حج الصبي صحيح سواء أحرم عنه أبواه أو أحرم بنفسه وهو ممن يعقل الإحرام # . # وهل يحتاج إلى إذن الولي، فيه وجهان. # وإذا صح لزم حتى لا يجوز له الخروج عنه ولو خرج لا يصير خارجا عنه ويكون ~~حجة في هذا المعنى مثل حج البالغ ولو ارتكب محظور الإحرام لزمته الكفارة. # وعندهم: حجة غير لازم، ولا تلزمه الكفارة بارتكاب المحظور. PageV02P288 # وبعضهم قال: حجه غير صحيح أصلا. # لنا: حديث أبي معاوية عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: ~~رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول ~~الله، ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)). # ذكره أبو عيسى الترمذي في جامعه. PageV02P289 # وروى بإسناده عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: ((حج بن أبي مع ~~رسول الله - صلى الله عليه ms292 وسلم - وأنا ابن سبع سنين)). # فثبت بهذين الخبرين صحة حجه فصح على ما شرع وقد شرع لازما فوجب أن يصح ~~لازما، وهذا كالإسلام على أصلهم فإنه لما صح منه صح على ما شرع وهو أن يكون ~~بوصف اللزوم. # والجمل أنه إذا صح من الصبي يصح على ما يصح من البالغ. # والأولى أن يقال: يصح على الوضع الشرعي، وهذا لأنه لا يتصور حج صحيح يمكن ~~الصبي عليه غير لازم في الشرع، والحج قد صح من الصبي، وأمكنه الضمي عليه ~~فوجب أن يصح بوصفه. # وأما وجوب الكفارة عندنا بارتكاب المحظور، فلأنه حق مالي فصار كسائر حقوق ~~المال وكما تجب على الصبي سائر حقوق المال يجب عليه هذا PageV02P290 # الحق أيضا، ولأن سببه قد وجد في حقه وهو ارتكاب المحظور في حج صحيح، فصار ~~هذا الحق مثل غرامات المتلفات وأروش الجنايات. # ويستدل بكفارة الصيد إذا قتل في الحرم، وقد سلموا في هذا الموضع أنه يجب ~~على الصبي، فكذلك إذا قتل وهو محرم وجب أن يكون مثله، لأنه لا فرق بينهما ~~معنى وكل واد حق لله تعالى. # وأما حجتهم: # قالوا: لزوم الحج حق من حقوق الله تعالى يحتمل السقوط بالأعذار بعد ~~البلوغ بدليل أنه يسقط بعذر الإحصار وعذر الرق فسقط بعذر الصبا. لأن رأس ~~الأعذار الصبا قياسا على أصل الوجوب، وإنما قلنا: ((إن اللزوم حق الله ~~تعالى)) لأن الإحرام عبادة خالصة لله تعالى، واللزوم صفته فيكون أيضا لله ~~تعالى، وإذا سقط اللزوم في حق الصبي صار الإحرام بالحج كإحرام الصلاة، وإذا ~~ثبت أنه لا يلزمه شيء بترك الإحرام، فكذلك لا يلزمه شيء بارتكاب المحظور ~~الذي هو جناية عليه بطريق الأولى لأنه لو وجب بالإدخال نقيضه فيه فإذا لم ~~يجب عليه شيء بتركه أصلا فلئن لا يجب بإدخال نقيضه فيه أولى، ولأن هذه ~~الكفارات حقوق الله تعالى على الشخص يحتمل النسخ والتبديل فيسقط بعذر الصبا. # دليله: أصل الصوم والصلاة. # والدليل على أنه يحتمل النسخ أنه لم يكن في الأصل مشروعا، وإنما شرع في ~~شرعنا، وما احتمل ms293 إن لم يكن ثم كان احتمل أن لا يكون أصلا، ولأن الكفارة ~~دون الصلاة في الوجوب فلما سقطت الصلاة بعذر الصبا في PageV02P291 # حقه والسبب في حقه قد تحقق وذلك بمجئ الوقت فكذلك الكفارة جاز أن تسقط ~~وإن تحقق السبب في حقه. # قالوا: وقولكم: ((إن الكفارة حق مالي)). # قلنا: بلى، ولكن وجبت لله تعالى على طريق الابتلاء ولا يتصور الابتلاء ~~إلا باعتبار فعل العبد، ولو وجبت الكفارة لكان أداؤها بفعل الولي بولاية ~~جبرية قهرية/ فلا يتحقق معنى الابتلاء، وقد ذكرنا هذا على الشرح في مسألة ~~زكاة الصبي فلا معنى لإعادته. # قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب للصيد لا لله تعالى، لأنه إذا أمر ~~بالإحرام فصار أمنه حقا له، وإذا قتله وجب الجزاء حقا له وما يجب لغير الله ~~لا يجب على نهج العبادات فلا يتعلق أداؤه بفعل من عليه على سبيل الاختيار ~~فصح أخذه قهرا وجبرا، وصار بمنزلة غرامات المتلفات فصح تأديه لولي يثبت ~~ولايته شرعا لا باختيار المولى عليه. # فأما ما يجب لله تعالى فإنما يجب على سبيل العبادة فلا يتأدى إلا بفعل من ~~عليه عن اختيار وتمييز إما به أو بنائب عنه باختياره وتمييزه، لأن المطلوب ~~من الاستعباد امتياز العاصي من المطيع، وذلك لا يحصل بالاستيفاء جبرا كما ~~بينا في الزكاة. # والحرق أنهم يقولون: كفارة الإحرام محض حق الله تعالى وجب على وجه ~~الابتلاء ولا يمكن إيجابها على الصبي كما ذكروا في الزكاة، وكفارة الحرم ~~وجبت حقا للصيد لا حقا لله تعالى. # الجواب: # أما قولهم: ((إن اللزوم مسقط بالعذر بعد البلوغ)). PageV02P292 # قلنا: أولا هذا يبطل بالصحة، فإن صحة الحج أيضا تفوت بأسباب بعد البلوغ، ~~فقولوا إنها تفوت بسبب الصبا، وسؤالهم على هذا أن الصبا صار عذرا بطريق ~~النظر ولا نظر في منع الصحة، فأما في منع اللزوم نظر حتى إذا تركه لا يجب ~~عليه شيء، فلهذا لم تنتف الصحة وانتفى اللزوم، وهذا يدخل عليه الإسلام فإنه ~~يقع لازما وإن وجد من الصبي على أصلهم، ولا يقال: يصح نظرا ولا ms294 يلزم نظرا، ~~بل قيل: لما صح على ما وضعه الشرع، كذلك الإحرام لما صح صح على ما وضعه ~~الشرع من صفة الفريضة. # فإن قالوا: أليس إن الظهر يصح منه ومع ذلك لم يصح على ما وضعه الشرع من ~~صفة الفرضية؟ # قلنا: الصلاة تنقسم إلى لازم وغير لازم، فلم تكن غير لازم في حق الصبي ~~ويجعل في حقه بمنزلة النوافل، وأما في الحج لما لم ينقسم في اللزوم وغير ~~اللزوم، بل كان لازما بكل حال، استوى وجوده من البالغ والصبي. # وجواب آخر: # إن اللزوم مع إمكان المضي لا يسقط بعذر ما، والصبي متمكن من المضي على ~~إحرامه فوجب ألا يسقط اللزوم في حقه. # وخرج على هذا المحصر والعبد، لأنهما لا يقدران على المضي، وهذا لمكان ~~المنع الحسي والآخر لمكان المنع الشرعي، وأما الصبي فقادر على المضي. # والمسألة معين في هذه الصورة والحج في هذه الصورة ولا يتصور سقوطها بعذر ~~ما. PageV02P293 # وإن قالوا: إن الصبا سبب للنظر والمرحمة، وليس من النظر والمرحمة إثبات ~~الإلزام في حقه من النظر. # قلنا: الصبي لا ينافي اللزوم، لأن له ذمة صحيحة قابلة للزوم والنظر ~~والمرحمة قد وجد بمنع وجوب الحج عليه ابتداء من قبل الشرع وإنما هذا شيء ~~جاء من قبله. # قالوا: وأما قولكم: ((إذا أفسد الحج بالوطء)). # قلنا: يجب عليه قضاءه على أصح القولين، وإذا فعله في حال الصبا صح على ~~أصح الوجهين. # وأما الكفارات فوجه وجوبها ما ذكرنا أنها حقوق مالية فجاز إيجابها على ~~الصبيان. # دليله: سائر حقوق المال. # وقولهم: ((إنها وجبت لله تعالى)). # قلنا: لا، بل وجبت للفقراء، وقد ذكرنا أن الزكاة واجبة حقا للفقراء، فإذا ~~قلنا هذا في الزكاة فكيف لا نقوله في الكفارات؟ وقد سبق إثبات هذا الأصل. # وقولهم: ((إنها وجبت على طريق الابتلاء)). # قلنا: لا ننكر أن الأوامر بأجمعها فيها معنى الابتلاء، ولكن ما كان فيها ~~من حقوق المال يستقيم إيجابها على الصبيان ويقوم النائب المعين من PageV02P294 # قبل الشرع بمنزلة النائب من قبله بعد البلوغ وهذا أيضا قد ذكرناه في ms295 كتاب ~~الزكاة. # وأما فصل صيد الحرم ففي نهاية الإلزام. # وقولهم: ((إن الواجب في جزاء الصيد حق الصيد)). # قلنا: هذا مما لا يفهم وإيجاب الحق للصيد مثل إيجاب الحق للجدار وما ~~يشبهه من سائر الجمادات ومن دخل مثل هذه الترهات كفى خصمه أمره. # وقولهم: ((إن الأمر لحق الصيد)). # قلنا: هذا مثل الأول، ولا يجوز إثبات الحق على أي وجه كان إلا لمن هو من ~~أهل الحقوق، وإنما منع الإنسان من قتل الصيد في الحرم وإطلاقه له في الحل ~~نوع اختبار وابتلاء مثل منعه من قتله في حال الإحرام دون حال الإحلال. # والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P295 ### || AUTO (مسألة) # الإفراد أفضل من القران # عندنا، وكذلك هو أفضل من التمتع، وعندنا هما رخصة، والواجب دم جبران. # وعندهم: القران أفضل ثم التمتع ثم الإفراد. PageV02P296 # قالوا: هما عزيمة. والدم دم نسك. # لنا: حديث مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أفرد الحج، خرجه مسلم في الصحيح. # وروى أبو نعيم عن أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد عن أبيه PageV02P297 # عن عائشة قالت: ((خرجنا مع رسول الله/ - صلى الله عليه وسلم - مهلين ~~بالحج في أشهر الحج)). # وفي رواية: ((لا نذكر إلى الحج)). # وفي رواية: ((لا نرى إلا الحج)). # وهذه الألفاظ كلها روايات ثابتة. # وروى عطاء عن جابر ((أن النبي عليه السلام أهل بالحج)). # وفي رواية: ((مفردا)). # وفي رواية: ((خرجنا مع رسول الله حاجا لا نريد إلا الحج ولا ننوي غيره)). PageV02P298 # وروى عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ((أن النبي عليه السلام أفرد ~~الحج)). # وأفرد أبو بكر وعمر وعثمان. # وأما هم تعلقوا بما روى حماد بن زيد عن حميد PageV02P299 # عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لبيك بحجة ~~وعمرة)). # وفي رواية أنس أنه سمع النبي عليه السلام يقول: ((لبيك عمرة وحجا)). # وعن بكر بن عبد الله المزني قال: قلت لأنس بن مالك: كيف صنعتم في حجتكم ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms296 -؟ فقال: قدمنا ونحن نقول: لبيك عمرة ~~وحجا، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نحل إلا من كان معه ~~الهدى، فلقيت ابن عمر فسألته فقال ابن عمر: إنا أهللنا بالحج فأخبرته بقول ~~أنس فقال: نسى رحمه الله، فلما رجعت أخبرت بقول ابن عمر فغضب، وقال: كأنا ~~صبيان)). PageV02P300 # وروى عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ((أهل بهما لبيك عمرة وحجا). # وفي الباب عن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، قال: ((وهذه الرواية أولى لأن ~~فيها زيادة)). # وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ((أن النبي عليه السلام اعتمر ~~أربع عمر: عمرة الحديبية وعمرة القضية وعمرة الجعرانة والرابعة التي مع ~~حجته)). PageV02P301 # (وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر رضي الله عنهم). # والجواب: # إن الشافعي رحمه الله أحتج برواية الإفراد بفقه عائشة وحفظ جابر وقرب ابن عمر. # أما فقه عائشة فلا إشكال فيه. # وأما حفظ جابر فلأنه أحسن الرواة سياقة لحج النبي عليه السلام ولم يرو ~~أحد حج النبي عليه السلام من أوله إلى آخره كما رواه جابر. وأما قرب ابن ~~عمر فلأنه قال: كان أنس يدخل على النساء وهن متكشفات، وكنت تحت ناقة النبي ~~عليه السلام يمسني لعابها. # وروى بكر بن عبد الله المزني عن ابن عمر أنه قال: ((ذهل أنس، إنما أهل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهللنا معه)). # وفي رواية ((رحم الله أنسا، وهل أنس، إنما أهل بالحج وأهللنا معه)). # واعلم أنه لا يصح في القران إلا رواية أنس. # وأما غيرها من الروايات فيها مقال كثير، وقد أنكر ابن عمر روايته وزعم ~~أنه نسي وذهل. PageV02P302 # والخبر الواحد إنما يقبل بجهة حسن الظن بالراوي فلابد من سلامته من دعوى ~~النسيان والخطأ عن أمثاله. # وقد ادعى ابن عمر عليه النسيان والخطأ، ويجوز أن يكون الأمر على ما قال ~~لأنه يحتمل أنه سمع النبي عليه السلام يعلم غيره القران بين الحج والعمرة ~~فظن أنه قال بنفسه وهذا محتمل، وأنس ms297 رضي الله عنه غير معصوم من الخطأ. # وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان أفردوا الحج، والظاهر أنهم اقتدوا في ~~فعلهم بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فدل أنه كان مفردا. # فإن قالوا: قد ثبت عن علي عليه السلام أنه قرن. # قلنا: ((إنما فعل ذلك حين نهى عثمان عن المتعة وعن الجمع بينهما)) فأهل ~~بهما ليبين الجواز. # وفي الباب قصة طويلة وروايات كثيرة. # وأما الذي رووا عن ابن عباس رضي الله عنه في أن النبي عليه السلام اعتمر ~~أربع عمر. PageV02P303 # قلنا: الصحيح من ذلك الخبر أنه مرسل رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ~~عكرمة عن النبي عليه السلام. # وقد اختار أكثر أهل الحديث التمتع وجعلوه أولى، وفي فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المتعة روايات صحيحة، ولعل الجمع بين الروايات المختلفة على ~~طريق من يقول: إن التمتع أمكن وأفضل وأسهل. # وأما رواية ترجيح الإفراد على رواية القران على ما سبق. # وفي هذه المسألة خطب عظيم. # وقد طعن بعض أهل البدعة في الرواة ونسبوهم إلى الكذب بسبب اختلافهم في ~~هذه الروايات مع اتفاق الكل أن النبي عليه السلام لم يحج إلا حجة واحدة، ~~وقد بينا وجه الترجيح والتأويل، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا من إساءة القول ~~في السلف الصالح وأن يجعلنا ممن يحسن الظن بهم ويحسن القول فيهم، وأن نكون ~~ممن يرجع بالتهمة على نفسه بظن التقصير وقلة البلوغ لقلة الآلة، والله ~~تعالى ولى العصمة والمعونة. # وأما الكلام في المعنى فنقول: # القران والمتعة رخصتان، والأصل هو الإفراد، والدليل على أن القران رخصة ~~أنه يتضمن إسقاط أحد السفرين وإحدى الزيارتين، والحج حقيقة زورة لبقاع ~~معلومة محترمة وحضور إلى مشاهد مخصوصة معظمة مشرفة وأدنا ........ مقصود في PageV02P304 # / باب الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج عنه من وطنه ولولا أن ~~السفر مقصود وإلا لكان يحج عنه من أدنى المواقيت. # ويدل عليه: أنهم قالوا: لو نذر أن يحج ماشيا فحج به راكبا يلزمه دم، وفي ~~القران اقتصار على ms298 زورة واحدة وسفر واحد فعلى فعل السفرين استكثار تحمل ~~التعب والنصب، وكلما كثر التعب والعمل فيكون الثواب أكثر، وإذا كان الثواب ~~أكثر كان الفعل أفضل، وأيضا فإن فعل زيارتين استكثار الزيادة، والحاج زائرا ~~لله تعالى، والله تعالى مزوره، وكما كانت الزيارة أكثر كان موقعها عند ~~المزور أعظم وأكثر. # وأما حرف بيان أن القران والمتعة رخصة فلأن في القران ترك سفر مقصود ~~وزيارة مقصودة، وفي فعل ترك فعل العمرة في وقتها وهو غير أشهر الحج وفعلها ~~في غير وقتها فكان كلا العملين من القران والمتعة رخصة. # يبينه: أن لفظ المتعة دليل على الرخصة، لأنه ترفه وارتفاق زائد لم يكن ~~مشروعا في أصل النسك فإذا ثبت النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن ~~النقصان وثبت الرخصة مع النقصان ثبت أن الإفراد أفضل، وثبت أن الدم دم ~~جبران لا دم نسك فيكون فعل النسكين على وجه لا نقصان فيه أولى من فعله مع ~~النقصان وقد قال جماعة من أصحابنا: إن الأعمال تكون أكثر في إفراد النسكين، ~~وتعلق بالتلبية والحلق والسفر الذي بيناه، والأولى ما سبق وهو حقيقة ~~المسألة وليكن الاعتماد عليه. # أما حجتهم: # من حيث المعنى في القران معنيان يدلان على أنه الأفضل: PageV02P305 # أما الأول: فلأن فيه البدار إلى فعل النسكين وقد قال تعالى: {وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم ...}، وقال تعالى في أعمال الخير: {وهم لها سابقون} ومعناه: ~~إليها سابقون. # وفي الإفراد تأخير أحدهما وفعل الآخر. # والثاني: قالوا: إن العمرة تنزل من الحج منزلة نفل الصلاة من فرضها، ألا ~~ترى أنها عبادة من جنس الحج شرع في عموم الأوقات مثل النفل عبادة من جنس ~~الفرض شرع في عموم الأوقات، وإنما شرع كل واحد تكميلا للحج في أحد ~~الموضعين، وللصلاة في الموضع الآخر وتحسينا لهما ثم صلاة الفرض بنفل ~~يتقدمها يكون أفضل وأكمل، فكذلك الحج يعمره تتقدمه يكون أفضل وأكمل، وأيضا ~~فإن العمرة إذا كانت تحسن الحج وتزينه فيكون القران مشتملا على زيارة في ~~نفس الحج. # قالوا: وأما دعوى النقصان فلا معنى له، لأن ms299 الجمع بين العبادتين لا يوجب ~~نقصا في واحد من العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف والجمع بين الصوم ~~والإحرام. # وأما قولهم: ((إنه تضمن إسقاط أحد السفرتين)) فالسفر ليس بمقصود إنما هو ~~شيء يتقدم ليتوصل به إلى مكان الحج، ألا ترى أن حج المكي وحج غير المكي في ~~الكمال يكون واحدا وإن كان يوجد السفر لأحدهما دون الآخر. PageV02P306 # وأما فصل الزيارة فالزيارة هو الحج، وقد زار بالقران زورتين أحدهما بجهة ~~الحج والآخر بجهة العمرة. # قالوا: ((وكذلك لا نقصان في المتعة أيضا)). # وقولكم: ((إنها أتى بالعمرة في وقت الحج)). # قلنا: أشهر الحج وقت النسكين جميعا على وجه واحد ولا معنى للمنع من ~~العمرة في أشهر الحج حتى يكون الإطلاق رخصة، أو ليضمن فعله إدخال نقص في ~~الحج، وإذا ثبت أنه لا نقص ثبت أن الدم نسك وإذا كان نسكا فقد تضمن القران ~~والمتعة زيادة نسك لا يوجد عند الإفراد فصار أفضل. # قالوا: ولهذا يؤكل منه ويختص فعله بيوم النحر، لأنه زمان فعل النسك من ~~الضحايا. # قالوا: وأما ((تعلقكم بكثرة الأفعال وقلة الأفعال)). فعندنا الأفعال عند ~~القران مثل الأفعال عند الإفراد أن يكمله. # وأما التلبية فليس من أفعال الحج لكن سبب لوجوب الإحرام، وقد وجب به ~~إحرامان عندي مثل ما يجب إذا كان منفردا، وكذلك الحلق سبب للتحليل وقد حصل ~~به تحللان فصار الحاصل للقارن جميع أفعال الحج على التلبية إحرامان وطوافان ~~وسعيان وتحللان فلم يكن نقصان بوجه ما. # قالوا: وأما المكي إنما لا يجوز له القران والتمتع، لأن حقيقته لا توجد ~~منهما، وقد ذكرنا هذا في الأوساط، فلا معنى للإعادة. # الجواب: # أما قولهم: ((في القران بدار إلى فعل النسك والبدار إلى الطاعات أفضل)). PageV02P307 # قلنا: نعم، إذا كان لا يؤدي إلى إدخال نقص في طاعة أخرى، وقد بينا أن ~~القران يؤدي إلى إدخال نقص في الحج. # يدل عليه: أنه إذا أفرد فقد أتى بالحج وأفعاله من غير مزاحم له وحصل ~~الإحرام وأفعاله مسلمة للحج، وإذا قرن فقد أتى بالحج مع مزاحم له في القصد ms300 ~~والسفر والتلبية والأفعال المفعولة/ ودخول المزاحم ينقص. # وعن الشعبي أنه كان ضئيلا ضعيفا فسئل عن ذلك فقال: ((زوحمت في الرحم)). # وأما قولهم: ((إن العمرة من الحج تنزل نفل الصلاة مع فرضها)). # لا نسلم ذلك، وقد ثبت عندنا أن العمرة فريضة مثل الحج. # وقد سبق من قبل، والذي قالوا بناء على أصلهم. # وأما الذي قالوا: ((إنه لا نقصان)). # قد بينا وجود النقصان بما فيه كفاية، وفصل الزيارة معتمد، والحج حقيقة ~~زيارة أمكنة لله تعالى على ما سبق، والإتيان بالزيارة مرتين أولى من ~~الإتيان بها مرة واحدة. # وقولهم: ((إن القارن زائر مرتين)). # فالمحسوس يدفعه بل زائر مرة بقصدين فأما أن يكون زائرا مرتين فمحال. # وأما التمتع فقد جاء بأصل العمرة وأحرم بالعمرة من الميقات وإنما يحرم PageV02P308 # بالحج من جوف مكة فيكون زائرا بنية الحج من مكة، وإذا أفرد يكون زائرا ~~بينة الحج من وطنه وكلما كان شرط الزيارة أبعد يكون أفضل ومكانته عند ~~المزور أكثر، وكلما قرب وأدنى كان محله وأقل وهذا ظاهر جدا للمتأمل. # وأما قولهم: ((إن السفر ليس بمقصود)). # قلنا: بينا إنه مقصود، وقد روى عن علي وابن مسعود أنهما قالا: ((من تمام ~~الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك)). # وأما دعواهم إن الدم دم نسك. # فقد دللنا أنه دم جبران وهو بناء على ثبوت دخول النقصان في النسك وقد سبق. # وقولهم: ((إنه يؤكل منه ويختص بيوم النحر هو على أصلهم)). # وقد استدل الأصحاب في أنه دم جبران بدخول الصوم بدلا عنه ولا مدخل للبدل ~~في دماء النسك إنما مدخله في دماء الجبرانات. # وأما قولهم: ((إنه أتى بالأعمال على حسب ما يأتي بها عند الإفراد)). فليس ~~بصحيح بدليل فعل التلبية والحلق. # وأما قولهم: ((إن التلبية ليست من أفعال الحج)). # قلنا: قد دللنا من قبل أنه من أفعال الحج. PageV02P309 # وقولهم: ((إنه يجب بالتلبية إحرامان)). # فهو مذهبهم، أما عندنا فالواجب بها إحرام واحد وسنين ذلك في المسألة التي ~~تلي هذه. # وأما عذرهم عن الحلق. # قلنا: هو وإن كان للتحلل ولكن هو ms301 في نفسه نسك فإذا أفرد أتى بنسكين وإذا ~~قرن أتى بنسك واحد، وقد قام الدليل لنا أيضا أن القارن يكفيه طواف واحد ~~وسعى واحد فهذا وجه الكلام في هذه المسألة على الاختصار وهو أصل كبير، ~~والاعتماد على ما ذكرنا. والله تعالى أعلم. # * * * PageV02P310 ### || AUTO (مسألة) # القارن يطوف طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا # . # وعندهم: يطوف طوافين ويسعى سعيين. # لنا: # حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أحرم ~~بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعى واحد فلا يحل من يحل من واحد حتى يحل ~~منهما)). # وقد حملوا هذا على طواف القدوم وعلى طواف الصدر، وليس بشيء، لأن الطواف ~~المطلق في باب الحج ينصرف إلى طواف الإفاضة منه، وأيضا فإنه صلى الله عليه ~~وسلم قرنه بالسعي ولا سعي في طواف الوداع PageV02P311 # وفي طواف القدوم، إنما السعي مقرون بطواف الإفاضة ولئن جاز عقيب طواف ~~القدوم إنما يجوز على سبيل التعجيل والتقديم، ويدل عليه: قوله عليه السلام ~~لعائشة: ((طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك))، والخبر صحيح. # وفي حديث عائشة قال: ((وأما الذين قرنوا وطافوا لهما طوافا واحدا وسعوا ~~سعيا واحدا)) فهو صحيح أيضا. # وقال المخالف: # إن عائشة لم تكن قارنة بدليل أن النبي عليه السلام قال لها: ((ارفضي ~~عمرتك وامتشطي واغتسلي))، ولأن النبي عليه السلام دخل عليها وهي تبكي قال ~~لها: مالك؟ قالت: أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد؟ فأمر عبد ~~الرحمن بن أبي بكر- أخاها- حتى أعمرها في التنعيم. PageV02P312 # الجواب: # إن الخبر الذي روينا متفق على صحته. # وأما قوله عليه السلام: ((ارفضي عمرتك)) يعني أعمال عمرتك. # قال الشافعي: ((وامتشطي واغتسلي)). # يجوز للمحرم أن يمتشط ويغتسل غير أنها ترفق بشعرها حتى لا تنتفه. # وأما بكاؤها، وقولها: ((أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد))؟. # فإنما طلبت فعل كل واحد من النسكين على الإنفراد، وقد أيد ما روينا حديث ~~موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أنه أهل بالعمرة فلما أتى الجحفة قال: ما ~~أمرهما إلا واحد أشهدكم أني ms302 قد أدخلت الحج على العمرة، فطاف لهما طوافا ~~واحدا وسعى سعيا واحدا، وقال: ((هكذا رأيت رسول الله صنع)). والخبر صحيح. PageV02P313 # قالوا: روى علي أن النبي عليه السلام قرن فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين. # وفي رواية: ((إن عليا قرن فطاف لهما وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فعله)). # والجواب: # إن الدارقطني قال: رواه حفص بن أبي داود وهو ضعيف/ وعلى أنا بينا أنه صح ~~أن النبي عليه السلام كان مفردا ولم يكن قارنا. # وأما الكلام من حيث المعنى: # فهو بناء أنه محرم بإحرام واحد، والدليل على أن الإحرام بالحج عبادة من ~~جنس الإحرام بالعمرة، ويجوز أن يقال أن الإحرام فيهما عبادة واحدة، لأنها ~~من حيث الإحرام واحد فإذا فعل في زمان واحدا منهما لم يجز أن يفعل منهما ~~أخرى في ذلك الزمان. # دليله: الصوم والصلاة. PageV02P314 # ودليله: الإحرام بحجتين وعمرتين فإن عندنا لا ينعقد الإحرام إلا بأحدهما. # وعندهم: إن انعقد إنما ينعقدان جميعا من حيث أنه التزام، فأما من حيث ~~الفعل فلا يتصور اجتماعهما، ولهذا المعنى حكموا بارتفاض أحدهما، ولأن ~~الزمان ظرف العبادة، فإذا اشتغل بعبادة لم يتصور اشتغاله بعبادة أخرى من ~~جنسها مثل المكان المحسوس إذا اشتغل بشيء لم يتصور اشتغاله بشيء آخر، وإذا ~~ثبت أن الإحرام واحد تكون الأعمال واحدة أيضا. # ويستدل من حيث الحكمة بالتلبية والحلق فإنه يكتفي بالواحد منهما ~~بالإجماع. # وأما حجتهم: # قالوا: أحرم بالحج والعمرة فيطوف طوافين ويسعى سعيين. # دليله: إذا أفرد كل واحد منهما، وهذا لأن القران ليس إلا الجمع بين ~~عبادتين فلا يوجب تغيير عمل العبادتين كالجمع بين الصوم والاعتكاف، وكالجمع ~~بين الصوم والإحرام. # والحرف أن القران لم يفد إلا الجمع، وأما العبادتان فيما وراء الجمع ~~مثلهما أن لو أتى بكل واحد منهما على الإنفراد. # واستدلوا في أنه محرم بإحرامين أنه نوى الحج والعمرة مقرونة بالتلبية وكل ~~واحد من التلبيتين أوجب أحراما، وهذا لأنه وجد سبب الإحرامين بدليل حال ~~الانفراد وإذا وجد سبب الإحرامين يصير محرما بإحرامين. # قالوا: وأما ms303 التلبية فيه عقد على أداء العبادة فهي وإن كانت عبادة متجددة ~~فالحاصل بهما عقدان مثل من باع من إنسان عبدين بلفظ واحد، PageV02P315 # وباع من رجلين يلفظ واحد فإنه يكون الحاصل عقدان، ولا فرق بين أن يبيع ~~العبدين بلفظ أو يبيعهما بلفظين في موجب العقد، كذلك ههنا لا فرق بين أن ~~يلبي واحدة أو يلبي تلبيتين في موجبهما من الإحرام، فكما أنه لو أتى بكل ~~واحد منهما على الانفراد يكون الحاصل إحرامان، كذلك إذا أتى بهما جميعا، ~~كذلك أيضا قالوا: ((وقولكم إن العبادتين من جنس واحد فإذا شغل الوقت ~~بأحدهما لا يتصور اشتغاله بالأخرى)). # قالوا: هذا في الأداء مسلم، فأما الإحرام الذي هو عقد على الأداء والتزام ~~على ما سبق من قبل فلا، لأن الذمة واسعة للالتزام سواء أكانت في عقدين ~~مختلفين أو في عقدين من جنس واحد. # وكذلك قولنا: ((إنه عقد على الأداء))، معناه أنه التزام للأداء. # قالوا: ولهذا قلنا إن الإحرام بحجتين أو عمرتين ينعقد، وإنما يرتفع ~~أحدهما عند الاشتغال بالأداء، لأن التضايق بينهما في الأداء لا في الالتزام ~~لا في الالتزام والعقد على الأداء. # قالوا: وكذلك الحلق موجب التحلل والواجب بالحلق الواحد تحللان مثل ما ~~قلنا: إن الواجب بالتلبية الواحدة إحرامان. # يبينه: أنه يجوز أن يوجب بيعين بلفظ واحد، وكذا يقبلهما بلفظ واحد، كذلك ~~يجوز أن توجب إحرامين بلفظ واحد وتحللين بفعل واحد. # الجواب: # إن قولهم: ((محرم بالحج والعمرة)). # قلنا: نعم، ولكن بإحرام واحد، وفي الأصل الذي قاسوا عليه محرم بإحرامين. # وأما قولهم: ((إن محرم بنية الحج والعمرة)). PageV02P316 # قلنا: نحن نقول بهذا إنه محرم بالحج والعمرة لأجل النية التي ذكروها، ~~ولأنه يصير مؤديا للحج والعمرة فلابد من نيتها ليصير مؤديا لهما غير أن ~~الإحرام واحد لما بينا من الدليل، والذي ذكروه بعد هذا كله بناء على أصلهم ~~في أن الإحرام ليس بأداء الحج بل هو عقد على الأداء والتزام محض على ما ~~ذكروا من قبل. # وأما على مذهبنا فالإحرام أداء العبادة والوقت لا يتسع الواحد لا يسع ~~لأداء ms304 عبادتين من جنس واحد لا حكما ولا حقيقة بدليل ما سبق. وأما بيع ~~العبدين أو البيع من اثنين فهو من باب المعاملات وهذا جائز في المعاملات، ~~لأنها التزامات. # وأما العبادة أداء فعل والوقت الواحد لا يتسع لفعلين اثنين بدليل ~~الوقوفين والطوافين، وكذلك في الصلاتين والصومين فهذا وجه الكلام في هذه ~~المسألة. # وقد قال الأصحاب: # إن الأعمال تتداخل وقد ورد أن النبي عليه السلام قال: ((دخلت العمرة في ~~الحج إلى قيام الساعة))، ومعنى الدخول دخول الأفعال عى ما/ عرف من مذهبنا، ~~وهم يقولون إن المعنى دخول الوقت أنها جازت في وقت الحج، وهذا مجاز، ~~والحقيقة ما قدمنا من دخول الأعمال لأن الحج هو الأعمال، وقد دخلت العمرة ~~في الحج وليس ذلك إلا ما ذكرناه والاعتماد من حيث الحقيقة على ما ذكرنا من ~~قبل وهو متن المذهب. والله تعالى أعلم. # * * * PageV02P317 ### || AUTO (مسألة) # طواف الجنب والمحدث غير محسوب به # عندنا. # وعندهم: محسوب ويريق دما في الطواف محدثا إن لم يعد، وفي الجنب يعيد بكل ~~حال فإن لم يعد وأراق دما لم يبطجل الاحتساب. # لنا: حديث طاووس عن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال: ((الطواف بالبيت ~~صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه النطق، فمن ينطق لا ينطق إلا بخير)). PageV02P318 # وإذا كان صلاة فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بطهور)). # وإن نازعوا وقالوا: إنه ليس بصلاة لا لغة ولا حقيقة، لأنها في اللغة ~~بمعنى الدعاء، وفي الحقيقة عبارة عن أفعال معلومة بترتيب مخصوص، ولا يوجد ~~واحد منهما في الطواف، فهذا كله اعتراض على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~وعلينا أن نعتقد أن الأمر ما قاله ونص عليه. # يبينه: أن الأفعال المعهود كانت صلاة بالشرع فليكن الطواف صلاة بالشرع. # ونحتج أيضا بقوله عليه السلام لعائشة حين حاضت: ((فاصنعي ما يصنعه الحاج ~~غير أن لا تطوفي بالبيت))، فإن هذا نهى، والنهي يدل على فساد المنهي عنه ~~وإخراجه عن صفة المشروعية على ما ذكرنا من قبل، ويمكن أن يقال من جهة ~~المعنى إن ms305 الطهارة شرط الطواف بدليل أنه لا يحل به أن يطوف محدثا بالإجماع ~~وإذا طاف محدثا لزمته الإعادة وكل عبادة كانت الطهارة فيها شرطا لم يتأد ~~بدونها كالصلاة. PageV02P319 # وأما حجتهم: # فقد تعلقوا بنص الكتاب وهو قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق}، والله ~~تعالى أمر بالطواف ولم يأمر بالطهارة، ولفظ الأمر بالطواف لا يدل عليها ~~بحال، فتكون الطهارة شرطا زائدا على كتاب الله تعالى فلا يجوز بالخبر ~~الواحد ولا بالقياس، وهذا لأن الطواف هو الطواف المحسوس فإذا علق بشرط زائد ~~شرعا انعدم ما اقتضاه الطواف المطلق وهذا الطواف محسوسا كالطلاق ........ ~~ينعدم إذا علق بشرط، وكذلك العتاق فثبت أن تعليق الطواف بشرط الطهارة يجري ~~مجرى النسخ، ولو ثبت لكم شرطا ثبت بالخبر الواحد لا يجوز. # قالوا: وعلى أنا نقول إن الخبر الوارد في الطهارة لتكميل الطواف لا لأصل ~~الجواز، ونحن هكذا نقول: إن الطواف لا يكمل إلا بالطهارة فيحمل الخبر على ~~هذا حتى لا يكون نسخا وليبقى أصل الجواز مطلقا كما كان. # قالوا: وأما أمرنا إياه بالإعادة لتدارك الإكمال فإذا رجع إلى أهله قبل ~~أن يتدارك بالطواف جبرناه بالدم، لأن النقص الداخل في الحج مما يجبر بالدم ~~وشواهد هذا كثيرة، ولأن الأصل أن الثابت بالخبر الواحد ثابت في حق العمل ~~دون العلم، فنأمره بالطهارة ابتلاء عملا بخبر الواحد، وكذلك نأمره بالإعادة ~~إذا كان طاف محدثا عملا بخبر الواحد، وأما من حيث العلم فلا نعتقد أن ~~الطواف الأول ليس بطواف، لأن الخبر الواحد لا يوجب PageV02P320 # العلم فيكون الطواف محدثا طوافا في حق العلم إلا أن في حق العمل جعل كأن ~~الطواف لم يوجد فنأمره بالإعادة، وعلى هذا يصير الطواف في حكم الطوافين في ~~حق العمل وفي حق العلم، أما في حق العلم فالطهارة لا تكون شرطا كسائر أركان ~~الحج وفي حق العمل الطهارة شرط كالصلاة بخلاف سائر الأركان فلم نجز ~~الاعتبار بأصل واحد في البابين جميعا وهما بابان مختلفان. # قالوا: وعلى هذا إذا طاف منكوسا يكون محسوبا، لأن الذي في كتاب الله ~~تعالى هو الأمر ms306 بالطواف فحسب، وليس في كتاب الله تعالى التيامن فيكون الأمر ~~بالتيامن زيادة على كتاب الله تعالى فيجرى مجرى النسخ. # قالوا: ويحمل تيامن النبي عليه السلام على بيان التكميل وليس على بيان ~~أصل الجواز فيحمل على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ، وقد تعلق بعض مشايخهم ~~بالحدث العمد، وقالوا: عبادة لا يبطلها الحديث العمد فلا تكون الطهارة من شرطها. # دليله: الوقوف والسعي بين الصفا والمروة. # الجواب: # إن الأمر بالطواف يقتضي إيجاب أصل الطواف فأما صفة الطهارة في الطواف ~~فليس في الآية تعرض لها فيجوز إثباتها بالسنة ولا يعد نسخا، لأن نسخ الكتاب ~~هو تعبد بالحكم الثابت/ بالكتاب والحكم الثابت بالكتاب هو وجوب الطواف وما ~~تغير ولكن بالسنة وجب معنى زائد على حقيقة الطواف، فإن قالوا: إنه التغيير ~~قد وجد، لأن الكتاب قد دل على الإجزاء على معنى أنه إذا أتى بما يسمى طوافا ~~جاز عنه ويضم هذا الشرط إلى الطواف يفوت الإجزاء فيحصل النسخ من هذا الوجه، ~~ثم قالوا: PageV02P321 # إذا ثبت أنه نسخ أو جار مجراه فصارت السنة مبينة لكمال الطواف على ما سبق ~~فيحمل الخبر على هذا حتى لا يؤدي إلى النسخ. # قال أبو زيد: (في قوله عليه السلام: ((الطواف بالبيت صلاة))، معناه في ~~حكم الصلاة لا أنه نفس الصلاة، وقولنا في حكم الصلاة مقتضى والمقتضى لا ~~عموم له فصار الخبر مقتضيا كون الطواف صلاة في حكم ونحن قد أثبتنا ذلك فإن ~~الجواز متعلق بالبيت مثل الصلاة، وكذلك الإباحة بالطهارة) حتى لا يجوز له ~~أن يطوف محدثا أو جنبا. # والجواب: # إن الآية لا تدل إلا على الوجوب، فأما الإجزاء بدليل آخر يدل عليه، ثم ~~نقول: الإجزاء عند فعل الطواف بمطلق الأمر إنما كان لعدم قيام الدليل على ~~وجوب شرط زائد فإذا قام من السنة على شرط الطهارة فات الإجزاء عند مطلق ~~الطواف من غير أن يتضمن نسخ الآية، لأن الآية دلت على وجوب الطواف والوجوب ~~على ما كان من قبل ولم يتغير ولم يتبدل وقولت الإجزاء عند وجود فعل الطواف ms307 ~~مع الحدث لا يمس الوجوب، لأن الوجوب يجوز أن يكون باقيا مع انضمام هذا ~~الشرط إليه، والجواز ثابت عند وجوده بشرطه غير ثابت عند وجود فعله بدون ~~شرطه فدل أن دعواهم النسخ لا يتحقق أصلا، وإنما هو ظن وحسبان وقد ذكرنا هذا ~~في غير هذه المسألة فمن أراد أيسع من هذا فليرجع إليه. # وأما قولهم: ((إن السنة لبيان الكمال)). # قلنا: قد فات الإجزاء كاملا فاجعلوا هذا نسخا أيضا، والآية وإن كانت ~~اقتضت الإجزاء فقد اقتضت الإجزاء من كل وجه ويقال: اقتضت PageV02P322 # الإجزاء أصلا ووصفا، فثبت أن الطريق ليس على ما قلتم لكن السنة مبينة لما ~~يدل عليه الكتاب فيصير كأن الله تعالى قال: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~........ على ما دلت عليه السنة مثل قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} يعني على ما دلت عليه السنة. # فليس ما قالوه بشيء، لأن الكتاب والسنة ما دلا إلا على العمل فإن العلم ~~بكون الطواف طوافا شيء محسوس لا يحتاج إلى كتاب ولا إلى سنة إنما الكتاب ~~والسنة يدلا على الاحتساب وهذا عملي لا علمي فإن معناه الاحتساب بعمله. # وقولهم: ((إن المقتضى لا عموم له)). # قلنا: قد بينا أن الطواف صلاة شرعا، وإن سلمنا أن معناه أن له حكم ~~الصلاة، أو معناه أنه مثل الصلاة فلما استثنى الشرع حكما واحدا وهو الكلام ~~دل أن ما وراءه على العموم وإلا لم يكن لهذا الاستثناء معنى. # وإن تعلقوا بجواز الكلام وترك الاستقبال نقول: # كما كان مثل الصلاة وجب أن لا يخالفها فيما لم تنفك عنه الصلاة بحال ~~والطهارة مما لا ينفك عنها بحال بل الصلاة لا تكون صلاة إلا بها، وهذا ~~بخلاف الكلام واستقبال القبلة فقد كان حلالا في ابتداء الإسلام، كذلك ~~الطواف كان في معنى ذلك. وأما الاستقبال فقد يجوز تركه في كثير من المواضع ~~على ما عرف. PageV02P323 # أما تعلقهم بالحدث العمد فقد قال بعض أصحابنا: # إن الحدث العمد في خلال الطواف يوجب استئناف الطواف وإن قلنا إنه لا يوجب ~~الاستئناف فلأن البناء ممكن وهو أن ms308 يبني على ما بقى من الطواف على ما مضى، ~~لأن الواجب طواف بعدد معلوم فأمكن البناء ليتم العدد، فأما في الصلاة فقد ~~عقد تحريمة تشتمل على أفعال، وبالحدث العمد يبطل عقد التحريمة فلا يتصور ~~البناء على ما سبق فوجب الاستئناف. والله أعلم. # * * * PageV02P324 ### || AUTO (مسألة) # السعي بين الصفا والمروة ركن # عندنا. # وعندهم: ليس بركن. # لنا: حديث حبيبة بنت تجراة أن النبي عليه السلام قال: ((أيها الناس، إن ~~الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا)) وهذا نص. PageV02P325 # ثم نقول: إن الله تعالى أمر بالحج، وقد أخبر النبي عليه السلام أن الله ~~تعالى كتب علينا السعي فصار من جملة الحج الذي أمر الله به وإذا صار من ~~جملة الحج لم يخرج من الأمر بالحج بدونه، وهذا لأن الأمر بالحج لا يتأدى ~~إلا فعل الحج فكل ما كان فعلا من أفعال الحج سواء ثبت ذلك بالكتاب أو السنة ~~لم يتأد الحج بدونه وهذا كالأفعال الواجبة في الصلاة لا تتأدى الصلاة ~~بدونها. # يبينه: أن السعي طواف مأمور به ليكون شعيرة من شعائر الله تعالى فيكون واجبا. # دليله/ الطواف بالبيت. # والدليل على أنه من شعائر الله تعالى قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من ~~شعآئر الله} وشعائر الله تعالى أعلام الدين فلابد من تعلق فرض بهذه البقعة ~~لابد من فعله ليكون من شعائر الله، لأنا إذا قلنا: إنه يجوز الحج بدونه لا ~~يكون من شعائر الله، وهذا لأن شعائر الله ما إذا أوصل إليه ظهر له علم من ~~أعلام الدين فإذا لم يكن المشروع فرضا وأطلق تركه إلى تركه إلى دم أو غير ~~دم لم يتبين كونه علما للدين وشعيرة من شعائر الله تعالى. PageV02P326 # وأما حجتهم: # قالوا: الحج واجب بدليل مقطوع به للعلم والعمل فكل ما كان من الحج ولم ~~يكن الحج حجا إلا به فلابد من وجوبه بمثله يستقيم وجوب الحج بدليل موجب ~~للعلم على ما دل الدليل من الكتاب، فعلى هذا لا يجوز أن يجب السعي لا بخبر ~~الواحد ولا بالقياس بل يجوز أن يتعلق كما ms309 الحج بدليل من السنة فأما أصل ~~الحج فلا يجوز إثباته إلا بدليل يوافق الكتاب في إفادة العلم وذلك أن يكون ~~دليلا مقطوعا به. # قالوا: ولأن السعي فعل يؤتي به خارج الإحرام فلا يكون ركنا كالرمي. # وبيانه: أنه يحل الإحلال الأول بالحلق والثاني بالطواف ثم يسعى ويستحيل ~~أن يكون السعي عملا من أعمال الحج فلا يتم بدونه ثم يجوز أن يؤتي به خارج ~~الإحرام. # قالوا: ولأنه تبع للطواف بدليل أنه لا يجوز أن يؤتي به إلا عقيبه وهذا ~~دليل التبعية حيث لم يستقل بنفسه بحال فلم يكن ركنا # دليله: الوقوف بالمزدلفة مع الوقوف بعرفة. # يدل عليه: أنا إذا جعلناه ركنا وهو تبع للطواف لم يصح الطواف إلا به ولا ~~يجوز أن تقف صحة المتبوع على صحة التبع. # قالوا: ولأن السعي ليس له وقت على انفراده بل يكون وقت الطواف وقتا له، ~~والأصل أن الركن في الحج له وقت ينفرد به. # دليله: الوقوف والطواف وحين لم يكن وقت ينفرد به لم يكن ركنا. PageV02P327 # الجواب: # أما قولهم: ((إن الحج وجب بدليل مقطوع به)). # قلنا: مسلم، لأنه وجب بالكتاب والسنة، ولا شك أن ذلك دليل مقطوع به ~~لتواتره فيوجب العلم والعمل. # فأما قولهم: ((إن كل فعل كان من الحج لم يتم الحج إلا به يجب أن يكون ~~وجوبه بمثل هذا الدليل)). # قلنا: ليس كذلك، لأن وجوب الحج بالكتاب لم يكن، لأنه لا يجوز وجوبه إلا ~~بالكتاب بل كان يجوز وجوبه بالخبر وإن كان واحدا، لأنه واجب عملي، وأجمعنا ~~على أن خبر الواحد يوجب العمل إلا أنه كذلك وقع الاتفاق الشرعي بأن الله ~~تعالى أوجبه بالكتاب، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا جاز وجوبه فعل من أفعاله ~~بدليل عملي لا يوجب العلم وألحق بسائر الأفعال في الركنية عملا لا علما وهو ~~كالوتر على أصلكم ألحق بسائر الصلوات عملا لا علما، وهذا لأن الدليل يفيد ~~الحكم بقدر مرتبته فإذا كان خبر الواحد يفيد الوجوب عملا، ويجوز أن يكون ~~هذا الفعل ركنا للحج عملا صار ركنا عمليا ms310 من جهة أركان الحج، وسائر الأركان ~~صارت أركانا للحج علما وعملا وهو مثل واجبات الدين فبعضها واجبات الدين ~~عملا وعلما وبعضها واجب عملا لا علما، كذلك ههنا. # وأما الذي قالوا: ((إن السعي يفعل خارج الإحرام جملة)). # قلنا: هذا يلزمكم كما يلزمنا، لأنكم تعترفون بوجوبه إن لم تعترفوا ~~بركنيته واللزوم في الواجب صحيح مثل ما هو في الركن، وعلى أن نقول: إن ~~الإحرام بمنزلة الباقي حكما في حق السعي مثل ما يجعل بمنزلة الباقي حكما في ~~الرمي وطواف الصدر. PageV02P328 # وأما قولهم: ((إن السعي تبع للطواف)). # قلنا: لا نسلم ذلك، بدليل أنه يجوز فعله عقيب طواف القدوم وطواف القدوم ~~سنة، والواجب لا يتبع السنة إلا أن الشرع ورد بنوع ترتيب مثل ما رتب الركوع ~~على القيام والسجود على الركوع وإن لم يكن واحد منهما تبعا لصاحبه. # وأما قولهم: ((إنه غير مؤقت)). # قلنا: هذا حد تنفردون به ولا نوافقكم عليه، ولأنه إذا جاز أن يكون غير ~~واجب ويكون مؤقتا يجوز أن يكون أيضا واجبا ولا يكون مؤقتا، والكلام ليس له ~~غور، وفيما ذكرنا كفاية، والله أعلم. # * * * PageV02P329 ### || AUTO (مسألة) # إذا جامع المحرم امرأته بعد الوقوف بعرفة فسد حجه # عندنا، كما يفسد إذا جامع قبل الوقوف بعرفة، وعليه بدنه. # وعندهم: يفسد قبل الوقوف وعليه شاة ولا يفسد بعد الوقوف وعليه بدنة. # لنا: # إن الوطء مفسد للإحرام بالإجماع، الإحرام بتمامه وكمال قائم بعد الوقوف ~~فإذا وجد العامل في الإفساد في محل العمل وجب أن يعمل ويفسد حجه. # دليله: إذا كان قبل الوقوف ويستشهد على هذا بالحسيات، فإن السيف إذا كان ~~عاملا في القطع والنار في الإحراق فإذا وجدا في محل العمل عملا، كذلك ههنا. PageV02P330 # وأما حجتهم: # تعلقوا بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل مذهبهم في الصورتين جميعا ~~على حسب ما قالوا، ولا مخالف له فوجب تقليده، ولأنه بالوقوف أمن حجه من ~~الفوات فوجب أن يأمن من الفساد. # دليله: إذا وقف ورمى، قالوا: وبفصل ما بعد الرمي يبطل قولكم إن الإحرام ~~فائم أيضا بعد ms311 الرمي ومع ذلك لا يفسد حجه. # فإن قلتم: ((إن الإحرام ليس على تمامه)). # قلنا: ليس كذلك، بل هو على تمامه بدليل بقاء المحظورات عليه إلى أن يحلق، ~~وعلى أنه إذا كان الإحرام ضعف بالرمي فيكون الحكم بفساده أولى، لأنه إذا ~~فسد الإحرام مع قوته وتمامه بالوطء فلأن يفسد عند ضعفه واختلاله أولى. # وأما أبو زيد قال: أفعال الحج ينفصل بعضها عن البعض مكانا وزمانا فلا ~~يتأدى فساد بعضه إلى الباقي كالصلوات المختلفة بل هذا أولى، لأن الصلاة ~~والصلاة تختلف زمانا ولا تختلف مكانا، وهذه الأفعال تختلف PageV02P331 # زمانا ومكانا ثم هناك لا يتعدى الفساد من البعض إلى البعض فههنا أولى، ~~وإذا ثبت هذا فنقول: إذا جامع قبل الوقوف فقد فسد إحرامه، والإحرام شرط ~~لأداء الأفعال وإذا فسد قبل أداء شيء من الأفعال لم يجز أداء شيء من ~~الأفعال بإحرام فاسد ففسد الحج بلا إشكال، فأما إذا جامع بعد الوقوف، ~~فالوقوف قد صح بإحرام صحيح فإذا جامع فسد إحرامه وفسد الطواف وقد بينا أنه ~~لا يتعدى الفساد من فعل إلى فعل فبقى الوقوف عل الصحة وفسد الطواف فصحة ~~الوقوف توجب صحة الحج وفساد الطواف يوجب فساد الحج فقد تعارض الموجب للصحة ~~والموجب للفساد فلابد من الترجيح، والترجيح للوقوف على الطواف بدليل قوله ~~عليه السلام: ((الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه)) ولأنه يؤتى به في ~~إحرام كامل. # وأما الطواف يؤتى به وقد حصل بعض التحلل فيكون الوقوف في حصول الحج به ~~فوق الطواف، ألا ترى أنه أبيح بعض التحلل بعد وجوده قبل وجود الطواف ولا ~~يباح شيء من التحلل قبل وجوده، وإذا ثبت أن PageV02P332 # جانبه أرجح قلنا إنه يبقى حجه على الصحة لصحته ولا يفسد بفساد الطواف ثم ~~إذا لم يفسد وجبت بدنه لتغليظ الوطء وزيادته في التحريم على سائر المحظورات ~~وقبل الوقوف لما فسد فقد وجب القضاء فسقطت البدنة ووجبت شاة لتقديم الوطء ~~على وقته الذي أحل فيه. # الجواب: # أما أثر ابن عباس فلا تعرف صحته وإن ثبت فلا يترك ms312 القياس به. # وأما قولهم: ((إنه حج وقع الأمن عن فواته فيقع الأمن عن فساده)). # قلنا: ولم؟ ثم يجوز أن يفسد ما لا يفوت. # دليله: العمرة، وهذا لأن الطواف غير مؤقت فلا يفوت وإذا لم يفت فلو فات ~~الحج فات بفواته فإذا لم يفت هو لم يفت الحج، وأما الوقوف مؤقت بوقت مخصوص ~~فيفوت بمضي الوقت من غير وقوف فيفوت الحج بفواته فافترقا لهذا المعنى. # وأما الفساد فإنما كان للجناية على الإحرام بفعل الوطء وهو موجود سواء ~~أكان قبل الوقوف أو بعد الوقوف. # وأما قياسهم على ما بعد الرمي. # قلنا: الإحرام قد وقع التحلل عن الإحرام عندنا بالرمي، ولهذا المعنى أبيح ~~له الحلق ولم يكن مباحا من قبل وإذا وقع به التحلل لم يبق إحراما تاما ومحل ~~العمل إحرام تام. # قلنا: هذا دعوى، وجب أن يبطل الإحرام سواء أكان تاما أو لم يكن تاما على ~~ما سبق. # قلنا: الإحرام إذا وقع عنه التحلل من وجه ضعف وإذا ضعف في نفسه PageV02P333 # ضعفت الحرمة المتعلقة به فلم تكمل الجناية بارتكابه بل خفت وإذا خفت لم ~~يعمل في إفساد الإحرام. # أما في مسألتنا فالإحرام على تمامه وكماله فكملت أيضا حرمة الوطء وإذا ~~كلمت حرمة الوطء عظمت الجناية بارتكابه فأفسد الحج كما يفسد قبل الوقوف. # وأما طريقة أبي زيد: فليست بشيء، لأن أفعال الحج وإن انفصل بعضها عن ~~البعض مكانا وزمانا ولكن عند الحج جمع الكل فيتعدى الفساد من البعض إلى ~~البعض، وتحقيق هذا هو أن هذه الأفعال ليست بعبادات بأنفسها وإنما صارت ~~عبادات لأنها أفعال الحج، ألا ترى أنه لو وقف أو سعى أو رمى لا في الحج لا ~~يكون فعله شيئا. فثبت أن هذه الأفعال إنما صارت عبادة لأجل أنها من الحج ~~وإذا كانت صحتها عبادة لأجل أنها من الحج فيكون عند الحج جامعا للكل وتصير ~~جميع الأحوال كأنها شيء واحد في العبادة فيتعدى الفساد من البعض إلى البعض ~~كما يتعدى في الصلاة والتعدي قد يكون في فعل لاحق وقد يكون في فعل ms313 سابق ~~ففسد الوقوف والطواف جميعا/ ففسد حجه. # وأما ما قالوا: من الترجيح. # فهوس، لأنههم إذا سلموا فساد الطواف بفساد الإحرام لأجل الوطء لا يمكن ~~القول بعد ذلك بصحة الحج. # لأن الحج لا يتأدى بطواف فاسد، وإن قالوا: يفسد الإحرام بالوطء فقد منعوا ~~عمل الوطء مع كونه عاملا في الإفساد ومع وجود محل العمل وهذا لا يجوز، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P334 ### || AUTO (مسألة) # صيد الحرم والإحرام مضمون بالمثل خلقة من النعم فتجب في النعامة (بدنة)، ~~وفي الضبع كبش، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبي شاة # . # وعندهم: يكون مضمونا بالقيمة. # ثم في المذهب تفاصيل في الجانبين، فعندنا يجوز أن يدع المثل ويتصدق ~~بلحمه، ويجوز أن يقومه ويشتري بالقيمة طعاما فيتصدق على كل مسكين بمد أو ~~يصوم مكان كل مد يوما، والخيار إلى الحكمين. PageV02P335 # وعندهم: يصرف القيمة إلى الهدى من النعم إن شاء وإن شاء صرفه إلى الطعام ~~ويطعم كل مسكين نصف صاع فإن شاء صام مكان كل نصف صاع يوما، والخيار عندهم ~~إلى من عليه، قالوا: وإن تصدق بالقيمة يجوز أيضا. # لنا: # قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم}، فيجب مثل ~~المقتول من النعم بنص الكتاب. # وعندهم: تجب قيمة المقتول وهو خلاف القرآن. # ويدل عليه: إجماع الصحابة، روى عن عمر، وعثمان، وعلي، PageV02P336 # وزيد، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، ومعاوية أنهم قالوا: في النعامة ~~بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الغزال عنز، ~~وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الحماة شاة، وهذا الإجماع في نهاية ~~الحجة ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. # وإن قالوا: إنه كان بطريق القيمة فهذا محال، لأن تقويم هذه الحيوانات ~~بهذه الحيوانات باطل بل نقطع بوجود التفاوت قيمة # يدل عليه: أنهم أوجبوا هذه الحيوانات من النعم في مقابلة هذه الحيوانات ~~من الصيود، والقيم دراهم ودنانير فكيف يستقيم تقويم الحيوان بالحيوان؟ # وإن قالوا: اعتبروا المعادلة قيمة، فلا معادلة بين قيمة البدنة وقيمة ~~النعامة، وكذلك في حمار ms314 الوحش والبقر والضبع والكبش والظبي والشاة فلا مطمع ~~لهم في تأويل الآية وتأويل أقوال الصحابة بحال، ويقال أيضا: واجب باسم ~~الكفارة فلا يرجع فيها إلى التقويم. # دليله: سائر الكفارات. # يدل عليه: أن حق الله تعالى متعلق بهذه الواجبات فيكون لزومها بالتوقيف ~~المحض، وهذا لأن الله تعالى خلق هذه الحيوانات على خلق مختلفة وصور ~~متفاوتة، وقد تعلق حق الله تعالى بها إذا كانت في الحرم، PageV02P337 # وكذلك في حال الإحرام، فإذا أمكن قضاء حق الله تعالى بنوع من المماثلة ~~بين النعم وهذه الصيود فلا يجوز تركه ووجب اعتباره، وإذا رجعنا إلى القيمة ~~مع إمكان اعتبار المماثلة صورة بين النعم والصيود ولم نعتبرها فقد ضيعنا حق ~~الله تعالى من هذه الجملة وهذا لا يجوز. # وأما حجتهم: # تعلقوا بالقياس المحض، وقالوا: حيوان مضمون فيكون مضمونا بالقيمة. # دليله: الحيوانات المملوكة. # يبينه: أن الصيود لا مثل لها، والنعم لا مثل له، بدليل أنه لا تضمن ~~الصيود بالصيود ولا النعم بالنعم فإذا حكم بعدم المثل في الجنس الواحد فلئن ~~يحكم بعدم المثل في الجنسين المختلفين وهو الصيود والنعم أولى. # قالوا: فإن قلتم: يوجد نوع مماثلة فإن ذلك غير معتبر، لأنا إن اعتبرنا ~~نوع مماثلة فيوجد ذلك بين كل شيئين في العالم فدل أن المماثلة حقيقة هي أن ~~يكون ذاتا ومعنى وصفة. # قد قالوا: إذا اعتبرنا القيمة فقد اعتبرنا المماثلة معنى. # وأما إذا أعرضتم عن القيمة واعتبرتم المماثلة حقيقة وهي لا توجد فلا ~~مماثلة ولا معنى ولا صورة فصار ما قلتم إعراضا عن المماثلة من كل وجه وما ~~قلناه إعراض عن المماثلة من وجه واعتبار لها من وجه فكان أولى. # وتعلقوا بالحيوانات التي لا مثل لها مثل العصافير والقنابر وغيرها فإنه ~~تجب القيمة فيها، كذلك في الحيوانات التي لها مثل وجب أن تجب القيمة أيضا. PageV02P338 # وقالوا في الآية: إن معنى المثل هو القيمة، وهو مثل معنى وإن لم يكن مثلا صورة. # قالوا: وقد تم معنى الآية بقوله: {فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا ~~عدل منكم} ms315 وقوله: {من النعم يحكم به ذوا عدل} ابتداء ومعناه أنه يحكم به ~~عند اختيار من عليه الجزاء، وذلك بأن يشتري بالقيمة من النعم فيكون ذلك ~~كفارة له أو يصرف إلى الطعام فيكون كفارة أو إلى الصيام فيكون كفارة، وعلى ~~القيمة أولوا أقوال الصحابة على معنى أن القيمة الواجبة كانت مصروفة إلى ~~هذه الأجزية. # الجواب: # إن جميع ما قالوه محض قياس، والكتاب وإجماع الصحابة مقدمان عليه، وقد ~~بينا وجوه ذلك ولا مطمع في التأويل، لأن قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم}، يأتي التأويل بالتقويم، لأن التقويم بالنعم محال بالدنانير ~~والدراهم. # وقولهم: ((إن القيمة تكون مصروفة إلى النعم)). # يقال أولا: هذا ليس بشيء حتم على أصلكم، فإن عندكم لو تصدق بالدراهم ~~والدنانير التي هي القيمة جاز. # وأما عندنا فوجوب المثل حتم، وقد دلت الآية على الحتمية، لأن تقدير الآية ~~فعل جزاء مثل ما قتل من النعم، ولأن عندكم يدخل النعم في هذا الجزاء عند ~~اختيار من عليه ذلك وصرف القيمة إليه وهذه زيادات لا يدل عليها ظاهر الآية ~~بوجه ما. # وأما تأويل إجماع الصحابة فقد بينا فساده. PageV02P339 # وأما الذي قالوه واعتقدوه من كون القيمة مثلا معنى، فالقيمة لا تكون مثلا ~~بحال، وذوات الأمثال مختلفان وذوات القيم لا تكون مثله بحال. # وأما قولهم: ((إن المماثلة خلقة وصورة لم توجد)). # قلنا: توجد ببعض الوجوه ولم توجد من كل الوجوه، وقد بينا أن على الوجه ~~الذي يوجد تعطيله. والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P340 ### || AUTO (مسألة) # إذا دل المحرم محرما آخر أو حلالا على صيد فقتله المدلول لم يجب الجزاء ~~على الدال # عندنا. # وعندهم: يجب. # لنا: # ما روى عن ابن عمر مثل مذهبنا، ولأن الله تعالى علق الجزاء بفعل القتل ~~بقوله تعالى: {من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم}. PageV02P341 # والدلالة ليست بقتل، والأولى أن يقال: علق الجزاء والاصطياد والدلالة ~~ليست بقتل ولا هو اصطياد. # ودليل تحريم الاصطياد في ضمن قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}. # يبينه: أن الله تعالى قال: {وحرم ms316 عليكم صيد البر ما دمتم حرما} أي اصطياد ~~صيد البر. # والدليل على أنه ليس باصطياد أن الصيد لا يكون له بل يكون للمدلول. # ونقول أيضا: دلالة على إتلاف محل مضمون فلا يكون سببا لضمان المحل. # دليله: إذا دل على قتل مسلم فإنه لا ينبني عليه سوى الإثم. # يدل عليه: أن نهاية ما في الباب أنه سبب لقتل الصيد والقاتل باشر القتل ~~باختياره فتقطع حكم الدلالة التي هي سبب، مثل ما لو حفر بئرا فجاء إنسان ~~وردي فيه إنسانا فإنه لا ضمان على الحافر وإنما يجب على المردي. # فثبت أن المباشرة تقطع حكم السبب وإذا انقطع حكم السبب التحق بالعدم فلم ~~يجب به شيء، والتحرير واجب باسم الكفارة فلا تجب بالدلالة. # دليله: كفارة القتل وتأثيره ما سبق. # وأما حجتهم: # رووا عن ابن عباس: ((أنه أوجب على الدال الجزاء)). PageV02P342 # قالوا: وعن عمر مثله، وكان شاور فيه عبد الرحمن بن عوف. # أما المعنى: # قالوا: الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام فيكون سببا لوجوب الكفارة ~~في الجملة. # دليله: الأخذ. # دليله: سائر المحظورات، والدليل على أنها من محظورات الإحرام، أن الدلالة ~~محرمة عليه بالإجماع وقد صارت محرمة بالإحرام بدليل أنه إذا حل زالت ~~الحرمة. # ودليل الحرمة أيضا أن الدال فلا يجوز له الأكل من الصيد، وصورته محرم دل ~~حلالا على قتل صيد فقتله حرم على الدال أكله، فعرفنا أن الدلالة من محظورات ~~الإحرام فصارت سببا لوجوب الجزاء، وهذا لأن الكفارة وجبت بجناية على إحرامه ~~بارتكاب محظوره، وقد وجد هذا في مسألتنا فوجب الجزاء. # وأما تحقيقهم في المسألة: # قالوا: تحريم القتل والاصطياد معلول بإزالة أمن ثبت للصيد بالإحرام، ~~والدلالة في إزالة الأمن عن الصيد بمنزلة الرمي والأخذ، لأن أمنه عن الصائد ~~في حالته تلك بتواريه عن عين الصائد، ألا ترى أنه لا يبقى آمنا PageV02P343 # في تلك الحال بعد علمه به، وإنما يكتسب أمنا آخر بفوته والفرار الذي يحدثه. # يبينه: أن الخلاف في الطير والفرخ والبيض واحد، ولا يأمن البيض عن الصائد ~~بعد علمه به، فثبت أن ms317 الأمر يزول بالدلالة وإذا كان وجوب الجزاء معلولا ~~بإزالة الأمن وقد زال ذلك بالدلالة فوجب بها الضمان، وشبهوا هذا بالمودع ~~إذا دل السارق على سرقة الوديعة حين سرقها يجب عليه الضمان، وكذلك إذا ترك ~~الحفظ صار جناية في حقه على الخصوص، كذلك المحرم قد التزم هذا الأمر، وإذا ~~تركه صار جناية في حقه على الخصوص. # قالوا: ولا يلزم إذا دل على الصيد فلم يأخذه المدلول حيث لا يجب عليه شيء ~~بنفس الدلالة، لأنه إذا لم يأخذه المدلول عاد الأمن إلى الصيد فصار كما لو ~~أخذ الصيد ثم أرسله سقط عنه الضمان لما ذكرنا. # قالوا: وأما إذا دل/ عليه ثم رجع عن الدلالة ونهاه عن أخذه لا يبرأ عن ~~الضمان لأن زوال الأمن كان بعلم الصائد بمكانه وذلك السبب قائم وإن رجع هو ~~عن دلالته ونهاه عن الأخذ فلم يبرأ عن الضمان. # قالوا: وكذلك نقول في المودع إذا مكن السارق من أخذ الوديعة ثم نهاه ~~باللسان لا يبرأ، وإنما يبرأ إذا حفظه باليد فعجز، لأنه لما أثبت اليد عليه ~~فقد عاد إلى المال ما كان ثابتا من قبل وهو الحفظ المؤمن للوديعة فبرئ عن ~~الضمان الواجب بإزالة أمن الحفظ فقياس هذا من مسألتنا أن لو ذهب الدال ~~وأخفى الصيد بأن كان بيضا أو فرخا فأخفاه من المدلول فإنه يبرأ عن الضمان ~~في هذه الصورة. # دليله: مسألة الوديعة وتقريره وبيان وجه تأثيره ما سبق. PageV02P344 # قالوا: وليس كالدلالة على قتل المسلم، لأن دم المسلم وماله غير مضمون ~~أمانه على أحد ولا حفظه حتى يقال يجب الضمان بإزالة الأمن أو ترك الحفظ. # فإن قلتم: ((مضمون بعقد الإسلام)). # قال: ليس في الإسلام ضمان شيء من هذا الباب إنما يجب عليه بحق الدين أن ~~لا يؤذي مسلما، فلا جرم وجب بتركه الجزاء الذي هو بمعصية الله تعالى على ~~الإطلاق، وذلك الإثم وإذا لم يكن فيه ضمان فكان الواجب من الكفارة وغيرها ~~متعلقا بتعقد يقع على العين، والدلالة ما اتصلت بالعين جناية عليه وإنما ~~يتصل بالعين مباشرة ms318 الأخذ أو الإتلاف، وإذا كان المباشرة والأخذ مختارين في ~~الإتلاف والأخذ كانت إضافة السبب مقصورة عليهما ولم تجب على صاحب الدلالة ~~فصار حرفهم في المسالة: أن ترك الحفظ سبب ضمان العين بضمان الحفظ وإزالة ~~الأمن سبب ضمان العين بضمان الأمن فالأول في الوديعة، والثاني في الإحرام، ~~ومثل هذا لا يوجد في عقد الإيمان فبقى مجرد ارتكاب المعصية بالدلالة على ~~المعصية، وأما الضمان فكان مقصورا على من يوجد منه العدوان المتصل بالعين. # قالوا: وأما جزاء صيد الحرم يجب على وجه البدل على المتلف، ولهذا يدخل ~~فيه الصوم، وهذا لأنه لم يوجد عقد ولا التزام أمان حتى يصير بالقتل جانيا ~~على عقده، وإنما الله حرم هذه الصيود في الحرم لمحض حقه أو لحق الصيد على ~~ما سبق. # وإذا أتلفه كان الواجب عليه بدل المتلف لحق الله تعالى. وفي مسألتنا إنما ~~تجب الكفارة على وجه الجزاء على ارتكاب المحظور ولهذا دخل فيه الصوم، وهذا ~~لأن الواجب إذا كان في مقابلة المحل لا يجوز أن يدخل فيه الصوم، لأنه لا ~~مماثلة بين الصوم والمحل، وأما إذا كان جزاء عن ارتكاب PageV02P345 # محظور يجوز أن يدخله الصوم، لأن الصوم يصلح أن يكون واجبا عن ارتكاب ~~محظور ولأن الصوم حسنة وارتكاب المحظور سيئة، والله تعالى قد شرع الحسنات ~~مذهبة للسيئات، وإذا كان الواجب في صيد الحرم على طريق البدل عن المتلف لم ~~يجز أن يجب ضمانات عن متلف واحد، وإذا وجب على المباشر بارتكاب المحظور ~~بقتله لم يجز أن يجب على الدال. # وفي مسألتنا لما كان الواجب جزاء على ارتكاب محظور يجوز أن يجب على ~~المباشر بارتكاب المحظور بالقتل، ويجب أيضا على الدال بارتكابه المحظور ~~بدلالته، لأن كل واحد منهما مرتكب محظور. # وقال أبو زيد في ((الأمالي)) جوابا عما إذا دل ولم يقتل المدلول: إن ~~الضمان من حيث إنه وجب بارتكاب محظور يكون كفارة وجزاء عن الجناية، ومن حيث ~~إنه لم يجب جزاء عن صيد مضمون يجب بدلا عنه فيجب بالطريقين جميعا كفارة ~~وبدل، فمن حيث إنه ms319 يدل لم يجز أن يجب إذا كان المبدل سليما على حاله ولا ~~يجب إلا بعد فوته، ومن حيث إنه كفارة يجوز أن يجب إذا فات المبدل على ~~القاتل لإتلافه بدلا عنه، وعلى الدال الكفارة بجنايته على إحرامه. # الجواب: # أما الآثار عن الصحابة: # فقد روينا عن ابن عمر مثل مذهبنا، وعليه يدل القياس الجلي. # وأما قولهم: ((إن الدلالة من محظورات الإحرام)). # قلنا: أما إذا دل محرما على الصيد ليقتله فإنما كان محظورا لأنه دلالة PageV02P346 # على المعصية، والدلالة على المعصية معصية، وهو مثل أن يدل ظالما على مسلم ~~ليقتله. # وأما إذا دل حلالا على صيد ليقتله فإنما كانت الحظرية بالنص وهو حديث أبي ~~قتادة المعروف: ((أنه كان في رهط في المحرمين وكان حلالا فمر به حمار وحشي ~~فشد لعيه وقتله وجاء به إلى أصحابه فأبوا أن يأكلوا حتى يسألوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فلما سألوه قال: هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل دللتم؟ قالوا: ~~لا، قال: فكلوا)). # ولولا هذا النص لا تجب الدلالة ولا يجب الأكل أيضا، فسلم هذان الحكمان في ~~هذه الصورة/ للنص، فأما في الصورة الأولى فمجرد الدلالة على المعصية، بدليل ~~الدلالة على قتل المسلم ليقتله المدلول. # وأما قولهم: ((إنه بعقد الإحرام التزام أمان الصيد)). # قلنا: يجوز أن يقال إنه ما التزم شيئا بعقد الإحرام إنما هو شارع في حج ~~عليه أو حج متنقل به، وإنما الله تعالى حظر عليه أشياء في عقدة PageV02P347 # الإحرام فنظرنا إلى المحظور فوجدناه بالقتل ثم نظرنا فوجدنا واجب القتل ~~لا يجب بالدلالة على القتل بحال، وعلى أنا إن سلمنا أنه التزام الأمان في ~~حق الصيود ولكن عن القتل والاصطياد ولم يوجد واحد واحد منهما. # قالوا: ((بل التزام كل ما ينافي أمانه)). # قلنا: لا، بل القتل متعين، لأن الشارع نص على القتل، وغير القتل لا يحرم ~~تحريم القتل، وأما حظرية الدلالة كانت بالوجه الذي قدمنا ثم نقول: إذا كان ~~الواجب بارتكاب المحظور فأوجبوا الجزاء وإن لم يقتل المدلول. # وقولهم: ((إنه إذا لم يقتل المدلول عاد الأمان)). ms320 # قلنا: هذا أضعف كلام يكون، لأن جنايته على إحرامه قد تحققت من حيث ~~الدلالة وتخويف الصيد قد وجد وهو جناية مستقلة بنفسها فوجد وإن لم يتصل به ~~القتل بدلالة أن الإثم في هذه الصورة على الدال مثل الإثم عند اتصال القتل ~~بالصيد فينبغي أن تجب الكفارة وحين لم تجب عرفنا أن الدلالة غير موجبة ~~للجزاء بحال. # أما عذرهم الأخير في سلوك طريقة الشبهين. # فهذه طريقة يسلكها هذا القائل في كثير من المسائل، وهي بعيدة عن مناهج ~~الفقهاء، لأن حق الفقيه ترجيح أحد الشبهين على الآخر ومداخلة المعاني ~~الصحيحة على أصول الشرع ليتبين له قطع الحادثة عن أحد الشبهين وإلحاقها ~~بالشبة الآخر وإنما سلوك طريقة الشبهين نوع عجز يعدم صاحب المعنى، وعلى أنا ~~نقول: إن الضمان عن الحيوان المضمون يكون بدلا عنه كضمان الشاة والبقرة ~~ونفس المسلم. PageV02P348 # والدليل عليه: أن الواجب يتقدر بقدر المتلف. # أما عندنا باعتبار المثل خلقة، وعندهم باعتبار القيمة، وأبدال المتلفات ~~يتقدر بقدر، فأما الكفارات فلا. # وأما الحظرية فكانت، لأن المتلف ليس له بحق له مثل مال الغير، وكذلك نفس ~~المسلم فحظر الفعل لهذا المعنى ثم الواجب بدل، لأن المتلف حيوان مضمون، ~~والواجب بإزاء الحيوان المضمون لابد أن يكون بدلا عنه. # وأما دخول الصوم إنما كان، لأن الواجب لله تعالى، والصوم يكون بدلا في حق ~~الله تعالى، وأما ضمان المال والنفس فإنما وجب لحق الآدمي فلا يستقيم أن ~~يجب الصوم بدلا عن حق الآدمي فلهذا افترقا. # وأما فصل الوديعة فنقول: المودع في تلك الصورة لا يضمن بالدلالة بدليل ~~أنه لو رأى سارقا يسرق الوديعة أو غاصبا يأخذه فلم يمنعه يجب عليه الضمان ~~ولا دلالة له ههنا. # وفي مسألتنا: لو رأى واحدا يقتل صيدا فلم يمنعه لا شيء عليه، وكذلك في ~~الوديعة لو نهى بعد الدلالة يسقط الضمان، وفي مسألتنا قد قلتم: إنه وإن نهى ~~بعد الدلالة لا يسقط الجزاء وقد اعتذروا عن هذا الفصل. # والأول معتمد، وهذا لأن المودع بعقد الوديعة ضمن حفظ الوديعة، لأنه عقد ~~معقود على ms321 الحفظ وحين دل أو تركه حتى سرق فقد ترك الحفظ فإنما ضمن لهذا ~~المعنى. # والفقهاء قد سموا الضمان الواجب على المودع بهذا السبب ((ضمان تضيع)) ~~وجعلوا المودع مضيعا بما فعله وضمان الحفظ يضاد التضيع فكان التضيع موجبا ~~للضمان بهذا الوجه. # وأما المحرم لم يلتزم حفظ الصيود حتى يضمن بترك الحفظ. PageV02P349 # وقولهم: ((إلتزام الأمن)). # فقد أجبنا عن هذا. # يبينه: أن التزامه الأمن للصيود مثل التزام المسلم أمن الناس عن أذاه ~~بإسلامه. # وقال النبي عليه السلام: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)). # وقولهم: ((إن هناك لم يلتزم)). # قلنا: إن عنيتم نص الالتزام فلم يوجد في الموضعين، وإن عنيتم دليل ~~الالتزام ووجود الحظرية فقد وجد في الموضعين بلا فرقان ثم نقول: المودع لما ~~أمكنه الحفظ حتى لا يأخذه السارق فصارت قدرة السارق على الأخذ بترك الحفظ، ~~لأنه لو حفظه لم يقدر عليه فصار ترك الحفظ هو السبب في الأخذ، ألا ترى أنه ~~يمكنه أن يحفظ مع أخذه. # فأما الدلالة بعد علم المدلول لا يكون سببا لأخذ الصائد فإنه بعد دلالته ~~يتوصل الصائد إلى الصيد بقدرته واختياره فلم تبق دلالته جناية على الصيد ~~حين الأخذ، وفي مسألتنا ومسألة المودع بقى ترك الحفظ جناية على الوديعة عند ~~الأخذ فافترقا معنى، والله أعلم بالصواب. # * * * PageV02P350 ### || AUTO (مسألة) # المحرم إذا قتل ما لا يؤكل لحمه من السباع/ وسائر الحيوانات لا يجب عليه الجزاء # . # وعندهم: يجب إلا في الخمس الفواسق وألحقوا الذئب، وإن لم يرد بها الخبر. # لنا: حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي عليه السلام ~~قال: ((خمس من الدواب لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحرم: العقرب، ~~والفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور)). PageV02P351 # (قال ابن عيينة: الكلب العقور: كل سبع يعقر وقد دعا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على عتبة بن أبي لهب: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، فافترسه ~~الأسد). # وروى ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري هذا الحديث وزاد فيه أن النبي عليه ~~السلام قال: ((والكلب العقور ms322 والسبع العادي)). # رواه أبو داود في سننه، وروى هذا الحديث (أبو عيسى) في جامعه، واللفظ: ~~((يقتل المحرم السبع العادي ثم قال: وهو حديث حسن)). # والخبر الثاني نص. # والاستدلال بالخبر الأول حسن. # وقول ابن عيينة في نهاية الحسن. # فإن حملوا الحديث على حال الاعتداء فهو باطل، لأنه إذا كان المراد من ~~الحديث هذه الحالة لم يكن لتخصيص الذكر معنى، لأن غير السبع يكون بمثابته ~~وذلك مثل جمل الصائل وحمار الوحش إذا عدى أو أشباه ذلك. # ومن جهة المعنى نقول: سبع مؤذي بطبعه فيجوز للمحرم قتله ولا شيء عليه. PageV02P352 # دليله: الذئب، والقياس في الذئب في غاية القوة، لأن النص لم يأت به في ~~خبر ما، وإنما أبيح قتله لأنه سبع عادي وكذلك في سائر الحيوانات، وهذا لأن ~~هذا الحيوان إذا كان مؤذيا بطبعه عاديا بجبلته فيكون قتله في الحقيقة دفعا ~~لأذاه فصار كما لو قصد المحرم فقتله المحرم فإنه لا يكون عليه شيء، فكذلك ههنا. # ويدل عليه: أن طبيعته باعثة له على الأذى فصار كما لو تحقق منه الأذى، ~~وهذا كالكفار المحاربين يجوز قتلهم لمحاربتهم فلو لم يحاربوا يجوز قتلهم ~~ابتداء، لأن كفرهم حامل إياهم على الحراب والقتال، فصار كما لو تحقق منهم ~~الحراب والقتال. # وأما حجتهم: # تعلقوا بقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} وهذه الحيوانات صيود، ~~لأن كل مستوحش ممتنع صيد، ولأن كل حيوان جاز اصطياده لنوع منفعة فهو صيد، ~~فهذه الحيوانات وإن كانت لحومها لا تؤكل فيجوز اصطيادها لجلودها أو ~~للإنتفاع بعظامها وشعورها، وإذا جاز الاصطياد لمنفعة مطلوبة كان صيدا. # قال الشاعر: # صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدك الأبطال # فقد جمع بين الأرانب والثعالب لا تؤكل)، فدل أن الصيد لا يختص بما يؤكل ~~لحمه. PageV02P353 # قالوا: وأما الأذى فلا يوجد من هذه السباع سوى خمس الفواسق إلا على ~~الندور فلأنها تبعد في العادة عن الناس وليست بحيوان يساكن الناس ولا هي ~~تكون بقرب من العمرانات فيقل منها الأذى ولا يكثر بخلاف الخمس الفواسق، لأن ~~الحية والعقرب والفأرة مما يساكن ms323 الناس في بيوتهم، وكذلك الكلب يكون فيما ~~بين الناس ويؤذيهم والغراب والحدأة والذئب تطوف حول العمرانات فيوجد منها ~~أدى الاستلاب، ولأن الذئب في العادة يكون يقصد أغنام الناس وأطفالهم فيكثر ~~الأذى من هذه الحيوانات، وأما ما سواها من السباع فلا يكثر عادة، وإنما ~~يوجد نادرا فلا يلحق بالخمس الفواسق، وهذا إنما يلحق بها إذاكان في معناها ~~فإذا لم يكن في معناها فلا، وقد بينا أنها ليست في معناها، وأما الذئب ~~فإنها في معنى الخمس الفواسق فألحقت بها. # الجواب: # أما دعواهم أن هذه الحيوانات صيود. # فلا نسلك ذلك، وعندنا الصيد كل حيوان يؤكل لحمه، فأما ما لا يؤكل لحمه ~~فلا يؤكل صيدا بحال. # قالوا: فقد كانت هذه الحيوانات مأكولة عند العرب، لأنهم كانوا يأكلون كل ~~ما دب ودرج إلا أم حبين فكانت صيودا عندهم ثم جاء الشرع بالتحريم بعد ذلك ~~فكان الشرع مغيرا للأحكام دون الأسامي فبقى اسم الصيد على ما كان من قبل. # قلنا: العرب لا تعرف الصيد إلا مأكول اللحم، وقد روي عن ابن PageV02P354 # أبي عمار أنه قال لجابر في الضبع: أصيد هو؟ قال: نعم، قال: عن رسول الله؟ ~~قال: نعم. وإنما كان السؤال كان عن حل الأكل وذكره باسم الصيد، وإذا كان ~~اسم الصيد عندهم لمأكول اللحم فإذا لم يكن مأكولا لا يكون صيدا. # وقولهم: ((إن الشرع غير الحكم دون الاسم)). # قلنا: الإسلام التي يبني عليها الأحكام إنما يعتبر فيها مورد الشرع لا ~~مورد اللغة. # وأما قولهم: ((إنه حيوان متوحش ممتنع)). # قلنا: قد تركتم وصفا آخر وهو أن يكون مستوحشا ممتنعا مأكول اللحم. # وقولهم: ((إن كان ما يصطاد فهو صيد)). # قلنا: الناس لا يقصدون بالصيد إلا مأكول اللحم/ فأما غيرهم فإن قصدوها ~~فإنا يقصدونها لا لاصطياد لكن لدفع الأذى، وأما المنافع التي ذكروها من ~~الانتفاع بالجلود والشعور وغير ذلك فهو اتباع اللحوم ولا يعتبر ذلك على ~~الانفراد وقد ذركنا هذا في كتاب الطهارة في الأوساط. # وأما الذي قالوا: ((إن الأدى لا يكثر من هذه الحيوانات عادة)). # قلنا: نحن ms324 نعمل قطعا أن الأسود والنمور يقصدون من يقدر عليه من PageV02P355 # بني آدم فإن تركت القصد مع القدرة فذلك نادر، ولهذا المعنى تسمى سباعا ~~عادية يعني أنها تعدو على الناس ويقصدونها بالأذى. # يبينه: أن قصد الحيات ربما يكون أقل من قصد الأسود والنمور وما يشببهها ~~ومع ذلك يباح قتلها. # وقولهم: ((إنها تبعد من الناس)). # قلنا: هذا أمر يختلف، فإنها قد تقرب وقد تبعد فلا يجوز بناء الحكم على ~~هذا الدنا فإنها تبعد تارة وتقرب أخرى فلا يعتبر ذلك وإنما يعتبر قصده من ~~يقدر عليه وهذا موجود في السباع، والله تعالى أعلم بالصواب. # * * * PageV02P356 ### || AUTO (مسألة) # جماعة محرمون اشتركوا في قتل صيد فعليهم جزاء واحد # عندنا. # وعندهم: على كل واحد جزاء كامل. # لنا: # ما روى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سأله جماعة قتلوا ضبعا عن الواجب ~~عليهم، قال: ((عليكم جزاء واحد)). # وأما المعنى: # نقول: ضمان حيوان معصوم يتقدر بقدر الحيون فيكون الواجب واحدا وإن تعدد ~~المتلف. PageV02P357 # دليله: إذا قتل جماعة صيدا في الحرم. # والفقه أن الضمان في مقابلة المتلف بدليلين: # أحدهما: لأن ضمانه لأمانه فإن الله تعالى أمن الصيود عن الحرمين كما أمن ~~الصيود في الحرم، والأمان في الحيوان المباح قتله يوجب الضمان بدليل أهل ~~الحرب، وإذا كان الضمان بهذا الطريق فلابد أن يكون في مقابلة المتلف. # والثاني: أن الواجب يقتدر بقدر المتلف، أما عندنا فإن الضمان بالمثل خلقة ~~يكون معدلا على قدر المتلف وصفاته، وكذلك على أصلكم تجب القيمة بقدر ~~المقتول حتى إذا كان المقتول حيوانا كبيرا يجب بقيمته وإن كان صغيرا يجب ~~بقيمته، والواجب المعدل بقدر المتلف لا يتضاعف بتعدد المتلفين. # دليله: سائر الضمانات. # ودليله: المقتول خطا أو عمدا. # وأما حجتهم: # قالوا: الواجب جزاء الجناية وجناية كل واحد منهم كامل فيجب عليه جزاء كامل. # دليله: إذا انفرد، وإنما قلنا: إن الواجب جزاء الجناية، لأن الواجب ~~كفارة، والكفارة جزاء الجناية لا لتمحيص الإثم مثل سائر الكفارات، ولهذا ~~كانت الكفارة بما هو عبادة، لأن العبادة سبب لتمحيص الآثام بدليل PageV02P358 # قوله تعالى: ms325 {إن الحسنات يذهبن السيئات}، وهذا لأن الإحرام عقد يوجب ~~تحريم أفعال عليه وتلك الأفعال محظورات هذا العقد فيصير بارتكاب المحظور ~~جانبا على إحرامه فيلزمه الجزاء ليكون في مقابلة جنايته، وهذا لأن ارتكاب ~~الجناية مخيل في إيجاب الجزاء الزاجر عنها. # ويدل عليه أن الصوم يدخل في جزاء قتل الصيد ولو كان الواجب على طريق بدل ~~المتلف وجب أن لا يكون للصوم مدخل فيه، لأن البدل واجب بشرط المماثلة ولا ~~مماثلة بين الصيد والصوم فثبت بما قلناه أن الواجب بإزاء الجناية ثم الدليل ~~على كمال الجناية كمال الإحرام وإذا كمل الإحرام فلابد من الحكم بكمال ~~الجناية، لأن كمال الإحرام يوجب كمال الحظرية وكمال الحظرية يوجب كمال ~~الجناية وكمال الجناية يوجب كمال الجزاء، وهذا كالجماعة إذا قتلوا واحدا ~~فإنه يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة كذلك ههنا، وكان المعنى ما بينا. # قالوا: وأما التعديل بالمحل فإنما كان كذلك، لأن هذه الجناية لها محل ~~فيكون قدرها بقدر المحل فعند زيادة المحل تزداد الجناية وعند نقصان المحل ~~تنتقص الجناية. # وأما استواء الكفارة في قتل الآدمي فإنما كان لأنها مقدرة شرعا فلا تزداد ~~ولا تنتقص، وأما ههنا فالواجب هو القيمة وإن كان جزاء الجناية فجاز أن ~~تنتقص وتزداد أخرى. # وقد سلك أبو زيد طريقة الشبهين وقال: إن الواجب يشبه جزاء PageV02P359 # الجناية من وجه ويبه بدل المتلف من وجه، وقد أشرنا إلى ذلك في المسألة ~~الأولى. # وقال أيضا: إن الواجب كفارة القتل، والجماعة إذا اشتركوا في تقل صيد مثل ~~الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد من بني آدم ثم هناك الموجود من كل واحد ~~قتل كامل، كذلك ههنا الموجود من كل واحد قتل كامل فإذا كمل القتل كمل ~~الكفارة، وبيان كمال القتل قد ذكرناه في ربع القصاص. # قالوا: وأما الجماعة إذا قتلوا صيدا في الحرم/ فإنه لا يجب عليهم جزاء ~~واحد، لأنه واجب على طريق البدل عن المتلف، والمتلف واحد فيكون البدل واحدا ~~وهذا لأنه لم يوجد منه عقد حتى يكون القتل جناية على العقد، وإنما ms326 الصيد في ~~الحرم أمن بأمان الله تعالى فإذا قتله وجب البدل لله تعالى مثل من قتل صيدا ~~مملوكا يجب الضمان لصاحب الملك. # وأما ههنا فإن هذا جزاء الجناية بدليل ما سبق. # قالوا: ولهذا لا يدخل الصوم في جزاء الصيد في الحرم ويدخل في جزاء الصيد ~~في الإحرام. # وربما يقولون: إن الواجب في صيد الحرم حق الصيد والواجب في صيد الإحرام ~~حق الله تعالى زجرا لا جبرا، لأن الجبر في حق الله تعالى لا يتصور. # الجواب: # قولهم: ((إن الواجب جزاء الجناية)). PageV02P360 # لا نسلم ذلك، بل الواجب بدل المتلف على ما سبق بيانه. # والأولى أن نقول: إن الواجب ضمان المتلف على جهة البدل وتضمن ذلك نوع ~~جزاء على الجناية، وهو كالقصاص عندكم ضمان المتلف بالمثل لكن تضمن الجزاء ~~على الجناية، وبيان هذا في ربع القصاص، وعلى أنا قلنا أنه بدل المتلف على ~~الإطلاق فيمكن تمشيته لما بينا أنه حيوان مضمون ولأنه ضمان معدل مقدر بقدر ~~المتلف. # أما قولهم: ((إنه يسمى كفارة)). # قلنا: لا عبرة بالأسامي وجزاء صيد الحرم كفارة، وقد سلموا أنه بدل المتلف ~~وعلى أنه يسمى كفارة، لأنه تضمن نوع جزاء على الجناية على ما سبق. # وأما قولهم: ((إنه يجب بارتكاب محظور)). # قلنا: هذا يوجد في صيد الحرم، ومع هذا قد سلموا أنه بدل، وعلى أن الدية ~~واجبة بفعل محظور أو بتقدير فعل محظور وهي بدل قطعا. # وأما كفارة قتل الآدمي فقد ذكر أبو علي الطبري صاحب ((الإفصاح)) قولا ~~للشافعي أن جماعة لو قتلوا واحدا لا يجب عليهم إلا كفارة واحدة، وعلى أن ~~هاك لا يمكن إيجابها على الأبعاض، ألا ترى أنها لا تجب بالجناية على بعض ~~الجملة بحال، وههنا يمكن إيجابها أبعاضا ألا ترى أنه PageV02P361 # يجوز أن يجب بالجناية على البعض وهو الطرف، ولأن الكفارة لما كانت جزاء ~~الجناية لم تتقدر ولم يعدل بقدر المتلف حتى إن المتلف صغيرا كان أو كبيرا ~~أو قليل القيمة أو كثير القيمة تكون الكفارة واحدة بخلاف مسألتنا على ما سبق. # وقولهم: ((إن الجناية تزداد ms327 بزيادة المحل وتنتقص بنقصان المحل)). # قلنا: إن كان هذا صحيحا فهلا قلتم في كفارة قتل الآدمي يكون هكذا؟ وأما ~~دخول الصيام فإنما كان لأن الواجب حق الله تعالى فلهذا دخل الصيام أو يجوز ~~ضمان حق الله تعالى بالصيام وإنما لا يجوز في حق الآدمي. # وأما قولهم: ((لا ممثالة بين الصوم والصيد)). # قلنا: العبرة بالمماثلة شرعا، والشرع في الابتداء أوجب المثل إذا أمكن ثم ~~إذا صار الأمر إلى القيمة على تدريج فقد حقق معادلة بين الصوم والطعام من ~~حيث الحكم لا من حيث الحس والمعقول، وعلينا الانقياد لذلك شئنا أو أبينا، ~~وعندنا يدخل الصوم في جزاء صيد الحرم أيضا. # وأما قولهم: ((إنه وجد من كل واحد منهم قتل كامل)). # فقد أجبنا عن هذا في القصاص، والله أعلم. # * * * PageV02P362 ### || AUTO (مسألة) # لا حصر إلا حصر العدو # عندنا. # وهذا اللفظ مروى عن ابن عباس وهو قول ابن عمر رضي الله عنهم. # وعندهم: يثبت الإحصار بالمرض كما يثبت بالعدو. # لنا: # حديث عكرمة عن ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي عليه السلام ~~وقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: ((نعم، قالت: كيف أقول؟ ~~قال: قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني)). PageV02P363 # (وفي الباب عن جابر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر). # والاستدلال أنه لو حل الخروج لم يكن للاشتراط معنى، وقد قال كل من يرى ~~الخروج بالمرض جائزا أن الاشتراط باطل. # وقد قال كل من لا يرى الخروج بالمرض جائزا بأن الاشتراط صحيح. # ولأن الإحرام عقد لازم في ذاته بدليل أنه لا يمكنه الخروج عنه باختياره ~~ولو جاز الخروج عنه بعذر لكان إذا خرج باختياره بغير عذر لصح خروجه ولكنه ~~يأثم مثل سائر العبادات. وهذا لأن عدم العذر تأثيره في التأثيم، والعذر ~~تأثيره في الإطلاق بلا إثم، فأما إمكان الخروج في الموضعين يكون واحدا فلما ~~لم يمكنه الخروج عنه إلا بطريقة المشروع عرفنا أنه عقد لازم بعينه وإذا كان ~~لازما بعينه فالأصل أن كل ما يمكنه الصبر عليه حتى PageV02P364 # ينقضي يلزمه ms328 الصبر عليه ثم إذا مضى خرج عن الإحرام بطريقة المشروع محافظة ~~على لزومه بعيه والمريض يمكنه أن يصبر عليه حتى يبرأ، وكذلك في حصر العدو ~~يمكنه أن يحارب حتى يجد المسلك أو يصبر حتى ينصرف العدو إلا أن في العدو ~~جاز التحلل بنص الكتاب/ والسنة والمرض ليس بمنزلته لا صورة ولا معنى. # أما الصورة معلومة، والمعنى فلأن الخوف من العدو يزول بالتحلل، والمسألة ~~مصورة في مثل هذا الموضع وهو أن يكون العدو مانعا من المضي على وجهه وإذا ~~رجع من وجهه إلى وطنه لم يتعرض له وهو مثل ما كان في حق الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - بالحديبية حتى قال الأصحاب: # لو لم يكن على هذا الوجه أو كان العدو من الجوانب كلها لا يجوز له التحلل ~~والخوف من المرض لا يزول بالتحلل. # وقد قال الأصحاب في العبارة عن هذا: حال لا يفارقه بالإحلال فلا يطلق له ~~التحلل. # دليله: الضلال، وهذا لأن الله تعالى أباح التحلل عند إحصار العدو ولينجو ~~عن شر العدو بالرجوع فلم يجز قياس المرض عليه، لأنه لا نجاة من شر المرض ~~بالرجوع وهو أيضا دونه، لأن العدو إذا كان على الطريق لم يمكنه المضي على ~~وجهه أصلا، وفي المريض يمكنه المضي على وجهه إلا أنه بمشقة. # والحرف هو الأول وهو أن إباحة التحلل للخلاص من العدو ولا خلاص من المرض ~~بالتحلل فلم يكن مثله ولم يطلق له الخروج إلا بشرط زائد وهو شرط التحلل ~~فيفوت اللزوم بهذا الشرط شرعا، لأنه كان اللزوم بإطلاق الإحرام شرعا فيفوت ~~شرطه شرعا كالبيع لا يلزم مع العيب ويلزم مع الجهل بالجزء فإذا شرط العلم ~~بالجزء عند العقد التحق بالعيب حتى إذا لم يكن له علم بها PageV02P365 # يرد العلم على بائعها وكان ذلك لأن الجهل بالجزء دون العيب فلم يلتحق به ~~في حكمه إلا بشرط مقرون بالعقد، كذلك ههنا. # وأما حجتهم: # (تعلقوا بظاهر قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}. # قالوا: والإحصار هو المرض، يقال: أحصر بالمرض وأحصر بالعدو.) وذكره ms329 ثعلب ~~في فصيح الكلام، وذكره الزجاج في معاني القرآن. فصار نص القرآن متناولا لكل ~~واحد منهما بل تناوله للمرض أظهر وأبين. # قالوا: وروى الحجاج بن عمر أن النبي عليه السلام قال: ((من كسر أو عرج ~~فقد حل وعليه حجة أخرى))، رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو، وقال عكرمة: قد ~~ذكرت ذلك لابن عباس وابن عمر فقالا: صدق. PageV02P366 # والمعنى أن المرض سبب لمنعه من المضي في موجب إحرامه فيفيد له الإحلال ~~قياسا على العدو، وإنما قلنا إنه يمنعه، لأن الخلاف في مرض مقعد يقعده عن ~~الذهاب والركوب أو ضلا أو منعه إلا بزيادة مرض فأباح له الشرع التحلل وإن ~~أمن تلك الزيادة. # قالوا: وهذا المعنى معقول، وهو إذا عجز عن المضي على وجه ازداد مدة ~~الإحرام لأنه لابد من الصبر مدة المرض في الإحرام ثم إذا برأ من المرض لابد ~~من الذهاب وفعل العمرة إن كان محرما بعمرة وإن كان محرما بحجة فلابد من ~~الصبر مدة المرض ثم إذا عوفي وقد فاته الحج فلابد من التحلل من الحج ~~بالطواف والسعي كما يتحلل فائت الحج في سائر المواضع فيحتاج إلى مدة طويلة ~~في الإحرام وفي زيادة مدة الإحرام زيادة لزوم مشقة تلحقه من جنس ما التزم ~~بأصل الإحرام فالشرع جعل له خيار المخلص عن هذه الزيادة بفسخ الأصل ترفيها ~~له ورحمة عليه ثم مثل هذا قد يؤثر في إطلاق فسخ العقود اللازمة مثل البيع ~~فإن المشتري إذا لزمه زيادة ثمن على ما سمي ثبت له الخيار وذلك بأن يجد ~~عيبا بالمبيع فإنه التزم الثمن بإزاء جميع أجزاء المبيع فإذا كان بعض أجزاء ~~المبيع فايئا فصار حصته من الثمن تلزمه على سبيل لم يرض به فثبت له الخيار، ~~كذلك ههنا، وهذا لأن الإحرام PageV02P367 # لازم بعينه في الجملة محتمل للفسخ مثل المبيع سواء فصار حكمه مثله على ~~الوجه الذي قلناه. # قالوا: وأما إذا ضل الطريق فعندنا المحصر لا يتحلل إلا بهدى ينحر عنه. ~~وفي المرض وحصر العدو نجد هذا، ومن ضل الطريق لا يجد ms330 من يبعثه وإن وجد لزمه ~~الذهاب معه لأنه يهديه إلى الطريق فيزول العذر حتى إذا كان الرجل راعيا ~~بحيث يمكنه أن يبعث معه الهدى ولا يمكنه الذهاب معه وهو لا يعرف الطريق ~~بنفسه فإنه يتحلل ويبعث بالهدى مثل مسألتنا سواء. # قالوا: وأما عدم مفارقة المرض إياه ومفارقة العدو لا تعتبر ولا توجب ~~الفرقان بعد أن ظهر العجز وتحقق في الوجهين جميعا. # فصار حرفهم أن المبيح للتحلل عند حصر العدو ليس هو مفارقة الحال بالإحلال ~~لكن المبيح زيادة مدة الإحرام عليه وذلك يزول بالتحلل في الموضعين، وعلى ~~أنكم جعلتم مفارقة الحال بالإحلال علة التحلل، ونحن نقول: إن صح هذا فقد ~~جعلتم عدمه علة لعدم الحكم، وبالإجماع عدم العلة لا يوجب عدم الحكم بل يبقى ~~موقوفا على قيام الدلالة، كما كان قبل العلة فصار/ حقيقة ما قلتموه احتجاجا ~~بلا دليل. # الجواب: # إن الأمة أجمعت على أن الآية نزلت في حصر العدو، والدليل القطعي عليه ~~قوله تعالى: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج}. # وأيضا يقال: أمن من العدو، وفي المرض يقال: برأ وعوفي منه. PageV02P368 # وقد ذكر الفراء أنه يقال: أحصر من العدو والمرض جميعا، وكذلك أشار القتبي ~~إليه، وإذا كان اللفظ صالحا لهما كان متعينا في حصر العدو بإجماع المفسرين. # وأما الخبر: قلنا: روى عكرمة وحجاج بن عمرو، وعبد الله بن رافع ذكره معمر ~~ولم يذكره عكرمة في هذه الرواية فيوجب هذا وهنا في الحديث. وعلى أنه محمول ~~على ما إذا كان شرط أن محله حيث يحبسه، ألا ترى أنه قال: ((فقد حل)) فإنما ~~يحل بغير تحلل في هذه الصورة. # وأما الذي قالوا من ((زيادة مدة الإحرام)). # فمن ضعيف، لأنه بإحرامه التزم مواجب إحرامه طالت المدة أو قصرت إلى أن ~~يتحلل على قضية إحرامه، وهذا لأن هذه العوارض غير مأمونة من مرض وعدو وغير ~~ذلك فيحن أطلق الإحرام من غير اشتراط فقد التزم مواجبه على علاته وحالاته ~~فتوهم زيادة مدة الإحرام لا تجوز له أن يطلق له الخروج، ولأنه كيف يستقيم ~~التعليل ms331 بهذا، وعندكم إذا تحلل يلزمه حجة وعمرة؟ فلا يجوز أن يباح له ~~التحلل للفرار من وجوب زيادة لم PageV02P369 # يلتزمها ثم يكون التحلل موجبا زيادة نسك في الأصل هو فوق زيادة المدة، ~~فدل أن ما ظنوه علة ضعيفة. # وأما البيع لا يشبه الإحرام، ألا ترى أنه يشترط ما يفسخ به البيع عند ~~فقده من صفة الخبر والكتابة فيصح شرطه، ومثل هذا الشرط لا يصح في الحج ~~عندهم بحال فثبت أن التحلل لحصر العدو ليس إلا بالنص والمرض مخالف له على ~~ما سبق. # والذي اعترض به على ما قلناه، ليس بشيء، لأنه مآل كلامه أنه يتخلص ~~بالتحلل من زيادة مدة الإحرام، وقد ذكرنا فساد هذا المعنى. # والذي قالوا: ((إن العدم لا يكون علة)). # قلنا: نحن لم نجعله علة لكن بينا المفارقة بين عذر العدو وعذر المرض وقد ~~تبين .. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. # * * * # ((تم ربع العبادات بحمد الله تعالى وحسن توفيقه في أواخر شوال من شهور ~~سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، والله المستعان على إتمامه بمنه ولطفه. # الحمد لله وصلواته على الأنبياء الطاهرين وخص محمدا بأفضل التحية والسلام ~~وآله أجمعين، وحسبنا الله ونعم المعين)). # * * * ms332