######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001304 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: السمعاني #META# 010.AuthorNAME :: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 489 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواطع الأدلة في الأصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: قواطع الأدلة في الأصول #META# 030.LibURI :: JK_001304 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1418هـ- 1997م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV01P001 | 1 | PageV01P001 # قال الشيخ بسم الله الرحمن الرحيم # وهو حسبي وكفى رب يسر ولا تعسر # الحمد لولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خليقته محمد وآله # أما بعد فإني رأيت الفقه أصل العلوم وأشرفها قال الله تعالى @QB@ فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون @QE@ التوبة 122 أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وجعله ~~فرضا على فرق الناس قاطبة ليقوم طائفة من كل فرقة به وينتصبوا في قومهم ~~منصب الانبياء في اممهم منذرين ومحذرين دعاة إلى الله تعالى قائمين بدينه ~~ياتين سبيله موضحين للخلق نهجه فصار الفقهاء خلفاء الرسل انذارا وتحذيرا ~~وارثى علومهم قياما به وحملا سالكى طريقتهم بثا ونشرا وهذه مرتبة لاتوجد ~~لفرقة من الفرق وناهيك بها من مرتبة ولان علم الفقه علم على منهج الازدياد ~~لانه العلم باحكام الحوادث ولاحصر ولاحد للحوادث ولاحصر ولاحد للعلم ~~باحكامها ومواجبها وعلم الاصول في الديانات وان كان علما شريفا في نفسه وهو ~~اصل الاصول وقاعدة كل العلوم ولكنه علم محصور مبناه لانه معارف محصورة امر ~~الله تبارك وتعالى بها لامزيد فيها ولا نقصان منها واما علم الفقه فعلم ~~PageV01P017 مستمر على ممر الدهور وعلى تقلب الاحوال والاطوار بالخلق لا ~~انقضاء وانقطاع له وقد جعل الله تعالى اجتهاد الفقهاء في الحوادث في مدرج ~~الوحى في زمان الرسل صلوات الله عليهم فقد كان الوحى هو المطلوب فى زمان ~~الرسل عليهم السلام كشان احكام الحوادث وحمل للخلق عليها فحين انقطع الوحى ~~وانقضى زمانه وضع الله تبارك وتعالى الاجتهاد من الفقهاء فى موضع الوحى ~~ليصدر منه بيان أحكام الله تعالى ويحمل الخلق عليها قبولا وعملا ولا مزيد ~~على هذه المنقبة لا متجاوز عن هذه المرتبة # ( شاء وزاد الله جنته سؤددا % وذلك مجد يملأ الحجر واليدا ) # نعم وما يشبه الفقيه الا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر في بحر فطنته ~~استخرج درا وغيره يستخرج بالخراز وطالب الزيادة في منهج الزيادة معان منصور ~~مطالب الزيادة على مالايزيد عليه مبعد ms001 مخذول والله تعالى يفتح عين بصيرة من ~~احب عباده بطوله وفضله ويعمى عين من يشاء بقهره وعدله وقد سبقت منى مصنفات ~~في مسائل الخلاف التي هي بيننا وبين اصحاب الراي نبهت فيها على معاني الفقه ~~واستخرجت لطالبيها قلائد وقرائد طالما كانوا في طلبها فاعتاصت عليهم إلى ان ~~يسر الله ذلك وتمهدت له قواعدها وطابت لهم مشارعها ونسقت معاني الفقه نسوقا ~~وتعرقت عروقا اظن ان لامزيد عليها ولامحيد للمحققين عنها وقد كان جماعة من ~~اصحابي احسن الله تعالى لهم التولي والحياطة يطلبون مجموعا في اصول الفقه ~~يستحكم لهم بها معانيه ويقوى افرعها ويجتمع اشدها وينسق فروعها ويرسخ ~~اصولها فان من لم يعرف اصول معاني الفقه لم ينج من مواقع التقليد وعد من ~~جملة العوام وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب وتصانيف ~~غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم يداخل ~~حقيقة الاصول على مايوافق معاني الفقه وقد رايت بعضهم قد اوغل وحلل وداخل ~~غير انه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل وسلك طريق المتكلمين الذين ~~هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا PageV01P018 قبيل لهم فيه ولا وفير ولا ~~نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ثوبى زور وعادة السوء قطاع ~~لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد واصابة الصواب فاستخرت الله تعالى عند ذلك ~~وعمدت إلى مجموع مختصر في اصول الفقه اسلك فيه طريقة الفقهاء من غير زيغ ~~عنه ولا حيد ولاميل ولا أرضى بظاهر من الكلام ومتكلف من العبارة معول على ~~السامعين ويسبى قلوب الأعتام الجاهلين لكن اقصد لباب اللب وصفو الفطنة ~~وزيدة الفهم وانص على المعتمد عليه في كل مسألة وأذكر من شبه المخالفين بما ~~عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد ~~وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه الاشكال بعون الله تعالى وأشير عند ~~وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع لتكون ~~عونا للناظر وحين اصل ms002 إلى باب القياس وما يتشعب منه من وجوه الكلام وماخذ ~~الحجة وطريقة الأسئلة والأجوبة ووجوه الأعتراض والأخذ الخصوم وتوقيف ~~المجادلين على سواء الصراط وطلب ملازمة حدود النظر وسلوك الجدد وترك الحيد ~~ومجانبة الزيغ والآخذ والمبين المحكم من مخاييل الظنيات وما تعلق به ~~الاصحاب بمحض الاشتباه في كثير من المسائل ووجه صحة ذلك وفساده فسأشرح عند ~~ذلك وأبسط زيادة بسط وشرح على حسب ما يسمح به الخاطر ويجود به الوقت والله ~~المعين على ذلك والميسر له بمنه PageV01P019 # | القول في مقدمات اصول الفقه # اعلم ان اول ما نبدأ في هذا الفصل هو معرفة الفقه وأصوله ثم نبنى عليه ما ~~يتشعب منه # فنقول # الفقه في اللغة من قولهم : فقهت الشيء اذا ادركته وادراكك علم الشيء فقه # قال أبو الحسن بن فارس : وقيل : هو في اللغة المعرفة بقصد المتكلم يقول ~~القائل فقهت كلامك أي : عرفت قصدك به وأما في عرف الفقهاء فهو : العلم ~~بأحكام الشريعة وقيل جملة من العلوم بأحكام شرعية فان قال قائل ان في الفقه ~~ظنيات كثيرة فكيف يسمى علما قلنا ما كان فيه من الظنيات فهى مستندة إلى ~~العلميات ولأن الظن منى يسمى علما لأنه يؤدي اليه قال الله تعالى @QB@ ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم @QE@ أي : يعلمون وقيل : أن الفقه هو أستنباط حكم ~~المشكل من الواضح يقال : فلان يتفقه اذا أستنبط علم الأحكام وتتبعها من ~~طريق الأستدلال قال الله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة @QE@ ~~PageV01P020 الآية والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على ~~الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا وقال : ذلك اوان ذهاب العلم قلت : كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا ~~نقرأه ونقرأه ابنائنا فقال ( ثكلتك أمك يا زياد ان كنت لأراك من فقهاء ~~المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة ~~والأنجيل ولا يعلمون بشىء مما فيهما ) فدل قوله ( ان كنت اعدك من فقهاء ~~المدينة ) على انه لما لم يستنبط علم ما اشكل عليه من ms003 ذهاب العلم مع بقاء ~~الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة ~~والأنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ماذكرناه من ان الفقه هو استنباط ~~حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم ( رب حامل فقه غير ~~فقيه ) أي غير مستنبط ومعناه انه يحمل الرواية من غير ان يكون له أستدلال ~~ولا أستنباط فيها # ( واما أصول الفقه ) فهي من حيث اللغة ما يتفرع عليه الفقه وعند الفقهاء ~~هي طريق الفقه التي يؤدى الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية وهي ~~تنقسم إلى قسمين : إلى دلالة وامارة فالدلالة ما ادى النظر الصحيح فيه إلى ~~العلم والامارة ما ادى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن ويقال في حد الأ صل ~~ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره . # وقيل الأصل مايقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه والعبارتان مدخولتان لأن ~~من اصول الشرع ما هو عقيم لايقبل الفرع ولايقع به التوصل إلى ما وراءه بحال ~~مثل PageV01P021 ماورد به الشرع من دية الجنين والقسامة وتحمل العقل فهذه ~~اصول ليست لها فروع فالأولى ان يقال ان الأصل كل ما يثبت دليلا في ايجاد ~~حكم من احكام الدين واذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا أو لم بجلبه ثم ~~اختلفوا في عدد الأصول قال عامة الفقهاء : الأصول اربعة الكتاب والسنة ~~واجماع الأمة والعبرة واختصر بعضهم فقال دلائل الشرع قسمان أصل ومعقول ~~الاصل فالاصل الكتاب والسنة والأجماع ومعقول الأصل هو القياس وأشار الشافعي ~~رحمه الله ان جماع الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والأجماع داخل تحت النص ~~والمعنى هو القياس وقد ضم بعضهم العقل إلى هذه الأصول وجعله قسما خامسا ~~وقال أبو العباس بن القاص : الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة ~~والأجماع والعبرة واللغة والصحيح ان الأصول اربعة على ما قدمنا واما العقل ~~فليس بدليل يوجب شيئا وانما يكون به درك الأمور فحسب اوهو الة المعارف واما ~~الحس فلا يكون دليلا بحال والأمر فيه بين لأن الحس يقع فيه ms004 درك الأشياء ~~الحاضرة فهي مالم يوجد كونا ولم يشاهد عينا فلا يكون للحس فيها تأثير واما ~~اللغة فهي مدرجة اللسان وفطنة لمعاني الكلام وأكثر ما فيها أنها عبارة عن ~~الشيء باسمه تمييزا له عن غيره بوضعه ولاحظ لأمثال هذا في ايجاب شيء واثبات ~~حكم واذا عرفنا الفقه واصوله فلا بد من معرفة العلم لأنا بينا ان الفقه هو ~~العلم بأحكام الشريعة فنقول : العلم على ضربين : ضروري ومكتسب ونعنى به ~~العلم الذي هو يحدث فأما العلم القديم الذي هو للباري عز اسمه فلا نوصفه ~~بواحد منهما فأما علم الاضرار فضربان # احدهما ما كان مبدئا في النفوس كالعلم بأن المسمى لايخلو من وجود أو عدم ~~وأن الموجود لايخلو من حدوث أو قدم وأن من المستحيل اجتماع الضدين وكون ~~الجسم في محلين وزيادة الواحد على الأثنين وعلى هذا علم الأنسان بأحوال من ~~نفسه من صحة وسقم وقوة وضعف وشجاعة وجبن ونفور وميل وغير ذلك وهذا النوع من ~~العلم يدرك ببديهة العقل من غير ان يقوم له سبب # والضرب الثاني : ما كان واقعا عن درك الحواس كالاشخاص المدركة بالبعد ~~والاصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم ~~والاجسام المدركة باللمس ويدخل في هذا الضرب العلم بالبلدان التي لم يحضرها ~~والوقائع التي لم يشهدها وكذلك العلم بورود الرسل صلوات الله عليهم ودعائهم ~~إلى الله عز وجل PageV01P022 وتكذيبهم وتصديقهم وأمثال هذا تكثر وضربى هذا ~~العلم مدرك بغير نظر ولا استدلال وحده ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه ~~بشك أو شبهة واما العلم المكتسب فهو الواقع عن نظر واستدلال وهو على ضربين ~~مسموع ومعقول فالمسموع ما أخذ عن توقيف صار به اصلا والمعقول ما اخذ عن ~~اجتهاد صار به فرعا واختلفوا في حد العلم فقال بعضهم : تبين المعلوم أو ~~معرفة المعلوم أو درك المعلوم على ما هو به والأحسن هو اللفظ الأخير والذي ~~قاله بعضهم انه اثبات الشيء على ما هو به فاسد لأن المعدوم معلوم وهذا الحد ~~يقتضى ان يكون شيئا وهو ليس ms005 بشيء عند اهل السنة والذي قاله بعضهم انه ~~اعتقاد الشيء على ما هو عليه باطل لأن الله تعالى مما لم يعلم على مانطق به ~~الكتاب والسنة ولا نطلق عليه الإعتقاد بحال بل هو من صفات المخلوقين واذا ~~لم يكن الحد جامعا لم يكن صحيحا وهذا الحد حد المعتزلة وهم ضلال في كل ما ~~ينفردون به واما من حيث اللغة قال ابن فارس : هو من قوله : علمت الشيء ~~وعلمت به وهو عرفانه على ما هو به يقال علمته علما قال : وقد يكون اشتقاقه ~~من العلم والعلامة وذلك لأن العلامة أمارة مما يميز بها الشيء عن غيره ~~وكذلك العلم يميز به صاحبه عن غيره وعلى هذا قوله تعالى : @QB@ وإنه لعلم ~~للساعة @QE@ الزخرف 61 أي نزول عيسى بن مريم به يعرف قرب الساعة وقراءة قوم ~~: @QB@ وإنه لعلم للساعة @QE@ أي : أمارة ودلالة # ( وأما الجهل فهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به ولابأس بلفظ الإعتقاد ~~في حد الجهل بخلاف العلم على ما سبق وأما الشك فهو الوقوف بين منزلتي الجهل ~~والعلم وقيل : تجويز امرين لا مزية لأحدهما على الأخر فاذا ظهرت المزية ~~لأحدهما على الاخر فهو ظن ويقال : غلبه أحد طرفي التجويز فاذا قوى سمى غالب ~~الظن وقد ورد الظن بمعنى اليقين وقد ورد بمعنى الشك بدليل قوله تعالى @QB@ ~~وإن هم إلا يظنون @QE@ الجاثية 24 أي يشكون فاليقين منه ما كان له سبب دل ~~عليه والشك منه ماخطر بالقلب من غير سبب يدل عليه فان قال قائل انكم قلتم ~~ان الفقه هو العلم باحكام الشريعة فما احكام الشريعة قلنا هي المنقسمة إلى ~~كون الفعل واجبا ومندوبا اليه ومباحا ومحظورا ومكروها وليست الأحكام هي ~~الأفعال بل هي مضافة إلى الأفعال يقال : أحكام الأفعال والشيء لايضاف إلى ~~نفسه فالواجب مايثاب على فعله ويعاقب على تركه وهو في اللغة من PageV01P023 ~~السقوط قال الله تعالى @QB@ فإذا وجبت جنوبها @QE@ الحج 36 أي سقطت فكأنه ~~الشيء الذي سقط على المخاطب به فلزمه وأثقله كما يسقط عليه الشيء فلا يمكن ~~دفعه ms006 عن نفسه والفرض مثل الواجب يقال فرضت عليك كذا أي اوجبته قال الله ~~تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج @QE@ البقرة 197 أي أوجب على نفسه ومنه قيل ~~لسهام الميراث فريضة # وأما الندب فهو ما فيه ثناء على فعله ولايعاقب على تركه وأصله في اللغة ~~هو المدعو له والمرغب فيه يقال ندبته لكذا فانتدب له والنفل قريب من الندب ~~الا انه دونه في المنزلة والنافلة من حيث اللغة الزيادة بعد الواجب وأصله ~~من النفل وهو العطاء ومنه قول لبيد ? < ان تقوى ربنا خير نفل > ? # والجائز ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في في تركه وأصله من جزت المكان إذا ~~عبرته كأنه الشيء إذا وقع جاز ومضى ولم يحبسه مانع والحلال هو الموسع في ~~إثباته وأما المحظور فهو ممنوع فعله وأصل الحظرا المنع ومنه الحظيرة التي ~~تفعل للدواب لجمعها ومنعها من التفرق وكذلك الحرام هو الممنوع من إتيانه ~~ومنه المحروم وهو الذي منع سعة الرزق ويقال : الحرام والمحظور ما يعاقب على ~~فعله # والمكروه ما تركه اولى من فعله # والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويتحصل به المقصود # والفاسد مالا يتعلق به النفوذ ولايحصل به المقصود # والصواب ما أصيب به المقصود بحكم الشرع # والخطا نقيض الصواب في اللغة معناه مخالفة القصد والعدول عنه إلى غيره ~~والحق : يستعمل على وجهين أحدهما بمعنى الصواب يقال : حق عليك ان تفعل كذا ~~أي واجب والطاعة مأخوذة من الطوع والأنقياد ومعناها تلقى الأمر بالقبول ~~والمعصية ضد الطاعة PageV01P024 # والحسن كل فعل اذا فعله الفاعل لا يستحق الفاعل له ذما # والقبح كل فعل اذا فعله الفاعل استحق بفعله الذم # واذا عرضنا انقسام أحكام الشرع فنقول العلم باحكام الشريعة ضربان # احدهما ما وجب فرض العلم به على الأعيان وهو ما لا يخلو مكلف من التزامه ~~والعمل به من أفعال وتروك كالصوم والصلاة ووجوب الزكاة والحج لمن يجد المال ~~وتحريم الزنا واباحة النكاح وتحريم الربا واباحة البيع وتحريم الخمر والقتل ~~والسرقة وكذلك كل ما يكثر مواقعته من المحظورات ويجب على كل مكلف ان ms007 يعلم ~~وجوبها عليه لاستدامة التزامها واختلفوا في عمله بوجوبها هل يجب ان يكون عن ~~علمه بأصولها ودلائلها فذهب بعضهم إلى وجوب علمها بأصولها ودلائلها فيكون ~~فرض العلم بأصولها على الأعيان كما كان فرض أحكامها على الأعيان وذهب بعضهم ~~إلى ان فرض العلم بأصولها ساقط عنهم لأن الواجب عليهم العمل وأما العلم ~~بالدلائل فيختص بها العلماء وهذا الوجه اوسع وأسهل وهو الأولى والضرب ~~الثاني ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو ما عدا النوعين من الأحكام ~~التي تجوز ان يخلوالمكللف من التزامها ومعنى الفرض على الكفاية انه يجب ان ~~ينتدب لعلمه قوم في كل عصر فيرجع من يلزمه في حكمه إلى من يعلمه وانما لم ~~يجب على الأعيان لأن العلم بها لايكون الا مع الانقطاع اليها فاذا اوجبنا ~~على كل ذلك اختل امر المصالح التي هي مصالح الدنيا لأنهم اذا انقطعوا إلى ~~العلم لم يتفرغوا للقيام بمصالح الدنيا فكان الواجب على الكفاية ليقوم به ~~قوم والباقون يقومون بمصالح الدنيا فتنتظم على هذا الوجه مصالح الدين ~~والدنيا جميعا ويجب ان يجتمع العلم بالاصول والاحكام في كل واحد من اهل ~~الكفاية ولايختص بكفاية العلم بالاحكام فريق وبكفاية العلم بالاصول فريق ~~فان تفرد بعلم الاحكام فريق وبعلم الاصول فريق لم تسقط بواحد منهما فرض ~~الكفاية في الأحكام والأصول لأن الاحكام فروع الاصول والأصول موضوعة للفروع ~~فلم يجز انفراد احدهما عن الاخر . وذهب من قال : ان العالم يجوز له تقليد ~~العالم إلى انه لايلزم الجمع بينهما ووأنه اذا انفرد بكل واحد من الأمرين ~~جعل كاجتماعهما في الواحد وسقط بذلك فرض الكفاية واختلفوا بعد هذا في كيفية ~~الوجوب في الواجب على الكفاية فذهبت طائفة من الفقهاء والأشعرية من ~~المتكلمين إلى انه واجب على كل واحد من اهل الفريضة بعينه PageV01P025 بشرط ~~ان لم يقم به غيره وذهب طائفة من الفقهاء والمعتزلة من المتكلمين إلى انه ~~غير واجب على أحد بعينه الا بشرط ان لا يقوم به غيره فيكون على الوجه الأول ~~فرضا الا ان يقوم به ms008 الغير PageV01P026 فيسقط وعلى القول الثاني غير فرض ~~الا ان لا يقوم به الغير فيجب . وذهب بعضهم إلى انه ان غلب على ظنه ان يقوم ~~به غيره لا يجب عليه وان غلب على ظنه انه لايقوم به أحد وجب عليه وهذا وجه ~~حسن والخلاف الأول محض صورة لاظهور فائدة فلا ارى له معنى واذ قد ذكرنا ~~معنى العلم فلا بد ان نذكر معنى العقل وما قيل في حقيقته : وقد قيل : انه ~~اصل لكل علم وكان بعض اهل العلم يسميه أم العلم وقد اكثر الناس الخلاف فيه ~~قبل الشرع وبعده ومن كثرة اختلاف الناس فيه قال بعضهم : # ( سل الناس ان كانوا لديك افاضلا % عن العقل وانظر هل جوات محصل ) وقد ~~جعله المتقدمون جوهرة وقالوا : انه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات ~~قالوا : وهذا فاسد لانه لو كان جوهر لصح قيامه بذاته فجاز ان يكون عقل بلا ~~عاقل كما جاز ان يكون جسم بغير عقل فحين لم يتصور ذلك دل انه ليس بجوهر ~~واما عند كافة المسلمين فهو نوعا من العلم يدخل في جملة اقسامه واختلفوا في ~~حقيقته على اقاويل شتى وقد روى عن الشافعي رحمه الله انه قال : الة التمييز ~~. وقال بعضهم : العقل بصر القلب وهو بمنزلة البصر من العين ندرك به ~~المعلومات كادراك البصر المشاهدات قاله أبو الحسن عن ابن حمزة الطبري . ~~وقال بعضهم هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات وقال بعضهم : معنى العقل ~~هو العلم لا فرق بينهما لانه لا فرق عند أهل اللغة وأرباب اللسان بين قولهم ~~علمت وعقلت فيستعملون العلم والعقل على حد ولاحد في معنى واحد ويقولون : ~~هذا امر PageV01P027 معلوم ومعقول . ويقولون : اعلم ما تقول واعقل ماتقول ~~وفي استعمال العلماء يقع على اسمه قدر من العلم يميز من قام به بين خير ~~الخيرين وشر الشرين ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب ويخرج ~~به عن حد المجانين والمعتوهين ويصح معه التكليف والخطاب . ويمكن ان يقال : ~~انه قوة ضرورية للوجود بها يصح درك الأشياء ويتوجه ms009 تكليف الشرع وهو ما ~~يعرفه كل انسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره لأن الاستدلال يفتقر إلى علم ~~ينتظر فيه واصل يعتمد عليه ولو كان غيره دليلا عليه لكان مكتسبا لا ضروريا ~~ثم ان العقل تختلف مراتبه : فأولها إدراك مايدرك بديهة وعلم ما يعلم بأول ~~الراي وأعلاها ادراك الغائبات بالوسائط واسم العقل منتفى عن الله تعالى لان ~~علمه احاط بالاشياء لا عن جهة الاستدلال ولا بالترقى إلى معرفتها بالاجتهاد ~~ولان الأصل في اسامي الرب تعالى هو التوقيف ولا توقيف في وصف الله تعالى ~~بالعقل فلا يوصف به واعلم ان محله القلب لان محل سائر العلوم القلب فكذلك ~~هذا ايضا ولان الله تعالى قال : @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ ~~أي عقل دل ان محله القلب حيث عبر به عنه وقال بعض اصحاب أبي حنيفة : أن ~~محله الدماغ يقال فلان خفيف الدماغ أى ليس له عقل ولأنه إذا جن الدماغ ذهب ~~العقل والاول اصح وقد قال جماعة ان العقل عقلان عقل غريزى وهو القوة ~~المتهيئة لقبول العلم وهو من حيث القوة موجود في كل خليقة من الادميين ~~وجوده في الطفل كوجود النخل في النواة والسمبل في الحبة . والثاني : عقل ~~مستفاد وهو الذي تتقوى به تلك القوة وقد يحصل باختيار من العبد ويحصل بغير ~~اختيار منه قالوا : والعقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد والمستفاد بمنزلة ~~النور فكما ان المبصر لم يكن له نور من الجو لم يدرك بصره شيئا فكذلك العقل ~~إذا لم يكن له نور من العلم المستفاد لم تعد بصيرة : قال الله تعالى @QB@ ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور @QE@ وما ذكرناه اولا من باب ~~الفقهاء وطريقتهم هي الاولى واذا عرفنا العلم واقسامه فنقول : قد بينا ان ~~الاصول اربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس وقال بعض اصحابنا ومعقول اصل ~~واستصحاب الحال وقالوا : دخل في معقول الاصل دليل الخطاب وفحوى الخطاب ~~ولحسن الخطاب وفى استصحاب الحال خلاف سنذكره PageV01P028 # ( الكتاب ) فأما الكتاب فهو أم الدلائل وقيم البيان لجميع الاحكام ms010 قال ~~الله تعالى : @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ وقال الله تعالى ~~@QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور @QE@ قال الشافعي رحمه الله ليست تنزل ~~بأحد في الدين نازلة الا وفي كتاب الله تعالى الدليل على سبيل الهدى فيها # فإن قال قائل إن من الاحكام مايثبت لهذا بالسنة قلنا : ذلك مأخوذ من كتاب ~~الله في الحقيقة لان كتاب الله تعالى أوجب علينا اتباع الرسول صلوات الله ~~عليه وفرض علينا الاخذ بقوله وحذرنا مخالفته قال الله تعالى : @QB@ وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ وقال تعالى @QB@ وأطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول @QE@ وقال تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~@QE@ قال الشافعي : فما قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قيل ~~: فان قيل : هيئات القبوض في البياعات وكيفية الاحراز في السرقة وغالب ~~العقود في المعاملات ليس لها اصل في الكتاب ولا في السنة قلنا : قد قال ~~الله تعالى : @QB@ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين @QE@ والعرف ما ~~يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة فصار العرف في صفة القبوض ~~والاحراز والنفوذ معتبرا بالكتاب فعلى هذا نقول : ان الكتاب امثل الدلائل ~~والسنة ماخوذة منه والقياس مأخوذ من الكتاب والسنة والاجماع ماخوذ من ~~الكتاب والسنة والقياس وكتاب الله تعالى هو المنقول الينا بطريق التواتر ~~على وجه يوجب العلم المقطوع الذي لايخامره شك ولاشبهة وهو المثبت بين ~~الدفتين فكل من عاين الرسول صلى الله عليه وسلم حصل العلم بالسماع وهو انه ~~سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هذا هو القران الذي انزله الله تعالى ~~وهو كلامه ووحيه ومن لم يعاين الرسول حصل له العلم بالنقل المتواتر خلفا عن ~~سلف وذلك العلم هو انه ثبت عندنا ان محمدا صلى الله عليه وسلم بما اقام به ~~الدليل وثبت انه كان يقول : ان الكتاب الذي جاء به هو هذا القران وانه كلام ~~الله عز وجل ووحيه ولا نقول : انا علمنا انه كلام الله بالاعجاز لانه ms011 يجوز ~~ان يعجز الله الخلق عن الاتيان بمثل PageV01P029 كلام لايكون ذلك الكلام ~~كلامه بل بالمعجزات عرفنا نبوة الرسول صلوات الله عليه ونقول عرفنا ان ~~القرآن كلام الله عز وجل ونقول : ان القران في نفسه معجز لا يجوز ان ياتي ~~أحد بمثله في جزالته وفصاحته ونظمه وكذلك من حيث معانيه هو معجز الخلق عن ~~الاتيان بمثله ومع تحدي الرسول صلوات الله عليه وسلم وطلبه اياهم ان ياتوا ~~بمثله فعجزوا عنه ولا نقول كما قال بعض المبتدعة : ان نفس القران ليس بمعجز ~~فان فصاحة بعض الفحول من شعراء الجاهلية لا تكون دون فصاحته وانما الاعجاز ~~في القران هو ان الله عز وجل منع الخلق عن الاتيان بمثله مع قدرتهم عليه ~~وهذا قول باطل وزعم كاذب سمعت والدي رحمه الله يقول ان هذا قول اخترعه ~~الجاحظ ولم يسبقه اليه أحد وقال بعده فاياه اتبع وعلى منواله نسج وهو في ~~نفسه مستسمج مستهجر بالتامل في نظم القران وجزالته وفصاحته وعرضه على كل ~~نظم عرف من اساليب كلام العرب وكل كلام فصيح عرف من كلامهم ثم امتيازه عن ~~الكل بروائه وبهائه وطلاوته وحلاوته واعرافه وابتنائه واعجازه ظاهر لكل ذي ~~لب من الناس لولا خذلان يلحق بعض القوم ونسال الله العصمة بمنه ولايحتمل ~~هذا الموضوع بيان وجوه الاعجاز في القران وقد كفينا مؤنة ذلك بحمد الله ~~بمنه واعنى بذلك جماعة من علماء اهل السنة والله تعالى يشكر سعيهم ويرحمهم ~~وايانا بمنه # والمصحف الامام هو هذا المصحف الذي بين المسلمين جمع في زمان أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه باجماع الصحابة واخرج في زمن عثمان رضي الله عنه ونسخ ~~منه المصاحف وفرقت في البلدان وعليه الاتفاق # وفي الباب خطب كبير واقتصرنا على هذا القدر وقد دل اتفاق المسلمين على ان ~~ما بين الدفتين كلام الله تعالى وعلى ان التسمية من فاتحة الكتاب وكذلك هي ~~من القران في كل موضع اثبت في المصاحف وقد اتينا على هذا الدليل في ~~الخلافيات السنة واما السنة فهو الاصل الثاني وهو تلو ms012 الكتاب وهي عبارة عن ~~كل ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الامة قولا وفعلا # قال أبو سليمان الخطابي هي الطريقة المسلوكة في الامر المحمود واصلها من ~~قولهم سننت الشيء بالمسن اذا امررته عليه حتى يؤثر فيه تسنينا أي : طرائق ~~فاذا اطلقت السنة اريد بها الطريقة المحمودة واذا قيدت كانت في الخير والشر ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ( من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة ومن سن سنة سيئة PageV01P030 فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة ) # ويقال السنة عبارة عن السيرة قال الشاعر # ( فلا تجزعن من سنة انت سرتها % فأول راضى بسنة من يسير بها ) # معناه من سيرة انت سرتها فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الطريقة ~~التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لها مراتب ونقل بعضها يوجب ~~العمل ونقل بعضها يوجب العلم وسيرد ذلك في باب الاخبار بعون الله تعالى # وأما الملة فهي عبارة عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم # وقيل هي عبارة عما يمله الملك على النبي صلى الله عليه وسلم من علم الوحى ~~الاجماع واما الاصل الثالث وهو الاجماع فهو حجة خلافا لبعض الناس وسنبين ~~ذلك والاجماع في اللغة : العزم على الامر يقال : اجمعت على الشيء وازمعت ~~عليه بمعنى واحد ومنه قوله تعالى @QB@ فأجمعوا أمركم وشركاءكم @QE@ اعرضوه ~~فامضوه # وقد قيل في عبارة ان الفقه استفاضة القول وانتشاره في الجماعة الذي نسب ~~الاجماع اليهم وفي مسائل الاجماع كلام كثير وسياتي بيانه ان شاء الله . ( ~~القياس ) والاصل الرابع هو القياس واصله في اللغه : التقدير ولذلك يقال ~~للميل الذي ( يسد به غور الجرح ) مقياس ومسيار # قال الشماخ ودلج الليل مهاد قياس أي يصير بالطرق مقدر ليسير فيما يقضى ~~بانتهائه إلى المقصد # ويقال انه حمل الشيء على الشيء في بعض احكامه لنوع من الشبه وسياتي ~~الكلام فيه على الاشباع ونذكر معنى العله والسبب والشرط والعرف والفرق بين ~~هذه الاشياء لغة وفي عرف الفقهاء واذا عرفت هذه ms013 الاصول فلا بد من النظر في ~~هذه الاصول لتعرف احكام الشريعة PageV01P031 النظر فالنظر هو الفكر في حال ~~المنظور اليه والتوصل بأدلته إلى المطلوب # يقال تناظر الرجلان اذا تقابلا بنظريهما ايهما المصيب وابهما المخطىء # وقيل هو تصفح الادلة لاستخراج الاحكام وللنظر شروط # احدها ان يكون الناظر كامل الالة على ما نذكره في باب المعنى # الثاني ان يكون نظره في دليل لا في شبهة # والثالث ان يستوفى شروط الدليل وترتيبه على حقيقته بتقديم ما يجب تقديمه ~~وتأخير مايجب تأخيره يجب ان يكون المطلوب هو علم الاكتساب لا علم الضرورة ~~وفى الاجتهاد كلام كثير في بابه # الجدل والجدل قريب معناه من النظر الا ان النظر يكون من الناظر وحده ~~والجدل انما يكون بمنازعة غيره واصله من الجدل وهو الفتل كانه فتل صاحبه ~~بالحجاج عن رايه ومذهبه إلى راى غيره # وقال بعضهم الجدل اكثره في الباطل والنظر في الحق # الدليل واما الدليل هو المرشد إلى المطلوب # وقالوا ايضا هو الدال على الشيء والهادي # يقال دل على كذا فهو دال ودليل # كما يقال عالم وعليم وقادر وقدير # والدلالة مصدر وقد يقال دليلي كذا # أي دلالتي والمصدر يوضع موضع الاسماء PageV01P032 # وقد قال اكثر المتكلمين وبعض الفقهاء لا يستعمل الدليل الا فيما يؤدى إلى ~~العلم فاما فيما يؤدى إلى الظن فلا يقال دليل وانما # يقال له امارة عند عامة الفقهاء انه لا فرق بينهما لأن العرب لا تفرق في ~~تسمية الدليل من ما يؤدى إلى العلم ويؤدى إلى الظن واما الدال في ذكرنا ~~انما الدليل واحد # وقيل هو الناصب للدليل وهو الله تعالى # والمستدل هو الطالب للدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل من المسئول ~~ويقع على المسئول لانه يطلب الدليل من الاصول # والمستدل عليه هو الحكم الذي يطلب من التحليل والتحريم # والمستدل له يقع على الحكم لانه يطلب له الدليل ويقع على السائل لانه ~~يطلب الدليل # والاستدلال طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل والمسئول جميعا # فان قال قائل قد ذكرتم الحد في هذه الاشياء فما ms014 معنى الحد الحد # وحده قلنا هو اللفظ الوجيز المحيط بالمعنى # وقيل هو الجامع المانع # وقيل معناه انه يجمع الشيء المقصود به ويمنع دخول غيره عليه # وقد قيل الحد هو النهاية التي اليها تمام المعنى وحدود الدار ماخوذة من ~~هذا لانها نهايات الاملاك وكذلك حدود الله تعالى التي ضربها لفرائضه نهايات ~~لها لئلا تتعدى PageV01P033 واصل الحد المنع ومنه تسمى النوار حدادا ومنه ~~سمى الحديد حديدا لانه يمنع لابسه ومنه قيل للمحروم محدود لانه منع سعة ~~الرزق وسميت العقوبات حدودا لانها تمنع وتردع وحدود الدار على هذا القول هي ~~الموانع من وقوع الاشتراك في خاص الاملاك ولم نشبع القول في الحدود لانها ~~تاتي في مواضعها من ابواب الكتاب ان شاء الله تعالى # | القول في اقسام الكلام ومعانى الحروف التي لابد من معرفتها في مسائل ~~الفقه # علم ان جميع ما يتلفظ به في مسائل الفقه قسمان مستعمل ومهمل # والمهمل كل كلام لايوضع لفائدة # والمستعمل كل كلام وضع لفائدة ثم الكلام من جهة اللفظ مقسوم على ثلاثة # اقسام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى # ومن جهة المعنى إلى اربعة اقسام امر ونهى وخبر واستخبار # قالوا فالاسم ما دل على معنى منفرد وذلك المعنى يكون شخصا ويكون غير شخص ~~فالشخص نحو رجل وفرس وحجر وغير الشخص فنحو الضرب والاكل والليل والنهار ~~ونحو باقي الاشياء # وانما قيل ما دل على معنى منفرد ليفرقوا بينه وبين الفعل اذا كان الفعل ~~يدل على معنى وزمان كقولك ضرب وقام ويضرب ويقوم وما اشبه ذلك يدل على زمان ~~اما في الماضي واما في المستقبل # واما الحرف اداة تفيد معنى في الكلام اذا ضم اليه # قالوا واقل ما يأتلف منه الكلام اسم واسم # كقولك زيد قائم وكقولك الله الهنا أو اسم وفعل # كقولك قام عمرو وضرب زيد ولا ياتلف الفعل ولا الحرف مع الحرف ولا الحرف ~~مع الفعل ولا الحرف مع الاسم وياتلف الاسم والفعل والحرف # كقولك خرج عبد الله وهل ذهب زيد ونحو ذلك # ثم الاسماء المعربة على اربعة اضرب اسم ms015 الجنس الذي بقتضيه من جنس اخر ~~كقولك الحيوان والانسان والدينار والدرهم والاكل والصوت وجميع ما اردت به ~~العموم والالف واللام يدخلان في هذا النوع لعهد PageV01P034 # الجنس لا التعريف الضرب الثاني اسم الواحد من الجنس # نحو رجل وفرس وبعير وحمار ودينار ودرهم وسمى هذا النوع الاسماء الموضوعة ~~وهي تفيد المعرفة بذات الشيء فقط # والضرب الثالث ما اشتق لوصف من الجنس نحو ضارب مشتق من الضرب وعالم مشتق ~~من العلم وحسن مشتق من الحسن وهذه الاسماء تسمى الاسماء المشتقة وهي تفيد ~~المعرفة بذات الشيء وصفته وتخبر عن حقيقته وماهيته وقال الحسن بن هانىء # اجمع هذا الاسم بين الامرين ( ان اسم جنس لو جمعها صفة % ولا ارى ذا ~~لغيرها اجتمعا ) ( وهي اذا سميت فقد وصفت % فيجمع اللفظ المعنيين معا ) # والضرب الرابع مالقب به شيء بعينه ليعرف من غيره نحو زيد وعمرو وما اشبه ~~ذلك وتسمى الاسماء الاعلام واسماء الالقاب والاسماء المنقولة لانها منقولة ~~من اصولها إلى غيرها على جهة الاصطلاح وانما تفيد التشهير وتمييز الشخص من ~~غيره وليس بحثه الا هذا # ثم ان الاسماء الموضوعة تنقسم إلى خمسة اقسام # الاسماء المبهمة كقولك شيء وموجود وحيوان وسميت مبهمة لانها لا تفيد ~~المعرفة بعين من الاعيان خاص بل يستوى فيها ما تحتها من انواع الاشياء ~~والحيوانات والموجودات # والقسم الثاني في الاسماء المتضادة مثل القرء والجون فان الطهر والحيض ~~على تضادهما يتناولهما اسم القرء والبياض والسواد على تضادهما يتناولهما ~~اسم الجون # والقسم الثالث الاسماء المترادفة كقولك ليث واسد وحجر وفهد وخمر وعقار ~~وسائر ما تترادف عليه الاسماء المختلفة ذات العدد مع اتفاق المعنى # والقسم الرابع الاسماء المشتركة مثل العين هي العين التي تبصر بها ولعين ~~الماء ولعين الميزان وللمهر الكبير ومثل اللون ومثل العرض هو اسم للواحد من ~~العروض لما هو خلاف الطول وعرض لسعة الشيء مثل قوله تعالى @QB@ عرضها ~~السماوات والأرض @QE@ PageV01P035 # والقسم الخامس الاسماء المختلفة وهي ما اختلفت اسمائها ومعانيها وهي اكثر ~~الاسماء لانها موضوعة للدلالة على المسميات ومن شانها اختلافها في صورة ~~بالفصل بينها ms016 وبين غيرها # كقولك حمار وفرس وجدار وبعير وغيرها من الاسماء هكذا اورده أبو سليمان ~~الخطابي على ما نقلته وهو ثقة فيما ينقله # | معاني بعض الحروف # ونذكر الان معاني الحروف التي تقع اليها الحاجة للفقهاء ولايكون بد من ~~معرفتها وتشتد فيها المنازعة بين اهل العلم فمنها حروف من حروف العطف # اولها الواو وقد ادعى جماعة من اصحابنا انها للترتيب واضافوا القول به ~~إلى الشافعي رحمة الله عليه وقد حكى هذا المذهب عن بعض نحاة الكوفيين # واما عامة اهل اللغة فعلى خلاف ذلك وانما هي عندهم للجمع واشتراك الثاني ~~PageV01P036 # فيما دخل فيه الاول كقولك : جاءني زيد وعمرو وليس فيهما دليل ايهما كان ~~اولا # قالوا انما يعرف وقوع الترتيب فيه بقرائن ودلائل # قال الماوردى أبو الحسن الواو لها ثلاث مواضع حقيقة ومجاز ومختلف في ~~حقيقته ومجازه فالحقيقة ان يستعمل في العطف للجمع والاشتراك كقولك جائني ~~زيد وعمرو والمجاز ان تستعمل بمعنى أو كقوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع @QE@ والمختلف في حقيقته ان تستعمل في الترتيب ~~لقوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم @QE@ فذهب جمهور اهل اللغة واكثر ~~الفقهاء انها تكون ان استعملت في الترتيب مجازا وذهب بعض اصحاب الشافعي إلى ~~انها تكون حقيقة فيه فاذا استعملت في موضوع يحتمل الامرين حملت على الترتيب ~~دون الجمع لزيادة الفائدة # وقال الفراء تحمل على الجمع اذا احتملت الامرين وعلى الترتيب اذا لم ~~تحتمل غيره وقد رايت بعض اصحابنا ادعى على اصحاب ابى حنيفة انهم يدعون ان ~~الواو PageV01P037 للجمع على سبيل الإقران واخذ يرد عليه كما يرد على من ~~زعم انها للترتيب والتوالى من اصحابنا وليس ما ادعاه مذهب أحد من اصحاب أبي ~~حنيفة وانما يدعون ان الواو للجمع من غير تعرض لاقران أو ترتيب فلا معنى ~~للرد واما دعوى الترتيب على الاطلاق فضعيفة جدا لان من قال رايت زيدا وعمرا ~~وجاءني زيد وعمرو لا يفهم منه السامع ترتيبا بحال ويجوز ان يكون راى عمرا ~~اولا ثم يقول رايت زيدا وعمرا ويحسن منه ذلك ms017 ويقال ايضا رايت زيدا وعمرا ~~معا فلو كان للترتيب لكان هذا القول مناقضة # ويدل عليه ان العرب استعملت الواو في باب الفاعل يقال تقابل زيد وعمرو ~~ولو قال تقابل زيد ثم عمرو لم يكن صحيحا واما ما استدل به بعض اصحابنا من ~~ان الواو للترتيب بمسالة الطلاق وهي انه لو قال لغير المدخول بها انت طالق ~~وطالق وطالق فانه لايقع الا طلقة واحدة فليس هذا لانها للترتيب بل لان ~~الطلاق الاول سبق وقوعه فيصادفها الثاني وهي بائنة فلا يقع وانما سبق لانه ~~تكلم به على وجه الايقاع من غير ان يربطه برابط أو يعلقه بشيء ما وليس ~~الواو بدليل على الاقران على ما سبق وإنما الموجود منه ثلاث ايقاعات ~~متوالية من غير ان يكون للبعض تعلق بالبعض والواو حقها في هذا الموقع عطف ~~الايقاع على الايقاع فصارت قضية الكلام الاول الموقوع وحين وجد من غير ~~انتظار ولا مهلة وكما لو افرده بالذكر واذا وقع فلا بد ان يكون الثاني ~~والثالث قد صادفا المراة في حال الابانة فسارت الجملة في هذه المسالة ان ~~دعوى كونها للترتيب خطا PageV01P038 ونسبة ذلك للشافعي رحمه الله على ~~الاطلاق لا تصح وانما نهاية مانقل عنه انه قال في الوضوء حين ذكر الاية ثم ~~قال ومن خالف ذلك من الترتيب الذي ذكره الله تعالى لم يجز وضوؤه # وقد شنع عليه محمد بن داود وغيره في هذا اللفظ وقالوا انه خالف اهل اللغة ~~اجمع وادعوا عليه الجهل بالنحو # ووجه الجواب عن هذا ان الشافعي رحمه الله ما تعلق في اثبات الترتيب ~~بالواو فقط وانما دليل الترتيب من النظر في معنى الاية على ما ذكرنا في ~~الخلاف بينه ان الوضوء عبادة على البدن وردت بلفظ لا ينفى الترتيب وراينا ~~ان العبادات البدنية اشتملت على افعال مختلفة مترتبة في جميع المواضع مثل ~~الصلاة والحج وراينا ورود هذه العبادات بلفظ صالح لمعنى الترتيب وان كان ~~غير مقتضى له بكل حال ووجدنا الفوائد مطلوبة من الالفاظ والترتيب نوع فائدة ~~فعند اجتماع هذه ms018 الاشياء يقال اثبات الواو ظاهرها للترتيب في هذا الموضع ~~فحمل عليه والظاهر حجة فهذا وجه الكلام لنصرة ما قاله الشافعي رحمه الله ~~وقد اشار اليه أبو الحسن بن فارس # واما الفاء فمقتضاها التعطيف والترتيب من غير تراخ كقولك ضربت زيدا فعمرا ~~ففيه ان عمرا مضروب عقيب زيد بلا تراخى ولهذا دخل في الجزاء المعلق على ~~الشرط لان من حكم الجزاء تعلقه بالشرط من غير فصل PageV01P039 # واما حرف ثم فللتعقيب والتراخى كقولهم ضربت زيدا ثم عمرا فمقتضاه وجود ~~مهلة بين الضربين ولا دليل على مقداره من جهة اللفظ وقد تستعمل في موضع ~~الواو مجازا اذ قال الله عز وجل @QB@ ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ ~~وكقوله عز وجل @QB@ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة @QE@ إلى ان قال ~~تعالى @QB@ ثم كان من الذين آمنوا @QE@ ومعناه فكان من الذين امنوا # واما بعد فهي اسم في معنى الحرف موضوع للترتيب ويحتمل الفور والتراخى ولا ~~يختص بالحرفية # واما مع فهو موضوع للجمع بين الشيئين نقول رايت زيدا مع عمرو واقتضى ذلك ~~اجتماعها في رؤيته # واما حرف أو فلها ثلاثة مواضع تكون لاحد الشيئين بخبر عنه عند شك المتكلم ~~أو قصده احدهما كقولك اتيت زيدا أو عمرا وجاءني رجل وأمراة هذا اذا شك # فاما اذا قصد أحدهما فكقولك كل السمك أو اشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ~~ولكن اختر ايهما شئت وكقولك أعطني دينارا أو اكسني ثوبا # والوجه الثالث ان تاتى للاباحة كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين وائت ~~المسجد أو السوق وهذا على الاذن فيهما جميعا # وقد ورد في القران التخيير في الامر مثل قوله تعالى @QB@ فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة @QE@ # وقد ورد الجمع في النهى مثل قوله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا ~~@QE@ PageV01P040 # واما حرف بل فمعناه الاضراب عن الاول والإثبات للثاني كقولك ضربت زيدا بل ~~عمرا وجاءني عبد الله بل اخوه # واما حرف لكن فهى للاستدراك بعد النفى كقولك ما جاءني ms019 زيد لكن عمرو ما ~~رأيت رجلا لكن امراة وقد يدخل النفى بعد اثبات كقولك حاءني زيد لكن عبد ~~الله لم يات وقيل لترك قصة إلى قصة وفيه كلام كثير للنحاة # واما حرف لو فيدل على امتناع الشيء لامتناع غيره تقول لو جئتنى لحييتك ~~وأما لولا فتدل على امتناع الشىء لوقوع غيره نقول لولا أنك جئتنى لحييتك ~~وقد تكون لو بمعنى ان قال الله تعالى @QB@ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم @QE@ أي وان اعجبتكم وقد تفيد معنى التقليل كقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( اتقوا الله ولو بشق تمرة ) # فأما الحروف اللازمة لعمل الجر وهي من و إلى وفي و الباء و اللام فنقول ~~اما من فمعناها ابتداء الغاية يقال سرت من الكوفة إلى البصرة وهذا الكتاب ~~من فلان إلى فلان وهذا باب من حديد يعنى ابتداء عمله من حديد قال سيبويه قد ~~تكون للتبعيض مثل قولهم هذه الخرقة من الثوب وهذا الرجل من القوم وقال غيره ~~من حيث وجدت كانت لابتداء الغاية وقوله اخذت من ماله فقد جعل ماله ابتداء ~~غاية وأخذ وانما دل على البعض من حيث انه صار ما بقى انتهاء له فالاصل واحد ~~وكذلك قوله اخذت منه درهما وهذا كلام النحويين فيما بينهم فاما الذي تعرفه ~~الفقهاء فهو لابتداء الغاية والتبعيض جميعا وكل واحد في موضعه حقيقة وقد ~~ورد مثله يقال ما جاءني من أحد قال الله تعالى @QB@ يغفر لكم من ذنوبكم ~~@QE@ PageV01P041 نوح 4 # وقد ورد بمعنى على قال الله تعالى @QB@ ونصرناه من القوم @QE@ أي على # واما عن فيكون بمعنى من الا في مواضع خاصة قالوا من تكون للانفصال ~~والتبعيض و عن لا تقتضى الفصل يقال أخذت من مال فلان ويقال اخذت من عمل ~~فلان وقد اختصت الاسانيد بالعنعنة ولا تستعمل كلمة من في موضعه وقالوا من ~~لا يكون الا حذفا وعن تكون اسما تدخل من عليه يقال أخذت من عن الفرس جله # واما من المفتوحة فلها ثلاثة مواضع # أحدها للخبر كقولك جاءني من أحببت وأعجبني من ms020 رايت # والثاني للشرط والجزاء كقولك من جاءني اكرمته ومن عصاني عاقبته # والثالث للاستفهام كقولك من عندك فتقول زيد أو عمرو # واما إلى فلانتهاء الغاية يقال من كذا إلى كذا وقال سيبويه اذا قرن بمن ~~اقتضى PageV01P042 للتحديد ولايدخل الحد في المحدود تقول بعتك من هذه ~~الشجرة إلى هذه الشجرة فلا يدخلان في البيع واذا لم تقرن بمن يجوز ان تكون ~~تحديدا ويجوز ان تكون بمعنى مع قال الله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم @QE@ اى مع اموالكم وقال تعالى @QB@ من أنصاري إلى الله @QE@ اى مع ~~الله وقال الله تعالى @QB@ وأيديكم إلى المرافق @QE@ اى مع المرافق وتقول ~~العرب الذود إلى الذود ابل أي مع الذود فالاصل انه لانتهاء الغاية على ~~مقابلة من فانها لابتداء الغاية يقال من كذا إلى كذا قال سيبويه ويقول ~~الرجل انما اليك اى انت غايتي ويقول للرجل قم إلى فلان فتجعله منتهاك من ~~مكانك هذا هو الحقيقة في اللغة وما سواه مجاز واما حتى فهي للغاية ايضا قال ~~الله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن @QE@ وقال تعالى @QB@ فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ # ولاهل النحو في قوله اكلت السمكة حتى رأسها وتصريف ذلك ومعناه كلام كثير ~~تركت ذكره وقد تذكر بمعنى إلى نقول لا أفارقك حتى تقضينى حقي يعنى إلى ان ~~تقضينى حقي وبما في معناه الظرف تقول زيد في البيت يعنى ان البيت قد حواه ~~وكذلك قوله ان المال في الكيس فاذا قلت فلان عيب فانه على وجه المجاز ~~والاتساع حيث جعلت فلانا مكانا للعيب وهو قولك اتيت فلانا وهو في عنفوان ~~شبابه وأتيته وهو في أمره ونهيه يعنى اتيته وهذه الامور قد أحاطت به وهو ~~طريق التشبيه والتمثيل وأما الباء فاللالصاق ويجوز ان يكون معه استعانة ~~ويجوز ان لا يكون فاما الذي معه استعانة فكقولك كتبت بالقلم وكقولك عمل ~~الصانع بالقدوم - فاما الذي PageV01P043 لا استعانة معه فكقولك مررت بزيد ~~ونزلت بعبد الله وقد تزاد الباء في خبر النفى توكيدا كقولك ليس زيد بقائم ~~وجاءت ms021 زائدة كقول الله تعالى @QB@ وكفى بالله شهيدا @QE@ وكقول الشاعر تضرب ~~بالسيف وتزخر بالفرح وقد قال بعضهم ان الباء للتبعيض في قوله تعالى @QB@ ~~وامسحوا برؤوسكم @QE@ وقالوا غلط والباء هاهنا صلة لتعدية الفعل قاله ~~الخطابي # وقال الماوردى الباء موضوعة لالصاق الفعل بالمفعول كقولك مسحت يدى ~~بالمنديل وكتبت بالقلم وقد تستعمل في التبعيض اذا امكن حذفها كقوله تعالى ~~@QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ اى بعض رءوسكم قال وهو حقيقة في بعض اصحاب ~~الشافعى مجاز في قول الاكثرين # وأما لام الاضافة قال سيبويه معناه الملك واستحقاق الشيء تقول الغلام لي ~~والثوب لفلان وقالوا ان اللام لها ثلاثة مواضع للتمليك من قوله تعالى @QB@ ~~إنما الصدقات للفقراء @QE@ # والثاني للتعليل قال الله تعالى @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل @QE@ # والثالث للعاقبة قال الله تعالى ( فالتقطه ال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ~~) واعتذارا ان هذا على طريق التوسع والمجاز فان هذا مثال لما زعمه المعتزلة ~~من تأويل قوله تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس @QE@ وقد ~~أنكر PageV01P044 # بعض النحويين قولهم اللام للملك وقالوا اذا قال قائل هذا اخ لعبد الله ~~فهذا الكلام لمجرد المقارنة وليس احدهما في ملك الآخر وفي قولهم هذا الغلام ~~لعبد الله فانما هو في الملك بدليل اخر وزعم قائل هذا ان لام الاضافة تجعل ~~الاول لاصقا بالثاني فحسب والذي ذكرناه هو الذي يعرفه الفقهاء # واما على قال المبرد يكون اسما وفعلا وحرفا وجميع ذلك مأخوذ من الاستعلاء ~~وكذلك قال سيبويه يقال عليه دين يعنى اعتلاه ويقال فلان أمين علينا أي ~~أعتلانا # واما حرف ما فلها ثلاثة مواضع # احدها للنفى والجحود كقولك ما لزيد عندى حق وما قام عمرو # والثاني التعجب كقولك ما أحسن زيدا وما أشجع عمرا # والثالث الاستفهام كقولك ما فعل زيد وما عندك وهي تختص بما لا يعقل # ويخالف قوله من فإنه يختص بمن يعقل فإذا قيل من عندك تقول زيد أو عمرو ~~ولا تقول فرس أو حمار فاذا قيل ما عندك قلت ثور أو جمل ولا يحسن ان تقول ~~زيد أو ms022 عمرو وقد جوز بعضهم ذلك في الموضعين والصحيح هو الاول # واما أن وان فان مفتوح لما مضى وان بالكسر لما يستقبل كقولك ان دخلت ~~الدار فأنت طالق وان دخلت الدار فانت طالق فالاول ايقاع والثاني شرط وقد ~~تختلف معاني الكلام باختلاف الاعراب فلو قال قائل هذا قاتل اخي بالتنوين ~~وقال اخر هذا قاتل اخي بالاضافة يدل التنوين على انه لم يقتله ودل حذف ~~التنوين على انه قتله PageV01P045 # ومذهب الفقهاء انه اذا قال لامراته ان فعلت كذا فأنت طالق انه على مرة ~~واحدة وكذلك اذا قال اذا فعلت كذا فأما اذا قال كلما فعلت كذا فانه على ~~التكرار واذا قال متى ما فعلت كذا فحقه في اللغة التكرار واصطلح اكثر ~~الفقهاء على انه للمرة الواحدة كقوله اذا فعلت كذا # وأما إنماء اصله ان دخلت عليه ما وهو مركب من حرفين احدهما ان الاثبات ~~والاخر من ما الذي هو للنفي فلذلك صار مثبتا من وجه نافيا من وجه قال الله ~~تعالى @QB@ إنما هو إله واحد @QE@ فيه اثبات الالهية لله تعالى ونفيها عن ~~غيره # وقيل التحقيق المتصل وتحقيق المنفصل وتكون ان المشددة للتوكيد كقولك ان ~~زيدا عاقلا واما الا للاستثناء مثل قول القائل خرج القوم الا زيدا ورايت ~~القوم الا زيدا ولفلان على الف الا مائة قال الله تعالى @QB@ فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما @QE@ وقال تعالى @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا ~~إبليس أبى أن يكون @QE@ # وقال الفراء وقد تقع الا لمعنى سوى وذلك في استثناء زائد من ناقص قال ~~الله تعالى @QB@ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك @QE@ # بمعنى سوى ما شاء ربك من زيادة المضاعفة لا إلى غاية فعلى هذا لو قال ~~لفلان على الف الا الفين فقد أقر بثلاثة الاف وهذا لاتعرفه الفقهاء # قال الفراء وقد تكون الا بمعنى لكن قال الله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ بمعنى لكن ان كان خطأ وهو باب كبير وستاتى المسائل ~~فيها # واما ليس فلها ثلاثة ms023 مواضع قد تقع جحدا كقولك ليس لك على شيء وتكون ~~استثناء تقول ذهب القوم ليس زيدا اى ماعدا زيدا وتكون بمعنى لا التي ينتفى ~~بها كقول لبيد # ( واذا جوزتك فرضا فأجزه % انما يجزى الفتى ليس الجمل ) معناه الا الابل # واما لا فمقتضاه النفي ويقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار ~~PageV01P046 وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض منه تقرير نفى اشتمل ~~الكلام عليه قال الله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد @QE@ معناه ان لاتسجد لكن ~~لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفى كان لا لتاكيد النفى الذي اشتمل ~~الكلام عليه واما قوله تعالى @QB@ لا أقسم بيوم القيامة @QE@ فقد قيل انه ~~صلة زائدة والأولى انه رد لقول الكفار ودعائهم وقوله @QB@ أقسم @QE@ افتتاح ~~قسم في المعنى ذكره عقيبه # واما الالف واللام قال ابن كيسان ان الالف واللام يدخلان في الاسماء ~~الثلاثة معانى للتعريف كقولك رايت رجلا وضربت دابة ثم تقول رايت الرجل ~~وضربت الدابة فتعرفهما بالالف واللام # ويدخلان للتجنيس كقولك الابل خير من الشاة والذهب خير من الفضة يريد ~~الجنس # ويدخلان للتعظيم كقولك الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب والالف واللام ~~لم يفيدا ها هنا تعريفا لانهما كانا معرفين بالاضافة إلى غيرهما والشيء ~~الواحد لايعرف من جهتين وانما الالف واللام افادا هاهنا التفخيم والتعظيم # واما بلى ونعم فمعناهما قريب الا ان بلى لا تستعمل الا في جواب كلام ~~مشتمل على النفي كقوله تعالى @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ قال سيبويه لو ~~قالوا نعم لكان نفيا للربوبيه وأما نعم فللاثبات فاذا قال القائل ارايت ~~زيدا فليكن جوابك اذا رايته نعم وقال الله تعالى @QB@ فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا قالوا نعم @QE@ 2 # واما أم فتستعمل للاستفهام كقولك اسكت أم نطقت وقد تستعمل بمعنى الواو ~~العاطفة في بعض المواضع وقد تستعمل بمعنى أو في كثير من المواضع # واما اين فهو اسم موضوع للسؤال عن الكلام ويكون جوابه بذكر المكان ~~PageV01P047 كقولك اين زيد فتقول في الدار # واما متى فهو اسم ظرف للسؤال عن الزمان ms024 ويجاب عنه بذكر الزمان فاذا قلت ~~متى الخروج فالجواب ان تقول غدا أو اليوم واذا قلت متى جاء زيد والجواب ان ~~تقول أمس أو تقول اول من امس # وأما اذ واذا فهما ظرفا زمانا غير ان اذ لما مضى واذا لما يستقبل كقولك ~~قمت اذ قام زيد واقوم اذا قام عمر # واما حيث فظرف مكان قال الله تعالى @QB@ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام @QE@ # واعلم ان الكلام في معاني الاسماء والحروف كثيرة وذكرنا منها قدر ما تمس ~~اليه الحاجة ويتصل بهذا الباب الاسامى الشرعية واللغوية وجواز النقل فيما ~~تكلم فيه اهل اللغة وسياتي من بعد وكذلك الكلام في افعال المكلفين ومراتبها ~~واحكامها وافعال غير المكلفين وقد ذكر بعضهم هذا الفصل في هذا الموضع ونحن ~~اخرناه إلى ان نصل اليه في موضعه واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر ~~ونشرع الان في باب الاوامر ونذكر احكامها وقضاياها ونورد المسائل التي ~~اختلف فيها العلماء فيما بينهم وننص على القول الصحيح من ذلك ونحل شبه ~~المخالفين على حسب ما يأذن الله تعالى في ذلك ومنه المعونة والتوفيق ~~والتيسير PageV01P048 & باب الأوامر & # القول بالوقف في الاوامر والنواهى وللامر صيغة مقيدة بنفسها في كلام ~~العرب من غير قرينة تنضم اليها وكذلك النهى وهذا قول عامة اهل العلم وذهب ~~أبو الحسن الاشعري ومن تبعه إلى انه لاصيغة للامر والنهى وقالوا لفظ افعل ~~لا يفيد بنفسه شيئا الا بقرينة تنضم اليه ودليل يتصل به وعندي ان هذا قول ~~لم يسبقهم اليه أحد من العلماء وقد ذكر بعض اصحابنا شيئا من ذلك عن ابن ~~سريج ولا يصح واذا قالوا ان حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم والامر ~~والنهى كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الامر والنهى ولايكون حقيقة ~~الامر والنهى وهذا ايضا لا يعرفه الفقهاء وانما يعرفوا قوله افعل حقيقة في ~~الامر وقوله لا تفعل حقيقة في النهي # واما الواقفية فتعلقوا بما ذهبوا اليه وقالوا ان صيغة قوله افعل تحتمل ~~وجوها من المعنى فانه ms025 قد ورد بمعنى الايجاب مثل قوله تعالى @QB@ وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وورد بمعنى التهديد بدليل قوله تعالى @QB@ اعملوا ~~ما شئتم @QE@ وورد بمعنى التكوين قال الله تعالى @QB@ كونوا قردة خاسئين ~~@QE@ وورد بمعنى التعجيز قال الله تعالى @QB@ فأتوا بسورة من مثله @QE@ ~~وورد بمعنى السؤال وذلك في قول العبد رب اغفر لى وارحمنى وورد بمعنى ~~الاباحة وهو قوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ وورد بمعنى الندب في ~~قوله تعالى @QB@ ومن الليل فتهجد به نافلة @QE@ واذا احتملت هذه الصيغة هذه ~~الوجوه لم يكن البعض اولى من بعض فوجب التوقف حتى نعلم المراد بقرينة واشبه ~~هذا سائر الاسماء المشتركة وهذا لازم احتمل وجوها شتى من المعنى لا يتعين ~~أحد وجوهه الا بدليل وشبهة القوم ان قوله افعل ليس يختص بمحمل أحد من مسالك ~~العقول فان العقول لا مجال لها في تفصيل العبارات فلئن اختص بمحمل فانما ~~يختص من جهة النقل عن العرب أو من جهة الشرع # قالوا فان ادعيتم نقلا صريحا من جهة اهل اللسان وهم العرب فهذه مباهته ~~ولانعلم في هذا نقل صريح من العرب ولان النقل ينقسم إلى المتواتر والآحاد ~~وان ادعيتم النقل من جهة الاحاد فلا احتمال به لانه لايوجب العلم والمطلوب ~~في هذه PageV01P049 المسألة هو العلم # وان ادعيتم النقل بالتواتر كان ذلك محالا لان النقل من جهة التواتر يوجب ~~العلم الضروري وذلك يوجب استواء طبقات الناس فيه قالوا ونحن معاشر الواقفية ~~مصرون على انه لم يقع لنا العلم بذلك وقد مرت علينا الدهور والازمان ونحن ~~مقيمون على هذا الخلاف واين العلم الذي تدعونه وتزعمونه # قالوا وان نسبتم قولكم إلى الشرع فالكلام على النقل الشرعى مثل ما قلناه ~~على من ادعى النقل من جهة العرب وقد بينا التقسيم فيه وبطلان وجهى ذلك فهذا ~~مثله هذا حجة القاضي ابى بكر محمد بن ابى الطيب ونهاية ما قالوا # واما حجتنا فنقول اجمع اهل اللغة على ان اقسام كلام العرب اربعة اقسام ~~امر ونهى وخبر واستخبار وقالوا الامر قوله افعل والنهى قوله لا تفعل والخبر ~~قوله ms026 زيد في الدار والاستخبار قوله أزيد في الدار ومعلوم انهم انما ذكروا ~~الاقسام المعنوية في كلامهم دون ما ليس له معنى فاذا قلنا ان قوله افعل ~~ولاتفعل ليس له معنى مقيد بنفسه بطل هذا التقسيم ببينه ان الخبر والأستخبار ~~كلام مقيد بنفسه من غير قرينة تتصل به فكذلك الأمر والنهى وهذا الحقيقة وهى ~~ان وضع الكلام في الأصل انما هو للبيان والافهام وعلم المراد من الخطاب ولو ~~كان بخلاف ذلك لجرى مجرى اللغو والأخبار التى يقع القصد منها إلى المغايرة ~~وتعمية المراد وذهبت فائدة الكلام اصلا وهذا ظاهر الفساد واذا ثبت ان القصد ~~من الكلام هو البيان واعلام مراد المخاطب فنقول المعلومات متغايرة في ~~ذواتها مختلفة في معانيها ولا بد لها من اسماء متغايرة ليقع التمييز ~~بتغايرها بين المعلومات فيحصل البيان عن المراد ولا نعرف فيها الاشكال ومن ~~جملة المعلومات التي لابد من البيان عنها الامر والنهى والعموم والخصوص ~~والتفريق والتخيير إلى ما سوى ذلك من المعلومات والعرب قد جعلت للامر اسما ~~وللنهى اسما وكذلك للتخيير والعموم والخصوص وغير ذلك وهو مثل ما وضعوا ~~الاسامى المنفردة لمعانى معلومة ووضعوا الحروف التى هي ادوات لمعانى معلومة ~~ايضا واذا ثبت هذا فالواجب ان يكون كل شيء منها محمولا في الاصل على ما جعل ~~سمة له ودلاله عليه وان يكون معقولا من ظاهره ما اقتضته صورته الا ان يرد ~~دليل ينقله عنه إلى غيره ليصير الغرض من الكلام واللبس مرتفعا فالبيان ~~حاصلا والاشكال زائلا ومن حاد عن هذه الطريقة فقد جهل لغة العرب ولم يعرف ~~فائدة PageV01P050 موضوعها # وقد انزل الله تعالى القران بلسان العرب وعلى اوضاع بيانها فقال تعالى ~~@QB@ بلسان عربي مبين @QE@ فعرفنا قطعا ان اوضاعهم مبينة وان منصوباتهم ~~معتبرة يدل عليه انه لا خلاف ان المفردات من الاسماء والاحاد من الاجناس ~~التي تتركب منها الجموع والمصادر التي تصدر عنها الافعال مستعملة على ~~ظواهرها غير متوقف فيها وكان حتى ما يبتنى منها وتتركب عليها من الالفاظ ~~الموضوعة للامر والنهى والعموم والخصوص من ان ms027 تكون كذلك اذا كان بعضها ~~متركبا من بعض ومشتقا منه والبيان بكل منها من نوعه واقع به متعلق فاذا ~~توقفنا مع وجود اسمه وحصول الدلاله من جهة الظاهر فقد عطلنا البيان وابدلنا ~~فائدته # فان قالوا ما ذكرتم من اصل لكلام وتقسيم انواعه انما هو منقول عن جماعة ~~من اهل اللغة مثل الخليل وسيبويه واقرانهما والعلم لايحصل بتعلم بحال وانما ~~يكون ذلك لكم حجة ان لو نقلتم عن العرب وهم لايعرفون هذا التقسيم واما الذي ~~قلتم ان الكلام في الاصل موضوع للبيان مسلم ولكن البيان ليس مقصور على لفظ ~~دون لفظ وعلى حالة دون حالة وان لم يقع بيان الامر والنهى بصيغة قوله افعل ~~ولاتفعل فيقع عند اتصال القرائن به ويقع ايضا بغير هذه الالفاظ وعلى انا ~~ادعينا ان هذه اللفظة من جملة الاسماء المشتركة والاسماء المشتركة باب عظيم ~~منقول عن العرب والبيان يقع بها في محتملاتها عند ارادة بعض وجوهها فكذلك ~~ها هنا # والجواب ان الذي حكيناه من اقسام كلام العرب وحكى عن جميع اهل اللغة وهم ~~الذين عنوا بمعرفة لسان العرب واخلطوا علما محدود اوضاعه فلما ارادوا ان ~~يحصروا علمه لمن بعدهم ولمن غاب داره عنهم من اهل عصرهم صنفوا كلام العرب ~~اصنافا وقسموا كلام العرب اقساما وقد عدوا الامر من اقسامه كما عدوا الخبر ~~من اقسامه فلما كان ظاهر الخبر والاستخبار معمولا به فكذلك ظاهر الامر ~~والنهى وهذا لان طريق العلم في كل واحد والنقل الذي في الجميع كان بجهة ~~واحدة لغرض واحد وهو العلم بكلام العرب فلا يجوز ان نعلم البعض ونجهل البعض ~~هذا محال # واما قولهم ان البيان يقع ولايختل مع التوقف الذي صرنا اليه # قلنا اذا وضعوا للامر قوله افعل وللنهى قوله لاتفعل ولم يفد بنفسه شيئا ~~اختل البيان # بيانه ان اللغة وضعت لحاجات الناس فكل ما احتاجوا اليه وضعوا له اسما يدل ~~PageV01P051 عليه ومعلوم ان الامر والنهى من اشد ما تقع الحاجة اليه وهما ~~داخلان في عامة المخاطبات التي تدور بين الناس ونقل ذلك ms028 اكثر من الخبر ~~والاستخبار فيستحيل ان يخلو كلام العرب مع سعته وكثرة وجوهه من صيغة الامر ~~والنهى ولفظة مفردة تدل عليهما بانفسهما # واما الذي قالوا ان هذا اسم مشترك مثل سائر الاسماء المشتركة ويقع البيان ~~بهما عند ارادة أحد وجوههما # قلنا نحن لاننكر وجود الاسماء المشتركة في اللغة ولكن ليس هذا من جملتها ~~لانه لو كان يقول القائل لغيره افعل حقيقة في ان يفعل وحقيقة في التهديد ~~الذي يقتضى في ان لا يفعل أو غير ذلك مما ذكروه لكن اقتضاؤه لكل واحد من ~~هذين على سواء لا ترجيح لاحدهما على الاخر ولو كان كذلك لما سبق إلى ~~افهامنا عند سماعها من دون قرينة ان المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو اليه كما ~~انه لما كان اسم اللون مشتركا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة ~~من دون قرينة السواد دون البياض ومعلوم انا اذا سمعنا قائلا يقول لغيره ~~افعل وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة فان الاسبق إلى افهامنا انه طلب ~~للفعل كما انا اذا سمعناه يقول رايت حمارا فان الاسبق إلى افهامنا الدابة ~~المعروفة دون الابله الذي يشبه بها وقد بطل بهذا الكلام دعواهم ان الاسم ~~المشترك واذا بطل الاشتراك لم يبق الا ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو ~~طلب الفعل # واما الجواب عن كلامهم اما الاول قولهم انه قد ورد لكذا وورد لكذا قلنا ~~هذه الصيغة موضوعة بنفسها لطلب الفعل وانما حملنا على ما سواه في المواضع ~~التي ذكرها بقرائن دلت عليها # واما الاسماء المشتركة فقدمنا الجواب عنها وهذا لان اللون والعين واشباه ~~ذلك لم توضع لشيء معين وانما قوله افعل وضع لمعنى معين # الا ترى ان من امر عبده ان يضع الثوب يكون لم يستحق له الذم باي صيغ من ~~صيغه فلو قال لعبده اسقنى استحق الذم بتركه السقى ولو كان قوله اسقنى ~~مشتركا بين الفعل والترك واشتراك اللون بين السواد والبياض لم يجز ان يستحق ~~الذم والتوبيخ بترك السقى وهذا لان اهل اللغة ms029 لم يضعوا اسم اللون بعينه وقد ~~وضعوا قوله افعل لمعنى تعينه وهو طلب الفعل على ما سبق PageV01P052 واما ~~كلامهم الثاني قلنا قد بينا بطريق النقل عن العرب الذين هم اهل اللسان # وقولهم انه لم يقع لنا العلم بذلك قلنا هذه مكابرة ومباهتة # بيانه ان العرب صاغوا قوله افعل ولاشك انهم صاغوا هذه اللفظة لمعنى مثل ~~ما صاغوا سائر الالفاظ لمعان وليس ذلك الا لطلب الفعل الذي يعرفه كل أحد من ~~معناه # يدل عليه انه اذا وجب الوقف بالأمر وجب الوقف بالنهى ايضا ثم حينئذ يصير ~~الامر والنهى واحدا وهذا محال وعلى ان من مذهب الواقفية ان قوله افعل من ~~الاسماء المشتركة واذا كان عندهم هكذا فجميع ما قالوه من التقسيم في ثبوت ~~الصيغة للامر وانها تثبت بالعقل أو بالنقل ودعواهم ان العلم لم يقع لنا ~~بنقل ذلك من العرب ينقلب عليهم فيما ادعوه انه من الاسماء المشتركة ولا ~~مخرج لهم عن هذا بحال وكل كلام امكن قلبه على قائله ويغير على ما جعله حجة ~~فانه يبطل من اصله والله الهادى إلى الصواب وهو المعين # فصل واذا ثبت ان للامر صيغة فنقول # حد الأمر انه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه ثم هو امر بصيغته وليس ~~امر بالارادة وعند المعتزلة هو امر بارادة الامر المامور # وقد حد بعضهم الامر فقال حد الامر انه ارادة الفعل بالقول ممن هو دونه ~~وهذه المسألة اصولية فان عندنا يجوز ان يامر بالشيء وان كان لايريده وقد ~~أمر الله تعالى ابليس بالسجود لادم عليه السلام ولم يرد ان يسجد ونهى ادم ~~عن اكل الشجرة واراد ان ياكل وامر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ولم يرد ~~ان يذبح وهذا لان ما اراد الله تعالى ان يكون لابد ان يكون ولان السيد اذا ~~قال لعبده افعل كذا يقال امره بكذا وان لم يعلم مراده فدل ان الامر امر ~~بصيغته فحسب ثم اذا عرفنا هذا فنذكر بعد حكم الامر موجبه PageV01P053 # مسالة موجب الامر الوجوب عندنا وهو قول اكثر اهل ms030 العلم هذا في الصيغة ~~المتجردة عن القرائن والجملة ان الامر عندنا حقيقة في الوجوب وعند جماعة من ~~المعتزلة انه حقيقة في الندب قال أبو هاشم انه يقتضي الارادة فحسب فاذا قال ~~القائل لعبده افعل افاد ذلك انه يريد منه الفعل فان كان الفاعل حكيما وجب ~~كون الفعل على صفة زائدة على حسنه تستحق لاجلها المدح فإذا كان القول في ~~دار التكليف وأجاز ان يكون واجبا وجاز ان لايكون واجبا ويكون ندبا فإذا لم ~~تدل دلالة على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على المتحقق وهو كون الفعل ~~ندبا يستحق فاعله المدح # وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ان الامر لا يقتضي الا الندب وعند جماعة انه ~~يقتضى الاباحة لا غير وذهب من قال انه للندب إلى أن PageV01P054 الامر طلب ~~الفعل فلا يجوز ان يكون موجبه الاباحة لان الاباحة لا ترجح جهة الفعل فيها ~~على جهة الترك فلا يكون الامر طلبا للفعل اذا حمل على الاباحة فاما اذا ~~حملناه على الندب فقد رجح جهة الفعل على جهة الترك لانا جعلنا الفعل اولى ~~من الترك فتحقق طلب الفعل في الامر فظهرت حقيقته واذا تحقق الامر في الندب ~~فلا معنى لاثبات صفة زائدة عليه وهذا لان صفة الوجوب لا دليل عليها لانه ~~لما تحقق معنى الامر في الندب لم يبق دليل على الوجوب # قالوا ولان صفة الامر لا تفيد الا الارادة ولا فرق بين قول القائل افعل ~~كذا # وبين قوله اريد ان تفعل كذا واهل اللغة يفهمون من احدهما ما يفهمون من ~~الاخر ويستعملون احدهما مكان الاخر ثم قوله اريد منك ان تفعل كذا لا يفيد ~~الوجوب # فكذلك قوله افعل وجب ان لايفيد الوجوب ايضا ولان اهل اللغة قالوا ان قوله ~~افعل انما يكون امرا اذا كان القائل فوق المقول له في الرتبة فاذا كان دونه ~~في الرتبة يكون سؤالا وطلبا ولا يكون امرا فلم يفرقوا بين السؤال والأمر ~~إلا بالرتبة ومعلوم ان هذه الصيغة في السؤال لا تقتضى ايجاب الفعل على ~~المسئول وانما تقتضى ms031 الارادة فقط فكذلك في الامر لانه لو اقتضى الوجوب لا ~~يفصل من السؤال شيء زائد على الرتبة وهذا لان الرتبة لا تقتضى الوجوب بحال ~~لأن عالي الرتبة قد يامر بالندب كما يامر بالواجب فلم يكن في الرتبة ما يدل ~~على الوجوب # قالوا ولان الامر ضد النهى ولا معنى لكونه ضدا الا ان فائدته ضد فائدته ~~وفائدة النهى كراهة الناهى للمنهى عنه لاغير فكان فائدة الامر ايضا ارادة ~~للامر المامور به لاغير # قالوا ولانا امرنا بالنوافل وسائر الطاعات ونحن مطيعون لربنا بامتثالنا ~~لها ولا صفة لها سوى الندبية فدل ان الامر يكون حقيقة في الندب واذا ثبت ~~انه حقيقة في الندب سقط الوجوب لانها زيادة لا معنى لها واما حجتنا نستدل ~~اولا بما ورد في قصة ادم عليه السلام وابليس فان الله تعالى ذكر امره ونهيه ~~في هذه القصة اما الامر فان الله تعالى قال @QB@ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن @QE@ فان الله امره بالسجود لادم فخرج ~~عن امر ربه بقوله تعالى @QB@ ففسق عن أمر ربه @QE@ PageV01P055 ومعناه خرج ~~فلعنه وأخرجه من رحمته ونهى ادم عن اكل الشجرة فاكله وأخرجه من الجنة ووسمه ~~بالعصيان ولم يحك لنا في القصة سببا يقدم به اليهما غير مطلق الامر # والدليل عليه انه قال تعالى @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ وقال ~~تعالى في حق ادم @QB@ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين @QE@ فدل ~~هذا القول انهما يصيران ظالمين بمجرد ارتكاب النهى فإن قيل انما كفر ابليس ~~لا بمخالفة الامر لكن بالاستكبار وانكار فضيلة ادم عليه السلام التي اكرمه ~~الله بها والدليل عليه قوله تعالى @QB@ إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكافرين @QE@ معناه صار من الكافرين باستكباره واما انكاره فضيلة ادم لانه ~~قال @QB@ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ # الجواب انا لاننكر استكباره وانكاره لفضيلة ادم التى وصفها الله تعالى له ~~لكن استدلالنا - بقوله @QB@ ففسق عن أمر ربه @QE@ وسمه بالفسق لخروجه عن ~~أمر ربه وايضا قال تعالى @QB@ ما ms032 منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ ووبخه بمجرد ~~ترك الامر لانه افاد الوجوب ولولا ذلك لم يستقم توبيخه وذمه بنسبة ذلك إلى ~~مجرد ترك الامر ويدل عليه ان الله تعالى قال @QB@ لا تجعلوا دعاء الرسول ~~بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ فقد حذر ~~الله تعالى خلاف الامر واوعد عليه وبين تعالى ان امره لنا ليس كامر بعضنا ~~لبعض في انه لايجب فان لنا فيه الخيرة وقد قال تعالى فى موضع اخر @QB@ وما ~~كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~@QE@ فقد نفى الله تعالى ثبوت الخيرة فى امره وانتفاء الخيرة نص في التحتيم ~~والايجاب ويروى انه عليه السلام دعا ابى بن كعب أو رجلا اخر من اصحابه وهو ~~يصلى فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء فقال لم يمنعنى من اجابتك الا انى كنت في ~~الصلاة فقال النبى صلى الله عليه وسلم الم تسمع قول الله يقول @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم @QE@ فأخبر ان ~~الاجابة واجبة عليه لهذا الخطاب PageV01P056 وعنه عليه السلام انه قال ( ~~لولا ان اشق على امتى لامرتهم بالسواك عند كل صلاة ) دل انه اذا امر وجب ~~وان لحقت المشقة # واذا قلنا ان الامر لايوجب فلا مشقة وايضا فان المتعارف من امر الصحابة ~~رضى الله عنهم انهم عقلوا عن مجرد اوامر الرسول صلوات الله عليه الوجوب ~~وسارعوا إلى تنفيذها ولم يراجعوه فيها ولم ينتظروا لها قران الوعيد وارادته ~~اياها بالتوكيد ولوكان كذلك لحكى عنهم ولنقل القرائن المضافة إلى الاوامر ~~كما نقلت اصولها فلما نقلت اوامره ونقل امتثال الصحابة لها من غير تلبث ~~وانتظار ونقل ايضا احترازهم عن مخالفتها بكل وجه عرفنا انهم اعتقدوا فيها ~~الوجوب وهذا كله من الشرع واما من حيث اللسان فلان العرب تستجيز نسبة ~~المخالف للامر إلى العصيان احالة له إلى نفس المخالفة يقول القائل منهم ~~لغيره ms033 امرتك فعصيتنى وهذا شيء متداول بينهم لا يمتنع أحد منهم عن إطلاقه ~~عند مخالفة الامر قال شاعرهم ( امرتك امرا جازما فعصيتنى % وكان من التوفيق ~~قتل ابن هاشم ) # وقال دريد بن الصمة ( امرتهم امرى بمتعرج اللوى % فلم يستبينوا الرشد الا ~~ضحى الغد ) ( فلما عصونى كنت منهم وقد % ارى غوايتهم واننى غير مهتد ) # ببينه ان العرب تقول امرتك فعصيتنى فعقب الامر بالعصيان موصولا بحرف ~~الفاء فدل انه كان ذلك مما سيق من الامر ومخالفته كما تقول زرتك فاكرمتنى ~~أو زرتنى فاكرمتك يدلان ان المؤثر في اكرامه كان زيارته كذلك المؤثر في ~~معصيته خلافه لامره واذا كان هو المؤثر دل انه موجب فان قالوا قد يقول ~~القائل لغيره اشرت عليك فعصيتنى ولاتدل على ان الاشارة عليه موجبة # قلنا انما يقال في الاشارة فلم يقبل منى ولا يقال فعصيتنى الا نادرا ولئن ~~قيل فهو على طريق التوسع لا على انه حقيقة ودليل اخر معتمد وهو من اقوى ~~الادلة PageV01P057 وهو دليل معقول ووجه ذلك ان قوله افعل طلب الفعل لا ~~محالة وطلب الفعل لا محالة ايجاب وانما قلنا انه طلب الفعل لا محالة لان ~~قوله افعل قضية الفعل بلا اشكال من غير ان يكون للترك فيه مشاع لان الترك ~~نقيض الفعل والشيء لانقيض يقتضيه وكذلك لا تخيير فيه لان التخيير ياخذ طرفا ~~من الترك فانه يخبر ليفعل أو يترك والامر يقتضى الفعل بكل حال من غير ان ~~يكون للترك فيه مشاع فلا يكون للتخيير فيه ايضا مشاع واذا ثبت بطلان ~~التخيير فيه والمندوب اليه على التخيير لانه وان كان الفعل منه اولى فالترك ~~فيه جائز من غير ان يكون فيه عيب على تاركه فبطل اقتضاء الندب ايضا على هذا ~~الوجه وبقى ما قلنا ان الامر لايقتضى طلب الفعل لا محال انما يقتضي مجرد ~~إرادة المأمور وارادة المامور لا توجب الفعل قالوا وهذا لانه لا فرق بين ~~قول القائل لغيره افعل وبين قول القائل اريد منك ان تفعل وهذا ليس بصحيح بل ~~الامر يقتضى الفعل بكل ms034 حال على ما سبق وليس قوله افعل مثل قوله اريد ان ~~تفعل لان قوله اريد منك ان تفعل اخبار بالارادة فحسب وليس بطلب الفعل منه ~~واما قوله افعل طلب الفعل صريحا فكيف يستويان وقد قال بعضهم في تقرير ما ~~ذكرناه ان الامر في اللغة لما كان موضوعا لطلب الفعل والفعل لا يحصل الا ~~بالوجوب لان الفعل اذا لم يكن واجبا لا يحصل لانه ترك فاقتضى الوجوب حتى ~~يحصل فصار وجوبا بايجابه فأوجبناه ليوجد # يدل عليه ان الائتمار من حكم الامر كما ان الانكسار من حكم الكسر كما ~~يقال كسر القنديل فانكسر وهدم الجدار فانهدم وامر بكذا فائتمر واذا كان ~~الائتمار من حكم الامر اقتضى حصول الائتمار كالكسر اقتضى حصول الانكسار الا ~~ان حصول الائتمار لما كان بفعل مختار اقتضى وجوب الفعل ليحصل الائتمار الا ~~ترى انه لما لم يكن الائتمار بفعل مختار حصل الائتمار عقيب الامر بلا واسطة ~~كالانكسار عقيب الكسر قال الله تعالى @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ كونوا قردة خاسئين @QE@ والجواب في ~~هذا الدليل ان الائتمار لما كان حكم الامر فاقتضى الامر ثبوت الائتمار ~~ضرورة ولا ائتمار إلا بالأيجاب ليوجد لا محالة فيثبت الوجوب ضرورة هذا ~~الطريق وهذا دليل اورده أبو زيد وفيه تكليف شديد والذي ذكرناه من قبل احسن ~~وقد استدل المتقدمون في هذه المسالة بأمر السيد عبده بفعل من الافعال ثم ~~اذا خالف يجوز تاديبه وحسن منه ذلك عند العقلاء كافة PageV01P058 ولولا انه ~~افاد الوجوب لم يحسن تاديبه الا بقرينة يصلها بامره ليدل على الوجوب وحين ~~جاز تاديبه ويقول له اؤدبك لانك خالفت امري وعصيتنى ولاتهجن في ذلك أحد ~~يسمع منه هذا المقال عرفنا انه يفيد الوجوب بصيغته والاعتماد على ماذكرنا ~~واذا عرفنا هذه الدلائل سهل الجواب عن شبههم # اما الاول فقولهم ان الامر طلب للفعل وقد ترجح الفعل على الترك بالندبية # قلنا وان ترجح جانب الفعل لكن الترك مدخل في الفعل # فان قلنا انه مندوب اليه لانه بتركه ms035 فيجوز له ذلك وقد بينا ان قوله افعل ~~يقتضى الفعل لا محالة وذلك هو الوجوب # واما قولهم ان قوله افعل لا يقتضى الا ارادة الفعل قد اجبنا عن هذا في ~~اثناء كلامنا وذكرنا الفرق بين قوله افعل وبين قوله اريد منك ان تفعل وعلى ~~انا بينا فيما تقدم ان الامر لا يدل على الارادة ويجوز ان تامر الامر بما ~~لا تريده من المامور # واما قولهم ان الأمر انما يكون امر بالرتبة # قلنا ليس فيما قلناه اكثر من ان السؤال لا يقتضى الوجوب وهذا كلام باطل ~~لان السؤال ليس بأمر والكلام في موجب الامر # وقولهم انهم فرقوا بمجرد الرتبة # قلنا واى مانع من التفريق بالرتبة واللغة منقولة عن اهل اللسان فاذا ~~سمعوا عن هذا امرا وهذا سؤالا وفرقوا بالرتبة لا بالصيغة وقع الفرقان ولم ~~يدل عدم الوجوب في السؤال على عدم الوجوب في الامر # بيانه ان القائل لغيره افعل على طريق السؤال نعتقد ان فعله لذلك على طريق ~~التطول والتفضل لا على طريق الخروج عن الامر حتى انه اذا لم يفعل لا ينسب ~~إلى العصيان والخلاف وانما ينسب إلى طريق التفضل والتكرم وهاهنا نعتقد ~~الامر ان فعله كالمامور على جهة الخروج عن الامر وينسب إلى العصيان والخلاف ~~عند ترك المامور فان قالوا ان الانسان اذا قال لمن هو فوقه افعل كذا يطلب ~~منه الفعل لا محالة من غير ان يدع له في تركه مساغا مثل ما اذا قال لمن هو ~~دونه افعل # قلنا ليس كما قلتم لانه سؤال على طريق التذلل والخضوع فيطلب منه الفعل مع ~~اعتقاده انه على تخييره وان فعله تفضل منه بخلاف مسالتنا فانه يطلب منه ~~الفعل على طريق الاستعلاء عليه ويعتقد انه لاخيرة له فيه بحال فكان مقتضيا ~~للإيجاب على PageV01P059 ما سبق فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل وهو معتمدهم ~~واما قولهم بان النهى يفيد الكراهة فيفيد الامر والارادة # قلنا عندنا ان النهى للتحريم فيكون الامر للايجاب وسياتى هذا من بعده # واما قولهم ان النوافل مامور بها ms036 # قلنا بلى ولكن على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة فان قلنا على طريق ~~الحقيقة سيتبين من بعد وقد قال بعض المخالفين لو كان مطلق الامر ظاهر يدل ~~على الوجوب لم يكن لورود التاكيد عليه معنى فحين دخل عليه التأكيد من ذكر ~~الالزام والايجاب وذكر الوعيد وما يجرى مجراه علمنا ان الوجوب كان بذلك ~~وايضا فانه يحسن الاستفسار من المخاطب ولو كان صيغته الوجوب لم يحسن ~~الاستفسار وليس واحد من هذين الكلام بشيء اما الاول فان اللفظ قد يؤكد فان ~~كان له ظاهر معمول به مثل قولهم ثلاثة وسبعة فتلك عشرة والتاكيد واسع في ~~كلام العرب # قال أبو المكارم الاعرابى هو شيء شد به كلامنا واما الاستفسار فلا نسلم ~~حسنه بعد ان يكون الكلام معلوما في نفسه وعلى انه ان قيل فهو نوع استظهار ~~وطلب زيادة شرح وتبيين وهو ايضا داخل في كلام العرب مع كون الكلام صحيحا في ~~نفسه معمولا به والله اعلم بالصواب # | فصل # ثم اعلم ان هذه الصيغة سواء وردت ابتداء أو وردت بعد الحظر فانها تقتضى ~~الوجوب PageV01P060 # وقال بعض اصحابنا اذا وردت بعض الحظر اقتضت الاباحة وعليه دل ظاهر قول ~~الشافعى رحمه الله في احكام القران # وتعلق من قال بالقول الثانى بان الامر المطلق المتجرد عن القرائن هو ~~الدليل على الوجوب وتقدم الحظر قرينة دالة على الاباحة مثل قوله @QB@ وإذا ~~حللتم فاصطادوا @QE@ ولان عرف الشرع وعرف العادة معتبر والمعروف في الامر ~~الوارد بعد الحظر في الشرع انه يفيد الاباحة بدليل قوله تعالى @QB@ وإذا ~~حللتم فاصطادوا @QE@ وبدليل قوله تعالى @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ~~@QE@ وكذلك عرف العادة فإن من قال لعبده لا تدخل الدار ثم قال ادخل كان ~~المعقول منه رفع النهى المتقدم لا ايجاب الدخول # واما الدليل على القول الاول وهو الاصح ان صيغة الامر الوارد بعد الحظر ~~مثل صيغة الأمر الوارد بعد الحظر مثل صيغة الأمر الوارد ابتداء فإذا كانت ~~صيغة الأمر ابتداء فاذا كانت صيغة لمر ابتداء مفيدة للوجوب كذلك الوارد بعد ~~الحظر وهذا لان ms037 الموجب هو الصيغة والصيغة لا تختلف بتقدم الحظر وعدم تقدمه ~~ولان النهى الوارد بعد الاباحة يفيد ما يفيده النهى ابتداء كذلك الامر ~~الوارد بعد الحظر يفيد ما يفيده في الابتداء وربما يمنعون هذا # واما قولهم ان تقدم الحظر قرينة لا نسلم وهذا لان الحظر ليس له اتصال ~~بالامر المتاخر فكيف نجعل قرينة فيه وهذا لان المنع فى الشريعة فى الالفاظ ~~لا الاعراض اذ الاعراض لا يمكن الوقوف عليها فوجب ترك التفتيش عنها ولزم ~~الرجوع إلى حقائق PageV01P061 الالفاظ فى الشريعة # واما قولهم ان الكلام يحمل على عرف الشرع وعلى عرف العادة # قلنا اما ما ذكروا من الايات فانما حمل الامر على الاباحة في هذا الموضوع ~~بدليل # واما الذي ذكروه من عرف العادة فلا نسلم ذلك والعادة فى ذلك مختلفة فلا ~~يمكن الرجوع اليها فنرجع إلى نفس اللفظ على ماسبق # الا ترى ان لفظ الايجاب وهو قول القائل اوجبت كذا والزمت كذا لافرق فيه ~~بين ان يرد به قبل الحظر أو يرد ابتداء كذلك لفظ الامر الذي يقتضي الإيجاب ~~يكون كذلك # | فصل # ثم اختلف اصحابنا فى الامر اذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب وحمل ~~على الندب هل هو مأمور به اولا فمن اصحابنا من قال ليس بمأمور به ولئن سمى ~~مامورا به فهو على المجاز # ومنهم من قال هو مامور به حقيقة # اما الذين قالوا بالاول يذهبون إلى ان الأمر حقيقة في الايجاب فاذا ~~استعمل في غير الايجاب يكون مجازا كما لو استعمل فى الاباحة وكسائر الالفاظ ~~التى تستعمل فى غير موضعها واما الذين قالوا بالثانى ذهبوا إلى ان الواجب ~~ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على ~~تركه فاذا حمل الأمر على الندب فقد حمل على بعض ما اشتمل عليه الواجب فكان ~~حقيقة فيه كما لو حمل العموم على بعض مدلوله فإنه يكون حقيقة فيه كذلك ~~هاهنا والاول احسن لان المندوب اليه غير الواجب قطعا وبان كان يثاب على ~~فعله المندوب اليه لا ms038 يذهب هذه الغيرية لأن الشيئين يجوز ان يستويا فى بعض ~~الاشياء وان كانا مختلفين لعدم التشابه فى باقى الاوصاف واذا ثبت الاختلاف ~~فاذا حمل الامرعليه عرفنا قطعا انه استعمل فى غير حقيقته فلا بد ان يكون ~~مجازا # | فصل # اذا دل الدليل على انه لم يرد بالامر الوجوب لم يجز الاحتجاج به على ~~الجواز ومن اصحابنا من قال يجوز لان الوجوب وان انتفى فانتفاؤه لا يدل على ~~انتفاء الجواز PageV01P062 والاول اظهر لان اللفظ لم يوضع للجواز واما وضع ~~للايجاب والجواز يدخل فيه على طريق التبع فإذا سقط الاصل سقط ما دخل فيه ~~على سبيل التبع PageV01P063 PageV01P064 # مسألة الأمر لا يفيد التكرار على قول اكثر اصحابنا # وقال بعضهم يفيد التكرار وهو اختيار الاستاذ ابى اسحاق الاسفرائينى # وقد قال بعض اصحابنا انه لا يفيد التكرار ولا يحتمله فالأولى ان تقول انه ~~يحتمله لكن لا يفيده بمطلقه PageV01P065 PageV01P066 PageV01P067 ~~PageV01P068 # اما الذين قالوا انه يفيد التكرار تعلقوا بحديث الاقرع بن حابس انه قال ~~يا رسول الله احجتنا هذه لعامنا أم للابد فقال للابد ولو قلت لعامنا لوجب ~~وما استطعتم فقد اشكل عليه انه على التكرار أو لا على التكرار ولو كان ~~لايفيد لما اشكل عليه ولم يكن لهذا السؤال معنى ولأن الأمر ضد النهى وهو في ~~طلب الفعل مثل النهى في طلب الكف عن العمل ثم النهى يفيد التكرار وكذلك ~~الامر حتى لو ترك الفعل مرة ثم فعله يكون مرتكبا للنهى كذلك هاهنا اذا فعل ~~المامور مرة ثم لم يفعله يكون تاركا للامر ولانه يفيد الفعل ويفيد اعتقاد ~~الوجوب ثم هو يفيد اعتقاد الوجوب على الدوام فيفيد الفعل على الدوام ~~والدوام فيه ان يفعله على وصف التكرار ولو اقتضى الفعل مرة وجب ان لايجوز ~~عليه النسخ لانه يكون بدءا والبداء على الله تعالى لايجوز ولان الامر ~~لايتخصص بوقت دون وقت فليس بأن يقال يجب فى بعض الاوقات باولى من قول ~~القائل يجب فى البعض فوجب فى كل الاوقات وهذا لان القول بالاستيعاب واجب فى ~~الخطاب لطلب كثرة الفوائد ms039 والتكرار من الاستيعاب وقد اتفقنا على ان الامر ~~لا يتناول ما ينطلق عليه الاسم حتى لو قال لغلامه كل فأكل لقمة واحدة لا ~~يكون ممتثلا للأمر وإذا لم يحمل على ادنى ما ينطلق عليه الاسم وجب أن يحمل ~~على جنس ما ينطلق عليه الاسم لأن مالا يحمل على الخصوص يحمل على العموم لأن ~~القول بالعموم فى كل ما يمكن فيه القول واجب # وأما حجتنا فنقول قوله صل أمر بما قوله صلى خبر عنه كذلك قوله صل لا ~~يقتضى فعل مرة واحدة ليكون قوله صلى خبرا عنه كذلك قوله صل لا يقتضي الفعل ~~PageV01P069 إلا مرة ليكون قول صل امرا به وهذا لأنه قوله صل أحد تصارف ~~الفعل فصار كما لو قال صلى وهذا لأن تصاريف الفعل لا تختلف عن الفعل لأن ~~الفعل واحد فى الكل وإنما اختلفت تصاريفه فإذا كان واحدا فى تصريف الخبر ~~وتصريف المستقبل # مثل قوله ضرب يضرب كذلك فى تصريف الأمر وهم يوردون على هذا تصريف النهى ~~وسنجيب عنه # ويمكن أن يقال مثال مأخوذ من المصدر كالخبر # ألاترى ان ضرب مأخوذ من الضرب فكذلك اضرب مثال مأخوذ من الضرب فثبت ~~استواؤهما من هذا الوجه وهكذا الحقيقة وهو أن الأمر يقتضى الامتثال فلا ~~يتناول إلا قدر ما يصير به ممتثلا للأمر وبالفعل مرة يصير ممتثلا للأمر دل ~~أن الأمر تناوله بلا زيادة فإن قالوا إنما يصير ممتثلا بعض الأمر دون الكل # قلنا لا يصير ممتثلا كل الأمر فإن من قال لغلامه اسقنى فسقاه مرة يصير ~~ممتثلا كل ماأمره به وكذلك إذا قال اشتر لحما وخبزا ففعل مرة صار ممتثلا ~~على الإطلاق # ألاترى أنه لو كرر فى هذه الصورة يجوز أن يعاقبه السيد فيقول أمرتك مرة ~~فلم زدت عليه وأيضا فإن الغلام يعد نفسه ممتثلا للأمر وكذلك العقلاء يعدونه ~~ممتثلا للأمر ولا يستحسنون عتابه فى ترك الأمر وهذا لأن قوله صل معناه صل ~~صلاة وكذلك قوله صم وكل واشرب وادخل واشتر وقوله صلاة وصوما نكرة فى اثبات ~~وأجمع أهل اللغة ms040 أن النكرة فى الاثبات تخص ولا تعم فاقتضى وجود ما سمى صلاة ~~وصوما أو دخولا وخروجا أو شربا أو أكلا وخرج على هذا فصل النهى الذى تعلقوا ~~به لأنه على الصورة التى قلنا بها يكون نكرة فى النفى تعم ولا تخص بالإجماع ~~ونظير النكرة فى النفى قوله ما رأيت رجلا ونظير النكرة فى الإثبات رأيت ~~رجلا # فإن قالوا إنما تجعل كأنه قال افعل الصلاة وافعل الصوم أوافعل الدخول ~~وإدخال الألف واللام يقتضى استيعاب الجنس # قلنا إنما نقدر من المصدر ما يستقبل به الكلام وقد استقل متعد وصلاة ~~منكرة وصوم منكر فلا حاجة إلى تقديره بالألف واللام وقد قال الأصحاب إن ~~الطاعة والمعصية فى الأوامر على مثال البر والحنث فى الأيمان ثم البر ~~والحنث في الأيمان يحصل فى الفعل مرة والأمثلة معلومة كذلك الطاعة والمعصية ~~فى الأوامر وعلى هذا أوامر العباد فى قولهم طلق وأعتق وبع واشتر وتزوج ولا ~~تتزوج فإن فى هذه الصورة يحصل الامتثال بفعل المأمور مرة واحدة PageV01P070 ~~ى # فإن قالوا إن الخلاف فى قضية الأمر فلا يجوز أن نلتمس ذلك من قضايا الشرع ~~خصوصا فى الشرعيات التى تثبت على العادات # قلنا بل هو على ما قلتم فى البر والحنث من قضايا الشرع لكن هذه القضايا ~~جاءت على ما يوافق اللغة وهذا لأنه يجب أن نعرف مقتضى الأفعال ثم نبنى ~~الشرع عليه فيستدل بإجماعهم فى هذه المسائل على أن الأوامر ما اقتضت الفعل ~~إلا مرة واحدة على أنهم علموا أن الأمر لا يقتضى الفعل الا مرة واحدة حتى ~~بنوا الأحكام على هذا الأصل # أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما تعلقهم بحديث الأقرع يقال لهم أولا لو ~~كان الأمر يقتضى التكرار لم يقل أم للأبد بل كان ينبغى أن لا يشتبه عليه ~~ذلك ثم نقول إنما سأله لأنه وجد أوامر فى القران مقتضية للتكرار لكن مثال ~~لذلك لأنه ظن من هذا الأمر مثل تلك الأوامر # فإن قالوا نحن نتعلق بالأوامر التى وردت فى القران واقتضت التكرار # قلنا نحن لا ms041 ننكر احتمال الأمر للتكرار لكن إنما أنكرنا أن يكون موضوعا ~~لذلك فأما إذا وردت فأريد بها التكرار بدليل يقوم على ذلك فنحن لا ننكره ~~وعلى انه ورد فى القران من الاوامر ما لا يقتضى التكرار مثل قوله تعالى ~~@QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ومثل قوله تعالى @QB@ الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ # وأما تعلقهم بالنهى واعتبارهم الأمر بذلك فغير صحيح فإنه يمكن أن يقال ~~أولا لا نسلم أن النهى يقتضى التكرار لأن معنى التكرار أن يفعل فعلا وبعد ~~فراغه منه يعود اليه وهذا لا يوجد فى النهى لأن الكف فعل واحد مستدام وليس ~~بأفعال مكررة بخلاف الأمر فإنه يوجد فيه أفعال متكررة على ماذكرنا والأمر ~~فيه دليل على الفعل وليس فيه دليل على إعادة الفعل بعد الفراغ منه وعلى أنه ~~إن بينت الفرق الذى قالوه # فيقال لا فرق بينهما لغة فإن واحدا منهما لا يفيد التكرار لغة وإنما ~~افترقا من حيث العرف فإن من قال لغلامه افعل كذا واخرج إلى السوق فإن هذا ~~الأمر يقتضى أن يفعل مرة فقط وإذا قال لا تخرج أو لا تفعل يقتضى هذا النهى ~~أن لا تفعل أبدا فالفرق كان من حيث العرف لا من حيث اللغة وقد قال بعض ~~أصحابنا فى الفرق بين الأمر والنهى PageV01P071 إن فى حمل الأمر على ~~التكرار ضيقا وحرجا يلحق الناس لأنه اذا كان الأمر يقتضى الدوام عليه لم ~~يتفرغ لسائر أموره وتعطل عليه جميع مصالحه وأما النهى لا يقتضى الا الكف ~~والأمتناع ولا ضيق ولا حرج فى الكف والامتناع وهذا لأن الوقت لا يضيق عن ~~أنواع الكف ويضيق عن أنواع الفعل وهذا الفصل يضعف لأن الكلام فى مقتضى ~~اللفظ فى نفسه وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد وربما يوجد ~~وربما لا يوجد فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ وعلى أنه يلزم على هذا الفصل ~~أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام الا القدر الذي يعتذر عليه ويمنعه من قضاء ~~حاجته وهذا لا يقوله أحد وقد بينا الفرق ms042 بين الأمر والنهى فى قولنا إن ~~الأمر لا يقتضى فعلا على وجه التنكير وهو ما يخص فى الأمر ويعم فى النهى ~~وهو جواب معتمد وأيضا فإنه يمكن أن نفرق بينهما بالمسائل التى ذكرناها فى ~~البر والحنث وكذلك مسائل الوكالات # وأما قولهم إن اعتقاد الوجوب يجب على الدوام # قلنا لا يجب عليه إلا أن يعتقد وجوب الفعل مرة إلا أنه لا يجوز أن يترك ~~هذا الإعتقاد لأنه يؤدى إلى أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو به وهو مثل ما ~~إذا قيل بمرة واحدة فإنه يلزمه إعتقاد وجوبه على ما يلزمه فى الأمر المطلق ~~ومع ذلك هو غير مقيد للتكرار # وأما قولهم إنه لوأفاد العمل مرة لم يجز عليه النسخ # قلنا عندنا يجوز نسخ المأمور قبل وجود وقت فعله ولا يكون أداء فكيف يكون ~~هذا أداء وسنبين ذلك من بعد # وقد قال بعض أصحابنا إنا إذا قلنا إن الأمر على الفور ويقتضى الفعل مرة ~~لا يجوز عليه النسخ وإنما يجوز النسخ عليه إذا دل الدليل على إفادته ~~التكرار وإن قلنا إنه دليل على التراخى والأمر وإن اقتضى الفعل مرة ولكن ~~الأوقات تتناوب فيه فجاز النسخ بعد ما مضى وقت واحد ولا يدل ذلك على الأداء ~~وأما الذي قالوا أنه ينبغى أن يحمل على العموم فى الجنس # قلنا قد بينا أن التقدير فى اللفظ صل صلاة أو صم صوما وعلى هذا لا يجوز ~~حمله على الإستيعاب فى الجنس وحين وصلنا إلى هذا الموضع فقد إنتهت المسألة ~~PageV01P072 ومما يتفرع على هذه المسألة الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يتكرر ~~بتكرارها # والمذهب الصحيح أنه لايتكرر بتكرارها وقضيته عند وجود الشرط والصفة مثل ~~قضيته عند إطلاق الأمر # وزعم بعض أصحابنا أنه يتكرر بتكرارها وإن كان لا يفيد التكرار عند ~~PageV01P073 الإطلاق وتعلقوا بالأوامر المعلقة بالشروط فى القرآن فإنها ~~تتكرر بتكرار الشروط كذلك ما جاء فى غير القران يكون كذلك ولأن الشروط ~~كالعلة # ألا ترى انه اذا وجد الشرط وجد المشروط مثل ما اذا وجدت العلة وجد ms043 ~~المعلول ولا خلاف أن المعلول يتكرر بتكرار العلة كذلك وجب أن يتكرر المشروط ~~بتكرار الشرط ولأنه لا خلاف أن النهى المتعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط ~~فكذلك الأمر يكون كذلك لأنه ضده PageV01P074 ولأن عمل أحدهما فى الفعل مثل ~~عمل الآخر فى الكف عن الفعل وأما الدليل لنا أن الأمر المطلق لا يفيد ~~التكرار وكذلك المعلق بالشرط لأن الشرط لا يقتضى الا تأخر الأمر إلى وجود ~~الشرط ثم اذا وجد الشرط تعين الأمر منزلة الإبتداء فى هذه الحالة فلا يفيد ~~الا ما يفيده عند ابتدائه ولأنه اذا قال لغلامه اذا دخلت السوق فاشتر كذا ~~فإنه لا يفيد أنه كلما دخل السوق يجب عليه أن يشترى اللحم وهذا معلوم قطعا ~~ومن ادعى خلافه فهو مكابر واما تعلقهم بالأوامر الواردة قبل الشرع على ~~التعليق بالشرط # فقلنا لم يكن ذلك قضيته الأمر بل كان ذلك بدلا دلت عليه قرائن اقترنت ~~بالأمر فأفادت ذلك # وأما التعلق بالعلة قلنا العلة موجبة للحكم والموجب لا ينفك عن الموجب أو ~~هي دلالة على الحكم والدليل لا ينفك عن المدلول وأما الشرط فليس بموجب ~~للحكم ولا هو دلاله عليه إنما هو علامة على الحكم فحسب ويجوز أن يوجد الشرط ~~ولا مشروط وسنبين بعد هذا الفرق بين العلة و الشرط وعلى الإيجاز نقول هاهنا ~~إن الحكم يقتصر ثبوته على العلة ولا يحتاج إلى أمر آخر وثبوت المشروط لا ~~يقتصر على الشرط بل يحتاج إلى موجب يوجبه وهو العله مثال هذا أن كون الواحد ~~منا حيا شرط لكونه قادرا وكونه قادرا لا يثبت كونه حيا بمعنى آخر وراء ~~الحياة وأما تعلقهم بالنهي فقد أجبنا عنه في المسألة الأولى والله أعلم # | مسألة # اذا ثبت أن الواجب بالأمر الفعل الواحد فهو على الفور أو على التراخى # اختلف أصحابنا فيه # فقال ابوعلى بن خيران وأبو على بن أبى هريرة وأبو بكر القفال وأبو على ~~صاحب الإفصاح أنه على التراخى وهو الأصح وهو قول أكثر المتكلمين ونصره أبو ~~بكر محمد بن الطيب وقاله أبو على وأبو ms044 هاشم # وزعم أبو بكر الصيرفى من أصحابنا والقاضى أبو حامد وأبو بكر الدقاق أنه ~~على الفور وهو قول أكثر أصحاب أبى حنيفة وذهب إليه طائفة من المتكلمين ~~PageV01P075 وقال بعضهم إنه على الوقف ولا يحمل على الفور ولا على التراخى ~~الا بدليل PageV01P076 PageV01P077 واعلم أن قولنا إنه على التراخى ليس ~~معناه على أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل لكن معناه أنه ليس على التعجيل # والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير ~~أن يكون له تعرض للوقت بحال # وعند الآخرين أن قوله : افعل يقتضى الفعل في أوقات الإمكان : فمنهم من ~~قال : إن لفظ الأمر يقتضى كذلك ومنهم من قال : إن الواجب المستفاد بالأمر ~~يقتضيه # أما من قال منهم : إن لفظ الأمر يقتضى ذلك ، فاستدلوا بأمر السيد عبده ~~وصورته أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه أن يعجل سقيه الماء ~~ولو لم يفعل استحسن العقلاء ذمة على تأخير سقيه # قالوا : فإن قلتم إنه اقتضى ذلك بقرينة نقول إن السيد يعلل ذمه لعبده ~~فيقول أمرته بشيء فأخره فلا يحل الذم إلا على مجرد تأخير الأمر هذا دليل # واستدل أيضا من قال إن لفظ الأمر يقتضي العجل بأن الوقت وإن لم يكن ~~مذكورا في لفظ الأمر فإن الفعل لما كان إنما يقع في وقت وجب أن يفيد إيقاعه ~~في أقرب الأوقات إليه كما أن ألفاظ البيع والنكاح والطلاق والعتاق يفيد ~~وقوعهما فى أقرب الأوقات إليها # ببينة أن هذه الأشياء إيقاعات من غير أن يكون فيها تعرض للوقت فإذا كان ~~موضوعها على التعجيل لأن الوقت الأول أقرب الأوقات إلى الإيقاع كذلك الأمر ~~الذي هوطلب الفعل # وأما دليلهم من حيث النظر في فكرة الأمر فمن وجوه منها أن الأمر قد اقتضى ~~وجوب الفعل في أول الفعل والدليل عليه أنه لو أوقعه المكلف فيه أسقط بذلك ~~الفرض عن نفسه فجواز تأخيره نقض لوجوبه لأن حد الواجب ما لايسع تركه ولاشك ~~أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه فثبت ms045 أن في التأخير نقض الوجوب وإلحاقه ~~بالنافلة وهذا باطل وهذا دليل معتمد # قالوا فإن قلتم إن التأخير لا ينقض الوجوب ولا يلحقه بالنافلة لأن ~~النافلة يجوز الإخلال بها أصلا وهذا لايجوز الإخلال به لأنه وإن أخره فلا ~~بد أن يفعله في PageV01P078 زمان غيره وهذا غير صحيح لأن الإلزم هو وجوبه ~~في أول أوقات الإمكان ثم جواز تركه فقد يلحق بالنافلة في هذا الوقت وليس ~~الإلزام أنه التحق بالنافلة على الإطلاق حتى يفصلوا بينه وين النوافل ~~المطلقة إنما الإلزام الحاقه بالنافلة في وقت وجوبه # قالوا وقول بعض أصحابكم إن التأخير إنما جاز ببدل يقيمه مقام فعله وهو ~~العزم على فعله في الوقت الثاني فهذا كلام باطل لأنه أولا إثبات بدل ~~العبادة لادليل عليها # فإن قلتم وجوب العزم بالإجماع على أداء الفعل في الثاني دليل نقول لكم ~~ومن بسلم بهذا الإجماع بل لو قيل إن الإجماع على سقوط وجوب العزم كان صحيحا ~~فإن من دخل عليه وقت الصلاة فأخرها عن أول وقتها من أن يخطر بباله عزما أو ~~ترك عزم فإنه لا يعلم بين الأمة خلاف أنه يجوز له ذلك وإذا فعل الصلاة من ~~بعد في وقتها لم يكن عليه وزر ولا وبال وقالوا اللهم إلا أن يكون المعنى من ~~الوجوب العزم الذي هو أصل ما يجب على كل مؤمن # من التزام الفعل وكونه على أدائه وترك الإخلال به وهذا أمر لايختص ~~بالأوقات فإنه يجب على كل إنسان في العبادات قبل دخول أوقاتها بعد دخولها ~~في قضية الأوامر الواجبة بعد وجود أوقاتها قالوا ولأن العزم لو كان بدلا عن ~~العبادة لوجب أن يقوم مقام العبادة بحال لأن البدل ما يقوم مقام الأصل فى ~~وجوه مصالحها وأجمعنا على أنه لا يقوم مقام العبادة بحال فإن أصل الفعل لا ~~يسقط بالعزم على الفعل بوجه ما # قالوا فإن قلتم إنه يقوم مقامه في الوقت الأول دون الوقت الثاني نقول إذا ~~قام مقامه في الوقت الأول وقضية الفعل في الوقت الأول سقوط الفرض عن المكلف ~~فينبغي ms046 أن يقوم مقامه في هذا الغرض قالوا ولأنكم اعتقدتم هذا الأمر فرضا ~~آخر معجلا وهو العزم على الفعل من غير أن يكون لصيغة الأمر تعرض له ~~واعتقدتم تأخير الفعل مع اقتضاء الأمر الفعل ولا دليل على التأخير وهذا خطأ ~~فاحش فبطل قول من قال إن العزم يدل وصح الدليل الذي تعلقنا به # دليل آخر للقائلين بموجب الأمر على الفور وهو أن الأمر بالفعل يقتضي ~~الفعل ويقتضي اعتقاد وجوبه ويقتضى العزم على فعله ثم كان اقتضاؤه اعتقاد ~~الوجوب واقتضاؤه العزم على فعله على الفور والتعجيل فكذلك اقتضاؤه الفعل ~~يكون على هذا الوصف أيضا وتعلقوا بالنهى أيضا فإنه يقتضي الإنتهاء عن الفعل ~~على الفور فكذلك PageV01P079 الأمر يكون اقتضاؤه بالفعل على الفور ولأن كل ~~واحد نظير صاحبه ومما يعتمدون عليه وهو شبه المسألة وإشكالها أن القول ~~بالتأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة فيكون باطلا فى نفسه لأن ما يؤدى إلى ~~الباطل باطل وإنما قلنا ذلك لأنه اذا جاز التأخير فلا يخلو إما أن يجوز إلى ~~غاية أو لا إلى غاية فإن جاز لا إلى غاية فإما أن يجوز إلى بدل أو لا ألى ~~بدل فأن قلتم لا إلى بدل فهذا نقض لوجوبه وإلحاق له بالنوافل وهو لا يجوز ~~وإن قلتم يجوز إلى بدل فإما أن يكون البدل هو العزم على فعله فى الوقت ~~الثانى أو الوصية به فأما العزم فقد أبطلنا كونه بدلا والمعتمد فى إبطاله ~~أنه لا دليل على كونه بدلا فلا يجوز تأخير العبادة إلى بدل لا دليل عليه # فان قلتم إن الإجماع ثابت على وجوب العزم فقد بينا أن لا إجماع وعلى أنه ~~وإن وجب العزم فوجوب الشيء لا يدل على أنه يكون بدلا من غيره بل الأصح أن ~~الأمر يوجب الفعل أصلا ويوجب العزم عليه أصلا إلا أن وجوب أحدهما بالصريح ~~ووجوب الاخر بالدلالة وأما القول بجواز التأخير إلى بدل الوصية فباطل أيضا ~~لأنه ليس كل العبادات مما يجوز الوصاية بفعلها وعلى أنه إن كان أمر الله ~~تعالى لنا ms047 أن نفعل العبادة لا يمنع من أن يعزم على الإخلال أو يوصى غيرنا ~~بها لم يمنع أيضا أمرنا الوصى أن يوصى بما وصيناه به ويحل بفعله بنفسه ~~وكذلك القول فى الوصى الثانى والثالث إلى ما لا يتناهى # قالوا وإن قلتم يجوز التأخير إلى غاية فلا يخلوا لنا أن تكون الغاية ~~معينة أو موصوفة فالمعينة أن يقال يجوز له التأخير إلى اليوم الثانى أو ~~الثالث أو وقت كذا أو سنة كذا فلا يجوز تأخيره بعده وهذا لم يقل به أحد ولا ~~دليل عليه فهو باطل # وأما الموصوفة فهو أن يقال يجوز له تأخيره إلى الوقت الذي يغلب على ظنه ~~أنه لو أخر عنه فات وهذا لا يخلوا إما أن يغلب على ظنه لا بأمارة أو يغلب ~~على ظنه بأمارة من شدة مرض وعلو سن وغير ذلك وهذا باطل ايضا أما غلبة الظن ~~لا عن إمارة فليس بشيء لأن الظن لا عن أمارة لا يجوز تعليق حكم الشرع به ~~ولأنه قد يغلب الظن على السوء اى فى الموت وغيره ولا يجوز أن نعتبر مثل هذا ~~الظن فى شيء وأما الظن عن أمارة فهو باطل أيضا لأن كثيرا من الناس يموتون ~~فجأة وبغتة ولا يوجد لهم غلبة الظن فيموتون فما قلتم يقتضى انه لم تجب ~~عليهم العبادة لأنه قد جاء عندكم التأخير إلى غاية ولا غاية فى حقهم وكان ~~التأخير لهم جائزا على الإطلاق PageV01P080 فانتقض الوجوب فى حقهم أصلا # ببينة وهو الإشكال إن الأمر بالفعل يقتضى الفعل لا محالة هذا الطريق صار ~~موجبا للفعل على ما سبق بيانه وعلى ما قلتم لا يكون موجبا للفعل لأنه لا ~~يكون مقتضيا للفعل لا محالة لأنه إذا جاز التأخير ولم يتضيق عليه فى وقت ما ~~فلا وجوب وإن تضيق عليه فى وقت ما فلا يكون ذلك التضييق على العموم فى حق ~~المكلفين فإنه إن يضيق فى حق من يغلب على ظنه لا يتضيق فى حق من لا يغلب ~~على ظنه ويموت بغتة فلا يكون الأمر مقتضيا ms048 للفعل لا محالة فينتقض الوجوب # والحرف أن الأمر إذا أوجب الفعل على العموم فلا يجوز أن يكون علامة ~~الوجوب إلا على الأمر وأما حجة القائلين بالتراخى وهو الأصح فدل أولا أنه ~~ليس فى لفظ قوله افعل دليل على صفة الفور والتعجيل فنقول قوله افعل صيغة ~~موضوعة لطلب الفعل ولا تقتضى الا مجرد طلب الفعل من غير زيادة كسائر الصيغ ~~الموضوعة للأشياء فإنها لا تفيد إلا ما وضع لها ولا يفيد زيادة عليها وأقرب ~~ما يعتد صيغة طلب الفعل فى المستعمل بصيغة الخبر عن الفعل الماضى ثم لو ~~أخبر عن فعل فى الماضى لم يدل الخبر عن الفعل إلا على مجرد الفعل ويكون خبر ~~الفاعل عن الفعل بعد فعله بمدة قرينة على وجه واحد كذلك هاهنا وهذا لأن ~~قوله لغيره افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه ما وإنما هو مجرد طلب الفعل وليس ~~فيه دليل على وقت متقدم وعلى وقت متأخر ولا يجوز أن يدل اللفظ على ما لا ~~يتعرض له اللفظ وهو دليل على التقييد وهذا لا يجوز كيف وقد جعلوا تقييد ~~المطلق نسخا له فى كثير من المسائل على ما عرف من مذهبهم إيقاع الفعل فحسب ~~إلا أن الزمان من ضرورته لأن الفعل من العباد لا يصير موقعا إلا فى زمان ~~فصارت الحاجة ماسة إلى الزمان ليحصل الفعل موقعا والزمان الأول والثانى ~~والثالث فى هذا المعنى وهو حصول وقوع الفعل واحد وإذا استوت الأزمنة فى هذا ~~المعنى بطل التخصيص والتقييد بزمان دون زمان وصار كما لو قال افعل كذا فى ~~أي زمان شئت فهذه الدلائل من حيث بيان أن الأمر لا يقتضى التعجيل بلفظه ثم ~~يدل على أنه لا يقتضى التعجيل بفائدة فنقول لو كان يقتضى التعجيل بفائدته ~~لكان يقتضيه من حيث أن الأمر يفيد الوجوب ولا يتم الوجوب مع القول بجواز ~~التراخى وهذا لا يصح لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا على المكلف وإن كان ~~مخيرا بين فعله فى أول الوقت وفعله فيما بعده فيجوز له التأخير ما ms049 لم يغلب ~~على ظنه فواته PageV01P081 إن لم يفعله فمتى غلب على ظنه فواته إن لم يفعله ~~حرم التأخير فيكون هذا الأمر مقتضيا طلب الفعل منه فى مدة غيره بشرط أن لا ~~يخلوا زمان العلم منه فيصير واجبا عليه بوصف التوسع لا بوصف التضييق ~~والتكليف على هذا الوجه لا يمنع منه معقول ولا مشروع # أما المعقول فإنه لو صرح بمثل هذا الأمر لم يكن مستنكرا عند أحد العقلاء ~~ولو قال السيد لغلامه افعل كذا غدا أو قال افعل فى شهر كذا أو سنة كذا ~~ومراده أن يأتى به فى أي وقت يختاره من هذه المدة بشرط ألا يخلى المدة منه ~~فإنه يكون صحيحا غير مستبعد ولا مستنكر وأما المشروع فقد ورد الشرع بمثاله ~~وذلك فى الصلوات المفروضات فى الأزمنة المعلومة لها وكذلك القضاء الواجب ~~عند ترك الصوم بعد زوال الكفارات الواجبات والزكوات على أصولهم وبهذا ~~المعنى أجمع أهل العلم على أنه فى أي زمان فعله يكون مؤديا ويحسن أن يوصف ~~بالإمتثال لأمره ولهذا المعنى أجمع أهل العلم أيضا أن الإيمان على الأفعال ~~يحصل البر فيها سواء اتى بالأفعال على الفور أو على التراخى فيثبت أنه لا ~~دليل على صفة الفورية لا من جهة لفظ الأمر ولا من جهة فائدته والقول بالشيء ~~بلا دليل عليه باطل # فإن قالوا ليس مع هذا كله أجبتم المسارعة والمبادرة فى الأوامر فكذلك جاز ~~إن وجب ذلك # قلنا إنما أوجبنا المسارعة والمبادرة بلا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة ~~معناه لكن بدليل أجنبى جاء من جهة الشرع استجلب المبادرة إلى كل الطاعات ~~والكلام فى هذا الاقتضاء من حيث اللفظ وقد يدل على ما ذكرناه أيضا قصة عمر ~~رضى الله عنه أنه قال لأبى بكر رضى الله عنه فى زمان الحديبية من صد النبى ~~صلى الله عليه وسلم عن البيت ووقوع الصلح على الرجوع فى ذلك العام أليس أن ~~الله تعالى وعدنا أن ندخل المسجد الحرام فقال له أبو بكر أقال العام قال لا ~~قال فسندخل فسكت ms050 عمر وعلم الحق من قوله وكذلك سائر الصحابة رضى الله عنهم ~~علموا ذلك واعتقدوا صدق الوعد بهذا الطريق مع وجوه تراخى الدخول فثبت أنهم ~~علموا ذلك بالطريق الذي قدمناه فكذلك الأمر يكون بمثابته ومنوالهم على ما ~~ذكرناه بما أوردناه فى شبههم وسنفصل عنها ونزيل الإشكال منها بعون الله ~~تعالى # الجواب أما كلامهم الأول وهو تعلقهم بالسيد إذا أمر غلامه بسقيه الماء ~~PageV01P082 # قلنا إنما عقل التعجيل فى ذلك الأمر بقرينة دلت عليه وهى علم العبد أن ~~السيد لا يستدعى الماء إلا وهو محتاج إلى شربه هذا هو الأغلب ولو لم يوجد ~~إلا فى الأمر فإنه لا يعقل ذلك # وأما قولهم إن السيد يقول أمرته بكذا فأخره # قلنا وقد يعتذر العبد فيقول أمرنى بكذا ولم يأمرنى بتعجيله ولا علمت أن ~~عليه فى تأخيره مضرة # وأما كلامهم الثانى قلنا هذه الأحكام التي تعلقوا بها عامة صيغها صيغ ~~أخبار وقد بينا أن صيغة الخبر لا تدل على قرب من المخبر عنه ولا يعد إلا ~~بدليل يقترن به أيضا فإن هذه العقود فى الشرع إيقاعات تقتضى أحكاما على ~~التأبيد فلا بد أن تتصل أحكامها بالعقود ليصح القول بإتيانها على التأبيد ~~فهو مثل النهى فى مسألتنا فإنه لما اقتضى الانتهاء والكف على التأبيد اقتضى ~~الانتهاء على الفور ليصبح القول بثبوتها على التأبيد # فإن قيل كون الحكم إذا وقع دام لا يمنع من النظر فى ابتداء وقوعه أنه يقع ~~معجلا أو على التراخى وهو كالملك فى الثمن المؤجل فإنه يقع الملك فيه فى ~~المستقبل ثم إذا وقع دام وهو لا يمنع ذلك من النظر فى ابتداء وقوعه إنه على ~~التعجيل أو على التراخى ويكون ذلك بحسب قيام الدليل عليه # قلنا إذا كان قضية الشيء أن يكون حكم على الدوام فاعتقاد التراخى فيه ~~يفضى إلى اعتقاد الجزم فى صفة الدوامية لأنه يتراخى ويتراخى إلى زمان يوجد ~~حكم اكتسب فى ذلك الزمان ولا يتصور معنى الدوام فيه فلهذا قلنا إنه يكون ~~على الفور على ثبت صفة الدوام ثم نقول ms051 فى هذه المسائل التى قاسوا عليها لم ~~تثبت صفة التعجيل بصيغ هذه الألفاظ وإنما ثبتت بإثبات الشرع لها ذلك ~~وكلامنا وقع فى مقتضى صيغة اللفظ فسقط تعلقهم بها من هذا الوجه وهذا جواب ~~معتمد # وأما دليلهم الذى قالوه من جهة فائدة اللفظ قولهم إن الأمر قد أفاد ~~الوجوب فى أول أوقات الإمكان # قلنا أي شيء يعنون بهذا إن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على وجه ~~لا يجوز تأخيره عنه فلا نسلم ذلك وإن عنيتم إنه أفاد الوجوب فى أول الوقت ~~على معنى أنه إذا أوقعه فيه يقع من الواجب قلنا لم قلتم إذا كان على هذا ~~الوصف وجب ألا يجوز التأخير PageV01P083 # فإن قلتم لأنه كان واجبا فى أول الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه ~~وإلحاقه بالنوافل # قلنا لا يؤدى إلى ذلك لأنه إنما يؤخر لا لأنه غير واجب بل يؤخر لأنه واجب ~~موسع عليه فى وقته والواجب على وجهين واجب موسع على المكلف فى وقته وواجب ~~مضيق على المكلف فى وقته فالمضيق عليه فى وقته لا يجوز تأخيره فأما الموسع ~~عليه فى وقته يجوز تأخيره وهذا التأخير لا يخل بصفة الواجبية لأنه جوز لنا ~~التأخير عن أول أوقات الإمكان إلى وقت مثله فى الإمكان وشرط عليه أن لا ~~يخلى كل الوقت عن الفعل ولما أخلا عصى وأثم فعلى هذا أفاد صفة الواجبية ولم ~~يلتحق بالنافلة فهذا وجه الجواب عن هذا الدليل وقد سلك بعض أصحابنا طريقا ~~أخر فى الجواب وقال إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم وزعم أن الإنسان ~~إنما يجوز له التأخير بشرط أن يكون عازما على فعله الثانى وذكر القاضى أبو ~~الطيب وجهين للأصحاب فى وجوب العزم وهذه الطريقة صعب تمشيتها شاق مسلكها ~~للمسائل التى ذكرناها وما ذكرناه من الجواب معتمد وهو كاف # ويقال أيضا لهم إنكم تعلقتم بسقوط الأمر عنه بفعله فى أول الوقت بمعنى ~~يستوى فى ذلك الوقت الأول والثانى وذلك لأن الأمر اقتضى إيقاع الفعل فقط من ~~غير تعرض للوقت فإذا ms052 فعله فى الوقت الأول فقد أوقع الفعل وإذا فعله فى ~~الوقت الثانى أو الثالث فقد أوقع الفعل فكان سقوط الفرض عنه بفعل المأمور ~~فى أول الوقت لا لمعنى يرجع إلى الوقت بل كان لوجود حصول الفعل على ما ~~اقتضاه الأمر وقد استوى فى هذا المعنى كل الأوقات فصار جميع الأوقات فى هذا ~~الوقت واحدا وصح الفعل فى الوقت الثانى والثالث من حيث صحته فى الوقت الأول ~~ولم يؤد هذا التوسع عليه إلى إلحاقه بالنوافل لما بينا من قبل # وأما ما تعلقوا به من وجوب الإعتقاد على التعجيل # قلنا ولم قلتم إذا وجب تعجيل إعتقاد وجوب المأمور به وجب تعجيل المأمور ~~به وما أنكرتم أن تعجيل الإعتقاد وجب لدليل يخصه لا للأمر وإنما كان يلزم ~~ذلك أن لو وجب لقضية الأمر # فإن قالوا إن الإعتقاد تابع للمعتقد فإذا تعجل الإعتقاد وجب أن يتعجل ~~المعتقد # قلنا والمطالبة مع هذا ولم إذا وجب تعجيل الإعتقاد مع هذا وجب تعجيل ~~المعتقد PageV01P084 ويتصور انفصال أحدهما عن الاخر # ثم يقال لهم إنما وجب تعجيل اعتقاد الوجوب لأنه إذا كان قام الدليل ~~للمكلف فى أن الأمر يفيد الوجوب وقد وجد الأمر فكيف يتصور أن لا يعتقد وجوب ~~الأمر والأمر على هذا الوجه فأما تعجيل الفعل فيجوز أن يعتقد الوجوب فى ~~المأمور ومع هذا لا يجب عليه تعجيله لما بينا من قبل وعلى أنا نقول يلزمه ~~اعتقاد وجوبه على التوسع كما يلزمه فعله على التوسع وإذا وجب الفعل على حسب ~~ما يعتقده من الوجوب ووجب الإعتقاد على حسب ما يلزمه من الفعل لم يقع ~~الفرقان بوجه ما وأما تعلقهم بفصل النهى فقد أجبنا عنه من قبل وهو أنه ~~يقتضى الانتهاء على الدوام فإنما كان على الفور والتعجيل لأنا إذا لم نعجله ~~على هذا الوقت أدى إلى بطلان صفة الدوامية فيه على ما سبق بيانه ويمكن أن ~~يجاب عن فصل اعتقاد الوجوب بهذا أيضا وأما الذى ذكروه من بعد هذا وهو أن ~~القول بجواز التأخير يؤدى إلى أقسام كلها ms053 باطلة قلنا لا يؤدى لأنا نقول ~~يجوز له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه إذا أخر يفوت المأمور ونقول إن ~~الظن المعتبر هو الظن عن إمارة وهذا قسم صحيح جائز اعتقاده لأن الظن عن ~~أمارة دليل من دلائل الشرع فيجوز بناء الأحكام عليه بدليل الاجتهاد فى ~~الأحكام فكذلك هذا الحكم يجوز بناؤه عليه ولأن الله تعالى قد كان أوجب ~~الوصية للأقارب فى ابتداء الاسلام عند حضور الموت على ما قال تعالى @QB@ ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ ~~ولا يعرف حضور الموت إلا بغلبة الظن عن إمارة وقد بين الشرع إيجاب الوصية ~~عليه كذلك هاهنا يجوز أيضا مثله # وأما قولهم إنه ربما يموت بغتة أو فجأة # قلنا هذا الذى قلتم نادر والظاهر الأغلب فى حق الناس موافقة علامات حضور ~~الموت واحتباس الإنسان بضعفه وحضور أجله ومعرفته بظهور علاماته فيه والنادر ~~لا يدخل فيما بنى أمره على الأعم الأغلب بدليل ما قلناه فى الوصية # فإن قالوا ما قولكم إذا مات بغتة يموت عاصيا أو لا يموت عاصيا # فإن قلتم يموت عاصيا فمحال لأنا أطلقنا له التأخير فاخترمته المنية من ~~غير أن يحس بحضورها لم يتصور إطلاق وصف العصيان عليه لأن وصف العصيان ~~بالتأخير مع إطلاق التأخير محال PageV01P085 # وإن قلتم يموت لا عاصيا فلم يبق للوجوب فائدة # الجواب أنا نقول يموت لا عاصيا ولا يدل هذا على بطلان فائدة الوجوب وذلك ~~لأنا بينا أن الوجوب على التوسع جائز وردوه مشروعا ومعقولا وبينا أن ~~التأخير لا يدل على أن المأمور غير واجب لأنه يجوز له التأخير عن الوقت ~~الأول فى الفعل إلى وقت مثله فى الفعل فلا يكون محرما عليه لأن المحظور ~~عليه فى الواجبات تركها على الإطلاق والترك على الإطلاق هو الترك على وجه ~~يفوت المأمور والتأخير على هذا الوجه الذي أطلقناه ليس فيه تفويت المأمور ~~ثم إذا أحس بالفوات وهو إذا ظهرت عليه أمارات حضور الموت ضيقنا عليه الأمر ~~ومنعناه من التأخير وأما إذا مات ms054 بغتة وفجأة فهو غير مفوت للمأمور لأنه ~~إنما أخر من وقت إلى وقت مثله وقد بينا أن مثل هذا لا يعد تفويتا وإذا صار ~~حيث يؤدى إلى التفويت منعناه من التأخير فصار الفوات عند موته بغتة محالا ~~به على الله تعالى لا على العبد لأنه قد فعل ما كان مطاقا له ذلك فعنذ ذلك ~~الفعل منه لم يجز وصفه بالتفويت على ما سبق بيانه إلا أنه صار فائتا بمعنى ~~من قبل الله تعالى فلم يجز أن يوصف بالعصيان وهو كالأمر المضيق إذا لم ~~تساعده الحياة فى وقته وكان من هذا الوجه على العبد لم يجز أن يوصف ~~بالعصيان وجعل الفوات لمعنى من قبل الله تعالى كذلك هاهنا وعدم وصفه ~~بالعصيان لم يدل على ذهاب فائدة الوجوب لأنا حققنا صفة الواجبية مما يعود ~~إلى فعل العبد من منعه وتفويته فبوجود الفوات من قبل الله تعالى لا نبطل ~~فائدة الوجوب فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل ولم نبق على ما قررناه إشكال ~~بوجه ما وهذا الفصل قد أعيى الفحول من الأصحاب حتى رأيت بعضهم يقول فى ~~أصوله لا يستقيم مع قولنا أنه غير عاص إلا أن يحكم أنه لا وجوب وكذلك زعم ~~أن الصلاة فى أول الوقت لا تجب والمفعول فى أول الوقت ينبغى أن يكون نافلة ~~وهذا ترك لمذهب الشافعى رحمه الله ومساعدة للمخالفين وليس سبيل من ينصب ~~للتقدم فى مذهبه ويعتقد أنه الفحل المدافع عن حريمه أنه إذا جاء إشكال فى ~~المسألة يترك مذهب صاحبه ويوافق الخصوم بل ينبغى أن يبذل له جهده ويجعل ~~فكره يحل الإشكال فإن أمكنه ذلك وإلا تركه إلى من يوفقه الله تعالى له ~~ويهديه إليه وبمثل قول عمرو بن معدى كرب # ( إذا لم تستطع شيئا فدعه % وجاوزه إلى ما تستطيع ) فأما أن يترك مذهبه ~~ويوافق خصومه فمحال والله العاصم بمنه PageV01P086 و # واذا عرفنا هذه المسألة يخرج عليها مسألة الحج أنه يجوز تأخيره عن أول ~~أوقات الإمكان وقد ذكرنا وجه الكلام فيها وأما أبو زيد الدبوسي ms055 زعم أن ~~الأمر بصيغته لا يدل على صفة الفورية إلا أن فى الحج وجب فعله على الفور ~~لأن تأخيره يؤدى إلى تفويته حقيقة والإدراك فى السنة الثانية على الوهم ~~والشك فلا يجوز القول بتأخير يؤدى إلى الفوات قطعا بإدراك موهوم وهذا فصل ~~قد ذكرناه فى الخلافيات وذكرنا الكلام عليه فى كتاب الاصطلام فتركنا الكلام ~~عليه فى هذا الباب واقتصرنا على ما ذكرناه والله أعلم مسألة وإذ بينا ~~الكلام فى الأمر المطلق وقضيته فنبين حكم الأمر المؤقت بوقت فنقول اعلم أن ~~الأمر الوارد على التوقيت على وجهين أمر مؤقت بوقت لا يفصل الوقت عنه بل هو ~~وارد بقدر الوقت مثل صوم رمضان فإنه واجب بأول دخول الوقت بلا خلاف ومعنى ~~الوجوب بأول الوقت أنه يجب مباشرته مقترنا بدخول وقته مقترنا من غير تقديم ~~ولا تأخير وأما الوجه الاخر فهو الأمر المؤقت بوقت يفصل الوقت عنه وإن شئت ~~قلت يسع له ولغيره مثل الصلوات الخمس التى هى مؤقتة بالأوقات المعلومة ~~ونعلم قطعا أن أوقاتها تسع لها ولغيرها فعندنا تجب هذه العبادات فى أول ~~أوقاتها وجوبا متوسعا ومعنى الوجوب المتوسع أنه يطلق له التأخير عن أول ~~أوقاتها إلى أوقات مثلها إلى أن يصل إلى وقت يعلم أنه إن أخر فات فحينئذ ~~يضيق عليه ويحرم عليه التأخير وهذا قول أبى شجاع السلمى من أصحاب أبى حنيفة ~~وهو اختيار كثير منهم وإليه ذهب جمهور المتكلمين PageV01P087 وذهب الكرخى ~~وأبو بكر الرازى وأكثر أصحابهم من العراقيين إلى أنه يجب تأخير الوقت ~~والمفعول فى أول الوقت نفل وفعله يمنع الوجوب فى أخره مثل الزكاة المعجلة ~~فى الحول قبل انقضائه # ومنهم من قال إنه موقوف إن أدركه أخر الوقت وهو أهل الوجوب كان المفعول ~~واجبا وإن أدركه أخر الوقت وهو ليس من أهل الوجوب كان المفعول تطوعا # ومنهم من قال المفعول يكون واجبا فكان الوجوب متعلق بأحد شيئين إما آخر ~~الوقت وإما اختيار الفعل PageV01P088 # وتعلق من قال إنها لا تجب بأول الوقت بأن حد الواجب ما لا يسع تركه ms056 ~~والصلاة فى أول الوقت واسع تركها من غير حرج فدل أنها غير واجبة قالوا ولا ~~يجوز أن يقال إن تركها إلى بدل وهو العزم على فعلها فى الثانى لأنا قد ~~أبطلنا طريقة العزم فى المسألة الأولى # قالوا ولا يجوز أن يقال إن هذا تأخير وليس بترك لأنا بينا أن الترك فى ~~أول الوقت قد وجد فإن الترك فى أول الوقت هو التأخير الذي قلتم والتأخير هو ~~الترك فى أول الوقت فعلى أي الاسمين ذكر نحوه فالمعنى واحد لا يختلف وربما ~~يقولون الواجب ما يتعين الإقدام عليه فى الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وقد ~~قال بعض أصحابنا المتأخرين حين سمع هذه الشبهة للمخالفين قد اتفق أهل ~~التحقيق من الفقهاء أن من أخر الصلاة عن أول وقتها ومات فى أثناء الوقت لم ~~يلق الله تعالى عاصيا فإذا كان كذلك فلا معنى لوصف الصلاة بالوجوب فى أول ~~الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت لوقعت فى مرتبة الواجبات إذا ~~أجزأت وهى على القطع كالزكاة تعجل قبل حولان الحول هذا كلامه PageV01P089 ~~وأما دليلنا فنقول الأمر يفيد الوجوب قد تناول أول الوقت قطعا فأفاد الوجوب ~~قطعا يدل على أن الأمر تناول جميع الوقت على وجه واحد فإن كان لا يفيد ~~الوجوب فى أوله فلا يفيد فى أخره فإذا أفاد الوجوب فى أخره فلا بد أن يفيد ~~فى أوله ولأنا أجمعنا أنه يجب عليه نية الواجب إذا فعل الصلاة فى أول الوقت ~~ولو نوى النفل بطلت صلاته والنية مصححة للفعل ومفسدة له فلو كان المفعول فى ~~أول الوقت يقع نفلا لم يبطل النفل بل كان ينبغى أن يكون نية النفل مصححة ~~لها # ببينة أنه لما وجبت نية الفرض علمنا قطعا أن المفعول لا يقع نفلا لأنه لا ~~يتصور أن يقع عن النفل مع وجوب نية الفرض وإذا وقع عن الفرض ثبت أنه فرض ~~فإن قالوا ليس فيما قلناه أكثر من وقوع الفعل عن الواجب قبل الوجوب وأنتم ~~قد فعلتم مثل هذا فى صلاة ms057 العصر للمسافر فى وقت الظهر وصلاة العشاء الاخرة ~~له فى وقت المغرب وكذلك الوضوء يجب عند دخول وقت الصلاة وقد صح بالإجماع ~~قبله # قلنا واحد منهما لا يلزم أما الأول فوقت الظهر وقت وجوب العصر فى حق ~~المسافر إلا أنه واجب موسع وكذا نقول فى العشاء الأخرة أن وقت المغرب وقت ~~وجوبها فى حق المسافر وهذا ثابت عندنا بالنصوص الواردة فى الباب على ما عرف ~~فلم نقل بجواز تقديم الواجب على وقته # وأما فصل الطهارة قلنا دخول الوقت إنما يوجب الوضوء على المحدث لإزالة ~~الحدث فأما إذا كان تطهر قبل دخول الوقت وجاز على طريق النفل فقد زال الحدث ~~ودخل وقت الصلاة وهو متطهر غير محدث ولم يجب عليه الوضوء أصلا وهذا لأن ~~الوضوء لا يجب لعينه بحال وإنما وجب شرطا للصلاة ليؤديها على طهر من حدث ~~وإذا كان متطهرا عن الحدث عند دخول الوقت فقد وجد شرط الصلاة فلم يتصور ~~وجوب الطهارة عليه # وأما الجواب عن قولهم إن حد الواجب ما لا يجوز تركه # قلنا لا ترك هاهنا على وجه يخل بالواجبية فلم قلتم إن الترك الذى لا يخل ~~بالواجبية لا يسع فى الواجب والدليل على أنه لا يخل بالواجبية أن هذا واجب ~~واسع وقته على معنى أن وقته يشتمل على أزمان غيره لهذا الفعل على الترادف ~~والتعاقب فلا بد أن يكون لتوسع الوقت أى فى هذا الواجب وليس ذلك إلا أنه ~~يجوز تأخيره عن أول زمانه إلى زمانه الثانى والثالث والرابع إلى أن يضيق فى ~~أخره فيوجد وقت لا يتلوه وقت أخر PageV01P090 وجواز التأخير على هذا الوجه ~~لا يخل بالواجبية لأنه أخره عن وقته أو تركه فى وقت إلى وقت مثله فى الوجوب ~~فيفيد فائدة الأمر فى الإيجاب لأن الوقت الثانى فى الحقيقة صار مثل الوقت ~~الأول فكأنه الوقت الأول فكذلك الثالث والرابع ولا يخص ترك وهذا لأن ~~المحظور ترك يؤدى إلى تفويت الواجب وإذا تعددت أوقات الفعل بحكم اتساعه لم ~~يوجد تفويت وإذا قرر على هذا الوجه ms058 وقع التفريق بينه وبين النفل ولم يلحق ~~به بحال فقد وقع الانفصال عن هذه الشبهة بأبين وجه وبقى الدليل الذى قدمناه ~~من غير أن يكون لهم غلبة كلام بوجه ما وأما إذا مات فى خلال الوقت فقد بينا ~~أنه غير عاص بقول من قال من أصحابنا أن على هذا لا يصح إلا أن يقال إنه غير ~~واجب فى أول الوقت خطأ وقد بينا الكلام عليه فى المسألة الأولى وحققنا وجود ~~الوجوب مع القول بترك معصيته عند اخترام المنية إياه ولا مزيد على ما قلناه ~~وأما الزكاة فعندنا الأمر اقتضى الإيجاب من وقت ما تناوله الأمر وقد تناوله ~~الأمر وقد تناول الأمر ما بعد الحول فلا يجب قبله فكذلك الأمر هاهنا قد ~~يتناول أول الوقت فلا يتأخر عنه الوجوب # وأما جواز إخراج الزكاة قبل الحول رخصة من الشرع ثبت ذلك بالنص الوارد ~~فيه والرخص لا يجوز إلزامها على الواجبات التى هى عرفيه ولو وردت هاهنا ~~رخصة بجواز فعل الصلاة قبل الوقت لقلنا بذلك # فإن قال قائل الوقت سبب الوجوب فكيف يتصور أن يجب من أول الوقت إلى أخره ~~وهو يؤدى إلى أن يكون الزمان الأول سببا للوجوب وكذلك الزمان الثانى ~~والثالث فيكون ذلك إيجاب ما هو واجب وهذا لا يجوز الجواب أن عندنا الوقت ~~ليس بسبب الوجوب أما سبب الوجوب خطاب الشرع إلا أنه يجب مرة فى زمان متضيق ~~ويجب مرة فى زمان واسع وكل واحد جائز معقولا ومشروعا على ما سبق بيانه فعلى ~~هذا لم يرد إلى ترادف الإيجاب فى فعل واحد بل الإيجاب حصل مرة واحدة إلا ~~إنه واجب متوسع وقته فصار الترادف فى الوقت لا فى نفس الإيجاب فسقط ما ~~قالوه من هذا الوجه وقد دل ما ذكرناه أن الوجوب لا يستقر بأول الوقت ~~واستقرار الفريضة معتبرة بإمكان الأداة بعد دخول الوقت وهو الظاهر من مذهب ~~الشافعى وإذا استقر بإمكان الاداء كان التأخير جائزا بحكم توسع الوقت بشرط ~~أن PageV01P091 لا يؤخذ تأخيرا يؤدى إلى التفويت على ما سبق ms059 وبعض أصحابنا ~~ضم إلى هذا شرطا أخر وهو العزم على أداء المأمور قبل انقضاء الوقت وعندى أن ~~الشرط الأول كاف وقد سبق الكلام فى ذلك والله أعلم # | مسألة # المأمور إذا ترك الإمتثال فى الوقت المضروب للأمر حتى انقضى فلا يجب عليه ~~القضاء بصيغة الأمر فإن وجب يجب بأمر جديد # وقال بعض الفقهاء يجب القضاء بالأمر الأول واحتج فى ذلك بما روى عنه ~~PageV01P092 النبى صلى الله عليه وسلم انه قال من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها وقوله فليصلها دليل على أن الأمر الأول باق عليه وأن ~~الواجب بعد خروج الوقت هذا الذى كان واجبا فى الوقت ولأن الواجب عليه بعد ~~الوقت واجب باسم القضاء والقضاء من ضرورته وجوب فقضى عليه فدل أن الأمر ~~الأول باق عليه حتى سمى المفعول قضاء # ببينة أنه إذا وجب بأمر لم يتصور أن يكون قضاء # قالوا ولأن الأوامر مصالح والمصلحة فى نفس الفعل لا فى وقت الفعل فإذا لم ~~يفعل كان عليه فعله وإن انقضى الوقت المضروب للفعل # وأما دليلنا هو أن الوجوب بالأمر والأمر يتناول الفعل فى وقت معلوم فلا ~~يكون الفعل فى غير ذلك الوقت مأمورا وإذا لم يكن أمرا بعد الوقت لم يكن ~~وجوب والحق أن المأمور يفوته بفوات الأمر وقد فات الأمر بفوات الوقت فيفوت ~~الوجوب # ببينة أن فى الشاهد من قال لغلامه زر فلانا فى الغد لا يكون أمرا ~~بالزيارة بعد الغد حتى إذا ترك الزيارة فى الغد وزار بعد الغد يسمى مخالفا ~~لسيده وأيضا يقال القاضى ليس يمتثل الأمر فإن الممتثل للأمر هو الموافق ~~لصيغة الأمر والموافقة لصيغة الأمر وهى بالفعل فى الوقت المسمى فى الأمر ~~وإذا لم يكن الفعل بعد الأمر امتثالا لم يكن الأمر مقتضيا له فصار فعل ~~المأمور بعد خروج الوقت كفعله قبل دخول الوقت PageV01P093 ثم لا يصح ذلك فى ~~الأمر وكذلك بعد خروج الوقت يكون كذلك أيضا # وأما الجواب عما تعلقوا به أما الخبر قوله ص فليصلها نقول أولا هذا دليل ~~عليهم لأن ms060 قوله فليصلها أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم نحتج ~~إلى هذا الأمر الثانى فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول ~~ثم قوله فليصلها يعنى فليصل مثلها لأن الواجب عليه هذا الأمر المحدد صلاة ~~مثل صلاة الأولى فلأجل هذه المشابهة صحت هذه الكتابة وأما الذى تعلقوا به ~~من تسمية المفعول قضاء # قلنا هذا دليل عليكم لأن الأمر الأول لو تناول الفعل قبل خروج الوقت كان ~~المفعول أداء ولم يكن قضاء مثل المفعول فى الوقت ثم نقول تسميته قضاء هو ~~على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة ومعنى المجاز انه فعل على مثاله الأول ~~قائم مقامه فى إسقاط تبعة الأمر الأول عنه وهذا لأن عندنا وإن وجب القضاء ~~بأمر جديد يعمله قيامه مقام الأول فيسقط عنه تبعة الخلاف فى الأمر الأول ~~فهذا الوجه سمى قضاء وهو على طريق المجاز لأنه لا يقضى عليه فى الحقيقة # وأما كلامهم الأخير فقوله إن الأوامر مصالح # قلنا تأجيل المصالح فى الأوامر عندنا باطل والله تعالى لا يجب عليه شيء ~~بوجه ما وقد يفعل الأصلح بالعبد وقد يفعل غير الأصلح وهذه قاعدة تعرف فى ~~غير هذا الموضع وعلى أنه يجوز أن تكون مصلحة العبد فى فعل الشيء في وقت ~~معين ولا يكون فعله فى غير ذلك الوقت مصلحة # ألا ترى أن فعله فى الوقت مصلحة له وقبل الوقت لا يكون مصلحة والله أعلم # | فصل # وذكر أصحابنا فى أصحاب الأعذار الذين لا يحتم عليهم الصوم فى الحال مثل ~~المريض والمسافر ومن لا يجوز له صوم فى الحال مثل الحائض والنفساء أن الصوم ~~واجب عليهم فى حال العذر # وقال أصحاب أبى حنيفة لا يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض والمريض فى ~~حال العذر PageV01P094 وأما المسافر فالصوم واجب عليه وله الفطر بترخيص ~~الشرع وحكوا عن بعض من ينسب إلى الكلام أن الصوم لا يجب على المريض والحائض ~~وأما المسافر فعليه صوم أحد الشهرين إما شهر الاداء وإما شهر القضاء وأيهما ~~صام كان أصلا مثل ms061 الأنواع الثلاثة فى كفارة اليمين واحتج الأصحاب فيما ~~صاروا إليه بأن الله تعالى علق قضاء الصوم بفطر مضمر فى الآية إجماعا وهو ~~قوله تعالى @QB@ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر @QE@ ومعناه ~~فانظروا عدة من أيام أخر فدل أن وجوب القضاء معلق بالفطر ولو لم يكن الوجوب ~~ثابتا عند الفطر لما تعلق به القضاء ولأن المفعول لما كان يسمى قضاء لا ~~أداء فالقضاء اسم لواجب قام مقام واجب أخر فأما أداء الواجب فى وقته فلا ~~يسمى قضاء بحال ولأن هذه العبادة مفروضة فى هذا الوقت فلو لم يجب على هؤلاء ~~فى الوقت لم يجب شيء بعد فوات الوقت كالحائض لما لم يجب عليها الصلاة فى ~~PageV01P095 الوقت لم يجب بعد الوقت # قال من يخالف هذا كيف يتصور وجوب الصوم على الحائض ولا سبيل لها إلى ~~الأداء ولا إلى إزالة المانع إلى الأداء بل هي منتهية عن فعل الصوم لا ~~إيجاب فعل لا سبيل للمأمور إلى التوصل إليه بحال # ببينة أنه لو جاز إيجاب الصوم على المرأة فهى منتهية عنه لجاز إيجاب سائر ~~المنهيات عليها هذا فى الحائض وكذلك قالوا للمريض الذى يستضر بالصوم لا ~~يجوز له فعل الصوم فلا يجوز أن يقال بوجوبه عليه وأما المسافر فالصوم له ~~جائز إلا أنه رخص له تركه والقضاء من بعد # وأجاب الأصحاب عن هذا وقالوا المحدث إذا ضاق به وقت الصلاة لا يتأنى له ~~الأداء والوجوب ملاق إياه وكذلك من لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا لا يتصور ~~منه الأداء ولا التسبب إليه ومع ذلك صح الوجوب عليه والسكران لأنه خطاب ~~وجوب الصلاة وهو ممنوع من أدائها وهذا لأن الحيض نوع حدث والمرض والسفر نوع ~~عذر والحدث والعذر إنما يؤثران فى الأداء ولا يؤثران فى أصل الوجوب مثل ~~سائر الأحداث والأعذار إلا من الأحداث ما يكون العبد بسبيل إلى إزالته ~~ومنها لا سبيل له إلى إزالته ومن الأعذار ما يكون الأداء جائزا معه وربما ~~يكون الأداء هو الأولى ومنها ما يكون ms062 ترك الأداء أولى وذلك فى المريض الذى ~~يستضر بالصوم واعلم أن القول بإيجاب الصوم على الحائض مشكل جدا والحرف الذى ~~يمكن الاعتماد عليه أن الخطاب بالإيجاب عام فى حق كل من هو من أهل الخطاب ~~إلا أن هؤلاء أصحاب أعذار وموانع فيعمل العذر والمانع بقدره ولا يفوت ~~الخطاب أصلا والحيض حدث دائم وعمل الأحداث فى المنع من الأداء والمرض عذر ~~مضر بصاحبه والضرر فى الأداء فى الإيجاب والسفر جعل عذرا لأنه سبب المشقة ~~فالمشقة فى الأداء لا غير فهذا الطريق كان عمل هذه الأشياء فى الأداء لا فى ~~الوجوب فيبقى أصل الوجوب وظهرت فائدته من بعد وهو عند زوال هذه الأعذار ~~وهذا غاية ما يمكن ذكره فى هذا الفصل وللقاضى أبى زيد فى كل هذه الأعذار ~~كلام مفرد ذكره فى أحد أصوله الذى صنفه وسنحكى ذلك من بعد ونتكلم عليه مع ~~أخواته التى ضم إليها ونتكلم فيها ونبين الصواب من ذلك والله المعين بمنه ~~PageV01P096 مسألة # الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء مثل الأمر الوارد فى كفارة ~~اليمين وما يشبه ذلك فالذى عليه جمهور الفقهاء أن الواجب أحد ذلك لا بعينه ~~فأيها فعل يعين واجبا بفعله فيكون مبهما قبل الفعل متعينا بعد الفعل بفعله # وقال كثير من المعتزلة وشرذمة من فقهاء العراقيين إن جميعها واجب دون ~~أحدها فإذا فعل أحدها سقط به وجوب باقيها # وقد قال بعض أصحابنا إن من عليه الكفارة إذا فعل جميعها كان الواجب أحدها ~~وهو أعلاها ثمنا لأنه مثاب على جميعها وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب ~~فانصرف الواجب إلى أعلاها دون أدناها ليكثر ثوابه وإن ترك جميعها كان ~~معاقبا على أحدها وهو أدناها ليقل وباله ووزره ولأن الواجب يسقط بفعل ~~الأدنى فينظر فى إلحاق الوزر إلى ذلك القدر ولا وزر فيما زاد عليه احتج عبد ~~الجبار الهمدانى لمن قال إن PageV01P097 جميعها واجب # وقال إن الكفارات الثلاث كل واحدة منها قد أرادها الله عز وجل كما أراد ~~الأخرى وأمر بها كما أمر بالأخرى والصلاح فى ms063 إحداها كالصلاح فى الأخرى كان ~~الأمر والصلاح والإرادة اتصل بكل الثلاث على وجه واحد وجب أن يكون وجوب ~~الجميع على وجه واحد وربما يقول ليس إيجاب البعض بأولى من إيجاب البعض فوجب ~~أن يجب الكل وأيضا فإن كل واحد منها إذا فعله جاز ويكون مؤديا للواجب وهذا ~~صفة بالواجب وحكمه وقالوا لوكان الواجب أحدها لا بعينه وجب أن يبينه الله ~~تعالى لأنه إذا لم يتبين أدى إلى أن يكلف أحد شيئا من غير أن يسأله وهذا لا ~~يجوز # يدل عليه أنه لو أوجب أحدها لنصب عليه دليلا وميزه من غيره حتى لا يؤدى ~~إلى التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب فلما لم يميزه ولم ينصب عليه ~~دليلا دل أنه أوجب الكل # قالوا أيضا إن الكفارات إنما أمرنا الله تعالى بها لأنها مصالح لنا ولا ~~يجوز أن تكون المصالح موقوفة على اختيارنا لأن العبد لا يهتدى إلى مصالح ~~نفسه لأن رأيه عن عقل مشوب برأيه عن هوى ولا يحصل بمثل هذا الرأي الاهتداء ~~إلى المصالح # وأما حجتنا هى أنا أجمعنا أنه لو عين أحد الأنواع بالفعل وأداه سقط ~~الواجب عنه ولا يلزم الإتيان بعده وهذا الواجب ما لا يسع تركه إلى غير بدل ~~ولا شك أن المؤدى واحدا من الأنواع تارك غيره بلا بدل فدل أن عليه الذى ~~أداه ليس بواجب وإن شئت قلت انعقد إجماع المسلمين أنه لو ترك جميع الأنواع ~~لا يستحق العقاب على جميعها وإنما يستحق العقاب على أحدها ولو كان الجميع ~~واجب استحق العقاب على الكل # قالوا عندنا يجب الكل على طريق الجمع لكن على طريق التخيير فإذا إدى ~~المكلف إحدها يخرج الباقى عن صفة الوجوب # قلنا هذا هو الدليل عليكم لأن الجميع لو كان واجبا لم يسقط بفعل أحدهما ~~كالصناعات والصلوات والزكوات المجتمعة عليه لا تسقط بأداء الواحد منها وإذا ~~تركها عوقب على جميعها وقولهم إن الكل واجب على طريق التخيير # قلنا لو وجب الكل وجب أن لا يثبت التخيير فيها على وجه إذا فعل ms064 الواحد ~~منها سقط الكل كسائر الواجبات التى تجتمع عليه فى الوجوب # قالوا يجوز مثل هذا كفرض الكفاية فإنه واجب على الكل ومع ذلك إذا فعله ~~PageV01P098 البعض سقط عن الكل # قلنا فرض الكفاية دليل عليكم لأنه لما وجب على الكل من وجه ظهر لذلك أثر ~~بوجه ما فإنه العقاب كما إذا كان واجبا على الكل لا على طريق التخيير وأما ~~هاهنا لو ترك الكل لم يكن عقاب وإثم إلا بترك أحدها فلم يكن لوجوب الكل ~~ظهور أثر بوجه ما وإذا كان كذلك لم يكن فيما قالوه إلا مجرد تسمية الواجب ~~إن غير معنى ولا عبرة للأسامى إذا كانت خالية عن المعانى وقد دل على ما ~~قلنا قوله تبارك وتعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة @QE@ وأجمع أهل اللغة أن أو للتخيير والواو ~~للجمع فلو قلنا إن جميع الكفارات الثلاث واجبة لم يبق فرق بين أو وبين ~~الواو مع إجماع أهل اللغة على التفريق بينهما أما الجواب عن كلماتهم # أما قولهم إن الإرادة تعلقت بكل الثلاث # قلنا الأمر ليس بأمر بالإرادة حتى يقال إن الإرادة إذا اتصلت بالكل صار ~~الكل واجبا إنما الأمر بصيغة قوله افعل أو بما يقتضى الفعل لا محالة وصيغة ~~طلب الفعل إنما اتصلت بإحدى الكفارات الثلاث لا بعينها بدليل إنه إذا فعل ~~إحداها سقط عنه الطلب وأيضا يقال لهم الأمر أمر بالإرادة والله تعالى إنما ~~أراد من المكلف فعل إحدى الكفارات لا فعل جميعها بدليل أنه لا يلزمه فعل ~~جميعها ولو أريد منه فعل كل الكفارات لزمه فعل كل الكفارات # ويقال أيضا إن الإرادة اتصلت بمبهم غير معين فى حق المكفر وإن تعين ما ~~يكفر به فى سابق علم الله تعالى # وأما قولهم إن إيجاب البعض ليس بأولى من إيجاب البعض # قلنا لم وقد قام الدليل على إيجاب بعضها على إيجاب كلها والعبرة بما قام ~~الدليل عليه # وأما قولهم إنه لو كفر بكل واحدة يكون مؤديا ما هو الواجب عليه ms065 # قلنا هذا لا يدل على أن الكل واجب وإنما هو دليل على أن الواجب مفوض إلى ~~اختيار العبد هذا كما نقول فى الرقبة والإطعام فإن من ملك مائة رقبة فإنه ~~إذا أعتق يقع عن الكفارة أو ملك ألف مد أي عشرة أمداد أعطى وقع عن الواجب ~~ولا يدل PageV01P099 على ان الكل واجب وكذلك لوباع قفيزا من صبرة فإنه اى ~~قفيز سلم يكون مبيعا ولا يدل على أن الكل مبيع كذلك هاهنا # وأما قولهم إنه لو كان الواجب واحد ما لميزه ونصب عليه دليلا قلنا هذا ~~إنما يجب إذا كان الواجب معينا قبل الفعل فيجب أن يكون عليه دليل ليتوصل ~~المأمور إلى معرفته وأداء فرضه بفعله فأما إذا لم يكن معينا وإنما يتعين ~~بفعله فلا حاجة إلى غيره لأن ما يتأدى به فرضه هو ما يختاره منها # جواب آخر أن ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه واحد بالإجماع ولم يجب ~~تمييزه عن غيره ونصب الدليل لكل جواب للمخالف على هذا فهو جوابنا فى وجوب ~~الواحد # وأما قولهم إن الكفارات كلها مصالح # قلنا قد تكلمنا على فصل المصلحة من قبل فلأن المصلحة فى كونها واجبا ~~تعلقت بإحداها لا بالكل بدليل أنه لو فعل الكل لا يكون مؤديا للواجب ولو ~~كانت مصلحة الواجبية تعلقت بالكل لوجب أن يجعل هو مؤديا للكل عن صفة الوجوب ~~واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى فى هذه المسألة وإنما الخلاف خلاف عبارة ونحن ~~نمنعهم من إطلاق عبارة الواجب على الكل لأنه يؤدى إلى ما بيناه من قبل ولأن ~~العبارات التى ليس لها معنى لا يجوز التمسك بها لا إجماعا ولا اختلافا فثبت ~~أن الصحيح ما قدمناه والله أعلم # | فصل # ذكر الأصحاب أن الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه بصيغته مثل قوله صل ~~PageV01P100 PageV01P101 PageV01P102 هذا اللفظ بصيغته لا يكون أمرا ~~بالطهارة وستر العورة لأن هذه الشرائط لها صيغ موضوعة واختلاف الصيغ يدل ~~على اختلاف المسوغ له # ألا ترى أن صيغة غير الصلاة لا تجعل صيغة لها وصيغة الصلاة لا تجعل ms066 صيغة ~~لغيرها واعلم أن لا ننكر أن الصلاة مقتضية للطهارة بالدلالة وإنما ننكر أن ~~تكون من حيث الصيغة مقتضية وهذا لأن المأمور كما لا يستغنى عن الشرائط التى ~~يقف صحة الأداء عليها لا تستغنى عن وقت الأداء ثم الأمر بالشيء لا يدل على ~~الوقت بصيغته وإنما يدل عليه من حيث الضرورة كذلك الشرائط # فإن قال قائل لما صارت الأسباب من ضرورة فعل الصلاة حتى لا يسمى الفعل ~~صلاة إلا بها كان التنصيص على الصلاة تنصيصا على أسبابها كما كان تنصيصا ~~على أفعالها وأبعاضها # قلنا أبعاض الصلاة كلها صلاة فيجوز أن نطلق عليها اسم الصلاة والطهارة ~~ليست بصلاة # ألا ترى أن المصلى لا يجوز له استعمال الطهارة فدل أنها غيرها وأما أفعال ~~الصلاة نفس الصلاة والشيء الواحد يتوقف أوله على أخره ولا ننكر اشتمال ~~الإسم الواحد على جميعه وإنما أنكرنا ذلك فى شيئين مختلفين وقد قال أصحابنا ~~إن الصلاة بصيغتها تدل على الدعاء فقط وما زاد على الدعاء ثبت بالدلائل ~~الشرعية لا من طريق الصيغة واعلم أن ما لا يمكن امتثال المأمور إلا به ~~يلزمه من حكم الدلالة حكم الدلالة إذا كان من كسبه نحو الطهارة وغيرها من ~~شرائط الصلاة وكالسعى إلى الجمعة وقطع المسافة فى الحج وهما أمران لا أمر ~~واحد وإن كان أداء أحدهما لا يتم إلا بأداء الآخر ألا ترى أنه قد يلزمه ~~الحج بلا قطع مسافة ولا ملك زاد وصورة الخطاب فى الموضعين واحدة وأما ما لا ~~يتم إلا بكسب غيره نحو حضور غير الجمعة حتى يصح غير جمعة فلا يكون هو ~~مخاطبا به وإنما يخاطب بفعل نفسه وهو الحضور وإن كان حضور غيره شرطا فى ~~الأداء إلا أنه قد يخاطب بإحداث فعل غيره بقدر ما يتأنى منه كالإمام يلزمه ~~الحضور وإحضار الناس للجمعة ويلزمه الخروج وإخراج الناس للجهاد ويلزمه أيضا ~~تحصيل الماء لإجراء الطهارة وستر العورة لأدائها واعلم أن هذه الأشياء وإن ~~لزم الإنسان بحضوره العبادات وأنه لا يلزمه تحصيل المال لأداء الزكاة وقد ~~كان يجوز ms067 ورود الشرع به إلا أن الله تعالى وضع ذلك عن العباد رحمة # وأما إذا لم يمكن PageV01P103 أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب هل ~~يصير ذلك واجبا أم لا مثل إمساك جميع النهار لا يمكن إلا بإمساك جزء من ~~الليل وكذلك ستر العورة لا يمكن إلا بستر ما ليس بعورة وغسل جميع العضو لا ~~يمكن إلا بغسل ما ليس من ذلك العضو وكذلك ممن وجب عليه الطهارة ولا يمكنه ~~فعلها إلا بشراء الرشاء واستقاء الماء فالواجب فى هذه المواضع كلها ما علق ~~بها الوجوب فى الشرع # إلا إنما لا يتأتى أداء الواجب إلا به صار واجبا للتوصل إلى أداء الواجب ~~لا لأنه واجب مقصود بنفسه # وأما اكتساب المال لاستطاعة الحج واكتساب المال لأداء الزكاة لا يجب لأن ~~ذلك شرط الوجوب دون الفعل ولا يجب عليه أن يفعل ما تجب به العبادة عليه # وأما فى سائر المواضع فالعبادات واجبة إلا أن لفعلها شرطا لا يمكنه ذلك ~~الفعل إلا به فيجب عليه ذلك ليتوصل به إلى الفعل ومن هذا الفصل إذا زاد على ~~مقدار الواجب زيادة يتأدى الواجب بدونها مثل أن يطيل الركوع أو القراءة # فالأولى على هذا المذهب أن الزيادة على ما يتناوله الاسم من مقدار الواجب ~~نفل # وحكى عن بعضهم أن الكل فرض وإنما قلنا إن الزيادة نفل لأنه قضى حق الاسم ~~لما أتى من المأمور بما انطلق عليه بالاسم فكان بالزيادة مستقلا كما لو أدى ~~الفرض مرة ثم أعاد فإن الثانى يكون نفلا # يدل عليه أنه لو ترك الزيادة لا إلى بدل فإنه لا يأثم وهذا من حد النفل ~~ولا ينظر إلى أن اسم الصلاة يتناول أول الفعل وآخره لأن اسم الصلاة يتناول ~~فرضها ونفلها ثم يختلفان فى الصفة ولا نقول إن من قال لغيره تصدق من مالى ~~إنه لا يتقدر بل يتقدر بأقل ما ينطلق عليه اسم الصدقة # واعلم أن الذى قلناه فى المأمورات وهو أنه إذا كان لا يتأتى أداء الواجب ~~إلا بأداء ما ليس بواجب قد ms068 يكون مثله فى الكف عن المحضور # وهو إذا لم يكن الكف عن المحظور إلا بالكف عما ليس بمحظور وذلك إذا اختلط ~~النجس بالطاهر نحو الدم أو البول يقع فى الماء القليل فيجب الكف عن ~~استعماله ثم اختلفوا فى كيفية التحريم فمنهم من قال يصير كله نجسا وهو ~~اللائق بمذهبنا ومنهم من قال إنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح ~~لاختلاط المحرم به فإنه لا يكاد يستعمل جزءا من الطاهر إلا وقد استعمل جزءا ~~من النجس وهذا PageV01P104 يليق بمذهب أبى حنيفة وأصحابه فإن عندهم إذا ~~وقعت النجاسة فى الماء الكثير وكان الماء بحيث إذ وقعت النجاسة فى جانب منه ~~لم يخلص إلى الجانب الآخر فيمكن استعمال الماء من الطرف الآخر على وجه لا ~~يكون مستعملا لجزء من النجاسة # قالوا يجوز ذلك والأول أحسن لما بينا # وقد قال أصحابنا إن البول أو الدم إذا وقع فى الماء الكثير ولم يتغير أحد ~~أوصافه فإن الكل طاهر ويجوز استعمال جميع الماء وإن تيقنا أنه باستعمال كل ~~الماء يصير مستعملا لذلك القدر من الدم أو البول وإذا قلنا يجوز استعمال ~~جميع الماء فنقول إن ما وقع فيه قد حكم بطهارته وهذا ينبغى أن يكون هو ~~المذهب # وقد قال بعض أصحابنا إذا استعمل الماء الذى وقع فيه مثل هذه النجاسة فإنه ~~ينبغى أن يترك بقدر النجاسة وليس بمذهب # وأما إذا لم يكن الاختلاط بدخول أجزاء PageV01P105 البعض فى البعض لكن ~~كان اختلاط التباس واشتباه ففى قسم منها يجب الكف عن الكل # كالمرأة التى هى حلال تختلط بالنساء المحرمات والمطلقة بغير المطلقات أو ~~المذكات بالميتات فالكف عن الكل واجب احتياطا وفى قسم تسقط حكم المحرم ~~باختلاطه بالمباح نحو امرأة محرمة تختلط بنساء بلدة عظيمة ولا يحصى عددهن ~~فيسقط تحريم الواحدة وتجعل كالعدم ويباح له نكاح أى امرأة أراد منهن # وفى قسم الثالث ثبت التحرى وذلك فى الثوب النجس يختلط بالثياب الطاهرة أو ~~الآنية من الماء النجس اختلط بالأوانى الطاهرة فجعل الشرع لما علم طهارته ~~بالاجتهاد حكم الطهارة ms069 وإن كان نجسا فى الحقيقة وأسقط به الفرض عنه إلا أن ~~يزول ذلك العلم الظاهر بيقين يحصل من بعد على ما عرف فى المذهب والله ~~المستعان # | مسألة # نذكر بعد هذا من يتناوله خطاب الأمر ونبتدئ بالكفار فنقول إنهم داخلون فى ~~الخطاب بالشرعيات كما أنهم داخلون فى الخطاب بالتوحيد والإقرار بالنبوات ~~ومن فوت على نفسه فعلها بترك الإسلام استحق العقاب وهذا قول أكثر أصحابنا ~~وكثير من أصحاب أبى حنيفة # وقالت طائفة منهم إنهم لا يلحقهم خطاب الشرعيات بحال وهو اختيار الشيخ ~~أبى حامد الإسفراينى # وأما المتكلمون فأكثرهم معنا فى هذه المسألة # وتعلق من قال إنهم لا يدخلون فى الخطاب بكلمات معنوية منها وهو شبهتهم ~~قالوا تكليف من لا يصل إلى امتثال المأمور على ما ورد به الشرع بحال محال ~~وهذا صفة خطاب الكافر بالشرعيات لأنه لا يتصور من الكافر أداء العبادات فى ~~حال كفره وإذا أسلم سقط وزال التكليف عنه ولا وصول إلى أداء المأمور بحال # قالوا PageV01P106 وبهذا فارق الإيمان لأنه يصلح من الكافر متى قصد إليه ~~ويفارق المحدث أيضا لأنه بعد الطهارة أمكنه أداء الصلاة بذلك الخطاب ~~فطهارته لا تنافى ما خوطب به # وأما إسلام الكافر ينافى ما خوطب به من حيث إنه لا يبقى عليه بعد الإسلام # ولهذه الشبهة اختار الشيخ أبو حامد هذا المذهب # وربما يقولون هذا أمر لا يفيد فائدة ولا يقتضى قضيته لأنه طلب الفعل فإذا ~~لم يصل إلى الفعل سقطت فائدته والأمر لا يكون إلا لفائدة فإذا سقطت فائدته ~~بطل الأمر بل خطاب الكافر بالشرعيات يؤدى إلى تكليفه ما ليس فى وسعه وأمره ~~بما لا يطيقه وإنما قلنا ذلك لأنه يستحيل أن يفعل الشرعيات مع كفره # قالوا ولا يجوز أن يقال إن فائدة الأمر استحقاق العقاب عند تركه لأن ~~الأمر لا يرد من الآمر لفائدة العقاب عند الترك بل الأمر ليس إلا لفائدة ~~الفعل وهو المقصود من الأمر وإنما أوعد عليه عند تركه لتحقيق طلب الفعل منه ~~وترك العقاب عند الترك بمنزلة التبع من المقصود ms070 فكما أن العقد مصحح لمقصوده ~~لا لما ليس لمقصوده فكذلك الأمر يصحح لمقصوده لما ليس لمقصوده # يدل عليه أن الأوامر بالعبادات لنفع العباد ونفع العباد فى فعلهم ~~العبادات فإذا لم يصح منهم فعلها بطل نفعهم منها فإذا كان الأمر لنفعهم بطل ~~نفعهم وبطل أمرهم # وأما حجة أبى زيد أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادات لأن أداء العبادة ~~لاستحقاق الثواب فى الآخرة بحكم الله تعالى # والكافر ليس بأهل الثواب فى الآخرة لأن ثواب الآخرة هى الجنة وهو ليس من ~~أهل الجنة فتبين أنه ليس بأهل للعبادة # وإذا لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب ~~بالعمل للعمل # وهذا كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارات والزكوات وغيرها ~~لأنه ليس من أهل ملك المال فلا يخاطب بواجب المال # ببينة أن العبادات ثمن الجنة والكافر لا يتصور أن يكون له حظ فى الجنة ~~فأشبه الكافر فى هذا من لا ذمة له في استحقاق حق أصلا وهو كالبهائم قال ~~وليس PageV01P107 كالإيمان لأنه ثبت له الحق فى الجنة فصار الإيمان فى ~~الحقيقة اكتسابا للجنة وهو من أهل اكتسابها # قالوا ولا يجوز أن يقال إنه من أهل العبادة إذا أسلم فيصح الأمر ليسلم ~~ويفعل بمنزلة المحدث مخاطب بالصلاة ليتطهر ويصلى # وهذا لا يصح لأن الكافر فى الحال ليس بأهل للعمل ليثاب عليه والخطاب ~~يتناول العمل فى الحال لأن الخطاب هو قوله صل وصم # وهذا تناول الحال وفى الحال ليس هو من أهل هذا العمل ولا الكافر أعد ~~للإسلام ما له حتى يعطى له حكم ما له فى الإعداد له كالمنى فى الرحم وبيض ~~الطير فالكافر ماله مال الإسلام لا حيلة له من الله تعالى ولا عادة لهم بل ~~العادة فى الكافر التمسك بالكفر كالمسلم عادته التمسك بالإسلام وإنما يختار ~~الإسلام كالمسلم يختار الكفر نادما # قالوا وليس كالجنب لأنه بنفسه أهل لعمل يثاب عليه غير أنه لا يصح منه ~~الصلاة لفقد شرطه وهو الطهارة فهى شرط لصحة الأداء لا ليصير أهلا ms071 لعمل يثاب ~~عليه فى الآخرة فيصح الخطاب له على أن يفعله بشرطه وأما الكافر فليس بأهل ~~لعمل يثاب عليه فى الآخرة أصلا فلا يصح الخطاب معه أصلا # وسبيل هذا سبيل المولى يقول لعبده أعتق عن نفسك عبدا أو كفر عن يمنيك ~~بالمال يكون لغوا لأن ملك المال شرط التصرف بهذا الخطاب # والعبد ليس من أهل ملك المال وبمثله لو قال لحر أعتق عبدك على ألف فأعتق ~~صح عنه بصحة الأمر لأنه أهل الإعتاق إلا أنه فقد فى الحال شرط الأداء وهو ~~الملك # وصح الأمر به على أن يؤدى المأمورية بشرطه # قال ولا يجوز أن يقال إن الكفر معصية فلا يجوز أن يجعل شىء لسقوط الخطاب ~~لأنه تخفيف والكفر لا يصلح سببا للتخفيف # قال لأنا لا نسقط الخطاب برحمة ليكون سبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة ~~لأنه سقط لخروجه عن صلاحية الجنة وهذا نقمة # ببنية أن الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه عن الجنة ~~وبخطاب المؤمن بالعبادات لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل الخطاب وراحة ~~الجنة فوق راحة سقوط الخطاب وهذا كالبهائم لا يخاطبون وليس ذلك لإرادة ~~التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل الخطاب فكان سقوط الخطاب للإزراء بها ~~كذلك سقوط العبادات عن الكفار ليس للتخفيف عليهم بل لإخراجهم عن أهلية ~~الخطاب فيكون على وجه العقوبة والإزراء بهم وإلحاقهم بالبهائم التى لها ~~خطاب عليهم # قال وأما المناهى ثابتة PageV01P108 في حقهم لأنه إن لم يكن من أهل ~~العبادة لأنها ثمن الجنة فهو من أهل المعصية التى هى سبب العقوبة فيستقيم ~~إثبات خطاب المناهي فى حقه وإن لم يستقم إثبات خطاب العبادات # قال وهذا يحثهم على المعاصي في الدنيا لأن الحدود عقوبات على إنكار ~~المناهي وخطاب المناهي قد لحقهم # ولأن هذه الأعمال للفكاك عن قيد الاستعباد كما أن مال الكتابة يؤديه ~~العبد للفكاك عن قيد الرق وقبل الإيمان بالله عز وجل لا يتصور منه أعمال ~~تتعلق بهذا الفكاك عن القيد # وأما الإيمان فيتعلق بنفسه للفكاك أو يثبت عقد الفكاك فاستقام الخطاب ms072 ~~بالإيمان دون الأعمال # ألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بأداء المال بعد عقد الكتابة ~~ولا يستقيم قبل عقد الكتابة هذا طريقا إلى هذا الموضع # وتعلقوا بالخبر المعروف # أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن قال له ادعهم إلى شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم خمس ~~صلوات في اليوم والليلة وفي رواية فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ~~وترد فى فقرائهم فقد أخبر أن هذه الواجبات تلزم بعد الإيمان بالله تعالى ~~ولو لزمت مع لزوم الإيمان لم يكن لتأخير ذكر الإيجاب معنى # وأما حجتنا في هذه المسألة تتعلق أولا بما ورد من السمعيات في الباب ~~والتعلق للأصحاب بما ورد في القرآن والسنة كثيرة غير أن المختار من ذلك ~~قوله تعالى @QB@ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين وكنا نخوض مع الخائضين @QE@ المدثر 42 45 فقد ذمهم ووبخهم بترك ~~الصلاة وكذلك بترك الزكاة لأن إطعام الطعام الذى يتعلق بتركه التوبيخ هو ~~الزكاة # فلولا أن ذلك توجه عليهم ولحقهم خطابه # لم يستقم التوبيخ والذم # فإن قيل معناه لم نك من جملة المصلين أي المسلمين قلنا لا يستقيم ذلك لأن ~~قوله @QB@ من المصلين @QE@ يفيد أنهم استحقوا الذم لأنهم لم يصلوا كقول ~~القائل عاقبت فلانا لأنه لم يك من المطيعين يدل أنه عاقبه لأنه لم يطعه # فإن قيل قوله @QB@ لم نك من المصلين @QE@ يجوز أن يكون إخبارا لأنهم ~~كانوا ارتدوا PageV01P109 بعد إسلامهم ولم يكونوا صلوا في حال إسلامهم # قلنا قوله @QB@ لم نك من المصلين @QE@ لا يقتضي ترك الصلاة في زمان معين ~~بل يقتضي ظاهره # أنهم لم يكونوا من المصلين فى جميع زمانهم مثل قول القائل فلان صرورة ~~لأنه لم يحج # يقتضي أنه لم يحج فى وقت ما # وإذا حملت الآية على ما قالوا كان حملا على ترك الصلاة في زمان معين وهذا ~~خلاف ظاهر الآية # وعلى أن الآية عامة فى المرتدين وغير المرتدين # وقد ms073 أيد هذه الآية قوله تعالى @QB@ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ~~@QE@ فصلت 6 7 أوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم بالزكاة وهو مثل قول القائل ~~ويل للسراقة الذين لا يصلون فهذا ذم لهم على السرقة وترك الصلاة جميعا # كذلك هاهنا ذم وتوبيخ على الشرك وترك الصلاة جميعا # ونعتمد على قوله سبحانه وتعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا @QE@ آل عمران 97 وهذا يتناول المسلم والكافر لأن اسم الناس ~~يتناول كليهما على وجه واحد ولا مانع من كون الكافر من أهل الآية لا من جهة ~~ولا من جهة السمع العقل # أما الدليل السمعي فلأنه لو وجد مانع من هذه الجهة لظفرنا به عند الطلب # وأما من جهة العقل فلأنه لو كان لكان لفقد التمكن والكافر متمكن من الحج ~~بأن يقدم عليه الإسلام وكل من تمكن من الفعل على بعض الوجوه فهو له مستطيع ~~كما أن المحدث متمكن من أداء الصلاة بأن يقدم عليه الوضوء والخراسانى متمكن ~~من الحج بأن يقدم عليه قطع المسافة وهذا الذى قلناه فى الحج موجود فى كل ~~عبادة فيلزمه كل العبادات بالخطاب العام الذى يتناول المسلمين والكفار وهذا ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس أحمرهم وأسودهم وقد ~~جاء بالقرآن المشتمل على إيجاب الإيمان وإيجاب الشرائع من الأوامر والنواهي ~~فإن كان بعث بما أنزل معه إلى جميع الناس وجب كل ما أنزل معه على جميع ~~الناس لأنه بعث بهذه الشرائع فكل ما بعث به يجب على من بعث إليه # فإن قالوا هذا على ما قلتم إذا أمكن الإيجاب وهاهنا لا يمكن الإيجاب # قلنا يمكن على ما بينا من قبل ولأنه لما لزمهم النواهي لزمهم الأوامر لأن ~~الأوامر أحد قسمى الشرع فصار كالقسم الآخر # والدليل على لزومهم النواهي إجماع الأمة في أن الكافر يحد إذا زنا ويقطع ~~إذا سرق ولو لم يكن مكلفا بترك الزنا PageV01P110 والسرقة لم يكن الزنا ~~والسرقة معصية ولو لم تكن معصية لم يعاقب على فعله وهذا دليل معتمد ms074 # فإن قالوا إنما وجب ذلك عليهم التزامهم أحكام الإسلام # قلنا هذا ليس بشىء لأن لزوم الأحكام بالتزام العبيد ذلك # ألا ترى أن الخطاب متوجه على جميع الكفرة بالإيمان بالله عز وجل وإن ~~كانوا لم يلتزموا شيئا من ذلك # ثم نقول من أحكامنا أن لا يحد الإنسان على المباح فلو كان الزنا غير ~~محظور عليه كان مباحا والحد لا يجب بارتكاب المباح # قالوا إن الكافر مع كفره قد كلف ترك الزنا لأنه مع كفره لا يمكنه فعلها ~~فلم يخاطب بفعلها # قلنا لا يجوز أن يكلف ترك الزنا إلا وقد كلف العلم بقبحه ولا سبيل إلى ~~العلم بقبحه إلا بشريعة الإسلام لأن ما عداه من الشرائع فقد منع المكلفون ~~من الرجوع إليها ولا يمكن مع جحد الإسلام أن يعلم قبح شىء كما لا يمكنه فعل ~~الصلاة فى هذه الحالة فلا فرق بينهما # ولكن كان وجه التكليف بالعلم بقبح الزنا بأن يسلم قبحه ليتركه فحقق عليه ~~تحريم الزنا بهذا الوجه وكذلك فى الصلاة مثله يتحقق عليه إلزام الصلاة ~~بالوجه الذى حقق عليه تحريم الزنا غير أن ترك إقامة الحد عليهم كان بدليل ~~شرعى قام عليه ونحن لا ننكر سقوط إقامة الحد مع تحقق التحريم بدليل شرعى ~~يقوم عليه وذلك الدليل هو العهد المعقود معهم بترك التعرض لهم فى شرب ~~الخمور وأكل الخنازير إذا لم يظهروا ذلك فيما بيننا # وإقامة الحد من التعرض فيكون ذلك إحقار للعهد فلهذا لم نقمه عليهم # وقد أجبنا بغير هذا فى المسائل الفقهية # أما الجواب عن كلماتهم # أما الأول قلنا لا نسلم أن هذا تكليف بما لا وصول إليه بل الوصول من ~~الكفار إلى فعل هذه العبادات ممكن وذلك بأن يسلم ثم يباشر العبادات ونظير ~~ذلك الجنب مكلف فعل الصلاة بأن يزيل الجنابة ثم يصلي # وقولهم إنه إذا أسلم سقط عنه الصلاة فلا وصول إليها لا قبل الإسلام ولا ~~بعد الإسلام # قلنا الوصول ممكن بأن يسلم في الوقت أو يسلم قبل الوقت فإذا دخل الوقت ~~صلى PageV01P111 # فإن قالوا إذا ms075 أسلم صلى بأمر جديد # قلنا لا كذلك قيل بفعل الصلاة بالأمر الذي كان عليه من قبل # فإن قالوا هل كلف الكافر الصلاة قبل الإسلام # فإن قلتم نعم فهو مستحيل لأنه إذا لم يصح منه فعل الصلاة كيف يكلف فعل ~~الصلاة # قلنا هذا قد قلتم وقد أجبنا # ونقول هل كلف الجنب بأن يصلى فى حال الجنابة # فإن قالوا إن الطهارة تصلح شرطا للصلاة والإسلام لا يصلح شرطا لأن الشروط ~~اتباع # قلنا ولم لا يصلح شرطا وليس معنى الشرط إلا ما يقف الشىء على وجوده # وعلى أن هذا ليس بخروج عن الإلزام فإن وجه الإلزام أن الجنب يكلف فعل ~~الصلاة فى حال الجنابة ثم إذا أداها يكون بشرطها وهو تقديم الإسلام وأيضا ~~فإن الأمة اجتمعت على أن الكافر يخاطب بالإيمان بالرسل وإذا وصل إلى الآخرة ~~ولم يكن أسلم يعاقب على ترك الإيمان بالرسل كما يعاقب بترك الإيمان بالله ~~ومعلوم أنه لا يصح الأيمان بالرسل إلا بشرط تقديم الإيمان بالله مثلما لا ~~تصح الصلاة إلا بعد تقديم الإيمان # ولكن قيل كلفوا ذلك بشرط تقديم معرفة الله عليه كذلك جاز أن يكون مكلفا ~~بالعبادات بهذه الشريطة أيضا وهذا إلزام عظيم هدم عليهم هذه القاعدة # وقولهم إنه لا فائدة فى هذا الأمر # قلنا إذا بينا وجه التمكن من الفعل على بعض الوجوه اتصلت الفائدة بالأمر # قالوا بطلت فائدة الأمر فى حال كفر الكافر لأنه عندكم مخاطب بالعبادات فى ~~حال كفره # قلنا هذا الذى قلتم ليس بشرط لصحة الأمر بدليل الجنب الذي قلناه وعلى أن ~~فائدة الأمر في الحال أنه إذا ترك الإتيان استحق العقاب على ترك الصلاة فى ~~الآخرة ويجوز تصحيح الأمر بهذه الفائدة في الحال بدليل الجنب الذي قدمناه ~~وكذلك من علم الله تعالى منهم أنه لا يؤمن يحسن خطابه بالإيمان وليس يحسن ~~خطابه بالإيمان إلا لفائدة استحقاق العقاب بترك الإيمان لأن الفعل منه غير ~~متصور لأنه يؤدي إلى تجهيل PageV01P112 الله تعالى وقد تقدس البارى عن ذلك ~~وتعالى عنه علوا كبيرا # وقولهم إن المقصود ms076 من الأمر طلب الفعل فإنا قد ذكرنا وجها للفعل وذكرنا ~~أيضا أن فائدة استحقاق العقاب كان فى تصحيح الأمر فسقط هذا السؤال # وقد قال الأصحاب على قولهم إن الكافر إذا أسلم يسقط الأمر بالصلاة لأنه ~~إنما سقط بعفو الشرع وذلك بقوله تعالى @QB@ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف @QE@ ولأجل أنا إذا أوجبنا عليه قضاء ما سبق من الصلوات ~~والصيامات الفائتة والزكوات والخراج المسير الماء فيه أدى ذلك إلى تنفيرهم ~~عن الإسلام وقد ذكرنا هذا فى المسائل الفقهية وما ذكرنا أولا كاف # وأما طريقة أبي زيد فنقول قوله إن الكافر ليس من أهل العبادة # قلنا ليس معنى هذا إلا أنه إذا فعل العبادة لا يصح وهو باطل بالجنب الذي ~~قدمناه لأن الجنب ليس من أهل فعل الصلاة مثل الكافر ليس من أهل فعل الصلاة # ولكن قيل هو من أهل الصلاة عند تقديم الطهارة فصح الأمر عن فى حقه وإن لم ~~يكن على طهارة كذلك الكافر من أهل الصلاة عند تقديم الإسلام فصح الأمر فى ~~حقه وإن لم يكن فى الحال مسلما # وأما قوله إن العبادة لاستحقاق الثواب وهو ثمن الجنة على ما زعم # قيل له ليس صحة الأمر بالعبادة بكونه من أهل الجنة لأنه ليس لصحة العبادة ~~من المسلم باستحقاق الجنة فإنه قد قام الدليل لنا أن الثواب الموعود محقق ~~بفضل من الله تعالى وأنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد وإنما صحة العبادة ~~بورود السمع بها وانضمام شرطها إليها والإيمان بالله تعالى أحد شرائطها غير ~~أن صحة الأمر لا تقف على وجود الشرط بل يكفى فى صحة التمكن من إيجاد الشرط ~~على ما سبق كذلك هاهنا وعلى أنه إن لم يكن تصحيح الأمر ليفعل المأمور فيثاب ~~عليه يمكن تصحيحه حتى إذا ترك يعاقب عليها # فإن قالوا لا يصح الأمر لهذا # قلنا ولم وقد سبق الجواب عن هذا والجواب الأول أولى وأحسن ويبطل هذه ~~الطريقة بالإيمان بالرسل فإنه يخاطب به وكما أنه خوطب بالصلاة ليثاب عليها ms077 ~~PageV01P113 فكذلك خوطب بالإيمان بالرسول ليثاب عليه فلا فرق بينهما بحال ~~وإذا ثبت لنا هذه المسألة فقد ثبت على هذه المسألة كثير من المسائل من ~~مسألة وجوب القضاء للصلوات المتروكة على المرتد إذا أسلم وجواز إيتاء الحج ~~منه بعد الردة ومسألة الذمى إذا أتلفه المسلم ومسألة استيلاء الكفال وغير ~~ذلك على ما عرف والله أعلم # | مسائل قصار وفصول من المذهب يليق بهذا الموضع # مسألة يدخل العبيد فى المطلق من الأوامر والنواهي مثل ما يدخل الأحرار ~~وذهبت شرذمة إلى أنهم لا يدخلون إلا بدليل يدل على ذلك قالوا وذلك لأن ~~العبد نفسه مملوكة لغيره ومنافعه مستحقة له والأمر تصريف من مالكه فإذا كان ~~هو في تصريف مالكه لم يدخل في تصريف غيره إلا بدليل يدل عليه # وأما الدليل على أنهم يدخلون مع الأحرار بصيغة قوله افعل يتناول فعل الحر ~~والعبد على وجه واحد وكل واحد منهما يجوز أن يكون مأمورا بهذا الأمر # ألا ترى أنه لو أراده صح فاشتمل الأمر على الأحرار والعبيد على وجه واحد # أيضا ويقال أيضا أنه لما جاز أن يكون العبيد معينين لهذا الأمر دخلوا فى ~~هذا الخطاب إلا أن يوجد مانع سمعى أو نقلى ولم يوجد مانع فإن قالوا إن ~~المانع قد وجد وهو ما وجد من وجوب خدمته لسيده في أوقات العبادة # قلنا إنما يكون من خدمة سيده إذا فرغ من العبادات فصارت أوقات العبادات ~~مستثناة من أوقات خدمة السيد كأوقات الأكل والشرب وسعيه بنفسه فيما لا بد ~~به # قولهم إنه في تصريف سيده فلا يكون في تصريف آخر لنفس الشيء لأنه يجوز ~~PageV01P114 أن يكون في تصريف سيده فى وقت وفى تصريف خالقه في وقت # ألا ترى أنه لو عنى العبد صح فإذا جاز أن يكونوا معينين بهذا الأمر وحق ~~السيد عليه قائم كذلك يجوز أن يكون الخطاب المطلق متناولا للعبيد أيضا وحق ~~للسيد عليه قائم والله أعلم مسألة # مذهب الشافعى أن النساء لا يدخلن في خطاب الرجال وذهب أصحاب أبى حنيفة ~~إلى أنهن يدخلن وقالوا ms078 قد دخلن فى أكثر الأوامر المطلقة فى الشرع مثل الأمر ~~بالصلاة والزكاة وبالحج وغير ذلك فدل أن حقهن الدخول بصيغة الأمر ولأن أهل ~~اللغة قالوا إن الرجال والنساء إذا اجتمعوا أى علامة التذكير على علامة ~~التأنيث فصار الخطاب فى حق الجنسين على وجه واحد # وأما دليلنا هو أن أهل اللغة فرقوا بين الجنسين فى خطاب الجمع كما فرقوا ~~فى خطاب الفرد فإنهم قالوا فى خطاب الجمع للرجال افعلوا وللنساء افعلن وفى ~~خطاب الفرد للرجل افعل وللمرأة افعلى وإذا اختلفت الصيغة فى الجنسين دل أن ~~أحدهما لا يدخل فى خطاب الآخر كما لا يدخل الرجال فى خطاب النساء وكما أن ~~فى خطاب الفرد لا تدخل المرأة فى صيغة خطاب الرجل ونستدل بحديث أم سلمة ~~أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماترى الله تعالى لا يذكر إلا ~~الرجال فأنزل الله تعالى @QB@ إن المسلمين والمسلمات @QE@ الآية إلى آخرها ~~فإن قالوا أرادت الإفراد بالذكر # قلنا هذا الطلب إنما يصح أن لو وجد إفراد الرجال بالذكر وإذا كان عندكم ~~الخطاب يتناول الجنسين من حيث وضع اللغة فيكون دخول النساء فيه مثل دخول ~~الرجال فلا يستقيم طلبنا بالإفراد بالخطاب لأنه تعالى لم يفرد الرجال ~~بالذكر فى محل ما فى خطاب الجمع فمن أى وجه يطلب النساء أن يفردن بالذكر ~~PageV01P115 # ببينة أنا إذا قلنا يكون الخطاب للرجال والنساء في صيغة الجمع على وجه ~~واحد لا يبقى لخطاب الرجال على الانفراد صيغة وهذا محال # وأما الذي قالوا إن النساء قد دخلن مع الرجال في أكثر خطاب الشرع # قلنا إنما دخلن بدلالة وقرينة # وأما كلامهم الثاني وهو قولهم إن الرجال والنساء إن اجتمعوا علمت علامة ~~التذكير على علامة التأنيث # قلنا هذا لا يعرف لغة إنما هذا قول الفقهاء وعلى أننا لا ننكر دخول ~~النساء فى خطاب الرجال إذا أردن بذلك ويكون ذلك على وجه المجاز كالحمار إذا ~~أريد به البليد تناوله على وجه المجاز والكلام فى الحقيقة وقد بينا أنه لا ~~يجوز أن يدخلن من حيث الحقيقة ms079 والله أعلم # | فصل # وأفعال السكران وأقواله داخلة تحت التكليف فى قول عامة الفقهاء # وقال أهل الكلام لا تكليف عليه وتابعهم بعض الفقهاء وقال من يمنع دخوله ~~تحت التكليف إن توجيه التكليف مع عدم علم المكلف بما كلف به محال لأنه لا ~~يدخل هذا فى تكليف ا الإنسان ما ليس فى وسعه وهذا لا يجوز فى الشرع ولا فى ~~العقل # قالوا ولأنه لوجاز تكليف السكران جاز تكليف المجنون والصبي بل جواز تكليف ~~الصبي أقوى من تكليف السكران لأن الصبي له عقل وتمييز وإن لم يكمل مثل ما ~~كمل للبالغين فإذا لم يكلف الصبي فلأن لا يكلف السكران أولى # قالوا وأما الصلاة إذا فاتته في حال السكر فإنما القضاء بأمر جديد بعد ~~الصحو # ويقولون أيضا إن الأمر فيما قلتم متقدم على زوال العقل فإنه يقال له إذا ~~سكرت فى وقت الصلاة أو نسيت أو نمت عنها أو أتلفت شيئا فى حال السكر أو فى ~~حال النوم لزمك ضمانه # وأما دليل ما صار إليه الفقهاء قوله تبارك وتعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقربوا @QE@ PageV01P116 الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ~~) فقد خاطب السكران بها حال السكر بالكف عن الصلاة حتى يعلم ما يقول فدل أن ~~السكر لا ينافى الخطاب ولأن الأمة أجتمعت على صحة ردته فى حال السكر ~~وأجمعوا على وجوب الحد عليه بالزنا والقذف وكذلك يلزمه ضمان ما يتلفه من ~~الأموال فدلت هذه الأحكام أن التكليف قائم فى حقه وإن زال عقله بالسكر وقد ~~قال بعض الأصحاب فى حين أقدم على الشرب كان عاقلا وقد تكلف شيئا محظورا ~~أجرى الله العادة إلى زوال العقل به فجعل الزوال بالسبب المحظور بمنزلة ~~القائم ولهذا المعنى إذا قتل الإنسان مورثه جعل المقتول كالحى حتى لم يورث ~~منه # وكذلك نقول إن التكليف متوجه على النائم وجعل كاليقظان بدليل شرعي قام ~~عليه وهو إيجاب الصلاة عليه وإن استوعب النوم جميع وقت الصلاة وكذلك إذا ~~انقلب على شيء أو أتلفه يجب عليه الضمان هكذا قال بعض الأصحاب ms080 # والأصح عندى أن السكران متوجه عليه الخطاب ويجعل عقله بمنزلة القائم ~~بالدلائل التى قامت عليه من جهة الشرع وإذا جعلنا عقله بمنزلة القائم شرعا ~~استقام خطابه وتكليفه # وأما النائم فالأولى أن يقال لا تكليف عليه فى حال النوم لأن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة وذكر فيهم النائم ولأن النوم مباح ~~فلا يجعل النائم بمنزلة اليقظان ويعتبر ما وجد من زوال الحس بالنوم ولا ~~يجوز تكليف من لا حس له ولا علم وإنما وجوب القضاء بعد اليقظة للصلاة التي ~~فاتته في حال النوم ووجوب غرامات المتلفات فإنما ذلك بالأمر بعد الانتباه # قال الأصحاب ولا تكليف على الساهي فيما سها عنه وذلك لعدم علمه بما سها ~~عنه لأنه لو كان عالما لم يكن ساهيا وأما المكره ففعله داخل تحت التكليف ~~لأنه يقدر على تركه بأن يستسلم بما خوف به وهذا بخلاف حركة المرتعش لا يوصف ~~بأنه PageV01P117 مكره عليها لأنه لا يقدر على تركها فالإكراه لا ينافي ~~العلم والقصد فلا ينافي دخول فعله تحت اقتداره واختياره فلم يسقط التكليف # وقال بعض المتكلمين إن فعل المكره لا يدخل تحت التكليف وليس لأهل هذه ~~الطائفة تعلق إلا ادعاؤهم فقد الاختيار # قالوا ولا تكليف مع عدم الاختيار وربما يقولون إنه غير مريد لما أكره ~~عليه PageV01P118 ولا قصد له فصار فعله كفعل النائم وليس هذا بشيء لأنا قد ~~بينا أن اختياره فيما أكره عليه قائم # ألا ترى أنه يصبر على ما خوف به فدل أنه إذا لم يصبر وفعل ما اكره عليه ~~فإنه يفعله عن قصد واختيار والدليل على بقاء التكليف فى حقه أنه تنقسم عليه ~~الأحكام فيما أكره عليه ففي بعضها يجب عليه فعله وفي بعضها يحرم وفي بعضها ~~يباح وفي بعضها يرخص فالأول مثل أكل الميتة والثاني مثل القتل والثالث مثل ~~إتلاف مال الغير والرابع مثل إجراء كلمة الكفر على لسانه مع طمأنينة قلبه ~~على الإيمان وانقسام الأحكام عليه دليل قاطع على بقاء التكليف وقد أجتمعت ~~الأمة على أنه لو ms081 أكره إنسانا على قتل إنسان لا يجوز أن يقتله ولو قتل أثم ~~إثم القتل ولولا الحظرية عليه قائمة لم يأثم ولما أثم ثبت أن التكليف قائم ~~مستمر عليه وأما الصبيان فلا تكليف عليهم في فعل شيء ما لأن التكليف من قبل ~~الله تعالى والله تعالى وضع عنهم ظلمة الأفعال ولم يوقعهم فى هذه الكلفة ~~رحمة من قبل الله تعالى ونظرا لهم فأما الحقوق المالية التى تجب عليهم ~~فليست فيها إلزام فعل ولا إيقاع لهم فى كلفة ومشقة إنما الإيجاب عليهم ~~يلاقيب ذممهم ولهم ذمم صحيحة وأما فعل الأداء الذى هو كلفة ومشقة فهو متوجه ~~على الأولياء لا على الصبيان والجملة أن إزالة التكليف على الصبيان نظر من ~~الله تعالى ورحمة وذلك فى إسقاط الفعل الذى يتضمن التعب والمشقة وأما أمرهم ~~بالعبادات عند بلوغ السبع فنوع امتران واعتياد وليس على جهة التكليف وكذلك ~~ضربهم على سائر الآداب للرياضة كضرب الدابة # وأما الذى قاله الشافعى رحمه الله من سقوط الظهر عنه إذا كان فى أول ~~الوقت وهو غير بالغ ثم بلغ فى أخر الوقت فإنما كان كذلك لأنه فعل وظيفة ~~الوقت فى PageV01P119 أول الوقت فمنع فعلها من وجوبها عليه فى أخر الوقت ~~إذا بلغ لئلا يؤدى إلى التثنية فى الوظيفة وقد قررنا هذا المعنى فى خلافيات ~~الفروع مسألة # لا يدخل الأمر فى الأمر عند عامة الفقهاء وذهب طائفة قليلة من أصحابنا ~~أنه يدخل والمسألة مصورة فى النبى صلى الله عليه وسلم إذا كان آمرا فإن ~~الأمر الوارد من قبل الله تعالى بذكر الناس وأمرهم بشيء بفعله فقد اتفقوا ~~أن الرسول يدخل فى ذلك وتعلق من قال بدخوله فى الأمر قال لأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل فإذا قال للأمة افعلوا كذا فيصير كأن ~~الله تعالى قال افعلوا كذا فيدخل النبى صلى الله عليه وسلم فيه مثل ما يدخل ~~غيره وربما يقولون إن الأمر يدل على الإيجاب فيصير كأن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال هذه العبادة واجبة ms082 فتكون واجبة على الكل وأما دليلنا أنه لا يجوز ~~أن أمرا لنفسه بلفظ يخصه فلا يجوز أن يكون أمرا لنفسه يعمه ويعم غيره وهذا ~~لأنه أمر فلا يكون مأمورا كالمأمور لا يكون أمرا ولأن الأمر قول القائل لمن ~~دونه افعل فصارت الرتبة شرط صحة الأمر ولا يتصور رتبة مع PageV01P120 نفسه ~~لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان أعلا رتبة أو أدنى رتبة من نفسه ولهذا لم ~~يصح أمر الإنسان لنفسه على التخصيص وأيضا فإن الأمر قول موضوع لاستدعاء ~~الفعل وطلبه وهذا وضع لطلبه من الغير لأن هذه الصيغ إنما تكلمت بها العرب ~~لحاجتهم إليها وليفهم البعض من البعض مراده وخطابه ولا يتصور منه قول ~~لاستدعاء الفعل من نفسه لأن طبيعته داعية إليه طالبة منه فعل كل ما يسره ~~والكف عن كل ما يضره فلا حاجة إلى قول موسع له من نفسه لطلب فعل منه أو قول ~~وضع لمنعه عن فعل وهذه كلمات قطعية والذى قاله الخصم إنه يصير كأن الله ~~تعالى قال افعلوا # قلنا إذا قال تعالى افعلوا فالنبى صلى الله عليه وسلم يكون مأمورا وإذا ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم فيكون أمرا والكلام فى دخول الأمر فى الأمر ~~فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه أمرا وهذا كالسيد يقول لغلامه اسقنى ~~فإنه لا يدخل العبيد فى هذا الأمر وإن كان يجوز أن يدخل فى أمر غيره وأما ~~قولهم إن أمره يصير كأنه قال هذه العبادة واجبة قلنا ولم يصير هكذا وهذا ~~خبر وذاك أمر والخبر خبر فى حق كل أحد وأما الأمر يتناول الأمر على الخصوص ~~بحكمه وأما الأمر الوارد من قبل الله عز وجل بخطاب النبى صلى الله عليه ~~وسلم الرسول فإنه يتناوله على الخصوص ولا يتناول غيره إلا أن يقوم عليه ~~الدليل وأما الوارد بقوله @QB@ يا أيها الناس @QE@ أو ( ياأيها الذين أمنوا ~~) أو @QB@ يا عبادي @QE@ فإنه يتناول النبى صلى الله عليه وسلم وغيره لأجل ~~عموم اللفظ والله أعلم # واعلم أن الأصحاب قد ذكروا أن الخطاب الوارد ms083 من الله عز وجل ومن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إنما يتناول المكلفين الصالحين لهذا التكليف الوارد ~~الموجودين عند الخطاب وأما الذين يوجدون من بعد ذلك فإنما يدخلون فى الخطاب ~~بالإجماع وهذا لأن خطاب المعدوم لا يتصور إفادته الإيجاب فدخولهم فى الخطاب ~~لا يكون بنفس الخطاب وإنما يكون بدليل أخر وليس ذلك إلا الإجماع فكذلك نقول ~~فى كل خطاب معلق بصفة إنما يتناول أهل تلك الصفة عند مورد الخطاب فأما من ~~يصير بتلك الصفة فى حالة أخرى فإنما PageV01P121 يتناوله الخطاب بدليل أخر ~~وإذا ثبت هذا فخطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم باسم الجمع ~~إنما صار شاملا جميع أهل الإيجاب مع عدمهم عند ورود الخطاب بدليل إجماع ~~الأمة والإجماع فى نفسه دليل قاطع لا شك أنهم عقلوا ذلك حين أجمعوا عليه ~~وقالوا ما قالوه عن دليل فثبت ما أجمعوا عليه وإن لم ينقل الذى أجمعوا عليه ~~مسألة # الأمر بالشيء يدل على أجزائه وهذا قول جميع الفقهاء وذهبت طائفة من ~~المتكلمين أنه لا يدل على أجزائه ولا بد فيه من دليل أخر وقال هؤلاء ~~الطائفة لا بد أن نبين المراد من قولنا مجزىء ليصح أن نتكلم عليه قالوا ~~وعلى أنا لا نريد بقولنا مجزىء أنه يثاب عليه وأنه حلال لأنا نقول إن ~~المأمور لابد أن يكون مثابا عليه ولا بد أن يكون حلا لا لأنه إما أن يكون ~~واجبا أو مندوبا إليه وأيهما كان فلا بد أنه حلال وإنما نريد بقولنا إنه ~~مجزىء أنا إذا قلنا هذه اللفظة فى الصلاة فالمراد بذلك أن القضاء غير لازم ~~فيها فإذا قلناه فى البيع فالمراد أن الملك الصحيح يقع به وإذا قلناه فى ~~الشهادات فالمراد من ذلك أنه يجب على القاضى أن يقضى بها فهذا هو المراد ~~بقولنا مجزىء وإذا عرف هذا نقول إن الأمر لا يقتضى إلا كون المأمور واجبا ~~أو ندبا على خلاف وكونه كذلك لا يمنع كونه مجزئا بل لا متنع أن يكون واجبا ~~أو ندبا ومع ذلك لا ms084 يكون مجزئا على المعنى الذى قلناه وهذا كما يقول فيمن ~~ظن إنه على الطهارة وليس على الطهارة وتجب عليه الصلاة وإن كانت الصلاة غير ~~مجزئة وعليه قضاؤها PageV01P122 إذا علم أنه محدث وكذلك من أفسد على نفسه ~~الحج يجب عليه المضي وإن كان غير مجزيء عنه # فهذا كلام ذكره عبد الجبار بن أحمد في العمد # وأما دليلنا نقول إن معنى الإجراء هو الخروج عن عهده الأمر أو إنهاء ذلك ~~الأمر في حقه # فنقول على هذا امتثل الأمر كما أمر فوجب أن يخرج عن عهده الأمر # كالمولى إذا قال لغلامه اسقني فسقاه يخرج عن عهدته وهذا لأن الأمر لا ~~يقتضي الفعل إلا مرة واحدة فإذا فعل المأمور ما اقتضاه هذا الأمر وجب أن لا ~~يبقي عليه واجب آخر من جهة هذا الأمر وإذا لم يبق عليه شيء من جهة الأمر لا ~~بد أنه حكم بكون المفعول مجزئا وهو يعني خروجه عن عهدته وهو كما لو نهى عن ~~شئ فانتهى خرج عن عهدة النهى # وأما كلامهم ففي غاية الضعف لأن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يستقيم تفسير ~~الإجراء بسقوط القصد ولهذا المعنى صح وورد أمر من الشارع لاقضاء له عن ~~فواته مثل الجمعة وما يشبهها وإنما معنى الإجراء ما بيناه # ببينه ان المأمور بامتثال الأمر يصير مطيعا لأمر آمره # ومتى جعل مطيعا لا بد أن يكون طاعة # وأما الذي قالوا إنه ظن أنه على الطهارة يجب عليه الصلاة ثم يلزمه قضاؤه # قلنا إنما وجب بناء على طهارة فإذا تبين أنه لم يكن على طهارة ظهر أنه لم ~~يمتثل للمأمور كما أمر فبنى الحكم على ما تبين حقيقته وأعرض عن الحكم الذي ~~كان مبتنيا على ظن منه وكان الأمر بخلافه وكذلك في مسألة الحج الفاسد إذا ~~مضى عليه بها وجب عليه القضاء لآنه ممتثل المأمور كما مر لأنه أمر بالحج ~~الخالي عن الإصابة وقد حج لا على هذا الوجه فلم يخرج عن عهدة الأمر وأما في ~~مسألتنا فقد فعل المأمور كما أمر فلا بد ms085 أن يقع المفعول مجزئا عنه على أي ~~وجه فسر الإجزاء والله أعلم # مسألة الأمر بالشئ نهى عن ضده من طريق المعنى # وهذا مذهب عامة الفقهاء # وذهبت المعتزلة إلى أنه يكون نهيا عن ضده وتعلقوا PageV01P123 ~~PageV01P124 PageV01P125 PageV01P126 PageV01P127 PageV01P128 في ذلك بوجوه ~~فيها أن القائل به لا يخلوا إما أن يقول إن الأمر بالشيء نهى عن ضده من حيث ~~اللفظ ومن حيث المعنى فإن قلتم من حيث اللفظ فهذا مدفوع من حيث المشاهدة ~~والمحسوس # وهذا لأنا سمعنا الأمر من قوله لغيره افعل فكيف تسمع النهى من هذا اللفظ ~~وهو ضده # فأن قلتم من حيث المعنى فليس المعنى إلا أن الحكيم إذا أراد شيئا فقد كره ~~ضده وإذا حسن شيئا فقد قبح ضده وهذا لا يوجب أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ~~ضده لأن الله تعالى قد أمرنا بالشيء من غير أن يكره ضده كالنوافل فإنه ~~تعالى أمر بها ولم يكره ضدها لأنه لو كره ضدها لم تكن النوافل نوافل بل ~~كانت واجبات فمنها أن الأمر بالشيء لو كان نهيا عن ضده وجب أن يكون العلم ~~بالشيء جهلا عن ضده والقدرة على الشيء عجزا عن ضده كما قلتم إن أرادة الشيء ~~تكون كراهية لضده # فيؤدي ما قلتم إلى أن يكون الشيء نصفه ضده لأن الكراهة ضد الأرادة فلو ~~كانت الإرادة كراهة لضده لكان الشيء نصفه ضده وهو باطل # ومنها أن الشيء إذا كان له ضدان مثل السواد فإن البياض والحمرة ضدان له ~~فيجب إذا أراد السواد أن يكون كارها للحمرة والبياض والحمرة ضد البياض كما ~~أنها ضد السواد فكان المحب إذا كره البياض لإرادته السواد ان يكون مريدا ~~للحمرة لأن كراهية البياض إرادة للحمرة لأنها ضده ثم إذا كان مريدا للحمرة ~~وجب أن يكون كارها للسواد والبياض جميعا لأنهما ضدان له فيجب على هذا أن ~~يكون كل واحد من هذه الأضداد مرادا مكروها وهذا باطل وما أدى إليه يكون ~~باطلا # وأما حجتنا قلنا إن الأمر بالشيء أمر بما لا وصول إليه إلا به ولا يتم ~~إلا ms086 بفعله مثل الأمر بالحج أمر بالسعى إلى مكان الحج قبله # والأمر بالاستقاء أمر بإدلاء الدلو في PageV01P129 البير ونزعه والأمر ~~بصعود السطح أمر بنصب السلم # وقد بينا هذا من قبل # وإذا كان الأمر بالشىء أمرا بما لا يتم المأمور إلا به فنقول إن فعل ~~الشىء لا يحصل إلا بترك ضده مثل الحركة لا تحصل إلا بتركها السكون وكذلك ~~السكون لا يحصل إلا بترك الحركة # فصار الأمر بالشىء نهيا عن ضده معنى هذا الطريق # ولهذا يكون الأمر بالإيمان نهيا عن الكفر لأنه ضده وكذلك الأمر باللبث فى ~~المكان نهى عن ضده وهو الخروج والأمر بالقيام نهى عن القعود وأشباه هذا ~~كثير # وهذا هو المراد من قولنا إن الأمر بالشىء يكون نهيا عن ضده فإن أعجبهم عن ~~استعمال لفظ النهى وهو الوفاق وإن لم يعجبهم هذا اللفظ # وقالوا إنما قلناه معنى تعينت المخالفة فى نفس التسمية ولا مبالاة بها ~~بعد الموافقة فى المعنى وإن خالفوا فى اللفظ والمعنى جميعا كان خروجا عن ~~المعقول فيكون باطلا # والأولى أن نقول إن المسألة مصورة فيما إذا وجد الأمر وقضينا أنه على ~~الفور فلا بد من ترك ضده عقيب الأمر كما لا بد من فعل المأمور عقيب الأمر # وأما إن قلنا إن الأمر على التراخى فلا تظهر المسألة هذا الظهور فالأولى ~~تصويرها فى الجانب # وأما الجواب عما ذكروه فأما الأول فتعلقهم بالنوافل باطل لأن النوافل ~~عندنا غير مأمور بها فإن عندنا ما ليس بواجب لا يكون مأمورا به ولئن تناوله ~~الأمر يكون على طريق المجاز ثم نقول الأمر الذى يفيد الوجوب يكون نهيا عن ~~ضده # وأما الأمر الذى يفيد الاستحباب إنما يفيد النهى عن ضده بما يناسب ~~الاستحباب # والاستحباب أن يكون فعل الشىء أولى من تركه فالحكم فى ضده أن يكون تركه ~~أولى من فعله # وأما كلامهم الثانى ففى نهاية الضعف لأنه يجوز أن يجتمع العلم بالشىء ~~والعلم بضده وكذلك القدرة على الشىء وضده # فأما فعل الشىء وفعل ضده لا يتصور اجتماعهما والأمر يقتضى الفعل فهذا ~~الوجه ms087 عمل في ضده بالنهى عنه # وأما كلامهم الثالث الذى ذكروه فليس بشىء أيضا لأنا نجعل الأمر بالشىء ~~نهيا عن ضده لا من حيث اللفظ ولكن من حيث المعنى وهو أنه لا يتوصل إلى فعل ~~الشىء إلا بترك ضده وهذا المعنى فيما له ضد واحد وفيما له أضداد واحد # فسواء كان له ضد واحد وأضداد فلا بد من ترك الكل حتى يفعل المأمور # وأما النهى عن الشىء هل يقتضى الأمر بضده فإن كان الشىء له ضد واحد مثل ~~الحركة والسكون PageV01P130 فكذلك نقول إنه إذا نهاه عن السكون يكون الأمر ~~بالحركة إذ ليس بينهما واسطة # فأما إذا كان له أضداد فلا يكون النهى عن الشىء أمرا بها كلها لأنه يتوصل ~~إلى ترك الشىء من غير أن يفعل جميع أضداده ولا يتوصل إلى فعل الشىء إلا بعد ~~أن يترك جميع أضداده فافترقا لهذا المعنى # ثم نقول إن هذا الأمر بالشىء نهى عن ضده صيغة حتى يصير في النهى الثابت ~~معنى أن يكون أمرا بضده فإن الذى ادعيناه إنما ادعيناه في صيغة الأمر ~~والنهى ولم ندع ذلك فيما ثبت معنى فسقط ما قالوه # وادعى أبو زيد في هذه المسألة قولا ثالثا وقال إن الأمر بالشىء يقتضى ~~النهى عن ضده على وجه الكراهة لا على وجه التحريم وهذا ليس بشىء لأن الأمر ~~إذا كان بعد الوجوب فلا بد أن يقتضى الكف عن ضده على وجه التحريم حتى ~~يستقيم حمله على الإيجاب # وقد أجمع الفقهاء على أن الأمر يفيد الإيجاب ومع هذا لا يكون لما قاله ~~وجه # والله أعلم # مسألة الفرض والواجب واحد عندنا # وزعم أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ~~ثبت وجوبه بدليل مظنون # وقالوا لأن الواجب ليس على مرتبة واحدة # ألا ترى أن الثابت بدليل مقطوع لا يكون في مرتبة ما ثبت بدليل مظنون بل ~~يكون فوقه فى الرتبة وإذا كان اختلفا في الرتبة اختص كل واحد منهما باسم ~~غير اسم صاحبه # قالوا ولأن الفرض في اللغة ms088 يدل على ما لا يدل عليه الوجوب لأن الوجوب يدل ~~على اللزوم فإنه مأخوذ من السقوط على ما سبق ولا تأثير للساقط فى المحل ~~ولأن الفرض مأخوذ من الجز والشق ومنه فرض القوس وفرضة الوادى # فدل هذا الاسم على التأثير فى المحل # وإذا أثر فى المحل أفاد زيادة لا يفيدها اسم الوجوب # ونحن نقول إن حد الواجب والفرض واحد لأن حدهما جميعا ما لا يسع تركه أو ~~ما لا يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه # وإذا اتفقنا فى المعنى اتفقنا فى الاسم # ولأنكم فرقتم بين الواجب والفرض بفرق ولا يدل عليه دليل # والدليل على PageV01P131 أنه لا دليل عليه # أنه لو قلت قلمكم قال هذا الفرق وقال الواجب ما ثبت بدليل مقطوع به ~~والفرض ما ثبت بدليل مظنون لم يكن عنه خلاص # وأما الذى تعلقوا به من قولهم إن ما ثبت بهذا الدليل مخالف فى الرتبة ما ~~ثبت بذلك الدليل # فوجه الجواب المعتمد عنه أن الكلام فى الواجب العملى وهو الذى تتكلم فيه ~~الفقهاء فيما بينهم # وأما العلم ليس له تعرض أصلا # والواجب عملا تستوى مراتبه سواء كان ثبوت الشىء بدليل قطعى يوجب العلم # أو بدليل اجتهادى يوجب الظن والعقاب فى كل واحد عند تركه عملا مثل العقاب ~~في صاحبه وكذلك واحد لا يسع تركه صاحبه إذا استويا من هذا الوجه استغنى عن ~~التفريق الذى ذكروه # وأما كلامهم الثانى قلنا إذا تراجعنا اللغة فلفظ الوجوب أدل على اللزوم ~~من لفظ الفرض لأن الفرض اسم مشترك يكون بمعنى الإنزال مثل قوله تعالى @QB@ ~~إن الذي فرض عليك القرآن @QE@ القصص 85 أى أنزل ويكون بمعنى البيان مثل ~~قوله تعالى @QB@ سورة أنزلناها وفرضناها @QE@ النور 1 ويكون بمعنى التقدير # يقال فرض القاضى النفقة أى قدر # ويكون بمعنى الإيجاب كقوله تعالى @QB@ فمن فرض فيهن الحج @QE@ البقرة 197 ~~أى أوجب فالإلزام أحد معانى الفرض # وأما الوجوب له معنى واحد وهو السقوط # وقد اقتضى الإلزام من حيث هذا المعنى الواحد فكان هذا الاسم أخص فى ~~الإلزام من لفظ الفرض فلا ms089 أقل أن يستويا # وأما التأثير فى المحل فلا معنى له لأن الإلزام على الإنسان لا يظهر له ~~تأثير فى المحل حسا بوجه ما فلا معنى لاعتباره # مسألة الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق # وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يتناوله # والخلاف تظهر فائدته فى قوله تعالى @QB@ وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ ~~الحج 29 فعندنا هذا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوسا # وعلى مذهبهم يتناوله # فإنهم وإن اعتقدوا كراهية هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل فى الأمر حتى ~~يتصل به الإجزاء الشرعى وعندنا يدخل ولا جواز لمثل ذلك الطواف # واعلم أن هذا المثال على أصلهم يتصور # وأما عندنا أن ذلك طواف مكروه بل لا طواف أصلا لأنه قام الدليل عندنا أن ~~الطهارة شرط فى PageV01P132 الطواف # مثل كونها شرطا فى الصلاة وكذلك قام الدليل أن الطواف الشرعى هو الطواف ~~على هيئة مخصوصة لا يوجد إذا طاف منكوسا # وأما هم زعموا أن الطواف حقيقة دوران حول البيت وذلك موجود سواء طاف ~~بطهارة أو بغير طهارة وسواء طاف مستويا أو منكوسا # قالوا وأما وجود الكراهية الشرعية لا يدل على عدم دخول المفعول فى الأمر ~~بدليل الصلاة فى الأرض المغصوبة والبيع وقت النداء # فإن الأول داخل فى الأمر # والثانى فى الإطلاق # وأما حجة ما صرنا إليه # أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة والندب والإباحة مجازا فما ليس بواجب ولا ~~مندوب إليه ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر # وأما الصلاة فى الأرض المغصوبة فنتكلم فى هذه المسألة ابتداء حتى يظهر ~~الواجب فنقول مذهبنا ومذهب أكثر أهل العلم أن الصلاة فى الأرض المغصوبة ~~جائزة # وذهبت المعتزلة غير النظام إلى أنها لا تجزىء وهو قول داود وأهل الظاهر ~~وقيل إنه مذهب أحمد بن حنبل رضى الله عنه # واحتج من قال أنها لا تجزىء بأن الصلاة طاعة بإجماع المسلمين والصلاة فى ~~الدار المغصوبة معصية لأن الصلاة تشتمل على القيام والركوع والسجود والقعود # وهذه الأشياء تصرف فى الدار المغصوبة وشغل لأماكنها وأهويتها ومنع لرب ~~الدار لو حضر من التصرف ms090 فيها منزل منزلة وضع ساج فيها # وربما يعبرون عما قلنا فيقولون الكون فى هذه البقعة محرم معصية والأكوان ~~التى تقع فى الصلاة لا بد أن تقع طاعة ونقول الكون فى هذه البقعة محرم منهى ~~عنه والأكوان التى تقع فى الصلاة لا بد أن تكون مأمورا بها ويستحيل وقوع ~~الشىء الواحد مأمورا به منهيا عنه # وأيضا فإنهم أجمعوا أن من شرائط الصلوات الخمس أن ينوى بها المصلى أداء ~~الواجب وما يدخل فيه أداء الواجب نحو أن ينوى كونها ظهرا أو عصرا # والصلاة فى الدار المغصوبة لا يتأتى فيها ذلك لأنه لا يصح أن ينوى ~~الإنسان أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب PageV01P133 قالوا وعلى هذا ~~نقول أيضا لا تجوز صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب # واختلفوا فيمن ستر عورته بثوب مملوك ثم لبس عليه ثوبا مغصوبا فمنهم من ~~أجازها لأن فى الثوب الثانى زيادة وفى الثوب الأول كفاية لستر العورة وهو ~~مملوك # وقال آخرون لا تجوز # لأن قيامه وقعوده وتصرفه فى كلا الثوبين # وزعموا أيضا أن المودع أو الغاصب إذا طولب برد الوديعة أو المغصوب فتشاغل ~~بالصلاة مع اتساع الوقت لم تجز صلاته # وإن كان الوقت ضيقا ويخشى إن تشاغل بالرد أن تفوته الصلاة لم تبطل صلاته ~~إن لم يستضر صاحبها بالتأخير ضررا شديدا وتبطل إن استضر بالتأخير ضررا ~~شديدا # وقالوا لمن صلى وهو يرى من يغرق أو يهلك وهو يرجو أن يخلصه فسدت صلاته # والوجه فى ذلك أجمع أن صلاته فى جميع هذه المواضع قبيحة # قالوا ولا يلزم إذا آمن فى الدار المغصوبة حيث يصير مؤمنا لأن ذلك ليس ~~بتصرف فيها فيكون غصبا لها # فلم يلزم أن يكون قبيحا غير طاعة # قالوا وليس يلزم إذا صلى فى أرض إنسان غير أن يقصد غصبها ولا زرع فى ~~الأرض لأن العادة جارية أن مالك الأرض لا يكره أن يصلى المارة فى أرضه ~~وكذلك العادة جارية بأن من أذن لغيره فى الدخول فى داره أنه لا يكره أن ~~يصلى فيها فنزل ذلك منزلة ms091 صريح الإذن # قال أبو الحسين البصرى صاحب المعتمد مستدلا فى هذه المسألة إن صحة الصلاة ~~فى الدار المغصوبة # إما أن يراد بها أنها داخلة تحت التعبد أو يراد بها أنها تقوم مقام ما ~~دخل تحت التعبد والأول باطل لأن التعبد لا يتناول القبيح المكروه والثانى ~~يكفى فى نفيه أنه لم يدل دليل على أنها تقوم مقام ما دخل تحت التعبد وإذا ~~لم يدل الدليل على ذلك لم يسقط به التعبد الواجب عليه # وأما حجتنا فقد ذكر بعض أصحابنا أن بعض ما يحتج به فى هذه المسألة إجماع ~~الأمة فإنا نعلم أن المكلفين الذين خوطبوا بالصلاة من شرق الأرض ومغربها ما ~~كان يخلو عصر من الأعصار من فعل بعضهم الصلاة فى الأرض المغصوبة ولو كان ~~PageV01P134 من أهل الاجتهاد من لا يجوز ذلك لم يجز فى مستقر العبادات أن ~~لا يظهر خلافه مع كثرة وقوع ذلك وعموم البلوى به # ولجرى بينهم تناظر وتشاجر فى ذلك كيف وأهل القدوة الذين هم أهل القدوة فى ~~الشريعة والأعلام فى معرفة الأحكام أطبقوا على القول بجواز ذلك فلا يعتد ~~بخلاف من خالف فى ذلك لأنه خالف محدث ولم ينقل عن أحد من السلف ذلك # وعندى أن هذه الحجة ضعيفة لأنهم يقولون بالإجماع # وقد بينا خلاف ذلك # وقولهم إنه لم ينقل عن أحد من السلف ذلك # قالوا كما لم ينقل الفساد لم ينقل الجواز # ولعلهم إن سئلوا عن ذلك أفتوا ببطلان صلاته # قالوا والظاهر ذلك لأن الدليل مضى فى هذه المسألة # فما كنا نظن بسلفنا الصالح أنهم يتركون مثل الذى قدمناه وأقمناه إلى ما ~~دليل عليه بل هو مجرد دعوى # ونستدل بوجه آخر يعتمد عليه فنقول الصلاة غير منهى عنها لأن النهى وإن ~~ورد ولكنه ينصرف إلى فعل الغضب لا إلى فعل الصلاة # ألا ترى أن بعد الخروج عن الصلاة هو فاعل للغصب غير فاعل للصلاة # ألا ترى أنه لو صلى فى مكان من الدار لا يخرج من أن يكون غاصبا لغير ذلك ~~المكان من بقاع الدار ms092 # قالوا على هذا أن المعقول من الغضب هو الاستيلاء على مال الغير على وجه ~~العدوان وهو بالصلاة شاغل ملك غيره بالعدوان فيصير بغير الصلاة غاصبا فكيف ~~لا يكون النهى منصرفا إليها وصلاته عن الغصب # الجواب يقال لهم هل يجوز بين أن يكون الإنسان فى فعل واحد مأمورا من وجه ~~منهيا من وجه مطيعا من وجه عاصيا من وجه # فإن قالوا لا # قلنا الدليل على جوازه المشروع والمعقول # أما المشروع فإن المريض الذى يستضر بالصوم فإذا صام فإنه لم يختلف أحد أن ~~صومه يقع وهو مأمور بالصوم من وجه منهى من وجه # ولولا أنه مأمور به من وجه لم يتصور وقوعه موقع الصوم المعروض عليه وهو ~~منهى عنه من وجه # وهو لتضمنه إضرارا بنفسه # وأما المعقول فإن السيد إذا قال لعبده احمل هذه الخشبة إلى موضع كذا ~~واسلك بها طريق كذا فحمل الخشبة وسلك طريقا غير الطريق الذى قال فإنه يكون ~~مطيعا من PageV01P135 وجه عاصيا من وجه # ألا ترى أنه يحسن أن يقول العبد إن كنت عصيتك فى سلوك هذا الطريق فقد ~~أطعتك فى حمل هذه الخشبة إلى موضع كذا ويقول لهم أيضا هل يجوز أن يشتمل ~~الفعل الواحد على معنيين مختلفين فى حكم الشارع # فإن قالوا لا # قلنا الدليل على جواز ذلك أن من وقف على جبل مغصوب بعرفات فقد اشتمل ~~وقوفه على ما هو طاعة وهو الوقوف بعرفة وعلى ما هو معصية وهو استعمال جبل ~~الغير وكذلك إذا توضأ بماء مغصوب فإن حركاته فى الوضوء اشتملت على شيئين ~~مختلفين # على استعمال ماء الغير وهو معصية وعلى فعل الوضوء وهو طاعة وكذلك إذا ذبح ~~بسكين مغصوب فإن فعله اشتمل على استعمال سكين الغير وهو معصية # وعلى ذبح الشاة وهو مباح جائز وإذا نوى الإنسان الصوم ونام فى نهاره فإنه ~~فى حال نومه فاعل للصوم وفاعل للنوم # وهذه المسائل كلها مسلمة ولم ينقل عن المخالفين منع شىء منها # وأقواها مسألة صوم الشيخ والمريض اللذين يستضران بالصوم # ومسألة الوضوء بالماء المغصوب والوقوف ms093 على جبل مغصوب # فإذا ثبت ما قلناه فنقول إذا صلى فى أرض مغصوبة فنقول النهى فى شغل أرض ~~الغير والأمر بالصلاة فهو مأمور بهذا الفعل من حيث إنه صلاة منهى عنه من ~~حيث إنه شغل ملك الغير # والجواز من حيث إنه صلاة لا من حيث إنه شغل ملك الغير # وإن شئت عبرت عن هذا بالطاعة والمعصية # فقلت إنه مطيع من حيث الصلاة عاص من حيث شغل ملك الغير وهو مثل مسألة ~~المريض إذا صام والوضوء بالماء المغصوب والوقوف على جبل مغصوب وهو مأمور ~~مطيع من حيث فعل الصوم وفعل الوقوف وفعل الوضوء عاص منهى عنه من حيث ~~الإضرار بنفسه واستعمال مال الغير وجبل الغير # وهو لأن شغل ملك الغير ينفصل عن الصلاة والصلاة تنفصل عن شغل ملك الغير ~~فإذا انفصلا حسا فيجوز أن نجعل فعله فيهما كفعلين منفصلين فيكون مطيعا ~~بأحدهما عاصيا بالآخر # والدليل عليه المسائل التى قلناها والحرف فى هذه المسألة أنا وجدنا فعلا ~~من حقه أن يكون طاعة وقد وقع قبيحا ومعصية # ومع ذلك أجزأ عن الطاعة وكان طريق جوازها ما ذكرنا # كذلك هاهنا # وأما فصل النية التى قالوا بها فنحن إذا فصلنا الطاعة عن المعصية استقام ~~فيه النية وقد نقل بعض المتأخرين من أصحابنا عن القاضى أبى بكر الباقلانى ~~كلاما غير مفهوم فى هذه المسألة # وهو أن صلاة الإنسان فى الأرض المغصوبة PageV01P136 لا بد أن تقع مأمورا ~~بها ولكن يسقط الأمر بالصلاة عندنا كما يسقط الأمر بأعذار نظرا من الجنون ~~وغيره # وهذا هذيان فأعرضنا عنه # والله أعلم # مسألة إذا قال الصحابى أمرنا بكذا فإنه ينزل منزلة القول المقول فى الأمر # وقال داود وأصحابه لا ينزل منزلة ما لم يقل اللفظ # وقال لأنه يجوز أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر لفظا فى الندب ~~والرواى ظن منه معنى الوجوب فيقبل على ما ظن # ونحن نقول قول الصحابى أمرنا بكذا مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أمرتكم بكذا # ومثل قوله أمركم الله بكذا # والذى قالوه باطل لأن ms094 الأمر عندنا لا يكون أمرا إلا إذا أفاد الوجوب فأما ~~إذا أفاد الندب فإنه لا يكون أمرا فليس ما قالوه بشىء # والله أعلم PageV01P137 & باب القول فى النواهى & # اعلم أن النهى يقارب الأمر فى أكثر ما ذكرناه # ونشير إلى ذلك على وجه الاختصار ونبين ما يخالف الأمر فيه # فأما حقيقة النهى فهو استدعاء ترك الفعل بالقول ممن هو دونه # وقيل هو قول القائل لغيره لا تفعل على جهة الاستعلاء # فصل وله صيغة تدل عليه فى اللغة # وقال أبو الحسن الأشعرى ومن تبعه ليس له صيغة وقد دللنا عليه وأبطلنا ~~قوله من قبل # فصل وصيغة النهى مقتضية للتحريم # وقال أبو الحسن ومن تبعه لا يدل عليه ولا على غيره إلا بدليل # والدليل على أنه يقتضى التحريم أن قوله لغيره لا تفعل يقتضى طلب ترك ~~الفعل لا محالة # مثلما أن قوله لغيره افعل يقتضى طلب الفعل لا محالة وطلب الفعل لا محالة ~~يقتضى الإيجاب كما ذكرنا فى مسألة الأمر فطلب ترك الفعل لا محالة يقتضى ~~التحريم التحريم # وقد سبق وجه الدليل فى هذا # ويمكن أن يقال إن النهى لما كان لطلب الامتناع من الفعل والفعل لا يمتنع ~~وجوده بكل إلا بالتحريم فكان مقتضيا للتحريم أى امتناع وجوده بكل حال من ~~حيث الشرع يكون بالتحريم لأن السيد إذا قال PageV01P138 لغلامه لا تفعل كذا ~~ففعل استحق الذم والتوبيخ ولولا أنه اقتضى التحريم لم يستحق الذم والتوبيخ # | فصل # والنهى يقتضى الترك على الدوام وعلى الفور بخلاف الأمر يقتضى فعل المأمور ~~مرة واحدة ولا يقتضى الفور إلا بدليل # وذكرنا الفرق من قبل # ببينة أن من قال لغلامه افعل كذا ففعل مرة واحدة يعد ممتثلا آتيا للمأمور ~~وإذا قال لا تفعل كذا لا يعد منتهيا إلا بعد الانتهاء على الدوام وهذا ظاهر ~~للمتأمل # | فصل # قد ذكرنا أن الأمر بالشىء نهى عن ضده # فأما النهى عن الشىء هل يكون أمرا بضده فإن كان له ضد واحد فهو أمر بذلك ~~الضد كالصوم فى العيدين وإن كان له أضداد كثيرة فهو ms095 أمر بضد واحد من أضداده ~~لأنه لا يتوصل إلى ترك المنهى عنه إلا به فأما إثبات الأمر بسائر الأضداد ~~فلا معنى له وقد سبق هذا # | فصل # إذا نهى الشارع عن أحد الشيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما # ويجوز له فعل واحد منهما أيهما شاء # وعند المعتزلة يكون منهيا عنهما فلا يجوز له فعل واحد منهما # وزعموا أن النهى لا يرد إلا عن قبيح # فإذا نهى عنهما ثبت قبحهما فيكونان جميعا منهيين وإن ورد بلفظ التخيير ~~اللهم إلا أن تدل الدلالة على أن أحدهما إنما كان منهيا عنه إذا كان الآخر ~~موجودا وذلك الآخر منهى عنه إذا كان هذا موجودا فيكون للتخيير هاهنا ~~فائدتان # يقال لا تأكل ولا تشرب وتدل الدلالة أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجود ~~الشرب وكذا إنما نهى عن الشرب بعد وجود الأكل # فيكونان منهيين على طريق التخيير على هذا الوجه # هذا مذهبهم فى هذا # وأما عندنا فالأمر على ما ذكرناه # والدليل على أن الأمر أمر بالفعل والنهى أمر بالترك # ثم الأمر PageV01P139 بالفعل فى أحد شيئين لا يقتضى وجوبهما # كذا الأمر بالترك فى أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وقد سبق هذا أيضا ~~مسألة # النهى يدل على فساد المنهى عنه # وهو الظاهر من مذهب الشافعى وعليه أكثر الأصحاب إلا أنهم اختلفوا فمنهم ~~من قال يقتضى الفساد من جهة الوضع فى اللغة # ومنهم من قال يقتضى الفساد من جهة الشرع ويمكن أن يقال يقتضى الفساد من ~~حيث المعنى لا من حيث اللغة وقد ذهب إلى هذا المذهب أيضا جماعة من أصحاب ~~أبى حنيفة # ومن أصحابنا من قال إن النهى لا يدل على فساد المنهى عنه وحكى عن الشافعى ~~رحمه الله ما يدل عليه وهذا اختيار أبى بكر القفال الشاشى وهو قول الكرخى ~~ومن معه من أصحاب أبى حنيفة وهو أيضا قول أكثر المتكلمين ومنهم أبو على ~~وأبو هاشم وأبو عبد الله البصرى الملقب PageV01P140 PageV01P141 ~~PageV01P142 بمصلح المتكلمين واختلف هؤلاء فيما بينهم فقال بعضهم إن كان فى ~~فعل المنهى إخلال ms096 بشرط فى صحته إن كان عبادة أو فى نفوذه إن كان عقدا وجب ~~القضاء بفساده وإن لم يكن فيه إخلال بما ذكرناه لم يجب القضاء بفساده # وقال بعضهم إن كان النهى يختص بالفعل المنهى عنه كالصلاة فى المكان النجس ~~اقتضى الفساد وإن لم يختص بالمنهى عنه كالصلاة فى الدار المغصوبة لم يقتض ~~الفساد # وقال بعضهم إن كان النهى عن الشىء المعنى فى عينه أوجب الفساد وإن كان ~~المعنى فى غيره لا يوجب الفساد # وأما المعروف عن طريقة أبى زيد فى هذه المسألة # قالوا النهى المطلق نوعان نهى عن الأفعال الحسية مثل الزنا والقتل وشرب ~~الخمر ونهى عن التصرفات الشرعية مثل الصوم والصلاة والبيع # والنهى عن الأفعال الحسية دليل على كونها قبيحة فى نفسها لمعنى فى ~~أعيانها إلا أن يقوم دليل على ذلك # وأما النهى المطلق من التصرفات الشرعية فيقتضى قبحا لمعنى فى غير المنهى ~~عنه # لكن متصلا PageV01P143 بالمنهى عنه فيتبقى صفة المشروعية عن المنهى من ~~وجه مع تصوره فى نفسه وبقاء حقيقته وربما يعبرون عن هذا فيقولون يخرج عن ~~المشروعية بوصفه ويبقى مشروعا بأصله وبيان هذا قد ذكروه فى مسائل الخلاف # وأما حجة من يقولون إن النهى لا يقتضى فساد المنهى عنه قالوا الحال لا ~~يخلوا إما أن يكون النهى مقتضيا فساد المنهى عنه من حيث لفظ النهى ووضعه ~~لغة ومن حيث الشرع أو من حيث النظر إلى معناه # فأما الأول فباطل لأن النهى طلب ترك الفعل والأمر طلب الفعل لغة وهذا ~~لايدل على فساد ولا على صحة لأن الفساد والصحة أمران شرعيان لا يعرفان من ~~حيث اللغة بحال ولا يدل عليهما من جهة اللفظ بوجه ما # وأما الثانى فهو باطل أيضا لأن الفساد من حيث الشرع لا يعرف إلا بنقل ولا ~~نقل عن السماع فى فساد المنهى عنه بالنهى شرعا ولو كان لعثرنا عليه بالبحث ~~وقد بحثنا فلم نجده يدل عليه أنا رأينا مناهى وردت فى الشرع ولم تقتض فساد ~~المنهى عنه والدليل عليه الصلاة فى الأرض المغصوبة فإنها ms097 منهى عنها وليست ~~بفاسدة وكذلك البيع وقت النداء وكذلك الطلاق فى حال الحيض منهى عنه ومع ذلك ~~هو واقع محكوم بصحته ووقوعه وكذلك البيع فى أخر وقت الصلاة منهى عنه وهو ~~جائز وكذلك الإحرام محكوم بالنهى عنه وهو منعقد وقد قال بعض من نصر هذا ~~القول إنه لابد من معرفة معنى الفاسد والصحيح فإن فى معرفة معناه زوال معظم ~~الشغل فى المسألة # قالوا ومعنى الفاسد أنه لايقع موقع الصحيح فى الحكم بحال حتى استعمل فى ~~الصلاة والصيام أفاد أن القضاء واجب وإذا استعمل فى العقود أفاد أن التمليك ~~لايقع بها وإذا استعمل فى الإيقاعات من الطلاق والعتاق أفاد أن لاعضل وإذا ~~استعمل فى الشهادة أفاد أن الحاكم لا يحكم بها وأما معنى الجواز فعلى الضد ~~من هذا فيفيد استعماله فى الصلاة والصيام سقوط القضاء وفى العقود وقوع ~~الملك وفى الإيقاعات حصولها وفى الشهادة يفيد أن القاضى بها إذا عرفنا معنى ~~الفساد والجواز ليس فى المنهى دليل على أنه إذا فعل المنهى لا يقع موقع ~~الصحيح فى الحكم لأنه من حيث صيغته ليس إلا طلب ترك الفعل ومن حيث المعنى ~~يدل على كراهة الناهى لفعل المنهى عنه أو يدل على القبح لأن الناهى إذا كان ~~حكيما فلا بد أن يكون المنهى قبيحا وإلا PageV01P144 لم يحسن النهى بقبح ~~المنهى وكراهة الناهى له لا يدل على فساده من حيث الحكم بدليل المسائل التى ~~قدمنا # ويدل عليه أن الذبح بالسكين المغصوب منهى عنه وكذلك التوضؤ بالماء ~~المغصوب وقد وقعا مواقع الصحيح فثبت أن النهى لا يدل على الفساد لا من حيث ~~الصيغة ولا من حيث الشرع ولا من حيث المعنى # قالوا ولأن النهى إذا أفاد الفساد لكان ما لا يفسد من الأفعال القبيحة لا ~~يكون منهيا عنه على التحقيق لأن اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له يكون ~~مجازا ولا يكون حقيقة # وقد قال بعضهم إن لفظ النهى لغوى والفساد معنى شرعى ولا يجوز أن يكون ~~اللفظ اللغوى موضوعا له لأن أهل اللسان قد ms098 تكلموا بهذا ولم يعرفوا شرعا ما ~~يدل أنه لا يجوز أن يقتضيه لفظ النهى قال ولا يجوز أن يكون الفساد من حيث ~~القبح لأن قبح الشيء لا ينافى ثبوت الحكم لا محالة لأن الحكم قد نهى عن ~~الشيء لنوع مفسدة معلق به وإن وقع موقع الصحيح فى الحكم وذلك أن يتشاغل به ~~عن واجب مثل البيع مع تعين السعى إلى الجمعة أو مع تعين التحريم عليه أو ~~تعين إنقاذ غريق أو حريق وإذا أكن هذا لم يأمن أن يكون النهى عن البيع أو ~~الطلاق وغيرهما كان لغرض سوى أن أحكامها لا تثبت وإذا جاز ذلك لم يقتض صحة ~~الفساد وأما أبو زيد فالذى يحضرنى من كلامه فى هذه المسألة هو أن النهى لا ~~يصح عن غير المتكون لأن النهى يرد والمراد به انعدام الفعل مضافا إلى ~~اختيار العباد وكسبهم فلا بد من أن يكون المنهى عنه ليكون العبد مبتلى بين ~~أن يكف عنه باختياره فيثاب عليه وبين أن يفعله باختياره فيعاقب عليه فثبت ~~أن النهى لا يتصور إلا من متكون من العبد # قالوا ولهذا لا يصح أن يقال للأعمى لا تبصر وللأدمى لا تنظر لأنه لا يكون ~~منه ويجوز أن يقال للبصير لا تبصر كذا وكذلك للسميع لا تسمع كذا لأنه يتكون ~~منه وربما يعبرون عما قلنا فيقولون إن النهى لطلب الامتناع من المنهى عنه ~~فلا بد من تصور المنهى عنه حتى يتحقق النهى عنه فعلى هذا المنهى عنه الصوم ~~فى يومى العيد وأيام التشريق والبيع أيضا هو المنهى عنه مع الشرط الفاسد ~~وكذلك الصلاة عند غروب الشمس والصوم اسم لفعل مخصوص وكذلك الصلاة والبيع ~~اسم لقول مخصوص وهو الذى جعل سببا للملك شرعا فوجب تصور الصوم والصلاة ~~والبيع بعد النهى PageV01P145 ليتحقق النهى عنه شرعا قالوا ولا يجوز أن ~~يقال إنه تصور صورة الإمساك وصورة أفعال الصلاة وصورة الإيجاب والقبول لأن ~~الصوم إنما صار صوما بصورته ومعناه وكذلك الصلاة وكذلك البيع والمعنى فى ~~الصلاة والصوم كونه صلاة وصوما فى حكم ms099 الله تعالى والمعنى فى البيع كونه ~~مفيدا للملك فإذا لم يوجد هذا المعنى فى هذه الأشياء لم توجد هذه الأشياء ~~أصلا وقد بينا أنه لا بد من تصور المنهى عنه ليصبح النهى # والحرف أن الذى يحقق موجودا ليس بصلاة ولا صوم ولا بيع قالوا والفسخ ينزل ~~من النهى فى طرف مناقض له لأن النهى إعدام الشيء بفعل العبد فأما الفسخ فهو ~~إعدام الشىء مشروعا لينعدم فعل العبد لا نعدامه مشروعا والنهى لا لا نعدام ~~المشروعية بل لينعدم الشىء بفعل العبد مع بقاء المشروعية # قالوا أما كون المنهى عنه محظورا فلا ينافى المشروعية لأنه يجوز أن يكون ~~الشيء مشروعا من وجه محظورا من وجه فصار المفعول مشتملا على حظرية ومشروعية ~~وإنما أثبتنا المشروعية مع الحظر لأجل الضرورة على ما سبق فإن قلتم إن نص ~~الشارع على هذا لا يجوز مثل أن نقول حظرت عليك هذا الشىء وشرعته لك فلا ~~يجوز وعلى أنه يجوز إن ثبت بطريق ما لا يثبت بطريق التنصيص وهذا كالأمر ~~بالشىء نهى عن ضده وكذلك النهى عن الشىء أمر بضده إذا كان له ضد واحد فصار ~~الشرع من مقتضيات النهى ضرورة والحظر من مقتضيات الأمر ضرورة وإن كان لا ~~يجوز ذلك بطريق التنصيص وعلى أن الشىء الواحد يجوز أن يكون مشروعا من وجه ~~محظورا من وجه بدليل المسائل التى قلناها وكذلك وطء الأب جارية ابنه ووطء ~~أحد الشريكين الجارية المشتركة # وقال بعضهم القبح صفة قائمة بالمنهى فكان تابعا فلا يجوز إثباته على وجه ~~يبطل به ما أوجبه واقتضاه # وبيان هذا أن النهى أوجب القبح فإذا أثبتناه على وجه يفسد به المنهى عنه ~~وفى فساد المنهى عنه فساد النهى على ما سبق # كما أثبتناه على وجه يبطل به ما اقتضاه وأوجبه فعملنا بالأصل وهو النهى ~~على ما يتصور معه المنهى وعملنا بالمقتضى وهو الفسخ بقدر الإمكان وهو أن ~~نجعل المنهى عنه غير مشروع بوصفه لأن القبح وصف يبطل المشروعية من حيث ~~الوصف فأبقينا PageV01P146 المشروعية فى أصله لئلا نبطل أصل ms100 النهى فهذا ~~غاية الإمكان فى إظهار العمل بالدليلين # فإن قلتم كيف يحتمل المشروع وصف الصلاة # قلنا قد يحتمل بدليل المسائل التى قدمناها ولأن العبرة بالدليل لا ~~بالاستبعاد وخرجوا على هذا الأصل مسائل مثل مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم ~~يومى العيد وأيام التشريق وكذلك الصلاة فى الأوقات المنهى عنها وقد ذكرنا ~~وجه كلامهم فى ذلك فى مسائل الفروع ولا معنى لذكرها هنا # وأما حجتنا فى المسألة قوله صلى الله عليه وسلم من أدخل فى ديننا ما ليس ~~فيه فهو رد روته عائشة رضى الله عنها وغيرها والخبر فى الصحيحين والمنهى ~~عنه ليس بداخل فى الدين فيكون مردودا باطلا وسؤالهم على هذا هو أن معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم فهو رد أى غير مقبول ولا يثاب عليه # والجواب أن الظاهر من قوله رد هو بمعنى الإبطال والإعدام كما يقال رد ~~فلان على فلان ماله أى أعدم يده وقوته أو ثبت يد المردود عليه وأوجده وإذا ~~كان الظاهر هذا لم يجز أن يحمل عليه إلا بدليل ولأنا أجمعنا على أن النهى ~~يقتضى حرمة المنهى عنه وحظره ولهذا المعنى إذا ارتكبه يأثم وإذا صار محظورا ~~لا يبقى مشروعا لأن المشروع هو المطلق فعله فى الشرع وهذا أدنى درجات ~~المشروعية والمحظور هو الممنوع عنه فى الشرع فيستحيل أن يكون الشىء الواحد ~~محظورا ومشروعا ببينة أن الله تعالى قد نص على التحريم فى الربا بقوله ~~تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ والمحرم ما يجب الامتناع عنه ~~وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعا لما بينا أن أقل درجات ~~المشروع هو الندب أو الإباحة إذا لم يكن عقد الربا مشروعا لم يثبت الملك ~~المشروع لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع وتحقيق ما ذكرنا فإن ~~البياعات والأنكحة وسائر العقود ما عرفناها إلا بالشرع فإنه لولا الشرع لم ~~يعرف شىء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط مخصوص فى ~~محل مخصوص من فاعل مخصوص فما وراء ذلك غير مشروع أصلا ms101 وهذا لأن الأصل لما ~~كان هو عدم المشروعية فإذا شرع عقدا على وجه فما كان على PageV01P147 غير ~~ذلك الوجه بقى على العدم وإذا بقى على العدم لا يصلح لثبوت حكم شرعى # فإذا قالوا إن قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ يتناول ~~كل ما يسمى بيعا فيجب أن لايوجد بيع ما إلا وهو داخل تحت الآية فإذا وردت ~~السنة بزيادة شرط أو تسمية محل فلا يخرج العقد من كونه بيعا لظاهر الآية ~~فإذا كان بيعا دخل تحت المشروعية # قالوا وعلى أن صحة البيع تعرف بالفعل ولو لم يرد شرع بالبيع لكنا نعرف ~~بالعقل أن من كان له ملك فى شيء فجعله لغيره يصير لذلك الغير وإذا عرف ~~بالعقل لم يكن عدم ورود المشروع دليلا على انعدامه # والجواب أما الآية قلنا معنى الآية @QB@ وأحل الله البيع @QE@ على ما ورد ~~به بيان السنة # والدليل عليه أنه لايحل إلا على ذلك الوجه الذى وردت به السنة ولأنه ~~تعالى قد قال عقبه @QB@ وحرم الربا @QE@ وعندهم الربا عقد منعقد مقيد للملك ~~على ما ينعقل غير الربا ويفيده # وأما قولهم إن صحة البيع تعرف بالعقل # قلنا هذا محال لأن البياعات عقود شرعية بإجماع الأمة والعقود الشرعية لا ~~تعرف إلا بالشرع ثم نقول إن سلم لكل مسلم أن البيع وإفادته الملك كان يعرف ~~بالعقل لكنا لم نترك العقل بل رددنا إلى الشرع وقد صارت البياعات شرعية ~~بإجماع الأمة # ألا ترى أن جواز الإقدام على البيع وغيره كان يعرف بالعقل والأن قد ارتفع ~~ذلك حتى لا يجوز الإقدام على عقد ما إلا إذا كان على مايوافق الشرع وإذا ~~صارت شرعية ظهر ما قلنا إن ما لم يرد به الشرع بقى على عدم المشروعية ولا ~~يجوز أن يفيد حكما شرعيا بحال # واعلم أن هذا الذى قلناه ظاهر فى البياعات والأنكحة وسائر العقود وهو فى ~~العبادات أظهر وذلك لأن المفعول عبادة فإذا كان منهيا عنه لم يكن عبادة ~~ولأن العبادة ما يتناوله المتعبد من المعبود والمنهى عنه لا يتناوله ~~المتعبد ms102 فلا يكون عبادة # ويمكن أن يقال ما لا يتناوله المتعبد لا يسقط التعبد وإنما قلنا إن ~~المنهى عنه لا يتناوله المتعبد لأن التعبد ما يتناول ماله صفة زائدة على ~~حسنه والمنهى عنه لا يكون حسنا فكيف تثبت له صفة زائدة على الحسن وجميع ما ~~ذكرناه فى كلامهم يمكن PageV01P148 إخراجه على طريق السؤال على هذه الطريقة ~~وسنجيب عن الكل # واحتج بعض أصحابنا بأن النهى ضد الأمر ويقتضيه والأمر يدل على إجزاء ~~المأمور به فيجب أن يدل المنهى على عدم اجزائه وإلا لم يكن ضده ولا يقتضيه ~~وقد قالوا على هذا إن الأمر لما دل على أجزاء المأمور به فالنهى الذى هو ~~ضده لا يدل على إجزاء المنهى عنه فقد ثبتت المخالفة والمضادة من هذا الوجه ~~ونحن وإن قلنا إن المنهى عنه يجزىء فلا نحكم لإجزائه لمكان النهى وقالوا ~~على قولنا إن المنهى عنه لو كان مجزئا لكان طريق الشرع والشرع إما إيجاب أو ~~ندب أو إباحة والنهى نفى جميع هذا # قالوا لا يمتنع أن يثبت الإجزاء مع انتفاء هذه الوجوه ألا ترى أنه يجوز ~~أن تقول إذا فعلتم ما نهيتكم أجزأكم عن الغرض أو نقول إذا بعتم ما نهيتكم ~~عنه وقع به الملك فإذا جاز هذا تصريحا جاز وإن لم يصرح به # ونحن نجيب عن هذا فنقول ما قلتم من التصريح على ما قلتم لا يجوز وإن ورد ~~على ذلك فيكون النهى مجازا ولا يكون له حقيقة وإذا ثبت هذا الأصل الذى ~~قلناه خرجت عليه المسائل من مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم يومى العيد ~~وأيام التشريق وقد ذكرنا وجه ذلك فى الفروع # وأما الجواب عن كلماتهم أما الأول فقد قسموا وقالوا النهى يدل على فساد ~~المنهى عنه بصيغة النهى وبمعناه أو شرعا هذا تقسيم باطل لأنا بينا وجه فساد ~~المنهى عنه فينبغى أن يكون الكلام على ذلك ويمكن أن يقال بصيغته لأن صيغته ~~تدل على عموم المشروعية لأن المشروعية بأمر وإباحة والنهى نفى ذلك ويمكن أن ~~يقابل بمعناه لأنه قد دل ms103 النهى على قبح المنهى عنه وحظره وهذا مضاد ~~للمشروعية # وقولهم يجوز أن يكون الشىء مشروعا من وجه ومحظورا من وجه # قلنا قد ورد النهى عن نفس الشىء مطلقا فصار محظورا مطلقا وإذا صار محظورا ~~مطلقا لم يبق مشروعا بوجه ما # وقولهم إن النهى ليس إلا طلب الكف عن الفعل قلنا بلى ولكن قد دل على ~~الفساد بالوجه الذى قلنا PageV01P149 # والأولى أن لا ندعى الفساد بصيغة النهى لكن نقول إنما جاء الفساد من حيث ~~معنى النهى وذلك المعنى على ما سبق # وأما قولهم إن معنى الفاسد كذا ومعنى الجائز كذا # قلنا قد قام الدليل أن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يكون معنى الفاسد مع ~~أنه يجب قضاؤه والقضاء لا يجب بالأمر الأول بحال وليس هذا بشيء # وقولهم إنه يجوز أن النهى عن الشىء لنوع مفسدة تتصل بالمفعول وإن كان هو ~~فى نفسه جائز # قلنا النهى عن نفس الشىء لا يكون إلا لمفسدة فى عينه فلا يتصور أن يكون ~~جائزا وهذا لأنه إذا ورد النهى عن نفس الشىء فإن كان عبادة انتفى منه ~~التعبد وإن كان من عقود المعاملات انتفى منها الإطلاق والإباحة وما لا يكون ~~مباحا لا يكون مشروعا وإذا لم يكن مشروعا لم يبن عليه حكم الشرع # وأما قولهم إن النهى صيغة لغوية والجواز والفساد شرعيان # قلنا وإن كان النهى لغة لكن عرفنا أن أهل اللسان عقلوا أن ذلك لما لا ~~يتصل به المطلوب بالفعل والأمر لما يتصل به المطلوب بالفعل ثم قد ذكرنا أن ~~النهى إنما نفى الشرع بالوجه الذى سبق ذكره # وأما المسائل التى تعلقوا بها فنقول أولا إن الأصول الممهدة من الشرع لا ~~تنتقض لأنه ما من أصل من أصول الشرع إلا وقد وجدنا له موضعا فى الشرع ~~مخالفا له غير أن ذلك لا يعد نقضا لذلك الأصل المشروع الموضوع وإنما عدل فى ~~ذلك الموضع عن ذلك الأصل بدليل يقوم عليه من إجماع ونص أو غير ذلك # ببينة أن النهى فى اقتضاء الفساد كهو فى اقتضاء التحريم ms104 وقد يعدل به من ~~التحريم إلى التنزيه ولا يخرج النهى من أن يكون دالا على التحريم فكذا تصور ~~النهى فى بعض المواضع عن الفساد لوجود القرائن المانعة من الفساد لا يدل ~~على أن النهى فى وضعه لا يدل على الفساد وأمثال هذا يكثر ثم نقول إن النهى ~~إذا ورد عن نفس الشىء حقيقة فلا بد أن يوجب فساد المنهى عنه # فأما إذا كان النهى واردا عن نفس الشىء لكن عن معنى أخر غيره وأضيف إلى ~~الشىء مجازا عن ذلك المعنى فإنه لا يوجب فساد المنهى عنه وعلى هذا تخرج ~~المسائل أما الصلاة فى الأرض المغصوبة فالنهى ليس عن الصلاة لكن عن شغل أرض ~~PageV01P150 الغير وهذا يوجب النهى عن التعدى فى أرض الغير بلا صلاة وقد ~~بينا هذا فيما سبق فلا نعيد وكذلك الطلاق فى حال الحيض فإن النهى ليس لنفس ~~الطلاق لكن لإلحاق الضرر بالمرأة ولهذا يوجد الطلاق فى حال الحيض ولا يكره ~~إذا لم يؤد إلى الضرر وهو أن يطلق فى حال الحيض قبل الدخول وكذلك الوطء فى ~~حال الحيض إنما نهى عنه لا لنفس الوطء بل لمباشرة الأذى وقد ورد النص بهذا ~~المعنى وعلى هذا البيع وقت النداء إنما نهى عنه للاشتغال به عن السعى إلا ~~ترى أنه لو اشتغل بشىء أخر غير البيع كان النهى متناولا إياه وأما فى سائر ~~ماورد به النهى فقد تناول نفس الشىء فإن النهى عن البيع بالخمر نهى عن نفس ~~البيع وكذلك بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك النكاح بغير شهوة # وعلى هذا النهى عن صوم يومى العيد وأيام التشريق # بدليل أنه لا يتصور وجود النهى إلا عند نقل هذه العقود # والحرف أنه لا يتصور ارتكاب البيع بالخمر إلا عند مباشرة بيع الخمر ولا ~~يتصور ارتكاب الربا إلا عند بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك فى البيع بشرط فاسد ~~لا يوجد ارتكاب ذلك النهى إلا عند وجود البيع وكذلك فى صوم يومى العيد لا ~~يوجد ارتكاب النهى إلا عند فعل الصوم بالنية مع الإمساك # حتى لو ms105 أمسك ولم ينو الصوم فإنه لا يكون مرتكبا للنهى # وفى المسائل التى أوردها يتصور ارتكاب النهى من غير وجود تلك العقود أصلا ~~وهذا جواب معتمد فى غاية الظهور وفيه غنى عن خبط كثير من الأصحاب فيها # وأما الإحرام مجامعا فينعقد لا على ما ينعقد إذا أحرم من غير مجامع لأنه ~~ينعقد فاسدا ولأنه لا يفيد المقصود من الخروج عن المفروض عليه والنقص عن ~~عهدته فليكن سائر العقود الفاسدة كذلك النهى لا يفيد المطلوب من الملك فى ~~البيع والحل فى النكاح والخروج عن عهدة النذر فى صوم يومى العيد وأيام ~~التشريق خلاف ما يقوله الخصم # فإنهم قالوا إذا نذر صوم هذه الأيام وفعلها خرج من عهدة النذر # فإن قالوا أليس قد انعقد الإحرام مع هذا كله فهلا قلتم إنه لا ينعقد أصلا # قلنا انعقاده على الفساد وإلزامه أفعاله يجرى مجرى نوع معاقبة من الشرع ~~والمؤاخذات من الشرع على أنواع فيجوز أن يقال يكون هذا الأصل وإيقاع المرء ~~فى عهدة أفعال الحج ليفعلها ولا يسقط بها الحج عن ذمة ولا يثاب على فعلها ~~نوع معاقبة من الله تعالى له PageV01P151 لارتكابه النهى وفعله الحج على ~~وجه المعصية فلم تدخل هذه المسألة على الأصل الذى قلناه # وأما طريقة أبى زيد فاعلم أن معتمده فى طريقته هو أن النهى لا يتحقق إلا ~~مع تصور المنهى عنه فقد قال الأصحاب إنه متصور لولا النهى فلتصوره لولا ~~النهى صح النهى # والنهى يعمل عمله على ما قدمناه ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال إن النهى ~~لإعدام الشىء شرعا لا لإعدامه حسا فلما أنه متصور حسا صح النهى عنه ولما أن ~~النهى قضيته نفى المشروعية عن المنهى عنه على ما سبق انعدم شرعا # وقولهم إن المنهى عنه هو الصوم المعلوم والبيع المعلوم فى الشرع وأما ~~مجرد الإمساك فليس بصوم ولو كان صوما فهو صوم لغة لا شرعا فوجب الحكم بتصور ~~الصوم حقيقة والبيع حقيقة حتى يصح النهى # وجوز الأصحاب من هذا ما قلناه إنه قد يتصور لولا النهى فهذا ms106 لا يدفع ~~الإشكال فليس مما يقنع به الخصم # ويمكن أن يجاب فيقال الصوم الذى هو فعل العبد ليس إلا النية مع الإمساك ~~وهذا متصور من العبد وقد صح النهى لتصوره منه # وأما خروجه عن كونه صوما شرعا ليس لمعنى من قبله لكن لعدم إطلاق الشرع ~~ذلك أو يقال لعدم قبول الشرع إياه لنهيه عنه والصوم لا يكون صوما إلا بفعل ~~العبد واتصال أمر الشرع به فصار المفعول صوما من حيث النظر إلى فعل العبد ~~وصح النهى لذلك ولم يكن صوما من حيث النظر إلى إطلاق الشرع كذلك أوامره به ~~وليس غرض الحكيم من كلامه إلا تحصيل النهى فإذا تحقق النهى بما قلناه حتى ~~إذا ارتكبه كان عاصيا لارتكابه النهى فاعلا ما منع منه وحظر عليه # والمنهى عنه ما يعاقب على فعله وقد وجد بما فعله العبد على وسعه وطاقته ~~وليس فى وسعه الصوم إلا بهذا الذى وجد منه وإذا ثبت تحقق النهى يسقط ما ~~قالوه جملة # وهذا لأن الصحة والفساد معنيان متلقيان من الشرع وليس إلى العبد ذلك ~~وإنما العبد ذلك إيقاع الفعل باختياره فإن وقع فعله على وفق أمر الشرع صح ~~شرعا وانبنت عليه الأحكام الشرعية وإذا وقع على خلاف أمر الشرع كان الأمر ~~باطلا ولم يبتن عليه الأحكام الشرعية ولهذا أبطلنا صوم الليل مع تحقق ~~الإمساك الحسى فيه عن المفطرات وكذلك إمساك المرأة عن المفطرات فى حال ~~حيضها متحقق حسا وصورة ولكن لما لم يوافق أمر الشرع لم يثبت له الحقيقة ~~الشرعية # ونقول أيضا ذكر الصوم والبيع وغير ذلك فى النهى ليس لتحقيق هذه العقود ~~PageV01P152 ولكن ذكرها لتعريف مايعمل فيه النهى من الإبطال الشرعى وهذا ~~كالنهى عن بيع الحر وعن بيع الخمر وعن بيع الملاقيح والمضامين و ليس ذلك ~~لتحقيق البيع ولكن لتعريف ما وقع القصد إلى إفساده وإبطاله # وإن قالوا فالصوم والبيع لا يكون منهيا عنه إذا قلنا هو منهى عنه لأن عمل ~~النهى ظهر فيه من فساده وإبطاله ولكن ذكره لم يدل على تحقيقه فى نفسه ms107 لأنه ~~لتعريف ما يبطل ويفسد على ما ذكرنا وأما كلامهم على فصل القبح والحظرية ~~فضعيف جدا ومتى سلم أن المفعول محظور لا بد أن يخرج عن كونه مشروعا # وقولهم محظور من وجه مشروع من وجه # قلنا هذا محال لأن الحظرية بالنهى والمشروعية بإطلاق الشرع وإذا لم يتصور ~~اجتماع المنع والإطلاق فى شىء واحد لم يتصور أيضا اجتماع حكمهما فيه # وأما وطء أحد الشريكين الجارية المشتركة # فنقول إنه محظور من كل وجه إلا أنه سقط الحد وثبت النسب لوجود الملك فى ~~بعض الجارية لوجود حق الملك للأب فثبت ما ثبت من سقوط الحد وثبوت النسب ~~لوجود نفس الملك أو لوجود نفس حق الملك لا لأجل أن الوطء صار مشروعا من وجه ~~وكذلك الوطء فى النكاح الفاسد لا نقول إنه مشروع بوجه إذا سقط الحد وثبت ~~النسب لاختلاف العلماء # وفى مسألة ما إذا زفت إليه غير امرأته لأجل الاشتباه الذى وجد فيه وهذا ~~لأنه لما أقدم على الوطء على قصد أنه حلال له وهو موضع يشتبه فيه الأمر فلم ~~يستحق عليه الحد الذى هو عقوبة وثبت النسب احتياطا فهذا وجه الكلام فى هذه ~~المسألة وقد بسطنا الكلام فيها زيادة بسط لوقوع الحاجة إليه فى كثير من ~~المسائل والله المرشد للحق والهادى إلى الإصابة بمنه وعونه تم باب الأوامر ~~والنواهى # وقد قال بعض أصحابنا إن النهى يكون بمعنى النفى فى كثير من المواضع وضرب ~~لذلك أمثلة # غير أن ذلك غير مرضى فى هذه المسألة لأنه يؤدى إلى الحكم بكون المنهى ~~مجازا فى نفسه إذ النهى والنفى بابان مختلفان وإنما ينبغى أن نتكلم فى هذه ~~المسألة مع تبقية النهى على حقيقته وقد ذكرنا بغاية المجهود بعون الله ~~وتوفيقه PageV01P153 # | القول في العموم والخصوص # اعلم أن الكلام العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له # هذا هو المعقول من كون الكلام عاما # ألا ترى أن قولنا الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له لأنه يستغرق الرجال دون ~~غيرهم إذا كان لا يصلح لغيرهم وكذلك لفظة من فى ms108 الاستفهام نحو قول القائل ~~لغيره من عندك فلأنها تستغرق كل عاقل عنده ولا يتعرض لغير العقلاء ولا ~~لعقلاء ليسوا عنده لأنها لا تصلح فى هذه المواضع لهم # وكذلك قولنا كل تستغرق كل جنس يدخل عليه ولا يتناول من لا يدخل عليه لأنه ~~لا يصلح له # وقد قال بعض أصحابنا العموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقيل ما استقل لفظه ~~بنفسه ولا يشتمل على مسميات بجنسه وقد يستعمل فى شيئين ويستعمل فى جميع ~~الجنس # أما الأول فكقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء # وأما الثاني فكقولك عممت الناس بالعطاء # وإذا عرف حد العموم فتبين أولا إثبات الصيغة للعموم فى اللغة والشريعة ثم ~~نذكر عقبه ما يتلوه من الفصول المذهبية والمسائل الخلافية إن شاء الله ~~تعالى مسألة للعموم صيغة مقتضية استيعاب الجنس لغة وشرعا # وهذا قول جملة الفقهاء وكثير من المتكلمين # وقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه إنه ليس للعموم صيغة موضوعة في اللغة ~~والألفاظ التى ترد فى الباب تحتمل العموم والخصوص فإذا وردت وجب التوقف ~~فيها حتى يدل الدليل على ما أريد بها PageV01P154 # وتعلق من ذهب إلى ذلك بوجوه من الكلام أقواها فى الجدال قولهم إنه لو كان ~~للعموم صيغة موضوعة لكان ذلك معلوما # إما بالبديهة أو بإخبار الواضعين كذلك لنا إما بمشافهة أو بنقل عنهم إما ~~بالتواتر أو بالآحاد أو أن يكون طريق ذلك الشرع # قالوا وليس الخلاف معكم فى أن ذلك معلوم شرعا لأنكم تدعون العلم ~~بالاستغراق من جهة اللغة قبل الشرع # ومعلوم أن العلم فى ذلك ليس من حيث البديهة وما شاهدنا الواضعين ~~ليشافهونا بذلك ولو تواتر النقل عنهم باستغراق ألفاظ العموم كعلمنا من ذلك ~~كما علمتم وأخبار الآحاد ليست بطريق العلم فبان أنه لا طريق إلى العلم ~~باستغراق ألفاظ العموم # وقالوا أيضا هذه الألفاظ التى يدعون فيها الاستغراق تستعمل فى الاستيعاب ~~وفيما دونه على وجه واحد فإنها ترد والمراد منها البعض وترد والمراد منها ~~الكل # وليس حملها على أحدهما بأولى من حملها على الآخر فوجب التوقف # كما تقول فى ms109 الأسماء المشتركة من اللون والعين وغير ذلك بل هذه الألفاظ ~~تستعمل فى أكثر هذه المواضع إلا فى البعض دون الكل # ألا ترى # أنه يقال أغلق الناس أبوابهم وفتح الناس حوانيتهم وافتقر الناس وجاع ~~الناس وجمع السلطان التجار وغير هذا # والمراد من كل ذلك البعض دون الجميع ولو كان اللفظ حقيقة فى العموم لكان ~~أكثر كلام الناس مجازا # ببينة أنه إذا ثبت استعمال الناس لهذه الألفاظ فى الخصوص فالظاهر من ~~استعمال الاسم فى الشىء أن يكون حقيقة فيه إلا أن يمنع مانع من كونه حقيقة ~~فيه وإذا كان حقيقة فى البعض وحقيقة فى الاستيعاب كان الاسم من الأسماء ~~المشتركة # وقالوا أيضا لو كان لفظ العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء منه ~~نقصا ورجوعا PageV01P155 فإن قلتم لم يكن نقصا وقبيحا # نقول لو لم يكن قول القائل ضربت كل من فى البلد إلا بنى تميم نقصا وقبيحا ~~لكان قوله ضربت كل من فى الدار لم أضرب كل من فى الدار غير قبيح ولا مناقصة ~~وحين كان نقصا وقبيحا # كان الأول نقصا وقبيحا # وربما تعلقوا بالاستثناء من وجه آخر فقالوا لو كان لفظ العموم يستغرق ~~لجرى للاستثناء منه مجرى أن يعدد الإنسان أشخاص الجنس ثم يستثنى منه شخصا ~~نحو أن يقول رأيت زيدا رأيت عمرا رأيت خالدا هكذا إلى آخره ثم نقول إلا ~~زيدا فإذا قبح هذا وجب أن يقبح الأول لأنهما فى المعنى واحد على زعمكم ولما ~~حسن الاستثناء علمنا أن لفظ العموم غير مفيد للشمول # وقالوا أيضا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكل الجنس لما حسن أن يستقيم ~~المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب فهم ما قد فهم بالخطاب عبث # ومعلوم أن الإنسان إذا سمع رجلا يقول ضربت كل من فى الدار فإنه يحسن منه ~~أن يقول ضربتهم كلهم أجمعين وأن يقول ضربت زيدا فيهم وفى حسن ذلك دليل على ~~ما قلناه كما سبق وكذلك يحسن التأكد وإذا أفاد الشمول لما حسن لأن التأكيد ~~يفيد ما أفاده المؤكد وذكروا شبهة فى لفظ ms110 من قالوا لو كان لفظ من يفيد ~~الاستغراق لاستحال جمعه لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع # وإذا كان لفظ من قد أفاد الاستيعاب عندكم فلا يتصور أن يفيد جمعه شيئا ~~زائدا فينبغى أن لا يصح جمعه وحين صح جمعه دل أن لفظ من لا يفيد الاستيعاب ~~بنفسه والدليل على وجود الجمع فى كلمة من قول الشاعر # ( أتوا بابى فقلت من أنتم % فقالوا الجن قلت عموا ظلاما ) # قالوا ولأن اللفظ الذى يقولون لو كان يفيد العموم وجب إذا حمل على الخصوص ~~أن يكون مجازا لأنه يكون مستعملا فى غير ما وضع له واللفظ إذا استعمل فى ~~غير ما وضع له يكون مجازا كسائر الألفاظ التى استعملت فى غير ما وضع لها # وربما يقولون ينبغى أن لا يجوز تخصيص العموم الوارد فى الكتاب بالسنة ~~لأنه إسقاط بعض ما يثبت بالكتاب والسنة أو القياس فينبغى أن لا يجوز كما لا ~~يجوز النسخ وحين جاز دل على ما قلناه PageV01P156 # وأما حجة القائلين بالصيغة للعموم قوله تعالى فى قصة نوح عليه السلام ~~@QB@ ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق @QE@ هود 45 ~~فأخبر الله تعالى عن نوح أنه تعلق بعموم اللفظ ولم يعقب ذلك بنكير بل ذكر ~~جوابه له أنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فدل أن مقتضى اللفظ العموم وأن ~~له صيغة يتعلق بها فى الحجة # وأيضا فإنه روى أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ الأنبياء 98 الأنبياء 98 قال عبد الله بن ~~الزبعرى خصمت محمدا ورب الكعبة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فإن دخلوا النار فنحن ندخل كما دخلوا فأنزل ~~الله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ ~~الأنبياء 101 فاحتج على النبي صلى الله عليه وسلم بعموم اللفظ إلى أن أخبر ~~الله تعالى أن الملائكة والمسيح غير داخلان فى عموم اللفظ # ولو كان ms111 اللفظ لا يقتضى العموم لما احتج به ولكان إذا احتج به أنكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك ولأن الله تعالى أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود ~~لآدم عليه السلام فقال تعالى @QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس @QE@ الأعراف 11 ثم أخبر ما قال ~~لإبليس بترك السجود ورد الأمر وهو قوله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد @QE@ ~~وقال @QB@ فاخرج إنك من الصاغرين @QE@ الأعراف 13 فلما أخبر تعالى عن ~~مبادرة الملائكة إلى السجود دل أنهم عقلوا من مطلق اللفظ الشمول إذ لولاه ~~لتوقفوا ولم يبادروا ولأن إبليس لما امتنع عن السجود واستكبر وعاقبه الله ~~تعالى وطرده لم يقل معتذرا إنى لم أعرف دخولى فى اللفظ فإن الكلام للعموم ~~والشمول بل عدل إلى شىء آخر فقال @QB@ خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ ~~الأعراف 12 فهذه القصة من أولها إلى آخرها تدل أن للأمر والنهى والعموم ~~والخصوص صيغة معلومة وقضية مفهومة لا يجوز خلافها بمطلق اللفظ وبمحض الصيغة # ويدل عليه أن إبراهيم عليه السلام لما سمع من الملائكة قولهم @QB@ إنا ~~مهلكو أهل هذه القرية @QE@ العنكبوت 31 عقل منه العموم ولذلك خاف الهلاك ~~على لوط فقال @QB@ إن فيها لوطا @QE@ العنكبوت 32 ولم يسكن قلبه حتى أخرج ~~الملائكة لوطا وأهله من المهلكين بضرب تخصيص واستثناء فقالوا @QB@ نحن أعلم ~~بمن فيها لننجينه وأهله @QE@ العنكبوت 32 PageV01P157 الآية فهذه الآيات ~~دلائل معتمدة وبراهين ظاهرة ونهاية ما يقولون على هذه الألفاظ هو أن هذه ~~الألفاظ محتملة للعموم عندنا وإن لم يكن للعموم صيغة ولأجل الاحتمال حسن ~~موردها وصح السؤال والجواب عن ما ذكرتم فيها ونحن نقول على هذا لو كان فى ~~هذه الألفاظ مجرد الصلاحية للعموم لأنها صيغة فيها لكان السؤال بطريق ~~الاستفهام وهو أن يقول القائل فى هذه القصص الواردة فى الكتاب كلها هل دخل ~~فلان فى الخطاب أو لا ثم إذا عرف الدخول يبنى عليه ما يقوله # فإن قالوا إن هذه الألفاظ حملت على العموم لا بصيغتها لكن لقرائن اقترنت ~~بها # قلنا لا ms112 قرينة تعرف وإنما وجد مجرد اللفظ عريا عن الدلائل فمن زاد على ~~القرائن فعليه البيان وقد استدل الأصحاب أيضا بما نقل عن الصحابة من ~~الاحتجاج بالعمومات فى مسائل كثيرة غير أن فيما ذكرناه من الاحتجاج بالآيات ~~غنية وكفاية # ونستدل فى إثبات ألفاظ العموم فى اللغة فنقول # الاستغراق معنى ظاهر لكل أحد والحاجة تمس إلى العبارة عنه ليفهم السامع ~~أن المتكلم أراده فجرى هذا مجرى السماء والأرض والفرس والحمار وما أشبه ذلك ~~فى ظهوره بين الناس ومسة الحاجة إلى العبارة عنها فكما لم يجر مع هذا ~~الداعى الذى هو داعى الحاجة أن تتوالى الأعصار بأهل اللغة ولا يضعوا لهذه ~~الأشياء أسماء تختص لكل واحد منها مع أنهم قد وضعوا الأسماء للمعانى ووضعوا ~~للمعنى الواحد أسماء كثيرة # كذلك لا يجوز أن لا يضعوا للاستغراق أسماء مختصة وليس يجوز من أمة عظيمة ~~فى أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة للمعنى الواحد ولا يضعون لمعنى ~~ظاهر تشتد إليه حاجة الناس أسماء تخصه # فإن قيل ليس بممتنع أن يتفق ذلك من الأمم العظيمة # أليس العرب مع كثرتهم لم يضعوا للفعل الحال عبارة تخصه دون الفعل ~~المستقبل ولا وضعوا للاعتماد سفلا ولا للاعتماد علوا ولا للكون الذى هو ~~يمنة أو يسرة عبارة ولا وضعوا لرائحة الكافور أو رائحة العنبر أسماء تخصها ~~والحاجة إلى ذلك شديدة والأمر فى ذلك ظاهر # ثم قالوا لا حاجة بالمتكلم إلى وضع لفظ الاستغراق لأنه يمكن للمتكلم أن ~~يعدد الأشخاص الذين يريد أن يعلمهم بالذكر واحدا واحدا # قالوا ولأنهم يمكنهم أن يعبروا عن الاستغراق ويذكروه بلفظه مع قرينة ~~وشاهد PageV01P158 حال أو يدلوا على الاستغراق بالتعليل بأن يقول كل من دخل ~~دارى ضربته لأنه دخل دارى فيعرف بالتعليل أنه يريد أن يعم كل من دخل الدار # والجواب أما الأول فلا يصح لأن الأشياء التى ذكروها غير ظاهرة فيجوز أن ~~لا يضعوا لها عبارات تخصها بخلاف معنى العموم والشمول والمعتمد من الجواب ~~أن تلك الأشياء إن لم تكن لها أسامى مفردة فلها أسامى مركبة ms113 # وبيانه أنه يقال اعتمد سفلا واعتمد علوا أو يقال قال يمنة أو يسرة ويقال ~~رائحة الكافور ورائحة العنبر إلى سائر الروائح ويقال فى الماضى ضرب زيدا ~~وفى المستقبل يضرب زيدا # وهذا بخلاف ما تنازعنا فيه لأنه ليس عند خصومنا فى اللغة كلام موضوع ولا ~~مركب منبىء عن الاستغراق من غير قرينة ولا دلالة # وأما قولهم إنه يعد الأشخاص واحدا واحدا # قلنا هذا يطول وسبق فلا يجوز المصير إلى مثل هذا # وقولهم إنه يفيد العموم والشمول بقرينة أو أمارة أو دلالة # قلنا يبعد أن تضع العرب للشىء الواحد عددا من الأسامى ثم يكتفون فى معنى ~~الشمول والعموم بقرينة أو بإشارة مع اتساع العبارات وضيق القرائن والأشارات ~~وعلى أن العلم من حيث الدلالة أو الإشارة ليس مما يصلح لجميع الناس بل هو ~~شىء خاص يقع للبعض دون البعض فلا يجوز أن يقع الاقتناع به فى مثل هذا ~~المعنى الظاهر وكذلك الجواب عن التعليل الذى ذكروه وعلى أنه ليس كل معنى ~~يعرف علته حتى يعلل بها # ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر بأن كل من فى الدار نائم أو ضارب أو ~~آكل وغير ذلك مما لا يحصى كثرة لم يعرف لذلك علة حتى يعلل بها # قالوا إنما يصح هذا الدليل الذى ذكرتم أن لو كانت الأسماء مواضعة من أهل ~~اللسان # وأما الأسماء توقيف فليس يوجد فيها هذا الدليل # قلنا ومن يسلم لكم أن الأسماء توقيف وعلى أنا نقول الأسماء بعضها على ~~التوقيف وبعضها على الوضع وهذا هو الأولى # فينبغى إذا لم يوجد فى شىء توقيف واشتدت حاجتهم إلى وضع اسم له أن يضعوا ~~كلاما يكون أسماء له كما أن من أحدث آلة جديدة يجوز أن يضع اسما لها ومن ~~ولد له ولد يجوز أن يضع اسما له فالشخص الواحد إذا جاز له ذلك فالأمم ~~الكبيرة بذلك أولى PageV01P159 # دليل آخر أن اللغة فائدتها إفهام المراد بالخطاب لأن المتكلم يعلم ما فى ~~نفسه وإن لم ينطق لسانه وإنما يريد بكلامه إفهام غيره # والإبانة ms114 له عن المراد الذى فى نفسه فما كان كذلك وجدنا أهل اللغة وأرباب ~~اللسان استعملوا فى أبياتهم ألفاظا تعارفونها ووضعوا لكل شىء أرادوا ~~الإبانة عنه سمة ورسموا لكل معنى منه رسما يعلم به المراد ويقع به التمييز ~~بين الشىء وضده فلا يجوز إبطال ما أصلوه منها وإزالته عما وضعوه عليه وحمل ~~ألفاظهم على ما يؤدى إلى التعرى عن الفائدة كما لم يجز ذلك فيما وجد فى ~~أوائل كلامهم من مفرد إلى الأسماء والحروف التى هى أدوات الكلام فهذه ~~الأسماء المفردة والحروف التى هى أدوات كلها مقيدة والأسماء المركبة وكذلك ~~الأفعال مبنية من الأسماء المفردة ومردودة إليها وخالفوا بين السمات وزادوا ~~ونقصوا من الحروف وفاوتوا بين جهات الإعراب لاختلاف ما يوجد تحتها من ~~المراد وقد قالوا فى باب الأسماء رجل وفى التثنية رجلان وفى الجمع رجال # وقالوا فى المشتق مشرك ومشركان # وقالوا فى أبنية الأفعال للواحد فى باب الأمر افعل وللاثنين افعلا وللجمع ~~افعلوا # وكما قيل فى الإخبار عن الفعل الماضى فعل وفى المستقبل يفعل وفيما يدخله ~~التراخى سيفعل # وقالوا فيما يستدعيه من فعل غيره استفعل وقالوا فيما تكلفه من الفعل من ~~غير مطاوعة تفعل فلكما خالفوا بين الشىء والشىء فى القصد خالفوا بين ~~المصارف فى الشكل والهيئة لنعلم أنهم لم يضعوا قسمة الألفاظ إلا على قسمة ~~المعانى ولم يرتبوا هذه الأسماء إلا على مراتب المسميات # وإذا تقرر ما ذكرناه فكان الأمر فى هذا مشهورا عند أهل المعرفة باللغة ~~وبأن من قال للفظ الجمع الذى ذكروه فى الأسامى والأفعال معنى # وقالوا تناوله للعدد الشامل للجنس وللبعض من ذلك أو للواحد والاثنين على ~~وجه واحدا فقد رام الجمع بين ما فرقوا والتفريق بين ما جمعوا وحمل بعضها ~~على البعض مع التفريق من أهل اللسان ومن رام هذا فقد رام قلب اللغة وإبطال ~~البيان وإيقاع العلم فى اللبس والتشكيك وهذا فاسد قطعا بلا إشكال ولا مرية # قالوا إذا لم يدع قلب اللغة ولا زعمنا أنه لا بيان فى حملها لكن قلنا إن ~~هذه ms115 الألفاظ التى ادعيتم لها العموم محتملة فى وضعها معرضة أن يكون المراد ~~بها الشىء وغيره فإنها توجد والمراد بها العموم والاستغراق وتوجد أخرى ~~والمراد بها الخصوص والإفراد # فإذا كان كذلك لم يجر القضاء عليها بأحد وجهى الاحتمال إلى أن يقوم عليها ~~PageV01P160 دليل المراد وهذا كسائر الأسماء المشتركة # قلنا قد بينا أن العرب لم تقسم الألفاظ إلا على قسمة المعانى ووجدنا صيغة ~~للعموم صيغة امتاز بها عن صيغة الخصوص ومراتب الأسماء مبنية على مراتب ~~المسميات فلا بد لها من معنى يمتاز بها عن غيرها وقد وجدنا لها ظاهرا يهيأ ~~العلم به فلم وجب التوقف فيه مع وجود سمة امتازت بها عن غيرها من السمات ~~ووضوح دلالة منها يصلح اللفظ لها فهل هذا إلا ضرب الأسماء فى بعضها ببعض ~~وتعكيس اللغة ودفع البيان منها # وأما الأسامى المشتركة فهى ألفاظ معدودة وكلمات يسيرة كقولهم حيوان ولون ~~وعين وأمثال ذلك # وليس إذا لم يوجد فى اللغة إلا أشياء يسيرة ظاهرة تصار إليه ومعان متعينة ~~لها ما يجب أن تتوقف عن سائر الأشياء التى لها ظواهر معلومة ودلائل معروفة # ولهذا إذا ذكر الحيوان واللون والعين لم يتبادر إلى الفهم شىء من معانيها ~~المشتركة دون شىء بل يكون فى موقف واحد من التسابق إلى الفهم والبدار إلى ~~المراد # وأما لفظ العموم فيتبادر منه إلى الفهم الشمول والاستغراق وهذا شىء تبين ~~لا خفاء به أصلا # دليل آخر إن القائل إذا قال من دخل دارى ضربته حسن أن يستثنى منه كل عاقل ~~شاب # والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فإذا لولا الاستثناء ~~لوجب دخول كل عاقل تحت لفظة من فلو كانت لفظة من غير مقتضية للشمول ~~والاستغراق لما وجب دخول كل عاقل تحتها ولما صح الاستثناء منها هذا دليل ~~معتمد # قالوا ما أنكرتم أن يكون الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله ~~تحته فعلى هذا صح استثناء كل عاقل لأنه يصلح دخوله كل عاقل تحته لأنه دخل ~~تحته حقيقة # والجواب أنه لو جاز الاستثناء ms116 بهذا الوجه لحسن أن نقول اضرب رجلا إلا ~~زيدا أو رأيت رجلا إلا زيدا لأن كل رجل يصلح دخوله تحت قوله ضربت رجلا فقد ~~صلح دخول زيد فى اللفظ ولم يصح استثناؤه فدل أن الاستثناء إنما يصح فى ~~مسائلنا لدخول المستثنى منه تحته حقيقة # نبين ما قلناه أن الاستثناء يحسن دخوله فى العشرة مثل أن يقول القائل ~~لفلان على عشرة إلا واحدا واثنين وإنما حسن دخوله على العشرة لأنه أخرج ~~منها ما لولاه لدخل فيها # ألا ترى أنه لا يحسن استثناء كلها ولا استثناء ما لم يدخل تحتها فكذلك ~~هاهنا لما حسن الاستثناء بأن نقول أعط من دخل دارى إلا الطوال منهم وكان ~~هذا الاستثناء PageV01P161 حقيقة عرفنا قطعا أن المستثنى كان داخلا تحت ~~الفظ المذكور وأما تعلقهم فى حجتهم بفصل الاستثناء # وقولهم إنه لو كان اللفظ الوارد فى العموم للاستيعاب والاستغراق لكان ~~الاستثناء نقضا ورجوعا # قلنا لا يكون نقضا ولا رجوعا لأن ظاهر العموم عنده الاستغراق إذا تجرد عن ~~الاستثناء أو ما يجري مجراه وإذا استثنى فلم تجرد # ونقول أيضا أن لفظ العموم يقتضى استغراق ما دخل عليه وإذا كان معه ~~استثناء فهو داخل على ما عدا المستثنى ولا جرم هو مستغرق له # وأما قولهم إنه إذا عدد أشخاصا ثم استثنى شخصا واحدا منهم لا يجوز فيجب ~~أن يكون اللفظ العام كذلك # قلنا هذا كما يلزمنا يلزمكم لأنكم تقولون إن لفظ العموم حقيقة فى ~~الاستغراق وحقيقة فى البعض لأنه اسم مشترك يتناول الكل ويتناول البعض فيكون ~~حقيقة فيها مثل اللون والحيوان ثم قلتم إذا أراد الاستيعاب واستثنى يصح ولو ~~أنه عدد الأشخاص ثم إنه استثنى لا يصح وهذا لأن الاستثناء إنما يحسن فى لفظ ~~واحد يشمل أشخاصا ثم يستثنى بعض الأشخاص فأما إذا تعدد الألفاظ فيصير كل ~~لفظ كالمنفرد عن صاحبه فإذا استثنى فيكون كأنه استثنى الكل من الكل وهذا لا ~~يجوز لأن الاستثناء حقيقة هو استثناء البعض من الكل # دليل آخر وهو أن أهل اللغة فرقوا بين العموم والخصوص ms117 وجعلوا أحدهما فى ~~مقابلة الآخر # فقالوا مخرج هذا اللفظ العموم ومخرج هذا الخصوص كما فصلوا بين الأمر ~~والنهى وكما وجب أن يكون لكل واحد منهما لفظ يخصه فكذلك العموم والخصوص يدل ~~عليه أنهم خالفوا بين تأكيد العموم والخصوص وجعلو تأكيد أحدهما مخالفا ~~لتأكيد الآخر فقالوا رأيت زيدا نفسه ولم يقولوا رأيت زيدا أجمعين وقالوا ~~رأيت القوم أجمعين ولم يقولوا رأيت القوم نفسه وكما أن تأكيدهما مختلفان ~~فكذلك وجب أن يختلفا لأن من حق التأكيد أن يطابق المؤكد # واعلم أن الفقهاء والمتكلمين قد استكثروا من الدلائل فى هذه المسألة غير ~~أنا اقتصرنا على أعداد منها معتمدة وأصح الدلائل الدليل الأول من الآيات ~~والدليل الثانى من حيث اللغة والدليل الثالث من حيث صحة الاستثناء وقد حرر ~~بعضهم PageV01P162 فقال استيعاب الجنس حد هو أحسن التعبير فيكون له صيغة ~~يراد بصيغته من غير قرينة كالفرد والتثنية # أما الجواب عن كلماتهم أما الأول قلنا قد أجبنا عن هذه الشبهة فى ابتداء ~~باب الأوامر فلا معنى للإعادة # والحرف أنهم يقولون إن لفظ العموم للاستيعاب ولما دونهم فيدخل عليهم هذه ~~الشبهة كما دخلت علينا وإن ارتكب منهم ما ارتكب وقال إنها غير موضوعة ~~للاستيعاب بحال فهذا محال لأنا نعلم بالضرورة وبالنقل عنهم وفى مستعمل ~~كلامهم أن لفظ كل والجميع إذا استعملت فى الاستغراق لم يكن مجازا ولو لم ~~نعلم ضرورة يمكن أن ينقل بالتواتر أنهم أضافوا إلى هذه الألفاظ أحكامها لا ~~يصح إلا إذا كانت الألفاظ عامة نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك وذكرنا ~~أيضا أن هذا الكلام يدخل على من ادعى التوقف والاشتراك وقد سبق تقرير هذا # وأما دليلهم الثانى قولهم إن هذه الألفاظ تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه ~~على وجه واحد # قلنا إن عنيتم أن هذا اللفظ يستعمل فى الاستيعاب وما دونه على الحقيقة ~~فلا نسلم ذلك وكذلك إن قالوا إنه يستعمل فى كل واحد منهما من غير قرينة لا ~~نسلمه أيضا # ونقول ليس استعمال لفظ العموم فيما دون العموم كاستعماله فى الاستغراق ~~فإن استعماله فى ms118 الاستيعاب بصيغة وفيما دونه بقرينة تنضم إليه وهو من ~~استعمال اسم الحمار فى البهيمة والبليد واسم الأسد فى الحيوان المخصوص ~~والشجاع وليس كثرة الاستعمال دليل على الحقيقة ولا قلة الاستعمال بدليل على ~~المجاز إنما الحقيقة والمجاز يعرفان بوجوه أخر # ويقال لهم أليس قولنا أمر يستعمل فى الشأن والفعل وليس بحقيقة فيهما وقد ~~كثر استعمال لفظ الأمر فى الشأن والفعل كثرة استعمال لفظ العموم فيما دون ~~الاستيعاب فإن قالوا إنا عرفنا كون استعمال الأسد فى الشجاع والحمار فى ~~البليد مجازا بطريق الضرورة فهل تعرفون استعمال لفظ العموم حقيقة فى ~~الاستيعاب فإذا استعمل فيما دونه فلا بد أن يكون مجازا وليس كل مجاز يعرف ~~ضرورة ولكن يعرف دليل يقوم عليه # فإن قالوا أنتم لا تقولوا أن العموم إذا طبق يكون مجازا قلنا قد ذهب ~~جماعة من الأصوليين أنه يصير مجازا ووافقهم على ذلك بعض أصحابنا ~~PageV01P163 # وإن قلنا لا تصير مجازا فلأن المجاز ما استعمل فى غير ما وضع له والعموم ~~والخصوص قد استعمل فى بعض ما وضع له فلهذا لا يوصف بالمجاز عند أكثر ~~الفقهاء # واعلم أن الخلاف فى هذه المسألة مع المتكلمين فينبغى إذا تكلمنا معهم أن ~~نقول إنه يصير مجازا # وقد قال الأصحاب على قولهم إن أكثر ألفاظ العموم تستعمل فى البعض # قال يجوز أن يكون اللفظ حقيقة فى معنى ثم يستعمل فى غيره أكثر # ألا ترى أن الغائط حقيقة فى الموضع المطمئن ثم أكثر ما يستعمل فى الخارج ~~من الإنسان وكذلك الشجاع عن حقيقة فى الحية ثم أكثر ما يستعمل فى الرجل ~~البطل وكذلك العذرة والمفازة إلى ما يشبه ذلك # وأما تعلقهم بفصل الاستثناء فقد أجبنا عنه وأما قولهم إنه يحسن الاستفهام ~~والتأكيد # قلنا الاستفهام قد يكون طلبا لمطلق الفهم وإزالة الالتباس وقد يكون طلبا ~~لزيادة الفهم وزيادة الفهم فهم وهذا لأن السامع قد يظن أن المتكلم غير ~~متحفظ فى كلامه ويظن به السهو فيستفهمه ويستبينه # بمعنى إن كان ساهيا أزال سهوه # ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل ms119 ضربت فلانا فنقول أضربت فلانا أو يقول ~~ضربت كل من فى الدار # فنقول أضربتهم كلهم فيقول نعم ضربتهم كلهم فنجيبه باللفظ الأول # فدل أن المراد من الاستفهام هو الاستثبات لظن الغلط # وأما التأكيد الذى تعلقوا به فيبطل تأكيد الخصوص مثل قول القائل جاءنى ~~زيد نفسه وكذلك تأكيد ألفاظ الفرد وذلك مثل قوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة @QE@ البقرة 196 وكذلك قولهم ~~ألف تام فقولهم ألف قد أنبأ عن التام # فإن طلبوا فائدة التأكيد # قلنا فائدته زيادة العلم # وهذا لأن بالتأكيد يزداد الأمر جلاء وبيانا فيزداد علمنا وقد يكون فى ذلك ~~مصلحة لنا وإن لم نقف عليها # ألا ترى أن الله تعالى قد أكثر الأدلة على المدلول الواحد وإن كان ~~المقصود قد حصل بالدليل الواحد وأيضا يجوز أن يكون التأكيد لإزالة مجاز أو ~~احتمال مستعمل # وعلى الجملة إذا جاز وجود فائدة للتأكيد لا يوجد فى المؤكد بطل تعلقهم ~~بهذا الفصل # وأما دليلهم الذى ذكروه فى كلمة من قولهم إنه يجمع بمنون PageV01P164 # قلنا قولهم منون وإن كان لفظه لفظ الجمع فليس بجمع على الحقيقة لأنه ~~يستفاد منه ما يستفاد من قوله من عندنا وعند المخالف # ألا ترى أنه لو قال القائل من أنتم كان استفهاما عن جماعتهم كما أن قوله ~~منون استفهام عن جماعتهم # وعند المخالف أن ألفاظ العموم كلها مشتركة وليس فى اللغة لفظ يختص ~~بالاستغراق ولفظ منون عندهم مشترك بين الاستغراق والبعض كلفظ من فلم تفد ~~أكثر ما تفيده لفظ من فيثبت أن هذا الكلام يلزمنا ويلزمهم فلم يكن فيه دليل ~~علينا # وأما الدليل الأخير الذى قالوه فقد أجبنا عنه # واعلم أن من المتكلمين من حمل لفظ الجمع على أقل الجمع وهو ثلاثة وتوقف ~~فيما زاد # وقيل إنه قول أبى هاشم وذهب إليه من الفقهاء محمد بن شجاع البلخى # والدلائل التى أقمناها فى إثبات الاستيعاب واستغراق اللفظ لكل ما يصلح له ~~يبطل هذا القول وهذا لأنه إذا كان لاستيعاب كل ما يصلح له ms120 فالثلاث وما زاد ~~عليه فى الصلاحية واحد فليتناول الكل تناولا واحدا فلم يجز أن يحمل على بعض ~~ما ينتظمه اللفظ دون البعض # وتعلق من قال بالقول الثانى بأن دخول الثلاثة فى اللفظ يقين وما زاد ~~يحتمل فلا يثبت دخوله بالشك # والجواب أن دعوى الشك محال فيما زاد على الثلاث لأن اللفظ الموضوع ~~للاستيعاب والاستغراق جميع ما يصلح له اللفظ ويستحيل أن يقال إن بعض ما ~~يصلح له اللفظ يقين وبعض ما يصلح له مشكوك فيه # وهذا لأنه لما يتناول كل الأعداد على وجه واحد فلم يجز هذا التفريق بوجه ~~ما # فإن قالوا أليس إذا قال لفلان على دراهم يقبل تفسيرها بثلاثة ولا يقبل ~~فيما دون الثلاثة # قلنا هذا لا يقتضى الاستيعاب # قالوا ما قولكم إذا قال لفلان على الدراهم # قلنا كذلك نقول ولكن إنما لم يحمل على الجميع لأنه لا يتصور حمله على ~~جميع الدراهم لأنه لا يتصور أن يكون أتلف عليه كل درهم فى الأرض أو استقرض ~~كل درهم فى الأرض فعدل عن العموم لأنه لم يكن حمله على العموم PageV01P165 ~~ومن فروع هذه المسألة # أن أبا بكر الصيرفى قال إذا ورد لفظ العموم يجب أن يعتقد العموم بنفس ~~الورود # وقال ابن سريج يتوقف الإعتقاد إلى أن يعرضه على دلائل الشرع فإذا لم يجد ~~الخصوص اعتقد العموم # واحتج من ذهب إلى القول الأول بأن لفظ العموم موضوع للاستغراق فإذا ورد ~~وجب أن تعتقد ما وضع له اللفظ كلفظ الخصوص وكلفظ الأمر والنهى # قال ولأن النظر لا يتناهى فيجوز أن لا يجد مخصصا فى النظر ثم نجد فى ~~النظر الثانى وما لا يتناهى لا يصار إليه # قال فلأن الذى صار إليه ابن سريج قول بالوقف وقد ذكرنا بطلانه # وأما الدليل لما ذهب إليه ابن سريج هو أن اللفظ الموضوع للاستغراق هو ~~اللفظ المتجرد عن القرائن المخصصة ولا بد من طلب التجرد ليحمل على المعنى ~~الموضوع له اللفظ وهذا الطلب يعرض للخطاب الوارد على دلائل الشرع لتعرف هل ~~وجد هناك دليل يخص ms121 اللفظ أو لا # ثم إذا لم نجد فقد أصاب اللفظ المجرد عن قرينة مخصصة فيحمل حينئذ على ~~الموضوع له وهو الاستيعاب ونعتقد ذلك # وهذا مثل البحث عن عدالة الشهود ووجوب الحكم هناك مثل اعتقاد العموم ~~هاهنا # وأما قولهم إنه وضع للاستيعاب # قلنا بلى ولكن إذا تجرد عن قرينة # والمقصود من العرض التوقف إلى أن بعرض طلب هذا التجرد # وأما قولهم إن العرض لا يتناهى # قلنا ما لا يتناهى يقطع فى بدايته # ألا ترى فى البحث عن عدالة الشهود لا يؤمن أن يطلع على جرح عند إعادة ~~البحث ولكن لا يعتبر ذلك لأنه لا يتناهى وكذلك المجتهد إذا رفعت إليه حادثة ~~يعرض الحادثة على الكتاب والسنة لطلب النص ويبحث مرة واحدة وإن كان يجوز أن ~~يجد النص عند إعادة العرض ولكن لا يعتبر ذلك لما بينا # وأما الذى قالوا إن هذا قول بالوقف فليس كذلك لأن الواقفية لا يجعلون ~~العموم صيغة يخصها أصلا # وأما ابن سريج فيجعل العموم صيغة إذا تجردت عن قرينة ويطلب التجرد # وإذا وجدها لأن تحقق صيغة العموم بها اعتقد العموم والله أعلم ~~PageV01P166 # | فصل ونذكر الآن ألفاظ العموم فنقول # أولها ألفاظ الجموع وسواء فيها جمع السلامة وجميع التكسير كقوله اقتلوا ~~المشركين واعمروا المساجد # وهذا النوع أبين وجوه العموم ثم بعد هذه الأسماء التى يدخلها الألف ~~واللام للجنس كقولك الحيوان والنبات والجماد يراد بها تعميم هذه الأجناس ~~ومن هذا الباب قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ المائدة 38 @QB@ ~~الزانية والزاني @QE@ النور 2 فلا سارق إلا وعليه القطع بالآية ولا زانى ~~إلا وعليه الجلد بالآية وقد قال بعضهم مثل هذا اللفظ لا يكون للعموم وإنما ~~يكون للعهد # قال أبو هاشم يفيد الجنس دون الاستغراق # وأما عندنا هو العموم لأن نفس اللفظ وإن كان لفظا مفردا ولا يدل على ~~العموم ولكن دخل عليه ما يوجب عمومه وهو لام الجنس وهذا لأنه لو لم يستغرق ~~قولنا الإنسان جميع الجنس لأفاد واحدا غيره يقينا # وإذا قلتم بهذا فقد كان هذا مستفادا بالاسم قبل دخول الألف ms122 واللام عليه ~~فلا يبقى لدخول الألف واللام فائدة فدل أن فائدتهما الاستغراق # قالوا أنه لو استغرق الجنس لجاز مع أنه لفظة واحدة أن يؤكد كل وجميع كلفظ ~~من نحو قوله كل من دحل دارى أكرمته ولا يستقيم أن يقول الرجل رأيت الإنسان ~~كلهم ولا أن يقول جاءنى الرجل أجمعون # وأيضا فإنه يقبح الاستثناء # ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان للعموم ~~فحسن ذلك # قالوا وأما قوله تعالى @QB@ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات @QE@ هو على طريق المجاز ويحتمل أيضا أن الخسارة لما لزمت ~~جميع الناس إلا المؤمنين جاز هذا الاستثناء # والجواب أن أصحابنا اختلفوا أن العموم من حيث اللفظ فى هذه الصورة أو من ~~حيث المعنى # فالأولى أن نقول إن العموم من حيث المعنى وذلك لأن الألف واللام لا بد أن ~~تفيد التعريف وليس التعريف إلا تعريف الجنس وإذا قلنا إن اللفظ يفيد ~~PageV01P167 واحدا من الجنس خرج الألف واللام من كونهما للجنس ولم يبق لهما ~~فائدة # وإذا ثبت أنهما للجنس ثبت الاستغراق ولأنه إذا قال الإنسان يفيد دخول كل ~~من كان من جنس الإنسان فى اللفظ ولهذا المعنى صح قولهم أهلك الناس الدينار ~~والدرهم البيض فيعنون كل واحد منهما بالجمع فدل أنهما يفيدان الاستغراق # ويقال هلكت الشاة وهلك البعير وهلك الحيوان ويراد به العموم دل أنه مفيد ~~له على الوجه الذى قدمنا # وأما الألف واللام إذا دخلا على الجمع فلا بد من كونه مفيدا للاستغراق # والدليل عليه حسن الاستثناء فإنه إذا قال اعط المسلمين فإنه يجوز أن ~~يستثنى كل من شاء منهم وكذلك إذا قال رأيت الناس يجوز أن يستثنى أى إنسان ~~أراد من الناس # والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه # يدل عليه أنه إذا قال رأيت ناسا يفيد أنه رأى من هذا الجنس # ولا يفيد الاستغراق فلا بد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا فائدة ~~إلا الاستغراق # ومن ألفاظ العموم الأسماء المبهمة نحو من و ms123 ما والفرق بين من و ما أن ~~كلمة من عامة فيمن يعقل لأنك إذا قلت من فى الدار استقام الجواب بكل من ~~يعقل ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والثوب وإذا قلت ما فى الدار ولا يستقيم ~~الجواب عنه بالعاقل لكن لا يعقل فنقول حمار أو شاة أو ثوب وما أشبه ذلك # ومن أسماء العموم الأسماء المبهمة نحو من و ما وذلك لقوله صلى الله عليه ~~وسلم ( من بدل دينه فاقتلوه ومن أحيا أرضا ميتة فهى له وما أكلت العافية ~~فهى له صدقة ) PageV01P168 وأين وحيث تعمان الأمكنة ومتى تعم الأزمنة وكل ~~تعم الفرد النكرة لقولنا كل رجل وكل زيد وكل الناس # وكلما تعم الفعل لقول القائل كلما فعلت فعلا يتناول الأفعال على العموم # واعلم أنه لا فرق فى ألفاظ العموم بين الأسماء المشتقة وأسماء الأجناس ~~وأسماء الصفات كقولك اعط المسلمين # اعط الناس # اعط الطوال # فكل ذلك يستغرق كل ما يصلح له # وأما ألفاظ النكرات نحو قولك رجل فإنه عام على البدل غير عام على الجمع # وإنما قلنا إنه عام على البدل لأنه يتناول كل رجل على البدل من صاحبه # وقد قال عامة أهل العلم إن النكرة إذا كانت نفيا استغرقت جميع الجنس ~~كقولهم ما رأيت رجلا وما رأيت إنسانا # وأما إذا خرج على الإثبات فلا يقتضى الاستغراق # وأما إذا قال رأيت رجالا ولقيت ناسا فأقل ما يقتضيه ثلاثة من جماعتهم # فإن قيل أليس أن الله تعالى قال @QB@ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون @QE@ النحل 4 وهذا على العموم لأن الله تعالى لم يرد شيئا دون ~~شيء لأن قدرته عامة شاملة جميع الأشياء محيطة بها كلها # قلنا قد قالوا فى تأويل الآية وتخريجها وجهين أحدهما أن فيها إضمارا ~~والمعنى إما قولنا لكل شىء أو لشىء شىء فاكتفى بذكر أحدهما لأن فيه دلالة ~~على الأول # والوجه الآخر أن عمومه من طريق المعنى لا من طريق اللفظ وذلك لأن الأشياء ~~متساوية فى قدرته فإذا أخبر عن نفوذ قدرته فى بعضها ms124 فقد دل بالمعنى على ~~نفوذ قدرته فى سائرها # وأما كلمة أى فقد قيل هى بمنزلة النكرة لأنها تصحب النكرة لفظا ومعنى # يقول القائل أى رجل فعل هذا وأى دار تريدها # قال الله تعالى @QB@ أيكم يأتيني بعرشها @QE@ النمل 38 وهى نكرة معنى لأن ~~المراد بها واحد منهم # وقد ألحق بعض الأصوليين هذا الباب ما يفيد العموم من جهة المعنى وذلك ~~يكون بأن يقترن باللفظ ما يدل على العموم وإن كان اللفظ لا يدل عليه # فمن ذلك أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ومفيدا لعلته ليقتضى شيوع الحكم فى كل ~~ما شاعت فيه العلة # ومن ذلك أن يكون المفيد لعموم اللفظ يرجع إلى سؤال السائل PageV01P169 # ومن ذلك دليل الخطاب المقتضى للعموم # فالأول مثل قوله صلى الله عليه وسلم فى الهرة إنها ليست بنجسة إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات فاقتضى عموم طهارة كل ما كان من الطوافين علينا ~~وأمثال هذا تكثر # وأما المقتضى للعموم وما يرجع إلى السؤال نحو أن يسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عمن جامع زوجته فيقول عليه الكفارة فيعم ذلك كل من أفطر # وأما العموم مفهوم الخطاب نحو قوله صلى الله عليه وسلم فى سائمة الغنم ~~زكاة فدل هذا أن لا زكاة فى كل ما ليست بسائمة مسألة واختلف أصحابنا فى ~~المجاز هل يتعلق به العموم على وجهين # فقال بعضهم لا يدخل فى العموم إلا الحقائق وقال آخرون يدخل فيه المجاز ~~كالحقيقة لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة # واختلف الأصحاب أيضا أن لفظ العموم هل يتناول ما يمنع دليل النقل من ~~إجراء حكمه عليه كقوله تعالى @QB@ خالق كل شيء @QE@ وكقول القائل اضرب كل ~~من فى الدار ونحو ذلك لأن الله تعالى شىء ويمنع العقل أن يكون خالق نفسه ~~وكذلك يمنع العقل أن يكون المأمور يضرب كل من فى الدار مأمورا بضرب نفسه # فقال بعضهم إن موضوع اللفظ يتناوله لأن الدليل يوجب إخراجه منه # وقال آخرون بل هو خارج منه لسقوطه فى نفسه بما ذكرناه # وقالت هذه الطائفة إن اللفظ ms125 لم يتناوله أصلا فهذا هو الكلام فى ألفاظ ~~العموم ويلحق هذا الموضع ما صح فيه دعوى العموم ما لا يصح # وجملة ذلك أن العموم يصح دعواه فى نطق ظاهر يستغرق الجنس لفظه كالألفاظ ~~التى ذكرناها فيما تقدم # وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت ~~تلك الصفة اختص الحكم بها وإن لم تعرف صار مجملا فيما عرفت صفته مثل ما روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين فى السفر فهذا مقصور على ~~ما ورد فيه وهو السفر ولا يحمل على العموم وما لم تعرف مثل ما يروى أنه ~~عليه السلام جمع بين الصلاتين فى السفر فلا نعلم أنه كان فى سفر طويل أو ~~سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن إلا فى سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك تعينه ~~وجب التوقف فيه حتى تعرف # ولا يدعى هو العموم وكذلك القضايا فى الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها ~~وذلك مثل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار وقضى فى الإفطار ~~بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى PageV01P170 العموم فيها بل يجب ~~التوقف لأنه يجوز أن يكون قضى بالشفعة لجار بصفة تختص بها أو قضى بالكفارة ~~بجماع أو بغيره فيما يختص به المحكوم عليه فلم يكن دعوى العموم # وقال بعضهم إن روى أنه كان يقضى تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام # ألا ترى أنه يقال فلان كان يقرى الضيف ويصنع المعروف # وقال الله تعالى فى إسماعيل عليه السلام @QB@ وكان يأمر أهله بالصلاة ~~@QE@ والمراد به التكرار # | فصل # وكذلك الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فى إضمار # مثل قوله تعالى @QB@ الحج أشهر معلومات @QE@ يفتقر إلى إضمار فبعضهم يضمر ~~وقت إحرام الحج أشهر معلومات وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات # والحمل عليها لا يجوز بل يعمل بما يدل عليه الدليل # وهذا لأن العموم من صفاته النطق فلا يجوز دعواه فى المعانى # وعلى هذا قالوا لا يجوز دعوى العموم ms126 فى قوله لا صلاة لجار المسجد إلا فى ~~المسجد يعنى نفى الجواز والفضيلة وكذلك قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام من ~~الليل ولا يجوز دعوى العموم فيه لنفى الجواز والفضيلة # وكيف يجوز دعوى العموم على هذا الوجه # وإذا انتفى الجواز لا يتصور انتفاء الفضيلة لأنه لا بد من وجود الجواز ~~ليتصور انتفاء الفضيلة وعلى هذا قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولى # قوله لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض فكذلك قوله عليه السلام رفع القلم عن ~~ثلاثة وقد جعل بعض الفقهاء هذه الألفاظ مجملة وسيأتى من بعد الكلام فى ~~المجمل # وبعضهم جعل هذه الألفاظ عامة فى كل ما يحتمله والله أعلم مسألة أقل ما ~~يتناوله اسم الجمع عندنا ثلاثة # وهو أيضا قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وذهب طائفة من الفريقين أن أقل ~~الجمع اثنان وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن أبى الطيب من المتأخرين وهو ~~أيضا قول محمد بن داود من المتقدمين # وإليه ذهب بعض من النحويين وتعلقوا بقوله PageV01P171 تعالى @QB@ وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين @QE@ ~~الأنبياء 78 ورد الكناية إلى الاثنين بلفظ الجمع وتعلقوا أيضا بقوله تعالى ~~@QB@ إذ تسوروا المحراب @QE@ ص 21 الآية فاستعمل فى الاثنين لفظ الجمع # وتعلقوا أيضا بقوله تعالى @QB@ فقد صغت قلوبكما @QE@ التحريم 4 وإنما ~~لهما قلبان # وقد ذكرهما بلفظ الجمع وتعلقوا بقوله عليه السلام الاثنان فما فوقهما ~~جماعة والمعتمد لهم شيئان أحدهما أن الجمع فى صيغة اللغة هو ضم الشىء إلى ~~الشىء وهذا فى الاثنين مثله فى الثلاث # وإذا وجد الجمع حقيقة فى الاثنين صح أن يتناوله اسم الجمع حقيقة # والثانى أن الاثنين يقولان فى المخاطبة فعلنا كذا ويقولان دخلنا وخرجنا ~~وأكلنا وشربنا # فإذا خاطبا خطاب الجمع دل أنهما جمع مثل الثلاث سواء # وأما دليلنا ما روى أن ابن عباس احتج على عثمان رضى الله عنهم فى أن ~~الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس بقوله تعالى @QB@ فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس ms127 @QE@ النساء 11 وقال ليس الأخوان إخوة فى لسان قومك فقال ~~عثمان رضى الله عنه لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلى وتوارثه الناس ومضى فى ~~الأمصار # فلو لم يكن ذلك مقتضى اللغة لما صح احتجاجه وما أقره عليه عثمان وهما من ~~فصحاء العرب وأرباب اللسان # فإن قيل روى عن زيد بن ثابت أنه قال الأخوان إخوة فصار مخالفا لهما # قلنا المراد بذلك أنهما كالإخوة فى الحجب # والمعتمد هو الاستدلال من حيث اللغة فنقول الدليل على أن لفظ الجمع لا ~~يتناوله الاثنين أنه لا ينعت بالاثنين وينعت بالثلاثة فإنه يقال رأيت رجالا ~~ثلاثة ولا يقال رأيت رجالا اثنين # ويقال أيضا رأيت جماعة رجال ولا يقال رأيت جماعة رجلين # فإن كانت الجماعة لا تنعت بالاثنين بحال عرفنا أنه لا يتناولها اسم الجمع ~~بحال PageV01P172 # ونقول أيضا الأسماء سمات والسمات علامات لما وسم بها من الأعيان فسمة ~~الاثنين مخالفة لسمة الجماعة كما كانت سمة الواحد مخالفة لسمة الاثنين وعلى ~~هذا جرت العادة بالتفضيل فى الأعداد # وقيل آحاد ومثانى وجموع فكان هذا دليلا أن الجمع بعد التثنية كما أن ~~التثنية بعد الواحد وكذلك هذا الاختلاف فى تفصيل عدد الأجناس # قالوا رجل ورجلان فإذا بلغ العدد ثلاثة قالوا رجال # وقيل امرأة وامرأتان ثم تركوا هذا الاسم فى الجمع # قالوا أيضا فدل أن سمة الاثنين متميزة عن سمة الجماعة فى الوجوه كلها # وأما الجواب عن دليلهم وتعلقهم بالآية الأولى والثانية فما ذكرنا دليل ~~على أن ذلك مذكور على وجه المجاز لا على وجه الحقيقة # وأما قوله تعالى @QB@ فقد صغت قلوبكما @QE@ التحريم 4 فقد قيل إن هذا ~~الباب مخصوص لا يقاس عليه غيره وهو باب مفرد فى ذكر ما فى الإنسان من ~~الجوارح فقوله @QB@ فقد صغت قلوبكما @QE@ التحريم 4 وكذلك قوله @QB@ ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ المائدة 38 والمراد بذلك اليمين من ~~كل واحد منهما ولو كان لزيد خاتم ولعمرو خاتم لم يصلح أن نقول خذ خواتيمهما ~~والمراد خاتم واحد من كل واحد بل الصحيح أن نقول خذ خاتمهما ms128 فصار هذا ~~مخالفا لجوارح الإنسان فافهم هذا فإنه يأت جنس فى العربية # وقد قالوا يوم أعشار وثوب أخلاق ولم يدل ذلك أن الواحد اثنان # وكان الحجاج يقول يا غلام اضربا عنقه وخليا عنه # ومن هذا قوله تعالى @QB@ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد @QE@ ق 24 وأما ~~الخبر الذى رووه فلا نعرف صحته وعلى أن المراد به أن حكم الاثنين حكم ~~الجماعة فى ثواب صلاة الجماعة وانعقادها وهذا لأن كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يحمل على تأويل الاسم اللغوى # وأما قولهم إن الجمع حقيقته الضم # قلنا نعم ولكنه من ضم ثلاثة بعضها إلى بعض وكذلك ما زاد عليه # واللغة على ما وردت لا على ما يدل عليه القياس # ألا ترى أن الواحد يوجد فيه ضم بعض الأشياء إلى البعض لأنه جوهر متركب من ~~أشياء مختلفة ومع ذلك لا ينطلق عليه اسم الجمع # وقد نقض الأصحاب ما يصيرون إليه من الاشتقاق فى اسم الجمع بفصل الدابة ~~والجنين والقارورة وغير ذلك # وأما الكلام الثانى الذى اعتمدوا عليه وهو الخبر عن فعل اثنين بلفظ فقد ~~يتفق اللفظان فى موضع الغنية عن التفريق بينهما # ولا يدل ذلك على الجمع فى المعانى PageV01P173 كقولك للمرأتين أنتما وهما ~~وكذلك تقول للرجلين وكما تقول المرأتان جعلنا كما تقول الرجلان # وإنما كان كذلك لأن السمات موضوعة للتمييز ورفع الاشتباه فإذا كان الكلام ~~فى أمر معلوم عند المخاطب وكان الإخبار عن حاضرة علم بالمشاهدة استغنى عن ~~التمييز # ولفظ أنتما خطاب لحاضر وكذلك لفظ فعلنا خطاب من المشاهدة وعمن يضاف إليه ~~ممن هو معلوم حالته # فأما ما كان بخلاف ذلك مما يدخله الشبهة لا يقاس عليه غيره ولا بد من سمة ~~التمييز والكلام الأول بدون هذا كاف # والله أعلم # | فصل نقول فى ابتداء هذه المسألة أن التخصيص تمييز بعض الحكمة بالحكم # ولهذا يقال خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو كذا وخص فلان بكذا # وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ العام ويجوز دخول التخصيص ~~فى ms129 جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهى والخبر # ومن الناس من قال لا يجوز فى الخبر كما لا يجوز فيه دخول النسخ # وهذا خطأ لأنا بينا أن التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح فى ~~الخبر كما يصح فى الأمر PageV01P174 مسألة العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما ~~بقى بل هو على حقيقة فيه # والاستدلال به صحيح فيما عدا المخصوص ولا فرق عندنا بين أن يكون التخصيص ~~بدليل متصل باللفظ أو دليل منفصل # وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يصير مجازا متصلا كان الدليل المخصص أو ~~منفصلا # وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يصير مجازا فى حال دون حال ~~اختلفوا فى تفصيل الحال فقال بعضهم إن خص بدليل لفظى لم يصر مجازا متصلا ~~كان الدليل أو منفصلا وإن خص بدليل غير لفظى كان مجازا # وقال آخرون يكون مجازا إلا أن يخص بدليل متصل # وهذا يحكى عن عيسى بن أبان وعن أبى الحسن الكرخى ومحمد بن شجاع # وأما أبو بكر الرازى فذهب إلى ما ذهبنا إليه # وذهب من جعله مجازا إلى المنع من الاستدلال بالعموم المخصوص PageV01P175 ~~وأما من ذهب إلى أنه يصير مجازا احتج فى ذلك وقال إن العموم فى وضع اللغة ~~للاستيعاب فإذا اختص فقد استعمل اللفظ فى غير ما وضع له # وإذا وجد حد المجاز لا بد أن يصير اللفظ مجازا # قالوا لا يجوز أن يقال إن أهل اللغة وضعوا اللفظ العام للاستغراق مع فقد ~~القرينة ووضعوه للخصوص عند وجود القرينة وذلك لأنا لو اعتبرنا هذا لم يبق ~~مجازا فى كلام العرب لأنه يمكن أن يقال إن الألفاظ كلها وضعت مع وجود ~~القرائن لما تدل عليه القرائن # فإن هذا رفع المجاز من الكلام أصلا لأن القرائن كثيرة لا تخص فلا يمكن أن ~~يحصروها حتى يضعوا العموم مع كل واحد منهما لما يقتضيه # ببينة أن العموم ضد الخصوص والخصوص ضد العموم فكيف يتصور مع وجود ضد ~~العموم أن يبقى العموم على حقيقته # قالوا وأما إذا كانت القرينة ms130 المخصصة متصلة باللفظ مثل الاستثناء والشرط ~~والصفة فإنما لم يصر مجازا لأن هذه الأشياء الثلاثة من جملة الكلام الملفوظ ~~الذى هو العموم # وإذا صار من جملته فلا يكون لفظ العموم بانفراده حقيقة ولا مجازا ويكون ~~العموم مع الاستثناء أو الشرط أو الصفة بمجموعة حقيقة فيما يقتضيه # وبيان هذا أن القائل إذا قال اضرب بنى تميم إلا من دخل الدار أو اضرب بنى ~~تميم الطوال أو اضرب بنى تميم إن كانوا طوالا فإنه لم يرد بعضهم وحده لأنه ~~لو كان كذلك ما كان قد أراد الاستثناء أو الشرط أو الصفة شيئا لأن هذه ~~الأشياء لم توضع لشىء يستقل فى دلالتها عليه فيقال إن المتكلم قد أراد لها ~~ذلك الشىء أو أراد بالعموم وحده البعض ولأنه إذا أراد البعض بلفظ العموم لم ~~يبق شىء زائد بالاستثناء أو الشرط أو الصفة فثبت أنه عبر عن البعض بمجموع ~~الأمرين وإذا ثبت أن المتكلم لم يرد بلفظه PageV01P176 العموم وحده ~~الاستغراق ولا البعض ثبت أنه إذا كان مع هذه الأمور لم يكن فأراد به حقيقة ~~ولا مجازا # وله إذا عنى البعض بمجموع الأمرين وهما لا يفيدان بمجموعهما إلا ذلك ~~البعض ثبت أن ذلك حقيقة فيهما # وأما فى القرينة المنفصلة فقد أراد المتكلم بنفس لفظ العموم بعض ما ~~يتناوله فيكون مجازا على ما بينا # ثم قالوا إنه إذا ثبت أنه صار مجازا خرج من أن يكون له ظاهر فلم يجز ~~التعلق بظاهره ولأن العموم المخصوص يجرى مجرى أن يقول الله تعالى @QB@ ~~فاقتلوا المشركين @QE@ التوبة 5 ثم يقول لا تقتلوا بعض المشركين # فكما يمنع ذلك من التعلق بظاهر اللفظ كذلك غيره من التخصيص هذا حجة عيسى ~~بن إبان # وقال بعضهم إن العموم المخصوص يجوز أن يكون فى الأدلة ما يخصه ثانيا ~~فامتنع التعلق به لجواز أن يدل عليه تخصيص آخر # وقال بعضهم إن العلة المخصوصة لا يجوز التعلق بها كذلك العموم المخصوص ~~وأما حجتنا فتقول إن لفظ العموم يتناول ما عدا المخصوص بأصل وضعه فلا يكون ~~مجازا فيه ms131 وتصور موضعها حتى يزول الإشكال # فنقول قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ التوبة 5 يتناول كل ~~المشركين بعمومه وليس كلهم سوى آحادهم # فهو إذا عبارة عن كل واحد منهم ولهذا لو تركنا فظاهره مقارنة قتل كل واحد ~~من آحاد المشركين إلى أن يستوعبوا بالقتل # وإذا خرج بعض المشركين عن الآية بدليل دل عليه فيعلم قطعا أنه تناول ~~الباقين بأصل وضعه وإذا تناوله بأصل الوضع كان حقيقة # وهو مثل العشيرة إذا أخرج بعضها بالاستثناء فإنها تكون حقيقة فى الباقى ~~كذلك هاهنا # ببينة أنه إذا كان اللفظ متناولا ما عدا المخصوص على ما بينا فالمتكلم ~~بالخطاب إذا كان حكيما فلا بد أن يعنى ما يتناوله اللفظ إلا أن يدلنا على ~~أنه ما عناه # وهذا لأن الحكيم إذا خاطب قوما بلغتهم فإنه يعنى بخطابه لهم ما يدل عليه ~~ذلك الخطاب عندهم وإلا كان ملبسا عليهم ولهذا المعنى إذا أورد العموم ولم ~~يدل دليل على تخصيصه حمل على ظاهره من العموم لما ذكرناه # اللهم إلا أن يقوم دليل يوجب تخصيصه # وإذا ثبت أنه قد عنانا بالخطاب ما عدا المخصوص ثبت أن الحجة قائمة ~~بالعموم فيما عدا المخصوص وليس يدخل على هذا إذا خص العموم تخصيصا مجملا # وهذا نحو قول الله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ التوبة 5 ثم قال أنا ~~لم أرد بعضهم ولا يدرى من المعنى بذلك البعض فإنه لا يجوز الاحتجاج بمثل ~~هذا العموم المخصوص PageV01P177 لأن كل من جعل الآية حجة فى مثله يجوز أن ~~يكون هو من البعض مخصوصا # فأما إذا كان المخصوص معلوما فقد بينا وجه كون العموم حجة فى الباقى وقد ~~ورد من الصحابة التعلق بالعموم المخصوص # فإن عليا رضى الله عنه قال فى الجمع بين الأنثتين المملوكتين فى الوطء ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روى عن عثمان رضى الله عنه مثل ذلك وعنيا ~~بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ النساء 3 ~~وعنيا بآية التحريم قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ ومعلوم أن ~~قوله تعالى @QB@ أو ما ملكت أيمانكم @QE@ مخصوص ms132 منه البنت والأخت # واحتج ابن عباس رضى الله عنهما فى قليل الرضاع بقوله تعالى @QB@ وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم @QE@ النساء 23 وقال قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن ~~الزبير وإن كان وقوع التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط وذلك يوجب تخصيص الآية ~~ولا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة # واستدلال الصحابة بالعمومات المخصوصة كثير لأنه لا يعرف عموم يلحقه خصوص ~~إلا فى الندب وعلى الشذوذ # فإن عامة ما ينطق به الصحابة والعلماء من بعدهم من العمومات فهى عمومات ~~مخصوصة # وقد قال الأصحاب فى أصل المسألة إن إيصال التخصيص بالعموم إيصال بيان ~~اللفظ واتصال البيان باللفظ لا يجعله مجازا ولا يخرجه من أن يكون حجة ~~كالمجمل إذا اتصل به البيان # وإنما قلنا إن التخصيص بيان لأنه يبين أن اللفظ لم يتناول المخصوص ولا ~~شمله وهذا باق بلا إشكال والاعتماد على الدليل الأول # أما الجواب قلنا قولهم العام المخصوص لفظ مستعمل فى غير ما وضع له # قلنا لا كذلك بل هو مستعمل فيما وضع له فيما سبق # وهذا لأن لفظ العموم للاستيعاب إذا لم يقترن به دليل يوجب تخصيصه # فأما عند وجود قرينة مخصصة توجب تخصيصه فلا بل اللفظ عند وجود القرينة ~~موضوع لما وراء المخصوص # وقولهم إن هذا يؤدى إلى رفع المجاز من الكلام لا يصح لأنه إذا كان اللفظ ~~مستعملا فى أصل ما وضع له اللفظ إلا أنه فى البعض دون البعض # فإذا قيل هو حقيقة فيه كيف يؤدى إلى رفع المجاز نعم لو قلنا إن لفظ الأسد ~~عند اتصال القرينة وضع للشجاع حقيقة كان يؤدى إلى ارتفاع الكلام من الكلام ~~لأنه PageV01P178 مستعمل فى غير ما وضع له فى الأصل # ويلزم على ما قالوه لفظ العشرة مع استثناء بعضها فإنه حقيقة فيما وراء ~~المستثنى عند أصحاب أبى حنيفة وإن كان قد استعمل لفظ العشرة فى غير العشرة ~~ومع ذلك لم يكن مجازا # قيل إن لفظ العشرة من غير قرينة موضوع لهذا العدد فأما مع قرينة ~~الاستثناء موضوع لبعضها كذلك هاهنا # والعدد الذى قالوه ms133 يقال عليه هلا قلتم فى القرينة المنفصلة مثل ما قلتم ~~فى القرينة المتصلة وهو أن المتكلم ما أراد البعض باللفظ العام خاصة لكن ~~أراد باللفظ والقرينة فلا يكون اللفظ العام مجازا مثل ما قلتم فى القرينة ~~المتصلة وهذا جواب معتمد # وأما الذى قالوا إن العموم ضد الخصوص فليس بشىء لأنه إن كان بينهما مضادة ~~فهو فى المخصوص من اللفظ فأما فيما وراء المخصوص فلا يتصور مضاده # وأما الذى تعلق به عيسى بن إبان فى منع التعلق بالعموم المخصوص فليس بشىء ~~لأن قوله إن العموم المخصوص ليس له ظاهر يخص دعوى بل له ظاهر فيما وراء ~~المخصوص على ما سبق # وأما كلامه الثانى فقد جمع بين التخصيص المجمل والتخصيص المفصل من غير ~~علة وقد ذكرنا الفرق ونذكر بوجه أوضح مما سبق فنقول إن الله تعالى إذا قال ~~@QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ ثم قال لا تقتلوا بعضهم أو قال لم أرد بعضهم ~~ولم يبين ذلك البعض فمن أردنا قتله من المشركين يتناوله قوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ إذ هو مشرك ويتناوله قوله لا تقتلوا بعضهم لأنه بعض المشركين ~~فلم يكن بأن يدخل تحت أحد الظاهرين بأولى بأن يدخل تحت الآخر # فأما إذا عين البعض وقالوا لا تقتلوا النساء ولا تقتلوا أهل العهد أمكننا ~~استعمال ظاهر الآية من غير ظاهر يعارضه لأن من علمناه امرأة أو علمناه من ~~أهل العهد أدخلناه تحت التخصيص ومن علمناه رجلا لا عهد له علمنا خروجه من ~~التخصيص فإنه مراد بالآية وهذا لأن الأشياء المعلومة إذا خرج منها أشياء ~~معلومة كنا عالمين بما عداها وإذا خرج منها أشياء مجهولة بقى الثانى مجهولا ~~لأنه لا يدرى الذى خرج منها مما لم يخرج # ألا ترى أن العشرة معلومة فإذا علمنا أنه قد خرج منها ثلاثة علمنا أنه قد ~~بقى سبعة # وإذا علمنا أنه خرج منها عدد لا نعلمه لم ندر ما بقى منها # وأما تعلقهم بالعلة المخصوصة فسنبين الفرق بين العلة المخصوصة والعموم ~~PageV01P179 المخصوص فى مسألة تخصيص العلة # وإذا عرفنا أن العموم المخصوص لا ms134 يصير مجازا حجة فى الباقى فنقول قوله ~~تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ التوبة 5 عام مخصوص والاستدلال به جائز ~~على ما سبق وكذلك قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ~~المائدة 38 فإنه عام فى كل سارق سرق قليلا أو كثيرا من حرز أو من غير حرز ~~فقيام الدلالة على اشتراط الحرز وقدر مخصوص لا يمنعنا من العلم بوجوب قطع ~~من سرق نصابا من حرز بالآية # وذهب بعض أصحاب أبى حنيفة إلى أنه لا يجوز التعلق بهذه الآية لأنه قد شرط ~~فى القطع شرط لا ينبىء عنه لفظ الآية فلم يكن إيجاب القطع بمجرد قوله سارقا ~~وهو الذى يتناوله لفظ الآية # وفى قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ يقتل الحربى لكونه مشركا ~~وربما يقولون بعد قيام الدلالة على اشتراط الحرز ومقدار المسروق ولا يمكن ~~أن يستدل بالآية على قطع من وجد فيه الشرطان إلا بعد أن يضم إلى الآية ما ~~دل على اشتراط الشرطين فثبت أنه لا يجوز التعلق بظاهر الآية # والجواب أن كلا الكلامين ليس بشىء # أما الأول فنقول إن كان اللفظ لا ينبىء عن النصاب والحرز فلفظ المشركين ~~لا ينبىء عن عدم العهد ولا عن الذكورة أيضا لكن قيل إن قوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ عام فى أهل العهد وأهل الحرب فمنع قتل أهل العهد بتخصيص # كذلك قوله @QB@ والسارق والسارقة @QE@ عام فى السارق من حرز وغير حرز ~~وكذلك سارق النصاب وما دونه # ومنع قطع السارق ما دون النصاب أو من غير حرز تخصيص # وكلامه الثالث يدخل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ ~~لأنه لا يمكن قتل المشرك الذى هو غير المعاهد إلا بعد أن يضم دليل الشرطين # فإن قالوا هناك قتلناه لأنه مشرك فحسب # قلنا وهاهنا أيضا إذا سرق نصابا من حرز نقطعه لأنه سارق فحسب # وهذا لأنه يحتاج إلى إثبات الشرطين بدليلهما حتى لا يقطع بعض السراق لا ~~لتقطع من يجب قطعه مثل أنه قتل المشركين # إنما احتجنا إلى إثبات الشرطين حتى لا نقتل بعض المشركين لا لنقتل من يجب ~~قتله # إلا أن البيان ms135 لذلك قد يرد بلفظ النفي بأن يقول لا تقطعوا من سرق من غير ~~حرز وقد يرد بلفظ الإثبات بأن يقول الحرز والنصاب شرط فى القطع وكلا ~~القولين قضيته PageV01P180 نفى القطع عن السارق من غير حرز ولا نصاب # فأما إثبات القطع عند وجود الحرز والنصاب معلوم يتناول الآية إياه # وقد جهد المخالفون أن يفصلوا بين الاثنين بوجه ما ولا يمكنهم ذلك فاعلمه ~~فإنك تجده كذلك # والله الموفق للصواب # | فصل # ذهب أبو بكر القفال إلى أن تخصيص لفظ العموم يجوز إلى الثلاثة ولا يجوز ~~تخصيص اللفظ فيما دون الثلاثة إلا بما يجوز به النسخ # وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يجوز تخصيص اللفظ العام إلى أن يبقى واحد # وذهب القفال إلى أن لفظ العموم دليل على الجمع بلفظه وأقل الجمع ثلاثة ~~فلا يجوز تخصيصه فيما دونه لأنه يخرج عن كونه لفظا للجمع فينزل منزلة النسخ ~~PageV01P181 # وحرفه أن لفظ المشركين لا يحصل للواحد بحال ولا يجوز رد اللفظ إلى ما لا ~~يصلح له وكذا إن المنع من ذلك إما أن يكون لأن الخطاب بهذا التخصيص يصير ~~مجازا أو لأنه إذا استعمل فى الواحد لم يكن مستعملا فى الجمع واللفظ للجمع ~~فيكون قد استعمل الخطاب فى غير موضوعه ولا يجوز أن نمنع الأول لأنه لو كان ~~كذلك لم يجر التخصيص بكل حال لأنه إن صار مجازا بالتخصيص إلى أن يبقى واحدا ~~يصير مجازا بالتخصيص أيضا وإن بقيت ثلاثة ولا يجوز أن يمنع بالثانى لأن ~~اللفظ العام موضوع للاستغراق لا غير # وأما الجمع تبع له فإن لم يجز استعماله فى غير الجمع وجب أن لا يجوز ~~استعماله فى غير الاستغراق بل لا يكون المنع هاهنا لأنا بينا أن اللفظ ~~للاستغراق والجمع تبع له # وهذه حجة فى نهاية الجودة وقد ظهر فيها الجواب عما قالوه # وقد قال الأصحاب إن التخصيص من العام كالاستثناء من المستثنى منه ~~والقرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة لأن كلام الشرع وإن تفرق فى المورد وجب ~~ضم بعضه إلى بعض وبناء بعضه على بعض ثم ms136 صح الاستثناء ما بقى من اللفظ شىء ~~فكذلك التخصيص # وتحريره أن ما جاز تخصيص العام به إلى الثلاث جاز إلى ما دونه كالاستثناء ~~ولأنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه فيما دون الثلاث # كمن وما فإن من عام فيمن يعقل وما فيما لا يعقل ثم جاز أن يلحقها الخصوص ~~إلى أن يبقى الواحد كذلك هاهنا # وقد سلم القفال ولم يسلمه من وافقه من المتكلمين # وهذا وإن قيل ولكن الاعتماد على الأول # وأما النسخ فهو رفع الحكم أصلا # وأما التخصيص فليس رفع الحكم لكنه نوع بيان اتصل بالآية على ما سبق ~~تقديره # ولأن النسخ بمنزلة استثناء العشرة من العشرة والتخصيص بمنزلة استثناء ~~البعض PageV01P182 # | فصل # والكلام يقع الآن فيما يخص به العموم فنقول # الذى يخص به العموم شيئان عقل وشرع # فأما تخصيصه بالعقل فى قول جمهور العلماء والمتكلمين وقالوا هو مثل قوله ~~تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ الرعد 16 فدليل العقل قد خص هذه الآية ~~لأنه تعالى غير خالق لذاته ولا لصفات ذاته وكذلك قوله @QB@ وأوتيت من كل ~~شيء @QE@ النمل 23 وقوله تعالى @QB@ وآتيناه من كل شيء سببا @QE@ الكهف 84 ~~فعلم بالمعقول أنه لم يؤت من جميع الأشياء وكذلك فى الآية الثانية # ومنع قوم من تخصيص العموم بالعقل لأن دليل العقل متقدم على وجود السمع ~~فأجازوا أن يتقدم دليل التخصيص على العموم المخصوص وهذا فاسد من وجهين # أحدهما أنه لما جاز التخصيص بما لا يوجب العلم من أخبار الآحاد فلأن يجوز ~~بما يوجب العلم من دلائل العقل أولى # والثانى أنه يستحيل اعتقاد الاستغراق فى قوله تعالى @QB@ الله خالق كل ~~شيء @QE@ الرعد 16 وكذلك فى قوله تعالى @QB@ وأوتيت من كل شيء @QE@ النمل ~~23 وإذا استحال العموم ثبت الخصوص وإن تقدم العقل على بعض السمع فلا شك أنه ~~إذا خص بما قارنه من دليل العقل لا بما يتقدمه # ويقال لمن منع منه أتحمل قوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ الرعد 16 ~~وقوله تعالى @QB@ وأوتيت من كل شيء @QE@ النمل 23 على الاستيعاب فى كل ما ms137 ~~يتناوله اسم الشىء # فإن قالوا هذا فهو جهل بالله تعالى وكذلك فى الآية هو جهل منه بالاستثناء ~~وإن قالوا هو مخصوص فقد قيل ما قلناه # وأما تخصيص العموم بالشرع فضربان # أحدهما يتصل به # والثانى ينفصل عنه # وأما المتصل به فسنفرد له بابا # وأما تخصيصه بالمنفصل منه فنقول هو على أربعة أضرب PageV01P183 # أحدها تخصيصه بالكتاب # والثانى بالسنة # والثالث بالإجماع # والرابع بالقياس # فأما تخصيصه بالكتاب # فلا يخلو حال العموم من أن يكون ثابتا بالكتاب أو السنة # فإن كان بالكتاب فتخصيصه جائز بالكتاب مثل قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن @QE@ البقرة 132 خص بقوله تعالى @QB@ والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ المائدة 5 ومثل قوله تعالى @QB@ والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا @QE@ البقرة 234 خص بقوله تعالى @QB@ وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ الطلاق 4 ومثل قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ البقرة 238 خص بقوله تعالى @QB@ ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها @QE@ الأحزاب 49 # وإن كان العموم ثابتا بالسنة فيجوز أن يخص بالكتاب لأنه لما جاز أن يخص ~~الكتاب بالكتاب فأولى أن يخص السنة بالكتاب # وأما النسخ فيستبين فى باب النسخ ونذكر الفرق بين النسخ والتخصيص # واعلم أنه كما يجوز التخصيص ببعض الكتاب يجوز التخصيص بفحوى الكلام ودليل ~~الخطاب من الكتاب # أما فحوى النص فهو جار مجرى النص # وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به على الظاهر من مذهب الشافعى لأنه ~~مستفاد من النص فصار بمنزلة النص # ومثاله من الكتاب قوله تعالى PageV01P184 @QB@ وللمطلقات متاع بالمعروف ~~حقا على المتقين @QE@ فكان عاما فى كل مطلقة # ثم قال @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن @QE@ البقرة 237 فكان دليله أن لا متعة للمدخول بها فيخص بها ~~فى أظهر قوليه عموم المطلقات # وامتنع من التخصيص فى القول الآخر # وأما تخصيص عموم الكتاب والسنة بالسنة # فإن كانت السنة متواترة فيجوز تخصيص العموم بها سواء كان العموم فى ~~الكتاب أو فى السنة # وسواء ms138 كان العموم المخصوص فى السنة ووروده بالتواتر أو بالآحاد لأن السنة ~~المتواترة كالكتاب فى إفادتها العلم فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز ~~بالسنة المتواترة # وأما تخصيص الكتاب بالسنة أو السنة المتواترة بالآحاد # فأخبار الآحاد ضربان # أحدهما ما اجتمعت الأمة على العمل به كقوله عليه السلام لا ميراث لقاتل ~~ولا وصية لوارث وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وابنة أخيها ~~فيجوز تخصيص العموم به # ويجوز ذلك ويصير كتخصيص هذا للعموم بالسنة المتواترة لأن هذه الأخبار ~~بمنزلة المتواترة لانعقاد الإجماع على حكمتها وإن لم ينعقد الإجماع على ~~روايتها # وأما الضرب الثانى من الآحاد وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به فهو ~~المسألة التى اختلف العلماء فيها مسألة يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ~~عندنا وعند الكثير من المتكلمين # وقال بعض المتكلمين من المعتزلة لا يجوز وهو قول شرذمة من الفقهاء # وقال عيسى بن أبان إن كان قد خص العموم يجوز تخصيصه وإن كان لم يخص ~~PageV01P185 لا يجوز # وتعلق من قال بذلك بأن الكتاب موجب العلم والعمل فلا يجوز أن يخص بما ~~يوجب العمل دون العلم ولأنه إسقاط بعض ما تضمنه الكتاب فلا يجوز بخبر ~~الواحد # دليله النسخ # وأما عيسى بن أبان فقال إذا خص العموم يصير مجازا على ما سبق من قوله # وخرج أن يكون له ظاهر فى قضيته فصار تخصيصه بمنزلة بيان المجمل # وأما إذا لم يخص منه شىء فهو باق على حقيقته وهو مفيد للعلم ما يقتضيه ~~فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأنه نوع ترك فيكون ما يفيد العلم بما يفيد ~~الظن # وأما دليلنا فلأن خبر الواحد دليل موجب للعمل فما دل على وجوب العمل فهو ~~الدليل على جواز التخصيص به # وهذا لأن العمل بالدليلين واجب ولا يجوز ترك دليل إذا أمكن العمل به وإذا ~~قلنا بالتخصيص الذى ذكرناه عملنا بالدليلين وإذا قلنا لا يجوز التخصيص ~~تركنا دليل السنة # وبيان الترك أنها دلت على شىء مخصوص وقد تركوه حيث لم يخصوا بها العموم # وأما إذا خصصنا العموم فلم ms139 نترك دليله لأنه بدليله باق فيما وراء المخصوص # فإن قالوا تركتم القول بالاستيعاب فى العموم # قلنا قد بينا أن اعتقاد العموم لا يجوز بنفس الورود ما لم يعرض العموم ~~على الأصول الثابتة بالكتاب والسنة # ثم إذا عرضنا ولم نجد دليلا مخصصا # حينئذ نعتقد عمومه فإذا وجد فى الأصول ما يخصه لم يكن هذا ترك القول بما ~~يقتضيه العموم من الاستيعاب بل هو فى الحقيقة بيان اتصل بالكتاب فظهر أنه ~~ورد مقتضيا حكمه فيما وراء المخصوص # ويمكن أن يستدل فى المسألة بإجماع الصحابة على تخصيص قوله تعالى @QB@ فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ البقرة 23 فإن عمومه يقتضى إباحتها ~~قبل الدخول وبعد فخصوه بقوله عليه السلام لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ~~وكذلك خصوا قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ النساء 11 بقوله ~~PageV01P186 عليه السلام لا يتوارث أهل ملتين شتى الخبر وكذلك قوله عليه ~~السلام إنا معاشر الأنبياء لا نورث وخصوا قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين ~~@QE@ التوبة 5 بنهيه عليه السلام عن قتل النساء # وأما دليلهم فنقول استغراق العموم يقتضيه غالب الظن دون اليقين فجاز أن ~~يعارضه من أخبار الآحاد ما يوجب غالب الظن دون اليقين # وعلى أن خبر الواحد معلوم الأصل باليقين وهو إجماع الصحابة رضى الله عنهم # فإنهم أجمعوا على قبوله والعمل به على ما سنبين من بعد فأجرى عليه حكم ~~أصله كما أن جهة القبلة معلومة وإن كان الاجتهاد عند إشكالها مظنونا فأجرى ~~عليه حكم أصلها وأجزأت الصلاة كذلك هاهنا # وأما النسخ فهو يقع الحكم بعد ثبوته فلا يجوز بدليل مظنون إذا كان ثبوت ~~المرفوع بدليل مقطوع به # وأما التخصيص فليس برفع للحكم إنما هو فى الحقيقة ما بيناه من اتصال بيان ~~بالعموم فصار بمنزلة اتصال بيان بمجمل الكتاب فيجوز بخبر الواحد # وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد قاله من أصل اعتقده لا يوافقه عليه ~~فذكرنا بطلانه وضعف الدليل الذى استدل به والله أعلم # | فصل وأما تخصيص السنة بالسنة فجائز # وعن داود أنه لا يجوز ms140 لأن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم مبينا ~~فلا تحتاج سنته إلى بيان # وهذا ليس بشىء لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز تخصيص السنة بالسنة ~~PageV01P187 # وقوله إن السنة بيان # قلنا والكتاب تبيان # قال الله تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ النحل 89 فإذا جاز تخصيص الكتاب ~~بالكتاب وإن كان تبيانا كذلك يجوز تخصيص السنة بالسنة موجود كما وجد تخصيص ~~الكتاب بالكتاب فوجب القول به فى الموضعين # وبيان وجود تخصيص السنة بالسنة قوله عليه السلام لا تنتفعوا من الميتة ~~بشىء قد خص بما روى أنه عليه السلام قال فى شاة ميمونة هلا أخذتم إهابها ~~فدبغتموه وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة بأفعال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتخصيصه بها # ومنع أبو الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أن يخص عموم القول بالفعل ~~ولهذا لم يخص نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول باستقبال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بيت المقدس واستدباره الكعبة # وقد خصت الصحابة قوله عليه السلام فى الجمع بين الجلد والرجم بفعله فى ~~رجم ماعز والغامدية من غير جلد هكذا ذكره الأصحاب # وعندى أن هذا بالنسخ أشبه # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ثم خص عموم نهيه بفعله ~~فى حقه دون غيره # وأما تخصيص العموم بالإجماع # فهو جائز لأن الإجماع حجة قاطعة # وقد خص بالإجماع قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين @QE@ النساء 11 بأن العبد لا يرث وإذا جاز أن يخص الإجماع الكتاب ~~جاز أن يخص به عموم السنة أيضا # وأما تخصيص العموم به على ما قدمناه # وأما إذا ظهر القول فى الحادثة من أحدهم ولم يظهر من أحد منهم خلافة ولا ~~وفاق معه فإن حصل إجماعا لانتشاره جاز تخصيص العموم به PageV01P188 وإن لم ~~يحصل إجماعا لعدم انتشاره فقد كان الشافعى رحمه الله يجعله فى القديم حجة ~~كالقياس وهو قول أبى حنيفة ومالك ثم رجع عنه فى الجديد وصح أن يكون حجة # فعلى هذا القول لا يجوز تخصيص ms141 العموم به # وأما القول القديم فقد اختلف أصحابنا فى تخصيص العموم به فقال بعضهم يجوز ~~لأنه حجة شرعية بمنزلة سائر الحجج # وقال بعضهم لا يجوز لأن الصحابى محجوج بالعموم فلا يخص بقوله العموم # وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم فى خبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم # قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن المخابرة فتركناها بخبره # ومثل هذا يوجد كثيرا # وأما تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه # فإنه أجازه أبو حنيفة لأنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره مثل ما روى عن أبو ~~هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات وقد روى غسله سبعا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخص روايته بمذهبه # ببينة أن الرواى لا يترك ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد ~~عرف من النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص الكتاب أو نسخه وهذا فاسد عندنا لأن ~~روايته حجة ومذهبه ليس بحجة فلا يجوز تخصيص ما هو حجة بما ليس بحجة ولأنه ~~محجوج بالخبر فلا يجوز تخصيصه بقوله كغيره # ويبينه أن مقتضى العموم معلوم وليس فى مقابلته إلا حسن الظن بالراوى ~~ومعنى حسن الظن بالراوى أنه لولا أنه علم قصد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومراده من العموم لم يخالف وهذا وإن كان كذلك إلا أنه مظنون وكون العموم ~~حجة فى جميع ما يسوغه العموم معلوم ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون # وعلى أن خلافه لو كان يعلم مقصد الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينبغى أن ~~يتبين ذلك لكى يزيل عن نفسه الإيهام بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم # والكلام PageV01P189 الوجيز فى هذا أن علينا أن نعتقد العموم فى قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ونجعله حجة على كل من يخالفه وليس علينا أن ~~نتفحص عن قول من يخالفه أنه من أين قال بل يحتمل أنه عن قياس فاسد ورأى ~~باطل وخلاف من ليس بمعصوم عن ms142 الخطأ لا يقابل قول من هو معصوم عن الخطأ # وعلى هذا نقول قول ابن عباس أن المرتد لا يقتل إن ثبت عنه لا يخص به عموم ~~قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه # وأما تفسير الراوى لأحد محتملى الخبر يكون حجة فى تفسير الخبر كالذى رواه ~~ابن عمر أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا # وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى لأنه قد شاهد من خطاب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله # والفرق بين تفسيره وتخصيصه بمذهبه أن تفسيره موافق للظاهر غير مخالف له ~~فأخذ به # وأما مذهبه مخالف فلا يخص به على ما سبق # وأما التخصيص بالقياس # فقد اختلف فيه مثبتوا القياس فذهبت شرذمة من الفقهاء وكثير من المعتزلة ~~إلى أن تخصيص العموم بالقياس لا يجوز لأن ظاهر العموم أقوى من القياس فلم ~~يجز أن يخص القياس # والدليل على أنه أقوى أنه دليل علمى والقياس دليل ظنى ولا شك أن العلمى ~~أقوى من الظنى ولأنه لما لم يجز النسخ بالقياس لا يجوز التخصيص به ولأن ~~العموم نص والقياس يستعمل مع عدم النص # وقال عيسى بن أبان وهو الظاهر من مذهب أبى حنيفة أنه يجوز أن يخص بالقياس ~~عموم دخله التخصيص ولا يجوز أن يخص به عموم لم يدخله التخصيص # وذهب أبو بكر محمد بن أبى طالب الأشعرى وجماعة من متأخريهم إلى أن العموم ~~والقياس إذا تقابلا وجب الوقف عن استعمال أحدهما لتكافئهما من حيث إن كل ~~واحد منهما صار حجة فعليه يتوقف حتى يقوم دليل يوجب ترجيح أحدهما # وأما الشافعى ومالك وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى جواز تخصيص العموم بالقياس ~~لأنه دليل شرعي منصوب لمدارك الأحكام فيخص به العموم كسائر الدلائل # ببينة أن فى تخصيص العموم بالقياس استعمالا لدليلى العموم والقياس جميعا ~~فكان أولى من استعمال أحدهما وإسقاط الآخر ولأن القياس يدل على الحكم من ~~PageV01P190 طريق المعنى والعموم يدل من طريق الاسم والمعانى والأسامى إذا ~~التقتا كان القضاء للمعانى على الأسامى # والجواب عما ms143 ذكروه أما قولهم أن العموم أقوى من القياس لا نسلمه # وقولهم إنه يفيد العلم # قلنا إنما يفيد العلم بأصل وروده # فأما فى محتملاته فلا نسلم ذلك بل هو مجرد ظاهر فى الاستيعاب ويحتمل ~~خلافه وعلى أنه لا يمتنع أن يخص الأقوى بالأضعف كما يخص الكتاب بالسنة # وأما تعلقهم بالنسخ فنقول النسخ رفع حكم ثابت فامتنع بالقياس لضعفه # وأما التخصيص فمعرفة ما لم يرد بالعموم والقياس يجوز أن يدل على ذلك # تبيين الفرق أن عموم الكتاب يجوز تخصيصه بخبر الواحد على ما قدمناه فلا ~~يجوز نسخه به # وأما قولهم إن العموم نص # قلنا صيغة العموم إنما يدخل فى النص إذا لم يخصها القياس فإن خصها لم ~~يدخل فيه # وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد أجبنا من قبل # وإذا ثبت جواز تخصيص العموم بالقياس فيجوز بالقياس الجلى # فأما بالقياس الخفى فعلى وجهين # قال بعض أصحابنا لا يجوز لقوة الجلى وضعف الخفى # وقال بعضهم يجوز لأن الخفى ألحق بالجلى فى ثبوت الحكم فيلحق به فى تخصيص ~~العموم PageV01P191 # وأما التخصيص بدليل الخطاب # فيجوز تخصيص العموم به # قال أبو العباس بن سريج لا يجوز وهو قول أكثر أهل العراق لأن عندهم أنه ~~ليس بدليل # والكلام معهم يجىء إن شاء الله # وعندنا هو دليل كالنطق فى أحد الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما ~~كان يجوز التخصيص به # وأما فحوى الخطاب # فيجوز التخصيص به وقد بيناه # ثم اعلم أن من تخصيص العموم بالقياس قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ النور 2 ثم خصت الأمة بنصف الحد نصا ~~بقوله تعالى @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب @QE@ ثم خص العبد بنصف الحد قياسا على الأمة فصار بعض الآية مخصوصا ~~بالكتاب وبعضها مخصوصا بالقياس ومن ذلك قوله تعالى @QB@ والبدن جعلناها لكم ~~من شعائر الله @QE@ إلى قوله @QB@ فكلوا منها @QE@ ثم خص منها بالإجماع ~~تحريم الأكل من جزاء الصيد # وخص عند الشافعى تحريم الأكل من هدى المتعة والقران قياسا على جزاء ms144 الصيد ~~فصار بعض الآية مخصوصا بالإجماع وبعضها بالقياس على الإجماع # فهذا بيان ما قدمناه PageV01P192 # وأما التخصيص بالعادة والعرف # فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به لأن الشرع لم يوضع على العادة ~~وإنما وضع فى قول بعض أصحابنا على المصلحة وفى قولنا على ما أراد الله ~~تعالى ولا معنى للرجوع إلى العادة فى شىء من ذلك والله أعلم مسألة إذا ورد ~~اللفظ العام على سبب خاص وكان مستقلا بنفسه يجرى على عمومه ولا يستقل بنفسه # وليس المعنى بالسبب السبب الموجب للحكم مثل ما نقل أن ماعزا زنى فرجمه ~~PageV01P193 رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسجد # وإنما المعنى بالسبب مثل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~التوضؤ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته فاقتضى الجواب أن يكون ~~الماء طهورا فى جميع وجوه الانتفاع وكذلك روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عمن ابتاع عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فقال الخراج بالضمان فكان قوله ~~الخراج بالضمان عاما فى هذا الموضوع وفى غيره # وكذلك الرخصة فى العرية إنما وقعت بسبب فقراء لم يكن لهم ما يشترون به ~~الرطب فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرخصة فى العرية فكان الجواب ~~عاما فى الفقراء والأغنياء # واعلم أن من أشرط إجرائه على عمومه هو أن يكون اللفظ المذكور يمكن أن ~~يحمل على عمومه فيكون مفيدا من غير أن يعلق بذلك السبب # فأما إذا لم يفد ما لم يصر عن السبب فإنه يكون مقصورا عليه # وهذا كما روى أنه عليه السلام قال فى جواب السائل حين سأله عن بيع الرطب ~~بالتمر فقال أينقص إذا جف # قالوا نعم # قال فلا إذا # [ . . . . . ] لا يمكن أن يحمل على ظاهره بدون السبب لأنه لا يستقل بنفسه ~~فى الإفادة [ . . . . . ] على سببه # وقال مالك يقصر على سبببه وهو اختيار المزنى والقفال وأبى بكر الدقاق # وقد PageV01P194 أورد بعض أصحابنا أن الشافعى أشار إلى هذا فى الخبر ~~المروى فى ms145 بئر بضاعة وقال قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شىء ~~مقصور على سبببه وقال فى قوله لا قطع فى ثمر وكثر أنه خرج على عادة أهل ~~المدينة فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محفوظة # وسائر الأصحاب قالوا إنما قال الشافعى هذه الأدلة دلت عليها فأما إذا لم ~~يكن هناك دليل يدل على التخصيص فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه # واحتج من قال بذلك بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال ~~هو المعتضى للجواب والمميز له وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل به فى ~~بيانه على السؤال # وإذا ثبت أنها كالجملة الواحدة فيجب أن يصير السؤال مقدرا فى الجواب ~~فيخصص الحكم به # ببينة أن السبب لما كان هو الذى أثار الحكم تعلق به تعلق المعلول بالعلة # قالوا ولأن من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وإنما يكون مطابقا ~~بالمساواة وإذا أجرينا اللفظ على عمومه لم يكن مطابقا # يدل عليه أن الخطاب جواب وليس بابتداء كلام # وإذا جرينا على ما قلتم كان ابتداء الكلام ولم يكن جوابا # ألا ترى أن من قال لغيره تغد معى فقال والله لا أتغدى يكون اليمين مقصورا ~~على التغدى معه حتى لو تغدى لا معه لم يحنث وإنما كان كذلك لما بيناه # قالوا ولأن الراوى لما نقل السبب مع لفظ الجواب فلا بد له من فائدة وليس ~~فائدة النقل إلا اقتصار الخطاب عليه فهذه كلماتهم فى المسألة # وأما حجتنا نقول أولا كل لفظ وجب إجراؤه على العموم عند تعريه عن سؤال ~~خاص وجب إجراؤه على العموم وإن خرج على سؤال خاص كما لو قالت امرأة لزوجها ~~طلقنى فقال نساؤه طوالق أو كل امرأة له طالق # وهذا لأن الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة فاعتبر عموم لفظ الزوج ~~وخصوصه # فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل فاعتبر عموم لفظ ~~الشارع وخصوصه # وهذا كلام PageV01P195 لا بأس به # إلا أن التعلق بمسألة الطلاق ضعيف لأن الكلام فى عمومه يقبل التخصيص فى ms146 ~~الطلاق لو قال نساؤه طوالق وكل امرأة له طالق # وقال عنيت بعض نسائى لم يصدق # بخلاف خطاب الشارع لو قام الدليل أنه عنى البعض يكون محمولا عليه على ~~الخصوص وصح ذلك # والحجة المعتمدة أن الكلام فى جواب له صيغة صالحة للسبب وغيره حتى يوجد ~~الاستيعاب وقد قام الدليل لنا على أن صيغة العموم لاستيعاب كل ما يصلح له # فنقول اللفظ العام الصادر عن الشارع أو عن حكم يجب إجراؤه على عمومه # إلا أن يمنع مانع ولا مانع من إجرائه على عمومه فيجرى # وهذا لأنه ليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب نعم من شرطه أن لا ~~يقصر عن السبب أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب فلا # ببينة أنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال لا من حيث العادة ~~ولا من حيث الشريعة # ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى عليه السلام عما فى يمينه فقال @QB@ وما ~~تلك بيمينك يا موسى @QE@ طه 17 فأجاب موسى @QB@ قال هي عصاي أتوكأ عليها ~~وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى @QE@ طه 18 فأجاب وزاد فثبت أن ~~السؤال عن شىء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه # يدل عليه أن تخصيص العموم يكون بالمنافى ولا منافاة بين السبب والخطاب فى ~~شىء ما ولم يجريه التخصيص # وهذه كلمات معتمدة فليكن التعويل عليها لا على الأول # وأما الجواب عن كلماتهم قولهم إن السؤال والجواب كالشىء الواحد # قلنا إن كان كذلك فهو فى قدر ما يكون جوابا عن السؤال # وأما فيما يزيد عليه فلا # ثم يدخل عليه مسألة الطلاق ولو جعل الجميع كالشىء الواحد لم يقع إلا على ~~هذه المرأة على الخصوص # وأما قولهم إن السبب مشير للحكم فصار كالمعلول مع العلة # قلنا ليس الكلام فى مثل هذا السبب وقد بينا هذا فى أول المسألة حتى لو ~~كان السبب المنقول هو المؤثر كان الحكم متعلقا به # وأما قولهم إن من حق السؤال أن يكون مطابقا للجواب # قلنا إن أردتم بالمطابقة ms147 مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من شرط ~~الجواب وقد بيناه # وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك يحصل بالمساواة من ~~PageV01P196 غير مجاورة وبالمساواة مع المجاورة كما فى سؤال موسى عليه ~~السلام عن عصاه وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن التوضؤ بماء البحر # وأما قولهم إن هذا الخطاب جواب وليس بابتداء كلام # قلنا بل هو جواب وابتداء كلام على معنى جواب عما سئل عنه وبيان أيضا لحكم ~~ما لم يسأل عنه وهو صحيح غير ممتنع لم بينا أن السؤال يقتضى جواب ما سئل ~~عنه # فأما أن يمنع الزيادة عليه فلا # وقد ذكرنا وجه صحة هذا مثالا ومعنى # وأما إذا قال تغد معى فقال والله لا أتغدى # قلنا لا نعرف أن المسألة على مذهب الشافعى # فعلى ما قالوه وعلى أن الأيمان محمولة على العادة فى الفتاوى لا على ~~حقائق الألفاظ # وأما قولهم إن الراوى نقل السبب ولا بد له من فائدة # قلنا فائدته أن لا يجوز تخصيص ما وقع السؤال عنه من العموم # وقد قال بعضهم فى أصوله إن مذهب أبى حنيفة أنه يجوز وهذا لا يعرف من ~~مذهبه # | فصل # إذا تعارض اللفظان من صاحب الشرع فلا يخلو إما أن يكونا خاصين أو عامين ~~أو أحدهما خاصا والآخر عاما أو يكون كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه # فأما إذا كانا خاصين مثل أن يقول اقتلوا المرتدة ولا تقتلوا المرتدة أو ~~صلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ~~فهذا لا يجوز أن يرد إلا فى وقتين فيكون أحدهما ناسخا للآخر فإن عرف ~~التاريخ يكون الثانى ناسخا للأول وإن لم يعرف التاريخ وجب التوقف وإن كانا ~~عامين مثل أن يقول من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند ~~طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فإن لم يمكن استعمالها وجب التوقف ~~كالقسم الذى PageV01P197 قدمنا # وإن أمكن استعمالهما فى حالتين استعملا # ومثال هذا ما قال صلى ms148 الله عليه وسلم فى خبر الشهود من شهد قبل أن يستشهد ~~وقال شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد وقالوا الأول محمول على ما إذا شهد ~~ولم يعلم صاحب الحق أن له شاهدا فإن الأول إن شهد وإن لم يستشهد ليصل ~~المشهود له إلى حقه # والثانى محمول على ما إذا علم له الحق بشهادة فلا يجوز للشاهد أن يبدأ ~~بالشهادة قبل أن يستشهد # وأما إذا كان أحدهما خاصا والآخر عاما مثل قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم ~~الميتة والدم @QE@ المائدة 3 مع قوله صلى الله عليه وسلم أحلت لكم ميتتان ~~ودمان ومع قوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر ومثل قوله صلى ~~الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر مع قوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما ~~دون خمسة أوسق صدقة قالوا يجب فى هذا وأمثاله أن يقضى بالخاص على العام ولا ~~فرق عندنا بين أن يتأخر العام ويتقدم الخاص ويتأخر الخاص ويتقدم العام أو ~~يرد ولا نعرف التاريخ بينهما PageV01P198 وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص ~~والعام بكل وجه وهو قول القاضى أبى بكر الباقلانى # وقال كثير من المعتزلة إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فإنه ينسخ ~~العام وإليه ذهب عامة أصحاب أبى حنيفة # وقالوا فيما إذا كان الخاص متأخرا والعام متقدما فإن كان ورد الخاص قبل ~~أن يحضر وقت العمل بالعام فإنه يكون الخاص مقضيا به على العام وإن ورد ~~الخاص بعدما حضر وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم ~~فيما بعد دون ما قبل لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة # هذا مذهب المعتزلة ويجوز أن يكون مذهب أصحاب أبى حنيفة على خلاف هذا ~~ويذهبون إلى مثل ما ذهب إليه الشافعى رحمه الله # ورأيت عن أبى الحسن الكرخى أن المتأخر ينسخ المتقدم وسواء فى ذلك كان ~~المتأخر خاصا أو عاما # وقد ذكر عيسى بن أبان فى الخبرين إذا تعارضا وإن كان أحدهما عاما والآخر ~~خاصا ولم يعرف تاريخ ما بينهما وجوها من الترجيح # منها أن ms149 يكون أحدهما متفقا على استعماله كخبر العشر فإنهم قالوا إن قوله ~~فيما سقت السماء العشر متفق على استعماله # وخبر الأوساق متفق على استعماله # ومنها أن يعمل معظم الأمة بأحدهما ونعيب على ترك العمل به مثل الخبر فى ~~ربا الفضل والخبر الآخر وهو قوله عليه السلام لا ربا إلا فى النسيئة فإن ~~الصحابة عابوا على ابن عباس فى ترك العمل بخبر أبى سعيد وهو الخبر الذى روى ~~فى تحريم ربا الفضل # ومنها أن يكون الرواة لأحدهما أشهر # واعلم أنا إذا بينا أن الخاص يقضى به على العام بكل حال سقطت هذه الوجوه ~~التى ذهب إليها فى الترجيح # ويقال إن قوله فى خبر الأوساق أن الأمة لم يتفقوا على استعماله فليس ذلك ~~أكثر من أنا تركنا العمل به # وهذا لا يضعف الخبر وعلى PageV01P199 أن قوله عليه السلام فيما سقت ~~السماء العشر متفق على استعماله فى الأوساق الخمسة فما زاد # فأما فيما دون الأوساق الخمسة فلا # واستعمال الأمة الخبر فيما وراء الأوسق الخمسة لا يوجب ترجيحا # وأيضا يقال لهم لم قلتم إن استعمال الخبر من الأمة على الجملة يوجب ~~ترجيحا للخبر وكلا الخبرين ورد مورد الصحة ولا عذر لأحد فى ترك العمل بواحد ~~منهما لأن الدليل الذى دل على وجوب العمل بأحد الخبرين هو الدليل الذى دل ~~على وجوب العمل بالخبر الآخر # ومتى طولبوا بمثل هذه لم يمكنهم القيام بحجة فيما زعموه # ويخص الفصل الذى ذكرناه وهو إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا ونبين أن ~~القول بالنسخ للخاص المتقدم بالعام المتأخر باطل ونقيم الدليل على مذهبنا ~~فى بناء العام على الخاص والقول بقضاء الخاص على العام # مسألة العام المتقدم لا ينسخ الخاص المتقدم بل الخاص يقضى عليه ويكون ~~الحكم له فيما تناوله المتأخر # وعندهم الخاص المتقدم يصير منسوخا بالعام المتأخر # وتعلقوا فى هذا بأشياء منها أن اللفظ العام فى تناوله لآحاد ما دخل تحته ~~يجرى مجرى ألفاظ خاصة كل واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن ~~قوله @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ التوبة 5 ms150 يجرى مجرى قوله اقتلوا زيد ~~المشرك أو اقتلوا عمرا واقتلوا خالدا ولو قال ذلك ثم قال لا تقتلوا زيدا ~~لكان ذلك ناسخا فكذلك ما ذكرنا # ومنها أن الخاص المتقدم يتأتى نسخه والعام يمكن أن يكون ناسخا له فكان ~~ناسخا والدليل على أنه يمكن أن يكون ناسخا لأنه يتناول ما تناوله الخاص مع ~~الثانى وهو متأخر فينسخه # واستدل من قال بوقوع التعارض بين الخاص والعام أن العام قد تناول ما ~~تناوله الخاص وزيادة فتناوله لتلك الزيادة لا يؤثر فى تناوله لما تناوله ~~الخاص وإذا كان كل واحد منهما متناولا لما تناوله صاحبه وجب أن يكونا ~~متعارضين كالخاص والخاص والعام والعام وهذا لأن تناول العام لزيادة تجرى ~~مجرى خبر آخر تناول تلك الزيادة ولو كان كذلك لم يؤثر فى تعارض هذين فى هذا ~~الشىء الواحد فثبت أنهما متعارضان كالخبرين جميعا وفى ترك بناء العام على ~~الخاص استعملا للخبر العام وتركا للخاص PageV01P200 لأن فى القول ببناء ~~العام على الخاص ترك العام لأن العام لاستيعاب كل ما يتناوله فإذا بنى على ~~الخاص ومعنى بناء الخاص على العام أنه يجعل كأنه لم يتناول ما ورد به الخاص ~~فقد تركتم العام لأن فى ترك القول بالاستيعاب ترك القول بالعموم فاستوى ~~الجانبان من هذا الوجه # وأما حجتنا فتقدم الدليل فى أن القول ببناء العام على الخاص واجب على ~~الجملة # فنقول كل واحد من العام والخاص دليل يجب العمل به فلا يجوز إطراحهما إذا ~~أمكن استعمالهما # والقول ببناء العام على الخاص استعمال لهما جميعا وهو استعمال الخاص فيما ~~يتناوله بصريحه واستعمال له فيما وراء ما تناوله الخاص # وعلى هذا بطل القول بالتعارض لأن فى القول بالتعارض إنما ترك العمل بهما ~~أو ترك العمل بالخاص فثبت أن القول ببناء العام على الخاص متعين # فإن قالوا لم لا تقولون بأن أحدهما ينسخ الآخر # قلنا لا يمكن القول بالنسخ إلا بعد معرفة التاريخ وهذا الدليل فى بناء ~~العام على الخاص فى الجملة وهو إذا لم نعرف تاريخ ما بين الخطابين أو ms151 كان ~~العام متقدما والخاص متأخرا # فأما إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فسنبين القول فيه # ببينة أنه لو كان بدل الخاص قياس لبنى العموم عليه والخبر الخاص آكد من ~~القياس وأقوى فلأن بنى عليه العام أولى # وأيضا فإن العام والخاص لو وردا معا يبنى العام على الخاص فكذلك إذا وردا ~~ولم يعلم تاريخ ما بينهما لأن الأصل إن كان شيئين وجدا معا ولم نعلم تاريخ ~~ما بينهما يجعل كأنهما وجدا معا كمسألة الغرقى والهدمى إذا لم يعلم وقت موت ~~واحد منهم يجعل كأنهم ماتوا معا حتى لا يحكم بالميراث لواحد منهم من صاحبه ~~وإن كان بينهما سبب يوجب الإرث # وهم ربما يعترضون على هذا فيقولون لما اشتبه حال الميتين لم يورث أحدهما ~~من الآخر فكذلك إذا اشتبه حال الخبرين وجب أن لا يعترض بأحدهما على الآخر ~~وأن يرجع إلى أمر آخر # والاستدلال فيما قصد بالاستدلال به قائم # وهذا لا يوجب مغمزا فيه # وأما الدليل فى أن العام المتأخر لا ينسخ الخاص المتقدم هو أن الخاص ~~معلوم دخول ما تناوله تحته ودخول ذلك تحت اللفظ العام مشكوك فيه والعلم لا ~~يترك بالشك # وهم يقولون على قولكم هذا إن دخوله تحت اللفظ العام مشكوك فيه ليس بذلك ~~بل تناوله إياه ولما سواه حتى يتم الاستيعاب معلوم أيضا لأنه صيغة موضوعة ~~للاستيعاب لغة وشرعا فكيف يقع PageV01P201 الشك فى تناوله لما ينسحب عليه ~~الاستيعاب # ونحن نقول المعنى بما ذكرناه من الشك هو أنه يحتمل أنه لا يتناوله والخاص ~~لا يحتمل أن لا يتناوله # وهذا مسلم # ونقرر هذا الدليل بوجه آخر وهو المعتمد فنقول الخبر العام يتناول ما ~~تناوله الخاص على ما زعموا ولكن لا تعارض فى هذا التناول لأن الخاص يتناوله ~~بصريح لفظه من غير أن يكون فيه احتمال أن لا يتناوله وأما العام فيتناوله ~~لا بصريح لفظه بل بظاهر عمومه ويحتمل ألا يتناوله وإذا لم يستويا فى ~~التناول لم يقع التعارض فوجب القضاء بما له الترجيح # وإذا رجحنا سقط النسخ وتصور صورة ليكون ms152 الكلام أوضح فنقول قول القائل لا ~~تقتلوا اليهود يمنع من قتلهم أبدا # وقوله من بعد اقتلوا الكفار يوجب قتلهم فى حالة من الحالات # والقول الأول يمنع من قتلهم فى تلك الحالة وإذا تمانعا على هذا الوجه ~~والخاص أخص باليهود وأقل احتمالا وجب القضاء به والكلام الوجيز فى هذا ~~الدليل أن القول بالنسخ من غير دليل على النسخ باطل والقول بترجيح الخاص ~~على العام فيما تناولاه مانع من قيام دليل النسخ # وأما الجواب عن كلامهم # وأما الأول قلنا لو جعلنا الجملة كالآحاد المذكورة واحدا واحدا لا متنع ~~تخصيص كل عموم فى العالم كما ذكروا واحدا واحدا لم يجز تخصيص واحد منهم من ~~الأعداد المذكورة ثم نقول اللفظ العام يجرى مجرى الآحاد المذكورة واحدا ~~واحدا فى أصل التناول ولا يجرى مجراها فى امتناع دخول التخصيص عليه # ألا ترى أن اللفظ الذى يذكر فيه الأعداد واحدا واحدا لا يجوز أن يخرج شىء ~~منه بالتخصيص بخلاف اللفظ العام # وأما دليلهم الثانى قلنا مجرد احتمال النسخ لا يدل على النسخ وكذلك ~~المتأخر وعلى أنه كما أن الخاص المتقدم يحتمل أن ينسخ فالعام المتأخر يحتمل ~~أن يخص فلم يكن أحدهما أولى من الآخر وعلى أنا بينا الدليل المانع من النسخ # وقولهم إن المتأخر دليل النسخ # قلنا وهل نوزعتم فى هذا الموضع إلا فى هذا # وأما اعتراضهم على دليلنا بقولهم إن فى بناء العام على الخاص بترك القول ~~بالعموم PageV01P202 # قلنا لا فإنا عملنا بالعموم وراء المخصوص # وقولهم إن الصيغة للاستيعاب # قلنا إذا لم يقم دليل على التخصيص وها هنا قد قام # وهذا لأن التخصيص بيان يتصل بالخطاب فيظهر أن الخطاب بالعموم صدر متناولا ~~لما وراء المحل المخصوص # فإن قالوا كيف ثبت اتصال البيان بشىء متقدم على الخطاب ولو جاز هذا لجاز ~~الاستثناء متقدما على المستثنى منه # قلنا وأى شىء يمنع من أن يكو بيان الخطاب وتخصيصه بسبب متقدم # ألا ترى أن دليل العقل يجوز به تخصيص العموم وإن كان متقدما على العموم # وقد سبق ذكر ذلك وبيان ms153 مثاله # أما الاستثناء فكلام تكلم به أهل اللغة وهم لم يتكلموا بالاستثناء ~~المتقدم على المستثنى منه وعلى أن عندنا يجوز ذلك # وقد ذهب إليه كثير من الأصحاب وسنبين وروده # أما الكلام الأخير الذى ذكره ففيما قلنا جواب عنه # وقد بينا ترجيح التناول فى هذا الجانب والمرجوح لا يعارض الراجح ولم ~~يستعمل فى هذه المسألة بإيراد الأمثلة فى المواضع التى أجمع الفقهاء فيها ~~ببناء العام على الخاص لأنهم يقولون قد ورد أيضا بناء الخاص على العام وهو ~~قوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين @QE@ البقرة 180 فهذا خاص فى الوالدين والأقربين ومع ~~ذلك بنى على عموم قوله لا وصية لوارث والجواب عن هذا سهل والاعتماد على ما ~~سبق والله أعلم # وأما إذا تعارض خطابان أحدهما خاص من وجه عام من وجه والآخر عام من وجه ~~خاص من وجه وتنافيا فى الحكم الذى ابتنى عليهما فلا بد من التوقف حتى يظهر ~~المرجح # وأمثال هذا كثيرة وتوجد فى قوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ~~وقد ورد فى PageV01P203 معارضة نهيه عليه السلام عن قتل النساء وأحدهما خاص ~~فى النساء عام فى الحربيات والمرتدين والآخر خاص فى المرتدين عام فى النساء ~~والرجال فينبغى أن يطلب فى هذا الموضع الترجيح لأحدهما على الآخر # وقد ذكر الأصحاب وجوها من الترجيح سترد من بعد بمشيئة الله تعالى # فصل إذا ورد عقيب العموم تقييد بالشرط أو باستثناء أو صفة أو حكم وكان ~~ذلك لا يتأتى إلا فى بعض ما تناوله العموم فالمذهب أنه لا يجب أن يكون ~~المراد بالعموم تلك الأشياء فقط # وذهب بعض الأصوليين إلى التوقف وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب ~~المعتمد # ومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى @QB@ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون @QE@ البقرة 273 وقوله ~~@QB@ إلا أن يعفون @QE@ يتناول الكبيرة العاقلة # وأول الآية عام فى الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة # ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى @QB@ يا أيها ms154 النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن @QE@ إلى أن قال @QB@ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~@QE@ الطلاق 1 تعنى الرغبة فى مراجعتهن وهذا خاص فى الرجعة وأول الآية عام ~~فى الرجعية والبائنة # ومثال التقييد بحكم قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ~~@QE@ ثم قال @QB@ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا @QE@ # وهذا لا يكون إلا فى الرجعية أيضا # وأول الآية عام فى البائنة والرجعية # ومثال الشرط قوله تعالى @QB@ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن @QE@ الطلاق 4 فقوله تعالى @QB@ إن ~~ارتبتم @QE@ خاص وقوله @QB@ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم @QE@ عام ~~والتقدير واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر وإن ارتبتم ~~فالأول على عمومه وإن عقبه بشرط يخص البعض دون البعض PageV01P204 # ووجه ما ذكرنا أن اللفظ العام يجب إجراره على عمومه إلا أن يضطرنا شىء ~~إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله فإن ادعى ~~المخالف لهذا ضرورة وقال إن الكناية ترجع إلى جميع ما تقدم لأن قوله تعالى ~~@QB@ إلا أن يعفون @QE@ معناه إلا أن يعفوا النساء اللوائى طلقتموهن ولو أن ~~الله تعالى صرح بذلك دل ذلك أن النساء المذكورات فى أول الكلام هن اللوائى ~~يصح منهن العفو # ألا ترى أن من قال من دخل الدار من عندى ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك ~~إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن نقول إلا أن يتوب عبيدى الداخلون الدار # والجواب أن هذا كله لا يوجب ضرورة لأن الضرورة المخصصة هى وجود التنافى ~~بين ظاهر العموم وبين الدليل المخصص # ومعلوم قطعا أنه لا ضرورة فى مثل هذا فى مسألتنا لجواز أن يريد المخاطب ~~الاستيعاب من أول الآية ثم يعقبه باستثناء أو صفة تخص تعيين من أريد ~~بالاستيعاب # وهذا غير ممتنع بوجه ما فلم تثبت المنافاة وإذا لم تثبت المنافاة يظل ~~التخصيص وأجرى الكلام الأول على عمومه # وقد قال من يقول بالوقف إن هذا العموم المقدم يقتضى الاستغراق فظاهر ~~الكناية يقتضى ms155 الرجوع إلى كل ما تقدم فليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ~~ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم # وإذا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر وجب التوقف # والجواب عن هذا بالطريق الذى سبق # وهذا لأن اللفظ الأول ظاهر فى العموم وما نرى لما ذكروا من الكناية ظاهرا ~~يمكن التوقف فى الظاهر الأول مسألة # المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما فى المعطوف عليه بل ~~إنما يضمر مما فى المعطوف عليه بقدر ما يفيد ويستقل به # وعند أصحاب أبى حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره # ومثال هذا الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو ~~عهد فى عهده فعندنا يضمر ولا يقتل ذو عهده على معنى المنع من القتل وعندهم ~~يضمر ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر فعلى هذا قالوا إن الكافر الذى لا يقتل ~~به ذو العهد هو الحربى فيكون قوله PageV01P205 لا يقتل مؤمن بكافر المراد ~~به الحربى # واستدل من ذهب إلى هذا فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل ~~مؤمن بكافر وعطف على ذلك قوله ولا ذو عهد فى عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد ~~يقتل بالذمى ولا يقتل بالكافر الحربى فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه ~~بكافر حربى لأن المضمر فى المعطوف هى المظهر فى المعطوف عليه فإذا كان ~~المضمر فى المعطوف مخصوص فى الحربى فيجب أيضا تخصيص المعطوف عليه بالحربى # قالوا ولا يجوز أن يقال إن الكلام يفيد ويستقل بإضمارنا قوله ولا يقتل ~~فلا يزاد عليه لأن الإضمار لا يقف على ما يستقل عليه الكلام بل يضمر فيه ~~جميع ما سبق # ألا ترى أن الإنسان لو قال لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى كان معناه ~~ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط # وإن كان يستقل به # وكذلك لو قال رجل لغيره لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز كان ~~معناه ولا تشتر الخبز ms156 بالدراهم الصحاح وإنما كان كذلك لأن العطف يفيد ~~اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكم المعطوف عليه وحكم المعطوف عليه فى ~~المثال الأول المنع من القتل بالحديد لا المنع من القتل أصلا # وفى المثال الثانى حكم المعطوف عليه هو المنع من شراء الخبز بالدراهم ~~الصحاح لا المنع من الشراء بالدراهم على الإطلاق لأن المنع من الشراء على ~~الإطلاق غير مذكور فلا يتصور فيه مشاركة كذلك هاهنا المنع من القتل ابتداء ~~غير مذكور فلا يتصور المشاركة فيه # ودليلنا فى أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يستقل به ويفيده ~~وهذا لأن فقد استقلاله وعدم فائدته أوجب الإضمار فلا يجب من الإضمار إلا ~~قدر ما يستقل به ويفيده # ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد فى عهده يستقل ويفيد بإضمارنا قوله ولا يقتل ~~فلا يراد لأنه تكون الزيادة إضمارا من غير حاجة إلى الإضمار # يدل عليه أنا إذا أضمرنا الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده حتى يكون ~~معناه وال يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم وجب بدليل أن يكون ذلك مخصوصا فى ~~الحربى ولم يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوص فى الحربى # ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لو صرح وقال لا يقتل مؤمن بكافر ولا ~~ذو عهد فى عهده بكافر ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص فى الحربى لم يجب أن ~~يكون أول الكلام مخصوصا فى الحربى فإذا قام مثل هذه الدلالة يكون معنى ~~الأول لا يقتل مؤمن بكافر PageV01P206 بحال ومعنى الثانى ولا يقتل ذو عهد ~~فى عهده بكافر ثم قام الدليل أن المراد من الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى ~~عهده كافر حربى وهذا غير مستنكر ولا مستبدع فجاز الحمل عليه كما يجوز إذا ~~ظهر وقام الدليل # قالوا إن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكمه وحكمه هو الذى ~~عناه المتكلم بلفظه وإذا زاده دون ما لم يعنه # فلو كان الكافر المذكور فى المعطوف عليه عاما وفى المعطوف خاصا لم ms157 يجعل ~~العطف مفيدا اشتراكهما فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم ~~وبآخره الخصوص # قالوا وليس كما لو أظهر وقام الدليل لأن الثانى يصير بمنزلة كلام مبتدأ ~~وهاهنا لا يمكن أن يجعل بمنزلة كلام مبتدأ لأنه غير مستقل بنفسه # واعترضوا على الكلام الأول بما ذكرنا فى دليلهم # والجواب أن الواو يوجب العطف فى اللفظ وجعلنا المعطوف والمعطوف عليه ~~مشتركين فى قوله لا يقتل وإذا اشتركا فى هذا اللفظ أفاد العطف فائدته من ~~الاشتراك ثم بعد ذلك يكون الحكم بحسب ما يقوم عليه الدليل صار هذا كما لو ~~أظهر قوله ولا يقتل ذو عهد فى عهد بكافر ثم قام الدليل أن المراد بالكافر ~~فى قوله ولا ذو عهد فى عهده هو الحربى فلا يوجب ذلك أن يكون المراد لا يقتل ~~مؤمن بكافر هو الحربى فقد جاز هذا الاختلاف مع وجود الواو العاطفة وكان ~~العطف مفيدا للاشتراك فى قوله ولا يقتل وإن اختلف الاختلاف الذى ذكرناه # وقوله أن ذلك مبتدأ # قلنا إنما جعله مبتدأ لأنه يستقل بنفسه وهاهنا إذا أضمرنا مما سبق قوله ~~لا يقتل قد استقل فلا معنى لإضمار الزيادة # فإن قيل المتكلم إنما يقصد بالعطف اشتراكهما فى الحكم الذى قصده دون ~~العطف # قلنا ولم فهل الخلاف إلا فى هذا فعندنا يجوز أن يكون قصده اشتركهما فى ~~اللفظ المذكور دون حكم المقصود # فإن قيل كيف يقصد لفظا بلا معنى # قلنا صح القصد إلى الاشتراط فى اللفظ وصار بمنزلة المصرح به ثم كل يفيد ~~فائدته وهذا لأن كلا الكلامين لم يخل عن فائدته # ويمكن أن يجاب عن كلامهم الأول فيقال إن الكلام كان يكون صحيحا على ما ~~ذكروا أن لو كان قال ولا ذو عهد واقتصر عليه فلما قال فى عهده وجب أن ~~PageV01P207 يفيد هذه الزيادة فائدة محدودة وليس ذلك إلا المنع من قتله ~~ابتداء لعهده # ونظير هذا أن لو قال القائل لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى ~~الأشهر الحرم # كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم ms158 أصلا ~~ولا يكون ولا تقتلوا النصارى فى الأشهر الحرم بالحديد # ببينة أنه لو قال بدل قوله ولا ذو عهد فى عهده ولا رجل فى عهده لا قتضى ~~أن لا يقتل رجل فى عهده بحال ليكون قوله فى عهده يفيد فائدة محدودة كذلك فى ~~قوله ولا ذو عهد فى عهده يكون المعنى هذا أيضا # واعلم أن الكلام للخصم ظاهر جدا # وهذا الذى قلناه غاية الوضع وتمشيته ممكنة # والكلام الذى ذكرناه من قبل أحسن فى التمشية # وقد ذكرنا فى الخلافيات أن الخبر قد صح وروده مطلقا برواية على رضى الله ~~عنه من غير هذه الزيادة واحتجاجى فى مسألة قتل المسلم بالذمى وعند ذلك لا ~~نحتاج إلى الخوض فيما قلنا # والله أعلم # | فصل # إذا خرج الخطاب فى العموم مخرج المدح أو الذم كقوله تعالى @QB@ قد أفلح ~~المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون @QE@ المؤمنون 1 2 إلى قوله @QB@ ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين @QE@ ~~المؤمنون 5 6 فعموم هذا يقتضى مدح كل من حفظ فرجه إلا على زوجته أو ما ملكت ~~يمينه ويدل أن من وطىء زوجته أو ما ملكت يمينه لم يكن مذموما فهل يصح دعوى ~~العموم فى هذا # أولا اعلم أنه لا خلاف على المذهب أنه إذا عارض هذا اللفظ خطاب عام لم ~~يقصد به المدح أو الذم فإنه يخصه ويقصره على المدح والذم ولا يحمل على ~~عمومه بل يقضى بعموم ذلك الخطاب عليه # ومثل هذا ما قلناه فى قوله @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم @QE@ النساء ~~23 فهذه الآية قصد بها بيان الأعيان المحرمات ذوى العدد وقوله @QB@ فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء @QE@ النساء 3 قصد بها بيان العدد وظاهرها يقتضى ~~إباحة العدد المذكور سواء كان من الأعيان المحرمات أو من غيرهن إلا أنا ~~قضينا بتلك الآية التى قصد بها بيان الأعيان المحرمات على الآية الأخرى ~~التى لم يقصد بها بيان الأعيان المحرمات وإنما قصد بها بيان العدد كذلك هذا ~~مثله # وأما إذا تجرد اللفظ الواحد على ms159 سبيل المدح أو الذم ولم يعارضه لفظ الخبر ~~فهل PageV01P208 يصح ادعاء العموم فيه أم لا اختلف أصحابنا فى ذلك فمنهم من ~~قال لا يصح ادعاء العموم بل يقتصر على بيان المدح والذم فحسب لأنه إنما قصد ~~به مدح من حفظ فرجه وذمه إذا لم يحفظه لا أنه قصد به بيان الحكم حتى يدعى ~~عمومه # والمذهب الصحيح أنه يصح ادعاء العموم فى ذلك # فعلى هذا يصح ادعاء العموم فى هذه الآية التى ذكرناها ويصح أيضا ادعاء ~~العموم فى قوله تعالى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله @QE@ التوبة 34 وإن كان قصد بالآية الذم لمن كنز المال # والدليل على دعوى صحة العموم فى ذلك ما روى عن عثمان رضى الله عنه أنه ~~قال فى الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية وعنى بآية التحليل ~~قوله تعالى @QB@ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ المؤمنون 6 فقد ~~حمل الآية على العموم مع أن القصد كان هو المدح لمن حفظ فرجه عن الحرام لأن ~~اللفظ إذا ورد عاما فإنه يحمل على عمومه ولا يخص إلا بما يعارضه وينافيه # فأما الذى يماثله ولا ينافيه فلا يخصص PageV01P209 الآية به # وليس بين الخطاب العام وبين قصد المدح أو الذم بذلك منافاة فبطل تخصيصه ~~به ووجب حمل اللفظ على عمومه # ببينة أن المدح إنما كان مقصودا بالآية أو الذم لا مذكور فيها وهذه العلة ~~قائمة فى العموم لأن اللفظ عام والعموم مذكور فوجب كونه مقصودا وليس يمنع ~~القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما # | فصل # هذا الذى ذكرناه هو بيان تخصيص العموم بالدليل المنفصل # فأما تخصيص العموم بالدليل المتصل فنقول # الدليل المتصل أربعة استثناء وغاية وشرط وتقييد # فأما تخصيص العموم بالاستثناء # فاعلم أن الاستثناء هو لفظ على صيغة إذا اتصل بالكلام أخرج منه بعض ما ~~كان داخلا فيه وقد حده بعض المتكلمين بأنه إخراج جزء من كل # والأول أحسن وهو مأخوذ من قولهم ثنيت زيدا عن رأيه إذا ms160 أرددته عنه # وتقول اثنيت عما كنت عليه إذا رددت نفسك عن شىء كنت عليه وثنيت العود إذا ~~رددته عن عوجه وثنى الثوب ما عطف وكف من أطرافه # ولا يصلح الاستثناء إلا إذا كان بالمستثنى منه فإذا انفصل منه بطل حكمه # وهو قول كافة أهل اللغة وجمهور أهل العلم وليس يعرف فيه خلاف إلا ما حكى ~~على جهة الشذوذ عن ابن عباس أنه جوزه منفصلا وأجراه مجرى بيان المجمل ~~وتخصيص العموم # وقيد زمان الجواز ببينة فإن استثنى بعدها بطل # وعن بعض التابعين أنه جوز فى المجلس ولم يجوز إذا فارق المجلس ~~PageV01P210 # وقيل إنه قول الحسن وطاوس وعطاء وحسبك فى الدليل اتفاق أهل اللغة أن ~~المنفصل لا يكون استثناء # وأيضا فإنه غير مفهوم لأن من قال رأيت بنى تميم ثم قال بعد شهر أو سنة ~~إلا زيدا لم نفهم منه الاستثناء # وهذا لأن قوله إلا زيدا أو إلا كذا كلام مبتور وتعلقه بالمستثنى منه ~~كتعلق الخبر بالمبتدأ وكتعلق الإجزاء بالشرط فإنما يفهم عند اتصاله بالأول ~~ويستقبح مع انفصاله # ولأنا لو جوزناه منفصلا لم يوثق بيمين ولم يقع طلاق ولا عتاق على وجه ~~الثبات وكذلك لم ينعقد عقد على هذا الوجه وهذه طامة كبيرة ومخرقة عظيمة # وأما قول ابن عباس فلا يكون حجة مع مخالفة أهل اللغة ولعل الآفة من ~~الراوى والخطأ من الناقل # | فصل # ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تأخر عن أو تخلله # فنقول إذا تقدم رأيت إلا زيدا جميع بنى تميم كما يقول إذا تأخر رأيت بنى ~~تميم إلا زيدا # ومنه قول حسان بن ثابت رضى الله عنه # ( الناس ألب علينا فيك ليس لنا % إلا السيوف وأطراف القنا وزر ) # فقد استثنى السيوف والقنا من الوزر وتقديره ليس لنا وزر إلا السيوف ~~وأطراف القنا # ونظير هذا قول الكميت # ( وما لى إلا آل أحمد شيعة % وما لى إلا مشعب الحق مشعب ) # وتقديره ما لى شيعة إلا آل أحمد وما لى مشعب إلا مشعب الحق # | فصل # ويجوز أن يخرج بالاستثناء أكثر ms161 الجملة وأقلها # وقد شذ بعض أهل اللغة فمنع من استثناء أكثرها واختاره الأشعرى وقيل إنه ~~قول أحمد بن حنبل PageV01P211 وقيل من ذهب إلى هذا أنه يستقبح أن يقول ~~الرجل لفلان على ألف إلا تسع مائة وتسعة وتسعين # والاستقباح يمنع من الاستعمال والمتروك استعماله متروك # ببينة أن الاستثناء لاختصار الكلام أو الاستدراك ويبعد كلاهما فى هذه ~~الصورة ولأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل ولأن المستثنى فرع ~~المستثنى منه ولا يجوز أن يزيد الفرع على أصله وهذا القول مدفوع بالكتاب ~~واللسان والمعنى # أما الكتاب قوله تعالى @QB@ قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ~~أو زد عليه @QE@ المزمل 2 4 وفى الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء ~~الأقل ولأن الله تعالى قال فى موضع @QB@ إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ ~~الحجر 4 وقال فى موضع @QB@ إلا من اتبعك من الغاوين @QE@ الحجر 42 فمرة ~~استثنى المخلصين ومرة استثنى الغاوين ولا بد أن أحد العددين يكون أكثر # وأما اللسان فقول الشاعر # ( أدوا التى نقصت تسعين عن مائة % ثم ابعثوا حكما بالعقل حكاما ) # وأما المعنى فهو أن حد الاستثناء ما قلناه وذلك الحد موجود فى استثناء ~~الأكثر والأقل على وجه واحد كالتخصيص # فإذا جاز جريان التخصيص فى أكثر ما دخل تحت العموم فكذلك الاستثناء # وأما دعوى الاستقباح فغير مسلم وإنما هو استثناء وليس باستقباح # وأما استثناء الجميع فإنما لم يجز لأنه تخصيص والتخصيص يجرى فى البعض لا ~~فى الكل ولأن استثناء الكل من كلامه نقص لكلامه وإسقاط لفائدته بخلاف ~~استثناء PageV01P212 الأكثر فافترقا # والذى قالوا من الفرع والأصل فليس بشىء لأنهم إن عنوا بالفرع أنه لا صحة ~~له إلا به فيبطل بالتخصيص وعلى أن الفرع قد يزيد على الأصل بدليل الحسيات ~~والأمثال تكثر # | فصل # وأما ألفاظ الاستثناء فالمستولى على الكل استعمالا هو كلمة إلا ثم تليها ~~ما يقل استعماله وهو سوى وعدا وحاشا وخلا وجميعها فى حكم الاستثناء سواء ~~مسألة # اختلف أهل اللغة وأهل الفقه فى الاستثناء من غير الجنس # فمنعت منهم طائفة من طريق ms162 اللفظ والمعنى جميعا وهو قول كثير من أصحاب ~~الشافعى # وهؤلاء جعلوه لغوا # وقالت طائفة يجوز الاستثناء من غير الجنس لفظا ومعنى # وقال بعضهم يصح من طريق المعنى دون اللفظ إذا كان معنى الجنس يتفقان من ~~وجه فيكون الاستثناء على هذا عائدا إلى المعنى المتجانس لا إلى اللفظ ~~المختلف فيقول لفلان على ألف درهم إلا دينار فيستثنى من الألف بقيمة ~~الدينار # وهذا القول هو الأولى بمذهب الشافعى رحمه الله وهو قول المحققين من ~~الأصحاب # واحتج من جوزه على الإطلاق بقوله تعالى @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~إلا إبليس @QE@ الحجر 30 31 قال وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله ~~تعالى @QB@ إلا إبليس كان من الجن @QE@ الكهف 50 وتعلق أيضا بقوله تعالى ~~@QB@ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين @QE@ الشعراء 77 وبقوله تعالى @QB@ لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما @QE@ الواقعة 25 26 ~~وبقوله تعالى @QB@ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن @QE@ النساء 157 # وتعلقوا بقول النابغة فى القصيدة المشهورة # ( وقفت فيها أصيلانا أسائلها % عيت جوابا وما بالريع من أحد ) # ( إلا أوارى لأياما أثبتها % والنوى كالحوض بالمطلومة الجلد ) ~~PageV01P213 # وقال غيره # ( وبلدة ليس بها أنيس % إلا اليعافير وإلا العيس ) # فاستثنى الأوارى فى الأول من قوله وما بالريع من أحد وفى الثانى استثنى ~~اليعافير وهى الظبا والعيس وهى الإبل من الأنيس # وحكى سيبويه عن العرب ما رأيت اليوم أحدا إلا حمارا أو ثورا # وأما حجة من لم يجوزه على الإطلاق فظاهر وقالوا الدليل عليه أن الاستثناء ~~إخراج بعض ما دخل فى الجملة وغير الجنس غير داخل فى الجملة فلا يصح ~~استثناؤه منها لأن غير الداخل لا يتخيل استخراجه كما أن غير الخارج لا ~~يتخيل إدخاله ولأنه أحد ما يخص به العام فلم يصح فيما لم يدخل فى العموم ~~كالتخصيص بغير الاستثناء ولأنه يقبح أن تقول جاءنى الناس اليوم إلا الكلاب ~~أو رأيت الحمير إلا الناس ومن قال هذا من أهل اللغة كان ملغزا فى الخطاب ~~عادلا عن تبيين الصواب وهذا لأن الاستثناء ms163 مع المستثنى منه يكون صحتها ~~وارتفاع أحدهما بالآخر بنوع من التمانع والتدافع ولهذا يقال إن الاستثناء ~~من المنفي إثبات ومن الإثبات نفى وإنما يتصور التمانع والتدافع والتنافى فى ~~الجنس الواحد لأن اللفظ الأول يدخله والثانى يخرجه فيقع التنافى وأما في ~~غير الجنس فلا يتصور هذا فإن اللفظ الأول إذا لم يتناوله بالإدخال فلا يكون ~~الثانى مخرجا ولا يقع التنافى والتمانع فثبت أن الاستثناء حقيقة لا يكون ~~إلا من الجنس # وأما الذى تعلقوا به # أما الآية الأولى فالصحيح أن إبليس كان من الملائكة ولهذا تناوله الأمر ~~بالسجود ولو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود # وأما قوله تعالى @QB@ كان من الجن @QE@ الكهف 50 فقد قيل كان من قبيلة من ~~الملائكة يسمون الجن وعلى أن جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز والكلام فى ~~الحقيقة # وأما المذهب الثالث وهو صحة الاستثناء من طريق المعنى فهو المختار على ~~مذهب الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه نفى ما قلناه إن الاستثناء من غير ~~جنس المستثنى منه لا يكون حقيقة لأن هذا الذى ادعيناه راجع إلى اللفظ وهو ~~على ما ذكرناه وإنما جوزنا الاستثناء حين جوزناه من طريق المعنى وسبب جوازه ~~اتفاق معنى الجنسين من وجه فيصير الاستثناء له إلى المعنى المتجانس لأن ~~اللفظ مختلف # ولهذا قال الشافعى لو قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا أو مائة دينار ~~إلا ثوبا PageV01P214 فيكون مستثنى بقيمة الدينار أو الثوب ولا يصح هذا ~~المذهب إلا إذا صححنا الاستثناء على الوجه الذى قلناه وأما أبو حنيفة فقد ~~ناقض وقال إذا قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا يجوز وكذلك إذا استثنى ~~الحنطة أو الشعير قال ولو استثنى الثوب لا يجوز وهذا تفريق لا يعرف # وقد ذكروا فرقا ذكرناه فى مسائل الخلاف وأبطلناه عليهم # وأما إذا استثنى من زيد وجهه ومن الدار بابها فاختلف الأصحاب أنه استثناء ~~الشىء من جنسه أو من غير جنسه والصحيح أنه من جنسه لأن وجه زيد جزء من زيد ~~مثل الواحد جزء من العشرة ms164 وكذلك وجه الدار جزء منها فصار كما ذكرنا # والله أعلم مسألة # إذا تعقب الاستثناء جملا قد عطف بعضها على بعض يرجع إلى الجميع # وقال أصحاب أبى حنيفة يرجع إلى ما يليه من الجمل # وقالت الأشعرية هو موقوف على الدليل وقد خبط بعض أصحابنا فى هذه المسألة ~~حتى أداه خبطه إلى العدول عن مذهب الشافعى إلى مذهب الخصم وقال إنما ينعطف ~~الاستثناء على كلام يجتمع فى غرض واحد # فأما إذا اختلفت المقاصد فى الجمل وكل جملة منها مستقلة بمعناها لا تعلق ~~لها بما بعد فالاستثناء يرجع إلى ما يليه من الجمل # وزعم أن الواو فى مثل هذا الموضع لاسترسال الكلام وحسن بظنه ولا يكون ~~PageV01P215 للعطف # ثم زعم إذا قال وقفت على بنى فلان دارى وحبست على بنى فلان ضيعتى وجعلت ~~على خدمى وموالى بهيمتى إلا أن يفسق منهم فاسق ولا يظهر اختصاص الاستثناء ~~فى هذه الصورة بالجملة الأخيرة ولا يظهر أيضا انعطافه على الجمل أيضا فيكون ~~الأمر موقوفا على المراجعة والبيان منه قال والسبب فى هذا أن ميثاق الخطاب ~~فى الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة فى الذكر على معنى أن كل جملة مستقلة ~~بنفسها # فيجوز أن يعود الاستثناء إلى ما يليه ويجوز أن يرجع إلى جميع الجمل فوجب ~~التوقف إلى أن يأتى البيان ويقوم الدليل على واحد من الأمرين # وعندى أن الأولى أن يقال إنه إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض ولم يكن فى ~~المذكور إجراما يوجب إضرابا عن الأول وصلح رجوع الاستثناء إلى الكل فإنه ~~يرجع إلى الكل # وممكن أن يعبر عن هذا فيقال إذا لم يكن الثانى خروجا من قصة إلى قصة أخرى ~~لا يليق بالأول ونظير هذا أن نقول اضرب بنى تميم والأشراف هم قريش إلا أهل ~~البلد الفلانى وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق ~~بالآخر أو أحدهما قصة والآخر قصة أخرى هل أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا ~~شىء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى ms165 نوع آخر من الكلام ~~وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب ~~والاستثناء ينصرف إلى ما يليه وعلى هذا قيل أيضا إذا قال أكرم ربيعة واضرب ~~بنى تميم إلا الطوال منهم ينصرف إلى ما يليه أيضا # وقد ورد القرآن بانصراف الاستثناء إلى جميع المذكور وورد بانصرافه إلى ما ~~يليه PageV01P216 وورد فيه الخلاف فالأول قوله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله @QE@ إلى قوله @QB@ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم @QE@ المائدة 33 34 فهذا الاستثناء ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع # وقال تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ ~~إلى قوله @QB@ إلا أن يصدقوا @QE@ النساء 92 فهذا يرجع إلى أقرب ما يليه ~~وهو الدية ولا ينصرف إلى التحرير وإنما قوله تعالى @QB@ والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ إلى قوله ~~تعالى @QB@ إلا الذين تابوا @QE@ النور 4 5 فهذا موضع الخلاف وعندنا ينصرف ~~إلى جميع ما تقدم وعندهم ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى @QB@ وأولئك هم ~~الفاسقون @QE@ النور 4 فأما من قال أن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه من ~~الجمل المذكورة فاحتج بوجوه من الكلام # أحدها أن أول الكلام مطلق فله حكم إطلاقه وآخر الكلام مقيدا بالاستثناء ~~فله حكم تقييده وهذا كقوله تعالى @QB@ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ النساء 23 فقد انصرف هذا التقييد ~~إلى الربائب وبقى الأول على إطلاقه وهذا معنى ما روى عن الصحابة فى هذا ~~أبهموا ما أبهم الله # ببنية أن أول الكلام لما كان عاما والاستثناء المذكور فى آخر الكلام ~~يحتمل أن ينصرف إلى جميع ما تقدم ويحتمل أن ينصرف إلى ما يليه فلم يجز ~~إبطال صفة العموم عن أول الكلام بالشك وربما يقول إن أول الكلام عام فمن ~~ادعى تخصيصه فعليه الدليل كسائر العمومات # وحجة أخرى بأن الاستثناء إنما يرد إلى ما تقدم إذا كان لا يستقل بنفسه ~~لأنه إذا لم يستقل بنفسه لم ms166 يقدر فوجب تعليقه بما تقدم ليستقل ويفيد # ألا ترى أنه إذا استقل بنفسه لم يعلق بما تقدم # قالوا وإذا علقناه بالذى يليه فقد استقل وأفاد فلا يعلق بما زاد عليه لأن ~~تعليقه بما زاد على ذلك يجرى مجرى تعليق المستقل بنفسه بغيره لا من ضرورة # دليل آخر لهم قالوا الاستثناء من الجمل كالاستثناء من الاستثناء وإذا كان ~~الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يفتقر فى إثبات استقلاله إلى ~~أكثر من ذلك فكذلك الاستثناء من الجمل يكون كذلك # قالوا وليس هذا كما لو عقب الجمل بشرط حيث يرجع إلى جميع ما تقدم لأن ~~PageV01P217 الشرط وإن تقدم فهو فى معنى التقدم لوجوب تقدم الشرط على ~~الجزاء # والإنسان إذا قال اضرب ربيعة وبنى تميم إن قاموا معناه إن قام بنو تميم ~~وربيعة فاضربهم وليس كذلك الاستثناء الذى اختلفنا فيه لأنه ليس من حقه وجوب ~~تقديمه فلهذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم # قالوا وكذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى لأن لفظه لفظ الشرط ولأن من حق ~~الاستثناء بمشيئة أن يوقف جميع الجملة # وأما الاستثناء بإلا فيدخل على بعض دون البعض # ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن شاء الله لم يقع شىء ولو ~~قال لامرأته أنت طالق إلا ثلاثا لم يصح وإنما يصح إذا قال أنت طالق ثلاثا ~~إلا واحدة أو اثنين # وقد استدلوا بمسألة وهى أنه لو قال لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير ~~إلا دينارا ينصرف الاستثناء إلى ما يليه وإن كان يجوز الاستثناء للجنس من ~~غير الجنس على قول بعض # وقد قلتم إن الأصح جواز استثناء الجنس من غير الجنس من حيث المعنى ومع ~~ذلك فى هذه الصورة لم ترد فالاستثناء إلى جميع ما تقدم # وذكروا كلاما يختص بآية الرمى وقالوا إن الاستثناء لم ينصرف إلى جميع ~~المذكور بالإجماع إلا أنه لم ينصرف إلى الجلد ولو كان من حقه أن ينصرف إلى ~~جميع ما تقدم لانصراف إلى الجلد أيضا # ببينة أنه إذا لم ينصرف إلى جميع ms167 ما تقدم فمن حقه أن ينصرف إلى ما يليه ~~لأنه لا قائل يقول إنه لا ينصرف إلى ما يليه ولا ينصرف إلى جميع ما تقدم # وأما أبو زيد فقد سلك فى آية القذف مسلكا آخر وزعم أن رد الشهادة حد وقال ~~هو عقوبة مؤلمة مثل الجلد عقوبة مؤلمة وهو معطوف على الجلد ومفوض ذلك إلى ~~الإمام الذى يلى إقامة العقوبات فيكون فى حكمه وإذا كان عقوبة لم يسقط ~~بالتوبة # وزعم أن الواو هاهنا للنظم وليس للعطف والتشريك PageV01P218 # وأما دليلنا قال الأصحاب وربما نسبوا إلى الشافعى إن الجملة التى عطف ~~بعضها على بعض بواو العطف تجرى مجرى الجملة الواحدة لأن واو العطف فى ~~الأسماء المختلفة يقوم مقام واو الجمع فى الأسماء المتماثلة ولا فرق عند ~~أهل اللغة بين قولهم أكرم العرب إلا الطوال منهم وبين قولهم أكرم مضر ~~وربيعة وقحطان إلا الطوال منهم وكذلك لا فرق عندهم بين قوله اضرب بنى ربيعة ~~وتميما إلا الطوال وبين قولهم بنو تميم وربيعة اضربوهم إلا الطوال منهم # وإذا صار الجميع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكل # قالوا على هذا أن واو العطف تجرى مجرى واو الجمع فى اشتراك الاسمين فى ~~الحكم مثل قول القائل اضرب فلانا وفلانا أو أكرم فلانا وفلانا # أما من أين قلتم أنه يجرى مجرى واو الجمع فى انصراف الاستثناء إليها هذا ~~مجرد الدعوى ثم نقضوا ذلك بالجملتين المتباينتين وهو قوله أكرم ربيعة واضرب ~~بنى تميم إلا الطوال وإنما ينصرف الاستثناء إلى بنى تميم خاصة ثم قالوا فى ~~قوله ربيعة وبنو تميم اضربوهم إلا الطوال منهم إنما انصرف الاستثناء إليها ~~لأن الاستثناء ينفصل بقوله اضربوهم وفيه اسم الفريقين فينصرف الاستثناء ~~إليهما # وأما إذا قال اضرب بنى تميم وربيعة إلا الطوال فلم يتصل الاستثناء باسم ~~فيشمل الفريقين وقالوا أيضا إن الواو قد تكون للعطف وقد تكون للنظم على ما ~~بينا # ومعلوم أنه إذا قال الرجل أكرموا من يزورنا وقد حبست على أقاربى دارى هذه ~~واشتريت عقارى الذى تعرفونه من بيت فلان وإذا ms168 مت فأعتقوا عبيدى إلا الفاسق ~~منهم فإن الواو فى هذه المواضع يفيد أن يكون للعطف وجعل الجملة بمنزلة ~~الجملة الواحدة فدل أنها للنظم # وقوله إلا الفاسق ينصرف إلى ما يليه # الجواب أنا نقول إن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير بمنزلة الجملة ~~الواحدة إذا لم تكن فى الآخر ما يدل على الإضراب عن الأول لأنه إذا لم يكن ~~إضرابا عن الأول فالإتيان بحرف العطف بين الجملتين والتعقيب بالاستثناء ~~الذى أصل رده إلى الكل يدل على أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول # والدليل على أنه لم يضرب عن الأول بالثانى أنه فى الخطاب أضاف إلى الحكم ~~الأول حكما آخر مبتنيا على السبب الأول وهذا فى آية القذف ظاهر PageV01P219 # ونظيره من الكلام قول القائل ادخل البلد الفلانى وسلم على بنى هاشم ~~واستأمرهم وكذلك يقول سلم على بنى تميم وربيعة # وبيان أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول إضافته إلى الاسم الأول لمعنى آخر ~~فصار الكلامان من هذا الوجه مع حرف العطف كالجملة الواحدة فينصرف الاستثناء ~~إليها كما ينصرف إلى الجملة # وقولهم أن الواو للنظم # قلنا الأصل أن الواو للعطف والتشريك فإذا أمكن استعماله فى هذا لم يستعمل ~~فى غيره # يدل عليه أن صرف الاستثناء إلى بعض المذكور ليس بأولى من البعض بحق ~~الصيغة # ألا ترى أن كل واحد من الجملة المتقدمة يصح ذكرها موصولا بالاستثناء فإذا ~~جمع بين الكل فى الذكر وأتبعها بالاستثناء كان ابتدار الاستثناء إلى الكل ~~ابتدارا واحدا يوجب أن ينصرف إلى جميعها انصرافا واحدا وهذا كاللفظ العام ~~إذا ورد وجب إجراؤه على عمومه وسحبه على كل ما يصلح له نظمه لأن بعض ~~المسميات ليس بأولى من البعض إذ الكل يبتدر إلى اللفظ ابتدارا واحدا وهو ~~الذى قلناه هو المعتمد # ومعنى دليل آخر أن الاستثناء فى مسألتنا كالشرط والاستثناء بمشيئة الله ~~فى أنه لا يستقل بنفسه فلما وجب رجوع الشرط والاستثناء بمشيئة الله إلى ~~جميع ما تقدم فكذلك لفظ الاستثناء فى مسألتنا وهذا إلزام عظيم على الخصم # والعذر الذى ms169 قالوه فى نهاية الضعف لأنه يقال قولكم أن حق الشرط هو التقدم ~~هلا خصصتم الشرط بما يليه وقدرتموه تقدير المتقدم عليه على الخصوص حتى يكون ~~التقدير فى قوله اضرب بنى تميم وربيعة إن دخلوا الدار اضرب بنى تميم وإن ~~دخل الدار ربيعة فاضربهم # والحرف أنه ينبغى أن يتقدم الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى على ~~الجملة الأخيرة فثبت ما ذكروه من حق التقدم ولا ينصرف إلى جميع الجملة ~~المتقدمة # وأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم أن المطلق على إطلاقه والمقيد على ~~تقييده قلنا ومن يسلم أن الجملة الأولى مطلقة والثانية مقيدة وهذا لأنه ليس ~~واحدة منهما تخالف صاحبتها فى الإطلاق والتقييد بل الجمل كلها فى الصورة ~~مطلقة وفى المعنى مخصوصة بدليل قام عليه # وقوله إن الاستثناء يحتمل أن ينصرف إلى الجميع ويحتمل أن ينصرف إلى ~~الواحد الذى يليه فلا يثبت تخصيص ما يستيقن من الألفاظ المطلقة العامة ~~بالشك قلنا لا عام PageV01P220 هاهنا لأنا قد بينا أن الجميع قد صار بمنزلة ~~الجملة الواحدة فلأنه إن كان فى انصرافه إلى الجملة الأولى شك فكذلك فى ~~انصرافه إلى الجملة التى تليه شك أيضا لأنه يحتمل أن ينصرف الاستثناء إلى ~~ما تقدم ذكره ولا ينصرف إلى ما يليه # ألا ترى إلى ما روى فى بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس ~~على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة إلا صدقة الفطر وقوله إلا صدقة الفطر ~~ينصرف إلى الأول # وقال عامة أهل التفسير فى قوله تعالى @QB@ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا @QE@ النساء 83 أنه استثناء من قوله عز وجل @QB@ ~~وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ النساء 83 فهذا موضع الاستثناء ~~بقوله إلا قليلا # والجواب المعنوى أنه لاشك فى واحد من الردين سواء رد إلى ما يليه أو إلى ~~ما تقدم بل الموجود فى الكل احتمال الرد إليه وصلاحية الرجوع عليه وهذا ~~القدر كاف ms170 فى رد الاستثناء إلى المذكور # فإن قيل كيف تستوى الجملة الأولى والجملة الثانية وفى الجملة الثانية لم ~~يقع فصل بينهما وبين الاستثناء وأما فى الجملة الأولى قد وقع الفصل بينهما ~~وبين الاستثناء بالجملة الثانية ووقوع الفصل مانع من رد الاستثناء إليها # قلنا قد أجبنا عن هذا بقولنا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة ثم ~~نقول بجواز أن يقع فصل بين الكلامين بواو النسق ثم يرد الآخر منهما على ~~الأول دون ما يليه ويعطف عليه بإعرابه ما عداه كقوله تعالى @QB@ وأرجلكم ~~إلى الكعبين @QE@ المائدة 6 فمن قرأ بفتح اللام تسبق الأرجل على الوجه وقد ~~قطع بينهما ذكر مسح الرأس # وقال تعالى @QB@ ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم @QE@ الحجر ~~87 فقد فتح النون ورده بعد واو النسق على أول الكلام # ثم ينتقض هذا الذى ذكروه بالشرط والاستثناء بمشيئة الله # وأما قولهم إنه إنما يرد الاستثناء إلى ما سبق ليفيد # قلنا ينتقض هذا بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه غير مقيد ولا ~~مستقل بنفسه PageV01P221 وإنما يفيد إذا علق بما تقدم وقد أفاد بتعليقه بما ~~يليه دفع ذلك رجع إلى جميع ما سبق # وعلى أنا نقول إن هذا الذى قلتم يمنع أن يكون الرجوع إلى الجملة الأولى ~~بحق الإفادة ولا يمنع أن يرجع بدليل آخر يقوم عليه ونحن لا نرده إلى الجملة ~~الأولى للإفادة بل إنما رجع لدليل آخر قام عليه # وأما تعلقهم بالاستثناء من الاستثناء # قلنا إنما يرجع إليهما لأن العشرة إثبات والاستثناء منها يكون نفيا ~~والاستثناء من النفى يكون إثباتا ولو رجع الاستثناء إليها لكان نفيا ~~وإثباتا وهذا متضاد # فإن قيل قلتم رجع إلى الثانى دون الأول # قلنا لما رجع إلى ما يليه وأمكن ذلك وتعذر رجوعه إلى ما سبق للتضاد ~~الواقع فصرناه على ما يليه لأجل القرب اللفظى وأما هاهنا قد أمكن رجوعه إلى ~~كل ما سبق بما بيناه ولا تضاد ولا تنافى فرددناه إلى الجميع # وأما المسألة التى أوردوا من قولهم لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير ~~إلا ms171 دينارا # قلنا يحتمل أن يقال ينصرف إليهما جميعا ويحتمل أن ينصرف إلى الدنانير على ~~الخصوص لأن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه مجاز على ما سبق فإن كان ~~حقيقة معنى فهو مجاز لفظا لكان رده إلى ما يكون اللفظ فيه حقيقة أولى # وأما قولهم فى آية القذف فى أن التوبة لا تنصرف إلى الجلد قد أجبنا عنه ~~فى مسائل الخلاف # وكذلك عن طريقة أبى زيد والكلام فى ذلك بالفقه أقرب منه بأصول الفقه ~~فتركنا ذكره # والله أعلم # | فصل # قد ذكرنا تخصيص العموم بالاستثناء # وأما تخصيص العموم بالشرط # فهو موجب لتخصيص المشروط فيه إلا أن يقع موقع التأكيد أو غالب الحال ~~فينصرف بالدليل عن حكم الشرط وهذا مثل قوله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ ~~النساء 101 وليس PageV01P222 الخوف بشرط مخصص للفعل بحاله وإنما هو للتأكيد ~~كقوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~@QE@ النساء 23 وليس كونهن فى حجورهم بشرط مخصص وإنما ذكر لأنه أغلب ~~الأحوال # وإذا أوجب الشرط تخصيص المشروط فيه لم يثبت حكم المشروط إلا بوجود الشرط ~~فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه ومثال هذه الطهارة التى جعلها الله تعالى شرطا فى ~~صحة الصلاة بقوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ ~~المائدة 6 وكقوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة @QE@ @QB@ فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا @QE@ ~~PageV01P223 ) المجادلة 3 4 فجعل عدم الرقبة شرطا فى جواز الصيام وجعل ~~العجز عن الصيام شرطا فى جواز الإطعام وعلى هذا قوله تعالى @QB@ قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله @QE@ التوبة 29 أوجب إطلاق العموم استغراق ما انطلق ~~عليه اسم المشرك فى قتله ومثاله فإذا قال اقتلوا المشركين إن كانوا حربيين ~~وقاتلوهم حتى يعطوا الجزية إن كانوا كتابيين صار هذا الشرط مخصصا لعموم ~~الأسماء # واعلم أن من حق الشرط أن يكون مستقبلا لحكم مستقبل ولا يجوز أن يكون ~~ماضيا لحكم ماض ولا أن يكون ms172 مستقبلا لحكم ماض لأنه إذا قال لا أكرم زيدا ~~أمس إلا أن يقدم عمرو اليوم # امتنع اجتماع الشرط والمشروط لأنه إن أكرم زيدا بالأمس فهو قبل وجود ~~الشرط وإن لم يكرمه حتى يقدم عمرو فإن المشروط من إكرام زيد بالأمس # فلما امتنع اجتماعهما بطل حكم الشرط فبطل حكم المشروط # وأما إن كان الشرط ماضيا لحكم مستقبل كقوله إن كان زيد قدم فأكرم عمرا # فهذا على ضربين # أحدهما أن يكون الشرط قد وجد قبل الأمر فيكون المأمور مخاطبا بالأمر ~~المشروط ويكون الشرط الماضى تضليلا وليس بشرط فلا يخص به العموم لأنه لم ~~يتقدمه أمر يختص بالشرط # والضرب الثانى أن يكون الشرط لم يوجد فلا يجوز أن يتعلق الحكم بوجوده بعد ~~الأمر لأنه معقود على ماض وليس معقود على مستقبل # وأما تخصيص العموم بالغاية # فالغاية كالشرط فى تخصيص العموم بها مثل قوله تعالى @QB@ قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر @QE@ إلى قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون @QE@ التوبة 29 فجعل إعطاء الجزية غاية فى قتالهم قبلها والكف ~~عنهم بعدها فصارت الغاية شرطا مخصصا # وقد يتعلق الحكم المشروط بغاية وشرط فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط ~~مثل قوله تعالى @QB@ ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله @QE@ البقرة 222 فجعل انقطاع الدم غاية والغسل شرطا فصارا معتبرين فى ~~إباحة الإصابة PageV01P224 والتخصيص واقعا باجتماعهما ولا يقع بوجود أحدهما # وأما التخصيص بالتقييد # مثل قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ المجادلة 3 وكقوله تعالى ~~@QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ المجادلة 4 فلما قيد الرقبة بالإيمان ~~والصيام بالتتابع خص عموم الرقاب وعموم الصيام فلم يجز من الرقاب إلا ~~المؤمنة ومن الصيام إلا المتتابع وكان لولا التقييد الإجزاء بكل رقبة مؤمنة ~~كانت أو كافرة وكل صيام متتابعا كان أو متفرقا وصار التقييد الشرعى تخصيصا ~~لكل عموم ورد به السمع # ويجوز تقييد العموم بشرطين وأكثر وإذا زيدت شروط تقييده كان أضيق لتخصيص ~~عمومه ويجوز أن يجمع فى تقييد العموم بين شرط وصفة وغاية فإذا قال ms173 إذا قدم ~~زيد صحيحا إلى رمضان فأعط عمرا درهما كان قدوم زيد شرطا وصحته صفة وإلى ~~رمضان غاية ودفع الدرهم إلى عمرو حكما يلزم بمجموع الشرط والصفة والغاية # | فصل # ومما يدخل فى باب العموم القول فى ألفاظ الشارع فى حكايات الأحوال # فعند الشافعى رحمه الله أن ترك الاستفصال فى حكايات الأحوال مع الاحتمال ~~يجرى مجرى العموم فى المقال # ومثال ذلك ما روى أن غيلان بن سلمة الثقفى رضى الله عنه أسلم وتحته عشر ~~نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمسك أربعا وفارق سائرهن ولم يسأله عن ~~كيفية العقد عليهن هل PageV01P225 عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة ~~واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال واستبراد حال دليلا دالا على أنه ~~لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو يوجد العقود متفرقة عليهن فإن قال ~~قائل يجوز أن النبي صلى الله عليه وسلم علم كيفية الحال فلهذا لم يسأل ~~وأطلق الجواب وأيضا فإن كان الرسول عليه السلام لم يقف على الكيفية فى هذه ~~الحادثة ولا يعرف استبهام الكيفية فى كل حادثة تنقل على هذا الوجه # والجواب المطلق إنما يمكن حمله على العموم إذا كان مبتنيا على استبهام ~~الحادثة # والجواب أن دعوى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لكيفية العقود من غيلان ~~بن سلمة وهو رجل من ثفيف ورد عليه ليسلم # والتعرف لأمثال هذه المواقعات يبعد من الآحاد من الناس فكيف يلائم حال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا غاية البعد # والذى ذكر ثانيا فنحن إنما ندعى العموم فى كل ما يظهر فيه استفهام الحال ~~ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلا على الأحوال ~~كلها وعلى أن وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة فى الأحوال كلها فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أمسك أربعا فأجملهن ولم يخصص فى الإمساك ~~أوائل عن أواخر أو أواخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم ولذلك قال ~~لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختان اختر أيهما ms174 شئت وفارق الأخرى # فقد علق على اختياره على الإطلاق من غير تعرض لأولى وأخرى # | فصل # وإذا وردت صيغة مختصة فى وضع اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم فالذى ~~صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه فى ذلك سواء ولهذا تعلقوا فى ~~مسألة النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى @QB@ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي @QE@ فالخطاب يختص به والأمة عندهم كالنبى صلى الله عليه وسلم فى ~~موجبه # وقد أوقفهم بعض أصحابنا فى هذا # وقال من ذهب إلى هذا إن PageV01P226 الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمته فى الشرائع على التسوية والتماثل كما أن الأصل أن الأمة بعضها مع ~~البعض فى الشرع سواء فإن جرى تخصيص فى بعض المواضع فإنما صدر ذلك عن دليل ~~خاص دل عليه وقد روى أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال له فى بعض ~~الأمور إنك لست مثلنا إنه قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب ~~وقال إنما أرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى ثم ذكر كلاما عن النكاح وغيره ~~وقال فى آخره فمن رغب عن سنتى فليس منى وقال تعالى @QB@ لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة @QE@ الأحزاب 21 فدل أنه صلى الله عليه وسلم قدوة ~~الأمة فى كل شىء # وقد وجدت أحكام خاصة لأفراد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~ما روى أن خزيمة ابن ثابت كان مختصا بشهادتين # وكذلك قال للبراء بن عازب فى الأضحية تجزيك ولا تجزيء عن أحد بعدك # ورخص للزبير فى لبس الحرير عن حكة به ولم ينقل أحد أنه يجوز لغيره ونحن ~~نقول إن رجعنا إلى صورة اللفظ فلا ارتياب أنه مختص بالرسول صلى الله عليه ~~وسلم ثم بعد هذا يقال ما ظهرت فيه خصائص الرسول عليه السلام كالنكاح ~~والمغانم فإذا ورد خطاب مختص به صلى الله عليه وسلم فهو مخصوص به وعلى هذا ~~ينبغى أن نص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اعتقدوه # وإنما صرنا إلى ms175 هذا لأن الصيغة خاصة واختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فى الباب معلوم فحمل الخطاب على أنه خاص له # فأما ما لم يظهر فيه خصائصه وورد خطاب من الله تعالى يختص به فينبغى أن ~~يكون الأمر على ما قاله PageV01P227 وهذا لأنه قدوة الأمة فإذا وضعنا ~~الخطاب على التخصيص الذى يقتضيه ظاهرة وقطعنا الأمة عنه مع جريان عادة أهل ~~اللسان فى خطاب الواحد ويريدون به الجماعة يؤدى إلى خرم قاعدة الاقتداء به ~~وقد أمر الله صلى الله عليه وسلم تعالى باتباعه فى مواضع كثيرة من القرآن ~~وربما يؤدى قطع المشاركة فى الأحكام إلى نفرة القلوب عنه وتباعدها منه # فالأولى ما ذكرنا والله أعلم بالصواب # وأما إذا خصص الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته بخطاب فقد ذكر ~~بعضهم خلافا فى هذا وقال من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون ~~المخاطب ومنهم من قال لا يشاركون فمن قال بالأول صار أن الأصل أن جميع ~~الأمة فى الشرع سواء بلا تخصيص لواحد من بين الجماعة وقد جرت عادة أهل ~~اللسان أنهم يخاطبون الواحد ويريدون به الجماعة وهذا فى كلام كثير # وأما من قال بالثانى فقد ذهب إلى صورة الصيغة وهى مختصة بالواحد من بين ~~الجماعة فلا يجعل للتعميم إلا بدليل والأول أولى لأنا وإن كنا إذا نظرنا ~~إلى مقتضى الصيغة كان موجبا للتخصيص ولكن إذا نظرنا إلى ما استمر الشرع ~~عليه فذلك يقتضى المشاركة والمساواة # ألا ترى أن اللفظ الذى يخص به أهل عصر يكون مسترسلا على الأعصار كلها ولا ~~يخص به أهل العصر الأول كذلك هاهنا # | مسألة # ومما يتعلق بباب العموم والخصوص مسألة المطلق والمقيد # اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا تقييد له يحمل على إطلاقه وإن ورد مقيدا ~~لا مطلق له حمل على تقييده وإن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا فى موضع ينظر فى ~~ذلك فإن اختلف السبب واختلف الحكم جميعا مثل ما ورد من تقييد الصيام ~~بالتتابع فى كفارة القتل وإطلاق الإطعام فى الظهار لم يحمل ms176 أحدهما على ~~الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان فى لفظ ولا فى معنى # وإن كان ورودهما فى حكم واحد وبسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة مطلقة فى ~~PageV01P228 كفارة القتل ومقيدة فى كفارة الظهار كان الحكم للمقيد وبنى ~~المطلق عليه ويصير كأن الوارد حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم ~~يستوف بيانه فى الموضع الآخر # وأما إذا ورد المطلق والمقيد فى حكم واحد وبسببين مختلفين مثل ما وردت ~~الرقبة مطلقة فى كفارة الظهار ومقيدة بالأيمان فى كفارة القتل فعندنا يحمل ~~المطلق على المقيد # واختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل فمن أصحابنا من قال يحمل المطلق على ~~المقيد بنفس الورود # ومنهم من قال من جهة القياس # وأما إذا اتفق السبب # فاختلفوا فيه فقال بعضهم يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده مثل ~~ما اختلف بالسبب # ومنهم من قال يحمل المطلق على المقيد فى هذه الصورة # أما دليلهم قالوا إن المطلق خطاب على حاله والمقيد خطاب على حاله وربما ~~يقولون نص على حدة ونص على حدة فهما نصان مختلفان فلا يحمل أحدهما على ~~الآخر بل يعمل كل واحد منهما على ما يقتضيه إذ كل واحد منهما موجب للعمل ~~بنفسه وبصيغته # قالوا وعلى هذا سواء كان المطلق أو المقيد فى سببين مختلفين أو سبب واحد ~~يدل عليه أنا نعقل من كلام صاحب الشرع ما يعقل بعضنا من كلام البعض لأن ~~الله تعالى خاطبنا بما يخاطب به العرب بعضهم مع البعض ثم الواحد منا لو ~~أطلق كلامه إطلاقا ثم قيده ثانيا تقييدا فإنا نحمل المطلق على المقيد بل ~~يجرى كل واحد منهما على سببه وقضيته # ألا ترى من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال إن دخلت الدار ~~راكبة فأنت طالق فإنها تطلق إذا دخلت الدار راكبة وتطلق إذا دخلت الدار غير ~~راكبة # وكذلك إذا قال الرجل لغيره أعتق عبدا واحدا من عبيدى وقال لآخر أعتق عبدا ~~واحدا أبيض من عبيدى فإن الأول يملك أن يعتق أى عبد شاء ms177 والثانى لا يملك ~~إلا PageV01P229 إعتاق عبد أبيض ولا يحمل المطلق على المقيد # فكذلك ما جاء من الشرع يكون كذلك وهذا المعنى معقول وهو أن المطلق ضد ~~المقيد فيكون فى حمل المطلق على المقيد نسخ المطلق لا نسخ الحكم رفعه وأنتم ~~قد رفعتم المطلق وحكمه بالمقيد وحكمه # وبيان رفعه أن قضية المطلق أجزأ كل ما يسمى رقبة وقد ارتفع هذا الإجزاء ~~والرفع نسخه ببينة أن التعبير بمقتضى الآية نسخ فالرفع لأن يكون نسخا أولى # قالوا ولهذا لا يشترط فى قضاء رمضان من التتابع لأنه ورد مطلقا بقوله ~~تعالى @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ البقرة 185 ولم يحمل على صوم اليمين ولا ~~على صوم الظهار # وكذلك عندكم لا يحمل الصوم فى كفارة اليمين على الصوم فى كفارة القتل ~~والظهار # قالوا وأما فى الشهادة فإنا لا نقول يحمل المطلق فيها على المقيد ~~بالعدالة لكن شرطنا العدالة فى الشهادة التى لم يرد فيها النص تقييدا ~~بالعدالة بدليل آخر # وهو قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ~~@QE@ الحجرات 6 والأمر بالتثبت يمنع القبول # وكذلك فى زكاة الغنم إنما شرطنا السوم بدليل آخر وهو قوله عليه السلام لا ~~زكاة فى المعلوفة ولا فى المحمولة وكذلك إنما قيدنا الميراث المذكور فى آخر ~~سورة النساء بما قيد به الميراث المذكور فى أولها من تأخيره عن الدين ~~والوصية بالإجماع لا يحمل المطلق على المقيد # قالوا ولا يجوز أن يقال إن المطلق عام وحمله على الرقبة المؤمنة تخصيص ~~لأن دعوى العموم باطلة فى قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ النساء 92 من وجوه ~~منها أن قوله @QB@ رقبة @QE@ اسم لرقبة واحدة لأنها نكرة فى الإثبات فتخص ~~ولا تعم والعام ما يشتمل على مسميات كثيرة فأما الذى يشتمل على مسمى فرد ~~ومحل وبلد فمحال أن يدعى فيه العموم ببينة أنه لا شك أنه اسما مفردا # ألا ترى أنه يجمع فيقال رقبة ورقبات # كما يقال رجل ورجال وعبد وعبيد ودعوى التخصيص فى اسم المفرد محالا ولأن ~~إثبات التقييد فى الرقبة المطلقة زيادة على ms178 النص والزيادة على النص لا يجوز ~~أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان زيادة على النص ~~والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان ~~والنقصان ضد الزيادة ونقيضها فكيف نجوز أن يدعى فى الشىء معنى ضده ونقيضه ~~والدليل على أنه زيادة أن صفة الإيمان لا تشتمل عليها اسم الرقبة فإن ~~الرقبة اسم للبنية بأجزائها والإيمان ليس من إقرار بوجه ما وإنما هو ~~PageV01P230 معنى يعتقده ويكتسبه بقلبه وكذلك لو كفر وما كان من هذا الوجه ~~لم يتصور أن يشتمل عليه اسم الرقبة # قالوا ولا يجوز أن يدعى العموم فى أوصاف الرقبة لأن الأوصاف غير مذكورة ~~فلا يجوز دعوى العموم فيها وما هو المذكور يقع اسما على الرقبة الواحدة ~~وتخصيص المسمى الواحد محال # قالوا وليس كالمعيبة والسليمة لأن العيب نقصان جزء من أجزاء البنية فلا ~~تكون رقبة مطلقة وأما الكافر فرقبة مطلقة مثل المؤمنة لأن الكفر والإيمان ~~ليس من أجزاء البنية فعلى هذا لا يكون شرط السلامة زيادة على النص بل يكون ~~اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النص # وأما صفة الإيمان لما كان سببا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة فيكون زيادة ~~محضة وإذا بدا أنه زيادة لم يجز إثباتها بالقياس لأن بالقياس لا يجوز ~~الزيادة على النص لأنها نسخ على ما سنبين فى باب النسخ ونسخ القرآن بالقياس ~~لا يجوز ولأن القياس إنما يجوز استعماله فى غير موضع النص وهذا استعمال ~~القياس فى موضع النص لأن كفارة القتل منصوص عليها وكفارة الظهار منصوص ~~عليها وقياس المنصوص عليه على المنصوص عليه باطل كما لا يجوز قياس السرقة ~~على قطع الطريق لإثبات قطع الرجل مع اليد # وكذلك قياس التيمم على الوضوء باطل فى إدخال الرأس والرجل فى التيمم # وكذلك قياس كفارة القتل على كفارة الظهار باطلة فى إثبات الإطعام ~~والإطعام كفارة مثل الرقبة والصيام # ببينة أن التقييد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص فلم يجز ~~كما لا يجوز فى هذه الصورة التى بيناها # قالوا ms179 وأما قول من قال من أصحابكم يقيد بنفس ورود المقيد ويحمل عليه بلا ~~قياس ولا دليل يدل عليه فكلام باطل وزعم محال لأن ظاهر المطلق يقتضى أن ~~يجرى على إطلاقه فلو خص بالمقيد مجرد كون هذا مطلقا وكون الآخر مقيدا كان ~~هذا مجرد ميل باطل وينتهى بمحال لأنه لا يكون أن يقيد بأولى من أن لا يقيد ~~به # ببينة أنه يجوز أن يكون حكم الله تعالى فى أحدهما الإطلاق وفى الآخر ~~التقييد # وأيضا كما لا يجوز أن تكون المصلحة الشرعية فيهما التقييد يجوز أن يكون ~~المصلحة الشرعية فيهما الإطلاق ويجوز أن يكون المصلحة فى أحدهما الإطلاق ~~بينما الآخر PageV01P231 التقييد # يدل عليه أنه لو جاز أن يقيد أحدهما بمجرد أن الآخر مطلق من غير أن يكون ~~بينهما وصلة لا لفظية ولا معنوية ولكن بمجرد أن هذا المقيد وجب أن يقيد ~~الآخر ومثله من هذا أيضا أن يكون لأحدهما بدل لأن للآخر بدلا أو يثبت ~~التخصيص فى أحد العموم لأن الآخر مخصوص # قالوا وقول بعضكم إن القرآن كله كالكلمة الواحدة يقيد بعضه مما يقيد به ~~البعض الآخر مثل قوله تعالى @QB@ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات @QE@ ~~الأحزاب 35 لا يصح لأن قولهم إن القرآن كالكلمة الواحدة إن أرادوا بذلك أن ~~كله حق ولا غرر فى شىء منه ولا اختلاف هذا صحيح # وإن أرادوا أن كله كالشىء الواحد حتى يقيد البعض منه بما يقيد به البعض ~~فهذا كلام لم يقل به أحد وكيف يكون كالكلام الواحد وقد أنزله الله تعالى ~~على سبعة أحرف وقيل معناه سبع جهات أمر ونهى ووعد ووعيد ومتشابه وقصص ومثل # ولأن اسم القتل لا ينطلق على الظهار فلا يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب ~~قياسه عليه كالبر لما كان اسمه لا ينطلق على الأرز لم يستعمل فيه حكمه إلا ~~بمعنى يوجب قياسه عليه وهو إما الكيل أو الطعم على حسب ما اختلفوا فيه # فأما حجتنا نقول فى المطلق والمقيد إذا وردا فى حادثة واحدة إن التقييد ~~زيادة فى أحد الخطابين ورد ms180 من الشارع فوجب الأخذ بها دليله الزيادة فى ~~الاحتياط فإنه يجب الأخذ بها كذلك هاهنا # وإذا وجب الأخذ بهذه الزيادة لم يكن بد من حمل المطلق عليه لأنا إذا لم ~~نحمل المطلق عليه كان تركا لوصف التقييد # فإن قالوا وإذا حملنا المطلق على المقيد كان تركا لوصف الإطلاق # قلنا لا يكون تركا بل يكون قولا بتخصيص عموم # وأما إذا لم يحمل المطلق عليه كان تركا لصفة التقييد أصلا فإن قوله عليه ~~السلام فى سائمة الغنم زكاة إذا لم يحمل عليه الخطاب الذى ورد فى إيجاب ~~زكاة الغنم تعطلت صفة السوم والغنم ولم يبق لها فائدة ولا بد فى هذا الدليل ~~من الرجوع إلى أن القول بدليل الخطاب واجب وأنه حجة شرعية وسيأتى هذا من ~~بعد # ونقول أيضا إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد وإذا ~~اعتبرنا PageV01P232 المقيد واعتبرنا التقييد فى إثبات الحكم اعترضنا على ~~المطلق ولا بد من واحد منهما والثانى أولى لأن الأمر المقيد صريح فى وصف ~~التقييد أعنى السوم أو وصف الإيمان فيما إذا قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة ثم ~~قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة مؤمنة واللفظ مختص بهذا الوصف # وأما المطلق فظاهر فى المعلوفة وليس بصريح فيها وكذلك فى المثال الثانى ~~ليس بصريح فى الكافرة فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر وبالنص على العام ~~أولى لأن الخاص مقدم على العام والصريح مرجح على الظاهر # هذا هو الكلام فى المطلق والمقيد إذا ورد فى حادثة واحدة والذى ذكروا من ~~المثالين فى مسألة الطلاق والعتاق فلا يعرف ذلك على مذهبنا وإنما هو على ~~مذهبهم # وأما الدليل فى الفصل الثانى وهو إذا ورد المطلق والخطاب المقيد فى شيئين ~~مختلفين مع إيجاد الحكم وهو المسألة المعروفة # ومثال ذلك فى كفارة القتل وكفارة الظهار فوجه الكلام فى هذه المسألة أن ~~يدل على أن قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ المجادلة 3 لفظ عام يشتمل على جميع ~~الرقاب والتقييد بالإيمان تخصيص وإذا ثبت هذا صح بالقياس لأنا بينا أن ~~تخصيص العموم بالقياس جائز # والدليل على ms181 أنه لفظ عام أن قوله @QB@ فتحرير رقبة @QE@ المجادلة 3 صالح ~~لكل رقبة لأن الرقبة اسم لكل شخص له رقبة إلا أنه اختص بالعبيد من حيث ~~العرف فهو إذا صالح للمؤمنة والكافرة والمعيبة والسليمة والعاقلة والمجنونة ~~وإذا صلح لكل الرقاب كان عاما فى كل الرقاب إلا أنه لفظ فى كل الرقاب من ~~حيث البدل على معنى أنه لا يتعدد الرقبة الداخلة فى الأمر بالتحرير غير أنه ~~ما من رقبة توجد وتسمى رقبة إلا ويتناولها اللفظ ويشتمل عليها الأمر حتى لو ~~قصدها فيحررها تخرج عن عهدة الأمر # فصار معنى قولنا من حيث البدل أنه متناول لكل الرقاب لا من حيث يدخل جميع ~~الرقاب فى الأمر بالتحرير ولكن من حيث استرسال الأمر على الرقاب بوصف ~~التناول وقيام البعض مكان البعض فيكون عاما من حيث المعنى إن لم يكن عاما ~~من حيث صورة اللفظ # ويمكن أن يقال إنه عام فى الأوصاف لأنه على أى وصف كانت الرقبة فهى رقبة # وقولهم إن الوصف غير مذكور فلا يمكن دعوى العموم فيه # قلنا الأوصاف لا تنفك الرقاب عنها بل هى من صورة الرقاب # فصارت كالمذكورة فصح دعوى العموم فيها PageV01P233 # ثم الدليل الواضح على أنه لفظ عام أنه يحسن منه الاستثناء بإلا وهو أن ~~يقول أعتق رقبة إلا أن تكون كافرة أو ذمية أو معيبة أو يقول أعط هذا الدرهم ~~فقيرا إلا أن يكون كافرا والاستثناء بعض ما يتناوله اللفظ ولولا أنه عام لم ~~يتصور فيه الاستثناء لأن الاستثناء تخصيص إلا أنه دليل يتصل باللفظ والذى ~~يتكلم فيه تخصيص بدليل منفصل عن اللفظ وإذا استويا فى معنى التخصيص # فإذا قيل هذا اللفظ أحدهما قبل الآخر وقد ظهر هذا الذى قلناه # الجواب عن قولهم إنه اسم فرد فهو وإن كان اسم فرد ولكنه عام فى الأوصاف ~~أو نقول هو وإن كان اسم فرد فى الصورة لكنه اسم عام فى المعنى على ما ذكرنا ~~من قبل بالتخصيص إنما يصح لعمومه من حيث المعنى كما صح الاستثناء بهذا ~~الوجه # ونزيد ما ms182 قلناه إيضاحا فنقول التخصيص على وجهين تخصيص بإخراج بعض ~~المسميات من اللفظ مثل قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ التوبة 5 فإن ~~تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ من المسميات # والوجه الثانى من التخصيص هو إفراد بعض ما يصلح له اللفظ عن البعض وإن ~~شئت قلنا تعيين بعض ما يتناوله الاسم المبهم ونظيره قول الرجل رأيت زيدا ~~فهذا اسم مبهم يصلح اللفظ لكل من يسمى زيدا فإذا قلت رأيت زيدا العالم فقد ~~أفردت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض وعنيت بعض من يتناوله الاسم المبهم # وإذا ثبت أن ما قلناه من حمل المطلق على المقيد بالقياس ومنع إجزاء ~~الرقبة الكافرة تخصيص لفظ عام شامل لمسميات كثيرة بالوجه الذى قدمنا سقط ~~قول إن تقييد الرقبة بالإيمان زيادة فى النص بل هو نقصان لأن التخصيص يكون ~~نقصانا ولا يكون زيادة # وقولهم إن اسم الرقبة للبنية بأجزائها # قلنا نعم ولكن الإيمان والكفر وصف لهذه البنية فقال رقبة مؤمنة ورقبة ~~كافرة كما يقال معيبة وسليمة وكما لا يتصور إلا أن تكون معيبة أو سليمة # لا يتصور إلا أن تكون كافرة أو مؤمنة # وقد قال الطبرى فى أصوله لا يجوز أن لا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو ~~عنهما وهذا هوس لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرا ولا أن تكون لا مؤمنة ~~ولا كافرة كما لا يتصور أن تكون لا معيبة ولا سليمة # وعلى أنه يدعى أن الإيمان والكفر من أجزاء البنية لكن ادعينا أنهما وصفا ~~البنية وادعينا العموم من حيث الأوصاف ولهذا جاز الاستثناء PageV01P234 # وإذا جاز أن لا يكون من أجزاء البنية وصح استثناء الرقبة بهذا الوصف جاز ~~أيضا أن لا يكون من أجزاء البنية ويصح تخصيص الرقبة بهذا الوصف # واعلم أن فصل الاستثناء يهدم كل كلام لهم فى هذه المسألة ولا يتصور لهم ~~رد وكلام عليه # والجواب إنما لا يدعى أن الكفر من أجزاء الرقبة أو الإيمان لكن يدعى أن ~~الكافر رقبة وتناول اللفظ إياه من هذا الوجه لا من وجه الذى قلتم # وقد ms183 بينا دعوى العموم فى هذه المسألة ولم نحتج إلى أن نبين أن الزيادة فى ~~النص لا تكون نسخا وتركنا الكلام فيه إلى أن نبلغ إلى مسائل النسخ # وأما المسائل التى أوردوها فإنا لم نجز استعمال القياس فى هذه المسائل ~~لأن الإجماع منع منه # وأما مسألة التتابع فى قضاء رمضان أو فى صوم كفارة اليمين # فإنما لم نحمل المطلق على المقيد فى ذلك لأن المحل قد تجاذبه أصلان # أعنى صوم المتعة حيث نص فيه على التفريق وصوم الظهار حيث نص فيه على ~~التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر على حاله # والكلام فى مطلق له أصل واحد فى المقيد وحين بلغ هذا الكلام فى هذا ~~الموضع فقد انتهت المسألة والذى قالوا أن قياس كفارة الظهار على كفارة ~~القتل قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه # قد أجبنا عن هذا فى الخلافيات فلا معنى للإعادة ثم الكلام فى العموم ~~والخصوص ونتبع القول فى هذا القول فى مفهوم الخطاب ودليله لأنه لائق بفصل ~~المطلق والمقيد وقد انبنى الكلام عليه فى بعض فصوله # والله الموفق للصواب PageV01P235 # | القول فى دليل الخطاب وبيان اختلاف العلماء فى ذلك ووجه كونه حجة وذكر ~~ما يتصل به وما قيل فى بيان مذهب العلماء فى دليل الخطاب وما ذهب كل فريق ~~منهم فى ذلك # اعلم أن أصحابنا أوردوا أنه على ثلاثة أنحاء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ~~ومفهوم الخطاب وبعضهم ضم إليها قسما رابعا وهو دليل الخطاب وفرقوا بين دليل ~~الخطاب ومفهوم الخطاب # فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة وطريق الأولى مثل قوله ~~تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما @QE@ الإسراء 23 وقوله تعالى @QB@ ~~ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك @QE@ آل عمران 75 الآية ومثل ~~قوله تعالى @QB@ ولا يظلمون نقيرا @QE@ النساء 124 وعلى هذا ما روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ردوا الخيط والمخيط وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ مما أفاء الله عليك @QE@ الأحزاب 5 مثل هذه وضرب بيده إلى وبرة بعيره ms184 ~~إلا الخمس والخمس مردود فيكم ويقول القائل فى مستعمل الكلام فلان لا يعطى ~~خردلة ولا يترك من حقه حبة ويقول لا تقر عين أخيك وأمثال هذا # وقد سمى الشافعى رحمه الله هذا قياسا جليا وذكر على مثاله قوله تعالى ~~@QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة @QE@ النساء 92 قال هذا تنبيه على وجوب ~~الكفارة فى قتل العمد واعترضوا عليه # قالوا ليس هذا بقياس لأنا نعلم هذا باضطراد لا بحكم النظر والاستدلال وهو ~~كما نجد أنفسنا غير مفتقرة إلى النظر والاستدلال فى العلم بالمدركات وما ~~نجده فى أنفسنا من الآلام واللذات وأيضا فإنه يشترك فى هذا العلم العامة ~~والسوقة والنساء وأهل العلم والعلية من الناس وإذا علمه من ليس من أهل ~~النظر والاستدلال دل أنه ليس علمه بطريق النظر والاستدلال ولأنه لو كان ~~معلوما بنظر وقياس جلى أو خفى لجاز أن يغلط فيه غالط أو يشك فيه شاك أو ~~يجوز أن PageV01P236 يترك الناس هذا القياس وهذا النظر ولا يقفون على قضيته ~~وموجبه أو يعدل عن هذا النظر عادل أو يستعمل غير جهته مستعمل # وحين لم يتصور شىء من هذه الوجه دل أنه معرفة ضرورية بمعرفة قياسية ويجوز ~~أن يصحح قول الشافعى فيقال إنما قال الشافعى ذلك لأن الضرب والشتم غير ~~مذكور فى خطاب قوله @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ الإسراء وإنما استدرك علمه ~~وإن لم يذكر فى الخطاب من ناحية المذكور ويلقيه من قبله فأثبته علمنا ~~بالفرع من ناحية أصله # وأيضا فإنه لا بد من نوع نظر فإن ما لم يعرف قصد المتكلم وأنه أخرج ~~الكلام لمنع الأذى لا يجعل له هذا العلم # ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لغيره لا تشتم فلانا ولا تواجهه بقبيح ~~ولكن اقتله ويقول لا تضربه ولكن اقتله # وأمثال هذا يوجد كثيرا وإنما حبس ذلك لأن مقصوده لم يكن دفع الأذى عنه ~~ولكن كان مقصوده إيقاع فعل دون فعل ويجوز أن يقصد العاقل فعلا ما فى عينه ~~ولا يقصد فعل ما دونه # فأما إذا كان قصد المخاطب ms185 دفع الأذى بالمنع من التأفيف المنع من الشتم ~~والضرب من طريق الأولى كما سبق فهذا تصحيح ما صار إليه الشافعى وسيأتى ~~بأجلى من هذا فى باب القياس # وأما لحن الخطاب فقد قيل ما أضمر فى أثناء اللفظ وقيل لحن الخطاب ما يدل ~~على مثله والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه # وأما مفهوم الخطاب فما عرف من اللفظ بنوع نظر وقيل ما دل عليه اللفظ ~~بالنظر فى معناه # ومن فرق من أصحابنا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب فلا يتجه له فرق صحيح # والجملة أن فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب أدلة يستخرج بها ما ~~اقتضته ألفاظ الشارع من الأحكام # واعلم أن حقيقة دليل الخطاب أن يكون المنصوص عليه صفتان فيعلق الحكم ~~بإحدى الصفتين وإن شئت قلت فيقيد الحكم بإحدى الصفتين فيكون نصه مثبتا ~~للحكم مع وجود الصفة فدليله نافيا للحكم مع عدم الصفة كقوله عليه السلام فى ~~الغنم PageV01P237 السائمة الزكاة أو فى سائمة الغنم الزكاة # فنصه وجوب الزكاة فى السائمة ودليله نفى وجوب الزكاة فى المعلوفة وكقوله ~~عليه السلام إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا فنصه طهارته إذا بلغ الماء ~~قلتين ودليله نجاسته إذا نقص عن القلتين وكقوله فى أربعين شاة شاة فنصه ~~وجوبها فى الأربعين ودليله سقوطها فيما دون الأربعين وكقوله تعالى @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ المجادلة 6 فنصه مقتضى ~~التثبت فى قول الفاسق ودليله قبول قول العدل وترك التثبت فيه # وإذا عرف دليل الخطاب فنقول اختلف أهل العلم فى كونه دليلا وصحة ~~الاستدلال به # فقال مالك والشافعى وجمهور أصحابنا إنه دليل صحيح فى الأحكام ويحتج به # وهو قول داود وأصحاب الظاهر وقال به أيضا طائفة من المتكلمين # وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن دليل الخطاب ليس بحجة ووافقهم على ~~ذلك من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والقاضى أبو حامد المروزى وأبو ~~بكر القفال الشاشى وهو قول جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشعرية # واختلف هؤلاء المبطلون بدليل الخطاب فى تعليق الحكم ms186 بالصفة إذا علق الحكم ~~بغاية أو شرط فأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ذهبوا إلى أن ~~التقييد بالغاية والشرط مثل التقييد بالصفة وليس يدل على الخطاب على ما سوى ~~المنطوق به أصلا # وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط والغاية ~~وإن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط ~~وأثبته PageV01P238 فى المقيد بالغاية # وأما المثبتون لدليل الخطاب فقد أثبتوه فى المقيد بالشرط والصفة والغاية ~~واختلفوا فى المقيد فى الاسم والعين فأثبته أيضا أبو بكر الدقاق وشرذمة ~~قليلة من الفقهاء والصحيح أنه غير ثابت # وأما حجة النافين لدليل الخطاب قالوا فلو دل الخطاب المقيد بالصفة على ~~نفى ما عداه لدل عليه إما بصريحه ولفظه وإما بفائدته ومعناه وليس يدل عليه ~~من كلا الوجهين فإذا ليس يدل عليه أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكر لما عدا ~~الصفة ألا ترى أن قول القائل أدوا عن الغنم السائمة الزكاة ليس فيه ذكر ~~للمعلوفة أصلا وأما المعنى فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث إنه لو كانت ~~الزكاة فى غير السائمة كهى فى السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق ~~الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف ~~لما لا فائدة فيه # قالوا وهذا لا يصح لأن فى تكلف ذكر السوم فوائد أخرى سوى نفى الزكاة عن ~~المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة فى ذكر السوم سوى انتفاء ~~الزكاة عن المعلوفة وذكروا فوائد فى التقييد بالصفة منها أنه قد يكون اللفظ ~~لو أطلق فى بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عنه فتذكر الصفة لإزالة ~~هذا الإيهام وهذا مثل قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ ~~الإسراء 31 لو أطلق لكان يجوز أن يتوهم به متوهم أنه لم يرد عند خشية ~~الإملاق قول الله تعالى @QB@ خشية إملاق @QE@ ليرفع هذا الإيهام # وهذا غرض صحيح ومنها أن تكون البلوى تعم بالصفة المذكورة وما عداها لم ~~يثبته على PageV01P239 الناس فقيد ms187 الله تعالى الخطاب بالصفة لإحداث البلوى ~~بها وهذا أيضا مثل قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ ~~الإسراء 31 ومنها أن يكون غرض الشارع أن يعلم حكم المنصوص عليه بالنص ويعرف ~~حكم ما عداه بالقياس أو بدليل وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع أن تعرف حكم ~~الأجناس الستة فى الربا بالنص ويعرف حكم ما عداها بالقياس عليها # وفى تعريض المجتهد للاجتهاد تعريضه للثواب وهو نفع عظيم وغرض صحيح ومنها ~~أن تكون المصلحة المعلومة للشارع أن يبين حكم الزكاة عند وجود صفة السوم ~~وينفى حكم المعلوفة على ما يدل عليه العقل # فأما إذا لم يجد دليلا يدل على وجوب الزكاة فى المعلوفة نفينا الزكاة ~~عنها لأن العقل يدل على ذلك من حيث إنه مال الغير لا يستحق عليه إلا بدليل ~~شرعى يدل على استحقاقه # فإن قلتم فقد نفينا الزكاة عن المعلوفة وصرتم إلى ما قلنا نقول بلى ولكن ~~بتعليق الزكاة بالسائمة لكن ينعدم قيام الدليل على وجوب الزكاة فى المعلوفة ~~فإنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعى وهذا الذى قلناه دليل معتمد لهم # وذكروا دليلا آخر وقالوا لو كان الحكم المقيد بالصفة فى محل يدل التقييد ~~على نفيه فيما عداها لكان أمر الخبر كذلك ومعلوم أن الإنسان لو قال زيد ~~الطويل فى الدار لا يدل على أن القصير ليس فى الدار ولا على أنه فيها بل هو ~~موقوف على قيام دليل عليه فالأمر يكون كذلك # دليل آخر لهم هو أن الأسماء مثبتة لتمييز الأجناس والأشخاص فتمييز ~~الأجناس أن يقال خيل أو إبل وتمييز الأشخاص أن يقال فرس أو بعير # والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال فتمييز النعوت بالأوصاف أن يقال ~~طويل أو قصير وتمييز الأحوال أن يقال قائم أو قاعد فصارت الأسماء والصفات ~~فى وصفها للتمييز شأن # فإن كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه فإنه إذا قيل فى ~~الإبل الزكاة لا يدل على نفيها عن البعير فوجب أن يكون التقييد بالصفات ~~بمثابته فلا يدل تقييد الخطاب بها ms188 على نفى الحكم المذكور فى الخطاب عما ~~عداه وهذا أشهر دلائلهم وأعرفها # دليل آخر لهم قالوا قد فرق أهل اللغة بين العطف وبين النقض # وقالوا قول PageV01P240 القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض ~~ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال يدل على نفى ضرب القصار لكان قوله والقصار ~~نقضا لا عطفا # دليل آخر قالوا موضوع الخطاب أن تفهم منه المراد بوصفه فيفهم من الإيجاب ~~إيجابا ومن النفى نفيا ولا يصح لهم الإيجاب من النفى ولا النفى من الإيجاب ~~كما لا يصح أن يفهم من القول الصحيح إلا ما يوافقه # وقد قلتم فى دليل الخطاب أن يفهم النفى من الإيجاب والإيجاب من النفى ~~فيكون جمعا بين المتضادين وهذا لا يجوز وليس كالأسماء المشتركة لأنه لا ~~يجمع بين المتضادين هناك فى المراد فإنه إذا قام الدليل على أن المراد به ~~أحدهما انتفى الآخر # وفى مسألتنا القول بدليل الخطاب يقتضى الجمع بين الضدين من النفى ~~والإثبات وهذا محال # دليل آخر قالوا الخطاب المقيد بالصفة يحسن الاستفهام فيه لما عدا الصفة ~~فيقال للمخاطب ما حكم المعلوفة فى قوله فى سائمة الغنم زكاة ويقال للمخاطب ~~فى قوله البنت أحق بنفسها من وليها ما حكم البكر ولو كان دليل الخطاب ثابتا ~~من حيث لسان العرب لكان يقبح الاستفهام لأن الاستفهام طلب الفهم وما فهم ~~يقبح طلب فهمه # واعتمد القاضى أبو بكر الباقلانى فى نفى دليل الخطاب على فصل وقال لو كان ~~الأمر على ما يقوله القائلون بدليل الخطاب لوجب أن لا يعلم إلا سماعا ~~وتوقيفا عن أهل اللغة لأن مثل هذا لا يدرك بموضوعات العقول وإنما يوجد ~~بالمواضعة والمواطأة من أهل اللسان ولو كان من أهل اللغة توقيف فى هذا ~~الباب لوجب أن نعلمه مع كثرة خوضنا فى هذه المسألة وتوفير دواعينا على طلب ~~الحق منها # قالوا وإن كان ما يحكيه المخالفون عن أهل اللغة فى هذا الباب لوجب أن ~~ينقل إلينا نقلا مستفيضا حتى يقع لنا العلم بذلك وحين لم يقع لنا العلم فى ~~ذلك ms189 بوجه ما عرفنا أنه لا نقل فى ذلك عن أهل اللغة أصلا وإذا لم يثبت النقل ~~ولم يعرف شرع ورد بإثبات دليل الخطاب دل أن الدليل من هذه الجملة ساقطا ~~أصلا وأما أبو زيد قال فى هذه المسألة لا يخلو إما أن يكون الوصف المذكور ~~معنويا أو غير معنوى فإن كان غير معنوى فيعلق الحكم به كتعليقه بالاسم ~~واللقب وإن كان معنويا وهو أن يكون مؤثرا فى إيجاب الحكم فنهاية ما فى ~~الباب أن ينزل منزله العلة والاختلاف بين العلماء أن العلة توجب الحكم عند ~~وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم PageV01P241 على ما كان ~~قبل معرفة العلة # قال وكذلك فى الحكم المعلق بالشرط فالشرط يقتضى وجود الحكم عند وجوده ولا ~~يقتضى نفيا عند عدمه بل الحكم عند عدم الشرط يكون موقوفا على قيام الدلالة ~~كما تقول فى العلة # قال وأما الزكاة إنما لم تجب فى المعلوفة بدليل آخر وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم لا زكاة فى الإبل العوامل وبعضهم روى لا زكاة فى الحمولة ~~والعلوفة # واستدل من قال لغيره أعتق عبيدى ثم قال أعتق عبدى الأبيض لا يكون نهيا عن ~~عتق غيره # وأما أبو الحسن الكرخى من أصحابهم فرق بين المقيد بشرط وبين المقيد بصفة ~~قال لأن التعليق بالشرط يقتضى إيقاف الحكم على وجود الشرط وإذا وقف عليه ~~انعدم بعدمه وليس فى تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند ~~عدمها فيبقى ما وراء المذكور موقوفا بل بحسب ما يقوم عليه الدليل والأصح ~~عندهم أن لا فرق بين الشرط والصفة # وأما دليلنا اعلم أن الأصحاب اختلفوا فى أن دليل الخطاب دليل من حيث ~~اللفظ أو من حيث الشرع والصحيح أنه دليل من حيث اللغة ووضع لسان العرب ~~فيقول الدليل على ذلك أن ابن عباس ناظر الصحابة وهم قطب العرب والفصحاء ~~منهم فى إسقاط ميراث الأخوات مع البنات بقوله تعالى @QB@ إن امرؤ هلك ليس ~~له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك @QE@ النساء 176 فكان ms190 دليله أن لا شىء لها ~~مع الولد وسائر الصحابة لم يدفعوا عن هذا الاستدلال بل عدلوا فى إثبات ~~توريث الأخوات مع البنات إلى حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ورث الأخوات مع البنات # والخبر المشهور فى الباب وفى هذا إجماع منهم على القول بدليل الخطاب # وبمثل هذا استدل ابن عباس على الصحابة فى قوله تعالى @QB@ فإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس @QE@ النساء 11 وزعم أن الأخوين لا يردان الأم من الثلث ~~إلى السدس # وقال له عثمان أصحابك جعلوا الأخوين بمنزلة الإخوة ولم يذكر أن هذا الذى ~~يقوله لا يدل عليه لسان العرب PageV01P242 ويدل عليه أيضا أن أبا عبيد ~~القاسم بن سلام وهو من أوثق من نقل كلام العرب حكى عن العرب استعمالهم دليل ~~الخطاب واستشهد عليه بقوله صلى الله عليه وسلم وهو من أفصح من ذب ودرج لى ~~الواجد يحل عرضه وعقوبته قال فهذا دليل على أن لى المعدم لا يحل عرضه ~~وعقوبته # وكذلك قال فى قوله عليه السلام لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يزيد خير ~~من أن يمتلىء شعرا # وذكر أنه إذا لم يمتلىء فهو مباح # فإن قال قائل يحتمل أن أبا عبيد قال ما قاله عن نظر واستدلال من قبل نفسه ~~مثل ما يقولون لا أنه قال ذلك عن أهل اللغة # هو رحمه الله إنما فسر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى كتابه على ما ~~عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض فى خاطره ويظن فظنه فسقط ما قالوه ولأن ~~العرب فرقت بين المطلق والمقيد بالصفة كما فرقت بين الخاص والعام وبين ~~المطلق والمقيد بالاستثناء # ألا ترى أنهم لا يقولون اعط زيدا الطويل واعط عمرا القصير وهم يريدون ~~التسوية بين الطويل والقصير وبين الغنى والفقير # وكذلك يقول القائل من دخل الدار فأعطه درهما ويقول إن دخله عربى فأعطه ~~درهما فإنه يريد بالأول كل من يدخل ولا يريد بالكلام الثانى غير العربى فدل ~~أن الخطاب دليل مستخرج من اللفظ من ms191 حيث اللغة ولسان العرب # فإن قيل هذا دعوى على العرب لا يعرف ولا يمكنهم أن يوجدوا فى ذلك رواية ~~عنهم ولا حكاية عن فصيح منهم وإن كان على ما يزعمون فنصوا على ما زعمتم وإن ~~لم يمكنهم ذلك فاعلموا أنكم حصلتم على دعوى مجردة لا دليل عليها # والجواب أن ما ذكرنا أمر متعارف من كلام العرب وشىء معقول من لسانهم ~~ومعلوم من مذاهبهم وليس من عادة العرب أن تخبرك بذلك عن نفسها وتقول إنا ~~أدرنا بكذا كذا وبكذا كذا وإنما تتكلم بطباعها وبما أودع الله عز وجل فى ~~لسانها من البيان الذى يحصل به علم المعانى عند السامعين فمن كمل معرفته من ~~الناس بلسانها واستدرك مرادهم بكلامهم بما ذكرنا من لغتهم وعرفه من لسانهم ~~وهذا مثل وجوه PageV01P243 الإعراب من الرفع والنصب والخفض فإنهم لم يقولوا ~~إن لساننا فى الإعراب كذا وكذا ولكن تكلمت بطباعها على وجوه من الإعراب فمن ~~عرف لسانهم عرف وجوه الإعراب من كلامهم وكما عرف من كلامهم ذكر الأدب ~~والتنبيه به على الأعلى مثل قول القائل فلان يحاسب على النقير والقطمير ~~وفلان لا تقع الخردلة من كفه وما أشبه ذلك فكذلك عرف من كلامهم أنهم يذكرون ~~أعلى صفات الشىء وأتمها فى بابه وجنسه ويريدون بذلك أن يكون ما عداه يخالفه ~~فى حكمه كقولهم الشبع فى الخبز والقوة فى اللحم والرق فى البر واللذة فى ~~الماء البارد فنعلم أن ما عدا هذه الأشياء مخالف لها قاصر عنها فى معانيها # ونظير هذه الألفاظ قوله صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق لأن الإعتاق ~~أجل ما يصطنعه الناس ويسديه السادة من النعم إلى عبيدهم فلم يجز أن يشاركهم ~~فى استحقاق الولاء غيرهم # وعلى هذا قوله فى سائمة الغنم الزكاة لما كانت السائمة أعلى جنسها فى ~~توفر المنفعة وخفة المؤنة لم يجز أن يشاركها المعلوفة التى استغرقت مؤنتها ~~عامة منفعتها ولا العوامل التى عدم ماؤها وانقطع درها ونسلها فقد وجد من ~~النبي صلى الله عليه وسلم التكلم بهذا وأشباهه ليدل على ms192 المخالفة وذلك على ~~دقاق لسان العرب وما توجبه اللغة ونحن نجد لدلالة اللحن من الغلبة على ~~القلب والتمكن من الفهم ما نجده لنص الكلام قال الله تعالى @QB@ ولتعرفنهم ~~في لحن القول @QE@ محمد 30 # فدليل الخطاب من لحن القول وبيان اللسان وقد دل اللفظ من جهتين بنصه ~~ومفهومه ففى نصه إلمامنا لشىء وفى مفهومه ما عداه وهذا من لطف لسان العرب ~~وقد قال بعض الشعراء # ( والحادثات وإن أصابك نوبها % فهو الذى إياك كيف نعيم ) # فاستعمل الدليل من الشىء على نفسه وضده وقد قال أيضا أهل اللغة إن كلمة ~~إنما أنها من إن التى هى لإقرار الشىء وإثباته ومن ما التى هى النفى فاجتمع ~~المعنيان لها وإن كان هذا مشهورا عندهم وموجودا فى كلامهم فكيف بك وجود ~~نظير ذلك من المنطوق ودليل مفهومه # ببينة أنه المعلوم إن صح الكلام وأبعده من دخول الشركة كلام التحديد ثم ~~PageV01P244 الحدود جارية على الطرد والعكس وتعمل بركنيها وتعطى الدلالة من ~~جهتيها فيثبت بهذا الذى قلناه أن دليل الخطاب ثابت من جهة كلام العرب ~~وتضمنه لسانها الذى تكلموا بها وقد خرج ما قلناه أخيرا # الجواب عن كلامهم أنه كيف يعرف دليل الإثبات من النفى أو دليل النفى من ~~الإثبات وأن ما قلتم يؤدى إلى أن يكون الكلام الواحد جامعا لدليلين متضادين ~~وظهر أيضا الجواب عن دليل أبى بكر محمد بن أبى الطيب الباقلانى فى قوله إنه ~~لم يدل على هذا نقل ولا عقل وقد بينا الدليل من جهة النقل عن العرب ~~والمعروف عن كلامهم وقد ذكر الأصحاب ما يزيد هذا من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فى قصة عبد الله بن أبى واستغفاره له حين نزل قوله عز وجل @QB@ ~~إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ التوبة 80 قال صلى الله ~~عليه وسلم عند ذلك والله لأزيدن على السبعين وفى رواية لو علمت أنه يستجاب ~~لى لزدت على السبعين فإن قيل كيف يصح الاستدلال بهذا والكلام إنما خرج على ~~جهة تأييس المنافقين من المغفرة ms193 # والجواب أن الاستدلال صحيح لأن الكلام كان محتملا أن يكون المراد به ~~الإياس من المغفرة لهم ومحتملا أن لا تقع المغفرة بالسبعين وتقع بما جاوزها ~~فاستعمل صلى الله عليه وسلم بما جعل الله فى قلبه من الرأفة والرحمة ~~بالعباد حكم اللسان ووضع الاستدلال موضوعه رجاء أن يصادف الإجابة والمغفرة ~~وبين الله تعالى المراد من الآية فى تحقيق الإياس بقوله @QB@ ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره @QE@ التوبة 84 فهذا وجه الاستدلال ~~بالآية وهو بين جدا وخرج على الطريقة التى ذكرناها طريقة أبى زيد لأنا لم ~~ندع أن دليل الخطاب من حيث العلة والمعلول حتى نلزم ما قال وإنما قلنا ~~بدليل الخطاب من حيث اللغة ووضع اللسان # نعم قد رأيت لبعض المتأخرين من أصحابنا ذكر هذه المسألة فى أصوله وزيف ~~دلائل الأصحاب من حيث الظاهر ومن حيث المعنى ثم قال المختار عندى أن الخطاب ~~المقيد بالصفة ينظر فى الصفة المذكورة فإن كانت مناسبة للحكم المنوط به دل ~~أن ما عداه بخلافه وإن لم تكن مناسبة لم تدل وذكر صورة المناسبة قوله صلى ~~الله عليه وسلم فى خمس PageV01P245 من الإبل السائمة شاة فإن السوم يشعر ~~بخفة السوم وتوفر المنافع وذكر فى هذا الفصل عبارات زائفة حسنة فدل توفر ~~المنفعة وخفة المؤنة على وجوب الزكاة فوجب القول بالمفهوم وسقطت الزكاة عن ~~المعلوفة بحكم المفهوم # وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم الثيب أحق بنفسها من وليها وكذلك قوله ~~عليه السلام من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ولهذا ~~أمثلة كثيرة # وعندى أن هذه الطريقة ضعيفة ولا يجوز اختيارها لوجهين # أحدهما أنه خلاف مذهب الشافعى لأنه جعل المفهوم حجة على العموم فى جميع ~~المواضع من غير اعتبار وجود مناسبة بين الصفة والحكم # والثانى أنه إذا اعتبرنا المناسبة التى ذكرها فليس ذلك الإتيان علة مؤثرة ~~فى الحكم فيرد عليه ما ذكره القاضى أبى زيد وهو أن الإطراد فى العلل واجب ~~لكن عكس العلة لا يكون حجة فى عكس الحكم ms194 والعلة توجد الحكم بوجودها لكن لا ~~يجب أن ينعدم بعدمها والاعتماد على ما ذكرناه وهى الطريقة الصحيحة المختارة # واستدل كثير من أصحابنا فى هذه المسألة بالفصل المعروف المتداول بين ~~الفقهاء وهو أن الصفة نطق عن صاحب الشرع تكلف ذكره فلا يجوز أن يخلو عن ~~فائدة لأن طلب الفوائد من كلام صاحب الشرع واجب ما أمكن ولا يجوز استعمال ~~طريق تؤدى إلى إلغاء كلامه وإخلائه عن الفائدة وما قلتم يؤدى إلى هذا يدل ~~عليه أن التقييد فى الصفة يخصص الخطاب كتقييد الدلائل المخصصة للعمومات ~~وكالاستثاء من الأعداد فإن قالوا إن الاستثناء لفظ منطوق به فى النفى مثل ~~ما هو منطوق به فى الإثبات وهاهنا النطق فى الإثبات دون النفى # فالجواب أن كون النطق فى شىء مخصوص لا يدل على سقوط دليله فيما لم ~~يتناوله النطق دليله الفحوى وعلى أنا قد ذكرنا أن هذا أخذ وجوه البيان فى ~~اللغة وهو من لحن القول على ما سبق # وأما الفوائد التى ذكروها فليست بشىء لأن المعتبر هو الفائدة التى يدل ~~عليها اللفظ PageV01P246 فى الأعم الأغلب والفائدة التى يدل عليها اللفظ فى ~~الأعم الأغلب هو ما ذكرنا من كون ما عدا الملفوظ بخلافه # ويقولون على هذا قلتم إن الأكثر والأغلب على ما قلتم وأيضا فإنا لو ~~اعتبرنا هذا كان الذى يؤدى إليه اللفظ هو غالب الظن دون القطع لأنه يجوز ما ~~قلناه من الفوائد وإن كان قليلا نادرا # ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال نحن لا نلحق المفهوم بالنص لكن نقول هو ظاهر ~~فى المفهوم مثل العموم ظاهر فى الاستيعاب ولهذا نقدمه على القياس ونؤخره عن ~~النص وهذه الطريقة قد حكيناها عن الشافعى وقالوا ذكرها فى الرسالة ويمكن ~~نسبتها غير أن الاعتماد على الأول # وقد استدل بعض أصحابنا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم الماء من الماء ~~وقوله الأئمة من قريش وقوله عليه السلام الربا فى النسيئة واحتج ابن عباس ~~فى ذلك فى نفى ربا النقد # وهم يقولون فى هذا الألفاظ إنما صارت دليلا لا ms195 من حيث دليل الكلام لكن ~~لأن صاحب الشرع أدخل الألف واللام وهما لاستغراق الجنس فلأجل هذا حسن ~~الاستدلال بهذه الألفاظ # أما من الأنصار من منع إيجاب الغسل بدون الإنزال حتى روت عائشة رضى الله ~~عنها ما روت ومن أبى بكر رضى الله عنه فى دفع الخلافة من الأنصار ومن ابن ~~عباس رضى الله عنهما فى نفى ربا النقد PageV01P247 # وعندنا يثبت ربا النقد بالأخبار الصحيحة فى الباب # واعلم أنه قد دخل الجواب فيما ذكرناه عن معظم ما ذكروه وقد نفيت لهم أحرف ~~ولا بد من الجواب عنها # أما قولهم إن تقييد الخبر بالصفة لا يدل أن ما عداه بخلافه # قلنا الدليل بين الأمر والخبر أن المخبر قد يكون له غرض فى الإخبارى وبه ~~زيد العالم أو دخوله الدار أو قدومه ولا يكون له غرض فى الإخبار عن عمرو ~~الجاهل فيخص زيدا بالإخبار عن دخوله ورؤيته # وأما الشارع فغرضه أن يبين جميع ما كلف فإذا قال زكوا عن الغنم السائمة ~~علمنا أنه لو كانت الزكاة فى جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم # وأما تعلقهم بالخطاب المقيد بالاسم # قلنا هو خارج على الطريقة الأولى لأن العرب تجمع بين الأسماء المختلفة فى ~~الأمر الواحد ويحسن منهم ذلك فإنهم يقولون اشتر لحما وخبزا وتمرا وبيضا ~~وتريد الكل بالشراء ولا تقول العرب اشتر تمرا برنيا فاشتر تمرا معقليا ~~واشتر الإزاد حتى تعد جميع أنواع التمر ويعدون هذا عيا من الكلام بل يقولون ~~اشتر التمر وهذا لأن الاسم بمجرد التعريف مثل الألقاب والتعريف فى محل لا ~~يدل على الجهالة فى محل آخر # وأما الصفة فليس للتعريف المجرد بل هى للتنبيه على المعنى والدليل على ~~الفرق بينهما من حسن اللغة ولسان العرب أن الأسامى تختلف على اتفاق المعانى ~~ولا يتصور اختلاف الصفة مع اتفاق المعنى بل الأوصاف تقع أدلتها خاصة # ومعنى هذا أن ذكر PageV01P248 الصفة يدل على تلك الصفة على الخصوص إذا ~~قال القائل أعط الأسود عقل تخصيص الأسود بالعطاء ومنع الأبيض وإذا قال أعط ~~زيدا لم يعقل منه ms196 منع عمرو وعلى طريقة أبى بكر الدقاق قد منع هذا الفصل # وأما قولهم ألا يصح أن نقول أعط الطوال والقصار ويكون هذا عطفا ولا يكون ~~نقضا # قلنا عندنا تخصيص الطوال بالأمر بالضرب أو الأمر بالإعطاء يدل على نفى ~~ضرب القصار أو نفى إعطاء القصار فإذا عطف القصار على الطوال لم يوجد تخصيص ~~الطوال بالخطاب حتى يوجد الدلالة على نفى ضرب القصار أو نفى إعطائه # وعلى أن هذا يبطل بالغاية والشرط فإن الإنسان إذا قال لغيره صم إلى غروب ~~الشمس أفاد ذلك نفى الصوم بعد غروبها ولو قال صم إلى غروب الشمس أو إلى ~~طلوع القمر لم يكن نقضا وفى الشرط لو قال أعط زيدا درهما إن دخل الدار أفاد ~~أنه لا يجوز العطية إذا لم يدخل الدار ولو قال أعط زيدا درهما إن دخل الدار ~~وإن دخل السوق يكون تقييد عطفا ولا يكون نقضا # وأما الذى قالوه من حسن الاستفهام فإنما حسن ذلك لأنا لم ندع أن اللفظ نص ~~فى موضع المفهوم لكن إنما ادعينا أنه نص فى موضع النطق ظاهر فى موضع ~~المفهوم وإذا كان ظاهرا يجوز أن يقوم دليل على خلاف المراد فى موضع المفهوم ~~فيحسن الاستفهام ليصير الظاهر نصا ويسقط الوهم مثل صيغة العموم هى ~~للاستيعاب ثم يحسن الاستفهام فيقول أردت الجميع إذا أردت الاستغراق ~~والاستيعاب وكان حسن الاستفهام بالطريق الذى قدمنا كذلك هاهنا # وقد تبين الجواب عن جميع أدلتهم وهذه المسألة أصل عظيم فى الفقه وعليه ~~مسائل كثيرة وقد وقعت الإشارة إلى بعضها فى أثناء المسألة وباقى المسألة ~~معروفة وقد ذكرت فى خلافات الفروع فاقتصرنا على ذلك # والله أعلم # | فصل # وإذا ثبت القول بدليل الخطاب فنقول الخطاب سبعة أنواع # الشرط والغاية والصفة والحال والاسم والعين والعدد وأما تعليقه بالشرط ~~فهو ما دخل عليه أحد الحرفين إن و إذا # فإن # كقوله إن دخل زيد الدار فأكرمه # وإذا # كقوله إذا دخل زيد الدار فأكرمه PageV01P249 وهما حرفا شرط ثبت الشرط بكل ~~واحد منهما ويتعلق الحكم بوجوده وينتفى بعدمه على ms197 السواء وإنما يختلف ~~الحرفان فى التحقيق والشك # فإن تستعمل فيمن لا يتحقق دخوله # وإذا تستعمل فيمن تحقق دخوله # وإنما الغاية فهى بلفظ حتى وهو قوله أكرم زيدا حتى يقوم فيستحق الكرامة ~~قبل قيامه ولا يستحقها بعد قيامه # والفرق بين الغاية والشرط أن حكم الغاية يتعلق بها قبل وجودها وحكم الشرط ~~يتعلق به بعد وجوده # وأما الصفة فالتعليق بالصفة إنما يكون فيما يختلف أوصافه وأقله أن يكون ~~ذا وصفين # فإذا علق الحكم بإحدى صفتيه كان موجبا لثبوت الحكم مع وجوده ودليله موجبا ~~لانتفاء الحكم عند عدمها وإذا قرن الحكم المعلق بالصفة بحكم مطلق فقد اختلف ~~قول الشافعى فى دليل المقيد بالصفة هل يصير مستعملا فى المطلق على قولين # ومثاله قول الله تعالى @QB@ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها @QE@ الأحزاب 49 وكان نصه أن لا عدة ~~على غير المدخول بها ودليله وجوب العدة على المدخول بها # ثم قال @QB@ فمتعوهن @QE@ هل يكون إطلاق المتعة معطوفا على العدة فى ~~اشتراط الدخول بها على قولين # أحدهما أنه تصبير المتعة بالعطف على العدة مشروطة بعدم الدخول # والقول الثانى أن قوله تعالى @QB@ فمتعوهن @QE@ لا يتقيد بما تقدم # | فصل # وإذا علق الحكم بالصفة فى نوع من جنس وأخرى حكم فى جميع الجنس قياسا # مثل قوله عليه السلام فى سائمة الغنم زكاة وقد قيس عليها زكاة الإبل ~~والبقر والكل جنس النعم فقد اختلف أصحاب الشافعى أن دليل الخطاب هل يكون ~~مستعملا فى نوع النص أو فى جميع الجنس على وجهين # أحدهما يكون مستعملا فى نوع النص دون الجنس فيكون دليل هذا الخطاب موجبا ~~بسقوط الزكاة فى معلوفة الغنم على الجنس ويسقط فى معلوفة الإبل والبقر ~~PageV01P250 بدليل آخر # والوجه الثانى أنه يستعمل دليله فى جميع الجنس لأنه لما ألحق جميع جنسه ~~بالنوع قياسا وجب أن يستعمل دليله فى جميع الجنس قياسا # وأما تقييد الخطاب بالحال كقوله تعالى @QB@ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد @QE@ البقرة 188 والحال كالصفة فى ثبوت الحكم بوجودها ms198 وانتفائه ~~بعدمها فيكون نصه مستعملا فى الإثبات ودليله مستعملا فى النفى مثل الصفة # وأما تعليق الحكم بالاسم فهو ضربان # أحدهما اسم مشتق من معنى كالمسلم والكافر والقاتل فيكون ما علق به من ~~الحكم جرى مجرى تعليقه بالصفة فى استعمال دليله فى قول جمهور أصحاب الشافعى ~~رحمه الله # وقال بعضهم ينظر فى الاسم المشتق فإن كان لمعنى اشتقاقه تأثير فى الحكم ~~استعمل دليل خطابه فإن ما لا يؤثر فى الحكم لا يكون علة # والضرب الثانى اسم لقب غير مشتق من معنى كالرجل والمرأة وأشباه ذلك فمذهب ~~الشافعى أن دليل خطابه غير مستعمل وعند أبى بكر الدقاق أنه مستعمل وقد بينا # وأما تعليق الحكم بالأعيان كقوله فى هذا المال الزكاة أو على هذا الرجل ~~الحج فدليل خطابه غير مستعمل ولا يدل وجوب الزكاة فى ذلك المال على سقوطها ~~عن غيره وهذا عندنا مثل تعليق الحكم بالإسم # وأما تعليق الحكم بالعدد فدليله مستعمل وهو مثل تعليق الحكم بالصفة فهذا ~~PageV01P251 تمام الأنواع التى ذكرناها # واعلم أن كثيرا من أصحاب أبى حنيفة جعل مفهوم الشرط حجة وإليه ذهب الكرخى ~~ومن تبعه وأبى بعضهم # وقال حكم ما وراء الشرط موقوف على الدليل وقال أبو زيد فى الأصول الذى ~~عملها حين ذكر مذهب الشافعى وقال علماؤنا انتفاء المعنى حال عدم الشرط فلا ~~يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص فقد حكى عن جميع أصحابه ~~وليس على ما زعم بل هو قول بعضهم على ما ذكرنا # قالوا وحاصل الخلاف يرجع إلى أن الشرط هل يمتنع به انعقاد علة الحكم أو ~~لا قالوا فعندنا الشرط يمنع انعقاد العلة لم تكن العلة وعندهم لا يمنع فإذا ~~لم يكن الشرط عندهم مما يمتنع به انعقاد العلة كانت العلة موجودة وكانت ~~موجبة للحكم والشرط منع وجود الحكم # قال وعندنا لما كان الشرط مما يمتنع به انعقاد العلة موجودة حتى توجب ~~الحكم فلم يتصور منع الحكم بالشرط # ودليلهم قالوا التعليق دخل فى السبب لا فى الحكم # قال السبب قوله ms199 أنت طالق والتعليق دخل فيه فإن قوله أنت طالق تطليق وقد ~~علقه بدخول الدار ألا ترى أنه قد قصد التطليق عند دخول الدار لا فى الحال ~~وهذا لأنه جعل التطليق جزاء الدخول الدار والجزاء عند أهل اللغة يتعلق ~~وجوده بوجود الشرط فإن من قال لغيره إن أكرمتنى أكرمتك أو قال أكرمك إن ~~أكرمتنى فإنه علق التزام إكرامه بإكرام صاحبه # كذلك هاهنا جعل التعليق جزاء دخول الدار PageV01P252 فعلق وجود التطليق ~~بوجود دخول الدار فيكون التطليق على العدم قبل دخول الدار فدل أن الشرط ~~امتنع به انعقاد العلة # ببينة أنه إذا دخل الشرط على الإطلاق وعلقه منع تعلقه وصوله إلى محله ~~والعلة الشرعية لا تصير علة إلا بوصولها إلى محلها ولا تصير علة إذا قصرت ~~عن محلها وهذا بخلاف البيع على أن البائع بالخيار أو على أن المشترى ~~بالخيار فإن كلمة على أن وإن كانت كلمة شرط لكن عملها خلاف عمل كلمة ~~التعليق وهى كلمة إن فإنك إذا قلت أزورك إن زرتنى كنت معلقا وجود زيارتك ~~بزيارة صاحبك وإذا قلت لصاحبك أزورك على أن تزورنى كنت معلقا زيارة صاحبك ~~على زيارتك وتكون زيارتك سابقة على زيارة صاحبك وإذا كان عمل كلمة على أن ~~خلاف عمل كلمة إن فلا توجب كلمة على أن تعليق نفس البيع بل توجب تعليق أمر ~~آخر هو مطلوب من البيع وهو الملك فيتعلق حكم المبيع أعنى الملك بالاختيار # وأما نفس البيع فانعقد فى الحال يدل عليه أن فى مسألتنا دخل كلمة الشرط ~~على السبب لأنه قال إن دخلت الدار فأنت طالق وفى البيع لم تدخل كلمة شرط ~~على السبب إنما نجز البيع تنجيزا ثم أثبت لنفسه فيه خيارا وحكمه على ما عرف ~~فى الشرع لامتناع اللزوم وعدم الملك # وقد قال فى تقويم الأدلة قوله لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فلا حرية قبل ~~الدخول لانعدام العلة لا لأن الشرط بقاؤها بعد وجود سببها لأن قوله أنت حر ~~كما لا يعمل حتى تتم الصيغة بقوله أنت حر لا يعمل ms200 حتى يجد محلا صالحا ~~للتحرير فإنه لو أضافه إلى مبينة أو ثلاثة لغا فقوله إن دخلت الدار منع ~~وصول هذا الإنجاز إلى العبيد لأنه معلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده ~~كالقيد بل المعلق يحتمل ألا يكون واصلا إلى الأرض وإذا لم يصل إلى محله لم ~~يصل بقوله أنت حر علة بل كان بمعرض أن يصير علة بالوصول إليه عند وجود ~~الشرط كالرمى لا يكون سببا للقتل قبل وقوع السهم فى المرمى ولكنه بغرض أن ~~يكون علة إذا وصل إلى محله فحرفهم فى هذا هو أن الشرط يحول بين العلة ~~ومحلها فلا يصير معه علة لأنه داخل على أصل العلة لا على الحكم بخلاف شرط ~~الخيار والآخر فإنهما يدخلان على الحكم على ما ذكرنا ولهذا لو حلف أن لا ~~يبيع فباع أو شرط الخيار بحيث لو حلف لا يطلق فقال لها أنت طالق إن دخلت ~~الدار فإنه لا يحنث PageV01P253 # قال ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما كان معلق بالشرط ~~غير واصل إلى المرأة على ما ذكرنا وإنما هو مبين ويصير طلاقا عند الشرط ~~والملك حينئذ لأن الملك أعنى ملك النكاح شرط الطلاق لا اليمين بل محل ~~اليمين هو الذمة مثل اليمين بالله # قال ولهذا الأمثل لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث لأن سبب الكفارة بشرط ~~الحنث فقبل الشرط لا يكون شيئا ويكون أشد وجوب الكفارة حين الحنث فلا يتصور ~~الأداء قبل الحين وكما لا يتصور تعجيل فى الصوم # قال وقولهم بالبدن والمال ساقط لأن الكفارة عبادة والعبادة عبارة عن فعل ~~العبد ماليا أو بدنيا وإنما يختلف محل الفعل والمالى ما يكون محل فعله ~~المال والبدنى ما يكون محل فعله بدنه # وأما الواجب ففعل من العبد فى الحالين بإيجاب الله تعالى # قال وهذا بخلاف دين العباد الذى يجب عوضا لأن الواجب هناك هو المال ~~والتسليم للعبد الواجب لأن المستحق لصاحبه مال بأداء حقه وليس المستحق ~~لصاحبه فعلا لأنه حق للعبد فى فعل العبد # وأما البارىء عز اسمه ما ms201 استحق على العبد إلا بالعبادة وهى فعل يفعلها ~~العبد قال وعلى هذا الأصل نقول فى قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا ~~أن ينكح المحصنات المؤمنات @QE@ النساء 25 أن الله تعالى أباح نكاح الأمة ~~عند عدم الصبر وما حرمه عند وجوده بل لم يذكره أصلا فاستبيح نكاحها فى هذه ~~الحالة بإشارة الآيات فصار نكاح الأمة حال وجود الحرة حلالا بالآيات ~~المطلقة للنكاح وهذه أيضا # وتجوز أن تكون حلية الأمة معلقة بوصفين أو بعلتين وبعلل كثيرة ألا ترى أن ~~الرجل يقول لآخر أعتق عبدى إن دخل الدار ثم يقول أعتق عبدي إن كلم زيدا أو ~~دخل الدار يصح ولو دخل الدار فأعتقه كان جائزا ولو كلم زيدا ودخل الدار ~~فأعتقه كان جائزا أيضا بالأمرين جميعا # فيصح الإعتاق بعلة أو علتين وذكر كلاما طويلا ومسائل من الفروع على عادته ~~من الاستشهاد بالفروع على الأصول تركت ذلك لطوله ولأن الفائدة فيما حكيته # وأما دليلنا فيدل أولا على أن الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه على كل ~~حال أن قول القائل لعبده ادخل الدار إن دخلها عمرو معناه أن الشرط فى دخولك ~~دخول عمرو أو قال سافر إن سافر عمرو وكذلك إذا علق الطلاق أو الإعتاق ~~بالدخول PageV01P254 لكن صونا فى خطابه لعبده لأنه أظهر ولو قال لعبده شرط ~~دخولك الدار دخول عمرو أو قال شرط سفرك سفر عمرو علمنا أنه لم يوجب عليه ~~السفر مع فقد سفر عمرو وبينته أن الشرط هو الذى يقف عليه الحكم فلو ثبت ~~الحكم مع عدمه لكان كل شىء شرطا فى كل شىء حتى يكون دخول زيد الدار شرطا فى ~~كون السماء فوق الأرض وإن وجد ذلك مع عدم الدخول # والدليل على أن المعقول من الشرط ما ذكرناه أن يعلى بن منبه سأل عمر بن ~~الخطاب فقال ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فلو ~~لم يعقل من الشرط نفى ms202 الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى # فإن قيل يجوز أنهما إنما تعجبا لأنهما علما من الآيات الواردة فى الكتاب ~~وجود الإتمام وأن حال الخوف مستثناة من الآيات والباقى ثابت على الأصل فى ~~الإتمام فلهذا تعجبا # والجواب أن هذا كله زيادات وللعلماء كلام كثير فى أن الأصل كيف كان فى ~~الصلاة وقد قالت عائشة رضى الله عنها كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين ~~فأقصرت صلاة السفر وزيدت فى صلاة الحضر # وقد قيل غير هذا وإذا اختلفت الروايات فى هذا فكان التعجب مما صرح به ~~الآيات وهو شرط الخوف فى القصر ثم القصر مع الأمن فكان الاستدلال قائما # واحتج أبو زيد لنا وقال إن تعليق الحكم بالشرط بنفيه عما قبله ويعدمه على ~~اعتبار أنه لولاه كان موجودا ألا ترى أن قوله لعبده أنت حر توجب وجود ~~الحرية صفة للعبد فإذا قال إن دخلت الدار وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن ~~محله ونفيه مع وجود قوله أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط ~~يوجب النفى عما قبله وكذلك التعليق الحسى فإن تعليق المنديل بحبل بسماء ~~البيت توجب وجوده فى الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذى يكون فيه لولا ~~تعلقه وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وانعدام ~~قبل أوليته الوجود لا يكون علة الوجود ولكن بانعدام علة الوجود فلم يكن من ~~حكم العلة إلا وجود الحكم عندها فإنه السبب لابتداء الوجود والتعليق لتغيير ~~حكم الوجود بعد وجود سبب الوجود فجرى مجرى الأصل # هذا كلامه PageV01P255 # ويقال أيضا إن الشرط لا يؤثر فى العلة إنما يؤثر فى حكم العلة فإن من قال ~~لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار فقوله إن دخلت الدار لا يؤثر فى قوله أنت ~~طالق إنما يؤثر فى حكمه ولا يمنع ثبوته فإن قوله أنت طالق ثابت مع الشرط ~~كما هو ثابت بدون الشرط ولكن حكمه لا يثبت لأصل الشرط فكان أثر الشرط فى ~~منع حكم العلة لا فى نفس العلة والدليل عليه أنه لو ms203 لم يؤثر به الشرط ثبت ~~حكم العلة وقوله أنت طالق ثابت فى الصورتين ولكن الحكم ينعدم عند وجود ~~الشرط ويثبت عند عدمه فثبت أن عمل الشرط فى الحكم تسبب فى تحقيق هذا الفعل ~~وهو أن سبب الطلاق قوله أنت طالق وقد وجد هذا صورته سواء وصل به قوله إن ~~دخلت الدار أو لم يصل # وكلمة إن يجوز أن تدخل على السبب فتعلقه كما قالوا ويجوز أن تدخل على ~~الحكم فيكون عمله تأخير الحكم والدليل على جواز ذلك أنه كما يجوز أن يكون ~~معنى قوله إن دخلت الدار فأنت طالق يجوز أن يكون المعنى إن دخلت الدار أنت ~~طالق وقوعا ونزولا لأن النازل فى المحل والواقع قوله أنت طالق # ألا ترى أنه إذا اتصل الحكم بالسبب تكون هى طالقا من حيث الوقوع وإذا لم ~~يتصل وتعلق بالدخول تكون هى طالقا من حيث التسبب والحرف على هذا إلى المعلق ~~تكون الطالقية فعلا لا الطالقية تسببا فثبت قطعا أنه يجوز أن يدخل الشرط ~~على الحكم ويجوز أن يدخل على السبب فنقول دخوله على الحكم لمنعه أولى لأن ~~قوله أنت طالق كلمة مستقلة صحيحة لثبوت التطليق أو لثبوت الطلاق بها عند ~~الإطلاق واتصال حكمه به # ألا ترى أنه لزم تعليقه بالشرط ثبت كلاهما فإذا أوصل بالشرط فإنما منعنا ~~الحكم لضرورة الشرط ولا ضرورة فى منع السبب وانعقاده عليه فانعقد السبب ~~وتأخر الحكم ولأن الطلاق عقد شرعى له حكم وقد وجدنا فى أصول الشرع وجود عقد ~~بصورته وتأخر العقد عنه وهذا لأن عقد التطليق قوله أنت طالق مضافا إلى محل ~~النكاح فإذا وجد وتحقق فكيف يحكم بتأخره # نعم يجوز أن يتأخر حكمه لأنه لم يوجد فأما تأخر عقد الطلاق مع وجود تصوره ~~من أهله فى محله فمحال PageV01P256 # وخرج على هذا قوله إن أكرمتنى أكرمتك لأنه لا يتصور دخوله على الإكرام ~~فحسب وهاهنا يتصور دخوله على الحكم لا على السبب وهذا لأن الإكرام شىء واحد ~~فلا بد إذا علق شىء أن يتأخر فأما هاهنا فإن هذا ms204 عقد شرعى له حكم فيجوز أن ~~يدخل على الحكم فيتأخر وينتجز العقد # وقد ذكرنا هذا الفصل فى خلافيات الفروع وأجبنا بجوابات مقنعة واقعة والذى ~~ذكرنا هاهنا جواب برهانى فى غاية الوضوح # وقولهم إن الطلاق ما ينزل فى محله فبينا اتصال العقد بالمحل بصورة قوله ~~أنت طالق فبقوله أنت اتصل اللفظ بالمحل وهذا يكفى للاتصال سببا وأما ~~الاتصال وقوعا ونزولا فيكون عند الشرط والمسائل مبنية على هذا الأصل وقد ~~عرف فى الخلافيات فلا يحتاج إلى الإعادة هاهنا # والله أعلم PageV01P257 # | القول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه # قال أبو بكر الصيرفى البيان إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى # وذكر الشافعى البيان فى الرسالة فقال البيان اسم جامع لأمور متفقة الأصول ~~متشعبة الفروع # واعترض عليه أبو بكر بن داود وقال البيان أبين من التفسير والذى فسرته # وهذا لا يصح لأن الشافعى رحمه الله لم يقصد بقوله حد البيان وتفسير معناه ~~وإنما أراد به أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان فهى متفقة ~~فى أن الاسم البيان يقع عليها ومختلفة فى مراتبها فبعضها أجلى وأبين من ~~البعض لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه ومنه ما يحتاج ~~إلى تدبر وتفكر فيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا ~~فأخبر أن بعض البيان أبلغ من البعض ويدل على ذلك أن الله تبارك وتعالى ~~خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه وجميع ذلك بيان وإن ~~اختلفت مراتبها # وقال أبو بكر الدقاق البيان هو البيان الذى يبين به العلوم # وقيل إن البيان هو الأدلة التى يتبين منها الأحكام وبهذا قال الأشعرى ~~والجبائى واختار القاضى أبو الطيب الطبرى الحد الذى ذكره أبو بكر الصيرفى ~~وقد اعترض عليه من وجهين # أحدهما أن البيان المبتدأ من قبل الله تعالى لا يدخل فى هذا الحد وإن كان ~~بيانا فإنه ربما ورد من الله تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد فلا يكون ~~مخرجا لشىء من حد ms205 الإشكال إلى حد التجلى PageV01P258 # والثانى أن لفظ البيان أظهر من قوله إنه إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى ~~حيز التجلى # ومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود # وقد قال القاضى أبو الطيب ما كان إيضاحا لمعنى وإظهارا له فهو بيان له ~~وما دون ذلك فلا يكون بيانا والذى يبينه الله تعالى ابتداء إيضاح لما جهله ~~الناس وما لم يتبينوه فيجوز أن يدخل تحت حد البيان # والذى قالوا أنه أغمض من البيان المعروف فليس بشىء لما ذكرناه من دليله # وحكى القاضى أبو الحسن الماوردى عن جمهور الفقهاء أن البيان إظهار المراد ~~بالكلام الذى لا يفهم منه المراد إلا به وهذا الحد أحسن من جميع الحدود لأن ~~البيان فى اللغة هو الظهور والكشف من قوله بان الهلال إذا ظهر وأبان ما فى ~~نفسه إذا أظهر ويعترض الحد الذى ذكره المتكلم فيقال إن الله تعالى قد قال ~~@QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ ~~النحل 44 فى الكتاب دليل فدلت الآية أن البيان غير الدليل # وقول أبى بكر الدقاق فى الحد حسن أيضا # وإذا عرفنا الحد فاعلم أن النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب والفحوى كل ~~هذا بيان وقد ذكرنا من قبل حد العموم وحد دليل الخطاب وفحواه فنذكر الآن ~~معنى النص والظاهر وحدهما فنقول # النص ما رفع فى بيانه إلى الحكم غايته ومنه منصة العروس ترتفع عليها على ~~سائر النساء وتتكشف لهن بذلك # ومما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير العنق فإذا وجد ~~فجوة نص # معناه رفع فى السير على ما كان يسير من قبل # ومنه قول امرىء القيس # ( وجيد كجيد الريم ليس بفاحش % إذا هن نصته ولا بمعطل ) # وقال القاضى أبو حامد النص ما تعرى لفظه عن الشركة ومعناه عن الشبهة # وقيل ما استوى ظاهره وباطنه # وقيل كل لفظ مقيد لا يتطرق إليه تأويل PageV01P259 والألفاظ قريبة بعضها ~~من بعض والأول حد حسن والأول عندى هو الأولى # واعترض بعضهم على ذكر اللفظ وقال الفحوى ms206 نص وليس بلفظ ونحن نقول إن ~~الفحوى ليس بنص ولكنه مقتضى له # وقد ذكر أبو زيد من أربعاتة التى ذكرها فى أصوله ونقصد إيراد أربعة أوجه ~~فى كل فصل بذكره إيراد من لا ينظر إلى معنى وإنما ينظر إلى صورة عدد تورده ~~ويكون قصده بلوغ العدد المقصود لا غير فقال فى أقسام الثابت بالظاهر دون ~~الظاهر والرأى هذه الأحكام أقسام أربعة الثابت بعين النص والثابت بدلالة ~~النص والثابت بإشارة النص والثابت بمقتضى النص وزاد غيره فقال والثابت بضم ~~النص # فالثابت بعين النص يكثر # وأما الثابت بدلالة النص فذكر قوله تعالى @QB@ للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم @QE@ الحشر 8 فثبت من دلالة النص ملك الكفار ~~أموال المسلمين لأنه جعل لهم أموالا ثم سماهم فقراء والفقير هو عديم الملك ~~لا البعيد من الملك لأنه ضد الغنى والغنى من ملك لا من أصابه بيده # قال وكذلك قوله @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ الأحقاف 15 فيه دلالة ~~على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد اختص بفهمه عبد الله بن عباس رضى الله ~~عنهما # وكذلك قوله تعالى @QB@ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ البقرة ~~187 فيه دلالة على أن الجنابة لا تضاد الصوم لأنه تعالى أباح الجماع إلى ~~مدة الصباح ثم أمره بإتمام الصوم ومن ضرورة إباحة الجماع إلى مدة الصباح ~~وجود الجنابة بعد الصبح وذكر من هذا الجنس مسائل # وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ~~@QE@ الإسراء 23 فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب # وكذلك قوله تعالى @QB@ فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ~~@QE@ البقرة 184 فلما أوجب القضاء إذا أفطر بعذر ففيه دلالة أنه إذا أفطر ~~بغير عذر يوجب PageV01P260 عليه القضاء # وكذلك ما روى أن ماعزا زنا فرجم صار رجم ماعز ثابتا بالنص ورجم غيره ~~ثابتا بدلالة النص وذكر أمثلة لهذا أيضا منها الأكل مع الوطء فى نهار رمضان ~~وغير ذلك وخرج عليه مسألة اللواطة مع الزنا وذكر أنها دونه ومسألة ms207 القتل ~~بالمثقل وذكر أنه دون القتل بالسيف وهذه أشياء قد ذكرت في خلافيات الفروع ~~وقد تكلمنا على ذلك # قال وأما الثابت بمقتضى النص فهو زيادة على النص لا يتحقق مع النص بدونها ~~فاقتضاها النص حتى يتحقق معناه ولا يلغو وصار المقتضى مضافا إلى النص مثل ~~حكمه وشبه هذا بشرى الأب فإنها إعتاق حكما وإن لم توجب العتق بنفسه بل ~~بزيادة الملك ولكن لما ثبت الحكم بالشرى صار حكمه وهو العتق مع الملك حكمين ~~للشرى # قال وهذا لا خلاف فيه وهو إنما مثل قوله أعتق عبدك عنى على ألف فالملك ~~يقتضى هذا النص ثم إنه ذكر أنه لا عموم للمقتضى # قال وعند الشافعى رحمه الله له عموم واحتج لنفسه وقال المقتضى ساقط من ~~النص بعينه فى الأصل لا حكم له وإنما أثبتنا ضرورة أن يصير الكلام مفيدا ~~فإذا ثبت بقدر ما صار به الكلام مفيدا زالت الضرورة فيسقط ثبوته كالميتة ~~حكمها الحرمة فى الأصل والحل ثبت ضرورة فيعذر تقديرها وهو قدر سد الرمق دون ~~ما سواها من التمول والجمل والشبع # ونحن نقول أن المقتضى يجوز أن يدعى فيه العموم لأنه ثابت ضرورة فصار ~~كالثابت نصا ونقول كلما أمكن طلب فائدة العموم منه يجوز أن تطلب لأن ~~الاختصار والحذف عام فى كلام العرب ويعدونه من الفصاحة والبلاغة فصار ~~المقتضى كمضمر الكلام ثم دعوى العموم فى المضمر جائز كذلك فى المقتضى ~~والمضمر مثل قوله @QB@ واسأل القرية @QE@ يوسف 82 معناه أهل القرية وكقوله ~~تعالى @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ مريم 4 معناه اشتعل شعر الرأس شيبا وغير ~~ذلك وقد ذكروا مضمر النص هذا هو الذى قلناه PageV01P261 # واعلم أن هذا الذى أوردوه ليس فى أكثره ما يعترض عليه وما قالوه على ~~أصولهم فقد أحسنوا فى مواضعه لكن هذه الأقسام ليست بنص إنما النص ثابت ~~بعينه وأما الثابت بعموم ودلالة لا يكون نصا إنما هو دليل مستخرج من النص ~~وإنما المقتضى من الضمير فيجوز أن يقال إنه نص أو بمنزلة النص كما بينا أنه ~~على وفق لسان العرب ms208 # وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أن العموم نص فيما يتناوله من المسميات وقد ~~سمى الشافعى الظواهر نصا فى مجارى كلامه والأولى أن لا يسمى العموم نصا ~~لأنه يحتمل الخصوص ولأن العموم فيما يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه ~~البيان ولكن العموم ظاهر # ونحن نقول حد الظواهر هو لفظ معقول يبتدر إلى الفهم منه معنى مع احتمال ~~اللفظ غيره فعلى هذا العموم ظاهر فى الاستيعاب لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك مع ~~أنه يحتمل غيره وهو الخصوص # وكذلك الأمر يجوز أن يقال هو ظاهر فى الإيجاب لأنه يبتدر الفهم ذلك مع ~~أنه يحتمل غيره وهو الندب والإباحة # وكذلك صيغة النهى ظاهر فى التحريم ويحتمل غيره من الكراهة والتنزيه وعلى ~~هذا قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل ~~نفى الفضيلة والكمال # وكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى ~~الفضيلة وأمثال هذا تكثر # ومن ذلك يلقى المفهوم من الخطاب المقيد بالصفة ظاهر فيما يستعمل فيه ~~المفهوم وقد يتبع مثل هذا الظاهر فى الحروف مثل إلى الغاية وغير ذلك # وهكذا فى الظاهر كل لفظ يحتمل معنيين وأكثر وبعضها أظهر وأولى باللفظ ~~فيحمل على الأولى والأظهر ويكون اللفظ ظاهر فيه وهذا قريب مما ذكرناه من ~~قبل PageV01P262 # وأما المجمل فاعلم أنه قد يعلق المجمل على العموم ومن قولك أجملت الحساب ~~إذا جمعت إفادة له وإن أثبته تحت صيغة جامعة ولكن المجمل على اتفاق ~~الأصوليين مخالف للعموم وقيل المجمل ما لا يفهم منه المراد به وقيل ما عرف ~~معناه من غيره فإن قال قائل هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال قلنا أجمل ~~ليتفاضل درجة العلاء بالاجتهاد وبدراسة معانيه # ثم اعلم أن المحتاج إلى البيان ضربان # أحدهما ما يحتاج إلى بيان ما لم يركب وهو العموم الذى قصد به الخصوص # والضرب الثانى ما يحتاج إلى بيان ما فيه وهو المجمل الذى لا يفهم منه ~~المراد ونقول الإجمال قد يكون فى الاسم المشترك مثل القرء ms209 ينطلق على الحيض ~~والطهر والشفق يطلق على الحمرة والبياض والذى بيده عقدة النكاح يطلق على ~~الأب والزوج والمراد من اللفظة واحد من هذين فى هذه المواضع # والاجتهاد داخل فى المراد باللفظ وكذلك يجوز أن يكون الدليل من قرينة ~~تتصل باللفظ وقد يكون الإجمال فى المراد باللفظ مع أن اللفظ فى اللغة لشىء ~~واحد وذلك مثل قوله @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ البقرة 43 غير ~~أن البيان فى هذا النوع من المجمل موقوف على الرسول صلوات الله عليه بقول ~~منه أو فعل # وقد يكون البيان بالاجتهاد مثل قوله @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون @QE@ التوبة 29 وقد اجتهد العلماء فى أقل الجزية وقال سبحانه وتعالى ~~@QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ ~~الجمعة 9 أجمل الله تعالى وكذلك ذكر العدد الذى ينعقد به الجمعة حتى اجتهد ~~العلماء فيه # وقال تعالى @QB@ لينفق ذو سعة من سعته @QE@ PageV01P263 ) الطلاق 7 فأجمل ~~الله تعالى نفقة السر وجاءت فى أكثرها وأوسطها وأقلها حتى اجتهد العلماء فى ~~ذلك فهذا وأنواعه من المجمل الذى يوصل إلى بيانه من أصول أدلة الشرع # فإن قال قائل ما حكم المجمل قبل ورود البيان # قد قالوا إن التزام المجمل قبل بيانه واجب والدليل عليه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله فإن أجابوك فأعلمهم أن فى أموالهم حقا يؤخذ من أغنيائهم ويرد فى ~~فقرائهم فقد أوجب عليهم التزامها قبل بيانها # واختلف أصحابنا فى كيفية التزامها قبل البيان # فقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان # وقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا وبعد البيان بالتزامه ~~مفسرا ومن وجوه المجمل ما يكون المجمل فى بعض الخطاب فيكون مقتضيا لإجمال ~~صيغة # وذلك مثل قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق @QE@ ~~الأنعام 151 لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا ومثل هذا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم ms210 الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما ~~أو حرم حلالا لما كان الحرام والحلال مجملين صار المراد بالصلح مجملا # ومن المجمل ما لا يكون إجمال بعضه مقتضيا إجمال باقيه وهو أن يكون بعضه ~~مستقلا بنفسه وبعضه مفتقرا إلى البيان كقوله تعالى @QB@ ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا @QE@ النساء 43 فالجنب مجمل والغسل مفتقر لا يصير بإجمال ~~الجنابة مجملا ويكون البيان إذا ورد مقصورا على موضع الإجمال # وأما المفسر فهو المنصوص ومحاويها ومفهوماتها المستقلة بأنفسها فلا تحتاج ~~إلى بيان بظهور معناه بنفسه # وحد المفسر ما يفهم منه المراد به وقيل ما يعرف معناه من لفظه وكل خطاب ~~استقل بنفسه وعرف المراد به فهو من المفسر الذى يستغنى عن البيان ~~PageV01P264 # | فصل # وإذا وصلنا إلى هذا الموضع نذكر # | المحكم والمتشابه # فإنما يعرف معناهما من المجمل والمفسر فنقول إن الله تعالى وصف جميع ~~القرآن بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه # فالأول قوله تعالى @QB@ كتاب أحكمت آياته @QE@ هود 1 ومعناه أن منزله ~~أحكمه على وجه لا يقع فيه تفاوت # والثانى قوله تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها @QE@ الزمر ~~23 ومعناه أنه متماثل فى الدلالة والإعجاز والعلو # وأما الثالث فقوله تعالى @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ آل عمران 7 واختلف العلماء فى هذا المحكم ~~والمتشابه على أقاويل فقال عبد الرحمن بن زيد المحكم هو الذى لم يتكرر ~~ألفاظه والمتشابه الذى تكررت ألفاظه # وعن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم أن المحكم الناسخ والمتشابه ~~المنسوخ # وقال مجاهد المحكم ما لا يتشابه معانيه والمتشابه ما اشتبهت معانيه # وقال بعضهم المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا فلم يحتج أى ~~نظر وتدبر والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها واحتاج إلى تأمل وتفكر فى ~~الوقوف على المراد به # وأحسن الأقاويل أن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه ~~أحدا من خلقه وكلفهم الإيمان به والمحكم مما أطلع العلماء عليه وأوقفهم على ~~المراد به وهذا هو ms211 المختار على طريقة السنة وعليه يدل ما ورد من الأخبار ~~وما عرف من اعتقاد السلف فعلى هذا يكون على قوله تعالى @QB@ وما يعلم ~~تأويله إلا الله @QE@ وقف تام ثم يبتدىء قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ ~~واو العطف إلا شرذمة قليلة من الناس واختاره البعض من المتأخرين # وقد كان يعتقد مذهب السنة وعليه يدل كلامه فى كتبه لكنه سها فى هذه ~~المسألة PageV01P265 ولكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة # وقد نقل بعضهم مثل ذلك عن مجاهد من السلف ولا أعلم تحققه وقد تكلمت فى ~~هذا ودللت على ما يذهب إليه أكثر السلف فى كتاب منهاج السنة وأوردت على ~~مافيه الغنية فاقتصرت فى هذا الكتاب على هذا القدر والله الموفق للصواب ~~والهادى إلى الرشاد بمنه # | فصل # ويذكر بعد هذا الذى ذكرنا # | الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما # كما يشتمل القرآن على المجمل والمبين والمبهم والمفسر والخاص والعام ~~والمحكم والمتشابه فهو يشتمل أيضا على الحقيقة والمجاز وكذلك التشبيه # وأنكر قوم وجود المجاز فى اللغة ولا يخلو كلامهم فى ذلك إما يكون خلافا ~~فى معنى أو عبارة والخلاف فى المعنى ضربان # أحدهما أن يقولوا إن أهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فإما يقولوا إنه مجاز ~~فيه نحو اسم الحمار فى البليد والأسد فى الشجاع وهذا مكابرة لا يرتكبها أحد # وإما أن يقولوا إن أهل اللغة وضعوا فى الأصل اسم الحمار للبليد كما وضعوا ~~للبهيمة وهذا باطل لأنه كما يعلم لم يضطرد أنهم يستعملون ذلك فى البليد ~~فإنه يعلم أنهم استعملوا ذلك على طريق التشبيه وإن استحقاق البليد هذا ~~الاسم ليس كاستحقاق البهيمة وكذلك يسبق إلى الأفهام من قول القائل رأيت ~~الحمار البهيمة البليد PageV01P266 ولو كان ذلك موضوعا لهما على السواء لم ~~يسبق إلى الأفهام أحدهما # فإن قيل فإذا كانت الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوزوا بالأسماء فى غير ~~ما وضعت له قلنا المجاز يشتمل على أشياء لا توجد فى الحقيقة يقصدها العرب ~~فى كلامها منها المبالغة وإنا إذا وصفنا البليد بأنه حمار نكون أبلغ فى ~~البيان عن بلادته من ms212 قولنا بليد ومنها الحذف والاختصار ومنها التوسع فى ~~الكلام ومنها الفصاحة # وأما الخلاف فى الاسم فبأن مبهم المجاز أن استعمال اسم الحمار فى البليد ~~ليس موضوع له فى الأصل وأنه بالبهيمة أخص لكن نقول لا نسميه مجازا إذا عنى ~~به البليد ولأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع قرينة حقيقة # فيقال له إن أردت أن العرب لم تسميه بذلك فصحيح وإن أردت أن الناقلين ~~عنهم لم يسموه كذلك فباطل تلقيهم كتبهم بالمجاز وأنهم يقولون فى كتبهم هذا ~~الاسم مجاز وهذا الاسم حقيقة وليس إذا لم يشتهر العرب بذلك يمنع أن يضع ~~الناقلون عنه له هذا الاسم ليكون آلة وأدلة فى صناعتهم لأن عبارة أهل ~~الصنايع أنهم يعقلون ذلك ولهذا يسمى النحاة الضمة المخصوصة رفعا والفتحة ~~نصبا ولم يلحقهم بذلك عتب # وأما تسمية الخصم مجموع الاسم والقرينة مجموع حقيقة فإنه أوضح ذلك بقدح ~~ذلك فى تسمية أهل اللغة الاسم بانفراده مجازا على ما حكيناه عنهم # | فصل فى حسن دخول المجاز فى خطاب الله عز وجل وفى أنه قد خاطب به # ذهب الجمهور إلى أن الله تعالى قد خاطبنا فى القرآن بالمجاز ونفى بعض أهل ~~الظاهر ذلك وقالوا إن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للعجز عن التكلم ~~بالحقيقة وذلك يستحيل على الله تعالى ولو خاطب الله تعالى بالمجاز ~~والاستعارة لصح وصفه بأنه متجوز فى خطابه وبأنه مستعير ولأن المجاز لا يغنى ~~عن معناه بنفسه فورود القرآن به يؤدى إلى الالتباس ولأن القرآن كله حق ~~فيكون كله حقيقة لأن الحق والحقيقة معنى واحد # أما دليلنا فنقول فى الدليل على حسن ذلك أن القرآن أنزل بلسان العرب وفى ~~PageV01P267 إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب يقتضى حسن خطابه إيانا ~~فيه بلغتها ما لم يكن فيه تنفير والتنفير يكون بالكلام السخيف الذى ينسب ~~قائله إلى المجون والغى وليس هذا سبيل المجاز لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر ~~بالمجاز والاستعارة ثم الدليل على أن فى القرآن مجازا كقوله تعالى @QB@ ~~جدارا يريد أن ينقض @QE@ الكهف 77 وقوله ms213 تعالى @QB@ فاصدع بما تؤمر @QE@ ~~الحجر 94 وقوله تعالى @QB@ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة @QE@ الإسراء 24 ~~وقوله تعالى @QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله @QE@ الأحزاب 57 وقوله تعالى ~~@QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ القلم 42 أى شدة وقوله تعالى @QB@ وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا @QE@ الفرقان 23 أى ذاهبا وقال تعالى فى ~~حل النساء @QB@ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن @QE@ البقرة 187 وقال تعالى ~~@QB@ كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله @QE@ المائدة 64 فليس يخلو إما أن ~~يقول هذه الألفاظ وضعت فى الأصل للمعانى التى أراد الله سبحانه وتعالى وهذا ~~قد أفتاه من قبل وإما أن يقول هذا الكلام كان مجازا فى اللغة بهذه المعانى ~~ثم نقل إليها بالشرع فصار من الحقائق الشرعية وهذا باطل لأنه لو كان كذلك ~~لسبق إلى أفهام أهل الشرع معانيها التى أرادها الله عز وجل كما يسبق إلى ~~أفهامهم الصلاة الشرعية ومعلوم أنه لا يسبق إلى الأفهام فى قوله @QB@ جدارا ~~يريد أن ينقض @QE@ الكهف 77 الإرادة التى توجد للإنسان وقوله @QB@ فاصدع ~~بما تؤمر @QE@ الحجر 94 الصدع الذى هو الشق وكذلك فى قوله @QB@ واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة @QE@ الإسراء 24 الجناح الذى يكون للطائر فثبت بطلان ~~ما ادعوه وعرف قطعا وجود المجاز فى القرآن # فأما قولهم إن العدول إلى المجاز عجز إنما يقتضى العجز عن الحقيقة أو لم ~~يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة ومعلوم أن العدول إلى المجاز ~~يحسن لما فيه من زيادة اللفظ والمبالغة فى التشبيه والتوسع فى الكلام ~~والاختصار والحذف على ما هو عادة العرب فدل أن ذلك ليس بعجز # وأما قولهم إنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى الرب عز وجل متجوزا أو مستعيرا # قلنا عندنا لا يجوز أن يسمى الرب تعالى أو يوصف بوصف إلا الذى ورد به ~~القرآن والسنة ولأنه لما يقال فى العادة فلان متجوز فى أفعاله وأقواله إذا ~~كان يسمى بالقبح منها # وأما قولنا مستعير فإنما يفهم من إطلاقه إذا استأذن غيره فى التصرف فى ms214 ~~ملكه PageV01P268 لينتفع به وكل ذلك يستحيل على الله عز وجل # وأما قولهم إنه يؤدى إلى الالتباس # قلنا لا التباس مع القرينة الدالة على المراد # وأما قولهم إن كل القرآن حق فيكون كله حقيقة # قلنا ليس الحقيقة من الحق فسنبين أن الحق فى الكلام أن يكون صدق وأن يجب ~~العمل به والحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له وسواء كان صدقا أو كذبا ألا ~~ترى أن قول النصارى ثالث ثلاثة ليس بحق وهو حقيقة فيما أرادوه وقوله صلى ~~الله عليه وسلم يا أنجشة رفقا سوقا بالقوارير ليس بحقيقة فيما قيلت فيه وهو ~~صدق وحق فدلنا أن أحدهما غير الآخر # ويقول إن القرآن نزل بلسان العرب قلنا اشتمل القرآن على أقسام كلامهم ~~فيما عدا المجاز اشتمل أيضا على المجاز ليكون كلام الله تعالى جامعا لأقسام ~~الكلام فيكون أبلغ فى الإعجاز مع التحدى وهذا الكلام وجيز حسن والله الهادى ~~بمنه # | فصل # وإذا ثبت جواز المجاز فى القرآن والسنة فلكل مجاز حقيقة وليس لكل حقيقة ~~مجاز # لأن الحقيقة أصل المجاز فافتقر المجاز إلى الحقيقة ولم تفتقر الحقيقة إلى ~~المجاز # وأما حد الحقيقة والمجاز فقال بعضهم الحقيقة هى اللفظة المستعملة فى ~~موضعها والمجاز هو اللفظ المستعمل فى غير موضعه PageV01P269 # وأحسن من هذا أن يقال الحقيقة ما استغنت بها ما وضعت له والمجاز ما ~~استفيد به غير ما وضع له # وقال بعضهم ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل فهو ~~حقيقة وما لا ينتظم لفظه معناه إما لزيادة أو نقصان أو نقل فهو مجاز # واعلم أن للحقيقة والمجاز شروطا يعتبرونها # أحدهما أن الحقيقة والمجاز لا يدخلان فى أسماء الألقاب ويدخلان فى أسماء ~~الاشتقاق # والثانى أنه لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة لشىء فإن خلت اللغة من ~~وضع لفظ لشىء خرج عن الحقيقة والمجاز # والثالث ما ذكرنا فإنه لا يجوز أن يكون اللفظ مجازا فى شىء ولا يكون له ~~حقيقة ويجوز أن يكون حقيقة فى شىء ولا يكون له مجازا عن غيره ms215 # والرابع أن الحقيقة مطردة والمجاز غير مطرد # والخامس أن الحقيقة تتعدى والمجاز لا يتعدى لأنه إذا سمى الرجل أسود ~~لسواده PageV01P270 جاز أن يسمى كل أسود من غير الرجال وإذا سمى الرجل ~~الشديد أسدا لم يجز أن يسمى كل شديد من غير الرجال أسدا # واعلم أنه إذا كان للفظة حقيقة ومجاز وجب حملها على الحقيقة دون المجاز ~~بحكم الظاهر إلا بدليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز فيحمل على المجاز ~~بالدليل # والحقيقة على ثلاثة أضرب لغوية وعرفية وشرعية # والمجاز على ثلاثة أضرب لغوى وعرفى وشرعى # فاللغة أصل فيهما والعرف ناقل لهما عن اللغة إلى العرف والشرع ناقل لهما ~~عن اللغة والعرف # أما الحقائق اللغوية فمعلومة لكل أحد فإنه يوجد فى اللغة ألفاظ مقيدة ~~للشىء الواحد على الحقيقة وقد يوجد أيضا ألفاظ مقيدة للشىء وبخلافه حقيقة ~~على طريق اشتراك وضع من هذا قرء والدليل على جواز ذلك أنه لا يمتنع أن يضع ~~قبله أتم القروء للحيض فيضع أخرى للطهر ويشيع ذلك ويجعل كون الاسم موضوعا ~~لهما من جهة قبيلتين فهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل أوعلى أن وجود ~~مثل هذه الأسماء يغنى عن الدليل وقد ذكره أهل اللغة فى كتبهم # وأما مسألة الحقائق الشرعية فقد ذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين إلى أن ~~الاسم اللغوى يجوز أن يتقبله الشرع إلى معنى آخر فيصير اللفظ فى ذلك المعنى ~~حقيقة شرعية ونفى قوم من أهل العلم ذلك وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن ~~الطيب وذهبوا إلى أنها مقرة على حقائق اللغات لم ينقل ولم يزد فى معناها # وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيدت فى معناها فى الشرع # والأصح PageV01P271 هو القول الأول وصوروا الخلاف فى الصلاة والزكاة ~~والحج والعمرة وما أشبه ذلك فإن الصلاة فى اللغة الدعاء # وقيل من ملازمة الشىء من قولهم صلى بالنار واصطلى بها # والزكاة هى النمو لغة والحج والعمرة القصد # وقد حمل الشارع الصلاة لأفعال مخصوصة والزكاة لفعل مخصوص من إخراج مال ~~مخصوص والحج والعمرة لأفعال فى أزمنة معلومة والحج ms216 من يتبع ذلك # وقال إن الله تعالى أتى فى القرآن بلسان العرب وقال @QB@ بلسان عربي مبين ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ إبراهيم 4 ~~والصلاة فى لغة العرب الدعاء والحج هو القصد والصوم هو الإمساك فإذا ورد به ~~الشرع وجب أن يحمل على ما يقتضيه لسان العرب # ببينة أن هذا النقل يقبح لأن إذا نقل الاسم من معناه إلى معنى آخر اقتضى ~~تغير الأحكام المتعلقة به نحو أن يأمر الله عز وجل بالصلاة ويعنى بها ~~الدعاء فإذا نقل الاسم إلى هذه الأركان تغير به الفرض # قالوا فإن لم تغير حقيقة كون الصلاة اسم لهذه الأفعال التى نعرفها وفى ~~اللغة على الدعاء فإذا جعلت اسما يهدم عينها فقد تغيرت # نقول إن اسم الصلاة فى اللغة الدعاء وسميت الصلاة الشرعية بذلك لأن فيها ~~PageV01P272 دعاء فلم يختلف معناه # والزكاة النماء وسميت الصدقة المفروضة زكاة لما يوجد فيها من زيادة ~~الثواب فى الآخرة والنماء هو الزيادة وسميت الأفعال المعهودة حجا لأن الحج ~~فى اللغة القصد فسميت هذه العبادة المخصوصة حجا لأن فيها قصدا # قالوا ولأنه لو قال فى الأسماء شبهة قول لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيانا يقع به العلم لأن معناه لا بد من وقوع العلم فيه حتى يتوصل إليه ولو ~~بين بيانا يقع به العلم لقلنا ذلك كما علمهم ولما لم نعلم ذلك لأنه لم يفعل ~~ويجوز ما بينا فيدل أولا على إمكان نقل الأسماء # فنقول إن كون الاسم اسما لمعنى نقل لشىء ولا يجب وإنما هو تابع للاختبار ~~به بدليل انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة ولأنه كان يجوز أن يسمى ~~المعنى بغير ما سمى به نحو أن يسمى البياض سوادا أو الحركة سكونا أو غير ~~ذلك # وإذا كان كذلك جاز أن يختار مختار سلب الاسم من معناه أو نقله إلى غيره ~~وإذا كان ذلك نافعا للاختبار # فإذا قال قائل إذا جوزنا ذلك لتباينت الحقائق # قلنا إنما كان يلزم ذلك أن لو استحال انفكاك الآية عن المعنى ms217 وقد جاء أن ~~الأمر بخلاف ذلك ثم نقول قد جاء الشرع بعبادات لم تكن معروفة فى اللغة فلم ~~يكن بد من وضع اسم لها للتميز به عن غيرها كما يجب ذلك فى موارد يؤلفه بلا ~~كتاب وفى آلة يستحدثها بعض الصناع ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم ~~مبتدأ وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة ألا ترى فى المولود لا فرق ~~بين أن يستحدث له اسما ابتداء وبين أن يظل له اسما نعبر به # ثم الدليل على أن الشرع قد نقل بعض الأسماء أن قولنا صلاة لم يكن مستعملا ~~فى اللغة بمجموع هذه الأفعال الشرعية ثم صار اسما بمجموعها حتى لا يعقل من ~~إخلافه سواه # وكذلك فى الحج والزكاة فثبت الوجود وإذا ثبت وجود النقل ثبت النقل إجماعا # وأما كلامهم # أما الأول قولهم إن القرآن والسنة جاءت بلسان العرب # قلنا نحن نقول إن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب وهذه الأسماء كلها عربية ~~والخطاب بها خطاب بلغة العرب وليس إذا استعمل ذلك فى غير ما وضعته العرب ~~PageV01P273 خرج من أن يكون خطابا بلسان العرب ألا ترى أن الحمار قد يستعمل ~~فى غير ما وضعته العرب وهو الرجل البليد وكذلك البحر يستعمل فى غير ما ~~وضعته العرب وهو الرجل الجواد ولا يخرج الخطاب بذلك عن أن يكون خطابا بلسان ~~العرب # وأما قولهم إنه يؤدى النقل إلى تغير الأحكام الشرعية # قلنا هذا النقل كان لتقرير الأحكام الشرعية لا لتغيير الأحكام الشرعية ثم ~~يمنع نقل اسم عن معناه إذا كان قد تعلق به فرض ولا يمنع من نقل اسم لم ~~يتعلق به فرض # وأما قولهم إنما سميت الصلاة صلاة لأنها تشتمل على الدعاء # قلنا إن قلتم أن اسم الصلاة واقع به على جملة هذه الأفعال لأن فيها دعاء ~~فقد سلمتم ما يزيده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده فى اللغة ولا يضرنا أن ~~يتعللوا وقوع الاسم على هذه الأفعال مما ذكرتم وإن أردتم أن اسم الصلاة ~~واقع على الدعاء من ms218 جملة هذه الأفعال دون مجموعها فذلك باطل لأن المفهوم من ~~قولنا صلاة جملة الأفعال والمفهوم من قولنا فلان فى الصلاة أنه فى جزء من ~~هذه الأفعال دعاء كان أو غيره والمفهوم من قولنا فلان خرج من الصلاة أنه ~~فارق جملة الأفعال ولو كان الأمر كما ذكروه لوجب إذا قلنا إنه خرج من ~~الصلاة أفاد أنه خرج من الدعاء وإذا عاد إلى الدعاء يجوز أن يقال إنه قد ~~عاد الآن إلى الصلاة فلما لم يقل ذلك دل أن الصلاة اسم الأفعال المعلومة ~~بجملتها وهذا الاسم واقع على جملة الأفعال على وجه واحد فثبت أن النقل قد ~~صح # وقد قال الأصحاب إن صلاة الأخرس صلاة حقيقة ولا دعاء فيها فدلت أن الاسم ~~فى الشرع ليس بمعنى الدعاء # وقد قال بعض أصحابنا معترضا على ما قلناه وقال الدعاء التماس وأحوال ~~المصلى أحوال يخضع المصلى فيها لربه عز وجل ويبغى بها التماسا فالشرع عمم ~~الكل اسم الدعاء تجوزا واستعارة وهذا دعوى المجاز فى هذه الألفاظ والأصح أن ~~هذه الأسماء حقائق شرعية ويجوز أن يقال إن هذه الأسماء شرعية فيها معنى ~~اللغة لأن الصلاة لا تخلو من الدعاء فى أغلب الأحوال # والأخرس نادر ولأنا لو اعتبرنا ذلك فقد يخلو فى حق بعض المرضى عن معظم ~~الألفاظ وهذا اللفظ لا بأس به # وأما قولهم إنه لو حصل لها هذا النقل لوقع لنا العلم به # قلنا قد أجبنا عن هذا فيما تقدم وعلى أنا نقول إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد بين ذلك بيانا PageV01P274 ثابتا ألا ترى فى كل موضع ذكر الصلاة لم ~~ترد إلا هذه الأفعال ولكن ليس من شرط البيان أن يقع العلم به لكل أحد ألا ~~ترى أنه صلى الله عليه وسلم بين الحج بيانا ثابتا ثم لم يقع العلم به لكل ~~أحد حتى اختلف العلماء فى إحرامه فقال بعضهم كان مفردا وبعضهم قال كان ~~قارنا وقال بعضهم كان متمتعا # | فصل # أما الحقائق العرفية # فنقول الاسم العرفى هو ما انتقل عن بابه لعرف ms219 الاستعمال وغلب عليه لا من ~~جهة الشرع # أما إمكان نقل الاسم بالعرف فقد بان بما بان به إمكان نقله بالشرع ~~والدليل على حسنه أنه معلوم وأنه قد تنفر الطباع عن بعض المعانى ويحترز ~~الناس عن التصريح بذكره فيكفون عنه باسم ما اتصل به وذلك كقضاء الحاجة ~~بالمكنى عنه باسم المكان المطمئن من الأرض الذى تقضى فيه الحاجة # وقد سموا ما يدب دابة فلما كان الدبيب فى بعض الحيوان أشد وأظهر أو كانوا ~~له أكثر مشاهدة وكان اهتمامهم به لشرفها عندهم أشد كثرت استعمال قولهم دابة ~~فيه PageV01P275 فيصير هو المفهوم عند إطلاقه لكثرة استعمالهم الاسم فيه ~~وهو الفرس # وقد دل هذا الذى ذكرناه على وجود النقل كما دل على حسنه وقد قال أهل ~~اللغة إن التروية اسم للجمل وقد صار بالعرف المزادة والغائط للمكان المطمئن ~~وقد صار بالعرف اسما للحاجة وأما إشارة انتقال الاسم فهو أن يسبق الأفهام ~~عند سماعه معنى غير ما وضع له فى الاسم فإن كان السامع الاسم يتردد فى فهم ~~المعنى العرفى واللغوى معا كان الاسم مشتركا فيهما على سبيل الحقيقة # واعلم أنه كما جاز وجود الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية كذلك يجوز ~~وجود المجاز اللغوى والعرفى والشرعى فإن قال قائل ثم تعرفون الحقيقة عن ~~المجاز والمجاز عن الحقيقة # قلنا الأصل أن الكلام يحمل على الحقيقة بالإطلاق وعلى المجاز بالدليل ~~ويعرف الفصل بين الحقيقة والمجاز بوجوه منها أن يرد نص أو يقوم دليل أن ~~اللفظ مجاز # ومنها أن يعلم استعمال العرب اللفظ فى شىء وعدم استعمالها فى غيره فإذا ~~أطلق اللفظ حمل على ما استعملوه ويكون حقيقة # ومنها أن تكون اللفظة تطرد فى موضع ولا تطرد فى غيره فيعلم أنها قد اطردت ~~فيه حقيقة وفيما لم تطرد فيه مجاز # وبيان الإطراد وعدم الإطراد أن قولنا أطول يفيد ما اختص بالطول وإذا ~~علمنا أن أهل اللغة سموا الجسم طويلا عند اختصاصه بالطول ولولا ذلك ما سموه ~~طويلا علمنا أنهم سموه بذلك لطوله فسمينا كل جسم فيه طول طويلا # وأما ms220 فى المجاز فلا يثبت الإطراد بحال وهذا نحو تسميتهم الرجل الطويل ~~نخلة فإنه يجوز أن يسمى كل رجل طويل بذلك ولكن لا يجوز أن يسمى غير الرجل ~~بذلك # ومنها غلبة الظن وهو أن يرد لفظ يغلب على ظن السامع أنه حقيقة أو ترد ~~لفظة يغلب على الظن أنه مجاز وهذا لأن الفصل بينهما نوع حكم والأحكام تثبت ~~بغالب الظن ومنها أن يستعمل الشىء فى الشىء لمقابلته فيعلم أنه مجاز استعمل ~~لأجل المقابلة وهذا مثل قوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ الشورى ~~40 فهذه وجوه PageV01P276 فاصلة بين الحقيقة والمجاز وعند الإشكال ~~والاشتباه يحمل على الحقيقة إلا أن يقوم الدليل على المجاز # واعلم أن الكلام الواحد يجوز أن يكون له حقيقتان وقد يتفقان على المضادة # والدليل على جواز ذلك وجوده فإن الاسم العين يطلق على عين الرأس وعين ~~الماء وهو حقيقة فى كل واحد منهما والقرء اسم للحيض والطهر والشفق اسم ~~للحمرة والبياض وليس هذا بأكثر من المحمل الذى يصح وروده لما يقترن به من ~~البيان كذلك هاهنا صح أيضا لما يستعمل فيه من البرهان وقد يكون اللفظ له ~~حقيقتان فيحمل اللفظ عليهما جميعا كاسم الناض فى الذهب والفضة واسم الماشية ~~حقيقة فى كل نوع من الإبل والبقر والغنم فإذا ورد مثل هذا اللفظ فى موضع ~~يحمل اللفظ على كل ما هو حقيقة فيه إلا أن يخص أحدهما دليل # وأما إذا تناول الاسم الواحد شيئين متضادين كالحيض والطهر فى القرء وما ~~أشبه ذلك والحمرة والبياض فى الشفق فإنه يصار إلى الترجيح بالدليل فيرجح ~~أحدهما على الآخر ويصير الحكم الراجح ويجوز أن يرد تغيير بنيهما فى الشرع ~~فيخير المكلف أحدهما وهذا اللفظ الواحد إذا كان له حقيقتان متضادتان فهذا ~~وجه الكلام فيما قصدنا والله أعلم # مسألة يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان # وسواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازا وهذا قول أبى ~~على الجبائى وعبد الجبار وأحمد # وزعم أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان ms221 مختلفان ~~وهو قول أبى القاسم ويزعم الضميرى من أصحابهم أن هذا قول أبى حنيفة على ~~الخصوص وأن عند أبى يوسف ومحمد يجوز ذلك # واحتجوا فى ذلك وقالوا إن الحقيقة هى اللفظ المستعمل فى موضعه والمجاز هو ~~اللفظ الذى يجوز به عن موضعه ولا يجوز أن يكون اللفظ الواحد مستعملا فى ~~موضعه ومستعملا فى غير موضعه فى حالة واحدة بل يستحيل ذلك كما يستحيل ~~الاقتصار على الشىء والمجاوزة عنه فى حالة واحدة PageV01P277 # وقالوا يبين ذلك أن العبارة تعتبره عبارة عن الشىء المعبر به عنه بالقصد ~~إلى ذلك فلما استحال القصد إلى ما ذكرناه من هذين الشيئين المختلفين لم يجز ~~أيضا أن يكون اللفظ الواحد عبارة عنهما وقال أبو عبد الله البصرى المعروف ~~يجعل أن الإنسان يجد فى نفسه تعذر استعمال اللفظة فى مجازاتها وحقيقتها # قال وجرى مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به فى حالة واحدة وقالوا أيضا أن ~~المستعمل للكلمة فيما هى مجاز فيه لا بد أن يسم فيه كاف التشبيه والمستعمل ~~لحالتها على حقيقة فيه لا يسم فيه كاف التشبيه ومحال أن يضمر الشىء ولا ~~يضمره قالوا ولهذا نقول فى قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ المائدة ~~6 لما حمل على الوطء لم يجز حمله على اللمس باليد لأنه حمل على المجاز ولا ~~يحمل على الحقيقة # والدليل على أن الآية قد تناولت الوطء جواز التيمم للجنب ولهذا من حمل ~~الآية على اللمس باليد لم يجوز التيمم للجنب مثل ابن مسعود ومن حمله على ~~الوطء جوزه مثل ابن عباس # وأما دليلنا نقول إنكم لا تخلون إما أن تقولوا يستحيل فى مطلق اللفظ ~~المشترك إرادة المعنيين معا أو تقولوا لا يستحيل منه إرادتهما # فإن قلتم يستحيل إرادة المعنيين فهذا جحد الضرورة ومعاندة المعقول فإنا ~~نعلم قطعا جواز إرادة المعنيين المختلفين غير المتناقضين بلفظة واحدة ألا ~~ترى أنه لا يستحيل أن نقول إذا أحدثت فتوضأ يريد به البول والغائط وكذلك ~~تقول إذا لمست فتوضأ وتريد به الوطء واللمس باليد جميعا وهذا أمر قطعى لا ~~يمكن ms222 خلافه # وإن قلتم لا يستحيل إرادة المعنيين ولكن لا يفهم من مطلق اللفظ جميع ~~المعنيين من غير قرينة فهذا نحن نقول به فإنه إذا احتمل إرادة المعنيين ~~واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف فى معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع ~~والتخصيص # فإن قالوا هذا الدليل فى المعنيين المختلفين فما دليلكم فى الجمع بين ~~إرادة الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وقد بينا استحالته يدل عليه أن المجاز ~~لا يعقل من الخطاب إلا بقرينة وتقييد والحقيقة تعلم منه بالإطلاق من غير ~~قرينة وتقييد ويستحيل أن يكون الخطاب الواحد جامعا بين الأمرين فيكون مطلقا ~~مقيدا فى حالة واحدة وهذا كقرينة الخصوص وقرينة الاستثناء فإنه يستحيل أن ~~يكون اللفظ الواحد عاما خاصا مستثنى منه غير مستثنى منه PageV01P278 # الجواب أن اللفظ الواحد يجوز أن يحمل على الحقيقة والمجاز إذا تساويا فى ~~الاستعمال لكن إذا عرى عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إلا أن ~~يقوم الدليل على أنه مراد به وقيام الدلالة على إرادة المجاز لا ينفى عن ~~اللفظ إرادة الحقيقة والدليل على جواز ما ذكرناه صحة تعلق القصد والإرادة ~~بهما جميعا وصحة التصريح بهما متعلقين بلفظ واحد ألا ترى أنه يصح أن نقول ~~لا تنكحوا ما نكح آباؤكم عقدا ووطئا وتوضئوا باللمس مبينا وجماعا فإذا صلحت ~~الكلمة إنما كان الجمع بينهما مثل الجمع بين المعانى التى تشتمل عليها ~~الكلمة الواحدة كشمول لفظ العموم لجميع الآحاد ولفظ الأمر للإيجاب والإباحة # وأما قوله إن المجاز لا يعلم بتناول اللفظ بلا تقييد والحقيقة تعلم ~~بالإطلاق فلا جزم لأنا إنما ذكرنا هذا فى اللفظ الذى اشترك فى عرف استعمال ~~الحقيقة والمجاز معا وفى هذه الصورة لا ينافى جواز دخول العرف على كل واحد ~~منهما # فإن قيل فعلى ما قلتم تكون الكلمة الواحدة مجازا وحقيقة وهذا يستحيل # قلنا هذا لا نأباه لكن المجاز متعلق فيها بغير ما تعلق به الحقيقة وهذا ~~كالأمر الذى هو نهى عندنا عن جميع أضداد ما تناوله الأمر فهو إذا أمر ونهى ~~لكن اجتماعهما ms223 فى جهتين مختلفتين وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن معتمدهم وهو ~~الكلام الأول والثانى وهذا لأنه ليس بين إرادته وبين أن تكون الكلمة ~~مستعملة فى موضعها فى شىء ومعدولا بها عن موضعها فى شىء آخر تنافى كما لا ~~تنافى فى أن يريد به معنى ويريد به معنى آخر إنما التنافى أن نقول أراد أن ~~يستعملها فيما وضع له اللفظ وأراد أن لا يستعملها فيما وضعت له اللفظة وهذا ~~لا يقول به أحد # وأما حجة أبى عبد الله البصرى قلنا قولك إن الإنسان يجد من نفسه تعذر ذلك ~~دعوى # بل المعلوم فى نفسه صحة ذلك وأما إجراؤه هذا مجرى تعظيم زيد والاستخفاف ~~به فذلك مفارق لما نحن فيه ألا ترى أنه يجوز أن نريد الحقيقة والمجاز ~~بخطابين فى وقت واحد ولا يجوز أن يعظم زيد ويستخف به بفعلين فى وقت واحد ~~وعلى أن الفرق بين الموضعين أن الاستخفاف ينبىء عن اتضاع حال ذلك الغير ~~والتعظيم ينبىء عن ارتفاع حاله ومحال أن يكون الإنسان فى حالة واحدة مرتفع ~~الحالة ومتضع الحال وأما فى مسألتنا فلا تنافى ألا ترى أنه يستقيم أن نقول ~~أنهاك عن مسيس النساء PageV01P279 ونريد به اللمس باليد والجماع وأما الذى ~~قال من كأن للتشبيه وترك كاف التشبيه # قلنا إذا قال الإنسان رأيت السباع وأراد به أنه رأى أسدا ورجالا شجعانا ~~فإنه لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه فى بعضهم دون بعض ثم يدل على فساد ~~مذهبهم من أصولهم كأنهم قالوا لو حلف لا يضع قدمه فى الدار فدخل راكبا أو ~~ماشيا حنث وقد تناول اللفظ الحقيقة والمجاز # وكذلك قالوا لو قال اليوم يدخل فلانا الدار فعبده حر فدخل ليلا أو نهارا ~~حنث # وقالوا في السير الكبير لو أخذ الأمان لبنيه يدخل فيه بنوه وبنو بنيه وإن ~~كان فى أول اليوم من النهار حقيقة والليل مجازا وفى الثانى البنون بنوه من ~~صلبه حقيقة وبنو بنيه على وصف المجاز # واعلم أنه قد ذكر بعضهم أنه لا يجوز هذا من جهة اللغة ms224 لأن أهل اللغة ~~وضعوا قولهم حمارا للبهيمة وحدها وتجوزوا بها فى البليد وحده ولم يستعملوه ~~فيهما معا ألا ترى أن الإنسان إذا قال رأيت حمارا لا يفهم منه البهيمة ~~والبليد جميعا وإذا قال رأيت حمارين لا يفهم منه أربعة أشخاص بهيمتين ~~وبليدين # والجواب أنا ادعينا ذلك إذا انضم إلى ذلك عرف الاستعمال وإذا كان كذلك ~~فلا يأباه العربى ولا غير العربى وعلى أنه إذا جاز فى الإرادة وأمكن ~~العبارة عنهما بأى وجه كان فقد ثبت ما رتبناه # | فصل # وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر ما يرجع إلى لغة العرب ووجوه استعمالها ~~اعلم أن الألفاظ لا بد من الاعتناء بها لأن الشريعة عربية وقد نزل القرآن ~~بلسان العرب وجاءت السنة بلسانهم وقد قال بعضهم إن القرآن يشتمل على ما ليس ~~من لسان العرب # وهذا ليس بشىء لأن الله تعالى قال @QB@ إنا أنزلناه قرآنا عربيا @QE@ ~~يوسف 2 وقال @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ الشعراء 195 وهذا يدل على أن كل ~~القرآن عربى وأنه ليس فيه شىء من غير لسان العرب # وأيضا لو كان فيه من غير لسان العرب لاختل أمر التحدى ولم يثبت الإعجاز ~~لأنه يكون طريقا لهم فى أن يقولوا إن القرآن الذى جاء به يشتمل على لسان ~~العرب وغير لسان العرب ونحن لا نعرف إلا لسان العرب فى بلدنا من قبل هذا ~~فيؤدى هذا القول إلى نفى أمر الإعجاز PageV01P280 # وأما الألفاظ التى يذكرون أنها وردت فى القرآن ليست من لغة العرب وسموا ~~ذلك فى مواضع فاعلم أنها من لسان العرب ولا نقول إنها ليست من لسانهم لكن ~~يجوز أن يقع موافقة بين لغة ولغة وكلمات معدودة وهذا غير مستنكر ولا مستبدع ~~وقد قيل إن مثال هذا ما يقال بالعربية للسما سماء بالسريانية سمسا ويقال فى ~~العربية حياة وبالعبرانية حيا ويقال سروال بالعربية وبالعجمية شروال لما ~~يلبس # وقد ذكروا أشباها أخر كهذا وإذا ثبت ما ذكرناه أن الشريعة عربية فينبغى ~~للمجتهد أن يعلم من لغة العرب ما يحتاج إليه ويعرف طريق استعمالهم ووجوه ms225 ~~مخارج كلامهم من مثلها # ثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا فى مآخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف ~~من الله عز وجل وصار صائرون إلى أنها ثبتت اصطلاحا تواطؤا والمختار أنه ~~يجوز كل ذلك أما التوقيف فلا يحتاج إلى دليل فلا يجوزه وقد قال الله تعالى ~~@QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ البقرة 31 فيجوز أن تكون الأسماء أو حيت ~~ويجوز أن يثبت الله فى الصدور علوما بصيغ مخصوصة لمعانى فيبين للعقلاء ~~الصيغ ومعانيها فيكون معنى التوقيف أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة ~~والاختيار # وأما الدليل على تجويز وقوعها اصطلاحا أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى ~~رأس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيار منهم صيغا ~~لتلك المعانى التى يريدونها ألا ترى أن الإنسان يولد له مولود فينشىء له ~~اسما وكذلك يجوز أن يستحدث صيغة وآلة فيصيغ اسما ولآلتها اسما فدل أن ~~التوقيف جائز والاصطلاح جائز والظاهر فى الأسامى هذه أن بعضها كان توقيفا ~~من الله عز وجل على ما نطق به الكتاب وبعضها كان اصطلاحا وتوقيفا # وإذا عرف هذا فنذكر بعد هذا مسألة معروفة فى الأصول يبنى عليها مسائل وهى ~~مسألة جواز أخذ الأسماء من جهة القياس # فنقول اختلف أصحابنا فى جواز أخذ الأسماء من جهة القياس فذكر الأكثرون من ~~أصحابنا أن ذلك جائز وهو اختيار ابن سريج وقد دل عليه من مذهب الشافعى ~~PageV01P281 قوله فى مسألة شفعة الجار وقال إن الشريك جار واستدل عليه ~~بقوله امرأتك أقرب إليك أم شريكك فقياس الاسم معنى القرب واحتج فى الأمر ~~باشتقاق اللفظ # وذهب جماعة من أصحابنا إلى أن إثبات اللغة بالقياس لا يجوز وهو قول أصحاب ~~أبى حنيفة وأكثر المتكلمين واحتج على ذلك وقال إن اللغة إما توقيف واصطلاح ~~فلا معنى للرجوع إليه ببينة قوله ما من شىء إلا وله اسم فى اللغة توقيفا ~~فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر بالقياس كما إذا ثبت الحكم بالنص لم يجز أن ~~نثبت له حكما آخر بالقياس # والمعتمد لهم أن الخلاف ms226 فى الأسماء المشتقة والعرب تلتزم وجود الاشتقاق ~~فإنهم سموا الدابة دابة لدبيبها ولم يسموا كل ما يدب دابة وسموا الجنين ~~جنينا لاستتاره ولم يسموا كل مستتر جنينا وسموا المجن مجنا لأنه يستتر به ~~الإنسان ولم يسموا كل ما يستتر به مجنا # وأقرب من هذا أن الخمر ليس فى معنى اسمها الإطراب إنما هى من المخامرة ~~والتخامر والتخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخامر العقل ~~خمرا وإن لم يطرب الخمر يدل عليه أن العرب خالفوا بين المتشاكلين فى الاسم ~~فسموا الفرس الأدهم أدهم وسموا الحرير الأسود أدهم وسموا الفرس الأبيض أشهب ~~ولم يسموا الحمار الأبيض أشهب فدل عليه أنه لا مجال للقياس فى هذا # قالوا ولأنكم إن أثبتم هذه الأسماء لغة للعرب فلا يجوز أن تكون اللغة ~~أسبق من الشرع ولتقدم اللغة خاطبنا الله تعالى بها فلا يجوز إثبات الأسماء ~~فيها بأمور طويلة # تنبيه إن الدليل بإثبات الأسامى قياسا إن كان يزعم أن العرب أرادت هذه ~~الأسماء وإن لم يبوحوا بذلك فهو تحكم من غير تثبت ولا نقل فيما يزعمه وإن ~~قال إن العرب لم تمنع بذلك فى مواضع يلحق ذلك بلسانهم وهذا محال لأن إلحاق ~~شىء بالشاهد ليس من لسانهم لا يعرف وأما دلائل من جوز ذلك فى الأسماء ~~المشتقة لأن الاسم الموضوع يبنى على ذلك الشىء فحسب والاسم المشتق يبنى على ~~ذات الشىء وفعله وخاصيته والدليل على جواز تعليله أنه نقل عن الصحابة تعليل ~~الأسماء قال عمر رضى الله عنه الخمر ما خامر العقل # وقال ابن عباس رضى الله عنهما إشارة كل مخمر خمر PageV01P282 # فالأول إشارة إلى التعليل بالشدة المضرة لأنها بشدتها والتصاقها يمازج ~~السكر منها العقل وكذلك قول ابن عباس رضى الله عنهما إشارة إلى أنها تغطى ~~العقل بالسكر كما يغطى الإناء بالغشاء # ببينة أن أهل اللغة جعلوا الأسماء على أقسام فجعلوا المشتقة أحد تلك ~~الأقسام والاشتقاق بأنه القياس وربما استعاروا فى الأسماء الموضوعة ~~واستخرجوا من ذلك أسامى وتصريحات فى مواضع من ذلك قولهم أشياء شد ms227 الرحيل ~~إذا نوى وأسدته على كذا إذا شببه وقالوا كلب أشياء وكلب الدهر علينا وسبع ~~فلان فهذه اشتقاقات من اسم السبع والكلب والأسد # قال الخطابى ومثل ذلك فى كلامهم كثير وقد استعمله النبي صلى الله عليه ~~وسلم فى كلامه قال صلى الله عليه وسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وقال ~~صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه عز وجل أنا الرحمن وهى الرحم شققت لها من ~~اسمى من وصلها وصلته ومن قطعها ثنيته # وقد أحدث فى الشرع أسماء لم تكن فى الجاهلية كالمنافق وإنما اشتق من ~~نافقة السرجوح وكالفاسق يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وإذا ثبت أنهم ~~وضعوا الأسماء وصرفوا الكلام تصريفات من جهة الاشتقاق ذلك أنهم جعلوا ~~المشتق بمنزلة الفرع والمشتق منه بمنزلة الأصل والمعنى الذي اشتق لأجله ~~بمنزلة العلة هذا الذى قلناه قدر الإمكان واعلم أن كلماتهم فى نفى إثبات ~~الأسامى لغة العرب بالقياس قوى جدا فالأولى أن نقول يجوز إثبات الأسامى ~~شرعا ولا يجوز إثباتها لغة وهذا هو الذى اختاره ابن سريج والدليل على جواز ~~ذلك أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة # صلاة لأجل صفة من الصفات متى اشتقت تلك الصفة عنها لم تسم صلاة ونعلم ~~أيضا أن ما شاركها فى تلك الصفة تكون صلاة ونبين هذا بثبوت الأسماء الشرعية ~~بالعلل وإن شئت قلت إن الشريعة وسعت هذه الأسماء الشرعية مثل الصلاة الزكاة ~~الحج وغير ذلك لاختصاصها بأحكام من الشريعة فإذا ثبت هذا الأمر لمعان جاز ~~قياس كل محل وجد فيه ذلك المعنى وتسميته بذلك المعنى الاسم وعلى هذا خرجت ~~الأسماء PageV01P283 اللغوية وإن لم يلزم ما ذكروه من تركهم اطراد معانى ~~الأسماء فعلى هذا ثبت اسم الخمر للنبيذ شرعا ثم حرم بالآية وكذلك ثبت ~~اللواط اسم الزنا شرعا ثم يجب الحد بالآية وثبت اسم السارق للنباش شرعا ثم ~~يجب القطع بالآية # والله أعلم # | فصل فى ذكر وجوه المجاز وطرق استعماله # اعلم أنا بينا أن الكلام ينقسم إلى الحقيقة والمجاز والصريح والكناية ~~والمبين والمجمل ms228 والمفسر والمبهم والخصوص والعموم والمطلق والمقيد وقد بينا ~~ذلك وهذه الوجوه كلها بلسان العرب وجاء الكتاب والسنة بها والبيان المطلوب ~~متعلق بجميع ذلك وقد كنى الله تعالى عن النساء بالنعاج فقال تعالى @QB@ إن ~~هذا أخي له تسع وتسعون نعجة @QE@ ص 23 وكنى عن الوطء بالإفضاء وكنى عن ~~النساء بالحرث وكنى عنهن باللباس وكنى عن ما يخرج من الإنسان بالغائط وكنى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الوطء بالعسيلة وكنى عن النساء بالقوارير وكنى ~~عن قرب المشركين بلفظ النار وقال صلى الله عليه وسلم لا تستضيئوا بنار ~~المشركين # وقد قيل إن الكناية عند العرب أبلغ من الصريح فى معنى البراعة وأكثر ~~أمثال العرب على مجاز من الكنايات # ويقولون فلان عفيف الإزار طاهر الذيل وكنوا عن الاقتضاض بثقب اللؤلؤ ~~وكنوا عن بنت الرجل بكريمته وعن الصغير بالريحانة وعن الأخت بالشقيقة وعن ~~الأعمى بالمحجوب وعن الأبرص بالوضاح وعن الأسود الذى قد شاب رأسه بالغراب ~~وعن البخيل بالمتقصد وكنوا عن البخيل بأنه جعد الأصابع وقالوا فيمن اكتهل ~~سدل الأدهم بالأبلق وقالوا استبدل المسك بالكافور وأمثال هذا كثير # واعلم أن المجاز على وجوه كثيرة ويذكر بعضها من ذلك تسمية الشىء باسم ~~غيره إذا كان لسبب كتسميتهم البنت ندى لأنه من الندى يكون بما سموا النجم ~~ندى لأنه عنه PageV01P284 ينعقد ومن هذا تسميتهم الوطء نكاحا لأن العقد ~~الذى هو حقيقة النكاح سبب له فسمى باسم سببه كتسميتهم المطر سماء لأنه من ~~السماء ينزل # تقول العرب ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم وقال الشاعر # ( إذا سقط السماء بأرض قوم % وأرض القوم ليس لهم حجاب ) # ومن هذا قوله تعالى @QB@ وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها ~~خالدون @QE@ آل عمران 107 يعنى الجنة لأن دخولهم الجنة برحمته يكون # ومن المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقارنه ويجاوزه # قال امرؤ القيس # ( إذا ما الثريا فى السماء تعرضت % ) # قيل إنه أراد به الجوزاء # وفى شعر زهير سمى عاقر الناقة أخا عاد وأراد ثمود لقرب ما بينهما وسموا ~~أهداب العين ms229 أشفارا وإنما الأشفار مبيت أهداب العين وعبروا أيضا عن الجفن ~~بالعين وبالمحاجر عن الوجه قال الشاعر # ( هن الحرائر الأرباب لعمرى % سود المحاجر لا يقرأن بالسور ) # وقال بعض أصحابنا أن الوجه يعبر به عن العين مجازا ومن هذا قوله تعالى ~~@QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ القيامة 22 23 معناه أعين يومئذ ~~ناضرة ويعبرون عن الوجه بالناصية فيقولون فلان مبارك الناصية # أى مبارك الوجه ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم ما يؤول إليه # قال الله تعالى @QB@ إني أراني أعصر خمرا @QE@ يوسف 36 وقال تعالى لهما ~~@QB@ يأكلون في بطونهم نارا @QE@ ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم فى الذى ~~يشرب فى آنية الذهب والفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جنهم # ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم مكانه قال الله تعالى @QB@ إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع @QE@ ق 37 أى عقل فكنى عن العقل بالقلب ~~لأنه مكان العقل ومن هذا قوله تعالى @QB@ لأخذنا منه باليمين @QE@ الحاقة ~~46 أى بالقوة لأن اليمين محل القوة ومن هذا أيضا تسميتهم قضاء الحاجة غائطا ~~والشىء النجس عذرة ومن هذا تسمية الولد لهوا قال الله تعالى @QB@ لو أردنا ~~أن نتخذ لهوا @QE@ أى ولدا لأنه وضع اللهو PageV01P285 # ومن المجاز تسميتهم باسم بعض # يقول القائل من على رأس كذا يريد نفسه وقال تعالى @QB@ أو ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ النساء 3 أى ملككم ومن ذلك قوله @QB@ فظلت أعناقهم لها خاضعين ~~@QE@ الشعراء 4 أى فظلوا ومن ذلك قوله عليه السلام على اليد ما أخذت حتى ~~ترد # وقد فرع مشايخنا على هذا مسألة إضافة الطلاق إلى اليد والرجل وقد بينا فى ~~الخلافيات وعلى هذا الأصل تفريعات كثيرة # ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم الشىء على معنى التشبيه قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لخالد بن الوليد هو سيف من سيوف الله عز وجل أى كالسيف فى ~~إمضائه وركب فرسا لأبى طلحة فقال وجدناه بحرا شبهه به لسعة الجرى ومنه ~~تسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا والشرير كلبا # ومن وجوه المجاز أيضا تسمية الشىء ms230 باسم ما يقابله مثل قوله تعالى @QB@ ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ الشورى 40 سمى الثانى سيئة وإن كان جزاء السيئة ~~حقيقة لأنه يقابله وكذلك قوله تعالى @QB@ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم @QE@ البقرة 194 فسمى الثانى اعتداء لمكان المقابلة ~~ومن المجاز تسمية الشىء باسم غيره إذا قام مقامه وسد مسده وقد ورد هذا فى ~~الأشعار # ومن المجاز حذفهم بعض الكلام على وجه لا يؤدى إلى الالتباس قال الله ~~تعالى @QB@ واسأل القرية @QE@ يوسف 82 أى أهل القرية وقال تعالى @QB@ الحج ~~أشهر معلومات @QE@ البقرة 197 أى وقت الحج أشهر معلومات # ومن المجاز أيضا الاستعارة فإن العرب تستعير الشىء لنوع مقاربة بينهما ~~قال الله تعالى @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ~~@QE@ البقرة 187 PageV01P286 فالاستعارة فى لفظ الخيط ومن الاستعارة قوله ~~تعالى @QB@ واشتعل الرأس شيبا @QE@ مريم 4 وإنما الاشتعال للنار ومن ذلك ~~أيضا قوله تعالى @QB@ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة @QE@ الإسراء 24 ~~فاستعار اسم الجناح وهو العلو المعروف وقال الرسول صلى الله عليه وسلم رجل ~~أخذ بعنان فرسه كلما سمع ضيعته طار إليها أى أسرع إليها فاستعار اسم الطير ~~للإسراع # ومن المجاز المعروف قوله تعالى @QB@ جدارا يريد أن ينقض فأقامه @QE@ ~~الكهف 77 أى قارب وأشرف قال الشاعر # ( إن دهرا يلف شملا بشملى % لزمان قد هم بالإحسان ) # ووجوه المجاز كثيرة فاقتصرنا على ذكر بعضها وتركنا الباقى لئلا يطول # واعلم أنه قد ذكر أبو زيد ومن نظر طريقته فصلا فى الحقيقة والمجاز لا بد ~~من ذكره لأنه يتعلق بذلك أصل كبير فى مسائل الخلاف الذى بينهم وبيننا قال ~~أبو زيد فى تقويم الأدلة أنواع استعمال الكلام أربعة حقيقة ومجاز وصريح ~~وكناية # أما الحقيقة كل كلام أريد به ما وضع واضع اللغة الكلام له # والمجاز كل كلام أريد به غير ما وضع واضع اللغة الكلام به يقال حبك لى ~~مجازا أى هو باللسان لا بالقلب الذى هو معدنه وهذا الوعد منك مجاز لأنه لم ~~يرد به التحقيق قال وقد ظهر ms231 المجاز ظهورا عظيما فى كتاب الله عز وجل ورسائل ~~الكتبة وأشعار العرب حتى كاد يغلب على الحقيقة وجودا واستحسانا وبه توسعت ~~اللسان وصلحت ثم قال فالحقيقة تبقى ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة ~~كالنصوص فى باب الشرع وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى سماعه ثبت لغه فلا ~~يعتبر فيه السماع بل يعتبر المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فإذا تكلم على ذلك ~~المعنى صح والمجاز آت والاستعارات أمر شائع بين الخطباء والكتبة والشعراء ~~حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع اللغة فإذا تكلم بالاستعارات ~~والتعريضات دل أنه ليس بسمعى # قال ومن الناس من ظن أن المجاز لا عموم له وهو غلط لأن ما أمكن اعتبار ~~العموم فيه يعتبر ولأن الاستعارة تقم المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك ~~المسمى الذى استعير له ولولا هذا لكان المتكلم به مخلا بالغرض وكان لا يحسن ~~به المتكلم فلما كان المستعار أحسن من PageV01P287 الحقيقة دل أنه مثله فى ~~البيان أو أكثر # قال ويتبين مما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز ~~لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب الواحد لا يجوز أن يكون عارية وملكا قال ~~ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثا لأن الجماع مراد بقوله @QB@ أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء @QE@ النساء 43 فبطل أن يكون الحقيقة مرادا وكذلك قال ~~علماؤنا أن النص المتناول لتحريم الخمر لا يتناول سائر الأشربة لأن الاسم ~~الذى من العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجاز لاتصال بمعنى مخامرة العقل ~~فلا يدخلان جميعا تحت هذا الكلام وهذا كلام أبى زيد وخرج على هذا سائل له ~~وذكر غيره ممن ينظر طريقته من جملة العصريين وهو أن المعنى الذى اعتبره أهل ~~اللغة فى المجاز هو أن يكون بين المستعار منه والمستعار اشتراك فى المعنى ~~وذلك المعنى فى المستعار منه أبلغ وأبين هكذا قاله أهل اللغة فيما زعمه ~~وحكاه على بن عيسى الريانى صاحب التفسير # قال وإنما شرطنا هذا لأن ترك الحقيقة مع القدرة على الاستعمال لها والميل ~~إلى المجاز وفيه نوع ms232 إيهام وتلبيس لا يجوز إلا لفائدة لا تجوز إلا فى ~~الحقيقة وذلك ما بينا وهو أن يكون فيه زيادة بيان لا توجد فى الحقيقة قال ~~وهذا مثل قوله فاصدع بما تؤمر ومعناه امتثل بما تؤمر فقد استعار قوله فاصدع ~~فى مكان قوله امتثل والصدع هو الشق والصدع بمعنى الشق مستعار منه والامتثال ~~مستعار له وقوله فاصدع مستعار والمعنى المشترك بين الشق هو التأثير فإن ~~الشق له أثر فى الشقوق والامتثال له أثر فى المأمور به إلا أن تأثير الشق ~~فى المشقوق أبين من تأثير الامتثال فى الشق وكأن فى المجاز زيادة بيان فإن ~~طلب الامتثال بقوله فاصدع بما تؤمر أبلغ من طلب الامتثال بقوله فائتمر ~~وكذلك يقال فى بنى آدم أسد لاشتراكهما فى المعنى وهو الشرط فيه وهذا المعنى ~~فى الأسد أبلغ لأنه أشجع الحيوانات وكذلك أيضا استعارة اسم الحمار فى ~~البليد وزعم على هذا أنه لا يجوز أن يجعل لفظ الطلاق كناية ومجازا عن العتق ~~لأن هذا الشرط لا يجوز أن يوجد فى هذه الصورة لأن العتق أبلغ فى الإزالة ~~والطلاق دونه وأما لفظ الهبة أو التمليك يجوز أن يجعل مجازا فى النكاح لأن ~~PageV01P288 لفظ الهبة والتمليك لإثبات الملك أبلغ من لفظ النكاح ألا ترى ~~أنه يفيد من التمليك ما لا يفيده لفظ النكاح قالوا ولهذا قلنا فى قوله ~~لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابنى إنه يعتق ويصير قوله هذا ابنى مجازا عن ~~العتق لاشتراكهما فى المعنى فإن كل واحد من اللفظين يوجب حرية العبد وقوله ~~هذا ابنى أبلغ فى إفادة الحرية لأنه يوجب الحرية قبل قوله بزمان كثير لأنه ~~يولد حرا لو ثبت ما قال وقوله أنت حر يوجب الحرية فى الحال وكان المعنى فى ~~المستعار منه أبلغ منه فى المستعار لذلك وصحت الاستعارة قال وإنما استعملنا ~~على جهته المجاز لأن المجاز أحد فسمى الكلام استعمالا على ما مر إلا أن ~~الحقيقة ما سبقهما ثبوتا فإذا تعذرت الحقيقة بصرفه دلالة تعين المجاز مرادا ~~وحمل الكلام عليه وهذا ms233 الذى ذكره لا يعرف فى استعمال المجاز ولم يذكر فى ~~كتاب من كتب اللغة وإنما الاستعارة فى الكلام ضرب من التوسع وليظهر براعة ~~المتكلم وحسن تصرفه في الكلام واقتداره عليه وليس لأن الاستعارة أفادت معنى ~~زائدا على ما يفيده حقيقة الكلام ألا ترى أنهم تكلموا بالصريح والكناية وقد ~~استكثروا من الكناية على حسب ما استكثروا من الاستعارة # ومعلوم أن الكناية لا تفيد زيادة على ما يفيده الصريح ولا يقال أنهم لما ~~تركوا الصريح مع قدرتهم عليه وجب أن يكون تركهم الصريح إلى الكناية لنوع ~~فائدة لا توجد فيه بل قيل إنه ضرب من التوسع فى الكلام ونوع من البراعة ~~واللمس واقتدار على تصاريف الكلام وفنونه والدليل على أن ما قالوه ليس بشرط ~~أنهم استعاروا لفظ المس للوطء ولفظ القربان للدخول ونحن نعلم قطعا أنه ليس ~~فيه زيادة على ما يفيده لفظ الجماع بل للفظ الجماع والوطء وصريح لفظ النيل ~~من الزيادة على هذه الألفاظ وكذلك لفظ الخيط الأبيض والأسود استعير لضوء ~~النهار وسواد الليل وليس لمعناه زيادة على معنى الضوء والظلام إلا أنا مع ~~هذا كله لا ننكر أن يتفق مثل ما قالوه اتفاقا فإما أن يكون ذلك من شرطه فلا ~~وأما قولهم أنه يقال للشجاع أسد وللبليد حمار وللشرير كلب والمعنى الذى ~~استعير لأجله هذه الأسامى أبلغ فى هذه المعانى قلنا فى هذه الصورة قدر كاف ~~التشبيه فكأنه قيل شجاع كالأسد وللبليد كالحمار أو شرير كالكلب وإنما يشبه ~~الشىء بالشىء فى المعنى إذا كان المشبه به أبلغ فى ذلك المعنى فأما ~~الاستعارة باب آخر وقد ذكرنا أن ما ظاهره ليس بشرط بوجه عام وأما الذى ~~قالوه فى أول الفصل أن الكلام لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز وقد بينا ~~وجه صحة ذلك وذكرنا من أصولهم ما ينقض أصلهم الذى زعموه وأما استعمال لفظ ~~PageV01P289 الهبة والبيع فى عقد النكاح فلا يجوز لأن الاشتراك فى المعنى ~~لم يوجد وكذلك السببية التى يدعونها لم توجد أيضا لأن ملك المتعة نكاحا غير ms234 ~~ملك المتعة يمينا ويظهر ذلك بأحكامها فعلى هذا لا تكون الهبة والبيع سببا ~~لملك المتعة الذى ثبتت بعقد النكاح بوجه ما وأما لفظ الطلاق فقد بينا ~~صلاحيته كناية ومجازا عن لفظ العتاق وأما إذا قال لغلامه وهو أكبر سنا منه # هذا ابنى فإنما لم يصح عندنا مجازا عن العتق لأن اللفظ إنما يصلح مجازا ~~إذا كان له حقيقة وهذا اللفظ فى هذا المحل لا حقيقة له لأنه لغو وهذا باب ~~الكلام وإن قلتم إن النسب فى الجملة يوجب العتق فإنما يوجب فى محل يتصور ~~فيه النسب فأما فى محل لا يتصور فيه النسب فلا يوجب العتق وإذا لم يوجب ~~العتق لم يمكن استعمال اللفظ مجازا فى هذا المحل نعم يجوز هذا المجاز فى ~~معروف النسب لأن النسب فيه متصور فإن لم يثبت كان مجازا عن العتق فأما فى ~~هذه المسألة فبعيد جدا # أيضا قد بينا وجوه الكلام بقدر ما ذكر فى أصول الفقه والبيان يتعلق ~~بجميعها فنعود الآن إلى ذكر المجمل وما يقع به بيانه وما ألحق بالمجمل وليس ~~منه فنقول قد ذكرنا حد المجمل وحد المبين وقد قيل إن المجمل ما لا يستعمل ~~بنفسه فى معرفة المراد به وقيل أيضا أنه الكلام المبهم الذى لا يطاوع ~~التقييد أولا ببيان ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى فضائه تعين كشف هذه # وقد قال الأصحاب أن المجمل على أوجه # منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شىء بعينه # كقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ الأنعام 141 # كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا ~~إله إلا الله فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ~~الله عز وجل فإن الحق يشتمل على أشياء كثيرة وهو فى هذا الموضع مجهول لا ~~يعرف ولا بد فيه من بيان يتصل به PageV01P290 # ومنها أن يكون اللفظ فى الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ~~والطهر فيفتقر إلى البيان # ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة ms235 إلا إن دخلها شيئا مجهول كقوله ~~تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم @QE@ المائدة 1 فإنه قد صار مجملا ما دخله من الاستثناء وفى هذا المعنى ~~العموم الذى علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه ومنها أيضا أن يفعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين فى السفر فهو محتمل لأن السفر ~~يحتمل الطويل والقصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل وكذلك ~~ما روى أن رجلا أفطر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة وهذا مجمل ~~لأنه يجوز أنه أفطر بجماع ويجوز أنه أفطر بالأكل ولا يجوز حمله على أحدهما ~~دون الآخر لا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب فى إجمالها لافتقارها إلى ~~البيان واختلف المذهب فى ألفاظ فمنها قول الله عز وجل @QB@ وأحل الله البيع ~~وحرم الربا @QE@ البقرة 275 فعلى حد قول الإمام الشافعى رحمه الله هو مجمل ~~لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا ~~وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وبيان ما يحرم وعلى القول الثانى ليس ~~بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول فى اللغة فحمل اللفظ على العموم إلا ما ~~خصه الدليل ومنها الآيات التى ذكر فيها الأسماء الشرعية وهى قوله تعالى ~~@QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ البقرة 43 وقوله @QB@ فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه @QE@ البقرة 185 وقوله @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ آل ~~عمران 97 فمن أصحابنا من قال هذه الآيات عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على ~~كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه ومن ~~أصحابنا من قال هى مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها فى اللغة ~~وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان مثل قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه ~~يوم حصاده @QE@ الأنعام 141 وهذا هو PageV01P291 الأصح لأنا بينا هذه ~~الأسماء ms236 منقولة من اللغة إلى الشريعة ومنها الألفاظ التى علق التحليل ~~والتحريم فيها على البيان كقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~@QE@ النساء 23 فقال بعض أصحابنا إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل ~~ولا بالتحريم وإنما الذى يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى ~~بيان ما يحرم من الأفعال وما لا يحرم ومنهم من قال إنها ليست مجملة وهو ~~الأصح لأن التحريم والتحليل فى مثل هذا إذا الأفعال مقصورة فى هذه الأيمان ~~ولا يراد أنه إذا قال لغيره هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وكذلك إذا قال ~~حرمت عليك هذا الشراب يعقل منه الشراب فصار المراد معقولا من هذا اللفظ وما ~~عقل من اللفظ لا يكون مجملا فصار هذا الطريق أولى من الأول # ومنها الألفاظ التى تتضمن النفى والإثبات كقوله صلى الله عليه وسلم إنما ~~الأعمال بالنيات وكقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلى بولى وكقوله صلى ~~الله عليه وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وكقوله صلى الله عليه وسلم لا ~~صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل وما شبه هذا # فقد زعم بعض أصحاب أبى حنيفة أن هذا مجمل لأن الذى نفاه هو العمل أو ~~النكاح أو الصلاة وهذه الأشياء موجودة لا يمكن نفيها فيكون المراد بالنفى ~~نفى صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة وقال الكرخى وأبو عبد الله ~~البصرى إذا لم يكن المراد به نفى صوة الصلاة والصوم كان المراد بذلك نفى ~~الحكم شرعا فيجوز أنه أراد به نفى حكم الجواز ويجوز أنه أراد به نفى ~~الفضيلة فلا يمكن الحمل عليها جميعا لأن نفى الفضيلة من ضرورته وجود الجواز ~~ولأنه مضمر ودعوى العموم فى المضمر لا يجوز وإذا لم يصح دعوى العموم وجب ~~التوقف إلى أن يعلم المراد وأما أصحابنا فقد زعموا أن هذه الألفاظ ليست ~~مجملة وهو الأصح لأن صاحب الشرع لا يثبت ولا PageV01P292 ينفى المشاهدات ~~وإنما يثبت وينفى الشرعيات فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لا عمل فى الشرع ~~إلا بالنية ولا نكاح ms237 فى الشرع إلا بولى وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن ~~يكون مجملا # وزعم جماعة من أصحاب أبى حنيفة أن قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتى ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه مجمل لأن ظاهر اللفظ رفع الخطأ والنسيان ~~والإكراه وهذه الأشياء موجودة قطعا فيجب أن يكون المراد منه معنى غير مذكور ~~فافتقر إلى البيان # وأما عندنا فالأصح أنه ليس مجمل لأن معقول المعنى فى الاستعمال ويمكن أن ~~يقال إنه معقول المعنى لعلة أيضا لأن المراد من مثل هذا اللفظ رفع المؤاخذة # ألا ترى أنه إذا قال لعبد رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة ورفع كل ~~ما يتعلق بهذه الأفعال من التبعات وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبى رمثة وابنه حين قدما عليه أما أنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه وليس ~~المراد منه رفع صورة الجناية ولكن المراد منه نفى المؤاخذة فإن معناه لا ~~تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك وزعم بعض أصحاب أبى حنيفة أيضا فى قوله عز ~~وجل @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ المائدة 38 فقوله أيديهما ~~مجمل لأنه يجوز أن يقال إنه أراد من المنكب ويجوز أنه أراد من المرفق ويجوز ~~أنه أراد من الزند لأن الجميع تناوله باسم قطع اليد ويقال أيضا إذا برى ~~القلم وجرح شيئا من أصابعه قطع فلان يده # وقيل فى قوله تعالى @QB@ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن @QE@ يوسف 31 ~~إنه أراد بذلك خدش اليدين لا القطع حقيقة # والصحيح أن الآية ليست بمجملة بل هى عامة وحملها على القطع من المنكب ~~صحيح لو لم ترد السنة بالقصر على الزند فقد خص ذلك بدليل دل عليه وقال دليل ~~على التخصيص لا يخرج اللفظ من عمومه PageV01P293 # | فصل فيما يقع به بيان المجمل # اعلم أن بيان المجمل يقع من ستة أوجه # أحدها بالقول وهو أكبرها وأوكدها كبيان نصيب الزكوات وكقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا قطع فى كثر وكقوله القطع فى ربع دينار فصاعدا # والوجه الثانى بالفعل مثل قوله صلى الله ms238 عليه وسلم صلوا كما رأيتمونى ~~أصلى وكقوله صلى الله عليه وسلم فى الحج خذوا عنى مناسككم # والوجه الثالث بيانه بالكتاب كبيانه لأسنان الديات وكذلك ديات أعضاء ~~البدن بالكتاب وكذلك الزكوات وكذلك ما بين بما كتب إلى عماله من الأحكام ~~ومن دعاء الملوك إلى الإسلام # والوجه الرابع بيانه بالإشارة مثل قوله صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا ~~وهكذا وهكذا يعنى ثلاثين يوما ثم أعاد الإشارة بأصابعه ثلاث مرات وحبس ~~إبهامه فى الثالثة يكون تسعة وعشرون يوما # والوجه الخامس بيانه بالتفسير وهو المعانى والعلل التى نبه بها على بيان ~~الأحكام كقوله صلى الله عليه وسلم فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا يبس ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم فى قبلة الصائم أرأيت لو تمضمضت # والوجه السادس اختص العلماء ببيانه عن اجتهادهم وهو ما قدمت فيه الوجوه ~~الخمسة إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين إما من أصل يعتبر هذا ~~الفرع به وإما من طريق أمارة يدل عليه # فهذه وجوه البيان والله أعلم PageV01P294 # | فصل # وأما الكلام فى وقت البيان # اعلم أن لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى ~~الفعل ولا اختلاف أيضا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل لأن المكلف قد ~~يؤخر النظر وقد يخطىء إذا نظر فهذان الضربان متفق عليهما لا اختلاف بين أهل ~~العلم فيهما # وإنما اختلفوا فى تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل ~~فى بيان المجمل وتخصيص العموم ولهذا قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن ~~سريج وأبو سعيد الإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وطائفة ~~من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أبى الحسن الأشعرى واختيار القاضى أبو بكر # والمذهب الثانى أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب فى بيان المجمل وتخصيص ~~العموم وبه قال من أصحاب الشافعى أبو إسحاق المروزى وأبو بكر الصيرفى ~~والقاضى أبو حامد ومذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر المعتزلة # والمذهب الثالث أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا ms239 يجوز تأخير تخصيص العموم ~~وهذا قول أبى الحسن الكرخى وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد ~~وبهذا قال أصحاب الشافعى # والمذهب الرابع أنه يجوز تأخير تخصيص العموم ولا يجوز تأخير بيان المجمل ~~وبهذا قال بعض أصحاب الشافعى رحمه الله # والمذهب الخامس أنه يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهى ولا يجوز تأخير ~~بيان الأخبار # حكاه الماوردى عن الكرخى وبعض المعتزلة # وعندى أن مذهب الكرخى هو ما قدمنا من قبل قال الماوردى ولم يقل بهذا ~~القول أحد من أصحاب الشافعى رحمة الله عليه # مسألة واعلم أن الذى ننصره جواز التأخير فى الكل وهو المذهب الأول خلافا ~~لما ذهب إليه طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأكثر المعتزلة ونصره عبد الجبار ~~الهمذانى فى العمد وحكاه عن أبى على وأبى هاشم رجلى رجال المعتزلة من ~~المتأخرين PageV01P295 # قال أبو زيد فى أصوله بعد أن جعل البيان أربعة أقسام إن بيان المجمل إذا ~~لم يكن تبديلا ولا تغييرا يجوز مقارنا وطارئا وذكر أن بيان الاستثناء بيان ~~تغيير ولا يجوز طارئا بحال ثم ذكر أن الخلاف بيننا وبين الشافعى فى بيان ~~الخصوص فعندنا هو من قبيل بيان الاستثناء فلا يجوز إلا مقارنا وعند الشافعى ~~هو من قبيل بيان المجمل فيصح مقارنا وطارئا قال ولهذا قال علماؤنا إذا قال ~~أوصيت لفلان بهذا الخاتم ولهذا بفصه بكلام متصل فالفص كله لصاحب الفص ويكون ~~تخصيصه بيانا كالاستثناء ولو فصل وقال وأوصيت لهذا بفصه كان الفص بين الأول ~~والثانى ولا يصير بيانا عند الفصل قال وأما بيان المجمل منفصلا جائز ألا ~~ترى أن أصحابنا قالوا فيمن أقر لفلان على شىء يكون البيان إليه متصلا ~~ومنفصلا وهو تفسير منهم قالوا لذلك إذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه ~~ويجوز متصلا ومنفصلا وذكر مسائل سوى ما ذكرنا # واحتج من أثبت تأخير بيان المجمل بقوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ البقرة 238 وقال لا يخلو إما أن يكون أراد منها ~~الاعتداد بالطهر إن شاءت أو بالحيض إن شاءت أو أراد منها الاعتداد بواحد ~~منهما بعينه ms240 وأى الأمرين أراده فقد أراد منهما ما لا سبيل إلى فهمه من ~~اللفظ لأن اللفظ لا يجنى عن التخير ولا عن واحد منهما بعينه وإن قلتم إنه ~~لم يرد منها شيئا فهو محال ولم يقل به أحد # وقالوا أيضا لو حسن الخطاب المجمل من غير بيان فى الحال لحسن خطاب العربى ~~بالزنجية مع القدرة على مخاطبته بالعربية وكذلك مخاطبة الزنجى بالعربية ~~فيخاطب ثم لا يبين فى الحال وحين قبح ذلك فليقبح هاهنا أيضا لأنه لا يعرف ~~السامع مراد المخاطب بكلامه فإن قلتم لم يحسن مخاطبة العربى بالزنجية لأن ~~العربى لا يعرف بكلام الزنج شيئا ويعرف بكلام المجمل شيئا وهو أن المتكلم ~~أراد بخطابه إيجاب شىء عليه أو نهيه عن شىء فى الاسم المشترك يعلم أن ~~المتكلم أراد بخطابه أخذ معنى الاسم المشترك قالوا هذا لا يصح لأنه لا يخلو ~~لنا أن يعتبروا فى حسن الخطاب العلم بكل المراد ويعتبروا العلم ببعض المراد ~~فإن اعتبرتم المعرفة بنقد المراد لزمكم أن لا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه ~~لا يمكن مع فقد معرفة كمال المراد وإن اعتبرتم المعرفة ببعض المراد لزمكم ~~حسن المخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى إذا عرف بحكمه الزنجى المخاطب له ~~علم أن أراد بخطابه له شيئا إما الأمر وإما النهى وإما غيرهما فهذا دليلهم ~~المعتمد # وقال بعضهم إن المجمل مع البيان بمنزلة الشىء الواحد مثل المبتدأ مع خبره ~~ثم لا PageV01P296 يجوز فصل المبتدأ من خبره مثل أن يقول زيد ثم يقول بعد ~~مدة قائم كذلك هاهنا لا يجوز أيضا تأخير البيان عن المبين قالوا وأما تأخير ~~بيان النسخ فنسلم أنه يجوز ولكن للفصل بينهما أن تأخير بيان النسخ لا يخل ~~بالمعرفة بصفة العبادة فلم يمكن أداؤها وأيضا فإن النسخ بيان مدة الحكم ~~وحقيقته سقوط الأمر عنه عند وجود مدة ينتهى إليها والخطاب المطلق يعلم قطعا ~~أن حكمه يرتفع عنه لعلمنا بانقطاع التكليف وليس كذلك العموم لأنا لا نعلم ~~خصوصه بإطلاقه وكذلك المجمل لا نعلم بيانه بإطلاقه # وأما الذين منعوا تأخير ms241 بيان العموم وتأخير المجمل فقد قالوا بهذا المذهب ~~فى كل كلام له ظاهر وذكروا أنه لا يجوز تأخير بيانه # واستدلوا فى ذلك وقالوا إن بيان العموم خطاب لنا فى الحال بالإجماع ولا ~~يخلو المخاطب إما أن يقصد أنها منا فى الحال أو لا يقصد ذلك فإن لم يقصد ~~أنها منا بطل كونه مخاطبا لنا ونحن نعلم أنه باللفظ العام قصد اتهامنا وأنه ~~لو لم يقصد اتهامنا كان عبثا لأن الفائدة فى الخطاب إفهام المخاطب ولأنه لو ~~جاز لا يقصد إفهام المخاطب بالخطاب لجازت مخاطبة العربى بالزنجية وهو لا ~~يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطب على زعمكم وليس من هذا الخطاب إلا ~~ترك إفهام المخاطب وإن كان أراد اتهامنا فى الحال فلا يخلو إما أن يريد أن ~~يفهم مراده على ظاهر اللفظ وعلى غير ظاهر اللفظ فإن أراد منا أن نفهم على ~~ظاهر اللفظ فلفظه فظاهره العموم وهو مخصوص عنده فقد أراد منا اعتقاد غير ~~الحق وإن أراد منا أن نفهم على غير ظاهره وهو بعد لم ينصب دليلا على تخصيصه ~~فقد أراد منا أن من ما لا سبيل إليه فيكون تكليف لنا كما ليس فى وسعنا ~~وطاقتنا وهذا باطل # قالوا فعلى هذا لا بد أن يبين لنا الخصوص متصلا بالعموم أو يشعر بالخصوص ~~وكذلك النسخ لا بد أن يشعر بالنسخ وهذا لأن الخطاب مع هذا الإشعار يصير ~~مفيدا فى الجملة ولا يكون إغراء باعتقاد غير الحق قالوا والإشعار بالتخصيص ~~أن يقول اعلموا أن هذا العموم مخصص لا يبين ما الخارج عن العموم أو يقول ~~جوزوا خصوصه حتى أبينه وقال صاحب هذه الطريقة يجوز تأخير بيان المجمل لأن ~~المجمل لا ظاهر له فلا ينكر الإجمال ثم تأخير البيان لأنه لا يجوز من ~~الحكيم أن يفيد غير مراده على الجملة كما يجوز أن يفيد مراده على التفصيل ~~ألا ترى أن زيدا قد يعلم أن فى الدار عمرا بعينه فيكون له غرض أن يعرفه أن ~~فى الدار عمرا ويكون له غرض أن ms242 يعلم خالدا أن فى الدار عمرا ويكون له غرض ~~أن يعرفه أن فى PageV01P297 الدار رجلا ويكره أن يعرفه أنه عمرو فيقول إن ~~فى الدار رجلا ولا يبين له أنه عمرو ولغرض له كذلك فى المجمل يكون الأمر ~~هكذا وهو أن يريد المخاطب أن يعلم المخاطب أن عليه حقا فى الجملة ولا يبين ~~فى الحال لمعنى له ثم يبين ذلك فى ثانى الحال فهذا معتمد هؤلاء الطائفة # وأما أبو زيد فقال فى هذا الفصل إن لفظ العموم للعموم والاستيعاب على ~~سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم للعدد لكن ذلك العدد على سبيل القطع ~~بلا احتمال لغيره فيكون التخصيص رفعا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما فى الألف ~~إذا استثنى منها شىء فيكون بيان تعيين مثل الاستثناء ولا يجوز الاستثناء ~~إلا متصلا باللفظ كذلك هذا البيان هذا كله وإما دليلنا فيدل أولا على وجود ~~بيان تأخير المجمل والعموم فى الشرع ويتعلق أولا بقوله تعالى @QB@ فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ القيامة 18 19 وكلمة ثم للتراخى ~~وقال تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ~~@QE@ الأنبياء 98 وكان المراد بذلك الأصنام دون عيسى والملائكة عليهم ~~السلام وإنما بين ذلك ببيان التراخى فإن من المزهر الشاعر خاصم فى ذلك على ~~ما ورد فى القصة المعروفة وقال إن دخلها عيسى والملائكة فنحن ندخل أيضا ~~فأنزل الله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~@QE@ الأنبياء 101 وهم يقولون على هذا الدليل إن الملائكة وعيسى لم يكونوا ~~دخلوا تحت الآية لأنه تعالى قال @QB@ وما تعبدون من دون الله @QE@ وما لا ~~يعقل ومن لم يعقل وقد كانت الكفرة متعنتين معارضتهم فيمكن أن يقال إن ~~الاحتجاج صحيح ولو كان الأمر كما قالوا لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~ولم يسكت حتى نزل قوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى @QE@ وتعلق ~~الأصحاب أيضا بقوله تعالى مخبرا عن الملائكة أنهم قالوا @QB@ إنا مهلكو أهل ~~هذه القرية @QE@ العنكبوت 31 ms243 والمراد غير لوط وأهله وتأخير البيان إلى أن ~~قال إبراهيم عليه السلام @QB@ إن فيها لوطا @QE@ العنكبوت 32 @QB@ قالوا ~~نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله @QE@ قال الله تعالى لنوح عليه السلام ~~@QB@ احمل فيها @QE@ هود 40 يعنى فى السفينة من كل زوجين اثنين وأهلك ~~والمراد غير ابنه وتأخر إلى أن قال نوح @QB@ رب إن ابني من أهلي @QE@ هود ~~45 وقال الله تعالى @QB@ إنه ليس من أهلك @QE@ هود 46 وهم يقولون على هذا ~~أن البيان كان معروفا بالخطاب لأن الله تعالى قال @QB@ إن أهلها كانوا ~~ظالمين @QE@ العنكبوت 31 وهذا اللفظ يخرج لوطا ومن أسلم معه من الخطاب وقد ~~قال تعالى فى PageV01P298 موضع آخر مخبرا عن الملائكة @QB@ إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ الحجر 58 60 ~~وكذلك قالوا فى قصة نوح إن البيان كان مقرونا لأن الله تعالى @QB@ إلا من ~~سبق عليه القول @QE@ والجواب عن السؤال ممكن بمراجعة إبراهيم ونوح عليهما ~~السلام ولو كان البيان مقرونا لم يكن لمراجعتهما وجزائهما عن ذلك معنى ~~وتعلق الأصحاب بقوله تعالى فى خمس الغنائم @QB@ ولذي القربى @QE@ الأنفال ~~41 تأخر البيان فى إخراج بنى عبد شمس وبنى نوفل إلى أن سأل عثمان بن عفان ~~رضى الله عنه وجبير بن مطعم عن ذلك وهم يقولون على هذا إن آية القربى لا ~~عموم لها لأن القربى تحتمل ضروب قرب وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد ~~جده إلى آدم عليه السلام فلم يمكن تعميمها وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب ~~التوقف فيصبح البيان فيه متراخيا وهذا ضعيف لأن القرن معلوم يعرف الاستعمال ~~ولم يكن يخفى عليهم وإنما خفى على هؤلاء الأعتام الجهال الذين خلوا من بعد ~~وعلى هذا الدليل فى المجمل قائم # وتعلق الأصحاب أيضا بأمر الله تعالى بذبح بقرة مطلقة فى بنى إسرائيل ~~وتأخير بيان أوصافها إلى أن سألوا وهم يقولون على هذا أنه قد روى عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما أنهم لو عمدوا إلى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكن شددوا ~~فشدد الله ms244 عليهم # ونحن نقول هذا خلاف ظاهر الآية لأن بنى إسرائيل قالوا @QB@ ادع لنا ربك ~~يبين لنا ما هي @QE@ ثم قالوا ثالثا @QB@ ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن ~~البقر تشابه علينا @QE@ ولو كان البيان حصل لم يكن لهذه الأسئلة معنى # وتعلق الأصحاب أيضا بما روى أن جبريل قال للنبى صلى الله عليه وسلم فى ~~ابتداء الوحى اقرأ فقال وما أقرأ ولست بقارىء إلى ثلاث مرات وجبريل عليه ~~السلام يكرر القول وهو يجيب هذا وروى أنه كان يغطه حتى بلغ منه الجهد إلى ~~أن قال اقرأ باسم ربك فقد أخر البيان # قال الشافعى محتجا إن الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بين ألا ميراث بين الكفر والإسلام وبين أيضا أن الله ~~تعالى أمرنا بالصلاة مطلقا والزكاة PageV01P299 مطلقا وتأخر بيان ذلك ~~وأمرنا بالحج مطلقا وتأخر بيان ذلك حتى حج حجة الوداع وقال خذوا عنى ~~مناسككم وسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال يكفيك آية ~~القيد # وهى الآية التى فى آخر سورة النساء وكان عمر رضى الله عنه يقول اللهم من ~~يبين لهم فإن عمر لم يبين وأمثال هذا تكثر فهذه الظواهر والنصوص دلائل ~~سمعية وفيها مقتصر لو اقتصرنا عليها ثم مع هذا نبين من الدلائل العقلية ما ~~يدل على ما ذكرناه فنقول إن البيان ما يجب لتمكن المكلف من إذا ما كلف ~~والتمكين من ذلك غير محتاج إليه عند الخطاب وإنما يحتاج إليه قبل التعليق ~~بلا فعل فلم يجب تقديمه عند الخطاب وهو كالاقتصار على الفعل فإنه لما كان ~~ليتمكن من أداء الفعل لم يجب تقديمه على وقت الحاجة إلى الفعل وأيضا لو صح ~~تأخير البيان لكان وجه متجه فقد بين المكلف ما أمر به وذلك يقتضى فتح ~~الخطاب إذا لم يبين المكلف وإن بين له ولا يقال إنه إذا لم يبينه فقد أتى ~~بالجهل من قبل نفسه بخلاف إذا لم يبين له ذلك وذلك لأن الجهل لا يختلف سواء ~~أتى ms245 الإنسان ذلك من قبل نفسه أو من قبل غيره إلا أن الإنسان سقط تكليفه إذا ~~مات سواء أماته الله تعالى أو قتل نفسه # ودليل آخر معتمد أنه لو قبح تأخير البيان لكان وجه متجه أنه لا يمكن ~~للسامع له أنه يعرف به كمال المراد ولو قبح ذلك لقبح تأخير بيان النسخ أيضا ~~لأنه فى معناه وهو أنه لا يعرف به كمال المراد مثل التخصيص # يبينه أن النسخ تخصيص من حيث الزمان وتخصيص العموم تخصيص من حيث الأعيان # أما الجواب عن دلائلهم أما ما تعلقوا به من أنه أمر بالاعتداد قلنا نقول ~~إن الله عز وجل إنما أراد بالآية اعتداد النساء بواحد بعينه من الطهر ~~والحيض إلا أنه لو لم يرد من المخاطبين أن يفهموه فى الحال لأنه لم يدلهم ~~فى الحال بلفظ الحيضة فيريد منهم فهمه وإنما دلهم على الجملة فهو يريد منهم ~~فهم الجملة كما لو كان اعتد بواحد من أحد شيئين بعينه إما الطهر وإما الحيض ~~وسأبين ذلك وكما لو قال PageV01P300 القائل لغيره اضرب رجلا واعلم أنه رجل ~~معين وسأبين ذلك وكما لو علم أن زيدا فى الدار وأراد إعلام عمرو أن فى ~~الدار رجلا فإنه قد عنى به زيدا ولم يرد أن يعرفه أنه زيدا # وأما الثانى الذى قالوه وهو تعلقهم بكلام العربى الزنجى بالعربية أو ~~الزنجى العربى بالزنجية فهذا تعلق فاسد والفرق بين الموضعين أن العرب لا ~~تعرف ما وضع له خطاب الزنج فلم يحسن أن يخاطبه به منفصلا عن بيان ذلك ~~الخطاب إما أن يكون أمرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو غير ذلك والسامع ~~من العرب غير متمكن من معرفة ذلك وأما هاهنا فإن المخاطب بالمجمل متمكن من ~~معرفة ما يفيده الخطاب فى الجملة فإنه يعلم أنه أمر أو نهى أو خبر أو ~~استخبار أو غير ذلك وكذلك يعرف ما وضع له الاسم المشترك لأنه وضع لواحد من ~~هذين على انفراده وتصور هذا فى القرء فإنه يعلم أنه يريد بالخطاب إما ~~الاعتداد بالطهر ms246 أو الاعتداد بالحيض # ألا ترى أن القائل إذا قال للمرأة أريد منك أن تعتدى بشىء يعنى من شيئين ~~إما الطهر وإما الحيض فإنها قد فهمت معنى هذا الخطاب من التردد بين الطهر ~~والحيض وأنها مأمورة بالاعتداد بأحد هذين وكذلك فى قوله تعالى @QB@ وآتوا ~~حقه يوم حصاده @QE@ الأنعام 142 يفهم المخاطب أن المراد بالخطاب إيجاب شىء ~~فى ماله وهذا مثل قول القائل فى الدار رجل فإنه يعلم بهذا وجود شخص بوصف ~~الدخول فى الدار وإن لم يعلم حقيقة وهذا لأن الأمر ابتلاء فإذا لزمه أن ~~يعتقد أن الله تعالى أراد منه حقا فى ماله وقد حصل الابتلاء وهذا لعلة أعظم ~~من الابتلاء بالعقل # قال أبو زيد فى أصوله وهذا كما أن فى القرآن ما هو متشابه أجبنا عن بيانه ~~وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة فى الجملة قال ولهذا لو قال لفلان على ~~شيئا يكون البيان إلى المقر منفصلا ومتصلا لأنه تكلم بكلام مجمل وإذا قال ~~لفلان على ألف درهم وفى البلد نقد يختلف كان البيان إليه منفصلا ومتصلا ~~وإذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه متصلا ومنفصلا وأما كلامهم فى منع ~~تأخير بيان التخصيص للعموم فنحن نقول إذا ثبت جواز بيان تأخير المجمل ثبت ~~جواز تأخير بيان التخصيص لأن فى الموضعين الموجود بيان متصل بما يحسن فيه ~~البيان # والذى قالوا إنه يريد إفهام المخاطب أو لا يريد # قلنا يريد به إفهامه وقد فهم بالمجمل شيئا فى الجملة وهو الخطاب بإيجاب ~~شىء PageV01P301 عليه وفارق هذا فصل المتكلم بالزنجى مع العربى لأنه لا ~~يفهم منه شيئا ما # وأما قوله إنه كيف يريد إفهامه مقتضى اللفظ من العموم وإن لم يتصل به ~~دليل يوجب التخصيص والخطاب على هذا الوجه حسن ألا ترى أن لو صرح به حسن ~~فكذلك إذا لم يصرح به وأراده صح أيضا وعلى أن فصل النسخ داخل على ما قالوه ~~وليس لهم على فصل النسخ عذر بيان وقولهم إنه يموت هوش لأن أمده ينقضى بموته ~~إذا مد كل إنسان مدة ms247 حياته وأما النسخ فيه قطع الأمد الموت إنهاء الأمد ~~فكيف يتشابهان وأما الذى قالوا إنه لا بد من إشعاره بالنسخ فنقول مخترع لم ~~يقل به أحد ويبطل بما ورد من نسخ تحليل الخمر ونسخ التوجه إلى بيت المقدس ~~وما أشبه ذلك فإنه قد صح هذه الوجوه من النسخ ولم يتقدم إشعار بذلك من قبل ~~ولا يمكنهم دعوى وجوده فبطل هذا وأما طريقة أبى زيد فضعيفة ولا نسلم أن لفظ ~~العموم فيما يتناوله من الأعيان مثل لفظ الألف فى الأعداد التى اشتمل عليها ~~وإنما العموم مجرد ظاهر فيما يتناوله من الأعيان وهو محتمل الخصوص وتأخير ~~بيان التخصيص عنه لا يمنع منه شرع ولا عقل وهذا خير الكلام فى البيان وما ~~يتصل به القول فى أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وما يتصل بها يذكر أو لا ~~مقدمة فنقول اعلم أن الأفعال على ضربين # أحدهما ما لا صفة له زائدة على وجوه وهو كبعض أفعال التناهى وبعض أفعال ~~الناس فقد لا توصف بحسن ولا قبح وهذا الفعل الذى لا مضرة فيه ولا منفعة من ~~فعل النائم والساهى وأما ما يكون من أفعال الساهى فيه مضرة أو منفعة فقد ~~قال بعضهم إنه لا بد أن يوصف بالحسن أو القبح وقال بعضهم لا يوصف بشىء من ~~ذلك وهذا هو الأولى لأن الحسن والقبح يتبع التكليف فمن لا يكون عليه تكليف ~~لا يوصف فعله بشىء من هذين وعلى هذا كل فعل يفيد زمن لا تكليف عليه # وأما الضرب الثانى وهو أفعال المكلفين فينقسم خمسة أقسام واجب وندب ومباح ~~ومحظور ومكروه وقال بعضهم ينقسم إلى قبيح وحسن ثم ينقسم القبيح إلى مكروه ~~ومحظور والحسن إلى مباح وندب وواجب وقد بينا حدود هذه الأشياء ثم اعلم أن ~~الواجب والندب والمباح يصح وقوعها من جميع المكلفين فأما المحظور فقد ~~اتفقوا على صحة وقوع ذلك من بنى آدم وهل يصح وقوع ذلك من الملائكة فذهبت ~~PageV01P302 المعتزلة وكثير ممن سواهم إلى أنه لا يصح وقوع ذلك منهم ~~وتعلقوا بقوله تعالى ms248 @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ ~~التحريم 6 وعند أهل السنة أنه يصح وقوع ذلك منهم بدليل قصة إبليس وقد كان ~~من الملائكة وقصة هاروت وماروت وقد كانا من الملائكة # وأما قوله تعالى @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ ~~التحريم 6 فيجوز أن يكون ذلك فى طائفة منهم أو فى زمان مخصوص والله أعلم # وأما الأنبياء عليهم السلام فلا يصح منهم وقوع الكبائر لعصمة الله تعالى ~~إياهم عن ذلك فأما الصغائر فقالوا لا يصح منهم وقوع ما ينفر عنهم مثل الكذب ~~وما يضع من أقدارهم وما يدعوا إلى البعد عنهم مثل الغلظة والفظاظة ولا يصح ~~منهم أيضا وقوع ما ورد السمع بحظره عليهم من الكبائر وقول الشعر فى حق ~~نبينا صلى الله عليه وسلم # وعندى أن هذا الحد لا يصح فى حق سائر الأنبياء وقد ورد السمع بحظر الأكل ~~من الشجرة وصح منه ذلك وأما ما عدا ما ذكرناه من الصغائر فقد أبى بعض ~~المتكلمين وقوع ذلك من الأنبياء أيضا والأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم ~~ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية وأما الخطأ والسهو فيجوز وقوع ~~ذلك من الأنبياء وقد حمل كثيرا مما فعلوه مما حكى الله تعالى على ذلك وفى ~~الباب خطب كثيرة وليس هذا موضعه # وإذا تقرر هذا رجعنا إلى أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم فنقول أفعاله ~~على ثلاثة أضرب # أحدها حركاته التى تدور عليها هواجس النفوس كتصرف الأعضاء وحركات الجسد ~~فلا يتعلق بذلك أمر باتباع ولا نهى عن مخالفة # والضرب الثانى أفعاله التى لا تتعلق بالعبادات كأحواله فى مأكله ومشربه ~~وملبسه ومنامه ويقظته فيدل فعل ذلك على الإباحة دون الوجوب # وأما الضرب الثالث ما اختص بالديانات وهو على ثلاثة أضرب # أحدها ما يكون بيانا # والثانى ما يكون تنفيذا وامتثالا # والثالث ما يكون ابتداء شرع فأما البيان فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان ~~المبين واجبا كان البيان واجبا وإن كان ندبا كان البيان ندبا ويعرف أنه ~~بيان بأن يصرح بأنه بيان ms249 كذلك ويعلم فى القرآن أنها مجملة تفتقر إلى البيان ~~ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن PageV01P303 هذا الفعل بيان لها # والثانى أن يفعل امتثالا وتنفيذا له فيعتبر أيضا بالأمر وإن كان الأمر ~~على الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وإن كان الفعل على الندب علمنا أنه فعل ~~ندبا # والثالث أن يعمل ابتداء من غير سبب ولم يوجد منه فى ذلك أمر باتباع ولا ~~نهى عنه فاختلف أصحابنا فى ذلك على ثلاثة مذاهب وكذلك سائر الفقهاء ~~والمتكلمين وهذا الاختلاف فيما يرجع إلى حقوق الأمة # المذهب الأول أن اتباعه فى هذه الأفعال واجب على الأمة إلا ما خصه ذلك ~~وهذا مذهب مالك والحسن وبه قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج ~~والإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وهذا هو الأشبه بمذهب ~~الشافعى رحمة الله عليه وبهذا قال من أصحاب أبى حنيفة أبو الحسن الكرخى وهو ~~قول طائفة من المتكلمين # والمذهب الثانى المستحب للأمة اتباعه فى هذه الأفعال ويندب إلى ذلك ولا ~~يجب وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر أهل المعتزلة وبه قال ~~من أصحاب الشافعى أبو بكر الصيرفى وأبو بكر القفال # والمذهب الثالث أن الأمر فى ذلك على الوقف حتى يقوم دليل على ما أريد منا ~~فى ذلك وإلى هذا ذهب أكثر الأشاعرة واختاره من أصحاب الشافعى أبو بكر ~~الدقاق وأبو القاسم بن كج PageV01P304 PageV01P305 # مسألة التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا واجب فى القرب # وعند من ذكرناه لا يجب # واستدل من ذهب إلى ذلك بوجوه من الدليل وقالوا تقدم أولا معنى التأسى ~~فمعناه أن يفعل صورة ما فعله على الوجه الذى فعله لأجل أنه فعل وما لم يكن ~~على هذا الوجه لا يكون تأسيا وقالوا يدل أولا أنه لا يجب علينا أن ~~PageV01P306 نفعل مثل ما فعله على جهة الواجب فنقول إنه لا يجوز أن يعلم ~~ذلك بالعقل لأنه لو علم ذلك بالعقل لكان من أحد الوجهين أما أنه لا يجوز أن ~~يختص بوجوب ms250 شىء عليه وما وجب عليه لا بد من كونه واجبا علينا أو لأنا إذا ~~لم نتبعه فى أفعاله أدى ذلك إلى التنفير عنه والأول باطل لأنه عليه السلام ~~إنما تعبد بالفعل لأنه مصلحة له ولسنا نعلم وجه كونه مصلحة حتى نعلم شياعه ~~فى جميع الناس وهذا لأنه ليس يجب اشتراك المكلفين فى المصالح فيجوز أن يكون ~~هذا الفعل مصلحة له ولا يكون مصلحة لنا ألا ترى أنه قد أبيح له ما لم يبح ~~لنا مثل العدد فى الأنكحة والصفى من المغنم وغير ذلك وقد أوجب عليه ما لم ~~يوجب علينا مثل قيام الليل والوتر والتضحية وغير ذلك والثانى باطل لأنه إما ~~أن يقال إن التنفير يحصل إذا فارقناه فى فعل واحد أو يحصل إذا فارقناه فى ~~جميع الأحوال والأول لا يصح لأن المفارقة قد حصلت فى أشياء كثيرة مثل ~~المفارقة فى صلاة الضحى والمناكح فقد حصل التنفير إذا والثانى لا يصلح لأنه ~~إذا كان التنفير يحصل بالمفارقة فى جميع الأفعال لا فى بعض الأفعال فلا بد ~~من دليل غير العقل يميز لنا ما تعبدنا به من أفعاله وبين ما لم نتعبد به ~~ولأنه لو قال اعلموا إنما تفعلوه مصلحة لكم دونى أو ما أفعله مصلحة لى ~~دونكم لم يكن هذا مؤديا إلى التنفير فكذلك ما ذكرناه لا يؤدى إلى التنفير ~~أيضا # قالوا وليس الأفعال كالأقوال من الأوامر والنواهى لأن الأقوال موضوعة ~~لمعان معلومة على ما ذكرناه من قبل فإذا لم يقتض ذلك الإيجاب أو التحريم ~~علينا إذا كان أمرا ونهيا يطلب معانيها وهذا لا يوجد فى الأفعال لأن ~~الأفعال مفيدة صحيحة فى حق فاعليها فالقول فى ترك إيجاب أمثالها علينا لا ~~يؤدى إلى إبطالها وإلغائها وإذا ثبت أنه لا يجب التأسى به من حيث العقل وإن ~~عرفنا أنه فعل واجبا فكيف يجب علينا أنه فعل ما فعل على وجه الوجوب وهذا ~~لأنا إذا لم نعلم الجهة التى فعل عليها لم يكن ما يفعله تأسيا لوجه ما ألا ~~ترى أنه لو ms251 صار واجبا فتطوعنا لم نكن متأسين به وكذلك إذا فعل تطوعا وفعلنا ~~فرضا لم نكن متأسين به أيضا وحرفهم فى هذا الدليل أنه لا دليل على ما قلتم ~~من وجوب التأسى لا من حيث العقل ولا من حيث السمع فسقط لعدم الدليل ~~واستدلوا أيضا بأنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عليه ~~وحين لم يكن دليلا عليه فلا يكون دليلا علينا لدل أنه كان واجبا عليه لأنا ~~إنما نفعله تبعا له # فإذا لم يدل على أنه كان واجبا عليه فالأولى أن لا يدل على أنه يجب علينا ~~PageV01P307 مثله وإذا ثبت انتفاء الوجوب علينا مجرد فعله فقد قال بعضهم إن ~~فعله يدل على الإباحة لأنها أقل الأحوال # وقل بعضهم يدل على الندب لأن الكلام فى القرب وأدنى أحوال القرب الندبية ~~فأخذنا بها أخذ باليقين ومنهم من يوقف ليقوم الدليل على أحد هذه الأمور ~~وأما دليلنا فاعلم أن المعتمد هو الاستدلال بالشرع فى وجوب الاتباع والدليل ~~على ذلك قوله تعالى @QB@ واتبعوه لعلكم تهتدون @QE@ الأعراف 158 وقال تعالى ~~@QB@ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي @QE@ الأعراف 157 الآية وقال تعالى ~~@QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ آل عمران 31 فأمر ~~الله تعالى فى هذه الآيات باتباعه واتباعه قد يكون فى قوله وقد يكون فى ~~فعله فكان بيان الشريعة من جهته واقعا بالأمرين جميعا ألا ترى أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال صلوا كما رأيتمونى أصلى وقال خذوا عنى مناسككم والصلاة والحج ~~من الأحكام المجملة وقد حصل بيانها بالفعل فثبت أن مجمل الفعل فى البيان ~~محل القول وأن من اتبعه فى فعله كان كمن اتبعه فى قوله وإنما يكون بيان ~~الفعل أوكد من بيان القول # ألا ترى أنه إذا أمر بشىء فأراد تحقيقه حققه بفعله كحلقه حين أحصر عام ~~الحديبية وقد كان أمر فلم يفعلوا وتربصوا وتوقفوا فلما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تبادر الناس عند ذلك إلى الحلق فدل أن الفعل من المكانة فى ~~القلوب ما ms252 ليس للقول ومما يدل أن محل فعله محل قوله أنه عليه السلام لما ~~سئل عن القبلة للصائم فقال أنا أقبل وأنا صائم فقال السائل إنك لست كأحدنا ~~فغضب وقال أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله ولما قيل لابن عمر ~~إن ناسا يقولون إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل PageV01P308 القبلة ولا ~~تستدبرها قال لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على اليقين مستقبل بيت المقدس لحاجته # فاستدل ابن عمر بذلك على جواز فعله ودل به على بطلان قولهم وأجزأه مجزءا ~~قوله لوروده بإطلاقه وإباحته وقد قال عامة أهل العلم قوله صلى الله عليه ~~وسلم إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا أجمعين بفعله حين أم قاعدا فى مرضه ~~الذى توفى فيه وهم قيام وغفلوا أن نسخ القول واقع بالفعل منه وأنهما فى ~~بيان الشريعة على السواء وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~أصبح جنبا فقد أفطر ثم زاد أنه منسوخ بما روى أنه كان يصبح جنبا ثم يغتسل ~~ويتم صومه وكذلك زاد أنه قوله صلى الله عليه وسلم الثيب بالثيب جلد مائة ~~والرجم منسوخ بترك جلد ماعز والغامدية وأن قوله فى السارق فإن عاد فاقتلوه ~~منسوخ بترك قتله حين أتى فى المرة الخامسة ومن هذا الباب جلوسه صلى الله ~~عليه وسلم بين الخطبتين يوم الجمعة وليس فيه إلا فعله فقط # وروى الشافعى رحمه الله فساد الصلاة بتركه # ومما يزيد ما قلناه بيانا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعله فى ~~صلاته خلع أصحابه نعالهم فلما سلم قال ما لكم خلعتم نعالكم فقالوا رأيناك ~~خلعت نعلك فقال إن جبريل أخبرنى أن بهما قذرا # وأيضا فإن عمر رضى الله عنه لما قبل الحجر قال إنى أعلم أنك حجر لا تضر ~~ولا تنفع ولكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك # فيرى أن متابعته على الظاهر من فعله واجبة مع علمه أنه لا يقع فيه أكثر ~~من الاتباع وأمثال هذه ms253 الأخبار كثيرة فهذه الأخبار تبين أن أفعاله جارية فى ~~بيان الشرع PageV01P309 مجرى أقواله ومن الصحابة رضى الله عنهم كانوا ~~يعتقدون ذلك ويرون أن المبادرة إلى أفعاله فى المتابعة مثل المبادرة إلى ~~أقواله وقد دل على هذا الأصل الكبير قوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون ~~عن أمره @QE@ النور 63 وأمره هو شأنه وذلك مشتمل على أفعاله وأقواله # ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ لتنبئنهم بأمرهم هذا @QE@ يوسف 15 أى شأنهم ~~وإلى قوله تعالى @QB@ وما أمر فرعون برشيد @QE@ هود 97 أى شأنه وطريقته ~~ومذهبه وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل فى أمرنا ما ليس فيه فهو رد ~~يريد دينه وشريعته وأقواله وأفعاله وإن ادعوا أن الأمر حقيقة فى القول مجاز ~~فى الفعل نقول فى هذا الموضع لما كان المعنى الثانى كان منتظما بالقول ~~والفعل على وجه واحد ودل أيضا قوله تعالى @QB@ لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة @QE@ الأحزاب 21 وهذا على الإلزام والإيجاب بدليل أن أتبعه قوله ~~@QB@ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر @QE@ الأحزاب 21 وهذا وعند التعقيب ~~بالمواعيد دليل الوجوب ويبين هذا الجواب عن قولهم أنه لو كان المراد بالآية ~~الإيجاب لقال لقد كان عليكم ولم يقل لكم لأن الذى قلناه من ذكر الوجوب ~~واللزوم والشىء الواجب علينا إذا فعلناه كتب لنا أمره فهو لنا من هذا الوجه ~~وقد دل أيضا على ما ذكرناه قوله تعالى @QB@ فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا @QE@ الأحزاب 37 فجعل فعله صلى الله عليه وسلم علما على القدرة ~~والأسوة وثبت بالآية أن الائتساء به صلى الله عليه وسلم ثابت على العموم ~~حتى ورد دليل الخصوص ألا ترى أنه لما جاء الخصوص قال تعالى @QB@ إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ الأحزاب 50 فثبت أن ~~الائتساء وجب شرعا والذى ذكرناه يعرف من الدلائل القطعية التى يحرم خلافها ~~ولا يدخل الاجتهاد فى تجاوزها وعلى هذا الأصل الذى ثبتناه لا يحتاج ms254 إلى ~~الجواب عن شىء من كلامهم لأنهم إذا ادعوا انتفاء الوجوب من حيث العقل ونحن ~~ادعينا وجوبه من حيث الشرع ولا ملاقاة بين طرفى الدليلين فوقعت الغنية عن ~~الاشتغال بم ذكروه وأوردوه والله المشكور بالهداية إلى ما يوافق السنة فإن ~~ذكروا شيئا اختص به النبي صلى الله عليه وسلم نقول قام دليل التخصيص مع ذلك ~~فلا يدخل على الأصل الذى أصلناه # فإن قيل لو كان الفعل منه صلى الله عليه وسلم على الوجوب لكان الترك على ~~الوجوب قلنا نقول PageV01P310 إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من ~~الأشياء وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه إلى أن قال لهم إنى أعافه وأذن لهم فى ~~تناوله وهذا وجه الكلام فى هذه المسألة وقد تبين جدا وقد رأيت لبعض ~~المتأخرين فى هذه المسألة كلاما مختلطا ورأيته متردد الرأى فى المسألة ~~وأشار إلى طرف مما ذكرناه من أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يبتدرون إلى ~~أفعاله صلى الله عليه وسلم ابتدارهم إلى أقواله وهو صلى الله عليه وسلم ~~إمام الخليقة فى جميع أموره وذكر أنه يبنى فعله على الإيجاب والإلزام أخذا ~~بالأحوط ثم رأيته يميل إلى القول بالإباحة على معنى أنه إذا ظهر منه صلى ~~الله عليه وسلم فعل لم يكن على الأمة حرج أن يفعلوا مثل فعله قال وأما ~~القول بالإيجاب والندب فلا دليل عليهما ونحن نحمد الله عليهما قد دللنا على ~~ذلك بأبين وجه وأظهر مسلك فليعتقد المرء ذلك يجد نفسه على سواء الصراط ~~والله المغنى بمنه # وإذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا وعرف أنه فعله على وجه الوجوب ~~أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على التخصيص بذلك ~~فقال أبو بكر الدقاق لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل يدل عليه هكذا ذكر ~~الأصحاب وعندى أن ما فعل فى القرب سواء عرف أنه فعله على جهته أو لم يعرف ~~فإنه ms255 شرع لنا إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه والذى ذكرناه فى المسألة ~~الأولى دليل في هذه المسألة ولا معنى للإعادة والمعتمد رجوع الصحابة إلى ~~أقواله وأفعاله جميعا على السواء # وإذا ثبت هذا فنقول اعلم أنه يحصل بالفعل جميع أنواع البيان من بيانه ~~المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ فأما بيان المجمل فهو كما روى ~~من فعله صلى الله عليه وسلم الصلاة والحج وتصمن فعله بيان المجمل الذى فى ~~القرآن وأما تخصيص العموم فهو كما روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس # ثم روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر صلاة لها سبب # وكان ذلك تخصيص عموم النهى وأما تأويل الظاهر فهو كما روى أنه صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن القود فى الطرف قبل الاندمال ثم روى أنه أفاد قبل ~~الاندمال فيعلم أنه صلى الله عليه وسلم أراد بالنهى الكراهة فى وقت دون ~~التحريم وأما النسخ فقد بيناه فى موضعين فلا يفيد # وإن تعارض قوله وفعله فى البيان ففيه أوجه من أصحابنا من قال القول أولى ~~من PageV01P311 الفعل لتعديه بصيغته # ومنهم من قال الفعل أولى لأنه أدل وأقوى فى البيان على ما سبق من خبر حلق ~~الرأس فى الحديبية # ومن أصحابنا من قال هما سواء # وعندى أن هذا هو الأولى ولا بد من دليل آخر لترجيح أحدهما على الآخر ووجه ~~التسوية بينهما ما ذكرنا فى المسألة الأولى وهو اتفاق الصحابة رضى الله ~~عنهم على التسوية بين القول والفعل وأخذهم بيان الشرع منهما على وجه واحد ~~من غير ترجيح والكتاب يدل أيضا على ذلك وهو فى المواضع التى ذكرناها والله ~~أعلم # ونذكر حكم ما أقر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عصره فنقول وإذا ~~شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على استدامة أفعال فى بيعات أو ~~غيره من معاملات يتعاملونها فيما بينهم أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو ~~أبنية أو مقاعد فى أسواق فأقرهم عليها ولم ينكرها ms256 منهم فجميعها فى الشرع ~~مباح إذا لم يتقدم إقراره إنكار لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستجيز أن ~~يقر الناس على منكر ومحظور كما وصفه الله تعالى فى قوله @QB@ النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر @QE@ الأعراف 157 فدل أن ما أقرعليه داخل فى المعروف خارج عن المنكر ~~فإن مدح فاعله وذم تاركه دل على وجوبه وإن ذم فاعله ومدح تاركه دل على حظره ~~وهكذا لو أمره بالتوبة لأنه لا يأمر بها إلا فى معصية وإن مدح فاعله ولم ~~يذم تاركه دل على استحبابه وهكذا لو وعد فاعله بالثواب أو لم يتوعد تاركه ~~بالعقاب دل على استحبابه وإن لم يمدح فاعله ولم يذم تاركه دل على إباحته ~~وإن أقر فاعلا بعد ذمه على فعل مثله دل على PageV01P312 إباحته بعد حظره ~~وإن ذم واحدا على فعل وأقر آخر على مثله فإن علم افتراقهما فى السبب تعلق ~~الحظر والإباحة بالسبب الذى افترقا فيه وإن جهل بسبب الافتراق عليه حكم ~~الآخر منهما فإن كان الآخر الإقرار بعد الذم دل على الإباحة بعد الحظر وإن ~~كان الآخر الذم بعد الإقرار دل على الحظر بعد الإباحة وإذا علم من حال ~~مرتكب المنكر الإنكار إن كان الإنكار عليه يزيده إغراء على فعل مثله فإن ~~علم به غير الرسول لم يجب عليه الإنكار لئلا يزداد من المنكر بالإغراء # وإن علم به الرسول ففى وجوب إنكاره وجهان أحدهما لا يجب لهذا التعليل وهو ~~قول المعتزلة # والوجه الثانى يجب إنكاره ليزول بالإنكار توهم الإباحة وهذا الوجه أظهر ~~وهو قول الأشعرية من هذا الوجه يكون الرسول مخالفا لغيره لأن الإباحة ~~والحظر شرع مختص بالرسول دون غيره # مسألة وإذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا فهو على ثلاثة أضرب # أحدها أن يضيفه إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم # والآخر إلى عصر الصحابة رضى الله عنهم # والثالث أن ينطق فإن أضافه إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مما ~~لا يخفى مثله حمل ms257 على إقرار الرسول وصار شرعا وإن كان مثله يخفى كأن يكرر ~~منهم وكثر حمله على إقراره لأن الأغلب فيما كثر منهم أنه لا يخفى عليه كما ~~روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال كنا نخرج صدقة الفطر فى زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صاعا من بر أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر الخبر ~~وعلى هذا إذا أخرج الراوى الرواية مخرج التكثير بأن قالوا كانوا يفعلون كذا ~~حمل الرواية على علمه وإقراره فصار المنقول شرعا وإن تجرد عن لفظ التكثير ~~كقوله فعلوا كذا فهو محتمل ولا يثبت شرع باحتمال وأما إن أضيف الفعل إلى ~~عصر الصحابة رضى الله عنهم نظر فإن كان مع بقاء عصر الصحابة لم يكن حجة وإن ~~كان انقراض عصرهم فهو حكاية عن إجماعهم فيكون حجة وإن أطلقه ولم يضفه إلى ~~أحد العصرين نظر فإن كان عصر الصحابة باقيا فهو مضاف إلى عصر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وإن كان بعد عصر الصحابة فالماضى قبله عصر الصحابة # وإذا قال الراوى من السنة كذا كما قال على رضى الله عنه من السنة أن لا ~~يقتل حر بعبد فقد اختلف فيه الفقهاء # فعند أبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى وأبى PageV01P313 الحسن الكرخى من ~~أصحاب أبى حنيفة أنه لا يحمل ذلك على سنة الرسول لأن الصحابة ربما سنوا ~~بالقياس والاجتهاد أحكاما كما قال على رضى الله عنه جلد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فى الخمر أربعين وجلد أبو بكر رضى الله عنه ثمانين فى كل سنة وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى ~~وأما مذهب الشافعى رحمه الله أن مطلق السنة ما سنه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأضافها إلى غيره # فجاز لا قتدائه فيها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فوجب أن يحمل الإطلاق ~~على حقيقته دون مجازه وأما قول على رضى الله عنه وكل سنة يعنى بالزيادة ~~أنها تقرير جاءت به السنة وقوله صلى الله ms258 عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدى ما أخبروكم به عن سنتى وإن كان ذلك حجة نظر فإن كان الراوى لذلك ~~صحابيا كان روايته مسندة يجب العمل بها وإن كان تابعيا كان روايته مرسلة ~~فحكمها حكم المراسيل # مسألة وإذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فلا يوجب هذا أن يقطع ~~بأنه عن الرسول ولا يقطع بأنه ليس عن الرسول صلى الله عليه وسلم لجواز ~~الأمرين # واختلفوا فيما يوجب هذا الظاهر فحكى عن أبى الحسن الكرخى من أصحاب أبى ~~حنيفة وأبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى أنه يحمل على أنه من الصحابة دون ~~الرسول صلوات الله عليه إلا أن يقوم دليل على أنه من الرسول عليه السلام # ومذهب الشافعى أنه يحمل على أنه من الرسول صلوات الله عليه دون الصحابة ~~لأن الصحابة لقربهم من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يستعملون هذه ~~اللفظة فى أوامره ونواهيه فوجب أن يحمل على عرف الاستعمال وهذا مثل ما روى ~~عن أنس أنه قال PageV01P314 # أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة وهذا محمول على أن الآمر هو النبي ~~صلى الله عليه وسلم # ومنهم من جعل الأمر على الوقف حتى يقوم دليل # والصحيح ما قدمنا ومما يلحق بالفصل الذى ذكرناه من قبل أن تقرير النبي ~~صلى الله عليه وسلم غيره على ما يشاهده منه شرع استدل به الشافعى فى إثبات ~~القافة من خبر محرز المدلجى ونظره إلى أسامة بن زيد وهما نائمان وعليهما ~~قطيفة وقد بدت أقدامهما فقال هذه الأقدام بعضها من بعض وسرور النبي صلى ~~الله عليه وسلم بذلك وذكره لعائشة رضى الله عنها مستبشرا بقوله ووجه ~~الاحتجاج بالخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسره إلا الحق وقد قال ~~محرز ما قاله بالقافة فإنه كان معروفا بهذا العلم فلما سره قوله تبين أنه ~~مسلك صحيح وقوله مصدر عما صدر عنه حق وهذا هو الجواب عن قول من قال معترضا ~~على الخبر أن قول محرز كان موافقا للشرع فإن أسامة ولد ms259 على فراش زيد والقول ~~الصادر على وفق الشرع لا يكون دليلا على أنه فى نفسه حق وحجة # ألا ترى أن الفاسق لو قال إن هذه الدار لفلان وعزاها إلى مالكها فلو قرر ~~الشرع مثل هذا على قولكم لم يكن دليلا على أن قول الفاسق مقبول محكم به # والجواب على هذا ما سبق ويقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم لو لم يكن ~~معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفال وما يقال بالحدس والتخمين ~~ولما أبعد أن يخطىء فى تواضع إن أصاب فى هذا الموضع وكان ينبغى إن لم يكن ~~القافة حقا أن ينبهه على غلط وهو قوله بهذا الطريق حتى لا يتخذه مسلكا ~~يسلكه فى سائر المواضع فيخطىء فى غير هذا الموضع وإن أصاب فى هذا الموضع ~~فمقداره الاحتجاج بالخبر وهو وجه حسن واضح داخل فى أستار القلوب والله أعلم # مسألة ويلحق بهذا الفصل الكلام فى تعبد نبينا عليه السلام بشريعة من قبله # اعلم أنه يجوز أن يتعبده الله تعالى بشريعة من قبله من الأنبياء ويأمره ~~باتباعها ويجوز أن يتعبده بالنهى عن اتباعها ولا لبس فى وجوب هذا أو عدمه ~~استبعاد ولا استنكار ولأن PageV01P315 مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف ~~فيجوز أن يكون الشىء مصلحة فى زمان النبى الأول دون الثانى ويجوز أن يكون ~~مصلحة فى زمان الثانى دون الأول ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الأول والثانى ~~وإذا جاز هذا فيجوز أن تختلف الشرائع وتتفق فإن قيل إذا جاء الثانى بمثل ما ~~جاء به الأول لم يكن لبعثه وإظهار المعجزة عليه فائدة لأن الشريعة معلومة ~~من قبل # قلنا الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعلى ~~أن فيه فوائد كثيرة منها أنهما وإن اتفقا فى بعض الأحكام فيجوز أن يختلفا ~~فى بعضها ومنها أنه يجوز أن يكون الأول مبعوثا إلى قومه والثانى إلى غيرهم ~~ومنها أن يندر من شريعة الأول فلا يعلم إلا من جهة الثانى ومنها أن يحدث فى ~~الأول بدع فيزيلها ms260 الثانى فيعلم أن الأمرين جائزان # ثم اختلف أصحابنا وغيرهم هل تعبده لله تعالى أعنى نبينا صلى الله عليه ~~وسلم باتباعها أعنى شريعة من قبلنا أم كان منهيا عن اتباعها على ثلاثة ~~مذاهب # أحدها أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وقد ذهب إلى هذا ~~جماعة من أصحابنا وأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة # والمذهب الثانى أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا باتباعها إلا ما نسخ ~~منها وإلى هذا مال أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة وطائفة من ~~المتكلمين # والمذهب الثالث أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعبد فيها بأمر ولا نهى وقال ~~بعض الفقهاء كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه السلام على الخصوص دون غيره ~~وهو قول شاذ # والمعروف ما قدمنا من قبل والمذهب الصحيح هو الأول وإنه كان المذهب ~~الثانى قد نصره كثير من أصحابنا وقد أومىء إليه الشافعى فى بعض كتبه وقيل ~~إنه بنى عليه أصلا من أصوله فى كتاب الأطعمة غير أنا نقول إن العقل لا يحل ~~اتباع شريعة من قبلنا غير أنه قد ثبت شرعا أنا غير متعبدين بشىء من أحكام ~~الشرائع المتقدمة فأما وجه قول من قال إنا تعبدنا بذلك قوله تعالى @QB@ قل ~~صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا @QE@ آل عمران 95 فهذا نص أن هذه ~~الشريعة ملة إبراهيم ونحن نعلم أنها لم تجعل الملة فى الحال فثبت أنها ملة ~~له على معنى أنها كانت ملة له فبقيت حقا لذلك وصارت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويدل عليه PageV01P316 قوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده @QE@ الأنعام 91 والهدى اسم الإيمان والشرائع جميعا لأن ~~الاهتداء بها كلها ويدل عليه قوله تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا @QE@ المائدة 44 وقوله @QB@ النبيون ~~الذين أسلموا @QE@ قد دخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقيل أنه أراد بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص وقوله فى قصة اليهوديين اللذين زنيا ~~ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ms261 التوراة وحكمه بها على هذا القول أكثر ~~أهل التفسير وبه وردت الرواية ويدل عليه أن ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن ~~سجدة ص فقال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم أن يقتدى به # وأيضا فإن الله تعالى قال @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا @QE@ ~~الشورى 13 والدين اسم لما يدان الله به من الشرائع ولأن ما أنزله الله ~~تعالى من الشرع شرع ثبت لكل الناس ما لم يثبت نسخه وليس فى بعث الرسول ~~الثانى ما يدل على نسخ ما كان شرعا من قبل لما بينا أنه غير ممتنع أن يكون ~~شرع الأول شرعا للثانى فعلى هذا شرائع من قبلنا شرائع الله تعالى ولم يعرف ~~نسخها ثبت حقا وشرعا إلى أن يعرف نسخها قال أبو زيد فى أصوله والصحيح هذا ~~المذهب وهو أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا لحكايته أنها ثابتة لأن الله تعالى ~~أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعها وخانوا فى النقل فصاروا مردودين ~~الشهادة ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم واتهموا بالحيل واللبس فيما ~~يظهرون من شر لبعض فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبرنا أنها ثابتة بوحى متلو وغير متلو قال فالشرائع التى ~~كانت من قبل تبقى حقا فى نفسها لأنها كانت مطلقة غير مقبولة فبعث نبى آخر ~~ولكن لا يثبت شرعهم بنقلهم ولكن بنقل الثانى # قال وفيه كان عرف المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث لم يصدق غيره عليه ولزم ~~الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء قالوا ولهذا لم يرجع إليهم ولم ~~يراجعهم فى معرفة الأحكام وربما يستدل من ذهب إلى هذا المذهب بحال النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل الوحى بأنه كان متبعا شريعة من قبله بدليل أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يحج ويعتمر ويفعل وجوه الخيرات ويذبح وينحر ويطوف ويعظم ~~البيت ولا بد أن هذه الأفعال كانت ms262 منه باتباعه شريعة من قبله لأنه لم يكن ~~ينزل عليه الوحى بشرع يدل عليه أن الله تعالى لا يخلى زمانا من شرع وإذا لم ~~يكن عليه شرع فلا بد أن يكون الذى عليه شريعة من قبله فأما دليلنا قوله ~~تعالى PageV01P317 @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه @QE@ آل عمران 81 ~~والرسول الذى ذكر هاهنا هو رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد جعلهم بعد مبعثه ~~بمنزلة أمته فدل أن شرائعهم قد انتهت بمبعثه ويدل عليه قوله تعالى @QB@ لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ المائدة 48 قال أبو زيد على هذه الآية فيه ~~دليل على جواز النسخ فى الجملة وليس فيه دليل على انتساخ كلى فإن تبدل ~~الطريقة يثبت بتغيير الأحكام ولا شك أن بعض الأحكام قد تغيرت بتبدل الطريقة ~~فاستقام قوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ المائدة 48 قال ~~يبينه أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة بالإيمان بالله تعالى وطاعتهم إياه ~~فى أوامره ونواهيه ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال إن هذه الآية تقتضى تفرد كل ~~واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج إلا ما قام عليه الدليل والدليل على أن ~~شرائع من قبلنا انتهت بمبعث نبينا صلى الله عليه وسلم ما روى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رأى صحيفة فى يد عمر رضى الله عنه فقال له ما هذه الصحيفة ~~فقال فيها شىء من التوراة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أمتهوكون ~~أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى # فجعله بمنزلة واحد من أمته لو كان حيا فهذا نص أن شريعته انتهت ببعثه ~~ولأن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يرجعون فى الحوادث إلى الكتاب ~~والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا من الكتاب والسنة والدليل عليه قول ~~معاذ حين بعث إلى اليمن الخبر المعروف ولم يرو أن أحدا منهم رجع إلى شىء من ~~أحكام الكتب المنزلة من قبل ولا بحث ms263 عنها ولا أمر أحدا بالبحث عما فيها ولو ~~كانوا متعبدين بذلك لنقل عنهم أو نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو ~~فعل لنقلوا عنه عليه السلام ذلك وهذا دليل معتمد لكن نبسط بساطا لهذا ~~الدليل ليظهر وجه الاعتماد عليه فيقول القائل بوجوب اتباع شريعة من تقدمه ~~لا يخلو إما أن نقول إن الله تعالى أوحى إليه بلزوم العبادات التى تعبد بها ~~من قبله وأوحى إليه تلك العبادات وصفاتها وهيئاتها فرجع إلى ما أوحى إليه ~~منها ولم يرجع إلى النقل عمن تقدم أو يقول إنه رجع فى معرفة شرع من تقدم ~~إلى النقل كما نفعله نحن فى شرع نبينا صلوات الله عليه أو نقول رجع فى ~~البعض إلى الوحى وفى البعض إلى النقل ولا يجوز الأول لأن هذا مجرد دعوى ولا ~~بد PageV01P318 فى ذلك من نقل وأما الظن والتخمين لا يثبت ولأنه لا يخلو ~~إما أن نقول إن جميع ما أوحى إليه شرع نبي متقدم إما موسى عليه السلام أو ~~غيره وإما أن نقول إن بعض ما أوحى إليه شرع نبى متقدم والبعض لا والأول ~~باطل لأن كثيرا من شرعه لا يوافق شرع موسى والمسيح وغيرهما وهذا معلوم قطعا ~~وأما الثانى فغير ممتنع أن يكون بعض شرعه موافقا لشرع من تقدمه ولكن وقوع ~~الاتفاق لا يدل أنه متعبد بشريعة من تقدمه لأنه عليه السلام إنما علمه ~~بالوحى فصار شريعته وإذا صار شريعته بالوحى ولا سند إلى أنه شريعة له بكونه ~~شريعة من قبله وإن قال إنه أنزل إليه أن هذه شريعة من قبلك وأنت متعبد بها ~~فاتبعها فهذا لا بد فيه من نقل على هذا الوجه وإن رجعوا إلى الآيات التى ~~ذكروها فليس فيها ذكر شرع من شرائعهم وحملها على جميع شرائعهم لا يمكن لما ~~ذكرنا من قبل ولا يجوز الثانى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى نقل ~~من تقدم وهو باطل لما بينا أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع فى ~~شىء ms264 من الحوادث إليها بل كان ينتظر الوحى مثل ما انتظر فى الظهار والإيلاء ~~واللعان وغير ذلك ولم يرو أنه سأل أحد من أهل التوراة والإنجيل عن حكم من ~~الأحكام ولو كان متعبدا بما فيها لم يتصور أن لا يرجع ولذلك أحد من السلف ~~لم يرو أنه رجع إلى نقل أحد من أهل الملل ولا سألهم عن شرائعهم ولو كانوا ~~متعبدين كما قلتم لكانت كتب الأنبياء المتقدمين عليهم السلام فى الأحكام ~~بمنزلة الكتاب والسنة فكان ينبغى أن يجب الرجوع إلى ذلك كما أوجب الرجوع ~~إلى الكتاب والسنة فإن ذكروا الرجوع إلى أمر الرجم سنجيب عنه فإن قالوا ~~إنما امتنع ذلك لأن أهل الأديان السالفة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه ~~التى عليها نزلت # قلنا إذا ثبت أن الرجوع إلى نقل من تقدم ممتنع ولم ينقل الوحى بذلك ولا ~~ثبت فساد الرجوع فإذا سقط عرفنا قطعا أنه لم يكن متعبدا بشرع من قبله ولأنه ~~لو كان متعبدا بشرع من قبله على ما زعموا وكانوا قد حرفوا وغيروا ونحن نعلم ~~قطعا أنهم لم يحرفوا الجميع فكان ينبغى أن يقع التنبيه من الله تعالى على ~~مواضع اللبس والتمويه والتحريف حتى لا يتعطل مرجع الأحكام ويدل عليه أنه ~~كان قد أعلم من أحبارهم جماعة مثل عبد الله بن سلام وزيد بن شعبة وغيرهما ~~فى زمان النبي صلى الله عليه وسلم ومثل كعب الأحبار وغيره بعده فكان يمكن ~~أن يعرف مواضع التحريف من غير مواضع التحريف منهم وقد استشهد الله تعالى ~~بعبد الله بن سلام فى نص التنزيل وهو قوله @QB@ قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب @QE@ الرعد 43 وهو عبد الله بن سلام فى قول ~~جماعة المفسرين فإن قالوا PageV01P319 بقول الواحد والاثنين لا نعرف قلنا ~~فيما طريقة العلم يعرف وعلى أنه كان يخالط أهل العلم النقل للكتب المتقدمة ~~ليعرف ما فيها بطريق التواتر حتى لا يذهب عليه شرع من الشرائع التى تعبد به ~~والذى قاله أبو زيد فى حجتهم أنه لا يثبت بما ms265 شرعهم إلا بقول من الرسول صلى ~~الله عليه وسلم # قلنا فإن ذلك القول وكان ينبغى أن يوقفه الله عليه وليس أوقفه الله عليه ~~وكان ينبغى أن يعلمنا ذلك حتى لا يذهب علينا شريعة من الشرائع التى تعبدنا ~~الله تعالى بها # وقد قال بعض من ذهب إلى هذا المذهب أنه لو كان متعبدا بشرع من سلف لم ~~ينسب جميع شرعه إليه كما لا ينسب شرعه عليه السلام إلى بعض أمته وفيما ~~قالوه جعل الرسول كأنه أمة من تقدمه وهذا غض من درجته وحط عظيم من مرتبته ~~ومنزلته واعتقاد أنه تبع لكل نبى من تقدمه وهذا لا يستجيزه أحد من أهل ~~الملة بل فيه التنفير عنه لأنه يكون تابعا بعد أن كان متبوعا ومدعوا بعد أن ~~كان داعيا أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما الآية الأولى فلا تعلق لكم ~~بها لأن المذكور اسم الملة واسم الملة لا يقع إلا على الأصول من التوحيد ~~والإخلاص لله تعالى بالعبادة وغير ذلك ولا يقع هذا الاسم على فروع الشرائع ~~التى يقع اختلافنا فى ذلك ولهذا لا يقال ملة أبى حنيفة وملة الشافعى ويقال ~~مذاهبهما مختلفة ولا يقال ملتهما مختلفة ويدل عليه أن الله تعالى قال @QB@ ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين @QE@ النحل 123 فعلمنا أنه ~~أراد بالملة أصل الدين ويدل عليه أن شريعة إبراهيم قد انقطع نقلها وكيف ~~يحثه الله تعالى على اتباع ما لا سبيل له # وأما قوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ الأنعام ~~91 فقد أمر الله تعالى باتباعه هدى يضاف إلى جماعتهم والهدى المضاف إلى ~~جماعتهم هدى التوحيد الذى اجتمعوا عليه دون الشرائع التى اختلفوا فيها وأما ~~قوله تعالى @QB@ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا @QE@ المائدة 44 قلنا ظاهر هذا يقتضى أن يحكم بها كل النبيين فعلى ~~هذا لا بد من حمله على التوحيد ليدخل جميع النبيين فيه لأننا نقطع أن بعض ~~الشرائع قد تنسخ بعضا على تفاصيل معلومة وأما قولهم ms266 أنها نزلت فى شأن ~~اليهوديين اللذين زنيا قلنا قد يسقط استدلالكم بالطريق الذى قلناه ويجوز أن ~~يكون المراد بالذين أسلموا جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعثوا على شرع ~~التوراة والدليل على أن المراد بالآية ما ذكرنا أنه لم ينقل رجوع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى التوراة فى طلب الأحكام وأما قصة اليهوديين فليس يعلم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إليها مستفيدا لحكم منها ويجوز أن نرجع ~~إليها لنتبين كذبهم فيما ادعوا أنه ليس حد الزنا PageV01P320 هو الرجم فى ~~التوراة وقد كان إلى ذلك لأن اليهود كانوا يموهون على المسلمين ويقولون إنه ~~لم يوجد صفة محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة فأراد أن يبين كذبهم فيما ~~ادعوا من حكم الزانى ليعرف كذبهم فى غير ذلك مما يدعونه وأيضا يجوز أنه ~~عليه السلام حكى أن الرجم هو حد الزانى فى التوراة فرجع إليها ليقررهم على ~~صدقه فى حكاية أن الرجم موجود فيها ولو رجع فى استفادة الحكم منها لرجع ~~إليها فى غير ذلك من الأحكام ورجع إليها في شرائط الإحصان وغيره # وأما قوله تعالى @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا @QE@ الشورى 13 ~~قلنا اسم الدين يقع على الأصول دون الفروع ولهذا لا يقال دين الشافعى ويراد ~~به مذهبه ولا يقال دينه ودين أبى حنيفة مختلف وعلى أن قوله @QB@ أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ الشورى 13 دليل على أن الدين شرعه لنا ما وصى ~~به نوحا وهو ترك التفرق وأن يتمسك بما شرع وأما قولهم إن الشريعة التى ~~شرعها الله تعالى وأنزلها لا يثبت نسخها إلا بدليل قلنا قد قام الدليل على ~~نسخها على ما سبق وقد أقمنا الدلالة على ذلك وهذا لأن جميع الشرائع السابقة ~~قد انتهت بشرع رسولنا صلوات الله وسلامه عليه ونستدل بما ذكرناه على ~~انتهائها وقد سبق بما فيه وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~متعبدا بشرع من قبله قبل الوحى # قلنا هذا لا نسلمه أيضا والدليل عليه أنه لو ms267 كان متعبدا بذلك لكان يفعل ~~ما تعبد به ولو فعل ذلك كان يخالط من ينقل ذلك الشرع من النصارى واليهود ~~وغيرهم ولو فعل معهم ما كانوا يفعلونه وقد نقلت أفعاله قبل البعث وعرفت ~~أحواله ولم ينقل أنه كان يخالط أحدا من النصارى واليهود أو يفعل شيئا من ~~أفعالهم والحق أنه لو تعبد بها لفعلها ولو فعلها لظهرت منه ولو ظهرت لاتبعه ~~فيها الموافق لنازعه فيها المخالف وقد عدم هذا كله فدل أنه لم يكن متعبدا ~~بذلك وأما قولهم أنه كان يحج ويعتمر ويطوف قلنا لم يثبت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حج واعتمر قبل المبعث ولم يثبت أنه تولى التذكية وأمر بها ويمكن ~~أن يقال أنه وجد قومه على أدب من أدب إبراهيم عليه السلام فوافقهم فيما ~~فعلوه من الأفعال التى كانوا فيها على طريقة إبراهيم وهذا غير ممتنع فعله ~~وموافقته قومه فيها خصوصا إذا كانوا قوما نشأ فيهم وكان فيما بينهم ولم يكن ~~الفعل مما هو محرم فى شريعة معروفة فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة والله ~~أعلم PageV01P321 # | القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل # وإذا بينا أفعال الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأحكامها فالواجب أن نبين ~~أقواله صلى الله عليه وسلم ومواجبها وما يتعلق بها وأيضا فإن السنة تلو ~~الكتاب فإذا بينا طرفا مما يتعلق بالكتاب فنبين السنة وما يبتنى عليها ~~فنقول فى مقدمة الكلام فى الأخبار أن سنة الرسول صلوات الله عليه فى حكم ~~الكتاب فى وجوب العمل بها وإن كانت فرعا له لأن الله تعالى ختم برسوله ~~النبوة وأكمل الشريعة وجعل إليه بيان ما أجمله فى كتابه وإظهار ما شرعه من ~~أحكامه وقال تعالى فى محكم تنزيله @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا @QE@ النساء 59 # ولما جعله بهذه الرتبة أوجب الله عليه أمرين لأمته وأوجب له أمرين على ~~أمته # وأما ما أوجب عليه لأمته منه الأمرين # فأحدهما التبليغ قال الله تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك ms268 وإن لم تفعل فما بلغت رسالته @QE@ المائدة 67 # والثانى البيان قال الله تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم @QE@ النحل 44 # وما أوجب له على أمته من الأمرين # فأحدهما طاعته فى قبول قوله والعمل به قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ النساء 59 # والثانى أن يبلغوا عنه ما أخبرهم به وأمرهم بفعله لأنه ما كان يقدر على ~~أن يبلغ جميع الناس وما كان يبقى على الأبد حتى يبلغ أهل كل عصر فإذا بلغ ~~الحاضر لزمه أن ينقله إلى الغائب وإذا بلغ أهل عصر لزمهم أن ينقلوه إلى أهل ~~كل عصر عمن تقدمهم لينقلوها إلى أهل العصر الذى يتلوهم فينقل كل سلف إلى ~~خلفه فيدوم على الأبد نقل سنته وحفظ شريعته # قال النبى صلى الله عليه وسلم ليبلغ الشاهد الغائب وقال صلى الله عليه ~~وسلم بلغوا عنى ولا تكذبوا على وقال أيضا نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها ~~وبلغها من لم يسمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه ~~منه PageV01P322 # وإذا كان أمر السنة على هذا الوجه فللسنة حالتان # إحداهما أن يأخذها الحاضر عن الرسول صلى الله عليه وسلم سماعا منه # والحالة الثانية أن ينقل إلى الغائب خبرا عنه # فأما الحالة الأولى فإذا سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمع لفظه ~~فالعلم بذلك مقطوع بوجوده لأن السماع من علوم الحواس المدركة بالاضطرار ~~وإذا رفع العلم بذلك فيكون وجوب العلم صادرا عن العلم بصحة ما سمعه # وأما الحالة الثانية وهى إذا نقل خبره صلى الله عليه وسلم إلى غائب عنه ~~فيجب على من نقل إليه أن يعمل به كما يجب على من شاهده وسمع منه فليثبتونه ~~فى وجوب العمل وإن اختلفا فى وقوع العلم وسنبين هذا من بعد وليس على من ~~بلغته السنة من الغائبين عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهاجر لها ~~لسماعها منه لأنها قد وصلت إليه بالنقل فسقطت عنه المعجزة وسقط عن ms269 النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيانه # ثانيا وإن هاجر لأنه قد بين بالبلاغ الأول فسقط عنه فرضه ولو لزم كل مبلغ ~~أن يحضر ولزم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرر لخرج من حد الاستطاعة فى ~~الجمعين فصارت الأخبار أصلا كبيرا فى أصول الدين بالوجه الذى قد بيناه # # | فصل اعلم أن حد الخبر كلام يدخله الصدق والكذب # ولا يعنى بهذا دخولهما عليه فى حالة واحدة لكن المراد منه أنه يصح فيه ~~الصدق والكذب من حيث صيغته ثم يكون الصدق بدليله والكذب بدليله ألا ترى أن ~~الإنسان إذا أخبر بخبر فلا يقال صدقت أم كذبت من حيث صيغته لأنه من حيث ~~صيغته يستوى فيه الصدق والكذب وإنما يقال كذبت أو صدقت بدليل يدل عليه لا ~~من صيغته وقد عدل بعضهم عن الحد الأول فقال ما يدخله الصدق أو الكذب وقال ~~بعضهم ما لا يخلو أن يكون صدقا أو كذبا # والحد الأول هو المعروف وقد صح بالوجه الذى بينا فإن قيل قول القائل محمد ~~ومسيلمة صادقان خبر وليس بصدق ولا كذب قلنا هذا الكلام يجرى مجرى خبرين ~~أحدهما خبر عنه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم والآخر بصدق مسيلمة والأول ~~حق صدق PageV01P323 والثانى كذب باطل وإذا جرى هذا الكلام مجرى خبرين ~~أحدهما صدق والآخر كذب سقط السؤال ثم نقول قد بينا أن معنى قولنا أن الخبر ~~يدخله الصدق والكذب هو أنه إذا قيل للمتكلم به صدقت أو كذبت لم يكن باطلا ~~من حيث اللغة وفى هذه الصورة لا يكون الصدق أو الكذب باطلا من حيث اللغة ~~وإنما وجه بطلانه بدليل يدل عليه فإن قال قائل ما الصدق وما الكذب قلنا ~~الصدق هو الإخبار عن الشىء على ما هو به # والكذب الإخبار عن الشىء على خلاف ما هو به وهذا حد المتكلمين والأولى أن ~~نقول إذا كان المخبر على ما تضمنه الخبر فهو صدق وإذا كان بخلافه فهو كذب ~~ويكفينا هذا القدر # وإذا علمنا حد الخبر فنقول الأخبار على ثلاثة أضرب # خبر يعلم ms270 صدقه فهو حق وخبر يعلم كذبه فهو باطل وخبر يحتمل الصدق والكذب ~~فهو ممكن أن يكون حقا أو باطلا # فالمعلوم صدق كالخبر ففى اجتماع الصدق والخبر نقصان الواحد من الاثنين ~~وكالخبر ببياض العاج وسواد القار ويدخل فى هذا ما علم بضرورة العادة كالخبر ~~بحدوث الولد عن أبوين وبطلوع الشمس من المشرق وقد يعلم الصدق بالدليل ~~المكتسب مثل الخبر بحدوث العالم بوحدانية الصانع وبالدليل العرفى مثل قولهم ~~الطعام مشبع والماء مروى # وأما الخبر الذى يعلم كذبه فهو الخبر الذى يقابل الضروب التى قلناها ~~والخبر الذى يعلم صدقه بطريق العكس وهو كالخبر باجتماع الضدين بزيادة ~~الواحد على الاثنين إلى آخر ما ذكرناه وقد يعلم صدق الخبر وكذبه بقرائن ~~تتصل بالخبر وذلك أن الخبر الواحد يخبر ويعمل به جميع الأمة أو يخبر الواحد ~~بخبر ويصدقه الجم الغفير وأما القرينة الدالة على الكذب فهو أن يخبر الواحد ~~بخبر # ويعلم الأمة بخلافه أو يخبر الواحد بخبر ويكذبه الجم الغفير وفى الأول ~~نظر وسيأتى من بعده وأما الخبر الذى يمكن أن يكون صدقا أو يكون كذبا فهو ~~كالإخبار بلقاء زيد أو بكلام عمرو وكذلك الإخبار بخصب السنة وحدها والإخبار ~~بموت فلان وبحياته وبصحته ومرضه وغناه وفقره وأمثال هذا تكثر ثم اعلم أن ~~الخبر صيغته موضوعة فى اللغة يدلك على ما وضعت له وقالت الأشعرية لا صيغة ~~له مثل ما لا صيغة للأمر والنهى والعموم والخصوص وقد فرق بعضهم بين الخبر ~~وغيره وجعل للخبر صيغة والدليل عليهم إن لم يجعلوا له صيغة ما ذكرناه من ~~قبل فلا مقيد ثم اعلم أن الخبر ضربان متواتر وآحاد فللآحاد باب مفرد ~~PageV01P324 # وأما المتواتر فكل خبر علم مخبره ضرورة # وقد فرق بعضهم بين أخبار الاستفاضة وأخبار التواتر وزعم أن أخبار ~~الاستفاضة ما تبدوا منتشرة ويكون انتشارها فى أولها مثل انتشارها فى آخرها ~~وأخبار التواتر ابتدا به الواحد بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا عددا ~~ينتفى عن مثلهم المواطأة معه # والأصح أن لا فرق لأن من حيث اللسان كلاهما واحد وهذا الفرق ms271 لا يعرفه أحد ~~من أهل اللسان # وأما شروط التواتر فأشياء # منها أن يعلم المخبرون ما أخبروا به عن ضرورة إما بعلم الحس من سماع أو ~~مشاهدة وإما بأخبار متواترة فإن وصل إليهم بخبر الواحد لم يصح منهم التواتر # والثانى أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم والتواطؤ ~~عليه لأنا لو جوزنا أن يشتركوا فى الخبر اتفاقا أو متواطىء أو تراسل لم ~~تأمن أن يكونوا كذبوا فى الخبر وقد عبروا بما قلناه وهو أن الشرط أن يكون ~~شواهد أحوالهم تنفى عن مثلهم المواطأة والغلط # والشرط الثالث أن يتفقوا على الخبر من حيث المعنى وإن اختلفوا فى العبارة ~~فإن اختلفوا فى المعنى بطل تواترهم # الشرط الرابع أن يستوى طرفاه ووسطه فيؤدى العدد الذى ذكرناه عن مثله إلى ~~أن يصل بالمخبر عنه # وممكن أن يختصر هذا كله فيقال الشرط أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها ~~التواطؤ على الكذب ويكونوا بما أخبروا به مضطربين وهذا كاف ثم اعلم أنه ليس ~~فى عدد المخبرين فى التواتر حصر وعدد معلوم لا يزاد عليه وإنما الشرط ما ~~ذكرناه وإنما لم PageV01P325 يصدر العدد ليكون أنفى للريبة وأبعد من التصنع ~~لأنه قد ينتفى الارتياب عن عدد ويثبت بهم التواتر ولا ينتفى عن عدد هو أكثر ~~فلا يثبت بهم التواتر وهذا لأن ما يدل عليه من شواهد أحوالهم مختلف فامتنع ~~به حصر عدده وليس فيه نص مشروع # وقد ذكر بعض أصحابنا أن الشاهد الحال قد يقترن بخبر الواحد فيوجب العلم ~~وذلك إذا وجدنا رجلا كبيرا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المرويات ~~حاصيا حاسرا رأسه شاقا جبينه وهو يدعو بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب ~~بوالده أو ولده ونقطع أنه لم يطرأ عليه عته ولا خبل وشهدت الجنازة وترى ~~الغسال مشمرا يدخل ويخرج فبهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بأخباره تضمنت ~~العلم بصدقه وقد يوجد الكذب من الجم الغفير إذا ضمنهم حالة توجب اقتضاء ~~الكذب وقد يقع التواطؤ على الكذب من الحد الكثير مكيدة بقصدهم بيانا وشر ~~عادة # والذى ذكرناه ms272 من قبل وهو أن الشرط أن يكون فى شواهد أحوالهم ما ينفى عنهم ~~تهمة التواطؤ والكذب بدفع هذه التصويرات والمشهور من الأصحاب أنه لابد من ~~عدد على الوصف الذى ذكرنا وقد تكلم الأصحاب فيما لا يثبت به التواتر من ~~العدد فذهب أكثر أصحاب الشافعى رحمه الله إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر ~~بأقل من خمسة فما زاد فعلى هذا لا يوجد أن يتواتر بأربعة لأنه عدد معتبر فى ~~الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم # قال الإصطخرى لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة وإن جاز أن يتواتر بالعشرة ~~فما زاد لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد والعشرة فما زاد جمع ~~الكثرة # وقال قوم من غير أصحاب الشافعى أقل ما يتواتر به الخبر اثنى عشر لأنهم ~~عدد النقباء لبنى إسرائيل قال الله تعالى @QB@ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~@QE@ المائدة 12 وقال قوم لا تواتر بأقل من عشرين لذكر الله تعالى لهذا ~~العدد فى عدد الصابرين فى القتال قال الله عز وجل @QB@ إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين @QE@ وقال قوم لا تواتر بأقل من أربعين لأنه عدد نصاب ~~الجمعة # وقال قوم لا تواتر بأقل من سبعين لأنه العدد الذى اختاره موسى عليه ~~السلام قال الله تعالى @QB@ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا @QE@ ~~PageV01P326 # وقال قوم لا تواتر بأقل من ثلثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر # وهذه الأقاويل التى حكيناها عن غير الأصحاب ليست بشيء وليست بمستندة إلى ~~أصل يعلم وخللها بين والاعتلال فيها مضطرب فلا معنى للالتفات إلى شىء من ~~ذلك والذى ذكره أصحابنا من القولين أمثل الأقاويل والأولى أن لا يقع ~~الالتفات إلى عدد ما سوى أنه كان يعتبر أن يكون أكثر من أربعة لما ذكره ~~الأصحاب # وإن قيل إن هذا العدد لا يعتبر أيضا لكن يعتبر وجود العلم بخبر المخبر ~~لما يتصل به من شاهد الحال فيه صحيح أيضا على ما سبق بيانه والأحسن ما قاله ~~أكثر الأصحاب # مسألة الخبر ms273 المتواتر يفيد العلم عند جماعة العلماء # وعند بعض الناس أنه لا يفيد العلم وقد نسب ذلك إلى البراهمة والسمنية ~~وهذا الخلاف خلاف لا يعتد به لأنه من قبل إنكار المحسوس وهو مثل خلاف ~~السفسطائية فى رفع المحسوسات وتصور صورا ليزول الإشكال فنقول إن رجلا لو ~~اعترض الناس وهم منصرفون من الجمعة فجعل الواحد والاثنان والجماعة يخبرون ~~أن الناس قد صلوا الجمعة وتكاثر عليه هذا الخبر حتى أخبره الفوج بعد الفوج ~~وخرج الأمر عن الحصر والعدد ولم ير أحدا منهم مخالف فى ذلك فإن السامع يجد ~~فى نفسه وقوع العلم له فصلاتهم الجمعة بحيث لا يتخالجه شك ولا يدخله ريب ~~ويجد قلبه ساكنا إلى ذلك وكذلك من دخل بلدا فاسترشد هذا إلى دار الوالى أو ~~منزل الحاكم فأرشده الواحد بعد الواحد وذكروا أن سلوك هذا الطريق يفضى إلى ~~داره وتواتر منهم ولم ير أحدا يخالفهم فى ذلك فإنه يقع العلم بقولهم ويعرف ~~قطعا أنه إذا سلك هذا الطريق وصل إلى مقصوده وأصاب غرضه وكذلك لو أن رجلا ~~يرى صبيا وسمع الناس يقولون إن والده فلان وقد مات عنه وتواتر له هذا الخبر ~~من جيرته وعشيرته وسائر أقربائه ورآهم يخبرون بذلك فى السر والعلانية ~~وحالتى الرضا والغضب ولا ينكر ذلك منكر ولا يخالفهم مخالف ودام الزمان على ~~ذلك فإنه يجد نفسه ساكنا إلى قولهم معتقدا صحة ما أخبروه به من أمر هذا ~~الصبى وهذا مما لا ينكره أحد له أدنى مسكة من عقل أو شمة من لب وقد استدلوا ~~أيضا بوقوع العلم لنا بوجود البلدان النائية القرون الماضية والملوك ~~السالفة PageV01P327 وسائر ما يجرى هذا المجرى وليس يدخل على هذا ما يجد ~~الناس الكثير من اجتماعهم على اعتقاد أو مذهب ولا يدل ذلك على أنهم محقون ~~لأنا بينا أن شرط وقوع العلم بالخبر المتواتر أن يكون صدره فى الابتداء عن ~~ضرورة وأمر محسوس بالسمع أو النقل وهذا لا يوجد فى هذا الموضوع وعلى أن ~~نقول إن اجتمعوا على حق فيجوز ويكون الذى حمى ms274 الاجتماع دليل الحق لأنهم مع ~~اختلاف طباعهم وتباين هممهم يجوز أن يصرف دليل الحق إلى اعتقاد الحق وأما ~~إذا كان ذلك النبأ باطلا فلا بد من دخول الاختلاف بينهم وعدم الائتلاف منهم ~~ولم يوجد اتفاق كل الناس على الباطل أبدا بحال ثم نقول بأن الخبر مخالف ~~لباب الرأى والاعتقاد لأن الخبر صدره عن الحس والمشاهدة والغلط لا يعرض ~~فيها فإذا وجدناهم متفقين على الخبر لم نجد موضعا للارتياب بهم وتوهم الغلط ~~عليهم وإن قلتم يجوز أنهم اتفقوا وتواطئوا على الكذب نقول إن الكلام فى ~~الجماعة التى لا يتصور منهم التواطؤ والاتفاق على الخطأ وأما اعتقاد ~~المذاهب فضلت عن الرأى والاجتهاد والغلط قد تعرض فيه على حسب غموض الأمر ~~ودقة مستدله ألا ترى أن الجماعة من المتناولين يجوزون الخطأ على أنفسهم ~~فيما اعتقدوه والجماعة من المخبرين لا يجوزون على أنفسهم الخطأ فيما أخبروه ~~عن شاهدتهم فإن اختلاف الأمرين كان قبل هذا الذى قلتم موجود فى إجماع الأمة ~~فلا تجعلوه إذا حجة وقد قلتم إنه حجة قاطعة موجبة العلم قلنا إنما كان كذلك ~~لأن هذه الأمة قد خصت بالعصمة عند الإجماع على الشىء وقد دل على ذلك حجة ~~السمع ولولا ذلك لم يفرق بينكم وبين سائر الأمم فإن قيل إن الجماعة الذين ~~ذكرتهم وإن جم عددهم وكثرت أشخاصهم فإنهم فى أنفسهم آحاد يجوز على كل واحد ~~منهم فى حالة الاجتماع ما يجوز فى حالة الانفراد إذ الانفراد والاجتماع ~~أغراض لا تؤثر فى نفس الطباع ولا يغيرها عما هى عليه فإذا جاز الكذب على كل ~~واحد منهم منفردين جاز الكذب على كل واحد منهم مجتمعين # الجواب إنما قلتموه غلط لأن الذى حلت عليه الكثرة فى اختلاف الطباع ~~وتباين الهمم واختلاف الدواعى لا يمكنهم فى جارى العادات من الاجتماع ~~والتواطؤ على وجه واحد من التقول والتكذب ولا يخلى بينهم وبينه كما لا ~~يمكنهم من الاجتماع مهنة واحدة من المهن على صناعة واحدة من الصناعات وليس ~~كل ما صح يجوز على كل أحد من الجماعة ms275 عند الانفراد يجوز على جماعتهم ألا ~~ترى أن الواحد يجوز أن يقتل PageV01P328 ولده أو يشوه وجهه ولا يجوز ذلك ~~على جماعتهم وهو أن يتفقوا عليه وكذلك استعمال شىء واحد والمشى فى طريق ~~واحد والاجتماع على صنعة واحدة وأمثال هذا تكثر وبهذا الطريق نجيب عن قولهم ~~إن الخبر الذى وجد من الجماعة هو الذى وجد من الواحد فلو كان وجود من ~~الجماعة يفيد العلم لكان وجوده من الواحد يوجب العلم ونقول يجوز أن يوجد من ~~الواحد شىء ولا يجوز وجوده من الجماعة مثل ما بينا وعلى أنا دللنا على وجود ~~العلم بل نقطع بوجوده لكل أحد عند الخبر المتواتر فكيف يحكم به وفاته مثل ~~هذه الشبهة # فإن قيل إذا جاز اجتماعهم على الصدق وهو رأى اختاروه له لا يجوز اجتماعهم ~~على الكذب وهو نظيره # قلنا إنما افترقا لأن حسن الصدق داع إلى نفسه وأسبابه مرغبة فيه وذاته ~~تحرك عليه ما فيه غنية من جميع الأحدوثة ونيل المنزلة العلية عند الناس ~~وأما الكذب فعينه منفرة عنه وقبحه مزهد فيه ولأن فيه من قبح الأحدوثة وخمول ~~الذكر وسقوط المنزلة عند الناس ما يمنع من ارتكابه إلا لغرض يدعوا إليه ~~فأسباب الصدق يجوز أن تجتمع فى الجماعة فتصور إلفافهم عليه فإن قيل هذا ~~الأصل الذى قلتم يقتضى أن صدق اليهود فى دعاويهم قتل المسيح عليه السلام ~~فإنهم جماعة لا يجوز أن يتواطئوا على الكذب ببينة أن النصارى وافقوهم ~~وعددهم لا يخفى كثرة ووفورا وكذلك المجوس مطبقون فى الخبر عن زرادشت ونبوته ~~وإيراده المعجزات فى زمانه # الجواب أما أمر عيسى والخبر عن قتله لم يوجد فيه الإطباق ولم يحصل عليه ~~منهم الاتفاق فإن العيسوية وهم فرقة كبيرة من النصارى يزعمون أن عيسى عليه ~~السلام لم يقتل بل رفعه الله إليه ولا يعتقدون التثليث ونصارى الحبشة على ~~هذا وزعم هؤلاء أن محمد صلى الله عليه وسلم رسول مبعوث إلى العرب خاصة وفى ~~اليهود من يقول هذا الأخير ثم قد قالوا إن خبر قتل عيسى من النصارى ms276 أيوجد ~~فيه شرط التواتر لأنا بينا أن شرط التواتر أن يستوى طرفاه وواسطته وقد قيل ~~إن خبر قتله مسند إلى أربعة نفر هم يوحنا ومتى ولوقا ومرقص وذكر أهل ~~العناية بالأخبار أن عيسى عليه السلام كان بأرض عربية وكان أصحابه مطلوبين ~~خائفين عليه وعلى أنفسهم فلما وقعت الصحة وقيل إنه قد قتل جل أصحابه على ~~خفية واستتار ونظروا إلى شخص مصلوب مقتول وهم على حال وجل ورعب توهموا أن ~~ما سمعوه حق فأفاضوا الخبر بذلك وأشاعوا فى أصحابهم وأشياعهم وأما خبر ~~اليهود فإن أصل الخبر عنهم فى قتله أوهى ما ضعف من خبر النصارى وذلك ~~PageV01P329 لأنهم كانوا يطلبون عيسى عليه السلام يريدون قتله وهم لا ~~يعرفونه بحلته وإنما جعلوا لرجل منهم جعلا فدلهم على شخص فى بيت فهجموا ~~عليه وقتلوه وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وأشاعوا الخبر وإذا كان ~~مخرج الخبر به اعتورته هذه الآفات كان معدوم شرائط الصحة غير موثوق به وقد ~~أخبر الله تعالى فى كتابه بالحماية من شرطه وقال @QB@ وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم @QE@ النساء 157 فوجب الأخذ بهذا ونزل ما زعموه للآفات التى ~~عرضت عليه فيه وأما ما يدعيه المجوس من نبوة زرادشت فإن الخبر فى ذلك لم ~~يصدر عن جماعة وجد فيهم شرط الأخبار المتواترة فإن الوارد فى خبره أنه خرج ~~فى زمن ملك كان يسمى بشتاين وآمن به الملك وأمر الناس بالإيمان به وزعم أنه ~~أراه المعجزات الدالة على صدقه فصدقوه على ذلك رغبة ورهبة وآمنوا به ~~وتابعوه ثم نقول إن الدين الذى دعا إليه زرادشت وما فى مردودهما مذهب قد ~~بلغ فساده بالدلائل القطعية وهو فى نفسه قول متناقض فإن أصل مذهبهما هو ~~القول بالأصل من النور والظلمة أو نرد ظاهر مرد هذا طريق بين الفساد ظاهر ~~الأشخاص والانحلال فصارا كذابين لعينين ولا يجوز أن يظهر الله تعالى ~~المعجزات على يدى الكذابين عليه فبهذا الطريق عرفنا أن تلك الأخبار عن ~~أولئك القوم باطلة وإذا ثبت لنا أن خبر التواتر يفيد ms277 العلم فهو يفيد العلم ~~الضرورى وعنده أنه القسم الحسى يفيد العلم الكسبى والكلام معه يرجع إلى ~~معرفة العلم الضرورى وهو العلم الذى لا يخالجه شك ولا يدخله ريب ولا يمكن ~~للإنسان دفعه عن نفسه بوجه ما وهذا المعنى موجود فى العلم الحاصل بخبر ~~التواتر كما هو موجود فى العلم الحاصل بالعيان وقد ذكر المتكلمون فى هذه ~~المسألة كلاما كثيرا إلا أن مرجعه إلى أصول الكلام فتركنا ذلك غناء عنه ~~واقتصرنا على القدر الذى يحتاج إليه الفقهاء # واعلم أن الأصوليين من أصحابنا قد قسموا التواتر إلى قسمين فقالوا # أحد قسمى التواتر ما يرجع إلى عين الشىء # والقسم الثانى ما يرجع إلى معناه دون عينه PageV01P330 # فالأول معلوم وهو مثل ما سبق ذكره فى مواضع # وأما الثانى فهو الخبر عن جود حاتم وشجاعة على رضى الله عنه وأمثاله وحلم ~~الأحنف وذويه فإن يروى نفر من سخاوة حاتم أنه وهب لرجل عشرة أعبد ويروى آخر ~~أنه وهب لرجل مائة شاة ويروى آخر أنه وهب لإنسان فرسا ويروى آخر أنه نحر ~~بعيره وقرى أضيافه ويروى آخر أنه أوهب ماله فيقع لنا العلم مجموع أخبارهم ~~أنه كان رجلا سخيا وكذلك الأمر فى شجاعة على رضى الله عنه فإنه يروى واحد ~~أنه قتل يوم بدر وليد بن عقبة وجماعة ويروى آخر أنه قتل يوم أحد فلانا ~~ويروى آخر أنه بارز يوم الخندق عمرو بن عبد ود وقتله ويروى آخر أنه قتل يوم ~~حنين فلانا اليهودى فيقع العلم مجموع أخبارهم أنه كان رجلا شجاعا وكذلك فى ~~حلم الأحنف وما أشبه ذلك وعلى هذا الوجه يقع العلم لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أقام المعجزة فإنه روى نفر أن النبي صلى الله عليه وسلم نبع ~~الماء من بين أصابعه وروى نفر أنه عليه السلام لما انتقل من الجذع إلى ~~المنبر حن الجذع كحنين الناقة وروى نفر أنه أشبع الجماعة الكثيرة بالطعام ~~اليسير وروى آخر أنه دعا شجرة فأتته وروى آخر أنه سبح الحصى فى يده وسمع ~~ذلك ms278 وروى آخر أنه أشار إلى القمر فانشق إلى أمثال هذا فيقع العلم القطعى ~~لنا بمجموع هذه الأخبار أنه أقام المعجزة على صدق نبوته وكان المعنى فى كل ~~هذا أنه لا يجوز أن يقع من الجماعة الكبيرة التواطؤ على وقوع مثل هذا وقد ~~نقلوا ذلك فى أزمنة مختلفة وأحوال متباينة ومعنى التواتر أنه وإن عدم ~~التواتر فى أعيان آحادها فقد وجد التواتر فى معناها إذا كانت هذه الأخبار ~~على اختلافها بحصرها معنى واحد فصار كأنهم نقلوا جميعا ذلك المعنى وأجمعوا ~~على الخبر عنه وهؤلاء الذين أخبروا هذه الأشياء بمجموعهم لا يجوز عليهم ~~التواطؤ على الكذب والتحق بورود الخبر المتواتر على الشىء لعينه واعلم أن ~~مثل هذا الطريق رد على الرافضة ما زعموا من نص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على إمامة على رضى الله عنه فإنهم زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ~~عليه على رءوس الأشهاد ومشهد من جميع أصحابه PageV01P331 ونص لهم عليه وقال ~~هو الإمام من بعدى ثم إنهم جميعا كتموه وهذا محال من الكلام ولا يتصور من ~~ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير اختلاف طباعهم وتباين أهوائهم وتردد ~~الدواعى منهم إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا النص الجلى ومن دخل فى ~~مثل هذا فقد كفى خصمه مؤنة والمسألة من باب أصول الدين وليست من باب أصول ~~الفقه فتركنا الإطناب فى ذلك والله الموفق للصواب والهادى إلى الرشاد بمنه ~~وعميم طوله # ونتكلم الآن فى أخبار الآحاد فنقول # أخبار الآحاد ما أخبر به الواحد والعدد القليل الذى لا يجوز عليهم ~~المواطأة على الكذب # وهى على ثلاثة أضرب # أحدها أخبار المعاملات # والثانى أخبار الشهادات # والثالث أخبار السنن والديانات # فأما أخبار المعاملات فلا يراعى فيها عدالة المخبر وإنما يراعى فيها سكون ~~النفس إلى خبر المخبر فتقبل من كل راو فاجر ومسلم وكافر وحر وعبد فإذا قال ~~الواحد منهم هذه هدية فلان إليك أو هذه الجارية وهبها فلان لك أو كنت أمرته ~~بشراء جارية فاشتراها لك جاز للمخبر قبول قوله إذا وقع ms279 فى نفسه صدقه ويحل ~~له الاستمتاع بالجارية والتصرف فى الهدية وكذلك إذا قال أذن فلان لك فى ~~دخول داره وأكل طعامه جاز له دخول داره وأكل طعامه وهذا شىء متعارف عليه فى ~~جميع الأعصار ومن غير تكبر وهو المعتاد والمتعارف بين الناس وقد ألحق بعض ~~أصحابنا الصبى بمن ذكرناه طردا للعرف فإن العرف فى مثل هذا العرف فيما سبق ~~وهذا هو الأصح # وأما أخبار الشهادات فشرطها وعددها معلوم فى الشرع ولا حاجة إلى ذكر ذلك # وأما أخبار السنن والديانات فاعلم أن خبر الواحد فيها قد يوجب العلم فى ~~مواضع منها أن يحكى الرجل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويدعى علمه ~~فلا ينكر عليه فنقطع بصدق PageV01P332 المخبر ويقع العلم بخبره ومنها أن ~~يحكى الرجل بحضرة جماعة كثيرة ويدعى علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه ~~وعندى أن من شرط هذا أن التمادى على ذلك الزمان الطويل ثم لا يظهر من ذلك ~~القول حد ينكره لأنه بدون هذا يجوز أن يسكتوا عن الإنكار عليه لغرض ويجوز ~~أن يكون لهيبة له أو لوجل منه فأما إذا مر على ذلك الزمان الطويل فلا يتصور ~~السكوت عن الإنكار من كل القوم مع اختلاف الطباع وتباين الهمم وكثرة ~~الدواعى من كل وجه # ومنها خبر الواحد الذى تلقته الأمة بالقبول وعملوا به لأجله فيقطع بصدقه ~~وسواء فى ذلك عمل الكل به أو عمل البعض وتأوله البعض ومثال هذه الأخبار خبر ~~حمل بن مالك بن النابغة فى الجنين وخبر عبد الرحمن بن عوف فى أخذ الجزية من ~~المجوس وخبر أبى هريرة فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وقالت هذه ~~الأخبار وهى كثرة وقد ألحق بعضهم بهذا أن يكون الخبر مضافا إلى حال قد ~~شاهدها كثير من الناس ثم يرويه واحد أو اثنان ويسمع بروايته من شهد الحال ~~فلا ينكره فيدل ترك إنكارهم له على صدقه لأنه ليس فى جارى العادة إمساكهم ~~جميعا عن رد الكذب وترك إنكاره ألا ترى أنه لو انكفى عن الجامع من حضرة ms280 ~~الصلاة فأخبر أحدهم بفتنة وقعت فيه فأمسكوا عن تكذيبه علم صدقه فى خبره قال ~~وعلى هذا ورد أكثر معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وأكثر أحواله فى ~~مغازيه وأكثر ما ورد به السنن المشهورة وهذا وجه حسن جدا ولا بد أن يكون ~~ملحقا بما قدمنا # وأما ما سوى هذا من أخبار الآحاد فالكلام فيها يشتمل على شيئين # أحدهما فيما يتعلق بالعلم # والآخر فيما يتعلق بالعمل # أما العلم فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا يوجب العلم وذهب ~~أكثر أصحاب الحديث إلى أن الأخبار التى حكم أهل الصنعة بصحتها ورواها ~~الأثبات الثقات موجبة للعلم # وقد ذكرنا حجتهم على هذا فى كتاب الانتصار وذهب داود إلى أنها توجب علما ~~استدلاليا لأن التعبد باستعمالها موجب لحدوث العلم بها استدلالا بقوله ~~تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ الإسراء 36 وبقوله تعالى @QB@ ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ البقرة 169 فدلت هاتان الآيتان أنه ~~إذا أوجب العمل ثبت العلم # وذهب النظام إلى أن خبر الواحد يوجب العلم إذا اقترن به الشك وذلك إذا ~~خرج PageV01P333 الرجل من داره مخرق الثياب حافيا حاسرا يدعو بالويل وأخبر ~~أن والده مات قال يقع العلم لكل من سمع منه بذلك قال وكذلك إذا أقر على ~~نفسه بما يوجب القتل أو القطع # وأما حجة من قال أنه لا يوجب العلم هو أن الخبر الواحد لو اقتضى العلم ~~لاقتضاه كل خبر واحد كما أن الخبر المتواتر لما اقتضى العلم اقتضاه كل خبر ~~متواتر والمعتمد أن الشك والتجوز يعترض فى خبر الواحد ما لا يعترض فى خبر ~~المتواتر وما يعترض فيه الشك لا يوجب العلم الذى يوجبه ما لا يعترض فيه ~~للشك ولأنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لما لزم مدعى النبوة إظهار ~~الأعلام الدالة على صدقه ولجاز الاقتصار على قبول قوله ولو اقتصر على قوله ~~لما وقع فرق بين النبى والمتنبى ولأفضى ذلك إلى إبطال النبوات وهذا الرجوع ~~إلى الدليل الأول واحتج عامة المتكلمين على النظام وقالوا ليس ms281 يخلو العلم ~~الواقع عند الخبر على ما قاله النظام إما أن يكون سببه القرينة وحدها أو ~~القرينة بشرط الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط القرينة والقسمان الأولان ~~باطلان لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول له هو الخبر فلم ~~يجز أن يكون المفيد للعلم هو القرينة وهى غير متناولة للخبر ولا يجوز أن ~~يكون الخبر وحده هو المقتضى للعلم لأنه لو كان كذلك لاقتضاه إذا تجرد عن ~~القرينة ولا يجوز أن يقتضيه الخبر بشرط القرينة لأن اعتقادنا عند رؤية ~~القرينة مع فقد الخبر مثل اعتقادنا وإن اتصل به الخبر وبيان هذا إذا رأينا ~~الرجل مشقوق الجيب يدعو بالويل أو سمعنا الداعية من دار وقد علمنا أن فى ~~الدار مريضا فاعتقدنا مصاب الرجل فى الصورة الأولى وموت المريض فى الصورة ~~الثانية قبل أن يخبر مخبر بموت المريض أو يخبر الرجل بمصابه مثل اعتقادنا ~~أن لو أخبر ثم لا علم قبل الخبر كذا بعد الخبر فإن قال المخالف إذا اتصل ~~الخبر بالقرينة فلا بد من وجود زيادة قلنا يجوز أن يقال أنه يحصل به زيادة ~~قوة الإعتقاد فأما أن يفيد شيئا آخر لم يكن حاصلا له من قبل فهذا لا يكون ~~وعلى أنه يجوز أن يكون المراد بخبره وإظهار القرينة تحصيل غرض له لأنه يريد ~~أن يوهم بعض من يخاف موته أو يظهر أنه أصيب بمصيبة لغرض له قال القاضى أبو ~~الطيب وقد وقع مثل هذا بخوارزم مع القاضى الكعنبى قال قد وقع أيضا بالبصرة ~~واعلم أنه يجوز أن تنتفى دلائل الكذب فى خبر الواحد على الجملة نحو أن يكون ~~الرجل متحفظا عن الكذب نافرا منه ويعلم من حاله بذلك ويحوز أن يكون رسولا ~~من سلطان ويذكر أن السلطان يأمر الجيش بالخروج إليه ويعرف أن السلطان ~~يعاقبه إن كذب ويجوز أن يخبر الإنسان بشعر بلد PageV01P334 ويكون الإنسان ~~ذا مرة مصرفه عن الكذب ولا يكون لداعى الكذاب فى ذلك داع ويجوز أن يكون ~~الإنسان مهتما بأمر من الأمور بمنشأ فلان فيسأل ms282 عن خبر فيخبره عنه فى الحال ~~فيعلم أنه لم يفكر فيه فيدعوه إلى الكذب داع وهذه وجوه تدل على الصدق وهو ~~من الاستدلال على الشىء بإبطال يقتضيه ولكن مع كل لا ينتفى توهم الكذب ~~ويمكن تصور الكذب فى هذه الصور كلها بوجوه من الأغراض وعوارض توجب صرف ~~الإنسان عن الصدق إلى الكذب فلم يخبر أن يحكم بكون الخبر مفيد للعلم وإذا ~~اقترنت به هذه القرائن ووجد على هذه الأحوال فهذا وجه الكلام فى هذه ~~المسألة # وأما الكلام فيما يتعلق بالعمل الذى يثنى على خبر الواحد مذهب أكثر أهل ~~العلم وجملة الفقهاء أن خبر الواحد يوجب العمل فقد تعبد به الشرع وليس فى ~~العقل ما يمنع من التعبد به وذهبت طائفة إلى منع التعبد بأخبار الآحاد ~~واختلفوا فى المانع من التعبد به فقال بعضهم يمنع منه العقل وذكر بعضهم أنه ~~قول ابن علية والأصم وقال القاشانى من أهل الظاهر والشيعة يمنع من التعبد ~~بها الشرع وإن كان جاز فى العقل فى هذه مسألة يكثر الكلام فيها على أن تذكر ~~المعتمد من الجانبين ونزع الشبهة المذكورة من المختلفين بتوفيق الله تعالى ~~والحجج من منع التعبد بها عقلا وقالوا لو جاز أن يكون علمنا بما أخبرنا به ~~الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا وجب ~~العمل به وجب أن يكون إذا أخبر الواحد عن الله تعالى وذكر أنه رسول منه ~~وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا أيضا ويجب علينا العمل به وأما الفرق أن يكون ~~المخبر عن الله تعالى بلا واسطة أو واسطة نبى قالوا فنقول مخبر عن شرع من ~~الله عز PageV01P335 وجل فلا يجب علينا قبوله عملا بمجرد غلبة الظن فى صدقه ~~دليله إذا أخبر بواسطة دعوى الرسالة وقالوا أيضا لو جاز التعبد بها بأخبار ~~الآحاد فى الفروع لجاز التعبد بها فى الأصول وذلك فى صفات الله تعالى وما ~~يجوز عليه وما لا يجوز فحين لم يجز فى الأصول كذلك فى الفروع وقالوا أيضا ~~لو جاز ms283 التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع جاز التعبد بها فى نقل القرآن ببينة ~~أنه لما لم يجز فى نقل قول الله تعالى لم يجز فى نقل قول الرسول عليه ~~السلام والحرف المشكل لهم هو أن الشرعيات مصالح والواحد يجوز أن يكذب فيما ~~يخبر به من فعل أو ترك فعل فإذا كان يجوز أن يكذب لم نأمن أن يكون ما تضمنه ~~بخبره مفسدة وربما يعبرون عن هذا فيقولون لما لم يؤمن كون الخبر كذبا لم ~~نأمن كون المخبر به مفسدة وإذا لم نأمن كونه مفسدة فالعقل يمنع منه حتى لا ~~نكون عاملين بما يجوز أن يكون مفسدة لنا هذه شبهة القوم # واحتج من قال أن الشرع يمنع من التعبد به بقوله @QB@ ولا تقف ما ليس لك ~~به علم @QE@ الإسراء 36 وبقوله @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ ~~البقرة 169 وبقوله @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ الزخرف 86 قال ~~والعمل بالخبر الواحد اتفاقا ليس لنا به علم وشهادة به وقول بما لا نعلم ~~لأن العمل بالخبر الواحد مستند إلى الظن لا إلى العلم وتعلقوا أيضا بقول ~~الله تعالى @QB@ إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا @QE@ ~~النجم 28 قدم من اتبع الظن وبين أنه لا غنى له فى الحق فكان على عمومه فى ~~كل موضع وهذا الموضع الذى اختلفنا فيه من جملته وذكر بعضهم أنا إذا لم نقبل ~~خبر الرسول عليه السلام إلا بدليل يقترن به يدل على صدقه من إقامة المعجز ~~فأولى أن لا نقبل من غيره لمجرد خبره وقوله وهذا الدليل يقرب من الدليل ~~الأول وأما دليلنا قوله تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته @QE@ المائدة 67 والتبليغ يكون بحسب الإمكان ~~لأن الله عز وجل لا يأمر بما لا يحتمله طوق البشر ومعلوم أنه لم يكن فى وسع ~~الرسول لقاء الناس كلهم والمصير إليهم فى بلادهم ولم يكن فى عمره من المهلة ~~والتنفس ما يفى بخطابه آخر ms284 من يكون من أمته ولا كان أيضا فى وسع جميع الناس ~~أن يصيروا إلى حضرته ولا أيضا كان فى الوسع أن يصير إليه من كل قبيلة من ~~العدد ما يقع العلم بخبرهم فيبلغوا عنه بقية من لم يصل إليه لأن ذلك يشق ~~عليهم ويغير معايشهم ويؤدى إلى الجلاء عن أوطانهم ومثل هذا لا يجوز أن يرد ~~به خطاب الشرع لأن الله تعالى رفع مثل هذا عن أمته رحمة منه لهم وإلى هذا ~~أشار قوله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة @QE@ PageV01P336 منهم طائفة ~~ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) التوبة ~~122 فثبت بمجموع ما بينا أن التبليغ واجب بحسب الإمكان وليس ما ذكرناه من ~~الإمكان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر التبليغ بحسب الإمكان فكان ~~تبليغ الحاضر خطابا ويبلغ الغائب خبرا على لسان من بحضرته من واحد وجماعة ~~ليبلغوا عنه ويؤدونه إلى من ورائهم فيقع به التبليغ وتقوم به الحجة وكذلك ~~قال عليه السلام ألا هل بلغت وقال عليه السلام ليبلغ الشاهد الغائب # وبيان أنه كذلك وأنه كان يفعل ما ذكرنا ما اشتهر عنه فى أخباره من بعثه ~~الرسل إلى النواحى والأطراف وإلى الملوك ليبلغوا عنه ويبينوا للناس أمر ~~الدين وليعلموهم أحكام الشريعة كتوجيه معاذ إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى ~~أهل مكة وعثمان بن أبى العاص إلى الطائف وبعث الرسل إلى ملوك الأرض دحية ~~إلى قيصر وعبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى وعمرو بن أمية الضمرى إلى ~~الحبشة وبعث إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وإلى هوذة بن على الحنفى وغيرهم ~~وإنما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقم الحجة عليهم ولم يذكر فى موضع أنه ~~بعث فى الوجه الواحد عددا يبلغون حد التواتر ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليبعث بما يقع به البلاغ وتقوم به الحجة فعلى هذا جرت عادته صلى الله ~~عليه وسلم وقد كان أيضا يبعث الجواسيس والعيون إلى أرض العدو ويقتصر على ~~الواحد فى البعثة ويعتمد على قوله وأمثال هذا تكثر ms285 وليس يخفى على العلماء ~~المبرزين نعم تخفى على الجهال ومن لم يقف على أحوال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأخذ العلم من ورا وراء فتبين بمجموع هذا أن الخبر من الواحد موجب ~~العمل مثل ما يوجب الخبر من العدد الكثير وهذا الدليل دليل قطعى لا يبقى ~~لأحد معه عذر فى المخالفة # ويدل على ما ذكرناه إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنه من المشهور عنهم ~~أنهم قبلوا أخبار الآحاد فى الشرعيات واستعملوها وذلك مثل قبول أبى بكر ~~الصديق رضى الله عنه خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فى توريث الجدة ~~السدس PageV01P337 وقبول الصحابة عن أبى بكر رضى الله عنه خبره عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ولقبول عمر ~~رضى الله عنه خبر عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فى أخذ الجزية من المجوس ~~وخبر الضحاك بن سفيان فى توريث المرأة من دية زوجها وخبر حمل بن مالك بن ~~النابغة فى دية الجنين وكقبوله خبر أبى موسى وأبى سعيد فى الاستئذان وعن ~~على رضى الله عنه أنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا نفعنى الله به ما شاء أن ينفعنى فإذا حدثنى عنه غيره استحلفته فإذا ~~حلف صدقته وحدثنى أبو بكر وصدق أبو بكر رضى الله عنه وسأل على المقداد رضى ~~الله عنهما أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور فلما أخبره عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقبل ابن مسعود رواية معقل بن سنان الأشجعى فى قصة بروع ~~بنت واشق وسر بذلك ورجع ابن عمر رضى الله عنهما عن المخابرة برواية رافع بن ~~خديج وترك ابن عباس رضى الله عنهما مذهبه فى الصرف بخبر أبى سعيد الخدرى # وأمثال هذا تكثر وهذه أمور مشهورة والشهرة فيها قامت مقام الرواية ~~المستفيضة فمن خالف هذا فقد خالف جملة الصحابة ورام الطعن عليهم وترك القول ~~بأخبار الآحاد ويقع الملحدين إلى إبطال كثير من أحكام الدين إلى الطعن ms286 فى ~~السلف الصالح وهذا دليل هذا فإن قالوا أليس أن عمر رضى الله عنه قال فى ~~حديث فاطمة بنت قيس لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة وقال على فى ~~حديث بروع بنت واشق ما أصنع بقول أعرابى بوال على عقبيه قلنا ليس هذا بقادح ~~فيما علمناه لأن عمر إنما أنكر مخالفة الكتاب وذلك فى السكنى فإن الكتاب ~~دال على إيجاب السكنى والنبى صلى الله عليه وسلم PageV01P338 أسقط السكنى ~~بسبب وكانت فاطمة رضى الله عنها تنقل إسقاط السكنى ولا تروى السبب فهذا محل ~~إنكار عمر رضى الله عنه وغيره عليها وعلى لا يقبل رواية الأعرابى لغلبة ~~الجهل عليهم وليس الكلام فى أمثال هذا وأما الكلام فى أصل قبول أخبار ~~الآحاد # دليل ثالث هو أنه لا خلاف فى قبول أخبار الآحاد فى باب المعاملات فإن ~~للإنسان أن يدخل دار غيره بإذن الحاجب والبواب وله أن يستبيح ما يقول ~~الرسول إذا قال أهداه لك فلان ووقع فى نفسه صدقه ويأخذ بقول الجمال والخادم ~~وقد تكون الهدية جارية فيستبيح وطأها وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرسل أنس بن مالك رضى الله عنه بحوائجه وأموره وهو صبى واتخذ ابن أريقط ~~الليثى دليلا حين توجه إلى المدينة وقد كان كافرا واعتمد على دالته فهذا فى ~~أبواب المعاملات وأيضا فلا خلاف فى قبول شهادة من لا يقع العلم بقوله فإن ~~نهاية ما فى عدد الشهود هو الأربع ولا شك أن هذا الخبر لا يفيد العلم وإنما ~~يفيد غالب الظن وقد تكون الشهادة فى إراقه دم أو إقامة حد أو استباحة فرج ~~وأدناه استحقاق المال فلم يخلفوا فى قول المستفتى قول المفتى وكذلك فى أخذ ~~القرآن عن المعلم وهذه أمور تتعلق بالدين وما ذكرنا من قبل من أمور الدنيا ~~فإذا جاز قبول أخبار الآحاد فى أمور الدين والدنيا فى هذه المواضع فكذلك فى ~~سائر المواضع فإن قيل قد تعلقتم بالأخبار فى المعاملات وقد يقبل فى الأدنى ~~والهدية وما يشبه ذلك قول من يسكن ms287 القلب إلى صدقه من صبى أو فاسق بل كافر ~~أنه لا يجوز قبول قول هؤلاء فى أخبار الدين فكيف يحتج بهذا الفعل مع وقوع ~~هذا الفرقان بينهما واعتذر أبو زيد لهم من أخبار الناس فى المعاملات وقال ~~حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها تثبت بإيجابهم وتصرفهم ولهم ضرورة ~~إليها ولا يمكنهم إظهارها وإثباتها بدليل لا يبقى فيه شك وأما الدين فحق ~~الله تعالى والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلا يجوز إثباته ~~فما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة وصفات الله تعالى ~~بالأخبار التى يعنى بها شك أو شبهة # قال وأما الشهادة فالأصل ما قدمنا وإنما تركنا الأصل الذى قد بيناه بكتاب ~~الله تعالى وهو بخلاف القياس وقال بعضهم إنهم يقبلوا أخبار الآحاد فى إثبات ~~شرع أو لشهادة بأن زنى أو قتل أو سرق ليس يثبت بها شرع أما الأول قلنا موضع ~~الاستدلال من أخبار المعاملات هو استعمال قول من لا يؤمن الغلط عليه ووقوع ~~الكذب منه وهو موجود فى الأمرين على ما سبق بيانه فإن كان أحدهما يتساهل ~~فيه ما لا يتساهل فى الآخر # وإنما يراعى فى الجمع والفرق موضع النكته التى يتعلق بها الحكم دون ما ~~عداه من الأوصاف PageV01P339 وإنما وقع التساهل فى باب الإذن والهدية وما ~~صار عنهما من الأمور حتى جاء فيها قبول قول الخادم والقهرمان من العبد ~~والحر والصبى والبالغ والذمى غيرهم لأن الغالب فى العرف الحادى والعادة ~~القائمة أن يتولى هذه الأمور ويتعاهدها الخدم والخول منهم دون علية الناس ~~وأهل المروءة منهم وأما الشهادات فإنما يقوم بها أعيان الناس ويتحملها ذوو ~~الدين والعدالة منهم لما فيها من التوثق للحقوق والاحتياط عليها ولذلك قرأت ~~مصمتة بأوصاف من البلوغ والحرية والعدالة ونحوها وصارت أخبار السنن واسطة ~~بين الأمرين فجاز فيها قول الواحد إذا قوي قوله بوصف العدالة ولا يحتمل أن ~~يكون ذكرا أو أنثى أو عبدا أو مملوكا أو بصيرا أو أعمى وهذا أيضا نوع تساهل ~~فى رواة أخبار ms288 السنة والآثار لأنه لو أن فيها جميع أوصاف الشهود لعدمت ~~النقلة وعز وجودهم وصار ذلك سببا لانقطاع العلم ولو جرت فيها المساهلة التى ~~تجرى فى أخبار المعاملات لوجد الفساد والخلل فى أمر الدين وصار لأهل الباطل ~~سبيلا إلى أن يدخلوا فيه ما ليس منه واختلط أهل الحق بالباطل فاقتصر على ~~الواحد ليتسع الطريق إلى النقل وأيد بالعدالة لتنقطع التهيئة عنه وكل من ~~هذه الأمور منزل على منزلة تليق ويرشد إليها وجه المصلحة ويدل عليه الحكمة ~~وأما الذى قاله أبو زيد من العذر لهم فليس بشىء لأنا بينا وجود قبول الواحد ~~فى أمور الدين وقد ذكرنا صورا منها ونزيد فنقول إذا قال الواحد هذا الماء ~~طاهر أو نجس يقبل قوله ويعمل عليه أو يقول أنا وكيل فلان فى التصرف فى ماله ~~يجوز الشراء منه وإذا قالت المرأة حضت أو طهرت يقبل الرجل قولها فإذا قالت ~~حضت يجب الامتناع من وطئها وإذا قالت طهرت يجوز الإقدام على وطئها وإذا قال ~~هذه خمر أو نبيذ وقال هذه أمتى أبيعها منك أو ابنتى أزوجها منك فإن سلموا ~~هذه الوجوه لا بد من تسليمها لأن مصالح الناس لا تقوم إلا بها فيكون الباقى ~~من الأخبار ملحقا بها # هذه الأخبار مرجعها إلى الدين لأن الامتثال بقول المخبر بالحل والحرمة ~~والصهار والنجاسة وهذه أمور لا تثبت من حقوق الناس فى شىء فهذه الدلائل ~~التى ذكرناها دلائل قطعية موجبة للعلم # وللأصحاب دلائل كثيرة سوى هذا فرأينا عنها اقتصارا واكتفاء لهذا القدر ~~وقد ذكر أهل الأصول فى بيان أنه يجوز أن يقع انعدام الآحاد من حيث العقل ~~وإن كانت لا تفيد إلا الظن وذلك لأنه ليس بمستبعد ولا مستنتج فى العقل أن ~~يقول الله تعالى إذا غلب على ظنكم صدق الرواى عن فلان فاعملوا بخبره كما ~~أنه خبر مستقبح فى العقل أن يقول إذا أخبركم فلان فاعملوا بخبره فإذا جاز ~~PageV01P340 أحدهما جاز الآخر وقد قالوا إن الشريعة مصالح فلا يمتنع أن ~~يكون قبول قول الواحد إذا غلب على ظننا ms289 صدقه والعمل به مصلحة لنا ولهذا ~~يلزم المسافر سلوك طريق وتجنب طريق آخر إذا أخبر الواحد بسلامة أحدهما ~~ووجود المخافة فى الآخر # أما الجواب عن كلماتهم أما تعلقهم بخبر مدعى النبوة وأنه لا يجب علينا ~~قبوله من غير دليل يقوم على صدقه وهو المعجز وإن غلب على ظننا صدقه قلنا ~~نقول ولا أن نقطع بوجوب العمل بخبر الواحد لأن دليلا قطعيا قد قام على وجوب ~~العمل به ومثل هذا لا يوجد فى غير مدعى النبوة لأن الأدلة الشرعية إنما ~~تكون قاطعة فى خبر مدعى النبوة إذا علمنا صدقه لمعجز يقيمه حتى إذا أخبرنا ~~بوجوب العمل علمنا وجوب العمل بخبره وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعى للنبوة ~~مظنونا غير مقطوع به ثم نقول إن الاقتصار على الظن فى صدق مدعى النبوة يؤدى ~~إلى مفسدة عظيمة لأن فى النبوة من الرئاسة العظيمة التى لا يدانيها رئاسة ~~فلأن من إذا قبلنا قوله من غير معجز تعين أن يطلبها كل واحد ويتحرى فى أكثر ~~الناس ظاهر الصدق والعدالة والستر اسم له هذه الرئاسة فيكثر على هذا ~~المدعون للنبوة والوارد بالشرائع المخالفة وفى هذا من المفسدة ما لا يخفى ~~وأما ها هنا فليس للمخبر بالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه ~~الرئاسة وأيضا فإن السنن محصورة فى النقل لا يمكن الزيادة عليها فلم يؤد ~~قبول خبر الواحد فيها إلى المفسدة # ببينة أنه إن لزمنا ما ذكروه على قولهم وقولنا إن شهادة الشهود مقبولة ~~وكل عذر لهم فى ذلك فهو عذرنا وأما قولهم أنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد ~~فى الفروع لجاز فى الأصول قلنا قد بينا أن الأخبار التى تلقتها الأمة ~~بالقبول موجبة للعلم قاطعة للعذر وكذلك فى كل حادثة شهدها جماعة وأخبر ~~الواحد منهم ولم ينكر الباقون ذلك فعلى هذه الأخبار الواردة فى صفات الله ~~تعالى وإثبات القدرة وجواز الرؤية وإخراج الموحدين من النار بعد إدخالهم ~~فيها وإثبات الشفاعة وإثبات عذاب القبر وإثبات الحوض والميزان وما أشبه ذلك ~~وإذا اشتهرت وعرفت ms290 فى الأمة فأكثرها لا يخرج عن هذين القسمين فتكون موجبة ~~للعلم قاطعة للعذر ويفيد ما ويفيدها الأخبار المتواترة وأما قولهم إنه يجوز ~~التعبد بأخبار الآحاد فى نقل القرآن قلنا هذا جمع بين موضعين بغير علة ~~جامعة ثم نقول فى القرآن المنقول بالآحاد إما أن يظهر فيه الإعجاز أو لا ~~يظهر فيه الإعجاز فإن ظهر فيه الإعجاز فالإعجاز حجة النبوة ولا يكون حجة ~~إلا وقد علم أنه لم يعارض فى عصر PageV01P341 النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~سماع أهل ذلك العصر له ولا يوجد هذا إلا وقد تواتر نقله وظهوره فى ذلك ~~العصر وإن لم يظهر فيه الإعجاز فالقرآن كله معجز فإن لم يكن قرآنا وقد ثبت ~~ذلك لعدم دليل كونه قرآنا وعلى أنه عندما يقبل خبر الواحد فى إيجاب العمل ~~والقرآن الذى نقل بالآحاد يجعله قرآنا قيما يرجع إلى العمل وعلى هذا جرى ~~أمر قراءة ابن مسعود رضى الله عنه وكذلك نقول فى التسمية أنها من رأس ~~الفاتحة عملا وهو وجوب قراءتها فى الصلاة # وأما قولهم إن التشريع مصالح فإذا كان الواحد يجوز عليه الغلط والكذب لم ~~نأمن من أن يكون قبول قوله مفسدة قلنا لما قامت الدلائل القطعية على وجوب ~~العمل بخبر الواحد وغلب على ظننا صدق المخبر فقد علمنا أن العمل صلاح لنا ~~كما نعلم أن قطع اليد صلاح عند قيام البينة وأجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ~~وقالوا إن الفعل قد يكون صلاحا لنا إذا فعله ونحن على حالة مخصوصة فلا ~~تمتنع أن يكون متى ظننا صدق الرواى بأمارة صحيحة فيكون مصلحته أن نفعل ما ~~اقتضاه الخبر كما يكون مصلحتنا هو الحكم بما دل عليه البينة وإن كنا نجوز ~~كون الشهود كذبة وحرف هذا الجواب إن ظننا صدق الراوى بما يشهد العقل بجواز ~~كونه شرطا فى المصلحة بدليل التصرف فى الأسفار والحكم بالبينات ألا ترى أن ~~المسافر إذا خاف فى سفره فيخبره بعض من يظن صدقه بسلامة بعض الطرق وفساد ~~غيره فإنه يجب عليه أن يعمل ما ظنه ms291 صلاحا دون ما ظن الفساد ولو ظن كذب ~~المخبر بأمارة لم يجز أن يعمل على خبره ولا يجوز له مع اشتباه الطرق عليه ~~وخوفه أن يعمل على شهوته واختياره من غير أمارة فإن قيل أيجوز أن يقول ~~الشارع للإنسان إذا اخترت الفعل واشتهيته ولم يصرفك عنه صارف وجب عليك فعله ~~ما دمت مريدا له وإن لم يكن مختارا قاصدا إليه لم يجب عليك فعله قلنا هذا ~~لا يجوز عندنا وتعليق عمل الإنسان بما يشتهيه ويختاره لسقط التكليف لأنه ~~قيل له افعل ما تشتهيه ولا تفعل ما لا تشتهيه وهذا إسقاط التكليف وهو باطل ~~وأما تعلقهم بقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ الإسراء 36 ~~وبقوله تعالى @QB@ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ البقرة 169 وما ~~يشبه هذا من الآيات قلنا ليس فى العمل بخبر الواحد شىء مما ذكروه لأن وجوب ~~العمل بخبر الواحد ليس بإيجاب له على ظن وتخمين وهو إيجاب له على علم ويقين ~~لأنا بالدلائل القطعية علمنا وجوب العمل بخبر الواحد فهو اقتفاء واتباع لما ~~كنا به عالمين # تنبيه إنا لما اتبعنا الدليل القطعى فى إيجاب العمل علينا بخبر الواحد ~~فلم نقل على PageV01P342 الله ما لا نعلم بل قلنا ما نعلمه ونتيقنه وأما ~~قوله تعالى @QB@ إن يتبعون إلا الظن @QE@ قلنا إنما اتبعنا الدليل القاطع ~~الذى يدل على وجوب العمل بخبر الواحد ولم نتبع الظن فإن قيل قد جعلتم للظن ~~حظا فى الاتباع لأنكم لو لم تظنوا صدق الراوى لم تعملوا بالخبر قلنا إن ~~الله تعالى إنما ذم من يتبع الظن فلم يدخل فى ذلك من اتبع الدليل عند الظن ~~فهذا وجه الجواب عن التعلق بهذه الآيات ومن عرف هذا الوجه من الجواب سهل ~~عليه الكلام على ما يوردونه والله أعلم # إذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فنذكر بعد هذا ما ينبني عليه ونبتدىء ~~بذكر # أحوال الرواى والشرائط المعتبرة فيه لنقل خبره # فنقول أولا اعلم أن الصحابة رضى الله عنهم عدول وروايتهم يجب قبولها من ~~غير ms292 تخصيص وذهب المعتزلة إلى أنه قد كان فى الصحابة قوم فساق وقد فسق كثير ~~منهم وهم الذين قاتلوا عليا رضى الله عنه خصوصا معاوية وعمرو وسائر من ~~كانوا من الصحابة وغيرهم مع معاوية رضى الله عنهم وتوفى بعضهم أبو طلحة ~~والزبير وعائشة رضى الله عنهم أجمعين وادعى كثير منهم أنهم فسقوا وتابوا ~~قالوا وقد علمنا ذلك فى هؤلاء الثلاثة ولم نعلم توبة معاوية ومن معه ونحن ~~نتبرأ إلى الله تعالى من هذا القول وزعم أن القوم قاتلوا مع على رضى الله ~~عنه بالتأويل فإن الإمام الحق قد قتل وهو عثمان رضى الله عنه وقد كانت ~~قتلته أنصار على وكانوا جميعا معه ومع هذا زعم أن الحق كان مع على لكن لا ~~نفسق أولئك القوم لأجل أنهم كانوا متأولين ولأن عدالة جميع الصحابة ثبتت ~~قطعا فلا يزول عنها إلا بدليل قطعى والدليل على أن السمة كانت عظيمة إذ ~~وجود من بقى من الصحابة اعتزلوا الطائفتين مثل سعد وأسامة وابن مسلمة وابن ~~عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر وغيرهم فالأولى فى هذا حفظ اللسان وتسليم أمرهم ~~إلى الله تعالى وإنما الكلام فيمن وراء الصحابة فنقول # نشترط فى الراوى أن يكون ثقة عدلا فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه حافظا ~~إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه غير معروف بالتدليس ~~PageV01P343 وملاك الأمر شيئان صدق اللهجة وجود الضبط لما يرويه ومن كثر ~~غلطه ترك حديثه والعدل قد تعورف استعماله فيمن كان من أهل قبول الشهادة ~~وشرائطه ما عرف فى الفقه وقد قيل إن المشارطة على أخذ الأجرة على التحدث ~~يقدح فى قبول الرواية وقيل أيضا إن الإقدام على المستقبحات مثل الأكل على ~~الطريق وما يشبه ذلك تقدح أيضا فى الرواية وقد اتفقوا أن الفسق فى التعاطى ~~يمنع قبول الرواية لأن من يقدم على الفسق وهو يعتقد أنه فسق لا يؤمن فيه ~~الإقدام على الكذب فى حديثه وأما الفسق من حيث الإعتقاد مثل أهل الأهواء ~~فقد ذكروا أنهم ينقسمون قسمين منهم من ms293 كفر الصحابة وفسقهم مثل الخوارج ~~وغلاة الرافضة فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول وأما من سلم عليه السلف وكان ~~ثقة فى دينه غير مستحل للكذب على مخالفته بل كان مأمونا عليهم معروفا ~~بالصدق فى روايته جللا فى تعاطيه غير داعية إلى اعتقاده يقبل روايته والأصح ~~هو الأول # وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد قال حدثنا عمرو بن عبيد وكان ~~صاحب بدعة والفرق بين الفسق فى التعاطى وبين الفسق فى الإعتقاد هو أن الفسق ~~فى أعمال الخوارج إنما يمنع من قبول الحديث لأن فاعله فعله وهو يعلم أنه ~~فسق فقدح ذلك فى الظن بصدق ولم يؤمن أن يقدم على الكذب وإن علم أنه محظور ~~وليس كذلك الفسق فى العقيدة لأنه يؤمن منه الكذب لأن الأمور مشتبهة عليه ~~وهو متحرج فى أفعاله متنزه عن الكذب فيه أن الركن فى قبول الحديث قوة الظن ~~والظن يقوى بصدق من هذا سبيله لمكان نخرجه ببينة أن الصحابة تفرقوا ولم ~~يمنع ذلك من قبول بعضهم رواية البعض وروى التابعون عن الفريقين أيضا # وأما الكافر الخارج عن الإسلام فلا تقبل روايته بحال لأن اعتقاده يدعو ~~إلى التحريف فلا يقوى الظن بصدقه وهذا الذى ذكرناه مذهب الفقهاء وعندهم أنه ~~لا يقبل من أهل الأهواء وأنه يقبل رواية الكل كما PageV01P344 يقبل شهادتهم # وقد روى أصحاب الحديث عن قتادة وابن أبى نجيح وعمرو بن عبيد وأضراب هؤلاء ~~فإن كانوا نسبوهم إلى القذف فى كتبهم من يظهر منه العناد والتعنت فلا تقبل ~~روايته وكذلك من يتدين بالكذب فلا تقبل روايته وكذلك المتساهل فى روايته ~~وتارك التحفظ من الزيادة # وقد ذكر بعضهم أن الشرائط فى الراوى لقبول الرواية خمسة # أحدها البلوغ لأن الصغير لا يقبل قوله فى الدين فى خبر ولا فتيا ولا ~~شهادة لأنه لم يقبل خبره فى حق نفسه فأولى أن لا يقبل فى حق غيره وقد ذكر ~~بعضهم أن رواية الصبى إذا كان مميزا وقع فى ظن المستمع صدقه مقبولة والأصح ~~هو الأول لأن المعتمد لنا إجماع ms294 الصحابة ولم يرو أن أحدا من الصحابة رجع ~~إلى رواية صبى وحده إذا عرف أنه غير مؤاخذ بالكذب لا يزعه عن أمر لكان وازع # والشرط الثانى العقل وقد قالوا إنه لا يجوز الاقتصار على العقل الذى نيط ~~به التكليف بل لا بد أن ينضم إليه شدة التيقظ وكذلك التحفظ وإن كان يفيق ~~يوما ويجن يوما فإن أثر جنونه فى زمان جنونه لم يقبل خبره وإن لم يؤثر يقبل # والشرط الثالث العدالة فى الدين وهذا لأن الفاسق لا يوثق بخبره كما لا ~~يوثق بشهادته والعدالة مأخوذة من الاعتدال ولا بد من أربع شرائط # أحدها المحافظة على فعل الطاعات واجتناب المعاصى # والثانى أن لا يرتكب الصغائر وما يقدح فى دين أو عرض # والثالث أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الذم # والرابع ألا يعتقد من المذهب ما يرد أصول الشرع مصرح معانيه ووحى وخلا ~~دلائله وقد بينا فى أهل الأهواء ما قاله أهل العدالة الإسلام مع السلامة من ~~فسق ظاهر وجعلوا العدالة المعتبرة فى الشاهد علة العدالة المعتبرة فى ~~المفتى والعدالة المعتبرة فى المفتى أغلظ من العدالة المعتبرة فى الرواية ~~وتعلقوا بحديث الأعرابى أنه لما شهد عند النبى صلى الله عليه وسلم برؤية ~~الهلال قبل شهادته ولم يسأل عن عدالته والصحيح أن ما يعتبر من العدالة فى ~~الشهادة يعتبر فى الرواية يدل أنه إن لم تكن العدالة فى الخبر أغلظ منها فى ~~PageV01P345 الشهادة فلا يتنفى أن يكون أسهل لأن المخبر ثبت بخبره شرعا يعم ~~إلزامه فكان بتغليظ العدالة أولى # قال وأما أهل الأهواء الذين لا يدفع شبهة شهوة تأويلهم نص كتاب ولا سنة ~~ثابتة متواترة شهادتهم مقبولة وقد شدد بعض أصحاب الحديث فى هذا فمنع القبول ~~فيما ذكرنا والأصح ما بينا ونرد خبر من ظهر منه الكذب فما قل أو كثر من ~~أمور الدين وإن كذب فى ضرر أحد وجب إسقاط جميع ما تقدم من حديثه # والشرط الرابع أن يكون بعيدا من السهو والغلط ضابطا لما يتحمله ويرويه ~~ليكون الناس ms295 على ثقة منه وضبطه وقلة غلطه فإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا ~~فيما يعلم أنه غلط فيه وإن كان كثير الغلط رد خبره إلا فيما يعلم أنه لم ~~يغلط فيه وليس من شرط الضبط معرفة أحكام الحديث لأن هذا صفة تزيد على الضبط ~~ولا يمنع جهل الراوى بحكم الحديث قبوله وقد قيل الصدر الأول شهادة الأعراب ~~وأهل البوادى # والشرط الخامس أن لا يعرف التساهل فيما يرويه وبالتأويل لمذهبه فربما ~~أحال المعنى بتأويله وربما يدين موضع زيادة يصحح بها فاسد مذهبه فلم يوثق ~~بخبره # ومن انتفت عنه الثقة لم يقبل خبره ولا يرد خبر من قلت روايته كما لا يرد ~~من قلت شهادته ولا يرد خبر من لم يعرف بمجالسته العلماء والمحدثين لأنه قد ~~يسمع من حيث لا يعلمون فأما المدلس فاعلم أن التدليس هو ترك اسم من يروى ~~عنه وطى اسمه وذكر اسم من يروى عنه شيخه وقد ذكر التدليس عن كثير من أئمة ~~الحديث مثل قتادة والأعمش وهشام وشريك وذكر ذلك أيضا عن سفيان بن عيينة ~~وجماعة يجرون مجراه فنقول التدليس من الرواة يجرى على وجهين # أحدهما أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه ذلك وإذا استكشف لم يخبر باسم من ~~يروى عنه فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه لأن التدليس معه تزويد إبهام لما لا ~~حقيقة له وذلك يؤثر فى صدقه وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم المتشبع بما ~~لا يعط كلابس ثوبى زور # والوجه الثانى من التدليس أن يطوى اسم من يروى عنه إلا أنه إذا كشف عنه ~~أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله فهذا التدليس لا يسقط الحديث ولا يوجب ~~القدح فى الراوى # وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ولم ~~يكتمه وهذا شىء مشهور عنه وهو غير قادح # قال إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان ابن عيينة يوما بحديث فقال عمرو بن ~~دينار عن الحسن بن محمد فقلت يا أبا محمد PageV01P346 أسماعا عن عمرو فقال ~~ابن جريج عن عمرو فقلت سماعا ms296 من ابن جريج فقال لا تفسده أبو عاصم عن ابن ~~جريج # فقلت سماعا من أبى عاصم فقال قد أفسدته بحديثى على ابن المدينى عن أبى ~~عاصم عن ابن جريج عن عمرو فهذا طريق سفيان ومذهبه والشافعى لا يروى عنه من ~~الحديث بما يدخله التدليس وبيان مذهب الشافعى فى هذا الباب أن من اشتهر ~~بالتدليس لا تقبل روايته إذا لم يخبره بالسماع فيقول سمعت أو حدثنى أو ~~أخبرنى وما أشبهه فأما إذا قال عن فلان وحمل الأمر فى ذلك على السماع لأن ~~الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة إذ هو أسهل عليهم من أن يقول فى كل حديث ~~حديثا والعرف الجارى فى ذلك يقام مقام التصريح وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله ~~الحافظ فى كتاب علوم الحديث وقال الأحاديث المعنعنة متصلة بإجماع أهل النقل ~~إذا لم يكن فيها تدليس وذكر حديث عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد ~~الأنصارى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال لكل داء ~~دواء فإذا أصاب دواء داء برىء بإذن الله تعالى وكذلك ذكر رواية إسرائيل عن ~~عبد الله بن مختار عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال إن مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه والرواة فى هذين ~~الخبرين عن قولهم يعرفوا بالتدليس فالحديثان متصلان وإن ذكر بطريق العنعنة ~~قال وضد هذا من الخبر ما رواه يعلى بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن ~~أبى هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كم مضى ~~من الشهر قلنا ثنتان وعشرين وبقى ثمان # فقال مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون وهذا ~~الحديث فيه تدليس لأن الأعمش لم يسمعه من أبى صالح # وقد روى محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا خلاد الجحفى ~~حدثنى أبو مسلم عبد الله بن سعيد قائد الأعمش عن سهل بن أبى صالح عن أبيه ~~عن أبى ms297 هريرة الخبر الذى ذكرناه فإن الأعمش قد دلس فى الرواية الأولى وأظهر ~~من سمع منه فى الرواية الثانية وذكرنا صورة من التدليس ليعرف بعينه وصورته ~~رغم أن أصحاب الحديث PageV01P347 وأهل الرواية منهم قد ذكروا ستة أنواع من ~~التدليس وقد ذكرها أبو عبد الله الحافظ فى كتاب معرفة علوم الحديث وذكرها ~~صورا ولم أذكرها كيلا تطول الكتابة وذكرت مكانها حتى إن رغب إنسان فى علم ~~ذلك عرف موضعه وذكر نوعا من ذلك تغير الأسامى بالكنى والكنى بالأسامى لئلا ~~يعرفوا وقد فعله سفيان الثورى وليس هذا مما يوجب القدح فى الحديث وذكر نوعا ~~من ذلك قول المحدث قال فلان ولم يسمع منه وإنما سمع إنسانا تحدث عنه وهو ~~مثل ما قدمنا من قولهم عن فلان قال وقد دلسوا عن قوم مجهولين وعن قوم ~~مجروحين والمتبحر فى علم الحديث يعرف ذلك وهذا باب يطول ذكره إذا وجد سماعا ~~فى كتاب ولم يذكر أنه سمعه جاز له أن يرويه وهذا قول أبى يوسف وعند محمد ~~وأبى حنيفة لا يجوز له أن يرويه حتى يذكر سماعه ولأهل الحديث خلاف فيه وقد ~~اعتبر من منع ذلك بالشهادة وأما من جوز ذلك قال رواية الأخبار محمولة على ~~الظاهر وحسن الظن وقدم فيها ما لم يسامح فى الشهادة ومن الظاهر أنه إذا رأى ~~سماعه بخط من يوثق به أنه قديم فوجب أن يجوز له الرواية وليعلم الحديثى أن ~~الحسن البصرى لم يسمع من أبى هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمرو ولا من ابن ~~عباس رضى الله عنهم شيئا قط وإنما روايته عنهم تدليس والشعبى لم يسمع من ~~عائشة رضى الله عنها ولا من على ولا من ابن مسعود ولا من أسامة ولا من زيد ~~بن ثابت رضى الله عنهم وروايته عن هؤلاء تدليس وليعلم أن الأعمش لم يسمع من ~~أنس وأن قتادة لم يسمع من صحابى سوى أنس وأن عامة أحاديث عمرو بن دينار عن ~~الصحابة غير مسموعة وأن عامة أحاديث مكحول عن الصحابة حوالة فاعلم ms298 أن عامة ~~المحدثين من أهل الحجاز قد صانوا أنفسهم عن التدليس إلا ما ذكرنا عن ابن ~~عيينة وهو كوفى وفد مكة وصار إمام الدنيا فى الحديث وإنما أكثر التدليس وهو ~~من أهل الكوفة وجماعة من أهل الشام وقد كان خيثمة بن بشير كثير التدليس وهو ~~من أهل واسط وأما أهل بغداد والجبال وأهل خراسان وما وراء النهر فلا يذكر ~~من واحد منهم التدليس إلا الشىء اليسير # وقد روى عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد عن أبيه قال التدليس ذل وذكر ~~عبدان عن ابن المبارك أنه ذكر رجلا ممن كان يدلس فقال فيه قولا سديدا وأنشد ~~فيه # ( دلس للناس أحاديثه % والله لا يقبل تدليسا ) # هذا كله فى التدليس فى الرواية مع الصدق فى المتون PageV01P348 # وقد قال بعض أصحابنا إذا كان الأغلب على الراوى التدليس لا يقبل خبر ما ~~جهلت حاله فى ذلك حتى يعلم أنه غير مدلس وإن كان الأغلب أنه لا يدلس قبلت ~~روايته فيما جهلت حاله حتى يعلم أنه مدلس وأما من يدلس فى المتون فهذا مطرح ~~الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وإن كان ملحقا ~~بالكذابين ولم يقبل حديثه # وأما تزكية الرواة فقد قال بعضهم لا نقبل إلا شاهدين والذى عليه أكثر ~~الفقهاء المحدثين أنه يثبت عدالة الراوى بتزكية الواحد لأنها تزكية على خبر ~~فكانت كالخبر ويقبل فى هذا تزكية الراوى وتزكية النساء والعبيد كما يقبل ~~روايتهم # فأما قدح الراوى فلا يقبل إلا من شاهدين وإذا روى العدل عن رجل لم تكن ~~روايته عنه تعديلا وزعم بعض أصحاب الحديث أنه يكون تعديلا وليس بصحيح لأنه ~~يجوز أنه إذا سئل عنه بعدله أو بجرحه قال الشعبى حدثنى الحارث الأعور وكان ~~والله كذابا ولأنه لما لم يكن شهادة شهود الفرع على شهود الأصل تعديلا لهم ~~كذلك رواية الراوى لهم # فإن قيل أيجوز أن يروى عن غير العدل قلنا يجوز فى المشاهير ولا يجوز فى ~~المناكير وإن عمل الراوى بالخبر كان تعديلا للراوى اللهم إلا أن يعمل ms299 بموجب ~~الخبر لا لأجل الخبر ويقبل خبر الأعمى والعبد وإن لم تقبل شهادتهما كما ~~يقبل خبر النساء ولا تقبل شهادتهن ونذكر معه هذا الحديث بالمعنى فإنه شىء ~~يرجع إلى الراوى فنقول PageV01P349 # اختلف أهل العلم فى ذلك فذهب بعض السلف إلى أنه لا يجوز مجاوزة اللفظ ولا ~~يجوز أداء الحديث بالمعنى بحال وهذا مذهب عبد الله بن عمرو وجماعة من ~~التابعين وجماعة من بعدهم واحتج من ذهب إلى هذا بقول صلى الله عليه وسلم ~~نضر الله امرءا سمع مقالتى فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه قالوا ومعنى الحديث متعلق بلفظه ~~فإذا تغير اللفظ أثر فى المعنى فكان النبى صلى الله عليه وسلم أفصح العرب ~~وأحسنها بيانا وقال أوتيت جوامع الكلم فمن يمكنه أن يأتى بلفظ يوازى لفظه ~~ويتضمن ما يتضمنه من المعنى # وعن أبى العباس أحمد بن يحيى يغلب أنه كان يذهب هذا المذهب ويقول إن عامة ~~الألفاظ التى لها نظائر فى اللغة إذا تحققتها وجدت كل لفظة منها مختصة بشىء ~~لا يشاركها صاحبتها فمن رأى العبارة ببعضها عن البعض لم يسلم من الزيغ عن ~~المراد والذهاب عنه # وأما عامة أهل العلم فرأوا أن الرواية على المعنى جائزة إذا كان الراوى ~~عالما ما يتعين به المعنى وبذلك جرت عادة أكثر السلف والجمهور من الخلف ~~وكذلك اختلفت ألفاظ الحديث وإن كانت القصة واحدة وشبهوا ذلك بالشهادات حيث ~~يصح أداؤها بالمعانى ويعتبر اتفاق الشهود فيه وإن اختلفت ألفاظهم ومما يدل ~~على ذلك رواية الصحابة المناهى عن النبى صلى الله عليه وسلم مثل نهيه عن ~~بيعتين فى بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزابنة وحبل الحبلى والنجش وبيع حاضر ~~لباد وغير ذلك وكذلك روت الصحابة أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى باليمين ~~PageV01P350 على الشاهد وقضى بالشفعة فى ما لم يقسم ومعلوم قطعا أن فى هذه ~~الأخبار لم يقصد الرواة ألفاظه صلى الله عليه وسلم وإنما حكوا معانى خطابه ~~من غير قصد إلى لفظه ms300 بعينه فدل ذلك على جواز النقل عن طريق المعنى دون ~~المحافظة على اللفظ وأما قوله صلى الله عليه وسلم فأداها كما سمعها هذا لا ~~يمنع من النقل على المعنى # ألا ترى أن الإنسان لا يمنع أن يقول أديت رسالة فلان إليك كما سمعت وإن ~~كان أداه على المعنى وهذا إذا كان الراوى عالما مميزا يعلم ما يتغير به ~~المعنى ويميز بين اللفظ والمعنى أما إذا لم يمكن كذلك لم يجز له مجاوزة ~~اللفظ وقال بعض أصحابنا كل ما أوجب العلم من ألفاظ الحديث فالمنقول فيه على ~~المعنى ولا مراعاة للفظ فيه وأما الذى يجب العمل به منها ففيه ما لا يجوز ~~الإخلال بلفظ كقوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم خمس يقتلن فى الحل والحرم وما أشبه ذلك والأصح ~~ما ذكرناه وهو الجواز بكل حال والله أعلم # ونذكر عقب هذا ما يتعلق بقولنا حدثنا وأخبرنا وتقدم أولا ما يتعلق بتحمل ~~الأخبار وسماعها فنقول يتعين صحة التحمل وسماع الخبر صحة التمييز والضبط ~~لما يسمعه حتى يعرف ذلك ويفعله إذا لم يكن بلغ من السن ما يعرف هذا لم يصح ~~سماعه # وقد قدر بعضهم إن بلغ خمس سنين بحديث محمود بن الربيع أنه قال عقلت مجة ~~مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بئر دارنا وكان لى خمس سنين والأصح ~~أن لا يقدر وقد قال بعض الناس يعتبر أن يكون التابع بالغا وليس هذا بشىء ~~فإن إجماع المسلمين ثابت على قبول ما نقله أحداث الصحابة وإن كانوا سمعوه ~~فى صغرهم مثل ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأصغر منهم الحسن بن ~~على رضى الله عنهم أجمعين # وقد روى عن PageV01P351 النبى صلى الله عليه وسلم ثم نقول للمستمع أربع ~~أحوال بعضها أقوى من البعض أولها أن يسمع من لفظ المحدث # والثانى أن يقرأ على المحدث # والثالث أن يكاتبه به المحدث # والرابع أن يخبر له المحدث # والأول أقوى ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ونبين ms301 خلاف الناس فى ذلك ~~ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو أصم وهو يحدث وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول ~~بعد هذا ما يتعلق بتحديث المحدث فنقول إذا حدث المحدث من حفظه أو كتابه فلا ~~خلاف للسامع أن يقول سمعت فلانا يحدث عن فلان وإن شاء قال حدثنا وإن شاء ~~قال أخبرنا فلان وإذا قرىء على المحدث فأقر به فجائز أن يقول أخبرنا فلان ~~كما يجوز أن يشهد على الإنسان إذا قرأ عليك الصك وقرره به والدليل على ذلك ~~قوله تعالى @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ الأعراف 172 وزعم بعض أصحاب ~~الحديث أنه لايجوز فى هذا أن يقول حدثنا ولا أخبرنا وإنما يقول قرأ على ~~فلان وأنا أسمع ما قرأ به وأما إذا قرىء عليه فلم يعترف فلا يجوز أن يروى ~~عنه وإن علم أنه حديثه وسماعه كما أن الإنسان إذا قرأ على الإنسان وقبل ~~حكايته إقراره بدين أوسع أو نحوه فلم يقر به ولم يعترف بصحته فإنه لا يجوز ~~أن يشهد عليه وقد روى عن أنس بن مالك قال بينما نحن جلوس مع النبى صلى الله ~~عليه وسلم إذ جاء رجل فقال يا محمد إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا ~~تجدن فى نفسك # فقال اسأل ما بدا لك # فقال نشدتك ربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم قال اللهم نعم ~~الخبر . . . إلى آخره # واحتج شيخ الصنعة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى بهذا الحديث فى ~~كتاب العلم من الجامع الصحيح فى باب العرض على المحدثين وهو دال على ما ~~قلناه من قبل بأنه إذا قرأ عليه فاعترف به يكون حديثا له وإخبار ويصير كأنه ~~سمع منه # وقد قال كثير من المحدثين إن العرض على الراوى سماع قالوا وصورة العرض أن ~~يكون الراوى حافظا متقنا فقدم المستفيد إليه جزء من حديثه أو أكثر من ذلك ~~فتناوله ويتأمل الراوى حديثه فإذا عرف أنه من حديثه قال للمستفيد قد وقفت ~~على ما ناولتنيه وعرفت الأحاديث كلها وهى رواياتى عن شيوخى فحدث ms302 بها حتى ~~يجوز أن يحدث بها عنه وينزل هذا منزلة PageV01P352 السماع # وقد قال بهذا عكرمة والزهرى وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصارى وهشام بن عروة ~~ومالك وعبد العزيز الدراوردى فى جماعة آخرين هؤلاء من أهل المدينة ومن أهل ~~مكة مجاهد بن جبر وأبو الزبير محمد بن مسلم ونافع بن عمر الجمحى وسفيان بن ~~عيينة ومسلم بن خالد الزنجى فى جماعة ومن أهل الكوفة علقمة والشعبى وأبو ~~بكر بن أبى موسى والنخعى وحبيب بن أبى ثابت ومنصور بن المعتمر وإسرائيل ~~وزهير بن معاوية فى جماعة ومن أهل البصرة قتادة وأبو العالية وحميد الطويل ~~وداود بن أبى هند وكهمش وسعيد بن أبى عروبة وجرير بن حازم فى آخرين ومن أهل ~~الشام ومصر أيضا جماعة وكل أصحاب مالك ذهبوا إلى هذا منهم عبد الرحمن بن ~~أبى القاسم وأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن وهب وعبد الله بن عبد الحكم ~~وقال ابن أبى أويس سئل مالك عن حديثه أسماع هو أم عرض فقال منه سماع ومنه ~~عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع وقال مطرف بن عبد الله صحبت مالكا ~~سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد وسمعته يأتى أشد الآيات على من ~~يقول لا يجزيه إلا لسماع ويقول كيف لا يجزيك هذا فى الحديث ويجزيك فى ~~القرآن وأنا أقول لا أدرى ما هذا الذى قاله مالك فى القرآن وكيف يكون العرض ~~على ما قلنا فى التحديث للقرآن وإنما المعروف فى القرآن هو القراءة ولم ير ~~أن فقهاء الإسلام الذين أفتوا فى الحلال والحرام لم يروا العرض سماعا ~~واختلفوا فى القراءة على المحدث هل هو إخبار أم لا فقال الشافعى المطلبى ~~بالحجاز والأوزاعى بالشام والبويطى والمزنى بمصر والنووى وأبو حنيفة وأحمد ~~بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين بالعراق وعبد الله بن المبارك وإسحاق ~~الحنظلى ويحيى بن يحيى بالمشرق أنه لا يكون العرض سماعا وأما القراءة على ~~المحدث فهو إخبار عند هؤلاء الأئمة والحجة لهم فى ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم نضر ms303 الله امرءا سمع مقالتى فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها ~~PageV01P353 # وقال صلى الله عليه وسلم تسمعون ويسمع منكم # قلنا ندب النبى صلى الله عليه وسلم إلى سماع قوله وحفظه وأدائه كما سمع ~~دل أن مجرد العرض على ما ذكره لا يكون سماعا والذى عليه أكثر المشاع للحديث ~~أن يقول فيما يأخذ عن المحدث لفظا ليس معه أحد حدثنى فلان وما يأخذه من ~~المحدث لفظا مع غيره يقول حدثنا فلان وما قرأ على المحدث بنفسه يقول أخبرنى ~~فلان وما قرىء على المحدث وهو حاضر يقول أخبرنا فلان وما عرض على المحدث ~~وأجاز له روايته شفاها يقول أنبأنى فلان وما كتب إليه المحدث عن فلان ولم ~~يشافهه بالإجازة يقول كتب إلى فلان وقد قال الشافعى لا تجوز الرواية ~~بالأحاديث على أنه لا يجوز أن يقول أخبرنا وحدثنا فى العرض الذى قالوه وهو ~~المناولة ولكن يقول أجاز لى فلان وأنبأنا أجازة أو مناولة والأولى تحرى ~~الصدق فى كل شىء ومجانبة الكذب بما يمكن فهذا جملة ما يقال فى هذا الباب ~~وقد ذكرته بزيادة الشرح لخفاء ذلك على أكثر الفقهاء وغفلتهم عنه واعلم أن ~~الأولى للمحدث أن يروى الخبر بلفظه فإن أراد الرواية بالمعنى ينظر فإن كان ~~ممن لا يعرف معنى الحديث لا يجوز له ذلك لأنه لا يؤمن أن يغير الحديث وإن ~~كان يعرف معنى الحديث ينظر فى ذلك فإن كان ذلك فى خبر محتمل لم يجز أن يؤدى ~~بالمعنى لأنه ربما ينقل بلفظ لا يؤدى مراد النبى صلى الله عليه وسلم وإن ~~كان خبرا نصا أو ظاهرا فقد ذكرنا الكلام فى نقله بالمعنى ويجوز أن يؤدى ~~جميع الحديث ويجوز أن يروى بعضه إذا كان له غرض فى ذلك # وينبغى لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب وإن كان يحفظه فالأولى أن ~~يرويه من الكتاب وأما إذا لم يحفظ وعنده كتاب فيه سماعه بخطه وهو يذكر ~~سماعه للخبر جاز أن يرويه وإن لم يذكر سماعه فهل يجوز أن يرويه فيه وجهان ms304 ~~أحدهما يجوز ويدل عليه قول الشافعى فى الرسالة PageV01P354 والوجه الثانى ~~أنه لا يجوز وهو الأصح لأنه لا يأمن أن يكون وقف على خطه ولا بد من شيئين ~~فى الرواية من الكتاب أحدهما أن يكون واثقا بكتابه وسواء كان ذلك بخطه أو ~~بغير خطه والثانى أن يكون ذاكرا لوقت سماعه فإن أخل بواحد منهما لم يصح ~~روايته ويقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه بخلاف الشهادة لاشتراك ~~الناس فى السنن والديانات وإذا أسند الراوى حديثه إلى رجل فدفعه المحدث عن ~~نفسه وقال لا أذكره فعند أبى الحسن الكرخى وهو قول جماعة المتكلمين لا تقبل ~~رواية الراوى لأنه الأصل فى الرواية فلا تقبل الرواية إذا أنكرها وهذا ~~كشاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع ولأنا إنما نقبل بطريق حسن الظن وإذا ~~أنكر المروى عنه فأين حسن الظن وأما على مذهب الشافعى فلا يقدح هذا فى ~~رواية الراوى لأنه يجوز أنه نسى ما رواه لأن الإنسان قد يحدث الإنسان بحديث ~~فى أمور الدنيا ثم يسهو عنه ويذكر به فلا يذكره إلا بعد زمان طويل وربما لا ~~يذكره أصلا وقد روى ربيعة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة خبر ~~القضاء بالشاهد واليمين ثم نسيه سهيل وكان يقول حدثنى ربيعة عنى وهو ثقة ~~ولم ينكر عليه فصار إجماعا من السلف وفى الشهادة زيادة احتياط لا توجد فى ~~الرواية بدليل اشتراط التحمل هناك بخلاف الرواية هذا إذا قال لا أذكر أو ~~قال نسيت # فأما إذا جحد المروى عنه وكذب بالحديث سقط الحديث هكذا قاله الأصحاب # وأقول يجوز أن لا يسقط رواية الراوى لأنه قال ما قال بحسب # وإن قال ما رويته أصلا فيعارضه قول الراوى أنه سمع منه وكل واحد منهما ~~ثقة ويجوز أن يكون المروى عنه رواه ثم نسبه فلا يسقط رواية الراوى بعد أن ~~يكون ثقة هذا مع التجويز # ونذكر الآن مسائل الخلاف # فصل اعلم أن خبر الواحد إذا ثبت وجب العمل به سواء ورد فيما يعم به ~~البلوى أو ورد ms305 فيما لا يعم به البلوى وذهب عامة أصحاب الحديث إلى أن خبر ~~الواحد إذا ورد فيما يعم به البلوى لم يجب العمل به وتوقفوا فى خبر ~~المتبايعين بهذا المعنى وكذلك فى إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام وخبر ~~الوضوء من مس الذكر والذى PageV01P355 تعلقوا به هو أن ما عم به البلوى ~~يكثر السؤال عنه وما يكثر السؤال عنه يكثر بيانه وما يكثر بيانه يكثر نقله ~~فحين قل النقل دل أنه لم يثبت فى الأصل ولهذا لم يقبل قول الرافضة فى ~~دعواهم النص على على رضى الله عنه فى الإمامة لأن فرض الإمامة يعم به بلوى ~~الناس فلو كان هذا النص ثابت لنقل نقلا مستفيضا وحين لم ينقل دل أنه غير ~~ثابت # قالوا ولأن الخبر الذى يفيد العلم لا يقبل حتى ينقل على طريق الاستفاضة ~~لعموم البلوى فى العلم المتعلق بالخبر كذلك الخبر الذى يوجب العمل فإذا عمت ~~البلوى به لا يقبل حتى ينقل من طريق الاستفاضة # وأما الدليل لنا هو أن الدليل المعتمد فى قبول أخبار الآحاد هو إجماع ~~الصحابة وقد دل هذا الدليل على قبول خبر الآحاد أجمع سواء كان فيما يعم به ~~البلوى أو فى غير ما يعم به البلوى # ببينة أن الصحابة اختلفوا فى الأمور العامة ثم صاروا فيها إلى أخبار ~~الآحاد وهذا مثل اختلافهم فى وجوب الغسل بالتقاء الختانين وقد صاروا فى ذلك ~~إلى خبر عائشة رضى الله عنها وقد كان قبل ذلك وجوب الماء من الماء ثم إنهم ~~اجتمعوا عند عمر رضى الله عنه فأرسل إلى عائشة رسولا فانصرف الرسول فأخبرهم ~~عنها بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ~~فصدوا عن قوليهما قائلين بذلك معتقدين له وقد كان هذا من الأمور التى يعم ~~بها البلوى # وسأل عمر الناس عن المجوس وأخذ الجزية منهم فأخبره عبد الرحمن بن عوف رضى ~~الله عنهما على ما روينا فأخذ بذلك وقد كان هذا من الأمور العامة لأنه حكم ~~على أمة من الأمم وجيل عظيم ms306 من أجيال الناس وقال ابن عمر رضى الله عنهما ~~كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج الخبر وهذا أيضا من الأمور ~~العامة وقد كان عمر رضى الله عنه يقول بالتفاضل فى رءوس الأصابع حينا من ~~الدهر حتى روى له أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى كتاب عمرو بن حزم فى ~~كل أصبع عشر من الإبل فرجع عن قوله وتحقق الكلام فنقول من لا PageV01P356 ~~يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى مع اعتقاده أن خبر الواحد يوجب العمل ~~فأما أن لا يقبله لأن الشريعة منعت من قبوله أو لأنه ليس فى الشريعة ما يدل ~~على قبوله أو لأنه لو كان صحيحا لأشاعه النبى صلى الله عليه وسلم وبين على ~~وجه متواتر نقله ليصل إلى من تعبد بموجبه على ما ذكروا من قبل قالوا ولو ~~فعل ذلك لقوى الدين والعادة إلى إشاعة نقله وهذه الأقسام كلها باطلة أما ~~الأول فباطل لأنه لو كان فى الشرع نص منع من قبوله لوجدناه مع البحث ~~المستديم فإن قالوا أليس قد رد عمر خبر أبى موسى فى الاستئذان # ورد أبو بكر رضى الله عنه خبر معاذ فى الجدة قلنا كان ذلك نوع احتياط ~~وليس أنهما لو لم يأتيا براوى آخر لم يقبلا وعندكم خبر الاثنين أيضا يعم به ~~البلوى وأما الثانى فباطل أيضا لأنا قد قلنا بالدلائل القطعية على قبول ~~أخبار الآحاد من غير تفصيل وتخصيص وأما الثالث فباطل أيضا وهو الحرف الذى ~~ذكرنا فى حجتهم أنه إذا كان الحكم فيما يعم به البلوى يجب فى الحكم إشاعته ~~فنقول على هذا إذ ما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال فأما إذا ~~لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس فى ذلك تكليف ما لا طريق إليه ولو ~~وجب ما ذكروه فيما يعم به البلوى لوجب فيما لا يعم به البلوى أيضا لأنه وإن ~~كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس فيجب فى ms307 ~~الحكم إشاعة حكمه خوفا من أن لا يصل إلى من يعمل به فيصبح فرض عليه فإن ~~قالوا لا يلزم القول وجوب إشاعته لأنه إنما يكلف المكلف ذلك الحكم بشرط ~~وصوله إليه وإن لم يصل إليه لم يكن مكلفا قلنا إن جاز هذا فى الآحاد من ~~الناس جاز فى جماعتهم وعلى أن وجوب الوتر يعم به البلوى ولم يتواتر بوجوبه # قال أبو الحسن الكرخى قد تواتر النقل بفعله قلنا هذا لا يعصمكم من ~~المناقضة لأن الفعل يعم به البلوى والوجوب أيضا يعم به البلوى ولم يتواتر ~~به النقل # جواب آخر أن الحكم وإن عم به البلوى فليس هو بشىء وقعت واقعته فى الحال ~~لكل أحد فى نفسه وذاته بل غاية ما فى الباب توهم وقوعه وإذا لم يكن إلا محض ~~التوهم فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم لأن حكمه وإن نقله الواحد ~~والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود فيكفى ذلك لأنه إذا أمكنه الوصول ~~فليس يضيع الحكم وأما مسألة الإمامة قلنا وجود الإمام للإنسان فرض على كل ~~إنسان وواقعته فى الحال لأنه لا بد لكل أحد من إمامة ترجع إليه فلو كان ~~النص الذى ادعوه فى على رضى الله عنه ثابتا وقد شاع النبى صلى الله عليه ~~وسلم ذلك فإنهم يدعونه كذلك ويقولون أنه صلى الله عليه وسلم أشاع العهد فى ~~الإمامة يوم غدير PageV01P357 خم ولا يتصور أن يشيع ذلك ثم يجمع الجم ~~الغفير والجماعة العظيمة على كلماته وقد قالوا إن غدير خم لم يعرف فى ~~العالم وكيف يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم فى هذا الموضع مثل هذا الفعل ~~وينصب للناس عليا يرجعون إليه ثم يشتبه على الناس موضع ذلك حتى لا يعرف أحد ~~وأما ما تعلقوا به من الخبر الموجب للعلم فقد ذكرنا أنه بأى معنى لا يوجب ~~الخبر الواحد وإذا ما لم يكن الخبر الواحد طريقا إلى إفادة العلم بوجه ما ~~بالمعنى الذى بينا وكان طريقا لإيجاب العمل سقط سؤالهم # # | فصل الخبر إذا صح وثبت من طريق ms308 النقل وجب الحكم به وإن كان مخالفا ~~لمعانى أصول سائر الأحكام # وقد حكى عن مالك أن خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل وهذا القول ~~بإطلاقه سمح مستقبح عظيم وإنما أجل منزلة تلك عن مثل هذا القول وليس يدرى ~~ثبوت هذا منه وقال أبو الحسين البصرى لا خلاف فى العلة المنصوص عليها وإنما ~~الخلاف فى العلة المستنبطة قال والقياس لا يخلو إما أن يكون حكمه فى الأصل ~~ثابتا بخبر الواحد أو بنص مقطوع به فإن كان الأصل ثابتا بخبر فلا يجوز أن ~~يكون القياس معارضا لخبر الواحد بل الأخذ بالخبر يكون أولى على قول الكل ~~وأما إذا كان الحكم ثابتا فى الأصل بدليل مقطوع به والخبر المعارض للقياس ~~خبر واحد فينبغى أن يكون الناس إنما اختلفوا فى هذا الموضع وإن كان ~~الأصوليون ذكروا الخلاف مطلقا وقال في هذه الصورة التى ذكرها فعند الشافعى ~~أن الأخذ بالخبر أولى وهو قول أبى الحسن الكرخى وقال عيسى بن أبان إن كان ~~راوى الخبر ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه وجب قبول خبره وترك القياس ~~به وإن كان الراوى خلاف ذلك كان موضع الاجتهاد وذكر أن من الصحابة من رد ~~حديث أبى هريرة بالاجتهاد وحكى عن مالك ما ذكرنا وأما أبو زيد فإنه قال إذا ~~كان الراوى فقيها فيجب قبول خبره الذى رواه وترك القياس به بكل حال وأما ~~إذا كان عدلا ولكن لم يكن فقيها مثل أبى هريرة وعمار وجابر وأنس وأمثال ~~هؤلاء فإذا خالف القياس لم يجب قبول خبره # واحتج المخالفون فى هذه المسألة أما من قدم القياس قال إن PageV01P358 ~~القياس أثبت من الخبر لجواز الكذب والخطأ على الراوى ومثل هذا لا يوجد فى ~~القياس فكان القياس مقدما عليه ولأن القياس يخص عموم الكتاب فلأن يترك به ~~خبر الواحد أولى لأن خبر الواحد أصوب من عموم الكتاب وقد قال بعضهم إن ~~القياس لا يحتمل تخصيصا بل لا يجوز تخصيصه وأما الخبر الواحد يحتمل التخصيص ~~وكان غير المحتمل أولى من المحتمل وقد قال ms309 أصحاب أبى حنيفة فى تقديم الأصول ~~على الخبر الواحد بأن الأصول مقطوع بها والقياس غير مقطوع به وكان الدليل ~~المقطوع به أولى من الدليل المظنون واحتج من قدم خبر الواحد على القياس ~~بإجماع الصحابة فإنهم كانوا يتركون أحكامهم بالقياس إذا سمعوا الخبر الواحد ~~وروى أن أبا بكر رضى الله عنه نقض حكما حكم به برأيه بحديث سمعه من بلال ~~وترك عمر رأيه فى الجنين وفى دية الأصابع بالحديث الذى نقل له وكذلك ترك ~~رأيه فى ترك توريث المرأة من دية زوجها بالحديث الذى رواه الضحاك بن سفيان ~~وترك ابن عمر رأيه فى المزارعة بالحديث الذى سمعه من رافع بن خديج ونقض عمر ~~بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب بالخبر ~~الذى روى له أن الخراج بالضمان وهذا شىء معروف منهم وعن بعض المشاهير من ~~الصحابة لقد كدنا نقضى برأينا وفيه خبر عن رسول الله فإن قيل أليس أن ابن ~~عباس قال لأبى هريرة حين روى عن النبى صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم ~~من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدرى أين باتت ~~يده فقال ابن عباس فما تصنع بالمهراس والمهراس حجر عظيم كانوا يجعلون فيه ~~الماء ويتوضئون منه قلنا من قال له أبو هريرة يا ابن أخى إذا حدثتك الحديث ~~فلا تضربن له الأمثال ولأن ابن عباس إنما أخبره عن عجزه عن استعمال الحديث ~~لأنه رد الحديث فسقط السؤال ولأن الخبر الواحد أصل القياس وإن القياس الذى ~~يعارض الخبر أصله الخبر أما المتواتر والآحاد فإن قالوا نحن إنما نقدم ~~القياس على الخبر الواحد إذا كان القياس قائما على دليل قاطع والجواب أن ~~هذا التفصيل لم يعرف من المخالف فى هذه المسألة إنما هذا PageV01P359 شىء ~~ذكره أبو الحسين البصرى ولم يعرف له متقدم وعلى أنا بينا أن خبر الواحد فى ~~العمل منزلة الخبر المتواتر لأنه يوجب العمل بدليل مقطوع به فإذا كان الخبر ~~المتواتر فى العمل مقدما ms310 على القياس فكذلك الخبر الواحد يكون كذلك أيضا ~~وهذا لأن الخبر إذا ثبت يصير مقتضاه كأنه سمع من النبى صلى الله عليه وسلم ~~وإذا صار كذلك لم يكن بد من تقديمه على القياس وهم يقولون على هذا إنما ~~يجرى مجرى ما سمع من النبى صلى الله عليه وسلم فى وجوب العمل وكذلك القياس ~~وقد قال بعض أصحابنا إن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى قول النبى صلى ~~الله عليه وسلم بلا واسطة وإثباته بالقياس مستند إلى قوله بواسطة فكان ~~إثباته بالخبر أولى وهم يقولون على هذا أنه وإن كان لا يتأتى الحكم بالخبر ~~هذه المزية فإن لإثبات الحكم بالقياس مزية أخرى وهى استناده إلى أصل معلوم ~~بدليل قطعى # قالوا وكما أن العمل بخبر الواحد مستند إلى أصل معلوم وهو ما دل على وجوب ~~العمل بخبر الواحد فكذلك الحكم بالقياس مستند إلى ما دل على العمل بالقياس ~~وهو معلوم وكما أن العمل بالقياس مفتقر إلى الاجتهاد فى الإمارة فالحكم ~~بالخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد فى أحوال المخبرين فهما متساويان فى هذه ~~الجهة وهذا من أقوى ما يحتج به المخالف غير أن هذا الدليل موجب التعارض بين ~~خبر الواحد والقياس وأن يكون الأمر فى تقديم أحدهما على الآخر مردود إلى ~~القياس والمعتمد لنا هو الدليل من إجماع الصحابة والدليل لا بأس به على حسب ~~ما ذكرناه وأما قولهم إن السهو والغلط له مدخل فى الخبر جواز ذلك كجواز كون ~~الحكم غيره متعلق بالإمارة فى القياس وإن كان الأغلب صدق الراوى وتعلق ~~الحكم بالإمارة وأما قولهم إنه يخص عموم الكتاب بالقياس قلنا إذا خصصنا ~~العموم بالقياس لم نكن تاركين للعموم أصلا بالقياس وليس كذلك فى مسألتنا ~~لأنه يؤدى إلى ترك الخبر أصلا بالقياس وأما قولهم إن الخبر محتمل قابل ~~للتخصيص والقياس بخلاف ذلك قلنا الكلام فى خبر نص يرد ويخالفه القياس وفى ~~هذه الصورة لا احتمال واعلم أنه قد قال بعض الأصوليين ينبغى أن يضاف إلى ~~الاجتهاد إذا تعارض الخبر الواحد والقياس على ms311 الأصول المقطوع بها وهذا ليس ~~بصحيح لأنا بينا معتمدنا إجماع الصحابة وعلى أن الترجيح للخبر بالدليل ~~الثانى الذى قد بيناه ويمكن أن يقال أيضا إن دلالة الألفاظ لا تستنبط من ~~غيرها وأما القياس فهو مستنبط من الألفاظ وكانت أقوى فى الدلالة إلى هذا ~~الموضع انتهت هذه المسألة # وهى مع مالك بن أنس ومن تابعه إن ثبت وأما الكلام مع أصحاب أبى حنيفة ~~فإنهم قد زعموا أن الخبر PageV01P360 الواحد مفهوم على القياس وقد نص عليه ~~أبو حنيفة فى كتاب الصوم وغيره ولكنهم زعموا أن الخبر الواحد إذا خالف ~~الأصول لم تقبل وزعموا أن خبر القرعة وخبر المصراة خالف الأصول وكذلك خبر ~~الشاهد واليمين وزعموا أن خبر القهقهة وخبر الوضوء بنبيذ التمر خالف القياس ~~فإنا نقول نعوذ بالله من الطمع الكاذب وأى مخالفة للأصول فى هذه المسائل ~~التى قالوها وهل ورد أصل مقطوع به فى صورة مسألة القرعة أو صورة مسألة ~~المصراة أو صورة مسألة الشاهد واليمين بخلاف مواجب الأخبار الواردة فى هذه ~~المسائل وإنما غاية قولهم أن قياس هذه الحادثة على أمثالها يقتضى أن يكون ~~الحكم كذا وهو أن يكون الحكم على خلاف ما ورد به الخبر هل هذا إلا رد الخبر ~~بمحض القياس ونقول إن الحديث إذا ثبت صار أصلا فى نفسه إلا أنه ربما لا ~~يكون له من حديث المعنى يظهر فى سائر أصول الشرع وعدم النظير لا يبطل حكم ~~الشىء وإنما يبطله عدم الدليل وإنما صارت الأصول أصولا لقيام الدلالة على ~~صحتها وثبوتها فإذا ثبت الخبر صار أصلا مثل سائر الأصول فلو وجب تركه لسائر ~~الأصول لوجب ترك سائر الأصول به فإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر وعلى ~~أنهم قد استعملوا فى مذهبهم من هذا ما أنكروه من مذهبنا وهو قولهم الخبر فى ~~الوضوء بنبيذ التمر وفى إيجاب الوضوء بالقهقهة وأما الذى قالوا إن ذلك ~~الخبر مخالف للقياس فى هذا مخالف الأصول تمنى باطل لأن دعوى خلاف الأصول فى ~~المسائل التى ذكروها لا يصح إلا من حيث ms312 المعنى وهو محض القياس والعجب أنه ~~كيف صار القول واجبا بهذه الأخبار التى ذكروها أعنى فى القهقهة والوضوء ~~بنبيذ التمر وما أشبه ذلك مع ضعف أسانيدها وبطل القول بالأخبار الصحيحة فى ~~مسألة المصراة والشاهد واليمين والعرايا والقرعة وما أشبه ذلك فهل هذا لا ~~تحكم فى الدين واختيار قول غير أولى بأهل العلم وذوى العقول يدل على ما ~~بينا أن أصل الأصول وأقواها هو الكتاب وقد بين الله تعالى ما حرم من النساء ~~وعدده تعديدا ثم قال @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ فلم يمتنع علماء ~~السلف والخلف من قبول الخبر فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها ~~وإن كان الظاهر أنه مخالف الآية وقال تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير @QE@ ~~فقبلنا نحن الخبر وكذلك أهل العراق فى تحريم كل ذى ناب من السباع وكل ذى ~~مخلب من الطير وقبل عمر رضى الله عنه حديث حمل بن مالك بن النابغة فى ~~الجنين وقضى به وقال لو لم ينسخ هذا لقضينا فيه بغيره فقبل الحديث وإن كان ~~مخالفا PageV01P361 لما غفله من معانى الأصول وذلك المعنى فى الأصول هو أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أوجب فى النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن ~~يكون حيا فيكون جنينا من الإبل أو يكون ميتا فلا يكون فيه شىء إلا أنه لما ~~بلغه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه أصلا فى نفسه فقبله ولم ~~يضرب به سائر الأصول وقبل أيضا خبر الضحاك بن سفيان الكلابى فى توريث ~~المرأة من دية زوجها وقد كان يرى خلاف ذلك تمسكا بظاهر القرآن وذلك لأن ~~قوله تعالى @QB@ ولهن الربع مما تركتم @QE@ ظاهره يقتضى أنها إنما ترث ما ~~كان ملكه الزوج والزوج لم يملك الدية قط لأنها وجبت بموته وهذه دلائل بينة ~~على خلاف ما قالوه وقد ذكر أبو زيد فى أصوله أقسام الرواة الذين تقبل ~~روايتهم ويحكى على ما ذكروه ms313 وقد قال هم أربعة أقسام أما المشهورون فنحو ~~الخلفاء الراشدين والعبادلة وأما المجهولون فنحو معقل بن يسار وسلمة بن ~~المحنق ووابصة بن معبد وسائر الأعراب الذين لم يعرفوا إلا بما رووا ثم ~~المخبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح فإذا خالف نظر فإن كان ~~الراوى من أهل الفقه والرأى والاجتهاد رد القياس بخبره وإن لم يكن من أهل ~~الفقه والرأى رد خبره بالقياس أما الأول فلأن الخبر أولى فى الجملة من ~~القياس لأن الخبر فى الأصل حجة يقينا وإنما وقع الإسناد فى نقل الناقل ~~والرأى فى أصله إشكال فى حق الإصابة ولأن شبهة الرأى من حيث أنه لعلة لم ~~يبلغ حيث كان الحق وشبهة الراويه من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان فيكون ~~لا بحالة لعارض وكان دون الأول قال وقد اشتهر من الصحابة ترك الرأى بالجهر ~~وذكر بعض ما ذكرنا قال وأما الراوى الذى ليس من أهل الفقه فذكر أنه قد ثبت ~~ثبوتا ظاهرا الرد على أبى هريرة بالقياس وكان هو من المشهورين المعدلين إلا ~~أنه لم يكن فقيها # روى أبو هريرة الوضوء عما مسته النار فقال ابن عباس ألسنا نتوضأ بالحميم ~~فرد بالقياس ولم يشتغل بالسند وقال أبو هريرة وإن كان قال يا ابن أخ إذا ~~رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال فهو لا يكون فى مقابلة ابن عباس رضى ~~الله عنهم وقد كان عمر رضى الله عنه يستشير فى أحكام الحوادث وكان يقول له ~~غص يا غواص شنشذة أعرفها من أحزم وهذا مثل تمثل به العرب يشبه الولد بوالده # قال وروى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة # فقرأت عائشة @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وقالت عائشة رضى الله عنها ~~فيه ألا تعجبون من هذا وكثرة حديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم كان النبى ~~صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده عاد لأحصاه وقال إبراهيم PageV01P362 ~~النخعى كانوا يأخذون من حديث أبى هريرة ويدعون قال فدل ما قلناه أن العدل ~~ترد روايته بالقياس إذا ms314 لم يكن فقيها لأن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد ~~عدالته وكثرة صحته ومع ذلك رد حديثه بالقياس لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد ~~ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الحديث بالمعنى فلما ظهر ذلك منهم احتمل ~~كل حديث أن يكون الراوى نقل بما فقه من المعنى فإذا لم يكن فقيها صار متهما ~~بالغلط لما خالف لفظه معنى القياس الصحيح فالتحق برواية الصبى والمغفل فيرد ~~وأما إذا كان الراوى فقيها لم يتهم وعلم أنه ما نقل ما يخالف القياس إلا عن ~~معرفة صحيحة وهذا لأنه عالم بالرأى وطريقه فلا يظن به تركه إلا بنص محكم ~~قال ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة وحديث العرايا لأنه لم يروهما فقيه وإذا ~~ثبت ما قلنا فى رواية أبى هريرة فمن لم يبلغه فى المنزلة شهرة وصحة بما ~~قلنا إلا أن يكون حديثا عمل به السلف وقد كانوا أهل فقه وتقوى فيدل قبولهم ~~الخبر على علمهم بصحته من طريق آخر # قال وأما المجهول من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين فخبره حجة إن عمل به ~~السلف وكذلك إن سكتوا عن الرد وقد ظهر ذلك الخبر فيما بينهم وأما قبل ~~الظهور فيعمل به إن وافق القياس ولا يعمل به إن خالف القياس لأنه فى الرتبة ~~دون أبى هريرة بكثير وقال محتمل أن يقال إن خبر المشهور الذى ليس بفقيه حجة ~~ما لم يخالف القياس وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين ~~الذى ظهرت عدالته والذى لم تظهر ليكون رد العدل يعارض تهمة وقبول قول غير ~~العدل يعارض دليل وذكر قول عمر رضى الله عنه فى خبر فاطمة بنت قيس ذكرت ما ~~قاله فى هذا الفصل على اختصار وتركت بعض قوله وهذا الرجل قد بنى كلامه فى ~~هذا الفصل على التصرف فى الصحابة والإبهام ببعض الطعن على طائفة منهم ومن ~~بعضهم بعدم العدالة ووسم طائفة منهم بكونهم مجهولين وهذا الذى قاله جرأة ~~عظيمة ولا أدرى كيف وقع الأغضاء عنه والمدامجة فى حقه فى برار ms315 أهل السنة ~~وجميع الصحابة قد عدلهم الله تعالى فى آى كثيرة من كتابه فقال تعالى @QB@ ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه @QE@ والمراد من الذين اتبعوهم بإحسان من مسلمى الفتح ومن ~~أسلم من أهل البوادى والأعراب وقال تعالى @QB@ محمد رسول الله والذين معه ~~@QE@ الفتح 29 الآية وقال تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة @QE@ الفتح 18 الآية PageV01P363 # وكذلك وردت أخبار كثيرة فى فضل الصحابة وقال صلى الله عليه وسلم لا ~~تذكروا أصحابى إلا بخير فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما أدرك مد أحدهم ~~ولا نصيفه والروايات فى جنس هذا تكثر وأما أبو هريرة رضى الله عنه لقد كان ~~من المهاجرين من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضائله كثيرة ~~وحسب السامع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اللهم حبب عبدك ~~أبا هريرة إلى عبادك المؤمنين وقد كان دعا له بالحفظ واستجاب الله تعالى ~~فيه ذلك حتى انتشر فى العالم ذكره وحديثه وقال إسحاق الحنظلى ثبت عندنا فى ~~الأحكام ثلاثة ألف حديث روى أبو هريرة رضى الله عنه منها ألف وخمسمائة # وقال البخارى روى عنه سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وقد روى جماعة ~~من الصحابة رضى الله عنهم عنه وقد كان ابن عباس رضى الله عنه يأخذ الحديث ~~عنه وعن أمثاله لأنه كان صبيا فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وخبر الوضوء ~~مما مست النار # منسوخ وقول ابن عباس ما قاله كان من طريق بينه أنه منسوخ وأما عائشة رضى ~~الله عنها فإنها كانت تنكر عليه سرده الحديث سردا وما كانت تتهمه بالكذب ~~ومعاذ الله أن يظن ذلك بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان ~~الزبير وجماعة ينكرون كثرة الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم مخافة ~~السهو والغلط وقد ورد أن عمر رضى الله عنه حبس ابن مسعود وجماعة لكثرتهم ~~الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم وقيل ms316 إنه طعن وتوفى وهم فى حبسه ثم ~~أطلقوا وقولهم إن أبا هريرة رضى الله عنه لم يكن فقيها قلنا لا بل كان ~~فقيها ولم يعدم شيئا من آلات الاجتهاد وقد كان يفتى فى زمان الصحابة رضى ~~الله عنهم وما كان يفتى فى ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد وعلى أنه إن لم يكن ~~من المعروفين بالفقه فقد كان معروفا بالضبط والحفظ والتقوى ولم يقل أحد من ~~الأئمة إن الفقه فى الراوى شرطا PageV01P364 لقبول روايته # ببينة أنه لما لم يشترط فى الشهادة مع أن الاحتياط فيها أكثر والاستقصاء ~~فيها أشد فكيف يعتبر فى الرواية وقد جرى فيها من المساهلة ما لم يجر فى ~~الشهادة # وقولهم إنهم كانوا ينقلون بالمعنى قلنا وكيف يخفى معنى الحديث على مثل ~~أبى هريرة ودونه وقد كانت الأخبار جاءت بلسانهم التى عرفوها وعرفوا عليها ~~فعله باللسان يمنع من اشتباه المعنى وعدالته وتقواه دافع لتهمة المزيد ~~والنقصان عليه وإن قال يجوز أن يغلط فهذا أمر مثله موجود فى الفقيه وغير ~~الفقيه وموجود فى الشهادات ومع ذلك لم يلتفت إليه فدل ما ذكرناه أن ما قاله ~~هذا الرجل باطل # وعندى أن من قال إن خبر الواحد على الجملة لا يقدم على القياس أعذر ممن ~~قال مثل هذه المقالة التى مرجعها إلى التصرف فى الصحابة وتطريق الناس للطعن ~~عليهم والغمز فيهم ونسأل الله تعالى العصمة من مثل هذه المقالة الوحشة ~~والعجب أنه يذكر فى أبى هريرة رضى الله عنه ما يذكر وقد نص صاحبهم أنه ترك ~~القياس فيما إذا أفطر ناسيا وراوى ذلك الخبر أبو هريرة رضى الله عنه فقد ~~خالف صاحبه والذى يعتنى كل هذا الاعتناء للذب عن مذهبه وأما حديث عمر رضى ~~الله عنه فى فاطمة بنت قيس فالمراد بذلك فى السكنى وقد ذكرنا فى الخلافيات ~~الفروع والله أعلم # مسألة لا يجب عرض الخبر على الكتاب ولا حاجة بالمخبر إلى إجازة الكتاب # وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يجب عرضه على الكتاب فإن لم يكن ~~فى الكتاب ms317 ما يدل على خلافه قبل وإلا فيرد وذهب إلى هذا كثير من المتكلمين # وقال أبو زيد فى أصوله خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة العرض على كتاب ~~الله ورواجه بموافقته وزيافته بمخالفة ثم على السنة الثابتة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهى السنة التى ثبتت بطريق الاستفاضة ثم العرض على ~~الحادثة فإن كانت الحادثة مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذا كان ذلك ~~زيافة فيه وكذلك إن كان حكم الحادثة بما اختلفت بين السلف اختلافا ظاهرا ~~ولم ينقل عنهم المحاججة بالحديث كان عدم الحجاج زيافة فيه # وقال أما الأول فكما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال كل شرط ليس فى ~~كتاب الله فهو باطل وإن كان PageV01P365 مائة شرط أى كان حكمه بخلاف ما فى ~~كتاب الله عز و جل # وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه ~~على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه وإن كتاب الله تعالى ~~ثابت بيننا وغير الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة وكان رد ما فيه شبهة باليقين ~~أولى من رد اليقين به # قال وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله ~~على المجاز وهذا لأن العام عندنا بوجوب العلم بعمومه يقينا كالخاص ولأن متن ~~العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينا ومتن خبر الواحد فيه شبهة قال وإن كان ~~معنى المتن لا شبهة فيه يعنى به الخبر لواحد وفى متن الكتاب شبهة لاحتماله ~~الخصوص وكان متن الكتاب بقوة بثبوته أولى من ترجيح غير الواحد بقوة ثبوته ~~لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولى ثم إذا استويا ~~فى جهة المعنى وجه قولهم فى هذا أن خبر الواحد يقتضى الظن وعموم الكتاب ~~يقتضى القطع ولا يجوز العدول عما يقتضى القطع إلى ما يقتضى الظن واستدلوا ~~أيضا بالنسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد كذلك تخصيصه أيضا لا يجوز ~~لأن كل واحد منهما عدول إلى ms318 مظنون غير معلوم وكذلك السنة الثابتة بالتواتر ~~والاستفاضة أو الإجماع لأن هذه الأشياء فى إفادة العلم بمنزلة الكتاب # قال أبو زيد ففى هذا الانتقال علم كثير وصيانة للدين بليغة فأكثر الأهواء ~~والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد وقبوله اعتقادا أو عملا بلا عرض له ~~على الكتاب والسنة الثابتة ثم تأويل الكتاب لموافقة خبر الواحد وجعل ~~المتبوع تبعا وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا فيصير الأساس علما ~~بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل ~~خبر الواحد لأن هذا الرجل إنما رد خبر الواحد بشبهة الكذب وتمسك بقياس أو ~~استصحاب حال وأما هذا الآخر جعل خبر الواحد أصلا وعرض كتاب الله عليه وبنى ~~دينه على ما لا علم به يقينا فكان القول الوسط العدل أن يجعل كتاب الله ~~تعالى أصلا فهو الثابت يقينا وخبر الواحد مرتبا عليه يعمل به على ~~PageV01P366 موافقته ويرد إذا خالفه ثم القياس بعده مرتبا عليه يعمل به على ~~موافقته ويصار إليه إذا لم يوجد فى الكتاب والسنة وذلك الحكم الثابت ~~بالقياس على خلافه فأما إذا وجد فى الكتاب والسنة على خلافه فيرد وضرب ~~أمثلة لهذا الذى ادعاه منها القضاء بشاهد ويمين # ومنها مسألة الرطب بالتمر فإن الخبر فى الأول ورد مخالفا لكتاب الله ~~تعالى والخبر الثانى ورد مخالفا للسنة المتواترة وهو قوله عليه السلام ~~التمر بالتمر مثلا بمثل والفضل ربا وذكر فى المسألة الأولى كلامهم المعروف ~~فى مسألة الشاهد واليمين وذكر فى مسألة بيع الرطب بالتمر حرفا زائدا وقال ~~قوله مثلا بمثل للإباحة وقوله والفضل ربا إشارة إلى فضل معتاد المماثلة ~~المذكورة لا محالة وعليه الإجماع وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلا لتوهم ~~حدوثه بمعنى طارىء وهو الجفاف وهذا الفضل لا يعتاد المماثلة المبيحة فى ~~الأمثل لأن المماثلة المبيحة فى الأصل هى المماثلة عند العقد وهذا الحديث ~~يقتضى تحريم البيع مع قيام المماثلة فيكون التحريم مع المماثلة خلافا للخبر ~~ولأنه يقتضى ضم مماثلة أخرى إلى المماثلة ms319 التى اقتضاها الخبر الأول فيكون ~~إثبات زيادة مماثلة فيقتضى النسخ وذكر خبر فاطمة بنت قيس وقول عمر رضى الله ~~عنه فى ذلك وذكر فى الحادثة التى يعم بها البلوى ما ذكرنا من قبل قال ولهذا ~~لا يقبل قول الواحد فى رؤية هلال رمضان إذا كانت السماء مصحية لأن الناس ~~لما شاركوه فى النظر والمنظر والأعين كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجا عن ~~العادة فأوجب تهمة فى خبره كذلك فى الحادثة التى يعم بها البلوى فقد دفعت ~~الحاجة إلى معرفة حكمها وما كانوا يعملون بالرأى مع النص وكانت عنايتهم فى ~~طلب الحجة أشد من عنايتنا فلو كان النص ثابتا لاشتهر لديهم مثل اشتهار ~~الحادثة وحكمها فلما لم يشتهر أوجب تفرد الواحد بالرؤية تهمة وذكر على هذا ~~الوضوء من مس الذكر ومن حمل الجنازة وخبر الوضوء مما مست النار قال وكذلك ~~الحادثة التى ظهر فيها الخلاف بين السلف ولم تجر المحاجة بالخبر فيدل ~~إعراضهم عن المحاجة بالخبر باطل على عدم ثبوته فإنه لو كان ثابتا مما يحل ~~الإعراض فى المحاجة به ولو وقعت المحاجة به لظهر ولنقل الرجوع عن المخالفة ~~إليه مما هو عادة المتدينين فلما لم يظهر المحاجة بالخبر دل أن الخبر غير ~~ثابت وبيان هذا فى اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى زكاة مال الصبى ورواية ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال PageV01P367 ~~ابتغوا فى أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة فإنه لم يرو عنهم المحاجة بهذا ~~الخبر دل أنه غير ثابت وكذلك اختلاف الصحابة فى عدد الطلاق أنها بالرجال أو ~~بالنساء ورويتم أنه عليه السلام قال الطلاق بالرجال ولم يجزم بحاجة فثبت ~~أنه مخترع موضوع هذا آخر ما ذكره أبو زيد وسمى هذا الباب باب الانتقاد ~~للخبر الواحد أما الدليل على صحة ما ذكرنا من أن الخبر إذا ثبت لا يجب عرضه ~~على الكتاب لقبوله وكان تخصيص عموم الكتاب به جائز نقول قد قال الله تعالى ~~@QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ms320 يوحى @QE@ النجم 3 4 فأخبر الله ~~تعالى أن مصدر الخبر عن الوحى كما أن مصدر الكتاب عن الوحى وقال تعالى @QB@ ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ الحشر 7 وقال سبحانه ~~وتعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ النساء 59 فأمر باتباع سنن ~~الرسول كما أمر باتباع آى كتاب وإذا كان كذلك وجب قبول ما ثبت عنه ولم يجز ~~التوقف عنه إلى أن يعرض على الكتاب وهذا لأنه حجة فى نفسه فلا يجب عرضه على ~~حجة أخرى حتى يوافقها أو يخالفها وقد قال الشافعى رحمه الله لا يجب عرضه ~~على الكتاب لأنه لا يتكامل شرائطه إلا وهو غير مخالف للكتاب فإن قالوا فما ~~قولكم إذا خالف قلنا أنتم تتوهمون أنه مخالف ولا مخالفة وقد ضربتم أمثلة فى ~~تلك المسائل لا مخالفة بين الكتاب والسنة وقد أجبنا عما قالوه فى مسائل ~~الخلافيات للفروع وخبر القضاء بالشاهد واليمين لا يمسه الكتاب ولا هو يمس ~~الكتاب وكل واحد منهما فى شىء آخر دون صاحبه وكذلك خبر سعد بن أبى وقاص فى ~~بيع الرطب بالتمر لا يخالف الخبر المشهور الوارد فى الربا لأن هذا الخبر ~~الخاص يدل على اعتبار المماثلة فى هذا الموضع الخاص حاله الجفاف أعدل ~~الحالين وإذا بينا المماثلة على حالة الجفاف بين عدم المماثلة عند العقد ~~وقد قررنا ما فى كتاب الاصطلام ذلك وأما الخبر الذى يروون من الأمر بعرض ~~السنة على الكتاب فهو خبر رواه يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان ويزيد ~~بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبى الأشعث وإنما يروى أبى الأشعث عن ~~أبى أسماء الرحبى عن ثوبان فالحديث منقطع وفيه رجل مجهول وحكى الساجى عن ~~يحيى PageV01P368 ابن معين أنه قال هذا حديث باطل وضعته الزنادقة ويحيى بن ~~معين أبو زكريا هو علم هذه الأمة فى علم الحديث وتركته الرواة وهو الطود ~~المنيع وهو الذى كان ينفى الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين توفى ~~بالمدينة وحمل على نعش النبى صلى الله عليه ms321 وسلم وكان رجل يمشى قدام ~~الجنازة ويقول هذا الذى ينفى الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحفظ ~~سنته وأخباره والعجب من هذا الرجل أنه جعل هذا الباب باب نقد الأحاديث ومتى ~~سلم له ولأمثاله بنقد الأحاديث وإنما نقد الحديث لا يعرف الرجال وأحوال ~~الرواة ووقفت على كل واحد منهم حتى لا يشذ عنه شىء من أحواله التى يحتاج ~~إليها ويعرف زمانه وتاريخ حياته ووفاته ومن روى هو عنه ومن صحب من الشيوخ ~~وأدركهم ثم يعرف تقواه وتورعه فى نفسه وضبطه لما يرويه ويقظة رواياته وهذه ~~صنعة كبيرة وفن عظيم من العلم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لا تنازعوا ~~الأمر أهله وهذا الرجل أعنى الدبوسى وإن كان قد أعطى حظا من الغوص فى معانى ~~الفقه على طريقة اختارها لنفسه ولكن لم يكن من رجال صنعة الحديث ونقد ~~الرجال وإنما كان غاية أمره الجدال والظفر بطرق من معانى الفقه لو صحت ~~أصوله التى يبنى عليها مذهبه ولكن لم يحتمل الأساس الضعيف من البناء عليه ~~لا جرم لم ينفعه ما أعطى من الذكاء والفهم إلا فى مواضع يسيرة أصاب فيها ~~الحق وأما فى أكثر كلامه وغايته تراه يبنى على قواعد ضعيفة ويستخرج بفضل ~~فطنته معانى لا توافق الأصول ولم يوافقه عليها أحد من سلف أهل العلم ثم ~~يحمل عجبه برأيه على خوضه فى كل شىء فتراه دخالا فى كل من هجوما على كل علم ~~وإن كان لا يحسنه فيهجم ويعتز ولا يشعر أنه يعثر # وقد اتفق أهل الحديث أن نقد الأحاديث مقصور على قدم مخصوصين فما قبلوه ~~فهو المقبول وما ردوه فهو المردود وهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانى ~~وأبو زكريا يحيى بن معين البغدادى وأبو الحسن على بن عبد الله المدينى وأبو ~~يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلى وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى ~~وأبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازى وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ~~القشيرى وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلى وأبو داود ms322 سليمان بن الأشعث ~~السجستنانى وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى ومثل هذه الطبقة يحيى ~~بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى والثورى وابن المبارك وشعبة ووكيع ~~وجماعة يكثر عددهم وذكرهم علماء الأمة فهؤلاء وأشباههم أهل PageV01P369 نقد ~~الأحاديث وصيارفة الرجال وهم المرجوع إليهم فى هذا الفن وإليهم انتهت رئاسة ~~العلم فى هذا النوع فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه وقدر بضاعته من العلم ~~فيطلب الربح على قدره وإنما جرينا الكلام إلى هذا لأنه كان قد ذكر فى كلامه ~~أن فى هذا النقد علما كثيرا وصيانة للدين عن الأهواء والبدع واعلم أن الخطة ~~الفاصلة بيننا وبين كل مخالف أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة ونستخرج ~~ما نستخرج منهما ونبنى ما سواهما عليهما ولا نرى لأنفسنا التسلط على أصول ~~الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا بل نطلب المعانى ~~فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة أخذنا بذلك وحمدنا الله ~~تعالى على ذلك وإن زاغ بنا زائغ ضعفنا عن سواء صراط السنة ورأينا أنفسنا قد ~~ركبت البنيان وبركت الجدد اتهمنا آراءنا فرجعنا بالآية على نفوسنا واعترفنا ~~بالعجز وأمسكنا عنان العقل لئلا يتورط بنا فى المهالك والمهاوى ولا يعرضنا ~~للمعاطب والمتالف وسلمنا الكتاب والسنة عليها وأعطينا المقادة وطلبنا ~~السلامة وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم # وأما مخالفونا فجعلوا قاعدة مذاهبهم المعقولات والآراء وبنوا الكتاب ~~والسنة وطلبوا التأويلات المستكرهة وركبوا كل صعب وذلول وسلكوا كل وعر وسهل ~~وأطلقوا أعنة عقولهم كل الإطلاق فهجمت بهم كل مهجم وعثرت بهم كل عناء ثم ~~إذا لم يجدوا وجها للتأويل طلبوا رد السنة بكل حيلة يحتالونها ومكيدة ~~يكيدونها ليستقيم وجهة رأيهم ووجهة معقولهم فقسموا الأقسام ونوعوا الأنواع ~~وعرضوا الأحاديث عليها فما لم يوافقها ردوها وأساءوا الظن بنقلتها ورموهم ~~بما نزههم الله تعالى عنه وهذا الذى نحن فيه وهو التوقف عن قبوله السنة إلى ~~أن يعرض الكتاب والأصول أحد تلك الأقسام على ما قاله هذا الرجل ولسنا نخصه ~~بهذه ms323 الآية بل هو متبع فى هذا الأمر ناسج على منوال ثابت قبله سالك سبيلا ~~وطيت له ولأمثاله فإن عيسى بن أبان البصرى هو المخترع لهذا ولذلك نقل عنه ~~التصرف فى الرواة من الصحابة رضى الله عنهم فإنه قال إن كان الراوى متساهلا ~~فى الرواية لم يقدم خبره على القياس مثل أبى هريرة وذويه وقد باء ذلك الرجل ~~بوبال نصب هذه الأخبار وخبر هذه المهواة وبسط هذه الشبكة وطرح هذا الشوك فى ~~طريق الإسلام وهذا إن كان فيه ما فيه لكن العلة فى أمر الفروع أسهل والشرع ~~فيه أصح وإنما الشأن فيما يرجع إلى العقائد فى أصول التوحيد وصفات البارى ~~عز اسمه وأمر القضاء والقدر وعند ذلك يأتى ما يضم السمع والعمى والبصر ولكل ~~PageV01P370 مرتبة وعن كل مسألة والله تعالى أعدل وهو أحكم من أن يعلم ~~ضعفنا وقصور رأينا وقلة أفهامنا ثم تخلينا وعقولنا أو يجعل ذلك أصل دينه ~~وقاعدة سبيله ونسأل الله تعالى العصمة فهو المستعان ومنه التأييد والتوفيق ~~بمنه رجعنا إلى ما كنا فيه # أما الخبر الذى رووه من الأمر بعرض السنة على الكتاب فقد ذكرنا الكلام ~~عليه وأما الذى ذكروه من قوله صلى الله عليه وسلم كل شرط ليس فى كتاب الله ~~تعالى فهو باطل وإن كان مائة شرط فالمراد من كتاب الله هو حكم الله تعالى ~~وتقدس وعندنا كل شرط لم يحكم الله تعالى بصحته فى كتاب أو سنة فهو باطل # وقولهم إن الكتاب يقين والسنة فيها شبهة # قلنا الخبر فى العمل يقين أيضا وقد بينا فى كتاب الانتصار أن عرض القوم ~~ليس هو عرض السنة على الأصول فإنا بحمد الله تعالى لم نجد خبرا صحيحا يخالف ~~الكتاب بل الكتاب والسنة متوافقان متعاضدان وإن عرض سؤال سائل فى كتاب أو ~~خبر فقد أجاب عنه علماء السنة وقد ذكر ذلك الشىء فى كتاب مختلف الحديث ~~وأجاب عنه وذكر غيره أيضا ولكن غرض القوم ومرماهم رد السنة وطى الأحاديث ~~جملة وقد قال أبو حنيفة ما جاءنا عن الله تعالى ms324 وعن رسوله فعلى الرأس ~~والعين وهذا قول ثابت عنه وهذا لفظ منصف معترف للانقياد للكتاب والسنة وهو ~~ينفى ما زعموه من التوقف إلى أن يعرض على الكتاب وقد روى ابن عيينة عن سالم ~~أبى النضر عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكة يأتيه الأمر مما أمرت به أو ~~نهيت عنه فيقول لا ندرى ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه فبين صلى الله عليه ~~وسلم أن الترفه والنعمة وترك طلب العلم مجملة على هذا المقال فإن الاتكاء ~~على الأريكة شأن المترفين والمنعمين وقد قال الله تعالى فى صفة أهل النار ~~@QB@ إنهم كانوا قبل ذلك مترفين @QE@ الواقعة 45 وأما مسألة ورود الخبر ~~فيما يعم به البلوى وقد ذكرنا من قبل فلا يفيد وقد بينا وجود المناقضة فى ~~ذلك ودللنا على فساد ما قالوه بما فيه الغنية وأما ترك احتجاج الصحابة ~~بالخبر فليس فيه دليل على ما قالوه لأنه يحتمل أن يكون ذلك لعدم بلوغ الخبر ~~أياهم وعلى أن غرضه من ذلك الخبر الذى ذكرناه فى مسألة زكاة الصبى وليس ~~الخبر بذلك الأحكام الذى يقتنع وأما الذى نسب إلينا من روايتنا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم PageV01P371 الطلاق بالرجال والعدة بالنساء فنحن ~~لا نثبت هذا الخبر وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة فهو جائز عندنا لإجماع ~~الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين @QE@ النساء 11 بقوله عليه السلام إنا معاشر الأنبياء لا نورث وما ~~روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لا يرث قاتل أو لفظ هذا معناه # فإن قالوا إن فاطمة رضى الله عنها قد طلبت الميراث ولم تقبل هذا التخصيص # قلنا إنما طلبت التحلى لا الميراث وخصوا قوله تعالى @QB@ ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم @QE@ النساء 12 وقوله @QB@ ولهن الربع مما تركتم @QE@ النساء 12 ~~بقوله عليه السلام لا يتوارث أهل ملتين حتى قالوا لا يرث الزوج من المرأة ~~النصرانية ms325 ولا المرأة النصرانية من زوجها وخصوا قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم @QE@ النساء 24 بما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها # وخصوا أيضا قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ البقرة 275 ~~بخبر أبى سعيد فى منع بيع الدرهم بالدرهمين وخصوا أيضا قوله تعالى @QB@ ~~فاقتلوا المشركين @QE@ بخبر عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فى المجوس سنوا ~~بهم سنة أهل الكتاب والمجوس مشركون وقد خصوا وأمثال هذا تكثر # فإن قالوا أليس أن عمر رضى الله عنه قال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ~~بقول امرأة # قلنا يجوز أن يكون معناه لا ندع كتاب ربنا نسخا وهذا لأنه لا يقال لما خص ~~من القرآن إنه ترك القرآن إنما يقال لمن ادعى النسخ وهذا لأن التخصيص مجراه ~~فى الآية العامة والخبر العام مجرى البيان على ما سبق ذكره وخرج النسخ على ~~هذه الآية تغير الحكم ورفعه PageV01P372 # وأما قولهم إن خبر الواحد يفيد الظن والكتاب يقتضى القطع # قلنا نحن نعمل بخبر الواحد بطريق قطعى مفيد الحكم فهو مثل دليل الكتاب فى ~~العمل قالوا أليس إنا نعلم قطعا ويقينا أن الله تعالى قال وحكم بما يتضمنه ~~الكتاب وفى خبر الواحد نظر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ولا نعلمه ~~والجواب إما نظن أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الذى قال فى خبر الواحد ~~وقام لنا الدليل القطعى على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك وكل هذا علم ~~لأنا نعلم أنه غلب على ظننا صدق الراوى ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل ~~فما ظنناه فثبت مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم ~~الكتاب # فإن قالوا بما رجحتم حكم الخبر الواحد على ما يقتضيه الكتاب من العموم # قلنا بإجماع الصحابة على ما سبق وهو المعتمد والله أعلم # واعلم أنه إذا ثبت الخبر فخلاف الصحابى إياه لا يوجب رده وترك العمل به ~~لأن الخبر حجة على كافة الأمة ms326 والصحابى محجوج به كغيره قال الله تعالى @QB@ ~~وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم @QE@ الأحزاب 36 وقال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا @QE@ الحشر 7 وهذا وارد من غير تخصيص لبعض الأمة دون البعض وقد ~~روينا عن الصحابة أنهم تركوا اجتهادهم وما صاروا إليه بقول الصحابة وأما ~~بغير الصحابى أولى هذا إذا احتمل الخبر وجهين مثل ما فعله عمر رضى الله عنه ~~فى خبر المتبايعين وأما تخصيص الصحابى فلا نقبله ما لم يقم الدليل على ~~التخصيص وهو مثل قول ابن عباس فى المرتدة وقد سبق بيان هذا والله أعلم # فصل ونذكر الآن ما يقبل فيه خبر الواحد # فنقول كل ما يقبله بالعمل يقبل فيه خبر الواحد فنقول كان عبادة مبتدأة أو ~~ركنا من أركانها أو خبر أو ابتداء نصاب أو تقدير نصاب وقاله بعض أصحاب أبى ~~حنيفة لا يقبل فيما ينتفى الشبهة حكاه أبو بكر الرازى عن أبى الحسن الكرخى ~~وقال أبو عبد الله البصرى فعل هذا لا يقبل فى الحدود وقال هو لا يقبل فى ~~إسقاط الحدود ولذلك PageV01P373 قالوا فى ابتداء النصب وفى أركان الصلوات ~~وفرقوا بين ابتداء النصب وبين توانى النصب فقبلوا الخبر الواحد فى النصاب ~~الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ولم يقبلوا فى ابتداء نصاب الفصلان ~~والعجاجيل لأنه أصل واستدل من قال إنه لا يقبل خبر الواحد فى الحدود لأن ~~الحدود موضوعها فى الأصل على أن الشبهة تسقطها وخبر الواحد يفيد الظن ولا ~~يفيد العلم فلا يجوز إيجاب الحد به لأن أقل أحوال الخبر الواحد يحصل معه ~~شبهة انتفاء العلم به وإيجاب الحدود مع الشبهة لا يجوز وليس كالشهادة حيث ~~ثبتت بها الحدود ولأن كانت تفيد الظن ولا تفيد العلم لأن الحكم بالشهادة ~~ثابت من طريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت وهو ~~الإجماع ونص القرآن وأما الحكم الذى يرد به خبر الواحد لم يثبت بطريق يوجب ~~العلم فإن ms327 قلتم ثبت بطريق يوجب العلم وهو إجماع الصحابة فليس كما ظننتموه ~~لأن إجماعهم إنما ابتناه باستدلال يوجب علمية الظن ليس أنه وجد منهم صريح ~~الإجماع على ذلك حتى يكون موجبا للعلم وأما الشهادة فإن حكمها ثابت بالنص ~~الصريح من الكتاب فى إجماع الأمة وهما دليلان موجبان للعلم وأما دليلنا وهو ~~قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وقد روى ذلك نصا عن أبى يوسف واختاره أبو ~~بكر الرازى ووجه ذلك أن الدلائل التى دلت على قبول خبر الواحد لم تخص موضعا ~~دون موضع فنقول الحدود شرع عملى من الشرائع فجاز إثباته بخبر الواحد دليله ~~سائر الشرائع ولا وجه للفصل بين الحدود والنصب وغيرهما وقولهم إن الحدود ~~تنتفي بالشبهة قلنا هذا لا يمنع من قبول خبر الواحد كما لا يمنع من قبول ~~الشهادة # وأما عذرهم عن الشهادة فليس بشىء لأن الشبهة إنما جاءت عندهم من عدم ثبوت ~~العلم بخبر الواحد وهذا المعنى موجود فى الشهادة وقولهم إن العمل بالشهادة ~~وجب بدليل موجب للعلم قلنا وكذلك الخبر الواحد وقد سبق بيان ذلك وقولهم إنه ~~لم ينقل عن الصحابة صريح الإجماع قلنا اتفاقهم على ذلك فعلا صريح أو أعلى ~~منه وقول من قال أن وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن بدليل مفيد للعلم قول ~~مخالف لقول عامة الأصوليين بل لا ندرى أنه قال به أحد منهم ثم نقول لهم قد ~~قبلتم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض فى الحدود فلا إجماع فى قبول شهادة ~~أهل الذمة فإن قالوا قد أجمعوا أن النبى صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين ~~بشهادة اليهود وفعله صلى الله عليه وسلم موجب للعلم قلنا ومن قال إن انعقد ~~الإجماع على ذلك والمعروف أنهما اعترفا بالزنا فرجمهما وإنما روى أن اليهود ~~شهدوا بطريق شاذ فسقط ما PageV01P374 قالوه جملة وثبت ما قلناه ويقال لهم ~~ما قولكم فى القصاص هل ثبت بخبر الواحد فإن قالوا لا فمحال لأنه حق من حقوق ~~الآدميين فثبت كسائر حقوقهم # ببينة أن القياس حجة فيه فخبر الوالد أولى ms328 وقد استدلوا بخبر مرسل فى قتل ~~المسلم بالذمى واستدلوا فى أن عمر قتل الجماعة بالواحد وهو دون الخبر ~~الواحد وإن قالوا يقبل فقد قبلوا خبر الواحد فيما يسقط بالشبهات وأى فرق ~~بين القصاص والحدود والشبهة مؤثرة فى الكل فثبت أن قول من قال إن الخبر ~~الواحد لا يقبل فى الحدود قول مردود وليس عليه دليل والعجب أنهم قالوا لا ~~يقبل أيضا فى ابتداء النصب ويقبل فى توانى النصب وهذا تفريق مستعجب وإذا ~~قبل فى أحدهما فلا بد أن يقبل فى الآخر لأنه لا يظهر بينهما فرق والله أعلم ~~وعلى ما ذكرنا يقبل عندنا خبر الواحد فى المعاملات والسنن والديانات وهذا ~~قد بيناه من قبل # ويقبل خبر الواحد فى رؤية هلال رمضان ولا يعتبر شهادة جماعة يقع العلم ~~بقولهم سواء كانت السماء مضحية أو متغيمة وعلى مذهب أبى حنيفة إن كانت ~~السماء مضحية لا يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بقولهم واستدلوا بما ذكرنا ~~لهم فى المسألة الأولى وأما عندنا فيقبل لما بينا أنه شرع عملى من الشرائع ~~فيقبل فيه خبر الواحد دليله غيره من الشرائع العملية وفى المذهب اختلاف ~~القول أنه يقبل شهادة الواحد ويعتبر شهادة الاثنين ولا حاجة إلى إبراز ذلك ~~فى هذا الموضع وأما الذين يقولون إن الناس لما ساووا هذا الواحد فى النظر ~~والمنظر والعين دل تفرده أنه كاذب قلنا مع هذا يجوز أن يكون تفرد الواحد ~~بروايته لحدة بصره أو علم منه موضع الهلال ولم يعلمه غيره أو زيادة قلت ~~وحدة منه فى النظر إلى أن يراه والباقون قد تفرقوا حين بم يروه لدقته أو ~~خفاء موضعه وإذا جاء واحد من هذه الوجوه فلا يرد خبره ولا يلحق هذا الواحد ~~من العمليات بالعلمى ولا يقطعه عن إخوانه وأضرابه واعلم أن ما يرويه الراوى ~~إذا تضمن إضافة شرع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فحكمه ما بيناه وأما إذا ~~لم يتضمنه إضافة شرع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فإن كان مما يجرى مجراه ~~مثل إضافة الفتوى ms329 إلى المفتى فيقبل خبر الواحد فيه أيضا وأما إن أخبر بحكم ~~الحاكم فإنه لا يقبل إلا بما يقبل بسائر الشهادات وأما الأخبار التى تحتاج ~~إليها الناس فى مصالحهم فيقبل فيها خبر الواحد وقد ذكرنا صورها من قبل وقد ~~ألحق بعض PageV01P375 الأفعال بالأقوال فى ابتناء الشرع عليه وذلك مثل وضع ~~الماء فى الطريق على بعض الوجوه يبيح شربه مثل الخبر بذلك وكذلك وضع الدرهم ~~فى يد المسكين يبيح له أخذه وعلى هذا أمثال هذا فى الأمور المتعارفة ومن ~~ذلك بسط المائدة بين يدى الجماعة ووضع الطعام وتقديمه يبيح لهم أكله وليس ~~أمثال هذا على سنن القياس ولكن بحكم العادات الجارية أجريت الأفعال فى هذا ~~مجرى الأقوال وعلى هذا التعاطى الجارى بين الناس فى المعاملات من غير قول ~~يوجد من الجانبين لا يحكم بحرمتها ونقول يقع بها الملك ونقول تمليك وملك ~~فعلى وقع على التراضى ولا نقول إنه عقد بيع أو عقد إجارة على ما يقوله ~~أصحاب أبى حنيفة وإنما فعلنا ذلك لأن ذلك متعارف من قديم الدهر إلى حديثه ~~ولم ينقل فى ذلك إنكار من أحد ما ولأن فى تحريم ذلك حرجا عظيما على الناس ~~فجرى معدولا من سنن القياس # مسألة الأخبار على نوعين مسانيد ومراسيل # فالمسانيد حجة مقبولة # واختلفوا فى المراسيل وهى ما رواه التابعى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هل هى حجة أم لا فذهب الشافعى رحمه الله إلى المرسل بنفسه لا يكون حجة وقد ~~ينضم إليه ما يكون حجة معه على ما سنبينه وعند مالك وأبى حنيفة هو حجة ~~ويقال إنه مذهب أحمد بن حنبل أيضا وقد ذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب ~~إليه أبو على وأبو هاشم وجملة مذهب هؤلاء من يقبل سنده يقبل مرسله وقال ~~عيسى بن أبان فمراسيل التابعى وتابع التابعى مقبول ولا يقبل مرسل من دونه # واحتج هؤلاء PageV01P376 الطائفة بأشياء منها وهو أقوى دلائلهم وهو إرسال ~~المرسل العدل الحديث يجرى مجرى ذكره من المرسل عنه وقوله هو عدل عندى ولو ~~ذكر كذلك ms330 يقبل حديثه كذلك إذا أرسل والدليل على هذا أن العدل لا يستجيز أن ~~يخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئا إلا وله الإخبار عنه لأن عدالته ~~مانعته عن إقدامه إلا على ما يجوز له الإقدام عليه ولا يجوز له الإخبار ~~بذلك إلا بعد أن يخبره عدل عنه حتى إن لم يكن حقيقة أنه قال يكون قد غلب ~~على ظنه أنه قاله # ببينة أن روايته قد أفهمت إيجاب عبادة على الناس وطرح عبادة عنهم فلا ~~يجوز أن يقدم عليه من غير علم أو غلبة ظن فثبت أن روايته مرسلا جرت مجرى ما ~~ذكرنا ولو ذكر من روى عنه وقال هو ثقة عندى لزم قبول خبره كذلك هاهنا قالوا ~~وليس ذكر سبب عدالته بشرط وهذا متفق عليه بيننا وبينكم وإنما الخلاف فى ~~الجرح فذكر أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب عليه أن يذكر سبب الجرح أيضا وذهب ~~الشافعى رحمة الله عليه أنه لا يصير مجروحا حتى يذكر سبب الجرح واستدلوا ~~على دعوتهم أن ذكر سبب العدالة ليس بشرط أن أصحاب الرواية وأئمة الحديث ~~يزكون الرجل من غير أن يذكروا سبب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون عدلا إذا ~~اجتنب الكبائر ولم يحل بالواجبات فلو PageV01P377 وجب ذكر أعيان ذلك لوجب ~~ذكر أعيان ذلك فى الزمان الطويل مخافة أن يكون منها ما لا يسلم معه عدالة ~~الإنسان وهذا متعزز قطعا قالوا وإن لزمتم على هذا الشهادة فنقول قضية إطلاق ~~الشهادة على هذا أيضا لكن الدلالة منعت من قبول الشهادة على الشهادة حتى ~~يسمى شهود الأصل وليس يجب إذا منعت الدلالة من ذلك فى الشهادة ما يجب أن ~~يمنع قبل ذلك فى الرواية ألا ترى أنه قد دلت الدلالة أن من شرط الحكم ~~بشهادة الشهود الفرع أن يحملهم شهود الأصل الشهادة ولم يجب أن يعتبر مثل ~~ذلك فى الرواية # ببينة أنه ما وجب فى الشهادة ذكر شاهد الأصل لم يجب أن يشهد على وجه يجوز ~~ألا يكون سمعه منه وهو أن يقول عن فلان وأما ms331 هاهنا فتجوز الرواية مع جواز ~~كونها مرسلا وهو إذا قال الراوى عن فلان ويجوز فى هذا أن يكون سمع منه ~~ويجوز أن يكون سمع من غيره عنه وهذا حجة مبتدأة لهم فى المسألة هينة وهذا ~~لأنا جعلنا إرسال الحديث كأنه ذكر من يروى عنه وعدله وفى الشهادة لا يكتفى ~~بمجرد ذكر شاهد الأصل وقوله هو عدل بل لا بد من تعديل القاضى وفى الرواية ~~يكتفى بما ذكرناه فظهر الفرق بينهما # ودليل آخر وهو أنهم ادعوا إجماع الصحابة # روى عن البراء بن عازب أنه قال ليس كل ما حدثناكم به سمعناه من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم غير أنا لا نكذب وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما سئل عن ذلك ذكر ~~أن الفضل بن عباس رضى الله عنهما أخبره وروى ابن عباس رضى الله عنهما أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال لا ربا إلا فى النسيئة ثم ذكر أن أسامة روى ~~له ذلك وروى ابن عباس أيضا أن النبى صلى الله عليه وسلم ما زال يلبى حتى ~~رمى جمرة العقبة ثم ذكر أن الفضل بن عباس أخبره ذلك # ببينة أن أحداث الصحابة الذين كانوا صبيانا فى زمن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قد أكثروا الرواية عنه صلى الله عليه وسلم خصوصا ابن عباس ومعلوم أنهم ~~لم يسمعوا إلا القليل ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك والتفحص عنه والبحث أن ~~هذا الصحابى ممن سمعه فصار ذلك إجماعا منهم على جواز ذلك وإن قلتم يجوز ~~عندنا فى الصحابة ولا يجوز فى التابعين فهو من التمنى الباطل ولا فرق بين ~~صحابى يرسل وتابعى يرسل خصوصا إذا كان الإرسال من PageV01P378 وجوه ~~التابعين والطبقة العالية منهم مثل عطاء بن أبى رباح من أهل مكة ومثل سعيد ~~ابن المسيب من أهل المدينة وبعض الفقهاء السبعة ومثل الشعبى والنخعى من أهل ~~الكوفة ومثل الحسن وأبى العالية من أهل البصرة ومثل ms332 مكحول من أهل الشام ~~فهؤلاء قد نقل عنهم مراسيل ولا يظن بهم إلا الصدق وقد كان النخعى يقول إذا ~~قيل لكم حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى روى لى ذلك وإذا قلت لكم قال لى ~~عبد الله فقد رواه لى غير واحد ولهذا قال بعضهم إن المرسل أقوى من المسند ~~فهذا وجه تعلقهم بهذا الدليل وهو معتمد جدا # دليل آخر لهم هذا أن الناس من زمان النبى صلى الله عليه وسلم إلى يومنا ~~هذا ما زالوا يردون المراسيل من غير تحاش وامتناع قد ملأوا الكتب منها ولم ~~يروا أن أحد من الأئمة أنكر عليهم ذلك ولم يزل العلماء من سلفهم إلى خلفهم ~~يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقال فلان كذا للواحد فالواحد ~~من الصحابة وهذا إرسال منهم للخبر ولو كان المرسل مردودا لامتنعت الأمة من ~~روايته ولكانوا لا يقرون من فعل ذلك عليه فصار ذلك إجماعا منهم وعرف بما ~~فعلوا أنهم قد سووا بين المرسل والمسند وقد تعلقوا أيضا بما قاله الشافعى ~~رحمة الله عليه فى مراسيل ابن المسيب وغيره فإن قلتم إن مراسيله قد تتبعت ~~فوجدت مسانيد قال فإذا لم تستحسن مسانيده لا مراسليه قال الشافعى أيضا إذا ~~عملت الأمة بالمرسل فإن المرسل مقبولا قال أبو بكر فإذا يكون الإجماع هو ~~المقبول فهل المجموع هو ما ذكرهم وهى دلائل قوم لا بد من صرف العناية إلى ~~إيضاح الجواب عنها خصوصا وقد وجدت بعض من ضعف بكلام أبى بكر الباقلانى ~~وبجعله الإمام والقدوة فى عامة ما ذكره فى أصول الفقه حتى كأنه رضى لنفسه ~~أن يقلده وينصبه إماما لنفسه فى عقائده # قد قال إن كان عرض الشافعى عن المراسيل على معنى تقديم المسانيد عليها ~~وقد وجد من كلامه مما يدل على أنه إذا لم يجد أولا المراسيل مع الاقتران ~~بالتعديل عن الإجماع يعمل عليها وبها عندى أن هذا خلاف مذهب الإمام الشافعى ~~وقد أجمع كل من نقل عنه هذه المسألة مع كل العراقيين الخراسانيين أن ms333 على ~~أصله لا تكون المراسيل حجة وهو فيما بين الفقهاء من الفريقين أشهر مسألة من ~~خلافيات الأصول ولا عجب من أبى بكر الباقلانى إن كان يتصل القول بالمراسيل ~~فإنه كان مالكى المذهب ومن مذهب مالك قبول المراسيل فأما من انتصب لذب عن ~~مذهب الشافعى رحمة الله عليه فلا يجوز أن يعدل عن قوله إلى قول من لا يعرف ~~تفسيره فى العلم فإن كان الأمر بالمحاجة على المذهب فالحجة سنبينها ونبين ~~عند ذلك أن هذا القول PageV01P379 هو الحق وإن رضى إنسان بالتقليد فلا يشك ~~عاقل أن تقليد الشافعى أولى من تقليد المتأخرين الذين يعم بضاعتهم الجدال ~~والله المرشد إلى الصواب والعاصم من الزلل عنه وأما حجة القائلين بقبول ~~المراسيل وهو الصحيح على ما سنبين ونقيم البرهان عليه ونتعلق أولا بقوله ~~تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ الإسراء 36 وقال تعالى @QB@ وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون @QE@ البقرة 169 ونحن إذا قلنا خبر من لا ~~يعلم حاله فى الصدق والعدالة من حاله فى خلاف ذلك فقد قفونا ما ليس لنا به ~~علم وقلنا على الدين والشرع ما لا نتحققه فإن قيل هذا ينعكس عليكم فإنكم ~~إذا رددتم المراسيل فقد قلتم ما لا علم لكم به وتبعتم ما لا يتحقق به فقد ~~دخلتم فيما نقمتم منا قلنا لا يلزم ما قلتم لأن الأصل أنه لا يلزمنا حكم ~~إلا حجة والحجة لا تثبت إلا من ناحية العلم وعلمنا بصدق المرسل عنه معدوم ~~فنحن متمسكون بهذا الأصل ما لم ينقلنا دليل يصح به الحجة الشرعية فى الخبر ~~والحجة الشرعية إنما تثبت بالخبر عند معرفة صدق الراوى وعدالته فتبين بهذا ~~أنا برد المرسل لم نكن قابلين متبعين لما لا علم لنا به والمعتمد من الدليل ~~أن سكوت الراوى عن تسمية من سمع منه يوهم ضعفه وعدم عدالته فيمتنع به قبول ~~روايته وإنما قلنا ذلك لأنه قد جرت عادة الرواة بإظهار اسم من يروون عنه ~~ليتصل السند إلى النبى صلى الله عليه وسلم ولا ms334 ينقطع بعض الرواة عن البعض ~~فيذهب روا الخبر وبهاؤه وطلاوته وحلاوته # ببينة أن رواية الحديث بالإسناد أحد محاسن هذه الأمة وقيل إنه لم يعط هذا ~~غير هذه الأمة ولهذا ما زال سلف هذه الأمة يطلبون الأسانيد وكانوا يسمون ~~الأحاديث التى تعرت عن الأسانيد بترا # وعن عتبة بن أبى حكيم قال كنت عند إسحاق بن أبى فروة وعنده الزهرى فجعل ~~إسحاق يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال الزهرى قاتلك الله يابن أبى فروة ما أجرأك على الله ألا تسند ~~حديثك تحدثنا بأحاديث ليست لها خطم ولا أزمة وجريان عادة السلف بتسمية من ~~يروون عنه شىء لا ينكره أحد فهذا الراوى حين سكت عن تسمية من روى عنه الخبر ~~ولم يكن مقصوده الاقتصار على ما يعتاده الفقهاء فى الحجاج وإنما كان مقصوده ~~محض الرواية وأداء العلم وتبليغه والائتمار لما أمر به النبى صلى الله عليه ~~وسلم من قوله نضر الله أمرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها PageV01P380 فصان ~~سكوته فى هذه الصورة عن تسمية من يروى عنه اتهاما عظيما قادنا ما يقال فى ~~هذا الباب أنه يقال يجوز أن يكون تركه اسمه لثقته بعدالته فاستغنى بها عن ~~تسميته ويجوز أن يكون لجليل علمه منه لم يحب الكشف عنه وإذا احتمل هذا ~~واحتمل الأول يصير كما لو قال حدثنى من لا أعرفه بعدالة ولا تصديقا بل من ~~نظر فى المقدمة التى ذكرناها عرف أن الظاهر من الستر وطى الاسم ما قلناه من ~~الوجه الثانى خصوصا إذا طرد الإرسال طردا ولم يبين من سمع منه الحديث فى ~~شىء من تارات روايته لهذا الحديث فإن سألوا على هذا بما ذكرنا من كلامهم من ~~قبل وهو أنه إنما سكت عنه لثقته بعدالته قالوا وهذا هو الأولى والأليق بأمر ~~المرسل أنه عمن لا يتهمه بالكذب والراوى ثقة ولا يروى عن ثقة كيف وقد قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو ms335 أحد ~~الكذابين وربما يقولون أن الأصل فى المسلمين العدالة فلا يحمل حال المروى ~~عنه على عدم العدالة إلا بدليل يقوم عليه الجواب إنما نبين أولا قاعدة ~~الإخبار ليتبين الجواب وهو أن الأخبار كلها متضمنة أمور الدين إما العلمية ~~وإما العملية وما كان بهذا السبيل لا يجوز قبوله من كل أحد ولهذا لا تقبل ~~الفتوى من كل أحد ولا بد أن يكون صادرا من أهل الفتوى وكذلك أمر الشهادة ~~وهذا معنى قول ابن سيرين إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه وإذا كان ~~الأمر على هذا السبيل فى الإخبار لم يجز قبولها إلا عن عدل ثم يعتبر أن ~~يكون عدلا عند المروى له لأن الرواية إذا شرع إليه كإلزام يتصل به وهو ~~كالشهادة فإنه يعتبر عدالة الشهود عند الحاكم لأنهم يؤدون إليه الشهادة ولا ~~تثبت عدالته عند المروى له إلا بعد معرفته بعينه فى صفته فإذا لم يعرفه ~~أصلا كيف يحكم بعدالته عنده وقولهم إن روايتهم تعديل للمروى عنه قلنا ~~للعدالة شرائط وأوصاف لا تحصل بمجرد الرواية وأيضا فإن الراوى قد يروى عمن ~~عنده مقبول وعند غيره مجروح فلو قبلنا الرواية عنه من غير كشف عنه لكنا قد ~~قبلناه تقليدا لا علما وأما قولهم إن الأئمة والعلماء لا يروون إلا عن ثقة ~~قلنا هذا مجرد حسن الظن ونحن أيضا نحسن الظن بهم ولكنا مع هذا نجوز عليهم ~~السهو والغلط وهذا سكوت عن اسم المروى عنه أمر محتمل فيجوز أنه سكت عنه ~~لأنه نسى اسمه ويجوز أنه سكت عنه لأنه جهل حاله فلم يحب أن يذكره بجهله ~~بحاله ويجوز أنه سكت عنه لأنه لم يحمد أمره فلم يحب أن يهتك ستره ويكشف ~~حاله ويجوز أنه سكت لما قالوا وأولى هذه الوجوه أن يكون سكت لضعفه وريبته ~~فى أمره لما بينا أنه قد كان المعتاد منهم ذكر من PageV01P381 يروى عنه وقد ~~كان يجوز أن يذكر مرة ويترك مرة فأما السكوت عن تسميته فى جميع تارات ~~الرواية فهو موضوع ريبة عظيمة وقد كتبوا حديثا ms336 وقديما عمن لم يحمدوا فى ~~الرواية أمره مرة قال الشعبى حدثنى الحارث وكان كذابا وروى شعبة وسفيان عن ~~جابر الجعفى مع ظهور أمره فى الكذب وروى عنه أبو حنيفة وقال ما رأيت أكذب ~~من جابر وروى الشعبى عن إبراهيم بن أبى الحسن وكان قدريا رافضيا ورمى ~~بالكذب أيضا وقد كان جماعة من السلف لشغفهم بالحديث لا يسألون عمن أخذوا ~~وكانوا ينتقدون ويميزون إن سئلوا عن ذلك # وقال ابن سيرين حدثوا عمن شئتم إلا عن أبى الحسن وأبى العالية فإنهما لا ~~يباليان عمن أخذا الأحاديث # وأرسل الزهرى حديثا ثم سئل فقيل له من حدثك فقال رجل على باب عبد الملك ~~بن مروان وأكثر المراسيل عن الحسن والنخعى وعطاء ومكحول وابن المسيب وسعيد ~~وأبى هلال والشعبى والزهرى فى بعض الأحاديث وقد رووا عامة هؤلاء عن قوم ~~مجاهيل وهذا لا يشكل عن أهل صنعة الحديث فكيف يمكن أن يقال إن المرسل إذا ~~أرسل حديثا فيصير كأنه سمى من روى عنه وعدله والأمر على هذا الوجه وقد قلنا ~~أنه لو جعل هكذا على البعد فيجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ومجروحا ~~عند آخر والمعتبر عدالته عند المروى له فأما إذا صرح فقال حدثنى فلان وهو ~~عدل فالذى ذكرناه يوجب قطع الشبه بين هذه الصورة وبين ما إذا أطلق ولم يذكر ~~وعلى أنا قلنا إن الاعتبار بجانب المروى له فينظر المروى له الحديث فإن ~~سكنت نفسه إلى قوله فقبله وتقوم الحجة عليه وإن لم تسكن نفسه إلى قوله ~~ويجوز أن يكون مجروحا فلا بد من البحث والتفحص فإن قيل قد اعتمدتم فى هذا ~~كله على حرف واحد وهو أن السلف كانوا يروون عمن ليس بثقة وإنه إنما ترك ~~اسمه لقدح عرفه فيه وهو الذى ذكرتم ليس بصحيح لأن من أشكل عمن ليس بثقة وإن ~~كان عرف أنه غير ثقة فذلك يقدح فى عدالته كما أنه إذا ذكر وقال هو ثقة عندى ~~وعلمنا أنه ليس عنده ثقة وكما أن الغالب أنه لا يزكى غير مزكى ms337 كذلك الغالب ~~أنه لا يروى عمن ليس بثقة وإن كان يظن أنه ثقة وليس بثقة وهذا لا يقدح أيضا ~~كما لو قال هو ثقة فإنه تجوز روايته وإن كان يجوز أنه قال عمن ظن أنه ثقة ~~وليس بثقة والجواب أن روايته عمن ليس بثقة لا توجب قدحا فى الراوى لما بينا ~~أنهم كانوا يفعلون وإذا سألوا بينوا وعلى أنا قد ذكرنا عن صاحبهم وعن جماعة ~~من السلف أنهم رووا عن قوم وليسوا بثقات ولم يوجب ذلك قدحا فيهم فيجوز أنهم ~~نقلوا لحسن ظن منهم فى PageV01P382 ذلك الحديث الواحد أو نقلوا وأرادوا بعد ~~ذلك أن يفتشوا عن حال الراوى عنه وعن حال الحديث أنه رواه غيره ممن يوثق ~~بحديثه أو لا فإذا جازت هذه الوجوه لم يجز أن يجعل روايته قدحا فى الراوى ~~مع علمنا بثقته وعدله وهو دليل استدل به الشافعى رحمة الله عليه والدليل ~~على اعتبار الرواية فنقول أجمعنا على أن الشهادة المرسلة لا تقبل وهو إذا ~~لم يذكر من شهد على شهادته فكذلك الرواية المرسلة ثم وجه التقرير فى إلزام ~~الشهادة وهو أن الشاهدين إذا كانا عدلين لم يجز أن يشهدا على شهادة شاهدين ~~يخفيان ذكرهما وهما عدلان مثل الرواية سواء ومع ذلك لا يصير تركهما ذكرهما ~~دليلا على تعديلهما بل لا بد من ذكرهما مع الشهادة على شهادتهما كذلك لا بد ~~فى الرواية من ذكر المروى عنه مع الرواية عنه وقد ذكروا مسائل فرقوا فيها ~~بين الشهادة والرواية ونحن نقول لا ننكر وجود الفرق بين الرواية والشهادة ~~فى مواضع كثيرة ولكن لا فرق بين الموضعين فى شرط العدالة والخلاف فى قبول ~~المراسيل وعدم قبولها راجع إلى العدالة على ما سبق بيانه وقولهم إن فى ~~الشهادة لو شهد على شهادة إنسان وقال هو عدل لم يثبت عدالته وفى الرواية ~~يثبت قلنا لا نسلم فى الرواية على ما سبق ويجوز أن يكون الإنسان عدلا عند ~~إنسان ولا يكون عدلا عند آخر ألا ترى أن عليا رضى الله عنه لم ms338 يقبل رواية ~~من يروى خبر بروع بنت واشق وقبله ابن مسعود وهذا لأن العدالة تعرف ~~بالاجتهاد والناس يختلفون فى الاجتهاد وقال أبو عبد الله البصرى إن القياس ~~يمنع من الحكم بالشهادة على الشهادة فلم يجز قياس المراسيل على ذلك لأنه لا ~~يجوز القياس على المخصوص من القياس ويجاب عن هذا فيقال لا نسلم أن قبول ~~الشهادة على الشهادة بخلاف قياس الأصول ولا نسلم أنه لا يجوز القياس على ~~المخصوص بالقياس وسنبين هذا وعلى أنا نقيس المرسل على الشهادة فى المنع لا ~~فى الجواز فلم يكن هذا قياسا من الوجه الذى يمنع منه القياس فإن قالوا إن ~~الحاكم فى الشهادة يحكم بشهادة شهود الأصل فلهذا وجب ذكرهم قلنا والحكم ~~بلزوم العبادة إنما يقع بخبر الأول فوجب ذكره وقال بعضهم فى الفرق بين ~~الموضعين أن شهود الفرع فى كلا شهود الأصل لأنه لا يجوز أن يشهدوا على ~~شهادتهم إذا سمعوهم يشهدون حتى يحملوهم الشهادة كما لا يجوز للوكيل التصرف ~~إلا بعد أن يوكله الموكل فلهذا اشترط ذكر شاهد الأصل كما اشترط ذكر الموكل ~~ونحن نقول هذا الفرق غير مؤثر لأنا جمعنا بين الرواية والشهادة فى العلة ~~التى ذكرها المخالف فى المراسيل وهى أن عدالة الراوى PageV01P383 تقتضى ~~إنما أرسل الحديث إلا وهو على غاية الثقة بعدالة من روى عنه وهذه العلة ~~موجودة قائمة فى الشهادة على ما بيناه # دليل ثالث وهو أنه لو جاز العمل بالمراسيل وجعلت كالمسانيد لم يكن لذكر ~~أسماء الرواة فى الأخبار وفحص الأئمة عن عدالتهم معنى لأن الإرسال سهل ~~والحوالة فى العدالة على ما ذكروه أمر هين فإذا حصل المراد من هذا الوجه ~~فلأى معنى وجب تحمل المشقة وذكر أسماء الرواة ومعناه الفحص عن عدالتهم وهل ~~هذا إلا تحمل متاعب ومشاق أغنى الله العباد عنها فيكونون قد شددوا على ~~أنفسهم فيما سهله الله عليهم فيعتبرون بمنزلة بنى إسرائيل فى أمر الله ~~تعالى إياهم بذبح البقرة وإلحاحهم فى طلب أوصافها وكان ينبغى أن يقتصروا ~~ويقولوا قال رسول الله صلى الله ms339 عليه وسلم وبلغنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويتورعوا ويترفهوا وقد لقوا المؤنة وطرح عنهم التعب وقد ذم الشرع ~~من دخل فى أمر لا يعنيه فكيف بمن دخل فى أمثال هذا # فإن قيل لطلب اسم الراوى معنى صحيح من وجهين أحدهما إنه إذا ذكر المحدث ~~اسم من روى عنه أمكن السامع أن يتفحص عن عدالته فيكون ظنه بعدالته فى هذه ~~الصورة أقوى من ظنه بعدالته عند إرسال المراسيل لأن طمأنينة الإنسان إلى ~~فحصه وبحثه أكثر من طمأنينته إلى خبر غيره # والثانى هو أن الراوى للحديث قد نسبه عليه حال من أخبره به فلا يقدم على ~~جرحه وتزكيته فيذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره # الجواب أما الأول قلنا فقد تبين أن إرساله غير مغنى عن طلب العدالة وعلى ~~أنا قد ذكرنا أن الاجتهاد والاجتهاد قد يختلف فلا بد من ذكره لتوهم اختلاف ~~الاجتهاد فى جرحه وتعديله وأما قوله يذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره ويكون ~~قد اشتبه علينا قلنا قد جرت عادتهم بذكر أسماء الرواة على الإطلاق وجرت ~~عادة طلب الحديث بطلب ذكرهم وجرت العادة بالبحث عن عدالة الرواة وإذا عرف ~~هذا من حالهم سقط السؤال الذى قالوه والاعتماد على الدليل الأول من حيث ~~التحقيق وعلى الثانى من حيث التعلق بالحكم # والدليل الثالث لإيضاح الكلام والاستبيان به أما الجواب عن كلامهم الأول ~~فقد دخل جوابه فيما ذكرناه # والحرف الوجيز أن روايته عنه إنما تدل على عدالته إذا لم يتوهم فى السكوت ~~عنه غير هذا فأما إذا توهمنا غيره فلا وأما إذا قال هو عدل فقد قيل هذا ~~الإطلاق لا يقبل وإن قلنا يقبل على ظاهر المذهب فيقول فلان عدل لا يحتمل ~~غير ما وضع له اللفظ PageV01P384 وأما السكوت عن اسم الراوى يحتمل ما قالوا ~~ويحتمل غيره وأما قولهم إنه تقبل الرواية بالعنعنة # قلنا نحن لا نقبل إلا أن تعلمه أو يغلب على الظن أنه غير مرسل وهو أن ~~يقول حدثنا فلان أو سمعت فلانا أو يقول عن فلان ويكون قد أطال ms340 صحبته لأن ~~ذلك أمارة تدل على أنه سمعه منه فأما بغير هذا فلا يقبل حديثه وأما مراسيل ~~الصحابة قلنا جميع الصحابة عدول وليس لنا الاجتهاد فى تعديلهم وقد عدلهم ~~الله تعالى بقوله تعالى @QB@ أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم @QE@ ~~الحديد 19 وقال عليه السلام أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وأما من ~~بعدهم فإن موضع الاجتهاد فى تعديلهم باق فلم يجز العمل إلا بخبر من علمنا ~~عدالته منهم أما تعلقهم بمراسيل ابن المسيب قلنا أما نقل هذا عن الشافعى فى ~~كتبه القديمة ولم يرد بذلك تخصيص ابن المسيب دون غيره ممن مذهبه مذهب ابن ~~المسيب فى ذلك لكن ظهر للشافعى من مذهب ابن المسيب أنه لا يرسل حديثا ليس ~~له أصل فى المتصل ولم يظهر له مثل هذا فى غيره فإن عرف مثل هذا فى مراسيل ~~عطاء والحسن والنخعى ومكحول فتكون مرسلاتهم مثل مرسلات ابن المسيب # واعلم أن الشافعى إنما رد المرسل من الحديث لدخول التهمة فيه فإن اقترن ~~بالمرسل ما يزيل التهمة فإنه يقبله وذلك إن وافق مرسله مسند غيره من الرواة ~~ومثل أن يتلقى الأئمة المرسل بالقبول ويعملوا به فيكون قبولهم وعملهم مزيلا ~~للتهمة وكذلك إن انتشر فى الناس ولا يظهر له منكر وحكى بعضهم أن من جملة ما ~~يقوى به المرسل فيصير حجة أن يشترك فى إرساله عدلان ثقتان من أهل العلم أو ~~أكثر فيقوى حال المرسل ويكون المرسل موافقا للقياس أو يكون المرسل كثير ~~التحرز شديد التحفظ مشهور الرجال بالرضى كالذى قاله الشافعى فى القديم فى ~~ابن المسيب رحمة الله عليهما فقال مرسل ابن المسيب خمس فى تحريم بيع اللحم ~~بالحيوان وقد قال بعض أصحابنا إن مرسل ابن المسيب لا يكون حجة أيضا مع ما ~~قاله الشافعى رحمة الله عليه كما لا يكون مرسل غيره حجة إنما قول الشافعى ~~فى ابن المسيب يدل على أن إرساله يكون ترجيحا للدليل الموجب للحكم لا أنه ~~يكون موجبا للحكم واعلم أن ما حكيناه أولا من موافقة مرسل المرسل مسند غيره ms341 ~~أو تلقى الأئمة إياه بالقبول أو انتشار المرسل فى الأمة من غير منكر أسباب ~~مخيلة فى قبل المرسل إلا أن الحجة تكون فى المسند أو تكون فى PageV01P385 ~~إجماع الناس على العمل بالحكم الذى تضمنه المرسل فأما البواقى التى ذكروها ~~فعندى أنه ليس فى شىء من ذلك دليل على قبول المرسل فالأولى هو الإعراض عنها ~~والاقتصار على ما قلناه والله أعلم هذا الذى ذكرناه حكم المرسل # فأما المنقطع فقال بعضهم إن المرسل والمنقطع معنى واحد ومنهم من فرق ~~بينهما # وقال المرسل ما ذكرناه والمنقطع هو أن يكون بين الروايتين رجل لم يذكر ~~فمن منع من قبول المراسيل كان من قبول هذا أمنع ومن جوز قبول المراسيل ~~اختلفوا فى المنقطع الذى ذكرناه فقبله بعضهم كالمرسل ومنع منه بعضهم وإن ~~عمل بالمرسل والفرق صعب جدا لمن يرون الفرق اللهم إلا أن يقول إن الإرسال ~~على الوجه الذى قلناه معتاد متعارف وهو من حسب المتعارف دليل على تعديل من ~~روى عنه فى الصورة التى بيناها # ببينة أن الإخلال يذكر هذا الراوى الواحد مع ذكر الراوى قبله دليل على ~~ضعفه وقال أصحاب الحديث مرسل ومنقطع ومعضل فالمرسل ما ذكرنا والمنقطع أن ~~يسقط واحد من الوسط والمعضل أن يسقط أكثر من واحد واعلم أن الثقة إذا روى ~~عن المجهول لم تدل روايته عنه على عدالته ومن أصحابنا من قال يدل ذلك على ~~عدالته ومن ذهب إلى هذا أن هذا المجهول لو كان غير ثقة لبين العدل ذلك فى ~~روايته حتى لا يغتر بروايته وحين لم يبين العدل ذلك دل أن روايته تعديل له ~~والأصح أنه لا يدل على تعديله لأن شهادة شاهد الفرع لا تدل على تعديل شاهد ~~الأصل فكذلك الرواية لأنا بينا أنهم كانوا يروون عن غير الثقة # فلا تدل الرواية على التعديل وهذه المسألة فيما إذا سمى من روى عنه إلا ~~أنه مجهول الحال # فأما إذا لم يسمه فقد بينا من قبل وأما إذا أسند الرواة الحديث وأرسله ~~غيره فلا شبهة أن من يقبل ms342 المراسيل فهو يقبل هذا # وأما من لا يقبل المراسيل فينبغى فى هذا الموضع أن يقبل رواية من يسند ~~الخبر لأن عدالة المسند تقتضى قبول الخبر وليس فى إرسال من يرسله ما يقتضى ~~أن لا يقبل إسناد من يسنده لأنه يجوز أن يكون من أرسله سمعه مرسلا ومن ~~أسنده سمعه مسندا فليس يقدح إرسال من يرسله فى إسناد الآخر ويحتمل أيضا أن ~~هذا المرسل سمع الحديث مسندا إلا أنه نسى من يروى عنه وعلم ثقته فى الجملة ~~فأرسله لهذا المعنى # وأما إذا أرسله فى وقت وقد أسنده فى وقت فإن إرساله لا يمنع أيضا من كونه ~~مسندا لأن إرساله يجوز أن يكون لما بيناه فلا يقدح ذلك فى إسناده وأما إذا ~~وصل الراوى الحديث بالنبى صلى الله عليه وسلم مرة وجعله موقوفا على بعض ~~الصحابة فإنه يكون أيضا متصلا بالنبى صلى الله عليه وسلم PageV01P386 لجواز ~~أن يكون سمعه من الصحابى تارة يذكره عن نفسه على طريق الفتوى وتارة يذكره ~~عن النبى صلى الله عليه وسلم وليس فى الأول ما يقدح عن الثانى وحين وصلنا ~~إلى هذا الموضع نذكر شروط صحة الإسناد إلى النبى صلى الله عليه وسلم أنا ~~بينا من قبل تنوع الأخبار وانقسامها إلى مسند ومرسل وقد بينا المرسل # فأما المسند فهو الخبر المتصل بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث ~~النقل واتصاله معتبر بثلاثة شروط # أحدها أن يرويه ناقل عن ناقل حتى ينتهى إلى صحابى يصله بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم فإن اختل اتصال النقل فى وسط أو طرف بطل الاتصال # والثانى أن يسمى كل واحد من ناقلى الحديث بما هو مشهور به مما سمى به ~~وسمى به عن غيره حتى لا يقع التدليس فى اسمه فيمكن الكشف عن حاله فإن لم ~~يسمه وقال أخبرنى الثقة أو من لا أتهمه لم يكن حجة فى النقل وقبول الرواية ~~فإن قيل أليس أن الشافعى ذكر مثل هذا فى أحاديث رواها قيل له بلى ذكر ~~الشافعى مثل ما قلتم ولكن ms343 قد اشتهر من عناه فقالوا أراد بمن يثق به إبراهيم ~~بن إسماعيل وبمن لا يتهمه يحيى بن حسان فصارت الكناية كالتسمية وقيل إن ~~الشافعى قال ذلك احتجاجا لنفسه ولم يقله احتجاجا على خصمه وله فى حق نفسه ~~أن يعمل بما يثق بصحته وإن لم يكن له فى حق غيره # الشرط الثالث وهو أن يكون كل واحد من جماعة الرواة على الصفة التى تقبل ~~خبره من الضبط والعدالة فإن اختلت هذه الصفة فى حق أحدهم وكملت فيمن سواه ~~رد الخبر ويعتبر فى حق كل واحد من الرواة أن يكون معلوم الاسم والنسب معلوم ~~الصفة من العدالة فإن اختل شىء من ذلك اختلت الرواية عند اجتماع الشرائط ~~التى ذكرنا يكون الخبر مسندا # فإن قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا يكون مسندا ~~ويكون حجة وقال أبو بكر الصيرفى لا يكون مسندا ولا يكون حجة وهو قول الكرخى ~~من أصحابى أبى حنيفة وقد ذكرنا طرفا من هذا من قبل فهم يقولون قد تطلق ~~السنة ويراد بها سنة النبى صلى الله عليه وسلم وقد تطلق السنة ويراد بها ~~غيره والدليل عليه أن عليا رضى الله عنه قال فى جلد شارب الخمر جلد النبى ~~صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر رضى الله عنه PageV01P387 أربعين ~~وجلد عمر رضى الله عنه أربعين وكل سنة فقد أطلق السنة على ما فعله عمر رضى ~~الله عنه كما أطلق على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم # وفى الخبر عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى وقال عليه السلام ~~من سن سنة وأما دليلنا فنقول قول الصحابى فى الأمر والنهى أمرنا بكذا أو ~~نهينا عن كذا مطلقا يرجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم لأن الأصل أنه الآمر ~~فى الشرائع خصوصا إذا كان الصحابى قال هذا القول للنبى صلى الله عليه وسلم ~~وعلى هذا قول أنس رضى الله عنه أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ~~ولهذا لو قال الصحابى رخص لنا أن ms344 نفعل كذا ينصرف إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم بالاتفاق فكذلك قول الصحابى من السنة كذا فمطلق السنة منصرف إلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم ولهذا يقال كتاب الله تعالى وسنة النبى صلى الله عليه ~~وسلم وإذا قيل الكتاب والسنة وإنما يفهم من السنة سنة النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولأن السنة هى الطريقة المتبعة لأهل الدين والطريقة المتبعة لأهل ~~الدين هى المشروعة فى الدين والمشروع فى الدين إنما يكون من الله تعالى أو ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فأما من غير الله ورسوله فلا يدل عليه أن من ~~التزم طاعته وبين فإذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فإنه يفهم منه من ~~يلتزم طاعته ولا يتعدى أمره ألا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال فى ~~دار السلطان أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فهم منه أن السلطان أمر ونهى عما ~~ذكروه وأيضا فإن غرض الصحابى من هذا القول أن يعلمنا الشرع أو يفيدنا الحكم ~~صحب كمال ذلك عمن يصدر الشرع منه دون الأئمة والولاة لأن أمرهم غير مؤثر فى ~~الشرع وهذا راجع إلى الدليل الذى قدمناه فيكون تقريرا له وأما قول على رضى ~~الله عنه فالمراد بالسنة سنة النبى صلى الله عليه وسلم لأن الزيادة على ~~الأربعين مفعولة عندنا تعزيرا والتعزير من سنة النبى صلى الله عليه وسلم # وأما قوله صلى الله عليه وسلم سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى فتلك ~~السنة PageV01P388 المذكورة فى الخبر سنة مقيدة والكلام فى السنة المقيدة # وإذا قال الصحابى كنا نفعل كذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~بمنزلة المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعض أصحاب أبى حنيفة ~~لا يكون بمنزلة المسند # وعلى هذا الخلاف إذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا على عهد النبى صلى ~~الله عليه وسلم وذهب من قال إنه لا يكون مسندا إلى أنهم كانوا يفعلون شيئا ~~ولا يسندون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى أنهم لما ms345 اختلفوا ~~فى الماء من الماء ومن التقاء الختانين وزعم بعضهم أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى أنهم لا يغتسلون إلا من الماء ~~قال عمر رضى الله عنه أو علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقركم على ذلك ~~قالوا لا قال فلا إذا # وإنما نحن نقول إن الظاهر من أمر الصحابة أنهم كانوا لا يقدمون على شىء ~~من أمور الدين والنبى صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم إلا عن أمره وإذنه ~~فصار قولهم كنا نفعل كذا فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم بمنزلة المسند ~~لهذا الظاهر والظاهر حجة ولأن الصحابة إنما تضيف مثل هذا القول إلى زمان ~~النبى صلى الله عليه وسلم لفائدة وهو أن يبين أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~علم ذلك ولم ينكره ولا فائدة لهذه الإضافة سوى هذا ولو عرف هذا كان هذا ~~القول بمنزلة الخبر المسند كذلك هاهنا وإن شئت عبرت عن هذا فقلت إذا قال ~~الصحابى كنا نفعل كذا فالظاهر منه أنه قصد بهذا الكلام أن يعلمنا حكما ~~ويفيدنا شرعا ولن يكون كذلك إلا إذا كانوا يفعلونه على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على وجه يظهر له ذلك ولا ينكره وأما الذى ذكروه من اختلاف ~~الصحابة فى الماء من الماء أو من التقاء الختانين فقد كان لا يجب الغسل ~~بالتقاء الختانين فى ابتداء الإسلام ثم نسخ وأوجب به فلما نسخ لم يعلم ~~بعضهم بالنسخ واستمر على ما كان عليه من قبل وقال الاستمرار والاستدامة ~~يجوز أن يخفى أمره فأما الإقدام على ابتداء النهى فلا يفعل ذلك إلا عن إذن ~~النبى صلى الله عليه وسلم # وأما إذا قال الصحابى قولا لا مجال للاجتهاد فيه فإنه لا يجعل ذلك مسندا ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال طائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه يجعل ~~بمنزلة المسند # وحرفهم فيما ذهبوا إليه هو أن حسن الظن بالصحابة واجب فإذا قال قولا يحسن ~~الظن أنه لم ينقله جزافا ms346 وإنما قاله عن طريق فإذا لم يكن للاجتهاد فيه مجال ~~فليس إلا أنه سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم ونحن نقول إن إثبات الإسناد ~~بهذا لا يمكن لأنهم لم يكونوا PageV01P389 يكتمون الأخبار ولا كان ذلك من ~~عادتهم وبعد أن يقول الصحابى قولا ويستمر الزمان به ولقوله حجة من قول ~~النبى صلى الله عليه وسلم ولا ينكر # ببينة أنه كان من عادتهم الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يعين ~~به من الحوادث ألا ترى أن الأخبار التى ذكرناها من قبل فإنهم رووها عن وقوع ~~الحوادث فلما كانوا يظهرون الأحاديث ويروونها لأقوال غيرهم فكيف كانوا ~~يكتمونها وهى حجة لأقوالهم أما قولهم إن حسن الظن بهم واجب قلنا نعم يجب ~~علينا إحسان الظن بهم ويجب علينا أيضا أن لا نضيف إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قولا وفعلا إلا عن تثبت ولا ثبت فى هذا الخبر الذى تظنون ثبوته ~~وعلى أنهم لم يكونوا معصومين عن السهو والغلط فإن نقل عن واحد منهم شىء ~~بخلاف القياس يجوز أن يكون قال عن قياس فاسد أو ظن ظنه ولم يكن صحيحا أو ~~وقع له غلط فيما قاله وزلة فيما صار إليه فعرفنا أنه لا وجه لإثبات الخبر ~~بمجرد ما قالوه وحين ذكرنا ما يكون مسندا أو ما لا يكون مسندا فنذكر بعد ~~هذا ما يتعلق بمعرفة الصحابة ومعرفة طباقتهم بعون الله تعالى # ف # | صل اعلم أن الصحابة على طبقات # فأعلاهم رتبة العشرة الذين شهد النبى صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة ~~وأربعة منهم الخلفاء الراشدون وقد ضم إليهم عمر بن عبد العزيز وأول من أسلم ~~من الرجال أبو بكر ومن الصبيان على ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال رضى ~~الله عنهم أجمعين # قال أبو عبد الله الحاكم ولا أعلم من أهل التواريخ خلافا فى أنه أول من ~~أسلم على وهذا خطأ من أبى عبد الله الحاكم وللعلماء فى هذا الباب اختلاف ~~ظاهر عندى وذهب جماعة كثيرة إلى أن أبا بكر رضى الله ms347 عنه أول من أسلم ~~واستدلوا بشعر حسان بن ثابت وهو # ( إذا تذكرت نجوى من أحيى نعيه % فاذكر أخاك أبا بكر مما فعلا ) # ( الثانى التالى المحمود سيرته % وأول الناس منهم صدق الرسلا ) # وثبت حديث ابن عتبة أنه قدم على النبى صلى الله عليه وسلم فقال من تبعك ~~على هذا الأمر # فقال حر وعبد يعنى بالحر أبا بكر وبالعبد بلال وقد قال زيد بن أرقم من ~~الصحابة إن عليا رضى الله عنه أول من أسلم وقال إبراهيم النخعى معارضا لقول ~~PageV01P390 زيد بن أرقم حين ذكر له قوله قال لا بل أبو بكر رضى الله عنه ~~أول من أسلم وقد أجمل أهل العلم الكلام إجمالا وقالوا على ما قدمنا # والطبقة الثانية أصحاب دار الندوة وذلك أن عمر لما أسلم حمل النبى صلى ~~الله عليه وسلم إلى دار الندوة مع جماعة كثيرة من أصحابه قال أبو عبد الله ~~الحافظ وهذا أيضا فيه نظر لأن النبى صلى الله عليه وسلم مختفيا فى دار بين ~~الصفا والمروة وهى تعرف بدار الأرقم وهذه الدار معروفة اليوم وجاء عمر رضى ~~الله عنه فأسلم وقصته معروفة فأما الحمل إلى دار الندوة ومعه جماعة من أهل ~~مكة على ما قاله أبو عبد الله الحافظ فلا يعرف # وأما الطبقة الثالثة طائفة هاجروا إلى الحبشة وهى الهجرة الأولى منهم ~~عثمان وجعفر ابن أبى طالب وابن مسعود وجماعة وذكر فيهم حمزة وفيه نظر ~~وجماعة # والطبقة الرابعة هم الذين بايعوا النبى صلى الله عليه وسلم عند العقبة ~~وهؤلاء كانوا من الأنصار ويقال للواحد منهم عقبى # والطبقة الخامسة هم أصحاب العقبة الثانية قال وأكثرهم من الأنصار وأقول ~~لا بل كلهم من الأنصار وكان الذى أخذ عليه العهد العباس بن عبد المطلب # والطبقة السادسة المهاجرون الأولون وهم الذين وصلوا إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم نقبا أن يدخلوا المدينة # والطبقة السابعة أهل بدر # والطبقة الثامنة المهاجرون بين بدر والحديبية # والطبقة التاسعة أهل بيعة الرضوان بالحديبية وفيهم نزل قوله تعالى @QB@ ~~لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ms348 تحت الشجرة @QE@ # والطبقة العاشرة المهاجرون بين الحديبية والفتح منهم خالد بن الوليد ~~وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فيما روى ~~حين هاجر لقد ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها وأبو هريرة الدوسى # والطبقة الحادية عشر قوم أسلموا يوم الفتح منهم أبو سفيان وسهيل بن عمرو ~~وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية وقد تأخر إسلام بعض هؤلاء ~~النفر إلى أن فرغ النبى صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين وفى هذه الطبقة ~~أسلم بعد يوم الفتح إلى وفاة النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية PageV01P391 # والطبقة الثانية عشر صبيان رأوا مدة النبى صلى الله عليه وسلم وأطفال ~~حملوا إليه كالسائب بن زيد وعبد الله بن ثعلبة بن أبى سعد وعامر بن واثلة ~~بن أبى الطفيل وابن أبى جحيفة وغيرهم وفى هذا علم كثير يطول ذكره # وأما الصحابة الذين تأخر موتهم قال الواقدى آخر من مات بالمدينة من ~~الصحابة سهل بن سعد وكان ابن مائة سنة يوم مات توفى سنة إحدى وتسعين وآخر ~~من مات بالكوفة من الصحابة عبد الله بن أبى أوفى مات سنة ست وثمانين وآخر ~~من مات بالبصرة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مات سنة ~~إحدى وتسعين وقيل سنة ثلاثة وتسعين وآخر من مات بالشام عبد الله بن بشر سنة ~~ثمان وثمانين وقيل آخر من مات بمكة عبد الله بن عمر سنة ثلاث وسبعين وآخر ~~من مات من روى أبو الطفيل عامر بن واثلة الكنانى مات من سنة مائة من الهجرة # وأما اسم الصحابى فهو من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته مع ~~النبى صلى الله عليه وسلم وكثرة مجالسته وينبغى أن يطيل المكث معه على ~~طريقة السمع له والأخذ عنه ولهذا يوصف من أطال مجالسته العالم من أصحابه ~~إذا لم يكن على طريق التبع له والأخذ عنه ثم إنما ms349 يعلم صحبة النبى صلى الله ~~عليه وسلم إما بطريق موجب للعلم وهو خبر التواتر أو بطريق يقتضى غلبة الظن ~~وهو إخبار الثقة وهذا الذى ذكرناه طريق الأصوليين وأما عند أصحاب الحديث ~~فيطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون ~~من رآه رؤية من الصحابة # وهذا لشرف منزلة النبى صلى الله عليه وسلم PageV01P392 أعطوا الكل ممن ~~يراه حكم الصحبة ولأن النبى صلى الله عليه وسلم قال طوبى لمن رآنى ولمن رأى ~~من رآنى فالأول هم الصحابة والثانى هم التابعون ولأنه عليه السلام قال خير ~~الناس قرنى الذى بعثت فيهم وأراد بهم الصحابة فكل من روى عنه أو رآه فهو ~~قرنه الذى بعث فيه إلا أنه مع هذا لا بد من رؤية أو رواية للإجماع # وأما التابعون فعلى طبقات فالطبقة الأولى منهم قوم لحقوا العشرة أو ~~أكثرهم كسعيد ابن المسيب هكذا قال أبو عبد الله الحاكم وحكاه الأستاذ أبو ~~منصور البغدادى وتبعه وهذا خطأ لأن سعيد بن المسيب لا يصح له رواية عن أحد ~~من العشرة إلا عن سعد بن أبى وقاص وولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضى الله ~~عنه وتوفى سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثلاث وتسعين نعم قد قيل إن سعيد بن ~~المسيب أفقه أهل الحجاز فى زمانه ويقال إنه أعلم التابعين بقضاء عمر وأما ~~الذين أدركوا العشرة أو أكثر العشرة فجماعة من التابعين من أهل الكوفة ~~والبصرة مثل قيس بن أبى حازم ومسروق بن الأجدع وأبى عمرو الشيبانى وعمرو بن ~~ميمون وعلقمة بن قيس وأبى وائل شقيق بن سلمة وأبى رجاء العطاردى وأبى عثمان ~~النهدى وأبى شاشان حصين بن المنذر الرقاشى وغيرهم # وقد خرج التابعون على خمسة عشر طبقة آخرهم من لقى أنس بن مالك والسائب بن ~~يزيد وأبا أمامة الباهلى وواثلة بن الأسقع وغيرهم وهذا علم كبير وذكره يطول ~~وقد PageV01P393 صنف فيه ابن المدينى ومسلم بن الحجاج وغيرهم وأما الفقهاء ~~السبعة من أهل المدينة فسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن ms350 أبى بكر وعروة ~~بن الزبير وخارجة بن زيد بن ثابت وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن ~~عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار وقد أبدل بعضهم بأبى سلمة وخارجة سالم بن ~~عبد الله بن عمر وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفى المتقدمين ~~من التابعين قوم أدركوا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا من بعده ~~وأسلموا فى زمانه ولم يروه مثل الأحنف بن قيس وسويد بن غفلة وعمرو بن ميمون ~~وأبى وائل وأبى عثمان النهدى وغيرهم والأئمة المرجوع إليهم فى علم الحديث ~~مالك بن أنس بالحجاز وسفيان الثورى بالعراق والأوزاعى بالشام والليث بن سعد ~~بمصر وعبد الله بن المبارك بخراسان وكانت أعصارهم متقاربة وقد أجمعوا ~~الرواية والدراية ولم يقابلهم أحد فى زمانهم # وقيل إن الذين نشروا علم الحديث فى العالم قبل هؤلاء ستة نفر اثنان ~~بالحجاز واثنان بالكوفة واثنان بالبصرة فاللذان بالحجاز الزهرى وعمرو ابن ~~دينار واللذان بالكوفة أبو إسحاق السبيعى والأعمش واللذان بالبصرة قتادة ~~ويحيى بن أبى كثير فمن هؤلاء الستة انتشر أكثر علم الحديث فى الدنيا وقد ~~ذكرنا من قبل من يرجع إليهم فى الجرح والتعديل وفيهم كثرة وقد اقتصرنا على ~~ما قدمنا # وأما الكتب التى تعتمد فى الحديث فأول ذلك الجامع الصحيح عن البخارى ثم ~~الصحيح عن مسلم بن الحجاج القشيرى وكتاب السنة عن أبى داود والجامع عن أبى ~~عيسى الترمذى وكتاب ابن أبى عوانة وكتاب أبو عبد الرحمن النسائى وكتاب ~~الصحيح عن أبى العباس الدعولى وقد صنف أبو حاتم بن حبان كتابا سماه الصحيح ~~جمع فيه الكثير وليس فى الصحة والتثبت مثل هذه الكتب وأولى هذه الكتب ~~بالاعتماد صحيح البخارى وقد قيل إن ما فيه مقطوع بصحته عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقد اختلف أن الحديث فى أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ~~وقال أبو بكر بن أبى شيبة أصح الأسانيد الزهرى عن على بن الحسين عن أبيه عن ~~على # وقال آخرون أصح الأسانيد سفيان الثورى ms351 عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ~~عبد الله وقيل أصحها ابن سيرين عن عبيد عن على وقيل أصحها الزهرى عن سالم ~~عن أبيه واعلم أن أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على ~~إن كان الراوى عن جعفر ثقة وأصح أسانيد أبى بكر الصديق رضى الله عنه ~~إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر رضى الله عنه وأصح ~~أسانيد عمر رضى الله عنه عن الزهرى عن سالم عن PageV01P394 أبيه عن عمر ~~وأصح أسانيد ابن مسعود إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش عن أبى وائل ~~عن عبد الله وأصح أسانيد أبى هريرة رضى الله عنه الزهرى عن ابن المسيب عن ~~أبى هريرة وقيل أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه # ولعبد الله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ~~ابن عمر ولعائشة رضى الله عنها هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعبيد الله ~~بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ويقال لهذا ترجمة ~~مشتبكة بالذهب وكذلك الزهرى عن عروة عن عائشة ولجابر سفيان بن عيينة عن ~~عمرو بن دينار عن جابر وجعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ولأنس شعبة عن قتادة ~~عن أنس ومالك عن الزهرى عن أنس وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو ~~بن دينار عن جابر وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وأصح أسانيد المدنيين ما ~~ذكرنا مالك عن نافع عن ابن عمر # وأبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة والزهرى عن سالم عن أبيه والزهرى عن ~~عروة عن عائشة # وأصح أسانيد الكوفيين سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ~~والأعمش عن أبى وائل عن عبد الله وأصح أسانيد البصريين شعبة عن قتادة عن ~~أنس وابن عون عن ابن سيرين عن أبى هريرة وأصح أسانيد اليمانيين معمر عن ~~همام عن أبى ms352 هريرة وأصح أسانيد المصريين الليث بن سعد عن يزيد ابن أبى حبيب ~~عن أبى الخير عن عقبة بن عامر وأصح أسانيد الخراسانيين الحسين بن واقد عن ~~عبد الله بن بريدة عن أبيه وهؤلاء مراوزة وعلى هذا الترتيب أوهى أسانيد ~~الصديق صدقه بن موسى عن فرقد السبخى عن مرة الطبيب عن أبى بكر # وأوهى أسانيد العمريين محمد بن القاسم عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ~~عن أبيه عن جده وأوهى أسانيد أبى هريرة المسرى بن إسماعيل عن داود بن زيد ~~الأودلى عن أبيه عن أبى هريرة وأوهى أسانيد ابن مسعود شريك عن أبى زرارة عن ~~أبى زيد والحمل فيه على أبى زيد وأما أبو زرارة راشد بن كيسان ثقة قال ~~الحاكم وأوهى أسانيد أنس داود بن المحبر عن أبيه عن أبان عن أبي عياش عن ~~أنس وأوهى أسانيد المكيين عبد الله بن ميمون القداح عن شهاب بن جابر عن ~~إبراهيم بن يزيد الخودى عن عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد اليمانيين حفص ~~بن عمر العدنى عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد ~~الشاميين محمد بن قيس المصلوب عن عبد الله ابن رخو عن القاسم عن أبى أمامة ~~وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن الحجاج بن رشدين PageV01P395 ابن سعد عن ~~أبيه عن جده عن مرة بن عبد الرحمن عن كل من روى عنه وأوهى أسانيد ~~الخراسانيين عبد الله بن عبد الرحمن بن مليحة عن نهشل بن سعيد عن الضحاك عن ~~ابن عباس نقلت على ما أورده الحاكم أبو عبد الله فى كتاب علوم الحديث # # | فصل # وذكر أبو زيد فصل فى أقسام الصحيح من الأخبار وقال الأخبار التى يعمل بها ~~ضربان مشهور وغريب # قال # والمشهور ضربان # أحدهما ما اشتهر وبلغ حد التواتر # والآخر ما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر # والغريب نوعان # أحدهما ما لم يشتهر ولكن لم يبلغ حد الاستنكار # والآخر ما بلغ حد الاستنكار # ثم قال أما المتواتر فحده ما اتصل بك عن المخبر اتصالا لا ms353 يبقى لك فيه ~~شبهة كما يتصل تعليل من طريق السماع من المخبر عنه # ثم قال وقد قال بعض الناس إن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين ~~وإنما يوجب علم طمأنينة # وذكر ما نقله اليهود أن عيسى عليه السلام قد قتل وقد ذكرنا من قبل الكلام ~~فى هذا وذكرنا أن المتواتر من الأخبار يوجب علم الضرورة وأجبنا عن ما قاله ~~اليهود # وأما المشهور فحده ما كان أوسطه وآخره على حد التواتر وأوله على حد الخبر ~~الواحد وذكر عن أبى بكر الرازى أن هذا أحد قسمى التواتر لأنا نجد العلم فى ~~أنفسنا بكل واحد منهما بلا اضطراب أنفسنا فى ذلك إلا أن العلم الأول يقع ~~على اضطراره ولا مرد له فى النفوس والثانى يقع عن استدلال كما يكون مثله عن ~~العقليات الموجبة للعلم فإن العلم بالمحسوسات عن اضطراب والعلم بالصانع عن ~~الاستدلال # قال عيسى بن أبان الخبر على ثلاثة أقسام قسم يضل جاحده كخبر الرجم وقسم ~~يخشى المأثم على جاحده ولا يضله كخبر المسح على الخفين وقسم لا يخشى المأثم ~~على جاحده كالأخبار التى رويت فى مسائل الخلاف التى اختلفت العلماء فيها ~~فلم يكف عيسى بن أبان من جحد المشهور ثم جعل المشهور بعضه فوق بعض فى ~~المرتبة وهو الصحيح عندنا ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن ~~الخبر المشهور علم طمأنينة PageV01P396 وعن الخبر الغريب علم يغالب الرأى ~~وعن الغريب المستند علم ظن فهذه أربع مراتب تثبت الأخبار # والدليل على هذا أن المشهور لما لم يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على وجه التواتر ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة بالاتصال إلا أنها لما اشتهرت ~~فى السلف وتواترت ولم يظهر رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعلم والعمل بها # قال والمشهور على هذا الوجه حجة يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى ~~ويجوز نسخ الآية بها لأن السلف كانوا أئمة الدين وإجماعهم حجة ولم يكن فيهم ~~تهمة ما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى ms354 ~~زدنا على كتاب الله الرجم وزدنا تحريم العمة على ابنة الأخ وابنة الأخت على ~~العمة وكذا فى الخالة وابنة الأخت على كتاب الله تعالى وزدنا على أعضاء ~~الوضوء الخف بالسنة والشائع على صوم كفارة اليمين والزيادة عندنا تجرى مجرى ~~النسخ إلا أنا نفينا مع هذا شبهة الآحاد فلم نكفر جاحده وحططنا رتبته عن ~~رتبة المتواتر فصار المتواتر علما يقينا من طريق الضرورة والمشهور يوجب علم ~~اليقين أيضا إلا أن السامع متى تأمله حق تأمله وجد فى أوله ما يوجب ضرب ~~شبهة فى آخره وكان دون العلم الواقع بالتواتر # قال وأما الغريب المقبول فما اختلفت الفقهاء خلفا وسلفا فى أحكام الحوادث ~~على ما ورد أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا ~~تضليل وهو حسب اختلافهم فى المقاييس المتعارضة # وأما الغريب المستنكر فنحو ما ذكرناه من الوجوه التى رد السلف بها ~~الأخبار وربما يخشى الإثم على العامل به كما خشينا الإثم على تارك المشهور ~~لأنه قرب من اليقين وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحرى الحق ~~كالذى تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة على تحرى فلبه بلا دليل فهذا كلامه ~~ذكرته على الاختصار وتركت كثيرا مما قاله لأنه لم يكن فيه شىء يستفاد # واعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته والذى قال من ~~المشهور والغريب فلا ننكر أن فى الأخبار ما هو غريب ومنها ما هو مشهور ولكن ~~لا يعرف المشهور من الغريب بإشهاره عند الفقهاء وعدم اشتهاره عندهم لأنه رب ~~خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته وهو مثل ما يروون لا ~~وصية لوارث PageV01P397 ويروون لا تجتمع أمتى على الضلالة # ويروون أنت ومالك لأبيك # ويروون لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد # ويروون المكاتب عبد ما بقى عليه درهم # وهذه أخبار لم يحكم أهل الحديث بصحة شىء منها ورب خبر كان غريبا عند ~~الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته وأما الذى قال إن الخبر الذى تلقته ~~الأئمة بالقبول فهو ms355 موجب للعلم فقد ذكرنا من قبل والذى قال إن العلم الواقع ~~به علم طمأنينة والعلم الواقع بخبر التواتر علم ضرورة هذا تفريق ولا علم ~~فوق علم يطمئن به القلب نعم يجوز أن يقال فى الجملة للمتواتر رتبة زائدة ~~على الخبر الذى ليس بمتواتر لكن تلقته الأئمة بالقبول كما أن للعيان رتبة ~~زائدة على ما نعلم بالخبر وإن تواتر الخبر لكن عدا التفاوت يعرف فى ابتداء ~~البداهة فإن لبداهة العيان ما ليس للخبر وإن وقع به العلم ألا ترى أن موسى ~~عليه السلام لما رأى قومه قد طافوا بالعجل يعبدونه ألقى الألواح وأخذ برأس ~~أخيه يجره إليه وقد كان الله تعالى أخبره بأنهم اتخذوا العجل إلها ولم ~~يتغير فى تلك الحالة وإن كان وقع له العلم الضرورى بخبر الله تعالى له بذلك ~~ولكن للعيان من التأثير والتمكن فى القلب ما ليس فى الخبر وهذا معنى قوله ~~عليه السلام ليس الخبر كالمعاينة كذلك يجوز أن يكون الخبر المتواتر الذى ~~يسمعه فى الابتداء عن الجمع العظيم من التمكن فى القلب ما لا يكون للخبر ~~الواحد وإن اتفقت الأمة على قبوله فإن أراد بالتفاوت هذا القدر فهو صحيح ~~والذى قال من الترتيب فى قوله إن الخبر كذا يضل بتركه وخبر كذا يخشى أن ~~يأثم بتركه وفى الخبر الثالث لا يخشى فالأصوليون لا يعرفون واسطة ثالثة بين ~~الخبر الموجب للعلم والخبر الذى لا يوجب العلم فإن قال قائل شيئا ودل عليه ~~الدليل يقبل وما لا يدل عليه الدليل فهو PageV01P398 مردود وأما الغريب ~~الذى لا يستنكر والغريب الذى يستنكر فهو أيضا إلى أهل الصنعة # وأنا أعلم قطعا أنه لم يكن فى هذا العلم حظ أعنى العلم بصحيح الأخبار ~~وسقيمها ومشهور الأخبار وغريبها ومنكراتها وغير منكراتها لأن هذا أمر يدور ~~على معرفة الرواة ولا يمكن أن يقترب من مثل هذا بالذكاء والفطنة فكان ~~الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوض فى هذا الفن ويحيله على أهله فإن من ~~خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه ms356 افتضاحه عند أهله وليست العبرة بقبول ~~الجهلة وإن لكل ساقطة لاقطة ولكن ضالة ناشد ولكن العبرة فى كل علم بأهله ~~إلا ذهن ولكل عمل رجال فينبغى أن يسلم لهم ذلك # فإن قال قائل فما حد الخبر الصحيح عندكم قلنا قد ذكرنا من قبل رجاله ~~وكتبه فالأمر بالتصحيح والتمريض إليهم وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ ~~فى كتاب علوم الحديث أن صفة الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صحابى مشهور بالصحبة ويروى عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث ~~بالقبول إلى وقتنا هذا وقد قالوا إن الصحيح لا يعرف بالرواية من الثقات فقط ~~وإنما بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس للمعرفة به معين مثل المذاكرة مع ~~أهل العلم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث واعلم أن الشرط الذى شرطوه ~~وهو أن يرويه اثنان من التابعين لا يعرفه الفقهاء لأن عند الفقهاء أن رواية ~~الواحد مقبولة وإذا كان ثقة فحكم بصحة الخبر وقد ذهب بعض المتكلمين إلى شرط ~~العدد وليس بشىء لما ذكرنا من إجماع الصحابة على رواية الراوى الواحد فأما ~~أهل الحديث شرطوا هذا العدد لأنه شرط فى الصحة إلا أنهم يسمون ما نقله ~~الواحد من الواحد الصحيح الغريب ويجعلون ما نقله الاثنان فما زاد وتداوله ~~أهل الرواية بالقبول على ما مضى من القرون الصحيح المطلق أو الصحيح المشهور ~~ولهم أسامى فى هذا الباب وألفاظ تواضعوا عليها لمعانى يحتاجون إليها وذكر ~~ذلك يطول ويمل منه الناس فاقتصرنا على هذا والله أعلم # مسألة الزيادة إذا انفرد بها الراوى الثقة # يقبل عند آخر وكذلك فى قبول عامة الفقهاء وكذلك إذا رفع إلى الرجل الثقة ~~PageV01P399 حديثا ووقفه غيره فالقول قول من رفع وكان حجة مقبولة على قول ~~من ذكرناهم وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن الواحد إذا كان انفرد بزيادة ~~من بين جملة الرواة حمل الأمر فى هذه الزيادة على الغلط وكذلك إذا رفع ~~الواحد حديثا ووقفه أصحابه يتوقف فى الحديث واحتج من رد رواية المنفرد وقال ~~إن ms357 ضبط الراوى إنما يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فإذا لم يوافقوه فى ~~الرواية لم يعرف ضبطه وأيضا فإن الجماعة لو PageV01P400 كانوا فى مجلس ~~فنقلوا عن واحد كلاما وانفرد واحد بزيادة على الباقين مع كثرتهم وشدة ~~عنايتهم بما سمعوه وطرحوه لأطرح السامعون تلك الرواية ولم يقبلوها وأيضا ~~فإن الجماعة لو وافقوا هذا الراوى الواحد يقوى بموافقتهم خبره إلا إذا ~~خالفوه أن يضعف خبره وأما دليلنا فنقول الراوى للزيادة ممن يجب قبول خبره ~~ولا معارض لروايته فيجب قبولها كما لو انفرد برواية الحديث ولم يروه غيره ~~معه وإنما قلنا إن من يقبل خبره لأنه اجتمع فيه العدالة والضبط وجميع ~~الصفات المطلوبة وإنما قلنا لا معارض لروايته لأن التارك لرواية الزيادة لم ~~ينفها ولا معنى # أما قولنا لم ينفها لفظا فبين وأما قولنا لم ينفها معنى فلأنه لبس # ألا ترى أنه لم يرو هذه الزيادة وتركه رواية هذه الزيادة لبس يجب فيه أن ~~يكون لنفيه إياها بل يجوز أنه لم يروها لسهو اعتراه حين تكلم به النبى صلى ~~الله عليه وسلم أو لشغل قلب أو تشاغل بعطاس أو أصغى إلى كلام آخر فإذا جاز ~~كل هذا بطل قول من قال إن التارك للزيادة نفاها معنى واعلم أن على موجب هذه ~~الدلالة ينبغى أن يقال إن الذى ترك رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز ~~عليهم أن يغفلوا بجماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا أن لا يقبل ~~رواية راوى الزيادة فإن قيل نعم تجوز هذه الوجوه التى ذكرتها ويجوز أيضا أن ~~يكون هذا الراوى الواحد غلط فى السماع فتوهم أنه سمع تلك الزيادة من النبى ~~صلى الله عليه وسلم ولم يكن سمعها قيل له سهو الإنسان عما سمعه وتشاغله عن ~~سماع ما جرى بمشهد منه يكثر وأما توهم الإنسان أنه سمع شيئا ولم يكن سمعه ~~وإن كان يجوز ولكن يندر جدا لا يلتفت إليه وقد قال الأصحاب إن الزيادة التى ~~ينفرد بها الثقة بمنزلة الخبر الذى ينفرد الثقة بروايته فإن لم تقبل روايته ~~لهذه ms358 الزيادة وجب ألا يقبل روايته لخبر ينفرد بروايته فإن قيل قول من يثبت ~~الزيادة يعارض قول من ينفيها # قلنا قد أجبنا عن هذا وهذا لأن القول لا يعارض بالسكوت وإنما سبيل ~~المحدثين إذا زاد أحدهما سبيل شهود شهد بعضهم على رجل أنه أقر له فى مجلس ~~بدرهم وشهد آخرون أنه اقر فى ذلك المجلس بدرهم ودينار فالشهادتان جميعا ~~مقبولتان وثبت الدينار مع الدرهم ولا خلاف فى هذا بين الفقهاء وكذلك لم ~~يختلف الفقهاء أن الشاهدين لو شهدوا على رجل أنه طلق امرأته فى مجلس وشهد ~~جماعة أنهم كانوا حاضرين ولم يسمعوا طلاقها أن شهادة الشاهدين بالطلاق ~~مقبولة ويثبت ما شهدوا عليه # واعلم أن هذا الدليل يقتضى أن الراوى الواحد إذا كان ثقة وروى الزيادة ~~وقد كان فى المجلس جماعة لم يرووها أن يقبل رواية من PageV01P401 روى ~~الزيادة ومن حيث المعنى الأول أولى # قال الشافعى رحمة الله عليه من قبل القراءة الشاذة فى كتاب الله تعالى مع ~~أن طريق ثبوته التواتر ورد الزيادة فى الحديث إذا انفرد الثقة العدل بها ~~فقد ناقض # فأما الذين قالوا إن ترك ضابط آخر رواية هذه الزيادة يدل على غلط الأول ~~قلنا هذا لا يصح لأنه لو لم يثبت ضبط الإنسان إلا بموافقته ضابط آخر أدى ~~إلى ما لا نهاية له ولم يعرف أحد # وأما الثانى الذى قالوه قلنا قد بينا أن الذى ترك الرواية لو كانوا جماعة ~~لا يجوز عليهم الغفلة ينبغى أن لا يقبل رواية هذا الواحد ذلك فينبغى أن ~~يقول الجماعة إنهم لم يسمعوه فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض ~~الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم وأما قولهم إن الضابط لو وافق هذا الراوى ~~أوجبت القوة فإذا لم يوافق أوجب الضعف # قلنا ولم هذا لأنه بإمساكه رواية الزيادة ليس بمخالف لأنه ليس نافى لها ~~على ما سبق ويقال لهم أيضا لم إذا كانت مشاركة الرواة له فى الزيادة موجب ~~قوة خبره وجب إذا لم يشاركوه ينتقض تلك القوة إلى ضعف ms359 موجب إسقاط الرواية ~~ألا ترى أن الراوى الواحد لو شارك جماعة فى رواية خبره أوجب ذلك قوة فى ~~خبره ثم إذا لم يشاركوه فى الرواية لم يوجب ضعفا فى خبره يوجب إسقاط روايته # واعلم أنه لا فرق فى هذه المسألة بين أن يسند الراوى الزيادة والتارك ~~للزيادة ما رواه إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين أو مطلقا إطلاقا ففى هذه ~~الصورة كلها يقبل إلا فى الصورة التى ذكرنا فى أثناء المسألة ونذكر صورا من ~~هذه الأخبار التى تفرد الراوي الواحد فيها بزيادة فمن ذلك حديث مالك بن ~~مغول عن الوليد بن العيزار عن أبى عمرو الشيبانى عن عبد الله بن مسعود قال ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الأعمال أفضل قال الصلاة لوقتها # ثم روى الحسن بن مكرم وبندار عن عثمان بن عمرو بندار عن غيره عن مالك بن ~~مغول هذا الخبر وذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الصلاة لأول وقتها ~~وكانت هذه الزيادة مقبولة لأن الحسن بن مكرم وبندارا ثقتان # ومثال ذلك أيضا ما حدث ابن عمر فى صدقة الفطر رواه جماعة من الثقات أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من ~~تمر PageV01P402 ثم روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبد الله بن عمر عن ~~نافع عن ابن عمر وزاد صاعا من قمح # ومثال ذلك أيضا حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من شرب من ~~إناء ذهب أو فضة فإنما يجرجر فى بطنه نار جهنم ثم روى يحيى بن محمد الحارثى ~~حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا ~~الخبر وزاد فيه أو إناء فيه شىء كتلك # ومثال ذلك أيضا حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله قسمت ~~الصلاة بينى وبين عبدى فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله ~~تعالى حمدنى عبدى وهو خبر صحيح # ثم ms360 روى عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن ~~أبى هريرة الخبر وذكر فيه فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى ذكرنى عبدى وقد تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن زياد وفيه ~~مقال # ومثال ما ذكرنا أيضا حديث ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهرى عن عروة ~~عن عائشة رضى الله عنها وعن أبيها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال أيما ~~امرأة نكحت بغير إذن وليها الخبر ثم روى إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقى ~~حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقى حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ابن ~~جريج الخبر وزاد فيه أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها ~~باطل والخبر محفوظ وهذه الزيادة بهذا الإسناد والله أعلم بها # فإن قيل أليس الشافعى قد وهن حديث السقاية لانفراد سعيد بن أبى عروبة بها ~~ومخالفة أصحابه إياه فى هذه اللفظة # قلنا هذا لا يشبه ما ضربنا من الأمثلة لأن سعيد بن أبى عروبة روى مطلقا ~~وغيره روى الخبر وقال قال قتادة يستسعى غير مشقوق عليه غير حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من قول قتادة فيكون هذا الراوى قد ضبط ما خفى على الآخر ~~فلا يكون هذا شبيها بمسألتنا بل قد جرد ما قلنا واستمر وتكون هذه الرواية ~~على وفق ما سمعناه والله أعلم PageV01P403 # | فصل فى معرفة الترجيح بين الأخبار المتعارضة # اعلم أنه إذا تعارض خبران فلا يخلوا إما أن يمكن الجمع بينهما أو يمكن ~~ترتيب أحدهما على الآخر فى الاستعمال فإنه يفعل أيضا فإن لم يمكن وأمكن نسخ ~~أحدهما بالآخر فإنه يفعل فإن لم يمكن رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه ~~الترجيح ومثال الخبرين المتعارضين الذى يمكن استعمالهما ما روى أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال أيما إهاب دبغ فقد طهر # وقال النبى صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فيحمل ~~الحظر على ما قبل الدباغ والإباحة على ms361 ما بعد الدباغ فيستعمل السنتان على ~~الوجه الممكن ولأنه يطرح أحدهما بالآخر # وأما ترتيب أحد الخبرين على الآخر فهو مثل الخاص والعام إذا تعارضا يرتب ~~العام على الخاص وقد ذكرنا هذه المسألة # وأما الناسخ والمنسوخ فكثير وسيأتى بيانه # وأما الترجيح لأحد خبرين على الآخر فيدخل من جهة الإسناد ويدخل من جهة ~~المتن # فأما الترجيح من جهة الإسناد فمن وجوه # أحدها أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا فنقدم رواية الكبير لأنه ~~يكون أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته على رواية أنس فى إفراد الحج وقرانه مع ~~العمرة فقال إن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن منكشفات وأنا أخذ ~~بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P404 فيسيل على لعابها # والثانى أن يكون أفقه فتقدم روايته على من دونه فى الفقه لأنه أعرف بما ~~سمع # والثالث أن يكون أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أولى لأنه ~~يكون أوعى لما سمعه # والرابع أن يكون أحدهما باشر القصة أو تعلق القصة به فيقدم روايته لأنه ~~أعرف بالقصة من الأجنبى عنه # ومثال هذا فى مسألة نكاح المحرم ورواية أبى نافع أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم كان حلالا # وكذلك رواية ميمونة فيكون أولى من رواية ابن عباس أنه كان محرما # والخامس أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فتقدم على الخبر الذى يكون أقل ~~رواة ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا يقدم الشهادة بكثرة العدد # وكذلك لا يقدم أحد الفتويين بكثرة المفتين والأول أصح لأن الترجيح يكون ~~بوجود قوة فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر ومعلوم أن كثرة الرواة نوع قوة ~~فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر لأن قول الجماعة أقوى فى الظن وأبعد من ~~السهو من قول الواحد وأيضا أقرب إلى إفادة العلم وهو إذا بلغ عددا يقع به ~~تواتر الخبر # وأما الشهادة والفتوى فقد منعوا والمذهب التسليم # والفرق بين الرواية والشهادة مقدرة فى الشرع بعدد معلوم فكفينا الاجتهاد ~~فيها وأما الرواية فقد بنى أمرها على ms362 الاجتهاد وفى الرواة يوجد إذا كثروا ~~ما لا يوجد إذا قلوا وهو سكون النفس من طمأنينتها فإنه يوجد عند كثرة ~~الرواة ما لا يوجد عند قلتهم PageV01P405 # والسادس أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة فتكون روايته أولى لأنه يكون ~~أعرف بما داوم عليه الرسول من السنن # والسابع أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم خبره لأنه كان أحسن ~~عناية بالخبر من الآخر فلهذا قدمنا جابر فى إفراد الحج # والثامن أن يكون أحدهما متأخر الإسلام فتقدم روايته لأنه يحفظ أحد ~~الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك إذا كان أحدهما متأخر ~~الصحبة فيدل ذلك على تأخر سماعه وهذا والأول واحد وقد قال أصحاب أبى حنيفة ~~لا يقدم بهذا لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبى صلى الله عليه ~~وسلم فلا يكون للمتأخر ترجيح عليه والذى قلناه أولا أولى لأن سماع المتأخر ~~متحقق لغيره وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتأخر فما تأخر سماعه يتبين يكون ~~أولى ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أوامر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومثال ذلك ما فعله الشافعى من تقديم رواية ابن عباس فى ~~التشهد على رواية ابن مسعود # والتاسع أن يكون أحد الراويين أورع وأشد احتياطا فيما يروى فتقدم روايته ~~لاحتياطه فى النقل # والعاشر أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب لفظه فيكون الذى ~~لم يضطرب لفظه أولى # والحادى عشر أن يكون أحد الخبرين رواه أهل المدينة والخبر الآخر رواه ~~غيرهم فيكون الأول أولى لأنهم يروون أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنته التى مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم # والثانى عشر أن يكون أحد الروايين اختلفت عنه الرواية والآخر لم تختلف ~~عنه الرواية فمن أصحابنا من قال بتعارض الروايتان اللتان اختلفتا وينفى ~~رواية من لم PageV01P406 تختلف عنه الرواية ومنهم من قال يرجح رواية من لم ~~تختلف عنه الرواية لمكان الاختلاف وعدم الاختلاف # وأما ترجيح المتن فمن وجوه # أحدها أن يكون أحد الخبرين موافقا لدليل آخر ms363 من كتاب أو سنة أو قياس ~~فيقدم على الخبر الآخر الذى لا يوجد له هذه القوة # والثانى أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فيكون أولى لأن عملهم به يدل ~~على أنه أحد الأمرين وكذلك إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فيكون أولى ~~لأن عملهم يدل على أن الشرع استقر عليه ويدل أنهم دونوه عن سلفهم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قدمنا رواية الإفراد على رواية التثنية فى ~~الإقامة # والثالث أن يكون أحدهما مجمع النطق والدليل فيكون أولى ما وجد فيه أحدهما ~~لأنه يكون أبين # والرابع أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فيكون النطق أولى من الدليل ~~لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه ومعنى هذا الدليل دليل الخطاب # والخامس أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدثهما فالذى يجمع القول ~~والفعل أولى لأنه أقوى من حيث تظاهر الدليلين وإن كان أحدهما قولا والآخر ~~فعلا ففيه أوجه وقد سبق فى باب الأفعال # والسادس أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب والذى ورد ~~على غير سبب أولى لأنه يكون متفقا على عمومه والوارد على سبب مختلف فى ~~عمومه # والسابع أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا فيقدم الإثبات لأن مع المثبت ~~زيادة علم والأخذ بروايته أولى # والثامن أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا على الأصل فيكون الناقل عن ~~الأصل PageV01P407 أولى لأنه يفيد حكما شرعيا ليس فى الآخر # والتاسع أن يكون فى أحدهما احتياط لا يوجد فى الآخر فيكون الأحوط أولى ~~لأن الأحوط أسلم للدين # والعاشر أن يكون أحدهما يقتضى الحظر والآخر يقتضى الإباحة ففيه وجهان # أحدهما أنهما سواء لأنهما حكمان شرعيان # والوجه الآخر وهو الأصح أن الذى يقتضى الحظر أولى لأنه أحوط # وقيل فى القسم الأول إذا تعارض خبران من روايتين ورويا من واحد وأحدهما ~~أعلم ممن يروى عنه فيكون أولى كالرواية فى زوج بريرة فالذى روى أنه كان ~~عبدا القاسم بن محمد وعروة بن الزبير عن عائشة والذى روى أن زوج بريرة كان ~~حرا الأسود ms364 عن عائشة وعروة والقاسم أعلم بعائشة رضى الله عنها من الأسود ~~لأنهما قريباها والأسود أجنبى منها وقيل أيضا إذا تعارض الخبران أن يجوز أن ~~يرجح أحدهما على الآخر لأن الصحابة تلقته بالقبول وإن لم يعرف من الصحابة ~~فى ذلك شىء فإن كان عوام أهل الحديث عملوا بأحدهما يقدم على الآخر # وقيل إنه يرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون أحدهما أشبه بمعانى الكتاب ~~والثانى أشبه بمعانى السنة وهذا قد بينا فإن لم يوجد فى واحد من الخبرين ~~ترجيح بوجه ما وعدم الكل طرحا ويرجع إلى ما كان عليه الإفراد أولا اعلم أن ~~الذى تضمنه الخبر أن ليس من دين الله إذ لو كان من دين الله لم يقع بينهما ~~التنافى أو كان أحدهما من دين الله لم يخل من دليل يدل عليه فإذا لم يدل ~~الدليل على واحد منهما من الوجوه التى قدمناها علمنا أنه ليس من عند الله ~~تعالى وتقدس فأسقطناهما جميعا وقد رجح عيسى بن أبان المرسل على المسند لأن ~~الراوى قال قال النبى صلى الله عليه وسلم وكأنه قطع به والآخر إحالة على ~~غيره ونحن قد بينا أن المرسل ليس بحجة فكيف يرجح بهذا الوصف قال القاضى عبد ~~الجبار هذا الكلام الذى قاله عيسى بن أبان وهو أن الراوى لا يقول قال النبى ~~صلى الله عليه وسلم إلا وقد وثق أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله إنما ~~PageV01P408 يصح إذا قال قال النبى صلى الله عليه وسلم فأما إذا قال عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم فلا يتأتى هذا الكلام وأيضا فإن قول الراوى قال ~~النبى صلى الله عليه وسلم يحسن مع الظن لكونه قائلا لذلك كما يحسن مع العلم ~~فمن أين أنه لم يقل قال النبى صلى الله عليه وسلم إلا وقد روى له جماعة ~~وظنه أكثر من الظن الحاصل برواية المسند المعارض له فإن قالوا إن الذى يرسل ~~لا يقول قال النبى صلى الله عليه وسلم إلا وقد روى له جماعة قلنا هذا لا ~~يعرف ms365 وقد بينا أن السكوت عن اسم المروى عنه محتمل لوجوه كثيرة وقد رجح قوم ~~الخبر بالذكورة والحرية أما الحرية فلا تأثير لها فى قوة الظن وأما الذكورة ~~فيجوز أن يقال إن الضبط معها أشد وظاهر المذهب أن لا يرجح بهما وقد قال قوم ~~إن أحد الخبرين إذا كان يقتضى إيجاب حد والآخر يقتضى نفيه فالنفى أولى لأن ~~الحد يسقط بالشبهة وقد قيل إنهما حسان لأن الحد إنما يسقط عن الأعيان ~~بالشبه فأما إثباته فى الجملة فمساو لإثبات سائر الشرعيات وفى تعارض ~~الخبرين فى إثبات الشىء ونفيه كلام كثير وقد ذكر قوم موافقته دليل العقل فى ~~النفى لأنه الأصل فيكون أولى ويمكن أن يعارض فيقال إن الشرع ناقل كما كان ~~عليه فى الأصل فيكون الخبر الذى يتضمن النقل أولى من الذى يتضمن نفيه الشىء ~~على ما كان عليه فى الأصل وأما إذا تضمن أحد الخبرين الحرية والآخر الرق ~~فقد قال بعضهم إن المثبت للحرية أولى وقال بعضهم هما سيان لأنهما حكمان ~~شرعيان يتقابلان ويتماثلان والأول أحسن وهو أن الحرية أولى لأن الحرية لا ~~يعترضها من الأسباب المبطلة لها ما يعترض الرق والحرية لا يبطلها شىء بعد ~~ثبوتها بخلاف الرق ومثل أيضا فيما لو تعارض خبران أحدهما على قضية العقل ~~والآخر على قضية الشرع أن الذى على قضية الشرع أولى لأنه ناقل على ما سبق ~~وقال بعضهم إذا تعارض خبران أحدهما معلل فيكون أولى وفى الباب كلام كثير ~~اقتصرنا على هذا والله أعلم # # | فصل # اعلم أنا قد فرغنا من القول فى الأخبار وقد شرحنا الكلام فيها على حسب ما ~~أذن الله تعالى فى ذلك وأرجو أن يكون قد وقع به الغنية عن كثير من تطويلات ~~الأصوليين وقد رأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ضم إلى أبواب الأصول المعروفة ~~بابا فى تأويل الأخبار وسمى الباب باب التأويل وذكر أن التأويل هو رد ~~الظاهر إلى الله تعالى فى دعوى المسئول وذكر أن الذى يطرق إليه التأويل وهو ~~الظاهر # قال وظهوره أن يكون اللفظ فى معناه ms366 مظنونا غير مقطوع وأما النصوص فلا ~~يتطرق إليها PageV01P409 تأويل قال ولا يجوز الاستدلال بالظواهر فيما ~~المطلوب منه القطع لأن ظهور معناه غير مقطوع فلا يسوغ الاستدلال به فى ~~الأمر المقطوع وأما فى أحكام الشرع فيسوغ الاستدلال بالظواهر وقد كانت ~~الصحابة يتعلقون فى تفاصيل الشرع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون فى ~~استدلالهم على النصوص ومن استراب فى تعلقهم بالقياس فلا يستريب فى تعلقهم ~~بالظواهر وعلى القطع نعلم أن الظاهر فى إفادة غلبة الظن فوق الأقيسة فإذا ~~جاز التعلق بالقياس جاز التعلق بالظواهر ودليل كون الظاهر حجة فى العمليات ~~هو الإجماع مثل ما هو الحجة فى أخبار الآحاد سواء كانت ظواهر أو نصوصا ثم ~~تأويل الظواهر فى الجملة سائغ إذا قام الدليل عليه ولا بد من دليل يقوم ~~عليه لأن التحكم بالتأويل معتضل عليه من غير أن يعضد شىء لا يجوز لأنه لو ~~جاز ذلك لبطل التمسك بالظواهر أصلا فصار التحكم بالتأويل مردودا وأصل ~~التأويل مقبولا إذا لم يكن على وجه التحكم بل كان مستندا إلى دليل وقد ذكر ~~كلاما طويلا فى المقدمة اختصرنا ما نحتاج إليه ثم ذكر أخبارا رويت فى مسائل ~~من الخلافيات التى تثار بين أصحاب أبى حنيفة وذكر تأويل المخالفين لها وبدأ ~~بمسألة النكاح بلا ولى وذكر الخبر الذى روى فى الباب من قوله عليه السلام ~~أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ورد تأويلهم للخبر ~~من حملهم على الصغيرة والمكاتبة ورد تأويلهم بالكلام المعهود وعلى ما عرف ~~فى مسائل الخلاف واعتمد فى رد كثير من تأويلات الخصوم بحرف واحد وهو أن ~~الشارع صلوات الله عليه إذا ذكر أبلغ الصيغ فى العموم لا يجوز أن يحمل على ~~موضوع نادر في الوجود قال ويستحيل أن يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم أعم ~~الصيغ وهو قوله أيما امرأة نكحت فإن أعم الصيغ كل وأى وما فيذكر أعم ~~الأدوات ويكون قصده تأسيس شرع ثم زيد والحالة هذه مكاتبة أو صغيرة دون ~~الحرائر البالغات اللاتى هن الغالبات المقصودات ms367 ومن ظن هذا التخصيص فى مثل ~~هذا العموم فقد ظن محالا وما كان إلا كمن يقول لبوابه لا تدخل على أحد فلو ~~دخل البواب كل مبرم ثقيل ولم يدخل قوما مخصوصين زاعما إنى حملت لفظك على ~~الذين منعتهم لم يقبل هذا الكلام من البواب وكان حريا أن يؤدب ويصفع وقد ~~ذكر من هذا النوع لرد هذا التأويل وأمثاله كلاما طويلا وذكر عن أبى بكر ~~محمد بن الطيب أنه قال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلوات ~~الله عليه لم يعن بقوله أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها المكاتبة دون غيرها ~~أو الصغيرة دون المبالغة ثم قال وقد سلم الرسول PageV01P410 صلى الله عليه ~~وسلم الموافق والمخالف أنه كان على الغاية القصوى من الفصاحة وحمل كلامه ~~على مثل هذه المحامل يحط كلامه عن رتبة الفصاحة والجزالة ويكون التكلم بمثل ~~هذا الكلام وهو قول أيما امرأة نكحت ثم يريد المكاتبة والصغيرة حظرا وعيا ~~وما هذا إلا كمن يقول رأيت جمعا من العلماء ثم إذا روجع يفسره بقطيع من ~~الغنم ذهابا منه إلى أنهما على علوم يتعلق بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك ~~إذا فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من العلماء فى كثير من الأشياء ~~لم يقبل ذلك منه وعد هازلا لاعبا قال فإن قال قائل إن الصغائر والمكاتبات ~~داخلات تحت قوله أيما امرأة فإذا دخلت تحت ظاهر اللفظ ولم يبعد تنزيل لفظ ~~العموم عليهن تخصيصا يدل عليه أن التخصيص فى اللفظ العام يجرى مجرى # الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه باستثناء شاذ نادر فليكن الأمر فى ~~التخصيص كذلك والجواب أن التأويل ليس يسوغ بما قلتم وإنما يقبل التأويل إذا ~~سوغه الفصحاء وأهل اللسان وإذا سمعوا أن يستنكروا ذلك والتخصيص فى الجملة ~~للعموم غير مستنكر وإنما المستنكر إرادة الأخص والأخص باللفظ الأعم الأشمل ~~وأما الاستثناء فنقول ليس يساغ التأويل بالقياس حتى يحمل التخصيص على ~~الاستثناء وإنما يساغ التأويل بالوجه الذى قدمنا وهو أن لا يكون اللفظ ~~متباينا له وذكر أبلغ العموم ms368 فى سياق الشرعيات وبنائها وتأسيسها متأتى ~~لحمله على أخص الخصوص وقد منع القاضى أبو بكر جواز مثل هذا فى الاستثناء ~~أيضا وإذا صدر من الرسول وغير الرسول صلوات الله عليه إنما يجوز فى صيغة ~~ركيكة والرسول صلى الله عليه وسلم مبرأ من مثل ذلك وذكر بعد هذا تأويلهم فى ~~قوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وعلى هذا ~~اللفظ أورد فى أكثر التعاليق والمعروف قوله من لم يجمع الصيام من الليل فلا ~~صيام له وقال قد أولوا هذا على النذر المطلق أو القضاء وقال وهذا تأويل ~~يسبه تأويلهم فى المسألة الأولى فإن هذا الكلام كلام بالغ فى اقتضاء العموم ~~فإذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ابتداءا الإنباء على سؤال ولا تنسيقا ~~للكلام على حال فإذا ظن ظان أن الصوم الذى هو ركن للإسلام وهو القاعدة ~~الأصلية لم يعيبه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يرده وإنما أراد ما يقع ~~فرضا للفرائض PageV01P411 الشرعية كالمنذور أو فرعا للأداء كالقضاء فقد ~~أبعد كل الإبعاد وانصرف عن مأخذ الكلام وذكر تأويلهم الآخر لهذا الخبر وهو ~~أنه أراد إذا نوى اليوم أن يصوم غدا قال وهذا أيضا صورة شاذة نادرة تجرى فى ~~أدراج الوساوس ومن يفعل مثل هذا وربما لا يقع فى الدهور الكثيرة مرة واحدة ~~وحمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشاذ النادر باطل يدخل عليه ~~أن مثل هذا اللفظ إنما يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحسانا ~~على تقديم التبييت وهذا يعلم بأول البديهة ولا ينكره محصل فإذا حمل حامل ~~ذلك على النهى عن التقديم على الليل كان ذلك يقتضى مقصود الخطاب وذكر ~~تأويلهم فى حمل اللفظ على نفى الكمال وأجاب عنه بأن حمل اللفظ على نفى ~~الكمال غير ممكن فى القضاء والنذور وهما من متضمنات الحديث فإذا تعين حمل ~~اللفظ على حقيقتها فى بعض المسميات تعين ذلك فى سائرها لأن الإنسان الفصيح ~~لا يرسل لفظه وهو يريد حقيقته من وجه ومجازه ms369 من وجه وعلى الجملة أقول قوله ~~لا صيام حقيقة لنفى أصل للصوم كقوله لا رجل فى الدار نفى أصله فحمله على ~~نفى وصف من الصوم مع تبقية أصله مجاز ولا بد فيه من دليل ثم ذكر مسألة نكاح ~~المشركات وإسلام الرجل والعدد أكثر من الأربع والأخبار المروية فى الباب ~~وتأويل الخصوم لذلك وبين وجه بطلانه وهو وجه بين وفساده ظاهر ولا يحتاج فيه ~~إلى كثير إطناب وقد بينا فى الخلافيات للفروع فلا معنى لذكر ذلك هاهنا ثم ~~ذكر التأويل الذى ذكره الأصحاب وقوله @QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين @QE@ وحمل الكثير على الجواز كقولهم جحر ضب وكقول الشاعر # ( كبير أناس فى نجاد مزمل % ) وزيف هذا التأويل بكلمات قالها وذكر وجها ~~آخر فى الكلام على هذه القراءة والصحيح إيجاب الغسل ثم ذكر أن قراءة النصب ~~أمثل وهذا التزييف لا ينبغى أن يسلم لهذا القائل وقد ذكر أهل اللغة فى ~~كتبهم والقراءتان معروفتان والغسل واجب فى الرجلين بلا ريب وترا وقد صنف ~~القاضى أبو الطيب الطبرى رحمه الله فى هذه المسألة تصنيفا حسنا وبلغ الغاية ~~ولم يحتمل هذا الكتاب إيراد ما أورده ومن طلب ذلك أو طلب تصحيح ما قاله ~~الأصحاب لم يعدم الدليل عليه قال أبو الحسين بن فارس فى كتاب حلية الفقهاء ~~فأما غسل الرجلين فواجب ولا صلاة إلا بغسلهما والدليل على ذلك قوله عز وجل ~~@QB@ وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم @QE@ المائدة 6 لأنه رده إلى قوله @QB@ ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم @QE@ المائدة 6 فإن قال قائل فقد قرئت بالخفض قيل ~~له قد يعطف الاسم على الاسم PageV01P412 ومعناهما مختلف إلا أنه عطف هذا ~~عليه لقربه منه فإن الله تعالى قال @QB@ يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين @QE@ الواقعة 16 17 ثم قال @QB@ وحور عين @QE@ ~~الواقعة 22 وهؤلاء يطاف بهن على أزواجهن وقد قال شاعر العرب # ( ورأيت زوجك فى الوغا % متقلدا سيفا ورمحا ) # والرمح لا يتقلد فى نظرنا فوجدنا الغاسل ماسحا غاسلا فقد جمع الأمرين ~~فوجدنا الماسح لا يأتى إلا بأحد الشيئين فأخذنا بالغسل ms370 ويمكن أن يقال أيضا ~~إن الله تعالى قال فى اليدين @QB@ وأيديكم إلى المرافق @QE@ وقال فى ~~الرجلين @QB@ وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ فقد ربط منتهى الفرض فى الرجلين ~~بالكعبين وربط واجب اليدين بالمرفقين ومن يكتفى بالمسح فلا معنى لذكر ~~الكعبين عنده ثم ذكر أن المخالفين قالوا يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء ~~الأصناف لأن المرعى هو الحاجة قال وهذا تأسيس معنى يعطل تقييدا من الله ~~تعالى فى الآية بذكر الأصناف الثمانية ولو كانت الحاجة هى المرغبة لكان ~~ذكرها أولى وأحسن وأشمل فلما نص الرب عز اسمه على الأصناف الثمانية كان ~~التأويل باعتبار الحاجة تعطيلا لا تأويلا فإن الحاجة قد لا تستمر فى بعض ~~الأصناف كالعاملين وبعض الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة الثائرة ~~والفتن الثائرة وقد ذكرنا وجه كلامهم على هذه الآية وانفصالنا عما قالوه فى ~~كتاب الاصطلام فتركنا ذكره هاهنا وأوردنا ما ذكره القائل على كلام مشائخهم ~~ثم ذكر الآية الواردة فى خمس الغنيمة وذكر عن أبى حنيفة أنه اعتبر الحاجة ~~لا القرابة قال والذى ذكره مضادة ومحادة وقد ذكرنا وجه كلامهم أيضا فى كتاب ~~المسمى علم الآية وانفصلنا عنه فاستغنينا عن ذكر ذلك هاهنا وقد ذكرنا أنهم ~~لا يعتبرون مجرد الحاجة ثم ذكر قوله تعالى @QB@ فإطعام ستين مسكينا @QE@ ~~المجادلة 4 وقبول الخصم من وساوس أن معناه فإطعام ستين مسكينا وزيف هذا ~~الكلام بوجه من العربية ونحن قد ذكرنا بطلانه فى المسائل قال ومن الظواهر ~~أيضا قوله عليه السلام فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا جف قالوا نعم قال فلا ~~إذا # قال وإن لم يكن هذا أيضا فى وضع اللسان للتعليل لكنه ظاهر فيه فمن أراد ~~أن يزيل هذا الظاهر بقياس كان مردودا لأن ما يظهر من كلام الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فى التعليل مقدم على ما يظهر فى ظن المستنبط وهذا لأن القياس ~~تعلق بمسلك من الظن فيكون ما ظهر من كلام الرسول صلوات الله عليه فى ~~التعليل أولى منه وهذا الكلام يوجب أن لا يصح تخصيص العموم بالقياس ونحن قد ms371 ~~بينا جوازه على أصلنا فى هذه المسألة قوله عليه السلام فلا إذا نص ~~PageV01P413 فى فساد البيع وليس مما يتطرق إليه تأويل حتى يقال إنه يعضد ~~بالقياس ويؤيد به وذكر مسألة الشغار ومسائل تشبهها وحمل الخصوم النهى فيها ~~على الكراهة ثم قال وقد ثبت من عادات السلف الماضيين حمل أمثال هذا على ~~الفساد والامتناع عنه بالكلية فمن أراد مخالفة ما ظهر لنا منهم كان فى حكم ~~المخالف لهم قال وهذا لا يبلغ فى السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات واعلم ~~أنه لم يكن غرضنا ذكر هذه التأويلات لأن هذا الكتاب يشتمل على ذكر أصول ~~الفقه وليس هذا من أصول الفقه فى شىء إنما هذا الكلام يورد فى الخلافيات ~~وفى التعاليق غير أنا ذكرنا طرفا من ذلك ولا يعدم الناظر فيه نوع فائدة ~~وعلى الجملة لا يجوز حمل الخاطر على استخراج التأويلات المستكرهة للأخبار ~~وينبغى للعالم الورع أن يتجنب ذلك ويحترز عنه غاية الاحتراز لأن الكلام على ~~كلام الشارع صعب والزلل فيه يكثر وقد ورد فى الخبر يحمل هذا العلم من كل ~~خلف عدولهم # وقال فى وصفهم ينفون عنه تأويل الجاهلين والله العاصم بمنه والمرشد إلى ~~الصواب بفضله وعونه ونسأله تعالى أن لا يجعلنا من هؤلاء القوم فقد بين ~~النبى صلى الله عليه وسلم أن الجهل يحمل الإنسان على التأويلات المستكرهة ~~وذكر أن العدول من علماء الأمة ينفون ذلك وذكر أيضا أنهم ينفون تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وإلى الله الملاذ وبه المعاذ من وساوس النفس ~~وخواطر السوء فما ضل من ضل ولا هلك من هلك إلا بأمثال ذلك والله المستعان # مسألة هذه مسألة تتصل بالأخبار وهى ما يشتمل على القراءة الشاذة من الحكم ~~هل تكون القراءة الشاذة حجة فيه # اعلم أن ظاهر مذهب الشافعى رحمه الله أن القراءة الشاذة التى لم تنقل ~~تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزل الخبر الواحد ولهذا نقول إن ~~التتابع لا يجب فى صيام الكفارة وإن كان قد وجد فى القراءة الشاذة المنسوبة ~~إلى ابن مسعود ms372 رضى الله عنه فصيام ثلاثة أيام متتابعات وأما أصحاب أبى ~~حنيفة يعلقوا هذه القراءة الشاذة PageV01P414 فزعموا أن هذه القراءة وإن ~~كان النقل قد انقطع فيها فلا يكون دون الخبر الواحد فلا بد أن يكون حجة # قالوا وقد كانت قراءة ابن مسعود مستفيضة فى الأتباع وأتباع الأتباع ثم ~~انقطع النقل فبقيت بطريقة الآحاد فجعلنا مواجبها بمنزلة مواجب أخبار الآحاد ~~وتعلقوا أيضا بما نقل فى قراءته فى آية السرقة والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيمانهما وفى مسألة نفقة المبتوتة بما وجد فى قراءة ابن مسعود فى صورة ~~الطلاق @QB@ أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن ~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن @QE@ وإذا وضعن حملهن @QB@ فإن ~~أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ هكذا قراءته فى المصحف المنسوب إلى عبد الله ~~بن مسعود رضى الله عنه فظاهرها يقتضى وجوب النفقة على الإطلاق ويقتضى أن ~~ذكر مدة الحمل ليس لأن النفقة واجبة وإن طالت مدة الحمل وقد حملوا القراءة ~~المعروفة على هذا وأثبتوا فيها تقديما وتأخيرا ذكر ذلك أبو زيد فى الأسرار # ونحن نقول إن الاحتجاج بالقراءة الشاذة ساقط والدليل عليه شيئان أحدهما ~~القرآن قاعدة الإسلام ومنبع الشرائع وإليه الرجوع فى جميع الأصول ولا أمر ~~فى الدين أهم منه والأصل أن كل ما جل خطره وعظم موقعه فى أمر الدين فأهل ~~الأديان يتواطئون ويتفقون على نقله وحفظه وتتوفر دواعيهم على ذلك فلو كانت ~~هذه القراءة من القرآن الذى أنزله الله تعالى لنقل نقلا مستفيضا ولشاع ذلك ~~فى أهل الإسلام وحين لم ينقل دل أنه ليس بقرآن وإذا لم يكن من القرآن الذى ~~أنزله الله تعالى لم يقم به حجة لأنه لو كان حجة لكان حجة من هذه الجهة # ببينة أن لا خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما أعدوه من الأحكام لا ~~من جهة التواتر ولا من جهة الآحاد وكونه موجودا فى بعض المصاحف لم يثبت أنه ~~قرآن فمن أى وجه يدعون قيام الحجة به وقولهم إن القراءة الشاذة تنزل منزلة ~~الخبر ms373 الواحد هذا دعوى ولا يعرف هذا وبأى دليل تنزل منزلة الخبر الواحد ~~ونحن نعلم أنه لا نقل فى هذه القراءات لا من قبل التواتر ولا من قبل الآحاد ~~ويقول أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أجمعوا فى زمن أمير المؤمنين عثمان ~~بن عفان رضى الله عنه على هذا المصحف الذى يدعى الإمام وهو الذى بين أظهرنا ~~وأطرحوا ما عداه وروى أنهم حرقوا الباقى وقيل إنه دفن وقد نقل اضطراب ابن ~~مسعود فى ذلك غير أن الصحابة لم يلتفتوا إلى اضطرابه واتفقوا على ما ~~PageV01P415 اتفقوا عليه ويروى أنه ناله تأديب عمر ولم ينكر على عثمان فى ~~ذلك منكر يدل عليه أنه لما تجمعت عليه الطائفة المعروفة من الكوفة والبصرة ~~وادعوا أشياء عليه وزعموا أنه غير وبدل لم يرو أنه ذكر أحد منهم أمر المصحف ~~ولو كان ذلك أمرا ينكر لكان الأهم فى ذلك أن يخصوه بالذكر ولا يدعوه جانبا ~~وذكروا أشياء لا تدانى هذا فثبت أن القرآن ما يحويه المصحف للمهام واعلم أن ~~الأولى عندى أن لا يتعرض لتلك القراءة وأشباهها أصلا ولا يذكر أنه قرآن أو ~~ليس بقرآن لأنه فى كلا الأمرين خطأ وقد اشتمل الصحاح على أشياء لا توجد إلا ~~فى قراءة ابن مسعود ولكن مع هذا نقول لا يقوم بما فيه حجة لعدم النقل ولأنه ~~لو كانت تشتمل تلك القراءة على أحكام لا توجد فى القراءة المعروفة لم يعرض ~~عنها الأئمة ولنقلوا ذلك إما بتواتر أو بآحاد حتى لا تضيع ولا تتعطل تلك ~~الأحكام فهذا وجه الكلام فى هذا والله أعلم # وأما الإعراب الذى اختلف فيه القراء فليس كذلك مخالف المصحف الإمام وقد ~~ادعى أهل القراءة أن ذلك منقول بطريق يوجب العلم ولولا ذلك لم يقروا بها ~~حين انتهى الكلام فى الأخبار وما يتصل بها بعون الله وتوفيقه نذكر ~~PageV01P416 # | القول فى الناسخ والمنسوخ # ونبتدىء بمعنى النسخ فى اللغة والشرع أما من حيث اللغة فاعلم أن معنى ~~النسخ فى اللغة نقل الشىء وإزالته بعد ثبوته من قولك نسخت الشمس ms374 الظل إذا ~~أزالته ونسخت الرياح الآثار إذا محتها ويقال أيضا نسخت الكتاب وهو بمعنى ~~نقل المكتوب من مكان إلى مكان آخر وقيل إن الأشبه أن يكون حقيقة بمعنى ~~الإزالة فحسب وأما بمعنى النقل فيكون مجازا لأن ما فى الكتاب لا ينقل حقيقة ~~ألا ترى أنه ثابت فيه على ما كان من قبل وإذا كان مجازا فى النقل كما ذكرنا ~~لم يبق إلا أن يكون حقيقته فى الإزالة ويجوز أن يقال أنه حقيقة فى النقل ~~أيضا لأنه إذا نسخ الكتاب فقد حصل المكتوب الذى كان فى هذا الموضع فى موضع ~~آخر فصار شبه النقل إن لم يكن نقلا حقيقة فدلنا هذا أن اسم النسخ موضوع ~~للنقل حيث تجوزوا به فيما يشبه النقل وأما نسخ الكتاب بإزالة وهو لا شبه ~~الإزالة وقد قيل إن ما قالوه لا يدل على أنه ليس بحقيقة فى الإزالة لأنا ~~بينا من حيث اللغة أنهم عرفوا النسخ بمعنى الإزالة ويمكن أن يقال إن النقل ~~بمعنى الإزالة سمى نسخا لأن النقل يزيل المنقول من مكانه الأول # والأولى فى الشرع أن يكون بمعنى الإزالة وحده لأنه خطاب دال على ارتفاع ~~الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان لازما مع تراخيه عنه ولا ~~يلزم على هذا ما سقط عن الإنسان بالموت حيث لا يكون ذلك لأنا قلنا خطاب دال ~~وذلك ليس بخطاب ولا يلزم ما وقع مما كانوا عليه من شرب الخمر وغيره لأن ذلك ~~ليس بنسخ من حيث إن ما كانوا عليه لم يثبت بخطاب ولا يلزم ما أسقط بكلام ~~متصل كالاستثناء والغاية مثل قوله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~@QE@ البقرة 187 حيث لا يكون نسخا لأنه غير متراخى عنه وقيل إن اللفظ الدال ~~على انتهاء الحكم الشرعى مع التأخر عن مورده وهذا جد حسن وهو أوجه من الأول # واعلم أنه لا يجوز أن يقتصر على قول من قال إنه بيان انقضاء زمان العبادة ~~لأنه يدخل الموت على هذا فإنه ينتفى زمان العبادة به ولا يكون نسخا ms375 ويقال ~~إنه رفع الحكم PageV01P417 المأمور به بالنهى عنه ويقال إزالة الحكم بعد ~~استقراره والأولى ما سبق # واعلم أن التناسخ يقع على أشياء فالناصب للدلالة الناسخة يوصف بأنه ناسخ ~~فالله تعالى ناسخ لأنه ينصب الدلالة الناسخة ولهذا يقال إن الله تعالى نسخ ~~التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة ويوصف الحكم بأنه ناسخ فيقال ~~وجوب صوم شهر رمضان ناسخ صوم عاشوراء ويوصف المعتقد لنسخ الحكم بأنه ناسخ ~~فيقال فلان ينسخ الكتاب بالسنة أى يعتقد ذلك ويوصف الطريق بأنه ناسخ فيقال ~~القرآن ناسخ للسنة وخبر كذا ناسخ لخبر كذا فى الحد الذى ذكرناه فى الطريق ~~الناسخ وقد اشتمل الحد الذى ذكرناه على شرائط النسخ وتفصيل ذلك وهو أنه لا ~~بد أن يكون الحكمان أعنى الناسخ والمنسوخ شرعيين لأن العجز يزيل التعبد ~~الشرعى ولا يقال إن الناسخ من شرائطه أيضا أن يكون الناسخ منفصلا عن ~~المنسوخ لأنه إذا كان متصلا به فإما أن يسمى استثناء أو يسمى غاية ولا يسمى ~~نسخا بحال # ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ ~~العنكبوت 14 وإلى قوله تعالى @QB@ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو ~~يجعل الله لهن سبيلا @QE@ النساء 15 وقد دل الدليل المنفصل عن الدليل الأول ~~ببيان السبيل وهو الرجم أو الجلد على ما عرف فكان الإمساك منسوخا والرجم ~~والجلد ناسخا ومن شرط صحة النسخ أيضا أن يكون إزالة لحكم الفعل لا لنفس ~~الفعل وصورته لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا يصح إزالتها وإنما الأدلة ~~الشرعية دلت على زوال وجوب التوجه إليها أو دلت على جواز الصلاة إليها وقد ~~قال بعضهم إن PageV01P418 من شرط حسن النسخ أيضا أن يكون إزالة لنفس ما ~~تناوله التعبد على الوجه الذى تناوله بل أن يكون النسخ فى التعبد بمثله فى ~~وقت آخر وهذا فيه نظر لأنا نجوز نسخ الشىء قبل وقت فعله وسيأتى ذلك من بعد ~~ونبتدىء بالقول فى جواز النسخ # مسألة النسخ جائز فى الشرعيات # وقالت اليهود لا يجوز ذلك وكذلك قال ms376 شرذمة من المسلمين # وقد نسب ذلك إلى بعض الروافض من اليهود وطائفة يجوزون النسخ وتعلق من لم ~~يجوز النسخ بأن جواز النسخ يؤدى إلى جواز البداء على الله تعالى لأنه أداء ~~نهى عن صورة ما أمر به أو أمر بصورة ما نهى عنه يكون قد ظهر له شىء كان ~~خاصا عليه حتى نهى عن غير ما أمر به أو أمر بغير ما نهى عنه وهذا لا يجوز ~~على الله تعالى فيكون النسخ محض البداء وهو من صفات البشر ولا يجوز على ~~الله تعالى قالوا ولأن الأمر بالفعل يقتضى الفعل أبدا فإن تعلق الأمر يقتضى ~~أن الآمر أراد ذلك فإذا لم يرد الفعل أبدا من اقتضاء الظاهر إياه كان ملبسا ~~وإذا اقتضى الأمر الفعل أبدا فإذا نهى فى المستقبل عنه يدل نهيه أن ظهر له ~~شىء كان خافيا عنه أو خفى عنه شىء كان ظاهرا له وهذا لا يجوز على الله ~~تعالى وهذا الدليل قريب من الأول # وقد قال بعضهم إن الأمر بالشىء يدل على حسنه والنهى عنه PageV01P419 يدل ~~على قبحه فيؤدى النسخ إلى أن يكون الشىء الواحد حسنا قبيحا وهذا لا يجوز ~~وقد نقل اليهود عن موسى عليه السلام أن السبت لا ينسخ أبدا وربما قالوا إنه ~~قال شريعتي لا تنسخ أبدا وأما دليلنا فى جواز النسخ فنقول على من خالفنا ~~ممن يدعى الإسلام قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ~~أو مثلها @QE@ البقرة 106 وقال تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ ~~النحل 101 ويدل عليه أن نكاح الأخوات كان جائزا فى شريعة آدم صلوات الله ~~عليه وقد نسخ والأولى أن يدل بالدليل النقلى فإن هذا الخلاف مع اليهود فأما ~~المسلمون فعندى أنهم مجمعون على الجواز والدليل العقلى أن الشىء يجوز أن ~~يكون حسنا فى وقت قبيحا فى وقت # ألا ترى أنه يحسن أن يقول السيد لعبده افعل كذا فى وقت كذا ولا تفعله فى ~~وقت كذا ويحسن أن يقول الله تعالى تمسكوا بالسبت ما عشتم ms377 إلا السبت الفلانى ~~وهذا لأنه يجوز أن يكون التمسك بالسبت مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت آخر # كما يجوز أن يكون الرفق مصلحة لإنسان مفسدة لآخر وكذلك يجوز أن يكون ~~مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت وهذا كما يجوز كون الصحة والمرض والغنى والفقر ~~مصلحة فى وقت دون وقت وكذلك السبت يجوز أن يكون مصلحة فى وقت دون وقت ولا ~~فرق فى العقل بين هذه الأشياء وهذا على قول من يعتبر المصالح ومن هذا الجنس ~~نقلت الأحوال بالإنسان من الطفولية والبلوغ والشباب والكهولة والشيخوخة وما ~~هذا إلا تصريف الأمور على توجيه الحكمة وتدعو إليه المصلحة وابتلاء العباد ~~وامتحان طاعتهم وقتا بعد وقت بالوجه الذى هو خير لهم وأدعى إلى صلاحهم # وإن قلنا إن الله عز و جل يكلف عباده ما بينا ولم نعتبر وجوه المصالح ~~فعلى هذا الطريق يجوز النسخ أيضا لأنه لا يجوز أن يكلفهم شيئا فى وقت ~~ويكلفهم فى وقت آخر غيره على ما يشاء ويريد بين ذلك إنه إذا جاز أن يطلق ~~الأمر والمراد إلى أن يعجز عنه لمرض أو غيره جاز أيضا أن ينسخه برهة من ~~الزمان وأما الذى تعلقوا به من فصل البداء وإلحاق النسخ به فليس للقوم إلا ~~ذلك وإذا بينا الفرق بين البداء والنسخ سقط كلامهم جملة # فنقول البداء فى اللغة أصله بداء الشىء يبدو إذا ظهر بعد خفاء ويقال بدا ~~لنا سور المدينة إذا ظهر من النسخ نقل وتغيير على ما سبق بيانه فلم يتفقا ~~من مآخذ اللغة ولسان العرب فلم يجز أن يجعلا كشىء واحد وهذا لأنه إذا كان ~~البداء من الظهور ويدل على أن بدا له شىء فقد ظهر ما كان خافيا عليه لم يجز ~~على الله تعالى لأنه تعالى لا PageV01P420 يخفى عليه خافية ولا تستتر عليه ~~غائبة بل الأشياء كلها له بادية أحاط بكل شىء علما وأحصى كل شىء عددا لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة فلهذا لم يجز البداء عليه ولم يتصور ذلك فى حقه وأما ~~النسخ إزالة حكم ms378 بحكم وتبديل حال ويقال تناهى مدة العبادة وليس فى هذا قصور ~~علم ولا لزوم جهل بل تصريف العباد على ما يشاء ويريد أو على ما يعلم من ~~مصالحهم يدل عليه أن البداء الذى توهموا إنما يلزم أن لو كان الله تعالى ~~نهانا عن نفس ما أمرنا به # وذلك أن يقول افعلوا كذا فى وقت كذا على وجه كذا ثم يقول لا تفعلوا ويذكر ~~ذلك الوقت وذلك الوجه أو يقول افعلوا كذا أبدا ولا تنتقلوا عنه ثم ينقلنا ~~عنه فأما إذا أمرنا بأمر مرسل ويريد أن ينقلنا عنه بعد زمان ونقلنا حين جاء ~~ذلك الزمان فليس بمنكر ولا مستحيل ولا فيه معنى البدل ألا ترى أنه لو قال ~~صلوا إلى بيت المقدس إلى الزمان الذى أنقلكم عنه إلى الكعبة وجاء الشرع ~~بصريح هذا كان جائزا سائغا كذلك إذا أطلق وأراد أن يفعل كذلك # أو الجملة أنه يجوز أن يكون الشىء حسنا فى وقت قبيحا فى وقت مصلحة فى وقت ~~مفسدة فى وقت ولو كان الشىء ووصفه واحد فى جميع الأوقات لكان حكم نكاح ~~الأخوات واحد فى الأوقات كلها ومعلوم أنه ما كان نكاح الأخوات محظورا فى ~~زمن آدم عليه السلام وقد صار فى زمن موسى عليه السلام وإذا جاز وفى هذه ~~الصورة الواحدة جاز فى سائر الصور وهذا قاطع لا يتأتى عليه كلام وأما ~~الكلام الثانى الذى قالوه إن ظاهر إطلاق الأمر هو الأمر بالفعل أبدا قلنا ~~هذا ليس كذلك لأن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وإنما يفيد الفعل مرة واحدة ~~وقد سبق بيان هذا وإن قلنا يوجب التكرار فلا نقدم على اعتقاد التأبيد لجواز ~~أن يرد نسخ من الله تعالى وهذا صحيح من شرائع من قبلنا لأنه قد أشعرهم ~~بورود نبى بعد نبيهم فأما فى شرعنا فقد انحسم الباب كلية ولا بد من اعتقاد ~~بوجوب على التأبيد اللهم إلا أن يقدر الأمر فى زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد يجوز ورود النسخ وقد ذكر عبد الجبار الهمدانى فى ms379 العمد أنه ~~لو قال افعل كذا أبدا لا يقتضى الدوام أيضا قال ولهذا لا يفهم من قول ~~القائل لغيره الزم فلانا أبدا واحبسه أبدا الدوام وقولهم إن فى تأخير بيان ~~النسخ إلباسا قلنا الإلباس إنما ثبت إذا لم يبين الحكيم ما يجب لبيانه مما ~~يحتاج المكلف إليه فأما ما لا يحتاج إليه فلا يجب بيانه ولا إلباس فى ترك ~~بيانه وهل ترك بيان النسخ إلا جهل العبد بوقت ارتفاع العبادة # وأما الذى ادعوه من قول موسى PageV01P421 فقد قالوا إنه كذب عليه وإنما ~~لقنهم ذلك ابن الروندى والدليل على ذلك أنه لو كان لهذا أصل صحيح لاحتج به ~~أحبار اليهود على النبى صلى الله عليه وسلم ولو فعلوا ذلك لنقل عنهم ~~ولاشتهر وعرفناه كما عرفنا سائر أمورهم فعلمنا من هذا أن هذا كذب صريح على ~~موسى صلوات الله عليه # واعلم أن الأصوليين قد ذكروا الخلاف فى هذا مع طائفة من اليهود وشرذمة من ~~المسلمين ونسبه الشيخ أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله فى كتابه إلى أبى مسلم ~~محمد بن بحر الأصبهانى وهذا رجل معروف بالعلم وإن كان قد انتسب إلى ~~المعتزلة وبعد عنهم وله كتاب كبير من التفسير وكتب كثيرة فلا أدرى كيف وقع ~~هذا الخلاف منه ومن خالف فى هذا من أهل الإسلام فالكلام معه أن يريه وجود ~~النسخ وذلك مثل نسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته بالاثنين ونسخ التوجه إلى ~~بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة ونسخ صوم عاشوراء برمضان إلى غير ذلك فإن ~~لم يعرف مدة الأشياء كان هذا تعنتا أو ظنا ولزوم أن ترفع شريعة من قبلنا ~~بشرعنا لا يكون نسخا أيضا وهذا لا يقوله مسلم وقد قال بعض الرافضة يجوز ~~البداء على الله تعالى وهذا باطل لأنهم إن أرادوا إثبات ما قلناه أنه يظهر ~~ما كان خافيا عنه فهو كقوله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإن أرادوا تبديل ~~العبادة والفروض فهذا لا ننكره وليس من البداء فى شىء # ومما يتصل بهذه المسألة فصلان # أحدهما أنه يجوز ms380 النسخ وإن اقترن بالمنسوخ ذكر التأبيد وعند بعض ~~المتكلمين لا يجوز النسخ إلا فى خطاب مطلق وأما إذا قيد فلا يجوز نسخه ~~وزعموا أن ذلك لا يؤدى إلى البداء الذى ذكرناه وعندنا يجوز النسخ فى هذه ~~الصورة أيضا ولا يكون البداء وقد ذكرنا طرفا منه فى المسألة الأولى # ببينة أنه إذا جاز أن يقال لازم غريمك أبدا ويريد إلى وقت القضاء جاز أن ~~يقال فعل كذا أبدا ويراد إلى وقت النسخ يدل عليه أنه إذا جاز ذكر الكل ~~والجميع فى الأعيان ولا يمنع ذلك التخصيص جاز أن يذكر أبدا فى الزمان ولا ~~يمنع ذلك النسخ # ولأنه إذا جاز أن يفيد الخطاب بالتأبيد ثم يكون معناه ما لم يعجز المخاطب ~~عن الفعل لمرض وغيره جاز أن يفيد التأبيد ويكون معناه افعلوا أبدا ما لم ~~أنسخه عنكم PageV01P422 # والفصل الثانى وهو أن النسخ جائز وإن لم يشعر عند التكليف بالنسخ وقال ~~المتكلمين لا يجوز ما لم يشعر عند الخطاب بالنسخ وزعموا أنه إذا لم يشعر ~~بالنسخ يؤدى إلى الإلباس وعندنا هذا ليس بشرط وترك الإشعار لا يؤدى إلى ما ~~ذكروه والدليل عليه أن عامة ما وجد من الناسخ والمنسوخ فى شريعتنا لم يعرف ~~فى ذلك إشعار ومن ادعى معرفة ذلك للصحابة ابتداء التكليف يكون مباهتا قطعا ~~ولأن الإشعار بالنسخ لأى معنى يجب وأى حاجة وقعت إلى ذلك وإذا اعتقد ~~المخاطب أن الله تعالى يأمر بما شاء واعتقد أنه يجوز أن يكون فعله للشىء ~~مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت فكيف يقع له الحاجة إلى الإشعار الذى ذكروه يدل ~~عليه أنه لو وجب الإشعار بما يزيل الأمر من النسخ لوجب الإشعار بما يحدث من ~~الأمراض المسقطة للأمر وحين لم يجب الإشعار فى تلك الصورة كذلك فى النسخ ~~لأنها فى المعنى واحد وقد ظهر الجواب عما قالوه من فصل الإلباس فيما قلناه ~~والله أعلم # فصل إذا عرفنا معنى النسخ وجوازه سنذكر ما يجوز نسخه وما لا يجوز فنقول ~~إن النسخ لا يجوز إلا فيما يجوز ms381 وقوعه على وجهين كالصلاة والصوم والعبادات ~~الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله ~~عز وجل فلا يصح فيه النسخ وعبر بعضهم عن هذا فقال إن النسخ لا يقع فى ~~موجبات العقول وإنما يقع فى مجوزات العقول ولذلك قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت ~~وذلك أن الحياء غريزة فى الإنسان محمودة حسنة فى العقول وهو قائم بعينه ~~ونفسه فلم يجز أن يتناسخه الأديان والشرائع فكان ذلك مستمر فى الشرائع على ~~وجه واحد باقيا ما بقى التكليف وفى هذا كلام كثير ومرجعه إلى الكلام ولا ~~حاجة بنا إليه ومما لا يجوز النسخ فيه ما أخبر الله تعالى من أخبار القرون ~~الماضية والأمم السالفة وكذلك ما أخبر من الكوائن فى المستقبل من خروج ~~الدجال وغير ذلك لا يجوز فيه النسخ وجوز بعض الأشعرية نسخ الخبر فى ~~المستقبل ويمنع من ذلك فى الماضى وأجاز قوم نسخ الأخبار فى الماضى ~~والمستقبل جميعا PageV01P423 والصحيح أنه لا يجوز النسخ فى الأخبار بوجه ما ~~لأنه يؤدى إلى دخول الكذب فى أخبار الله تعالى وأخبار الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وذلك لا يجوز فإن قال قائل ما قولكم فى الأخبار الواردة فى الوعيد ~~لمرتكبى الكبائر قلنا يجوز العفو عنها قالوا فهذا نسخ قلنا هذا ليس بنسخ ~~إنما هو من باب التكرم والعدول عن المتوعد بالفضل وقد يتكلم المتكلم ~~بالوعيد وهو لا يريد إمضاءه ولا يعد ذلك خلفا بل يعد عفوا وكرما # وقال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد حين تكلما فى هذا إنك رجل أعجمى ~~القلب إن العرب تعد الانصراف عن الوعيد كرما والانصراف عن الوعد لؤما وأنشد # ( وإنى إذا أوعدته أو وعدته % لمخلف إيعادى ومنجز موعدى ) # وقال الأصمعى ما سمعت أعرابيا يقول سبحان من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى # وقال بعض أصحابنا إن وقوع العفو عن المذنبين مع أن الوعيد إنما جاء من ~~ترتيب ms382 الخطاب بعضه على بعض فإن الله تعالى قال @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ~~نارا خالدا فيها @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم @QE@ الأنفال 16 ~~إلى أمثال هذا وقال تعالى @QB@ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم @QE@ ~~الرعد 6 وقال فى موضع آخر @QB@ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ النساء 116 ~~وأمثال ذلك فكانت الآيات المتقدمة مرتبة على هذا والآيات المشتبه فيها ~~مضمرة وإذا ورد الأمر بلفظ الخبر مثل قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ البقرة 128 فنسخه جائز فى قول الأكثرين ومنع منه ~~من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق فعلق الحكم بالخبر على معنى الأمر # وهذا فاسد لأن الأمر بلفظ الخبر يجرى على حكم الأمر من وجهين # أحدهما اختصاص الأمر بالإلزام والخبر بالإعلام # والثانى اختصاص الخبر بالماضى والأمر بالمستقبل فلما تعلق بما ورد من ~~الأمر بلفظ الخبر حكم الأمر دون الخبر من هذين الوجهين كذلك حكم النسخ ~~ولأنه أمر وضح نسخه كسائر الأوامر وما لا يجوز نسخه بالإجماع لأن الإجماع ~~لا يكون إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسخ لا يجوز بعد موته ~~صلى الله عليه وسلم وكما لا يجوز الإجماع بنسخه فلا يكون ناسخا أيضا # لأن الإجماع لما كان ينعقد بعد زمان النبى صلى الله عليه وسلم لم يتصور ~~أن ينسخ ما PageV01P424 كان من الشرعيات في زمانه ولأن الأمة لا تجتمع على ~~مثل هذا لأنه يكون اجتماع على ضلاله وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم لا يجتمعون على الضلالة # فان قيل قد نسختم خبر الواحد بالإجماع وهو الخبر الذي روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ( من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ ) # قلنا إنما استدل من مخالفة الإجماع له على تقدم نسخه فصار منسوخا بغير ~~الإجماع لا بالإجماع فصار الإجماع في هذا الموضع دليلا عن النسخ ms383 ولم يقع به ~~النسخ وأما نسخ الإجماع با لأجماع فمثل أن يجمع الصحابة في حكم على قولين ~~ثم يجمع التابعون بعدهم على قول واحد منهما فيكون الصحابة مجمعة على جواز ~~الاجتهاد فيها والتابعون مجمعون على نسخ الاجتهاد فيها # وفي هذه المسألة قولان للشافعي على ما سنبينه في مسائل الإجماع وعلى ~~القول الذي يجوز صحة الإجماع لا يكون نسخا كما تقدم لأن الصحابة وان سوغوا ~~الاجتهاد ولكن إنما سوغوا إذا لم يمنع منه مانع كما سوغوا الاجتهاد من ~~صحابي عن حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان منع الاجتهاد في إجماع ~~التابعين لهذه العلة لا أنه منسوخ # واما دليل الخطاب فيجوز نسخ موجبة ولا يجوز النسخ بموجبه لأن النسخ أقوى ~~من دليله # واما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز لأنه مثل النطق وأقوى منه وقد جعل ~~الشافعي فحوى الخطاب في قوله عز وجل @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ مع تحريم ~~الضرب قياسا على التأفيف فعلى قوله لا يصح النسخ به لأن القياس لا يجوز به ~~نسخ النص # وأما نسخ الفحوى فإنه توجه النسخ إلى النطق كان نسخا له ولفحواه ولمفهومه ~~وأن توجه النسخ إلى الفحوى والمفهوم فقد اختلفوا في جوازه مع إبقاء نطفه ~~فجوزه أكثر المتكلمين كالنصين يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر ويمنع من ذلك ~~أكثر الفقهاء لأن PageV01P425 ثبوت نطفه موجب لفحواه ومفهومه فلم يجز نسخ ~~الفحوى والمفهوم مع بقاء موجبة كما لا يجوز نسخ القياس مع بقاء أصله # وأما الحكم الذي ثبت بالقياس فنسخ أصله يوجب نسخه في قول الشافعي وجمهور ~~الفقهاء وقال بعض أصحاب أبي حنيفه يكون حكم القياس بعد نسخ أصله ثابتا في ~~فروعه وهذا لا يصح لأن زوال الموجب يقتضي زوال الموجب ولأنه ما ثبت تابعا ~~لغيره يزول بزواله لآن المتبوع أصل والتابع فرع ولا يصح بقاء الفرع مع زوال ~~أصله لأنه أذا بقى لا يكون فرعا وأما نسخ القياس مع بقاء أصله فعلى وجهين ~~وهو مثل ما إذا نسخ الأصل هل يكون ذلك نسخا للقياس وعلى وجهين ms384 أيضا وصورته ~~وهو أن ثبت الحكم في عين بعلة وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم فى تلك العين ~~المقيس عليها والأصح أن يبطل الحكم في الفروع لأن الفرع تابع للأصل فإذا ~~بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع # وأما النسخ بالقياس فلا يجوز لأن القياس مستعمل مع عدم النص فلا يجوز أن ~~ينسخ النص # وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز النسخ بالقياس الجاري في أخبار ~~الآحاد والأصح هو الأول لما ذكرنا ولأن القياس إنما يصح إذا لم يعارضه نص ~~فإذا كان نص يخالف القياس لم يكن للقياس حكم فلا يجوز النسخ به # | فصل # قد ذكرنا بعض ما يجوز النسخ به وسنبين الباقي بعد ذلك وفيه كلام كثير ~~ومسائل من الخلاف كبار ونذكر الآن وجوه النسخ فنقول # الناسخ والمنسوخ يشتمل على ستة أقسام # أحدها ما نسخ حكمه وبقي رسمه كنسخ أية الوصية في الوالدين والأقربين بآية ~~المواريث @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ النساء 11 الآية ونسخ العدة ~~حولا بأربعة أشهر PageV01P426 عشرا فالمنسوخ ثابت التلاوة مرفوع الحكم ~~والناسخ ثابت التلاوة ثابت الحكم # والقسم الثاني ما نسخ حكمه ورسمه وثبت حكم الناسخ ورسمه كنسخ استقبال بيت ~~المقدس باستقبال الكعبة ونسخ صيام عاشورا بشهر رمضان فالمنسوخ مرفوع الرسم ~~والحكم والناسخ ثابت الرسم والحكم # والقسم الثالث ما نسخ حكمه وبقي رسمه ورفع رسم الناسخ وبقي حكمه كقوله ~~تعالى @QB@ فأمسكوهن في البيوت @QE@ لأنه نسخ بقوله تعالى الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله وقال عمر رضى الله عنه كنا نقرؤها ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله ~~لأثبتها فيه والمنسوخ باقي التلاوة مرفوع الحكم والناسخ مرفوع التلاوة ثابت ~~الحكم # والقسم الرابع ما نسخ حكمه ورسمة ونسخ رسم الناسخ وبقى حكمه كالمروى عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن عشر رضعات ~~معلومات فنسخن بخمس رضعات معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~ما يتلى في القرآن يعني ms385 أنه يتلى حكمه دون لفظه وكان المنسوخ مرفوع التلاوة ~~والحكم والناسخ مرفوع التلاوة باقى الحكم ومنع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء ~~حكمه ومن نسخ الحكم مع بقاء لفظه لأنه يؤدي أحدهما إلى أن ينفي الدليل ولا ~~مدلول والآخر يؤدي إلى أن يرتفع الأصل ويبقى التابع والصحيح هو الجواز لأن ~~التلاوة والحكم في الحقيقة شيئان مختلفان فجاز نسخ أحدهما وتبقيه الأخر ~~كالعبادتين يجوز أن ينسخ أحدهما ويبقي الآخر # والقسم الخامس ما نسخ رسمه أو حكمه ولا يعلم الذي نسخه كالمروي أنه كان ~~في القرآن لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ~~أبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب # كما رواه أنس في أصحاب ببئر معونة وهم القراء الذين قتلوا بئر معونة قال ~~أنس كنا نقرأ بلغوا إخواننا أنا لقينا ربنا فرضى علينا PageV01P427 وأرضانا # وهذا القسم في معنى النسخ وليس بنسخ حقيقة ولا يدخل في حد النسخ # وقد روى أن رجلا قام في الليل ليقرأ سورة فلم يقدر عليها فسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رفعت البارحة وقيل أن سورة الأحزاب كانت مثل سورة ~~البقرة فسخ منها ما زاد على الموجود # والقسم السادس ناسخ صار منسوخا وليس منهما لفظ متلو كالتوارث بالحلف ~~والنصرة نسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة ثم نسخ التوارث بالهجرة وهذا داخل ~~في أقسام النسخ أيضا من وجه ذكر هذه الأقسام الستة القاضي الماوردى # وعندي أن القسمين الآخرين تكلف وليس بتحقق فيهما النسخ # # | فصل آخر في بيان وجوه النسخ # وهو معرفة حكمه فنقول أحكامه مشتملة على ستة أضرب # أحدها أن ينسخ الحكم بمثله في التخفيف والتغليظ مثل نسخ استقبال بيت ~~المقدس بالكعبة # والضرب الثاني نسخ الحكم إلى ما هو أخف منه مثل نسخ العدة حولا كاملا ~~بالعدة أربعة أشهر وعشرا # والضرب الثالث من النسخ أن ينسخ الحكم بما هو أغلظ منه فقد منع منه قوم ~~أهل الظاهر وذكره ابن داود وصار أليه # فقال بعضهم منع بالعقل لما فيه من التنفير ms386 وقال بعضهم منع منه بالشرع ~~لقوله تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ البقرة 185 ~~واحتج محمد بن داود بقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها @QE@ البقرة 106 ونح ندل على جوازه بالعقل والشرع جميعا أما ~~من حيث العقل فإن الناس في أصل التكليف على قولين منهم من بناه على مشيئة ~~الله تعالى PageV01P428 وعلى هذا لا يمتنع نسخ الأخف بالأثقل كما لا يمتنع ~~نسخ الأثقل بالأخف ومنهم من اعتبر فيه الأصلح وعلى هذا لا يمتنع أن يكون من ~~المصلحة نسخه بالأخف تارة وبالأثقل أخرى # وأما الشرع فنقول نسخ الأخف بالأثقل قد وحد في الشرع ألا ترى أن الله وضع ~~القتال في أول الإسلام ثم نسخه بفرض القتال ونسخ الإمساك في الزنا بالجلد ~~وصوم عاشورا بصوم رمضان لأن الأثقل يكون أكثر ثوابا على ما قاله عليه ~~السلام لعائشة رضي الله عنها ( أنما أجرك على قدر تعبك ) فيكون نسخ الأخف ~~با لأغلظ تعريض المكلف للثواب الكبير وهذا لا يمنع منه اشرع ولا عقل وأما ~~قوله ( نأت بخير منها أو مثلها ( فمعنى ذلك نأت بما هو أنفع لكم وأعود ~~عليكم وقد تكون الفائدة فيما هو الأثقل واستقام معنى الآية على هذا # والضرب الرابع أن ينسخ التخيير بين أمرين بانختام أحدهما كالذي في صدر ~~الإسلام من التخيير في صيام رمضان بعد الفدية والصيام بقولة @QB@ وعلى ~~الذين يطيقونه فدية @QE@ البقرة 184 الآية ثم نسخ التخيير بأنختام الصيام ~~بقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ البقرة 185 وفي هذا دليل ~~أيضا على جواز نسخ الأخف بالأغلظ لأن انختام الصوم أغلظ من التخيير # والضرب الخامس نسخ الوجوب بالإباحة والإباحة بالوجوب كنسخ تحريم الأكل ~~والمباشرة بعد النوم في ليل الصيام بإباحته بقوله تعالى @QB@ أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم @QE@ البقرة 187 وأما نسخ الإباحة بالوجوب كنسخ ~~النهى عن القتال بإباحته ثم إباحته بوجوبه وقد نسخ الواجب إلى الندب مثل ~~قيام الليل نسخ إيجابه إلى الندب # والضرب السادس أن يكون ms387 النسخ إلى غير بدل وهو جائز عند الجمهور ومنعت منه ~~طائفة من أهل الظاهر لقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها @QE@ البقرة 106 والدليل على جواز ذلك السمع والمعقول أما ~~السمع فلو جود ذلك # ألا ترى أن نسخ إيجاب الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~غير بدل ونسخ تحريم إدخار لحوم الأضاحي إلى غير بدل ومن حيث المعقول فلأنه ~~إن كان بالمشيئة فيجوز أن يشاء نسخه إلى بدل ويجوز أن يشاء نسخه لا إلى بدل ~~وان كان الاعتبار PageV01P429 بالمصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في نسخ الشيء ~~إلى بدل ورفع الواجب لا إلى بدل ولأنه إذا جاز أن يسقط بالعذر إلى بدل وغير ~~بدل جاز أن يسقط بالنسخ إلى بدل وغير بدل # وأما الآية قلنا الآية محمولة على النسخ إلى بدل ثم وصفه أن يكون مثل ~~الأول أو خيرا منه فهذا إتمام هذه الأضرب فان نسخت صفه من صفات العبادات ~~كالصلاة ينسخ منها استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة فقد اختلفوا أنه هل ~~يكون نسخا بجميع العبادة فجعله أهل العراق نسخا بجميعها وجعلوا فرضها مبتدأ ~~بالأمر الثاني دون الأول لارتفاع الأول بزوال شرطه فتكون الصلاة إلى بيت ~~المقدس منسوخة بالصلاة إلى الكعبة والصحيح وهو الذي عليه جمهور أصحاب ~~الشافعي بأن فرضها باق دون نسخ صفتها ولأن النسخ يكون مقصورا على الصفة ولا ~~يتعدى إلى الأصل لأن النسخ لا يتعدى من محله إلى غير محلة فعلى هذا تكون ~~الصلاة إلى بيت المقدس محولة إلى الكعبة ومن حيث التوجه فحسب وأما جواز أصل ~~الصلاة بعد تحويلها إلى الكعبة إنما هو بالخطاب الثابت قبل النسخ # | فصل ونتكلم الآن في أوقات النسخ # فنقول أوقات النسخ على ثلاث أضرب ضرب يجوز فيه النسخ وضرب لا يجوز فيه ~~النسخ وضرب اختلفوا فيه # أما الضرب الأول وهو الذي يجوز به النسخ وهو بعد العلم بالمنسوخ وبعد ~~العمل به فيجوز نسخه سواء عمل به جميع الأمة أو بعض الأمة فالأول مثل ms388 ~~استقبال القبلة والثاني مثل فرض الصدقة في مناجاة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فإنه روى أنه عمل به على أبن أبي طالب رضي الله عنه وحدة # وأما الضرب الثاني فهو النسخ قبل العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه فلا يجوز ~~نسخه لأن النسخ يكون فيما استقر فرضه ليخرج به عن البداء والنسخ قبل العلم ~~بالمنسوخ يؤدي إلى البداء لأنه يصير كما لو قال افعل ولا تفعل وهذا يقبح ~~ألا ترى أنه أذا كان متصلا يقبح فإذا كان منفصلا يقبح أيضا فان قيل أليس ~~روى أن الله تعالى فرض خمسين صلاة ليلة المعراج ثم أنه نسخه قبل أن تعمل به ~~الأمة والقصة ثانية في تردد النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة التخفيف وحث ~~موسى إياه على ذلك # قلنا قد كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالما بذلك واعتقد وجوبه فقد نسخ ~~بعد العلم بوجوبه واعتقاده PageV01P430 والضرب الثالث وهو النسخ بعد العلم ~~به واعتقاد وجوبه قبل العمل به وقبل وقت عمله فقد اختلفوا في ذلك على ما ~~سنبين # مسألة يجوز عندنا نسخ الشيء قبل وقت فعله # وقال أبو بكر الصيرفي لا يجوز وهو قول المعتزلة ولأصحاب أبي حنيفة في ذلك ~~خلاف وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز وذهب بعضهم إلى جوازه والمسألة تدور على ~~أنهم يقولون مثل هذا النسخ يدل على البداء وعندنا لا يدل على ذلك وأما ~~أكثرهم فقد تعلقوا بهذا الحرف وقالوا نسخ الشيء قبل وقت فعله يؤدي إلى ~~البداء والبداء لا يجوز على الله تعالى والدليل على أنه يؤدي إلى البداء إن ~~الله عز وجل إذا قال لنا في صبيحة بوم صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة ~~ثم قال عند الظهر لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة كان الأمر والنهي ~~متناولا فعلا واحدا على وجه واحد في وقت واحد وقد صدر من مكلف واحد إلى ~~مكلف واحد وفي تناول النهي لما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله من غير ~~انفصال دليل أما على البداء واما على القصد إلى الأمر القبيح ms389 والنهي عن ~~الحسن وهذا لأن أمر الحكيم يدل على حسن المأمور به ونهيه يدل على قبح ~~المنهي عنه فأما إذا أمر بفعل في وقت من الأوقات دل ذلك على حسنه # فإذا نهانا عنه نهيا عما هو حسن والنهي عن الحسن قبيح كما أن الأمر ~~بالقبيح قبيح وذلك لا يجوز توهمه على الله سبحانه وتعالى وهذا دليل ~~المتكلمين ولأن الأمر لا بد له من فائدة وإذا جوزنا النسخ على ما قلتم سقطت ~~فائدة الأمر قالوا فلا يجوز أن يقال قد أفاد اعتقاد الوجوب والعزيمة على ~~الفعل وإذا أفاد هذا سقط صفة البداء عن النسخ لأن المسألة مصورة فيما إذا ~~كان النهي يتناول غير ما أمر به والأمر طلب الفعل واذا جوزنا نسخه قبل وقت ~~الفعل لم يبق للأمر فائدة فيما وضع الأمر له فأما اعتقاد الوجوب والعزم على ~~الفعل فليس الأمر بموضوع لهما # ببينة أنه على ما قلتم يصير كأن الله تعالى قال اعزموا واعتقدوا وقوله ~~افعلوا ليس بعبادة عنه لا لغة ولا شرعا ولا حقيقة ولا مجازا فصار الأمر ~~أمرا بالفعل لا بغيره PageV01P431 فقيل وقت الفعل إذا نسخ يؤدي إلى ما ~~ذكرناه ويؤدي إلى سقوط الفائدة عن الأمر وأيضا فانه لا بد أن يكون في الأمر ~~بالعزم والأمر بالاعتقاد فائدة ولا فائدة في ذلك إذا لم يجب العزوم عليه أو ~~سقط عنه وحله قبل وقته فإن قلتم إن الفائدة اختيار المكلف فهذا لا يصح لأن ~~حقيقة الأخبار إنما يجوز على من لا يعرف العاقبة دون من يعرف العاقبة وأيضا ~~فإيجاب العزم والاعتقاد على الإطلاق لا يحسن والمعزوم عليه غير واجب لأنه ~~لا يحسن اعتقاد وجوب ما ليس بواجب # دليل آخر لهم وهو أن المراد من ا لأمر هو الابتلاء بالامتثال والابتلاء ~~بالفعل إنما يوجد عند أدراك وقت الفعل واما قبل أدراك وقت الفعل فكيف يتصور ~~الابتلاء بالفعل # فإن قلتم إن الابتلاء باعتقاد الوجوب فقد ذكرنا أن الأمر بالفعل لا ~~باعتقاد الفعل وقبوله والدليل عليه أن في أوامر العباد يكون المراد ms390 بها ~~تحصيل للفعل كذلك في أوامر الشرع يدل عليه أن بمجرد الأمر يجب تحصيل الفعل ~~بغير بيان يقترن به ولو كان يحتمل الفعل ويحتمل اعتقاد الفعل لما وجب تحصيل ~~الفعل من غير بيان لأن المحتمل لا يوجب شيئا وهذا استدلال القاضي أبي زيد ~~لهم والمعتمد هو الأول وأما دلائلنا في المسألة نستدل أولا بالوجود والدليل ~~على وجود مثل هذا النسخ قصة إبراهيم عليه السلام فانه أمر بذبح أبنه بدليل ~~قوله تعالى @QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر @QE@ الصافات 102 وقوله @QB@ ما تؤمر @QE@ دليل على أنه كان ~~مأمورا بذبح الولد ثم نسخه قبل أن يفعله وفداه بذبح عظيم فان قيل إن إبرهيم ~~عليه السلام لم يؤمر بذبح الولد الذي هو قطع الحلقوم وفرى الأوداج وانما ~~أمر بمعالجة الفعل الذي هو حكاية الذبح فانه روى أنه كان يقطع ويلتئم بقدرة ~~الله تعالى بدليل أن الله تعالى قال @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ الصافات 105 ~~ومنهم من قال كان مأمورا بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح قالوا على الجملة لم ~~يكن مأمورا بأكثر مما فعل بدليل ما تلونا من قوله تعالى @QB@ قد صدقت ~~الرؤيا @QE@ الصافات 105 # قلنا هذا التأويل الذي قلتم خلاف ما يقتضيه لفظ الكتاب حقيقة لأن الذبح ~~في اللغة هو الشق # قال الشاعر # ( كان بين فكها والفك % فارة ممسك ذبحت في شك ) أى شقت فدل أن الأمر ~~تناول الفعل الذي هو شق الذبح يدل عليه لو كان الأمر على ما زعموه لم يكن ~~لقوله @QB@ وفديناه بذبح عظيم @QE@ الصافات 107 معنى لأن الفداء لا معنى له ~~من حصول الفعل المأمور به فإن الفداء اسم للذي أقيم مقام الشيء المفدى ولم ~~PageV01P432 يمكن أيضا لقوله @QB@ ستجدني إن شاء الله من الصابرين @QE@ ~~الصافات 102 ولا لقوله ( إن هذا لهو البلاء المبين ) الصافات 106 وجه لأن ~~معالجته مقدمات الذبح مع علمه بالسلامة لا يبلغ المبلغ الذي يقتضي هذا ~~القول في عظم الامتحان فدل أن الله تعالى أمره بحقيقة الذبح ثم ms391 من عليه ~~ونسخه قبل أن يفعل وأما قوله @QB@ قد صدقت الرؤيا @QE@ الصافات 105 فمعناه ~~والله أعلم أزمعت التصديق واعتقدت الفعل وأردت فعله ألا أن الله تبارك ~~وتعالى أعفاك عنه وأبقى عليك ولدك انعاما ومنه يدل عليه قصة المعراج وفرض ~~الرب عز اسمه خمسين صلاة ونسخها بخمس صلوات قبل الفعل # فان قالوا ان هذا الخبر واحد # قلنا قد تلقته الأمة بالقبول وهو من قبيل التواتر على ما سبق وقد ذكرنا ~~كلامهم على هذا وأجبنا عنه وعلى ذلك الجواب نستقيم الحجة في هذه المسألة # وأيضا فإن الله تعالى أمر بالصدقة قدام نجوى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ونسخه قبل فعله وهم يقولون إن وقت الفعل قد كان حضر بدليل ما روى أن عليا ~~رضي الله عنه استعمله ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشا ~~عام الحديبية وكان فيما شرطوه في الصلح أن يرد عليهم من جاء من المسلمين ~~فيهم رجلا كان أو امرأة ثم نسخ الله تعالى ذلك فى النساء بقوله تعالى @QB@ ~~فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ~~@QE@ الممتحنه 10 ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى فتح مكة ~~وإنما أحلت لى ساعة من نهار يعنى أحل القتال بمكة ثم قد اشتهرت الأخبار أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم منع من القتال فيها وكان ذلك قبل وقت الفعل ~~والمعتمد هو خير إبراهيم عليه السلام وخبر المعراج على الوجه الذي قدمناه ~~ويمكن أن يتعلق بظاهر قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب @QE@ الرعد 39 وأما دليلنا من جهة المعقول هو أن الدليل # لما قام على حسن النسخ على الجملة فلا فرق بين أن ينسخ قبل وقت الفعل أو ~~بعد وقت الفعل لأنه يجوز أن يكون المراد بالأمر هو اعتقاد الوجوب والعزم ~~على الفعل إذا حضر وقته وبكون الله تعالى قد ابتلى عباده بهذا القدر وهو ~~ابتلاء صحيح لآن الإيمان رأس PageV01P433 الطاعات فيجوز أن يكون الله ms392 تعالى ~~ابتلى عباده بقبول هذه العبادة ايمانا # ببينة أن الإعتقاد أحد موجبي الأمر فيجوز أن يقع القصد إليه في الأمر # ألا ترى أنه لو قال لنا صلوا ركعتين إذا زالت الشمس إن لم أرفع الأمر ~~عنكم قبله كان هذا سائغا في العقول غير مستحيل كذلك إذا أبهم وأراد ذلك ~~ورفعة قبل وقت فعله كان مستحيلا أيضا يدل عليه أن الأمر كما يسقط عن ~~المأمور بنسخه عنه بموته وعجزه عن الفعل ثم إذا لم يكن مستحيلا أن يؤمر ~~بالشيء ثم لا يصل إلى فعلة بموت لا يقطعه عنه أو عجز يحول بينه وبينه وقد ~~يؤمر # قلنا إذا اعتبرتم هذا فقولوا لا يجوز النسخ أصلا لأنه إذا كان المأمور به ~~صلاح العباد فلا يجوز أن ينهي عما يصلحهم ولكن قيل لما نسخه تبين أن الصلاح ~~كان إلى هذه الغاية كذلك هاهنا إذا نسخ دل النسخ أن الصلاح كان هذا القدر ~~وهو إلزام القبول وإيجاب اعتقاد الوجوب # ببينة أنه غير مستبعد في قضايا العقول أن يكون صلاح عبده في أمره بشيء ثم ~~إذا علم واعتقد الوجوب يرى أن صلاحه في غيرة # وأما قولهم انه لا يحسن أن يصل النهي بالأمر فيقول افعلوا لا تفعلوا # قلنا إنما كان كذلك لأنه إذا وصل به لا يفيد الأمر فائدة وأما هاهنا قد ~~أفاد الأمر فائدة على ما سبق فصح النسخ كما بعد الفعل والله أعلم # مسألة أعلم أن المسلم يقتل الكافر فيتوجه أليه بسيفه ثم يقتل قبل أن بصل ~~أليه أو تصيبه آفة تحول دون قصده فإذا جازت مثل هذه الصورة وهذه العوارض ~~المانعة من الفعل جاز أيضا عارض النسخ يدل عليه أن الخصوم في هذه المسألة ~~وافقونا أنه يجوز أن يأمر الله تعالى بمواصلة الفعل سنة ثم ينسخه عنا بعد ~~أشهر فكذلك يجوز أن ينسخه أيضا قبل ابتداء شئ من الفعل لأن جميع ذلك نسخ ~~قبل وقت الفعل فان قيل بالنسخ تبين أنه لم يعني بالسنة جميعها وإن لم يكن ~~أراد الفعل إلا فى بعض ms393 السنة وكان النسخ بيانا للمراد بالخطاب وصار النهي ~~متناولا غير ما يتناوله الأمر ويجاب عنه فيقال يقيد الأمر بالفعل بالسنة ~~والسنة وقت معلوم الأول والآخر يمنع أن يكون المراد بعض السنة أما الجواب ~~عن كلامهم أما الأول قولهم إن هذا يؤدى إلى البداء لأن البداء أن يظهر له ~~شئ كان خافيا عليه وفي هذا الموضع لا يوجد هذا إنما أمر الله تعالى ليبتلى ~~بالقبول واعتقاد الوجوب ثم نسخه عنهم وهذا لأن القبول واعتقاد الفعل مقصود ~~لا محالة والابتلاء به PageV01P434 صحيح وقد قلنا إنه أحد موجبي الأمر لأن ~~قبول الأمر واعتقاد وجوب الأمر كان بالأمر قطعا فأما قولهم إن الأمر طلب ~~الفعل قلنا صحيح في أوامر العباد فإنه لا يتناول إلا طلب الفعل فأما في ~~أوامر الله تعالى فان الإيمان والقبول رأس العبادات ولا بد أن ذلك موجبا ~~للأمر بدليل أنه لو فعل الشيء ولم يعتقد وجوبه لا يصح وهذا لأن أمر العباد ~~لا يكون بطريق الابتلاء إنما يكون بجر النفع والنفع يحصل بالفعل لا بالقبول ~~فأما أوامر الله تعالى للابتلاء وليس بحر النفع لأن الله تعالى غني على ~~الحقيقة عن الخليقة فإن قالوا كلاهما مقصودان قلنا بلى من حيث الظاهر هما ~~مقصودان ولكن بالنسخ تبين لنا أن المراد كان من الأمر هو الابتلاء بالقبول ~~والاعتقاد أنه إذا نسخ بعد الفعل مرة وقد كان الأمر مطلقا يتبين أن ~~الابتلاء كان بالفعل مرة أو مدة الحكم كانت مقصورة على هذا الزمان وان كان ~~مطلق الأمر بتناول الأزمنة كلها حتى لو لم يرد النسخ وجب الفعل في الأزمنة ~~بقضية الأمر وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن كلامهم الثاني # وأما قولهم أن الأمر يدل على حسن المأمور والنهي على قبحه فجواز مثل هذا ~~النسخ يدل على التناقض أو يودي إلى أن ينهي عما هو حسن أو يأمر بما هو قبيح ~~وربما يزيدون على هذا فيقولون إن الله تبارك وتعالى لا يأمر إلا بما هو ~~صلاح للعباد فالأمر من الله تعالى يدل على أن المأمور ms394 به صلاح المأمورين ~~وإذا كان صلاحا لهم لم يجز أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه # والجواب أن عندنا الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع فإذا أمرنا ~~بالشيء فبالأمر عرفنا حسنه وإذا نهانا عنه زال المقيد لحسنه فزال حسنه ~~وكذلك النهي يدل على قبح الشيء فإذا أرتفع النهي أرتفع قبحه فعلى هذا لا ~~تناقض ولم يوجد النهي عن الحسن ولا الأمر بالقبيح وأما الذي ذكروا أن الله ~~تعالى يأمر بمصالح العباد قلنا إذا اعتبرتم هذا فقولوا لا يجوز النسخ أصلا ~~لأنه إذا كان المأمور به صلاح العباد فلا يجوز أن ينهي عما بصلحهم ولكن قيل ~~لما نسخه تبين أن الصلاح كان إلى هذه الغاية كذلك هاهنا إذا نسخ دل النسخ ~~أن الصلاح كان هذا القدر وهوا إلزام القبول وإيجاب اعتقاد الوجوب # ببينه أنه غير مستبعد في قضايا العقول أن يكون صلاح عبده في أمره بشيء ثم ~~إذا علم واعتقد الوجوب يرى أن صلاحه في غيره وأنما قولهم أنه لا يحسن أن ~~يصل النهي بالأمر فيقول افعلوا لا تفعلوا # قلنا إنما كان كذلك لأنه إذا وصل به لا يفيد الأمر PageV01P435 فائدة ~~وأما هاهنا قد أفاد الأمر فائدة على ما سبق فصح النسخ كما يعد الفعل والله ~~أعلم # # | فصل # اعلم أن هذا الفصل يشتمل على دلائل النسخ فنقول إذا ورد في الشيء الواحد ~~حكمان مختلفان فلا يخلو إما أن يمكن استعمالهما ولا يتنافى اجتماعهما وذلك ~~أن يكون أحدهما الأعم من الأخر والأخر أخص فيقضي بالأخص على الأعم فيستثنى ~~منه كقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من ~~مشركة @QE@ البقرة 221 لما قابل عموم هذه الآية خصوص قوله تعالى @QB@ ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم @QE@ المائدة 5 قضى بخصوص هذه ~~الآية على عموم تلك الآية فصار كقوله ولا تنكحوا المشركات إلا الكتابيات ~~وفي هذا النوع أن تساوي الآيتان في العموم والخصوص ويمكن إن نخص كل واحدة ~~من الآيتين بالأخرى ومثال ذلك قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ~~ما ms395 قد سلف @QE@ النساء 23 وقد قابلها قوله تعالى @QB@ والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم @QE@ المؤمنون 6 ويجوز أن تكون ~~كل واحدة من الآيتين مخصوصة بالأخرى فيحرم الجمع بين الأختين إلا بملك ~~اليمين ويحل ملك اليمين إلا الجمع بين الأختين فتتكافأ الآيتين في الجواز ~~ووجب الرجوع إلى دليل موجب تخصيص أحداهما بالأخرى ولذلك قال عثمان رضي الله ~~عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى والجملة في هذا الضرب من ~~التعارض أنه إذا أمكن استعمال الآيتين أو تخصيص أحداهما بالأخرى يصار إلى ~~الاستعمال والتخصيص إلا أن يقوم دليل على النسخ فيعدل بالتعليل عن التخصيص ~~إلى النسخ وهذا كآية الوصايا وآية المواريث قد كان يمكن استعمالهما من غير ~~نسخ لكن قد روى عن الصحابة أنهم قالوا قد نسخت آية المواريث آية الوصية ~~وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الله عز وجل قد أعطى كل ذي ~~حق حقه فلا وصيه لوارث ) فعدل بالدليل عن التخصص إلى النسخ وكان طاوس من ~~بين التابعين بجمع بين الآيتين ولا يثبت النسخ هكذا أورده بعض أصحابنا وفيه ~~نظر وتأمل PageV01P436 وأما لوجه الثاني من تقابل الدليلين واجتماع الحكمين ~~فهو أن لا يمكن استعمالهما ويكون بينهما تناقض فنعلم أن أحدهما ناسخ والآخر ~~منسوخ فيرجع إلى دلائل النسخ فيستدل بها على الناسخ في أثباته وعلى المنسوخ ~~في نفيه واحد دلائله أن يعرف تقدم أحد الحكمين على الأخر فيكون المتقدم ~~منسوخا والمتأخر ناسخا والمراد منه أن يكون متقدما في التنزيل دون التلاوة ~~فان قوله تعالى @QB@ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا @QE@ البقرة 224 ناسخ لقوله تعالى @QB@ متاعا إلى الحول ~~غير إخراج @QE@ البقرة 240 وهو متقدم عليه في التلاوة ومتأخر عنه في ~~التنزيل وقد عدل في كثير من القرآن بترتيب التلاوة عن ترتيب التنزيل بل ~~بحسب ما أمر الله عز وجل لمصلحة استأثر بعلمها # وقد قيل أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى @QB@ واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله ms396 ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون @QE@ البقرة 281 وهذه ~~الآية متلوة في سورة البقرة وهي مقدمه على جميع سور القرآن سوى الفاتحة ~~وأول سورة نزلت @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ وهى في أواخر ما يتلى في القرآن # ودلائل النسخ مع التقدم والتأخر في التنزيل من أوجه كثيرة # أحدها أن يكون في نظم التلاوة لفظ يدل على النسخ وهذا مثل النسخ الثابت ~~في آية المصابرة على الجهاد وقال الله تعالى @QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين @QE@ الأنفال 65 ثم نسخ هذا وقال @QB@ الآن خفف الله عنكم ~~@QE@ نص في إن المراد بالآية تخفيف ما تقدم من تغليظه # والوجه الثاني أن يرد لفظ يتضمن التنبيه على النسخ وذلك كما نسخ الله ~~تعالى ونقد من الإمساك في البيوت لحد الزنا في قوله تعالى @QB@ فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ النساء 15 بجلد ~~المائة في قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة @QE@ النور 2 لأن قوله تعالى @QB@ أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ النساء ~~15 تنبيه على عدم الاستدامة في الإمساك ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P437 خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الخبر # والوجه الثالث من دليل النسخ نص يرد من الرسول صلى الله عليه وسلم يصرح ~~بثبوت النسخ مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( كنت نهيتكم عن إدخار لحوم ~~الأضاحي وكلوا واشتروا وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا ~~هجرا ) # والوجه الرابع من دلائل النسخ إجماع الصحابة # واجماعهم ضربان إجماع قول واجماع فعل # أما إجماعهم على القول مثل قولهم نسخ صوم رمضان صوم عاشوراء ومثل قولهم ~~نسخت الزكاة سائر الحقوق في المال # وأما إجماعهم على الفعل مثل صلاتهم إلى الكعبة بعد صلاتهم إلى بيت المقدس # والوجه الخامس من دلائل النسخ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل ~~الصحابة وفعل الأمة أما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مثل فعله في حد ~~الزنا فانه صلى الله عليه وسلم رجم ماعز ms397 ولم يجلده # وكذلك رجم الغامدية ولم يجلدها # فعلم بهذا أن قوله صلى الله عليه وسلم ( الثيب بالثيب جلد مائة ورجم ~~بالحجارة ) منسوخ # وقد قالوا إن الفعل لا ينسخ القول في قول الأكثرين من الأصوليين وأنما ~~يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول فيكون القول منسوخا بمثله من القول لكن ~~فعل الرسول صلى الله عليه وسلم دليل على القول # وأما فعل الصحابة فيوجد في قوله صلى الله عليه وسلم ( من تصدق على صدقة ~~فإنا آخذوها وشطر PageV01P438 ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لمحمد ولا لآل ~~محمد منها شيء وأجتمعت الصحابة على ترك استعمال هذا فدل عدولهم عن استعماله ~~على نسخه # وأما فعل الأمة فقد سبق ذكره # والوجه السادس من دلائل النسخ نقل الراوي تقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر ~~وذلك أن يروي أن أحدهما شرع بمكة والآخر بالمدينة أو يروي أن أجدهما شرع ~~عام بدر والآخر شرع عام الفتح أو غير ذلك من الأعوام بعد بدر فان وجد هذا ~~فلا بد أن يكون المتأخر ناسخا للمتقدم # كما روى عن بعض الرواة أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ترك الوضوء ما مست النار وهذا وأن لم يكن على مثال ما قلناه عام ~~كذا وعام كذا فهو على مثال ما قلناه أنه يروى تقدم أحدهما وتأخر الآخر # وقد روى أيضا من إباحة المتعة ونسخها على ترتيب قد ذكر في الأخبار # وأن كان راوي المتقدم غير راوي المتأخر ينظر فإن كان المتقدم من أخبار ~~الآحاد والمتأخر من المتواتر كان المتأخر ناسخا للمتقدم وان كان المتقدم من ~~أخبار التواتر فلا يصير منسوخا بالخبر الواحد المتأخر وان كانا متواترين أو ~~كانا جميعا من جملة الآحاد فإنه يصير المتأخر ناسخا للمتقدم ثم الراوي ~~للنسخ لا يخلو إما أن يذكر دليل النسخ أو يرسل للنسخ إرسالا ولا يذكر دليله # أما إذا ذكر دليل النسخ فلا إشكال أنه يثبت النسخ وأما أذا لم يكن ذكر ~~دليل النسخ ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ms398 لكن أرسل النسخ إرسالا ~~ففيه وجهان # أحدهما يقبل قوله في النسخ وبه قال الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ~~وتعلق من قال هذا بما ينقله من الشرع # ووجه ذلك أن الصحابي لا يرسل قوله إلا عن دليل موجب للنسخ # والوجه الثاني وهو الأظهر أن لا يقبل قوله في النسخ ما لم يذكر دليل ~~النسخ لجواز أن يعتقد النسخ بما ليس بنسخ # كما روى عن بعض أصحابنا أن مسح الخفين نسخ غسل الرجلين وعندى أن هذا أثر ~~منكر ولا يعرف ثبوته عن أحد من الصحابة PageV01P439 # وأما إذا كان راوى أحد الخبرين متقدم الصحبة والراوي الآخر متأخر الصحبة ~~فهو على ضربين أحدهما أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني فيكون الحكم ~~الذي رواه الثاني ناسخا لما رواه الآخر فيكون الحكم الذي رواه الآخر ناسخا ~~عند صحبة الثاني فيكون على الحكم الذي رواه ناسخا لما رواه الآخر كالذي ~~رواه قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يؤسس مسجد قباء فسألته عن مس الذكر فقال هل هو إلا بضعة منك # وروى أبو هريرة وجوب الوضوء لمن مس الذكر # وقد أسلم وهاجر عام خيبر بعد بناء مسجد قباء بست سنين فكان حديث أبي ~~هريرة ناسخا لحديث طلق والضرب الثاني أن لا تنقضي صحبة المتقدم عند صحبة ~~المتأخر فلا يكون رواية المتأخر الصحبة ناسخا لرواية المتقدم الصحبة لجواز ~~أن يكون المتقدم راويا لما تأخر كما يجوز أن يكون راويا لما تقدم وانما ~~إثبات النسخ بمجرد الاحتمال لا يجوز وهذا مثل رواية أبن عباس لما يرويه من ~~التشهد وبرواية أبن مسعود لما يرويه من التشهد ولا تكون رواية ابن عباس ~~ناسخة لرواية ابن مسعود ولكن بطل الترجيح بدليل آخر وحين ذكرنا دلائل النص ~~نذكر الآن أن الزيادة على النص ليست من دلائل النسخ # مسألة الزيادة على النص لا تكون نسخا بحال # وهو قول جماعة كثيرة من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم قال أبو ~~الحسن الماوردي وهو ms399 قول أكثر الأشعرية وأكثر المعتزلة قال ولا فرق بين أن ~~تكون هذه الزيادة مانعة من اجزاء المزيد علية أو غير مانعة وذهب أصحابنا ~~إلى أن الزيادة لو غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا حتى صار المزيد علية لو ~~فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان PageV01P440 يفعل قبلها لم يجز ووجب ~~استيفائه فان الزيادة في هذه الصورة تكون نسخا وذلك نحو زيادة ركعة على ~~ركعتين وان كان المزيد عليه فعل على حد ما كان يفعل قبل الزيادة صح فعله ~~واعتد بفعله ولم يلزم استيفائه لم تكن الزيادة نسخا نحو زيادة التغريب على ~~الحد وزيادة العشرين على حد القاذف واختار هذا عبد الجبار الهمذاني # وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقد قالوا أن الزيادة على النص بعد استقرار ~~حكمه يوجب النسخ حكاه الضميري عن أصحابه على الاطلاق وعن أبي الحسن الكرخي ~~وأبي عبد الله البصري أنهما قالا أن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في ~~المستقبل كانت نسخا وأن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنه له لم يكن ~~نسخا وأما زيادة التغريب على حد الزاني في المستقبل يكون ناسخا وكذلك لو ~~زيد في حد القاذف عشرون # قالا وأما إذا وجب ستر الفخذ فوجب بعد ذلك ستر بعض الركبة لا يكون ذلك ~~نسخا وكذلك إيجاب صلاة أخرى أو فرض آخر على الفرائض المعلومة PageV01P441 ~~واحتج من قال إن الزيادة على النص نسخ بوجوه من الكلام أكثرها يرجع إلى ~~معنى واحد وهو أن النسخ مأخوذ من الإزالة على ما سبق بيانه والزيادة فيه قد ~~تضمنت الإزالة لأن الجلد قبل الزيادة قد كان كمال الحد فصار بعدها بعض ~~الجلد فقد أزالت الزيادة كون الجلد بعدها كمال الحد و إذا تحقق معنى النسخ ~~ثبت النسخ # وقالوا أيضا إن الجلد قد كان مجزيا وحدة ومن بعد التغريب صار غير مجزي ~~وحده وقد أزالت الزيادة كون الجلد مجزيا وحده وهذا قريب من الأول # قالوا أيضا أن الجلد وحدة كان يتعلق به رد الشهادة فلما زيد التغريب صار ~~لا يتعلق ms400 به وحدة ويصير هذا كما لو صرح الخطاب يكون الجلد كل الحد ثم غير ~~يكون نسخا إجماعا كذلك هاهنا يدل علية أن زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخا ~~فكذلك بزيادة التغريب على الجلد يكون نسخا وان منعتم ندل على ذلك فنقول إن ~~هذه الزيادة جعلت وجود الركعتين وحدهما لعدمهما وأوجبت الاستئناف وأزالت ~~الآخر ومن قبل هذا الزيادة لم تكن الركعتان كذلك وهذا هو معنى النسخ # وأما أبو زيد فال في هذه المسألة إن الزيادة تنسخ معنى لأن الآية جعلت ~~الجلد مائة حد الزنا ومتى كان الجلد حدا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب ~~حدا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من العقوبة أو العبادة أو الكفارة لا يتجزيء ~~وجوبها ولا أداؤها ومتى عدم شئ منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال كالركعة ~~من الفجر والركعتين من الظهر إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرا ولا بعضة ولهذا ~~لو صام شهرا عن كفارة القتل ثم مرض فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز لأن ~~المشروع فيه كفارة صوم شهرين فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقى ~~حكم أداء الواجب بحال وإذا ثبت أن بزيادة التغريب لا يبقى الجلد بنفسه حدا ~~ثبت أنه نسخ وكذلك كفارة اليمين حين جعلت الكفارة رقبة PageV01P442 مؤمنة ~~لم يبق الرقبة المطلقة بغير هذا الوصف كفارة بوجه وكذلك إذا جعلنا ركن ~~القراءة في الصلاة الفاتحة لم تبقى قراءة القرآن مطلقة ركنا والله تعالى ~~أوجب قراءة القرآن قالوا ولا يجوز أن يقال إن الزيادة تخصيص لأن العموم إذا ~~خص في الحكم فيما لم يخص بخطابة العام نفسه لا بشيء آخر فلم يكن نسخا لحكم ~~بل يفرض بالتخصيص ما بقى على ما كان وأما في الزيادة فانه لا يبقى للخطاب ~~الأول حكم لأن قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة @QE@ جعل الجلد حدا ولا يبقى حدا بنفسه بعد ثبوت التغريب حدا معه ~~وكذلك آية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الأيمان كفارة إذ ليس في الآية إلا ~~الرقبة ms401 ولا تبقى الرقبة كفارة بعد أن قيدت الرقبة بقيد الأيمان بل تكون ~~الكفارة رقبه مؤمنة لا رقبة على ما قال الله تعالى وهذا لأن الكفارة إذا ~~خرجت من الآية جازت المؤمنة لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى بل للصفه ~~الزائدة التي ليست في الكتاب وبدون هذه الصفة لا تكون الرقبة كفارة عندكم ~~والزيادة نسخ معنى وبيان صورة هذا كلام أبي زيد ذكره في تقويم الأدلة ثم ~~استدل بأنه ليس بيان معنى وذلك لأن البيان أسم لما يحمله اللفظ ولما ينتظم ~~على الأوصاف والجلد مائة لا يحتمل النفي # فلا يكون إثبات هذه الزوائد بيانا بل يكون رفعا للحكم عن القدر المذكور ~~وتعليقا بالزوائد قال وهذا كالإعتاق المطلق إذا علق بشرط تبدل المطلق وصار ~~شيئا آخر يعني على ما عرف في مسألة تعليق الطلاق والعتاق بالملك وهو أيضا ~~بمنزلة العلة يزاد عليها وصف فان ما قبل ذلك لا يكون علة ولا بعض للعلة بل ~~يسقط حكم العلة أصلا إلى أن يوجد الوصف الآخر فيصير جملته علة وقد ادعى ~~بعضهم ثبوت نسخ قوله تعالى @QB@ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان @QE@ ~~البقرة 282 بإثبات الشاهد واليمين ووجه النسخ أن الله تعالى قال @QB@ وأدنى ~~ألا ترتابوا @QE@ فجعل المرأتين أدنى الحجة الشرعية وإذا جعلنا الشاهد ~~واليمين حجة لم يكن أدنى فثبت تغيير ما اقتضته الآية وكان نسخا # ببينه أنه خير بين شيئين أعنى رجلين أو رجلا وامرأتين فان ضممنا الشاهد ~~واليمين في الحجة إليهما صار مخيرا بين ثلاثة أشياء بعد أن كان مخيرا بين ~~شيئين # وأما دليلنا أن النسخ إزالة الحكم وتغييره وزيادة التغريب لا يوجب إزالة ~~الحكم ولا تغييره في المائة لأنها واجبة بعد إيجاب التغريب كما كانت واجبة ~~من قبل وانما أيجاب التغريب ضم حكم إلى حكم وضم الحكم إلى الحكم لا يؤدي ~~معنى النسخ بحال PageV01P443 ببينه أن النسخ تبديل الحكم إلى غيره و أبطاله ~~بالثاني تقول العرب نسخت الشمس الظل أي أبطلته ونسخت الرياح الآثار أي ~~أبطلت أعلامها ونسخت ا لرسوم ms402 إذا بدلت ومنه مذهب التناسخ وهو تبديل جسم ~~بجسم آخر بالروح الأولى # وأذا ثبت إن النسخ تبديل وتغير وأبطال في الشهادة تقرير لما كان ثابتا ~~وضم شيء إلى شيء آخر نحو آية الزنا أثبتت الجلد مائة والسنة أثبتت التغريب ~~معه # وكذلك الظهار واليمين أوجبت الرقبة مطلقة والآية المقيدة بالإيمان أثبتت ~~زيادة الأيمان علية فثبت أن الزيادة موجبة تقرير ما سبق بل الحكم وضم حكم ~~آخر إليه فلم يكن نسخا بوجه ما # ويدل عليه أن الزيادة على النص لو كانت نسخا لكان القياس باطلا لأن ~~القياس هو أخذ المعنى من الأصل الثابت بالنص والحاق غيره به ما لا يتناوله ~~النص فلو كانت الزيادة على أصل النص نسخا سقط القياس أصلا لاثبات زيادة على ~~النص وحين كان القياس دليلا شرعيا جائزا استعماله في أحكام الحوادث سقط ما ~~قالوه هذا هو ما قاله الأصوليون من الأصحاب وغيرهم # ونحن نقرر الكلام على وجه لا تبقى معه شبهة الخصم وينزاح الأشكال فنقول ~~إن الزيادة لو كانت نسخا لكانت نسخا من حيث أنها تضمن تغير الحكم الثابت من ~~قبل ولا تغير بلا نسخ والدليل على أنه لم يوجد تغيير للحكم الثابت من قبل ~~أن قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ ~~النور 2 لا يتضمن إلا إيجاب جلد المائة فحسب وإيجاب التغريب لا يغير حكم ~~الجلد لأن حكم الجلد وجوب إقامته والتغريب لا يزيل وجوب اقامة المائة إنما ~~يزيل نفي وجوب ما زاد عن المائة والآية لم تتعرض لما زاد على المائة لا ~~بنفي و لا إيجاب نعم لو لم يرد وجوب التغريب كنا نقول إن الجلد كمال الحد ~~لا تقتضيه الآية لكن لعدم قيام الدليل على وجوب شيء آخر مع الجلد ثم إذا لم ~~يقم دليل على وجوب شيء آخر حكمنا أن الجلد كمال الحد ضرورة لا من حيث أن نص ~~الكتاب دل عليه # يدل عليه إن نفى وجوب ما زاد على المائة لم يكن معلوما بدليل شرعي حتى ~~تسمي إزالته نسخا ms403 وإنما قلنا لم يكن بدليل شرعي لما بينا أن إيجاب المائة ~~لم يتعرض لما زاد عليها بنفي ولا إثبات فإن انتفى إنما ينتفي الدليل العقلي ~~لأن الفعل يقتضي أنتفاء وجوبه ولم ينقلها عن الدليل العقلي دليل شرعي وإذا ~~كان حكما عقليا جاز قبول خبر الواحد والقياس في النقل عنه كما يجوز في كل ~~حكم عملي يجب بخبر الواحد والقياس والعقل ينفي وجوبه والأول الذي ذكرناه ~~أقرب إلى طريقة الفقهاء وهو في نهاية الوضوح PageV01P444 # ونقول في تقيد الرقبة بالإيمان هو تخصيص لأن الرقبة عامة في كل ما يسمى ~~رقبة فإذا أخرجنا عتق الكافرة من الخطاب كان تخصيصا محضا وإذا عرف وجه ~~الكلام في هاتين الصورتين ظهر في سائر الصور ولم يثبت النسخ الذي ادعوه في ~~صورة ما وانما نهاية ما في الباب أن يكون ضم حكمه إلى حكم في بعض المواضع ~~مثل التغريب مع الجلد وزيادة العشرين على الثمانين في حد القذف لو قدر ورود ~~الشرع بها وكذلك إيجاب النية في الوضوء وإيجاب الترتيب وأثبات الحجة ~~بالشاهد واليمين وكذلك إيجاب قراءة الفاتحة # والأولى أن يقال أن خبر الفاتحة بيان لقوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر ~~منه @QE@ المزمل 20 أو يكون تخصيصا للعموم مثل تقييد الرقبة بوصف الإيمان ~~في كفارة الظهار وكفارة اليمين ويمكن دعوى التخصيص أيضا بإثبات النية ~~والترتيب فان ظاهر الآية يقتضي جواز الوضوء بالنية وغير النية فيكون إفساده ~~بعدم النية بدليل يقوم عليه تخصيصا وأما الترتيب فعندنا أن ظاهر الكتاب دل ~~عليه على ما بينا في الخلافيات الفروع أما الجواب عن كلامهم قولهم إن الجلد ~~كان قبل التغريب كمال الحد وقد صار بعض الحد قلنا نقول أولا أن قولنا أن ~~الجلد جميع الحد الواجب معناه أنه لا يلزم أن يضم أليه غيره وقولهم قد صار ~~بعض الحد الواجب معناه أنه وجب أن يضم إليه غيره قولهم إن هذه الزيادة نسخ ~~لأنها صيرت الجلد بعض الحد الواجب معناه أن هذه الزيادة أنما كانت نسخا ~~لأنها زيادة ومعنى العبارتين واحد وهذا باطل ms404 لأنه تعليل الشيء بنفسه ونقول ~~أيضا أن الكل والبعض من قضايا العقول دون الشرع فلم يفد النسخ وهم يقولون ~~على هذا نعم أن الكل والبعض يعرفان بالعقل لكن كون الشيء كل الحكم الشرعي ~~أو بعضه إنما يعلم بالشرع وطريق الجواب تحقيقا ما سبق من قولنا إن إيجاب ~~التغريب وإيجاب وصف المؤمنة ليس يتضمن تغيير قضية الآية بوجه لما لأنه ليس ~~من قضية الآية الإيجاب جلد المائة فحسب # فأما كونه كل الحد أو بعض الحد فليس يعرف بالآية بحال وانما يعرف بدليل ~~آخر على ما سبق بيانه # كذلك الجواب عن كلامهم الثاني وكلامهم الثالث من قولهم إن رد الشهادة ~~تعلق بالجلد لا نسلم و إنما هذا شيء قالوه على أصولهم وعلى أن إثبات النسخ ~~بمثل هذا لا يمكن # ألا ترى أن فرائض الصلاة إذا كانت خمسا وقف جواز الشهادة على أدائها ولو ~~زيد في الخمس صلاة سادسة وقف قبول الشهادة على قبول السادسة وفعلها وهذا لا ~~يوجب نسخا في أمر الشهادة ومن PageV01P445 قال إن إيجاب صلاة سادسة نسخ ~~للصلاة الخمس يلزمه أن يقول إن الفرائض الشرعية كلها أوجبت فيها شيء يتضمن ~~نسخ ما سبق وهذا لا يقوله أحد وأما إذا صرح الخطاب يكون الجلد كمال الحد ~~فنقول أنه إذا وقع التصريح بذلك يكون أجزاء الجلد وحده حكما شرعيا فكانت ~~إزالته نسخا وأما إذا لم يصرح بذلك بل أوجب الجلد مطلقا فإيجاب الجلد مطلقا ~~لا يتعرض للتغريب بنفي ولا إثبات و إنما يعلم نفيه على ما ذكرنا وهو أن ~~الأصل أن لا وجوب وإزالة حكم الأصل لا يكون نسخا وأما تعلقهم بزيادة ركعة ~~على ركعتين أو زيادة ركعتين على الأربع فقد منع ذلك أصحابنا وزعموا أن ذلك ~~لا يكون نسخا مثل مسألتنا وان سلمنا فالفرق ظاهر وهو أن زيادة الركعة قد ~~يتضمن تغير حكم الآية بوجه ما لأنه آخر الصلاة على ما ذكروا وأما هاهنا فإن ~~إيجاب التغريب لا يتضمن تغيير حكم الآية بوجه ما لأن أجزاء الجلد باق من ~~الحد مع ms405 إيجاب التغريب ولو قدرنا أنه وجب الجلد والتغريب إجماعا ثم جلد من ~~غير تغريب وقع مجزيا عن الحد و إنما لا يكون حدا كاملا # وقد بينا أن الآية لا تدل على الكمال ولا على النقصان ولا على البعض ولا ~~على الكل وأيضا فان زيادة الركعة على الركعتين أو الركعتين على الأربع يوجب ~~نسخ وجوب الجلوس عقب الركعة الثانية وهم يقولون على هذا الجلوس الواجب ~~موضعه آخر الصلاة وهذا أنما يتغير لو تغير آخر الصلاة ونحن نقول قد تغير ~~آخر الصلاة والأولى ما سبق من قبل وأما طريقة أبي زيد فنقول من عرف ما ~~ذكرناه سهل عليه الجواب عن طريقته لأن معتمد أن التغريب إذا أوجب لم يكن ~~الجلد حدا بنفسه وقد بينا أن الآية لا تدل على كونه حدا فحسب فأما قوله ~~بنفسه فليس معناه إلا أنه يقتضي الاتيان يكون حدا كاملا أو مجزيا وحدة وقد ~~أجبنا عن هذا وقلنا أن الآية لا تدل على شيء من هذا والذي قال إن العقوبة ~~والعبادة والكفارة لا تتجزأ وجوبا وفعلا قلنا كون الجلد مجزيا عن الحد ليس ~~بمتعلق بكونه حدا كاملا بنفسه بلا جزاؤه يتناول الإيجاب إياه والشرع قد ~~أوجب الجلد فإذا فعل بنية امتثال أمره لا بد أن يقع مجزيا وهذا كنفس المائة ~~فانه لو ضرب الجلاد خمسين وترك فانه يكون المفعول من الواجب عليه ويكون حدا ~~إلا أنه لا يكون حدا كاملا بل يكون بعضه وان قالوا لا يكون حدا أصلا حتى ~~يكمله مائة فهذا محال بل مباشرة بعض الواجب وترك البعض متصور معقولا فلا ~~يكون ترك مباشرة البعض من الواجب كاملا فيما باشره ونضير حقوق العباد ~~واستيفاؤها قالوا هذا في حقوق العباد مسلم فأما في حقوق الله تعالى ~~PageV01P446 فلا لأنها لا تتجزأ ثبوتا وأداء بل يصير ما كان مع الزيادة ~~شيئا واحدا فإن كان هذا في الأحكام يصير حكما واحدا وان كان في العلل يصير ~~علة واحدة وإذا صار شيئا واحدا والاسم تعلق به وبما زيد عليه ذهب فيما ms406 دونه # قالو ولهذا قلنا إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لوضوئه سقط استعماله ويباح ~~له التيمم لأن الماء لم يجب استعماله لنفسه بل لحكمه وهو إباحة الصلاة ~~والأباحه حكم علق بما يكفي الأعضاء كلها فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال ~~وهذا كنكاح الأربع علة لتحريم النكاح عليهن فلا يكون للواحدة من الأربع حفظ ~~في التحريم وكذلك البيع علة في إيجاب الملك فلا يكون لأحد شطريه أثر في ~~الإيجاب # قيل في الجواب عنه إن هذا شيء بقوله على أصله ونحن قد رجعنا إلى دليل ~~عقلي قطعي في الباب وهو أن من أمر بحمل شيء فإذا باشر المأمور بعضة بنية ~~امتثال أمره يكون فاعلا لما أمره ويقع موقعة إلا أن يكون بعضه مرتبطا ببعض ~~ينعقد تحريمه شرعية مثل الصلاة والحج وما أشبه ذلك فأما ما كانت مباشرته من ~~الحسيات من إقامة جلد بعدد معلوم فهو مثل ما إذا قال بعدد معلوم وسواء كان ~~حق الله تعالى أو حق العباد فانه لو وجب عليه خمسة دراهم زكاة وهي أقل ما ~~يجب فأدى بعضها وحبس الباقي يكون مؤديا بذلك القدر الذي أداه ما عليه لا ~~يذهب الأجزاء عن المؤدي بتركه إذا ما بقي عليه # والحرف أن عندنا بعض الحد حدا وبعض الوضوء وضوء وبعض الشيء أداء ولا فرق ~~بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدمي في ذلك والتعلق بما ذكرناه من الدليل # وأما إيجاب صفة الإيمان في الرقبة الواجبة في الظهار واليمين فليس بنسخ ~~بل هو تخصيص وقد سبق بيان هذا وقولهم أنا إذا قيدنا الرقبة بصفة الإيمان ~~يكون جواز الكفارة بصفة الإيمان لا بكونه رقبة قلنا وإن كان الجواز ثابتا ~~بصفة الإيمان للرقبة لكن الرقبة المطلقة تتناول بإطلاقها المؤمنة والكافرة ~~جميعا لأن الكل رقبة وهي وان كانت نكرة من الإثبات لكن تتناول كل رقبة على ~~البدل على معنى أن ما من رقبة إلا ويجوز أن تكون هي المراد من رقبة غيرها ~~كقولك رأيت رجلا في الدار فانه ما من رجل إلا ويجوز ms407 أن يكون هو الذي رآه ~~فثبت بما ذكرنا أن التقييد بصفة الإيمان هو إخراج الكافرة من مطلق الآية ~~فيكون تخصيصا ولا يكون زيادة وعلى أنه وإن كان زيادة فلا يكون نسخا لأن ~~الرقبة وجبت بالآية وصفة الإيمان وجبت في الرقبة بدليل القياس وكان ضم ~~PageV01P447 واجب إلى واجب وهو تقرير ما سبق من إيجاب اعتقاق الرقبة وزيادة ~~واحب علية وبإيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة لا يخرج من أن يكون إعتاق الرقبة ~~واجبا عليه لأن فى إيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة إيجاب إعتاق الرقبة وإيجاب ~~اعتبار صفة الإيمان في الرقبة واعتبار هذا لا ينفي إيجاب الرقبة فثبت إن لا ~~تغيير والأول من ادعى التخصيص أحسن وأحرى ونظير ما ذكرنا من أدعى التخصيص ~~قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ التوبة 5 فان النص وجد ~~على المشرك ثم قد ضم صفة الذكورة إلى صفة الشرك ولم يكن زيادة بل كان ~~تخصيصا كذلك هاهنا وأما قوله تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان @QE@ فليس في جعل اليمين والشاهد حجة دليل على ~~النسخ في هذه الآية لأن الآية ما تعرضت لما سوى المذكور بنفي ولا إثبات ~~وهذا لأن التخيير بين الشيئين لا يتعرض لما عداهما بتحريم ولا إيجاب ~~فانتفاء الغالب ليس بحكم الآية بل بحكم أن الأصل فيه الانتقاء والنقل من ~~الأصل لا يكون نسخا والعجب أنهم لا يجعلون إيجاب الوضوء بالتقييد نسخا لآية ~~الوضوء ثم هاهنا جعلوا إيجاب القضاء بالشاهد واليمين نسخا ولئن لزم أحدهما ~~لزم الآخر وأما قوله تعالى @QB@ وأدنى ألا ترتابوا @QE@ البقرة 282 فقد ~~أجبنا عنه في الخلافيات وقد زعم بعض أصحابنا أن الزيادة على النص نسخ ~~وادعاه مذهب الشافعي واحتج بأنه علية السلام قال الماء من الماء ثم صار ~~منسوخا بقول عليه السلام إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وانما صار نسخا ~~بالزيادة على الأصل وهذا من قائله غلط لأن قوله عليه السلام الماء من الماء ~~إنما دل من حيث الخطاب أن الماء إذا لم يوجد لا يجب الغسل فقوله ms408 إذا التقى ~~الخناتان فقد وجب الغسل هو نسخ دليل النص بنص وليس النسخ من حيث الزيادة ~~PageV01P448 # | فصل وإذا ثبت أن الزيادة على النص لا تكون نسخا فالنقصان من النسخ لا ~~يكون نسخا أيضا # وذهب بعض المتكلمين إلى أن النقصان من العبادة نسخ الباقي # وقال بعضهم إذا كان نسخا منفصلا عن الجملة لم يكن ذلك نسخا للجملة وإن ~~كان نسخ بعض الجملة كالقيام والركوع والسجود في الصلاة يكون نسخا للعبادة ~~ودللنا على ما ذكرناه في المسألة الأولى وهو أن الباقي من الجملة على ما ~~كان عليه لم يزل فلم يجز أن يحكم بنسخه كما لو أمر بصوم وصلاة ثم نسخ ~~أحدهما لا يكون نسخا للثاني والكلام في هذه المسألة من الجانبين يقرب من ~~الكلام في المسألة الأولى وصورة المسألة فيما لو قدرنا نسخ الوضوء ونسخ ~~استقبال القبلة وفي هذا الموضع وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون ~~نسخا للصلاة فأما إذا قدرنا إسقاط ركوع أو سجود أو قيام فينبغي أن يكون هذا ~~على ما ذكرناه فيما إذا زيدت ركعة على ركعتين أو ركعتان على أربع الظهر وقد ~~بينا فيما سبق # | فصل # وقد ذكرنا من قبل وجوه ما يقع بها النسخ وقد بقيت منها بقية فيما يجوز به ~~النسخ وما لا يجوز نذكره في هذا الموضع # لا خلاف بين العلماء أن نسخ القرآن بالقرآن جائز كما نسخ بالقرآن صدقة ~~المناجاة الواجبة بالقرآن وكما نسخ العشرون بمصابرة الاثنين في الجهاد ونسخ ~~الاعتدال بالحول بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا ولأن جميع القرآن موجب للعمل ~~والعلم فساوى بعضه بعضا فجاز أن ينسخ بعضه بعضا وكذلك نسخ السنة المتواترة ~~بالسنة المتواترة لقوة الناسخ وضعف المنسوخ ولا يجوز نسخ المتواتر ~~PageV01P449 # بالآحاد لضعف الناسخ وقوة المنسوخ وقد ذكرنا طرفا من هذا # فأما نسخ القرآن بالسنة فإن كانت السنة أخبار آحاد لم يجز النسخ بها ~~اتفاقا # أما إذا كانت السنة ثبوتها بطريق التواتر فقد اختلف العلماء في ذلك على ~~ما سنبين # مسألة نص الشافعي رحمة الله عليه في عامة ms409 كتبه أنه لا يجوز نسخ القرآن ~~بالسنة بحال وإن كانت السنة متواترة ثم اختلف الوجه على مذهب الشافعي أنه ~~يمنع منه العقل أو الشرع فالظاهر من مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعا # والوجه الثاني أنه منع منها الشرع دون العقل ثم اختلف من قال بهذا فقال ~~ابن شريح إن الذي يمنع منه أن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وهذا ~~أصح # وقال أبو حامد الإسفرائيني الشرع منع منه ولم يكن مجوزا فيه # وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو قول عامة ~~المتكلمين وقيل إنه اختيار ابن شريح # واحتج من جوز بالعقل أنه لو لم يجز لكان لنا أن لا نجوز في القدرة أو في ~~الحكمة والأول لا يجوز لأنه معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدر ~~على أنواع الكلام ولو أتى بكلام موضوع لدفع حكم من أحكام الكتاب صح ذلك ودل ~~على ما هو موضوع له # والثاني لا يجوز أيضا لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون ~~مسفرا عن النبي صلى الله عليه وسلم وموهما أنه صلى الله عليه وسلم يأتي ~~بالكلام من قبل نفسه وهذا لو نفر عنه من حيث أن أزال حكما PageV01P450 ذ # شرعيا وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن ونسخ ~~السنة بالسنة فإن قلتم إن القرآن معجز فاتصل به دليل يدل أنه جاء من الله ~~تعالى فهذا لا يسقط هذا الدليل أن نسخ القرآن بالقرآن جائز وإن كان النسخ ~~بما لا يظهر فيه صفة الإعجاز ثم النسخ هو رفع الحكم وإزالته وذلك موقوف على ~~أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزا # ألا ترى أن السنة تنسخ بالسنة وإن لم يكن فيها دليل على الإعجاز يدل عليه ~~أن الحكم إذا كان قابلا للنسخ والدليل محتملا لأن يقع به النسخ لم يكن لمنع ~~الجواز معنى الدليل على أن الحكم الثابت بالقرآن يحتمل النسخ بالسنة أنه لا ms410 ~~دليل في أن يكون نسخه بالكتاب فحسب لأن السنة كافية في النسخ بها وليس في ~~أنه يجب أن يكون النسخ بالكتاب دليل يدل عليه قالوا ولأن النسخ إسقاط الحكم ~~في بعض الأوقات التي يتناولها العموم فأشبه التخصيص فإن إسقاط الحكم في بعض ~~الأشخاص الذين يتناولهم العموم ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة فكذا النسخ # واحتج أبو زيد في هذه المسألة فقال النسخ بيان انتهاء مدة الحكم قال ~~وكتاب الله حجة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حجة يجوز أن يبين بالكتاب ~~مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب فكذلك يجوز أيضا أن يتولى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب وقال فإن قال قائل هذا يوهم ~~الاختلاف فهذا غلط لأنه إن كان هذا يوهم الاختلاف فنسخ القرآن بالقرآن يوهم ~~الاختلاف بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه ~~من غير إضافة إلى الله عز وجل وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا ~~مستبعد قال والذي يوضح هذا أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب ونسخ ~~التلاوة يمحو الحفظ من القلوب إما رفعا وإما بانقراض الذين علموه من غير ~~خلف وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي ~~الله تعالى إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب # دليل آخر لهم من حيث الشرع قالوا يدل على أن نسخ القرآن بالسنة قد وقع ~~والدليل على ذلك أنه كان الوجب على الزائد الحبس في البيوت بقوله @QB@ ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت @QE@ ( النساء 15 ) ثم قد وقع نسخ ~~ذلك بخبر الرجم قالوا وقال الله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ~~إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ ( البقرة 18 ) ثم نسخ ذلك ~~بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا وصية لوارث ) وقال الله تعالى @QB@ وإن ~~فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما ~~أنفقوا @QE@ ( الممتحنة 11 ) وهذا الحكم منسوخ اليوم بالإجماع PageV01P451 # ولم يعرف نسخه ms411 بالكتاب فقد نسخ بغير الكتاب # وقال الله تعالى @QB@ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام @QE@ ( البقرة 191 ~~) وقد نسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم اقتلوا ابن خطل وإن كان متعلقا ~~بأستار الكعبة # وقال الله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ~~أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير @QE@ ( الأنعام 145 ) وقد ينسخ ~~هذا بما روى النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ~~وكل ذي مخلب من الطير وأما دليلنا قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ( البقرة 106 ) والسنة لا تكون مثل القرآن ولا ~~خيرا منه فوجب أن لا يجوز النسخ بها وأيضا فإنه تعالى قال @QB@ نأت بخير ~~منها أو مثلها @QE@ ( البقرة 106 ) فهذا يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان ~~بخير من الآية وذلك لا يكون إلا نسخا والناسخ قرآن وأيضا فإنه تعالى قال ~~@QB@ نأت بخير منها @QE@ وقوله @QB@ منها @QE@ يفيد أنه يأت من جنسه وجنس ~~القرآن قرآن والاستدلال بالآية معتمد يدل عليه أنه تعالى ساق الآية إلى ~~قوله @QB@ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ وهذا يدل أن غيره يعجز ~~عنه فإن قيل المراد من الآية نأت بخير منها أو مثلها في الثواب وقد يكون في ~~السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب وربما يعبرون عن هذا فيقولون معنى ~~الآية نأت بخير منها أو مثلها في النفع وأما قولكم إنه قال @QB@ نأت @QE@ ~~فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه قلنا إذا دل الدليل على نسخ القرآن ~~بالسنة فالذي أتى بذلك هو الله عز وجل # ألا ترى أن الله هو الناسخ على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما أنه هو ~~المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قالوا وعلى هذا سقط ~~تعلقكم بقوله تعالى @QB@ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير @QE@ إن الله ~~تعالى إذا كان هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه صلى الله عليه ms412 وسلم ~~فالقدرة في ذلك له دون غيره وأما قولهم إن قوله @QB@ نأت بخير منها @QE@ ( ~~البقرة 106 ) يقتضي أن يكون ما يأتي من جنسه قال هذا لا يفيد ما قلتم فإن ~~الإنسان إذا قال ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه # احتمل أن يأتيك بثوب ويحتمل أن يأتيك بشيء آخر وإذا أتاه بشيء آخر هو ~~أنفع منه سواء كان ثوبا أو غيره PageV01P452 # فقد صدق في قوله ووعده # ثم ذكروا سؤالا آخر حكوه عن أبي هاشم ثم المتكلم وهو أن قوله @QB@ نأت ~~بخير منها أو مثلها @QE@ البقرة 106 ليس فيه أنه يأتي بخير منها ناسخا بل ~~لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها أنه في حكم آخر بعد نسخ ~~الآية ويكون الناسخ غير الآية # الجواب أن الاستدلال بالآية قائم ونقول على سؤالهم الأول إن قوله @QB@ ~~نأت بخير منها أو مثلها @QE@ يقتضي أن الذي يأتي به خير من الآية المنسوخة ~~على الإطلاق وهذا لا يوحي الله تعالى إليه ما يوجد إلا في نسخ القرآن ~~بالقرآن # فأما في نسخ القرآن بالسنة لا يوجد لأنه لا تكون السنة خيرا من القرآن ~~على الإطلاق بحال بل يجوز أن يكون خيرا في الثواب أو أنفع منه وهذا لا ~~يقتضي أن يكون خيرا على الإطلاق بل الخير على الإطلاق أن يكون خيرا من كل ~~وجه فإن قيل إذا دخلتم في أمثال هذا فلا يتصور أن يأتي بخير من الأول بحال ~~وإن نسخ القرآن بالقرآن لأن القرآن لا تكون بعض آياته خيرا من البعض قلنا ~~يجوز أن يكون في الثواب أو في إظهار الإعجاز أمثل بتوقي الإخلاص والإخلاص ~~أكثر في الثواب من غيره # وقوله تعالى @QB@ وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي @QE@ ( هود 44 ) ~~أبلغ في الإعجاز من غيره فإذا نسخ القرآن بالقرآن يجوز أن يظهر الخيرية ~~المطلقة فأما إذا نسخ القرآن بالسنة فلا يظهر الخيرية المطلقة لأنه إن كان ~~خيرا في الثواب فالقرآن خير منه في نفسه في الإعجاز فإنه ms413 كلام الله عز وجل ~~وإنه ينال الثواب بقراءته إلى غير ذلك قال الخطابي إن الشيء إذا أطلق أنه ~~خير من الشيء فلا يجوز أن يكون دونه على وجه من الوجوه # أما قولهم إنا إذا نسخنا القرآن بالسنة فيكون الذي يأتي بالناسخ هو الله ~~عز وجل أيضا قلنا لا ننكر هذا لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق ~~الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه في كتابه وافترضه نصا فيه وأما الذي ثبت ~~بالسنة فهو وإن كان صدوره عمن لا ينطق عن الهوى لكن على إطلاقه يضاف إلى ~~الرسول وإلى سنته هذا كما أن الوحي يختلف فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون ~~إلهاما ونفثا في الروح ووحي الكتاب مخالف لكل هذا إذ هو الأعلى والمتقدم ~~على سائر أنواعه كذلك ها هنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابت على وجوه ما ~~يثبت به # أما قولهم على قولنا إن قوله @QB@ بخير منها @QE@ يقتضي أن يكون من جنسه ~~أنه يجوز أن يكون من جنسه ويجوز أن يكون من غير جنسه والاستشهاد الذي قالوه ~~قلنا لا بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول وهذا الذي يفهم عند ~~إطلاق ذلك اللفظ فأما قول القائل ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه ~~PageV01P453 # إنما يفيد ما ذكرتم لأنه ذكر لفظ ما وهذا اللفظ يقع على الثواب وعلى غيره ~~وليس كذلك الآية لأن الله تعالى لم يقل بما هو خير منها وإنما قال @QB@ نأت ~~بخير منها @QE@ فنظير قول القائل ما آخذ منك من ثوبا آتيك بخير منه وهو ~~مفيد ثوبا خير من الثواب الأول وأما الذي نسبوه إلى أبي هاشم من السؤال ~~فليس بشيء لأنه خلاف قول المفسرين بل خلاف قول جميع الأمة # وقد قال كل من تكلم في هذه الآية من العلماء أن الآية التي تأتي ها هنا ~~هي الناسخة والأخرى هي المنسوخة وهذا السؤال من أبي هاشم سؤال جدلي لا يجوز ~~أن يعترض به على إجماع المفسرين ونقول أيضا على قولهم أن ms414 ما يثبت بالسنة قد ~~يكون أنفع وأفضل في الثواب # قلنا هذا محال لأن الثابت بالسنة إن كان أنفع عملا فيبقى أن الكتاب أنفع ~~لاستحقاقه الثواب بتلاوته وهذا لا يوجد في السنة والاعتماد في المسألة على ~~هذه الآية وقد تأيد الاستدلال بهذه الآية بقوله تعالى @QB@ قال الذين لا ~~يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء ~~نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ ( يونس 15 ) فأخبر أن تبديل القرآن ~~ونسخه يكون من عند الله عز وجل لا من عند نفسه وسؤالهم على هذا بما قالوا ~~أنه وإن كان من عند الرسول صلى الله عليه وسلم بصورة ولكنه من عند الله ~~حقيقة وقد أجبنا عن هذا # وهذا لأنه إنما يضاف إلى الله عز وجل ما اختص به ويضاف إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما اختص به ولو كانا مضافين إلى الله عز وجل لم يجز إضافة ~~أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم # واعلم أن المسألة مشكلة جدا وقد ذهب كثير من أصحابنا إلى اختيار مذهبهم ~~في المسألة والذي يمكن الاعتماد عليه هو ما ذكرنا ولا ينبغي أن يستدل في ~~هذه المسألة من حيث المعنى لأن نهاية ما قالوه هو أن الكتاب أفضل من السنة ~~فلا يجوز نسخ الشيء بما هو دونه في المرتبة كما أنه لا يجوز نسخ المتواتر ~~بخبر الواحد والكلام على هذا يسهل فإنهم يقولون كل واحد من الكتاب والخبر ~~المتواتر دليل مقطوع به والجواز عقلا موجود فلا سبيل إلى امتناعه ونحن نقول ~~إنما لم يمتنع ذلك عقلا فعلى هذا سقط جميع ما ذكروه من حيث المعقول في ~~الدليل على جوازه وبقي الدليل الشرعي الذي أقمناه في المنع منه # وأما تعلقهم بالمواضع التي استدلوا بها في وجوب نسخ الكتاب بالسنة فهي ~~دلائل ضعيفة وسنبين الكلام على واحد واحد من ذلك # أما آية الإمساك في البيوت قلنا قد قالوا إن الآية الواردة في الأذى ~~والحبس في البيوت وآية الجلد كل ذلك ms415 في الأبكار دون المحصنين وفي ذلك نسخ ~~الكتاب بالكتاب وأما الرجم الذي هو حد PageV01P454 # المحصنين ثبت بالسنة ابتداء وهذا جواب ابن شريح وهو حسن جدا # فإن قالوا لا بد على هذا من دليل # قلنا لأن الرجم حد المحصن وليس في هذا الموضع ذكر الإحصان ولا ذكر ما يدل ~~عليه الإحصان # جواب آخر إن سلمنا أن المحصنين والأبكار قد دخلوا في حكم الكتاب لكن بنسخ ~~الحبس والأذى بآية الجلد ثم آية الجلد نسخه في المحصن بقوله الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة وقد كان ذلك قرآنا يتلى في زمان النسخ وإن رفعت ~~تلاوته من بعد وكان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة # ووجه ثالث وهو أن حكم الرجم مبني على قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم @QE@ إلى قوله @QB@ أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ ( ~~النساء 15 ) أن الله تعالى جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس فقد ~~تضمنت الآية أن حكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلا وكان السبيل الذي وقع ~~إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة وكأن الله تعالى قال ~~وأمسكوهن في البيوت حتى يتبين فيهن سنة ثم قد ثبت ببينة الرجم فانقضى زمان ~~حكم الحبس مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل وليس هذا من النسخ في شيء ~~إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب فحين وجد وقته ارتفع # وأما نسخ الوصية للوالدين والإرث ثبت بآية المواريث وقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا وصية لوارث بيان أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية فإن الآية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ~~والفاء تدل على تقدم المسبب كقولك قمت إلى فلان فضربته دل أن القيام سبب ~~لضربه فيكون على هذا الخبر الوارد مثبتا للكتاب لا ناسخا له ونحن لا ننكر ~~البيان بالسنة ولا نأباه وسائر ما قالوه من بعد إنما هي عمومات دخلها ~~التخصيص وكذلك إن أوردوا قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ ( ~~النساء : 24 ms416 ) وقوله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة على عمتها ولا على ~~خالتها فهذا وأمثاله ليس بنسخ وإنما هو عموم خص ونحن نجوز تخصيص الكتاب ~~بالسنة وإنما الكلام فى النسخ وقد منع الشرع من النسخ ولم يمنع من التخصيص ~~وسنبين الفرق بين النسخ والتخصيص من بعد # ببينه أن التخصيص جائز للكتاب بخبر الواحد وأجمعوا أن النسخ لا يجوز بخبر ~~الواحد PageV01P455 # وأما قولهم يجوز نسخ التلاوة ونسخ التلاوة يمحو حفظه عن القلوب إلى غير ~~كتاب # قلنا نحن إنما منعنا بالشرع والشرع إنما منع نسخ الكتاب إذا أتى بشيء آخر ~~أن ينسخه إلا أن يكون الذي يأتي به خير منه وهذا لا يوجد في الموضع الذي ~~صوره وإنما يوجد في موضع الخلاف لأن نسخ الكتاب وإثبات السنة التي هي دونه ~~والشرع قد رفع هذا وأباه نصا على ما سبق ذكره والله أعلم مسألة فأما نسخ ~~السنة بالقرآن # فمن جوز نسخ القرآن بالسنة فأولى أن يجوز نسخ السنة بالقرآن # فأما إذا منعنا نسخ القرآن بالسنة فقد اختلف في هذه الصورة الثانية # وذكر الشافعي رضوان الله عليه في كتاب الرسالة القديمة والجديدة ما يدل ~~على أن نسخ السنة بالقرآن لا يجوز ولعله صرح بذلك ولوح فى موضع آخر بما يدل ~~على جوازه فخرجه أكثر أصحابنا على قولين أحدهما لا يجوز وهو الأظهر من ~~مذهبه # والآخر يجوز وهو الأولى بالحق # واستدل من تعلق بالقول الأول بقوله تعالى @QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم @QE@ ( النحل 44 ) فلما جعل السنة مبينة للكتاب لم يحتج ~~المبين إلى بيان أو يقال إذا كانت السنة مبينة للكتاب فلا يكون الكتاب ~~مبينا للسنة لأن الشيء الواحد لا يكون مبينا ومبينا ولأنه نسخ للشيء بغير ~~جنسه فلم يجز كما لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة على ما بينا # واعلم أن الأولى والأصح أنه جائز والدليل على جوازه وجود ذلك فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صالح المشركين عام الحديبية وكان مما شرط في الصلح إن ~~جاء من المشركات مسلمة إلى النبي ms417 صلى الله عليه وسلم ردها إليهم ثم نسخها ~~الله تعالى ونقض الصلح في ذلك على الخصوص بقوله عز وجل @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ ( الممتحنة 1 ) PageV01P456 # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوى ~~من الليل ثم صلاها على ترتيب ما فاتت # ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بقوله تعالى @QB@ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم @QE@ ( النساء 102 ) الآية # وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدا في الابتداء بالتوجه إلى ~~بيت المقدس ولم يكن ثبوت ذلك بالكتاب لأنه ليس في القرآن دليل عليه ولم يكن ~~ذلك أيضا لاتباعه شريعة من قبله لأنه لم يقم دليل على أنه يلزمنا اتباع ~~شريعة من قبلنا فقد كان ذلك بمحض السنة ثم نسخ بالكتاب فثبت بما بينا وجود ~~نسخ السنة بالكتاب وإذا وجد صار شرعا جائزا # وأما الدليل من حيث المعقول فلأنه لا مانع من جوازه لا من حيث القدرة ولا ~~من حيث الحكمة وقد سبق بيان هذا في المسألة المتقدمة ولا يجوز أن يقال إن ~~نسخ السنة بالكتاب يوجب التنفير عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يوهم ~~أنه لا يرضى بما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد لا يصح لأن النسخ يرفع ~~الحكم بعد استقراره واستقراره يمنع من هذا التوهم لأنه لم يرض بما سنه لم ~~يقر عليه أصلا وعلى أن ذلك لو نفر عنه لنفر عنه أيضا نسخ السنة بالسنة لأن ~~الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحي فجرى مجرى كلام ينزله الله تعالى ولأن ~~الكتاب أقوى والسنة أضعف ويجوز نسخ الأضعف بالأقوى والمعتمد أنا إنما منعنا ~~نسخ القرآن بالسنة للشرع منع من ذلك ولا يوجد مثل ذلك في هذا الجانب هو نسخ ~~السنة الكتاب لأن نسخ السنة بالكتاب ونسخ الشيء بما هو خير منه ولا دليل في ~~العقل يمنع منه فجاز النسخ ms418 إذا لم يكن منه مانع وأما تعلقهم بقوله تعالى ~~@QB@ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ ( النحل 44 ) قلنا ~~ليس في قوله @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ دليل على أن لا يتكلم إلا ~~بالبيان كما أنك إذا قلت دخلت الدار لأسلم على زيد ليس فيه أنك لا تفعل ~~فعلا آخر على أنه ليس في كون كلامه بينا للكتاب ما يمنع من نسخه للكتاب إذا ~~قام الدليل عليه كما لا يمنع ذلك من نسخ قوله بقوله وكما لا يمنع أن ينسخ ~~الكتاب بالكتاب وإن كان بعضه يكون بيانا لبعض وأما قولهم إنه ينبغي أن يكون ~~نسخ الشيء بجنسه دعوى لا دليل عليه فسقط والله أعلم PageV01P457 # مسألة وقوله اشتبه الفرق تحقيقا بين النسخ والتخصيص على كثير من الفقهاء ~~لا بد من معرفة الفرق بينهما وهما متقاربان لأنهما يجتمعان من وجه ويفترقان ~~من وجه فلتقاربهما اجتمعا في بعض الأحكام ولاختلافهما افترقا في بعض ~~الأحكام والنسخ يختص بالأزمان والتخصيص يختص بالأعيان ويرفع النسخ بعض ~~الأزمان ويرفع التخصيص بعض الأعيان وهذا الرفع في التحقيق متوجه إلى أحكام ~~الأفعال في الأزمان والأعيان وإنما يرسل القول رفع الأزمان والأعيان على ~~وجه المجاز لأن وجود الأعيان والأزمان في الحالين على سواء وإنما تتغير ~~أحكام الأفعال فيهما ثم يجتمعان وإن كل واحد منهما أعني النسخ والتخصيص ~~بيان ما لم يرد باللفظ فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم والمراد بالنسخ ~~غير مراد من الخطاب # ثم اعلم أن النسخ والتخصيص يفترقا من وجوه كثيرة # أما التفريق بينهما في الحد فقيل إن التخصيص بيان المراد باللفظ العام ~~والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته # ثم قد ذكر الأصحاب وجوها من التفريق بينهما # أحدها أن النسخ لا يكون إلا بمنفصل عن المنسوخ والتخصيص يصح ويكون ~~بالمنفصل والمتصل # والثاني أن نسخ المقطوع به لا يكون إلا بالمقطوع به وهو على قول الشافعي ~~رحمه الله لا يكون إلا بجنسه فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا السنة إلا ~~بالسنة على أحد القولين أما تخصيص العموم يجوز للشيء ms419 المقطوع به وإن كان ~~العموم مقطوعا به وبغير جنسه # الثالث أن النسخ لا يكون إلا قولا وخطابا والتخصيص يجوز بجميع أدلة الشرع ~~والعقل # والفرق الرابع قد يصح النسخ فيما علم بالدليل أنه مراد وإن لم يتناوله ~~اللفظ والتخصيص لا يصح إلا فيما يتناوله باللفظ # والخامس أن النسخ يختص بالأحكام ولا يصح في الأخبار والتخصيص يجوز فيهما # والسادس أن النسخ رافع لجميع الحكم والتخصيص يثبت لبعض الحكم وكذلك يجوز ~~أن يعود النسخ إلى الشيء الواحد ولم يجز أن يعود التخصيص إلا إلى عدد أقله ~~اثنان PageV01P458 # والسابع أن النسخ يختص بعموم الأزمان والتخصيص يختص بعموم الأعيان وبهذا ~~المعنى فرق أصحابنا بين التخصيص والنسخ فقالوا النسخ تبديل والتخصيص تقليل # وهذه الوجوه كلها ذكرها الأصحاب في الفرق وشرح ذلك يعرف في مسائل متفرقة ~~وقد مضى أكثر ذلك # | مسألة إذا نزل النسخ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت النسخ في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق الأمة # على قول بعض أصحابنا وقال بعضهم لا يثبت ذلك في حق الأمة حتى يتصل بهم ~~وتعلق من قال بالوجه الثاني بقصة أهل قباء فإن أهل قباء لما بلغهم نسخ ~~القبلة وقد صلوا بعض صلواتهم فاستداروا كما هم إلى القبلة ومعلوم أنهم ~~كانوا قد فعلوا بعض الصلاة بعد النسخ قبل أن يتصل بهم الخبر ومع ذلك لم ~~يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة ولأن الله تبارك وتعالى لا يكلف ~~إلا ما يكون في وسع العبد وإذا كلف العبد الشيء قبل أن يعلمه يكون قد كلف ~~ما ليس في وسعه وهو باطل ولهذا المعنى لا يأثم بالتأخير إلى أن يعلم ولو ~~كان الخطاب قد توجه عليه لكان يأثم وحين لم يأثم ثبت ما قلنا # وأما دليل الوجه الأول أن النسخ محض إسقاط فلا يعتبر فيه علم من سقط عنه ~~كالطلاق والعتاق وهذا لأن دليل النسخ قد قام ولا دليل على اعتبار علم من ~~يعمل النسخ في حقه فإذا لم يكن دليل ثبت النسخ على العموم ms420 وهذا لأن الخطاب ~~بالشرعيات ثبت بإثبات الله تعالى فإذا كان الله تعالى رفعه فكيف يبقى ثابتا ~~ولأن النسخ يكون بإباحة محظور والإباحة تكون من الله تعالى ويكون من قبل ~~الله تعالى العبد ثم الإباحة من قبل العبد يثبت حكمها قبل علم العبد ~~بالإباحة مثل أن نقول أبحث ثمرة بستاني لبنى فلان ولم يعلموا بإباحته لهم ~~فتناوله واحد منهم قبل العلم لم يجب الضمان PageV01P459 # بالإجماع فكذلك الإباحة من قبل الله تعالى جاز أن تثبت على هذا الوجه ~~وأما حديث أهل قباء قلنا استقبال القبلة يسقط بأعذار كثيرة ألا ترى أنه ~~يسقط في النوافل لعذر السفر فكذلك يجوز أن يسقط عنهم بعذر الجهل وإن كانوا ~~توجه الخطاب عليهم # وأما قولهم أنه يؤدي إلى تكليف العبد ما ليس في وسعه ثم يجوز أن لا يأثم ~~والخطاب متوجه ألا ترى أنه لو نسي الخطاب أو نام عن المأمور لم يلحقه الإثم ~~والخطاب متوجه في حقه ولعل هذه المسألة تأتي من بعد بأشرح وأبسط مما ذكرناه ~~إن شاء الله # انتهى باب الناسخ والمنسوخ والقول في ذلك # ونذكر الإجماع PageV01P460 # | القول في الإجماع وما يتصل بذلك # اعلم أن الإجماع هو اتفاق أهل العصر على حكم النازلة ويقال اتفاق علماء ~~العصر على حكم الحادثة هذا الحد أحسن واختلفوا في معنى تسميته بالإجماع ~~فقال قوم هو مأخوذ من اجتماع الأقوال عليه فصار بالاجتماع إجماعا # وقال آخرون بل هو مأخوذ من الجمع الذي هو العزم من قولهم قد أجمع فلان ~~على كذا إذا عزم عليه ومنه قوله تعالى @QB@ فأجمعوا أمركم وشركاءكم @QE@ أي ~~اعزموا عليه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي ~~يعزم عليه وينويه وهذا المعنى باللغة والأول بالشرع أشبه وعلى المعنى ~~الثاني يصح الإجماع من الواحد وعلى المعنى الأول لا يصح إلا من جماعة ~~والإجماع إذا أطلق في اللغة قد يفهم منه العزم على الشيء والإجماع على ~~الشيء من اثنين فصاعدا وأما في الشرع فإن الإجماع إذا أطلق لا يتناول إلا ms421 ~~اجتماع الأمة على الحق ثم اعلم بعد هذا أن الإجماع ممكن وانعقاده متصور ~~وقال قوم انعقاد الإجماع غير متصور وغير ممكن وهذا باطل لأنه لما كان ~~الإجماع في الأخبار المستفيضة ممكنا وجب أن يكون الإجماع باعتقاد الأحكام ~~ممكنا لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم على الأخبار المستفيضة يوجد أيضا ~~سبب يدعو إلى إجماعهم باعتقاد الأحكام يدل عليه أن من تبين بشرع فإنه لا ~~يستجيز كتمانه إلا عن تقية في بعض المواضع فأما إذا لم يكن هناك تقية ولا ~~خوف فإنه لا يستجيز كتمانه وإخفاءه وإذا ثبت هذا إذا اجتمعت الجماعة على ~~اعتقاد أو حكم واستفاض ذلك فيما بينهم أو لم ينكر أحد منهم ذلك لو خلو ~~اعتقد أحد منهم خلاف ذلك لأنكره إما صريحا أو تعريضا فصار PageV01P461 # عدم الخلاف منهم دليلا على وجود الإجماع وسيأتي الكلام في هذا بأكثر من ~~هذا الذي ذكرناه وإذا ثبت وجود الإجماع فأول مسألة تذكر من ذلك كونه حجة ~~مسألة الإجماع حجة من حجج الشرع ودليل من دلائل الله تعالى على الأحكام وهو ~~حجة مقطوع بها # وقال النظام ليس بحجة وقالت الإمامية ليس بحجة من حيث الإجماع لكن الحجة ~~في أن الإمام داخل فيهم وقوله مقطوع على صحته وذهب بعض من دفع الإجماع إلى ~~أنه لا يتصور وجود الإجماع # واعلم أن من يدفع الإجماع فإنه يسلك أحد مسالك ثلاثة # أحدها أن يحيل وقوع الإجماع # والثاني أن يحيل ثبوت الطريق إليه # والثالث أن يقول ليس في الشرع ولا في العقل دليل على أن الإجماع حجة # أما الأول قالوا إنه لا يمكن ضبط أقاويل العلماء على كثرتهم تباعد ديارهم # ألا ترى أن أهل بغداد لا يعرفون أهل العلم بالمغرب فضلا أن يعرفوا ~~أقاويلهم في الحوادث وكذلك من بالمشرق فدل أن معرفة قول الأمة بأجمعهم في ~~الحوادث متعذرة لا سبيل إليها ثم قالوا كيف يتصور اتفاق آرائهم في الحادثة ~~مع تفاوت الفطن والقرايح وتباين المذاهب وتفنن المطالب وأخذ كل قوم صوبا من ~~أساليب الظنون فيكون تصوير إجماعهم ms422 في الحكم المظنون بمثابة تصور إجماع ~~العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود أو أكل نوع من الطعام وأيضا لو ~~تصور إجماعهم كيف يتصور النقل عنهم على التواتر والحكم في المسألة الواحدة ~~ليس مما يتوفر الدواعي إلى نقله فنثبت أن تصور الإجماع بأنه متسلل وأيضا ~~فإن الرجوع من كل واحد منهم موهوم ومع هذا الذي قلناه لا يتصور انعقاد ~~الإجماع على وجه يؤمن معه الخطأ لأنه يستحيل أن يجوز على كل واحد من الأمة ~~الخطأ ثم لا يجوز على جماعتهم كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا ~~وجماعتهم غير مصيبين وأن يكون كل واحد منهم أسود وجماعتهم غير سود # وأما المسلك الثاني وهو أنه لا طريق إليه لأنه لو انعقد الإجماع لكان لا ~~بد أن يكون PageV01P462 # إجماعهم صادرا عن أصل فإن انعقد عن نص وجب نقله والاستغناء به وإن انعقد ~~عن اجتهاد وأمارة مظنونة فلا يجوز ذلك لأنهم مع كثرتهم واختلاف هممهم لا ~~يجوز أن يوجد إجماعهم عن الأمارات المظنونة يدل عليه أنكم جعلتم الإجماع ~~حجة وإذا انعقد عن دلالة فتكون الدلالة هي الحجة لا الإجماع # قالوا ولا يجوز أن يقال ينعقد إجماعهم لا عن دلالة لأن الذين ينعقد بهم ~~الإجماع ليسوا بآكد حالا وأعلى مرتبة من النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن ~~يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل ولأنه إذا جاز لهم أن يقولوا إلا عن دليل ~~جاز لكل واحد منهم أن يقول أيضا بغير دليل لأنهم إنما يجتمعون على القول ~~بأن يقول كل واحد منهم ونحن نعلم قطعا أنه لا يجوز لكل واحد منهم أن يقول ~~بغير دليل وإذا لم يجز لآحادهم لا يجوز لجماعتهم وإذا ثبت أنه لا بد من ~~دليل فتكون الحجة هي الدليل لا الإجماع # وأما المسلك الثاني فيطالبون بإقامة الدليل قالوا ولا دليل عليه لا من ~~حيث العقل ولا من حيث السمع وقد تعلق بعضهم بالأمم ms423 السالفة وقالوا لما لم ~~يكن إجماعهم حجة فكذلك اتفاق هذه الأمة وتمسكوا بظواهر منها قوله تعالى ~~@QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ( النساء 59 ) ولم ~~يذكر الإجماع ولو كان حجة لذكره ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~بعث معاذا إلى اليمن قال بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب ~~الله تعالى قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجتهد رأيي ولم يذكر الإجماع ويدل عليه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ~~وهذا يدل على جواز الضلالة على الأمة وإذا جازت الضلالة عليهم لم يكن ~~إجماعهم حجة # وأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب وهو قوله سبحانه وتعالى @QB@ وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ ( البقرة 143 ) والوسط من ~~كل شيء خياره وقيل الوسط من يرضى قوله # وقيل هو العدل والمعاني متقاربة # وقال الشاعر # ( هم وسط يرضى الأنام بحكمهم % وإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم ) # وأيضا فإن الله تعالى قال @QB@ لتكونوا شهداء على الناس @QE@ ( البقرة ~~143 ) والشاهد أتم لمن PageV01P463 # يكون قوله حجة فقد وصف الله تعالى الأمة بالعدالة والشهادة فدل أن قبول ~~قولهم واجب لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس ثم لا ~~يقبل قولهم ولا يجعله حجة # ببينة أن الحكيم لا يصف بخيرية قوما ليشهدوا وهو عالم بأنهم كلهم يقدمون ~~على الكذب فيما يريدون فدل أنه تعالى علم أنهم لا يقدمون إلا على الحق حيث ~~وصفهم بما وصفهم # فإن قيل المراد بالآية هو شهادتهم في الآخرة على الأمم بأن الأنبياء بلغت ~~إليهم الرسالة وهذا يقتضي أن يكونوا عدولا في الآخرة لا في الدنيا والجواب ~~أن هذا لو كان هو المراد لقال نجعلكم أمة وسطا فلما قال @QB@ وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا @QE@ ( البقرة 143 ) دل أن هذا الوصف متحقق فيهم في الحال وعلى أن ~~الآية عامة في الدنيا والآخرة ms424 فإن قيل قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم @QE@ ~~إن كان المراد بهذا جميع من صدق النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ~~فلا يتصور إحاطة علمنا بإجماع كل من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وإن أريد ~~بذلك من وجد في زمان نزول الآية فينبغي أن لا يكون الإجماع في موضع ما حجة ~~حتى يعلم أن جميع من كان حاضرا حين نزلت الآية قال بذلك القول والجواب أن ~~الله تبارك وتعالى لما وصفهم بالعدالة والشهادة فقد أوجب علينا قبول قولهم ~~في ذلك فلا يجوز أن يقسم تقسيما يؤدي إلى سد باب الوصول إلى شهادتهم فيكون ~~المراد بالآية أهل العصر الصحابة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم أو أهل ~~كل عصر يأتي وقد تأيد هذا الاستدلال بقوله سبحانه وتعالى @QB@ كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ ( آل عمران 110 ) فدل ~~أنهم ينهون عن كل منكر لأن لام الجنس مستغرق الجنس فلو جاز إجماعهم على ~~مذهب منكر لما كانوا ناهين بل كانوا آمرين بذلك وقد قيل إن معنى قوله كنتم ~~صرتم ويحتمل وجدتم ويحتمل أنتم خير أمة # ذلك معتمد قوله تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ ( ~~النساء 115 ) فقد جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد ~~فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور في ~~الوعيد ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الحكيم لغيره إن تبت وشربت الماء ~~عاقبتك وإذا قبح غير سبيل المؤمنين وجب تجنبه وليس يمكن تجنبه إلا باتباع ~~سبيلهم لأنه لا واسطة بين اتباع سبيلهم واتباع غير سبيلهم وقد تبين بهذا ~~الجواب عن السؤال الذي يقولونه وهو أن الله تعالى علق الوعيد بمخالفة ~~الرسول PageV01P464 # وترك اتباع غير سبيل المؤمنين قد بينا أنه لا يصح الجمع بين شيئين في ~~الوعيد إلا وأن يكون كل واحد منهما يستحق عليه الوعيد يدل عليه أنه لا خلاف ms425 ~~أنه يستحق الوعيد بمشاقة الرسول على الانفراد فكذلك استحق الوعيد بترك ~~متابعة سبيل المؤمنين على الانفراد فإن قيل المراد بترك متابعة سبيل ~~المؤمنين في مشاقة الرسول قلنا فيكون لا فائدة في قوله ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين لأن استحقاق الوعيد عرف بقوله @QB@ ومن يشاقق الرسول @QE@ ( ~~النساء 115 ) فيجب أن يكون الوعيد بترك اتباع سبيل المؤمنين متعلقا بمعنى ~~آخر غير ما سبق يفيد فائدة وأيضا فإن هذا السؤال يقتضي أن لا يكون مشاقة ~~الرسول بانفراده معصية فإن قيل قد شرط الله عز وجل في لحوق الوعيد أن يكون ~~اتباعه غير سبيل المؤمنين بعد أن تبين له الهدى والألف واللام لاستغراق ~~الجنس فاقتضى استيعاب الهدى وكان معنى الآية من تبين جميع الهدى واتبع غير ~~سبيل المؤمنين لحقه الوعيد فيدخل ما أجمعوا عليه في جملة الهدى فعلى هذا ~~يجب أن يكون الهدى بدليل سوى قول الأمة تم إذا تبين يتبعون فيه كما أن ~~الإنسان إذا قال لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه اقتضى أن يكون تبين ~~صدقه بشيء سوى قوله # والجواب أنه قد قيل إن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد المذكور بمشاقة ~~الرسول فقط لا في اتباع غير سبيل المؤمنين لأن الإنسان إنما يكون مشاقا ~~معاندا إذا تبين الحق وعرفه وكان هذا الشرط مقصورا على المشاقة فقط وأيضا ~~فإن الذي قالوه لو كان على ما زعموا لبطل فائدة تخصيص المؤمنين مع علمنا ~~أنه خرج الكلام مخرج تمييز المؤمنين والإعظام لهم # ألا ترى أن غير المؤمنين إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا ~~أن نقول مثل قولهم كما يلزمنا مثل ذلك في المؤمنين يدل عليه أن اتباع ~~المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم لأنهم قالوه وليس اتباعهم هو مشاركتهم في ~~قولهم لأن دليلا دل عليه # ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود في إثبات الصانع جل شأنه وفي نبوة ~~موسى عليه السلام وإن شاركناهم في اعتقاد ذلك لما لم نصر إلى ذلك لأجل ~~قولهم # فإن قيل هذا الاستدلال بدليل الخطاب لأنكم قلتم ms426 لما ذكر في الآية إلحاق ~~الوعيد بمن اتبع غير سبيل المؤمنين دل أن اتباع سبيل المؤمنين واجب وهذا ~~تعلق بمحض دليل الخطاب لأنه ليس في الآية الأمر باتباع سبيل المؤمنين # قالوا والاستدلال في مثل هذه المسألة بدليل الخطاب لا يجوز # الجواب أن مطلق الآية تدل على ما قلناه لأن الله تعالى نص على إلحاق ~~الوعيد PageV01P465 # باتباع غير سبيل المؤمنين وعند المخالف لا يلحق الوعيد باتباع غير سبيل ~~المؤمنين بحال وعلى أن الاستدلال بالآية تقسيم عقلي لا يتصور خلافه وهو أنه ~~إما أن يوجد اتباع سبيل المؤمنين أو يوجد اتباع غير سبيل المؤمنين ولا ثالث ~~لهذين # فإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين قطعنا بوجوب اتباع سبيل المؤمنين # فإن قيل وقد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين فظاهره يقتضي أن يتبع غير ~~سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وعندنا إذا اتبع غير سبيلهم فيما صاروا به ~~مؤمنين يلحقهم الوعيد # والجواب أنه ليس كما زعموه لأن ظاهره يقتضي لحوق الوعيد عند ترك اتباع ~~سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وفيما لم يصيروا به مؤمنين # ألا ترى أنه لو قال القائل اتبع سبيل العلماء يقتضي أن يتبع سبيلهم فيما ~~صاروا به علماء وفيما لم يصيروا به علماء وأيضا فإن الآية تقتضي لحوق ~~الوعيد في هذا الفعل بترك اتباع سبيل المؤمنين وعلى هذا السؤال لا يكون ~~بترك اتباع سبيل المؤمنين وإنما يكون الوعيد بترك الإيمان والتوحيد وما ~~يتصل بذلك لا بترك اتباع سبيل المؤمنين فسقط السؤال بهذا الوجه # فإن قيل قد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين وهذا يقتضي سبيلا واحدا فلا ~~يقتضي كل سبيل يوجد # والجواب أنكم إذا سلمتم أنه إذا ترك اتباع واحد يستحق الوعيد فثبت أنه ~~إذا ترك اتباع كل سبيل هو سبيل المؤمنين يستحق الوعيد أيضا وعلى أن السبيل ~~قد صار معرفا بالإضافة إلى المؤمنين وإذا صار معرفا بهذا الوجه فلا فرق بين ~~أن يعرف الألف واللام أو يعرف بالإضافة وإذا ثبت أن السبيل معرف اقتضى كل ~~سبيل هو سبيل المؤمنين وإذا ترك ذلك استحق ms427 الوعيد والاستدلال بهذه الآية في ~~نهاية الاعتماد وقد احتج الشافعي رحمة الله عليه بهذه الآية # | دليل آخر في أن الإجماع حجة # وهذا الدليل من السنة وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~تجتمع أمتي على الضلالة # وفي رواية لا تجتمع أمتي على الخطأ وقال صلى الله عليه وسلم لم يكن الله ~~PageV01P466 # ليجمع هذه الأمة على الخطأ وقال ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح وقال من فارق الجماعة قيد شبر ~~فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وقال من فارق الجماعة فمات ميتة جاهلية وقال ~~عليكم بالجماعة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار وقال عليكم بالسواد ~~الأعظم وقال من فارق الجماعة فاقتلوه وقال صلى الله عليه وسلم من أحب أن ~~ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين ~~أبعد وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل ~~لله ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم والنصح لأولي الأمر وقال صلى ~~الله عليه وسلم ستكون بعدي هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم ~~جمع فاضربوا عنقه كائنا من كان PageV01P467 # والأخبار في معنى هذا كثيرة وإذا أمر في هذه الأخبار بالكون مع الجماعة ~~ونهى عنه الشذوذ ونفى الخطأ والضلالة عنهم دل ذلك أن إجماعهم حجة وصواب وحق ~~يدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لا تجتمع أمتي على الخطأ فما ~~أجمعوا عليه أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه فيجب كون ذلك صوابا غير خطأ ~~فإن قالوا هذه الأخبار آحاد فلا يصح إثبات الإجماع بها وهي من مسائل الأصول ~~قيل هي متواترة من طريق المعنى فإن ألفاظها وإن اختلفت فقد اتفق الكل على ~~معنى واحد وهو وجوب التمسك بالإجماع وتحريم المخالفة وعصمة الأمة من ~~الاجتماع على الخطأ والضلالة # وقد بينا أن مثل هذا الطريق يفيد العلم فإن قيل قوله لا تجتمع أمتي ms428 على ~~الضلالة يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد بالضلالة الكفر دون غيره وكذا ~~نقول إن هذه الأمة لا تجتمع على الكفر فقد قال صلى الله عليه وسلم لا تزال ~~طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة قيل له كل معصية ضلالة لأنه قد عدل ~~بها عن الحق ومنه قوله تعالى @QB@ فعلتها إذا وأنا من الضالين @QE@ فينبغي ~~أن لا يجوز اجتماعهم على خلاف الحق بحال لأنا قد ذكرنا أن كل ما عدل به عن ~~الحق ضلال وعلى أنه قد قال صلى الله عليه وسلم لم يكن الله ليجمع هذه الأمة ~~على الخطأ وهذا لا ينفي أنواع الخطأ لأن الكلام خرج مخرج بيان كرامة هذه ~~الأمة على الله عز وجل وكرامتهم على الله عز وجل تنفي أن يجتمعوا على كل ما ~~هو خطأ وعدول عن الحق # فإن قيل قوله أمتي يتناول جميع أمته من وقته إلى قيام الساعة ولا يتصور ~~اجتماع كلهم على الخطأ وأيضا فإن إجماعهم لا يتصور أن يكون حجة لأنه إذا ~~كان يتناول جميع من صدقه إلى انقطاع التكليف فلا يوجد بعد ذلك تكليف حتى ~~يكون اجتماع هؤلاء حجة وقد ذكرنا الجواب عن هذا السؤال فيما سبق وبينا أن ~~المراد بهذا أهل كل عصر # ببينة أن عند المخالفين يتصور اجتماع أهل كل عصر على الخطأ والضلالة فإذا ~~تصور ذلك عندهم في أهل كل عصر إلى أن ينقطع التكليف فقد تصور اجتماع الكل ~~على الضلالة وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك # فإن قيل ولم قلتم إذا كان لا يجوز اجتماعهم على الخطأ والضلالة يجب أن ~~يكون اجتماعهم حجة ولا يجوز مخالفته قيل له قد اجتمعت الأمة أنه لا يجوز ~~مخالفة ما أجمعوا عليه ونعني بهذا إجماع من يقول أن الأمة لا تجتمع على ~~الخطأ دون غيرهم فكل من قال إن الأمة لا تجتمع على الخطأ فقد قال إن ~~إجماعهم حجة لأنه لم يجوز لأحد منهم مخالفتهم على ما ورد به النص وإذا ~~PageV01P468 # أجمعوا أنه لا يجوز ms429 المخالفة فقد أجمعوا أنه يكون حجة # ببينة إذا تعرفنا حال الأمة وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع ~~وتخطئته ولم تزل الأمة ينسبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشق العصا ~~ومحادة المسلمين ومشاقتهم ولا يعدون ذلك من الأمور الهينة بل يعدون ذلك من ~~عظام الأمور وقبيح الارتكابات فدل أنهم عدوا إجماع المسلمين حجة يحرم ~~مخالفتها ، وفي المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب وأوردها المتكلمون ~~والقدر الذي قلناه كاف وهو المعتمد # وأما الجواب عن الذي قالوه أما الأول قوله إنه يستحيل وجود الإجماع # قلنا لا يستحيل على ما سبق بيانه أما قولهم إنه مع كثرتهم وتباعد ديارهم ~~يمتنع ويتعذر الوقوف على إجماعهم # قلنا نقول أولا كيف يدعى استحالة هذا ونحن نرى خيلا من الكفار يرمى عددهم ~~على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك بطلانها بأدنى ذكر ، فإذا لم ~~يمتنع ذلك إجماع أهل الدين على حكم من أحكام الدين وأيضا فإنا نعلم إجماع ~~العلماء من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة رحمهم الله على مذهب كل واحد ~~منهما في مسائل الفروع مع تباعد الديار وانقطاع المزاد فدل أن الذي ادعوه ~~من الاستحالة باطل هذا جواب القاضي أبي بكر # ثم نقول إن الوقوف على الإجماع غير ممتنع بسماع أقاويل الحاضرين والنقل ~~من الجانبين كما يمكن معرفة اتفاق المسلمين على الصلوات الخمس وصوم شهر ~~رمضان واعتقاد أداء الزكاة والحج وغير ذلك مع كثرة المسلمين وتباعد الذكر ~~بهم لأن الاعتبار بعلماء العصر وأهل الاجتهاد وهم كالأعلام في كل عصر لا ~~تجلى مواضعهم ولا وأقوالهم # ببينة أن من عاصر الصحابة يمكنه أن يكتفي بكل واحد من المجتهدين أو ~~ببعضهم فيعرف قوله ويتعرف قول الناس لأن أهل الاجتهاد من ذلك الوقت كانوا ~~محصورين وكذلك التابعون فأمكن التوصل إلى معرفة قولهم بالطريق الذي قدمنا ~~وأيضا فإن القول المنتشر في أهل العصر من غير مخالف دليل على الإجماع وهذا ~~يمكن معرفته وهذا لأن الدليل الذي دل على أن الإجماع حجة يوجب أن يكون سبيل ~~من الوصول إليه ولا وصول إلا بالقول ms430 المنتشر في الأمة وعدم المخالف لذلك ~~لأن معرفة قول كل واحد من علماء العصر لا سبيل إليه في العالم ولا يجوز ان ~~يوجب علينا ما لا سبيل إلى الوصول إليه فإذا لم يمكن إلا هذا القدر علمنا ~~أن ذلك حجة وأنه المعنى بالإجماع الذي أوجب علينا اتباعه وأما قولهم إنه ~~يستحيل أن يجوز الخطأ على كل واحد منهم PageV01P469 # ثم إذا اجتمعوا لا يجوز # قلنا المستحيل أن يقال إن كل واحد من الأمة يجوز كونه مخطئا في القول ~~الذي اتفقوا عليه وجماعتهم غير مخطئين فيه ونحن لم نقل هذا وإنما نقول أن ~~كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله خطأ إذا انفرد وإذا اجتمع مع الكافة لم يكن ~~قوله خطأ وليس نمنع أن يفارق الواحد الجماعة في هذا # ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يأكل اليوم مأكلا مخصوصا ولا يجوز أن ~~تجتمعوا على أكلة مخصوصة في هذا اليوم # وأما قولهم إنه لا بد أن ينعقد الإجماع على دليل # قلنا لا نمنع أن يكون إجماعهم عن نص لم ينقلوه واكتفوا بالإجماع عن النقل ~~ويجوز أيضا أن يجتمعوا عن أمارة فطرية وسنبين ذلك من بعد # وأما قولهم إن الإجماع لا يكون إلا عن دلالة فتكون تلك الدلالة حجة لا ~~الإجماع # قلنا هذا يبطل بقول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه حجة ومع ذلك لا نقول ~~ما يقوله إلا عن دلالة وعلى أنه لا يمتنع أن يكون الإجماع حجة ما صدر عنه ~~الإجماع حجة أيضا فيكون فى المسألة حجتان وأيضا فإن الإجماع وإن كان عن ~~دليل هو حجة ولكن في الاجماع فائدة وهي أن يسقط عنا البحث عن الحجة ويسقط ~~هنا نقلها ويحرم علينا الخلاف الذي كان سابقا في مسائل الاجتهاد # وقد قال بعضهم إنا وجدنا إجماعا منعقدا من غير دليل نحو إجماعهم على بيع ~~المراضاة من غير عقد والإستبضاع وأجرة الحمام وقطعة الشارب وأخذ الزكاة من ~~الخيل تبرعا وأخذ الخراج أورد هذه المسائل أبو الحسين البصري في أصوله # الجواب إن هذه ms431 المسائل لم يقع على كلها الإجماع فإن البيع بالتراضي لا ~~يكون بيعا ولا بد عندنا من الإيجاب والقبول حتى لا يكون ما أخذاه حراما أما ~~البيع فلا يقول أنه بالتعاطي المجرد ينعقد البيع بحال وأما الاستبضاع فهو ~~على مذهب أبي حنيفة والباقي من المسائل يجوز أن يسلم لكنا نقول إن الإجماع ~~لا يقع إلا عن دليل غير أنه PageV01P470 # يجوز أن يقع الاكتفاء عن نقل الدليل بوقوع الإجماع وأما الذي تعلقوا به ~~من الظواهر قلنا أما الآية وهي قوله تعالى @QB@ فردوه إلى الله والرسول ~~@QE@ النساء 59 نقول لهم إن الآية دليلنا لأنه تعالى شرط في الرد إلى ~~الكتاب والسنة وجود التنازع فدل أن دليل الحكم عند عدم التنازع هو الإجماع ~~إذ لا بد للحكم من دلالة وعلى ان يرد الحكم إلى الإجماع رد إلى الكتاب ~~والسنة وقد ذكرنا ذلك وأما حديث معاذ قلنا قد كان ذلك في زمن النبي صلى ~~الله عليه وسلم والإجماع يكون بعد زمانه وأما قوله عليه السلام لا ترجعوا ~~بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض قلنا يجوز ان يكون قال ذلك لأقوام بأعيانهم ~~ويجوز الخطأ والضلالة على أقوام بأعيانهم وإن تعلقوا بإجماع سائر الأمم ~~قلنا قد قال بعض أصحابنا إن إجماع هذه الأمة وسائر الأمم سواء في كونه حجة ~~وهو اختيار أبي إسحاق الإسفراينى # وإن سلمنا فالفرق بين هذه الأمة وسائر الأمم هو أن عصمة الأمة طريقها ~~الشرع ولم يرد الشرع بعصمة سائر الأمم وقد ورد بعصمة هذه الأمة ونفى الخطأ ~~عنهم على ما سبق بيانه فافترقا لهذا المعنى ولأن اعتراض النسخ في دين سائر ~~الأمم جائز # ألا ترى كيف اعترض ونسخ الكل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان ~~النسخ جائز لم يقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة وأما في شريعتنا فلا يجوز ~~النسخ بل هذه شريعة مؤيدة فعصمت أمتها ليرجع إليها عند الخطأ والنسيان ~~وليبقى الشرع بإجماع الأمة محفوظا # فإن قيل أليس قال الله تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ~~@QE@ إلى ms432 قوله @QB@ وأنتم شهداء @QE@ آل عمران 99 فقد جعلهم كما جعل هذه ~~الأمة شهداء فيجب أن يكون إجماعهم حجة أورد هذا السؤال أبو زيد في أصوله ~~وأجاب وقال يحتمل ان إجماعهم كان حجة ما كانوا متمسكين بالكتاب وإنما لم ~~يجعل اليوم إجماعهم حجة لأنهم كفروا بالكتاب وإنما ينتسبون إلى الكتاب ~~بدعوتهم ولأن تأويل الآية وأنتم شهداء بما فيه قبل نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم فلم لا يشهدون الحق # ألا ترى أنه قد سبقت هذه الآية أنه أخذ الميثاق بالبيان # قال الله تعالى @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس @QE@ آل عمران 187 فدل أن المراد ما ذكرنا وأعلم أنا لما حققنا ~~الإجماع حجة من جهة الشرع خاصة فقد قال بعضهم إنه حجة من جهة الشرع والعقل ~~جميعا والصحيح هو الأول لأن العقل لا يمنع اجتماع الخلق الكثير على الخطأ ~~ولهذا اجتمع اليهود PageV01P471 # والنصارى مع كثرتهم على ما هم عليه من الضلالة وإذا جعلناه حجة في الشرع ~~فإنما وجد ذلك في هذه الأمة على ما سبق # | فصل إذا ثبت أن الإجماع حجة يجب التزامها ولا يجوز مخالفتها # فهو على ضربين # أحدهما ما يكفر مخالفه متعمدا وهو الإجماع على الشيء الذي يشترك الخاصة ~~والعامة في معرفته مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما ~~ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة والربا اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما ~~انعقد عليه الإجماع فهو كافر لأنه صار بخلافه جاحدا كافرا لما قطع به من ~~دين الرسول صلوات الله عليه كالجاحد لصدق الرسول صلوات الله عليه # والضرب الثاني ما يضل مخالفه إذا تعمد ولا يصير كافرا وهذا إجماع الأمة ~~الخاصة وذلك مما ينفرد بمعرفته العلماء كتحريم المرأة على عمتها وخالتها ~~وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة وتوريث الجدة السدس وحجب بني الأم مع ~~الجد ومنع توريث القاتل ومنع وصية الوارث فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا ~~خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفر لكن يحكم بضلالته وخطئه # ثم إعلم أن الكلام في ms433 الإجماع بعد أن عرفنا أنه حجة يشتمل على خمسة فصول # أحدها معرفة ما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة PageV01P472 # والثاني فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة # والثالث ما ينعقد فيه الإجماع من الأحكام # والرابع ما ينعقد به الإجماع من الشروط # والخامس معرفة ما يتخالط مما يتعارض فيه الإجماع والاختلاف # ولا بد لكل واحد من هذه الفصول الخمسة من إيراده بما يشتمل عليه ليصير ~~الإجماع مستوفي في أحكامه وما يتصل به # | فصل أما الكلام فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة # أعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل يوجب ذلك لأن اختلاف الآراء أو ~~الهمم يمنع من الاتفاق على شيء إلا عن سبب يوجب ذلك وهذا مثل اتفاق الناس ~~على أكلهم عند الجوع وشربهم عند العطش ولبسهم عند العرى كان عن سبب وهذه ~~أمور طبيعية كانت عن سبب طبيعي وكذلك الأمور الدينية لا تكون إلا عن سبب ~~ديني وذلك مثل اتفاقهم على المعتقد الديني واتفاقهم على صلاة الجمعة وصلاة ~~العيدين وعلى فعل الصلوات الخمس وصوم رمضان فإنه لا يكون ذلك إلا عن سبب ~~ديني قادهم إليه ويجوز أن يتفقوا عن دليل على حكم الحادثة وتكون على الحكم ~~دلائل سواه ويجوز ان يختلفوا في الأدلة مع إتفاقهم على الحكم فلا يكون ~~اختلافهم في الأدلة مانعا من إجماعهم على الحكم وقد أجاز قوم انعقاد ~~الإجماع عن توفيق من الله تعالى من غير دليل شرعي دلهم على ذلك # وذلك بأن يوفقهم الله تعالى للصواب من غير ان يكون لهم عليه دلالة وأمارة ~~وهذا ليس بصحيح لأنه لو جاز لجماعة الأمة ان يقولوا من غير دليل لكان يجوز ~~لكل واحد منهم ان يقول من غير دليل وحين لم يجز لآحادهم كذلك لا يجوز ~~لجماعتهم ولأن الدليل هو الموصل إلى الحق فإذا فقد الدليل PageV01P473 # فقد الوصول وقد بينا ان حال الأمة لا يكون أعلى من حال نبي الأمة ومعلوم ~~ان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ما يقول إلا عن دليل فالأمة لأن لا ~~يقولوا ما ms434 يقولونه إلا عن دليل أولى وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن ~~دليل فلا خلاف انه ينعقد الإجماع عن الكتاب والسنة ثم إذا كان الإجماع عن ~~نص غير محتمل من كتاب أو خبر متواتر كان الحكم والقطع بصحته ما يتبين بالنص ~~فلم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهما وإن كان النص خبر واحد وأجمعوا به كان ~~الحكم ثابتا بالظاهر وكان نفى الاحتمال من الظاهر والقطع بصحة الحكم ثابتين ~~بالإجماع واختلفوا في انعقاد الإجماع عن القياس # مسألة ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجوز بانعقاد الإجماع عن ~~القياس وقالوا لا فرق بين القياس الجلي والخفي في ذلك وقال قوم إنه لا يجوز ~~انعقاد الإجماع عن القياس بحال سواء كان خفيا أو جليا واختاره محمد بن جرير ~~الطبري وذهب قوم إلى جواز انعقاده بالجلي دون الخفي وأما نفاة القياس منعوا ~~انعقاد الإجماع بالقياس لأنه ليس بدليل عندهم والكلام مع نفاة القياس يأتى ~~من بعد # وأما حجة من نفى انعقاد الإجماع بالقياس قال في ذلك لأن الخطأ موهوم في ~~القياس والإجماع يوجب العلم القطعي فلا يجوز أن يقع بالقياس لأن ذلك يوجب ~~أن يكون فروع الشيء أقوى من أصله ببينة أن القياس فرع الاجماع # ألا ترى أن الإجماع يستخرج منه المعنى فيقاس عليه مثل ما يستخرج من ~~الكتاب والسنة فإذا كان القياس فرعا للإجماع فلا يجوز أن يصير الإجماع فرعا ~~لأنه يؤدي إلى أن ينقلب الأصل فرعا والفرع أصلا وهذا لا يجوز # ببينة أن الحكم الصادر عن القياس لا يفسق مخالفه بل يجوز مخالفته ولا ~~يجعل PageV01P474 # أصلا في نفسه بل هو فرع لغيره ولا يقطع عليه بثبوته ولا على تعلقه ~~بالأمارة وأما الحكم المجمع عليه لا يجوز مخالفته ويفسق مخالفه ويجعل أصلا ~~ويقطع عليه وعلى تعلقه بطريقة فإذا صدر هذا الإجماع عن الاجتهاد اجتمع فيه ~~هذه الأحكام مع تنافيها وتضادها وهذه الحقيقة وهي أن الأمارة دلالة خافية ~~فلا يجوز أن يقال إن الأمة على كثرتها واختلاف هممها وأغراضها يجمعها ~~الأمارة مع خفائها يدل ms435 عليه أن الإجماع لا يكون إلا باتفاق أهل العصر ولا ~~عصر إلا وفيه من ينفى القياس أصلا فلم يجز وقوع الإجماع وانعقاده والذي ~~ينعقد به الإجماع معدوم # وأما حجة من جوز انعقاد الإجماع عن القياس فنبين أولا وجود ذلك ثم نبين ~~جواز ذلك من حيث المعنى والدليل على وجود ذلك ووقعه إجماع الصحابة على قتال ~~أهل الردة وقد كان ذلك من طريق الاجتهاد قال أبو بكر رضوان الله تعالى عليه ~~قال لا أفرق بين ما جمع الله بينهما فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال ~~المخل بها ولو كان معهم في قتال مانعي الزكاة على نص لنقلوه # واتفق الصحابة أيضا على إمامة أبى بكر وقد كان ذلك بطريق الاجتهاد فإنهم ~~استدلوا في إمامة أبي بكر رضي الله عنه بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياه في الصلاة وقالوا اختاره صلى الله عليه وسلم لديننا فاخترناه لدنيانا # وقد أجمع الصحابة أيضا على توريث الجدتين السدس فإن اجتمعا فهو لكما ~~وأيتكما تفردت به فهو لها # وقد أجمعت الأمة على هذا الحكم وكان ذلك عن الاجتهاد # وأجمعت الأمة أيضا على أن حد العبد على النصف من حد الحر وإنما اتفقوا ~~عليه بقياس العبد على الأمة فإن في الكتاب حد تنصيف الإماء وليس فيه ذكر حد ~~العبيد # وأجمعت الأمة أيضا على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وأجمعوا على ~~تقديم الأمة في العتق قياسا على العبد # وأجمعوا على إراقة الشيرج إذا وقعت فيه الفأرة وكان مائعا وإلقائها وما ~~حولها إذا كان جامدا قياسا على السمن PageV01P475 # وهم يقولون على هذه الدلائل أن إجماعهم لم يكن عن قياس بل كان عن دليل ~~آخر في مسألة قتال مانعي الزكاة وإمامة أبى بكر الصديق رضي الله عنه وفي ~~مسألة الجدتين كان إجماعهم عن خبر المغيرة وقالوا في سائر المسائل إنما كان ~~الإجماع لأن النص على تنصيف الحد في الأمة نص في العبد وكذلك النص على ~~تحريم لحم الخنزير نص على تحريم شحمه والنص في السمن نص في الشيرج ms436 # والجواب أن هذه الدعاوى بلا دليل وقد نقلنا في قتال مانعي الزكاة وتقديم ~~أبي بكر رضي الله عنه في الإمامة على الصحابة أنهم ذكروا الاجتهاد فيما ~~صاروا إليه وأما ميراث الجدتين فلازم قولهم إن إجماعهم كان عن خبر المغيرة ~~فخبر المغيرة كان في الجدة الواحدة والإلزام في الجدتين وأما سائر المسائل ~~فلازمة أيضا وقولهم إن النص في كذا نص في كذا مجرد دعوى لا دليل عليها ~~وسيأتي في باب القياس أن طريق إثبات هذه الأحكام فى الصور التى لم يقع النص ~~عليها لم يكن إلا بالقياس إلا أنه بالقياس الجلي فإن قال بعض من يخالف هذه ~~المسألة إن عندي يجوز انعقاد الإجماع بالقياس الجلي ولا يجوز بالخفي قلنا ~~إذا ثبت جواز انعقاده بأحدهما ثبت بالآخر وهذا لأن القياس دليل من دلائل ~~الشرع وطريق موصل إلى الحكم ولا مانع من انعقاد الإجماع عنه فينعقد عند ~~الإجماع دليل الكتاب والسنة # فإن قالوا قد بينا أن الإجماع لا يقع عن الاجتهاد وقلنا قد قلتم إن كثرة ~~عدد الأمة واختلاف هممها وأغراضها يمنع من اجتماعهم بطريق الاجتهاد ~~والأمارة وهذا دعوى وليس يمتنع أن تجمعهم الأمارة الواحدة والأمارات ~~الكثيرة على الحكم الواحد فإن اختلفت الأغراض وكثر العدد لأنهم مع كثرتهم ~~واختلاف أغراضهم قد اتفقوا على وجوب المصير إلى الأمارة فإذا ظهرت الأمارة ~~لجماعتهم لم يمتنع اتفاق جميعهم على الحكم الذي دلت عليه الأمارة يدل عليه ~~أن اليهود والنصارى وهم الجم الغفير قد اجتمعوا على اعتقاد واحد فإذا جاز ~~اتفاقهم مع كثرتهم وتباين هممهم وأغراضهم من جهة شبهة دخلت عليهم فلأن يجوز ~~اتفاق الجماعة من جهة الأمارة المستندة إلى أصل PageV01P476 # هو حق أولى وليس هذا كاتفاقهم على الكذب في شيء معين حيث لا يجوز وقوع ~~ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك # وقد بينا وجود الداعي ها هنا وعلى هذا خرج اتفاقهم على مأكل واحد وصناعة ~~واحدة حيث لا يجوز وقوع ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك وهذا لأن اتفاقهم ~~على مأكول واحد تابع لتساوي ms437 شهواتهم وأماكن شهواتهم ونحن نقطع أن الناس ~~يختلفون في الشهوات وأماكن نيل الشهوات فمنهم من يشتهي ما ينفر طبع الآخرين ~~ومنهم من تنقص شهوته لما تقوى شهوة الآخر فتدعوه قوة شهوته إلى تناوله دون ~~الآخر وقد يتفق الاثنان في شهوة حتى يقدر أحدهما على تحصيلها بعجز الآخر ~~عنه وأما الذي قالوه أولا من أن الخطأ موهوم في القياس والإجماع يوجب علما ~~قطعيا # قلنا هذا يبطل بخبر الواحد فإن الإجماع ينعقد عنه مع وجود ما قالوه ولأن ~~العبرة بحسب ما يدل عليه الدليل وقد دل الدليل أن الإجماع يفيد العلم ~~القطعي وان القياس لا يفيد إلا غلبة الظن وأما قولهم أن القياس فرع ~~والإجماع أصل ولا يجوز أن يكون الفرع أقوى من الأصل # قلنا الأدلة قد يتقوى بعضها ببعض وقد تتعاضد وتتظاهر الدلائل فيتم عند ~~الاجتماع بما لا يتم عند الانفراد # ألا ترى أن أصل التواتر آحاد يجوز عليها الخطأ ثم إذا اجتمعت تعاضدت ~~وتقوى بعضها ببعض أفادت العلم القطعي # كذلك القياس إذا اجتمعت الآراء صار دليلا قطعيا على صحة الحكم به وانتفاء ~~الخطأ عنه وبهذا الوجه جعلنا الإجماع الصادر عن الخبر الواحد والعمود دليلا ~~قطعيا وإن لم يكن الخبر الواحد والعمود في جميع مسمياته كذلك # وأما قولهم إن القياس لا يفيد كذا وكذا وما بينوا من المخالفة بين القياس ~~والإجماع فليس يدخل على ما قلناه وذلك لأن ما قالوه حكم لاجتهاد إذا انفرد ~~عن الإجماع فإذا اقترن به الإجماع صار دليلا مقطوعا به ويجوز مثل هذا القول # ألا ترى أن القول عن الأمارة إذا اقترن به تصويب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أفاد العلم المقطوع به وإذا لم يقترن به أفاد الظن # وأما قولهم إنه ما من عصر إلا ويوجد فيه من ينفى القياس # قلنا ليس الأمر على ما زعمتم والأصل في الإجماع إجماع الصحابة رضي الله ~~عنهم أجمعين ولسنا نعلم أن أحدا منهم أنكر القياس والاجتهاد # ببينة أنه كما وجد في الأمة من ينفى القياس قد وجد فيهم أيضا ms438 من ينفى ~~أخبار الآحاد ومن ينفى القول بالعموم ثم أجمعوا أن الإجماع يجوز أن ينعقد ~~بهما ولم PageV01P477 # نعتبر خلاف من خالف ونظر إلى ما كان الأمر عليه في عصر الصحابة رضي الله ~~عنهم كذلك ها هنا # والله أعلم # وقد حكى عبد الجبار عن الحاكم صاحب المختصر قال إذا انعقد الإجماع لأهل ~~العصر عن اجتهاد جاز لمن بعدهم أن يخالفهم لأنه قول صادر عن اجتهاد فيجوز ~~خلافه وهذا لا يصح لأن الإجماع إذا وجد بأي دليل كان صار حجة وحرم خلافه ~~وقد ذكرنا وجه ذلك وإن كان من اجتهاد ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~تجتمع أمتي على الضلالة وما اتفقوا عليه أنهم إذا اتفقوا لا يجوز مخالفتهم ~~على ما ذكرناه من قبل # | فصل # وأما الاجتهاد عن غير أصل كالاجتهاد في جزاء العبد وجهات القبلة وأروش ~~الجنايات وقيم المتلفات فمن يمنع انعقاد الإجماع بالقياس كان من هذا أمنع # وأما من جوز القياس فقد ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز انعقاد الإجماع عن مثل ~~هذا الاجتهاد والصحيح جوازه والذي ذكرناه دليلا في المسألة المتقدمة يصلح ~~دليلا في هذه المسألة وفي هذا الموضع # وقد قال بعض أصحابنا إن # دلائل الاجتهاد التي ينعقد بها الإجماع من أوجه # أحدها أن ينعقد عن تنبيه من كتاب أو سنة # فالتنبيه من الكتاب كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن # والتنبيه من السنة كإجماعهم على أن موت العصفور فى السمن كموت الفأرة # والوجه الثاني ان ينعقد عن استنباط من كتاب أو سنة فالاستنباط من الكتاب ~~كإجماعهم على تحريم نكاح خالات الآباء وعماتهم وخالات الأمهات وعماتهن مثل ~~تحريم الخالات والعمات والاستنباط من السنة كإجماعهم على توريث كل واحدة من ~~الجدتين السدس والجدتان أم الأم وأم الأب وإن حجب أم الأم لأم أم الأم كحجب ~~الأم لأم الأم PageV01P478 # والوجه الثالث أن ينعقد عن المناظرة والجدال كإجماعهم على قتال مانعي ~~الزكاة وإن في المرهونة إذا أجهضت دية الجنين # والوجه الرابع أن ينعقد عن استدلال بقياس كإجماعهم على أن ms439 حد العبيد في ~~الزنا كالأمة وأن الجواميس في الزكاة كالبقر # والوجه الخامس أن ينعقد عن استدلال باجتهاد كإجماعهم على جهة القبلة وقد ~~ذكر غير هذا وعندي أن هذا تكلف شديد وإذا ذكرنا جواز الإجماع عن الاجتهاد ~~دخل فيه وجوه الاجتهاد جليها وخفيها # وإذا علمنا أن الإجماع ينعقد عن أحد هذه الوجود فاختلفوا أن الإجماع إذا ~~انعقد يأخذ هذه الدلائل يكون منعقدا على الحكم الثابت بالدليل أو يكون ~~منعقدا على الدليل الموجب للحكم # وذهب بعض المتكلمين من الأشعرية إلى أنه منعقد على الدليل الموجب وذكر ~~أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه معقد على الحكم المستخرج من الدليل وهو ~~الصحيح لأن الحكم هو المطلوب من الدليل ولأجله انعقد الإجماع فعليه انعقد ~~الإجماع ونبني على هذا مسألة وهي أن الإجماع الواقع على موجب خبر من ~~الأخبار هل يكون دليلا على صحة الخبر فمنهم من قال يدل على ذلك إذا علم ~~أنهم اجمعوا لأجله # ومنهم من قال إن إجماعهم يدل على صحة الحكم ولا يدل على صحة الخبر وهذا ~~أولى القولين لأنه يجوز أن يكونوا اتفقوا على العمل به لأن التعبد ثابت ~~بخبر الواحد وهذا التعبد ثبت في حق الكافة ولأجل التعبد الثابت أجمعوا على ~~موجب الخبر وصار الحكم مقطوعا به لأجل إجماعهم وأما صحة الخبر على طريق أنه ~~يكون مقطوعا به فله طريق مخصوص في الشرع على ما قلنا في باب الأخبار فبطلت ~~صحة الخبر وعدم صحته أو كونه خبرا واحدا أو خبر يقطع بثبوته ويوجب العلم ~~بموجبه من ذلك الطريق فإن ظهر الإجماع ولم يعلم الدليل الذي انعقد به ~~الإجماع فقد بينا أنه لا يجوز أن ينعقد إلا عن دليل فيكون انعقاده دليلا ~~على أنه انعقد عن دليل موجب له إلا أنه استغنوا بالإجماع عن نقل الدليل ~~واكتفوا به عنه وقد ذكرنا هذا من قبل والله أعلم بالصواب # فصل ولما عرفنا ما ينعقد به الإجماع من الأدلة فنتكلم الآن فيمن ينعقد به ~~الإجماع من الأمة أما إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة فليست ms440 بحجة وقد بينا # ثم اعلم أنه لا اعتبار بالكافرين في الإجماع لأن الإجماع إنما صار دليلا ~~بالسمع والأدلة السمعية التي PageV01P479 # ذكرنا لم تتناول الكافرين وإنما تتناول المؤمنين على الخصوص ولأن الإجماع ~~حجة بمعرفة الأحكام الشرعية والكفار لا يمكنهم معرفة الأحكام الشرعية فلا ~~يجوز اعتبارهم في حجة الأحكام الشرعية والاعتبار أيضا في الإجماع بكل ~~المؤمنين إلى انقضاء التكليف ولأنا لو اعتبرنا جميع المكلفين إلى انقضاء ~~التكليف خرج الإجماع أن يكون حجة لأنه لا يكون بعدهم تكليف حتى يكون ~~إجماعهم حجة فيه # ولأنا قد دللنا أن إجماع أهل كل عصر حجة والدلائل دلت أن الإجماع حجة ~~فدلت على هذا كما سبق بيانه ولا اعتبار أيضا بمن ليس من أهل الاجتهاد في ~~الأحكام كالعامة والمتكلمين الذين يدعون علم الأصول وقال بعض المتكلمين ~~اتفاق العامة مع العلماء شرط في صحة الإجماع وهو قول القاضي أبي بكر # وقال بعضهم يعتبر اتفاق الأصوليين والمتكلمين # وتعلق من هذا اعتبر غير الفقهاء بقوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على ~~الضلالة وهذا يتناول الكل وهذا لأنه إنما كان قول الأمة حجة لأنهم عصموا عن ~~الخطأ وليس يمتنع أن يكون جماعتهم العامة والخاصة معصومة عن الخطأ وإذا لم ~~يمتنع ذلك وكانت الظواهر هي الراجحة على أن الإجماع حجة عامة في الخاصة ~~والعامة اعتبر جماع الكل لكونه حجة ولأن الله تعالى قال @QB@ ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين @QE@ النساء 115 وهذا سينال الفقهاء والعامة والصحيح ما قدنا ~~لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون فلا يعرفون ~~طرق الأحكام وإن عرفوا البعض لا يعرفون جميعها فصاروا كالفقهاء الذين لا ~~يعرفون طرق أصول الفقه والذي استدلوا به فأكثر ما فيه أنه عام فنخصه ونحمله ~~على الفقهاء الذين يعرفون طرق الأحكام # ونقول أيضا إن الأمة إنما كان قولها حجة إذا قالوه عن استدلال وهي إنما ~~عصمة عن الخطأ في استدلالها والعامة ليست من أهل النظر والاستدلال حتى تعصم ~~عن الخطأ فصار وجودهم وعدمهم بمنزلة يدل عليه أن العامة يلزمهم المصير إلى ~~قول العلماء ms441 فصار العلماء كأنهم المتصرفون فيهم فيسقط اعتبار قولهم وقد ظهر ~~بهذا الجواب عن المعنى الذي قالوه وقد روى أن أبا طلحة PageV01P480 # الأنصاري رحمة الله عليه كان يستبيح أكل البرد في الصوم ويقول إنه لا ~~يفطر ولم يعد خلافه خلافا لأنه لم يكن من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم # وقد قال بعض أصحابنا إنما يشترك الخاصة والعامة في معرفته فلا بد من ~~إجماع الكل في الشيء لينعقد عليه الإجماع وقد ذهب إليه بعض المتكلمين وعندي ~~أن هذا باطل ولا يعتبر قول العامة في شيء من الأحكام سوى إن كان من الأحكام ~~الظاهرة التي يعرفونها أو من الأحكام التي لا يقفون عليها وما ذكرنا من ~~الدليل يعم الكل فيوجب إخراج العامة وإطراح قولهم في الأحكام اجمع ، وعلى ~~هذا نقول إن العلماء في النحو والعربية واللغة لا نعتبر قولهم أيضا في ~~انعقاد الإجماع عن الأحكام وكذلك العلماء الذين لا يعرفون إلا التفسير ~~وإنما يرجع إليهم في الوقوف على أقوال المفسرين من السلف وكذلك أمر ~~المحدثين الذين لا يعرفون إلا الرواية فيرجع إليهم فيما يصح من الأخبار وما ~~لا يصح # وأما الفقهاء الذين يرجع إلى قولهم في انعقاد الإجماع فهم المجتهدون ~~وسنذكر شرائط الاجتهاد من بعد # وأما الذين يتكلمون في الجواهر والأغراض وعرفوا بمحض الكلام ولا يعرفون ~~دلائل الفقه فلا عبرة بقولهم في الإجماع وهم بمنزلة العوام # وأما المتفردون بأصول الفقه فإن وافقوا الفقهاء في ترتيب الأصول وطرق ~~الأدلة كان خلافهم مؤثرا يمنع من انعقاد الإجماع وإن خالفوهم فيما يقتضيه ~~استنباط المعاني وعلل الأحكام وغلبة الأشباه لم يؤثر خلافهم وانعقد الإجماع ~~بدونهم والله أعلم # وعلى الجملة إذا أجمع المفتون على المسألة وبقى قوم لا يستقلون بأنفسهم ~~في معرفة حكم حادثة تقع لهم ويتعين عليهم في ذلك تقليد غيرهم فوجوب ~~مراجعتهم في المسألة التي اتفق عليها الفقهاء المجتهدون محال # ونقول في تقسيم الفقهاء إن من يعرف الفروع والأحكام ولا يعرف دلائلها ~~وعللها فهذا ناقل يرجع إلى حفظه ولا يعول على اجتهاده ولا يرتفع الإجماع ~~بخلافه ms442 # وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها مشرفا على الأصول في ~~ترتيبها ولوازمها عارفا شبهها وأدلتها وعللها فهذا أكمل الفقهاء علما ~~وأصحهم فيه اجتهادا وهذه الطبقة هم الذين يرجع إليهم في الإجماع والاختلاف # وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها غير عارف بالأصول ~~وترتيبها PageV01P481 # ولوازمها فيصح اجتهاده فيما يقتضيه التعليل والسنة ولا يصح اجتهاده فيما ~~يقتضيه دلائل الأصول فيما يصح اجتهاده فيه ويقع الإجماع بخلاف ما لا يصح ~~اجتهاده لم يرتفع الإجماع بخلافه وهذا التقسيم ذكره المعرف بأقضى القضاء ~~أبو الحسن الماوردي # وأما الكلام في اعتبار الورع فقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر ~~في أهل الإجماع وقالوا إن الفسقة وإن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين ~~فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم لأنهم بفسقهم خارجون عن محل الفتوى والفاسق غير ~~مصدق فيما يقوله وافق أو خالف وقد قال بعض أصحابنا يعتبر قوله ولا ينعقد ~~الإجماع بدونه لأن الفاسق المجتهد لا يلزمه ان يقلد غيره بل يتبع فيما يقع ~~له يؤدي إليه اجتهاده وليس له ان يقلده غيره فكيف ينعقد الإجماع عليه في ~~حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه # ويجوز أن يقال إنه عالم في حق نفسه مصدق على نفسه فيما بينه وبين ربه وهو ~~مكذب في حق غيره وغير ممتنع هذا الانقسام # وقد قال بعض أصحابنا إن الفاسق يدخل في الإجماع من وجه ويخرج من وجه ~~وبيان ذلك أن المجتهد الفاسق إذا أظهر خلافه فسئل عن دليله فلجواز أنه ~~يحمله فسقه على اعتقاده خرج بغير دليل فإذا ظهر من استدلاله على خلاف ما ~~يجوز ان يكون محتملا يرتفع الإجماع بخلافه وصار داخلا في جملة أهل الإجماع ~~وإن كان فاسقا لأنه من أهل الاجتهاد وإن لم يظهر من استدلاله محتملا لم ~~يقيد لخلافه قال هذا القائل وفي هذا يفارق العدل الفاسق لأن العدل إذا أظهر ~~خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله لأن عدالته تمنعه من اعتقاد شرع بغير ~~دليل وهذا التقسيم لا بأس به وهذا كلام يقرب من مآخذ ms443 أهل العلم فليعول عليه # قال ورأيت في كتاب الشيخ أبي إسحاق الشيزاري رحمه الله أن كل من كان من ~~أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا ~~أو فاسقا متهتكا يعتد بخلافه لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور ~~كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك والأحسن هو الأول # وأما الفسق بتأويل فلا يمنع من اعتبار من يعتد به في الإجماع والاختلاف ~~وقد نص الشافعي رحمه الله على قبول شهادة أهل الأهواء وهذا ينبغي أن يكون ~~في اعتقاده بدعة لا تؤديه إلى التكفير # فأما إذا كان يؤديه إلى PageV01P482 # التكفير فلا يعتد بخلافه ووفاقه # وأما الكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به طويل الذيل ضيق المجال وقد أكثر ~~العلماء الكلام في ذلك وليس هو بأمر هين لأن تكفير الناس لا يجوز بما يجازف ~~فيه وأسرع الناس إلى تكفير الناس الخوارج ثم المعتزلة وقد يطلق بعضهم فيقول ~~من خالف الإجماع يكفر وهذا أيضا فيه نظر # وقد بينا طرفا من ذلك والكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به ليس هذا موضعه ~~فنتجاوز عنه وقد ذكر الأصحاب طرف ذلك في كتاب الشهادات ونذكر ذلك في ~~التعليق وقد ذكر في كتاب منهاج أهل السنة ما نقل عن بعض السلف الصالح ~~والأئمة المقتدى بهم ونصصت على المواضع التي طلب الكفر فيها المتواطئ ~~واتباعهم أسلم والله المرشد والموفق بمنه # | فصل وأما الكلام في عدد المجمعين # فإن بلغ علماء العصر مبلغا لا يتوقع فيهم التواطؤ على الكذب وهم الذين ~~اعتبروا في عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع باتفاقهم # واما إذا لم يبلغوا هذا العدد فذهب بعض علماء الأصوليين إلى أن لا يجوز ~~الخطأ عدد علماء العصر عن مبلغ التواتر لأنهم ورثة الملة وحفظة الشريعة وقد ~~ضمن الله تعالى قيامها ودوامها إلى قيام الساعة # فإذا عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فربما يفقد منهم ~~الاستقلال بحفظ الشريعة فلا يكون إليه حفظ الملة على الكمال # وقد قال بعضهم يجوز أن ينحطوا عن ms444 عدد التواتر وإذا انحطوا وأجمعوا يكون ~~إجماعهم حجة # وقال الأستاذ أبو إسحاق لم يبق في الدهر إلا مفتى واحد واتفق ذلك لقوله ~~حجة ويصير ذلك بمنزلة إجماع الأمة # أما الأول فبعيد لأنه يستحيل أن ينقص عدد العلماء في عصر من الأعصار عن ~~عدد التواتر خصوصا وقد ورد الخبر في ذهاب العلم في آخر الزمان # وأما الثاني فالإشكال فيه أن العلم الضروري هل يحصل بخبر الواحد أم بخبر ~~جماعة ينقص عددهم عن عدد التواتر وقال بعضهم إن الله تعالى يحدث في هذا ~~العدد من الأمارات الدالة على صدقهم ما يوجد ذلك عنده وجود عدد التواتر ~~والأولى أن يقال إنه يعلم صدقهم ضرورة لا بخبرهم لكن بخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا تزال طائفة من PageV01P483 # أمتي على الحق لا يضرهم في من خذلهم حتى يأتي أمر الله عز وجل # وقد قيل إنه إذا لم يبلغ عدد المجمعين عددا يقع العلم بصدقهم ضرورة يجب ~~اتباعهم على قولهم فإن لم يقطع بأن الحق في إجماعهم كما يلزم العمل ~~بالاجتهاد وإن لم يقطع بأن الحق فيه ذهب أكثر العلماء إلى أن إجماع كل عصر ~~حجة وذهب أهل الظاهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة دون إجماع أهل سائر ~~الأعصار وذهبوا في ذلك إلى أن الإجماع إنما صار حجة بالسمع دون غيره ~~والأدلة السمعية اختصت بالصحابة رضي الله عنهم دون غيرهم ولك الأدلة قوله ~~تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ آل عمران 110 وقوله تعالى @QB@ ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ البقرة 143 وهذا خطاب مواجهة فيتناول الحاضرين ~~دون غيرهم ولنا قوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ النساء 115 ~~وقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الضلالة فلا يمنع أن يكون الله ~~عز وجل عنى الصحابة بالخطاب وحده ليميزهم بهذه الكرامة عن غيرهم والرسول ~~صلى الله عليه وسلم أيضا عنى الصحابة رضي الله عنهم على الانفراد لتكون هذه ~~المنحة لهم وهذا لأن الخطاب صالح أن يتناول الصحابة على الانفراد ولا يصلح ~~ان يتناول التابعين على ms445 الانفراد بل إنما يصلح تناولهم مع من تقدمهم لأنهم ~~الذين كانوا موجودين زمان الخطاب # وأما التابعون فلم يكونوا موجودين زمان الخاطب فتبين أن الأصل في هذا هم ~~الصحابة دون من بعدهم فيكون إجماعهم حجة دون من بعدهم # قالوا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم وإنما حكم بالاهتداء بالاقتداء بالصحابة دل أن غيرهم لا يكون ~~بمثابتهم ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد اختصوا بمشاهدة النبي صلى الله ~~عليه وسلم والحضور عند الوحي وكان ذلك مزية لهم لا توجد لمن بعدهم ~~PageV01P484 # وأما دليلنا نقول إن الأدلة للإجماع ولا تخص عصرا دون عصر فإن قوله عز ~~وجل @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ النساء 115 لا يختص بعصر الصحابة ~~رضي الله عنهم لأن التابعين من المؤمنين وكذلك أهل كل عصر وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ البقرة 143 وقوله @QB@ كنتم خير أمة @QE@ ~~آل عمران 110 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الضلالة ليس ~~لشيء من هذا اختصاص بعصر دون عصر ولأنه لما كان نقل أهل كل عصر الأخبار ~~كنقل الصحابة في أحكام التواتر والآحاد وجب أن يكون في الإجماع بمثابته ~~ليكون كل خلف محجوبا بسلفهم وليكون الشرع محفوظا من الخطأ والغلط # ببينة أن أهل كل عصر حجة على من بعدهم في البلاغ فكذلك وجب أن يكونوا حجة ~~في الإجماع # وأما الجواب عن تعلقهم قلنا قوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ ~~البقرة 143 وقوله @QB@ كنتم خير أمة @QE@ آل عمران 110 خطاب لجميع الأمة ~~بإجماع الأمة # ببينة أنه وصفهم بما وصفهم في الآيتين لانتسابهم إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكونهم من أمته ولأنهم قد دانوا لشريعته وهم أتباعه في الأقوال ~~والأفعال وهذا المعنى موجود في أهل جميع الأعصار إلى قيام الساعة ولهذا ~~المعنى لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه حمل الآية على أهل عصر الصحابة ~~دون من بعدهم # وأما قوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~فمعنى ذلك من أحد ms446 وجهين إما أنه ورد ليبين أن قول كل واحد منهم حجة وهذا ~~صحيح على قول الشافعي رحمه الله وهو محمول على أن لمن بعد الصحابة أن ~~يرجعوا إلى قول كل واحد من الصحابة فيما يرويه عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والدليل على أن معنى هذا الخبر ليس الإجماع أنه قال بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم وقوله بأيهم يتناول الآحاد ولا يتناول جماعتهم # وأما قولهم إن الصحابة اختصوا بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم ومشاهدته # قلنا ولم ينبغي أنهم إذا كانوا كذلك وجب لأن يختصوا بكون إجماعهم حجة دون ~~من بعدهم إذ ليس في اختصاصهم بما اختصوا به ما يدل على اختصاصهم بكون ~~إجماعهم حجة دون من سواهم والله أعلم PageV01P485 # | فصل # أما الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع # اعلم أن الإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات ~~وأحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام وكل ما هو من الأحكام ~~الشرعية # وأما الأحكام العقلية فعلى ضربين # أحدهما ما يجب تقديم العمل به على العلم بصحة السمع كحدث العالم وإثبات ~~الصانع وإثبات صفاته وإثبات النبوة وما أشبه ذلك فلا يكون الإجماع في هذا ~~حجة لأنا بينا أن الإجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يكون حجة ولا ~~أن يثبت حكما قبل السمع كما يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب يجب العمل ~~به قبل السنة # والضرب الثاني ما لا يجب تقدم العلم به على السمع وذلك مثل جواز الرؤية ~~وغفران المذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد السمع والإجماع حجة في هذا ~~الضرب لأنه لما كان يجوز أن يعلم بعد الشرع والإجماع من أدلة الشرع جاز ~~إثبات ذلك به # وأما أمور الدنيا كتجهيز الجيوش وتدبير الحروب والعماره والزراعة وغيرها ~~من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن قوله صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~حجة في أحكام الشرع دون مصالح الدنيا وكذلك الإجماع ولهذا قال ms447 النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنتم أعلم بأمور دنياكم وأنا أعلم بأمور دينكم وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رأيا في الحرب راجع الصحابة في ذلك وربما ~~ترك رأيه برأيهم وقد ورد مثل هذا في حرب بدر وحرب الخندق وغير ذلك ولم يكن ~~أحد يراجعه فيما يكون من أمر الدين # وقد ذكر بعض المتكلمين أن الإجماع ينعقد في أمر الدنيا أيضا وإذا رأى أهل ~~العصر شيئا واتفقوا عليه لا يجوز مخالفته سواء كان في أمر الدين أو في أمر ~~الدنيا لأن أدلة الإجماع منعت من الخلاف على الأمة ولم يفصل ولم يفصل بين ~~أن يكون اتفقوا على أمر ديني أو دنيوي # والصحيح الأول كما سبق PageV01P486 # | فصل إذا اجتمعت الأمة على الجمع بين مسألتين في حكم مخصوص فإنه لا فرق ~~بينهما فيه # مثل الإجماع على أن لا فرق بين الصلاة والصيام في وجوب النية وأن لا فرق ~~بين الأكل والجماع في إفساد الصوم لم يجز التفرقة بينهما كما نعتاد الإجماع ~~على اجتماعهما وذهب بعض أهل العلم إلى جواز التفرقة بينهما بالدليل الموجب ~~لافتراقهما لأنه إجماع منهم لم يتعين في حكم والإجماع إنما ينعقد في ~~الأحكام المتعينة وقيل إنه مذهب سفيان الثوري فإنه أفسد الصيام بجماع ~~الناسي ولم يفسد بأكل الناسي وهذا ليس بصحيح لأن الإجماع على استوائها في ~~الحكم إجماع على حكم فلما لم يجز مخالفة الإجماع في أعيان الأحكام لم يجز ~~مخالفته في تساوي الأحكام فإذا وجب بالدليل ثبوت الحكم في أحد المسألتين ~~أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى فيكون ثبوته في الأول بدليله وثبوته في ~~الثاني بالإجماع وإن وجب الدليل نفى الحكم عن إحداهما وجب نفيه عن الآخر ~~فيكون نفيه عن الأول بالدليل وعن الثاني بالإجماع وإذا قام الدليل على فساد ~~الصيام بجماع الناسي أوجب الإجماع فساده بأكل الناسي وإذا قام الدليل على ~~صحة الصيام مع أكل الناسي أوجب الإجماع صحته مع جماع الناسي وإذا اجتمعت ~~الأمة على الفرق بين مسألتين في حكم مخصوص لم يجز الجمع ms448 بينهما في ذلك ~~الحكم وجوز الجمع بين المفترقين من وجوب الفرق بين المجتمعين وهو فاسد بما ~~قلناه فإذا أوجب الدليل ثبوت الحكم في إحدى المسألتين أوجب الإجماع نفيه عن ~~الأخرى وإذا أوجب الدليل نفيه عن إحدى المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في ~~الأخرى # وإذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيهما وجوزه ~~PageV01P487 # بعض أهل الظاهر # وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي حنيفة إن اختلافهم على قولين يوجب ~~تسويغ الاجتهاد فجاز إحداث قول ثالث كما لو يستقر الخلاف # وأيضا فإن الصحابة اختلفوا في زوج وأبوين وامرأة وأبوين على قولين فجاء ~~ابن سيرين وأحدث قولا ثالثا فقال في امرأة وأبوين بقول ابن عباس وفي زوج ~~وأبوين بقول سائر الصحابة وأقره سائر العلماء على هذا فلم ينكروا عليه ~~مخالفة الإجماع # والصحيح ما قدمنا من تحريم إحداث قول ثالث لأن إجماعهم على قولين إجماع ~~على تحريم ما عداهما فلما لم نجز خلاف الإجماع في القول الواحد لأنه يتضمن ~~تحريم ما عداه فكذلك لا يجوز خلاف إجماعهم على القولين لإجماعهم على تحريم ~~ما عداه يدل عليه أنه قد ثبت أن الحق لا يخرج عن الإجماع # فلو جاز إحداث قول ثالث لم يعتقدوه يخرج الحق عن أقوالهم لأنا إنما جوزنا ~~ذلك فيجوز أن يكون الحق في القول الثالث وفي هذا إبطال الإجماع # وأما قولهم إن اختلاف الصحابة على قولين يوجب جواز الاجتهاد # قلنا يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من القولين # فأما في قول ثالث فلا لما بينا أن في إثبات قول ثالث إبطال إجماعهم # وأما الذي حكوه عن ابن سيرين # قلنا هو لم يخالف الصحابة بل أخذ بكل واحد من القولين في إحدى المسألتين ~~فصار قوله داخلا في القولين غير خارج منهما وعلى أن ابن سيرين قد عاصر ~~الصحابة وأفتى معهم فاعتد بخلافه فيهم # ومثال هذه المسألة مسألة الحرام وهي إذا قال لزوجته أنت علي حرام فإن ~~الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل وأحدث مسروق قولا سادسا ~~وقال PageV01P488 # لا ms449 أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد يعني أنه ليس بشيء فقال الأصحاب إن ~~مسروقا عاصر الصحابة فاعتد بخلافه فيهم # وأنا أقول هذا في مسروق صحيح وأما في ابن سيرين فبعيد لأنه وإن أدرك عصر ~~الصحابة رضي الله عنهم فلم يكن في ذلك الوقت في عداد من يعتد بقوله يتبع ~~قولهم بخلاف مسروق فإنه من متقدمي التابعين وأدرك زمان عمر رضي الله عنه ~~وما بعده كان من الفقهاء المتقدمين في عصر الصحابة # وقد قال بعض أصحابنا إن ابن سيرين محجوج بقول الصحابة رضوان الله عليهم ~~وقول من قال إنه لا ينكر عليه فلعله لم يظهر في ذلك الزمان فلهذا لم يروا ~~الإنكار عليه ونحن ننكره ونقول قد خالف إجماع الصحابة في هذه المسألة # وإذا أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على دليل في حكم لم يتعد وهو ~~في المجلدة الثانية # تم المجلد الأول بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين # يتلوه الثاني إن شاء الله تعالى PageV01P489 عبد الله فرج الزعبي + قواطع ~~الأدلة في الأصول + الأمام أبى المظفر السمعاني PageV02P001 | 2 | ~~PageV02P001 بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر # | فصل # وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد ويجوز للتابعين أن يستدلوا ~~على ذلك الحكم بغيره من الأدلة وهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم لم يجز ~~خلافهم # والفرق بينهما أن المفروض عليهم إظهار الحكم ببعض أدلته لا بجميعها فأما ~~في الحكم فالمفروض عليهم إظهار جميع الحكم فلو كان للحادثة حكم آخر لما ~~أظهروه وإن أجمعوا على علة في حكم يكون إجماعا على الحكم لأن العلل إنما ~~تنصب للأحكام فيكون الإجماع على العلة إجماعا على الحكم وقال بعضهم إنه ~~يكون إجماعا على الدليل لا على الحكم والأصح هو الأول لما بينا أن المقصود ~~من العلل أحكامها لا أعيانها والله أعلم بالصواب # | فصل ( الفصل الرابع في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط ) # اعلم أن من شروط الإجماع ظهوره في أهل العصر حتى يعلم ms450 به أهل العصر ~~الثاني وقد يكون ظهوره بالقول وقد يكون بالفعل وقد يكون بالقول والفعل ~~جميعا فأما ظهوره بالقول إذا وجد يصح انعقاد الإجماع به وذهب بعض أهل العلم ~~إلى أنه PageV02P003 لا ينعقد بالقول حتى يقترن به الفعل ليكمل في نفسه ~~وهذا ليس بصحيح لأن حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال وإن كان كل واحد منهما ~~إذا انفرد يكون حجة فلا يجب اجتماعهما كما لا يلزم الجمع في الحكم بين دليل ~~الكتاب والسنة وإذا ثبت أن الإجماع على القول يكون حجة فقد يكون الإجماع ~~على القول بوجوده من جميع أهل الإجماع وقد يكون بوجوده من البعض وسكوت ~~الباقين بعد انتشاره فيهم وهذه المسألة اختلف أهل العلم فيها # مسألة إذا قال الصحابي قولا وظهر في الصحابة وانتشر ولم يعرف له مخالف ~~كان ذلك إجماعا مقطوعا به # ومن أصحابنا من قال إنه حجة وليس بإجماع قاله أبو بكر الصيرفي وقيل إن ~~هذا مذهب الشافعي لأنه قال من نسب إلى ساكت قولا فقد افترى عليه وبهذا قال ~~الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة قاله أبو هاشم وقال القاضي أبو ~~بكر ليس بحجة أصلا وهو مذهب داود وبه قال بعض المعتزلة واختاره أبو عبد ~~الله البصري وقال أبو علي بن أبي هريره إن كان وجد حكما من بعض الصحابة ~~وانتشر من الباقين لم يعرف له مخالف لا يكون إجماعا وأن كان فتوى وانتشر ~~ولم يعرف له مخالف يكون إجماعا وعكس هذا أبو إسحاق المروزى وقال يكون ~~إجماعا إن كان حكما ولا يكون إجماعا إن كان فتيا والأصح هو القول الأول ~~وأما من قال ليس بحجة أصلا PageV02P004 فاحتج في ذلك وقال لا يمتنع أن يكون ~~سكوت من سكت لتقية أو هيبة كما روى عن ابن عباس أنه لما أظهر قوله في مسألة ~~العول قيل له هلا قلت في زمان عمر رضي الله عنه قال إنه كان رجلا مهيبا ~~وروى أنه قال هيبة وأيضا يجوز أن يكون سكت لأنه لم يتفكر في المسألة ~~لتشاغله بغير ms451 ذلك من الاشتغال إن كان فقيها فلعله اشتغل بالفكر في غيره من ~~المسائل لأنها كانت أهم عنده وإن كان إماما فاشتغل بالجهاد وسياسة الناس ~~فلم يوجد في هذه المسألة إلا قول بعض الصحابة ويقول بعضهم لا ينعقد الإجماع ~~وأما من قال إنه ليس بإجماع لكنه مع ذلك حجة لأن الإمساك عن القول في ~~الحادثة من الممسك يحتمل أن يكون ذلك للارتياب في النظر والاستدلال فلم يجز ~~أن يجعل اعتقاد للساكت فيه إلا أنه مع ذلك حجة لأن الفقهاء في كل عصر ~~يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يظهر مخالف منهم فدل أنهم اعتقدوه ~~حجة وأما علي بن أبي هريرة قال إذا كان الموجود قضاء من بعض القضاة والحكام ~~فلا يدل السكوت من الباقين على الرضا منهم لأن في الإنكار افتياتا عليه ~~وقال ابن أبي هريرة ونحن نحضر مجالس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ~~ولا ينكر ذلك عليهم فلا يكون سكوتنا رضا منا بذلك وأما أبو إسحاق المروزى ~~فقال إن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون عن مشورة والصادر عن فتوى يكون عن ~~استبداد ولا يدل ذلك على الإجماع وأما دليلينا فيما اخترناه وهو أن يكون ~~حجة وإجماعا فنقول أولا إن قول بعض أهل العصر إذا انتشر في جميعهم وسكت ~~الباقون ولم يظهروا خلافا فإما أن يعلم أن سكوتهم سكون راض أو لا يعلم ذلك ~~فإن علم أن سكوتهم عن رضى بدليل يدل عليه فإنه يكون ذلك إجماعا كما لو ~~قالوا صريحا رضينا بهذا القول وللرضا أمارات كثيرة بالقول وقد جوز بعضهم ~~وجود العلم بالمذاهب اضطررا فيكون على هذا القول معرفة الرضى أحكم وآكد ~~وأما إذا لم يعلم رضاهم بقوله فإن كان مسألة لا تكليف فيها وليس مما يلزم ~~بالنظر فيه وإنكاره إذا علموا أنه منكر مثل قول القائل إن عمارا أفضل من ~~حذيفة وأمثال هذا وقول القائل إن زيدا في الدار وعمرو خرج إلى الصحراء ~~فالسكوت من الباقين PageV02P005 في أمثال هذا لا يكون إجماعا وأما إذا كان ~~على ms452 الناس من ذلك تكليف وظهر من بعضهم القول في ذلك وانتشر وسكت الباقون ~~يكون ذلك إجماعا واحتج من قال بذلك بأن العادة جرت أن النازلة إذا نزلت فزع ~~أهل العلم إلى الاجتهاد وطلب الحكم فيها وإظهار ما عندهم في ذلك فلما وقعت ~~الحادثة وظهر قول من المجتهد في ذلك وانتشر قوله ولم يظهر خلاف ذلك مع طول ~~الزمان وارتفاع الواقع دل أنهم راضون بذلك وصار رضاهم بهذا الطريق بمنزلة ~~ما لو أظهروا رضاهم بالقول والفعل # ببينة أن أهل الإجماع معصومون من الخطأ والعصمة واجبة لهم كما تجب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم مكلفا يقول قولا ~~في أحكام الشرع فسكت عنه كان سكوته تقريرا منه إياه على ذلك ونزل ذلك منزلة ~~التصريح بالتصديق في إبداء ذلك كذلك هاهنا يكون كذلك في حق أهل الإجماع ~~وينزل سكوتهم منزلة التصريح بالموافقة فإن قيل ولم إذا صار السكوت من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تقريرا يكون من أهل الإجماع تقريرا وهذا لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتلقى ما تلقاه من الوحي ولا عذر له في السكوت ~~إذا كان المفعول متكررا وأما أهل الإجماع فلعلهم سكتوا لأنهم وجدوا ~~الاجتهاد مساغا ومضطربا فكان سكوتهم محمولا على تسويغ ذلك # والجواب أما الأول قلنا قد بينا وجه الجمع بين سكوت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وبين سكوت أهل الإجماع وأما الفرق الذي قالوه فليس بصحيح لأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وإن كان يتلقى ما يتلقاه من الوحي وأهل الإجماع يقولون ~~ما يقولون عن مدارج الظنون لكن إذا لم يوجد من أهل الإجماع إنكار لما ظهر ~~من القول دل أنه عندهم صواب وحق لأنه لو كان خطأ لكانوا قد تطابقوا له على ~~ترك ما يجب من إنكار المنكر وهذا لا يجوز لأن أهل الإجماع قد عصموا عن ~~الخطأ ومن عصم عن الخطأ يكون معصوما أيضا عن التقرير على الخطأ كالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وإذا ثبت بهذا الطريق أن ms453 ذلك القول صواب ثبت أن ما سواه خطأ ~~فإن قالوا إنما سكتوا لأنه من ومسائل الاجتهاد # قلنا إذا اعتقدوا أنه خطأ لا يجوز أن يجمعوا على التقرير عليه على ما سبق ~~فإن قيل أليس لو اجتمع العلماء في المجلس وقام سائل إلى واحد من الحنفيين ~~وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفى بما يوافق مذهبه ~~وسكت الحاضرون على سائر المذاهب يحمل سكوتهم على أنهم سكتوا لأنه قال ما ~~قال في محل الاجتهاد PageV02P006 # والجواب إن هذا يمكن دعواه في مثل هذه الصورة لأن مذاهب الكل معلومة فلا ~~يكون السكوت للتقرير وإبداء الموافقة وليس مسألتنا في مثل هذه الصورة وإنما ~~مسألتنا في الحادثة تقع بين أهل الاجتهاد ويذكر كل واحد منهم قولا فيه ~~ويظهر في الباقين من علماء الوقت وينتشر ذلك بينهم ولا يظهر إنكارا وكان ~~الفرق بين الصورتين أن في الصورة الأولى إذا كان المذهب معلوما فالإنكار من ~~الباقين كذلك معلوم وإن لم يظهره في ذلك الوقت فكان سكوتهم على ما عرف من ~~قبل لا على إبداء الموافقة أما هنا فلا يمكن حمل السكوت على مثل هذا لأنه ~~لم يعرف من قبل خلاف منهم لذلك والسكوت على مثل هذا بعد أن علموا أنه خطأ ~~لا يجوز فدل أن سكوتهم كان محض الموافقة وعلى أن بعض أهل العلم قد اشترط في ~~هذا شرطا وهو اعتراض من العصر على ذلك يعنى أنه ظهر قوله وانتشر ولم يوجد ~~منكرا واعترض العصر على ذلك وقال من اعتبر هذا الشرط إن اتجه في حكم العادة ~~سكوت العلماء على قول مجتهد في مسألة ظنه فاستمرارهم على السكوت الزمن ~~المتطاول يبعد بخلاف العادة قطعا لأنه إذا كان يتكرر تذكار الواقعة والخوض ~~فيها فلا يتصور دوام السكوت من كل المجتهدين مع تكرار الواقعة في حكم ~~العادة ولهذا أن ابن عباس أظهر خلافه من بعد فى مسألة العول والذين يقولون ~~لعل السكوت لتقية أو هيبة # قلنا ليس هذا مما يدوم على الدهر ولأن المسألة مصورة فيما إذا ms454 لم يكن ~~تقية ولا هيبة وفى هذه الصورة يظهر الكلام جدا ولعله يصير من القواطع وأما ~~على الصورة الأولى فالدليل الذي قدمناه دليل مستحكم يستمر على منهاج الأصول ~~ولكنى أقول إنه لابد من وجود نوع شبهة في هذا الإجماع بالوجوه التي قالها ~~الخصوم فيكون إجماعا مستدلا عليه ويكون دون القواطع من وجوه الإجماع في ~~المسائل التي قدمناها إلا أنه مع هذا لابد من تقديم هذا على القياس فإن قال ~~قائل قد انتشر قضاء عثمان فى ميراث المبتوتة وهو قصة عبد الرحمن بن عوف ~~بطلاقه امرأته آخر تطليقاتها الثلاث وكذلك قتل الحسين بن على ابن ملجم ~~قصاصا مع وجود الورثة الصغار وانتشر كلا الأمرين في الصحابة ولم يكن مخالف ~~ومع ذلك لم يقدموا ذلك على القياس # قلنا أما ميراث المبتوتة فقد ذكرنا أن عبد الرحمن بن عوف مخالف وقد نقلنا ~~قولا عنه يدل على ذلك وأيضا فإن ابن الزبير قد خالف ولم يكن انقرض عصر ~~PageV02P007 الصحابة وأما قتل الحسين بن على ابن ملجم فإنه على أى جهة قتله ~~كلام كبير وأيضا فإن الصحابة قد كانوا فى هذا الوقت تفرقوا تفرقا عظيما ~~واعتزل جماعة من وجوههم وكفوا قولهم وفعلهم والحادثة وقعت بالكوفة وأكثر ~~الصحابة بالحجاز ومما يضم إلى هذا أن الحكم الصادر من الأئمة لا يماثل ~~الفتوى الصادرة من المفتين وحفظ الأدب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس ~~للعلماء إذا جرى قضاء من قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه نفوذ قضائه وقد ~~ذكرنا عن ابن أبي هريرة ما ذكرناه فى الفرق بين الحاكم والمفتى وهو تفريق ~~حسن فلا بأس به فى هذا المكان وهو نافع جدا في صورتى الإيراد فى مسألة ~~المبتوتة ومسألة استيفاء القصاص مع وجود الصغار فى الورثة وقد قال بعض ~~أصحابنا إن هذا الإجماع فيما إذا وجد القول المنتشر من أحد الصحابة في سائر ~~الصحابة فأما فى التابعين ومن بعدهم فلا ولا يعرف فرق صحيح بين الموضعين ~~والأولى التسوية بين الجميع وقال بعض أصحابنا إن إمساك الناس من ms455 إظهار ~~الخلاف إنما يدل على الإجماع إذا كان فى شئ يفوت استدراكه من إراقة دم ~~واستباحة فرج فيدل سكوتهم على أن القول صواب وحق لأنهم لو اعتقدوا خلافه ~~لما جاز لهم السكوت عليه وهو منكر لا يمكن استدراكه وأما الذى يمكن ~~استدراكه فلا يكون سكوت الباقين دليلا على الإجماع والأولى أن لا يشتغل ~~بهذا التفريق لأنه ليس فيه كثير معنى والمسألة في غاية الإشكال من الجانبين ~~وقد ذكر القاضي أبو الطيب في كتاب الإجماع في هذه المسألة ترتيبا في ~~الاستدلال استحسنته فأوردته ويدخل فيه الجواب على خلافهم قال الدليل على ~~ثبوت الإجماع مبنى على أصلين أحدهما أن أهل العصر لا يجوز إجماعهم على ~~الخطأ والثاني أن الحق واحد وما عداه باطل وإذا ثبت هذان الأصلان فلا يخلوا ~~القول الذي ظهر من أن يكون حقا أو باطلا فإن كان حقا وجب اتباعه والعمل به ~~وإن كان باطلا فلا يخلو سائر العلماء من أربعة أحوال إما أن لا يكونوا ~~اجتهدوا أو اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شئ يجب اعتقاده أو أدى إلى صحة ~~الذي ظهر أو خلافه ولا يجوز أن لا يكونوا اجتهدوا لأن العادة مخالفة لهذا ~~لأن النازلة إذا نزلت فالعادة أن كان أهل الاجتهاد يرجعون إلى النظر ~~والاجتهاد ولأن هذا يؤدى إلى خروج الحق عن أهل العصر بعضهم بترك الاجتهاد ~~وبعضهم بالعدول عن طريق الصواب وهذا لا يجوز لأنهم لا يجتمعوا على الخطأ ~~ولا يجوز أن يقال أنهم اجتهدوا فلم يؤد اجتهادهم إلى شئ PageV02P008 يجب ~~اعتقاده لأن ذلك يؤدى إلى خفاء الحق على جميع الأمة وهذا محال ولأن طريق ~~الحق ظاهر فلا يجوز أن تخفى على جميع الأمة فإن قالوا إنهم كانوا فى مهلة ~~النظر قلنا هذا ظن يحيد بكل أهل الإجماع وعلى ذلك لا يتصور امتداده إلى أن ~~ينقرض العصر ولا يجوز أن يقال إنهم اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى خلافه إلا ~~أنهم كتموا لأن إظهار الحق واجب لا سيما مع ظهور قول هو باطل عندهم والتعلق ~~بالتقية والهيبة تعلق ms456 باطل لأنهم كانوا يظهرون الحق ولا يهابون أحدا ولهذا ~~ردت امرأة على عمر بن الخطاب رضى الله عنه في المغالاة في الصداق حتى قال ~~عمر امرأة خاصمت رجلا فخصمته وقال عبيده السلماني رأيك فى الجماعة أحب ~~إلينا من رأيك في الفرقة فقد كانوا يحتشمون من إظهار الخلاف لأنهم كانوا ~~يعتقدون منهم فيقولون الحق وأما ابن عباس فقد كان صغيرا فى زمانهم فلعله ~~احتشم لصغره وعلى أنه قد أظهر من بعده قال القاضي أبو الطيب وإذا بطلت هذه ~~الوجوه دل أنهم إنما سكتوا لرضاهم بما ظهر من القول فصار كالنطق فإن قال ~~قائل إنما سكتوا لأنهم اعتقدوا أن كل مجتهد مصيب قلنا لم يكن من الصحابة من ~~يعتقد ذلك وسنبين إن شاء الله تعالى # مسألة قد ذكرنا حكم القول المنتشر فإما القول الواحد من الصحابة إذا لم ~~ينتشر إلا أنه لم يعرف له مخالف فلا يكون إجماعا لأنهم لم يعرفونه فيعتبر ~~قوله أو ينكرونه وأما الكلام فى كونه حجة فإن كان موافقا للقياس فهو حجة ~~إلا أن الأصحاب اختلفوا فقال بعضهم إن الحجة فى القياس وقال بعضهم إن الحجة ~~فى قوله وأما إذا كان بخلاف القياس أو كان مع الصحابى قياس خفى والجلى ~~بخلاف قوله فقد اختلف قول الشافعي فى هذا قال فى القديم قول الصحابي أولى ~~من القياس وهو قول أبى حنيفه وأحمد وجماعة وقال في الجديد القياس أولى ~~PageV02P009 واحتج من قال بالأول بقوله صلى الله عليه وسلم ( أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) فقد جعل المقتدى بالصحابة مهتديا ولا يجوز ~~العدول عن الاهتداء ولأن الصحابي إنما يحكم فى شئ خبرا كان أو قياسا فإن ~~كان عن خبر فالقياس متروك له وإن كان قياسا فإن الذي بان به من الفضيلة عن ~~غيره وتميز عن من سواه من مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم وحضوره نزول ~~الوحى عليه ومعرفة مخارج كلامه يرجح قياسه على غيره فكان قوله أولى من ~~القياس المجرد أما وجه القول الجديد هو أن القياس أصل من أصول الدين ms457 ودليل ~~من أدلة الشرع والعمل به عند عدم النص واجب والدليل عليه خبر معاذ رضى الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له ( فإن لم تجد فى كتاب الله عز ~~وجل وسنة رسوله قال أجتهد رأيى ) والصحابي غير مأمون من الخطأ فيما يقوله ~~فلو كان عنده خبر من الرسول لأظهره لأنه كان مأمورا بالتبليغ فلما لم ينسب ~~القول مما حكم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم دل أنه إنما قال استنباطا ~~وقد بينا أنه غير معصوم من الخطأ فيلحقه فى الاجتهاد ما يلحق غيره من السهو ~~والغلط وقد كانوا يرون في الحوادث آراء ثم يرجعون عنها لدليل يلوح لهم هو ~~أقوى من الأول وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم يكن مجرد قول الصحابي حجة ~~إلا أن الحادثة إذا تنازعها أصلان جاز أن يغلب أحدهما بموافقة قول الواحد ~~من الصحابة كما قد يغلب أحد القياسين على الآخر بكثرة الأشباه وأيضا فقد ~~قال الله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~فالمراد به رد الحكم إلى الكتاب والسنة وهو رد إلى الله وإلى رسوله وأما ~~PageV02P010 تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم ) قلنا هذا أمر من لم يكن فى زمن الصحابة من أهل الاجتهاد ~~بتقليد الصحابة لأن من كان من أهل الاجتهاد فى الصحابة لا يجوز أن يأمره ~~بتقليد مثله وأيضا فإن الاقتداء بهم هو الرجوع إلى المعاني المستنبطة من ~~كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما الذي قالوه من بعد ~~قلنا أما دعوى التوقيف وأن الصحابى قال ما قال عنه بعيد لما بيناه وأما ~~قوله إن اجتهاده يكون أقوى فلا يصح لأنه يجوز أن يسمع هو من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويكون غيره أعلم بمعناه وقصده ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( نضر الله امرأ سمع مقالتى فبلغها غيره فرب مبلغ أوعى من سامع ~~ورب حامل فقه إلى من هو أفقه ) ولأنه ms458 لو كان ما قالوه صحيحا وجب على من لم ~~تطل صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقلد من طالت صحبته لأنه يكون من ~~طالت صحبته أبصر بمعانى كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومقاصده لطول صحبته ~~له واستبراء أحواله وكثرة اهتدائه إلى معانيه فى أقواله وأفعاله ما لم يهتد ~~من قلت صحبته وربما رآه رؤية أو سمع حديثا من أحاديثه وحين لم يقل أحد ما ~~ألزمناهم عرفنا أن ما قالوه ساقط وقد قال بعض أصحاب أبى حنيفة أنه إذا قال ~~الصحابي قولا يخالف القياس يحمل على أنه قاله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأن الظاهر أنه لم يعدل عن القياس مع النفوذ فى معرفة القياس وطريقه إلا ~~بسنة عرفها عن النبي صلى الله عليه وسلم # والجواب إن يكن حسبان فاسد وظن بعيد لأنا بينا أنه لو كان عنده خبر لرواه ~~وما كان من عاداتهم الكتمان بل كان طريقهم التبليغ على ما أمروا به فأما ~~الذي قالوه قلنا إنما يجب علينا أن نحمل قولهم على أنهم قالوه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا كان لا يجوز عليه الخطأ فأما إذا جاز عليهم الخطأ فلا ~~يجب علينا أن نثبت خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم بالشك ولو جاز هذا في ~~الصحابة جاز فى التابعى أيضا وسائر الأمة فيقال إذا ذهب الواحد منهم إلى ~~خلاف القياس يحمل أمره على أنه قال ذلك لأنه سمع خبرا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا أنه لم يظهره وكل ما يمكن أن يكون فى الصحابى يمكن أن يقال ~~فى التابعى أيضا فدل أن ما ظنوه باطل والله أعلم PageV02P011 # | فصل # وأما انعقاد الإجماع بالفعل فكل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد ~~به الاجماع # كما أن ما لم يخرج من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم مخرج الشرع لم ~~يثبت به الشرع وأما الذي خرج من الأفعال مخرج الحكم والبيان يصح أن ينعقد ~~به الإجماع لأن الشرع يوجد من فعل الرسول صلى ms459 الله عليه وسلم كما يوجد من ~~قوله فإن اجتمع القول والفعل فلا شك في انعقاد الإجماع لأنه إذا انعقد ~~الإجماع فكل واحد منهما على الانفراد منهما أولى # مسألة اتفاق أهل الإجماع شرط فى انعقاد الإجماع وإن خالف واحد أو اثنان ~~ينعقد الإجماع # وقال محمد بن جرير الطبرى ينعقد ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين وقيل إنه ~~قول أحمد بن حنبل رضى الله عنه وهو قول بعض المعتزلة ويقال إنه قول أبى ~~الحسين الخياط أستاذ الكعبى واستدل من قال بقوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين @QE@ وقوله @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ وبقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تجتمع أمتى على الضلالة ) قالوا وهذه الأشياء حقيقة تتناول ~~جميع المسلمين وجماعة الأمة وإن شذ منهم الواحد فخرج منهم كما أن الإنسان ~~يقول رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض ويقول أكلت منها رمانة وإن ~~سقطت منها حبة وتعلقوا بقوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بالسواد الأعظم 9 ~~وأهل العصر كلهم إلا الواحد والاثنين PageV02P012 هم السواد الأعظم فلأن ~~الواحد من أهل العصر إذا خالف من سواه من أهل العصر يوصف بالشذوذ وذلك اسم ~~ذم فلو كان يعتد بخلافه معهم لم يوصفوا باسم الذم ولهذا أنكرت الصحابة على ~~ابن عباس رضى الله عنه مقالته فى الربا قالوا ولأن الناس يقولوا في خلافة ~~أبى بكر رضى الله عنه على الإجماع وقد خالف فى ذلك جماعة منهم سعد بن عبادة # وقال سلمان كردن ونقلوا عن على رضى الله عنه أنه وقف عن البيعة مدة ومع ~~ذلك لم يعتد بخلاف هؤلاء ولأن خبر الجماعة مقدم على خبر الواحد وكذلك قول ~~الجماعة مقدم على قول الواحد وأما دليلنا أن الإجماع هو الحجة بالدلائل ~~السمعية على ما سبق وإذا خالف الواحد أو الاثنان فقد فقد الإجماع ففقدت ~~الجماعة والدليل على أن الإجماع قد فقد بخلاف الواحد والاثنين لأن دليل ~~الإجماع قوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ والألف واللام ~~لاستغراق الجنس فظاهر الآية اقتضى جميع المؤمنين وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~وكذلك جعلناكم أمة ms460 وسطا لتكونوا شهداء على الناس @QE@ فتناول جميع الأمة ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع أمتى على الضلالة ) تتناول ~~جميعهم وإذا خالف مخالف وأن كان قليلا فقد فقد اجتماع الأمة وصار القول من ~~بعض الصحابة دون البعض # ببينة أنه إذا كثر المخالف امتنع انعقاد الإجماع فكذلك إذا قل المخالف ~~يمتنع أيضا بعد أن يكون من أهل الاجتهاد وهذا لأن القلة لا تمنع من الإصابة ~~ويجوز أن يصيب القليل ويخطئ الكثير قال الله تعالى @QB@ وقليل من عبادي ~~الشكور @QE@ وقال تعالى أيضا @QB@ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا ~~من المؤمنين @QE@ فثبت بما قلنا أن قلة العدد لا تمنع من إصابة الصواب ~~وكثرة العدد لا تؤمن من الخطأ يدل عليه أن الإجماع لو انعقد مع خلاف الآحاد ~~لوجب على المجمعين أن ينكروا على من خالفهم من الآحاد كيلا يتبعوا غير سبيل ~~المؤمنين وقد أقرت الصحابة على خلافهم كما أقروا ابن عباس وإن كان قد تفرد ~~بالخلاف فى القول وقد تفرد هو أيضا بمسائل فى الفرائض خالف سائر الصحابة ~~وكذا ابن مسعود وقد أقر على ذلك ولأن أبا بكر قد PageV02P013 كان يخالف ~~جميع الصحابة فى قتال مانعى الزكاة وقد كانوا يشيرون ببعض المفارقة ثم إنه ~~يبين لهم أن الحق معه واتفقوا على قتالهم فإن قيل قد تفرد قوم من الصحابة ~~بأشياء لم يعتدوا بذلك وأثبتم الإجماع مع وجود ذلك الخلاف مثل خلاف حذيفة ~~فى وقت السحور وخلاف ابن أبى طلحة فى أكل البرد فى حال الصوم وقوله إنه لا ~~يفسده وكذلك خلاف ابن عباس فى جواز ربا الفضل قلنا نحن إنما نعتد بخلاف ~~الواحد إذا لم يكن على خلاف النص فأما إذا كان بخلاف النص فلا يعتد بخلافه ~~ويحكم بانعقاد الإجماع معه وعلى هذا خلاف حذيفة فإنه مخالف النص وهو قوله ~~تعالى @QB@ حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ms461 الأسود من الفجر @QE@ ~~وكذلك خلاف ابن أبى طلحة لأن الله تعالى قال @QB@ ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل @QE@ والصيام هو الإمساك ولا يوجد الإمساك مع أكل البرد وعلى هذا ~~خلاف ابن مسعود جميع الصحابة رضوان الله عليهم فى الفاتحة والمعوذتين فى ~~ترك إثباتهن فى المصحف وخلاف أبى بن كعب فى إثبات سورتى القنوت وقد أنكر ~~عليهما سائر الصحابة ذلك وكذلك خلاف ابن عباس فى الربا وليس ما اختلفنا من ~~جملة ذلك أما الجواب عن كلماتهم أما الكلام الأول قلنا أما أسماء الجمل ~~والعموم لا يتناول الأكثر إلا مجازا ألا ترى أنه يجوز أن يقال فى الأمة إلا ~~الواحد ليس هؤلاء كل المؤمنين ولا كل الأمة فعلمنا أن اسم الكل لا يتناول ~~إلا الجميع والذي قالوا من اسم البقرة السوداء وقولهم أكلت الرمانة فليس ~~ذلك بحقيقة وإنما هو على طريق المجاز ويجوز أن يقال إنما حسن أن يقول أكلت ~~الرمانة وإن سقطت منها حبات أو يقال رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات ~~بيض لأجل العادة فإنه فى العرف يقال أكلت PageV02P014 الرمانة وإن سقطت ~~منها حبات ويقال في العرف رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض فخرج ~~الأقل من الكلام بالعرف وليس إذا نقل العرف من ذلك يجب أن ينقل غيره من ~~الأسماء وأما تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بالسواد الأعظم ) ~~قلنا السواد الأعظم جميع أهل العصر ولو كان المراد منه الأكثر لدخل تحته ~~النصف من أهل العصر إذا نادوا على النصف الآخر بواحد أو اثنين أو ثلاثة ~~وأما قوله يوصف الواحد إذا خالف بالشذوذ قلنا لا نسلم أنه يطلق عليه هذا ~~الاسم إلا إذا خالف بعد ما وافق وأما قولهم إنهم أنكروا على ابن عباس خلافه ~~فى الربا قلنا إنما أنكروا عليه لأجل خبر أبى سعيد لا لأجل مخالفته بقية ~~الصحابة وأما بيعة أبى بكر قلنا لا يثبت خلاف أحد أما سعد بن عبادة قد كان ~~يظن أن للأنصار حقا فى الخلافة وكذلك جماعة من الأنصار كانوا على ms462 هذا فلما ~~روى أبو بكر رضى الله عنه ما روى رجعوا عنه وقول سلمان هو من حكاية الروافض ~~فلا يثبت إليه وأما قولهم إن عليا امتنع من بيعة أبى بكر رضى الله عنهما ~~إلى مدة قلنا الأصح أنه بايع وقد روى ذلك فى بعض الروايات الصحيحة وعلى أنه ~~إن روى ما قالوه من تأخير البيعة فرواية المثبت أولى من رواية النافى وأما ~~استدلالهم بالخبر المتواتر ففيه جوابان أحدهما أن التواتر يقتضى القطع ~~بالصدق ولا يقتضى القطع بالحق وأما الإجماع يقتضى القطع بالحق فمن أين أنه ~~إذا أخبر جماعة يقتضى القطع بالصدق ما يوجب أن يكون قولهم يقتضى القطع ~~بالحق لأن أخبار التواتر توجب العلم الضرورى على ما سبق وذلك علم يمكن ~~للإنسان دفعه عن نفسه بخلاف خبر الواحد لأنه لا يوجب العلم الضرورى ألا ترى ~~أنه يمكن للإنسان دفعه عن نفسه وأما ها هنا فهو اجتهاد وغير يمتنع إصابة ~~الأقل للصواب وأخطأ الأكثر لأن الإصابة ها هنا بالتوفيق ولا يمتنع أن يوفق ~~الله الأقل ويحرم الأكثر قال الله تعالى @QB@ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب @QE@ PageV02P015 # | فصل # ومن شروط الإجماع أن يقيم أهل الإجماع على ما أجمعوا عليه ولا يرجعوا عنه ~~فإن ظهر فيهم رجوع عما أجمعوا عليه فقد قال بعضهم يجوز أن يرجع عنه بعضهم ~~ولا يجوز أن يرجع عنه جميعهم لأن رجوع جميعهم يمنع أن يكون الحق فيما ~~أجمعوا عليه ومنهم من قال لا يجوز أن يرجع لا جميعهم ولا بعضهم لأن إجماعهم ~~قد تبين الحق فيما أجمعوا عليه وانتفى عنه الخطأ وإذا تعين لم يجز الرجوع ~~لأنه إذا جاز الرجوع تبين أن الإجماع انعقد على الخطأ ومنهم من قال يجوز أن ~~يرجع عن جميعهم ويجوز أن يرجع عن بعضهم وهذا صحيح على قول من يجعل انقراض ~~العصر شرطا في انعقاد الإجماع وسنبين ذلك والأصح أنه لا يجوز الرجوع عنه ~~بحال لما سبق بيانه والله اعلم # مسألة انقراض العصر ms463 ليس بشرط في صحة انعقاد الإجماع فى أصح المذاهب ~~لأصحاب الشافعي # ومن أصحابنا من قال إن انقراض العصر شرط ومنهم من قال إن كان قولا من ~~الجميع لم يشترط انقراض العصر وإن كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين ~~اشترط فيهم انقراض العصر وقال بهذا أبو إسحاق الإسفراينى ولأصحاب أبى حنيفة ~~فيه اختلاف أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا إنه ينعقد قبل انقراض عصره ~~فيما لا مهلة له فلا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج ولا ينعقد ~~فيما اتسعت له المهلة وأمكن استدراكه إلا بانقراض العصر واحتج من قال إن ~~انقراض PageV02P016 العصر شرط بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يرى ~~التسوية فى القسم ولم يخالفه أحد من الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر ~~إليه وفضل فى القسم وصحت هذه المخالفة لأن العصر كان لم ينقرض على الأول ~~وكذلك رأى عمر أن لا تباع أمهات الأولاد ووافقه عليه الصحابة ثم إن عليا ~~رضي الله عنه خالفه من بعد وهذا لأن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن ~~الناس يكونون فى حال تأمل وتفحص فوجب وقوفه على انقراض العصر ليستقر وأما ~~دليل من قال إنه ليس بشرط قول الله عز وجل @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع ~~أمتى على الضلالة ) وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع فإذا وجد ~~الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل # ببينة أن هذه الدلائل توجب الرجوع إلى مجرد الإجماع لأنه لم تدل هذه ~~الدلائل على غيره فإذا وجد وجب أن يحكم بكونه حجة ثم نقول لا يخلو إما أن ~~يكون الدليل هو انقراض العصر أو الاتفاق بشرط انقراض العصر أو مجرد الاتفاق ~~والأول باطل لأنه يقتضى أن العصر إذا انقرض بدونه أن يسبقه اتفاق أن يكون ~~حجة وهذا لا يقول به أحد وأما الثانى فباطل أيضا لأنه يقتضى أن يكون ms464 لموتهم ~~تأثير فى كون قولهم حجة وذلك لا يجوز أيضا كما لا يكون لموت النبي صلى الله ~~عليه وسلم تأثير فى كون PageV02P017 قوله حجة وإذا بطل الوجهان ثبت الثالث # ودليل آخر أنا لو اعتبرنا انقراض العصر لم ينعقد إجماع ما لأنه قد حدث ~~قوم من التابعين فى زمان الصحابة كانوا من أهل الاجتهاد وشرط انقراض العصر ~~يجوز مخالفتهم لهم لأن العصر ما انقرض ويجب على هذا انقراض عصر التابعين ~~ومعلوم أنه لا ينقرض عصرهم إلا من بعد أن يحدث من تابعهم من هو من أهل ~~الاجتهاد ويجوز لهم أن يخالفوا التابعين ثم يعتبر انقراض عصر تابعى ~~التابعين ثم كذلك القول فى كل عصر إلى قيام الساعة فلم يتصور على هذا ~~انعقاد الإجماع فى عصر ما وهذا باطل فيكون شرطا ما يؤدى إليه باطلا ولقائل ~~أن يقول على هذا إنه لا يمتنع أن يكون المعتبر هو انقراض عصر من كان مجتهدا ~~عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إن ~~أحدث منهم مجتهد بعد حدوث الحادثة والمعتمد أن الدليل قد قام أن الإجماع ~~حجة وقد وجد الإجماع فوجب الحكم لقيام الحجة من غيره اعتبار انتظار لا ~~انقراض العصر أو غير ذلك # ببينة أنا لو اعتبرنا انقراض العصر جوزنا أن يكون الأمة حين أجمعت على ~~الخطأ وقد دللنا على أن هذا لا يجوز # وأما الجواب عما تعلقوا به أما الأول قلنا قد كان عمر خالف أبا بكر رضى ~~الله عنه فى زمانه وناظره وقال أتجعل من جاهد فى سبيل الله بماله ونفسه كمن ~~دخل فى الإسلام كرها فقال أبو بكر رضى الله عنه إنما عملوا لله فأجرهم على ~~الله وإنما الدنيا بلاغ ولم يروا أن عمر رضى الله عنه رجع إلى قول أبى بكر ~~رضى الله عنه فالظاهر أنه كان يرى التفضيل فى زمان أبى بكر فلما صار الأمر ~~إليه فضل على ن كان يعتقده وأما الذى تعلقوا به من فضل أمهات الأولاد قلنا ~~قد روى عن ms465 جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرون بيع أمهات الأولاد ومنهم جابر ~~بن عبد الله وغيره فلم يكن وجد الاتفاق فى زمان عمر رضى الله عنه وأما قول ~~عبيدة السلمانى رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك ليس فيه دليل على ~~أنه قد كان وجد الإجماع بل يدل على أنه قد كان على قول عمر رضى الله عنه ~~جماعة وليس كل جماعة يكون إجماعا وإنما اختار عبيدة أن ينضم قول على إلى ~~قول عمر رضى الله عنهما لأنه يرجح قول PageV02P018 الأكثر على قول الأقل ~~وأما قولهم إن الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر قلنا إن أرادوا بنفى ~~الاستقرار نفى كونه حجة فذلك نفس المسألة وإن أرادوا أنه لا ينعقد إلا بعد ~~انقراض العصر فليس بشئ لأن الانعقاد إنما يكون باتفاق الأمة من غير خلاف ~~وإنما اختلفوا أنه مع وجود هذا الانعقاد هل يكون حجة أم لا وأما الذى قالوه ~~أنه حال تأمل وتفحص قلنا المسألة فيما إذا قطعت الأمة على الاتفاق إلا أن ~~أهل العصر لم ينقرضوا عليه والناظر المتأمل غير والقاطع على الشئ غير ~~والإنسان إذا أخبر عن نفسه أنه يعتقد فهو بخلاف ما إذا أخبر عن نفسه أنه ~~متأمل متوقف وقد قال بعض أصحابنا رحمهم الله إنهم إن أسندوا الإجمع إلى ~~الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم ما لم يتطاول الزمان بذلك وإن كان اتفاقهم ~~لا عن اجتهاد بل عن أصل مقطوع به فإنه يتم الإجماع فى الحال وهذا الفرق لا ~~يصح لأنه لا يعرف إلى أى شئ أسندوا الإجماع ولو عرف أنهم أسندوا اتفاقهم ~~إلى دليل مقطوع به فيكون حجة ذلك الدليل لا غير والأصح ما قدمناه بالدليل ~~الذى اعتمدنا عليه # مسألة إذا أدرك التابعى عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه فى ~~صحة الإجماع # ومن اصحابنا من قال لا يعتبر واعلم أن هذا الخلاف فيما إذا بلغ التابعى ~~رتبة الاجتهاد ثم أجمعوا على حكم خالفهم فيه التابعى فأما إذا تقدم الإجماع ~~على قول التابعى فإنه ms466 يكون التابعى محجوجا بذلك الإجماع وأما الذين قالوا ~~إنه لا يعتد بخلاف التابعى مع الصحابة تعلقوا من ذلك بأن الصحابة قد اختصوا ~~بلقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة التأويل والتنزيل والعلم بسبق ~~الدين ووجوه الدلالة وطريق الاجتهاد فصار غيرهم من التابعين إذا أجتمعوا ~~معهم بمنزلة العامة مع علماء الدين لا يعتد بخلافهم وقد أنكرت عائشة على ~~أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخوله فيما بين الصحابة ومنازعته عبد الله ~~بن عباس وقالت أراك كالفروخ يصيح مع الديكة وعن PageV02P019 على أنه نقض ~~الحكم على شريح حين قضى بين ابنى عم أحدهما الأخ لأمه وكان جعل المال كله ~~لابن العم الذي هو أخ لأم فنقض عليه وأما دليلنا فلأنه من أهل الاجتهاد وقت ~~وقوع الحادثة فيعتبر خلافه ولا ينعقد الإجماع دون قوله دليله إذا كان ~~صحابيا وهذا لأن العبرة بالعلم دون الصحبة بدليل أن من كان من الصحابة غير ~~مجتهد لا يعتبر اتفاقه لانعقاد الإجماع ولأن الصحابة أقروا التابعين على ~~الفتوى فى زمانهم وقد كان على رضى الله عنه قلد شريحا قضاء الكوفة فقضى ~~برأيه وعلى بها لا ينكر وكان سعيد بن المسيب يفتى بالمدينة زمن الصحابة ~~وعطاء بن أبى رباح بمكة وأصحاب ابن مسعود كانوا يفتون بالكوفة فى زمن ~~الصحابة وكذلك الحسن البصرى وجابر بن زيد كانا يفتيان بالبصرة زمن الصحابة ~~وروى أن ابن عباس رضى الله عنه وأبا سلمة بن عبد الرحمن اختلفا فى عدة ~~المبتوته عنها زوجها إذا كانت حبلى فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين وقال ~~أبو سلمة إذا وضعت حملها حلت فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخى يعنى أبا سلمة ~~ولم ينكر أحد قول أبى سلمة وهو خلاف لابن عباس وقد قال أبو هريرة أنا معه ~~وأما الذي ذكره من قول عائشة رضى الله عنها فى هذه القصة قلنا قد نقلنا عن ~~أبى هريرة تصويبه وعلى أنه ليس فى قول عائشة ما يدل على أن خلاف التابعين ~~لا يعتد به مع الصحابة ويجوز أنه ms467 كان رفع صوته على ابن عباس وادعى منزلته ~~وطلب مساواته فانكرت عائشة ذلك وأما خبر على فى نقضه قضاء شريح قلنا هذا لا ~~يعرف وكيف وقد كان ولاه قضاء الكوفة وكان يقضى برأيه وعلى بها وعلى أنه ~~يحتمل أن يثبت ذلك أنه إنما كان يقضى لأنه كان سبقه الإجماع فى المسائل قبل ~~أم يدرك شريح زمان الاجتهاد وأما قولهم إن الصحابة يكونون أعلم بالاحكام ~~قلنا قد يكون أعلم وقد لا يكون والدليل على هذا أن أنسا كان يحيل بالمسائل ~~على الحسن البصرى وكان عمر بن يحيل على ابن المسيب وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم ( رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ~~PageV02P020 وعلى أن ما ذكره من الترجيح لا يمنع من مساواة الناس بعين لهم ~~فى الاجتهاد ألا ترى أن من طالت صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم من أكابر ~~الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول الصحبة وقوة الأنس بكلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهذا ليس لصغارها ولمتأخريها ثم الجميع فى الاجتهاد ~~واحد فبطل ما قالوه ولأن هذا الترجيح إن كان قائما يكون فيما يوجد من ~~التنبيه فأما فيما يوجد من الكتاب وسائر الأصوليين فلا يكون لمن شهد مع ~~النبى صلى الله عليه وسلم مزية على غيره فإن قال قائل إنكم قد قلتم من قبل ~~إن انقراض العصر ليس شرط من انعقاد الإجماع وإذا لم يكن شرطا وقد انعقد ~~الإجماع فكيف يعتبر خلاف التابعى والجواب أنا قد قلنا فى أول المسألة ما ~~يبطل هذا السؤال لأنا قد بينا أن موضع الخلاف إذا لم تقع الحادثة حتى أدرك ~~التابعى حال الاجتهاد فأما إذا سبق الاتفاق فلا إشكال أن أنعقاده وكونه حجة ~~لا يقف على إدراك التابعى وموافقته لذلك وقد اعتبر ذلك من يشترط انقراض ~~العصر وقد بينا أن هذا الاعتبار يؤدى إلى أن لا ينعقد إجماع # | فصل # قد بينا من قبل أن من شرط الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن ~~خالف ms468 بعضهم لم يكن إجماعا # وقد سبق بيان هذا ومما يتصل بهذا أن من الناس من قال إذا أجمع أهل ~~الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين الكوفة والبصرة لم يعتد بخلاف غيرهم وما ~~ذكرنا من قبل يدل على بطلان قول من زعم هذا وقال بعضهم إذا أجمع الخلفاء ~~الاربعة لم يعتد بغيرهم وذهب إلى هذا القاضي أبو حازم من أصحاب أبى حنيفة ~~وحكاه الضميرى عنه وقالت الرافضة إذا قال على كرم الله وجهه شيئا لم يعتد ~~بخلاف PageV02P021 غيره وقال بعض الرافضة إذا اتفق أهل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على شئ كان حجة مقطوعا بها ولم ينظر إلى خلاف غيرهم وقد ~~تعلق من قال بالقول الاول بقوله صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدى ) وتعلق من قال بالقول الثاني بقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( أنا من على وعلى منى ) وقال ( أنا مدينة العلم وعلى بابها ) ~~وقال حين بعث عليا خلف أبى بكر فى الحجة التي استخلف أبا بكر عليها ليقرأ ~~أوائل سورة براءة على الناس فى الموسم ( لا يبلغ عنى إلا رجل من أهل بيتى ) ~~وتعلق من قال بالقول الثالث بقوله صلى الله عليه وسلم ( تركت فيكم شيئين إن ~~تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله عز وجل وأهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا ~~على الحوض ) وقال صلى الله عليه وسلم ( مثل أهل بيتى مثل سفينة نوح من ~~ركبها نجا ) وتعلقوا بخبر الكسائى وهو أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت @QE@ دعا عليا وفاطمة PageV02P022 ~~والحسن والحسين رضى الله عنهم وأدار عليهم كساء وقال هؤلاء أهل بيتى # وأما الدليل على تصحيح ما قلنا أن الشرط اتفاق جميع الصحابة فى عصرهم ~~لينعقد الإجماع ويصير حجة لقوله تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ ~~فتعلق الوعيد بترك سبيل المؤمنين دل أنه لا يتعلق بترك سبيل بعضهم وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ولأن ~~الدليل على أن الإجماع حجة ليس من ms469 طريق العقل إنما هو من طريق السمع وإنما ~~ورد السمع بعصمة جميع الأمة لأنه صلى الله عليه وسلم قال ( لا تجتمع أمتى ~~على الضلالة ) يدل على أن الخطأ يجوز على بعضهم وإنما لا يجوز على جماعتهم ~~وأما الأخبار التي رووها فيما ادعوه فتلك الأخبار تدل على اختصاص هؤلاء ~~القوم بفضائل من بين سائر الصحابة وتدل على نوع يميز لهم من غيرهم ولا تدل ~~على أن قولهم حجة مقطوع بها # وقد ورد فى غيرهم من الصحابة أخبار ورويت لهم فضائل عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم لو تتبعناها وعلقنا معانيها دل أيضا أن أقوالهم حجة وأنه يجب ~~علينا أن نتبعهم ونترك قول غيرهم منها ما ورى فى أبى بكر وعمر رضى الله ~~عنهما أنه قال صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ) ~~وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الحق لينطق على لسان عمر ) وفى رواية أنه قال ~~صلى الله عليه وسلم ( السكينة ) بدل لفظة ( الحق ) وقال ( لو كان بعدى نبى ~~لكان عمر ) وقال ( اهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن PageV02P023 مسعود ) ~~وقال ( رضيت لأمتى ما رضى لها ابن أم عبد ) يعنى ابن مسعود وقال صلى الله ~~عليه وسلم ( أعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقرأكم أبى ) وقال ( إن لكل أمة ~~أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ) وهذا يوجب الرجوع إلية ~~لاختصاصه بالأمانة ولكل ما ذكروه معنى وتأويل ذكره أهل العلم فى كتبهم ولا ~~يحتاج إلى ذكره فى هذا الموضوع واقتصرنا على هذا القدر ورفعنا بهذه ~~المعارضة كلامهم والله المعين على التمسك بالحق والمرشد اليه # مسألة إجماع أهل المدينة على انفرادهم لا يكون حجة عندنا # وقال مالك إذا أجمع أهل المدينة على شئ لم يعتد بخلاف غيرهم وقال الأبهرى ~~من أصحابنا إنما أراد بهذا فيما طريقه الإخبار وقال بعضهم أراد به ترجيح ~~قولهم وقد أشار الشافعى رضى الله عنه فى هذا فى القديم ورجح رواية أهل ~~المدينة على رواية غيرهم وقال بعضهم أراد بذلك فى زمان الصحابة والتابعين ~~وتابعى ms470 التابعين فأما من نصر قول مالك على الإطلاق تعلق بقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( المدينة طيبة وأنها ينفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد ) ~~قال والخطأ من الخبث فكان منتفيا عن أهل المدينة وقال صلى الله عليه وسلم ( ~~إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها ) PageV02P024 ~~والأخبار فى فضل المدينة تكثر ولأن الممدينة منزلة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن قبض ومهبط الوحى حتى انقطع ودار الهجرة ومنها ظهر العلم ومنها ~~صدر وهى منازل الصحابة ومستقر الإسلام ومتبوأ الأيمان مجموع هذا يدل أن ~~الحق معهم وأنه لا يعدوهم وأما من قال إن روايتهم أولى فلأنهم أعرف بأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان بينهم من أفقه أهل كل بلد يكونون ~~أخبر وأعرف مما يجرى فيه من غيرهم وأما دليلنا فظاهر وذلك لأن الإجماع إنما ~~كان حجة بالأدلة السمعية التي بيناها وتلك الدلائل تتناول أهل المدينة كما ~~تتناول أهل غيرها من البلاد على الانفراد ولأن الأماكن غير مؤثرة فى كون ~~الأقوال حجة دليله الحرم والمسجد الحرام ويقال لأصحاب مالك ما الذى أوجب ~~قصر الإجماع على أهل المدينة فإن قالوا لأنهم مخصوصون بالعصمة فهذا كلام ~~باطل بالإجماع ونحن نعلم قطعا أنه يجرى بالمدينة من الفضائح والكبائر مثل ~~ما يجرى فى سائر البلاد وإن قالوا لأنها مهبط الوحى ومنزل النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأهلها يتوارثون السنة قرنا فقرن فهذه أمور لا توجب قصر الإجماع ~~على أهلها وتخصيصهم به دون أهل سائر البلدان لأن المجتمعين على الحكم إنما ~~يجمعهم عليه دليل يوجب اتفاقهم عليه والدليل إما بتوقيف أو إجتهاد وأهل ~~العلم حيث كانوا من بقاع الأرض وأقطارها المشاركون لأهل المدينة فى أنواع ~~الأدلة ووجوه الاستدلال وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل الوحى عليه ~~بالمدينة وهو مقيم بها وفى أسفاره وهو طاعن عنها وقد نزل عليه بمكة قرآن ~~كثير ولعله يبلغ شطر القرآن فثبت أن أهل المدينة وأهل سائر البلاد فى الشرع ~~سواء وثبت أن أدلة الإجماع ms471 فى الكل سواء وليس لها تخصيص بأهل المدينة دون ~~غيرهم # ببينة أن المناسك بينها النبى صلى الله عليه وسلم بمكة وقال ( خذوا عنى ~~مناسككم ) ثم لم يقل أحد إن أهل مكة إذا أجمعوا على شئ من المناسك يكون ~~إجماعهم حجة وأنهم يمتازون بهذا عن سائر البلاد ثم نقول إن كثيرا من ~~الصحابة قد تفرقوا عن المدينة ورحلوا عنها إلى العراق والشام ومصر وسائر ~~البلدان وإنما رحل كل واحد منهم بما معه من السنة فبينه فى أهل تلك البلاد ~~التى أقام فيها وقد أقام بالشام جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن ~~جبل وعبادة بن الصامت وغيرهم وانتقل على PageV02P025 بالكوفة وهو أحد ~~الخلفاء الأربعة وأقام بها إلى أن توفاه الله عز وجل وكان بها ابن مسعود ~~وحذيفه وسعد بن أبى وقاص وسلمان وغيرهم وحين بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة ~~كتب إليهم بعبد الله على نفسى وورد البصرة من الصحابة طلحة والزبير وعائشة ~~فمن كان معهم من الصحابه فأقام بهها ابن عباس مدة وكان بها أبو موسى ~~الأشعرى وعمران بن حصين وأنس وغيرهم وهؤلاء من أعيان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان مع كل واحد منهم طائفة من أمر الدين وقطعة من السنة ~~وقد تلقاها عنهم أهل هذه البقاع وحصلوها عندهم فكيف يجوز أن يختزلوا دون ~~الإجماع ويفتات عليه فى ذلك ولا يكون لهم منه حظ ولا يعتبر منهم خلاف هذا ~~أمر قبيح وخطة مستشنعة ثم نقول إن المدينة كما أنها كانت مجمع الصحابة ~~ومهبط الوحى فقد كانت أيضا دار المنافقين ومجمع أعداء الدين منهم عبد الله ~~بن أبى ابن سلول وحلاس بن سويد ويجمع بن حارثة الثقفى وطعمه بن أبيرق غيرهم ~~وكان من رؤسهم أبو عامر الراهب وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل ~~الملائكة وفى المدينة قال القائلون المنافقون @QB@ لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا @QE@ وقالوا @QB@ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل @QE@ وفيها الماردون على النفاق الذين نزل فيهم قوله ms472 تعالى @QB@ ~~ومن أهل المدينة مردوا على النفاق @QE@ وفيها طعن عمر وحوصر عثمان حتى قتل ~~وعلى أهلها كانت وقعة الحرة أيام يزيد بن معاوية ففنى الخلق وهلك عامة أهل ~~الفضل ثم انجلى عنها أكثر من بقى منهم وبها غيرت السنن زمن مروان بن الحكم ~~حين كان أميرها من قبل معاوية رضى الله عنه وقدم خطبتى العيد على الصلاة ~~وأقام الحرس حتى منعوا الناس عن تحية المسجد حين كان يخطب وأخرج المنبر يوم ~~العيد وغير ذلك مما يكثر والخطب جسيم والداء دوى والشر قد تم وجرى منذ قتل ~~عثمان بالمدينة سنة خمس وثلاثين من الهجرة إلى بعد المائة من الهجرة ~~بالمدينة ومكة والعراق وغيرها من بلدان الإسلام ما ترتاع النفوس سماعها ~~وتقشعر القلوب من هولها وشدتها وظهر من الجرأة على الله تعالى وهتك جهات ~~الدين والتهاون بشعائره وتغيير رسومه وسننه ونقض عرى الإسلام وسفك الدماء ~~المحترمة وانتهاك المحارم والإقدام على العظائم التي لا يقدر قدرها ما لو ~~حكى عشر ذلك بل أقل القليل منه بنى إسرائيل لتعاظمه هذه الأمة فكيف وهو ~~PageV02P026 الفاعلون لذلك المقدمون عليه ولله أمر بالغه وهو لعباده وهو ~~بالمرصاد ونسأل الله تعالى العصمة وهذا الذى قلنا فيما سوى سيئات سليمان بن ~~عبد الملك وعمر بن عبد العزيز أما سليمان فقد قيل إنه فتح بخير وختم بخير ~~أما افتتاحه بخير فهو هلاك الحجاج واختتامه بخير استخلافه عمر بن عبد ~~العزيز وأما عمر فقد ضم إلى الخلفاء الراشدين وحسبك بهذا شرفا ونقول فى ~~مجموع ذلك ما قاله بعض سلفه وهو أنه سئل عن الأمور التى جرت بين الصحابة ~~ومن بعدهم وقرأ قوله تعالى @QB@ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ~~ولا تسألون عما كانوا يعملون @QE@ وأما رواية أحدهم تقديم أهل المدينة فقد ~~قاله بعض أصحابنا على ما قدمناه والأصح أن روايتهم ورواية غيرهم سواء وذلك ~~أن ما يوجب قبول الأخبار يستوى القولفيه أهل المدينة وأهل سائر البلدان ~~ولأن شهادة أهل المدينة وشهادة غيرهم واحد وكذلك الرواية ولأنا قد ms473 بينا أنه ~~لا يقدم فى المناسك رواية أهل مكة وإن اختصوا بها على معنى أن الكعبة عندهم ~~والمشاعر فى بلدهم واختصاصهم بمناسك الحج أخص من أهل المدينة بالسنن فأهل ~~المدينة وغير أهل المدينة فى السنن والشرع سواء وقد حكى بعضهم عن مالك أنه ~~قال يخرج العلم من عندنا شبرا ويرجع ذراعا يعنى أنه يزاد فيه ولا يمكن ~~إطلاق هذا القول وفيه أن الظن بنقلة الأخبار وقد قال بعض أهل المدينة لبعض ~~أهل العراق وعندى أن من عندنا خرج العلم فقال بلى ولكن لم يعد إليكم وأيضا ~~يجوز أن يصير ذراعا وذلك بالمدينة أيضا بأن يزيد فيه بعض الفسقة ويجوز أن ~~يكون فى الخير زيادة ثابته يقع الزيادة عند بعض العلماء من غير أهل المدينة ~~والأولى هو التسوية بين أهل المدينة وغير أهل المدينة فى الرواية وفي ~~الاجتهاد وفى مسألة الإجماع على ما سبق هذا مع اعترافنا للمدينة بالفضل ~~الذي خصها الله تعالى به على ما نقل فى الأخبار مثل ما نعترف لمكة بالفضل ~~الذى خصها الله به على ما ورد فى الأخبار ومن الله العصمة ونسأله أن لا ~~يكلنا إلى أنفسنا وحولنا وقوتنا بمنه وجوده PageV02P027 # | فصل # هذا الفصل هو الفصل الخامس وهو يشتمل على معارضة الاختلاف والإجماع ~~ويشتمل تعارضها على أربعة أضرب # فالضرب الأول أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف فى عصر واحد كاختلاف ~~الصحابة ثم إجماعهم بعد خلافهم فيصير الإجماع بهم منعقد وما تقدم من خلافهم ~~ساقطا لأن العمل يكون بما استقرت عليه أقاويلهم وقد استقرت على الإجماع ~~وزال به الخلاف وقد وجد فى الصحابة من ذلك خلافهم في الصحبة حيث قالت ~~الأنصار منا أمير ومنكم أمير ثم أن أبا بكر رضى الله عنه لما حاججهم وأخبر ~~أن الخلافة لا تصلح إلا فى هذا الحى من قريش رجعوا إلى قوله وزال الخلاف ~~ومن ذلك أيضا خلافهم على أبى بكر فى قتال أهل الردة ثم رجعوا إلى قوله ~~وأجمعوا عليه ومن ذلك خلاف ابن عباس وزيد بن أرقم لسائر الصحابة ms474 رضى الله ~~عنهم فى أن الربا لا يجرى إلا في النساء رجعا عن ذلك ووافقا سائر الصحابة ~~ومن ذلك أيضا خلاف عمر وابن PageV02P028 مسعود لسائر الصحابة فى أن الجنب ~~لا يجوز له التيمم ثم رجعا عن ذلك ووافقا سائر الصحابة وعندى أن ثبوت ~~الرجوع فى هذه المسألة والمسألة التي قبلها نظر ومن هذا الباب خلاف ابن ~~عباس لجماعة الصحابة فى تحريم المتعة فإن ابن عباس أحلها ونقل ذلك عن ابن ~~مسعود ثم أن ابن عباس رجع عن ذلك وعندى أن فى الرجوع عما كان يقوله نظر ~~والفقهاء ينقلون عن جابر بن زيد أن ابن عباس رضى الله عنه لم يلبث حتى رجع ~~عن قوله فى الصرف وأما قول ابن مسعود فى تحليل المتعة فليس بمعروف وقد ~~أورده بعص أصحابنا وقد قال أبو سعيد الاصطخرى إن المتعة محرمة بالإجماع ~~وجعل مرتكبها زانيا وأوجب الحد عليه وأما سائر أصحابنا وكذلك عامة الفقهاء ~~قد أبوا عن هذا وجعلوا حكم الخلاف باقيا ولم يوجبوا الحد بارتكابها ولا ~~وسموا مرتكبها بسمة الزنا وفى تفسيقه وجهان # والضرب الثاني أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع فى عصر واحد فهو على ~~ضربين أحدهما أن يكون المخالف لم يوافق المجمعين قبل خلافه فيصح خلافه ولا ~~ينعقد مع خلافه الإجماع كما خالف ابن عباس فى القول مع إجماع غيره عليه # والضرب الثالث أن يكون وافقهم ثم خالفهم كخلاف على فى بيع أمهات الأولاد ~~مع اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة فى تحريم بيعهن فمن جعل انقراض العصر شرطا ~~فى انعقاد الإجماع بخلافه لحدوثه قبل استقراره ومن لم يجعله شرطا أبطل ~~خلافه مع إجماعه # والضرب الرابع أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف فى عصرين وذلك مثل اختلاف ~~الصحابة على قولين وإجماع التابعين على أحد القولين فهذه مسألة معروفة ~~وسنذكرها PageV02P029 # مسألة إذا اختلفت الصحابة لى قولين ثم أجمعت التابعون على أحد القولين # فمذهب الأكثرين من أصحاب الشافعى رضى الله عنه أن خلاف الصحابة ثابت ولا ~~يرتفع بإجماع التابعين من بعدهم والمسألة لا تصير ms475 إجماعا وهو قول بعض أصحاب ~~أبى حنيفه وبعض المتكلمين وقال الأكثرين من أصحاب أبى حنيفه أنه يرتفع ~~الخلاف المتقدم ولا ينعقد الإجماع من التابعين على المسألة وبه قال ~~الإصطخرى وابن خيران والقفال من أصحاب الشافعى رحمه الله عليهم وقد نص عليه ~~الكرخى وصار إليه وكذلك كل من تبعه وذهب إليه أيضا أكثر المعتزلة وحكى بعض ~~أصحاب أبي حنيفة فى المسألة روايتين عن أبى حنيفة وحكى عن أببى يوسف أيضا ~~أنه ينعقد الإجماع ويرتفع الخلاف المتقدم واحتج من قال بالقول الثانى بقوله ~~تعالى @QB@ ويتبع غير سبيل المؤمنين @QE@ # وبقوله تعالى @QB@ وكذلك جعلناكم أمة وسطا @QE@ وقد بينا أن ذلك يتناول ~~أهل كل عصر ولم يفصل فى اتباع غير سبيل المؤمنين بين أن يكون تقدم خلاف أو ~~لم يتقدم خلاف واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تجتمع أمتى على ~~الضلالة ) وفى رواية ( على خطأ ) فيجب أن يكون ما اتفق عليه أهل العصر ~~الثاني غير خطأ ولأن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع بعد ~~الاختلاف وجب أن لا يجوز خلافه لأن الإجماعين واحد وحرفهم أن الإجماع قد ~~وجد فينعقد ويكون حجة كما لو لم يتقدمه خلاف # ببينة أن الصحابة لو اختلفوا ثم أجمعوا فإنه يسقط الخلاف المتقدم ~~بالإجماع المتأخر فكذلك يسقط الخلاف المتقدم فى مسألتنا لأن الحجة فى إجماع ~~التابعين مثل الحجة فى إجماع الصحابة فلما سقط اختلاف الصحابة بإجماعهم ~~فيسقط أيضا بإجماع التابعين وأما حجة من ذهب إلى المذهب الأول وهو الأصح ~~تعلقوا بقوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ~~فأمر عند وقوع التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة وأهل العصر الأول قد ردوا ~~الحادثة إلى الكتاب والسنة فوجدوا الحادثة مجتهدا فيها وقد PageV02P030 ~~انقرض عصرهم على هذا وقد أثنى الله على التابعين بحسن المتابعة فإذا ~~اعترضوا عليهم قطعوا الاجتهاد عن الحادثة لم يكونوا متبعين فدل أن الحادثة ~~على ما رآه أهل العصر الأول فيها وأنها مستمرة على ذلك وهذا الحقيقة وهي أن ~~علماء العصر إذا اختلفوا في الحادثة على ms476 مذهبين وذلك مثلا فى تحليل وتحريم ~~فقد تضمن ذلك إجماعهم من كافتهم على أن الخلاف سائغ من الحادثة فحصل فى ضمن ~~الخلاف الإجماع على جواز الخلاف فإذا صورنا الرجوع إلى أحد القولين من ~~التابعين لم يجز لأنه مسبوق بالإجماع على جواز الخلاف فنقول ما أجمعت ~~الصحابة عليه لم يجز للتابعين إبطاله كما لو أجمعوا على قول وليس يلزم على ~~هذا إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعوا على أحد القولين لأنا إن قلنا ~~إن انقراض العصر شرط فى صحة الإجماع لم يسلم لوجود الإجماع على تسويغ ~~الخلاف وأن قلنا إن انقراض العصر ليس بشرط وهو الأولى على ما سبق لم يسلم ~~جواز الاتفاق على أحد القولين بعد هذا الاختلاف وقد حكى عن القاضى أبى بكر ~~أنه جعل حكم الصورتين واحد وقال كما لا يجوز لأهل العصر الثانى أن يتفقوا ~~على أحد القولين ويبطلوا به الخلاف المتقدم كذلك فى أهل العصر الواحد أيضا ~~لا يجوز أن يختلفوا على قولين ثم يتفقوا على أحد القولين فإن قيل لا يمتنع ~~أن يتفقوا على تسويغ الاجتهاد بشرط أن لا يظهر إجماع فإذا ظهر الإجماع يسقط ~~ذلك الاتفاق كما أنهم اتفقوا أن فرض العادم للماء التيمم ما لم يجد فإذا ~~وجد الماء زال ذلك الاتفاق # والجواب أن دعوى هذا الشرط ليس عليها دليل بل حصل احتلافهم وجود الإجماع ~~على تسويغ الاجتهاد وهذا الإجماع لا يجوز إبطاله بإجماع يوجد من بعد وأما ~~مسألة التيمم فبعيدة عن هذا لأن النص قد دل على أن جواز التيمم مشروط بعدم ~~الماء فإذا وجد الماء زال الشرط وأما ها هنا فإن أهل العصر الأول قد أجمعوا ~~على تسويغ النظر على الإطلاق من غير شرط فهو بمنزلة إجماعهم على شرط واحد ~~فلا يجوز أن يزول ذلك بإجماع يوجد بعده يدل على ما ذكرنا أن الإجماع إذا ~~حصل واستقر لم يجز أن يتغير بالاختلاف من بعد فكذلك إذا حصل الاختلاف ~~واستقر لم يجز أن يتغير بالإجماع من بعد والاعتماد على الكلام الأول ms477 وقد ~~قال بعض أصحابنا إن القول إذا صدر عمن له في الدين تحمل لم يجز أن ينقطع ~~حكمه بموته بدليل النبى صلى الله عليه وسلم فإن قيل قد ورد خلاف ما صرتم ~~إليه من الصحابة فإن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ثم اتفقوا PageV02P031 ~~على المنع زمن عمر رضى الله عنه وأجرى الأثر على ذلك وكذلك كانت الصحابة ~~تقرأ بالحروف المختلفة فى زمان أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ثم اجتمعوا فى ~~زمان عمر رضى الله عنه على أن ما بين الدفتين كلام الله فدل أن الوفاق ~~الثاني يدفع الخلاف الأول قيل له هذا لا يشبه مسألتنا لأن عصر الصحابة كله ~~عصر واحد فقد يمتد زمان النظر وتنفسخ مدة الرؤية وقد كانوا ينظرون ثم ~~يعيدون النظر كرة بعد أولى على حسب ما يحتاج إليه لدقة الأمر وغموضه إلى أن ~~يتبين لهم الأمر غاية البيان ويزول الإشكال فلم يكن الإجماع يستقر بأول ~~وهلة والكلام فيما إذا استقر الأمر من الصحابة على شئ وانقرضوا على ذلك ثم ~~حدث من بعد ما يوجب إزالة ما انقرضوا عليه ورفعه وقد قال بعض أصحابنا إن ~~قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للخلاف المتقدم وهو نازل ~~منزلة تردد من ناظره ثم استقراره أخيرا وأما إذا تمادى الخلاف فى زمان ~~فتطاول بحيث يعلم أنه لو كان ينقدح وجهه فى سقوط أحد القولين ليظهر ذلك فى ~~الزمان الطويل فإذا بلغ الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق مع أحد ~~القولين والأمر باق على الخلاف السابق لما بينا أن فى اختلافهم وفاقا ضمنيا ~~على أن الخلاف فى هذا المجال سائغ وهذا لا بأس به والأول هو المنقول عن ~~أئمة المذاهب وأما الجواب عن كل ما تعلقوا به من الظواهر فقد بينا أن ~~اختلافهم يثبت وفاقا ضمنيا فلا يجوز رفعه من بعد وعلى هذا صارت هذه الظواهر ~~حجة على المخالفين لأن سبيل المؤمنين فى العصر الأول لما كان هو تسويغ ~~الاجتهاد فلا يجوز اتباع غير سبيلهم وكذلك ms478 لما اجتمعوا على ما ذكرناه كان ~~خلافه ضلالة وخطأ وأما الذى قالوا أن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك ~~الإجماع بعد الخلاف قلنا ولما قلتم هذا ثم الإجماع المبتدأ لم يتضمن رفع ~~إجماع سبق وقوعه وأما ها هنا فإن الإجماع الذى يوجد من بعد من أهل العصر ~~الثانى يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وهو ما سبق ذكره وأما تعلقهم بما إذا ~~اختلف أهل العصر ثم أجمعوا عليه فقد أجبنا عنه وعلى أنا قد ذكرنا من قبل أن ~~بعض أصحابنا ذهب إلى أن انقراض العصر شرط انعقاد الإجماع وعلى هذا القول لا ~~يرد هذا الفصل أصلا وإن جربنا على ما اخترنا فى أن انقراض العصر ليس بشرط ~~فليس وجه الجواب عنه إلا أن يمنع ويقال إذا لم يختلفوا لم يجز أن يجمعوا ~~على أحد القولين وإن تمسكوا بالصور PageV02P032 التي قلناها فنقول إنهم ~~كانوا فى طلب الدليل ومهلة النظر ولم يكن استقرار الأمر على نفى من اختلاف ~~أو اتفاق ويمكن أن يقال لا نسلم أن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ولم ينقل ~~عنه رضى الله عنه نص على ذلك يحتمل أن من سبى من النساء كن من الكافرات ~~الأصليات ولم يكن أسلمن أصلا وأما اتفاق الصحابة على حرف واحد بعد أن كانوا ~~يقرءون ثم بالحروف المختلفة فذلك نوع مصلحة رأوها لما وقع الاختلاف ~~والتنازع وخافوا المفسدة العظيمة والكلام فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية ~~وليس هذا مما نحن فيه # واعلم أن هذا الذي قلناه كله من الإجماع بعد الاختلاف فأما الاختلاف بعد ~~الإجماع في عصر واحد فهو نبأ على أن انقراض العصر هل هو شرط فى انعقاد ~~الإجماع أو لا فإن قلنا شرط فيجوز الاختلاف لأن الإجماع لم ينعقد بعد وإن ~~قلنا ليس بشرط فلا يجوز وأما فى العصرين وذلك بأن يجمع الصحابة على شئ ثم ~~يختلف التابعون فلا يجوز ذلك ويكون اختلاف معاندة ومكابرة والله أعلم # | فصل إذا اختلف الصحابة فى مسألتين على قولين # ذهبت طائفة منهم إلى حكم وصرحت بالتسوية ms479 بينهما وذهبت طائفة أخرى إلى حكم ~~آخر وصرحت بالتسوية فهل يجوز لمن بعدهم أن يأخذ بقول إحدى الطائفتين فى ~~إحدى المسألتين ويأخذ بقول الطائفة الأخرى فى المسألة الأخرى # ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز والآخر لا يجوز ووجه الجواز أنهم لم يجمعوا ~~على التسوية بين المسألتين فى حكم واحد وإنما سووا فى حكمين مختلفين فجاز ~~لمن بعدهم الأخذ بالتفصيل وأما وجه عدم الجواز وهو أن جميعهم أجمعوا على ~~التسوية بينهما وهذا التفصيل يمنع من التسوية فصار كما لو أجمعوا على قول ~~واحد فإنه لا يجوز إحداث قول ثاني وهذا الوجه أشبه وأصح PageV02P033 # | فصل ولا يجوز أن يتفق أهل عصر على الجهل بحكم حادثة حدثت فى عصرهم # لأنه لا يخلوا من حكم الله تعالى فيها لما نصب من الأدلة عليه فصار الجهل ~~بحكمها إجماعا على الخطأ وقد دللنا أن ذلك لا يجوز ولأن فى الإمسال عنها ~~إعراضا عن الأدلة التي توصل إلى الحكم فى الحادثة وهذه معصية لا يجوز أن ~~ينعقد عليها الإجماع من الأمة وحين وصلنا إلى هذا الموضع انتهى القول فى ~~الإجماع بعون الله تعالى وحسن تأييده وتيسيره ولما فرغنا من باب الإجماع ~~ووصلنا إلى باب القياس فقد بقيت علينا مسائل شذت عن الأبواب المتقدمة وليس ~~بعض هذه الإبواب المتقدمة بأولى بها من البعض فنذكر اولا تلك المسائل ثم ~~نتكلم في التقليد ثم نشرع فى باب القياس حسب ما يأذن الله تيسيره وتسهيله # اعلم أنا وصلنا إلى باب القياس والاجتهاد وما يتصل بذلك غير أنه قد بقيت ~~مسائل شذت عن الأبواب التي قدمناها ولم تدخل في أبواب القياس ولابد من ~~ذكرها فوجدنا ذكرها أليق بهذا الموضع خصوصا مسألة استصحاب الحال وهل هو حجة ~~أم لا فإن هذه المسائل يصلح أن تكون من توابع الإجماع فنقدم هذه المسألة ثم ~~نذكر سائر المسأئل بعون الله وتوفيقه PageV02P034 # | مسألة استصحاب الحال # مسألة استصحاب حكم الإجماع أو غيره من الدلائل إن أمكن فى موضع الخلاف أو ~~عند تغيير الحال # ليس بدليل على الصحيح من المذهب ms480 وقال أبو ثور وأبو داود وهو دليل وبه قال ~~المزنى والصيرفى وابن سريج وابن خيران من أصحابنا وقال بعض أصحابنا فى ~~تفسير استصحاب الحال أنه استصحاب حكم العموم فيما ورد به وحمله على جميع ~~الأزمان والأوقات مثل أن يقول صلوا أو صوموا فيحمل ذلك على حكم الصلاة ~~والصوم فى عموم الأوقات على الدوام والاتصال فيستصحب حكمه إلى أن يدل الدال ~~على رفعة ونسخه وهذا التفسير ليس بصحيح وهذا الموضع نتفق عليه ولا يجوز أن ~~يسمى هذا استصحاب الحال لأن لفظ العموم دل على استغراقه جميع ما يتناوله ~~اللفظ فى أصل الوضع فى الأعيان وفى الأزمان فأى عين وجدت ثبت الحكم فيها ~~وأى زمان وجد ثبت الحكم فيه يكون اللفظ دال عليه وتناوله بعمومه فيكون ثبوت ~~الحكم فى هذه الصورة من ناحية العموم لا من ناحية استصحاب الحال وإنما ~~استصحاب الحال أن يدل الدليل فى اثبات حكم ثم يستصحب حكم ذلك الدليل فى ~~موضع من غير أن يكون لفظ الدليل تناوله ودل عليه ويقال تفسيرا استصحاب ~~الحال هو أن يثبت حكم فى حالة من الحالات فيتغير الحال فيستصحب المستدل ذلك ~~الحكم بعينه فى الحالة المتغيرة ونقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ~~ومثال ذلك فى المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة وجب عليه التوضؤ فيستصحب ~~هذا الحكم بعد الدخول فى الصلاة ويقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ~~وقد يكون ذلك فى الدليل العقلى أيضا وذلك مثل ما اختلف الناس فى أن الأشياء ~~قبل ورود الشرع على الحظرأو الإباحة أو الوقف وكل قول من هذه الأقوال قد ~~انتحله فريق وزعم أن العقل يدل عليه فالاستصحاب أن تستصحب PageV02P035 حكم ~~ذلك فى موضع على ما كان عليه من إباحة أو حظر أو وقف إلى أن يقوم الدليل ~~الشرعى على خلاف ذلك الحكم فينقله عن حكمه وقد قال الأصحاب إنه لا خلاف فى ~~هذا الموضع أيضا ويجوز الاستدلال بما ذكرناه حتى يقوم الدليل الشرعى على ~~خلافه وإنما الخلاف فى الحكم إذا ثبت بدليل وقع ms481 الخلاف فى استدامته بحادث ~~يحدث مثل ما ذكرنا فى المتيمم ومثل المكفر يدخل فى الصوم عند عدم القدرة ~~على العتق ثم يجد الرقبة فقال قوم يخرج من الصوم بالعتق وقال قوم يمضى فيه ~~ومثل الحائض ثبت فى حقها أحكام الحيض قبل العشر فإذا جاوزت العشر لم تستصحب ~~تلك الأحكام ولا يحكم بانقطاعها واستدل من تعلق باستصحاب الحال بما روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إن الشيطان يأتى أحدكم فينفخ بين أليته ~~فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ) فقد قضى استدامة ~~الحكم وهو استصحاب الحال ويدل عليه أنه لا خلاف أنه إذا تيقن الحدث وشك فى ~~الطهارة أو تيقين الطهارة وشك فى الحدث فإنه يأخذ باليقين ويطرح الشك فكذلك ~~إذا عرض الشك لوقوع الاختلاف فى الحادثة لم يجز أن يرفع ما تقدم من اليقين ~~فيها واستدل أبو بكر الصيرفى وقال إن ابتداء الحكم ثبت بقيام الدليل عليه ~~وفى موضع الخلاف لا يحكم بانتفاء الحكم لعدم قيام الدليل على نفيه وبيان ~~هذا أن المتيمم إذ دخل فى الصلاة فقد حكم الإجماع بصحة صلاته فإذا رأى ~~الماء فى خلال صلاته اختلفنا فى حكمه فقال بعض الناس يخرج منها وقال بعضهم ~~يمضى فيها والخروج حكم والمضى حكم وكل واحد منهما يحتاج إلى دليل فإذا عدم ~~الدليل على وجوب الخروج وعدم الدليل على المضى تقابل الأمران وتساويا ولا ~~يجوز أن يحكم بأحدهما ووجب إبقاء الحال على ما كانت عليه وإذا ثبت أن ~~الخروج لا يجب وأن الحال باقية على ما كانت عليه ثبت أن المضى فى الصلاة ~~وإتمامهاواجب وقال الصيرفى ولست أقول إن الإجماع مستصحب ودل على بقاء ~~الصلاة ووجوب المضى فيها لأن الإجماع قد زال عند رؤية الماء فلا يستصحب ~~حكمه لكنى أقول لا يجب الخروج أو لا يخرج لعدم الدليل عليه ووجب تبقية ~~الحال على ما PageV02P036 كانت عليه فقالوا ولأن ما ثبت بالعقل من براءة ~~الذمم يجب استصحابه فى مواضع الخلاف فكذلك ما ثبت بالإجماع ms482 وجب وأن يكون ~~كذلك هذا لأن الحكم إذا ثبت بدليل من دلائل الشرع لا يجب استدامة الدليل ~~لبقاء الحكم بل يبقى الحكم ويدوم إلى أن يقوم الدليل على قاطع يقطعه ومسقط ~~يسقطة فإذا لم يقم الدليل على سقوطه بقى ثابتا على ما كان من قبل ومن ادعى ~~سقوطه فعليه الدليل ألا ترى أن من ادعى النبوة وأقام المعجز على ثبوته فإن ~~تجدد إنكار منكر لنبوته لا يجب عليه إقامة المعجز ثانيا بل النبوة على ~~ثباتها بالدليل الذي أقامه من قبل فيستمر الثبوت ولا يلتفت إلى قول المنكر ~~ولا حجة على المنكر فى هذه الصورة إلا من جهة استصحاب الحال وعلى هذا إذا ~~عرفنا فراغ ذمة الإنسان يحكم أن الأصل فراغه فلو ادعى عليه إنسان حقا فإن ~~القول قول المنكر لأن الأصل فراغ ذمته فصار استصحاب الأصل الذى عرفناه ~~دليلا فى دفع دعوى المدعى عنه وكذلك إذا ثبت الملك لإنسان فنازعه منازع ~~يكون القول قول من فى يده وإنما جعلنا القول قوله باستصحاب الحال التي ~~تقدمت فدل أن استصحاب الحال حجة فى الأحكام معمول بها وعلى هذا نقول من ~~اشترى أخاه أو عمه لم يعتقه عليه لأن الأصل بقاء ملكه الثابت بالشراء فمن ~~ادعى زواله فعليه الدليل # فأما الدليل على أن استصحاب الحال ليس بحجة هو أن المستصحب ليس له فى ~~موضع الخلاف دليل لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع فلا يجوز له إثبات ~~الحكم فيه دليله ما إذا لم يتقدم موضع الخلاف إجماع وإنما قلنا لا دليل له ~~لأن دلائل الشرع معلومة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ولم يؤخذ ~~شيء من هذا فى هذه الصورة أما الكتاب والسنة فلا شك فى انعدامها ها هنا ~~وكذلك القياس وأما الإجماع فقد كان ثابتا لكنه قد زال وإذا انعدمت الدلائل ~~فما قالوه إثبات حكم بلا دليل وقد نذكر صورة حتى يتبين الكلام فنقول ~~المستدل باستصحاب الحال فى مسألة التيمم إذا رأى الماء فى الصلاة لا يخلو ~~إما أن ms483 يشترك بين الحالتين فى وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما يدل على وجوب ~~الوضوء فإن قال ذلك فليس هذا بدليل بل ينبغي أن يتبين للخصم اشتراك ~~الموضعين فيما يدل على وجوب الوضوء وإما أن يشترك بينهما فى الحكم ~~لاشتراكهما فى علته وهذا قياس وإما أن يشترك بينهما بغير دلالة ولا علة ~~فليس هو بأن يجمع بينهما بأولى بأن لا يجمع بينهما وهذا لأن عدم الدليل لا ~~يكون حجة فإن قالوا إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام فحدوث الصلاة لا يغير ~~حكم وجوب الوضوء قيل له لا PageV02P037 يمتنع أن يختلف الشرع بحدوث الحوادث ~~ولهذا يجوز أن يرد نص بإسقاط الوضوء عن الرائى للماء فى الصلاة مع وجوبه ~~على من رآه قبل الصلاة واستدل أبو زيد فى هذه المسألة وقال إن ثبوت الشئ أو ~~عدم الشئ غير موجب ثبوته ولا عدمه يعنى فى المستقبل ويجوز حال العدم ثبوت ~~حالة موحدة ويجوز في حال ثبوت وجود علة معدمة ألا ترى أن عدم الشراء لا ~~يمنع وجود الشراء وكذلك لا يمنع وجود سائر الأسباب وهذا لأن العدم ليس بشئ ~~فيستحيل أن يكون مانعا حدوث شئ وكذلك وجود الشئ ليس بعلة لبقائة بل يبقى ~~لعدم ما يزيله كالملك في باب البيع والحل فى باب النكاح وعلى هذا حياة ~~الانسان لا يوجب بقائها ولا يمنع نزيان الموت قال وإذا ثبت هذا فمن أراد ~~إثبات إدامة الحالة الماضية في المستقبل ثبوته فى الماضي وثبوته لا يوجب ~~بقائة كان محتجا بلا دليل يدل عليه أن الثابت لا يزول إلا بدليل بالإجماع ~~فإن كان الاختلاف فى الزوال اختلافا فى دليله فالذي يدعى الزوال يدعى دليلا ~~والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كما أن دعوى هذا لا يكون دليلا ~~عليه فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره الدليل بلا دليل فإن قيل الاحتجاج ~~بالأخبار والنصوص صحيح وثبوت النص حجة لا توجب البقاء أيضا فلا يمنع ~~الانتساخ بنص آخر ومع ذلك بقى الحكم قلنا أما بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms484 فلا يحتمل الحكم الانتساخ قطعا وإذا لم يتصور النسخ بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا يجوز ثبوته دليل بقائه وإن تصور دعوى ناسخ له فلا يكون ~~ثبوته من قبل بلا ناسخ دليلا عليه قالوا ومستصحب الحال متمسك بما كان لعدم ~~الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاؤه انتهى كلام أبو زيد وقال بعض أصحابنا ~~إن الاحتجاج باستصحاب الحال يؤدى إلى التعارض والتكافؤ فى الأدلة لأنه ما ~~من أحد يستصحب حال الإجماع موضع الخلاف فى صحة فعل أو سقوط فرض إلا ولخصمه ~~أن يستصحب حالة الإجماع فى مقابلته وبيان ذلك أنه متى قال فى التيمم إذا ~~رأى الماء فى صلاته إن صلاته لا تبطل لأنا أجمعنا على صحة صلاته وانعقاد ~~إحرامه ولا يجوز إبطال ما أجمعوا عليه لا بدليل تعارض الخصم فنقول أجمعنا ~~على اشتغال ذمته بفرض الإسلام فلا يجوز إسقاط ما أجمعوا عليه إلا بدليل فلا ~~يكون التعلق بأحد الإجماعين بأولى من التعلق بالآخر وما أدى إلى مثل هذا ~~يكون باطلا وأما الجواب عن الخبر قلنا نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة ~~إلى حالة بدلالة وإنما نمنع لا بدلالة وقول النبي صلى الله عليه وسلم دلالة ~~PageV02P038 # وأما مسألة الطهارة فهناك يقين الدلالة أو يقين الحدث ما زال وها هنا ~~الإجماع قد زال والأولى أن نقول إنه فى موضع يقين الطهارة وشك الحدث إنما ~~أخذنا باليقين لأجل الخبر وأما فى موضع يقين الحدث والشك فى الطهارة كان ~~الأخذ باليقين قياسا على الصورة الأولى وأما الذي استدل به الصيرفى فليس ~~بشئ لأن نهاية ما فى الباب أنه يقابل الاحتمالان على ما ذكر لكن لا دليل ~~على بقاء الصلاة فإن قالوا إذا ثبت يبقى قلنا قد ذكرنا أن ثبوته لا يكون ~~دليل بقائه فبقى أنه يقول انعدام الدليل المبطل للصلاة وعدم الدليل لا يكون ~~دليلا فإن قالوا إذا لم يقم دليل يوجب بطلان الصلاة فهنا قيل له من ادعى ~~البقاء وهناك منازع يمنع البقاء فلابد له من دليل يقيمه ms485 عليه ولا دليل له ~~على ما سبق فأما إذا عدم المنازع بقى على ما كان أما عند وجود المنازع لابد ~~من دليل يكون حجة عليه ولم يوجد فإن رجعوا إلى قولهم أن الأصل ثبات الأحكام ~~ودوامها قلنا بلى ولكن ما لم تحدث هذه الحادثة فإما عند حدوث الحوادث فلم ~~قلت هذا وعلى أن قلنا إن البقاء الذي وقع التنازع فيه لابد من دليل يقام ~~عليه ولم يوجد فأما قولهم إن دليل العقل في براءة الذمم يجعل دليلا وحجة ~~فكذلك دليل الشرع قلنا إنما وجب استصحاب براءة الذمم لأن دليل العقل فى ~~براءة الذمة قائم فى موضع الخلاف فوجب الحكم به وأما ها هنا فالإجماع الذي ~~كان دليلا على الحكم قد زال فى موضع الخلاف فوجب طلب دليل آخر # والجواب المعتمد أنا لا نقول تثبت براءة ذمته باستصحاب الحال ولا يحكم ~~بكون الشئ له باستصحاب الحال لكن يطلب من المدعى حجة يقيمها على ما ادعاه ~~فإذا لم تقم بقى الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت شئ والخلاف واقع فى ~~ثبوت الحكم باستصحاب الحال وهذا لا نقوله فى موضع ما وقد قال أبو زيد إن ~~استصحاب الحال يصلح دليلا لتبقيه حكم قد كان ثابتا ولا يصلح دليلا لإثبات ~~حكم لم يكن ثابتا وربما نقول هو حجة دافعة ولا يكون حجة مثبته وهذه العلة ~~تنقض ما سبق من كلامه من قبل والأصح على مذهبنا أن استصحاب الحال لا يكون ~~حجة فى شئ ما وسائر ما ذكروه من الاستشهاد خارج على ما بيناه وأما الذي ~~تعلقوا به من النبى إذا أقام المعجزة قلنا إذا ما أقام المعجزة ثبت كونه ~~نبيا فيجب على كل أحد الإيمان به فكان سقوط إمكان من ينكر ثبوته من هذا ~~الوجه لا من قبل دليل استصحاب الحال والله اعلم PageV02P039 # مسألة النافى للحكم يجب عليه الدليل المثبت # وقال أصحاب الظاهر لا دليل عليه واستدل من قال أنه لا دليل عليه بقوله ~~صلى الله عليه وسلم ( البينة على المدعى ms486 واليمين على من أنكر ) والبينة حجة ~~وقد جعلها على مدعى الثبوت لا على مدعى النفى فثبت أن النافى لا دليل عليه # ببينة أن أهل العلم اتفقوا على قولهم إن القول في الدعاوي قول المدعى ~~عليه ومعنى قولهم إن القول قوله أنه لا دليل عليه ومعنى قولهم أنه لا يقبل ~~دعوى المدعى أن الدليل عليه وكذلك أجمعوا أن من أنكر النبوة لا دليل عليه ~~وإنما الدليل على من ادعى النبوة # ببينة أن أقوى الخصومات في البينات والنبي صلى الله عليه وسلم ( كان ~~مثبتا والقوم كانوا نفاة وما كان لهم حجة سوى أنه لا دليل على النبوة وإذا ~~كان الأمر على ما قلنا فى النبوة وسائر الدعاوي كذلك ها هنا يجب أن تكون ~~الحجة على من أثبت الحكم لا على من نفاه قالوا ولأن معنى قولنا لا دليل على ~~النافى هو أنه لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشئ والدليل يحتاج ~~إليه لشئ هو مدلول عليه فإذا لم يكن العدم شيئا لم يحتج المتمسك به إلى ~~دليل حتى يدل عليه وأما دليلنا هو أن النفى لكون الشئ حلالا وحراما حكم من ~~أحكام الدين كالإثبات والأحكام لا تثبت إلا PageV02P040 بأدلتها وكل من ~~ادعى فى شئ من الأشياء حكما من إثبات أو نفي فعليه إقامة الدليل عليه بظاهر ~~قوله تعالى @QB@ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين @QE@ ثم الدليل على ما ~~قلناه من جهة التحقيق هو أن النافى فيما نفاه لا يخلو من أحد الأمرين إما ~~أن يدعى العلم بنفى ما نفاه أو لا يدعى العلم بانتفائه بل إنما يخبر عن ~~جهله وشكه فإن كان يخبر عن جهله وشكه فالدليل عنه ساقط لأن أهل النظر قاطبة ~~لا يوجبون على من يدعى الشك والجهل دليلا ولا يقال لمن جهل أو شك لما جهلت ~~أو شككت ولو رام المدعى لذلك إقامة دليل عليه لم يمكنه ذلك إن كان النافى ~~يدعى العلم بصحة ما نفاه فقال من أين علمت نفى ما نفيته باضطرار أو ~~باستدلال ولا ms487 يمكنه دعوى الضرورة لأنه لو كان ضرورة لشاركناه فى ذلك وإن ~~قال بدليل علمت نفى ما نفيته سئل عن ذلك هل هو حجة عقل أو سمع فإن قال سمع ~~قلنا بين ذلك فإن قال بعقل قلنا له بين ذلك فدل أنه لابد من دليل يقيمه ~~واعلم أنه لا خلاص لهم من هذه المطالبة إلا بدعوى علم الضرورة وهذا باطل أو ~~بدعوى جهله بانتفاء ما نفاه فتزول عنه المطالبة أيضا لأنه لا مطالبة على ~~الجهلة فأما تمنى زوال الحجة مع دعوى وجود العلم بانتفاء المنتفى غير متصور ~~قال أبو زيد قول القائل لا دليل لا يكون دليلا كما أن قوله لا حجة ولا يكون ~~حجة مثل قول الإنسان لا زيد ولا عمرو ولا يكون زيد ولا عمرو فصار المتمسك ~~بالنفى متمسكا بعدم الدليل وعدم الدليل لا يكون دليلا يدل عليه إن دعوى خصه ~~أنه وجد الدليل يعارض قوله إنه عدم الدليل فلا يكون قوله حجة على خصمه كما ~~لا يكون قول خصمه حجة عليه قالوا إن النافى متمسك بالعدم والعدم غير محتاج ~~إلى الدليل فإن الشئ الذي هو مدلول يحتاج له إلى الدليل فأما العدم فليس ~~بشئ فلا يحتاج إلى الدليل وهذا السؤال يفسد بما قلناه من قبل وهو أن النافى ~~يدعى العلم بانتفاء الشئ ودعوى العلم بانتفاء الشئ لا يجوز إلا أن يكون عن ~~دليل نعم دعوى الجهل لا يحتاج إلى الدليل فأما دعوى العلم فلا يستغنى عن ~~الدليل بحال وأما دليلهم قلنا إن لا دل فهو خارج على ما قلنا لأنا لا نقول ~~إن المدعى عليه إذا ادعى أنه لا شئ عليه أنه ينتفى عنه الحق بإنكاره ونفيه ~~بل نقول لا دليل على ثبوت الحق عليه فلا يحكم بالثبوت ومعنى قولنا إن القول ~~قوله هو أنه لا يقبل دعوى المدعى PageV02P041 عليه ويترك الأمر على ما كان ~~عليه من قبل ثم يمينه تكون حجة لقطع الخصومة وعلى أنه يمكن أن يقال إن حجته ~~فى إنكاره ونفيه الوجوب عن نفسه يمينه ms488 فإن سقطت البينة عنه لم يسقط عنه ~~اليمين التي تقوم مقامها فى هذا الجانب فالله تعالى جعل اليمين حجة فى جانب ~~المدعى عليه كما أن البينة حجة فى جانب المدعي وفى دعوى الأعيان يجوز أن ~~يقال إن اليد للمدعى عليه حجة فيما يدعيه من كون الشئ ملكا له والحجة ~~مختلفة فيجوز أن تكون اليد حجة ويجوز أن تكون البينة حجة وأحسن الأجوبة هو ~~الجواب الأول وأما تعلقهم بمنكر النبوة قلنا من ينكر النبوة إذا قطع بالنفى ~~وقال لست بنبى فإنه يجب عليه إقامة الدليل على نفيه وهو أنه يقول لو كنت ~~نبيا مبعوثا لكان معك دليل يدل على صدقك لأن الله عز وجل لا يبعث رسولا إلا ~~ومعه دليل يدل على صدقه ومهما لم أر معك دليلا دلنى ذلك أنك لست بنبى وإن ~~لم يقطع بالنفى وقال لا أعلم أنك نبى أو لست بنبى فهذا لا دليل عليه لأنه ~~شاك والشاك لا دليل عليه وأما فى مسألتنا فصورة الخلاف فى موضع يقطع بالنفى ~~ولا يجوز أن يقطع بالنفى إلا عن دليل يقتضيه ويوجبه فإن قيل أليس لو نفى ~~صلاة سادسة لا يكون عليه دليل قلنا لابد في نفيها من دليل يقيمه عليه وهو ~~أن يقول إن الله تعالى لا يقيد خلقه بفرض إلا وأن يجعل إلى معرفته طريقا من ~~جهة الدليل ولما لم نجد ما يدلنا على الوجوب دلنا ذلك على أنه لا واجب وقد ~~قال بعض أصحابنا يقال لمن زعم أنه ليس على النافى دليل قلت هذا بدليل أو ~~بغير دليل فإن قال قلته بدليل فقد اعترف للنافى عليه دليل وإن قال قلته بلا ~~دليل يقال له مم يتفضل عمن يقول أنا أنفى صحة ما تعتقده من هذا القول ~~وأتمسك بأن النافى لا دليل عليه وهذا فصل يعتمد فى إظهار المناقضة عليهم فى ~~قولهم وسئل أبو زيد سؤالا وأجاب عنه وهو فإن قيل أليس أن ما يثبت بالدليل ~~وهو مما ينفى بلا دليل فقد أثبتم البقاء فى هذه الصورة ms489 بلا دليل والجواب ~~أنه يبقى على ما قلته لكن بقاء يحتمل الارتفاع والمحتمل لا يكون حجة في ~~إثبات ما ليس ثابت والحكم فى حق الخصم غير ثابت فاحتيج إلى إثباته فما يكون ~~محمتلا لا يكون حجة فى حقه ثم قال على هذا مسائل منها الصلح على الإنكار ~~فإنه جائز عندنا غير جائز عند الشافعي رحمة الله عليه لأن الله تعالى خلق ~~الذمم بريئة عن الحقوق فثبت براءة ذمة المنكر بالدليل الأصلي في براءة ~~الذمم ولم يقم دليل على شغل ذمته قال وعدم الدليل حجة في PageV02P042 إبقاء ~~ما يثبت بالدليل عند الشافعى رحمة الله عليه فلم يجز شغل ذمته بالدين فلم ~~يصح الصلح قال وعندنا الصلح على الإنكار جائز ونقول قول المنكر ليس بحجة ~~على المدعي كقوله المدعي ليس بحجة على المنكر وعدم الدليل على شغل الذمة لا ~~يكون حجة للمنكر على المدعى كقول المدعي إن المال ثابت لم يكن حجة على ~~المنكر وربما عبر عن هذا فقال عدم الدليل ليس بحجة لإبقاء ما ثبت بالدليل ~~فيجوز شغل ذمته بالدين على معنى أن المال يكون ثابتا فى حق المدعي فى ذمة ~~المنكر وأما البراءة تكون ثابته في حق المنكر خاصة وهذا لأن خبر كل واحد ~~منهما يكون حجة فى حق نفسه دون خصمه ولما كان المال فى حقه ثابتا يكون خبره ~~حجة شرعا مع اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر لأن تلك المعارضة ليس بحجة فى حق ~~المدعي فيبقى الأمر على ما كان قبل المعارضة وهذا كما صح شراء من شهد ~~بالعتق ثم اشترى وإن كان العتق ثابتا فى حقه وهذا يؤاخذ به بعد الملك لأنه ~~غير ثابت فى حق البائع فصح بيع البائع واعتياضه عن عبد كان ملكا له بخبر هو ~~حجة فى حقه لا غير وإن عارضه لخبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه وهذا لأنه لا ~~دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل فذلك الدليل الذي أوجب ثبوته لا يوجب ~~بقاؤه بل البقاء لاستغنائه عن الدليل غير أنه لما لم ms490 يكن واجب البقاء وكان ~~مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتى طرفان ما يزيله فيصير قول ~~القائل وقد طرأ ما يزيله محتملا للصدق كقوله لم يقم الدليل فلا يصير حجة ~~على جاحد منهما قال ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقاء ما ثبت بدليله اعتمد ~~معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه وإنما قلنا لا يمكنه ~~لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس فى العلم بالأدلة ويجوز أن يعلم خصمه دليلا ~~ثم يبلغه ومن ادعى أنه علم كل شئ لا يناظره ويكون متعنتا جاهلا وهذا كما ~~كان يجوز فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ ~~بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقواما دون أقوام فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورا ~~فى العلم بالمنسوخ ولا يكون جهله بالناسخ حجة على من بلغه الناسخ فكذلك ~~الحجج اليوم يجوز أن يبلغه حجة منها شخصا دون شخص فلا يكون قوله دليل حجة ~~على خصمه قال ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعد التحريم فى إثبات الحل ~~فى قوله عز وجل @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ ~~لأن الله تعالى هو المحرم ولا يخفى عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود ~~فثبت العدم على التابعين أجمع بقول الله تعالى PageV02P043 فيلزمهم البقاء ~~على الحكم الأول الثابت بدليله أعنى الحل هذا كلام أبى زيد ذكره فى أصوله ~~الذي سماه تقويم الأدلة وهذا الذي قاله تكلف شديد وبنى على هذا الأصل مسائل ~~أخر وطول الكلام تطويلا كثيرا ولم أر كثير فائدة فيه وفى ذكره ونحن نقول إن ~~عدم الدليل ليس بحجة فى موضع ما والذي ادعاه حكى الشافعى رحمه الله عليه من ~~مذهبه فيما قاله لا ندرى كيف وقع له ذلك والمنقول عن الأصحاب ما قدمناه # وأما مسألة الصلح على الإنكار فقد بينا وجه فساده فى مسائل الخلافيات وكم ~~من أصول ذكروا لنا بنوا عليها مسائل من الخلاف ولا نعلم صحة تلك الأصول على ~~مذهب الشافعى رحمة الله ms491 عليه وذكر أيضا مسألة الشفعة على هذا الأصل أو كان ~~جارا على أصلهم فأنكر المشترى أن يكون الشقص ملكا له قال عند الشافعى رحمة ~~الله عليه لا يلتفت إلى إنكاره ويثبت له حق الأخذ بالشفعة بظاهر ملكه قال ~~وعندنا ليس له حق الشفعة حتى يقيم البينة أن الشقص ملكه والله أعلم # | فصل # وقد ذكر بعض أصحابنا فى الحكم بأقل ما قيل وذلك أن يختلف المختلفون فى ~~مقدر بالاجتهاد على أقاويل فيؤخذ بأقلها عند إعواز الدليل وهذا على ضربين # أحدهما أن يكون فيما أصله براءة الذمة فإن كان الاختلاف فى وجوب الحق ~~وسقوطه كان سقوطه أولى من وجوبه لموافقته براءة الذمة الإ أن يقوم دليل على ~~ثبوت الوجوب فيحكم بوجوبه بدليل وإن كان الاختلاف فى قدره بعد الاتفاق على ~~وجوبه كدية الذمى إذا وجبت على قاتله فقد اختلفت الفقهاء فى قدرها فقال ~~بعضهم هى كدية المسلم وقال بعضهم نصف دية المسلم وقال بعضهم ثلث دية المسلم ~~وهذا مذهب الشافعي رحمة الله عليه وهل يكون الأخذ بالأقل دليلا حتى ينقل ~~عنه اختلف فيه أصحاب الشافعى رحمة الله على وجهين أحدهما يكون دليلا والآخر ~~لا يكون دليلا # والضرب الثانى أن يكون فيما هو ثابت فى الذمة كالجمعة الفائت فرضها اختلف ~~العلماء في عدد انعقادها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها ~~فلا تبرأ الذمة بالشك PageV02P044 # وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا على وجهين # أحدهما يكون دليلا ولا ينقل عنه إلا بدليل لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعا ~~وبالأقل خلافا وجعلها الشافعى رحمة الله عليه منعقدة بالأربعين لأن هذا ~~العدد أكثر ما قيل # والوجه الثاني لا يكون الأخذ بالأكثر دليلا لأنه لا ينعقد من الاختلاف ~~دليل والشافعى رحمة الله عليه إنما اعتبر عدد الأربعين بدليل آخر ولست أرى ~~فى هذه الكلمات كثير معنى لكنى نقلت على ما ذكر والله تبارك وتعالى أعلم # مسألة فهذه مسألة الحظر والإباحة # أوردنا فى هذا الموضع لما بينا من شذوذها عن الأبواب المتقدمة وعدم ~~دخولها فى باب القياس ومعرفة هذه ms492 المسألة أصل كبير فى مسائل كثيرة ولابد من ~~تقديم مقدمة ينبنى عليها ما يتلوها وهى أن الحظر والإباحة والحسن والقبيح ~~ثم يعرف فاعلم أن الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعى رحمة الله عليه أن ~~التكليف يختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شئ ولا ~~بتقبيحه ولا حظره ولا إباحته ولا يعرف حسن الشئ وقبحه ولا حظره ولا تحريمه ~~حتى يرد السمع بذلك وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء فيدرك به ما حسن وقبح ~~وأبيح وحرم بعد أن يثبت ذلك بالسمع وقد ذهب إلى هذا المذهب من المتكلمين ~~جماعة كثيرة وهم الذين امتازوا عن متكلمى المعتزلة وذهب إلى هذا أيضا جماعة ~~من أصحاب أبى حنيفه وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن العقل مدخلا في التكليف ~~وأن الحسن والقبح ضربان ضرب علم بالعقل وضرب علم بالسمع وأما المعلوم حسنه ~~بالعقل فهو العدل والصدق وشكر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم قبحه بالعقل ~~فنحو الظلم والكذب وكفر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم حسنه بالشرع فنحو ~~الصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه ذلك وأما المعلوم قبحه بالشرع فنحو ~~الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك قالوا وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن ~~يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته وزعموا أن الاستدلال على ~~معرفة الصانع واجب بمجرد PageV02P045 العقل قبل ورود الشرع ودعا الشرع إليه ~~وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم والذي ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال ~~الشاشى والصيرفى وأبو بكر الفارسي والقاضى أبو حامد وغيرهم وذهب الحليمى ~~أيضا من المتأخرين وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبى حنيفه خصوصا العراقيون ~~منهم واستدلوا في ذلك وقالوا إن الله تعالى وبخ الكفار على تركهم الاستدلال ~~بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه فى أنفسهم وغيرهم من الخليقة ~~وأصنافها من الآيات والعلامات فقال @QB@ لآيات لأولي الألباب @QE@ وقال ~~@QB@ لأولي النهى @QE@ وقال @QB@ أفلا تعقلون @QE@ وقال @QB@ لقوم يعقلون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب @QE@ أي عقل وقال ~~تعالى حاكيا عن أهل النار @QB@ وقالوا ms493 لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير @QE@ والآيات على هذا المعنى تكثر فى القرآن فلو كان العقل لا يدلهم ~~على وجوب ذلك إذا رجعوا إليه لم يوبخوا على ترك الاستدلال بها # ببينة أن الله تعالى لم يخل شيئا من العالم عن دلالة على وحدانيته ولم ~~يترك خلقه سدى مع إكمال عقولهم وإزاحة العلل عنهم وتمهيد الأسباب التي يصح ~~بها معارفهم فلو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر فى هذه الأشياء ~~لخرج الأمر فى ذلك عن وجه الحكمة ولبطلت فائدة العقول التي أعطاهم وصاروا ~~بمنزلة البهائم التي لا تحتاج إلى تكليف وحين لم تعط آلته ولم يجعل لها ~~استطاعة وهم فى هذا الكلام كثيرا ثبوتا إلى طرف من ذلك واقتصرنا عليه لأن ~~المسألة من باب الكلام أما الدليل على القول الأول وهو الصحيح وإياه نختار ~~ونزعم أنه شعار أهل السنة قوله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ~~@QE@ ولم يقل حتى نركب فيهم عقولا فلما كان العذاب غير واقع إلا بالخطاب دل ~~أن الإيجاب غير واقع إلا به وقال تعالى حكاية عن الملائكة في خطابهم مع أهل ~~النار @QB@ ألم يأتكم رسل منكم @QE@ وقال @QB@ ألم يأتكم نذير @QE@ فى أى ~~غير هذا مما هو فى معناه فدل أن الحاجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل وقد ~~ورد نص القرآن بهذا وهو قوله تعالى @QB@ رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ فدل أنه لا حجة PageV02P046 بمجرد العقل ~~بحال وقال تعالى @QB@ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير @QE@ ونحن نعلم قطعا أن الكفار كانت لهم عقول ولهذا توجه التكليف ~~عليهم فلو كانت الحجة توجهت عليهم بعقولهم لم يكن لهذه الآيات معنى أصلا ~~فإن قالوا ورد الشرع بما ورد به مؤيدا لما في العقل وذلك لأن العقل لايدل ~~على من آمن وجبت له الجنة خالدا مخلدا أبدا ولا يدل أن من كفر وجبت له ~~النار خالدا مخلدا فإن هذا مما لا يهتدى إليه العقل وإذا ms494 كان الوعد والوعيد ~~على هذا الوجه ثبت بالسمع فلهذا فى هذه الآيات التي ذكرتم أضاف ما أضاف إلى ~~السمع وإلى ما أراد به الرسل # والجواب أنه ليس فيما قلت انفصال عمن ذكرناه لأن الله تعالى بين أن الحجة ~~لا تتوجه إلا بالرسل وبين أن التوبيخ لحقهم فى النار لبعث الرسل وبين أن ~~عذرهم انقطع بالرسل وهذا فى قوله تعالى @QB@ فقد جاءكم بشير @QE@ وعندهم أن ~~الحجة متوجهة فى الإيمان بالله بمجرد العقل والتوبيخ لاحق إياهم بغير رسول ~~والعذر منقطع بغير نذير ولا بشير وأما الآيات اللاتى ذكروها فنحن نقول إن ~~العقل آلة التمييز وبه تدرك الأشياء ويتوصل إلى الحجج وإنما الكلام فى أنه ~~بداية هل يستقل بإيجاب حله وتحريمه وأما قولهم إنه لا يجوز في الحكمة خلق ~~الإنسان تكميل عقله وتركه سدى وعندنا أن عدم جواز هذا لا يعرف بالعقل أيضا ~~ثم نقول ومن يوافقكم أن الإنسان إذا خلقه الله تعالى وركب فيه العقل فإذا ~~لم يلزمه الاستدلال به تركناه سدى وعطلنا فائدة العقل فإن الله تعالى إنما ~~أعطاه العقل ليستدل به فى الأمر والنهى إذا خوطب يميز به بين الحسن والقبيح ~~إذا ورد بالسمع بهما فإذا كان كذلك فلم يخلق سدى لأن السمع قد ورد بالتكليف ~~وإدراك ذلك بالعقل فقد وصلت فائدته وثمرته فبطل ما قالوه فإن قيل لو كان ~~الاستدلال على التوحيد لا يجب بمجرد العقل لكان يجوز ورود الشرع بإسقاطه ~~وإباحة الكفر وإيجابه وحين لم يجز هذا عرفنا أن الوجوب كان بالعقل قيل له ~~قد وردالشرع بإباحة الفاظ عند الضرر إذا قالها الإنسان باختيار منه يكون ~~كفرا ألا ترى أنه إذا كان مكرها فإنه يرخص له فى أنه يقولها إذا كان لا ~~يعتقدها بقلبه ولا يكون قوله ذلك كفرا وكذلك يرد مثل هذا فى الأفعال وذلك ~~مثل السجود للصنم وعباده الشمس والقمر وغير ذلك فإنه إذا فعل هذه الأشياء ~~تقية من عقوبة الكفار وكان مع ذلك مطمئن بالإيمان لم يكفر فإن قيل إنما ~~يلزمكم PageV02P047 ورود الشرع بأن يعتقد ms495 فيه الإنسان ما هو من خلاف أوصافه ~~قلنا لا يجوز لاستحالته فى نفسه وبيان ذلك أن الأمر لا يلزم إلا بمعرفة ~~الأمر على أوصافه فإذا أمرنا لاعتقاد فيه على خلاف ما هو به كان قد وجب ~~الإعتقاد فيه على ما هو به ويستحيل وجود أمر بمأمور هذا وصفه ويكون متناقضا ~~ولا يمكن اعتقاد المتناقض ونحن وإن قلنا إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرمه ~~ولكن نقول إنه آلة الدرك والتمييز والمستحيل لا يدرك فسقط عنه الدرك ~~والأولى أن نقول إنما عرفنا أن الله عز وجل لا يكلفنا بما قلتم من اعتقاد ~~الكفر ومعرفته على خلاف ما هو به الشرع قال الله تعالى @QB@ إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء @QE@ وأفحش الفواحش الكفر وقال تعالى @QB@ ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون @QE@ وهذه مسألة ~~كلامية فالأولى هو الاقتصار على هذا القدر والمبالغة في مثل هذا النوع لا ~~يؤمن فيه من المعفوات وأن يقال على الله تعالى ما لا يجوز وإنما ذكرنا ~~القدر الذي ذكرناه لأنه كان من مسألة عظيمة فى أصول الفقه ولأن مرجع ما ~~يصير أليه أهل السنة فى هذه المسألة إلى الآيات التي ذكرناها وهو أيضا أصل ~~كبير ولعله يحتاج إليه فى مسائل من الفقه فذكرنا هذا القدر لئلا يكون ~~الفقيه أجنبيا عنه ويعرف طرفا منه والله تعالى يهدى ويرشد ويوفق بمنه # مسألة إذا عرفنا الأصل الذي قد بيانه رجعنا إلى المسألة المقصودة المختصة ~~بأصول الفقه فنقول اختلف العلماء فى الأعيان المنتفع بها ما حكمها قبل ورود ~~الشرع قال كثير من أصحابنا إنها على الوقف لا نقول إنها مباحة ولا محظورة ~~وهو قول الصيرفى وأبو بكر الفارسي وأبى على الطبرى وبه قال أبو الحسن ~~الأشعرى ومن ينتمى إليه من المتكلمين وقال بعض أصحابنا إنه على الحظر إلا ~~أن يرد الشرع بإباحتها وهو قول بعض البغداديين من المعتزلة وقال القاضى أبو ~~حامد المروزى وأبو إسحاق المروزى وحكى ذلك أيضا عن ابن سريج أنها ms496 على ~~الإباحة أيضا وهو قول أصحاب أبى حنيفه وإليه ذهب أكثر المعتزلة واحتج من ~~ذهب إلى الإباحة بقوله تعالى @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق @QE@ وهذا لتحريم الإباحة دل PageV02P048 أن الله تعالى ~~خلق الأشياء على الإباحة حيث أنكر على من يعتقد التحريم واستدلوا من حيث ~~المعقول وهو أن الانتفاع بالعين أكلا في المأكول وشربا فى المشروب وركوبا ~~فى المركوب ولبسا فى الملبوس منفعة ليس فيها وجه من وجوه القبح فكان حسنا ~~والعقل يجوز فعل المستحسنات وإنما قلنا إنه منفعة لأنا نعلم قطعا أن أكل ~~الفاكهة منفعة وشرب الماء كذلك وكذلك كل ما أشبهه وأما قولنا إنه انتفى عند ~~وجوه القبح لأنه انتفى عنه اتصال مضرة يأخذ وهذا النوع من الفعل لو كان ~~قبيحا لكان وجه قبحه اتصال ضرر منه بغيره لأنه ليس فى نفسه بكذب ولا جهل ~~ولا كفر لمنعم إنما يبقى وجه قبحه أن يظلم به غيره ويتصل منه ضرر بذلك ~~الغير ولا شك أن هذا منتف فثبت حسنه من هذا الوجه قالوا ولا يجوز أن يقال ~~إنه يجوز أن يكون قبيحا فإذا لم نأمن كونه قبيحا لم يجز فعله وذلك لو كان ~~قبيحا ومفسدة لوجب فى الحكمة تعريفنا كونه مفسدة أو نصب أمارة عليه فلما لم ~~يوجد ذلك علمنا أنه ليس فيه مفسدة ولا قبح أصلا # ببينة أنا إذا لم نعلم وجه قبح جاز لنا هذا الانتفاع كالتنفس فى الهواء ~~لما لم يعلم قبحه جاز لنا ذلك وقرروا هذا الكلام من وجه آخر وهو أن النفع ~~بالعين يدعو إلى الفعل فإذا خلا من وجوه القبح وخلا من أمارة الضرر ~~والمفسدة حكم بحسنه وعلى هذا التقرير يقولون إن المعتبر هو الأمارة والدليل ~~وعلى أن المعتبر هو أمارة الضرر والمفسدة أن العقلاء لا يلومون من امتنع من ~~الفعل لتجويز الضرر إذا كان هناك أمارة ويلومون من امتنع لمجرد التجويز إذا ~~لم يكن عليه أمارة الا ترى أنهم يلومون من امتنع من أكل طعام شهى لتجويز ms497 ~~كونه مفسدة إذا لم يكن عليه أمارة بأن يقول هو مسموم ولا يلومونه إذا امتنع ~~من أكله إذا كانت هناك أمارة تدل على ما قاله وكذلك يلومون من امتنع من ~~القيام بجنب حائظ لخوف سقوطه إذا لم يكن هناك أمارة ولا يلومون إذا امتنع ~~وهناك أمارة من ميل أو فساد أساس وما أشبه ذلك فثبت أن المعتبر وجود ~~الأمارة على كونه مفسدة أو مضرة ولم يوجد ها هنا فقضى بحسن الفعل بدليل ما ~~بينا يدل عليه أنه لو قبح الإقدام على المنفعة لجواز كونها مفسدة لقبح ~~الإحجام عنه أيضا لجواز كونه مصلحة وفى هذا إيجاب الانفكاك منهما وهو إيجاب ~~لما ليس فى طوق الإنسان ووسعة قالوا ولا يجوز أن يقال إن القبح إنما كان ~~لأنه تصرف فى ملك الغير بغير إذن فلم قلتم إن هذا قبيح فإن قاسوه على تصرف ~~بعضنا فى ملك بعض فهذا PageV02P049 قياس باطل لأن معنى الملك فينا وفى الله ~~مختلف فالجمع بين ملكنا وملك الله لا يجوز وإنما قلنا إنه يختلف لأنه معنى ~~كوننا مالكين للشئ هو أنا أحق بالانتفاع به من غيرنا على الإطلاق وذلك ~~مستحيل على الله عز وجل ومعنى كونه مالكا للشئ أنه قادر على إفنائه وإيجاده # ببينة أن فى الامتناع من الانتفاع إضرار بالنفس وليس فى الانتفاع إضرارا ~~بملك الله تعالى فصار الأولى إطلاق الانتفاع ثم نقول إنما قبح تصرفنا فى ~~ملك غيرنا لأنه يضره لا لأنه مالكه فقط ألا ترى أنه يحسن منا الاستظلال ~~بحائط غيرنا والاستضاءة بنار غيرنا وكذلك النظر فى مرآة الغير والتقاط ما ~~تناثر من حب غلته بغير إذنه لما لم يضره ذلك والانتفاع والضرر يستحيلان على ~~الله عز وجل فصارت الإباحة متعينة # دليل آخر وهو أن الله تبارك وتعالى خلق هذه الأعيان وأوجدها وركب فيها ~~المنفعة فلا يخلو من أن يكون خلقها لغير غرض أو لغرض ولا يجوز أن يكون لغير ~~غرض لأنه يكون عبثا ولا يجوز أن يكون الله تعالى عابثا فى أفعاله فوجب أن ~~يكون ms498 خلقها لغرض ولا يخلو عند ذلك إنما يكون خلقها ليضر بها أو لينتفع بها ~~ولا يجوز أن يقال خلقها ليضر بها لأنه حكيم لا يبتدئ بالضرر ولأن الإضرار ~~بمن لا يستحق الإضرار سفه فدل أنه خلقها لينتفع بها وإذا خلقها لينتفع بها ~~فلا يخلو أما أن يكون خلقها لينتفع بها نفسه أو ينتفع غيره وهو العباد ولا ~~يجوز أن يكون لينفع نفسه لأنه غنى عن المنافع ولا يتصور أن يصل إليه نفع ~~فدل أنه خلقها لينفع بها عباده وإذا خلقها لينفع بها عباده فيكون خلقها إذا ~~لهم فى الانتفاع بها فإن قلتم خلقها ليستدل بها نقول إنما يصح الاستدلال ~~بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها وإن قلتم خلقها ليجتنب العبد ~~عنها ويصير العبد يبتلى بذلك فإذا اجتنب يستحق الثواب نقول فى هذا إباحة ~~الإدراك أيضا لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى إدراكها ~~ولابد فى ذلك من تقدم إدراكها حتى إذا أدركها وصارت النفس داعية إليها ~~حينئذ إذا اجتنب استحق الثواب فثبت أنه كيفما كان الأمر لا فائدة فى خلقها ~~وتركبت المنفعة فيها إلا الإباحى للانتفاع بها دليل آخر وهو أنه يحسن من ~~العقلاء التنفس فى الهواء والاستنشاق من النسيم ويجوز أن يفعلوا منه أكثر ~~ما يحتاج إليه للحياة ومن رام أن يقدر على نفسه ذلك فلا يزيد على قدر ما ~~يحتاج إليه للحياة عده العقلاء من المجانين والعلة فى جواز PageV02P050 ذلك ~~أنه انتفاع لا يعلم فيه مفسدة ولا مضرة وهذا موجود فى كل ما ينتفع به ولا ~~يجوز أن يقال إن علة حسن ذلك بقاء الحياة به وفى تركه إهلاك النفس لأنا ~~إنما عينا الإلزام فى موضع يفعل منه ما يبقى الحياة بدنه وعلى أن الكف عن ~~التنفس وإن أدى إلى إتلاف الحياة فلم يجب أن يقبح ولا يجوز ذلك قالوا وإذا ~~ثبت بهذه الدلائل حسن الانتفاع بهذه الأعيان وإن الخلق وقع لذلك بطل القول ~~بالحظرية وبطل القول بالوقف # ببينة أنه إذا اعتقد الوقف فلا ms499 يكون وقفا لأن الإعتقاد إذا وجب بطل الوقف ~~واستدل أبو زيد بقوله تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ ~~وبقوله تعالى @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه @QE@ ~~قال وإن الله تعالى ما حرم شيئا من المتناولات والانتفاعات وما سوى ذلك إلا ~~لمصالح تعود إلى العباد فى الحرمة فحرم الزنا لما فيه من ضياع النسب وحرم ~~الإسراف فى الأكل لما فيه من الضرر وحرم تضييع المال لما فيه من السفه وحرم ~~الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر الله تعالى وحرم القمار لما فيه ~~من البغضاء والعداوة ولما فيه من السفه بتضييع المال وحرم الخنزير لما في ~~أكله من عدوى طبعه إلى الآكل وكذلك سائر السباع العادية وحرم علينا الخبائث ~~حتى لا يعدوا إلينا الخبث الذي منها وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق ~~عدوى الخبث فثبت أن التحريم كله مصالح للعباد فكان النهى من الله تعالى على ~~سبيل نهى الطبيب المريض عن بعض الأغذية لصلاح المريض ثم أنه يمنحه له إذا ~~صار الصلاح فى التناول وكذلك نهى عن شرب الدواء في بعض الأحوال ويأمر بذلك ~~في بعض الأموال من غير تبدل حال المشروب فى نفسه بل تبدل حال الشارب وقد ~~يبيح الطبيب شيئا لإنسان دون أنسان مع اتفاق حالهما لاختلاف مصالحهما فثبت ~~أن الحرمة لا تكون إلا لمصلحة تعود الينا فإذا لم يعرف في التحريم مصلحة ~~بوجه وبما تعين التحليل وثبت أن الأصل هو الإباحة وأن التحريم يكون يعارض ~~دليل قال والدليل على هذا أن الله تعالى قال @QB@ قل لا أجد @QE@ ~~PageV02P051 فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه ) الآية فعلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الاحتجاج بلا دليل على التحليل من طريق الشرع وعدم ~~الدليل لا يكون حجة على الإباحة فعلم أن الإباحة في الأعيان المنتفعة بها ~~اصل ثابت بدليل العقل لأنه حجة يجب العمل بها حتى يتبين في الشرع إن الحق ~~بخلاف ذلك فيصير الدليل الشرعى كالمخصص بدليل العقل فيكون ms500 حكم ذلك الخاص ~~يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم يرد الخصوص فيه هذا طريقته # وقال بعضهم إن الله تعالى غنى على الحقيقة جواد على الحقيقة وبهذا الوصف ~~يعرف الله من عرف الله والغنى الجواد لا يتصور منه منع ماله عن عباده إلا ~~ما كان فيه ضرر فتكون الإباحة هى الأصل باعتبار جوده وغناه والحرمة تعارض ~~ولا عارض يوجب الحرمة فتثبت الإباحة وأما من قال بالحظر قال وذلك لآن الشئ ~~إذا لم يكن له من الظاهر أصل يستدل به على حكمه استشهد له بالنظائر ~~والأمثلة والأشباه وألحق حكمه بهذا وقد علمنا أن الأشياء كلها ملك الله ~~تعالى وله الخلق والأمر وملك الغير لا يجوز تناوله إلا بإذنه فوجب أن تكون ~~الأشياء كلها على الحظر وينبغى أن تبقى الأشياء على ملك مالكها ولا يتعرض ~~لشئ منها إلا بإذنه وأمره ولأن الملك علة الحرمة على غير المالك بدليل سائر ~~الأملاك فإذا وجدت علة الحرمة ولم توجد علة الإباحة كان الشئ على الحرمة ~~هذا مجموع كلام المخالفين وأما دلائلنا اعلم أولا أنه ليس معنى الوقف هو ~~أنه يحكم به لأن الوقف حكم مثل الحظر والإباحة والدليل الذي يمنع من القول ~~بالحظر والإباحة يمنع من القول بالوقف وإنما يعنى الوقف أنه لا يحكم للشئ ~~بحظر ولا إباحة لكن يتوقف فى الحكم بشئ إلى أن يرد به الشرع وإذا عرف هذا ~~فنقول هذه المسألة بناء على أن يعمل مجرد ما لا يدل على حسن شئ ولا قبحه ~~ولا على حظره ولا تحريمه وإنما كل ذلك موكول إلى الشرع فنقول المباح ما ~~أباحة الشرع والمحظور ما حظره الشرع فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما لم يبق ~~إلا التوقيف إلى أن يرد السمع فيحكم به وقد دللنا بنص من القرآن أن الحجة ~~لا تقوم على الآدمى بالعقل مجردة بحال # ببينة أنه ليس من الحكمة تخلية الإنسان وعقله لأن عقول عامة الناس معمورة ~~بالهوى مكفوفة عن بلوغ المقالة بالميل الطبعى إلى خلاف ما يهتدى إليه ولهذا ~~النظر ms501 PageV02P052 أكثر العقلاء فى مهاوى الحيرة ولحقهم من الدهش والتردد ~~ما ليس وراءه غاية والدليل على هذا أنا لا نجد أحدا خلاه الله وعقله بل بعث ~~الرسل وأنزل الكتب ولو كان العقل يستقل بشئ ما لجاز أن يوجد عبد خلى وعقله ~~من غير أن يدخل تحت رتبة أحد من الأنبياء إلى صانعه وهؤلاء الفلاسفة الذين ~~اتبعوا العقول ولم ينقادوا لأحد من الأنبياء فيما يعرف أو أرادوا إدراك ~~الحق بالعقل المحض إما يرآهم المعتبر ارتكسوا وانتكسوا ولادته فى النظر ~~العقلى إلا وهو دون دقة نظرهم فإنهم بلغوا من هذا الباب إلى ما يجاز دونه ~~الوهم ويضل عن إدراكه الفهم هذا بعد قيامهم على أخلاقهم بتهذيبها وعلى ~~طبائعهم بتأديبها ورضى أكثرهم من الدنيا بالقوت اليسير وعزوف أنفسهم عن ~~الملاذ والشهوات فلما تخلوا وعقولهم وطلبوا الحق من جهته ولم يصلوا إليه ~~بتأييد سماوى وبرهان إلهى ووحى غيبي ترددوا وسلكوا واعتقدوا العقل الفعال ~~والنفس الكلى وعلة العلل والهيولى وغير ذلك من ألفاظ مهولة وضعوها على وفق ~~مذاهبهم وقد كان قصدهم طلب الصانع ولكنهم لما تخلوا بعقلهم وخلوا وعقلهم ~~فليعتبر معتبر ولينظر ناظر إلى أي شئ صار أمرهم وأى شئ فإنهم على وفق ما ~~ذهبوا إليه لا يتصور اعتقاد وحدانية الصانع وكثير منهم اعتقد خمسة قدماء ~~وكثير منهم اعتقد قديمين اثنين إلى غير ذلك مما لا يخفى على العلماء ~~والسعيد من وعظ بغيره فليبق امرؤ وزنه وليبق على نفسه ولا يدخل فى دينه ما ~~ليس منه وليتبع الوحى الشرعى والتمس التأييد الإلهي ولا يعتبر بزخارف من ~~القول وأباطيل من البهت فإنها خدع الشيطان وتسويلات النفوس وخذلان من الله ~~عز وجل يلحق العبد ولا عقوبة من الله تعالى أعظم من أن يكل العبد إلى نفسه ~~وحوله وقوته ويخليه و رأيه ومعقوله ويحول وجهه إلى الطاغوت الأعظم والصنم ~~الأكبر وقد جعل التبرى من حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوته من المهلكات ~~التى لا تلبث ولا تربث فأنشد الله عبدا وقف على هذا أن يجعل كده ووكده ~~وسعيه ms502 وجهده ليتخلص من هذه المذلة العظيمة والورطة الهائلة فكم من هالك ~~فيها لا نجاة له ووقع فى هذه المهواة لا نهوض به مستعينا بالله مستغيثا به ~~ملتجئا إليه مستعيذا به ذكرنا أكثر من هذا في كتاب الانتصار فمن يرغب ~~فليرجع إليه وقد قال أصحابنا فى هذا أن هذه الأعيان ملك لله عز وجل له أن ~~يمنع من الانتفاع بها وله أن يبيح الانتفاع بها وله الانتفاع بها وقبل أن ~~يرد الشرع لا مزية لأحد لهذه الوجوه على PageV02P053 الباقى فوجب التوقف # فإن قالوا بل إن الإباحة عندنا من قبل الله تعالى لكن بدليل العقل قلنا ~~قد بينا أن العقل لا يستقل بإثبات شئ أو نفيه وأما الدليل الذي اعتمدوا ~~عليه فسنجيب عنه ثم # فنقول فى إبطال الحظر والإباحة إن القول بذلك يؤدى إلى القول بالمتنافيين ~~المتضادين وهذا لا يجوز وبيان ذلك أن من قال بالإباحة فليزمه أن يقبح ~~اعتقاد من خالفه فى ذلك بحظره عليه لأن القول به داخل فى جملة الأشياء التى ~~يقتضى قوله إباحتها وكذلك من قال أنها على الحظر وهذا داخل في جملتها فدل ~~أن المعتقد لواحد من المذهبين يلزمه القول بالمتنافيين وعندي أن هذا ضعيف ~~عند المتأمل والأولى ما سبق واستدل الأصحاب أيضا بقوله تعالى @QB@ قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون @QE@ # فاعلم أن من ادعى تحليل شئ أو تحريمه بغير إذنه فقد افترى عليه فإن قالوا ~~قد أذن الله تعالى فى ذلك بدليل العقل قلنا بينا أن دليل العقل ساقط # وأما الجواب أما تعلقهم بقوله سبحانه وتعالى @QB@ قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده @QE@ قلنا نحن لا نحرم ذلك وهذا يلزم أن لزم على من يعتقد ~~الحظر # فأما من لا يقول بحظر ولا أباحة فلا يلزمه ذلك وعلى أن الآيه وردت في قوم ~~الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة وكانوا يعتقدون ذلك قربة إلى الله عز وجل ~~ويقولون لا نطوف فى ثوب عصينا ms503 الله تعالى فيه وكانوا يحرمون البحيرة ~~والوصيلة PageV02P054 والسائبة والحام وكان قوم يقال لهم الحمرة وكانوا ~~ابتدعوا أشياء منها أنهم لا يسلئون السمن لانه قطوان الأقط ولا يدخلون ~~البيوت من أبواب البيوت وغير ذلك فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وأنزل ~~فيهم أيضا قوله @QB@ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ الآية وأما ~~قولهم إن الانتفاع بما فعل فى هذا المحل فليس فيه وجوه من وجوه القبح قلنا ~~هذه طريقة منصوبة لبيان أن الانتفاع بالمحل أكل مباح فى العقل ونحن قد بينا ~~أن العقل لا يجوز أن يفيد بنفسه حسن شئ ولا قبحه ثم قد قيل على هذا إما لا ~~نسلم أنه انتفى عنه وجوه القبح بكل حال لأن جواز كونه مفسده قائم وجواز ~~كونه مفسدة يكنى فى إظهار وجه القبح كالخبر إذا جاز أن يكون كذبا قبح من ~~ذلك # ونعنى بقولنا أنه يجوز أن يكون مفسدة هو أنه لا يجوز أن لا يبيح الله ~~تعالى هذا الشئ إذا لم يبح يكون الإقدام عليه قبحا أو مفسدة وأيضا يجوز أن ~~لا يكون الإقدام على هذا مصلحة فإن إمكان الانتفاع بالشئ لا يوجب كونه ~~مصلحة لجواز أن يكون المحل منتفعا به ولا يكون الانتفاع به مصلحة عند الله ~~تعالى فإن قالوا إن الغالب فيما هذا سبيله أن لا يكون فيه وجه قبح قلنا لم ~~زعمتم أن الغالب ما ذكرتم ولم إذا كان الغالب ذلك لا يكون تجويز وجه القبيح ~~كافيا بالقبح فأما قولهم إنما يحسن الإحجام أذا كان على المفسدة أمارة قلنا ~~قد يكون أمارة وقد لا يكون أمارة وتجويز المفسدة فى الموضعين يوجب وجه ~~القبح لأن العقل مانع من الإقدام على القبيح وعلى ما يجوز أن يكون قبيحا ~~وكم من أشياء مجوزة لا أمارة عليها يدل عليه أنا لما رأينا عند استقرار ~~الشرع كثيرا من الأشياء التي ينتفع بها محرمة ورأينا كثيرا من الأشياء ~~PageV02P055 مباحة مطلقة فمن أين وقع الأمان لنا إن هذه الأفعال ليست قبيحة ~~وقد جاز كونها حسنة وكونها ms504 قبيحة فأما الامتناع من تناول الطعام لجواز كونه ~~مسموما فليس أمارة إنما لم يحسن لأنه يرى من تقدم عليه ولا مفسدة فى حقه ~~وكذا فى الحائط المستقيم يرى من يقوم تحته ولا مفسدة عليه أما ها هنا فلا ~~أمان أن يكون التناول مفسدة عند الله تعالى ولا مثال يوجب الأمان فلم يحسن ~~خوفه وامتناعه وأما قولهم لو قبح الإقدام لجواز كونه مفسدة أيضا قلنا نحن ~~نقول إن العقل لا يوجب إقداما ولا إحجاما وإنما علينا الكف فإن قالوا ربما ~~يكون الكف مفسدة قلنا الكلام فى جواز الإقدام لا فى وجوب الإقدام ومن يجوز ~~له الإقدام على شئ من غير أن يوجب عليه لا يكون ترك ذلك مفدسة فأما مع ~~تجويز الحظر يجوز أن يقال إن الإقدام يكون مفسدة وعلى أنا نقول إذا جوزنا ~~وجود المفسدة فى الإقدام والإحجام جميعا فلا جرم لم ينفك فعل من هذه ~~الأفعال عن سمع يطلق الإقدام أو يوجب الإحجام وإنما كلامنا على تقدير عدم ~~السمع أو يكون الكلام فى أن السمع الوارد بالإباحة ورد مقدرا للإباحة أو ~~مثبتا للإباحة ابتداء فعندنا هو مثبت للإباحة ابتداء وعندكم هو مقرر ~~للإباحة مؤكد لما ثبت فى العقل منها # وأما قولهم أنه لابد من أن يكون خلو المعنى قلنا تعليل أفعال الله تعالى ~~لا يجوز ويكون باطلا عندنا وإنما يخلق ما يشاء ويفعل ما يرد من غير أن يكون ~~لذلك علة بوجه ما وعلى أنه يجوز أن يكون خلق هذه الأشياء ليعتبر بها فيعرف ~~قدرة الله تعالى ويتأمل حكمته فيها وألغيت فعل ما ليس له وجه فى الحكمة # ببينة أنه يجوز أن يعبد الله تعالى بأن لا يأكل هذا المأكول ولا يشرب هذا ~~المشروب كما يتعبده بما يؤلمه ويؤذيه ويؤدى إلى تلفه كما تعبدنا بالجهاد ~~والختان وكما تعبد بنى اسرائيل بأن يقتل بعضهم بعضا # وقوله إنه لا يتحقق الابتلاء وتعريضه للثواب إلا بعد أن يثبت على حقيقته ~~ويعرف ويحسن بميل طبيعته إليه # ثم يكلف الاجتناب عنه قلنا إذا عرف ms505 أنه مأكول أو مشروب ونفسه متشوقة إلى ~~المأكول والمشروب طبعا ثم أمر بالاجتناب عنه بتحقيق الابتلاء وتعريضه ~~للثواب # وقولهم إنه إنما يقبح التصرف فى ملك الغير بكذا وكذا # قلنا الملك سبب التصرف فإذا فات سبب الملك قبح التصرف ولأنه يجوز أن ~~PageV02P056 يكون فى التصرف السخط من المالك فإن قالوا ويجوز أن يكون فى ~~ترك التصرف السخط فى المالك قلنا قد أجبنا عن هذا وأما كلامهم وتعلقهم ~~بالتنفس فى الهواء والاستنشاق من النسيم قلنا بينا أن الإذن فى الشريعة من ~~وجهين # أحدهما من طريق اللفظ ومعناه # والآخر من طريق الضرورة الداعية إليه فكل شئ اضطراه الله إليه فقد أذن له ~~فيه ورفع الحرج عنه وإذا كان كذلك لم يخل هذا النوع من دليل الإباحة ويمكن ~~أن يقال إنما يحسن من الإنسان أن يتنفس ليطفى عن قلبه الحرارة وذلك يحتاج ~~إليه في الحياة ويضطر إلى فعله وما زاد عليه فلا يحسن وهذا هو الجواب عن ~~قولهم إنه يحسن منه هذا الفعل بأن زاد على قدر الحياة # واعلم أن هذه الكلمات يمكن تمشيتها فى الجملة لكن الأولى عندى أن يقتصر ~~على الأول وهو منع ثبوت شئ مما يعتقدونه بمجرد العقل وأما طريقة أبى زيد ~~قلنا أما تعلقهم بقوله تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ ~~فإنما هو والله اعلم على معنى أنه لم يخلقها ليتكثر بها أو لينتفع بها ~~وإنما خلقها ليعتبر الخلق بها ويتأملوا قدرة الله تعالى وحكمته فيها وقد ~~يكون أيضا على سبيل الاعتداد والامتنان بها عليهم وتعريفهم موضع النعم فيها ~~وليس فى ذلك دلالة على أنهم يستبيحونها كما شاءوا أو يتناولونها من غير إذن ~~منه فيها وتقدير وترتيب لها فموضع الحظر إذا تعد باق وهذا كما يقول الرجل ~~لولده إنما أجمع المال لك وأسعى والكدح بسببك وكما يقول الأمير لجنده وخدمه ~~إنما أجمع الأموال لكم وأدخرها من أجلكم ومعلوم أنه لا يريد بهذا القول ~~تمليكها بينهم وإطلاق تصرفهم فيها من قبل أن يخرجها إليهم على الوجه الذي ~~يسنح ms506 له من الرأى فى قسمتها بينهم وإيصال ذلك إليهم فى الوقت الذي يختاره ~~لا فى الوقت الذي يختارونه وإنما قال ما قال ليلزمهم به المنتبه ويعرفهم ~~موضع النعمة ثم يكون إطلاق ما يطلقه لهم منها فى أوقات مؤقته على مقادير ~~معلومة على حسب ما تدعو إليه الحاجة ويعلم فيه المصلحة # وأما قوله إن الحرمة الثابتة للأشياء على وجه المصالح على ما ذكرنا قلنا ~~أولا إن القول بالمصالح باطل ونحن نعلم قطعا أن الله تعالى يفعل بالخلق ما ~~هو الأصلح لهم وأيضا فإنه لا يجوز أن يقال إنه قصد لطفه فى فعل الأصلح بهم ~~بل ما من أصلح إلا PageV02P057 ووراءه أصلح منه وما هو لطف يوصله إليهم إلا ~~ووراءه ما هو ألطف منه ولو وجب فعل ما هو صلاح لهم لوجب فعل ما هو أصلح لهم ~~وقد عرفنا أن الأصلح ليس له نهاية فى قدرة الله تعالى وعلمه وإن حكموا ~~بنفاده وانتهائه فهذا قول يؤدى إلا تناهي القدرة وهذا لا يقول به أحد ثم ~~نقول كما أنه يحرم ما يحرمه للمصلحة فكذلك يبيح ما يبيحه للمصلحة فبأى طريق ~~عرفتم وجه المصلحة في الإباحة بل يجوز أن يكون مفسدة على ما سبق وينبغى إذا ~~كانت الإباحة عقلية أن لا يجوز ورود الحظر وقد أجمعت الأمة على جواز الحظر ~~وأجمعوا أيضا أنه قد ورد الحظر فى مواضع ليس فيه إلا مجرد التكليف أو مجرد ~~الابتلاء وأيضا فإن ما ذهبتم إليه مفسدة وسنبين ذلك وهو أن الأشياء لو كان ~~أصلها على الإباحة حتى يكون لكل واحد من الناس تناولها والتبسط فيها أدى ~~ذلك إلى أن لا يصلوا إلى حاجتهم منها وإلى أن تتعطل منافعهم لأن فى طباع ~~الناس من الحرص والشدة والاستكبار من الشئ ما لا يخفى على ذى لب فيدعوهم ~~طباعهم إلى الازدياد والاستكبار عن كل شئ أبيح لهم فيقع بينهم التزاحم ~~والتغالب وربما يؤدى إلى التجاذب المفضى إلى التنازع والمؤدى إلى القتال ~~والمحاربة فينقلب الشئ الذي قدروها مصلحة مفسدة ويتبين خطأ ظنونهم ms507 وغلط ~~مقاديرهم من عقولهم وليس يدخل فى هذا إباحة الحطب عقولهم والحشيش والماء ~~لأن هذه الأشياء ليست مما يقع فيها التنافس ولا تميل إليها الطباع من ~~الاستكبار عنها وطلب الثروة من جمعها وأما المباحات من الذهب والفضة ~~والجواهر فهى ما لا يوصل إليها بكد عظيم وتعب شديد فليس مما يرغب فى ذلك كل ~~إنسان ويسمح بتعب ذلك وتحمله كل نفس فلا يؤدى إثبات الإباحة لكل أحد إلى ~~المفسدة التي بيناها وأما إثبات الإباحة فى الأشياء كلها على العموم لكل ~~أحد فيؤدى إلى المفسدة التي ذكرناها فوجب الاحتراز عليها لأن الاحتراز عن ~~كل ما يجوز أن يفضى إلى المفسدة واجب على أصلهم وفيما قالوه يؤدى إلى ~~المفسدة فهذه جملة ما قصدنا إيراده فى هذه المسألة PageV02P058 # | فصل # وقد ذكر أبو زيد أقساما فيما يرجع إلى العقل فذكر أولا موجبات العقل قال ~~ونعنى بالوجوب الوجوب فى الذمة حقا لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب الأداء ~~والتسليم إلى الله تعالى فإن الأداء لا يجب قبل الشرع قال وهذه الواجبات ~~أربعة معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله بالألوهية ومعرفة العبيد الابتداء ~~إلى حين الموت بطاعة الله على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين ومعرفة ~~الدنيا وما فيها بضرب يقع يعود إليهم منها وقال ونعى بموجب العقل ما دل ~~عليه العقل قطعا إذا استدل به العبد إلا أن يكون دينا يجب فعله لله تعالى ~~لأنه يبتلى به وما يجب للحياة الدنيا لا نصفه بالوجوب عليه لحق الدنيا ~~وإنما نصفه بالوجوب لحق الدين ويجب الأكل والشرب عليه دنيا وكذلك التنفس ~~والتحصن من شر الأعداء ودفع الحر والبرد ولو ترك هذه الأشياء أثم وإنما ~~جعلنا الوجوب دينا لأن ما كان لحق الدنيا فالآدمى فيه بمنزلة البهائم فلا ~~يوصف بالوجوب وأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى قيام الساعة لأن ~~الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعليه بالجماع وفرض عليه دينا للمبتغى ~~لإقامة حكم الله تعالى لأنه لا تبديل لحكمه غير أن هذا الحكم يتأدى بجماع ~~البعض فلم يجب ms508 على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله حكم ببقاء كل شخص إلى خير ~~وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص بوجوب الأكل عليه دينا وطبعا ثم إنا ~~قلنا إن هذه الأحكام الأربعة واجبه بالعقل دينا اله تعالى أما معرفة نفسه ~~بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء والاجتماع عرض يضاد القدم فيلزمه الحكم ~~على نفسه بالحدث ويعرف أنه مملوك لأن المملوك لغة ما قهر بيد الاستيلاء ~~والآدمى مقهور بالتكوين والأشياء مقدور عليه مركب من طبائع مختلفة وأمشاج ~~متباينة يجرى أمره على مقتضى اختلاف طبائعه وتباينها وإذا عرف أنه مملوك ~~عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء الصالحين لفعل العبادة ~~فإذا عرف نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه محدثا لا يخلو من محدث ~~وكونه مقدورا عليه لا ينفك عن قادر وكونه مملوكا لا ينفك عن مالك وكونه ~~عبدا لا يخلوا من إله فإن العبد اسم لمن خلق للعبادة ولابد للعبادة من ~~معبود والإله اسم لمن يستحق العبادة فيعرف بضرورة هذه الصفات التي ظهرت ~~عليه من حيث لا شك فيه أن له إلها مالكا PageV02P059 قادرا محدثا قال ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم ( من عرف نفسه عرف ربه ) قلت وهذا لا يثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وإنما هو لفظ محكى عن يحيى بن معاذ الرازى وهذا نتيجة ~~الجهل بأخبار النبى صلى الله عليه وسلم والواجب على الإنسان أن يحكم ما قال ~~الله أولا وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينصب نفسه منصف ~~المتصرفين ويستشهد على تصرفه بما نطق به الكتاب وبما نطق به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ونستعيذ بالله من غلبة الجهل وفرط الهوى وطغيان العقل وهو ~~العاصم بمنه رجعنا إلى حكاية قوله وإذا عرف أنه خلق لعبادة ربه ولا يجوز فى ~~الحكمة خلق الصنع عن عاقبة حميدة وعاقبة الصنع عن العقلاء أحد أمرين فإنه ~~يعود من حدث نفع أو دفع ضر أو ظهور الفاعل بجلاله وعظمته وكرمه وصفاته ~~الحسنى بذلك الصنع ms509 كذا غيره والله يتعالى عن المعنى الأول فيتعين الآخر وهو ~~ظهور عظمته وجلاله وكرمه وحكمته وسائر صفاته ولما ظهر بهذه الصفات طلب من ~~الحق الثناء والحمد له بإحسانه إليهم شكرا له على ذلك فكان خلق الناس من ~~الله تعالى لهذه الحكمة وهو أن يعرفوه ويشكروه ثم وجدنا الناس بين شاكر ~~وكافر قال فقد خلق الله العباد ليعبدوه بأمره لهم لا يجبرهم عليه وقد جعلهم ~~مختارين فى الإجابة مبتلين بشهوات معلومة تصدهم عن الإجابة قال والدليل على ~~أنهم مختارون أن العقلاء يجدون من أنفسهم وفى أفعالهم حد الاختيار ضرورة ~~ويحسبون ذلك قطعا ويجدون في انفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى وما يدعوهم ~~إلى خلافها وفى ذلك فوات عاقبة الصنع وفوات عاقبة الصنع دليل عجز الصانع ~~تعالى الله عن ذلك فعلمنا أن وجود تعليق وجود الطاعة بالإختيار من العبيد ~~مع وجود الهوى والشهوات الصادة عن طاعة الله تعالى وعن الإجابة كان لحكمه ~~أخرى هي فوق حصول الطاعة بلا فوت وذلك هو أن الله تعالى خلقهم وأمرهم بهذه ~~الإعمال ليجازيهم عليها بوفاق أعمالهم الإحسان بالإحسان والسيئة بالسيئة ~~PageV02P060 ثم لما وجب القول بدار الجزاء على هذه الأعمال وجب القول ~~بالخلود والبقاء لآنا أوجبنا هذا الترتيب لبيان حكمة الله تعالى فيجب أن لا ~~تفوت هذه الحكمة لأنها إذا فاتت صار فعله عبثا فكما لا يفوت العاقبة ~~المطلوبة من الصنع عن الصانع ابتداء لا يعجزه فكذلك لا يفوت بعد الوجود إلا ~~بعجزه وتعالى الله عن ذلك وبهذا نطق الكتاب قال الله تعالى @QB@ وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون @QE@ أى حسبتم أنا عبثنا بخلقكم ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع ~~إليه فيبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا دار ابتلاء بلا جزاء وقال تعالى ~~@QB@ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض @QE@ الآية فأخبر أن الآدمى ~~حملها عن اختيار لعاقبة تعذيب المشركين ومغفرة للمؤمنين وقال تعالى @QB@ ~~الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وليبتلي الله ما في ms510 صدوركم وليمحص ما في قلوبكم @QE@ ولما ثبت أن الصنع من ~~الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى الإنسان من ~~المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا لفائدة تجلب ~~منهم أو لضر يدفع بهم وتعالى عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود هذه الفائدة إلى ~~عبده المبتلى بعبادته فإنه يحسن فى الشاهد فعل شئ لفائدة تعود إليه أو إلى ~~غيره بهذا نطق اكتاب قال تعالى @QB@ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~جميعا @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا @QE@ وأيات ~~فى هذه المعنى كثيرة ثم ذكر محرمات العقل قطعا للدنيا وهذه المحرمات أربعة ~~الجهل والظلم والعبث والسفه أما الجهل فيكون بترك الاستدلال بنور عقله ~~والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح غائبة لا تنال بالحواس وبه ~~غلب ما فى البر والبحر وسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فمتى لم يستدل بنور ~~عقله لم ينل شيئا مما تمنى لنفسه من هذه المطالب فيحرم عليه بالعقل ما يفوت ~~به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي هو سبب حياته وكما يحرم ~~بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم أيضا ~~إطفاء السراج ليلا مع إرادة السلوك فى المضائق لا يهتدى فيها إلا بسراج ~~ولما حرم الجهل قطعا حرم الظلم من طريق الأولى لأن تفسيره وضع الشئ في غير ~~موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله فالأول نزل كالذي لم يفتح ~~عينيه حتى وقع فى بئر يقبح منه ذلك والثانى كالذي فتح عينيه ورأى البئر ثم ~~PageV02P061 أوقع نفسه فيها فهذا الفعل منه أقبح ومثاله من باب الشرع من ~~بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذي تأمل وعرف ورد تعنتا ~~كان فعله أقبح وأما العبث فحرام عقلا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن ~~نفس الفعل وإن قل لا يخلو عن أدنى تعب فلا يحتمل هذا التعب عقلا إلا لفائدة ~~أولى منه وأما السفه ms511 فحرام أيضا لأن فيه مع خلو الفائدة مضرة فكان أقبح من ~~الأول لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة ضرر فكان السفه من العبث ~~بمنزلة الظلم من الجهل ثم ذكر محرمات العقل للدين قال وهذه المحرمات أربعة ~~الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها والإنكار ~~بالصانع جل جلاله والإنكار بالبعث للجزاء أما الإيمان بالطاغوت اسم لما عبد ~~من دون الله أو سمى قديما دونه على حسب اختلاف المشركين والملحدين لان ما ~~دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما أن الإنسان بنفسه لا يخلو عنه فلم حرم ~~عليه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول بغيره بطريق الأولى وإلى هذا ~~أشار الله تعالى بقوله @QB@ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم @QE@ ~~يعني من حيث إنها مخلوقة وأما القول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوات ~~فحرام لأنك كما لا تجد نفسك وكل من دون الله إلا وأمارات الحدث فيه ظاهرة ~~كذلك لا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهي فإن الحياة رأس مال الحى وقد ~~ابتلى الحى بالموت والشهوة شهوتان شهوة بطن وشهوة فرج وما سواهما اتباع فى ~~حق الحياة وشهوة البطن الأكل والاكل لا ينال اصله إلا بضرب كسب ويحتاج بعده ~~إلى قضاء الحاجة الذي إذا عرف العاقل قبحه لم يباشر سببه مع الإمكان بدونه ~~ألا ترى أن الأكل فى الآخرة كيف يخلو عن الكسب وقضاء الحاجة لما كانت الدار ~~لاقتضاء الشهوة وأما الجماع لا ينال إلا بطلب وشبق ثم لا يقضى إلا بذهاب ~~القوة فحرم القول أنه خلق لاقتضاء الشهوة حيث لا ينال ما يشتهي إلا بماء لا ~~يشتهى وأما الكفر بالله فحرام لأنه من حيث عرف نفسه مخلوقا يعرف خالقه ~~والمنعم عليه والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه بمنزلة من ذم من أحسن إليه ~~فيكون كذبا وظلما وسفها فقد وضع الشيء فى غير موضعه ولما حرم الكفر بالله ~~تعالى حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا بدون البعث للجزاء عبث من ~~الله تعالى ووصف الله تعالى ms512 بالعبث كذب عليه كالكفر كذب على الله فكان بابا ~~واحد وبالله التوفيق ثم ذكر المباحات التى تجوز عقلا للدنيا قال وهذه أربعة ~~أقسام قال وأعنى بالجوز أنه يجوز أن يكون مباحا عقلا وهذه الأقسام نحو ~~مباشرة PageV02P062 أسباب البقاء فوق ما يندفع به الضرورة وجميع المال فوق ~~الحاجة والتزين بأنواع ما يتجمل به على وجه لا يتعلق به القوام والجماع إلا ~~لطلب الولد وفوق ما يكتفى به الولد فهذه إباحات غير واجبة بالعقول ولهذا ~~جاء الشرع فيها بالإباحة مرة والتحريم أخرى وأما موجبات العقول لا يرد ~~الشرع بخلافها لأن الشرع والعقل حجتان لله سبحانه وتعالى على عباده يتأيد ~~أحدهما بالآخر ولا يتناقص فمجئ الشرع بالتحريم دليل أن العقل يجوز تحريمه ~~وذكر من هذا الجنس كلاما طويلا ذكرنا المقصود من كلامه واعلم أن هذا الكلام ~~كله بناء على أن العقل موجب بنفسه وعندنا أن هذا المذهب خلاف مذهب أهل ~~السنة والجماعة والنص من الكتاب قاطع على خلافه وقد سبق بيانه فلا معنى ~~للاشتغال بالزيادة عليه فإن قيل المسألة التي ذكرتم أن الأشياء كانت على ~~الإباحة أو لا وقد أطنبتم الكلام فيها وهى لا تفيد فى الفقه شيئا وإنما ~~الكلام فيما يقتضيه العقل فلا معنى لإيرادها لأن أصول الفقه لا ينبغى أن ~~تشتمل على ما يفيد فى الفقه والجواب أن لها فائدة فى الفقه وهو أن من حرم ~~شيئا أو أباحة فقال طلبت دليل الشرع فلم أجد فبقيت على حكم العقل من تحريم ~~أو إباحة هل يصح ذلك أم لا وهل هذا دليل يلزم خصمه أم لا وهذا أمر يحتاج ~~الفقيه إلى معرفته للوقوف على حقيقته قال القاضي أبو الطيب سمعت بعض أصحاب ~~داود احتج فى إباحة استعمال أوانى الذهب فى غير الشرب فقال الأصل فى ~~الأشياء الإباحة وقد ورد الشرع بتحريم الشرب فوجب أن يبقى ما عداه على ~~الإباحة فقال أهل العلم لهذا المحتج مذهب داود أن هذه الأشياء على الوقف فى ~~العمل عما يرد به الشرع فإذا كان كذلك لم يجز ms513 إثبات إباحتها بهذا الطريق ~~فلا يكون إباحتها بعدم دليل شرعي بأولى من حظرها وبطلت حجة هذا المحتج فظهر ~~أن المسألة يفيد ذكرها PageV02P063 # | فصل # مجرد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور # كما يدل عند من يذهب إلى أن الأشياء أصلها على الإباحة إنما هو بحسب ~~الحال وقيام الدليل عليه وذلك على ضروب أما سكوت النبى صلى الله عليه وسلم ~~عن الشئ يفعل بحضرته ولا يغيره ولا ينهى عنه فإنه دليل الجواز وقد سبق هذا ~~ولأن الله تعالى وصفه بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإذا رأى الشئ ~~وسكت عنه ولم يغيره دل أنه غير منكر وكذلك هذا فيما كان يبلغه عنهم ويعلمه ~~ظاهر من حالهم أو بتقرير عنه من عاداتهم مما سبيله الاعتبار والاستشارة فلا ~~يعرض لهم بنكير ولا يعتبر كنوم أصحابه قعودا ينتظرون الصلاة فلا يأمرهم ~~بتجديد الطهارة وكعلمه أن أهل الكتاب يتعاملون بالربا ويشربون الخمور فلا ~~يتعرض لهم ويتصل بهذا ما استدل أصحابنا به من سقوط الزكاة في أشياء سكت ~~النبى صلى الله عليه وسلم عنها من الزيتون والرمان ونتحوهما وذلك أنه كان ~~لا يخفى عليه أن الناس يتخذونها كما يتخذون الكروم والنخيل وكان الأمر فى ~~إرساله المصدقين والسعاة فى أقطار الأرض ظاهرا بينا وكان إذا بعثهم كتب لهم ~~الكتب فيقرءوها بحضرته ويشهد عليها ولو كان يجب فيها شئ لأمر بأخذه ولو أمر ~~لظهر كما ظهر غيره من الأشياء التي انتظمها الوجوب والإباحة فلما لم يكن ~~كذلك دل على سقوط الزكاة عنها وأما قول من روى أنهم كانوا يبيعون أمهات ~~الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما لم يجر هذا المجرى فى ~~الدلالة على جواز بيعهن لأنه لا يعلم إن كان يبلغه هذ الفعل عنهم أو يظهر ~~له ذلك من صنيعهم وقد قام الدليل على فساد بيعهن من وجوه فلم يجز أن يعترض ~~بهذا على مثل تلك الدلائل وأما الشئ إذا كان له أصل في الوجوب والسقوط فإن ~~السكوت قد يقع عنه فى ms514 بعض الأحوال استغناء بما يقدم من PageV02P064 البيان ~~فيه وليس تكرر البيان واجبا فى كل حال ومراتب الاستدلال بالسكوت تختلف ~~فأقوى ما يكون منه إذا كان صاحب الحادثة جاهلا بأصل الحكم فى الشئ ولم يكن ~~من أهل الاستدلال كالأعرابى الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وقد ~~أحرم وعليه الجبة فقال انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة ) وسكت عن الكفارة ~~فدل ذلك أنها ساقطة عن الجاهل والناسى ولو كانت واجبة لذكره إذ لم يكن يجوز ~~إهمال ذكرها قولا على معرفته بالحكم فيها مع العلم بمكانه فى الجهالة ~~والغباوة وذلك إن علم تحريم اللباس علم عام عند العرب فى جاهليتها ~~وابتلائها حتى أنهم كانوا لا يطوفون بالبيت إلا عراة ويخلفهم نساؤهم وكذلك ~~نهى النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لا يطوف بالبيت عريان وأمر فنودى به ) ~~فحين أمر النبى صلى الله عليه وسلم بنزع الجبة مع أن الحال هذا ولم يتعرض ~~للكفارة علمنا أنها غير واجبة ومن هذا الباب وإن كان دونه فى المرتبة خبر ~~الأعرابي المجامع فى شهر رمضان حين قال هلكت وإنما جاء يعرف حكم الله تعالى ~~فيما فعله ويتوهم أن يلزمه حد وضرب من ضروب العقوبات فلما قيل له أعتق رقبة ~~دل ظهره أنه جواب عن هلاكه وإهلاكه وهو إفطاره وإفطار زوجته وكانت أمراته ~~إنما تصل إلى العلم بما يلزمه من جهته لغيبتها عن حضرة النبى صلى الله عليه ~~وسلم وكان قوله افعل كذا محمولا على أنه يجزئ عنها وعنه وإنما صارت دلالة ~~هذا أضعف من دلالة الخبر الأول لأن السائل في هذا الخبر قد أنبأ عن علمه ~~بأنه ارتكب معصية الا ترى أنه قال هلكت وأهلكت وإذا كان المبتلى بالحادثة ~~من أهل الاستدلال كان دليل الشك معه أوهى وأضعف وأما قول الشافعى رحمة الله ~~عليه فيما يخرج من غير السبيلين ذكر الله الأحداث فى كتابه ولم يذكر هذا ~~@QB@ وما كان ربك نسيا @QE@ فإن قوما من أصحابنا تعلقوا به وقالوا إنما رده ~~إلى أصل سكوت التكليف إلا بدليل ms515 وليس الأمر كذلك عند عامة أصحابنا وإنما ~~وجهه ومعناه أن المتطهر على طهارته ولا ينتقض وضوءه إلا بحدث وما لم يقم ~~دلالة على الحدث فأصل الطهر كاف فيه وقال صلى الله عليه وسلم ( فلا ينصرف ~~حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ومن PageV02P065 احتج من هذه الطائفة بقوله وما ~~سكت عنه فهو عفو فليعلم أنه ليس بعام فى جميع أنواع السكت لكنه خاص فى محل ~~مل لأنه لا يمكن إجراؤه على عمومه # | فصل # اعلم أن العادة غير موجبه شيئا بنفسها بحال وإنما هى قرينه للواجبات أو ~~منبئة عن المقاصد فيها # كالغسل فإن الله تعالى قال @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ وكانت العادة جارية ~~بأن يكون الغسل بالماء صرف الأمر إلى ذلك وحمل عليه وإن لم يجر له ذكر لأن ~~العادة جرت بذلك ألا ترى أن قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا ولغ الكلب فى ~~إناء أحكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب ) ذكر الغسل وكانت دلالته أنه ~~بالماء لما جرت به العادة ولما كانت الثامنة أو السابعة بالتراب احيتج إلى ~~ذكره لأن العادة فى ذلك مفقودة فلم يكن بد من النص عليه وكذلك إذا قال بعتك ~~هذا الثوب بدرهم كان الدرهم مستحقا على عادة نقد البلد وإن كانت الدراهم ~~مختلفة السك والجوهر متفاوته فى الجودة والرداءة وقد يعتبر بعض العادات فى ~~الأيمان يرجع إليها فة مطلق الأيمان ولهذا قال الشافعى رحمة الله عليه فمن ~~حلف لا يأكل الرءوس فأل رءوس الحيتان لا يحنث لأن عادة المتكلمين بهذا ~~الكلام قد جرت أنه يريد بهذا الرءوس التي تبان من أجساد الحيوان وتقصد ~~بالأكل دون ما كان منها تبعا لأبدانها ولا يكاد القائل يقول أكلت الرءوس ~~وهو يريد رءوس الحيتان وإنما يقال هذا ويراد به رءوس الغنم وما يشبهها من ~~الحيوان ومن هذا الباب أن يوصى الإنسان بدابة من روابه فيعطى بعض أجناس ~~الدواب التي جرت العادة بركوبها ويعتبر فى ذلك عادة أهل البلد الذي فيه ~~الحالف ولغتهم في التسمية وقد قيل إنه يدخل فى هذا الباب ما ms516 يعطيه الإنسان ~~خادم الحمام والشارب للماء عند PageV02P066 الاستقساء وإن لم يتقدم فى ذلك ~~شرط ولم يسلم له عوض لكن العرف القائم والعادة الجارية نيوبان عن التسمية ~~وكذلك هذا فيمن استعمل إنسانا بالزور جار ونحوه فإنه قد يستحق عليه أجر ~~المثل وإن لم يتقدم فى ذلك شرط وليس هذا من باب الاستحسان لكنه من باب ~~العادات التى صدرها عن الأصول الصحيحة المشروعة وقد يرد هذا برفع العادة في ~~بعض الأحوال لمعنى من المعانى ولدليل أقوى من اعتبار العادة وهذا القدر ~~الذي قلناه كاف فى هذا الفصل وليس بشئ مطرد حتى يطرد فى جميع المواضع والله ~~أعلم انتهى ما قلناه وقصدناه وقد كنا وعدنا ذكر باب التقليد فى هذا الموضع ~~لكنا رأينا بعد ذلك أن الأولى أن نذكره عند وصولنا إلى الفصول المذكورة فى ~~الاجتهاد وبيان أحكامه وتفسير المجتهد وذكر الأصوب من الأقوال فأخرناه إلى ~~ذلك الموضع إلى أن نصل إليه إن شاء الله تعالى PageV02P067 # | القول فى القياس وما يتصل به # اعلم أن أحكام الشرع مأخوذة من وجهين وجه سمع ووجه معقول # فأما السمع فعلى ثلاثة أضرب كتاب وسنة وإجماع وقد استقصينا شرح أقسامها ~~وأحكامها # وأما المعقول فالقياس وقد قيل إن القياس على ضربين عقلى وشرعى # فالقياس العقلى ما استعمل فى أصول الديانات # والقياس الشرعى ما استعمل فى فروع الديانات ومعنى ذلك ما ورد التعبد من ~~الأحكام # وقد ذكر كثير من أصحابنا فى ابتداء الكلام فى القياس مسألة فى القياس ~~العقلى وذكروا الخلاف فى هذه المسألة بين الأصوليين وبين عامة المجتهدين ~~أهل الرواية وأهل السلامة من الفقهاء فالأصوليين من المتكلمين وسائر من ~~تبعهم أثبتوا القياس العقلي وأمروا به وزعموا أنه معرفة أهم الأشياء وزعموا ~~فى حده أنه رد غائب إلى شاهد ليستدل به عليه وأما أهل الرواية وعامة أئمة ~~الحديث وكثير من الفقهاء اختاروا السلامة في هذا الباب وسلكوا طريقة ~~السلامة ونهوا عن ملابسة الكلام وطلبوا الحق بطريقة وزعموا له علم يحدث وفن ~~يخترع بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين وأنكروا قول أهل ms517 الكلام فى أن أول ~~ما يجب على الإنسان النظر ( وقالوا إن أول ما يجب على الإنسان هو معرفة ~~الله تعالى على ما ورد به الإخبار ولو قال الكافر أمهلونى لأنظر وأبحث فإنه ~~لا يمهل ولا ينظر ولكن يقال له أسلم فى الحال وإلا فأنت معروض على السيف ~~ولا أعرف فى هذا خلافا بين الفقهاء ونص عليه ابن سريج وقد ذكرنا فى كتاب ~~الانتصار لأصحاب الحديث واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا الباب ~~ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه أيضا أنا لا ننكر من ~~النظر بقدر ما أذن فيه الشرع على ما يوافق الكتاب والسنة وهذا الكتاب إنما ~~قصرناه على محض أصول الفقه وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه فلا معنى ~~لذكرها فيها رجعنا إلى الكلام في القياس الشرعى فنقول قبل أن نشرع في ~~إثباته ان اثبات الشئ إنما يكون بعد معرفة معناه نذكر أولا الكلام فيما أخذ ~~منه القياس من حيث اللغة ثم نذكر حده أما الكلام PageV02P068 فيما أخذ منه ~~القياس فنقول فى اللغة وفى قول بعضهم مأخوذة من الإصابة من قولهم قست الشئ ~~إذا أصبته فسمى القياس قياسا لأن القائس يصيب به الحكم وقال بعضهم إنه ~~مأخوذ فى اللغة من المماثلة من قولهم هذا قياس هذا أي ومثله وسمى القياس ~~قياسا لأنه الجمع بين المتماثلين فى الحكم # وأما حد القياس فقال بعضهم هو حمل معلوم على معلوم فى أيجاب بعض أحكامه ~~بأمر يجمع بينهما وقال بعضهم حمل شىء على شيء في بعض أحكامه بوجه ~~PageV02P069 من الشبه وهذان منقولان عن المتكلمين والفقهاء قالوا حمل فرع ~~على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقد بسط بعضهم هذا الحد فقال ~~القياس طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل ~~المستنبطة من معانيها ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه فى حكمه لاستوائهما فى ~~المعنى والجمع بينهما بالعلة ذكره على هذا الوجه القاضي أبو الحسن الماوردى # وقال بعض المتقدمين هو اعتبار الشئ بغيره # وقال بعضهم ms518 هو موازنة الشئ بالشئ # وحكوا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما سئل عن ميقات أهل المشرق ~~فقال ما حاذاه من المواقيت قالوا قرن فقال قيسوا به يعني اعتبروا به وهذان ~~الحدان فيهما إجمال لأنهما لا يعبران عن صفة القياس فى أحكام الشريعة ~~والمقصود ها هنا هو PageV02P070 العبارة عن القياس فى الأحكام الشرعية وهو ~~على التفسير الذي ذكرناه وقد يقول القائل قست الأرض معناه ذرعتها بمقياس ~~مهيئ للذرع وبينى وبين فلان قيس رمح أى قدر معتبر بقدر رمح الحد الصحيح ما ~~ذكرناه فيما سبق وقد قال بعضهم إن القياس فعل القائس وليس هذا بشيء لأنه لو ~~كان ذلك صحيحا لوجب أن يقال كل فعل يفعله القائس من القيام والقعود والمشي ~~قياس وهذا لا يقوله أحد فإن قال قائل ما قولكم فى الاجتهاد وهل هو والقياس ~~واحد قيل نقول أولا إن الاجتهاد مأخوذ من إجهاد النفس وكدها فى طلب الزاد ~~كما أخذ جهاد العدو من إجهاد النفس فى قهره وهل هو والقياس واحد وهما ~~مختلفان اختلفوا فيه فقال أبو علي بن أبى هريرة إن الاجتهاد والقياس واحد ~~ونسبة إلى الشافعي وقال أشار إليه فى كتاب الرسالة وأما الذي عليه جمهور ~~الفقهاء هو أن الاجتهاد غير القياس وهو أعم لأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد ~~وهو من مقدماته وليس الاجتهاد يفتقر إلى القياس واختلفوا فى حده فقال بعضهم ~~هو بذل المجهود فى طلب الحق بقياس وغيره قالوا والقياس ضرب من ضروب ~~الاجتهاد وهو أخص منه وقال بعضهم الاجتهاد وهو طلب الصواب بالأمارات الدالة ~~عليه والقياس هو الجمع بين الفرع والأصل والحد الأول حسن جدا وقيل إنه يدخل ~~في باب الاجتهاد حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وأمثال ذلك ~~وليس بشئ من هذا بقياس فإن قال قائل ما قولكم فلا الاستدلال هل هو قياس أم ~~لا قلنا الاستدلال طلب الحق بدليل معانى النصوص وقيل استخراج الحق وتمييزه ~~من الباطل وقيل كل ما استخرج به الحق حتى يمتاز به عن الباطل ms519 وقد حكى عن ~~الشافعى رحمة الله عليه أنه سمى القياس استدلالا لأنه فحص ونظر فإن قال ~~قائل ما قولكم فى الأمارة هل هى قياس قيل له الأمارة من حيث اللغة هى ~~العلامة وقال بعضهم الأمارة هى التي النظر الصحيح فيها يؤدى إلى الظن واعلم ~~أن الأمارة قد تكون قياسا وقد تكون غير قياس وللأمارة تقسيمات وستأتى من ~~بعد وحين عرفنا القياس وحده فنتكلم الآن في بيان كونه دليلا PageV02P071 # مسألة ذهب كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء إلى أن القياس ~~الشرعى أصل من أصول الشرع # ويستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع وذهب طائفة إلى إبطال ~~القياس وقالوا لا يجوز أن يستدل به على حكم فى فرع وهذا قول إبراهيم النظام ~~ومن تبعه وهو قول داود بن على ومن تبعه من أهل الظاهر والقاشانى والمغربى ~~والقيروانى وهو قول الشيعة أيضا واختلف هؤلاء فى طريق نفيه فقال بعضهم إن ~~التعبد بالقياس قبيح من حيث الفعل وإنما بطل القياس لأن العقل مانع منه ولو ~~لم يمنع منه جاز أن يرد الشرع به وقال بعضهم لا يقبح من حيث العقل ولكن ~~الشرع منع منه ولو لم يمنع كان جائزا وقال بعضهم إنما بطل لأن الشرع لم يرد ~~به ولو ورد به كان جائزا وقال بعضهم إنما بطل القياس لضعف البيان الحاصل به ~~وقال بعضهم إنما بطل لأن الشرعيات مصالح والمصالح لا يعلمها إلا الله عز ~~وجل وهذا قول النظام وقال بعضهم إنما بطل لأنه كان حجة ضرورة ولا ضرورة فى ~~كون القياس حجة PageV02P072 # وإذا عرف هذا فنقدم أولا # مسألة بيان حسن التعبد بالقياس عقلا # ولأنه لا مانع من حيث العقل ثم نذكر ورود التعبد من حيث السمع ونقدم ~~شبههم فى الفصلين # احتج من قال إن التعبد بالقياس يجوز من حيث العقل قال لأن الشرعيات مصالح ~~والمصالح لا تعلم إلا بالنصوص فأما بالأمارات المفيدة للظنون لا تعرف لأنها ~~ربما أخطأت وربما أصابت ولا يجوز أن نتعبد الحكيم في المصالح بما يجوز أن ms520 ~~يخطئ المصالح وأيضا فإن القياس فعلنا ولا يجوز أن نتوصل إلى المصالح بفعلنا # ببينة أنه لو جاز الحكم فى الشرعيات بالظنون عن أمارات لجاز أن نخبر أن ~~زيدا فى الدار إذا دلت الأمارة على كونه فيها وحين لم نخبر دلت أن القول ~~بالظن باطل قالوا ولأن جلى الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فلم يجز ~~إثبات خفيها إلا بالنص أيضا لأن ما علم جليه بطريق فخفيه لا يعلم إلا بذلك ~~الطريق كالمدركات لا نعلم جليها وخفيها إلا بإدراك قالوا ولأنه لو كان ~~للشرعيات علل لكانت كالعلل العقلية فى استحالة انفكاكها من أحكامها فى كل ~~حال إلا ترى أن الحركة لما كانت علة تحرك الجسم استحال وجود الحركة وليس ~~الجسم المتحرك وإذا لم ينفك من أحكامها كان فى ذلك ثبوت الأحكام الشرعية ~~قبل الشرع وقالوا ولأن العقل كالنص فى أنه يدل على حكم الحادثة فكما لا ~~يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس المخالف للنص المعين لا يجوز أن ~~يتعبدنا بالقياس المخالف حكم العقل وكل حادثة فلها حكم فى العقل فإذا لا ~~يجوز التعبد فيها بالقياس قالوا ولأن القياس لو كان صحيحا لكان حجة مع النص ~~كالخبر حجة مع الكتاب وحين لم يكن حجة مع النص دل أنه ليس بحجة أصلا قالوا ~~ولأن أحكام الشرع لو كانت معلومة وجب أن يكون جميعها معلولة كما كان جميعها ~~حجة مشروعة ولما خرج بعضها من التعليل إجماعا دل أن كلها خارج لأن صنعه ~~السمع فى جميعها على السواء هذا بعض شبههم من حيث المعقول وسنبين ما يدعون ~~من السمع PageV02P073 المانع منه ويدخل فى ذلك تقرير بعض ما ذكرنا من قبل ~~وتعلقوا بقوله تعالى @QB@ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب @QE@ فأخبر ~~الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف وقال تعالى ~~@QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ والقياس الذى ~~نستنبطه نحن من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا ~~وإنما المنزل كتاب الله ms521 وسنة رسوله فإنه ما كان ينطق عن الهوى إنما ما كان ~~ينطق عن الوحى وقال سبحانه وتعالى فى صفة كتابه تبيانا لكل شئ وقال @QB@ ~~ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين @QE@ فأخبر أن الكل بيانه فى كتاب الله ~~عز وجل إما فى نصه أو فى إشارته أو أقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد فالابقاء ~~على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك فى كتاب الله تعالى قال الله ~~تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ الآية فالله ~~تعالى أمر بالاحتجاج بعدم نزول التحريم فى كتاب الله تعالى لثبوت الإباحة ~~كالأصلية وقد ذكرنا هذا من قبل فيصير على هذا كل تاأحكام من رطب ويابس ~~بيانه موجودا فى كتاب الله تعالى فيبقى الرأى مستعملا لتعرف الحكمة التي ~~فيها علم المصلحة عاقبة وهى مما لا توقف عليها بالرأى والإجماع لأن المصلحة ~~فى كل ما شرع الله تعالى من الأحكام التي هى النجاة فى الآخرة وبالآراء لا ~~تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك به المصالح العاجلة التى يوقف عليها بالحواس ~~والتجارب فتعرف نظائرها بالقياس وتعلقوا أيضا بقوله تعالى @QB@ ولا تقف ما ~~ليس لك به علم @QE@ وقال @QB@ ولا تقولوا على الله إلا الحق @QE@ والقياس ~~لا يفيد العلم فيكون قولا باطلا وأما خبر الواحد فأصله كلام النبى صلى الله ~~عليه وسلم وهو يوجب العلم يقينا وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال ~~الينا فلا يبطل أصل الخبر بهذا الاحتمال وكان هذا بمنزلة النص المأول ~~بالرأى من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب فإنه حجة ولا يوجب ~~العلم لأنه فى أصله موجب وأما القياس فى الأصل محتمل فلا يصير حجة مع ~~الاحتمال قالوا وليس يدخل على هذا تعرف جهة القبلة وبيان قدر مهر المثل ~~وقيمة المستهلك حيث تعرف هذه الأشياء ) بالرأى لأن معرفة جهات البلدان من ~~مصالح الدنيا ومما يوقف عليه بالحواس وكذلك قيمة الشئ تعرف بمعرفة النظائر ~~وطريق العلم بها حس البصر وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك ms522 كثير ممن ~~مضى من الأمم وأمرنا بالاعتبار بها وذلك يكون PageV02P074 بالرأى لأن ~~المقصود من ذلك معرفة هلاك مثله بمثل ذنبه وتلك المعرفة إما بحس العين أو ~~بحس الأذن وكان الاحتراز من مثل سببه من مصالح الدنيا وحل ذلك محل الاحتراز ~~عن تناول ما يتلفه مما وقف على تلف مثله يتناوله ومثل الاحتراز عن سيف يقع ~~عليه لعلمه بقطعته فلم تكن معرفة هذه الأشياء من أحكام الشرع قالوا فالله ~~تعالى قد أكرم الآدمى بالرأى لكن ليستدرك به مصالح عاجلة ليبقى إلى جنبه ~~المضروب له بتدبيره وجعل طريق استدراكه للوقوف على نظير ما عمله سببا من ~~خير أو سوء وكان الرأى حجة للآدمى فى أمثال هذا فأما الشريعة فما شرعت إلا ~~الآخرة وتلك المصالح تثبت على خلاف مصالح الدنيا فلا يكون الرأي فيها حجة ~~ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا وهى طريق العلم لنا فى الأصل لم ~~نقف على نظائرها بالرأى يلزمنا وجوب التأمل فى معانى النصوص لأن معانيها ~~لغة من أمور الدنيا وهى مما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم يكن هذا ~~من الشريعة فى شئ فإن قيل فإنها كانت قبل الشرع وإنما أنكر استنباط المعنى ~~الذي يتعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما ثبت من ~~حظر أو إباحة حق الله تعالى وليس هو من معانى اللسان فى شئ قالوا فتحمل ~~الآيات الوارده بالأمر بالتفكر والاعتبار على هذا القبيل وتحمل النصوص التي ~~نهت عن العمل بالرأى وألزمت اتباع الوحى على أحكام الشرع وعلى هذا تحمل ~~مشاورة النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فإن الله تعالى أمره بها فى تدبير ~~الحرب وقد شاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا وما هو بحكم ~~شرعى والنبى صلى الله عليه وسلم ما شاور أحدأ فى حكم من أحكام الشرع بحال ~~هذه الكلمات من الآية المذكورة كلمات ذكرها القاضى أبو زيد فى كتابه حجة ~~لهم رجعنا إلى ما ذكرناه آية الأصوليين لبقاء القياس من الدلائل الشرعية ms523 فى ~~المنع منه وتعلقوا من الكتاب سوى ما ذكرناه بقوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول @QE@ ولم يقل إلى القياس فتضمنت الآية نفيه ~~وقال سبحانه وتعالى @QB@ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام لتفتروا على الله الكذب @QE@ والقياس مفترى وقال تعالى @QB@ قل أرأيتم ~~ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون @QE@ PageV02P075 ) والقياس يحل ويحرم فصار مفتريا على الله ~~تعالى وتعلقوا بقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي ~~الله ورسوله @QE@ والقول بالقياس تقديم بين يدى الله ورسوله وتعلقوا ~~بالأخبار ومنها ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس ولكن ~~بقبض العلم بقض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فأفتوا ~~بغير علم فضلوا وأضلوا ) والفتوى بالرأي فتوى بغير علم لأن الظن لا يكون ~~علما بحال وروى واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لم يزل ~~أمر بنى إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم أبناء السبايا فأفتوا برأيهم فضلوا ~~وأضلوا ) # وروى أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( تعمل هذه الأمة برهة ~~بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأى فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا ) # وروى عوف بن مالك الأشجعى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( تفترق ~~أمتى على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتى يقيمون الأمور بآرائهم فيحللون ~~الحرام ويحرمون الحلال ) # وروى أبو الدرداء رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( الحلال ~~ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو ) # وأما الآثار عن الصحابة تعلقوا بما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه ~~أنه قال أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت فى كتاب الله برأيى ~~PageV02P076 # وعن عمر رضى الله عنه أنه قال إياكم وأصحاب الرأى فإنهم ms524 أعداء السنن ~~أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وثقلت عليهم السنن أن يعوها فقالوا برأيهم ~~فضلوا وأضلوا # وعن على رضى الله عنه قال لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق بالمسح ~~من ظاهره # وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال اتهموا الرأى على الدين فإن الرأى منا ~~تكلف وظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا # وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم ~~كثيرا مما حرم الله تعالى وحرمتم كثيرا مما أحل الله # وأما الآثار عن التابعين روى عن ابن سيرين أنه قال أول من قاس إبليس وما ~~عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس # وقال الشعبى ما حدثوك عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأخبره وما ~~أخبروك به عن رأيهم فألقه فى الحش وفى رواية فبل عليهم وعن مسروق لا أقيس ~~شيئا إنما أخاف الله تعالى أن تزل قدم بعد ثبوتها وفى هذا المعنى عن ~~التابعين ومن بعدهم كثير # وذكرنا أكثر من ذلك فى كتاب الانتصار واستدل النظام فقال إن الله تعالى ~~دلنا بموضع الشريعة على أنه منعنا من القياس فإنه تعالى فرق بين المتفقين ~~وجمع بين المتفرقين فأباح النظر إلى الأمة وحرم النظر إلى شعر الحرة وإن ~~كانت شوهاء وأيضا PageV02P077 أباح النظر إلى وجه الحرة وحرم النظر إلى ~~شعرها مع اتفاقهما فى معنى الشهوة وربما يكون هيج الشهوة عن النظر إلى ~~الوجه أكثر منه عند النظر إلى الشعر وأوجب الغسل من المنى دون البول وحرم ~~الصلاة بالحيض دون الاستحاضة وأوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة # ببينة أن القياس ليس إلا تشبيه الشئ بالشئ # وقد زعمتم أن التفريق بين المتشابهين لا يجوز وقد وجد التفريق بينهما فى ~~غير موضع من أحكام الشرع بدليل هذه الصورة بل قد ترك الشرع الأولى عند ~~النظر فى المعانى بدليل أن المني نجاسته دون نجاسة البول وأوجب بخروجه ~~الغسل وأوجب بخروج البول الوضوء خاصة وأيضا فإن الله تعالى أوجب الحد على ~~من رمى محصنا بالزنا ولم يوجب ms525 على من رمى إنسانا بالكفر والشرك شيئا والكفر ~~فوق الزنا # ببينة أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات ~~والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأى فيه # قالوا ولأنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين متضادي الحكم وذلك يقتضى ثبوت ~~حكمين فى محل واحد على وفق الشبه وهذا باطل فإذا القول بالشبه باطل # قالوا ولأن الإنسان لو قال لوكيله أعتق عبدى سالما لأنه أسودا أو بريعا ~~لأنه أبيض لم يجز أن يعتق فى الأول كل عبد له أسود ولا فى الثانى كل عبد له ~~أبيض # واحتج أبو زيد لهم أيضا فقال إن أصل الشرع من أحكام الله تعالى فى ~~الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم وهى كلها خالص حق الله تعالى لأنها ~~حدود دينية وحق الله تعالى لا ينبغى أن يثبت إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم ~~قطعا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأى لا يوصلنا إلى ما عند الله ~~تعالى PageV02P078 # قال وأما أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فهى غير مختلفة وهى فى أصلها ~~موجبة للعلم وأنما اختلفت الرواية على ما سبق قالوا ولأن فى منعنا من ~~القياس أمرين بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين فإنا متى حجرنا عن القياس ~~يلزمنا المحافظة على النصوص والتبحر فى معانى اللسان وفى المحافظة على ~~النصص إظهار قالب الشريعة كما شرعه وفى التبحر فى معاني اللسان إثبات حياة ~~القالب فتموت البدع بظهور القالب ويسقط الهوى عند حياة القالب وهذا لأن ~~القالب لا يحيا إلا باستعمال الفكر فى معانى النصوص ومعانيها جمة وافرة لا ~~تنزف بأول الرأى وأول الفكر وقد تفنى الأعمار ومعانى النصوص تبقى غير ~~مستدركة فثبت أن فى ترك القياس موت البدع وسقوط الهوى فتموت البدع تماما من ~~الدين وبسقوط الهوى استقامة العمل وفيها الفوز والنجاة للناس فهذا الذي ~~ذكرناه احتجاج نفاة القياس وسنجيب بعون الله تعالى ونبتدئ بإثبات كونه ~~دليلا لله تعالى فى أحكام الشرع من حيث المعقول ومن حيث السمع وإنما نذكر ~~من حيث العقل ms526 على طريق الرد عليهم والمعتمد هو السمع وأما دلائلنا فى إثبات ~~القياس قال اولا ونبين أن العقل يدل على التعبد به فنقول إن مرادنا بقولنا ~~إن العقل يدل على ذلك هو أنا إذا غلب على ظننا بأمارة شرعية علة حكم الأصل ~~ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها فى شئ آخر فإن العقل يدل على قياس ذلك ~~الشئ على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام أمارة شرعية على علة حكم ~~الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر تحصل عندشدتها وينتفي عند انتفاء ~~شدتها كان ذلك يقتضى الظن بكون شدتها علة تحريمها ومعلوم أن الشدة ثابته فى ~~النبيذ وإنما قلنا إن العقل يدل على قياس النبيذ على الخمر لأن العقل يدل ~~على قبح ما ظننا فيه أمارة الضرر وأمارة الضرر التحريم الا ترى أن العقل ~~يقتضى قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا بثبوت أمارة المضرة فإن قيل كيف ~~يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه أمارة التحريم والمضرة مع أن الأمارة تخطئ ~~وتصيب قيل له كما يجب مثله في أمارة المضرة الحاصلة فى القيام تحت حائط ~~مائل فإن قيل العقل إذا انفرد يقتضى إباحة شرب النبيذ فلم يجز الانصراف عنه ~~PageV02P079 لأمارة قيل له هذا موجود فى الجلوس تحت حائط مائل لأن العقل ~~يقتضى إباحة الجلوس فى الأصل فيجب أن لا ينتقل عن هذه الإباحة لأمارة تجوز ~~أن تخطى وتصيب فإن قيل إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم ~~والمضرة فلا فرق بينهما هذا دليل المتكلمين من المعتزلة ذكرناه على ما ~~أورده أبو الحسين البصرى والأولى أن نذكر دليل العقل على وجه لا يؤدى إلى ~~مذهب من مذاهبهم فنقول قد ثبت القول بحجج العقول فى مواضعها فعلى هذا نقول ~~إن من قضية العقل أن كل شيئين مشتبهين فحكمهما من حيث أشتبها واحد ولولا أن ~~الأمر فى العقول كذلك لم يكن لنا سبيل إلى التمييز بين المتضادين ولا عرفنا ~~صادقا من كاذب ولا محقا من مبطل ولا كاملا ms527 من ناقص ولا قصيرا من طويل ولذهب ~~علم الحواس وبطلت فائدته وذكر الله الأمثال فى كتابه وضرب الشبه بين المثال ~~والممثل به وجرت عادة أهل العقل باستعمالها فى كلامهم وابتذالها في ~~مخاطبتهم وجمعوا بالمعنى بين الشئ وغيره وألحقوا حكمه بحكمه وهو كقول ~~القائل إينما أتوجه ألقى سعدا وهو مثل مشهور من أمثال العرب وهو لرجل من ~~بنى سعد رأى من قومه هذه الحكمة وسوء جوار فرحل عنهم وانتقل إلى قوم آخرين ~~فرأى منهم مثل ذلك فأرسل هذه الكلمة مثلا وذلك أن القوم الذين صار إليهم ~~لما كان معناهم فى جواره معنى بنى سعد جعله منهم وألحقة فى الحكم بهم وأجرى ~~سنته عليهم وهو معنى قوله كل وبنو سعد وينو سعد قومى وعلى هذا يقال خزيم ~~الناعم إذا وصفوه بالترفة والنعمة وما فلان إلا سخيا وهو كما يقال هو ~~الأمير إياد وصفوة بالبيان والفصاحة # ويقال ما فلان إلا كليب بن واسق إذا وصفوه بالعز والمتعة والسلطان إلا ~~قارون إذا وصفوه بالثروة وأمثال هذا تكثر وعلى هذا المعنى قيل للرجل الشجاع ~~أسد وللبليد حمار وللذمى كلب وكان متمم بن نويرة بعد ما نجع بأخيه مالك بن ~~نويرة وهذا الذي قتله خالد بن الوليد لا يرى قبرا إلا بكى فعوتب على صنيعه ~~فقال # ( وقالوا أتبكى كل قبر رأيته % لقبرثوى بين اللوى والدكادك ) PageV02P080 # ( فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى % دعونى فهذا كله قبر مالك ) # فهذا أعرابى من بنى يربوع لا يعرف مذاهب الفقهاء فى القياس ولا طريقهم فى ~~الاعتبار وإنما جرى ذلك على حكم أرشده إليه عقله وسجية هداه اليها طبعه حين ~~رأى الشبه بين الكل فى معنى واحد وأمثال هذا تكثر فثبت أن الأمر فى العقول ~~الصحيحة على ما قلناه من أن كل مشتبهين فحكمهما من حيث اشتبها واحد وصح أن ~~المعانى أدلة وأنها متى وجدت متفقة أو حيث اتفاق الحكم ومهما كانت مختلفة ~~أوجبت اختلافه # ببينة أنه إذا كان النظام ومن تبعه يتبعون أدلة العقل فى العقليات وبه ~~يستدلون على إثبات الصانع ms528 وعلى حدث العالم إلى سائر ما هو معروف فوجب ألا ~~يمتنعوا من ذلك فى أحكام الشرع وفى فروع السمعيات فإنه إذا استقل شئ بأعظم ~~الأمرين كان قمنا أن يستقل بأيسرها وإذا جاز أن يتعبدنا الله به في أصول ~~الدين جاز أن يتعبدنا ويجعله دليلا فى فروعه فإن قيل القياس فى العقليات لا ~~يتغير ولا يوجد فيه التفريق بين المشتبهات وقد وجد ذلك فى السمعيات على ما ~~سبق بيانه # والجواب أن الأصول التى يقع إليها رد الفروع في الشرعيات لا يتغير أيضا ~~لأن الله تعالى قد أكمل الدين وبين الناسخ والمنسوخ واستقرت الشرعية قرارها ~~فالسمعى والعقلى فيما تنازعنا فيه بمثابة واحدة وأما التفريق بين المشتبهات ~~فغير جائز عندنا أن يقع التفريق بينهما من الوجه الذي يتعلق به الحكم فيهما ~~وإن جاز أن يقع ذلك من سائر الوجوه وإنما المعتبر فى الجمع والفرق على ~~النكتة التي هي مناط الحكم ورباطه دون ما سواه وأما المسائل التى ذكروها من ~~التفريق الموجود بين المشتبهين فالنص فرق بين المنى والبول والحيض ~~والاستحاضة والحرة والأمة وقد يمكن أن يوجد معنى الوفاق بين المنى والبول ~~من وجه وموضع الخلاف من وجه وذلك أن المنى والبول من حيث كانا خارجين من ~~مخرج واحد جاءت الشريعة فيهما بإيجاب الطهارة فوجب التسوية بينهما فى نوع ~~الواجب ولم يقع التفريق بينهما فى أن يجعل فى أحدهما الطهارة بالماء وفي ~~الآخر الطهارة بالماء وأما موضع الافتراق فهو أن أحدهما وهوالبول من حيث ~~كان يكثر خروجه من بدن الإنسان وتدوم البلوى والمحنة فيه ورد PageV02P081 ~~الشرع بتخفيف الطهارة عن صاحبه لئلا يشق عليه ولا يلحقه الضرر المجحف وأما ~~المنى فإن خروجه من بدن الإنسان نادر وأنما هو فى الفرط والحين فلما لم ~~تكثر البلوى فيه وكان خروجه فى العادة بالشهوة واللذة التى تشيع فى جميع ~~البدن ولم يكن فى إيجاب الاغتسال ضرر قادح ورد الشرع بأعم الطهارتين ~~وأسبغهما وأما الأمر فى وجه المرأة وشعرها # قلنا الأصل أن بدن المرأة كله عورة وأن عليها الستر ms529 وترك التبرج إلا أن ~~موضع الوجه منها موضع الحاجة والضرورة لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند ~~المعاملات لا يقع إلا برؤية الوجه وأيضا فإن مصلحتها فى أسباب معاملتها لا ~~يكمل إلا بذلك وأما الشعر فلا ضرورة فى إبرازه بحال فصار كسائر بدنها وإن ~~تعلقوا بالحرة والأمة فى الشعر وصورة الحرة الشوهاء والأمة الحسناء فيقال ~~لهم إن القياس يقتضى الجمع بين الشيئين فى الحكم واختلافهما إذا اشتركا ~~وافترقا فى علته لا في صورته فبينوا أولآ أن شعر الأمة والحرة اشتركا فى ~~علة التحريم والإباحة حتى يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع ~~القياس قال النظام غرضى بما أوردته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بإبطال ~~أماراتكم لأن الشريعة لو حرمت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة قلتم ~~إنما حرم ذلك خوف الفتنة وذلك قائم فى شعر الأمة الحسناء فوجب أن يحرم ~~النظر إليه وهذا من أقوى أماراتكم فى القياس فإذا شهدت الشريعة بإبطاله صح ~~قولنا إن وضع الشرع مانع من القياس قال 0 النظام ونبين هذا الفرق بين ~~القياس العقلى والقياس الشرعي فإن الأحكام العقلية لا تتفق مع التباين فى ~~العللل العقلية ولا تختلف مع الاتفاق في العلل ونحن نقول إن شعر الأمة وشعر ~~الحرة خارج على ما قلناه من اعتبار الحاجة فإن الجارية سلعة تباع وتشترى ~~وبالناس حاجة إلى النظر إلى وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف ~~الفتنة لوقوع الحاجة بخلاف الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر ~~سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور وأما ~~وجوب قضاء الصوم على الحائض وسقوط قضاء الصلاة ففيه إجماع وعلى أنه ليس ~~بمستنكر وقوع الفرقان بين الصلاة والصوم ألا ترى أن االمسافر يدع الصوم ~~أصلا ولا يجوز تركه الصلاة وإنما السفر تأثيره فى إثبات القصر ثم نقول إن ~~الصوم ليس مما يتكرر فى دوام الأوقات كالصلاة وإنما هو فى السنة شهر واحد ~~وربما يمر عليها الشهر كله ولا تحيض فيه فلم يكن فى ms530 إلزامها الصوم كبير ~~مشقة ولا كبير مضرة أما الصلاة لو PageV02P082 كلفت قضاءها لأيام حيضها ~~لحقها حرج ظاهر ومشقة شديدة فرفع الله تعالى القضاء عنها رفقا بها وتخفيفا ~~عنها وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق بينهما ظاهر لأن المقصود من ~~إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من ~~عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد ~~لينتفى منه عاره وشينه # ببينة أن الكافر يفعل الكفر تدينا فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء ~~يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه ~~الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه ~~أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة ~~لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال # بل قد تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة # ألا ترى أن الغيم الرطب أمارة فى الشتاء على المطر # ثم قد نجد غيما أرطب من كل غيم فى صميم الشتاء وتخلف المطر ولا يدل ذلك ~~على خروج الغيم الرطب عن كونه أمارة وكذلك وقوف مركب القاضى على باب الأمير ~~أمارة على كونه عند الأمير ثم قد يوجد مركب القاضى على باب الأمير وليس ~~القاضي هناك ولا يدل ذلك على خروج ما ذكرناه عن كونه أمارة ونقول قولكم ~~الشرع جمع بين المختلفين وفرق بين المتفقين كلام باطل لأن ذلك يوجب إحالة ~~القياس فى العقليات لأن العقل جمع بين المتضادين فى حكم واحد كاجتماع ~~السواد والبياض فى الحاجة إلى محل وجمع بين مختلفين غير متضادين فى الحكم ~~كاجتماع الأعراض والأجسام ففى الافتقار إلى محدث وأمثال هذا تكثر وإذا كان ~~مثل هذا يوجد فلا تخرج أماراتنا على الأحكام من كونها أمارات لها لوجودنا ~~أماراتها والأحكام مختلفة عنها وهذا لأنه يجوز أن يفرق الله بين الأصول فى ~~الأحكام فيجعل بعضها عقيما لا يثمر فرعا وبعضها ms531 مثمرا يستدل بمعانيها على ~~فروعها وثمارها وعلى أنا نزيد لما ذكرنا من أصل الطريقة تقريرا لنبين به ~~الكلام زيادة بيان وهو أنه لو لم يكن لأحكام الشرع معان تجري فى جميع ما ~~وجدت فيه تلك المعاني لم تكن تتعدى مواضعها التى وقعت فيها والأعيان التى ~~خرجت عليها ولم يجز أن يشارك عمرو الذي لم يحكم له أو عليه بها زيدا الذي ~~حكم له أو عليه ولما اتفقوا على أن فى رجم ماعزا دليلا على رجم غيره إذا ~~زنى وفى بيع عبد مدبر PageV02P083 دليل على جواز بيع مدبر غيره وفى قوله ~~صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبى حبيش ( إذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة ~~وإذا أدبرت فاغتسلى وصلى ) دليل على أن غيرها من النساء يكن أمثالها فى هذا ~~الحكم وفي قوله صلى الله عليه وسلم لهند ( خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف ) ~~دليل على غيرها وفى قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابى حين قال له ( هل على ~~غيرهن قال لا إلا أن تطوع ) دليل على سقوط ما وراءها عن كافة الناس وقد روى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه خرج مرة وفى يده ذهب وحرير فقال هذان ~~حلال لإناث أمتى حرام عل ذكورهم ) وإنما وقعت الإشارة منه فى ذلك القول إلى ~~ما فى يده منهما ثم كان الحكم متعديا إلى جميع الجنس فيهما فثبت أن المعانى ~~فى الأحكام معتبرة وأنها إلى كل عين وجدت فيها متعدية وهم يقولون إنما ~~أثبتنا هذه الأحكام التي ذكرتموها فى حق غير من ورد فيهم بدليل آخر فيجوز ~~أن يكون ذلك الدليل هو الإجماع ويجوز أن يكون ذلك الدليل قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( خطابى للواحد خطابى للجماعة ) وقالوا أيضا الكلام فى العلل ~~الظنية وكون الزنا مع الإحصان علة الرجم علة مقطوع بها وكذا فى سائر ما ~~قلتم والاعتماد على ما سبق # # | طريقة ثانية فى إثبات القياس # نقول الضرورة داعية إلى وجوب القياس لأن النصوص متناهية والحوادث غير ~~متناهية ولابد أن يكون لله تعالى فى كل ms532 حادثة حكم إما بتحريم أو تحليل فإذا ~~كانت النصوص قاصرة عن تناول جميع الحوادث وكان التكليف واقعا بمعرفة ~~الأحكام لم يكن لنا طريق نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس ألا ترى أنا إذا ~~تركنا القياس تعطلت PageV02P084 أحكام الحوادث فصح قولنا إن الضرورة داعية ~~إلى استعمال القياس والأصل أن الأسباب والمعاون التى بها يتوصل إلى الشئ ~~المأمور به في معنى المأمور به والمنطوق بذكره فيكون الأمر الوارد بالجملة ~~منطويا عليها وإنما يقع السكوت عنها اختصارا للكلام واعتمادا على فهم ~~المخاطب وهذا كالقبلة أمرنا باستقبالها فى حال الغيبة كان الاستدلال ~~بالعلامات الموصلة إليها لازما لنا ومعلوم أن من استؤجر لإيصال كتاب إلى ~~موضع كان عليه فعل ما يوصله إليه من سير وقطع مسافة ومن استأجر أجيرا ليخبز ~~له خبزا فقد انتظم ذلك إيقاد النار وتسجير التنور وإن لم يجر ذكره فى لفظ ~~الإجارة وكذلك ها هنا إذا لم يصل إلى معرفة أحكام الحوادث إلا بالقياس وجب ~~عليه استعمال القياس كما لزمنا حكم الحادثة يدل عليه أنا إذا سلكنا هذا ~~الطريق وصلنا به إلى الائتمار وإذا عدلنا عنه لم نصل إليه بعلمنا أنه ~~الواجب وقد أمرنا بنفقة الزوجات وتقويم المتلفات وأورش الجنايات ولم يرد ~~بتقديرها توقيف ولا يجوز أن يكلف معرفته ما لا سبيل لنا إلى معرفة فعلم أن ~~طريقها الاجتهاد واستعمال أسبابه الموصلة إليها فإن قيل لا ضرورة لأن العلة ~~قد ارتجت بما يدل عليها قضايا العقول فى الحوادث على مما ذكروا فى حجتهم قد ~~بينا من قبل أن العقل لا يدل على شئ بنفسه لا تقبيح ولا تحسين ولا إيجاب ~~ولا حظر وقد ذكرنا فى هذا الباب ما فيه غنية وعلى أن الدليل من حيث إن ~~العقول متعارضة لأن قول من يزعم أن العقل يدل على إباحة الأشياء فى الأصل ~~يعارضه قول من يزعم أنه يدل على الحظر وبإزائها من يقول بالتوقف فإذا ~~تعارضت هذه الأقوال فعلى أيها يعتمد ثم يقال لهم ما ذهبتم إليه من الرجوع ~~إلا دلائل العقول مخالف ms533 لفعل النبى صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يقف فى الأمور التى لا يجد فيها نصا ولا يردها إلى الإباحة بقضية ~~العقل وكذلك الصحابة كانوا يقيسون الأحكام بأدلة الشرع ويقال لهم أيضا إنا ~~قد وجدنا في الشرع مسائلا وأحكاما لا يتصور الحكم فيها على قضايا العقول ~~لأن ما قاله إنما يتصور فى الاشياء التي اختلفوا فى تحليلها وتحريمها فنقول ~~احملها على قضية العقل فى إثبات الإباحة وإذا وقع التنازع ففى أمر العقود ~~والفسوخ وإلزام كل واحد من المتعاقدين تسليم ما يلزم منها وإسقاط ما يسقط ~~كيف يحمل أمثال هذا على قضية PageV02P085 العقل وكذلك فى باب الأنكحة فلا ~~يدرى كيف يتمشى هذا الأصل الذي زعموه فإن قالوا يستصحب الحال فيما لا دليل ~~فيه قلنا استصحاب الحال فى العقود مع الاختلاف متعذر متناقض لأنه ما من حكم ~~يتسصحب فيه حالة لإثباته إلا ويعارضه ما يوجب نفيه # أنه إذا وقع الاختلاف فى فسخ النكاح بالعيب ألا ترى فالاستصحاب من أحد ~~الجانبين يوجب الفسخ والاستصحاب من الجانب الآخر يمنع الفسخ وكذلك إذا ~~اشترى جارية ثيبة ووطئها ثم اطلع على عيب بها وأراد ردها فإن الاستصحاب فى ~~أحد الجانبين يوجب الرد وفى الجانب الآخر يمنع الرد فثبت أن الضرورة التي ~~ادعيناها متحققة قطعا والذي قالوه خيرا من كلامهم أن الفكر فى معاني النصوص ~~وأشارتها وقضاياها تغنى عن القياس مجرد دعوى ونحن نعلم بطريق القطع وجود ~~حوادث لا تدل عليها النصوص بوجه ألا ترى أنا وجدنا حوادث اختلف الصحابة ~~فيها وقال كل أحد بخلاف ما قال صاحبه ولم يحتج أحد منهم على الآخر بنص ولا ~~بمعنى نص ولو كانت النصوص تتناول جميع الحوادث لاحتجوا بها وإن رجعوا إلى ~~قضية العقل فقد سبق إبطاله وعلى أن تناول العقل حكم الحادثة إنما يقتضى ~~إثبات حكمة فيها ويغنى عمن سواه إذا لم ينقل عن العقل دليل شرعى فعليهم أن ~~يثبتوا أن القياس ليس بدليل شرعى يوجب الانتقال عن قضية العقل هذا إذا كان ~~القياس غير ms534 مطابق لحكم العقل وأما إذا كان مطابقا له فما المانع أن يدل هو ~~على الحكم إيجاد مع العقل كما يدل العقل على الحادثة مع خبر الواحد فبطل ما ~~قالوه من كل وجه # # | طريقة ثالثة فى إثبات القياس # فهو التمسك بإجماع الصحابة وذلك أنهم اختلفوا فى أمر من أمور الدين فصار ~~كل واحد منهم إلى نوع من القياس فلم ينكر صاحبه ذلك منه مع إنكاره عليه ~~قضية حكمه كمسألة الجد والمشتركة وميراث ذوي الأرحام فإن الاختلاف بينهم فى ~~هذه PageV02P086 المسائل مشهور واحتجاجهم فيها من طريق القياس مذكور كقول ~~ابن عباس لزيد أتجعل ابن الابن ابنا ولا تجعل أب الأب أبا وتشبيه زيد مثالا ~~بالرأى فى مسألة الأخوة مع الجد وذلك مثال غصن الشجرة وجدول النهر وروى ~~قريب فى هذه المسألة عن على وكقول من حاج عمر فى توريث الأخ للأب والأم مع ~~الأخوة للأم فى مسألة المشتركة هب أن أبانا كان حمارا ألسنا بنى أم واحدة ~~فرجع عمر إلى التشريك لما نبهه هذا الرجل على موضع المساواة في السبب الذي ~~يستحق به الإرث وروي أن أبابكر رضى الله عنه ورث أم الأم ولم يورث أم الأب ~~فقال له عبد الرحمن بن سهل لرجل من الأنصار وقد شهد بدرا لقد ورثت امرأة لو ~~كانت هي الميته لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورثها فأشرك عند ~~ذلك أبو بكر رضي الله عنه بينهما PageV02P087 بالسدس واتفقت الصحابة على ~~الزيادة فى حد الشارب وقالوا إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد ~~المفترى ثمانون ثم قالوا هو رأى رأيناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأوجبوا فيه الدية إذا أتلف بالضرب واختلفوا فى أم الولد فقال على اجتمع ~~رأيى ورأى عمر أن لا يبعن ثم رأيت بيعهن وكتب عمر رضى الله عنه إلى أبى ~~موسى الأشعرى كتابا فى تعليم القضاء فقال فيه الفهم الفهم فيما يتحالج فى ~~صدرك مما ليس فى الكتاب والسنة أعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور وراجع ms535 ~~الحق إذا علمته فإن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي فى الباطل # وعن ابن مسعود رضى الله عنه فى قصة بروع بن واشق أقول فيها برأيى فإن كان ~~صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان لها مهر بمثل نسائها لا وكس ~~ولا شطط وعن عمر رضى الله عنه أنه قال إنى رأيت فى الجد رأيا فاتبعونى وقال ~~له مسروق أو غيره إن تتبع رأيك فرأيك رشد وأن تتبع رأى من قبلك فنعم ذا ~~الرأى يعنى أبا بكر رضى الله عنه أو غيره كان وقال رضى الله عنه فى قصة ~~بروع بالرأى حسبها الميراث لا مهر لها وقال ابن مسعود فى دم بين اثنين عفا ~~أحدهما أرى هذا أحيا بعض النفس قال عمر وأنا أرى ذلك واختلفوا أيضا فى ~~مسألة الحرام PageV02P088 # فقال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما هو يمين وقال على كرم الله وجهه هو ~~طلاق ثلاث وقال ابن مسعود رضى الله عنه طلقة واحدة # وقال ابن عباس رحمة الله عليه هو ظهار # واختلفوا أيضا فى مسألة المخيرة وخلافهم فى ذلك معروف في اختيارها نفسها ~~أو اختيارها زوجها قال زاذان عن على رضى الله عنه سألنى عمر رضى الله عنه ~~عن المخيرة فقلت إن اختارت زوجها فهى واحدة وزوجها أحق بها وإن اختارت ~~نفسها فهي واحدة بائنة فقال ليس كذلك ولكن إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو ~~أحق بها وإن اختارت زوجها فلا شيء فتابعته على ذلك فلما خلص الأمر إلى عدت ~~إلى ما كنت أرى # فقلنا له لأمر جامعت فيه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وتركت له رأيك ~~أحب إلينا من رأى انفردت به فضحك وقال أما أنه أرسل إلى ا زيد بن ثابت ~~فخافني وإياه وقال إن اختارت زوجها فهى واحدة وهو أحق بها وإن اختارت نفسها ~~فهي ثلاث وهم فى هذه المسائل رجعوا إلى مجرد الرأى لأنهم لابد أن يكونوا ~~قالوا عن طريق إذ لا يجوز أن يكونوا قالوا ما قالوا جزافا PageV02P089 ونحن ~~نعلم ms536 أنهم يقولون عن نص فدل أنهم قالوا عن قياس وتتبع هذا يطول والأمر فى ~~هذا أشهر من أن يحتاج معه إلى إكثار على هذا المنهاج كان أمر التابعين فى ~~المحاجة والمقايسة ولم يصح عن أحد منهم فى ذلك إنكار وخلاف وهو ميراث الأمة ~~إلى زماننا فإن قالوا يحتمل أنهم قالوا ما قالوا عن نص ثم يقولون تعلقتم ~~فيما صرتم إليه بالإجماع وأنتم لا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون ~~مرجوعكم إليه فيما تأتون وتدرون وتصححون وتبطلون والأقاصيص المتفرقة لا ضبط ~~لها فكيف انضبط لكم ما يفسد منها وما يصح ذكر هذا السؤال الشيخ أبو المعالى ~~على هذا اللفظ وذكر أن هذا سؤال مشكل # والجواب أن دعوى النص محال لأنه لا يتصور من جهة العادات فى عدد كبير ~~يهتمون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلق به حكم شرعى أن يعملوا ~~إظهار ما اشتدت إليه الحاجة مما يتعلق به حكم شرعى ووقع فيه الاختلاف ~~ويفارق هذا ترك نقل ما اجتمعوا عليه لأجله فإنه يجوز لأن الإجماع حجة وقد ~~أغنى عن الخبر وليس كذلك إذا وقع الاختلاف ووقعت الحاجة إلى المحاجة بالنص ~~فلا يتصور أن يكتموا الخبر إن كان هناك خبر # وأما كلامهم الثانى فقد حكم المورد له أنه سؤال كل ولا أدرى وجه الإشكال ~~فى هذا السؤال وهذه الآثار صرحت المصير إلى الرأى من الصحابة بالانضباط ~~فيما اتفقوا عليه وقد دلت هذه الآثار أنهم قالوا ما قالوه عن الرأى فإن ~~قالوا لم يحك عنهم الاختلاف فى الأقوال فى هذه المسألة ولم ينقل عنهم تصريح ~~بعلة قلنا قد ذكرنا ونقلنا محاجتهم بضرب الأمثلة وعلى أن التنبيه منهم على ~~العلة والقياس قد وجد وتعين مسألة واحدة فنقول فى مسألة الحرام من قال منهم ~~إنه طلاق ثلاث فقال مطلق التحريم يقتضى غاية التحريم ومن جعله طلقة واحدة ~~اعتبر أقل ما ثبت ومن جعله إيلاء اعتبر أن الزوج قد منع نفسه بهذا القول عن ~~وطئها ومن جعله ظهارا أجراه مجرى ذلك من ms537 قبل تقييد التحريم بلفظ ليس بلفظ ~~طلاق ولا إيلاء PageV02P090 وإذا كان هذا الذى ذكرناه ممكنا ولم يكن ذكر نص ~~ولأنهم قالوا بغير طريق وجب القطع على أنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجرى ~~مجراه وأيضا فإن الناس قد يقتصرون على الفتوى فى كلامهم ويعلم السامع الوجه ~~الدال على الفتوى من نفس الفتوى وقال بعضهم إنهم قالوا فى مسائل المواريث ~~ما قالوه بالصلح أو بأقل ما يجب وهذا ليس بشئ لأن المنقول فى مسألة ~~المواريث إثبات الإرث ونفيه وتقديره فى بعض المواضع فكيف يتصور الصلح على ~~هذا وقولهم إنهم أوجبوا أقل ما قيل باطل لأنه لم يتقدم اختلافهم فى أقوال ~~هم قالوا بأقلها ولا اتفوا على قول حتى يقال إنه أقل ما قيل بل قالوا ~~أقاويل متباينة بعضها يخالف البعض وثبت ها هنا عما نقلوه عن الصحابة ~~والتابعين من ذم الرأى قلنا إنما قالوه فى الرأى الفاسد الذي لا تعلق له ~~بأصل من الأصول أو قالوا ذلك في القياس قياس الذي بخلاف النص ألا ترى أن ~~عليا رضى الله عنه قال حين قال لو كان الدين بالرأى ولكنى رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر قدميه والدليل على أن المراد منهم بما ~~قالوا أحد هذين الوجهين أنه ثبت عنهم القول بالقياس واعتبار الأشباه ~~والأمثال على ما ذكرناه وعلى ما ذكرنا بأول قول التابعين ألا ترى أن ابن ~~سيرين قال أول من قاس إبليس وإنما أراد به القياس الفاسد دون الصحيح # ببينة أن إبليس كان قد اعترض بالقياس على النص وما كان من القياس كذلك ~~فإنا لا نجوزه ولا نعمل به وكذلك قوله ماعبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ~~يرد به المقاييس الفاسدة وقد ورد النهى الصريح في الكتاب عن السجود لها ~~وذلك قوله عز وجل @QB@ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن ~~إن كنتم إياه تعبدون @QE@ وكذلك الذي حكوه عن الشعبى إنما هو فى القياس ~~الخالى عن أداة الأصول وقد كان ظهر فى آخر زمان التابعين قوم ms538 يقدمون الرأى ~~على السنن فإنما أراد ذلك وكل ما نقل من أمثال هذا يكثر وقد حمل جميع ما ~~نقل من ذم الرأى من الصحابة والتابعين على الرأي قبل طلب السنن وعندنا يجب ~~طلب حكم الحادثة من PageV02P091 السنة أولا ثم يصير إلى القياس وكذلك ~~الجواب عن الأخبار التى تعلقوا بها عن النبى صلى الله عليه وسلم وعلى أنه ~~ليس فى تلك الأخبار خبر ثابت غير خبر عبد الله ابن عمرو في قبض العلم فإما ~~سائر الأخبار فلا تعرف ولا نقل فى كتاب يوثق به فلا يجوز التعويل عليها فإن ~~قالوا اعتمدتم على إجماع الصحابة ولم يوجد إجماع الصحابة لأنكم نقلتم ما ~~نقلتكم عن نفر يسير فأين الإجماع قلنا نقلنا عن وجوههم ولم ينقل عن واحد ~~منهم خلاف ذلك وقد بينا أن القول المنتشر إذا لم يظهر له مخالف يكون إجماعا ~~فكيف فى هذه الأقوال المنتشرة فإن قالوا إنما تركوا إنكاره لأنه كان صغيرة ~~وإنما تنكر الكبائر قلنا كما يجب إنكار الكبائر يجب إنكار الصغائر وعلى أنا ~~بينا أنه لم تجر العادة فيما هذا سبيله أن يظهر الخلاف من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على شئ ونعلم أنهم قالوا ما قالوا عن الرأى فيكون ~~منكراثم تطبق الجماعة على ترك إنكاره ألا ترى أنه لما ظهر بينهم الاختلاف ~~والتنازع كيف أنكر بعضهم على بعض حتى صاروا إلى التجاذب والتقاتل واعلم أن ~~الاحتجاج بإجماع الصحابة دليل فى نهاية الاعتماد وهو مما يقطع العذر ويزيح ~~الشبهة فليكن به التمسك # # | طريقة رابعة وهى الاستدلال بالكتاب والسنة # قال الله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم @QE@ ~~فأمر بالاعتبار والإستباط والاعتبار اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه عليه ~~يقال اعتبر هذا بمقداره وقال ابن عباس رضى الله عنه في الأسنان اعتبر حكمها ~~بالأصابع فى أن ديتها متساية وقولهم إن فى هذه العبرة مغناة أن فيه ما ~~يقتضى حمل غيره عليه وأما الاستنباط هو استخراج المعنى ms539 المودع من النص حتى ~~يبرز ويظهر فإن قيل PageV02P092 الاعتبار الاتعاظ والانزجار وليس بمعنى ~~القياس الذي يدعونه وقيل إن الاعتبار لا يدل على معرفة الشئ بغيره إنما هو ~~تبيين الشئ نفسه # ببينة أنه يقال للقائس معتبر لا لسانا ولا عادة وإنما الذي يعرف معنى ~~المعتبر هو الاتعاظ والتفكر فى نفس الشئ والجواب أن وزن الاعتبار افتعال من ~~العبرة والعبرة أصلها فى اللغة المثال ومنها يقال أخذ السلطان العشر على ~~عبرة العام الماضي أى على مثاله ومن هذا تعبير الموازين والمكاييل إنما هو ~~تمثيل بعضها ببعض وتسويتها على مثال واحد ومنه تعبير الرؤيا وهو تمثيلها ~~بأمور تطابق معانيها معاني الرؤيا وقيل هو تعديتها ونقلها من ظواهرها إلى ~~مواطن معانيها من قولك عبرت النهر أى صرت من أحد العبرين إلى الآخر والعبر ~~الشاطئ فثبت بما قلناه أن الاعتبار هو إجزاء الشيء على مثال غيره وبطل بهذا ~~ما زعموه أنه معرفة الشئ نفسه والتفكير فيه وأما حملهم على الاتعاظ ~~والانزجار غاية الاعتبار فعلمنا أن معناهما مختلف وقد قال الشاعر فى ~~الاعتبار # ( واعتبر الأرض بأسمائها % واعتبر الصاحب بالصاحب ) # وظهر بهذا أن الاعتبار هو ما قدمناه من اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه ~~عليه فإن قيل لو كان المراد ما ذكرتم من الأمر بالقياس لحسن التصريح به وهو ~~أن يقول @QB@ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين @QE@ فقلبوا الأرز على ~~البر وهذا التصريح يكون فاسدا عند كل عاقل فدل أنه ليس هو المراد قالوا ~~وأما الاستنباط المذكور فى القرآن فهو استخراج الشئ من كونه باطنا ليظهر ~~فتحمله على الاستدلال بمعانى النصوص وقد يقال لمن استدل على الشيء بما يخفى ~~فى النصوص قد يستنبط هذا الحكم من هذا النص # والجواب أما الأول فإنما لا يجوز ما قالوه لأنه اقتصار على ما تعلق له ~~بالكلام في ظاهره فلم يحسن لهذا لكن حسن مع هذا قوله @QB@ فاعتبروا @QE@ ~~لإن اشتمل على ما يتعلق بالكلام الأول وعلى ما لا يتعلق به ألا ترى أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم لو سئل عمن ابتلع حصاة ms540 فى شهر رمضان لم يحسن أن ~~يقول من جامع فعليه الكفارة ويحسن أن يقول من أفطر فعليه الكفارة وإذا قال ~~ذلك دخل فيه من جامع ومن بلع الحصاة وقد اعترض على الآية فقيل إن قوله @QB@ ~~فاعتبروا @QE@ ليس على العموم لأنه لا يجب ما قلتموه في كل موضع وإذا لم ~~يجب فى كل موضع فنحن نقول نوجب الاعتبار PageV02P093 بالتفكر فى معاني ~~النصوص فهذا رجوع إلى ما سبق والجواب بما قدمنا # وأما الاستنباط فالاستدلال به أيضا صحيح والذي قالوه من حمله على ~~الاستدلال بمعانى النصوص قلنا الذى قلتموه استنباط والقياس الذي اختلفنا ~~فيه من وجوه الاستنباط أيضا فيكون الاستنباط المذكور مشتملا على الكل وفى ~~الباب آيات كثيرة وأحسن ما يستدل به هاتان الآيتان وأما السنة فحديث معاذ ~~أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له ( بم تحكم ~~قال بكتاب الله قال فإن لم تجد فى كتاب الله قال بسنة رسول الله قال فإن لم ~~تجد فى سنة رسول الله قال أجتهد رأيى ولا آلو قال الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسوله لما يرضى الله ورسوله ) وهذا نص ثابت وهم يقولون هذا خبر واحد لا ~~يثبت به مثل هذا الأصل وقد قالت الأصحاب هو خبر واحد ولكن تلقته الأمة ~~بالقبول فصار دليلا مقطوعا به وتعلقوا أيضا بما روى أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال لعمر حين سأله عن قبلة الصائم ( أرأيت لو تمضمضت كان يضرك قال لا ~~قال ففيم ) إذا فجعل القبلة بغير إنزال قياسا على المضمضة بغير ازدراد ~~والخبر أيضا خبر واحد مثل الأول ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ~~للخثعمية ( أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يقبل منك قالت بلى قال ~~فدين الله أحق أن يقضى ) # وقال النبى صلى الله عليه وسلم فى الهرة ( إنها ليست بنجسة إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات ) فقد علل بعلة مؤثرة وهى التطواف علينا والعلة ~~PageV02P094 ضرورة الطواف وتعذر الاحتراز وقال صلى الله عليه وسلم فى دم ~~الاستحاضة ms541 ( إنها دم عرق ) ولهذا الذي ذكرناه أمثال سواه فاقتصرنا على هذا ~~القدر وفيما نقلناه من الأخبار فى تعليم استعمال القياس وقد تعلق الأصحاب ~~أيضا بالاجتهاد فى القبلة وقالوا تعبدنا الله تعالى بالاستدلال بالأمارات ~~على جهة القبلة إذا اشتبه علينا أمرها ونصلى إلى الجهة التى ظننا أن القبلة ~~فيها وهذا تعبد بالاستدلال بالأمارات فدل ذلك على حسنها واعترضوا على هذا ~~وقالوا من الناس من لا يجوز الاجتهاد فى طلب القبلة ومن اشتبهت عليه القبلة ~~صلى إلى الجهات كلها قلنا لا نسلم وإن سلمنا فالأمارات الدالة على القبلة ~~أمارات عقلية لا سمعية ونحن إنما منعنا الأمارات المظنونة فى الحوادث ~~الشرعية ولسنا نمنع العمل بالأمارات العقلية وفى المسألة دلائل كثيرة ذكرها ~~الأصحاب أو غيرهم لكن الاعتماد على الدلائل الأول والثانى والثالث وأمثلها ~~وأحسنها إجماع الصحابة وأما التعلق بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة فلا ~~بأس بها لتكثر الدلائل فأما الاعتماد عليها ابتداء فلا يصح لأن الأخبار ~~آحاد وليس فى نص القرآن ما يدل على جواز القياس ولكن إن وجد يوجد من طريق ~~الاستدلال ولابد من دليل قطعى فى إثبات القياس والظاهر المحتمل لا يحتج به ~~فى القطعيات فالأولى ما ذكرنا فأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم إن ~~الشرعيات مصالح قلنا قد أجبنا عن هذا في مواضع وبينا أن القول بالصلاح ~~والأصلح قول باطل وزعم لا يمكن تمشيته ثم يقال لهم ولم لا يجوز معرفة ~~المصالح بالظنون ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا فعلناه ونحن على صفة وإذا ~~فعلناه على غير تلك الصفة لا يكون مصلحة لنا فلا يمتنع أن يكون فعلنا الفعل ~~ونحن نظن شبه الفرع بالأصل هو المصلحة وإذا لم ينظر حتى نظن شبهة به أو ~~بغيره فاتتنا المصلحة يدل عليه أنا إذا دللنا على أن الله تعالى قد تعبدنا ~~بالقياس فإذا تعبدنا الله تعالى بذلك علمنا بتعبده أن المصلحة أن يفعل بحسب ~~ظننا وقولهم إن المصالح لا PageV02P095 يتوصل إليها بالآراء والأمارات قلنا ~~ولم هذا لأن الأمارات التى تستند إلى النصوص لنستدرك ms542 بها المصالح لأنها ~~بمنزلة النصوص ومن قال لا التي يستدرك بقول ليس بيدك إلا مجرد الدعوى ويقال ~~لهم أيضا إن المصالح تستدرك بالنصوص لكن منها ما يستدرك بنص ظاهر جلى ~~وبعضها يستدرك بنص خفى فيفتقر إلى الاستدلال حتى يعلم المراد به والقياس من ~~هذا القبيل وهذا لما قلنا إن الأقيسة لما استندت إلى النصوص صارت بمنزلة ~~النصوص # فأما قولهم إن الجلى من أحكام الشرعية لا يعرف إلا بنص فكذلك الخفى منها ~~قلنا ولم ينبغى أن يكون كذلك أليس ما عدا الشرعيات يعلم حكمه بالإدراك ~~والضرورة ويعلم خفيه بالاستدلال دون الإدراك وجلى الشرعيات يعلم بالنصوص ~~الظاهرة وخفيها يعلم بنص خفى وكثير الزعفران الواقع فى الماء يعلم بالإدراك ~~وخفيه يعلم بخبر من شاهد وقوعه به فإن قالوا إن ذلك يستند إلى المشاهدة ~~قلنا وكذلك أحكام الفروع استندت إلى الأحكام الثابته بالنصوص # جواب آخر إن جميع الشرعيات تعلم عندنا بالنص ولكن بعضها يعلم بظاهر ~~وبعضها يعلم بالاستدلال بالنص وما علم بالقياس هو مثل ما علم بطريق ~~الاستدلال # وأما قولهم إن هذه العلل توجد وهى غير موجبة وهى قبل الشرع فلو كانت ~~موجبة لم ينقل عن موجبها كالعلل العقلية # قلنا العلل العقلية موجبة لأعيانها وكانت لازمة لمعلولها والعلل الشرعية ~~موجبة بالشرع فصارت طائرة على معلولها فلهذا افترقا وهذا لأن الشرائع مصالح ~~ويجوز أن يكون الشئ مصلحة فى زمان دون زمان ولهذا اختلف شرائع الأنبياء وصح ~~نسخها فيجوز أن لا تكون هذه العلة موجبة قبل الشرع لأنه لا يكون مصلحة قبل ~~الشرع وأما بعد الشرع تكون موجبة لأنها مصلحة بعد الشرع هذا جواب المتكلمين ~~والأولى أن نقول إنا قد بينا أن العقل بعينه لا يوجب شيئا فلا يتصور هذا ~~السؤال على هذا القول وإن تمسكوا بالحسيات # قلنا لم جمعتم بين الحسية والشرعية من غير جامع وأيضا فإن عنوان الحركة ~~تحرك الجسم وذلك إنما وجب أن يكون الجسم معه متحركا لأن كون الجسم إذا تحرك ~~هو معنى كونه متحركا فالقول إن فيه حركة وليس بمتحرك مناقضة ms543 PageV02P096 # وأما قولهم إن الحليم لا يقتصر على أدنى البيانين مع قدرته على إعلامها ~~قلنا في هذا الكلام تسليم أن القياس بيان ولا يمتنع أن يكون فيه مصلحة ~~زائدة وإن كان أدون بيانا من غيره ولو وجب التعبد بأعلى وجوه البيان لوجب ~~تعريفنا الأحكام كلها بالكتاب أو بالضرورة أو كان ينبغى أن يقع الاقتصار ~~على النصوص الجلية المتواترة دون الآحاد لأنها أعلى بيانا من الخفية # وأما قولهم لو كان القياس حجة لكانت مع النص # قلنا ولم وما قلتم دعوى وعلى أنهم إن قالوا إنه يكون حجة مع النص على حكم ~~الأصل فكذلك نقول يكون الخبر دلالة والقياس أيضا دلالة مطابقة له فإن قالوا ~~مع النص على خلاف حكمه فى الفرع فقد بينا ذلك فى الخبر الوادد بخلاف قياس ~~الأصول وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حجة إذا انفرد وإذا عارضه النص كان النص ~~أولى منه كما أن خبر الواحد حجة إذا انفرد وإذا اجتمع مع الخبر المتواتر أو ~~مع نص القرآن كان أولى منه وأما تعلقهم بالآيات التى ذكروها فليس فى شئ ~~منها دليل على ما قالوه # ويقال لهم لم قلتم إن الحكم بالقياس حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى أو ~~تقديم بين يدى الله ورسوله أو فيه آتباع ما ليس لنا علم به فإن الدلائل ~~القطعية قد قامت على صحة القياس وهو فى الحقيقة رد الفرع إلى أصله من ~~الكتاب والسنة والحكم به حكم بما أنزل الله عز وجل ورد إلى الله والرسول ~~واتباع ما لنا به علم وقوله تعالى @QB@ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ~~@QE@ معناه إما على الجملة أو التفصيل وليس المراد منه على التفصيل لأن ~~كثيرا من الأشياء التى لا تعد لم نجد تناولها الكتاب على التفصيل فدل أن ~~المراد من تلك إما على هذه الجهة أو على تلك الجهة والكتاب والسنة وإن لم ~~يشتملا على بيان القياس على التفصيل فقد اشتملا على بيانه بالأجمل # ببينة أنه قد وجدت أشياء كثيرة صارت ببينة بالسنة وليس ms544 لها فى الكتاب ذكر ~~ولكن لما دل الكتاب على الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ودل أنه لا ~~ينطق عن الهوى جعل كأن بيانه كان بالكتاب كذلك هاهنا لما دل الكتاب والسنة ~~على أن PageV02P097 القياس دليل الله وكان رد القياس إلى أصول ثبتت بالكتاب ~~والسنة صار بما دل عليه القياس كما أن الكتاب والسنة دلا عليه # فإن قيل إن استقام هذا لكم فى سائر ما أوردناه فما قولكم فى قوله تعالى ~~@QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ ومعلوم أن القياس دليل ظنى فإن قلتم إن ~~وجوب العمل به كان بدليل قطعى فهذا لا يزيل الإشكال لأن القياس لما كان ظنا ~~فيستحيل أن ينتج الظن علما قطعيا وقولكم إن القياس يفيد العلم بوجوب العمل ~~طبع محال قلنا الأقيسه لا تفيد العلم بوجوب العمل بأعيانها وإنما يقع العلم ~~بوجوب العلم بالدلائل القطعية التى أقمناها عند وجود الأقيسة وإذا قررنا ~~على هذا الوجه سقط هذا السؤال وعلى أن الشرع قد ورد باتباع كثير من الظنيات ~~بدليل أن الحكام إنما يفصلون الأحكام بالشهادات المقامة فى مجالسهم وهى ~~دلائل ظنية لا قطعية وكذلك الأمارات المرجوع إليها فى القبلة ظنية لا قطعية ~~وكذلك فى تقويم المتلفات وأروش الجنايات وكذلك التدابير فى الحروب يجوز ~~الرجوع إليها والاعتماد عليها ومعلوم أن الرأى فى الحروب والتدابير التى ~~تقع بين الناس ليس تفيد علما قطعيا وما زال الناس من قديم الدهر إلى حديثه ~~ومن أولهم إلى آخرهم ومن سلفهم إلى خلفهم يرجعون إلى غالب الظنون ويعتمدون ~~عليها وإذا حصرنا الأمور فى المنتفيات وحملنا الناس على ما يفيدهم العلم ~~الحقيقى بالأشياء فسد ما به قيام أمورهم وانسد ما به تقوم أكثر مصالحهم ~~والإنسان يبعث الواحد فى أمر ما ويرسل رسولا فى شئ فيعتمد على تبليغه وفعله ~~لما أرسله فيه ويسمع من الإنسان بالخبر فى إباحة شئ أو فى تحريمه أو طهارته ~~أو نجاسته فيؤمر بالأخذ بقوله وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يبعث ~~الواحد فى الأمور ويعتمد على ms545 ما يخبره به وكان ذلك رجوعا إلى غالب الظن ~~وأمثال هذا وقد ذكرنا فى مسألة الخبر الوحد فالقياس عندنا بمثابة ذلك # وقولهم إن الاحتمال فى الأخبار فى طرقها لا فى الأقوال المنقولة بل ~~الأقوال PageV02P098 المنقولة نص فى المعانى التي اشتملت عليها # قلنا إذا يمكن الاحتمال فى الطريق لم يقع لنا العلم بصدد ذلك القول عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم بل كانت نهاية ما في الباب وجود غلبة ظنه ومع ذلك ~~وجب الاعتماد عليه والرجوع إليه فكذلك أمر القياس يكون كذلك يدل عليه أن ~~الله تعالى سمى هذا الدين شرعا وشرحا للصدور فقال تعالى @QB@ أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ ومعلوم أن القلب بصره بالغائب كبصيرة ~~العين بالحاضر ومعقول القلب بالرأى كمرئى العين بالبصر فإنا نعلم أن ~~الإنسان يكون حرجا صدره فى حكم من الأحكام فإذا تأمل فيه وعرف معناه ينشرح ~~صدره بمعرفة معناه ويطمئن إليه قلبه ويدخله النور والضياء والفسحة وهذا لأن ~~الإنسان إذا قلد الحاكى فى شئ وإن كان الحاكى صادقا فألقى في قلبه بعض ~~الحرج ولم ينشرح صدره كل الانشراح فإذا عقل معنى الحكم تم انشراح صدره ~~وانفساحه والجملة أن فى قبول فعل صاحب الشرع على ما جاء به حسن الطاعة ~~والانقياد لله عز وجل وفى المصير إلى القياس وطلب المعاني من الأصول ~~الواردة طمأنينة القلب وانشراحها لوقوعها على حجتها ومعانيها المعقولة وما ~~زال طلب طمأنينة القلوب حسنا منذ قال إبراهيم عليه السلام مجيبا لقوله صلى ~~الله عليه وسلم ولقوله تعالى @QB@ أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~@QE@ ولهذا لهج الناس بطلب المعاني في الأشياء وسلكوا طريق ذلك فى مصالح ~~دنياهم كذلك صح ذلك أيضا فى مصالح دينهم والذين فرقوا بين ما يرجع إلى ~~مصالح الدنيا ومصالح الدين ففرق باطل والرجوع إلى الرأى وغالب الظن فى ~~الموضعين وهذا لأن الفوز والنجاة جائز للعبد من الله تعالى وناجيا به غير ~~أن هذه الطاعات والشرائع المشروعة أمارات وعلامات لنيل تلك السعادة ويجوز ~~أن يجعل ms546 معنى يغلب عليه الظن علامة لنيل الفوز والسعادة وليس هذا بمستنكر ~~فى عقل ولا شرع # وأما قولهم إن أحكام الشرع مختلفة فدل اختلافها أنها غير معلولة قلنا من ~~الأحكام ما يعقل معانيها ومنها ما لا يعقل معانيها ونحن إنما نستجيز القياس ~~فيما نعقل معانيها ولا نستجيز فيما لا يعقل معانيها ووجه انقسام الشرع إلى ~~هذين القسمين هو أن بعضها لا يعقل معانيه ليتحقق الإسلام لأمر الله عز وجل ~~وبعضها ما يعقل معناه ليتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل معناه PageV02P099 # وأما قولهم إن حجج الله تعالى تكون موجبة قطعا قلنا هذا الأصل غير مسلم ~~فى العمليات فإن الواحد حجة فى العمل وهو حجة من حجج الله تعالى من حيث ~~العمل به وإن لم يكن مقتضيا موجبه على وجه القطع والثبات ولا فرق بين الخبر ~~والعلة لأنه كما يحتمل تعليل المعلل للغلط كذلك الرواية تحتمل الغلط وأما ~~قولهم إنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين مختلفين قلنا هذا ممنوع ومن أين قلتم ~~إن كل فرع يشبه أصلين متضادى الحكم ثم ولئن سلمنا أنه يوجد الفرع الذي له ~~شبه بأصلين متضادى الحكم لكن الله تعالى قد جعل لنا طريقا إلى قوة شبهه ~~بأحد الأصلين فينبغى أن يراجع المجتهد النظر أو يبالغ فى النظر ابتداء حتى ~~يظهر له ذلك وقد قال بعض القياسين إنه يجوز أن يكون حكم الله فى الفرع هو ~~التخيير فإذا اعتدل الشبهات عند المجتهد فيكون المجتهد مخيرا يلحقه باى ~~الأصلين شاء فأما كلامهم الأخير قلنا نحن إنما نجوز المصير إلى الاجتهاد ~~بعد طلب الحكم فى الكتاب والسنة فإذا أعوزه ذلك حينئذ يصير إلى القياس ~~والذى قالوا إن حصر أحكام الحوادث على معاني النصوص يتضمن الاستحثاث على ~~الإكثار من الأخبار والفكر فى معانيها وفى ذلك إماته البدع وإسقاط الهوى # قلنا نحن إنما نأمره أولا بطلب أحكام الحوادث فى النصوص فإذا لم يجد فيها ~~حينئذ ينتقل إلى المعنى وعلى أنا قدمنا أن فى الأمر بطلب المعانى أنشراح ~~الصدر وانفساحه وطمأنينة القلب وإصابة ms547 زيادة النور الداخل عليه من قبول ~~أحكام الله تعالى على طمأنينة القلب مع قبوله على الطوع والانقياد وقد ~~أبتلى الله تعالى عباده بطلب المعانى مرة لتنشرح صدورهم وتضىء قلوبهم ~~ويتجرد القبول والاستسلام مرة ليظهر عطاؤهم المقادة واستسلامهم لأمر خالقهم ~~وبارئهم فيستعمل عقله مرة بطلب المعنى ليظهر له قدر نعمة الله تعالى بما ~~أعطاه من النفاذ فى الأمور ومعرفة الله وحكم الله ومعانيه الغامضة التى هى ~~أمارات أحكامه وشرعه فيقابلها بالشكر وينقاد ويستسلم مرة ويحبس عقله من ~~توثبة على الأمور ويصرفه عن عتوه وتجاوزه عن حده المحدود له ليظهر حسن ~~عبوديته وخضوعه وانقياده لمعبوده وهذا باب عظيم وحكمة بالغة وتصريف من الرب ~~للعباد وابتلاء منه لهم ليظهر خفى أمرهم ومكنون سرهم ويتميز الخبيث من ~~الطيب فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة والله PageV02P100 تعالى ~~للعباد بالمرصاد وهو المستعان # فإن قيل أليس لو قال الإنسان لغيره أعتق سالما عبدى لأنه أسود لم يجز أن ~~يعتق كل عبد له أسود # الجواب أنا نقول أولا لو رودع بمثل هذا فقال أعتقوا فلانا لأنه أسود وجب ~~إعتاق كل عبد أسود # فأما فى أمر العباد قلنا هذا دليل عليكم لأن الإنسان إذا قال أعتقت عبدى ~~لأنه أسود فإن كل عاقل يناقضه إذا لم يعتق غيره من عبيده السود إلا أن يكون ~~قد عرف من قصده أنه أعتقه لأنه أسود مع شرط آخر لا يوجد فى غيره وكذلك إذا ~~قال لوكيله أعتق عبدى سالما لأنه أسود قال له العقلاء فعبدك الآخر أسود فلم ~~خصصت هذا بالعتق إلا أنه لا يجوز لوكيله الإقدام على إعتاق كل عبد أسود لأن ~~الشرع منع من ذلك إلا بصريح القول ولأن الموكل لما جاز عليه البدوات ~~والمناقضات لم يجز الإقدام على إتلاف ماله إلا بصريح القول # ألا ترى أن الموكل لو قال هذا القول وأمر وكيله بالقياس لم يكن للوكيل ~~أيضا إعتاق كل عبيده السود وخرج على هذا أمر الشارع لأنه لا يجوز عليه ~~البدوات والمناقضات ولأنه لو أمر ms548 بالقياس صريحا أجمعوا على أنه يجوز ~~للمخاطب القياس فثبت الفرق بينهما من كل وجه فهذا وجه الكلام في هذه ~~المسألة وقد طالت جدا لكن هذه المسألة أصل عظيم فلم يكن بد من الكلام فيها ~~على الإشباع والاستقصاء لئلا يدخلها وهم كاذب من الإزراء بالقائسين ~~والراجعين إلى الظنون والله الموفق للصواب والمرشد إلى الحق بمنه وفضله # وإذا عرفنا جواز القياس فى الفروع وتعرف الأحكام من قبله فأول ما نبدأ به ~~بعد ثبوت جواز القياس الكلام فيمن يجوز له الاجتهاد والقياس وإنما يقع ~~الكلام في النبى صلى الله عليه وسلم وفى الصحابة إذا اجتهدوا بحضرته ~~PageV02P101 # | مسألة # ذكر أصحابنا أنه كان يجوز للنبى صلى الله عليه وسلم أن يجتهد فى الحوادث ~~ويستعمل القياس ويحكم به # وكذلك ذكروا أنه يجوز الاجتهاد من الصحابة بحضرة النبى صلى الله عليه ~~وسلم ومن أصحابنا من قال لما كان يجوز للنبى صلى الله عليه وسلم ذلك ولا ~~كان يجوز ذلك لأحد من الصحابة بحضرته وعلى هذين القولين اختلف أصحاب أبى ~~حنيفة أيضا # قال أبو زيد والقصد عندنا أنه لم يكن له العلم بالرأى ابتداء حتى ينقطع ~~طمعه عن الوحى فيما ابتلى به وكان له العمل برأيه بعد ذلك واستدل من أبى ~~جواز ذلك بقوله تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى @QE@ @QB@ إن هو إلا وحي يوحى ~~@QE@ فدل أنه لا يحكم إلا على وحى ويدل عليه قوله تعالى @QB@ قل ما يكون لي ~~أن أبدله من تلقاء نفسي @QE@ لأنه كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن أشياء ~~ويتوقف فيها إلى أن يرد النص كالظهار واللعان وغير ذلك ولو جاز الاجتهاد ~~ولم يكن للانتظار معنى والمعتمد لهم أن النبى صلى الله عليه وسلم إذا أثبت ~~الحكم بالاجتهاد كان للعالم أن يخالفه ثم إذا خالفه فيكون للعامى التخيير ~~فى الاستفتاء وهذا أمر قبيح لا PageV02P102 يقول لديه أحد وأيضا لو جوزنا ~~له الاجتهاد لوجب القطع على أن العلة التى استخرجها هى علة الحكم ولا قطع ~~مع الاجتهاد وإذا لم يقطع جازت مخالفته # ببينة أن الأمة ms549 أجمعت على أن من استحل مخالفة النبى صلى الله عليه وسلم ~~يصير كافرا فإذا جوزنا له الاجتهاد لم يكن تكفير مخالفه فى الحكم لأن ~~الاجتهاد طريقه الظن فلا يجوز أن يكفر من يخالفه فيه فثبت أن الاجتهاد ~~ممتنع أصلا وهذا لأن المجتهد لا يؤمن عليه الغلط فكيف يحرم مخالفة من لا ~~يؤمن عليه الغلط ألا ترى أن الرأى فى الحروب لما لم يؤمن عليه الغلط كيف ~~جاز مخالفته فإن النبى صلى الله عليه وسلم أراد النزول فى منزل يوم بدر ~~فقال له الحباب بن المنذر أرأى رأيته أم وحى فقال بل رأى رأيته فقال بل ~~الرأى أن ننزل فى موضع كذا أو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى يوم ~~الأحزاب قوما من الكفار شطر ثمار المدينة لينصرفوا فقال الأنصار أرأي رأيته ~~أم وحى فقال بل رأى رأيته فقالوا لا نعطيهم إلا السيف والله ما كانوا ~~يطعمون ذلك فى الجاهلية إلا بشرى أو بقرى فكيف وقد أعزنا الله تعالى ~~بالإسلام ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسد ثمارها ذلك العام ~~فأمرهم بالتأبير وقال أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم قالوا ~~ولأنه لا ضرورة له صلى الله عليه وسلم إلى الرأى لأن الوحى له متوقع ~~واستعمال الرأى لا يجوز إلا عن ضرورة # ببينة أن الدين فى الأصل لله تعالى فلا يجوز شرعه برأى لا يؤمننا عن ~~الغلط إلا عن ضررورة ولا ضرورة لصاحب الوحى وهذا كتحرى القبلة لا يجوز إلا ~~لمن بعد عن الكعبة فأما من قرب فلا ضرورة له كذلك ها هنا يكون الأمر كذلك ~~قالوا وأما الأمر بالمشاورة فكان من أمور الدنيا ونحن إنما نجوز الاجتهاد ~~فى أمور الدين فأما فى أمور الدنيا فهو جائز وعلى أنه صلى الله عليه وسلم ~~أمر بمشاورتهم تطييبا لنفوسهم لأخذ برأيهم واستدل من قال إنه لا يجوز ~~للصحابة أن يجتهدوا بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم هو أن الحكم بالاجتهاد ~~حكم يغالب الظن فلا يجوز مع إمكان الرجوع إلى ms550 النص وقد كان يمكنهم الرجوع ~~إلى نص النبى صلى الله عليه وسلم فصار اجتهادهم فى هذا الموضع كاجتهاد ~~علماء الأمة فى موضع النص وأما دليلنا فيتعلق أولا بقوله تعالى @QB@ ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ وهذا على العموم ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ~~وشاورهم في الأمر @QE@ فلو لم يجز لهم الحكم بالرأى لم يؤمر بالمشاورة لأن ~~الذي ينال بالمشاورة محض الرأى وقولهم إنه PageV02P103 أراد بذلك فى أمور ~~الدنيا قللنا قد كان النبى صلى الله عليه وسلم يشاورهم فى أمور الدين بدليل ~~المفاداة يوم بدر والمفاداة حكم شرعى وقد شاورهم فى ذلك واختلاف أبى بكر ~~وعمر رضى الله عنهما فى ذلك معروف مشهور وقد روى ( أن خولة سألت النبى صلى ~~الله عليه وسلم عن ظهار زوجها منها فقال ما أراك إلا وقد حرمت عليه فقالت ~~أشتكى إلى الله عز وجل ) فأنزل الله تعالى آية الظهار ويدل عليه أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم شاور الصحابة فى أمر الأذان فاختلفوا عليه ثم إن عبد ~~الله بن زيد رأى الرؤيا على ما عرف وقد روينا أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال لعمر رضى الله عنه حين سأله القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت وفى حديث ~~الخثعمية أرأيت لو كان على أمك دين قال تعالى @QB@ عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم @QE@ وقد كان أذن لهم بالرأى ويدل على ما ذكرناه قصة داود وسليمان ~~صلوات الله عليهما على ما ذكر الله عز وجل وهو قوله تعالى @QB@ وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ ففهمناها سليمان ~~@QE@ وكانا حكما بالاجتهاد وهذا كله بمعنى وهو أنه كما يجوز فى العقول أن ~~يكون مصلحتنا أن نعمل بالاجتهاد بالأمارة تددل عليه مرة ونعمل بالنص مرة ~~إذا وجد كذلك جاز مثله فى النبى صلى الله عليه وسلم وليس يحيل العقل ذلك فى ~~النبى صلى الله عليه وسلم ويصححه فينا كما لا يصححه فى زيد ويمنع منه فى ~~عمرو لهذا يجب عليه وعلينا أن نعمل باجتهادنا فى مضار الدنيا ومنافعها وإذا ~~ثبت أن ms551 العقل ا يمنع من التسوية بيننا وبين النبى صلى الله عليه وسلم وبين ~~الأمة ولم يرد شرع يفرق بينه صلى الله عليه وسلم وبيننا صارت الدلائل ~~مستمرة على عمومها واستدل من جوز الاجتهاد للصحابة بمحضر النبى صلى الله ~~عليه وسلم بما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر سعدا أن يحكم فى أمر ~~بنى قريظة والرسول صلى الله عليه وسلم حاضرا وروى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر عمرو بن العاص أن يحكم بين نفسين على أنه إن أصاب فله عشر حسنات ~~فقال يا رسول الله أجتهد وانت حاضر قال نعم ولأنه إذا جاز الاجتهاد فى غيبة ~~النبى صلى الله عليه وسلم وخطأه لا يستدرك فلا يجوز بحضرة النبى صلى الله ~~عليه وسلم ولو أخطأ يستدركه النبى صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى ~~PageV02P104 # وأما الجواب عما ذكروه قلنا أما قوله تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو ~~إلا وحي يوحى @QE@ فلا دليل من هذه الآية فى موضع الخلاف لأن الآية نزلت فى ~~شأن القرآن ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأى الصواب عن ~~عقل ونظر فى أصول الشرع أما قولهم إن النبى صلى الله عليه وسلم قد توقف فى ~~أشياء قلنا إن كان قد توقف في مواضع فقد اجتهد في مواضع على ما سبق وعلى ~~أنه كان يجوز له أن يجتهد فيما له أصل من الكتاب فيحمل غيره عليه فأما ما ~~لا أصل له فلا سبيل إلى الاجتهاد فيه # فأما الذى اعتمدوه من قولهم إنه لو جاز الاجتهاد له لجاز لغيره مخالفته ~~قلنا نحن نقول يجوز له صلى الله عليه وسلم الاجتهاد وأما مخالفة غيره له ~~حرام فإن قيل كيف يحرم مخالفة قول صدر عن اجتهاد ويمنع مجتهد آخر عن ~~الاجتهاد فيه # ببينة أنه لا يتصور أن يحرم على غيره المخالفة إلا بعد أن يكون الدليل ~~قطعيا وإذا لم يكن للنبى صلى الله عليه وسلم فى نفسه قطعيا كيف يكون فى ~~غيره قطعيا قلنا بلى ms552 قد يجوز صدور القول عن اجتهاد لكن يحرم على غيره ~~المخالفة لكونه نبيا فى نفسه وإنما حرم المخالفة وإن صدر عن الإجتهاد لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن الخطأ فى الأحكام فإذا كان معصوما عن ~~الخطأ محروسا عن الزلل كان مصدورا منه محكوما بصحته مقطوعا بذلك فلذلك حرمت ~~المخالفة ومن استحل كفر ويجوز أن يصدر الحكم عن الاجتهاد ثم ينضم إليه ما ~~يوجب القطع بالصحة ويتضمن تحريم المخالفة بدليل الإجماع الصادر عن الاجتهاد # وأما قولهم هل يقطع على العلة التى استخرجها أنها علة الحكم قلنا نحن ~~نقطع بذلك لأنه واجب علينا اتباعه وهو لا يقطع بذلك لأنه مجتهد ولأنا نعلم ~~أنها علة الحكم قطعا لما قام لنا من الدليل أنه معصوم عن الخطأ # وأما قولهم إن الاجتهاد بحضرته حكم بالظن مع إمكان التوصل إلى العلم قلنا ~~إذا اجتهد وأقر هو صلى الله عليه وسلم على ذلك فقد وقع لنا بحضرته العلم ~~بذلك ولأنه إن أخطأ يمنعه منه على أنه يجوز الحكم بالظن مع أمكان العلم ~~بدليل أنه لا يجوز الحكم بخبر الواحد من إمكان الرجوع إلى قول جماعة يقع ~~الخبر بخبرهم والله اعلم # وقد بينا اختلافهم فى جواز الاجتهاد بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم وقد ~~قال بعضهم إذا أذن PageV02P105 النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك والأولى أن ~~يقال إنه لا يجوز لمن حضر النبى صلى الله عليه وسلم أن يجتهد قبل سؤال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما لا يجوز لأن للمجتهد أن يجتهد قبل طلب النص ~~كما لا يجوز لسالك فى برية مخوفة أن يعمل على رأيه مع تمكنه من سؤال من ~~يخبره عن الطريق عن علم وإذا سأل النبى يجوز أن يكله النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى اجتهاده ليس من ذلك مانع لا من حيث العقل ولا من حيث الشرع # | فصل # وإذا عرفنا من يجوز له القياس فالكلام بعد ذلك فيما يجوز فيه أستعماله # اعلم أن التعبد فى جميع الشرعيات بالنصوص جائز ms553 ومن الممكن أن ينص الله ~~تعالى على صفات المسائل فى الجملة فيدخل تفاصيلها وهى فيها بالنص على صفات ~~المسائل يجوز أن ينص على جريان الربا كل مطعوم فيدخل فى ذلك أنواع ~~المطعومات وينص على تحريم كل مسكر فيدخل فيه الخمر والنبيذ وكل ما يشبهه ~~فأما التعبد فى جميعها بالقياس فلا يصح لأن القياس حمل فرع على أصل بنوع ~~شبه بينهما فإذا لم يكن أصل فكيف يتصور القياس # ببينة أنه قياس الشيء على نفسه وهذا لا يجوز وإذا علم أنه لا يجوز إثبات ~~جميع الأحكام الشرعية بالقياس # فنقول ليس القياس تتخصيص شئ دون شئ من الأحكام بعد أن لا يكون جميعها ~~ثابت بالقياس فعلى هذا قال الأصحاب تثبت جميع الأحكام الشرعية بالقياس على ~~معنى أن لا يتخصص بشئ دون شئ بل يجوز أن يستعمل القياس فى كل حكم من أحكام ~~الشرع # ويتفرع على هذه المسألة المعروفة مع أصحاب أبى حنيفة وهى مسألة استعمال ~~القياس فى الحدود والكفارات وفى المقادير كلام على ما سنبين إن شاء الله ~~تعالى PageV02P106 # | مسألة # يجوز أثبات الكفارات والحدود بالقياس على مذهب الشافعى رحمة الله عليه # وعند أصحاب أبي حنيفه لا يجوز وقال أبو الحسن الكرخى لا يجوز تعليل ~~الحدود ولا الكفارات ولا العبادات ولهذا منع من قطع القياس بالقياس ومنع من ~~إيجاب الحد على اللوطى بالقياس ومنع من الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس ومنع ~~من إيجاب الكفارة من قتل العمد بالقياس قال ولا فرق بين الكفارات الجارية ~~مجرى العقوبات وبين ما لايجرى مجرى العقوبات ومنع أيضا من إثبات النصب ~~بالقياس ولهذا الأصل لم يوجب الزكاة فى الفصلان وصغار الغنم وقد منعوا أيضا ~~ثبوت كثير من هذا بخبر الواحد ومنعوا أيضا من استعمال القياس فى المقادير ~~والأصح على مذهبنا جواز القياس فى المقادير أيضا ومنع أبو الحسن الكرخى ~~أيضا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة كأجرة الحجام وقص الشارب والاستصناع ~~فيما جرت به العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك وقد تتبع الشافعى رحمة ~~الله عليه مذاهبهم وأبان أنهم ms554 لم يفوا بشئ مما ذكروه ونورد كلام الشافعى ~~رحمة الله عليه على وجهه قال الشافعى رحمة الله عليه أما الحدود فقد كثرت ~~أقيستكم فيها حتى تعديتموها إلى الاستحسان وهو فى مسألة شهود الزنا فإنهم ~~أوجبوا الحد فى تلك المسألة وقضوا PageV02P107 أنه استحسان وأما الكفارات ~~فقد قاسوا الإفطار بالأكل فيها على الإفطار بالوقاع وقد قاسوا قتل الصيد ~~ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى @QB@ ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ وأما المقدورات فقد قاسوا فيها ~~ومما أفحشوا فى ذلك عدد الدلاء عند وقوع الفأرة فى البئر ثم أدخلوا تقديرا ~~على تقدير فقدروا للحمامة غير تقدير العصفور والفأرة وقدروا للدجاجة غير ~~تقدير الحمامة وقدروا الحوض بالعشر فى العشر وأما الرخص فقد قاسوا فيها ~~وتناهوا فى البعد فإن الاقتصار على الأحجار فى الاستنجاء من أظهر الرخص ثم ~~اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النجو ~~فانتهوا فى ذلك إلى نفى إيجاب استعمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين ~~عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهموا هذا التخفيف منه فى هذا الموضع ~~المخصوص لشدة البلوى فيه وكانوا على تحرزهم فى سائر النجاسات على الثياب ~~والأبدان ثم قال الشافعى رحمة الله عليه من شنيع ما ذكروه فى الرخص إثباتهم ~~لها على خلاف وضع الشرع فيها فإنها مثبته تخفيفا وإعانة على ما يعانية ~~المرء فى سفره من كثرة أشغاله فأثبتوها فى سفر المعصية فهذا الذي ذكروه ~~يزيدونه على القياس إذ القياس تقرير المنصوص عليه قراره وإلحاق غيره به ~~وهذا قلب لوضع المنصوص في الرخص بالكلية قال الإمام رحمة الله عليه ~~والمناقضات للقوم طبيعة لا يمكن نزعها منهم بحيلة وما من أصل لهم فى الأصول ~~وفي الفروع إلا ولهم فى ذلك من أصولهم لفروعهم مناقض وهذا لأن القوم لم ~~يبنوا فروعهم على أصول صحيحة وإنما وضعوا المسائل على أشياء تراءت لهم ثم ~~تراءت لهم غيرها فى مسائل أمثال المسائل الأولة فحكمها بغير ms555 تلك الأحكام ~~وراموا الفروق بالخيالات وهيهات ثم هيهات ما أبعدهم عن ذلك فإن الآراء ~~مستعصية على ما لم يسندها إلى أصول صحيحه ومن أراد عد مناقضاتهم جاوز ~~الألوف وبلغ مبلغا ينتهى دونه الحد والعد ولولا أنا آثرنا إثبات المسائل فى ~~الأصول والفروع والمعانى وإلا جمعنا من ذلك ما يتحير معه الناظر وتعجب منه ~~المناظر ولو صرفنا إليه طرفا من العناية لم يعدمه طالبه رجعنا إلى الكلام ~~فى أصل المسألة وحجة من أبى ذلك من أطلقه احتج من منع دخول القياس فى ~~الحدود والكفارات وقال الحد شرع للردع والزجير عن العاصي والكفارة وضعت ~~لتكفير الإثم وما يقع به الردع عن المعاصى ويتعلق به التكفير عن المآثم إلا ~~الله عز وجل لأن الإنسان يردع بالقليل من العقوبة وقد لا يرتدع بالكبير ~~فمقدار ما يقع PageV02P108 به الردع لا يتصور أن يعلمه إلا الله عز وجل ~~وكذلك ما يكفر الإثم لا يعلمه إلا الله تعالى وربما عبروا عن هذا وقالوا إن ~~وجوب الحدود مصالح للعباد والمصلحة لا تثبت بالقياس وأيضا فإن الحدود ~~والكفارات تختلف بحسب المآثم والمآثم لا تعرف بالقياس وكذلك المقادير ~~مشروعة على مقادير معلومة لمصلحة العباد وقد بينا أنه لا مدخل للقياس فى ~~معرفة المصالح قالوا ولأن القياس موضع شبهة لآنه إلحاق فرع بأشبه الأصلين ~~فيبقى الأصل الآخر شبه والحدود تسقط بالشبهات فلا يجوز إيجابها بدليل لا ~~يخلو عن الشبة وأما دليلنا وهو أن القياس دليل الله تعالى ودليل الله تعالى ~~يجوز أن يثبت به الحدود والكفارات دليله الكتاب والسنة ويقال أيضا إثبات ~~حكم شرعى بدليل من دلائل الله تعالى فجائز كما لو كان الحكم سوى الحدود ~~والكفارات والقياس على خبر الواحد قياس معتمد لأن كل واحد من الدليلين لا ~~يفيد إلا قوة الظن فإذا جاز إثبات هذه الأحكام بخبر الواحد جاز بالقياس ~~والحرف المعتمد أن الدلائل التى قامت على صحة القياس قد قامت على الإطلاق ~~من غير تخصيص موضع دون موضع فصار القياس صحيحا استعماله فى كل موضع إلا أن ~~يمنع ms556 منه مانع ولا مانع فى الحدود والكفارات فإن قبل وجد مانع قلنا بينوا ~~فإن تعلقوا بالشبهة التى ذكرناها أخيرا فى كلامهم وزعموا أن ما سقط بالشبهة ~~لا يجوز إثباته بدليل مطلوب لأن الظان معترف ببقاء إمكان ما وراء ظنه فوجب ~~أن يحصل الدرأ بذلك الإمكان فنقول على هذا أن خبر الواحد داخل على هذا فإنه ~~لا يفيد إلا الظن ومع ذلك يجوز إثبات الحدود والكفارات به وأيضا فإنهم لم ~~يمنعوا من استعمال القياس فى القصاص والقصاص يندرئ بالشبهات قطعا ويدل عليه ~~أن الحدود تثبت بالشهود عند الحكام وشهاداتهم لا تفيد إلا الظن ومع ذلك جاز ~~إيجاب الحد بهما وكذلك الكفارة فسقط ما قالوه ثم المعتمد من الجواب هو أن ~~وجوب العمل بالقياس ليس بمظنون وقد ذكرنا هذا من قبل ونعنى بهذا أنا جعلنا ~~القياس حجة بالدلائل القطعية لا بدلائل مظنونة وأما تعلقهم بقولهم إن الحد ~~للزجر عن المعصية والكفارة لتغطية المأثم وهذا لا يهدى إليه القياس قلنا ~~ولم قلتم إنه لا يهتدى إليه بالقياس بل القياس يهتدى إلى كل ما يمكن ~~استخراج معنى مؤثر منه ومسألتنا من هذا الباب لأن المسألة مصورة فى مثل هذا ~~الموضع ونظيره أن تستخرج معنى من الزنا إيجاب الحد فقياس اللواط وأيضا ~~PageV02P109 يستخرج معنى من السارق فقياس عليه النباش وكذلك فى الكفارات ~~بقياس العمد على الخطأ فى القتل ويقاس الغموس على اليمين فى المستقبل فى ~~إيجاب الكفارة وكذلك تقاس كفارة الظهار على كفارة القتل فى شرط الإيمان ~~وإنما صح القياس فى هذه المواضع لأنا علمنا معانى صحيحة فى هذه الأصول فصح ~~قياس الفروع عليها بتلك المعانى وقد علموا هم بمثل هذا فى القياس الأكل على ~~الوطء إيجاب كفارة الفطر فإن قيل هل يصح إثبات حد مبتدأ بالقياس أو كفارة ~~مبتدأه قلنا لا طريق يوصل القياس إلى إثبات حد مبتدأ وكذلك لا طريق يوصل ~~إلى إثبات كفارة مبتدأه بالقياس ولو كان الطريق يصح إثباته من جهته لصح ~~إثباته وأما فى المسائل التى ذكرناها بالقياس يمكن فوجب ms557 استعماله وعلى هذا ~~القول فى المقدير إذا عرف معناها وثبت تأثيرها يجوز القياس عليها وعلى أنا ~~قد بينا أن كثيرا من أصحابنا قالوا إن أثبات الأسامى التى يبتني عليها ~~الأحكام فى الشرع يجوز بالقياس وقد بينا هذا من قبل وقد ذكر أبو زيد فصلا ~~يرجع إلى هذا الأصل قال وأما تعدى الحكم ففصل عظيم الفقة عزيز الوجود وقاله ~~فيما قال الشافعى رحمة الله عليه إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسا على ~~المعقود لأنه يمين الله تعالى مقصودة قال وهذا التعليل لم يقع لتعديه حكم ~~المعقودة إليها بل لتعديه اسم اليمين الثابت لغة وبيان ذلك أنا أجمعنا أن ~~كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين واختلفنا فى يمين الغموس أنها يمين حقيقة ~~أو يمين تسمية مجاز كبيع الحر وغيره فقلنا إنها ليست بيمين حقيقة بل إنما ~~تسمى يمينا على طريق المجاز ولا تجب كفارة اليمين بما ليست بيمين وقال ولا ~~يجوز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوى بالقياس الشرعى بل يجب تعرفه من طريق ~~لسان العرب فيقال إن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعا وشرعا فلا ~~يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق فإنها ما لا يحتمل الصدق بحال فلا يكون ~~محلا لليمين كالبيع شرع لتمليك المال فما ليس بمال لا يكون محلا له قال ~~ولذلك أبطل أبو حنيفه قياس اللواط على الزنا فى إيجاب الحد لأن حد الزنا لا ~~يجب إلا بالزنا فيكون التعليل واقعا لإثبات الاسم اللغوى بالقياس قال وكذلك ~~لا يجوز تحريم الثلث الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم الخمر له ~~بالقياس لأن الخمر اسم لغوى قال وليس إيجاب الكفارة PageV02P110 بالأكل ~~إلحاقا بالجماع بالقياس والكفارة ليست بكفارة جماع إنما هى كفارة إفطار ~~والأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الكفارة ~~أنما تتأدى بالكف عن اقتضاء بالشهوتين والفطر بالاقتضاء يقع من حيث انعدامم ~~الكف بفعل منه فكان الباب واحدا وأنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل ~~بأى آلة قتل به المقتول ms558 إذا استوت الآلات فى إيجاب ما يكون قتلا قال وأما ~~إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه ليس هذا الفعل ~~والأفعال التى ذكرناها من باب اقتضاء الشهوة واحد لأن المحل غير مشتهى طبعا ~~وكان بمنزلة الاستمتاع بالكف أو الإدخال فى شق جدار أو في شق إليه وإنما ~~سمى هذا الفعل جماعا مجازا لأجل ما يشبه الجماع صورة وإذا ثبت أنه ليس هذا ~~الفصل وطء البهيمة بابا واحدا فلو وجب الحد بوطء البهيمة أو الميتة لوجب ~~بالقياس وقد بينا أن اسم الجماع فى هذا الفعل ساقط وإثبات الاسم اللغوي ~~بالقياس ساقط قال كذلك قلنا لا يجب القطع على النباش لأن القطع فى السرقة ~~حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم فى النباش لأن السرقة اسم للأخذ ~~مسارقا عن صاحبه وهذا لا يتصور فى الكفن لأن صاحبه ميت وقد سقط القياس ~~الشرعى لإثبات الاسم ولا قطع بالاجماع بدون اسم السرقة وهذا لأن الأسماء ~~ضربان حقيقة ومجاز وسبب الحقيقة وضع الواضع وهذا لا يعرف إلا بالسماع وسبب ~~المجاز استعارة العرب لاسم آخر بطريق لا يعرف طريق استعمالهم اللغة الشرعية ~~والنظر فى أصولها بل يعرف بالنظر فى كلام العرب قال ومن هذه الجملة الكلام ~~فى أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتق أو لا ولفظ التمليك حل يصلح ~~كناية عن النككاح أو لا قال ومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة فى ~~القتل وقياسهم الظهار عليها بعلة أنه يجب فى تكفير وإنما لم يجز القياس فى ~~هذه الصورة لأن زيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر فصار تعريفنا للحكم الثابت ~~نصا فامتنع ألا ترى أنه لا يجوز الزيادة على صوم ستين يوما ولا إطعام ستين ~~مسكينا قال وعلى هذا تخرج مسألة رد شهادة القاذف إذا تاب فإنا نقول إن هذا ~~حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وقد دل نص الآية على هذا فإذا عللتم لإخراج ~~رد الشهادة من كونه حدا وتعلقتم بالفسق فقد تعرضتم للحكم الثابت أيضا ~~بالتنقيص وهو تنقيض حد القذف عما أوجبه النص فلم ms559 يجز إثباته بالقياس قال ~~وعلى هذا لا يقبل القياس فى إيجاب التمليك فى الإطعام للكفارة لأن الخلاف ~~وقع فى قدر الواجب بنص التكفير فقلنا إنه الإطعام بلا قيد التمليك وقلتم ~~PageV02P111 إنه واجب بهذا القيد فصار هذا مثل زيادة الإيمان فى الرقبة ~~المطلقة فى الظهار قال وعلى هذا قول من قال إن الحرمة بين المتلاعنين بلعان ~~الزوج من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمى بنص الله تعالى وهى شهادات ~~مؤكدة بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للإجماع بعد التلاعن منها بالسنة وهى ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ) وكان إيجاب الحرمة ~~بلعان الزوج وحده زيادة فى الحكم قال والحرف فى هذه المسائل كلها أن ~~التعليل لتعديه حكم النص إلى الفرع من غير تعرض للحكم نصا بوجه ما حتى لا ~~يؤدى إلى تغييره بإثبات زيادة فيه أو نقصان منه قال ومن جنس ما ذكرنا أن ~~المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدنا فى الفرع نصا يمكننا العمل به ~~من غير أن نقيسه على أصل آخر يكون قياس ذلك الفرع على غيره فاسد على هذا لا ~~يجوز قياس قتل العمد على قتل الخطأ فى الكفارة لا يجوز أيضا قياس قتل ~~المسلم فى دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلمين فى درانا فى إيجاب ~~الضمان وكذلك لا يجوز قياس المحصر على الممتنع فى إيجاب الصوم بدلا عن ~~الهدى عند العدم وكذلك لا يجوز قياس المطلقة التى لها مهر مسمى على التى ~~طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر إيجاب المتعه لأن هذه الحوادث كلها منصوص ~~عليها فلم يجز قياس بعضها على بعض # | فصل # وقد قال أبو زيد إن شرط القياس أربعة # إحداها أن لا يكون الاصل مخصوصا بحكمة آخر # والثانى أن لا يكون معدولا به عن القياس # والثالث أن يتعدى الحكم الشرعى بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه # والرابع أن يبقى الحكم فى الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل ~~التعليل # أما الأول فلأنه عنى متى ثبت اختصاص الحكم ms560 بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية ~~الثابته بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة معارضة للنص # وأما الثانى فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك ~~لمعارضة النص أياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته فى الفرع بالقياس كالنص إذا ~~جاء نافيا للحكم لم يجز إثباته به PageV02P112 # وأما الثالث فلأن المقايسة هى المحاداة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها فى ~~شئ واحد ومتى لم يتعد الحكم إلى الفرع بقى الأصل وحده فلا يكون النظر ~~لإثبات الحكم فيه مقايسة ويتبين أن محل المقايسة حادثتان سوى بينهما ~~بالمقايسة # وأما الرابع فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس ليغير حكمه ~~بوجه ولأن الرأى مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث يثبت فيه النص # قال ومثال الأول أن الله تبارك وتعالى شرط العدد فى جميع الشهادات وثبت ~~بالنص قبول شهادة خزيمة بن ثابت وحدة وكان مخصوصا بذلك وقد اشتهر من ~~الصحابة بهذه الفضيلة فلا يجوز إبطال هذا التخصيص بالتعليل وكذلك حل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم تسع نسوة إكراما له فلا يجوز تعليله ولهذا ثبت بالنص أن ~~البيع يقتضى محلا مملوكا معلوما مقدورا على تسليمه وجوز التسليم فى الدين ~~بالنص وجاء النص بشرطه بالأجل فلا يجوز إبطال التخصيص بالتعليل ثم قال وقد ~~قال الشافعى رحمة الله عليه لما صح نكاح النبى صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~الهبة على سبيل الخصوص بقوله @QB@ خالصة لك @QE@ بطل التعليل قال وقلنا بل ~~التخصيص فى سلامة البضع بغير عوض وفى اختصاصه فى المرأة بألا تحل لأحد بعده ~~وهذا مما يكون على طريقة الكرامة فأما الاختصاص بلفظ الهبة مع سهولة ذكر ~~لفظ النكاح فلا كرامة فيه وكذلك المنافع جعلت أموالا كالأعيان فى التجارات ~~ولم يجعل كذلك عندنا فى الاتلاف والغصب فصار كون مال المنافع معادلة مالية ~~الأعيان مخصوصة بالتجارات وعندنا لأن الأصل فيها أن ماليتها دون مالية ~~الأعيان بدرجات لأن المنافع أغراض لا تنفى زمانين والأعيات جواهر تتبقى ~~أزمنة وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا ms561 يخفى وكذلك ما يبقى وما لا يبقى ~~إلا أن الشرع سوى فيهما فى التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم ~~إلى الأعيان لإقامة المصالح ويتعذر وصول المحتاج إلى المنافع إلا بمال هو ~~عين وهذه الضرورة غير ثابتة فى الإتلاف لأنه منتهى عنها والسبيل فى ذلك أن ~~لا يوجد فلم تلتحق المنافع فى حق الإتلاف بالأعيان قال وكذلك جواز بيع ~~المنفعة قبل الوجود والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء ~~البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة فى الأعيان فصار حكمها مخصوصا بموضع ~~الضرورة فهذه أمثلة الشرط الأول قال وأما أمثلة الشرط الثانى هو مما كان ~~معدولا به عن القياس فهو كأكل الناسى فى الصوم فإنه معدول به عن القياس ~~وذلك لأن فيه بقاء القربة مع وجود ما يضاد فإن ركنه الكف والأكل سواء كان ~~ناسيا PageV02P113 أو عامدا يضاد ركنه فصار الحكم بأنه يؤدى صومه مع عدم ~~الركن وهو الكف معدولا به عن القياس فلم يجز قياس المكره والمخطئ عليه ولا ~~قياس الصلاة والحج على الصوم وأما بقاء الصوم مع الجماع ناسيا ولا نص فيه ~~أنما كان لأن الجماع من جنس الأكل من حيث تفويت الأداء والصوم تأدية بالكف ~~عن قضاء شهوتى بطنه وفرجه وذهاب الصوم عن استيفائهما بطريق الأداء الذى هو ~~ركن العبادة وكانا جنسا واحدا وإن اختلف الاسمان فالأكل والشرب واحد فى حق ~~الإفطار # | فصل # واعلم أن هذا الذي ذكرنا اشتمل على مسائل من الأصول معروفة # منها أن العلة التى لا تتعدى هل تكون صحيحة أو لا وهل التعدية شرط صحة ~~العلة أو لا # ومنها أن الأصل الثابت بخلاف قياس الأصول هل يجوز القياس عليها أو لا # ومنها أن تعليل الأصل هل يوجب أن يكون الحكم ثابتا فى الأصل بالنص والعلة ~~جميعا وهل يدل ثبوت الحكم فى موضع لا توجد فيه العلة على فساد العلة أو لا ~~وإذا عرفنا من هذه المسائل يشير إلى طرف من الجواب عما قاله وقبل الشروع فى ~~هذه المسألة نقول إنا وإن ms562 ذكرنا أن استعمال القياس فى الحدود والكفارات ~~والمقادير جائز خلاف ما يقول الخصم ولكن مع هذا لا ننكر أن يوجد فى الشرع ~~ما لا يتعلل ويلتحق بمحض التعبد الذي ينحسم سلوك سبيل القياس فيه وعلى هذا ~~فلا بد من علامة وأمارة تعرف بها القسم الذي يجرى فيه التعليل من القسم ~~الذى لا يجرى فيه التعليل وهذا عويص عسر لكن مع هذا نقول كل حكم يمكن أن ~~يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو نص سنة أو إجماع فإنه يعلل وما لا يصح فيه ~~مثل هذا فإنه لا يعلل سواء إن كان من الحدود أو الكفارات أو المقادير أو ~~الرخص ثم قد تنقسم العلل أقساما فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو كل ما يمكن ~~أبدا معنى فى أصله وفرعه وقسم يعلل بجملته ولا يعلل تفاصيله لعدم المراد ~~التعليل فى التفاصيل # ومنها قسم آخر لا يعلل جملته لكن بعد ثبوت جملته يعلل تفاصيله كالكتابة ~~والإجارة وفروع تجمل الغافلة وقد يوجد قسم لا يجرى التعليل فى جملته ولا ~~تفاصيله مثل الصلاة وما تشتمل عليه من القيام والتعوذ والركوع والسجود وغير ~~ذلك وربما PageV02P114 يدخل فى هذا القسم الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص ~~وقد قيل أيضا إنه لا محال القياس فى الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله بل ~~يتبع محض النص وقد قيل إن الوضوء معقول المعنى فإنه مشعر بالتنظيف والتنقية ~~وقيل إن الصلاة يعقل منها الخشوع والاستكانة والابتهال للمعبود وأما ~~الشهادة فقد قالوا أصلها معقول المعنى وهو الثقة وحصول غلبة الظن والمقصود ~~من مزيد العدد زيادة الثقة ومما يعقل فى الشهادة أيضا أن شهادة النساء لا ~~تقبل لما غلب عليه من الذهول والغفلة ونقصان العقل فأصول هذه المعانى ~~معلومة ولكن لا سبيل إلى طرد التعليل فى التفصيلات وأما أصل عقود المعاملات ~~معقولة المعنى إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعا من التعبدات يلزم اتباعها ولا ~~يجوز تجاوزها وتعديها ولهذا تقول من اشترى شاة من قطيع من الغنم على أنه ~~بالخيار يأخذ أيها شاء والبائع بالخيار يعطى أيها شاء لا ms563 يجوز وإن كنا لا ~~نعقل فيه معنى فاسد وبهذا يتبين أن المعنى الذى اعتمده أصحاب أبى حنيفة فى ~~أن الجهالة إنما تفسد العقل لأنها مؤدية إلى المنازعة باطل فإن هذه الجهالة ~~لا تؤدى إلى هذا ومع هذا لم يجز العقد وكذلك إذا قال بعتك عبدى بما باع به ~~فلان أمس وكانا جاهلين بمبلغ الثمن فإنه يكون باطلا كذلك إذا قال بعتك هذا ~~الثوب بزنة هذه السنجة أشار إلى سنجة مجهولة القدر بطل البيع ولا منازعة فى ~~مثل هذا العقد وللشارع تعبدات يلزم اتباعها فى المعاملات كما يلزم فى ~~العبادات فلا تسقط تلك التعبدات بإسقاط العباد ذلك فإن كانت المعاملات ~~أصلها جاريا فى حقوق العباد لأن المعاملات وإن كانت من حقوق العباد لكن ~~يلزمهم اتباع الأوامر فيها لأن الله تعالى أعلم بمصالحهم لأن أوامره كلها ~~من حدود الدين ولا يجوز الإخلال بها بوجه ما وأن وجدت الأوامر والتكليفات ~~صارت حدود الدين وكانت متبعة لا يجوز تركها ومن جنس ما ذكرنا التذكية فإن ~~الذبح معقول المعنى لما فيه من تطيب اللحم وإزالة الخبيث من الطيب ورفع ~~الخبث من المحل ثم اختص بذابح مخصوص ومحل مخصوص تعبدا وكذا التضحية اختصت ~~بأجناس مخصوصة ووقت مخصوص والتفريعات على ما قلناه فى المسائل تكثر وقد ذكر ~~الأصحاب أمثلتها فى الخلافيات وربما يأتى بعض ذلك من بعد وأما المسائل التى ~~وعدنا ذكرها فنبتدى بمسألة العلة إذا كانت غير متعدية PageV02P115 # | مسألة # يجوز تعليل الأصل بعلة لا تتعداه عندنا وتكون علة صحيحة # وقال أصحاب أبى حنيفة هى باطلة وقد ذهب إليه بعض أصحابنا وبين المتكلمين ~~فى ذلك خلاف مذهب أبو عبد الله البصرى إلى ابطالها وأما عبد الجبار بن أحمد ~~وحزبه يصححونها واستدل من قال ببطلانها ذلك لأن هذا تعليل غير مفيد فيكون ~~باطلا وإنما قلنا غير مفيد لأن فائدة التعليل ليس إلا التعدية فإن حكم ~~الأصل ثابت بالنص فصار تعليل الأصل بحكم الأصل مستغنى عنه بالنص فلا فائدة ~~للتعليل فى الأصل ولا فرع له حتى تظهر فائدته فيه ms564 فثبت أن هذا تعليل غير ~~مفيد وما لا فائدة فيه يكون عبثا والعبث حرام يدل عليه أن ما لا فائدة فيه ~~لا يجوز أن ينصب الله عليه أمارة فإذا كانت العلة قاصرة علمنا أن الله ~~تعالى لم ينصب عليها أمارة وما لا أمارة عليه لا يجوز أن يكون علة هذا حجة ~~أبى عبد الله البصرى وقد قال أيضا إن الصلة الشرعية أمارة ولا أمارة ~~كالدلالة فى أنها كاشفة عن شئ ولا يتصور دلالة ولا إمارة ولا يكشف عن شئ ~~والتعليل عن الأحكام والعلة القاصرة لا يكشف عن حكمه فى أصل ولا فرع فلم ~~يكن أمارة ولا علة واحتج أبو زيد فى هذه المسألة بأن التعليل إنما يصار ~~إليه بكونه حجة زائدة بعد النص وحجج الله تعالى إنما تكون حججا لإيجاب ~~العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأى لا يكون موجبا علما وإنما صير إليه ~~لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد علما فيما لم يتناوله النص ولا فيما ~~تناوله النص أما فيما لم يتناوله النص فلأنه لا فرع له وأما فيما تناوله ~~النص فلأن النص فوق التعليل PageV02P116 وإذا ثبت بالنص لم يثبت بالتعليل ~~فإن قلتم يثبت بالنص والعلة جميعا لم يصح لأن التعليل لا يصح لتغير حكم ~~النص فكيف يصح لإبطاله وهذا الذي قلتم يتضمن إبطال حكم النص لأن الحكم كان ~~ثابتا بالنص على الاستقلال فبطل ثبوته على هذا الوجه حيث صار ثابتا به ~~وبغيره قالوا وإذا لم يتضمن الإبطال فلابد أنه يتضمن التغيير ولا يجوز ~~تغيير حكم النص المعلول بعلته وإذا لم يتغير بقى الأول بعيينه وهو ثبوت ~~الحكم بالنص وقصره عليه قال وهذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق ~~الحكم بعينه ولأن هذا التعليل لا يوجب الحصر لأن تعليل النص بعلة خاصة لا ~~يمنع التعليل بأخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين إحديهما أكثر تعديا من ~~الأخرى يدل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما سنبين فإذا لم يوجب ~~قصر الحكم على النص قالوا ولا يجوز ms565 أن يقال فائدته معرفة الحكمة من المشروع ~~لأن معرفة الحكمة لا تفيد عملا وقد بينا أن التعليل للعمل ولأن الحكمة لا ~~تكون بسبب الحكم وأما حجتنا نقول إن الدليل الذى دل على صحة العلة لم يخص ~~موضعا دون موضع والأصل إنما يمكن تعليله صح تعليله ولأن الدليل قام على ~~العلة والتعدى نافى صحة العلة لأن صحة العلة بدليلها وقد وجد الدليل من ~~التأثير على ما عرف فى مسألة تعليل الربا فى الدراهم والدنانير بالثمنية ~~وهذا لأن المسألة متصورة فى علة تكون على هذا الوجه وقد عبر بعضهم عن هذا ~~وقال العلة مستجمعة لشرائطها إخاله ومقايسة وسلامة عن الاعتراضات فى ~~معارضات النصوص وهى على مساق العلل الصحيحة وليس فيها إلا اقتصارها ~~وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا تئول إلى أن النص يوافق مضمون العلة ~~ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد على صحتها أولى من أن يدل على فسادها ~~وقد استدل عبد الجبار فى هذه المسألة وقال إن العة إذا دلت عليها الأمارة ~~غلب على ظننا وجه المصلحة وإن لم يتعد لأن وجوه المصلحة قد تخص نوعا واحدا ~~وقد يتعداه كما تقول فى وجه القبح والحسن كلها يدل عليه أن حقيقة كلام ~~الخصم هو أن صحة العلة موقوفة على أن يجتاز الإنسان إلى الخلاف فى الفرع ~~حتى يتعدى إليه فيعمل بهذا أمر مستشنع مستقبح فأما دلائلهم فمجموع كلامهم ~~يئول إلى أن هذا التعليل لا يفيد PageV02P117 قلنا نقول أولا إن المستنبط ~~للعلة طالب لها وهو فى حال الاستنباط لا يدرى ما علة الحكم وهل هى متعدية ~~أو لا حتى يقال له لا تتكلف هذا البحث والطلب وإنما تعلم أن العلة التى بحث ~~عنها إلا بتعدى بعد استيفاء الطلب ونقول أجمعنا على أن النص لو ورد بمثل ~~هذه العلة تكون صحيحة ولو جاز أن يكون الطلب لها عبثا لأنها ليست بطريق إلى ~~الحكم لا فى أصل ولا فى فرع لكان النص عليها عبثا وقوله إن النص يغنى عن ~~القياس قلنا وقوع الغنى عن الشئ ms566 لا يفسده ألا ترى أنا قد نستغنى بالقرآن فى ~~بعض الأحكام عن أخبار الآحاد وعن القياس ولا يوجب ذلك فسادهما فإن قيل خبر ~~الواحد يمكن أن يكون طريقا إلى الحكم الذى دل عليه القرآن ولا يمكن أن تكون ~~العلة القاصرة طريقا إلى الحكم أصلا قلنا أنما تكلمنا بهذا على قولكم إن ~~النص مغنى عن التعليل فيفسد وهذا الكلام الذي ذكرتم الآن هو الرجوع إلى ما ~~قلتم أنه غير مفيد وقد أجبنا عن هذا ويجب بجواب آخر وهو أن العلم بعلة ~~الحكم فائدة لأنا إذا علمنا ذلك لو ظننا صرنا عالمين أو ظانين بما لم نكن ~~عالمين به مما تتشوف النفس إلى معرفته ولا يمتنع أن يكون لنا فى ظن ذلك ~~مصلحة وفائدة أخرى وهى أن يمتنع من قياس فرع على هذا الأصل وقولهم إن هذا ~~يوجد بمجرد النص قلنا لا وذلك لأن مجرد النص لا يمتنع من القياس عليه لأنه ~~يجوز أن يعلل بوصف آخر متعدى فيقاس به فرع من الفروع عليه فإذا علمنا أن ما ~~لا يتعدى هو العلة لأن الدليل دل عليه رفضنا ما عدا ذلك الوصف فلم نقس على ~~ذلك الأصل شيئا وأما قولهم إن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها قلنا هذا لا يرد ~~على ما قلنا لأن صورة الخلاف فى تعليل الدراهم والدنانير بالثمنية ولم يكن ~~له فرع فلابد أن ينحصر الحكم فى محل النص ولا يجرى فى غيره فيفيد التعليل ~~على ما سبق وأما قولهم إن العلة لابد أن تكون كاشفة عن شئ قلنا نبطله ~~بالعلة المنصوصة إذا كانت قاصرة تكون علة صحيحة ولا تكشف عن شئ وعلى أن ~~قولهم إن شرط صحة العلة أن تكون كاشفة عن شئ قلنا إن عنيتم أنها تكشف عن ~~الحكم فهو نفس الخلاف وأن قلتم تكشف عن معنى الحكم وعلته فقد كشفت ويجوز أن ~~يتعلق به مصلحة وأما قولهم إن العلة دليل عامل فلابد له من عمل قلنا هذا هو ~~الكلام الأول وهو أنا هذا تعليل غير مفيد ms567 وعلى أنا قد بينا فائدة هذا ~~التعليل وإذا ثبت فائدة عمله ويجوز أن يقال إن الحكم ثبت بالنص والعلة ~~PageV02P118 جميعا وقولهم إن هذا تغيير حكم النص قلنا ليس فيه تغيير أصلا ~~لأن الحكم على ما سبق من غير تغيير وتبديل وقولهم إنه لا يضاف إلى النص ~~قلنا يضاف فيقال النص مقيد لهذا الحكم والعلة مقيدة له ويجوز أن يتوالى ~~دليلان على حكم واحد ولا تغيير لأن النص يدل على ما يتعلق الحكم بالنص ولا ~~يدل على عدم تعلقه بدليل آخر وهذا كالحكم يثبت بالكتاب وبخبر الواحد فإنه ~~يجوز ولا يقال إن ثبوته بخبر الواحد يغير حكم الكتاب بل لا يعرف تغيير بهذا # مسألة يجوز القياس على أصل مخالف فى نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ~~ورد به الشرع ودل عليه الدليل # والمحكى عن أصحاب أبى حنيفه أنهم لم يجوزا هذا القياس وقد ذكره الكرخى ~~ومنع من جوازه إلا بإحدى خلال ثلاث # إحداهما أن يكون ما ورد به بخلاف الأصول قد نص على علته نحو ما روى عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه علل طهارة سؤر الهرة أنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات وقال لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس عنه # والثانى أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا فى ~~عليته # والثالث أن يكون الحكم الذى ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول ~~وإن كان مخالفا للقياس على بعض الأصول كالخبر الواحد بالتحالف فى ~~المتبايعين إذا تبايعا PageV02P119 فإنه يخالف قياس الأصول ويقاس عليه ~~الإجارات لأنه يوافق بعض الأصول وهو أن ما يملك على الغير فالقول قوله فيه ~~في أنه أى شئ ملك عليه وقالوا إذا كان فى الشرع أصل يبيح القياس وأصل يحظره ~~وكان الأصل جواز القياس وجب القياس وقالوا أيضا يجوز القياس على الأصل ~~المخصوص إذا كان أحد لم يفصل بينه وبين المخصوص فيكون حكمه على ما خص من ~~جملة القياس مثل جماع الناسى وأكل الناسى وقال محمد بن شجاع البلخى من ms568 ~~أصحابهم إذا كان الخبر الواحد بخلاف قياس الأصول غير مقطوع به لم يجز ~~القياس عليه فاقتضى قوله هذا أنه إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه ~~وقد قال أصحاب أبى حنيفة إن مثال الذي يمنع من القياس عليه انتقاض الوضوء ~~بالقهقهة فى الصلاة وجواز التوضؤ بنبيذ التمر وجواز الثبات على الصلاة فيما ~~إذا سبقه الحدث وذكروا أمثلة سوى هذا وذهبوا فى تصحيح ما صاروا إليه إلى ~~إثبات الشئ لا يصح مع وجود ما ينافيه # ببينة أنه إذا جاز القياس على هذا الأصل لم يكن فرق بين هذا الأصل وبين ~~سائر الأصول فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصا من جملة القياس قالوا وليس كما ~~إذا ورد النص معللا لأنه إذا كان معللا يصير كل ما وجدت فيه تلك العلة ~~كالمنصوص عليه وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أن نقيس عليه كل ما ~~شاركه فى العلة فصار نصه عليه من قياس الأصول وكذلك إذا كان شيئا لا يفصل ~~أحد بينه وبين المخصوص فإن الحكم فى أحدهما يكون حكما فى الآخر واحتج أبو ~~بكر الرازى لهم وقال إن القياس لما وجب القول به وجب أن يكون حكما ثابتا فى ~~جميع الأحوال حتى يخصه دليل يسقط حينئذ حكم القياس فى الموضوع المخصوص ~~ويبقى حكمه فيما عدا المخصوص على ما كان عليه وهذا معنى قول فقهائهم إن ~~القياس على الأصل المخصوص من القياس لا ينفك PageV02P120 عن أصل يعارضه ~~يكون ساقطا لأن من شرطه انفكاكه عن المعارض لأن معارضة الدليل بالدليل توجب ~~توقفه عن العمل قال أبو زيد فى هذه المسألة حكم النص إذا ثبت على وجه يرده ~~القياس الشرعى لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثبات ذلك ~~الحكم فى فرع بالقياس عليه لأن القياس جاء نافيا لهذا الحكم فلم يجز إثباته ~~كالنص إذا جاء نافيا لحكم لم يجز إثباته به وأما دليلنا هو أن ما ورد به ~~الخبر أصل يجب العمل به فجاز أن يستنبط منه معنى ويقاس عليه ms569 دليله إذا لم ~~يكن مخالفا للأصول والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس ~~عليه يكون كالقياس على سائر الأصول فقد تعارض قياسان قياس على هذا الأصل ~~وقياس على سائر الأصول فكما يجوز أحدهما يجوز الآخر ثم على المجتهد أن يرجح ~~أحد القياسين على صاحبة ويجوز أن يرجح القياس على سائر الأصول على القياس ~~على هذا الأصل إذا كان هذا الأصل ثبت لا بدليل مقطوع به لأن القياس على ما ~~طريقه يفيد العلم أولى من القياس على ما يفيد الظن فأما إذا كان هذا الأصل ~~فقد صح القياس عليه ولا ترجيح بما قلنا لأن الكل ثبت بدليل يفيد العلم ~~فنطلب الترجيح بدليل آخر وهذا لأن أصول الشرع كلها سمعية فعلى هذا لا فرق ~~بين هذا الأصل وبين سائر الأصول ويكون القياس على الكل واحد وقد قال ~~الشافعى رحمة الله عليه فى بعض كتبه ملزما إياهم على هذا الأصل الذى ذكروه ~~وهو أن المعدول من القياس لا يقاس عليه غيره قال قد زعمتم أن القهقهة فى ~~الصلاة تنقض الوضوء واعتقدتم أن هذا معدول به عن القياس ثم زعمتم أنها تبطل ~~صلاته ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولا ينقدح لكم فرق معنوى ~~ولكنكم اعتمدتم قصة جرت فى صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم أن تقتصروا على ~~مورد النص ثم قلتم إن القهقهه تبطل صلاة النفل وإن لم تجز القصة فى النفل ~~فليت شعرى ما الذى عن لكم من التخصيص من وجه والإلحاق من وجه وقال أيضا فى ~~مساق هذا الكلام اعتقدتم فى التوضؤ بنبيذ التمر مع اشتمال كلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لو صح الحديث على التنبيه على ذلك فإن صلى الله عليه ~~وسلم قال ( ثمرة طيبة وماء طهور ) وهذا فى الزبيب يوجد فيقال زبيب طيب وماء ~~طهور وقد قال بعضهم محتجا لنا فى PageV02P121 هذه المسألة إنه إذا كان عموم ~~الكتاب لا يمنع من قياس فى تخصيص فبأن يكون القياس على العموم لا يمنع من ~~القياس على ms570 أصل مخالف للعموم أولى لأن العموم أقوى من القياس عليه فإذا كان ~~العموم نفسه لا يمنع من قياس على أصل فإن أدى إلى تخصيصه فوجود القياس على ~~ما يثبت بالعموم أو بأصل من الأصول كيف يمنع من القياس على أصل آخر فإنه ~~أدى إلى تخصيص الأصول أما الجواب عن دلائلهم قوله إنه إثبات الشئ مع وجود ~~ما ينافيه قلنا ولم قالوا لأن القياس على الأصول يمانع القياس على ما ورد ~~بخلاف الأصول قلنا هلا كان القياس على ما ورد بخلاف قياس الأصول يمانع ~~القياس على الأصول قالوا إذا كان القياس على ما يخالف الأصول يمنع أن يدل ~~أمارة على علة الحكم قلنا هذا دعوى لا دليل عليها وإذا جاز أن يدل على علة ~~هذا القياس النص جاز أن يدل عليه دلالة غير النص فإن قيل ما ورد بخلاف قياس ~~الأصول وإن كان ورد بطريق يفيد العلم وصار أصلا لكن لا يجوز أن يكون فى ~~القوة بمثل القياس على سائر الأصول قلنا وهذا دعوى أيضا وما أنكرتم أن يكون ~~الخبر الوارد بخلاف قياس الأصول قد غير الحكم عما كان عليه من قبل لأنه لما ~~كان ثبت بطريق معلوم صار أصلا فى نفسه فلا يمتنع أن يقع التنبيه على علة ~~ويكون التنبيه على علة أقوى من التنبيه على علة مطلوبة من سائر الأصول ثم ~~يقال لهم أليس قد جاز أن يدل عليها النص وهو أقوى وأظهر من علة الأصول فلم ~~لا يجوز أن يدل عليهما دليل آخر ويكون أقوى من دليل علة الأصول وأما قولهم ~~إن القياس إذا كان دليل الله وجب أن يثبت حكمه في جميع الأحوال حتى يخصه ~~دليل قلنا إذا كان القياس دليل الله عز وجل فالقياس الذى وجد على الأصل ~~المخصوص قياس أيضا وجب أن يكون دليل الله تعالى فإن رجعوا وقالوا إن القياس ~~على سائر الأصول يمنع من هذا القياس فقد أجبنا عن هذا وقلنا إنه ليس هذا ~~القول باولى من قول من يقول إن القياس على ms571 هذا الأصل يمنع من القياس على ~~سائر الأصول وقولهم إن القياس على المخصوص لا ينفك عن أصل يعارضه قلنا هذا ~~قول المتفقهة الذين لا تمييز لهم فليس لهم من الدرك ما يعرفون به الصحيح من ~~السقيم ويميزون به الخبيث من الطيب وإلا فوجود المعارض لا يمنع صحة القياس ~~لكن يقال للمستدل سيره إلى الترجيح وإلى تقديم أحد العلتين على الأخرى بنوع ~~دليل وأما الذى قاله أبو زيد فليس بشئ لأن القياس على سائر الأصول ليس يمنع ~~من القياس على هذا الأصل لكن يعارضه ثم لابد PageV02P122 من طلب الترجيح ~~على ما سبق وليس إثبات هذا الفرع بالقياس إثبات شئ بالقياس يمنعه القياس بل ~~الدليل الذى دل على كون القياس صحيحا مطلق لهذا القياس مصحح إياه ذلك ~~الدليل لم يخص أصلا دون أصل ولا مانع فجاز القياس من غير تخصيص وما ينحسم ~~به القول فى هذه المسألة أن التعليل قد يمنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار ~~وإن كان لولا النص لأمكن التعليل وهو كقوله تعالى @QB@ إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم ( إنما ~~أحلت لى ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والأرض ) # وقال لأبى بردة بن يسار وقد جاء بجذع من شعر ( يجزيك ولا يجزئ عن أحد ~~بعدك ) فمهما منعنا نص عن القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو ~~وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر فى الفطر فإذا لم يكن ~~منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس أمكنا به على الشرائط التى ذكرنا ~~من قبل والمتبع فى منعه امتناعه وعدم تأبيه وقد قال الشافعى رضي الله عنه ~~فى بعض كتبه ولا يقاس على المخصوص ويجوز أن يؤول فيقال أنه أراد هذا فى ~~الموضع الذى لا يمكن القياس عليه والأصل فيما يجوز القياس عليه وما لا يجوز ~~أن ينظر إلى المخصوص ويمتحن فإن كان يتعدى معناه قيس عليه غيره كقياس ~~الخنزير على الكلب فى ms572 حكم الولوغ وقياس خف الحديد والخشب على خف الأدم على ~~المسح عليه وإن لم يوجد فى المخصوص وجه يمكن القياس عليه كالجنين لا يقاس ~~عليه الشخص الملفوف فى الثوب لأنه لا يعرف معنى فى الجنين فقياس به الملفوف ~~عليه والله اعلم # | فصل # واعلم أن الفصل الآخر الذى أشار إليه مما مرجوعه إلى مسألة إزالة النجاسة ~~بغير الماء من المائعات وهو قوله إن الأصل إذا علل ثبت الحكم فى الفرع ~~بالعلة وفي الأصل بالنص وقوله إن الأصل لا يتغير عما كان عليه والتعليل لا ~~يتعرض له أصلا فهذا فصل لم أر أحدا من أصحابنا أورده ويجوز أن نسلم له ذلك ~~ويجوز أن نخالف فيقال إن التعديه بالعلة لا يتصور إلا بعد ثبوت العلة فى ~~الأصل المنصوص عليه وتحققها فيه ألا PageV02P123 ترى أن الأشياء الستة لما ~~عللت لم يكن بد من ثبوت الطعم عندنا والكيل عندكم فى الأصل ثم تعدية كل ~~واحد على اختلاف المذهبين فى الفروع وأقل ما فى العلل أنها أمارات على ~~الأحكام فإذا علل الأصل فلابد أن يصير أمارة عليه ثم يتعدى فيصير أمارة على ~~الأحكام فى الفروع وإذا ثبت أن الوجود لابد منه فى الأصل فنقول بعد هذا ~~يجوز أن يقال على ما زعموا ويجوز أن يقال إن الحكم فى الأصل يثبت بالنص ~~للمعنى الذى تناوله التعليل وتصير العلة كالمنصوص عليها وقد ورد النص فى ~~مواضع دالا على الحكم مع ذكر المعنى فأما فى الفرع يكون ثبوته بمحض المعنى ~~وهذا جائز وروده مستقيم وجهه # وأما فى مسألة إزالة النجاسة فعندنا إنما يعلل التعليل فى تلك المسألة ~~لأنا بينا أنه لابد من وجود العلة فى الأصل ثم التعدية وإذا عللنا للطهارة ~~بالأدلة فلا شك أن طهارة الحدث تناولها النص ولم يوجد فيها الإزالة لأنه لا ~~شئ يزال فبطل التعليل بالإزالة وإذا بطل لم يقبل التعدية وقد ذكر بعض ~~أصحابنا فصلا في هذه المسألة أعنى مسألة النجاسة وأودعه أصول الفقه الذى ~~صنفه فقال الذي ذهب إليه جماهير العلماء مع التزام ms573 القياس والقول به أن ~~طهارة الحدث ليست بمعقولة المعنى وذهب أبو حنيفه ومتبعوه إلى أن إزالة ~~النجاسة معقولة المعنى وبنوا على هذا الفرق بين طهارة الحدث إذا تعين الماء ~~لها وبين إزالة النجاسة فإن الغرض منها رفع عينها واستئصال أثرها فإذا رفع ~~ذلك بأى مائع كان وقع موقعه قال واضطرب متبعوا الشافعى فى ذلك فمذهب ~~المتأخرين إلى أن طهارة الحدث مقعولة المعنى والغرض منها النظافة والتنقى ~~عن الأدران والأوساخ وأوضحوا ذلك بتخييل يبتدره من يكتفى بظواهر الأمور ~~فقالوا الأعضاء الظاهرة وهى الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان وبعض ~~الساق في المهن والتصرفات تبدو وتظهر ويصادفها الغبرات وغيرها فورود الشرع ~~بغسل هذه الأعضاء فى مظان مخصوصة ومواقيت معلومة ومحاسن الشريعة تؤل في ~~نهاياتها إلى أمثال ذلك والرأس مستورا بالعمامة غالبا وقد تبدو الناصية ~~والمقاديم من المستروح إلى تحتية عمامته إلى هامته فلما كان ذلك أبعد اكتفى ~~بالمسح فيه وعضد هؤلاء ما ذكروه بقوله تعالى فى سياق آية الوضوء @QB@ ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم @QE@ ولا مسلك فى نصب ~~المظنونات إلى إثبات العلل أوقع وانجع من إيماء الشارع إلى PageV02P124 ~~التعليل وقوله تعال @QB@ ليطهركم @QE@ ظاهر فى التعليل بما ذكرناه وأورد ~~هؤلاء فى هذا المعنى على أنفسهم التيمم وأجابوا عنه وقالوا إن التيمم أقيم ~~بدلا غير مقصود فى نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين له أن الغرض فى ~~إقامة التيمم مقام الوضوء إدامة الدربة فى إقامة وظيفة الطهارة فإن الأسفار ~~كثيرة الوقوع فى أطوار الناس وإعوازا لها فيه ليس بالنادر فلو أقام الرجل ~~الصلاة من غير طهارة ولا بدل عنها مرنت نفسه على إقامة الصلوات من غير ~~طهارات والنفس ما عودتها تتعود فقد تفضى النفس إلى ركونها إلى هواها ~~وانصرافها عن سراسم التكليف ومغزاه # ويسأل عن هذا فيقال لو كان المعنى هذا وجب أن يقال إذا توضأ وأسبغ وضوءه ~~ثم عمد إلى تراب فيعفر به أو تطلى بالطين وجب أن بنتقض وضوءه فإنه إذا وجب ~~الوضوء بتوقع الغبار فلأن يجب ms574 بتحقيقه أولى # وقد أجابوا عن هذا وقالوا إن الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على ~~حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يندر ويشذ ويقل فى الناس من يتطلى ~~وينتضح بالقاذورات فلا يعتبر هذا النادر الفارد # فإن قال قائل ما بال الوضوء يختص بوقوع الحدث وقد أجمع العلماء فى الشرع ~~أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة لأعضاء الوضوء وقد أجابوا عن هذا ~~فقالوا غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى وهذا لا ~~ينافى كون أصله معقولا قال الإمام جمال الإسلام رحمه الله وعندى أن هذا ~~التعليل وتكلف الأسئلة ثم تكلف الجواب عنها شئ عظيم والأصح أنه لا يتمشى ~~تعليل صحيح فى إيجاب الوضوء بل الأصح أنه تعبد محض وتكليف من الله عز وجل ~~لعباده من غير أن يتطرق إليه تعليل ولئن أمكن على التعبد وجه من المعنى ~~فإذا لم يمكن تمشيته وطرده على المعنى المذكور فالأولى الإعراض عنه والنظر ~~فيما سواه PageV02P125 # | فصل # إذا عرفنا من يجوز له القياس وما يجوز فيه القياس فنقول لا شك أن القياس ~~نظر شرعى لإثبات حكم شرعى إذا عرف أن النظر الشرعى أقساما فنقول # القياس على ضروب وقد جعلها ابن سريج ثمانية أقسام ومن أصحابنا من زاد على ~~ذلك ومجموع ذلك وجهان على ظاهر جلى وخفى غامض فالجلي الواضح ما يعلم من غير ~~معاناة فكر والخفى الغامض ما لا يتبين إلا بإعمال الفكر والروية # والجلى الواضح على ضربين # المتناهى فى الجلاء حتى لا يجوز ورود الشرع فى الفرع بخلافه مثل قوله ~~تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما @QE@ وكقوله تعالى @QB@ ما يملكون ~~من قطمير @QE@ وقوله تعالى @QB@ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك @QE@ وكقوله تعالى @QB@ ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا @QE@ ونحو هذا فإنه لا يجوز فى المعقول أن يرد الشرع ~~بتحريم التأفيف للوالدين وإباحة شتمهما وضربهما فى تجويز تجويز ذلك إبطال ~~النص من أصله وغير جائز أن لا يملكون من قطمير ms575 ويملكون ما فوق ذلك ولا أن ~~يوفوا ثواب الذرة ويحرموا ما فوق ذلك # والضرب الثانى من القياس الجلى دون هذا فى الوضوح والجلاء وكان بحيث يجوز ~~PageV02P126 ورود الشرع فى الفرع بخلاف ما فى الأصل ومثال ذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم ( لا يقضى القاضي وهوغضبان ) ومعلوم بأوائل النظر أن ما ~~يتأوى الغضب من جوع مفرط وألم مزعج ونوم مذهل بمنزلة الغضب فى المنع من ~~القضاء وأبعد من هذه تعليل ما كان من نحو قوله صلى الله عليه وسلم ( من ~~أعتق شركا له فى عبد فإن كان موسرا قوم عليه العبد ) قيمة عدل يعلم أن ~~الجارية بمنزلة العبد لتساويهما فى الرق وجاز مع ذلك أن يرد الشرع ~~بالمخالفة بين الغضب والآلام فى القضاء بين العبد والجارية فى التقويم ومن ~~الناس من زعم أن هذا ليس بقياس ولكنه من معقول الكلام ومجرى الخطاب وإلى ~~هذا ذهب الكرخى ومن يتبعه من أصحاب أبى حنيفة وذكر عبد الجبار الهمذانى ~~قالوا وإنما قلنا ذلك لأن القياس لا يدركه من ليس بقائس وهذا يستدركه من ~~ليس بقائس ويشترك فى استدراكه الخاص والعام ولو كان قياسا لاختص به أهل ~~النظر والاجتهاد ولأنه لو كان ما ذكروه من هذا قياسا لاحتاج إلى أصل وفرع ~~وعلة ولما جاز أن يكون الفرع أقوى من أصله وقد علم كل أحد أن المعقول من ~~قوله @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ أن الضرب والشتم أشد فى المنع والتحريم من ~~التأفيف والاصح أن ذلك ثابت من جهة القياس لأن غير المذكور لما علم ~~بالمذكور على طريق الاعتبار فقد حصل معنى القياس وهذا لأن تحريم الشتم ~~والضرب غير معقول من اللفظ لأنه لو عقل باللفظ لكان اللفظ موضوعا للمنع من ~~الضرب والشتم إما فى اللغة أو فى العرف ومن البين أنه غير موضوع للمنع من ~~الضرب والشتم فى اللغة وكذلك فى العرف لأن الناس لا يتعارفون هذا الاسم ~~كذلك المعين فصار المنع من الضرب والشتم باعتبارهم بالتأفيف المنصوص عليه ~~وبيان هذا أن الإنسان إذا سمع قول ms576 الله عز وجل @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ ~~إلى قوله @QB@ وقل لهما قولا كريما @QE@ علم أن هذا الكلام خرج مخرج الأمر ~~بالإعظام لهما مع ما تقرر فى الشرع من وجوب تعظيمهما وإذا علم هذا علم أن ~~الله تعالى إنما نهى عن التأفيف لأنه ينافي التعظيم ولأنه إنما يفعل هذا ~~القصد إلا استخفافا فعلم أنه PageV02P127 إنما نهى عن التأفيف لكونه أذى ~~ويعلم أن الحكيم لا ينهى عن الشئ لعلة ويرخص ما فيه تلك العلة وزيادة بل ~~يكون ذلك بالحظر والتحريم أولى فثبت ما قلنا وهو أن هذا من باب علم غير ~~المذكور من المذكور بطريق الاعتبار فيكون بطريق القياس ولا ينكر سهولة مأخذ ~~وقرب مسلك لهذا لأن هذا لا يخرجه عن كونه على طريق القياس لأن مراتب القياس ~~قد تتفاوت فى الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص فمن ذلك ما يدرك بأول ~~ما يفرع السمع ومن ذلك ما يحتاج إلى تأمل وتفكر وهذا الاختلاف لا يخرج ذلك ~~عن كونه نصا وإنما يتميز النص من غير النص بما كان مذكورا فى اسمه والقياس ~~ما لا حظ له فى الاسم وإنما أدرك معناه وأما الذى قالوه إن هذا لو كان ~~قياسا لكان يحتاج إلى فرع وأصل وعلة وقد وجدها هنا لأن التأفيف أصل والضرب ~~والشتم فرع والأذى علة وأما قوله إن غير القياس يعرف ذلك أو هذا مما يشترك ~~فى معرفته الخاص والعام قلنا قد حققنا معنى القياس على ما سبق وهذا لأن هذا ~~القياس فى نهاية الجلاء والانكشاف فلأجل هذا اشترك فى معرفته الخاص والعام ~~ونقول إنه لا يعلم تحريم الشتم والضرب بهذا الخطاب إلا بالمقدمات التى ~~قلناها إلا أن هذه المقدمات لا تحتاج إلى غامض محض فإن كثيرا من ذلك يعمله ~~المكلف قبل الخطاب مثل قولنا إن الحكيم لا يرخص فيما فيه علة المنع وزيادة ~~ومثل قولنا إن التعظيم مناف للأذى والاستخفاف وبعض ما قلناه إنما يعلم ~~الإنسان مقترنا بالخطاب وذلك قولنا إن هذا الخطاب خرج مخرج التعظيم فإذا ~~كملت هذه المعانى ms577 لكل أحد جاز أن يسمى كل أحد قائسا لأن كونه قائسا يمنع ~~هذه الأشياء فإذا وجدت كان قائسا كان عالما كان غير عالم # وأما قولهم إن الفرع لا يجوز أن يريد بيانه على الأصل قلنا الأغلب هذا ~~الذى قلتم وغير ممتنع أن يوجد فى بعض المواضع بخلاف هذا كما نقول الروم ~~أعقل من الزنج والترك أشد بأسا من الهند وقد يوجد الواحد من الزنج أعقل وقد ~~يوجد الواحد من الهند أشد بأسا وإنما يطرد الأمر على ما قالوه إذا كانت ~~الدلالة واضحة بالأكثر على الأقل فأما إذا وقعت بالأقل على الأكثر فإن ~~الفرع يصير فى التقدير أقوى من الأصل وهذا كما نقول فى الكفارة فى القتل ~~العمد فإنه أقوى فى الوجوب من الكفارة فى القتل الخطأ وإن كان الخطأ هو ~~الأصل لأن النص تناوله وكما أن من يخرج الحنطة فى صدقه الفطر وقوته الشعير ~~فإنه يكون ذلك أقوى فى وجه الجواز من إخراج الشعير وإن كان الأصل هو الشعير ~~لمن قوته الشعير فإن قيل لو علم ما قلتم بالقياس الجلى يجوز أن لا ~~PageV02P128 يعلم ذلك العاقل إذا منعه الله تعالى من القياس الشرعى قلنا لو ~~منعنا الشرع النظر فى المعانى أصلا لم يعلم ذلك فإن قيل قوله تعالى @QB@ ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره @QE@ فإن ما اقتضاه اللفظ من الذرتين فما ~~فوقهما إنما هو قضية الاسم لا قضية المعنى لأنه ذرة وذرة إلى أكثر من ذلك ~~قلنا قد يكون ذرة ونصف ذرة فلا يمكن التعلق بالاسم وهذا الذى قلناه غاية ما ~~يمكن أن يقال في هذه المسألة لكن الخلاف فى هذه المسألة خلاف لفظى وليس ~~فيها فائدة معنوية وبعد أن وافقونا فى المعنى الذى قلناه فلا نبالى أن يسمى ~~ذلك قياسا أو لا يسمى وإنما بالغنا فى إثبات الذى ادعيناه مع أنه ليس ~~للخلاف فيه فائدة معنوية نصرة للشافعي فإنه قد نص فى موضع أنه قياس مع وصفه ~~بالجلاء والظهور # وقد قيل إن القياس الجلى ثلاثة أقسام # أولها ما عرف ms578 من ظاهر النص بعد استدلال ولا يجوز إيراد التعبد به بخلاف ~~أصله وقد بينا مثال ذلك # والقسم الثانى ما عرف معناه بظاهر النص من غير استدلال لكن يجوز إن يرد ~~التعبد فيه بخلاف أصله مثل النهى عن التضحية بالعوراء البين عورها والعرجاء ~~البين عرجها فكانت العمياء قياسا على العوراء والقطعاء قياسا على العرجاء ~~وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم العوراء أو العرجاء وإباحة العمياء والقطعاء ~~ومثل هذا أيضا نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه الورس والزعفران فكان الكافور ~~والمسك على الزعفران والورس وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم الورس والزعفران ~~وإباحة المسك والكافور # والقسم الثالث ما عرف معناه من ظاهر نص باستدلال ظاهر فعرف بمبادئ النظر ~~مثل قوله تعالى فى زنا الإماء @QB@ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب @QE@ فجعل حدهن نصف حد الحرائر ولم يكن المعنى إلا ~~نقصهن بالرق وكان العبد قياسا عليهن فى تنصيف الحد إذا زنوا لنقصهم بالرق ~~ومثاله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ( من أعتق شركا له فى عبد ) كما بينا ~~ومثاله أيضا قوله تعالى @QB@ إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع @QE@ وكان معنى نهيه تعالى عن البيع أنه شاغل عن الجمعة ~~فصار عقود المناكح والإجارات وسائر المعاملات والصنائع نهيا عنها قياسا على ~~البيع لأنه شاغله عن حضور الجمعة PageV02P129 # وأما القياس الخفى فهو ما خفى معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال # وهو على ثلاثة أقسام # أحدها ما كان معناه لا يجاء باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم @QE@ وكانت عمات الآباء والأمهات ~~محرما قياسا على الخالات لاشتراكهن فى الرحم والمحرم ومثل قوله تعالى فى ~~نفقة الولد فى صغره @QB@ فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن @QE@ # وكانت نفقة الولد فى عجزه عند كبره قياسا على نفقة الولد لعجز لصغره ~~لاشتراكهما فى البعضية والمعنى فى هذا لائح لتردده بين الجلى والخفى وهو فى ~~أقسام الخفى بمنزلة القسم الأول من أقسام الجلي # والقسم الثانى ما كان معناه غامضا ms579 لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى مثل ~~تعليل الربا فى البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت ولابد من ~~ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على ~~التحريم # والقسم الثالث ما كان سببها لحاح يضمنه ومعناه إلى الاستدلال ومثاله ما ~~روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان فعلم بالاستدلال أن ~~الخراج هو المنفعة فإن الضمان هو ضمان المبيع بالثمن ثم الكلام فى تلك ~~المنفعة أنها عبارة عن ماذا يعرف فى مسائل الفقه وهذه ثلاثة أقسام من أقسام ~~القياس الخفى واعلم أنا إنما ذكرنا قياس المعنى فأما قياس الشبه فله باب ~~يذكر فيه و لابد من زيادة شرح ليحصل معرفة الصحيح من ذلك والفاسد وسيأتى ~~بمشيئة الله تعالى # | فصل فى أقسام طريق العلل الشرعية # اعلم أن للعلل الشرعية طرقا كثيرة فى الشرع وقد يكون ذلك من جهه اللفظ ~~وقد يكون من جهه الاستنباط فأما الطريق من جهه اللفظ وقد يكون من جهه ~~الصريح وقد يكون من جهة التنبييه فإما الصريح مثل قول القائل أوجبت عليك ~~كذا لعلة كذا ومثل قوله أوجبت عليك كذا لأنه كذا أو لأجل كذا أو لكى يكون ~~كذا وها دون الأول فى التصريح وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( ~~إنما نهيتك لأجل الرأفة ) وقال تعالى @QB@ كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم @QE@ وأما الألفاظ المنبهة على العلة فضروب منها فوله صلى الله عليه ~~وسلم فى المحرم الذي وقصت به ناقته ( لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه ~~يبعث يوم القايمه ملبيا ) وهذا من باب تعليق الحكم على علته بلفظ الفاء وقد ~~تدخل الفاء على العلة والحكم متقدم وقد تدخل الفاء على الحكم والعلة متقدمة ~~مثل قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ومثله قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق @QE@ وقال الله تعالى @QB@ فإن كان الذي عليه الحق ~~سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو ms580 فليملل وليه بالعدل @QE@ فهذا دليل ~~على أن العلة فى قيام وليه بالإملاء هو أنه لا يتطيع أ ، يمل هو ومن هذا ~~الضرب ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم ( سهى وسجد ) ( وزنا ماعز فرجمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ومن ضروب التنبيه أن يسأل النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن حكم شئ ويذكر السائل صفة ذلك الشئ مما يجوز كونها علة مؤثرة ~~فى ذلك الحكم فيجيب النبى صلى الله عليه وسلم عند سماع تلك الصفة يدل أن ~~العلة تلك الصفة ومثال هذا قول القائل للنبى صلى الله عليه وسلم واقعت أهلى ~~فى نهار رمضان وقول النبى صلى الله عليه وسلم فى الجواب ( أعتق رقبة ) وقد ~~يكون هذا فى لفط الإفطار أن يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم # ومن ضوب التنبيه أن لا يكون لذكر الوصف فائدة لو لم يكن ععلة فمن ذلك أن ~~يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم امتنع من ~~الدخول على قوم عندهم كلب # فقيل له إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة # فقال إنها ليست نجسة إنها من االطوافين عليكم والطوافات # فلو لك يكن لكونها من الطرفين تأثير فى PageV02P130 التصريح وروى عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إنما نهيتكم لأجل الرأفة ) وقال تعالى ~~@QB@ كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم @QE@ وأما الألفاظ المنبهة على ~~العلة فضروب منها قوله صلى الله عليه وسلم فى المحرم الذي وقصت به ناقته ( ~~لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامه ملبيا ) وهذا من باب ~~تعليق الحكم على علته بلفظ الفاء وقد تدخل الفاء على العلة والحكم متقدم ~~وقد تدخل الفاء على الحكم والعلة متقدمة مثل قوله تعالى @QB@ والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ ومثله قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ وقال الله ~~تعالى @QB@ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو ~~فليملل وليه بالعدل ms581 @QE@ فهذا دليل على أن العلة فى قيام وليه بالإملاء هو ~~أنه لا يستطيع أن يمل هو ومن هذا الضرب ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~( سهى وسجد ) ( وزنا ماعز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ومن ضروب ~~التنبيه أن يسأل النبى صلى الله عليه وسلم عن حكم شئ ويذكر السائل صفة ذلك ~~الشئ مما يجوز كونها علة مؤثرة فى ذلك الحكم فيجيب النبى صلى الله عليه ~~وسلم عند سماع تلك الصفة يدل أن العلة تلك الصفة ومثال هذا قول القائل ~~للنبى صلى الله عليه وسلم ( واقعت أهلى فى نهار رمضان ) وقول النبى صلى ~~الله عليه وسلم فى الجواب ( أعتق رقبة ) وقد يكون هذا فى لفط الإفطار أن ~~يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم # ومن ضروب التنبيه أن لا يكون لذكر الوصف فائدة لو لم يكن علة فمن ذلك أن ~~يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم امتنع من ~~الدخول على قوم عندهم كلب # فقيل له إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة فقال إنها ليست نجسة إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات فلو لم يكن لكونها من الطوافين تأثير فى ~~PageV02P131 طهارتها لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارته فائدة # ومن ذلك أن يوصف المحكم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بتركها فعلم أنها ~~ما ذكرت إلا لأنها علة وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم ( تمرة طيبة وماء ~~طهور ) ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله عليه وسلم حسن سئل عن بيع الرطب ~~بالتمر قال ( أينقص الرطب إذا جف قيل نعم قال فلا إذا ) فلو لم يكن نقصانه ~~عند اليبس علة للمنع من البيع لم يكن لذكره معنى # ومن التنبية أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه وقد سأله عن ~~قبلة الصائم ( أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته ) فعلم أنه إنما لم يفسد ~~الصوم بالقبلة والمضمضة لآنه لم يحل ما يتبعها من الإنزال والإزدراء # ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله ms582 عليه وسلم ( لايرث القاتل ) وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ( لايقضى القاضى ) الخبر ووجه التنبييه أنه لما تقدم بيان ~~إرث الورثة فلما قال ( لا يرث القاتل ) مفرقا بينه وبين جميع الورثة على أن ~~القتل علة فى منع الإرث وكذلك فى اللفظ الثانى لما تقدم أمر القاضي بأن ~~يقضى فإذا منع من أن يقضى وهو غضبان علم أن الغضب علة فى المنع منه # ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله عليه وسلم ( فإذا اختلف الجنسان فبيعوا ~~كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد ) فلما قال هذا البعد نهيه عن بيع البر ~~متفاضلا دل أن اختلاف الجنس العلة فى أن يجوز البيع # ومن ذلك قوله تعالى @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان @QE@ PageV02P132 ) فدل أن تعقيد اليمين علة المؤاخذة # ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله عليه وسلم ( للفارس ثلاثة أسهم وللراجل ~~سهم ) فإذا استأنف أحد السببين بذكر صفة من الصفات فقد ذكر الآخر وتلك ~~الصفة يجوز أن تؤثر فى الحكم دل أنه علة # ومن ضروب التنبيه قوله تعالى @QB@ فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع @QE@ ~~لما أوجب علينا السعى ثم نهى عن البيع المانع من السعى علمنا أنه إنما ~~نهانا لأنه مانع من الواجب # واعلم أن هذه الوجوه ذكرها المتكلمون من الأصوليين والكلام على مجال ونحن ~~إذا بينا العلل الصحيحة ووجوه تأثيرها فى الأحكام عرف عند ذلك صحيح العلل ~~من فاسدها وعلى الجملة لا بأس بذكر هذه الضروب لأن هذه العلل علل من النصوص ~~وطلب الفوائد من النصوص واجب فإذا أمكن استفادة علة من نص صاحب الشرع فلا ~~مترك لها كما أنه إذا أمكن استفادة حكم منه فلا معرض عنه وقد ذكرنا فى ~~مسألة علة الربا أنا عللنا كون الطعم علة بالنص وجعلنا ذلك أحد فوائد النص ~~وذكرنا أن بيان التأثير غير واجب علمنا بعد أن ثبت لنا كونه علة أحد فوائد ~~النص لأن طلب الفوائد لما وجب وكان كون الطعم علة إحدى فوائده سقط عنا بيان ~~تأثيره وهذه طرقة حسنة ms583 ذكرناها فى الخلافيات ولا بأس بالاعتماد عليها وإن ~~اخترنا بيان التأثير فقد ذكرنا أن التأثير فى الطعم وبلغنا غاية الإمكان ~~وكلتا الطريقتين حسنتان معتمدتان ومن الله العون # | فصل # إذا عرفنا أقسام القياس رجعنا إلى بيان ما يشتمل عليه القياس فنقول # إن القياس يشتمل على أربعة أشياء على الأصل والفرع والعلة والحكم # ونمثل مثالا لنعرف هذه الأشياء الأربعة فنقول إذا قسنا الأرز على البر فى ~~جريان الربا والنبيذ على الخمر فى التحريم فالأصل هو البر أو الخمر والفرع ~~هو الأرز أو النبيذ والعلة الطعم أو الشدة والحكم جريان الربا ويقال حرمة ~~الفضل فى الأول PageV02P133 وحرمة الشرب فى الثانى # قال أبو زيد لابد للقياس من أصول بل وهم شهود الله تعالى على أحكامه فيما ~~لا نص فيها ولابد من وصف جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة ولابد من قائس ~~وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه فشهادة الجامع بين الأصل والفرع ولابد ~~من حكم يثبت لديه ليحكم به وهو القلب ولابد من شهود وهو الحكم المطلوب ~~ولابد من صلاح الشاهد للشهادة كما فى شهود المعاملات صلاحهم للشهادة ~~بالحرية والعقل والبلوغ كذلك الأصل يجب أن يكون صالحا للتعليل ولابد من ~~اعتبار الوصف صالحاكما يعتبر لفظ الشاهد ولابد من اعتبار العدالة كما فى ~~الشاهد والعدالة ها هنا هو التأثير ولابد من مشهود عليه وهو البدن واللسان ~~فاللسان يلزم الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به وهذا إذا حاج ~~نفسه فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثل المتخاصمين فى حقوق الناس ~~بالمجيب حقوق الناس بمنزلة المدعي والسائل بمنزلة المنكر والقياس شهادة ~~والأصل شاهد والمجيب مستشهد والحكم مشهود به والسائل بلسانه وبدنه مشهود ~~عليه والقلب منه حاكم عليه وتأثير الوصف عدالة ظاهرة وهذا الذى ذكره هذا ~~الرجل تكلف شديد وليس يليق بالمحققين وقد دخل فى أثناء هذه التفاصيل ما لا ~~يمكن تحقيق معناه على انفراده وقد نقلته على ما أورده # قال وقد خالفنا الشافعى رحمة الله عليه فى بعض ما ذكرنا على ما نذكر فى ~~تفاصيل ms584 هذه الحملة وما ذكرناه من الأشياء الأربعة كاف فى معرفة ما يشتمل ~~عليه القياس لأن القياس إلحاق فرع مجهول بأصل معلوم لحكم مطلوب بعلة جامعة ~~والمثال ما بينا أن البر أصل والأرز فرع والطعم علة والربا حكم ولابد أن ~~نفرد لهذه الأشياء الأربعة لكل منها فصلا PageV02P134 # | أما فصل الأصل # فنقول اعلم أن الأصل يستعمله الفقهاء فى أمرين في أصول الأدلة من الكتاب ~~والسنة والإجماع فيقولون هى الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل الخطاب ~~وفحوى الخطاب معقول الأصل ويستعملون اسم الأصل فى الشئ الذي يقاس عليه ~~كالخمر أصل النبيذ والبر أصل الأرز # وحد الأصل ما عرف حكمه بنفسه أو ما عرف به حكم غيره ومن مثبتى القياس من ~~جوز أن يكون القياس بغير أصل وهذا قول من خلط الاجتهاد بالقياس # والصحيح أنه لابد له من أصل لأن الفرع لا يتفرع إلا عن أصول لوقوع الفرق ~~بين الأصول والفروع # والأصل ضربان معلول وغير معلول # فأما غير المعلول فما لم يعقل معناه كأعداد الركعات واختصاص الصيام بشهر ~~رمضان وغير ذلك وقد سبق بيان هذه القصة وأما المعلول فهو ما عقل معناه وهو ~~ضربان متعد وغير متعد # فأما غير المتعد فهو ما عدم معناه فى غيره فوقف حكمه على نصه كتعلل الذهب ~~والفضة أنهما أسمان فهذا لا يوجد معناها فى غيرهما فوقف الحكم عليها وعند ~~أبى حنيفة وأصحابه لا يكون غير المتعدية علة بحال وقد سبق الكلام في هذا ~~الفصل # وقد قال أبو زيد فى تقويم الأدلة فى العبادة عن الخلاف في هذه المسألة ~~قال علماؤنا حكم العلة تعدية النص المعلل إلى فرع لا نص فيه وقال أصحاب ~~الشافعى حكم العلة تعلق حكم النص بالوصف الذى يتبين علة # قال فعلى هذا العلة إذا لم تكن متعدية كانت فاسدة # قال فإما الذين قالوا إن حكم العلة هو تعلق الحكمية فقد شبهوا هذه العلل ~~بالعلة العقلية فإنها لا تعرف عللا إلا بتعلق أحكامها بها فكذلك العلل ~~الشرعية إذا كانت منقولة عن الشارع قال والجواب عن ms585 هذا وهو الطريق فى ~~المسألة أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغير حكم النص بنفسه وإذا كان كذلك ~~وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان قبل التعليل وهو أن يكون وجوبه ~~مضافا إلى النص دون العلة فإنك متى قصدت الإضافة إلى العلة كنت قد غيرت حكم ~~النص عما كان قبل التعليل ولأن العلة لما لم تشرع حجة إلا بعد النص ~~PageV02P135 صارت لغوا مع النص وإذا صارت لغوا لم يجز تعليق الحكم بها وإذا ~~ثبتتا بهذا تبين بهذا أن حكم العلة التعدية لا غير ونظيره من العقود ~~الحوالة ما لها حاكم سوى التحويل من ذمة إلى ذمة ونحن قد أجبنا عن هذا ~~وبينا صحة مثل هذه العلة وذكرنا فائدتها فلا معنى للإعادة # والحرف لنا أن التعليل عندنا إذا أفاد حكم بصحته فيكون لتعدية الحكم تارة ~~ويكون لقصر الحكم على المنصوص عليه تارة وقد سبق بيان هذا رجعنا إلى ما كنا ~~فيه وأما التعليل المتعدى فوجود ومعناه فى غيره كتعليل غير البر والشعير فى ~~الطعم والكيل الموجود فى البر والشعير فهو أصل في نفسه وأصل لغيره فيجوز ~~مثل هذا أن يكون أصلا للقياس وسواء أجمع القائسون على تعليله وهذا فاسد من ~~وجهين # أحدهما أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لبطل القياس لأن نفاة ~~القياس ممتنعون من تعليل الأحكام # والثانى أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لروعى انعقاد الإجماع على ~~علته ولو روعي هذ لما استقر قياس إلا بالإجماع وهذا مدفوع بالإجماع # والجملة أن عندنا كل أصل يوجدد معناه فى غيره جاز القياس عليه سواء كان ~~ما ورد به النص مجمعا على تعليله أو مختلفا فيه وكذلك سواء كان موافقا ~~لقياس الأصول أو مخالفا وكلا الأصلين قد سبق وهذا الذى قلناه فى الأصل الذى ~~عرف بالنص فأما ما عرف بالإجماع فحكمه حكم ثابت بالنص فى جواز القياس عليه ~~على التفصيل الذى قلناه فى النص # ومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس عليه ما لم يعرف النص الذى أجمعوا ~~لأجله ms586 وهذا غير صحيح لأن الإجماع أصل فى إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز ~~القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع وأما ما ثبت بالقياس على ~~غيره فهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذى قيس به على غيره ويقاس ~~عليه غيره اختلف أصحابنا فى ذلك والصحيح أنه لايجوز لأنه إثبات حكم فى ~~الفرع بغير علة للأصل وذلك لا يجوز # ومثال هذا أنا نقيس الأرز على البر بعلة الطعم فلو استخرج من الأرز معنى ~~لا يوجد فى البر وقيس عليه غيره فى الربا فهذا محال لأختلاف الأصحاب وقد ~~ذكرنا أن الصحيح أنه لا يجوز لأن علة جريان الربا فى الأرز الطعم فلو ~~استخرج منه معنى سوى PageV02P136 الطعم وقيس عليه غيره أدى إلى ما ذكرنا ~~وهو إثبات الحكم فى الفرع بغير علة الأصل وهذا لأن الفرع ما شارك أصله فى ~~علة حكمه فإذا لم يشارك لم يكن فرعا وأما إذا قاس الأرز على البر بعلة ~~الطعم ثم قاس الذرة على الأرز بعلة الطعم فهذا لا معنى له لأن الذرة والأرز ~~جميعا فرعان للبر فإذا جعل الذرة فرعا للأرز لم يكن هذا أولى بأن يجعل ~~الأرز فرعا للذرة وإذا لم يكن أحدهما أولى من الآخر وجب أن يكونا جميعا ~~فرعين للبر # فإن قال قائل ما قولكم فى الأصل فى حكم الربا أهو النص أم البر قلنا قد ~~اختلفت الفقهاء والمتكلمين فى هذا # قال بعضهم الخبر هو الأصل للبر ولكل مطعوم ومكيل لأن الحكم مأخوذ منه ~~فصار أصل الكيل هو الخبر # وقال بعضهم الأصل هو الحكم المعلل لثبوت الربا لأنه المطلوب فى الفرع ~~فكان هو الأصل فى الفرع # والصحيح هو المذهب الثانى وتمامه أن الخبر أصل للبر والبر أصل لكل ما ~~يقاس عليه وهذا ظاهر حسن فليعتمد عليه إذا عرفنا هذه الأصول التى يقاس ~~عليها فنقول ما لا يثبت من الأصول مأخذ هذه الطرق أو كان يثبت ثم نسخ فلا ~~يجوز القياس عليه لأن الفرع إنما يجعل فرعا لأصل ثابت فإذا ms587 كان الأصل غير ~~ثابت لم يجز إثبات الفرع من جهته # وقال أبو زيد فى هذا الفصل مذهب علمائنا أن الأصول كلها معلولة ولا يجب ~~العمل مما جعل علة أوصاف الأصل إلا بدليل يميز به بين علته وبين غيره من ~~الأوصاف ومع وجود هذا أيضا لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل ~~شاهدا للحال # وحكى عن الشافعى رضي الله عنه أن الأول يجب وهو الذى يميز الوصف الذى هو ~~علة من غيره ولا يجب أكثر من هذا # واستدل فيما اختاره وفسره وقال مع هذا الذى ذكره الشافعى يحتاج إلى دليل ~~يدل على كون الأصل شاهدا يعمل بشهادته لأن الأصول وإن كانت معلولة فى الأصل ~~بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحدا بعينه من بين الجملة أن لا يكون ~~معلولا وقد وجد بالإجماع نصوص غير معلولة فلا يكون حجة على الفرع مع قيام ~~هذا الاحتمال PageV02P137 حتتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدا للحال كالرجل ~~المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته وإذا طعن الخصم فى حريته لم يصر حجة ~~عليه لكونه حرا فى الأصل إلا بدليل يوجب حريته فى الحال لأن حرية الأصل ~~تحتمل التغيير بعارض فلم يكن حجة على غيره بحال # فإن قيل أليس النبى صلى الله عليه وسلم قدوة أمته فما كان له وعليه وقد ~~احتمل أن يكون مخصوصا ومع ذلك صار فعله حجة عل غيره أجاب وقال إن الحجة فى ~~الابتداء فيه كونه نبيا وما اختلف الحال فى كونه مقتدى به على كل حال ~~والخصوص ثبت بدليله فى بعض أحواله وأفعاله فبقى الباقى على عمومه كالنص إذا ~~خص منه شئ فإن الباقى يبقى على عمومه وأما هاهنا فإن النص المعلول هو ~~الشاهد بعلته وقد احتمل فى نفسه أن لا يكون معلولا بعارض كالشاهد هو حجة ~~بشهادته واحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق أو غيره وإذا احتمل على هذا الوجه ~~فلابد من دليل # قال ومثال هذا أنا متى عللنا حرمة الفضل فى الذهب بالذهب بكونه موزونا ~~احتجنا إلى ms588 بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل يوجب له غير الدلائل المصححة ~~للقياس وذكر فى هذا فصلا طويلا اقتصرنا على هذا القدر # واعلم أن هذا الذى ذكره ليس بشرط بعد أن يظهر تأثير الوصف فمتى ظهر ~~التأثير للوصف الذى جعل علة وامتاز بالتأثير عن غيره من الأوصاف وقع ~~الاكتفاء بذلك وأما قولهم إنه يحتمل ألا يكون هذا الأصل معللا ويحتمل أن ~~يكون معللا قلنا ما استوى الاحتمالان لأن الأصل الذى نعرفه فى الشرع أن كل ~~أصل أمكن تعليله جاز ألا يمنع مانع من تعطيله يدل عليه أن الدلائل التى دلت ~~على صحة التعليل دلت على تعليل كل أصل لأن الدلائل لا تخصيص فيها فإن عرض ~~عارض دليل أنه لا يعلل أصل من الأصول لا يجب التوقف فى سائر الأصول ألا ترى ~~أن العموم حجة وقد خص بعض العمومات ثم بأن خص بعض العمومات لا يدل على أنه ~~يجب التوقف فى كل عموم حتى يدل الدليل أنه غير مخصوص وأظهر من هذا أمر ~~النبى صلى الله عليه وسلم فإن الخصوصية فى حقه محتملة ومع ذلك لا يعتبر هذا ~~الاحتمال بل اعتبر الأصل المعهود وهو أنه قدوة إلا أن يقوم الدليل على ~~خلافه فى موضع وقولهم إنه لا خلاف فى كونه مقتدى به وهذا الوصف منه لا ~~يحتمل غيره وفى مسألتنا وجد الاحتمال فى هذا الأصل أنه غير معلول قلنا نعم ~~لا اختلاف أنه مقتدى به فى الجملة وكذلك الاحتمال عن إطلاق كونه قدوة ~~PageV02P138 فأما فى كل شئ بعينه فيحتمل أنه مخصوص به ويحتمل أنه غير مخصوص ~~به فلا فرق بين الفصلين بوجه ومن هذا الأصل نقول إن تحريم الخمر معلول وهم ~~يقولون ليس بمعلول ويطالبون بإقامة الدليل أنه معلول ونحن نقول الدلائل ~~التى دلت على صحة القياس لم تخص محلا دون محل وكل أصل أمكن تعليله بعلة ~~مؤثرة وجب تعليله والتأثير فى تعليل الخمر بالشدة فى نهاية القوة يدل أنها ~~المحرمة وإذا عرفنا وفرغنا عن هذا الأصل بذكر الفصل الثانى وهو الكلام ms589 فى ~~فروع القياس فالفرع فى القياس ما ألحق بأصل أخذ حكمه منه وقد يكون الفرع ~~على نوعين فرع معنى معلول وفرع شبه متماثل وقد أنكر بعض القائسين بأن يكون ~~المشبه لأصله فرعا فى حكمه فابطل فرع الشبه وأثبت فرع المعنى ولم يجعل ~~الفروع إلا ما شاركت الأصل فى المعانى دون الأشباه وعكس هذا آخرون وأثبتوا ~~فرع الشبه وأنكروا فرع المعنى وذهب الأكثرون إلى تصحيح كليهما وأثبتوا فرع ~~المعنى وفرع الشبه وسنبين الصحيح من ذلك واعلم أن الذى يلزم فى فرع المعنى ~~أن يكون مشاركا لأصله فى المعنى الذى جعل علة الحكم # وأما اختلافهما فيما عدا ذلك من المعاني لا يؤثر فقد تكون الصلاة أصلا ~~للحج فى أحكام وورد النص عليها فى الصلاة لاشتركهما فى معانى تلك الأحكام ~~وإن اختلفا فيما عدا ذلك من المعانى وكذا الحج مع الصلاة والذى يلزم من فرع ~~الشبه أن يجتمع الأصل والفرع فى أكثر الأشباه وأغلبها وأقواها ولا يلزم أن ~~يجتمعا فى جميع الشبه لأنه يكون هو ولا يكون بينهما فرع ولا أصل وقد ذكر # ومثال ذلك إلحاق العبد بالحر فى وجوب القصاص فى النفس والأطراف ووجوب ~~الكفارة وكذلك إلحاق العبد بالأمة فى تنصيف الحد وإلحاق الجواميس بالبقر فى ~~الزكاة وقد يكون الشبه فى صورة الذات وقد يكون الشبه فى حكم الذات والأمثلة ~~التى قلناها فى العبيد والأحرار والبقر والجواميس لبيان الشبه فى صورة ~~الذات وأما الأمثلة للشبه فى حكم الذات كإلحاق الوطء بالشبهة بالوطء فى ~~النكاح لاشتباههما فى الأحكام وكذلك إلحاق المكاتب بالحر وأما العبد فى ~~تمليك المال فإن ألحق بالحر فى ثبوت ملكه فبقياس الشبه فى حكم الذات وليس ~~يمتنع أن نجمع بين الشبهين فى الصورة والحكم فيحكم بكل واحد منهما فى موضعه ~~بما يقتضيه ثم إذا عرف معنى فرع المعنى وفرع الشبه يكونان متشاركين لأصلهما ~~فى صفة الحكم المطلوب بهما من وجوب وإسقاط وتحليل وتحريم وإن اختلفا فى ~~طريق الحكم بالمعنى والشبه PageV02P139 فيكون فى الأصل معلوما وفى الفرع ~~مظنونا وسيأتى فى ذلك ms590 فرع المعنى وفرع الشبه وحين فرغنا من هذا الأصل وهو ~~بيان الفرع فنذكره بعده # | الفصل الثالث وهو القول فى علة القياس # وفيه الكلام الكثير وقد وقع فيه الخبط العظيم ولابد أن نعتبر فى ذلك ~~زيادة اعتناء ليظهر ما هو الحق من ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه # واعلم أن العلة مأخوذة فى اللغة من العلة التى هى المرض لأن لهذه العلة ~~تأثير بيان الحكم كتأثير العلة فى ذات المريض وقيل سميت العلة علة لأنها ~~ناقلة بحكم الأصل إلى الفرع كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض # والأول أحسن لأنا بينا أن غير المتعدية من العلة تكون علة وقيل إن العلة ~~مأخوذة من العلل بعد النهل وهو معاودة شرب الماء مرة بعد مرة لأن المجتهد ~~فى استخراجها يعاود النظر بعد النظر # وأما حد العلة فقد قالوا إنها الصفة الجالبة للحكم # وقيل إنها المعنى المثير للحكم # واعلم أن علة الحكم شرط فى صحة القياس ليجمع بها بين الأصل والفرع وذهب ~~بعض القائسين من أصحاب أبى حنيفه وغيرهم إلى أن القياس يصح بغير علة إذا ~~لاح بعض الشبه احتجاجا بأن الصحابة حين قاسوا لم يعللوا وإنما شبهوا فجمعوا ~~بين الشئ والشئ لمجرد التشبيه من غير تعليل مثلما فعلوا بالجد والإخوة وغير ~~ذلك # وذهب جمهور القائسين من الفقهاء والمتكلمين إلى أن العلة لابد منها فى ~~القياس وهو ركن القياس ولا يقوم القياس إلا بها والدليل على ذلك أنه لا ~~يخلو إما أن يرد الفرع إلى الأصل بسبب جامع بينهما أو بغير سبب ولا يجوز أن ~~يكون بغير سبب لأنه لا PageV02P140 يكون رده إلى أصل بأولى من رده إلى غيره ~~فلا يتعين الأصل وإن كان بسبب فلابد أن يكون ذلك السبب متعينا لأن السبب ~~المجهول لا يكون شيئا فلم يبق إلا أن يكون بسبب معين ثم ذلك السبب المعين ~~عندنا فى الجمع هو العلة فإن سموه علة فقد وقع الاتفاق وإن لم يسموه علة ~~فقد وقع الاتفاق في أنه لابد من جامع فالنزاع فى الاسم مع الاتفاق ms591 فى ~~المعنى مصرح وأما الصحابة فقد عللوا تارة وأرسلوا الشبه أخرى قال على رضى ~~الله عنه فى حد الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد ~~المفترى ثمانون فقد ذكر التعليل # وقالت الصحابة لأبى بكر رضى الله عنهم رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لدينا فرضيناك لدينانا وأما إذا أرسلوا إرسالا فهو تنبيه على القائس وليس ~~بقياس وإذا ثبت أنه لابد من العلة فى صحة القياس فتقدم مسألة الطرد وكلام ~~الفقهاء فى ذلك # مسألة اعلم أن الطرد ليس بحجة والتمسك به باطل # وهو الذى لا يناسب الحكم ولا يشعر به وكذلك الاطراد لا يكون دليل صحة ~~العلة وبالغ القاضى أبو بكر محمد بن الطيب فى التغليظ على من يعتقد ربط حكم ~~الله تعالى به وقال بعض أصحابنا وطائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه حجة ذكره ~~الشيخ أبو إسحاق فى التبصرة عن أبى بكر الصيرفى وسمى أبو زيد الذين يجعلون ~~الطرد حجة والاطراد دليلا على صحة العلة حشوية أهل القياس قال ولا يعد ~~هؤلاء من جملة الفقهاء واحتج من قال إن الطرد حجة بالأدلة التى دلت على أن ~~القياس حجة وقالوا إنها لم تخص وصفا دون وصف وهذا لأن علل الشرع أمارات على ~~الأحكام وليست PageV02P141 من قبل العلل العقلية فصح تعليقها بالصور وتصير ~~تلك الصور أمارات على الأحكام كالنصوص التى ترد فى أحكام ولا يعقل معانيها ~~فهذه العلل مثل تلك النصوص فى الأحكام # واستدل من قال إن الإطراد دليل صحة العلة قال لأن عدم الإطراد دليل على ~~فساد العلة فالإطراد دليل صحة العلة ولأن الإطراد والجريان هو الاستمرار ~~على الأصول من غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل ~~وهذا شهادة من الأصول فى غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول لها بالصحة ~~فوجب أن نحكم بصحتها # ببينة أنها إذا أطردت فقد عدم ما يوجب فسادها فوجب أن نحكم بصحتها لأنه ~~ليس بين الصحة والفساد واسطة # وأما دليلنا فى أن ms592 الطرد ليس بحجة هو أنا اتفقنا على أن الاحتكام على ~~الشرع باطل ألا ترى أنه لو أحتكم المحتكم من غير ذكر علة أصلا فيكون قوله ~~باطلا وصفه المحتكم على الشرع أن لا يكون لقوله الذي يقوله طريق معلوم ولا ~~مظنون ونحن نعلم قطعا أن أحكام الشرع مرتبطة إما بطريق علمى أو ظنى ويستند ~~إلى سبب وإذا خلا عن هذين الطريقين يصير مجرد احتكام على الشرع من قائله ~~والدليل على أن الظن لابد من إشارة إلى سبب حتى يعمل به أن العلميات فى ~~الشرع لابد من استنادها إلى طريق يوجب العلم فالظنيات لابد من استنادها إلى ~~سبب يفيد الظن ولأن من ادعى يظن أن وراء هذا الجبل المطل علينا جيشا عظيما ~~أو بحرا أو سباعا أو غير ذلك من الأشياء فإنه لابد من استنادها إلى أسباب ~~فإنه إذا لم يربط بسبب كان مما ظنه مهموسا وفى قوله هاذيا ثبت أن الظن لابد ~~له من سبب ليعمل عليه والطرد لا يفيد علما ولا ظنا لأن الحكم الذى ربط به ~~إثباتا لو ربط به نفيا لم يترجح فى مسلك الظن احدهما على صاحبة فبطل التعلق ~~به فإن قيل سلامته عن النقض يفيد علية الظن كونه علما على الحكم قلنا هذا ~~الذى قلت هو طرد الطارد وهذا الطارد مطالب بتصحيح علة وطرده لعلته لا يكون ~~دليلا على صحة علته فإن فعله لا يكون دليل صحة قوله ثم هذا المعترض يقول إن ~~الإطراد فى محل النزاع وعندى أنه لا إطراد فإن قال المعلل قد طرد فى غير ~~محل النزاع يقال له جريانه فى غير محل النزاع لا يوجب إطراده فى هذا الموضع ~~الذى وقع فيه النزاع وهذا لأن الطارد منازع فى طرده فكيف يستدل بإطراده ~~وإنما غاية دعواه أنه يقول إن الدليل على صحة طردى دعواى بإطراده فى صورة ~~النزاع قال القاضى أبو بكر لو جاز PageV02P142 التمسك بالطرد لما عجز عنه ~~أحد من طبقات الخلق لما كان من اشتراط استجماع أوصاف المجتهدين معنى ثم قال ms593 ~~فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم عن العوارض والمبطلات ولا يهتدى إلى ذلك ~~إلا عالم فقال كيف لا يهتدى بأن يذكر علة ويطردها أين وجدت قال وإذا انتهى ~~التصرف فى الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك استهزاء بقواعد الدين واستهانة ~~بضبطها وتطريقا لكل قائل أن يقول ما يريد ويحكم بما شاء ولهذا صرف علماء ~~الشرع تبعتهم إلى البحث عن المعانى المختلة المؤثرة # ببينة أنا جعلنا إجماع الصحابة هو الدليل الأقوى فى صحة القياس ولم يرو ~~عن أحد منهم أنه تعلق بطرد لا يناسب الحكم ولا يؤثر فيه وإنما نظروا إلى ~~الأقيسة من حيث المعانى وسلكوا طريق المراشد والمصالح التى تشير إلى محاسن ~~الشريعة ولو كان الطرد قياسا صحيحا لما عطلوه لوما أهملوه ولما تركوا ~~الاعتلال به وكذلك سائر الأئمة االمقتدى بهم من بعدهم وضرب الحليمى لذلك ~~مثلا فقال من رأى دخانا نائرا فظن أن وراءه حريقا كان مصيبا فى ظنه ومن رأى ~~غبارا ثم ظن أن وراءه حريقا كان مختلا فى ظنه نعم لو ظن أن وراءه عسكرا أو ~~سرحا كان مصيبا ونقول أيضا أنا قد بينا أن العلة هى الصفة الجالبة للحكم ~~ويجوز أن يقال إن العلة هى المقتضية للحكم فأما إذا لم نعتبر وجود ما يقتضى ~~الحكم أو وجود ما يجلب الحكم فى الصفة التى جعلت علة لم تكن هذه الصفة بأن ~~يجعله علة بأولى من غيرها من الصفات فإن للاصل صفات كثيرة وقد جعل أحدهما ~~علة فلابد أن يكون لها اختصاص أو مناسبة بالحكم الذى جعلت الصفة علة له حتى ~~تكون جالبة له أو مقتضية إياه وهذا لأن التغييرات الاتفاقية قد تقع كثيرا ~~فلا يقع الفرق بين التغير الاتفاقى وبين التغير بالعلة إلا بما ذكرناه من ~~وجود اختصاص ومناسبة بين العلة والحكم # فإن قال قائل إن المناسبة والاختصاص فى إنه يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم ~~بعدمها أو المناسبة بالإطراد فقد أجينا عن هذا من قبل ويدل عليه أن دوران ~~الحكم معه وجودا وعدما لا يدل ms594 على الصحة لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة ~~فيدور مع الشرط ألا ترى أن من قال لعبده أنت حر إن كلمت زيدا دار وجود ~~العتق مع الكلام كما دار مع قوله أنت حر وهو علة فدل أن هذا القدر لا يصلح ~~أن يستدل به على صحة العلة وسيعود الكلام فى هذا من بعد فإن كثيرا من ~~أصحابنا جعلوا الإطراد والانعكاس دليلا وأما الجواب عن الذى ذكروه أما ~~تعلقهم بالأدلة التى دلت على صحة PageV02P143 القياس قلنا هذا الكلام دليل ~~عليكم لأن الأدلة التى دلت على صحة القياس على الأصول وهذا القياس يوجد ~~ببعض الأوصاف ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة أخرى ألا ترى أن نصوص ~~القرآن دلت أن الأمة شهداء فى الأصل ولم يدل أن كل لفظ فهم شهادة بل دلت ~~أنه يوجد منهم الشهادة وذلك يحصل ببعض الألفاظ ولا يتميز ذلك عن غيره إلا ~~بدليل ولأن كل وصف لو صلح علة والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل ~~اللغة كلهم الفقهاء فى المناسبات ولما اختص القياس بالفقهاء علمنا أن ~~المقايسة مبنية على معان تفقه لا على أوصاف وأسامى تسمع وقد ذكرنا هذا من ~~قبل بلفظ آخر # وأما قولهم إن علل الشرع أمارات وليست بموجبات قلنا لا يسلم هذا الأصل ~~على الإطلاق فإن الفقهاء وإن كانوا يطلقون هذا ولكن معنى ذلك أنها لا توجب ~~بذواتها شيئا بل يجعل الشارع إياها موجبة وإن لم تكن بنفسها موجبة بل صارت ~~موجبة بالشرع لا يمنع أن يقوم الدليل على أن القياس إذا احتاج صحته إلى علة ~~فلابد أن تكون العلة مناسبة للحكم مؤثرة فيه مقتضية إياه وقد دللنا أنه ~~لابد من ذلك # فإن قيل ما قولكم فى الشرع إذا نصب الطرد علما هل يجوز أم لا قلنا ~~يجوزقالوا إذا جاز من الشارع جاز من المعلل قلنا وإن جاز من الشارع لكنه لا ~~يكون علة # لكنه تعريف للحكم أو تجديد له ولو ذكر الشرع الحكم من غير علة له قوبل ~~بالقبول فإذا ذكره ms595 وذكر علما عليه قبل وصدق أيضا وهذا لأن الشرع له التحكم ~~علينا كما يشاء ولكن ليس لنا التحكم على الشرع كما شئنا فتبين الفرق قطعا ~~وباقى ما ذكروه ليس بشئ ينبغى الاشتغال به وفيما ذكرناه من قبل جواب عنه ~~وقد ذكر القاضى أبو الطيب إن الإطراد زيادة دعوى والدعوى لا تثبت بزيادة ~~الدعوى قال ولأن القياس الفاسد قد يطرد ولو كان الاطراد دليل صحة العلة لم ~~يقم هذا الدليل إلا على الأقيسة الفاسدة فالأقيسة الفاسدة المطردة مثل قول ~~من يقول فى إزالة النجاسات بغير ماء مائع لا يبنى عليه القناطر ولا يصطاد ~~منه السمك فأشبه الدهن ومثل من يقول فى الكلب أنه كلب فيكون نجسا كالكلب ~~الميت ومثل من يقول فى مس الذكر مس ذكره فصار كما لو مس وبال ومثل من يقول ~~فى وطء الثيب شرع من نافد فصار كما لو مشى فى شارع أو أدخل من يدخل فى ~~المدخل فصار كما لو أخرج رأسه من الروزنة وأدخل رجله فى الحق PageV02P144 ~~ومثل ما يقول فى القهقهة اصطكاك الأجرام العلوية فلا ينقض الطهارة كالرعد ~~ولا يلزم الظراط لأنه اصطكام الأجرام السفلية قال القاضى وهذا مع سخفه ~~ينتقض بما لو اصفع امرأته وصفعته وقد قال قوم من أصحاب أبى حنيفة فى مس ~~الذكر مس آلة الحرث فأشبه إذا مس اليدان وقال طويل مشقوق ينقض الوضوء ~~كالقلم والبوق وقال تعلق منكوس فأشبه الدبوس وقال فى السعى بين الصفا ~~والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركنا فى الحج كالسعى بين جبلى نيسابور ~~أو غيرها من البلاد وهذه حكايات سخيفة والاشتغال بأمثالها هزو ولعب بالدين ~~ولولا أن هذا الإمام أوردها وإلا لم نوردها وأيضا فإن المتأمل يتأمل هذه ~~التحقيقات السخيفات التى لا يمكن مناقضتها بشيء ويطردها ومباحثها طردا أو ~~يعرف أن سائر الطرد على مثالها وبمثابتها واللعب والضحك ليس من باب الدين ~~فى شئ وقولهم إنه لا يوجد دليل بعده قلنا عدم تأثيره ومناسبته للحكم دليل ~~على فساده يدل عليه أن من ادعى ms596 النبوة وقال الدليل على صحة دعواى عدم ما ~~يفسدها لا يسمع منه ذلك وكذلك كل من يدعى صحة شئ بهذا الوجه فثبت أن ما ~~قالوه باطل والله العاصم منه # | فصل # ويدخل فى هذا الفصل القول فى المركبات # اعلم أنه ذكر أبو زيد بابا فى أقسام الطرديات وقال # الطرديات الفاسدة أربعة أنواع # نوع منها يعرف فاسدها ببداءة العقول من غير تأمل فى الأصول كقولهم فى ~~قراءة الفاتحة فرض فى الصلاة إن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحليل ~~وتحريم فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع دليله الحج ومثل قولهم إن السبع ~~أحد عددى صوم التمتع فوجب أن لا يجوز الصلاة إذا قرأ دونها دليله الثلاث ~~وكقولهم إن الوطء فعل ينطلق مرة وينغلق أخرى فلا يثبت به الرجعة كالقبلة ~~وقال سمعت بعض شيوخنا يحتج لإبطال النية فى الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام ~~في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه دليله قطع اليد قصاصا أو فى السرقة ~~وهذه علل تعرف فسادها ببداءة العقول لأنه لا مشابهة بين الأصول فى هذه ~~الأصول وبين فروعها وهذا الضرب لا يوجد له نظير PageV02P145 من كلام السلف ~~ولكنه شئ أحدثه حشوية أهل الطرد قال # والنوع الثانى رد فرع إلى أصل لا يكاد الفرع يمتاز عن الفرع إلا بضم ما ~~هو علة الحكم إليه نحو قولهم إن مس الذكر حدث كما لو مس وبال فإنه لا زيادة ~~فيما جعله أصلا إلا البول لأنه حدث بالإجماع وقد عدم ذلك فى الفرع فسقط ~~اعتباره لإيجاب الحكم فى الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه وكذلك ~~قولهم فى إعتاق المكاتب عن الكفارة إن إعتاق مكاتب عن الكفارة فصار كما لو ~~رأى بعض الدلائل لأنه لا زيادة فى الأصل إلا أخذ بعض البدل وإنه علة مانعة ~~من التكفير وقد عدمت فى الفرع فبقي العبرة لما وراء هذه الزيادة وهو أنه ~~إعتاق مكاتب وهذا مختلف فيه وكذلك قولهم فى شراء الأب لا يكون تكفيرا كما ~~لو حلف بعتقه إن اشتريه ms597 ولا زيادة فى الأصل إلا اليمين بعتقه وهو علة مانعة ~~من التكفير بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدم هذا فى الفرع وليس وراء هذا ~~إلا شراء الأب وهذا مختلف فيه قال # وأما النوع الثالث رد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك من ~~العلماء لأنه لما ظهر الاختلاف فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل ~~الكلام إليه لقولهم إن الكتابة الحالة لا تمنع التكفير عن العتق وكانت ~~فاسدة كالكتابة على القيمة فالخلاف ظاهر بيننا وبينهم فى الكتابة الصحيحة ~~أنها هل تمنع الإعتاق عن الكفارة أو لا فلم يصر عدم المنع دليلا علينا فى ~~فساد الكتابة وعن ذلك قولهم إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب ~~القرابة دليله ابن العم وهذا فاسد لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكتابة ~~ويعتق بالقرابة وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز عن الكفارة ومن ذلك قولهم إن ~~رهن المشاع باطل لأنه رهن لا يتبع للإنتفاع به ومن هذا الجنس يكثر وقال # والنوع الرابع التعليل بعدم الوصف كقول الشافعى النكاح ليس بمال فلا يثبت ~~بشهادة الرجال مع النساء كالحدود وهذا فاسد لأن العدم لا يوجب حكما وهذه ~~العلل تذكر للإيجاب والعلل توجد ولا تعدم وكذلك قولهم إن الأخ لا يعتق على ~~الأخ لأنه لا بعضية بينهما وكذلك قولهم إن المرض لا يبيح التجلد لأن المرض ~~معنى لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال وكذلك قولهم المبتوتة لا يلحقها ~~الطلاق لأنه لا نكاح بينهما وإسلام الشئ فى جنسه لا يجوز لأنه لا يجمعهما ~~صفة الطعم والثمنيه واعلم أنى ما ذكرت ما أورده على طريق الاختصار ونحن ~~نقول فى الأنواع الثلاثة التى قدمها PageV02P146 علل فاسدة كما ذكروا ~~للأصحاب كلام فى المركبات وهى التى ذكرها فى النوع الثالث وقد رأيت من ~~الأئمة فى العصر الذى أدركته من شغف بأمثال هذا وقد ملأ كتبه من ذلك ومن ~~أمثال ذلك ما قاله بعض أصحابنا في النكاح بغير ولى أنثى فلا تزوج نفسها ~~دليله إذا كانت ms598 بنت خمس عشرة سنة والخصم يعتقد في الأصل أنها صغيرة فتكون ~~علة المعلل مقيسة على الصغيرة عند الخصم ولابد من كون الأصل متفقا عليه ولو ~~اعتقد الخصم أنها كبيرة لكانت تزوج نفسها والخلاف واقع فى الكبيرة وطائفة ~~من الجدليين يصححون هذا ويقولون الحكم يتفق عليه فى الأصل والمعلل علل ~~الأنوثة وهى تعليل صحيح فقاس على أصل مسلم فتشعب المذاهب واختلافها ليس يضر ~~ومثل هذا التعليل والدليل لا يرضى به محقق لأن المخالف يقول بنت خمس عشرة ~~فيما أذهب إليه صغيرة ولو كانت فالقياس عليها باطل فإنه لو قال ابتداء أنثى ~~فلا تزوج نفسها كالصغيرة يكون قياسا لأن لمعلل ذكر الأنوثة والصغر فى الأصل ~~والصغر على حاله مانع من العقد بدليل الغلام فقد ضممت إلى الأنوثة فى الأصل ~~صفة مستقلة بالحكم المطلوب فيكون مثاله ما يقول القائل فى مس الذكر مس ذكره ~~فينتقض وضوءه كما لو مس وبال فيصير التعليل باطلا لأن قياس الفرع على الأصل ~~إنما يجوز بعلة الحكم فى الأصل فأما تغيير علة الحكم في الأصل فيكون باطلا # قالوا وهذا إذا كانت بنت خمس عشرة سنة صغيرة على ما نقول نحن فأما إذا ~~كانت كبيرة على ما يقولون فعندنا يجوز لها أن تزوج نفسها والتقدير لا يخلو ~~من هذين فالعلة مترددة بين منع الحكم فى الأصل على تقدير وبين سقوط العلة ~~على تقدير فلم تصح # صورة أخرى من التركيب الذى قاله الأصحاب وهو قولهم فى البكر البالغة بكر ~~فيجبرها أبوها كبنت خمس عشرة سنة وهذا أمثل من الأول فإن بنت خمس عشرة سنة ~~إن ثبت صغرها فالقياس على البكر الصغيرة جائز لأن الصغر لمجرده على مذهب ~~الشافعى لا يستقل بإفادة الإجبار بدليل الثيب الصغيرة فإن قال الخصم ظني أن ~~بنت خمس عشرة سنة صغيرة وإن كانت كبيرة لا يجبرها أبوها على النكاح فهذا ~~كلام صحيح غير أن هذه الصورة تنفصل عن الصورة الأولى لأن فى الصورة الأولى ~~تبطل العلة على تقدير الصغر والبلوغ جميعا وفى الصورة الثانية لا تبطل ms599 على ~~تقدير الصغر لكن يتوجه PageV02P147 على تقدير الكبر منع من الخصم ويضطر ~~المعلل إلى رد القياس إلى الصغيرة البكر فيلغوا تعيين خمس عشرة سنة # فأما التركيب فى الوصف فمثاله ما قال أصحابنا فى قتل المسلم بالذمى من لا ~~يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجبه بقتله بالسيف كالأب فى حق ابنه ~~وهذا أيضا فاسد لأن الخصم يقول إن المثقل ليس كآلة القتل والقتل به لا يكون ~~عمدا محضا على ما عرف من مذهبهم فإن كان الأمر على ما قلنا فقد قست العمد ~~على غيرالعمد وإن كان الأمر على ما قلتم إنه عمد محض يوجب القود فأنتم بين ~~منع وإطلاق وقد قال بعض أصحابنا فى مسألة الثمار التى تؤبر وتبعيتها ~~للأشجار فى مطلق التسمية ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت تسميتها ~~بالأغصان وهذا فيه معنى حسن وهو أن الشفعة في وضعها لا تتعلق بالمنقولات ~~فأشعر ثبوت أخذ الشفيع بكونها معدودة من أجزاء الشجرة ملحقة بها # فإن قال الخصم سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى وكذلك أثبتنا أخذ ~~الثمار المؤبرة للشفيع فالوجه أن يقال الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما ~~قلنا هنا بين وتسويتكم بين المؤبر لا يقدح فى هذا # ومثال هذا أيضا ما يقوله أصحابنا فى مسألة قتل الحر بالعبد من قياس النفس ~~على الطرف ويقول الخصم هذا تركيب لأن مذهبنا أن طرف العبد لا يكون محلا ~~للقصاص له وعليه محال غير أنا إذا صححنا التعلق بالشبه على ما سنبين فهذا ~~أقوى شبه وقد تأيد هذا الشبه بكون الأطراف محلا للقصاص على الجملة مثل ما ~~تكون النفوس محلا للقصاص ولم يوجبه منع وهذا من قوة الشبه كأنه مناقضة من ~~الخصم # فإن ناقض الخصم مناقضة ثانية ومنع كون طرف العبد محلا للقصاص بخلاف طرف ~~الحر فلا يمنع هذا من صحة القياس مع قوة الشبه على ما زعمنا والتخبط لهم فى ~~قطع الأطراف عن النفوس عظيم والرفق الذى يذكرونه فى تنزيل الأطراف منزلة ~~الأحوال فرق بعيد مرامه عويص تصحيحه سهل إبطاله والجملة فى ms600 التركيبات أنه ~~لا يتعلق بها محقق وطالب لمعنى وإنما التعلق بها من باب أرباب الصور وبابه ~~من لم يشم رائحة الفقه وعزيز على أهل الدين أن يسمعوا بناء أحكام البارى عز ~~اسمه على مثل هذه التعليلات التى هى شبه الخرافات عند مقابلتها بالعلل ~~المعنوية والقواعد العقلية التى يشهد لها أصول الشرع وتقوم يتصحيحها قوانين ~~الملة وتناضل دونها براهين معانى PageV02P148 الكتاب والسنة فلا ينبغى ~~للفقيه أن يشتغل بمثل هذه الأشياء فإنه تضييع للوقت وحيد عن مسالك الفقه ~~وترك لسبيل السلف الصالح وجرأة على أحكام الله تعالى وجر المعللين إلى ~~التلاعب بالدين فإنه إذا دخل فى أمثال هذا وسهل على نفسه ينجر شيئا فشيئا ~~إلى أمثال ما حكينا من العلل السخيفة ثم حينئذ ينسلخ عن الفقه أصلا ويصير ~~ضحكة عند المحققين ومعدودا من جملة الهاذين المخرفين ونسأل الله تعالى أن ~~يعصمنا من أشباه ذلك وأمثاله بمنه وطوله وقد ذكر جماعة من أصحابنا جوابا من ~~الأصل المركب وسموه التعدية ولست أرى فى ذلك معنى غير أنا نذكر صوره لئلا ~~يخلو الكتاب عن ذكر ذلك لو قال المعلل فى مسألة النكاح بلا ولى أنثى فلا ~~توزج نفسها كبنت خمس عشرة سنة فيقول المعترض المعنى في الأصل أنها صغيرة ~~وأعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات فإذا قال المعلل دعوى الصغر ممنوع ~~فيقول المعترض كذلك الأنوثة ليست بعلة وقد أدعيت أنها ععلة فقد ادعيت علة ~~وعديتها إلى فروعك وادعيت علة وأعديتها إلى فروعى فاستوى القدمان وآل ~~الكلام إلى التزامك إبطال علتى أو ترجيح علتك على علتى وأجابوا عن هذا ~~وقالوا معنانا نسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما المنازعة لكم فى كونها علة ~~وأما الذى ادعيت علة فلا أسلم وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده منتقلا إلى ~~علة أخرى فالانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوى فيه السائل والمسئول وقد ~~سلكوا أيضا فى إبطال التعدية مسلكا آخر وهو أن يقول لو ثبت معناك لقلت به ~~ضما إلى معناى فإن الحكم الواحد لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا قد لا يجرى فى ms601 ~~بعض المركبات فأما إذا قلنا فى البكر البالغة بكر فتجبر على النكاح كما ~~ذكرناه فى بنت خمس عشرة سنة فإذا ذكر المعدى الصغر لم يمكنا أن نقدر الصغر ~~علة فى الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر على النكاح عندنا قال الأستاذ ~~أبو إسحاق سبيل المركب إذا عورض بالتعدية أن يقول معناى عندك دعوى غير ~~مثبتة بما تثبت بمثله معانى الأصول أو قد ثبت بدليله فإن قلت لم يقم عليه ~~دليل فلست معللا بعد ولا مقيما متمسكا فى محل النزاع فمعارضتك إياى ~~بالتعدية غير متجه وإن اعترفت يكون معناى ثابتا فمعناك الذي أبديته ليس ~~مناقضا لمعناى وإنما يقدح المعارضة إذا جرت مناقضة فى المقتضى وهذا الذى ~~ذكرناه أورده الأصحاب نقلته على ما أوردوه وعندى أن الاشتغال بأمثال هذا ~~تضييع الوقت العزيز وإهمال العمر النفيس ومثال هذه التعليلات لا يجوز أن ~~يكون معتصم الفتاوى والأحكام ولا مناطا لشرائع الدين الرفيع وهذا وأمثاله ~~تعمية على المبتدئين وإيقاعهم فى الأغلوطات PageV02P149 وحيد بهم عن سنن ~~الرشد ومسالك الحق وقد كانت أنواع هذا طريقا مسلوكا من قبل يجرى النظار على ~~سنتها ويجادلون ويناطحون عليها غير أن زماننا الذى نحن فيه غلب عليه معانى ~~الفقه وقد جرى الفقهاء فيه على مسلك واحد فتناظموا فى مسلك واحد يطلبون ~~الفقه المحض والحق الصريح وقد تناهت معانى الفقه إلى نهاية أظن أن ليس ~~بعدها مبلغ الحق لطالب ولعلها قاربت فى الوضوح الدلائل العقلية التى يدعها ~~المتكلمون فى أصول الدين فالنزول عن تلك المعانى إلى مثل هذه الصور زلة فى ~~الدين وضلة فى العقل واالله العاصم بمنه نعم # وقد ذكر أبوزيد من أقسام الطرديات مسألة شهادة رجل وأمراتين فى النكاح ~~وتعليل الشافعي فيها أن النكاح ليس بمال وذكر لهذا أمثلة والعجب أنه يفهم ~~منا هذا وقد سلكوا مثل هذا المسلك قال محمد بن الحسن لا ضمان فى إتلاف ملك ~~النكاح لأنه ليس بمال وذكر أنه لا خمس فى اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليه بخيل ~~ولا ركاب وقال فى الصائم يأكل الحصاة ms602 لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وقال فى ~~ولد الغصب إنه أمانة لأنه لم يغصب وقال أبو حنيفة فى العقارات إنها لا تضمن ~~لأنه لم ينقلها اعتذر عن هذه المسائل وقال إنما قال محمد بن الحسن ما قال ~~فى هذه المسائل على سبيل الاستدلال لا على سبيل التحليل ووجه ذلك ان حكم ~~العلة لابد أن يتقدم إذا عدمت العلة كما كان تعد وما قبل العلة فإن هذه ~~المسائل من هذا وإنما أبينا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به لأن العدم ~~لا يقبل الإضافة وإذا بطلت الإضافة لم يكن علة وإنما يبقى الحكم عند عدم ~~العلة بعلة أخرى وأما الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم صحيح إذا لم توجد ~~علة أخرى تقوم بذلك الحكم قال فمتى اختلفنا فى ضمان الغصب لم يجب بدونه ~~وكذلك إذا وقع الاختلاف فى ضمان ما هو مال لم تجب فيما ليس بمال لأن الضمان ~~بشرط المماثلة يجب وإذا كان الضمان مالا المتلف ليس بمال تزول المماثلة ~~وذكر فى كل مسألة مما ذكرنا شيئا من هذا الجنس وأما في الشهادة فالخصم ~~يحتاج إلى أن يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه ~~ويحتاج إلى أن يذكر أن العتق من حكم البعضية لا غير حتى ينعدم بعدم البعضية ~~وعلى أن غاية ما فى الباب أن ما تعلق بالبعضية ينعدم بعدم البعضية إلا أن ~~عندنا فى مسألة إذا ملك أخاه لا يتعلق ما تعلق بالبعضية وإنما يقع ما تعلق ~~بالمجزئة والجواب أنا فى هذه المسألة لا نعلق الحكم بمجرد PageV02P150 ~~العدم وقد ذكرنا معنى فى المال يوجب سهولة شأنه وحرمان المسامحة من الشرع ~~فيه فى الحجة وذكرنا فى النكاح معنى يشعر باستقصاء الشرع فيه وإنما يحتاج ~~إلى اعتبار القوة فى الحجة ما لا يحتاج إليه المال وقول الشافعى إنه ليس ~~بمال وقعت به الإشارة إلى ما ذكرناه وكذلك ذكرنا فى البعضية معنى يفيد ~~العتق وعلى أنا سلكنا طريقة متبينة فى شراء الأخ أخاه أنه لا يعتق ويستمر ~~ملكه ms603 وذكرنا أن الأصل فى الأب والأخ وغيرهما انتفاء العتق وإنما العتق وقع ~~فى جانب الأب معدولا عن الأصل المعهود بعلة المجازاة وهذ لا يوجد فى الأخ ~~وأبطلنا المعنى الذى ذكر من الجانبين وقدمنا بحق هذه الطريقة فى كتاب ~~الاصطلام فليكن الاعتماد عليه وقد انتهى الكلام فى الطرد وما يتبعه وحين ~~فرغنا من الكلام فيه رجعنا إلى ما كنا فيه فى الأصل وهو الكلام في علة ~~القياس # | فصل # قال المحققون من أصحابنا إن العلة لابد من الدلائل على صحتها لأن العلة ~~شرعية كما أن الحكم شرعى وكما لابد من الدلالة على الحكم لابد من الدلالة ~~على العلة وقد قالوا إذا ثبت حكم متفق عليه وادعى المستنبط أنه تحلل بمعنى ~~أبداه فهو مطالب بتصحيح دعواه فى الأصل وذكر بعض أهل الجدل أنه لا يسوغ هذه ~~المطالبة لكن على المعترض أن يبطل معناه الذى ذكره إن كان عنده مبطل له ~~وهذا ليس بشئ والصحيح هو الأول وذلك لأنا قد ذكرنا فساد الطرد وذكرنا بطلان ~~التحكم فى الدين ولابد من علة مقتضية للحكم مناسبة له مغلبة فى الظنون أنها ~~المثيرة هذا الحكم فإذا ادعى أنه أصابها فهو مطاب بإبدالها فإذا اقتصر على ~~محض الدعوى كانت دهواه العلة بمنزلة دعواه الحكم # ببينة أن المعلل يدعى كون هذا الوصف علة ولابد من إقامة البرهان على ~~الدعوى وإن قال لا يلزمنى إقامة البرهان فهو إذا متحكم على الشرع بعلته فهو ~~كتحكمه بالحكم فإن قال هذا المعلل إن الصحابة نصبوا علامات على الأحكام ~~فإنا أيضا ننصب من جنس ما نصبوه فبين ذلك وبرهن عليه فإن قال الدليل على ~~صحة العلة عجز المعترض عن الاعتراض قلنا ومن أين قلت إن عجز المعترض يدل ~~على صحة العلة PageV02P151 فالسائل مسترشد مستهدى يطلب دليل صحة العلة ~~لينقاد لقضيتها والأصل أن إقامة الدليل على المدعين ولو قال المدعى عليه ~~للمدعى الدليل على أنى محق عجزك عن إقامة البينة هل يسمع هذا وهل تسقط عنه ~~اليمين فهذا هوى بين وقد يقع العجز عن الطعن ms604 فى الباطل لعدم آلته وكم من حق ~~مستور خفى فى العالم وكم من باطل ظاهر مجهور به # وإذا ثبت أنه لابد من الدليل على صحة العلة وقد قال القاضى أبو الطيب ~~الدليل على صحة العلة من أربع طرق # أحدها لفظ صاحب الشرع بنصه أو ظاهره أو شبهه # والثانى إجماع الأمة # والثالث التأثير # والرابع شهادة الأصول # فأما لفظ صاحب الشرع فقد يكون فى الكتاب وقد يكون فى السنة # أما فى الكتاب مثل قوله تعالى @QB@ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر @QE@ وهذا عبارة عن الإسكار الذى يحدث ~~هذه الأشياء التى ذكرها الله تعالى وقال سبحانه وتعالى @QB@ كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا @QE@ ثم قال @QB@ وكيف ~~تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض @QE@ والإفضاء اسم للوطئ وقال تعالى ( وإذا ~~بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ) وذكر مثال هذا # وقد ذكرنا بعض ذلك من قبل وذكر من أمثال هذا والتنبية قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( أينقص الرطب إذا جف ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرئ ~~مسلم إلا بإحدى ثلاث ) وقوله ( نهى عن بيع مالم يقبض ) وقوله ( إنها من ~~الطوافين PageV02P152 عليكم وقوله ( إنما هو دم عرق ) وفى بعض الروايات قال ~~لبريرة ( ملكت بضعك فاختارى ) وقد ذكرنا من قبل نظائر هذا # قال وأما الإجماع فهو دليل مقطوع به فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب ~~المصير إليه ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يقضى القاضي وهو غضبان ) ~~وأجمعوا أن النهى عن ذلك لأن الغضب يشغل قلبه ويغير طبعه ويمنعه من التوفر ~~على الاجتهاد وكذلك على مثال قوله تعالى @QB@ فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع @QE@ # قال وأما التأثير فهو أن يوجد الحكم بوجود العلة ويعدم بعدمها وذكر نظائر ~~لهذا منها الشدة فى الخمر يثبت التحريم عند وجودها وتزول بزوالهها وكذلك ~~الرق فى علة نقصان الحد يوجد النقصان بوجوده ويكمل بزواله وذكر مسائل من ~~أمثال هذا ms605 وأورد كلاما طويلا فيما وجد تأثيره من هذا الجنس وفيما لا يوجد ~~تأثيره من هذا الجنس وبيان هذا يدل على صحة العلة أنه يفضى إلى غلبة الظن ~~لأنه إذا رأى الحكم يدور مع الشئ وجودا وعدما غلب على ظنه أن هذا الشئ هو ~~الأمارة على ذلك الحكم وإذا وجد عند وجوده ولم يعدم عند عدمه لم يوجد عليه ~~الظن # قال وأما شهادة الأصول مثل قولنا لا تجب الزكاة فى أناث الخيل لآنه لا ~~تجب فى ذكورها فالأصول شاهدة لهذا لأنها مبنية على التسوية بين الذكور ~~والإناث فى وجوب الزكاة وسقوطها وهذا طريق يفضى إلى غلبة الظن لأن الإنسان ~~إذا علم أن فلانا إذا أعطى بناته شيئا يعطى بنية مثلها فإذا سمع أنه أعطى ~~البنات غلب على ظنه إعطاء البنين مثلها فثبتت أن شهادة الأصول دليل صحة ~~العلة من هذا الوجهه وقال ومن نظير ما ذكرناه قول المعلل من صح صلاته صح ~~ظهارة وكذلك قوله من لزمه العشر لزمه ربع العشر فى مسألة زكاة الصبى وكذلك ~~قوله ما حرم فيه النساء حرم فيه التفرق قبل التقابض وأمثال هذا تكثر ~~فالأصول تشهد لصحة هذا القليل وهذا الذى ذكرنا لمجموع كلامه واعلم أن إقامة ~~الدليل على صحة العلة فصل مشكل وقد اختلف الأصوليون فى PageV02P153 ذلك ~~أختلافا عظيما وإن وجدنا من الأصول فى الشرع وهى الكتاب والسنة والإجماع ~~نوع دليل على صحة العلة من نص أو تنبيه أو إشارة أو مفهوم صرنا إلى ذلك ~~واستدللنا بذلك على صحتها وقدمنا ذلك على غيره مما يدل على صحة العلة إذ ~~النص ودليله مقدم على كل دليل عندنا فإن قال قائل فإنكم لم تقولوا بهذه ~~الدعوى فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى دم الاستحاضة ( فإنه دم عرق ~~انفجر ) # وقال صلى الله عليه وسلم لبريرة ( ملكت بضعك فاختاري ) وقال صلى الله ~~عليه وسلم فى أخبار الربا ( كيلا بكيل ووزنا بوزن ) فالأول يدل على أن ~~سيلان الدم وخروجه من الباطن إلى الظاهر علة انتقاض الوضوء والثانى يدل ms606 أن ~~ملكها نفسها بالحرية علة ثبوت الخيار والثالث يدل أن الكيل هو العلة ولم ~~تقولوا بشئ من ذلك # الجواب إن هذه الألفاظ لها معان غير ما ظننتموها وتعرف بمخارج الألفاظ ~~والتأمل فيها أما اللفظ الأول فقد كان اشتبه على السائلة أن الدم الذى تراه ~~ما حكمه وكانت تظن أن ذلك دم حيض فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ ~~ليميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإن دم الحيض دم يرخيه الرحم ويخرج من ~~جوفه فى زمان مخصوص تعتاد النساء ذلك بأصل بنيتهن وخلقتهن وأما دم ~~الاستحاضة دم ينفصل من العرق لا من الرحم ولا رخاء لذلك وأن كان فى الظاهر ~~ينفصل من المحل الذى ينفصل منه دم الاستحاضة وكانت الإشارة منه صلى الله ~~عليه وسلم واقعة إلى هذا وعلى أن قوله صلى الله عليه وسلم انفجر كلمة زائدة ~~لا يعرف ثبوتها وأما الذى رووا من قوله صلى الله عليه وسلم ( ملكت بضعك ~~فاختارى ) فعلى هذا الوجه لا يعرف هذا الخبر وعلى أنه يقال لهم هل تقولون ~~إنها ملكت نفسها بالعتق PageV02P154 حتى تصير كإمرأة لا زوج لها فإنها هى ~~التى تملك نفسها على الإطلاق ونعلم قطعا أنها لم تملك نفسها كذلك فلابد من ~~تأويل وتأويله ملكت الفسخ لتملكى نفسك فاختارى ثم قام الدليل أن زوجها كان ~~عبدا وأن ملكها الفسخ كان فى هذه الصورة وأما قوله عليه صلى الله عليه وسلم ~~( كيلا بكيل ) فهو من صلى الله عليه وسلم إشارة إلى علة الخلاص عن الربا ~~وقد بينا فى مسائل الفروع أن قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تبيعوا الطعام ~~بالطعام ) يدل ذكر الطعام أن الطعم علة وقوله صلى الله عليه وسلم ( الثيب ~~أحق بنفسها من وليها ) يدل أن الثيابة علة وقوله صلى الله عليه وسلم ( من ~~باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ) دليل أن التأبير علة ~~فى كون الثمرة للبائع وقول تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن @QE@ # يدل أن الحمل علة وقوله تعالى ms607 @QB@ والسارق والسارقة @QE@ يدل أن السرقة ~~علة وقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني @QE@ يدل أن الزنا علة وقوله صلى ~~الله عليه وسلم فى ( النهى عن بيع الطعام قبل القبض ) يدل أن عدم القبض علة ~~وأمثال هذا توجد كثيرا وأما قوله صلى الله عليه وسلم فى الرطب ( أينقص إذا ~~جف ) نص فى التعليل به وقوله ( أينقص إذا جف ) تقرير وأبين باستفهام مثل ~~قوله تعالى @QB@ وما تلك بيمينك يا موسى @QE@ ومعنى الخبر إذا علمت له ينقص ~~الرطب إذا جف فلا يجوز البيع إذا ومن البينة على العلة قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( العينان وكاء السه ) فيكون الدليل دليلا أن بزوال الاستمساك علة ~~لإنقاض الوضوء PageV02P155 # | فصل # وأما إذا أعوز الدليل من هذا الوجه ولم يكن بد من إقامة الدليل فقد جعل ~~بعض أصحابنا مجرد الاطراد والجرى دليلا وقد ابطلنا ذلك وذكر كثير من ~~أصحابنا وأصحاب أبى حنيفة أن الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة وهو أن ~~يوجد الحكم بوجود وصف زائد وتزول بزواله فيدل أن لذلك الوصف التأثير فى ~~الحكم ما ليس لغيره # واستدل من قال إن هذا دليل صحة العلة بأن العلل الشرعية علل ظنية وليس ~~لها عمل إلا إفادة غالب الظن ونحن نعلم قطعا أن الحكم إذا وجد بوجود وصف ~~وانتفى بعدمه غلب على الظن أنه العلة وهو كالشدة فى الخمر فإنه يوجد ~~التحريم بوجودها وينعدم بعدمها دل أنها العلة # قالوا ومن أنكر أن هذا يفيد غلبة الظن فقد عاند # ببينة أن مثل هذا يعتمد عليه فى المؤثرات العقلية فكيف لا يعتمد عليه فى ~~المؤثرات الشرعية وإذا ثبت وجود غلبة الظن ولم يبطل كونه علة بمسلك من ~~المسالك ثبت كونه علة وافاد الحكم الذى بنى عليه # وقد قيل إن الحكم إذا ربط بالطرد والتنكيس فهو فى العكس أبين من جهة أن ~~الطارد فى محل النزاع مدعى الاطراد وهو منازع فيه لا محالة وأما الانعكاس ~~فهو متفق عليه لأن الانعدام عند عدم الوصف متفق عليه واعلم أن الاستدلال ~~بهذا الدليل فى نهاية الإشكال لأنا بينا ms608 أن الاطراد ليس بدليل على صحة ~~العلة وهى شئ يلزم المعلل بكل حال حتى إذا لم يطرده والتزم ما ينقضه ظلت ~~علته على ما سنبين من بعد # ويقال للحنفى إذا قال إن علة جريان الربا الكيل لم قلت إن الكيل علة قال ~~لأنها علة مطرده قال لأنى أتبعها الحكم أين وجد الكيل فيقال هذا باتفاق ~~بينى وبينك # فإن قال باتفاق لم يسلم له ذلك وإن قال لا باتفاق لكنى أطرد العلة وأتبع ~~الحكم الكيل أين وجد فيقال له ليسوغ لك ذلك فإن قال لا كفى الخصم شغله وإن ~~قال نعم فيقال له لم ساغ لك ذلك فإن قال لأنها علة الحكم يقال له ولم قلت ~~إنها علة الحكم فيعود إلى ما بينا من قبل فهو يستدل على صحة العلة بالجريان ~~ويستدل على صحة الجريان بالعلة وهذا فاسد فإن قال ساغ لى لأنها غير منتقضة ~~يقال معنى قولك غير منتقضة أنك علقت الحكم بها فى كل موضع وجدت فيه العلة ~~PageV02P156 فكأنك قلت إنما ساغ لى تعليق الحكم بها لأنى علقت الحكم أين ~~وجدت # فإن قال إنما ساغ لى تعليق الحكم أين ودت لأنه لم يمنع من ذلك نص ولا ~~إجماع # يقال له ولم إذا لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع وجب تعليق الحكم بها وما ~~أنكرت أن يكون هاهنا مانع غير ما ذكرت لأن وجوه الفساد تكثر به فإن قال ليس ~~هاهنا وجه فساد # يقال أبعد فى وجوه الفساد فقد الدلالة على صحتها # فإن قال نعم # قيل فدل على صحتها واترك حديث الجريان والاطراد وإن قال لا يعد ذلك من ~~وجوه الفساد رجع الأمر إلى ما سبق وهو أن مدعى صحة العلة لابد له من إقامة ~~الديل على صحتها # فإن قال ما لا يوجد فيه وجه من وجوه الفساد فهو صحيح # قلنا قد بينا أن هذا عدم الدليل على الصحة والفساد وعلى أنك إذا لم تدل ~~على وجه الصحة فيجوز أن يكون فيه وجه فاسد وانت لا تشعر لأن الفساد ms609 كما لا ~~يثبت إلا بدليل الفساد فالصحة لا تثبت إلا بدليل الصحة ولأن العدم لا يدل ~~على شئ ما بصحة ولا فساد # فإن قال لو لم تكن العلة صحيحة لأعلمنا الله تعالى ذلك # قيل له يكفى فى النفى فقد دليل الإثبات ولا يكفى فى الإثبات فقد دليل ~~النفى # ألا ترى أنا ننفى صلاة سادسة لفقد الدليل على وجوبها ولا نوجبها لفقد ~~الدليل على نفيها فلا تثبت الصحة ها هنا لفقد دليل الفساد وهذا لأن الأصل ~~نفى صلاة ساسة فلا ينتقل عنه إلا بدليل # فإن قالوا عجز الخصم عن إفسادها يدل على صحتها # قيل الخصم قد يعجز عن إفساد الفاسد # فإن قيل أليس أن المعجزة إنما صارت حجة لعدم ما يعارضها فقد صار عدم ~~المعارضة دليلا على صحته فكذلك ها هنا عدم المعارض يصير دليلا لصحة العلة ~~قلنا العجز إنما كان حجة لا بما قلتم ولكن بوقوعها خارجا عن معتاد قدرة ~~البشر إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا هو فى مقدور البشر فقيل لهم ائتوا ~~بمثلها ليقطع تعنتهم ثم إذا انقطع تعنتهم PageV02P157 بعجزهم فالحجة صحتها ~~بما بينا وقد كان سبق بعض هذا الكلام غير أنا ذكرنا فى هذا الموضع على وجه ~~السؤال والجواب ما يبين أن الإجراء والطرد ليس بدليل الصحة العلة فكذلك ~~العكس بل هذا أبعد لأن الاطراد يلزم المعلل والانعكاس ليس بشرط لصحة عند ~~أكثر الأصوليين فإن كان الإطراد الذى هو شرط العلة لا يدل على صحة العلة ~~فالانعكاس الذى ليس بشرط لأن لا يكون دليلا أولى ومن جعل ما ذكرناه دليلا ~~يجيب عن هذا فيقول إن مجموع الأمرين يفيد غلبة الظن فى انتصاب الشئ علما ~~على الحكم ومن زعم أنه لا يفيد لابد أن ينسب إلى العناد وإن سلم فالقائس ~~غايته إظهار علم على الحكم بجهة تفضى إلى غلبة الظن # وعندى أن الإشكال لا يزول بهذا ويدخل على ما ذكروا فصل الشرط الذى قدمنا ~~فإنه يوجد عند وجوده ويعدم عند عدمه وليس بعلة ومن يقول إنه علة ولا يفرق ms610 ~~بين اشرط والعلة فهو مجازف ولأن الشئ قد يوجد عند الشئ اتفاقا وينعدم عند ~~عدمه اتفاقا ولا يدل على أنه علة # وقد حكى الإمام أبو المعالى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الدليل على صحة ~~العلة إنما يكون بتقرير إحالته ومناسبته للحكم مع سلامته عن العوارض ~~والمبطلات ومطابقته الأصول وعبر عن هذا فقال وأنا أقرب فى ذلك قولا فأقول ~~إذا ثبت حكم فى أصل وكان يلوح فى سبيل الظن استناد ذلك الحكم إلى أمر ولم ~~يناقض ذلك الأمر بشئ فهذا هو الضبط الأقصى الذى ليس عليه مزيد فإذا أشعر ~~الحكم فى ظن الناظر بمقتضى استناد إليه فذلك المعنى هو المظنون علما وعلة ~~لاقتضاء الحكم ثم سأل على هذا سؤالا فقال فإن قيل الإخالة مع السلامة هي ~~الدالة على صحة القياس إذا لا ما اعتمدتم عليه من إجماع الصحابة # قلنا إذا أثبت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ذلك بمسالك ~~نظر الصحابة فالدليل على القياس إجماعهم لكن إجماعهم هو على مثل هذا القياس ~~ثم سأل سؤالا فقال المآخذ على هذا الوجه محصورة والوقائع غير محصورة فكيف ~~يستند ما لا نهاية له إلى المتناهى وقال إن هذا السؤال عسر جدا # قال الإمام جمال الإسلام وعندى هذا السؤال ليس يدخل على فصل الإخالة ~~وإنما هو إشكال إن كان فى مسألة القياس أنه حجة أو لا وليس يتصور فرع يقع ~~إلا ويستند ذلك إلى أصل مناسب له ويكون معنى الأصل مؤثرا فيه وقد ذكر بعض ~~الأصوليين PageV02P158 فى الدليل على صحة العلة طريق السبر والتقسيم وهو أن ~~يبحث الناظر عن المعانى فى الأصل ويتتبعها واحدا واحدا وبين خروج آحادها عن ~~الصلاح للتعليل به إلا واحدا يرضاه # واعلم أن الفصل اختلف فيه أهل الأصول وهو أن القائس إذا خالفه قائس آخر ~~فى علة الأصل فأبطل هذا القائس علة خصمه هل تصح علته فبعضهم قال يدل ذلك ~~على صحة العلة مثل الحنفى يبطل علة الكيل فتصح بذلك علته التى يدعيها لأن ~~القائلين بالقياس اتفقوا على أن إحدى العلتين ms611 صحيحة والأخرى باطلة فإذا ~~بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى ضرورة وهذا الوجه فى تصحيح العلة ضعيف لأن ~~البطلان ضد الصحة فكيف يكون دليل الصحة ولأن الصحة لا تدل على الصحة مع ~~تجانسها فكيف يدل البطلان على الصحة مع تضادهما وهذا لأنه يجوز أن تكون ~~العلتان جميعا فاسدتين ويكون الصحيح العلة الثالثة ويجوز أن لا يكون ~~المنصوص عليه معلولا بعلة ما وأيضا فإن العلم ببطلان إحدى العلتين لا يدل ~~على صحة العلة الأخرى إذا توهم البطلان قائم فى العلة الأخرى ولأن شرط صحته ~~العلة أن يكون مخيلا مقتضيا للحكم الذي ربط به وإن بطلت العلة الأخرى لا ~~يثبت هذا المعنى لهذه العلة وقولهم إنهم اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة ~~قلنا ليس على هذا الوجه بل كل فريق يقول علتى صحيحة وعلة الخصم باطلة وإن ~~بطلت علته لا يعترف بصحة علة الخصم لأنه مقيم على اعتقاد بطلان علة الخصم ~~سواء صحت علته أو بطلت # فإن قيل قد اتفقوا أن هذا الأصل معلول وإذا اتفقوا أنه معلول فلابد أنه ~~إذا بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى # قلنا إنما اتفقوا على أن الأصل معلول بعلة صحيحة لو وجدت فإذا لم نجد علة ~~صحيحة لا يكون معلولا ونقول أن بطلت علتي ولم يدل البطلان على صحة علتك ~~بقيت علتى صحيحة وعلتك غير مدلول على صحتها فيكون الأصل من قبيل ما هو ~~معلول إلا أن تأتى بعلة وتدل على صحتها # وذكر أبو زيد عن بعضهم أن العلة المخيلة ما يوقع فى القلب خيال الصحة ~~وذلك بالملاءمة والصلاحية # وتقسيم الملاءمة أن يكون على وفق ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة ~~عن السلف وعن الصحابة قال وعلماؤنا قالوا ما لم يقم الدليل على أن الوصف ~~ملائم PageV02P159 لا يقبل التعليل ولا يلتفت إليه وإذا صار ملائما يعمل به ~~إلا بسبب العدالة وذلك بكونه مؤثرا فى ذلك الحكم كالشاهد لابد أن يأتى بلفظ ~~الشهادة لأنه الملائم للشهادة ولابد بعد ذلك من التعديل والتعديل هناك مثل ~~التأثير ها هنا فإن ms612 عمل قبل التأثير يصح وإن عمل قبل الملائمة لا يصح ~~كالشهادة لو عمل القاضى بها بلا لفظ الشهادة لا يصح واستدل فى أن الإخالة ~~ما أوقع فى القلب خيال الصحة لأن العلة ما تغير الحكم لعلة المريض تغير ~~وصفه والمغير لابد أن يكون لتغييره أثر لأن ما لا يحس لا يعرف ثبوته بآثار ~~محسوسة فما لا أثر له لا يكون علة ثم هذا الأثر ليس مما يحس لكنه مما يعقل ~~فيجب الرجوع إلى القلب وشهادته تحكيمة كما قيل فى أمر القبلة إذا اشتبه ولم ~~يبق عليها دليل يحس وجب الرجوع إلى القلب وشهادته فإذا شهد القلب بصحته ~~قبلت الشهادة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الإثم ما حاك فى قلبك وإن ~~أفتاك الناس ) والاعتراض على هذا الفصل هو إن الإخالة بما يقع فى القلب ~~تكون حجة يقع فى قلبه ولا يكون حجة على غيره وكذلك فى أمر القبله إذا ~~اختلفت الجهات بجماعة لا يكون قول بعضهم حجة على البعض # قال ولأن كل معلل يمكنه أن يقوله قد وقع فى قلبى خيال الصحة فيصير قوله ~~معارضا لقول صاحبه فبطل دعوى الإخالة بهذا الوجه # وذكر أبو زيد أن الطريق الصحيح فى تصحيح العلل أن يكون الوصف ملائما ~~للحكم # ويستدل على الملاءمة بدليل يمكن الوقوف عليه بأن التمثيل وهو أن يبنى عمل ~~مثل ذلك الوصف فى أصول الشرع وهذا لأن الوصف مع صلاحه وملاءمته للحكم يحتمل ~~أن لا يكون علة فلابد من دليل عليه ولا دليل عليه سوى الاستشهاد بأصل صحيح ~~ثابت لترجيح جهة الصواب على جهة الغلط وذكر على هذا مسألة الإفطار بالأكل ~~وأنه يوجب الكفارة والعلة إنه إفطار كامل والاستشهاد عليه بالوطء وذكر ~~مسألة السلم الحال وأن المفسد له العجز عن التسليم والاستشهاد بكل عقد يوجد ~~فيه العجز عن تسليم المبيع # وذكر مسألة حرمة المعاهدة وأن علة إثباتها البعضية والاستشهاد عليه ~~بالوطء الحلال PageV02P160 والوطء بالشبهة وذكر هو غيره ممن ينصر طريقته ~~كلاما طويلا فى الأصول التى صنفوها فجعلت فيه هذا ms613 القدر وهو الذى يفهم ويقع ~~فى القلب من التطويل العظيم فى كلامه وجعل يردد هذا المحرف وهو أن ما لا ~~يحس يعرف بأثره فيعرف صحة العلة ببيان أثرها واستشهد بالشهادة فى عامة ~~كلامه فى هذا الفضل ( ) وقال عدالة الشاهد إنما تثبت بأمر دينه في منعه من ~~ارتكاب ما اعتقده حراما بدينه فيستدل به على منعه من الكذب الذى هو حرام فى ~~دينه فكذلك عدالة الوصف الذى هو بمنزلة الشاهد على الحكم إنما يعرف بأثره ~~فى إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلا ~~على نظيره ويكون استدلالا بوجود معلوم ولا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا ~~يجوز المحاجة به وهذا إنما يقوله على من يجعل دليله فى صحة العلة عدم قيام ~~الدليل على فساده ويقول من يتعلق بذلك الدليل على صحة العلة متعلق بمحض ~~العدم # قال ولأنا ذكرنا أن الحكم كما يوجد مع العلة ويطرد معه فكذلك يوجد مع ~~الشرط ويطرد معه فلابد من دليل آخر يميز بين الشرط والعلة وذلك فى بيان ~~الأثر وأنه لا أثر للشرط فى إيجاب الحكم وللعلة أثر فهذا الذى ذكرت قدر ما ~~وجدت من كلام المحققين فى بيان الدليل على صحة العلة # واعلم أن الاشتغال بدليل الإطراد بمجرده لا معنى له وكذلك بدليل الإطراد ~~والانعكاس وإن كان هذا أمثل من الأول وأوقع فى القلب ولأصحابنا العراقيين ~~شغف عظيم بهذا ولعل بعضهم يقول لا دليل فوق هذا ولكن الاعتراض الذى قلناه ~~اعتراض واقع # وأما الاستدلال بشواهد الأصول فضعيف أيضا كثرة الشواهد لا يكون فيها دليل ~~كثير وهذا لأن الوصف هو المقتضى للحكم فلا بد من بيان معنى فى الوصف يدل ~~على الاقتضاء حتى تصح العلة وأما إبطال علة الخصم وطلب تصحيح العلة بهذا ~~الطريق فضعيف أيضا بما قد بينا فلم يبق فى الدليل على صحة العلة سوى ~~الإخالة والمناسبة # وقد ذكر أبو الحسين البصرى فى أصوله أن مما يدل على صحة العلة أن يكون ~~الوصف مؤثرا فى قبيل ذلك الحكم ms614 لأن العلة ما يؤثر فى الحكم وما لا يؤثر لا ~~يكون علة # قال وهذا كالبلوغ يؤثر فى رفع الحجر عن المال فكان أولى أن يكون علة فى ~~رفع PageV02P161 الحجر عن النكاح من الثيوبة لأن الثيوبة لا تؤثر فى جنس ~~هذا الحكم الذى هو رفع الحجر # واعلم أنا بينا تأثير الثيابة فى مسائل الخلاف فى الفروع وأوردنا ما فيه ~~الكفاية ورجحنا اعتبار الثيابة على اعتبار الصغر وتركنا إيراد ذلك فى هذا ~~الموضع واعلم أن مجموع ما يحصل من معنى الإخالة والمناسبة وهو أن يقال دليل ~~صحة العلة وجود وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر فى إثباته متى عرض الوصف على ~~قواعد الشرع وقوانينه وأصوله فإذا وجد الوصف بهذا الحد عرف صحته وهذا أمر ~~لا يتم بالمكابرات والمعاندات وإنما يعرف ذلك بعرضه على أصول الشرع وقواعده ~~وبيان هذا فى الشدة المسكرة فإنا نقول إنها العلة فى تحريم الخمر ونقيس ~~النبيذ على الخمر بهذا الوصف وهذا وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر فى إثباته ~~ونعنى بالتأثير إشعاره فى القلوب وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة ووجود شاهد ~~الأصل على ذلك وكذلك الطعم مشعر بالتحريم بالوجه الذى ذكرناه فى كتاب ~~الاصطلام وقد أبى بعض أصحابنا وجود معنى فى الطعم يؤثر فى الحكم ويشعر وجعل ~~يلوذ بالخير واللياذ بالخير وإن كان حسنا لكنا ندعى إن علة الربا علة ~~مستنبطة لا منصوص عليها وقد استنبط الشافعى علة الطعم واستنبط أبو حنيفه ~~علة الكيل فلابد من إقامة الدليل على تصحيحه من حيث الإخالة والمناسبة وفى ~~هذا خطب عظيم ولا يمكن إقامة الدليل عليه إلا بعد معرفة حكم النص ولابد من ~~الإعراض عن الترجيحات لأن الحاجة ماسة إلى إقامة الدليل على تصحيح العلة ~~فلا معنى للاشتغال بالترجيح وعندنا أن الكيل علة فاسدة وليس لها مناسبة ~~لحكم النص بوجه ما # وأما الطعم فهو المخيل المشعر بثبوت حكم النص فذكر الترجيح فى مثل هذا ~~يبعد فدل أنه لابد من ذكر دليل فى نفس الطعم وأنه علة وقد أوردنا وحققنا ~~وليس هذا الكتاب لمسائل ms615 الفروع وإنما هو لمسائل الأصول وعلى الأصل الذى ~~أوردناه مسألة بيع الفاسد فإن الفساد مشعر بانتفاء الحكم وفى مسائل النكاح ~~بغير ولى الأنوثة مشعرة ببقاء الولاية للمرأة فى الأنكحة والبكارة مشعرة ~~بثبوت الإجبار وأمثال هذا يكثر فهذا هو الأصول وعلى أمثالة هذه العلل ينبغى ~~أن يقع الاعتماد من الله المعونة والتوفيق بمنه # وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنقول قد بينا أن الاطراد ليس بدليل لصحة ~~العلة PageV02P162 لكنه شرط لصحة العلة وسيأتى هذا من بعد فأما الانعكاس ~~ليس بشرط ونذكر هذه المسألة في هذا الموضع # مسألة اعلم أن الانعكاس ليس بشرط لصحة العلة فى قول أكثر الأصحاب # وهو قول جمهور من انتمى إلى الأصول من الفقهاء وهو أيضا قول بعض ~~المتكلمين وذهب بعض أصحابنا إلى أن الانعكاس شرط فإذا ثبت الحكم بوجود ~~العلة ولم يرتفع بارتفاعها بطلت العلة وهو قول بعض المعتزلة ويعلق من ذهب ~~إلى هذا بالعلل العقلية وقال العلل الشرعية وإن كانت مظنونة ولكن ينبغى أن ~~تكون على مضاهاة العلل العقلية إلا فى كون إحديهما معلومة والأخرى مظنونة ~~ثم العلل العقلية يجب انعكاسها كذلك العلل السمعية ولأن العلل الشرعيه إنما ~~تفيد الحكم لآنها تفيد غلبة الظن فإذا وجد الحكم بوجود الوصف ولم ينعدم ~~بعدمه ولم يفد غلبة الظن فلا يبقى حجة # وأما دليلنا نقول العلة المنصوبة للإثبات فلا تدل على النفى وكذلك إذا ~~نصبت للنفى لا تدل على الإثبات # فنقول علة منصوبة فلا يطلب منها إلا التأثير فى ذلك الحكم كالعلة المنصوص ~~عليها لا يطلب منها إلا إثبات الحكم الذى تناوله النص وهذا لأن المقصود من ~~التعليل إثبات الحكم دون نفيه فلا يعمل فى النفى لأن العلة إنما تعمل فيما ~~قصد بالعلة # ونقول أيضا إن العكس لو كان شرطا لكان لا يقتل إلا قاتل من حيث كان القتل ~~علة قتل القاتل أو لا يقتل إلا مرتد فإذا كان الحكم الثابت بعلة تطرد مع ~~ارتفاعها لوجود علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك أن الانعكاس ليس بشرط # فإن قالوا إن ms616 القتل قصاصا قد لنعدم بعدم القتل وكذلك الفعل بالردة لنعدم ~~بعدم الردة وإنما تقتل بعلة أخرى # قلنا فإذا كان وجوب القتل بعلة القتل من حيث انعدام وجوب القتل عند عدم ~~القتل فإذا حدث علة أخرى للقتل فينبغى أن يحكم بتعارض ما يوجب القتل وما لا ~~PageV02P163 يوجب القتل ويسقط القتل لأن الدليل الشرعى دليل مثل الدليل ~~العقلى ثم الدليل العقلى يجوز أن لا يدل على وجود الحكم فى الموضع الذى وجد ~~فيه الحكم ثم ينعدم ويثبت الحكم بدليل آخر فكذلك الدليل الشرعى يجوز أيضا ~~أن يكون كذلك بل هذا أولى لأن الدليل العقلى قد صار دليلا بنفسه والدليل ~~الشرعى إنما صار دليلا بجعل جاعل فإذا لم يكن هذا شرطا فى الدليل العقلى ~~ففى الدليل الشرعي أولى وقد ظهر بهذا الجواب عما تعلقوا به وقد ظهر الذى ~~قالوه لا يشرط فى الدليل العقلى وفى الحسيات أيضا ليس كل من نصب علما على ~~إثبات شئ ينبغى أن ينصب علما على ضده # وأما قولهم إن قوة الظن تذهب بعدم الانعكاس دعوى لا دليل عليها وعلى أنا ~~بينا أن الدليل على صحة العلة الإخالة والمناسبة وذلك قائم وإن لم ينعكس ~~وهذا هو الدليل المعتمد وإذا بقى الدليل على صحة العلة بقيت العلة مفيدة ~~لحكمها ثم إذا انعدمت العلة فيجوز أن يقوم دليل آخر على بقاء الحكم ويجوز ~~أن يدل دليل فينتفى لعدم الدليل # ويقال أيضا إن العلة الشرعية أمارة فيجوز أن يدل على الحكم الواحد ~~أمارتان أيهما وجدت دلت عليه فإحدى الأمارتين وإن عدمت بقى الحكم بالأمارة ~~الأخرى ولم يدل ذلك على أن الأمارة الأخرى لم تكن صحيحة والله اعلم # | فصل # قد فرغنا من ذكر قياس المعنى فهذا قياس الشبه # وقد اختلف العلماء فى كونه حجة فى الأحكام أو ليس بحجة # مسالة # اعلم أن ظاهر مذهب الشافعى رحمة الله أنه حجة وقد أشار إلى الاحتجاج به ~~فى مواضع من كتبه وأقرب شئ فى ذلك قوله فى إيجاب النية في الوضوء كالتيمم ~~PageV02P164 طهارتان فكيف يفترقان وتابعه ms617 أكثر الأصحاب على ذلك غير أبى ~~إسحاق المروزى فإنه روى عنه أنه قال ليس بحجة # وقال الشافعى فى أدب القاضى القياس قياسان # أحدهما ما كان فى معنى الأصل # والآخر أن يشبه الشيء بالشئ من أصل ويشبه اشئ من أصل غيره ثم قال وموضع ~~الصواب عندنا فى ذلك أن ينظر إن أشبه أحدهما فى خصلتين وأشبه الآخر فى خصلة ~~ألحقه بالذي أشبه فى خصلتين # قال بعض أصحابنا إن قوله هذا يدل على أنه حكم بكثرة الأشباه من غير أن ~~يجعلها على الحكم # وقال بعضهم إنما حكم بترجيح إحدى العلتين فى الفرع بكثرة الشبه # وقال كثير من أصحاب أبى حنيفة أن قياس الشبه ليس بحجة وإليه ذهب من ادعى ~~التحقيق منهم وصار إليه القاضى أبو زيد ومن تبعه وذهب إلى هذا القول أيضا ~~PageV02P165 القاضى أبو بكر والأستاذ أبو منصور البغدادى # ثم اعلم أن الشبه ضربان # أحدهما فى الأحكم # والثانى فى الصورة # فأما الشبه فى الأحكام فقد ذهب عامة أصحابنا إلى جواز التعليل به كوطء ~~الشبهة مردود إلى النكاح فى سقوط الحد ووجوب المهد لشبة بالوطء فى النكاح ~~فى الأحكام # وأما الشبه فى الصورة فكقياس الخيل على البغال والحمير فى سقوط الزكاة ~~بصورة الشبه أو كقياس الخيل على البغال والحمير فى حرمة اللحم كقول القائل ~~ذو حافر أهلى وقد جعل بعضهم مثل هذا القياس حجة لأن الشبه قد وجد # قال وإذا جاز أن يعلل الأصل بصفة من ذاته جاز أن يعلل بصورة من صفاته ~~ولأن العلل أمارات فيجوز أن يكون الشبه فى الصورة أماره على الحكم كما يجوز ~~أن الشبه فى المعنى أو فى الحكم أمارة على الحكم وهذا ليس بصحيح # والصحيح أن مجرد الشبه فى الصورة لا يجوز التعليل به لأن التعليل ما كان ~~له تأثير فى الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها والشبه فى الصورة لا تأثير ~~له فى الحكم وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما # وقد استدل من قال إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة ms618 فى الأوصاف لا ~~توجب المشابهة في الأحكام فإن جميع المحرمات يشابهه بعضها بعضا فى الأوصاف ~~ويختلف فى الأحكام ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة فى ~~الحكم لأن العلة هى الجالبة للحكم فيما لا يتعلق به الحكم لا يجلب الحكم ~~ولأن من جعل الشبه حجة لا يخلو إما أن يجعل المشابهة بهذا فى جميع الأوصاف ~~حجة أو يجعل المشابهة فى بعض الأوصاف حجة فإن جعل المشابهة فى جميع الأوصاف ~~حجة فهذا لا يوجد وإن جعل المشابهة فى بعض الأوصاف حجة فإذا لم يكن لذلك ~~الوصف تأثير فى الحكم فليس بأن يجعل المشابهة فى ذلك الوصف علة للمشابهة ~~للحكم بأولى بأن يجعل المفارقة فى غيرها من الأوصاف علة للمفارقة فى الحكم ~~PageV02P166 قالوا وأما المكاتب فنحن لا نقول ألحق بالأحرار لمشابهته ~~بالأحرار فإن العبد يشبه الأحرار فى معانى كثيرة ومغ ذلك لا يلحق بالأحرار ~~وكذلك الدواب تشبه بنى آدم فى صفات خمس ولا يلحق هذا الشبه ببنى أدم ولكن ~~المكاتب حر يد أثبتت له بحكم عقد الكتابة ورقيق رقبة فلحرية يده يستحق ما ~~يستحق الحر بيده ولرق رقبته لا يستحق ما يستحقه الحر برقبته # والصحيح أنه ثبت له أحكام الأحرار بالكتابة نظرا له ليصل إلى الحرية مع ~~بقاء الرق على الكمال # وقد قال أيضا من يرد قياس الشبه أن مجرد الشبه صورة أوحكما لا يشعر ~~بمناسبة بين العلة والحكم لجواز افتراق المحلين فى الحكم # وبيانه أن من قاس الوضوء على التيمم فى إيجاب النية بقوله طهارة فليس فى ~~قوله طهارة ما يؤثر فى إيجاب النية ويجوز افتراق الوضوء والتيمم فى حكم ~~النية وغيرها فلا يدل نفس وجوب النية في التيمم على وجوبها فى الوضوء فلابد ~~من اجتماعهما فى المعنى الذى يوجب نية الفعل إذا اتصف بكونه طهارة حتى إذا ~~اجتمع الفعلان فى وصف الطهارة يجتمعان فى الحكم وعلى هذا من علل فى منع قتل ~~الحر بالعبد يقول قصاصا وقاس على الطرف فيقال نفس قول قصاص لايدل على ~~امتناع الجريان ويجوز ms619 أن يمنع الحكم بين الطرف والنفس فى ذلك المعنى ~~ليجتمعان فى حكم النفى وأمثال هذا تكثر جدا يدل عليه أنه ليس الشبه إلا ~~اشتراك الشيئين فى وجه من الوجوه وإن اشتركا فى وجه من الوجوه افترقا فى ~~كثير من الوجوه ومن اكتفى بمجرد اشتراك فى الشبه بوجه ما يعارض بمجرد ~~افتراق الشبه بوجه ما أو بوجوه شتى لأن وجوه الافتراق فى الأشياء أظهر من ~~وجوه الاجتماع فدل على أن قياس الشبه بنفسه لا يكون حجة # ويقولون أيضا قولك إن الفرع كالأصل فى الحكم أبعلم تقول هذا أم أبظن أو ~~لا بعلم ولا بظن فإن قلت بعلم فأين العلم وإن قلت بظن فأين الظن وهذا لأن ~~العلم والظن لابد لهما من مستند فاذكر المستند حتى يصح قولك إنه بعلم أو ~~بظن وإلا فهو هذيان وإن قلت لا بعلم ولا بظن فحكم الله تعالى لا يثبت ~~بالجزاف # وإن قلت تشابههمافى وجه يغلب على الظن تشابههما فى الحكم فهذا دعوى مجردة ~~وإن كانت المشابهة فى وجه يفيد ظنا فالمفارقة فى سائر الوجوه تبطل الظن ~~PageV02P167 وتشوش على الظان ظنه # وقالوا أيضا إن الأصل فى القياس هم الصحابة والمنقول من الصحابة النظر ~~إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما # وأما دليل من جعل قياس الشبه حجة فنذكر أولا الفرق بين قياس المعنى وقياس ~~الشبه والطرد ويمكن أن يقال على الإطلاق قياس المعنى تحقيق وقياس الشبه ~~تقريب وقياس الطرد تحكم # ونقول إن قياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه ويؤثر فيه ويقتضيه وهو ~~تعليق التخفيف بما يوجب التخفيف وتعليق العقوبات بالجنايات وتعليق وجوب ~~الحق بالايجابيات وأمثال هذا تكثر وأما الطرد فعلى عكس هذا هذا فإنه تعليق ~~الحكم بما لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولا يقتضيه وقد سبق بيان هذين جميعا ~~والكلام فيهما # واما قياس الشبه فلابد وأن يكون فى فرع يتجاذبه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع ~~شبه يقرب من غير تعرض لبيان المعنى ونعنى بالمقرب شبها يقرب الفرع من الأصل ~~فى الحكم ms620 المطلوب ويجوز أن يقال قياس يشعر باجتماع فى حكم من غير بيان ~~المعنى وقد استدل من جعله حجة بأن الشرع ورد باعتبار الشبه فى جزاء الصيد ~~وباعتبار الأشباه فى العدالة والفسق يعنى اعتبار السدد فى القول بالسداد فى ~~الأفعال وبذلك عدم السداد فى القول بعدم السداد فى الأفعال وكذلك ورد الشرع ~~باعتبار الأشباه فى الضيافة وأيضا فإن القياس ليس إلا بمثيل الشئ بالشئ ~~وتشبيهه به والشئ إنما يمثل بما يشتبهه ويجانسه فيجب إلحاق الشئ بما يشابهه ~~ويجانسه جريا على هذا الأصل # يدل عليه أن التساوى فى الذوات والأوصاف يوجبه التساوى فى الأحكام فإن ~~المستويين ذاتا ووصفا يستويان فى الحكم لتحقيق التساوى # ألا ترى أن المكاتب ملحق بالأحرار فى كثير من الأشياء وليس ذلك إلا ~~باعتبار مجرد الشبه والمعتمد من الدليل أنا أجمعنا أن قياس المعنى حجة ولا ~~موجب لكونه حجة إلا أنه يفيد قوة الظن أو يخيل فى القلب أنه متعلق بذلك ~~المعنى فإن طريق العلم القطعى مسدود مردوم ومثل هذا المسلك يوجد فى قياس ~~الشبه ولا يعرف هذا إلا ببيان المثال هذا قول تعالى القائل فى الوضوء إنه ~~يجب فيه النية إنه طهارة حدث فيجب فيها النية كالتيمم أو يقول فى مسألة ~~المضمضة والاستنشاق إنهما لا يجبان فى الغسل من الجنابة إنه غسل حكمى فلا ~~يتعدى من الظاهر إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت PageV02P168 وكذلك قوله ~~القائل فى زكاة الصبى زكاة فتجب على الصبى كزكاة الفطر # ويقول فى مسألة تبييت النية صوم فرض فلا يتأدى بنية من النهار كالقضاء ~~ويقول فى نفى القصاص عن الحر بقتل العبد قصاص كالطرف وأمثال هذا لا تعد ولا ~~تحصى كثرة # فنقول فى هذه الأقيسة إن هذه الأقيسة مغلبة للظن مفيدة قوته فى كون الحكم ~~على ما نصب له المعلل فإنه يغلب على ظن كل عاقل شبيهة الوضوء بالتيمم ~~وشبيهة الغسل بالغسل والزكاة بالزكاة والصوم بالصوم والقصاص بالقصاص # ومن قال إن هذا لا يفيد غلبة الظن فلا شك أنه معاند # ونقول فى قول الشافعى ms621 فى الوضوء والتيمم إنهما طهارتان فكيف يفترقان لمن ~~يأتى هذا القياس أيغلب على ظنك كون الوضوء مثل التيمم فإن كل واحد منهما ~~طهارة عن حدث لا يعقل معناه وقد غلب التعبد على كل واحد منهما فإن قال نعم ~~فهذا هو الذى قصدناه من وجود غلبة الظن وهو أيضا معنى شبه التقريب الذى ~~ادعيناه # وإن قال لا يغلب على ظنى فلا شك أنه معاند ولهذا الذى قلناه عسر الفرق ~~بين الوضوء والتيمم على المفرق بينهما ولهذا سوى الأوزاعي وهو أحد أئمة ~~الدنيا بينهما فى نفس وجوب النية وعلى هذا جملة ما ذكرنا من المسائل وكذلك ~~قول القائل في مسألة ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره فهذا مفيد لقوة الظن ~~بقرب حكم الفرع من حكم الأصل فى الذى نصب له العلة لأن كل واحد منهما بملك ~~النكاح وكل واحد منهما يحرم البضع مع كون الزوج مالكا للبضع متمكنا من ~~التصرف فيه بالتحريم على وجه ينفرد بإثباته ومما يؤيد ما ذكرناه من التعلق ~~بقياس الشبه أن القياس إنما أطلقه الشرع فى أصل الأحكام لضرورة الحاجة فإنا ~~قد ذكرنا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولله تعالى فى كل حادثة ~~حكم لو لم يجز القياس أدى إلى التوقف فى كثير من الأحكام المطلوبة إقامتها ~~بين الناس # وإذا عرفت هذا الأصل فنقول لابد من وضع الأقيسه على وجه يسهل طلبها ~~ووجودها ليتيسر بناء الأحكام عليها ولا يشتد باب البحث على العلماء فيها ~~فإذا قلنا إن القياس الصحيح هو قياس المعنى فهذا وإن وجد فى كثير من ~~الأحكام والأصول ولكن ليس مما يسهل وجودها فإنا نعلم أن كثيرا من أصول ~~الشرع يخلو عن المعانى خصوصا فى العبادات وهيئاتها والسياسات ومقاديرها ~~وكذلك شرائط المناكحات PageV02P169 والمعاملات ثم تلك الأصول لها فروع وتلك ~~الفروع تتجاذبها أشباه وإذا كانت المعانى تعدد فى الأصول فكيف يسهل وجودها ~~فى الفروع فلم يكن بد فى استعمال القياس لكن مع الحيد عن طريقة الطرد لأن ~~غلبة الظنون لابد منها ولا ضرورة فى استعمال ms622 مجرد الطرد الذى لا يفيد ظنا ~~أصلا فجعلنا غلبة الأشباه والقياس المنصوب فى هذه الجهة مع وجود ما يقرب فى ~~الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل وجعله فى مسلكه وضمنه إلى مسلكه حجة ثم ظهور ~~الفرق يكون محصلة واحدة وهو عسر الفرق على الفارق بين الوضوء والتيمم وزكاة ~~الرأس وصدقة الماشية وصدقة النبات وكذلك الفرق بين القصاص فى الطرف والقصاص ~~فى النفس ويعضد هذا الكلام بالأصل المعهود وهو أن الأقيسة الشرعية أمارات ~~وعلامات وليس بموجبات وفى الأمارات والعلامات من سهولة المأخذ ما لا يوجد ~~في الموجبات # والقول الجامع إن التأثير لابد منه إلا أن التأثير قد يكون بمعنى وقد ~~يكون بحكم وقد يكون بغلبة شبه فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق ~~الحكم به لقوة أمارته والشبه قد يعارضه شبه آخر فربما يظهر فضل قوة أحدهما ~~على الآخر وربما يخفى ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد ويجوز أن ترجع ~~إلى أصلين فلا بد من قوة نظر المجتهد فى هذه المواضع وهذا كالعبد يشبه الحر ~~من حيث إنه آدمى مكلف ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك والجص ~~يشبه البر من حيث إنه مكيل ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول وعلى عكس ذلك ~~الرمان والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل ~~وكذلك الذرة وما يشبه ذلك # وقد قال القاضى أبو حامد المروزي فى أصوله إنا لا نعني بقياس الشبه أن ~~يشبه الشئ بالشئ بوجه أو أكثر من وجه لكن نعنى أن لا يوجد شئ أشبه به منه ~~ومثال هذا لا يوجد شئ أشبه من الوضوء بالتيمم وكذلك في الزكاة والزكاة ~~وكذلك القصاص فى الطرف والنفس فإنه لا يوجد شئ أشبه من القصاص فى الطرف ~~بالقصاص فى النفس أو على عكس هذا لأن إلحاق الشئ بنظائره وإدخاله فى مسلكه ~~أصل عظيم فإذا لم يوجد شئ أشبه به منه لم يكن بد من إلحاقه به وهذا الذى ~~قاله القاضى أبو حامد تقريب حسن وهو ms623 عائد إلى ما ذكرناه # واعلم أن هذا الذى ذكرناه نهاية ما يمكن إيراده فى كون قياس الشبه حجة ~~والذى ذكروه فى نفى قياس الشبه كلمات مخيلة والأولى أن يقال إن من يتحرى ~~طلب الحق PageV02P170 وطلب إيراد معنى مناسب للحكم فينبغى أن يشتغل بذلك ~~ويبذل غاية مجهوده وعندى أن من طلب ذلك فلابد أن يجده إلا في أفراد من ~~المسائل وردت بها النصوص واتفقت الأمة على تعديها من المعانى فأما عامة ~~الأحكام فالشارع للحكم لم يخلها من المعانى المؤثرة فى تلك الأحكام وإن ~~أعوز المجتهد وجود المعنى حينئذ ينبغى أن يرجع إلى قياس الشبه على الطريقة ~~التى قدمناها فلا بأس بذلك وغير مستبعد من الشرع أن ننبه بحكم على حكم ~~ويمثل شيئا بشئ إما معنى أو حكما أو غلبة شبه بسائر الوجوه والله اعلم ~~بالصواب وقد ذكر الأصحاب على ما ذكرناه أمثلة كثيرة ولا حاجة إلى الاشتغال ~~بكثرة الأمثلة بعد أن تبين أصل الكلام # | فصل # وأما إذا جعل الاسم علة للحكم فقد قال الأصحاب إن الاسم على ضربين اسم ~~اشتقاق واسم لقب # فأما الاسم المشتق فعلى ضربين # أحدهما مشتق من فعل كالضارب والقاتل اشتق من الضرب والقتل فيجوز أن يجعل ~~هذا الاسم علة معنى فى قياس المعنى لأن الأفعال يجوز أن تكون عللا فى ~~الأحكام # والضرب الثانى أن يكون مشتقا من صفة كالأبيض والأسود مشتقق من البياض ~~والسواد فهذا الاسم من علل الأشباه الصورية فمن جعل شبه الصورة حجة قال ~~يجوز أن يجعل هذا علة وحجة وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الكلاب ( ~~فاقتلوا منها كل أسود بهيم ) فجعل السواد علما على إباحة القتل # وأما اسم اللقب فعلى وجهين # أحدهما مستعار كقولنا زيد وعمرو ولا يدخله حقيقة ولا مجاز لأنه قد ينقل ~~اسم زيد إلى عمرو واسم عمرو إلى زيد فلا يجوز التعليل بهذا الاسم لعدم ~~لزومه وجواز انتقاله وإنما يوضع موضع الإشارة وليست الإشارة بعلة كذلك ~~الاسم القائم مقامها PageV02P171 # والضرب الثانى اسم لازم كالرجل والمراة والبعير والفرس فقد ms624 ذكر أالصحاب ~~فى هذا وجهين فمنهم من جوز التعليل ومنهم من لم يجوز تجويز التعليل به # والصحيح عندى أنه لا يجوز التعليل بالأسامى بحال لأنها تشبه الطروه وأما ~~الأسامى المشتقة فالتعليل بموضع الاشتقاق لا بنفس الاسم والله اعلم # وإذا فرغنا من بيان العلة فقد اشتمل هذا الفصل على ما يحتاج إليه الفقيه ~~ولا يستغنى عنه بحال فنذكر بعد هذا الكلام فى # | الفصل الرابع وهو بيان الحكم # فالحكم هو ما تعلق بالعلة فى التحليل التحريم الإيجاب والإسقاط هو على ~~ضربين مصرح به ومبهم # فالمصرح به أن يقول فجاز أن يجب كذا أو يقول فوجب أن يجب كذا وما أشبهته ~~والمبهم أن يقول فأشبه كذا فمن الناس من يقول إن ذلك لا يصح لأنه حكم مبهم # ومنهم من يقول إنه يصح وهو الأصح عند الجدليين لأنه المراد به فأشبه كذا ~~فى الحكم الذى وقع السؤال عنه وذلك بشئ معلوم بين السائل والمسئول فيجوز أن ~~يمسك عن بيانه اكتفاء بالمعلوم الموجود بينهما ومنها أن تعلق عليها التسوية ~~بين حكمين كقولنا فى إيجاب النية فى الوضوء طهارة فاستوى جامدها ومائعها فى ~~النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال إن هذا لا يصح لأنه يريد التسوية ~~بين المائع والجامد فى الأصل فى إسقاط النية وفى الفرع فى إيجاب النية وهما ~~حكمان متضادان والقياس أن يستقى حكم الشئ من نظيره لا من ضده ومنهم من قال ~~إن ذلك صحيح وهو الأصح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد فى ~~النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجودة فى الأصل فصح القياس ~~عليه وإنما يظهر الاختلاف فى التفضيل وليس ذلك بحكم عليه حتى يضر فيه ~~الاختلاف ومن حكم العلة أيضا أن يذكر التأثير فنقول فى مسألة السواك للصائم ~~تطهير يتعلق بالفم من غير النجاسة فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه دليله ~~المضمضة فهذا تعليل لهذا الحكم صحيح لأن تأثير الصوم فى المضمضة صحيح موجود ~~وهو منع المبالغة فصح إثبات تأثيره فى الفرع وذلك بالمنع منه بعد ms625 الزوال ~~واختلافهما فى كيفية التأثير لا يمنع من التعليل لأصل التأثير لأن الغرض ~~إثبات أصل PageV02P172 التأثير إلى هذا الموضع ذكره فى التبصرة وهذه فصول ~~عراقية ليس تحتها كثير معنى غير أن كتب الجدل والأصول تزين بأمثال هذا من ~~غغير أن يعود بفائدة فقهية واعلم أن فى بيان حكم العلة مسألة خلافية ~~ذكرناها من قبل وهى أن مذهب أصحاب أبى حنيفة أن حكم العلة ثبوت حكم الأصل ~~فى الفرع بمعنى الأصل وفى الحقيقة ثبوت مثل حكم الأصل مثل معنى الأصل ~~وعندنا حكم الأصل بها ثم إن وجدت تلك العلة فى موضع آخر ثبت مثل ذلك الحكم ~~فى ذلك الحكم فى ذلك الموضع وإلا فلا يثبت وهذا الخلاف هو الذى ذكرناه من ~~قبل أن العلة القاصرة تكون علة صحيحة وعنهم لا تكون علة صحيحة ثم أعلم أنه ~~كما يجرى الاختلاف فى الحكم فيجرى الخلاف أيضا فى علة الحكم كاختلافهم فى ~~الإسلام هل هو علة العصمة أم لا وكذك الاستيلاء على مال الغير عندنا علة ~~الضمان وعندهم ليس بعلة ة قد يحجرى الهلاف فى صفة العلة وهو علة وجوب ~~الزكاة فعندنا ملك النصصاب علة لوجوب الزكاة من غير اعتبار صفة المعنى ~~وعندهم ملك نصاب المغنى علة وقد يوجد الاختلاف فى لشرط وهو مثل الخلاف فى ~~الشهاددة فى النكاح وعندنا هو شرط وعند مالك ليس بشرط وعلى هذا اخلافهم فى ~~عدالة الشهود فى النكاح # قال أبو زيد فى تققديم الأدلة جملة أقسام ما يختلف فيه الفقهاء من ~~الشرعيات رابعة أنواع الاختلاف فى الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا أو ~~فى شرط العلة أو صفتها أو فى حكم من الأحكامم أو صفته أو فى حكم مشروع ~~معلوم بوصف بلا منازعة فى محل هل هو مقصور عليه أو هو متعدى عنه إلى غيره ~~قال ة القياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير ~~التعدية وة التعدية لا يتصور إلا فى هذا القسم الرابع ففسد فيما ععدا هذا ~~لقسم ms626 لانعدام حكمه ولانه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن ~~التعدية فيما لليس موجود ولا يكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو ولأن ~~الخلاف متى يحصل فى الموجب للحكم أو شرطه ونفس الحكم فقد وقع الاختلاف فى ~~أصل الشرع أكان أم لم يكن وهذا لا يهتدى إليه القياس لأنه ليس إلينا نصب ~~الأحكام ولا رففعها بارأى ولا نصبب أسبابها لأن فى نصب الأسباب نصب الأحكام ~~ولا شروطها لأن فى نصب الشروط المانعة رفع الأحكام فإذا لم يكن ألينا ذلك ~~PageV02P173 بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل لنصب الشرع وبطل تعليل ~~المنكر أيضا لأن المنكر يقول لم يشرع أصلا وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا ~~حتى يمكن إثباته بالقياس وإنما يثبت بالقياس قسم واحد هو شيء يثبت في محل ~~الشرع فيستعمل القياس لتعدية ثم ذكر الأقسام فقال أما قسم الموجب فنحو ~~اختلافنا في الجنس بانفراده هل هو علة محرمة للنساء أو لا وهذا مما لا يجوز ~~فيه التكلم بالقياس بل على مدعيها إقامة الدلائل على صحة ما ادعاه من نص ( ~~) أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه لأنه الثابت بذلك ثابت بالنص لا ~~بالقياس وعلى المنكر الامتناع لعدم الدليل كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض ~~عمل زائد على الخمس وأنكره آخر لم يكن على المنكر أولا التمسك بعدم قيام ~~الدليل ولزم المدعى إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من ادعى أن فرض ~~الفجر أربع ركعات وأنكره الآخر وكذلك إذا اختلفنا أن السفر هو مسقط لشطر ~~الصلاة أم لا لم يصح التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطا يلزمه إثباته ~~وإنما يظهر الفقه في هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم لا لأنه يمكنه إفسادها ~~إلا تفقد طرق الأدلة حتى يعلم بها أن الأدلة جائزة وليست بعادلة قال وكذلك ~~إذا وقع الخلاف في الحربي يسلم أيكون إسلامه موجبا لجعل نفسه وماله مضمونين ~~مثل الأحرار بدارنا أم لا فهذا لا يعرف بالقياس وكذلك الخلاف أن العقل مثل ~~الشرع أهو حجه قاطعة لعذر ms627 الكفار # ما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي سببب الزكاة أهو سبب بصفة النماء أم ~~دونها واليمين بالله سبب الكفارة بسبب أنها مقصودة أو معقودة وقتل النفس ~~بغير حق سبب الكفارة بصفة الحرمة أو بصفة الإباحة مع الحرمة والإفطار سبب ~~الكفارة باسم الجماع أو باسم اقتضاء إحدى الشهوتين وهذا لأن وصف الشىء منه ~~فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبل ما يثبت به قال ~~وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح أنهم شرط أم لا وكذلك الولى ~~فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسا لأننا وجدنا ثبوت نعنى ~~الولاية حكما ثابتا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فصح القياس لتعدية ~~إلى المرأة وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية هل هي شرط فيها أم لا ~~لم يجز التكلم فيها بالقياس وكذلك قلنا إن شرط نفوذ الطلاق من جانبها ~~النكاح أو العدة عنه وقال خصمنا العدة ليست بشرط النفوذ وبالعدة وحدها لا ~~يصير محلا وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله ~~تعالى التى تحتمل النسخ والتبديل كالصلاة PageV02P174 والزكاة والصوم ~~والكفارات ولزوم الإحرام وكذلك وجوب العقوبات كحرمات الإرث بالقتل والحدود ~~لم يكن للقياس فيه مدخل وكذلك إذا أختلفنا فى البلوغ بعد العقل أهو شرط ~~لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ وهو الإسلام أو لا ثم سأل على نفسه سؤالا فقال ~~فإن قيل أليس اختلفنا فى الطعام بالطعام أن القبض فى المجلس هل هو شرط فى ~~بيع أحدهما بالآخر أم لا وتكلمتم بالقياس فيها فأجاب وقال البقاء على الصحة ~~بلا شرط القبض حكم ثبت فى أصل منصوص عليه من البيوع وهو بيع العبد بالدراهم ~~وكل ما عدا الطعام من السلع فصحت التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ~~ما لم يمنمعنا منه نص بخلافه فيجب على مدعى الفساد لوجود النص إقامته قال ~~ولا يلزم على هذا استعمال القياس فى منع شرط التسمية فى الزكاة بالقياس على ~~الناسى لأنا إذا ms628 أحللنا زكاة تارك التسمية ناسيا على أنه فى حكم المسمى ~~بدليل النص كما يجوز صوم الآكل ناسيا على أنه في حكم من لم يأكل بدليل النص ~~ثم لا يجوز أن يقاس عليه إذا ترك التسمية عمدا أوأكل فى الصوم عمدا لأنه ~~معدول به عن القياس قال فبهذا يظهر بيان الفقه فى طرق القياس # وأما صفة الشرط فكشهود النكاح أهم رجال أو رجال ونساء وصفة طهارة الصلاة ~~أهى مرتبة أم غير مرتبة أم بفصة الموالاة أو ليست بصفة الموالاة قال أما ~~الحكم فنحو اختلافنا فى الركعه الواحدة مشروعة صلاة أم لا وصوم بعض اليوم ~~مشروع أم لا والأربع مشروعة على المسافر والمسح على الخف مشروع أم لا وكذلك ~~اختلافهم فى القراءة هل تسقط بالإقتداء أم لا والصوم عل يسقط بالجنون أم لا ~~ثم سأل سؤالا فقال فإن قيل اختلفنا فى صوم يوم النحر مشروع أم لا وتكلمتم ~~فيه بالقياس وأجاب وقال لا كذلك فإن كون اليوم سببا لصيرورة الصوم مشروعا ~~ثابت أصلا ووقع فى استنساخه أنه يوم عيد فأنكرناه لأنا أثبتنا كون اليوم ~~سببا بالقياس وأما وصف الحكم فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة على الشفع ~~الثانى واختلفنا أنها فرض أو لا واتفقنا أنها فرض فى الأول واختلفنا أنها ~~فاتحة أم لا واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا ~~فى وصفه أنه يملك مباحا والكراهة بعارض ويملك مكروها والإباحة بعارض وهذا ~~مذهبنا على ما بينا فى موضعه وكذلك يملك الطلاق مبينا قصدا إليه عندنا ~~وعندى لا يملك فهذا لا يعرف بالقياس وأنا لا نجده بعينه أصلا آخر لتعديه ~~إلى الفرع وكذلك إذا اختلفنا فى ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على ~~المرأة أو PageV02P175 هو مشترك بين الزوجين لا يعرف بالقياس لأنه غير ~~موجود فى أصل آخر لتعدية إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص وكذلك ~~إذا اختلفنا فى حكم خبر الربا وهو قوله ( والفضل ربا ) أنه فضل ذات الحنطة ~~أو فضل كيل لم يجز إثباته ms629 بالعلة لما قلنا # وكذلك إذا اختلفنا فى حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم ~~إليه أهو فى حكم يد الاستيفاء التى يتم بالتسليم إليه أم هو حق بيع الدين ~~إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد وحكمه وقوع الملك للموهوب له ~~وهذا لا يجوز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن فى عقد آخر لتعديه إليه ~~بالقياس وكذلك لا يجوز نفى هذا بالقياس لأن الانتفاء من حيث لم يكن لايكون ~~حكما شرعيا ليمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا وكذلك إذا اختلفنا ~~فى وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية لم يكن للقياس فيه تدخل لأنا لا نجده فى ~~غيره لتعديه إليه # وكذلك إذا اختلفنا فى وجوب المتعة بعد الطلاق وبعد الدخول لأنا إنما ~~اختلفنا فى ذلك لاختلافنا فى المتعة أوجب أصله على نفى وحشة الطلاق أم عوضا ~~عن ذلك النكاح واجبا بالعقد مقام الساقط بالطلاق فهذا لا يعرف بالقياس وهذا ~~لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت أبدا إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة ~~بصفاتها إلا بالنظر من حيث المعانى التى تثبت بالأسامى العربية لا يمكن ~~معرفتها إلا بالنظر فى كلام العرب والتعرف من قبلهم # وأما القسم الر ابع فنحو قولنا إن المسح فى الضوء يسن تثليثه لأنه مسح ~~قياسا على مسح الخف فهذا يمكن إثباته بالقياس لأنا وجدنا مسحا فى الوضوء ~~وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا يتثليثه فعديناه إلى الفرع ~~وكذلك قولهم الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليثه وصيغته قياسا على الوجه ~~فهذان القياسان فى محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر وكذلك قولنا صوم ~~رمضان صوم عين فيتأدى بنية الصوم كالنفل فى غير رمضان وقولهم إنه صوم فرض ~~فيشترط فيه نية الفرض كالقضاء وكذلك قولنا المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة ~~تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب وقولهم إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة ~~بغير المديون فهذا الذى ذكرناه سياق كلامه واعلم أن أصلنا الذى يعرفه ~~الأصوليون أن كل ما يمكن إثباته ms630 بالقياس يثبت PageV02P176 بالقياس من غير ~~تخصيص وفى هذه المسائل التى ذكرناها فى بعضها ما يمكن إثباته بالقياس وفى ~~بعضها ما لا يمكن إثباته بالقياس وعلينا فيها أن نعرضها على الأصل الذى ~~قدمناه فما لا يمكن إثباته بالقياس وافقناه على زعمه وما يمكن إثباته ~~بالقياس أثبتناه وإن رغم أنف من رغم والله المعين على طلب الحق والهادى ~~والمرشد إلى الصواب # | فصل # وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا فصلا يتصل بهذا الذى ذكرناه أحببت إيراده فى ~~هذا الموضع وأذكر ما يعتمد عليه من ذلك # وقال قال الخائضون فى هذا الفن رب أصل يتطرق إليه بالتعليل من وجه ~~ويتقاعد من وجه ونذكر من ذلك مثالا أو مثالين فمن ذلك اختصاص القطع بالنصاب ~~وهذا على الجملة متعلق بأمر ظاهر فإن الناس يهجمون على ما يوجب التغرير ~~بالأرواح ويخاطر بالمهج بسبب التافه الوتح الحقير وإن فعل ذلك إنسان فإنما ~~يغرر بمال نفيس وتشهد له القواعد التى تستحث الطباع على الهجوم على الفواحش ~~فيها وانتصب مزجرة الحدود يزدجره عنها وأما المحرمات التى لا ميل للطباع ~~إليها لم يرد الشرع فى المنع فيها بالحدود فوقع الاكتفاء فيها بمجرد النهى ~~مع الوعيد بالعذاب الشديد فى الآخرة # ثم قال هؤلاء لإن القياس وإن اقتضى الفصل فى الجملة بين التافه والنفيس ~~ولكن مبلغ النفيس لا يعرف بالقياس وكان ذلك موكولا إلى الشرع ونصاب السرقة ~~منصوص عليه ومن أمثلة ذلك النصاب فى الأموال الزكاتية والأقيسة قد ترشدنا ~~إلى اختصاص PageV02P177 وجوب الإرفاق بالأموال المحتملة لذلك المتهيئة ~~لارتفاق مالكه ليكون الإرفاق بمقابلة الاستمكان من الارتفاق ثم القدر ~~الواجب لا يهتدى إليه الرأى فاتبع الشرع والدليل على أن الرأي لا يهتدى إلى ~~ما قلناه أن الهمم تختلف بالخسيس والنفيس فالفقير قد يستعصم القلس والقلسين ~~والملك لا يستكثر القناطير المقنطرة وكذلك هذا فى النصب فإن القانع بالبلاغ ~~قد يجتزئ بالارتفاق بما ينقص عن النصاب وذو البسطة والسعة لا يرفقه العشرون ~~بل المائتان فلابد من الرجوع إلى الشرع ويكون هو المتبع أبدا لا غير ثم قال # نحن ms631 نقسم أصول الشريعة خمسة أقسام # أحدها ما يعقل معناه وهو أصل ويؤول المعنى المعقول فيه إلى أمر ضرورى ~~لابد منه وهذا مثل القصاص فإنه معلل بتحقيق العصمة فى الدماء المحترمة ~~والزجر عن التهجم عليها فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك فى أصل القصاص تصرف ~~فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى فيه وهذا هو الذى يسهل تعليل أصله ~~والتحق به تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما تأيد بهم لجر ذلك إلى ~~الضرورة ظاهرة فمستند البيع إذا زائل إلى ضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ~~ثم قد تمهد فى الشريعة أن الأصول إذا تمهدت قواعدها فالنظر بتحقيق معنها فى ~~آحاد النوع ربما يعسر فيعرض عنه قال وهذا ضرب من الضروب الخمسة وعندى أن ~~تعليل إيجاب القصاص ما ذكر من حكمة وجوب القصاص وتعليل تجويز البيع بما ذكر ~~من حكمه تجويز البيع بعيد جدا وإنما السبب لوجوب القصاص هو القتل والقتل ~~مخيل في إيجاب القتل بعد أن تأيد بالشرع والنص عليه وكون الإنسان مالكا ~~للشئ مخيل مؤثر بجواز تمليكه من غير قد تأيد بنص أيضا نعم يجوز أن يقال وجب ~~القصاص بسبب القتل وجاز التمليك فيه بسبب تملكه للمحل بحكمة الزجر أو ~~الحكمة دفع حاجات الناس فأما تعليل أصل وجوب القصاص بالزجر أم تعليل أصل ~~جواز البيع بالحاجة فبعيد وهذا لأن الأحكام فى الشرع بأسبابها لا بحكمتها ~~وفوائدها وكان البيع لفائدة البيع والتعليل غير وإظهار الفوائد غير ونحن ~~PageV02P178 نعلم قطعا أن الشرائع لفوائد وحكم لكن لا نقول إنها معللة بها ~~وهذا كالعبادات لا تعلل بعلى الثواب فإن كانت واجبة لفوائد الثواب والأنكحة ~~لا تعلل بعلة حصول النسل فى العالم وإن كانت مشروعة لفائدة النسل وكذلك ~~الحدود واجبه لفائدة الزجر الحاصل بها ولا تعلل بها والقصاص من جملة ذلك ~~قال # والضرب الثانى ما يتعلق به الحاجة العامة ولا ينتهى إلى حد الضرورة وهذا ~~مثل الإجازة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكين مع قصور اليد عن ~~تملكها وفي نماكها ببدل على سبيل ms632 العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ ~~الضرورة ولكن حاجة الجنس قد تبلغ ضرورة الشخص الواحد من جهة أن الكافة لو ~~منعوا عن ما يظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرر لا محالة تبلغ مبلغ ~~الضرورة فى حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك فى الضرر الراجع إلى الجنس على ما ~~ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس وعندي أن المنافع أموال وقد قام الدليل على ~~ذلك فالإجازة فيها كالبيع فى الأعيان وقد بينا ذلك فى خلافيات الفروع قال # والضرب الثالث مما لا يتعلق بضرورة حاققة ولا حاجة عامة ولكنه قد يلوح ~~منه غرض فى جلب مكرمة أو نفى ينقص بها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة ~~الحدث وإزالة الخبث وإن أجبنا عبرنا عن هذا فقلنا مما لاح ووضح الندب إليه ~~تصريحا كالتنظيف فإذا ارتبط الرابط أصلا كلياته تلويحا كان ذلك فى الدرجة ~~الآخرة والرتبة الثانية البعيدة فى القياس وجرى وضع التلويح منه مع ~~الامتناع عن التصريح مع حمل المكلفين على مضمونه مع الاعتضاد بالدواعى ~~الجلية كما سبق تقرير هذا فى المسالك السابقة والصور الممثلة المخيلة وهذه ~~العبارات كلها تكلف صعب وحمل الطبع على ما بالمرء غنية عنه ولا أرى وراءها ~~كثير معنى والطهارات كلها تعبدات وإن عللنا بالتنظيف فينبغي أن يكون على ~~الندب لا على الإيجاب وأما عامة العبادات وتوابعها تكليفات لا يعقل معناها ~~إلا القيام بالعبادة المحضة لله تعالى قال # والضرب الرابع ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب ~~إليه تصريحا ابتداء وفى المسلك الثابت فى تحصيله الخروج عن قياس كلى وبهذه ~~المرتبة يتميز هذا الضرب عن الضرب الثالث وبيان ذلك بالمثال أن الغرض فى ~~الكتابة تحصيل العتق وهو مندوب إليه والكتاب المنتهضة سببا فى تحصيل العتق ~~يتضمن أمورا خارجه عن الأقيسة الكلية كمعاملة السيد عبده وكمقابلة ملكه ~~بملكه والطهارات قصاراها إثبات PageV02P179 التسبب وجوبا إلى ما لا يصرح ~~بإيجابه وليس فيها اعتراض على أصل آخر سوى ما ذكرناه من التصريح والتلويح ~~وقد مثلناها موضع الشرع بالنكاح لتحصين ms633 الزوجين قال والضرب الخامس من ~~الأصول ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا لا مقتضيا من ضرورة وحاجة ولا ~~استحثاثا على مكرمة وهذا يندر تصويره حدا فإنه إن امتنع استنباط معنى ضرورى ~~فإنه لا يمتنع عليه كليا ومثال هذا القسم العبادات البدلية والمحضة وأنه لا ~~يتعلق بها الأعراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد أن يقال تواصل الوظائف ~~يديم تروى العباد على حكم الانقياد وتجديد العهد بذكر الله عز وجل ينهى عن ~~الفحشاء والمنكر وهذا يقع على الجملة ثم قال فأما الضرب الأول وهو مما ~~يستند إلى الضرورة فنظر القايس فيه ينقسم إلى اعتبار آخر الأصل بعضها ببعض ~~وإلى اعتبار غير ذلك بذلك الأصل إذا اتسق له معنى فأما اعتبار الجزء بالجزء ~~مع استجماع القياس لشرائط الصحة فهو يقع فى الطبقة العالية من أقيسة ~~المعانى ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئى وإن كان جليا إذا صادم ~~القاعدة ترك القياس الجزئى للقاعدة الكلية ومثال ذلك أن القصاص من حقوق ~~الآدميين وقيامها رعاية التماثل عند التقابل فى هذا القياس يقتضى أن لا ~~تقتل الجماعة بالواحد ولكن فى طرده والمصير إليه هذه القاعدة الكلية لان ~~الاستعانة بالظلمة فى القتل ليس بعسر وفى درء القصاص عند وجود الإجماع خرم ~~أصل الباب وحاصل القول فى هذا قوله إلى أن مقابلة الشئ بأكثر منه ليس يحرم ~~أمرا ضروريا هذا معنى تسميته لهذا جزئيا وإلا فالتماثل فى الحقوق التى ~~للآدميين من الأمور الكلية فى الشريعة غير أن القاعدة التى سميناها فى هذا ~~الضرب مستندها أمر ضرورى والتماثل فى التقابل أمر مصلحى والمصلحة أذا لم ~~تكن ضرورة جزء بالإضافة إلى الضرورة وهذا يعتضد فيما ضربناه مثلا من القصاص ~~بأمر آخر وهو أن يبقى القصاص على مخالفة الأعواض أجمع فإن أعواض المتلفات ~~مبناها على جبران الفائتات كالمثلى إذا ضمن بالمثل وكالقيمة إذا وجبت جبرا ~~للتقويم المتلف والقصاص لا يجبر الفائت وإنما الغالب عليه أمر الزجر وحظ ~~مستحقه منه شفاء الغليل فلما خرج أصله عن مضاهاة الأعواض هذا الخروج ms634 احتمل ~~فيه الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل وإذا قسنا الأطراف عند وجود ~~الاشتراك فى قطعها على النفوس كان واقعا جليا معتضدا بالمعنى الأصلى وهو ~~الضرورة مع أجتماع الأطراف والنفوس فى كونها مصونة بالقصاص وذكربعد هذا ~~تخريج مسألة تمييز الفعلين واعلم أن هذا الذى ذكره المشايخ فى المسألة التى ~~PageV02P180 أشار إليها وعندى أن هذا غير معتمد وقياس الطرف على النفس وإن ~~كان جليا فى الصورة ولكن افتراق النفوس والأطراف فى الأحكام غير ممتنع فى ~~الشرع فلابد من بيان اجتماع النفوس والأطراف فة المعنى الذي يجب به القصاص ~~على العدد في مقابلة الواحد والذى أشار إليه من قوله إن فى نفى القصاص عن ~~الجماعة بقتل الواحد خرم القاعدة مثل هذا لا يصلح لبيان السبب والأسباب لا ~~تترك بأمثال هذا الكلام فإن حفظ الأسباب لإيجاب الأحكام من أهم الأمور ~~وكذلك قوله إن القصاص عوض يخالف سائر الأعواض قد ذكرنا عندنا أن العوض ~~الأصلى عندنا هو المال في القتل أعنى بقولى الأصلى هو العوض الذى يصح على ~~أصول الشرع قياسا وجاء الشرع وراء ذلك بعوض آخر وهو القصاص فالدية عوض ~~قياسى والقصاص عوض شرعى لغرض زائد لا يوجد فى العوض القياسى فخير ولى القتل ~~بينهما لاختلاف الغرضين ولم يجمع بينها لاتفاقهما فى العوضية وهذه كلمات قد ~~حققناها فى خلافيات الفروع ولا معنى لشحن أصول الفقه من ذلك ثم تكلم على ~~الضرب الثانى وهو فصل الإجازة بكلام طويل يخالف القياس وهذا قد سبق بيانه ~~من قبل وذكر تقريرا فى إلحاق المنافع بالأعيان ونحن قد دللنا أنها مال وأن ~~العقد عليها كالعقد على المال وقد ألحقت المنافع بالأعيان الموجودة شرعا ~~وجعل العقد عليها كالعقد على الأعيان وذكر الضرب الثالث وأعاد فصل الطهارة ~~بزيادة تقريرات وذكر عبارات رائعة فى ذلك والتعليل فى ذلك بعيد جدا وذكر ~~الضرب الرابع وأعاد فصل الكتابة وحكى عن مالك أنه يوجب الكتابة وعندى أن ~~هذه النسبة إلى مالك خطأ وإنما القول بوجوب الكتابة قول داود على الخصوص ~~ومذهب مالك أن الكتابة ms635 مستحبة وهو مذهب الكافة وجواز الكتابة خارج عن قياس ~~سائر العقود وإنما جوز لنوع نظر وإرفاق للعبد ولهذا لزم فى حق السادة ولم ~~يلزم فى جانب العبد لأن إلزام العقد فى جانب العبيد يخالف النظر لهم وترك ~~إلزامه فى جانب السادة يخالف ما وضع عقد الكتابة لأجله ولأجل هذا الأصل جاز ~~أن يبدل كسبه مع أنه عبد سيده سيجه وتنجز العتق من سيده فدل أنه مشروع محض ~~النظر للعبيد وبهذا الوجه ندب السادة إلى فعل هذا العقد وكره لهم تركه إذا ~~طلب العبيد ذلك ولهذا PageV02P181 الأصل وجب الإتيان لأن العجز من العبيد ~~فى أداء الأموال على التمام والكمال متوهم وأوجب حط بعض ذلك البذل عنهم ~~ليتمحض العقد مرفقا للعبيد بكل وجه وذكر تعلق أصحاب أبى حنيفه فى البيع ~~الفاسد فى الكتابة وهو تعلق معروف ثم قال وقال الشافعى لا يقبل هذا القياس ~~فإن الكتابة الصحيحة خارجة عن قياس المعاملات والفاسدة متفرعة عليها فإذا ~~انحسم مسلك القياس فى الأصلين يعنى البيع الصحيح والكتابة الصحيحة ويترتب ~~عليه امتناع القياس فى الفرعين وقال أصحاب أبى حنيفة إذا ثبتت الكتابة ~~والتحقت بالمعاوضات المحضة فلا ينظر بعد ذلك إلى خروجها عن قياس المعاوضات ~~ولكنها تقضى فيها وعليها بقضايا المعاوضات حتى يقول بشرط فيها من التراخى ~~وإعلام العوض واتصال الإيجاب بالقبول ما يشترط فى المعاوضات فاعتبار البيع ~~الفاسد بالكتابة الفاسدة أولى من النظر فى التفاصيل بعد تسليم الأصل ~~والفاسد فى كل باب حايد عن موجب أصله وكذلك فسد فإذا لم يمتنع إلحاق الفاسد ~~بالصحيح فى الكتابة مع حيد الفاسد عن الحقة الصحيحة فلا ينبغى أن يمتنع مثل ~~ذلك فى البيع والحاقة بالكتابة قال ونحن الآن نقول هذا الجمع لا ينتظم فى ~~مناظم المعانى ولا يجمعه قياس معنوى من قبل إن شرط المعنى انقداحه واتجاهه ~~فى الأصل ثم إذا تقرر فى الأصل معنى واطرد فى الفروع فحينئذ يجمع الجامع ~~بالمعنى وليس معنا معنى متضمن لتنزيل الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة ~~الصحيحة فإن الذى لا يتمارى فيه الناظر من ms636 نظره أن الفاسد ليس مطابقا للشرع ~~والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة للشرع ويتهون على الرشيد الفطن تقرير ~~خروج الكتابة الفاسدة فى نزولها منزلة الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي ~~والاعتبار الكلى فإذا فعل ذلك انحسم مطمع الخصم فى قياس المعنى ولكن النظر ~~إلى التشبيه فإن علة الخصم انحسام المعنى واجتزاء بالشبه فقال البيع الفاسد ~~بالإضافة إلى الصحيح يشبهه الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا يلتزم ~~أبدا معنى فى الأصل وآخر فى الفرع فالذى يدرأ ذلك النقض الصريح فإنا لم ~~ننزل كل فاسد منزلة الصحيح بدليل النكاح وأقرب من ذلك البيع فإن فاسده من ~~غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة قال والشبه لابد فى طرده فإذا لم يطرد وانتقض ~~انحل ولم يبق له عمل وإذا سقط الشبه طولبوا بالمعنى وإلحاق الفاسد بالصحيح ~~قال ومما نذكره فى هذا أيضا أن الكتابة الفاسدة فى وضعها مخالفة للبيع ~~الفاسد على رأى المخالف فإن المكاتب بالكتابة الفاسدة يتسلط على اكتسابه ~~بنفس العقد تسلطا وينفذ تصرفاته فيها على الصحة PageV02P182 نفوذها فى ~~الكتابة الصحيحة وليس البيع الفاسد كذلك وإن اتصل به القبض وقال من دقيق ~~القول فى ذلك أن تحصيل العتاقة موجود الصفة ما يوجب القضاء لصحته فإن تعليق ~~العتق على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم التعليق إذا صح فحقه أن ~~لا يرفع وأثر فساد الكتابة فى دفع وجوب التعليق والكتابة عقد أخذ من قياس ~~بابين وعقدين أحدهما المعاوضة والثانى تعليق القول والعتق أنفذ التصرفات ~~وأغلبها فإن مؤقته يتأيد ومبعضه يتم فالوجه استيلاء حكمه فلم يكتب معنى ~~التعليق صفة الفساد من فساد المعاوضة وإذا لم يفسد عتق بجهته ثم قال وهذا ~~منتهى كلام الفقهاء وأنا أذكر مسلكا أصوليا يغنى عن جميع ذلك فأقول قد مهدت ~~أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على ~~أصل وإنما تجرى الأقيسة من الأصول على الأصول وإذا لاحت المعانى قال ~~والمعنى المخيل فى الكتابة هو الاستحثاث على مكرمة من المكارم مثل الطهارات ~~فالطهارة واجبة ms637 مكرمة والكتابة مستحبة مكرمة قال وإنما يظهر المعنى فى ~~الضروريات والحاجات قال فالبيع من الضرورات والكتابة من المكرمات فكيف ~~ينقدح بسببه فاسد هذا بفساد البيع وهذا القائل مع هذا التطويل لم يخرج عن ~~أشكال الكتابة فإن الإشكال فى الكتابة أنه لابد من أنعقاد الكتابة ليقع بها ~~العتق والفساد لم يخرج من انعقادها فينبغى أن لا يمنع أيضا من انعقاد البيع ~~وإذا انعقد وجب أن يفيد موجب لأن العقد لا ينعقد إلا لموجبه فالملك موجب ~~البيع والعتق موجب الكتابة فإذا انعقدت الكتابة الفاسدة لإفادة موجبه ~~فلينعقد البيع الفاسد لإفادة موجبه وعلى الجملة ما ذكره للأصحاب فى دفع ~~قياس البيع على الكتابة كان أبين وأظهر من الذى اعتمد عليه واستخرجه بذكره # وقد قال على هذا الإشكال الذى ذكرناه أن الوجه فى دفعه مسلكان # أحدهما أن يدعى أن الكتابة صحيحة فى جهه مقصودها أى فى العتق # والمسلك الثانى وهو الأصل أن لا يلزم فى أقيسة المعانى النقض # واعلم أن فضل الكتابة فى البيع الفاسد فى نهاية الإشكال ولأنى أعرف فى ~~جملة مسائل الخلاف ما يقارب هذا الإشكال إلا اليسير القليل ومن أراد دفع ~~هذا الفصل فأولى الفصول أن يبين فساد البيع ويبين أن الفاسد غير مشروع وإذا ~~كان غير مشروع لا يثبت بع حكم مشروع لأن الحكم المشروع لا يبتنى إلا على ~~سبب مشروع ثم الكتابة لا ترد على هذا لأن هذا أصل من الأصول وقاعدة كلية من ~~قواعد الشرع فلا يجوز PageV02P183 الاشتغال بإيراد النقض عليه وهذا كما أنه ~~لا يجوز إيراد النقض على الكتاب والسنة فلا يجوز إيراد النقض على مثل هذه ~~القواعد والأصول الثابته بالدلائل القطعية نعم وقد اعتنيت فى كتاب الاصطدام ~~زيادة اعتناء فى الكلام على هذا الفصل واعترضت على كل ما قاله الاصحاب ثم ~~اعتمدت فى آخر الأمر على فصل وهو نهاية الإمكان وأحببت إيراده فى هذا ~~الموضع فقلت الكتابة عقد عتاقة والعتق مبنى فى الشرع على أنه يجب السعى فى ~~تحصيله ويطلب وجوده بالتمسك بأدنى شئ يمكن التمسك ms638 به من وجه ولهذا يكتفى فى ~~سببه ومحله بما لا يكتفى به فى سائر عقود الأملاك أما المحل فالدليل عليه ~~أنه لو أعتق جزءا من عبد وإن قل سرى إلى جميع الأجزاء مع ترك مباشرة العتق ~~فى سائر الأجزاء واقتصاره على عتق هذا القدر وأما السبب فلأن الشرع قد ~~اكتفى به فى تحصيله بمجرد القرابة ويعقد من السيد مع عبده فى الكتابة بأداء ~~ماله إليه في قوله إذا أديت إلى كذا فأنت حر وأيضا فإن الشرع حقق سببه ~~بتحصيله من غير وجود تحصيل لذلك من الإنسان ألا ترى أن فى قوله أعتق عبدك ~~عنى على ألف درهم فإن الشرع حكم بتحصيل الملك فيما يعود إلى تحصيل العتق من ~~غير أن يوجد من الذى يعتق عليه بتحصيله ومثل هذا لا يوجد فى حكم ما وأيضا ~~فإنه احتمل فيه من الغرر والخطر ما لا يحتمل فى شئ من المواضع وإذا عرف هذا ~~الأصل فى العتق منقول به فى الكتابة باشر سبب العتق وأخل بشرطه فيجعل الشرط ~~المتروك كالمذكور فيما يرجع إلى العتق كما جعل السبب المذكور فى بعض المحل ~~كالمفعول الموجود وإن لم يفعله فيجعل هنا أيضا الشرط المتروك من إعلام ~~العوض وغيره كالمذكور والمشروط وكذلك جعل السبب المتروك تحصيله كالمحصل فى ~~المسألة التى قلناها فأما سلامة الاكتساب والأولاد وفك الحجر وغيره ابتاع ~~فى هذا العقد فإذا اعتبر هذا العقد شرعا فيما هو الأصل لحق به الاتباع # والحرف أن الإعتراض عن حكم الفساد فى الشرع وقع لأجل العتق كما حصل ~~الإعراض عن باقى المحل في المعتق بعضه ويتبين صحة هذا الجواب بأصلهم فإن ~~عندهم البيع الفاسد لا يوجبه الملك بنفسه وإذا أوجبه أوجب ملكا مستحق النقض ~~والفسخ وأما عقد الكتابة فيوجب العتق على ما يوجب الصحيح منها ووجب بها عتق ~~مستقر ينقضى ولا يرفع وليست هذه المفارقة عندهم إلا لأن العقد عقد عتق وهذا ~~الجواب نهاية الإمكان ولا يعرف معنى فى الكتابة ووقوع العتق بها عندنا ~~وعندهم على الوجه الذى قالوه وجعلهم ms639 ذلك أسوة الصحيح من كل وجه إلا لهذا ~~المعنى الذى قلت PageV02P184 ولابد فى قبوله من فضل نظر وتمام عناية وتأمل ~~على الجهة الحسنى والله المعين بمنه وعلى الجملة والفقه عزيز جدا وقد غلب ~~الجدليون غلبة عظيمة واقتنعوا بدفاع الخصوم ورضوا بعبارات مزوقة فاضلة عن ~~قدر الحاجات والعبارات قوالب المعانى فإذا زادت على المعانى كانت من فضول ~~القول والواجب على الفقيه أن يكون جل عنايته مصروفا إلى طلب المعانى ثم إذا ~~هجم عليها فلا بأس أن يكسوها بالكسوة الحسنة ويبرزها عن خدرها فى أحسن مبرز ~~فيصير المعنى كالعروس تترفل فى حلية وجللة فأما إذا اشتغل بالعبارات وأعرض ~~عن المعانى وكان جل سعيه فى التهوين على الخصوم وإيقاعهم فى الأغاليط ~~بعبارته خفى الحق والصواب فيما بين ذلك وجواب واحد يقام عليه برهان يكشف عن ~~الحق ويسكن إليه القلب ويزول به تلجلجه خير من ألف جواب جدلى وإن كان يقع ~~به دفاع الخصوم وإسكاتهم والله يعين على ذلك بمنه وطوله إن شاء الله تعالى # | مسألة تخصيص العلة # العمل أن نشرع فى هذه المسألة بذكر طرف مما يفسد به العلة اعلم أنه قد ~~ذكر الأصحاب ما يفسد به العلة وعدوا وجوها عشرة وأكثر وذكروا # الوجه الأول وهو أن لا يدل الدليل على صحتها # والوجه الثانى أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض ~~وأكثره وإثبات الأسماء واللغات وغير ذلك وقد ذكرنا اختلاف الأصحاب فى ذلك # والوجه الثالث أن تكون العلة مشروعة من الأصل لا يجوز انتزاع العلة منه ~~مثل أن يقيس على أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم به وكذا لو ~~كان الأصل قد ورد بتخصيصه الشرع ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبى حنيفة ~~غير الرسول على الرسول صلى الله عليه وسلم في جواز النكاح بلفظ الهبه # والرابع أن يكون الوصف الذى علل به لا يجوز التعليل به مثل أن يجعل العلة ~~اسم لقب أو نفى شئ على قول من لا يجيز ذلك أو شبها على قول ms640 من لا يجيز قياس ~~الشبه أو وصفا لم يثبت وجوده فى الأصل أو فى الفرع # والخامس أن لا تكون العلة مؤثرة فى الحكم وهذا قد سبق PageV02P185 # والسادس أن تكون العلة منتقضته وهى أن توجد وبها حكم معها والكلام فى هذا ~~سيأتى # والسابع أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك فى الحكم ويقاس ~~على الأصل والكلام يأتى فى هذا أيضا # والثامن أن لا توجب العلة حكم به الأصل وذلك أن يفيد الحكم فى الفرع ~~بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل فيدل ذلك على فسادها وذلك مثل أن يقول ~~الحنفي فى إسقاط تعيين النية فى رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى ~~التعيين كرد الوديعة وهذا لا يصح لأنه لا يفيد فى الفرع غير حكم الأصل لأنه ~~يفيد فى الأصل إسقاط التعيين مع وجوب أصل النية ومن حكم النية أن يثبت ~~الحكم فى الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه # والتاسع أن يعتبر حكما بحكم مع اختلافهم فى الوضع وهو الذى تسمية الفقهاء ~~فساد الوضع والاعتبار وذلك مثل أن يعتبر ما بنى على التخفيف على ما بنى على ~~التغليط وما بنى على التغليط على ما بنى على التخفيف وما بنى على التضعيف ~~والتأكيد بما بنى على خلافه وسيأتى هذا أيضا # والعاشر أن يعارضها بما هو أقوى منها فيدل ذلك على فسادها # وهذه الوجوه ذكرها الشيخ أبو إسحاق رحمة الله تعالى فى اللمع أوردتها على ~~سبيل الاختصار وحين أذكر وجوه الاعتراض الصحيح على العلة ووجوه الاعتراض ~~الفاسدة يدخل أكثر هذه الوجوه فى أثناء ذلك فأما المسألة التى قصدناها وهى ~~مسألة تخصيص العلة وهى داخلة فيما تفسد به العلة فنقول اختلف العلماء فى ~~تخصيص العلل الشرعية وهى المستنبطة دون المنصوص عليها فعلى مذهب الشافعى ~~وجميع أصحابه إلا القليل منهم لا يجوز تخصيصها وهو قول كثير من المتكلمين ~~وقالوا تخصيصها نقض لها ونقضها يتضمن إبطالها # وقال عامة العراقيين من أصحاب أبى حنيفة يجوز تخصيصها وأما عامة ~~الخراسانيين فإنهم أنكروا ms641 تخصيصهاوذهبوا إلى ما ذهبنا إليه # وقال أبو منصور الماتوريدى السمرقندى القول بتخصيص العلة باطل ومن قال ~~بتخصيص العلة فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث فأما أبو زيد فإنه قال ~~بتخصيص العلة أو ادعى أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه واختلف أصحاب مالك فى ذلك ~~أيضا PageV02P186 وقال بعضهم بجوازه وأنكر بعضهم جوازه وقال بما ذهبنا إليه # ومثال التخصيص فى العلة ما صار إليه أصحاب أبى حنيفة فإنهم قالوا إن علة ~~جريان الربا فى الذهب والفضة هو الوزن وجعلوا لذلك فروعا من الموزنات ثم ~~جوزوا إسلام الدراهم فى الزعفران والحديد والنحاس مع اجتماعهما فى الوزن ~~يحكم بتخصيص العلة فانتقضت العلة عندنا واحتج من أجاز تخصيص العلة وقال إن ~~العلل الشرعية أمارات وليس بموجبات وإنما صارت أمارات بجعل جاعل ونصب ناصب ~~فجاز أن تجعل أمارات للحكم فى عين دون عين كما جاز أن نجعل أمارة فى وقت ~~دون وقت وربما عبروا عن هذا وقالوا العلة أمارة على الحكم فجاز وجودها فى ~~موضع ولا حكم كما جاز وجودها قبل الشرع ولا حكم # ببينة أن الدليل الشرعى الظنى يجوز أن يكون دليلا فى موضع دون موضع # ألا ترى أن خبر الواحد يكون دليلا عند عدم نص القرآن قالوا ولأن تخصيص ~~العلة المنصوصة جائز فكذلك العلة المستنبطة وهذا لأن ما يجوز على الشئ وما ~~يستحيل جواز على الشئ لا يختلف بحسب اختلاف طرقه ولم يوجدفى العلتين إلا ~~اختلاف الطريق فإن الطريق فى أحدهما النص وفى الآخر الاستنباط وليس هذا مما ~~يوجب الاختلاف بعد أن يكون كل واحد علة ومما اعتمده الأصولين فى جواز تخصيص ~~العلة هو أن العلة الشرعية أمارة بوجدها فى بعض المواضع من دون حكمها لا ~~يخرجها عن كونها أمارة لأن الأمارة ليس يجب وجود حكمها معها على كل حال ~~وإنما الواجب أن يكون الغالب مواصلة حكمها معها وليس يبطل هذا الغالب بتخلف ~~حكمها عنها فى بعض المواضع # والدليل عليه أن وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة لكونه فى دار ~~الأمير ولا يخرجه عن ms642 كونه أمارة على ذلك أن لا يكون القاضى فى بعض الحالات ~~فى دار الأمير ويرى مركوبه على بابه ألا ترى أنا نرى مرة مركوب القاضي على ~~باب الأمير ولا يكون القاضي هناك فإن رأينا مرة أخرى مركوبة على باب الأمير ~~غلب على ظننا كونه فى داره ولم يمنع تخلف المرة من وجود الظن وغلبته وكذلك ~~الغيم الرطب فى الشتاء أمارة للمطر وقت يخلف فى بعض الأحايين ولا يدل ~~إخلافه فى بعض الأحايين PageV02P187 أو ليس بأمارة قال أبو زيد فى تقويم ~~الأدلة زعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص نقضا لزعمهم أن ~~الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط لغة ~~وشريعة وإجماعا وفقها أما اللغة فلأن النقض اسم لفعل يرد فعلا سبق على سبيل ~~المضادة كنقض البيان ونقض كل مؤلف ونقض العقد كل قول بخلافه والخصوص بيان ~~أنه لم يكن فى العموم ألا ترى أن نقض الخصوص العموم ونقيض النقض البناء ~~والتأليف وأما الشريعة فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها ~~والخصوص جائز على عموم النص فتبين أنه لم يكن دخل تحت الجملة ولم يرد به فى ~~الابتداء ألا ما بقى بعد الخصوص إلا أنه نقض بعد الثبوت # وأما الإجماع فلأن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف ~~القياس فخص النص عن موجب القياس ولولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك ~~والشافعى يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولا بها عن القياس # وأما الفقه فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئا غير أن سماه علة ويمكنه ~~الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن يضيف العدم إلى مانع ودليل ~~قام عليه دون فساد العلة وإنما عبروا عن هذا وقالوا إذا علمنا وصفا من جملة ~~المنصوص أنه علة ثم وجدناه فى موضع ولا حكم معه فعلم ضرورة أن مانعا يمنع ~~من الحكم وهذا كما أن ما يضاد العبادات وجدناه مبطلا للعبادة ثم إنا وجدنا ~~أكل الناسى وهو مضاد للصوم لا ms643 يبطل الصوم علمنا ضرورة أن مانعا منعه من ~~العمل وكذلك وجدنا بيع من هو من أهل البيع مزيلا للملك من البائع فإذا ~~وجدنا بيعا فيه خيار البائع ولا يزيل الملك مع محله علمنا ضرورة أن مانعا ~~منعه من العمل # ببينة أنا نرى فى العلل المحسوسة أنها توجد ولا يوجد الحكم لمانع لها من ~~العمل فإن النار علة الاحتراق والنار توجد ولا إحراق لمانع منعها من العمل ~~فإن النار لم تحرق إبراهيم صلوات الله عليه وكذلك لا تحرق الطلق ولا يحرق ~~الذهب والفضة فإذا PageV02P188 جاز هذا فى العلل الحسية فلأن يجوز فى العلل ~~الشرعية أولى # وأما دلائلنا فى منع تخصيص العلة فنبدأ بما ذكره الأصوليون من المتكلمين ~~قالوا معنى قولنا لا يجوز تخصيص العلة هو أن تخصيصها يمنع من كونها أمارة ~~وطريق إلى الحكم وإذا بينا أن تخصيصها يمنع من كونها طريقا إلى الحكم فقد ~~تم ما أردناه # وبيان أنه يمنع أنا إذا قلنا علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا كونه ~~موزونا # قلنا إن بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا لا يجوز مع وجود الوزن فالقائل لذلك ~~لا يخلو إما أن يقول نص أو يقول ذلك بعلة تقضى إباحة هى أقوى من علة بتحريم ~~بيع الذهب بالذهب # فإن قال علمت ذلك بعلة وهى أنى أقيس الرصاص على أصل مباح # فيقال له بأى معنى تقيس فإن ذكر وصفا من أوصاف الرصاص وقاسه على سائر ~~الأصول التي يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا فإنا إنما نعلم حينئذ حرمة بيع ~~الذهب باذهب متفاضلا بالوزن وبعدم ذلك الوصف الذي جعله علة للإباحة فتبين ~~أنا نعلم بعد التخصيص أنا لا نعلم تحريم شئ بكونه موزونا فقد وأنت جعلت ~~العلة هي الوزن فإن قال الخصم الأمر كما قلتم غير أنى لا اشترط نفى ذلم ~~الوصف فى كون الوزن علة يقال له سلمت أن العة ليست هى الوزن فقط فهو الذي ~~نريده فإنه لابد من اعتبار نفى وصف آخر فنقول لك هلا اشترطت نفى ذلك الوصف ~~فإنك إذا لم تشترط أوهمت ms644 أن العة هي الوزن فقط وقد سلمت فساد كون ذلك علة ~~فقط # فإن قال أنا لا أشترط غير أن لا أسمية جزءا من العلة وإن كان التحريم لا ~~يحصل بدونه # يقال له قد ناقضت فى هذا الكلام لأنك قد اشترطته فى التحريم ثم نقضت ذلك ~~بقولك لا أسمية جزءا من العلة مع أنك وافقت فى المعنى وخالفت فى الاسم # فإن قال علمت إباحة بيع الرصاص بنص # يقال له هل علمت علة إباحته فإن قال علمت فالقول فى ذلك قد تقدم وإن قال ~~لا أعلم علة إباحته فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا يتعداه لأنها ~~لو تخطته لوجب في الحكمة أن ينصب الله تعالى علمنا على ذلك لنعلم ثبوت ~~حكمها فيما عدا الرصاص وإذا كان كذلك لم يعلم تحريم بيع الذهب بالذهب إلا ~~لأنه موزون وأنه ليس برصاص فيبطل بهذا الوجه أيضا أن تكون العلة هى الوزن ~~فقط فثبت أن PageV02P189 التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة والذى يبين هذا ~~أيضا أن الإنسان لو استدل على طريقة في برية بأميال منصوبة ثم رأى ميلا لا ~~يدل على طريقه وعلم أنه لا يدل على طريقه لأنه أسود فإنه لا يستدل بعد على ~~طريقه بوجود ميل دون أن يعلم أنه غير أسود فقد صح بما أردناه أن تخصيص ~~العلة يخرجها عن كونها أمارة على الحكم ثم الذي يؤيد صحة هذه الطريقة العلل ~~العقلية فإن تخصيصها لا يجوز بالإجماع والعلل الشرعية مع الشرع كالعقلية مع ~~العقل فلما لم يجز تخصيص العلة العقلية كذلك العلة الشرعية # فإن قالوا إنما لم يجز تخصيص العلة العقلية لا لإن الدلالة دلت على تعليق ~~الحكم بها بل لأنها موجبة بنفسها فلا يجوز أن لا يتبعها حكمها إذا وجدت ~~وأما العلة الشرعية أمارة والأمارات يتبعها حكمها وقد لايتبعها # قالوا ولا نسلم أن العلة الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل ويمكن أن ~~يجاب عن هذا فيقال إن العلل الشرعية موجبة أيضا مثل العلل العقلية ولا فرق ~~عندنا بين العلل الشرعية ms645 والعلل العقليه فإن العلة قط لا تكون علة بنفسها ~~إنما تكون علة بالشرع ولولا الشرع لو لم يعرف ثبوت شيء ولا انتفاؤه ولا ~~تحليل شئ ولا تحريمه بالعقل بحال وعلى قول من يقول إن العقل موجب يقال لهذا ~~السائل أيضا إنكم تقولون إن الشرائع مصالح والعلل الشرعية وجوه المصالح ~~ووجوه المصالح موجبات أيضا فلا يجوز تخصيصها أيضا كما سلمتم من العلل ~~العقلية # وقد قال الأصحاب إن العلل الشرعية وإن صارت عللا بالشرع إلا أنها بعد ما ~~صارت عللا بمنزلة العقلية فى وجوب الحكم بوجودها فوجب أن تكون بمنزلتها فى ~~أن تخصيصها يوجب فسادها # دليل آخر وهو أن العلة طريق فى إثبات الحكم فى الفرع فإنا إذا علمنا أن ~~الوصف علة الأصل ودل الدليل على التعبد بالقياس فإن الوصف يكون طريقا إلى ~~العلم بحكم الآخر لأن طريق العلم بالشئ أو الظن له لا يجوز حصوله فى أشياء ~~فيكون طريقا إلى العلم أو الظن بأحدهما ولا يكون طريقا إلى ذلك فى الآخر ~~والدليل PageV02P190 على أن الطريق لا يختلف فإن من ظن أن زيدا فى الدار ~~بخبر رجل بعيد من الكذب فإنه لا يجوز أن يخبره ذلك الرجل بكون عمرو فى ~~الدار ثم لا يظنه صادقا وإذا وجب ذلك فى الأخبار فلأن يجب ذلك فى الأمارات ~~التى دل عليها الدليل أولى # دليل آخر ثالث للفقهاء وهو أن وجود العلة مع عدم حكمها مناقضة والمناقضة ~~من آكد ما يفسد به العلة لأنه يفضى إلى العبث والسفه # والدليل على أن هذا مناقضة أن العقلاء يعدونه مناقضة مفسدة حتى العوام ~~منهم لأن قائلا لو قال سامحت فلانا لأنه بصرى ثم لم يسامح غيره من البصريين ~~يقول له الخواص والعوام زعمت أنك سامحت فلانا لأنه بصر فهذ بصري فهذا ~~سامحته فإن قيل لو اعتذر عن هذا فهلا سامحته فإن قيل لو اعتذر عن هذا وقال ~~لم أسامح فلانا وإن كان بصريا لأنه عدوى صح عذره ولم يكن لأحد أن يلزمه نفى ~~اللعداوة فى غلبة الأولى قيل له ms646 يجوز أن يلزم ذلك فيقال هلا قلت سامحت ~~فلانا لأنه بصري ولأنه صديقي # فإن قيل العلة المؤثرة لا يتصور انتقاضها قلنا إذا ورد عليها النقض دل ~~أنها ليست بمؤثرة # فإن قالوا إن الحكم فى صورة النقض ثبت بخلاف هذا الحكم بعلة أخرى لا بهذه ~~العلة قلنا وإذا علة أخرى من علة والانتقال من علة إلى علة أمارة ضعف الحكم ~~جواز صوم غير رمضان بالنية قبل الزوال وقال صوم يتأدى بنية متقدمة على وقت ~~الشروع فيه فيتأدي بنية متأخره عن وقت الشروع فيقال بنتقض بالقضاء فمن يقول ~~بتخصيص العلة يقول فى القضاء منع مانع من الجواز # فإذا قيل له ما المانع يقول المانع هو أن الإمساك موقوف على الصوم ~~المشروع فى ذلك الوقت وهو النفل فلا يجوز رد تنفيذه على صوم آخر بخلاف صوم ~~رمضان فإنه يوقف الإمساك على الصوم المشروع فيه وهو صوم الفرض فيجوز تنفيذه ~~عليه وهذه علة أخرى سوى العلة الأولى وقد تطلب هذه العلة فمن ارتكب مثل هذه ~~المناقضة PageV02P191 ولم يبال بمثل هذا الانتقال قلنا من ضعفه على ضعف ~~غيرته وقلة تصيرته فى معنى الفقه والجملة أن النقض لا يلزمه إلا الضعف # وقد قيل أيضا إن من لم يبال بانتقاض علته يلزمه القول بتكافئ الأدلة وهو ~~ساقط بالاتفاق # وبيان ذلك أن من قال فى محاولة تحليل النبيذ هو مائع فيحل شربه كالماء ~~والمعلل غير مبال بلزوم الخمر نقصا لأنه يقول بتخصيص العلة فللمعترض أن ~~يقول مائع فيحرم كالخمر ولا يبالى بالنقض بالماء لأنه يقول بتخصيص العلة ~~فيتكافأ الدليلان وليس أحدهما بأولى من الآخر وقد اعترضوا على هذا وقالوا ~~بطلان هذين التعليلين إنما كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسلك المعانى ~~والأشباه المعتبرة والنطق بمثل هذا باطل # ونحن نقول إنما قلتم معنى مبطل وما قلناه أيضا معنى مبطل فبطلت العلة من ~~وجهين وقد قال أصحابنا إن القول بتخصيص العلة يؤدى إلى ما ذكرناه من تكافئ ~~الأدلة يؤدى أيضا إلى أن يتعلق بالعلة الواحدة حكمان متضادان وذلك أنه إذا ~~وجدت ms647 العلة فى أصلين واقتضت التحليل فى أحدهما دون الآخر لم ينفصل من علق ~~عليهما التحليل فى الفرع اعتبارا بأحد الأصلين ممن علق عليها التحريم فى ~~ذلك الفرع اعتبارا بالأصل الآخر فيتكافأ الدليلان ويستوى القولان وهذ لا ~~يجوز وفى المسألة كلام كثير ونحن رأينا الاعتمادد على هذه الدلائل الثلاثة ~~وهى أقوى ما يعتمد عليها وقد أيد ما قلنا قول الله تعالى @QB@ ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ والنقض من الاختلاف فدلت ~~المناقظة على أن الدليل ليس من عند الله تعالى وما لا يكون من عند الله لا ~~يكون حجة فى حكم الجواب # قلنا أما قولهم إن العلل الشرعية أمارات بجعل جاعل قلنا من تعنى الجاعل ~~إن عنيت المعلل فلا نسلم أنها صارت علة بجعل الجاعل # بل هى علة شاء المعلل أم أبى وقد يقصد المعلل إثارة حكم فيظهر العلة ~~المؤثرة بغير ذلك الحكم وإن عنيت بجعل الشرع فمن أين لكم أن الشرع جعل هذا ~~أمارة في موضع دون موضع ثم نقول الأمارة المعتبرة لنا الحكم عليها الأمارة ~~اللغوية للظن وبالنقض يذهب قوة الظن أو يقال هو أمارة بشرط أن لا ينتقض كما ~~هو أمارة بشرط أن لا يعارضها نص كتاب أو نص خبر وأما تعلقهم بالعلة ~~المنصوبة قلنا من PageV02P192 أصحابنا من قال لا يجوز تخصيص العلة المنصوص ~~عليها لا يجوز تخصيص العلة المستنبطة ومتى وجدناها مع عدم الحكم علمنا أنها ~~بعض العلة غير أنا لا نقول إن العلة الشرعية منقوضة لأن الشرع لا تناقض فى ~~كلامه فإذا كان مخصوصا علمنا أنه لم ترد كل العلة وأما المعلل يجوز أن ~~يناقض فإذا أطلق التعليل ودخل التخصيص وهو مناقضة كما بينا علمنا أن ما ~~ذكره ليس بدليل أصلا إن سلمنا أن تخصيص العلة التى نص عليها يجوز ولا يجوز ~~تخصيص العلة المستنبطة فالفرق بينهما أن العلة المنصوصة دليل صحتها النص ~~فحسب وقد وجد فصحت وأما العلة المستنبطة فدليل صحتها التأثير أو الجريان ~~على ما سبق وبالتخصيص بطل الجريان ويبطل ms648 التأثير أيضا لأنه تبين أنه ليس ~~بأمارة أو تبين أنه لا يفيد قوة الظن وإنما صارت العلة علة لقوة الظن فإذا ~~فات الظن فاتت العلة # وأما كلامهم الذي اعتمدوا عليه قلنا لا ننكر أن توجد الأمارة فى بعض ~~المواضع من غير حكمها لكن إذا علمنا انتفاء حكمها فى بعض المواضع العلة من ~~العلل شرطنا فى كونها أمارة انتفاء تلك العلة وانتفاء الموضع الذي لم يوجد ~~حكم العة فيه حكمها ولا يكون العلة المذكورة طريقا إلى الحكم إلا إذا علمنا ~~انتفاء ما شرطنا انتفاؤه وعلى أن بطلان العلة لمكان التخصيص أثبتناه بوجود ~~المناقضة فى كلامه أو لفوات التأثير الذى هو المعتمد فى صحة العلة وفى ~~المواضع التى استشهدوا بها فى الحسيات ليس الموجود بكلام حتى يكون مناقضا ~~وأما على قولنا إن التأثير يفوت بالتخصيص فإنما أردنا بالتأثير قوة الظن ~~وكذلك نقول فى تلك المواضع إن قوة الظن تفوت خصوصا إذا تكرر رؤية دابة ~~القاضى على باب الأمير من غير أن يكون القاضى ثم وكذلك إذا تكرر وجود الغيم ~~ولا مطر والإشكال مع ما قلناه قائم لأنه تمكن دعوى زوال الأمارة فى الغيم ~~الرطب وفي الموضع الآخر بوجود الإخلاف مرة أو مرتين فكذلك فى مسألتنا وجب ~~أن لا تزول الأمارة بوجود التخصيص فى موضع أو موضعين إلا أنا نقول لابد أن ~~تضعف الأمارة بما ذكرنا ولابد من توفر القوة من كل وجه لأن هذا ظن يثير ~~حكما شرعيا فلا بد من بلوغه نهاية القوة وأن لا يتوهم في الظن قوة وراء ~~قوته حتى يصح تعليق الحكم الشرعى به وذلك بوجود الإطراد حتى لا يخلف هذه ~~الأمارة فى موضع ما فإذا اختلف لم يتوفر للحكم القوة من كل وجه وهذا جواب ~~حسن PageV02P193 اعتمدته وهو بمحل الاعتماد # فإن قال قائل أليس أنكم لم تجعلوا الإطراد على صحة العلة # قلنا الدليل الأصلى فى صحة العلة هو التأثير إلا أن الإطراد شرط لما ~~ذكرنا وهو أولا يضعف الظن فوجب ترك تعليق الحكم به وأما الذى ذكره ms649 أبو زيد ~~فليس فيه كبير دليل # وقد بينا دلائل سوى ما ذكرناه وبينا وجه تأثير التخصيص فى العلة وأنا ~~نقول إن تخصيص العام المطلق لا يجوز كما لا يجوز تخصيص العلة المطلقة أن كل ~~واحد منهما دليل والذي تعلق به من جواز تخصيص العموم # فالجواب عنه من وجهين أحدهما أنا نقول إن تخصيص العام من أدلة الشرع ~~والدليل إذا اختلفت عدالته بطلت شهادته وإنما يجوز تخصيص العام المقيد ~~ويتبين عند وجود علم التخصيص أنه كان مقرونا فى الابتداء ولا يكون ذلك نقضا ~~لدلالته وإنما كان النقض أن يقال كان مطلقا مقيدا وهذا الجواب فيه نظر على ~~المذهب # والجواب الثانى إن لفظ العموم لفظ لغوى يجوز أن يشتمل على كل ما يصلح أن ~~يكون أسما له ويجوز أن يشتمل على بعضه # ألا ترى أن أهل اللغة يستعملون ذلك على كلا الوجهين ولهذا نقول إذا ورد ~~في الابتداء لابد من النظر فى الأدلة ثم إذا لم نجد مخصصا يعتقد عمومه فصار ~~اللفظ العام محتملة لا يستقر قرار المراد بنفسه إلا بعد السير والنظر فى ~~الأدلة فلم يمتنع بذاته على المخصوص به # واما المعنى فشئ له مقصود خاص فمتى قام الدليل على صحته بالتأثير استقر ~~المراد به فلا يجوز أن يختلف المعنى المؤثر وهذا اختلف تغيرت صفته وأذا ~~تغيرت صفته تغيرت سمته وعندى أن الجواب بحرف واحد وهو أن العام كان حجة ~~فيما يتناوله بنفس تناول اللفظ له وذلك التناول فيما وراء المخصوص لا يبطل ~~بالتخصيص وأما PageV02P194 العلة كانت حجة بالتأثير المفيد لقوة الظن وهذا ~~يبطل ويفوت بالتخصيص وعلى هذا يظهر الجواب عن العلة المنصوصة أيضا لأن ~~صحتها بالنص لم يضره التخصيص الواقع عليه # وأما المستنبطة فصحتها بالتأثير وشرطها الجريان لئلا تضعف قوة الظن ~~الواقع بها فيمتنع تعليق الحكم به وعلى أن طائفة من أصحابنا سووا بين ~~العلتين فى المنع من التخصيص وعلى التسليم قد ظهر الجواب ظهورا قويا وقد ~~سلم أبو إسحاق المروزى وأبو العباس بن القاص وفرقا بشئ طويل على ما ms650 هو سمت ~~كلام المتقدمين وحرف الجواب ما قدمنا وفيه بلاغ ومقنع # وقد قال بعضهم إن الشافعى فى إنكاره تخصيص العلة مناقض لأنه قال بتخصيص ~~العلة فى مسائل كثيرة منها أنه يقول إن الواجب على متلف اللبن مثله قياسا ~~على إتلاف كل ماله مثل ثم خص هذا الأصل فى المصراة فأوجب فى اللبن المستهلك ~~فيها صاعا من تمر ومنها أنه علل تحريم الخمر للشدة وقاس عليها تحريم النبيذ ~~وللخمر ثلاث أحكام التحريم والتفسيق والحد وطرد علته فى الفرع فى الحد ولم ~~يطرد فى التفسيق فإنه لم يرد شهادة شارب النبيذ ولم يحكم بفسقه وأيضا فإنه ~~خص علة الزنا فى مسألة العرايا # وجوز العقد من غير وجود المماثلة كيلا أو كذلك قد خص ضمان الجنين بالغرة ~~مع مخالفته سائر أجناسه وكذلك الدابة على العاقلة خص من بين المواضع ولا ~~يوجد لها نظير فى موضع ما وأمثال هذا كثير وما زال الفقهاء يقولون خص بموضع ~~كذا بدليل كذا وقل ما يوجد أصل من أصول الشرع لم يخص منه موضع # والجواب وبالله التوفيق أنا لا ننكر وجود مواضع فى الشرع وتخصيصها بأحكام ~~تخالف سائر أجناسها بدليل شرعى يقوم عليه فى ذلك الموضع على الخصوص فيقال ~~إنه موضع يمتاز من سائر المواضع يختص بالحكم من غير أن يتعرض لع معنى أصلا ~~فيكون ذلك مسلما لذلك الدليل ولا يصدم أصل ولا يصدم هو أصلا ولا يطلب له ~~معنى قبل ما يطلب سائر المواضع وهذا مثل عوض اللبن فى المصراة ومثل مسألة ~~الميزابنه ومسألة تحمل العقل ومسألة الجنين وأمثال هذا فكما لا يقول أنه ~~يقاس عليها من غيرها المواضع بمعنى لا نقول أنه تخصيص به أصل عرف بمعنى ~~والقول الملخص فى الباب أن ما تخص به العلة المعنوية إذا عرف معناها ولابد ~~للمخصص من فارق معنوى من PageV02P195 الموضعين فهذا التخصيص ممنوع منه لأنه ~~إذا افترق الموضعان بعلة معنوية مؤثرة فى التفريق تبين لنا أن المعلل فى ~~نصبه العلة التي خص منها هذا الموضع لم يستوف الحجة ولم ms651 يكمل نظره فى بيان ~~العلة لأنه لم يكن له غير استثناء المعنى الذى خص به الموضع المذكور ونظيره ~~من جعل الوزن علة بانفراده فى تحريم النساء ثم قال يجوز أن يسلم الدراهم فى ~~الزعفران والحديد والرصاص وبين معنى مؤثرا في جواز ذلك خص هذا الموضع فى ~~الجواز مع وجود الوزن فى الجانبين فحين ذكرنا معنى مؤثرا فى جوازه دل أنه ~~بجعله مجرد الوزن علة لم يستوف النظر ولم يدرك تمام الحجة وكذلك من جعل ~~الطعم علة فى تحريم الربا ثم قام للدليل أن الطعم مؤثر مع الجنس حتى أن ~~الحنطة بالشعير يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع وجود علة الطعم فيها دل ~~أنه لم يستوف النظر فإن لم يبين المعلل معنى مؤثرا فى الجنسين فنبين عند ~~ذلك أن الجنس محل وشرط وليس بعلة وكذلك نقول وقد ذكرنا فى مسألة علة الربا ~~إنه لا تأثير للجنس بوجه ما وأن التأثير للطعم على الخصوص فمن عرف الأصل ~~الذى قد بيناه سهل له الكلام هذا لأن التخصيص عمله فى تفويت قوة الظن ~~بالأمارة وإنما يفوت مثل ما يستند المخصوص منه إلى معنى فأما إذا لم يستند ~~إلى معنى أصلا فلا يفوت بذلك قوة الظن وهذا مثل من يقول إن اللبن من ذوات ~~الأمثال لأن المثل أعدل الواجبين وكونه أعدل منه للقيمة لا يشكل على ناظر ~~فبأن استثنى لبن المصراة من هذا الأصل بنص خصه لا يفوت قوة الظن فى سائر ~~المواضع وكذلك إذا قلنا إن غير الجانى لا يوجد بضمان الجناية فإذا خص هذا ~~الأصل بإيجاب الدية على العاقلة وتحميلهم إياها وسلم ذلك النقض لا يفوت قوة ~~الظن فى سائر المواضع وعلى عكس هذا إذا قال إن الوزن علة الربا ثم قال ~~إسلام الدراهم فى الموزونات تجوز ورام التفريق بين الوزن والكيل فى أن ~~الكيل بانفراده يحرم النساء والوزن بانفراده ولا يحرم النساء فى هذه الصورة ~~وفرق بما ذكروا من أن الوزن فى أحدهما يشبه الكيل والوزن فى الآخر لا يشبه ~~الكيل أو ms652 قال إن الوزن فى أحدهما وزن الأثمان وفى الآخر وزن المثمنات ثم ~~كان قد جعل أصل الوزن علة فعلى القطع نعلم أنه يزول قوة الظن في كون الوزن ~~علة وقد ذكر بعضهم الكتابة الفاسدة فى مسألة البيع الفاسد من هذا الجنس ~~وقال إذا قلنا إن البيع الفاسد ليس بسبب شرعى فلا يفيد الملك الشرعى فإذا ~~ألزم الخصم عليه الكتابة فيقال للملزم أتعرف بخروج الكتابة الفاسدة عن ~~قاعدة المعانى أم تدعى جريانها على سمت المعانى PageV02P196 فإذا ادعى ~~جريانها على المعنى فلا شك أنه لا يمكنه الوفاء به وإن سلم أنها خارجة على ~~قاعدة المعانى الشرعية وصار يطلب فارقا معنويا بين البيع الفاسد والكتابة ~~فقال للمعلل إن النقض إنما يلزم المعلل من جهة أنا نطالبه بطرد المعنى فى ~~كل موضع يوجد فيه فإذا سلمت أن النقض خارج حائد عن مسلك المعانى لم يدخل ~~على الأصل المعنوى ولم يبطل به ذلك المعنى ولا فات به قوة الظن وهذا مثل ~~إيجاب الدية على العاقلة لا يرد نقضا على الأصل الذى قلناه من قبل وهذا لأن ~~الشاذ لا يورد نقضا على الأصول الكلية بل يترك الشاذ على شذوذه ويحكم ~~بخروجه عن المنهاج المستقيم على قواعد الشرع بدليل دل على ذلك ولا يحكم ~~بمصادمته أصلا كما لا يحكم بمصادمته أصل أياه وعلى هذا مسألة المزابنة وجعل ~~الخرص سببا لمعرفة المماثلة والخلاص به عن الربا وعلى هذا مسألة الجنين ~~وإيجاب الغرة من غير أن يعرف للجنين حياة ومن غير أن يبلغ بالواجب ضمانات ~~النفوس ومن أحكم ما قدمناه سهل عليه الخروج عن مثل هذه المسائل واعلم أن ~~هذه المسائل ليست ترد على الأصل الذى قدمناه وقد اختار أبو زيد فى هذه ~~المسائل جواز القول بتخصيص العلة واستدل بما قدمناه ثم سأل على نفسه سؤالا ~~فإن قيل لو جاز القول بتخصيص العلة ما اشتغل أهل النظر بالجواز من النقوض ~~كما فى العمومات ولاكتفوا بقولهم كانت علتى توجب كذبا فخصصها بدليل ~~وبالإجماع لا يكتفى بذلك وأجاب وقال إنما لم ms653 يكتفوا لأن دعواهم أن هذا ~~الوصف علة قول بالرأى ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل ~~عدم الحكم لفساد العلة واحتمل لمانع ولم تثبت جهة الانعدام لمانع بنفس ~~الدعوى حتى تقيم عليه الدلالة بإظهار المانع فى تلك الحادثة دون هذه وأما ~~النظر فلا يحتمل الغلط فلا ينبغى لإنعدام الحكم مع وجود النص إلا الخصوص ~~الذى يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى أن يثبت هذا الوجه ثم قال وفرق ما ~~بيننا وبينهم فى الخروج عن المناقضة أنا خرجنا عن المناقضة بمعنى فقهى وهم ~~خرجوا بلفظ سمعى إلا أن الدفع باللفظ يسير لآنه ظاهر محسوس والمعنى عسر ~~لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر الميسر ولعمرى لو أنصفوا ~~وعدلوا أنفسهم على ترك المعنى الفقهى بسبب الحرج الذى يلحقهم لشكروا من ~~تحمل المشقة وجاهد هواه حتى وصل إليه وذكر فى هذا كلاما طويلا ولا حاجة ~~إليه ونحن قد بينا الدلائل المعتمدة فى منع تخصيص العلة فيبقي أن يكون ~~الكلام على ذلك والله علم PageV02P197 # | فصل # قد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التى لم بثت ~~الحكم فيها فى الأصل قالوا كما يجوز أن يثبت الحكم فى الأصل بالنص ويستخرج ~~معنى من الأصل ويعدى إلى الفرع وهذا مثل من يقول فى أن الشهادة على السرقة ~~لا تقبل عند تقادم العهد بأنه حد من حدود الله تعالى كحد الزنا وليست العلة ~~فى الأصل هذا لكن العلة في الأصل توهم الطعن فى شهادتهم لأنهم لما لم ~~يشهدوا فقد اختاروا الستر فإذا شهدوا بعد ذلك فالظاهر أنه حملهم على ذلك ~~طعن وهذا لا يوجد فى البينة على السرقة لأنه لا بد من الدعوى ولكن قاسوا ~~السرقة على الزنا فى المعنى الذي يثبت به الحكم فى الأصل # وأما عندنا فالتعليل بمثل هذا باطل لأن إقامة الدليل على صحة العلة لابد ~~منه على ما سبق من قبل ولا يمكن إقامة الدليل على صحة هذه العلة لأن ~~التأثير لا يوجد بحال فإنه إذا لم ms654 يمكن الحكم به ثبت فى الأصل بتلك العلة ~~فكيف يوجد تأثيرها ولا يجوز أن يستدل على صحتها بفساد ما عداها لأن العلة ~~الأخرى صحيحة لم يفسد ما عداها ولا يمكن أن يستدل على صحتها عليها بأن ~~الحكم يوجد بوجودها فى الأصل وينتفى بانتفائها لأنا نعلم أنها لو وجدت فى ~~الأصل بدون العلة الأخرى لم يثبت لها الحكم وإذا لم يثبت لها الحكم لم ينتف ~~بانتفائها فدل أنه لا دليل على صحة العلة وإذا لم يدل الدليل على صحتها ~~فبطل بهذا الوجه والله المعين بمنه # | فصل # وحين ذكرنا فى العلل وأوردنا ما يصح منها نذكر الآن # وجوه الاعتراض الصحيح على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك # اعلم أن العراقيين من أصحابنا ذكروا أن ما يعترض به على القياس من وجوه # أحدها الاعتراض بأن الحكم الذي نصبت له العلة لا يجوز إثباته بالقياس # الثانى الاعتراض عليه بأن ما جعله أصلا لا يجوز أن يكون أصلا # والثالث الاعتراض بأن ما جعله علة لا يجوز أن يكون علة # والرابع الاعتراض بالممانعة فى الأصل PageV02P198 # والخامس الاعتراض بالممانعة فى الوصف # والسادس الاعتراض بعلة تصحيح العلة # والسابع الاعتراض بالقول بموجب العلة # والثامن الاعتراض بعدم التأثير # والتاسع الاعتراض بالنقض # والعاشر الاعتراض بالكسر # والحادى عشر الاعتراض بفساد الوضع # والثانى عشر الاعتراض بالقلب # والثالث عشر الاعتراض بالمعارضة # قالوا إن أول ما يبدأ به السائل من الاعتراض أن ينظر فى المختلف فيه هل ~~يجوز إثباته بالقياس فيمنع من القياس إن كان لا يجوز أثباته بالقياس ثم ~~ينظر فى الأصل هل يجوز أن يعلل ثم ينظر فى العلة هل يجوز أن يكون مثله علة ~~ثم يذكر الممانعة فى الأصل إن لم يكن ملما ثم يطلب تصحيح العلة فى الأصل ثم ~~يقول بموجب العلة إن أمكنه ثم ينقض ومن الناس من يقدم النقض على موجب العلة ~~ثم يأتى على ما بقى من عدم التأثير والكسر وفساد الوضع ثم يأتى القلب ~~والمعارضة # قالوا وإن خالف ما ذكرناه وبدأ يغير ما قلناه جاز وإن كان ms655 قد ترك الأحسن ~~إلا فى الممانعة والنقض فأنه لا يجوز أن ينقض ثم يمانع لأن التناقض يعرف ~~بوجود العلة وأما المانع فيمنع وجود العلة فإذا مانع بعد المناقضة فقد رجع ~~فيما سلم وهذا لا يجوز ثم قد ذكروا لكل واحد من هذه الاعتراضات أمثلة ثم ~~نذكر طرفا من ذلك فذكروا فى وجه الاعتراض بان المختلف فيه لا يجوز إثباته ~~بالقياس أمثلة # منها أن يستدل على أمر طريقة العادة والوجود بالقياس # ومنها إثبات اللغة بالقياس وعلى هذا قول بعض أصحابنا PageV02P199 # وقالوا مثال الأول من يعلل فى أن التسمية من الفاتحة أو يعلل لنفيها من ~~الفاتحة # ومثال الثانى إثبات الحيض للحامل بالقياس # ومثال الثالث إثبات اسم الخمر للنبيذ وإثبات اسم السارق للنباش # وقال بعض أصحاب أبى حنيفة إن التعليل لإثبات كون الفراق والسراح صريحين ~~تعليل لإثبات اللغة بالقياس ولا يصح وكذلك التعليل لإثبات أصل مثل المساقاة ~~لا يصح لأن الأصول لا تثبت بالقياس وكذلك قالوا إن الحدود والكفارات لا ~~يجوز إثباتها بالقياس وكذلك الأبدال لا يجوز إثباتها بالقياس مثل استدلال ~~الشافعى رضى الله عنه أن المحصر ينتقل إلى الصوم عند عدم الهدى # ونحن نقول فى الأول وهو مسألة الفراق والسراح أن التعليل لإثبات حكم ~~بالقياس PageV02P200 والحكم هو وقوع الطلاق بهذا اللفظ من غير نية # ونقول فى الثانى إن إثبات الأصول والجمل يجوز بالقياس كما يجوز إثبات ~~التفاصيل # وأما الحدود والكفارات فقد بينا الكلام فيها # وأما الأبدال فعندنا يجوز إثباتها بالقياس إذا أمكن إثباتها على الشريطة ~~التى قلناها وقدمناها من قبل # وأما الاعتراض بأن من قاس عليه لا يجوز أن يجعل أصلا فمثاله أن نقيس على ~~اصل منسوخ مثل صوم عاشوراء فإنه لا يجوز القياس عليه وكذلك إذا قاس غير ~~الرسول على الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك القياس على أصل مركب وقد ذكرنا ~~الكلام فيه وقد قال أصحاب أبى حنيفة إن القياس على المخصوص من الأصل لا ~~يجوز وقد بينا من قبل جوازه إذا أمكن القياس عليه وذلك بأن عرف له معنى ms656 ~~يمكن قياس غيره به عليه وأما الاعتراض بأن يقول ما جعلته علة لا يجوز أن ~~يجعل علة فمثال هذا أن يقول جعلت الاسم علة أو جعلت الشبه علة أو يقول جعلت ~~صورة المسألة علة أو يقول جعلت نفى صفة علة أو يجعل الاختلاف أو الاتفاق ~~علة والصورة فى هذه الأشياء معلومة وأما مثال قولنا إنه جعل الاختلاف علة ~~هو قول القائل فى زكاة ما لا يؤكل لحمه حيوان مختلف فى جواز أكله فيطهر ~~جلده بالذكاة كالضبع والتعليل للكلب # وأما مثال جعل الاتفاق علة فهو مثال ما قاله الأصحاب فى المتولد بين ~~الظباء والغنم حيوان منفصل من حيوان يجب فيه الذكاة بالإجماع فأشبه المتولد ~~بين السائمة والمعلوفة # واعلم أما قد بينا من قبل أنه لابد من إقامة الدليل على صحة العلة فكل ~~علة يمكن إقامة الدليل عليه بالوجه الذى قلنا فتلك العلة صحيحة وما لا فلا # وأما الاعتراض بأن ما جعله حكما للعلة لا يجوز أن يجعله حكما فمثاله أن ~~نقول فى حكم العلة فأشبه ولا يبق الحكم فيه ومنها أن نقول فاستوى ولا يصرح ~~بالحكم وقد أخبرنا اختلاف الأصحاب فى هذا من قبل # وأما الاعتراض بالممانعة فى الأصل فمثاله أن يقول القائل فى موت أحد ~~المتعاقدين في الإجارة عقد على المنفعة فبطل بموت المعقود له كالنكاح فيقول ~~السائل لا نسلم أن النكاح يبطل بالموت بل يتم وقد يكون المنع بأحد القولين ~~للشافعى وبإحدى PageV02P201 الروايتين عن أبى حنيفة وقد ذكر بعض أصحاب أبى ~~حنيفه منع الأصل بالقياس الذى يخالف الاستحسان على مذهب أبي حنيفة وهذا منع ~~باطل لأن المذهب عندهم هو الاستحسان والكلام فى هذا الأصل يكثر وسنبين من ~~بعد # وأما الاعتراض بمنع الوصف فمثاله أن يقول القائل فى الاستئجار على الحج ~~فعل يجوز أن يفعله الغير عن الغير فيجوز الاستئجار عليه فيمنع السائل ويقول ~~لا يجوز عندى أن يفعله الغير عن الغير # فإن الحج يقع عن النائب وكذلك قول القائل فى الترتيب الوضوء عبادة يبطلها ~~الحدث فيكون التريب من شرطها ms657 # فيقول السائل عندى لا تبطل الصلاة بالحدث إنما تبطل الطهارة به ثم الصلاة ~~تبطل ببطلانها # وأما الاعتراض بطلب تصحيح العلة وهذا قد بينا من قبل وقلنا إن المطالبة ~~صحيحة وذكرنا وجه تصحيح العلة ومثاله قول القائل فى تحريم النبيذ إنه شراب ~~مسكر ومشتد يدعو قليله إلى كثيره كالخمر فإذا طولب بتصحيح العلة وجب عليه ~~تصحيحها على ما عرف وأما الاعتراض بالقول بموجب العلة ومثال ذلك ما يقول ~~الحنفى فى مسألة بيع الغائب عقد معاوضة فلا يبطل بعدم الرؤية وإنما يبطل ~~بالجعالة وسنبين بعد هذا فى هذا الفصل ما يتصل به # وأما الاعتراض على العلة بعدم التأثير # ومثاله ما نقول فى الثيب الصغيرة حرة سليمة ذهبت بكارتها بالجماع فلا ~~يجوز نصر رضاها كالبالغة # فيقول المخالف ذهاب البكارة لا تأثير له فى الأصول ألا ترى أن فى المال ~~وفى الولاية على الغلام لا فرق بين الثيب والبكر وقد بينا أن إثبات العلة ~~واجب وسبيل المجيب أن يبين التأثير فى مثال آخر وذلك قول القائل فى ~~الاستنجاء أنه لابد فيه من العدد فيقول عبادة تتعلق بالأحجار لم يتقدمها ~~معصية فوجب فيها التكرار كرمى الجمار # فيقول السائل لا تأثير لقولك لم يتقدمها معصية لأن ما تقدمته معصية وما ~~لم يتقدمة معصية نحو باب العدد سواء ألا ترى أن الاستنجاء لا فرق فيه بين ~~أن يتقدمه معصية أو لا يتقدمه معصية فى أن العدد معتبر فيه عندكم وكذلك فى ~~رمى الجمار PageV02P202 وقد عد المشايخ المتقدمون هذا السؤال فى نهاية ~~القوة وأبطلوا به العلة ونحن نقول إن مثال هذه العلل من نوع الطرديات ~~والصور ولا يجوز تعليق الحكم بها بوجه ما وقد ذكر الجدليون فى هذا النوع من ~~السؤال كلاما كثيرا وكتب الجدل مملوءة من ذلك ولم أر للإتيان بذلك كبير ~~فائدة لأنا إذا قلنا بطرد كل وصف لا يخيل فى الحكم ولا يناسبه سقط أمثال ~~هذه الأوصاف إذا دخلت فى العلل # وأما الاعتراض بالنقض فهو أن توجد العلة فى مسألة ولا حكم ومثاله قول ~~القائل ms658 فى مسألة الأجرة عقد على المنفعة فلا يجب فيه تعجيل العوض بنفس ~~العقد كالمضاربة فيقول السائل ينتقض بالنكاح وسنبين الكلام فى النقض وجوابه # وأما الاعتراض بالكسر فقد سموه نقضا من حيث المعنى ومثاله ما يقول القائل ~~فى بيع ما لم يره المشترى مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلا يصح بيعه دليله ~~إذا قال بعتك عبدا فيقول السائل ينكسر بالنكاح وذلك أن يتزوج امرأة مجهولة ~~الصفة عند العاقد ومع ذلك جاز النكاح قالوا والكسر سؤال مليح والاشتغال به ~~ينتهى إلى بيان الفقه # وأما الاعتراض ببيان فساد الوضع فهو أن يتعلق بما يوجب التخفيف تغليظا ~~وبما يدل على التغليظ تخفيفا ومثاله قول الحنفى فى قتل العمد إنه كبيرة فلا ~~يوجب كفارة كالرده # فيقول السائل علقت بها لحكم التخفيف وهو سقوط الكفارة وقد يذكر بلفظ ~~إفساده ومثاله قول الحنفى فى النكاح بلفظ الهبة لفظ ينعقد به نكاح النبى ~~صلى الله عليه وسلم فينعقد به نكاح أمته فيقول السائل هذا اعتبار فاسد لأن ~~الله تعالى خص النبى صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ فقال تعالى @QB@ خالصة ~~لك من دون المؤمنين @QE@ فمن جمع بينه وبين غيره بالتعليل فسد اعتباره لأنه ~~تعليل منصوب لإبطال التخصيص الثابت بالقرآن PageV02P203 # واما الاعتراض بالقلب فمثاله ما يقول القائل فى أنه يعتبر الصوم شرطا ~~لصحة الاعتكاف لبث فى مكان مخصوص فلا يكون قربة بنفسه دليله الوقوف بعرفة ~~فيقلب السائل فيقول وجب أن لا يكون الصوم شرطا فى صحته دليله ما قاسوا عليه # وأما الاعتراض بجعل المعلول علة والعلة معلولا فمثاله قول القائل فى ظهار ~~الذمى من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم فيقول السائل لا يصح ظهار المسلم لأنه ~~صح طلاقة ولكن يصح طلاقه لأنه يصح ظهاره # وأما الاعتراض بالمعارضة قالوا قد يكون لعلة مبتدأة وقد يكون بالمعارضة ~~فى علة الأصل # فأما المعارضة بالعلة المبتدأة فمثاله أن يقول القائل فى إزالة النجاسة ~~بغير الماء طهارة تراد للصلاة فلا يصح بالخل كالوضوء فيعارض السائل فيقول ~~هذا معارض بمثله فأقول عين تصح إزالتها بالماء ms659 فيصح إزالتها بالخل كالطيب ~~عن ثوب المحرم # وأما المعارضة فى علة الأصل فتكون بالفرق ومثال هذا يكثر وقال بعض ~~أصحابنا الفرق أفقه شئ يجرى فى النظر وبه يعرف فقه المسألة فهذا الذى ~~ذكرناه جملة ما ذكره مشايخنا من وجوه الاعتراض على العلة وبعضهم يزيد ~~وبعضهم ينقص وقد نقلت على ما وجدت فى الجدل الذى صنفه بعض المتأخرين وقد ~~استكثر الأصحاب فى ذكر الأمثلة لهذه الأسؤلة ولا يعتقد صحة هذه الاعتراضات ~~فإن هذه اعتراضات أرباب الظاهر اقتنع بها من يقتنع بظاهر من الكلام وقل ~~وقوفه على حقائق المعانى ولابد من تنحل الأسئلة ووجوه الاعتراضات حتى يعرف ~~الصحيح من ذلك ويعرف الفاسد ويذكر وجه الجواب الصحيح من الأسؤلة ويذكر ~~الاعتراضات الفاسدة أيضا ووجه فسادها والله المعرف على ذلك والموفق له بمنه # | فصل # اعلم أن الاعتراض على العلة ينقسم إلى الصحيح والفاسد # فالصحيح يكون بالممانعة وهى السؤال الأول ويكون بفساد الوضع ويكون ~~بالمعارضة ويكون بالمناقضة فهذه أربعة من وجوه الأسؤلة وهى أسؤلة صحيحة ~~وأحسنها سؤال الممانعة وسؤال المعارضة PageV02P204 # وأما المناقضة فقد قال كثير من المحققين أنه لا مناقضة على العلة المؤثرة ~~وكذلك فساد الوضع وسنبين وجه الكلام فى جميع ذلك ونبين كيف يوجه ذلك # أما الممانعة فاعلم أنها أوقع سؤال على المعلل وقيل إنها أساس المناظرة ~~وبها يتبين الجواب والمجيب من السائل والملزم من الدافع والسائل منكر ~~فسبيله أن لا يتعدى عن دفع حجة الخصم عن نفسه ما أمكنه وعلى هذا ثبتت ~~الخصومة فى الدعاوى الواقعة # ثم الممانعة أقسام # أولها منع ما يدعيه الخصم أنه علة فإن من الناس من يتمسك بما لا يصح أن ~~يكون علة فيجعله عله وهذا مثال ما يتمسك المعلل بالطرد وقد بينا أن الطرد ~~لا يصلح أن يكون علة أو يتمسك بالنفى وقد ذكرنا أن النفى لا يصلح أن يكون ~~علة كذلك قول الحنفى فى مسألة تبييت النية إنه صوم عين فيقول السائل إنه ~~صوم عين لكنه صوم فرض فيقول السائل لم قلت إن الصوم العين متى كان ms660 فرضا ~~يصلح أن يكون علة فى هذا الحكم وكذلك من قال من أصحابنا فى هذه المسألة إنه ~~صوم فرض فيقول السائل هو وإن كان صوم فرض ولكنه عين فلم قلت إن صوم الفرض ~~متى كان عينا يصلح أن يكون علة لهذا الحكم وكذلك من يعلل فى نفى الكفارة عن ~~غير الوطء فى الصوم فنقول إن الكفارة متعلقة بعين الجماع فلا يشارك غير ~~الجماع الجماع فى إيجابها كالقضاء فى الحج والحد فيمنع السائل ويقول لا ~~أسلم أن الكفارة متعلقة بعين الجماع وإنما هى متعلقة بإفطار كامل لا ~~بالجماع ومن ذلك قول القائل فى مسألة الثيب الصغيرة ثيب يرجى مشاورتها ~~فيقول الخصم يرجى مشاورتها برأى قائم أو برأى يحدث أو بأيهما كان فإن قال ~~بأيهما كان يبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه وإن قال برأى قائم ~~لم يجد فى الفرع ويتبين بهذا حرف المسألة فإن القاطع هو رأى قائم لا رأي ~~سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث والرأى هو القاطع فلم يجز أن ~~يتعجل القطع على الرأي ونحن نجيب عن هذا فنقول وإن لم يوجد رأى فى الحال ~~ولكن يوجد سبب حدوث الرأى فقام سبب الرأى مقام حقيقة الرأى # وأما المجنونة فقد ذكرنا فى المسألة على وجوه يخرج فصل المجنونة وربما ~~يقولون قولكم فلا يجوز تزويجها كرها أيش تعنون به إن قلتم نعنى بدون رأيها ~~ولها رأى PageV02P205 معتبر شرعا فلابد أن تقولوا رأى معتبر ثم لا تجدونه ~~فى الفرع ويتبين عند ذلك حرف المسألة وهذه ممانعات عائدة إلى محض الفقه ~~وبهذا السؤال يتبين المحقق من الفقهاء من غيره # ثم وهذه الممانعة بعد أن يقع التسليم لأصل القياس فى أنه معلل فإن ~~الأحكام لابد أن تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فمن استمسك بأصل فلابد ~~أن يثبت كونه معللا إلا أنه يقال هذا إنما يتبين كون الأصل معللا بأن يتجه ~~للشيء معنى يصلح كونه علة أو يدل الدليل على أنه علة فالسؤال الصحيح هو ~~الأول ms661 ومتى أثبت المعلل صلاحية كون الوصف علة فقد ثبت أن الأصل معلل ويتبين ~~الجواب عن المطالبة وخرج المعلل عن السؤال وهذا أيضا بعد أن يسلم الحكم فى ~~الأصل فإنه ربما يمنع السائل الحكم فى الأصل وإذا اتجه السائل منع الحكم فى ~~الأصل لفابد للمسؤل من إنبائه والنبأ مقبول من المسئول بل أن يقول السئول ~~إن لم يسلم الفرع فهذا الفرع مبنى على تسليم هذا الأصل فإن لم تسلمه أنبأته ~~بالدليل # والقسم الثانى من المنع ما يتجه فى العلل المركبة وقد ذكرنا وجه ذلك وقد ~~سبق أن المركبات هى من الطرديات التى لا تصلح للاعتماد عليها إلا فى بعض ~~الوجوه وهي التى تؤل إلى المعنى # والقسم الثالث منع الحكم وهو عائد إلى القول بموجب العلة ومثاله أن يقول ~~الحنفى فى مسألة بيع الغائب عقد معارضة فلا يشترط فى صحته رؤية المعقود ~~عليه فيمنع السائل فيقول عندى لا يشترط رؤية المعقود عليه أنما يشترط ~~إعلامه وكذلك يقول شفعوى المذهب فى مسألة مسح الرأس المسح ركن فى الوضوء ~~فيسن تثليثه كالغسل فيقول لا أسلم أن الغسل يسن تثليثه إنما يسن إكماله إلا ~~أن إكمال الغسل بالتكرار يكون لضيق المحل ولإكمال المسح الاستعانه لسعة ~~المحل وقد يمانع الحنفى فى هذه العلة الحكم من وجه آخر فيقول فى هذه العلة ~~عندى يسن تثليث المسح لأن المفروض قدر ربع الرأس وعندى يسن مسح جميع الرأس ~~فكان التثليث مسنونا وزيادة ومن منع الحكم قول القائل فى مسألة بيع الطعام ~~بالطعام مالان جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض بينهما إذا بيع أحدهما ~~بالآخر كالذهب بالذهب فيقول الخصم القبض ليس بشرط فى الأصل وإنما الشرط هو ~~التعيين حتى لا يكون دينا بدين فرجع إلى حرف المسألة وهذا مثال المنع فى ~~الأصل PageV02P206 # والقسم الرابع يقع الوصف فإن التعليل قد يقع بوصف مختلف فيه مثل قول ~~الحنفى فى مسألة الإيداع من الصبى له مسلط على الاستهلاك فمنع ويقال ليس ~~بمسلط والإيداع ليس بتسليط وكذلك شفعوى المذهب يقول فى يمين الغموس معقودة ms662 ~~فيمنع السائل ويقول لا أسلم أنها معقودة # ويقول الحنفى فى مسألة الجنس إن الجنس حد وصفى علة تحريمه الفضل فيقول ~~السائل لا أسلم أن الجنس علة بل هو شرط بمعنى أو يحل على ما عرف # قال القاضى أبو زيد # أقسام الممانعة الصحيحة أربعة # أولها الممانعة فى نفس الحجة التى يذكرها المجيب أهو حجة أم ليس بحجة # ثم فى نفس الوصف الذى يدعيه المجيب علة موجودة أم لا # ثم فى شروطه # ثم فى كينونته واجب العمل به # ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة قال # أما الممانعة فى نفس الحجة فما مر من قبل أن كثيرا من وجوه حجج الناس ~~يرجع إلى دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلا فلابد من إثبات الوصف ~~فى الأصل والفرع لآنه ركنه ثم شروط الصحة لأنها تكون سابقة على دليل وجوب ~~العمل به ثم دليل التأثير الذى يجب به العمل ثم العلة عامة عندنا وكل هذه ~~الممانعات بالإنكار ومطالبة دلالة العلة # قال وللممانعة فى الشرط فقد ذكرنا شروط التعليل قال ومانع الشرط من شرط ~~يكون ثابتا بالإجماع فيقول قد عدم فى الفرع أو الأصل وهذا مثل قول الشافعي ~~فى السلم الحال أنه أخذ عوض البيع فيثبت حالا ويؤجلاه كالثمن فى البيع ~~فيقول السائل لا خلاف أن من شرط التعليل أن لا يغير حكم النص وأن لا يكون ~~الأصل معدولا به عن القياس بحكمه الذى صار به الدليل دليلا والممانعة ~~والتأثير لأن مجرد الوصف بلا تأثير ليس بحجة فلا يصلح للاحتجاج حتى يتبين ~~تأثيره وإن قال فى موضع الخلاف ليس بشرط عندى فنقول المعترض عندى هو شرط ~~فلا يصلح الاحتجاج به على من لا يراه دليلا PageV02P207 وأما القول لموجب ~~العلة فهو سؤال صحيح إذا أخرج مخرج الممانعة وقد بينا نظيره ولابد أن توجه ~~القول بالموجب من شريطة وهى إلى مسند الحكم الذى نصب له العلة إلى شئ مثلما ~~يقول حنفي المذهب فى ماء الزعفران ما خالطه طاهر بالمخالطة لا تمنع صحة ms663 ~~التوضؤ فيقول السائل المخالطة لا تمنع إنما المانع أنه ليس بماء مطلق وكذلك ~~يقول شفعوى المذهب فى مسألة تمكين العاملة البالغة جنون أحد الواطئين لا ~~يوجب درأ الحد من الموصوف بالعقل كجنون الموطؤة # فيقول السائل بل أقول بموجبه فإن عندى الجنون غير مانع فما المانع خروج ~~الوطء عن كونه زنا ففى مثل هذه المواضع يتوجه هذا السؤال # فأما مع إثباته الحكم من نفى أو إثبات لا يستقيم إلا أن ينتقل السائل إلى ~~مذهبه وقد قال جماعة من الأصوليين إن القول الموجب ليس بسؤال ولا تبطل به ~~العلة لأنه إذا صحت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تصح العلة وحكمها متفق ~~عليه أولى وسبيل صحته أن يكون الخروج على مسلك المنع والجملة فى القول ~~بموجب العلة أن السائل إذا أمكنه القول بموجب العلة مع الاستقرار على ~~الخلاف فى الحكم فيتبين به أن المعلل لم يدل فى موضع الخلاف ومثاله أن يعلل ~~المعلل فى الاعتكاف فيقول لبث فى مكان مخصوص فكان من شرطه نعنى ما دليله ~~الوقوف فيقول إن أقول من شروطه معنى ما هو النية فعلى المعلل أن يستدل فى ~~موضع الخلاف # | فصل # وأما السؤال بفساد الوضع # فاعلم أنه سؤال يمكن إيراده على الطرود ويضطر به المعلل إلى إظهار ~~التأثير وإذا ظهر التأثير بطل السؤال وهذا طريق سلكه كثير من أصحابنا ~~المتقدمين وأورد كثير من الأصوليين يرد عند اختلاف موضوع الأصل والفرع وذلك ~~مثل أن يكون الأصل مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويكون ~~الفرع مبتنيا على التغليظ كالوضوء وغسل الرجلين ويروم القائس أن يثبت فى ~~الفرع حكما مخففا أو يكون الأصل مبتنيا على التغليط ويكون الفرع مبتنيا على ~~التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويروم القائس أن يثبت فى الفرع حكما ~~مغلطا وقد يأتى فساد الوضع أيضا من اختلاف موضوع العلة والحكم وهو أن يكون ~~مبتنيا على التغليط والآخر على PageV02P208 التخفيف وقد يأتى فساد الوضع ~~أيضا من وجه آخر وهو أن يتقدم حكم الفرع على حكم الأصل ومثاله الوضوء إذا ~~قيس ms664 على التيمم فى اشتراط النية وذلك أن الوضوء وجب بمكة والتيمم بعد ~~الهجرة فلا يجوز أن يكون شرط ما يقدم وجوبه مستفادا مما تأخر وجوبه لأن ~~الدليل لا يجوز تأخره عن المدلول عليه وكذلك فى مسألة الأصل إذا قاسوا ~~الثمن على المبيع فهو فاسد وضعا لأن البيع شرع فى المبيع لإيجاب الملك شرط ~~لا ابتداء وفى الثمن لإيجاب الملك ابتداء فى الذمة على المشترى للبائع فلما ~~كان البيع لإيجاب الملك واليد فى العين للمشترى كان شرطه قيام الملك فى ~~المحل # قال أبو زيد فساد الوضع من الشهادة يجرى مجرى فساد الأداء وهو قبل النقص ~~لأنه إنما يشتغل باطراده بعد صحته علة كالشهادة إنما يشتغل بتعديل الشهادة ~~بعد صحة الأداء وهو أقوى من النقص لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال ~~والنقص مجلس يمكن الاحتراز منه فى مجلس آخر # قال وبيان فساد الوضع أن الشافعي متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد ~~الزوجين أنها فرقة وجب لاختلاف الدين فأشبه الفرقة بالردة كان فاسد الوضع ~~لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما وقد كان الاتفاق ~~ثابتا قبله وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام والإسلام فى ~~الشرع جعل عاصما للأملاك والحقوق لا مبطلا وكان الوصف ثابتا على الحكم # قال وكذلك الطعم إذا جعل علة لأنه به القوام فهذا فاسد فى الوضع لأن ~~المال خلق بذله لحاجته إليه وأشد الحاجات حاجة البقاء فيزيد هذا على ~~ابتذاله وسعة وجه كسبه لا أن يزيد تضييعا حتى أكل طعام الغنيمة قبل أن يخمس ~~بخلاف سائر الأموال قال وكذلك من علل لحرمة نكاح الأمه بوجود طول الحرة ~~فإنه مستغن عن تعريض خبر منه للرق فلا تحل له كما لو كان تحته حرة قال وهذا ~~يفسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح نسب الحرية والشرع جعل الحرية مؤثرة فى ~~الإطلاق دون الحجر وكذلك اعتبار الحجر عن تسليم الثمن بالعجز عن تسليم ~~المبيع فى ثبوت حق الفسخ فإن البيع شرع لنقل الملك فى العين ms665 واليد للبائع ~~ليعمل العقد عليه فلم يصح العقد قبل أن يقدم ملكا ويدا ولما كان الشراء ~~لإيجاب الثمن ابتداء فى ذمة المشترى لا فى عين اشتراط فى صحته قيام ذمة ~~قابلة لثمن يجب فيها بحيث يقبل النقص بمثلها من غير بشرط القدرة على ~~التسليم بالمثل لأنه لا قدرة إلا بملكه ولم يشترط للجواز قيام PageV02P209 ~~الملك ولا يد فى عين مثله ولما لم تكن القدرة على التسليم شرطا للجواز ~~ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا لما فيه من اعتبار ~~ما لم يجعل شرطا لصحة عقد بما جعل شرطا # قال وكذلك إذا قال قائل فى الأثمان إنها أموال فتتعين فى التبرعات فتتيعن ~~فى المعاوضات فهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال فى الذمة ~~بل للإتيان بعين ماله والمعارضات شرعت لإيجاب الأثمان فى الذمم لأن ~~المتعارف بين الناس فعلا هو المتعارف شرعا والمتعارف فى الأثمان بين الناس ~~هو العقد بلا إشارة فى الأثمان بل بمجرد التسمية وهى موجبه فى الذمة فلما ~~كان الإيجاب فى الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى عين ~~كما لو أضاف هبة الألف إلى ذمته فإنه لا يصح وإذا عرف هذا صار اعتبار البيع ~~بالهبة فى التعيين وإثبات المحل فاسدا وضعا وقد أجبنا عن هذا وأمثاله فى ~~الخلافيات # وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا أن حاصل القول يحصره نوعان # احدهما أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب الأدلة ~~ومثال ذلك أن يقول إن التعليل على خلاف الكتاب أو على خلاف السنة ومن هذا ~~أيضا أن يقول إنه بالقياس حاول الجمع بين شيئين فرق الشرع بينهما أو فرق ~~بين شيئين جمعت الشريعة بينهما # والملخص فى هذا النوع أن يكون القياس يخالف وضعه موجب متمسك فى الشرع هو ~~مقدم على القياس فإذا كان كذلك فيكون القياس فاسد الوضع # والنوع الثانى أن يكون الوصف مشعرا بخلاف الحكم الذى ربط به وهذا زائد فى ~~الفساد على فساد الطرد لأن الطرد مردود ms666 من جهة أنه لا يناسب الحكم ولا يشعر ~~به فالذى لا يشعر به ويخيله خلافه يكون أولى بالرد ومثاله ما ذكرناه وهو ~~ذكر وصف يشعر بالتغليظ فى روم تخفيف أو على العكس من ذلك # قال وإذا اعتبر القائس القصاص بالدية فى الثبوت على الشركاء أو اعتبر ~~الدية بالقصاص فى السقوط أو قاس الحد على المهر فى طلب الثبوت أو قاس المهر ~~على طلب الحد فى محاولة السقوط فقد ذهب جماعة من الجدليين إلى فساد هذا ~~القياس لأن العقوبات تدرأ بالشبهات # وأما الواجب بالجنايات يثبت مع الشبهات فاعتبار أحدهما بالآخر فى السقوط ~~أو PageV02P210 الثبوت يكون فاسدا فى الوضع وقد منع بعضهم قياس الرخص على ~~الوظائف التامة وكذلك قياس الوظائف التامة على الرخص وقد أجابوا عن السؤال ~~من كل هذه الوجوه بإظهار التأثير والإخالة فى القياس والجمع بين الفرع ~~والأصل أو الجمع بين العلة والوصف # فقد قال أبو زيد وكثير ممن تبعه إن هذا السؤال لا يرد إلا على الطرد ~~والطرد ليس بحجة # وأما العلة التى ظهر تأثيرها وقام الدليل على صحتها فلا يرد هذا السؤال ~~ونحن نقول نعم وإن كان الطرد ليس بحجة على ما سبق وإظهار التأثير لابد منه ~~ولكن السؤال ينفى وهو أن يقول السائل لا يجوز أن يدل الدليل على صحة مثل ~~هذه العلة أو يقول لا يجوز أن يظهر له تأثير فلابد فى الجواب من نقل الكلام ~~إلى ذلك وبيانه أن الدليل قد قام على صحة هذه العلة فبهذا الوجه صححنا هذا ~~السؤال # | فصل # وأما الاعتراض بالنقض # فهو سؤال يبطل به العلة والنقض أن توجد العلة فى موضع دون حكمها وقد ذهب ~~معظم الأصوليين إلى أن النقض سؤال صحيح تبطل به العلة ولكن من ألزم عليه ~~نقض فعليه تعليل تلك المسألة التى نقضت علته بيان الفصل بينها وبين المسائل ~~التى يدعى اطراد العلة فيها PageV02P211 # قال أبو زيد النقض لا يرد على العلة المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا ~~بدليل يجمع عليه ومثل ذلك الدليل لا ينقض وإنا ms667 تجئ المناقضة على الطرد لأن ~~أصحاب الطرد إنما جعلوا العلة علة باطرادها فإذا لم تطرد بطلت # قال وأما المؤثرة لا يرد عليها النقض ولكن يرد عليها الخصوص فيبين المعلل ~~أن الذى جاء ناقضا فى الظاهر لا يدخل تحت ما جعله المعلل علة من حيث المعنى ~~وبيان ذلك بطرق أربعة من حيث اعتبار معنى الوصف الذى هو ركن العلة ثم ~~باعتبار معنى دلالة التأثير الذى صار الوصف به حجة يجب العمل بها ثم ~~باعتبار الحكم الذى وقع التعليل لإثباته ثم بالغرض الذى قصد المعلل التعليل ~~لأجله وأثبت الحكم بقدره # أما الوصف فنحو قولنا إن وظيفة الرأس المسح فلا يثلث كوظيفة الخف ولا ~~يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هى إزالة النجاسة ~~الحقيقية # ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل منها لأنها أتم ولو كانت الوظيفة مسحا ~~لكره التبديل بالغسل كما فى وظيفة الرأس # قالوا كذلك قولنا فى الدم السائل إنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم الدم ~~إذا لم يسل لأنه طاهر وليس بخارج لأن الخروج بالانتقال من مكان باطن إلى ~~مكان ظاهر وتحت كل جلدة رطوبة وفى كل عرق دم فالذى هو على رأس الجرح ظهر ~~بزوال الجلدة عنه وقد كانت سترة له ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان طاهر من ~~بدنه خلقه فهو مثل رجل ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء وآخر ظهر بالخروج عن ~~الباب فالأول ليس بخارج والثانى خارج # وأما التأثير وبيان دفع النقض به قال هو مثل قولنا فى مسألة تثليث المسح ~~PageV02P212 مسح وإيراد الخصم الاستنجاء عليه ووجه دفعنا ذلك بالتأثير وهو ~~أن صفة المسح إنما صار علة لمنع التثليث لأنه قد ظهر أثره فى نفسه من حيث ~~التخفيف لأنه إذا قوبل المسح بالغسل كان المسح فى نهاية التخفيف وكذلك ثبت ~~التخفيف له قدر التأدية ببعض المحل وهذا المعنى معدوم فى الاستنجاء لأن ~~الأصل المأمور مسح موضع النجاسة بإزالتها فيكون على وصف التغليط مثل الغسل ~~ولا يتأدى أيضا ببعض محل النجاسة مثل ما يتأدى ms668 فرض مسح الرأس ببعض المحل # قال وكذلك المسألة الثانية فإن النجاسة الخارجة إنما كانت حدثا لأنها ~~أوجبت تطهرا فى نفسها # ألا ترى أنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الحرج كما وجب الغسل إذا سال ~~البول عن رأس القضيب فلما ساوت النجاسة البول فى إيجاب الحقيقة ساوت فى ~~الحكمية ولا يلزم النجاسة التى لم تسل لأنها تصير كالبول فى إيجاب الطهارة ~~فى محلها فكذلك فى غيره فيتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل ~~يزيد قولا بانعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير # وأما الحكم وبيان الدفع به فنحو قولنا فيمن نذر صوم يوم النحر أنه يوم ~~فلا يفسد النذر بالإضافة إليه قياسا على سائر الأيام ولا يلزم إذا نذرت ~~المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض والحيض صفة لها لا ~~لليوم # قال وكذلك على قولنا إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك ~~الأصل قياسا على البيع ولا يلزم المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم ~~نعلل لبيان المحل الذى يعمل فيه وفى المدبر الغصب سبب للملك إلا أن التدبير ~~منع عمله كما لو باعه # قال وكذلك قولنا إن الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما يمنع التكفير به ~~كالإجارة ولا يلزم إذا أدى بعض البدل لأن المنافع أحد العوض عن العتق لا ~~الكتابة وهو معنى قول أهل النظر إن العلة المنصوبة للجملة لا تنقض بالإفراد # وأما الغرض بوجه الدفع به نحو قولنا إن التأمين يخافت به لأنه ذكر ولا ~~يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن يجعل كونه ذكرا علة بشرع المخافتة ~~وإنما وجب الجهر لعلة أخرى وهى أنها شرعت إعلاما والعلة مع كونها علة قد ~~يجب ضد حكمها بمعاوضه أخرى أولى منها PageV02P213 # قال وكذلك قولنا فى الدم السائل إنه حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا ~~يلزم دم الاستحاضة لأن الغرض أن يجعل النجس الخارج علة لنقض الطهارة وهو ~~علة ناقضه للطهارة فى الاستحاضة بعد الوقت ولكن امتنع النقض فى حال لعلة ms669 ~~أخرى مانعة وهى أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة ولا قدرة إلا بسقوط ~~حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن يمنع من عملها لدفع ضرورة العجز فى الإمكان ~~فلا يخرج من كونه علة تأخر العمل إلى مدة كالبيع بشرط الخيار ثلاثة أيام ~~وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن ~~الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وهى أن العموم لم يدخل تحت التعليل # قال وجملة الحد فى الخروج عن المناقضة أن المعلل متى أمكنه الجمع بين حكم ~~علته وهذا الذى جاء مناقضا لم يكن نقضا ومتى لم يمكنه يكون نقضا كما فى ~~تناقض الدعاوى وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور وبهذه الوجوه من ~~البيان يمكن الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول وذكر بعد هذا كلاما آخر فى ~~آخر الفصل لا يحتاج إليه فهذا سر ما ذكره فى تقويم الأدلة فى دفع النقض ~~وبيان قوله إن النقض لا يرد على العلل المؤثرة ونحن نقول إن سؤال النقض ~~بناء على أن تخصيص العلة لا يجوز وإذا لم يجز تخصيصه على ما سبق ذكره فلابد ~~أن يكون النقض مبطلا للعلة وقولهم إن العلل إذا كانت مؤثرة لا تنقض # قلنا بالنقض يتبين فقد تأثير العلة وهذا قد سبق بيانه # ببينة أن الناصب للعلة بنصبه العلة قد التزم طردها وادعى أن هذه العلة ~~متى وجدت فالحكم يتبعها فإذا لم يف بقوله ووجد علة مناقضة بطلت علته لعدم ~~وفائه بدعواه وصحة ما يزعمه # فأما دفع النقض فقد اشتغل الجدليون بدفع النقض بمجرد اللفظ وليس ذلك بشيء ~~والأولى أن يدفع النقض ببيان أنه لم يرد على المعنى الذى جعله علة إن كانت ~~العلة معنوية وإن كان قد وقعت له ضرورة إلى جواز العلة حكمية واستقام تعلقه ~~به من الوجوه التى سبقته فسبيل دفعه أن يدفع ببيان أنه لا يرد على ذلك ~~الحكم الذى تعلق به فإن ورد ولم يمكنه دفعه انتقضت علته وبطلت وقد يوجد ~~موضع يظن المتناظر أن ms670 يوجه النقض وهو مما ليس يتوجه وقد قيل إن الإثبات ~~المجمل لا ينقض بمنفى مفصل والنفى المفصل لا ينقض بإثبات مجمل والنفى ~~المفصل ينقض بإثبات مفصل PageV02P214 وكذلك الإثبات المفصل ينقض بالنفى ~~المجمل يعنى المطلق ومثال الأول أن يقول القائل فى قتل المسلم بالذمى محقون ~~الدم على التأبيد فيثبت بينهما القصاص كالمسلمين فينقض تاآخر بما إذا قتله ~~خطأ وهذا لا يرد نقضا لأن نفى القصاص فى موضع الخطأ لا يمنع من صحة التعليل ~~من المعلل بقوله فوجب أن يكون بينهما قصاص فلا ينتفى حكم العلة بما يقوله ~~من قول الخطأ فلم يكن نقضا # وأما مثال الثانى إن يقول المعلل مكلفا فلا يثبت بينهما قصاص فإذا نوقض ~~بالمسلمين انتقض لأن ثبوت القصاص بينهما فى موضع يمنع صحة التعليل بقوله ~~فموجب أن لا يجرى القصاص وقد احترز بعضهم من النقض بقول المعلل أنا أقول فى ~~الأصل مثل ما أقوله فى الفرع ومثاله أن يقول قائل فى مسألة المسلم يقتل ~~ذميا هل يقتل فنوجب القود كالمسلم إذا قتل مسلما فينتقض بالخطأ فيقول أنا ~~أقول فى الفرع مثل ما قلته فى الأصل وإنما أوجب القصاص فى العمد دون الخطأ ~~وقد أشار أبو زيد فى كلامه إلى هذا الاحتراز وهذا الاحتراز باطل لأن العلل ~~ما صرح به المعلل دون ما أضمره وكذلك الحكم وقد علل بالفسخ وصرح بالحكم ~~بوجوب القصاص وقد ورد النقض على هذا ولم يعلل لاستواء المسلم والكافر فى ~~حكم القتل حتى يدفع النقض به فليس هذا الدفع بشئ وقد دفع بعضهم النقض بذكر ~~الأحرار فى الحكم مثال أن يقول القائل محقونا الدم على التأبيد فوجب أن ~~يثبت بينهما القصاص إذا قتل أحدهما صاحبه عمدا فإذا نوقض بالخطأ وقال قد ~~احترزت بقولى فى الحكم فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا وقد قيل أيضا إن هذا ليس ~~بدفع لأن المعلل قد حكم بأن علة القصاص كونهما محقونى الدم على التأبيد ~~فحسب وأنه لا مزيد على العلة التى ذكرتها فإذا قال وجب أن يوجب القصاص إذا ~~كان ms671 عمدا فقد اعترف بانتقاض العلة لأن اقتران الحكم يوجد من الموضعين ~~والحكم يتبع العلة فى أحد الموضعين دون الآخر # فإن قال هذا المعلل لا يمتنع أن يكون حقن الدم على التأبيد يؤثر فى إيجاب ~~القصاص فى العمد دون الخطأ # قيل إن كان ذلك يؤثر فى أحد الموضعين لمعنى يختص به أحدهما فينبغى أن ~~نذكر ذلك المعنى فى جملة العلة لأن له تأثيرا فى غيجاب القصاص وإن لم يكن ~~لذلك المعنى تأثير وكانت الأوصاف المذكورة تؤثر فى أحد الموضعين دون الآخر ~~لا لأمر يفترق PageV02P215 لأجله الموضعان فقد اعترف أن العلة تقتضى الحكم ~~فى موضع دون موضع مع وجوده تتميما على السؤال والجواب الصحيح عن السؤال أن ~~الشرط المذكور فى الحكم متأخر فى اللفظ يتقدم فى المعنى لأن معنى القياس ~~أنهما محقونا الدم على التأبيد قتل أحدهما صاحبه عمدا لأن صفة العمدية ~~مؤثرة فى القصاص فإذا قلنا على هذا الوجه يتم الدفع وقد دفع بعضهم النقض ~~بوجه آخر وهو أن يحذف الحكم حذفا فيقول فى الثيب الصغيرة إنها مجبرة الزواج ~~فأشبهت الكبيرة فلو قال المعلل فلم تجبر على النكاح ينتقض بالثيب المجنونة ~~والثيب الأمة فإذا قال فأشبهت الكبيرة نوقض بها بين المسألتين فيقول إنما ~~شبهت الصغيرة بالكبيرة فعلى أن أقول فى الثيب الصغيرة ما أقول فى الثيب ~~الكبيرة وفى اليب الكبيرة لا تجبر على النكاح إذا لم تكن مجنونة أو مملوكة ~~وأجبرت إذا كانت مملوكة أو مجنونة فلم ينتقض قولى فأشبهت الكبيرة وإنما ~~عللت لهذا وهذا دفع حسن غير أن بعض الجدليين قد قال إنه لا يجوز التعليل ما ~~لم يصرح بالحكم وقد ذكرنا هذه المسألة من قبل وبينا جوابه وأحسن وجوه الدفع ~~هو الدفع بالمعنى كما تقدم وجهه # وقد قال أبو زيد فى موضع من كتابه إن النقض يلجئ إلى إظهار التأثير ~~والقول به مثل من يقول فى النية فى الوضوء وقياسه على التيمم طهارة الصلاة ~~فإذا نقض طهارة النجاسة فلابد من ذكر التأثير ليتخلص عن النقض وهو أن يقول ~~طهارة ms672 حكمية أى حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة وكذلك قول من قال إن النكاح ~~ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال وهذا يبطل بالبكارة فلا تجد بدا ~~من الرجوع إلى طلب التأثير وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن ~~وكثرة غفلتهن لكن جوز فى باب المال لكثرة حاجة الناس إليه وتكرر المعاملات ~~فيه فى الأسواق وغيرها فجوز شهادة النساء مع الرجال حتى لا يضيق الأمر على ~~الناس ولا يقعوا فى الحرج العظيم وهو معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل فيه هذه ~~الشهادة وهذا كما تثبت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا ~~يحضرونها ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال لعدم الضرورة وكذلك قول القائل ~~فى أن الزنا لا يوجب لحرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه والنكاح عقد حمدت ~~عليه فإن قال المعلل فوجب أن لا يشارك هذا فى حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال ~~والمهر فإن قال فى حكم المصاهرة يقال ولم قلت فإن قال لأن الصهرية نعمة ~~والزنا حرام فقد رجع PageV02P216 إلى بيان التأثير ولا يبطل هذا بالوطء فى ~~النكاح الفاسد لأن الصهرية هناك إنما ثبت لما فيه من جهة المحل # قال ونحن نقول إن لزنا معصية والمصاهرة كرامة ولا تضاف الكرامة إلى ~~العاصى ولكن تثبت الصهرية لحراثة الواد فى هذا المحل على ما عرف وبينا فى ~~موضعه ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه # قال وكذلك ول القائل إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل فإذا نقض ~~بالاستيراد أحد الشريكين جارية بينهما يقول إنما أوجبنا الملك فى هذا ~~الموضع للشريك لماا فيه من تأويل الحل شرعا لا من حيث العدوان فقد رجعوا ~~إلى تأثير العلة # قال ونحن نقول إنما أوجب الملك فى الغصب لأنه سبب ملك البدل وهذا حكم ~~شرعى ليس بعدوان # وكذلك ققول القائل فى مسألة المنافع إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف # دليله الأعيان فإذا نقض هذا بالمتلف إذا كان معسرا # قال هناك يضمن لكن الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة فهذا ms673 رجوع إلى التأثير ~~وها هنا المتلف ضامن لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز والعدوان موجب ضمان ~~المثل فلا يمكن الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل وعندنا الأعيان أجود من ~~المنافع مالية وليسا بمثلين وعنهم مثلان ويرجع اللكلام إلى هذا # وكذلك قول القائل فى إسلام الهروى فى المروى أسلم مذروعا فى مذروع كما لو ~~أسلم الهروى فى المروى # فيقول الخصم يبطل هذا بما إذا شرط شرطا فاسدا # فيقول المعلل إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذى ققلنا فيكون هذا ~~رجوعا إلى حرف المسألة فإن عنده الجنس ليس بعلة محرمة وعندنا علة محرمة ~~فيكون الفساد بالعلة المحرمة لا بالذرع ومرجع الكلام إلى أن الجنس علة أم ~~لا ويبل الطرد فهذا كلام يحسن ونحن لا نرى لللرطد صحة ولابد من بيان التأير ~~غير أن ورود النقض فى موضعه يخل بالتأثير ففإنما كام وروده من هذه الجهة ~~ولابد من معرفة بطلان القول بنخصييص العللف ن أيراد المعللل شرع لذلك والله ~~المعين بمنه PageV02P217 # | فصل # وقبل أن نصل إلى سؤال المعارضة قد بقيت بقية فيما يرجع إلى القول بموجب ~~العلة وتفسيره التزام ما أوجبته العلة وقد ذكرنا مثاله وصورته وقد ذكر فى ~~تقويم الأدلة أنهم إذا قالوا فى صوم لنقل قربة لا يجب المضى فى فسادها فلا ~~يجب القضاء فى إفسادها قياسا على الوضوء # قلنا لهم نقول بموجب العلة فإنه لا يجب القضاء بإفسادها بل وجب بالشروع # فإن قيل فلا يجب بالمشروع والإفساد # قلنا ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضى فى فسادها بل بالشروع فى ~~عبادة تلزم بالنذر ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكرنا من الوصف لأن ~~الأوصاف تذكر عللا وبما ذكر من الوصف لا تصير العابدة محلا يلتزم بالشروع ~~فيه بل بوصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة فى بيان أن الشروع ليس بسبب ~~للإلزام الذى فيه النزاع # قال وكذلك قولهم فى إسلام المروى فى الهروى إنه جائز لأنه أسلم مذروعا فى ~~مذروع فيقول من حيث إنه مذروع فى مذروع يجوز ms674 العقد ويعلق الجواز بهذا الوصف ~~لا بنفي تعلق الفساد بأمر آخر # ألا ترى لو شرط شرطا فاسدا ولم يقبض رأس المال فى المجلس كان العقد فاسدا ~~فكذلك عندنا صفة الجنس بأنه علة مفسدة وهو كالشرط الفاسد فى الإفساد فيلزمه ~~الرجوع إلى بيان أن الجنس ليس بعلة محرمة وكذلك قول من قال فى المطلقة ~~الرجعية إنها مطلقة فيحرم وطؤها كالمطلقة بمال # فيقال لا من حيث إنها مطلقة محرمة ولكن من حيث إنها منكوحة محللة كما لو ~~ابانها ثم تزوجها وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر إلى ~~الرجوع إلى بيان ضلل فى النكاح أوجب التحريم وهو حرف المسألة # قال وكذلك قولهم فى المبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنها منقطعة النكاح فنحن ~~نقول الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح ولكن من حيث العدة الواجبة عن ~~النكاح التى هى أثره PageV02P218 # قال وكذلك إذا قالوا فى تحرير الكافر عن كفارة اليمين إنه تحرير فى تكفير ~~فأشبه كفارة القتل وعندنا لا يجوز لأنه تحرير فى تكفير ولكن من حيث أنه ~~ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين ولا يجوز بالكسوة فى كفارة القتل ~~فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق يحمل على المقيد أو لا # قال وكذلك إذا قال إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ مال الغير بلا تدين ~~ولا تأويل كالغصب فيقال إنا نقول إن هذه العلة موجبة للضمان لكنا نقول إن ~~القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفى الضمان وهو ~~حرف المسألة # قال وقد يجئ هذا السؤال على أكثر العلل الطردية لأن اصحابهم تعلقوا ~~بأوصاف محتملة أن لا تكون عللا فهذا السؤال يردهم إلى القول بالتأثير وفى ~~هذا السؤال تكلف عظيم ومن يجعل الطرد حجة يستجيز أن يكون بمجرده أمارة على ~~الحكم فلا يرضى بمثل هذا السؤال لأنه يقول إن علتى صحيحة بوجود الإطراد ~~وصلاحيته علة من حيث إنه لم يقم دليل على فسادها أو لأنه صالح أمارة وعلل ~~الشرع أمارات وهذا القدر لى كاف ولا ينافى ms675 بمثل هذا السؤال لأنه يقول أنا ~~أعلم منك ولا نثبت الحكم بهذه العلة بل نثبته بعلة أخرى ومرجه هذا السؤال ~~ليس إلا هذا القدر لكني مع منعك أجعله علة ولا احتاج إلى إقامة دليل على ~~كونه علة ولا إلى إظهار تأثير لها سوى الوفاء بالإطراد الذى ضمنته وسوى ~~وجود المعنى فى الأصل وصلاحية كونه أمارة شرعا وأما من يقول إن الطرد لا ~~يكون حجة وهو الذى نختاره ولابد من كون العلة مؤثرة فمتى طولب بالدلالة على ~~صحة العلة فهو لا يترك إقامة الدليل عليها ويظهر تأثير العلة مناسبة الحكم ~~وإخالته فلا معنى لهذا التكلف الشديد واستخراج السؤال بهذا الاستقصاء بل ~~المطالبة كافية والله المعين بمنه # | فصل # فالسؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة وقبل أن نشرع فيه نقول قد ~~ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير ولست أرى لذلك وجها بعد أن يبين ~~المعلل التأثير PageV02P219 لعلته وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم ~~الدليل على صحتها بالتأثير بالوجه الذى قدمناه # وقد ذكر مشايخ اصحابنا فى سؤال عدم التأثير وتصحيحه كلاما كثيرا وعدوه ~~سؤالا قويا واقعا على المعلل وقالوا إذا أورد السائل هذا السؤال فيجب أن ~~ينظر المعلل فإن وجد له تأثيرا فى الحكم بين التأثير وإن لم يجد له تأثيرا ~~فله أن يجيب ويقول إن له تأثيرا فى طرد العلة والمأخوذ على طرد العلة لا ~~العكس وعلل الشرع من شرطها الاطراد دون الانعكاس بل إذا كانت مطردة منعكسة ~~تترجح به العلة ومثاله ما يحتج به فى زكاة الحلى فيقول إنه مال مصروف من ~~جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه مباح يسقط عنه الزكاة كما لو جعل مال ~~التجارة للقنية فقالوا قولكم لوجه مباح لا تأثير له فى الأصل فإنه إن كان ~~بوجه محظور يسقط الزكاة أيضا فإنه لو كان له إبل سائمة فصيرها معلوفة بعلف ~~مغصوب تسقط عنه الزكاة وإن كان بوجه محظور والمعلل يقول له تأثير فى الطرد ~~والعكس غير مأخوذ على بل إذا كانت تطرد يكفى فأجيب عنه ms676 أيضا فقيل إن عدم ~~التأثير هو نقض لعكس العلة ولا يلزم نقض العكس # وبيان هذا أنى إذا قلت مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه ~~مباح فإذا ادعيت عدم التأثير صار كأنك قلت لى إذا عللت بهذه العلة تصير ~~كأنك عللت بعكسه وقلت إن المال إذا كان مصروفا من جهة النماء إلى غير جهة ~~النماء بوجه محظور يجب فيه الزكاة ثم نقضت هذا العكس بالإبل السائمة إذا ~~جعلها معلوفة بعلف مغصوب أو جعلها عوامل فى قطع الطريق فإنه مال مصروف من ~~جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه محظور والزكاة ساقطة فيكون هذا نقضا ~~لعكس العلة ونقض عكس العلة لا يقدح فى العلة بعد أن سلم الطرد والأصل فى ~~الجواب عن هذا السؤال أن التأثير إذا ذكر للعلة فيقول القائل لا تأثير له ~~غير مسموع والعكس الذى يورده PageV02P220 السائل فسبيل المعلل أن يبين ~~المعنى فيه ويخرجه على المعنى الذى اعتمده # وأما الكلام فى المعارضة فقد قال أبو زيد ليس للسائل بعد الممانعة إلا ~~المعارضة ونحن قد بينا الممانعة قبل المعارضة سؤالين واقعين وهو النقض ~~وفساد الوضع وذكرنا وجه توجههما على العلة # واعلم أن المعارضة قد تكون بعلة أخرى وقد تكون بعلة المعلل بعينها ~~فالمعارضة بعلة المعلل تسمى قلبا وتسمى مشاركة فى الدليل # ومثاله أن يقول المخالف عضو من أعضاء الطهارة فلا يكفى فى إيصال الماء ~~إليه ما يقع الاسم عليه دليله الوجه فيقول خصمه وجب أن لا يكون مقدرا ~~بالربع قياسا على الوجه وسائر الأعضاء ويقول القائل فى الاعتكاف لبث في ~~مكان مخصوص فلا يكون بمجرد قربة قياسا على الوقوف بعرفة فيقول خصمه وجب أن ~~لا يكون الصوم شرطه دليله الوقوف بعرفة # واختلف أصحابنا فى هذه المعارضة فمنهم من قال هذه المعارضة غير صحيحة ~~لأنها معارضة فى غير الحكم الذي علله فلا يلزم الجواب عنه # ألا ترى أنه إذا استأنف قياسا فى حكم آخر لم تكن معارضة وأيضا فإن إوصاف ~~PageV02P221 علة المعلل لا تصلح للحكم الذى ذكره ms677 القلب # وقال أبو على الطبرى القلب من ألطف ما يستعمله المناظر وهو معارضة صحيحة ~~لأن المعلل لا يمكنه الجمع بين علته وبين موجب قلبه فصارا متعارضين وأنزل ~~ذلك منزلة المعارضة من أصل آخر وقد استدل المخالف فى المنع من نقض البناء ~~لرد الساجة بأن فى الرد إضرار والضرر والضرار منفى فى الشرع فيقال له فى ~~المنع من الرد أو إطلاق المنع إضرار يعنى لصاحب الساجة فإن منع الملك من ~~المالك ضرر فيتعارض الضرر والضرار فتحصل المشاركة فى نفس ما جعل المعلل ~~دليلا لنفسه وكذلك يستعمل مثل هذا فى مسألة الملتجئ إلى الحرم فإن المخالف ~~يقول وجب أن يصير آمنا فى نفسه فيقول الخصم له وجب أن يصير آمنا على نفسه ~~حتى لا يلحقه الفوات والذى قاله من دفع القلب بأن المعارضة وجدت فى غير ~~الحكم الذى علل له المعلل فليس بشئ لأن الجمع بين موجبى التعليل إذا تعذر ~~تبين وجود المعارضة وأما قوله إن الأوصاف ليست بمؤثرة فى القلب # قلنا قد تكون مؤثرة وقد تكون مثل أصل العلة من المعلل على أن بينا أن طلب ~~التأثير واجب فإذا بين المعلل التأثير فيجب أن يطلب من القالب التأثير أيضا ~~وعلى هذا ينبغى أن يصحح ماله التأثير وإذا قلب التسوية فقد اختلف فيه ~~الأصحاب والأصح أن لا يكون متوجها لأنه لا يمكن فيه التصريح بحكم العلة ~~ويقال فى توجيه سؤال القلب إنه إذا علق على العلة ضد ما علقه المعلل من ~~الحكم فلا يكون تعليق أحد الحكمين أولى من الآخر فبطل تعليقهما بها وهو على ~~أضرب PageV02P222 # أحدهما أن يكون الحكمان مفصلين # والآخر أن يكونا مجملين # والثالث أن يكون أحدهما مجملا والآخر مفصلا # أما المفصلان فضربان # أحدهما أن تناقضا بأنفسهما حتى يقول المعلل وجب أن يجوز # والآخر يقول وجب أن لا يجوز وهذا شئ لا وجود له # وأنما إذا لم يتناقضا بأنفسهما بل بواسطة مثل أن يقول فى استيفاء القصاص ~~بغير حق قتل على جملة القصاص فيجوز بالآلة التى وقع القتل بها كما ms678 لو قتل ~~بالسيف وقد بينا توجه هذا السؤال لأن أحد الحكمين إذا ثبت انتفى الآخر ~~فليست العلة بأن تدل على أحد الحكمين بأولى من أن تدل على الآخر # وأما إذا كانا مجملين # فيجوز أن يقول أحدهما وجب أن يكون من شرط هذه العبادة معنى ما # والآخر أن يقول وجب أن لايكون من شرطها معنى من المعانى وهذا أيضا لا ~~وجود له # وأما إذا كان أحدهما مجملا والآخر مفصلا فضربان # أحدهما أن يكون المجمل على حكم التسوية نحو أن يقول القائل وجب أن يستوى ~~حكم كذا وكذا وقد بينا # والآخر أن لا يكون على وجه التسوية مثل تعليل المعلل فى الاعتكاف لبث فى ~~مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى من المعانى دليله الوقوف فيقول الخصم ~~وجب أن لا يكون الصوم من شرطه وهذا سؤال متوجه لما بينا من قبل بأن اعترض ~~على قلب وجه من وجوه الفساد فسد القلب وصح التعليل المعلل ومن القلب أيضا ~~جعل المقلوب علة وجعل العلة معلولا ومثاله فى ظهار الذمي فإن أصحابنا قالوا ~~من صح طلاقه صح ظهاره فقلبوا وقالوا فى الأصل إنما صح طلاقه لأنه صح ظهاره ~~ونظائر هذا تكثر # وقد قيل إن القلب نوعان # أحدهما جعل الأسفل أعلى وجعل الأعلى أسفل كقلب الإناء بجعل أسفله أعلاه ~~وأعلاه أسفله PageV02P223 # والقلب الآخر أن يجعل باطنه ظاهره وظاهره باطنه مثل قلب الجراب # فمثل الأول أن يجعل المعلول علة والعلة معلولا وهو مبطل للتعليل لأن ~~العلة واجبة والمعلول هو حكم الواجب به كالفرع من الأصل فلم يجز أن يكون ~~الحكم علة والعلة حكما فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل ومثاله ~~كثير من ذلك أن يقول القائل فى مسألة إيجاب الرجم إن الكفار جنس يجلد ~~أبكارهم مائة فيرجمهم قياسا على المسلمين فيقال فى الأصل جنس رجم ثيبهم ~~فجلد أبكارهم وكذلك فى قول القائل إن القراءة تكررت فرضا فى الأوليين ~~فتكررت فى الأخرتين كالركوع والسجود فيستعمل فى الأصل على الوجه الذ بينا ~~وقد أجابوا عن هذا وقالوا هذا ms679 القلب لا يضر لأن الشئ يصح أن يكون دليلا على ~~الشئ وذلك الشئ يكون دليلا عليه كما فى العقليات فإن يجوز أن يقال بوجوده ~~فيجوز رؤيته ويقال يجوز رؤيته فيكون موجودا وكذلك تكون النار دليلا على ~~الدخان والدخان دليلا على النار # ويتأيد هذا الجواب بقول من قال أنا أجعل أحد الحكمين دليلا على الآخر ولا ~~أخرج الكلام مخرج التعليل وهذا كلام صحيح إذا ثبت أن الشيئين نظيران شرعا ~~فيدل ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر أنهما كانا كالتوأمين فإن عتاق أحدهما ~~إنما كان يدل على عتاق الآخر وأما القلب الآخر فهو أن نجعل العلة شاهدا لك ~~على خصمك وهو من قلب الجراب فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرا فانقلبت وصارت لك ~~على خصمك وقد كان ظهرها أليك فصار وجهها أليك وإنما توجه هذا السؤال لأن ~~العلة لما شهدت لك وعليك فى حكم واحد فصار أحدهما يعارض الآخر ويفضى كل ~~واحد منهما إلى صاحبه فبطلا جميعا وذكروا لهذا نظيرا وقالوا فى قول من قال ~~من أصحابنا إنه صوم فرض فيشترط لصحته نية العين قياسا على صوم القضاء فيقال ~~فى قلبه صوم فرض فلا يشترط له نيه التعيين بعد التعيين قياسا على قضاء ~~رمضان فإن صوم رمضان متى تعين لم يشترط بعده نية التعيين إلا أنه يتعين بعد ~~الشروع وهذا يتعين قبل الشروع والملخص من القلب بذكر ما هو الوصف فى الحكم ~~الذى علل له دون الحكم الذى قاله خصمه وقد ذكر والعكس عند ذكر القلب وجود ~~عكس حكم العلة بقلبها وهو ضد الطرد ونظيره قول القائل جنس يجلد أبكارهم ~~مائة فيرجم بينهم وعكسه العبيد كما قال المخالف فى الصوم إنه عبادة يلتزم ~~بالنذر فتلتزم بالشروع PageV02P224 كالحج وعكسه الوضوء وهذا مما يقوى ~~الاستدلال بالحكم ويدل أنه نظير حيث استويا طردا وعكسا وثبوتا وسقوطا # وأما المعارضة بعلة أخرى فنوعان # أحدهما معارضة فى حكم الفرع # والآخر معارضة فى علة الأصل # أما المعارضة فى حكم الفرع فالصحيح فى ذلك أنه إذا ذكر المعلل علة فى ~~إثبات حكم ms680 فى الفرع أو نفى حكم فيعارض خصمه بعلة أخرى توجب ضد ما يوجب علة ~~المعلل فتتعارض العلتان فيمتنعان فى العمل إلا أن يترجح إحدى العلتين على ~~الأخرى فحينئذ يعمل بالعلة الراجحة وهذا المعارضة تجئ على كل علة يذكرها ~~المعلل مثاله ما يقول فى تكرار مسح الرأس إن هذا ركن فى الوضوء فيسن تثليثه ~~كغسل الوجه فيعارض الخصم فيقول مسح الرأس مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على ~~الخفين # وأما المعارضة فى علة الأصل فهو أن يبين فى ألصل علة سوى علة المعلل ~~وتكون تلك العلة معدومة فى الفرع ويقول إن الحكم ثبت بهذه العلة التى ~~ذكرتها فى الأصل لا بالعلة التى ذكرتها مثاله ما يقول الحنفى فى تبييت ~~النية إن هذا صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل فيقال ليس المعنى فى ~~الأصل ما ذكرت لكن المعنى فى الأصل النفل بناء على السهولة والخفة فلما بنى ~~أمر على الخفة والسهولة له جاز أداؤه بنية متأخرة عن الشروع بخلاف الفرض ~~فإنه لم يبن على السهولة والخفة فلا يجوز بنية متأخرة وهذا هو الفرق الذى ~~جعله كثير من فقهاء الفريقين أقوى سؤال وظنوه فقه المسألة وبه تمسك المناظر ~~من فقهاء غزنة وكثير فى بلاد خراسان زعموا أن الفقه هو الفرق والجمع وعند ~~المحققين هذا ضعف سؤال يذكر وليس مما تتبين العلة التى نصبها المعلل بوجه ~~لأن نهاية ما فى الباب أن الفارق بين الفرع والأصل يدعى معنى فى الأصل عدم ~~ذلك المعنى فى الفرع ولم يتعرض للمعنى الذى نصبه المعلل ويجوز أن يكون ~~الأصل معلولا بعلتين وكل علة موجبة للحكم بانفرادها ووجدت إحدى العلتين ~~PageV02P225 فى الفرع وعدمت الأخرى وإحدى العلتين كافية لوجوب الحكم والحرف ~~أن يقال بأن وجد فى الأصل معنى لا يوجد فى الفرع من أن ينبغى أن تفسد هذه ~~العلة # ببينة أنا ذكرنا يعنى فى الفرع ووجد هذا المعنى فى الأصل وهو ذكر معنى فى ~~الأصل وعدم ذلك المعنى فى الفرع والعدم لا يكون حجة والعلة الموجودة لا ~~تعارض بما عدم ms681 فى العلة ويعتبر مما ذكرنا بعبارة أخرى فيقول ليس فيما ذكر ~~من الفرق إلا وجود علتين فى الأصل ووجدت إحدى العلتين فى الفرع ولم توجد ~~الأخرى فيقول إذا وجدت إحدى العلتين فى الفرع وجب وجود حكمها فيه ولم يلزم ~~انتفاؤه لانتفاء العلة الأخرى لأن انتفاء العلة لا يقتضى انتفاء حكمها إذا ~~خلفتها علة أخرى وأيضا فإن الفارق بين مفارقة الأصل والفرع ووجود المفارقة ~~دليل صحة العلة فإن الأصل يكون مفارقا للفرع فى بعض الوجوه ولولا تلك ~~المفارقة لم يمكن الجمع بينهما ببعض الوجوه مفيدا للحكم لأن الشئ لا يدل ~~على نفسه ولأن القياس إلحاق فرع بأصل فلابد من وجد المفارقة بينهما ليكون ~~أحدهما أصلا والآخر فرعا # وصورة هذا أنا نقيس الأرز والذرة على الحنطة والشعير فى حكم الربا وعلى ~~قطع نعلم وجود المفارقة بينهما في أوصاف كثيرة والمفارقة فى تلك الأوصاف لم ~~تمنع صحة القياس # وقد ذكر بعضهم نوعا آخر من الفرق وهو أن يبين الخصم فى الأصل علة غير علة ~~صاحبه ويعديه إلى فرع آخر واختلفوا فيه وسموا هذا فرق تعدية فبعضهم حكم ~~بصحته وبعضهم بفساده مثاله ما يقول الحنفى فى نكاح الأخت فى عدة الأخت ~~معتدة عن طلاق فيمنع زوجها عن نكاح أختها دليله المعتدة عن طلاق بائن فيقول ~~خصمه ليس المعنى فى الأصل أنها معتده بل المعنى أنها منكوحة لأن عندنا ~~الطلاق البائن لا يقطع النكاح وفى هذه الصورة لا يمكن كل واحد من الخصمين ~~أن يقول بالمعنيين صاحبه فيعارض كل واحد من المعنيين فيبطلان ويبقى الأصل ~~بلا معنى فلا يكون حجة # واعلم أنه إذا فرق على هذا الوجه فلابد أن يبين المعلل صحة علته وفساد ~~علة الخصم فإذا بين ذلك بطل السؤال والفرق مع التعدية فى مسألة الثيب ~~الصغيرة وإجبار البكر البالغة أبين ولابد من الرجوع إلى حرف المسألة وبيان ~~الإخالة فى الوصف الذى يدعيه المعل علة فثبت أن الفرق اعتراض فاسد وكذلك ~~أراه الحكم مع PageV02P226 عدم العلة اعتراض فاسد فإن الحكم ثبت بعلل # ألا ترى ms682 أن ملك اليمين يثبت بالشراء والارث والهبة وأسباب أخر فثبوت ~~الملك بلا شراء لا يدل على أن الشراء ليس بعلة الملك فكذلك ثبوت الحكم بدون ~~علة جعلها المعلل علة لا تدل أن ما جعله من العلل ليس بعلة بل هو علة وغيره ~~علة فإن وجدت هذه العلة يثبت الحكم وإن وجد غيرها وابعد من هذه يثبت الحكم ~~أيضا وقد ذكرنا من قبل طرفا من هذا # | فصل # ونقول إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها # فالمتنافية أحكامها لابد أن يكون أصلها أكثر من واحد ويستحيل أن يكون ~~أصلها واحدا لأنه لو كان أصلها واحدا على وجه واحد لكان قد اجتمع فى الأصل ~~حكمان متنافيان وذلك محال # ومثال التنافى فى العلتين المردودتين إلى أصلين وجوب النية فى التيمم ~~ونفى وجوبها فى إزالة النجاسة ورد الوضوء إلى إزالة النجاسة بعلة أنها ~~طهارة بالماء ورده إلى التيمم بعلة أنها طهارة عن حدث فالتنافى موجود فى ~~هاتين العلتين لتنافى حكمهما وإنما تحقق التنافى لاختلاف الأصلين فأما مع ~~الاتفاق الأصلى فلا يتصور وقد يمتنع كون العلل عللا لوجه سوى تنافى الحكمين ~~وذلك بأن لا يكون فى الأمة من علل ذلك الأصل بعلتين بل تكون الآمة قد ~~افترقوا فكل فريق منهم علله بعلة واحدة وهذا كتعليل من علل تحريم التفاضل ~~فى الربا بالطعم وتعليل من علل PageV02P227 بالكيل وتعليل من علل بالقوت ~~وليس واحد من هؤلاء من يعلله بجميع هذه العلل فوجب القول بتنافى هذه العلل ~~فمن علل فى القليل من البر بأنه مطعوم جنس فأشبه الكثير فإذا رد الخصم وقال ~~المعنى فى الكثير أنه مكيل جنس فلا يمكن للمعلل أن يقول بالمعنيين جميعا ~~كما ذكرنا فلابد من بيان الترجيح وبيان التأثير لإحدى العلتين دون الأخرى ~~حتى تصح العلة المؤثرة وتبطل الأخرى # واعلم أن بعض الجدليين ذهب إلى أن المعارضة غير مقبولة من السائل لأنه ~~ينتهض مستدلا والذى يقتضيه رسم الجدل أن يحصر السائل كلامه كله فى الاعتراض ~~المحض يدل عليه أن العلة لا تكون مخيلة ms683 صحيحة ألا بعد إقامة الدليل على ~~صحتها وإذا انتصب السائل لذلك تصور بصورة البانيين المبتدئين لا بصورة ~~الهادمين المعترضيين وهذا فصل تعلق به طائفة من الجدليين وهو باطل عند ذوى ~~التحقيق من جهة أن المعارضة اعتراض وإنما قلنا إنه اعتراض لأن العلة التى ~~يتمسك بها المجيب لا تكون حجة ما لم يسلم عن المعارضة فإن المعارضة توجب ~~وقوف الحجة بدليل البينات وبدليل أن القرآن إنما صار حجة عند سلامته من ~~المعارضة وإذا ثبت أن المعارضة تمنع ثبوت الحجة وكان إيراد المعارضة ~~اعتراضا صحيحا لأن الدليلين إذا تعارضا فى محل واحد بحكمين مختلفين فلا ~~يكون أحد الحكمين أولى من صاحبه وأيضا فإنه إنما يعتمد فى القياس قوة الظن ~~وإذا تعارض الدليلان ولم يظهر ترجيح يفوت قوة الظن لأن الظن إذا قابله مثله ~~يقع بينهما التعارض تفوت الحجة من كل واحد منهما حتى يترجح أحد الظنين على ~~صاحبه فيصير القوة له على الآخر ويكون الحكم له # فإن قال قائل إن السائل وأن قصد الاعتراض ولكنه قد أتى بصورة الدليل ~~المبتدأ فيكون ممنوعا من ذلك # قلنا صورة الأدلة ما امتنعت من السائلين من حيث إنها تسمى أدلة وإنما ~~امتنعت إذا كان السائل مضربا عن قصد الاعتراض آتيا بكلام مبتدإ لا معترضا ~~وقد بينا أن بهذه المعارضة معترض # ببينة أنه لما سمع منه اعتراض لا يستقل فى نوعه كلاما مفيدا فإذا كان ~~يستقل فى PageV02P228 نوعه كلاما مفيدا ويقدح في كلام الخصم اعتراضا أولى ~~أن يقبل # فالجواب عن المعارضة أن يعترض عليها المجيب بمسلك من المسالك المذكورة فى ~~الاعتراضات الصحيحة أو يبين ترجيح علته على علة صاحبه فإن لم يتأت له واحد ~~من المسلكين كان منقطعا وأن يرجح المجيب علته فللسائل أن يبين ترجيح علته ~~فيعارض الترجيح بالترجيح كما عارض العلة بالعلة ومن نزق السائل وقلة فهمه ~~أن يتشوف إلى الازدياد على قصد المساواة فإنه إذا فعل ذلك يكون على منهج ~~المبتدئين لا على منهج المعترضين فيكون حينئذ منسوبا إلى الجهل بمراسم ~~الجدل ولم يقبل ms684 منه قصده إلى شئ ورأى المساواة فإن ذكر المعلل ترجيحا واحدا ~~وذكر السائل ترجيحين فهو محاور ليتبوأ القصد وإن عارض ترجيح واحد ولكنه ~~أوقع من ترجيح المسئول فهذا لا يقبل منه فإنه قد لا يوجد غيره # | فصل # وقد يزعم بعض أصحابنا أن الفرق اعتراض صحيح واستدل فى ذلك بأن شرط صحة ~~علة الخصم خلوها عن المعارضة فإذا عارض معارض امتنعت صحتها # قال وحقيقة هذا الكلام راجعة إلى أن المعلل لا يستقر كلامه لما لم يبطل ~~بمسلك السبر كل ما عدا علته مما يقدر التعليل به فإذا علل ولم يسبر بعوض ~~معنى الأصل فكأنه طولب بالوفاء بالسبر ويتبع كل ما سوى علته بالنقض ~~والإبطال ثم قالوا هذا راجع إلى تعليل الأصل بعلتين لا يجوز # واعلم أن هذا باطل أما قوله إن شرط صحة التعليل خلوها من المعارضة فليس ~~بشئ لأن المعارضة إنما تكون قادحة إذا وجدتا فى حكمين على التضاد واما إذا ~~أدركته علتان لحكم واحد فلا يكون قادحا ولا يسمى معارضة # وقوله إنه لا يصح تعليل المعلل ما لم يبطل كل ما عدا علته فقال لهذا ~~القائل ومن قال هذا ولأى معنى يجب وإنما وجب عليه أن يذكر علة مخلة فى ~~الحكم مناسبة له # ثم إذا وجد لها فرعا ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلة فى الحكم ~~PageV02P229 # فأما السبر والتقسيم وإبطال كل علة سوى العلة المذكورة فليس بشئ وقد نسب ~~هذا إلى أبى بكر الباقلانى ومن كلف المعلل هذا أو رام تصحيح العلة من نفسه ~~فقد أعلمنا من نفسه أن الفقه ليس من بابته ولا من شأنه وإنما دخل فيه مدعيا ~~له وقد بينا من قبل بطلان قول من يطلب تصحيح العلة بهذا الطريق وبلغنا فيه ~~شفاء يثلج الصدر # وقولهم إنه التزم ذلك من يقول إنه التزم ذلك وأبى فى تعليل المعلل إبطال ~~كل علة سوى علته فهذا من الترهات والخرافات وكذلك قول من يقول إن تعليل ~~الأصل لا يجوز بعلتين وقد بينا هذا من قبل وذكرنا جوازه ومتى يمتنع ms685 فى شرع ~~أو حكم أن يكون على الحكم الواحد دلائل وهذا أيضا فإن سبق فلا معنى للإعادة ~~وهذا لأن الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع والأصل فى كل القضايا وأنما ~~مغزاه ومقصده اجتماع الفرع والأصل الذى يبغيه فإذا استتب له ما يريده من ~~ذلك لم يلزمه سواه PageV02P230 # ببينة أن كل سؤال استمكن المعلل من الاعتراف بمقتضاه مع الاستقرار على ~~مقصده من العلة فليس هو بقادح وإنما الاعتراض القادح ما يرد مناقضا لمقصود ~~المستدل نعم يجوز أن يمكن من إبطال الجمع بأن يحرم ما جاء به المعلل زاعما ~~أنه مناسب مخل فيبين أن الذى تعلق به غير متبع بالحكم فيكون هذا سؤالا ~~واقعا يستغنى به عن الفرق # وحكى الشيخ أبو المعالى عن القاضى أبى بكر أن الفرق سؤال صحيح واحتج فى ~~ذلك بأن السلف الذين تبعناهم فى أمر القياس والاحتجاج به قد كانوا يفرقون ~~ويجمعون وثبت اعتبارهم بالفرق حسب ثبوت تعلقهم بالجمع وقد نقل ذلك فى وقائع ~~جرت فى مجامع من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم منها القصة المعروفة فى ~~إجهاض المرأة وإلقائها الجنين واستشارة عمر الصحابة رضى الله عنهم فى ذلك ~~فقال عبد الرحمن ابن عوف إنما أنت مؤدب ولا أرى عليك شيئا فقال على إن لم ~~يجتهد فقد غشك فإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة فكأن عبد الرحمن حاول ~~تشبيه تأديبه بالمباحات التى لا تعقب ضمانا وجعل الجامع أنه فعل ما له أن ~~يفعله فاعترض عليه على وتشبث بالفرق وأبان أن المباحات المضبوطة ليست ~~كالتعزيرات التى يجب الوقوف فيها دون ما يؤدى إلى الإتلاف # قال ولو تتبعنا معظم ما خاض فيه الصحابة من المسائل علمنا أنهم كانوا ~~يفرقون ويجمعون ثم قال بعد هذا ولا يبين مدرك الحق إلا بتفصيل نبديه وبه ~~يتبين المختار ويدرك الحق فى الفرق # فنقول رب فرق ملحق للجامع بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع مؤثرا مخيلا # فما كان كذلك فهو مقبول لا محاله غير معدود من الفروق التى لا تقبل ومن ~~آيه هذا ms686 القسم أن الفارق يعيد جمع الجامع ويزيد فيه عليه ما يوضح بطلان ~~أثره مثال ذلك أن الحنفى إذا قال فى البيع الفاسد معاوضة جرت على تراضى ~~فيصير الملك كما فى البيع الصحيح فيقول الفارق المعنى فى الأصل أنه معاوضة ~~جرت على وفق الشرع فنقل الملك بالشرع بخلاف البيع الفاسد فإنه ينتقض هذا ~~الكلام مبطلا إخاله المعلل وما ادعاه من إشعاره بالحكم مقبول ومن خصائصه ~~إمكان البوح فيه بالغرض على سبيل الفرق بأن يقول السائل لا تعويل على ~~التراضى على البيع الشرعى فى الطرق الناقلة للملك قال ومما يقع مدانيا لهذا ~~أن الحنفى إذا قال طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة ~~PageV02P231 فالفارق بعيد فى كلامه ويقول المعنى فى الأصل أنه طهارة عينية ~~بالماء والضوء طهارة حكمية ومقصودة أن يجزم فقه الجامع ويلحقه بالطرد وهذا ~~الأول وذكر مثالا آخر فى مسألة مع ملك ثم قال إن الفرق إذا بطل فقه الجمع ~~فلا شك فى كونه اعتراضا والفرق والجمع إذا ازدحما على فرع فى محل النزاع ~~فالمختار فيه عندنا اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل بطل الجمع وإن كان ~~الجمع أخيل سقط الفرق وإن استويا أمكن أن يقال هما كالعلتين المتناقضتين ~~إذا ثبتتا على صيغة التساوى وإن أمكن أن يقال إن الجمع مقدم من جهة وقوع ~~الفرع بعده غير مناقض له والجامع يقول لم ألتزم انسداد مسالك الفرق جملة # قال وحاصل القول فى مذاهب الجدليين يئول إلى ثلاثة مذاهب # أحدها رد الفرق ورد المعارضة أيضا فى الأصل والفرع جميعا # والمذهب الثانى وهو منسوب إلى ابن سريج وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق أن ~~الفرق ليس بسؤال على حالة واستقلاله وأما المعارضة فى الفرع فمقبولة وهى ~~سؤال متوجه # والمذهب الثالث وهو الصحيح أن الفرق مقبول وليس الغرض منه مقابلة علة ~~الأصل بعلة الغرض منه مناقضة الجمع ثم المقبول منه ينقسم إلى ما يبطل الجمع ~~ويلحقه بالطرد أصلا ومنه ما لا يبطل فقه الجمع بالكلية ولكنه يشترط على فقه ~~آخر مناقض لقصد الجامع ثم ms687 ذلك ينقسم إلى زائد فى الإخالة على العة وإلى ~~مساو لهما # قال والقول الوجيز إن قصد الجمع ينتظم بفرع وأصل ومعنى يشتمل على ذكر أصل ~~وفرع وهما يفترقان وهذا يقع على نقيض غرض الجمع ومن ضرورته معارضة ~~PageV02P232 الأصل والفرع ولكن الغرض منه مضادة الجامع بوجه فقهى أو بوجه ~~تشبيه إن كان القياس من نفس التشبيه فعلى هذا لو سمى مسمى الفرق معارضة لم ~~يكن متعديا ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمعارضين على الطرد والعكس بل ~~المقصد منه فقة ينتظم من معارضات يشعر بمفارقة الفرع للأصل على مناقضة ~~الجمع فهذا سر الفرق ومن وفر حظه من الفقه وذاق حقيقته أستبان أن المعارضة ~~الكبرى التى عليها يتنجاز الفقهاء وهو الفرق والجمع والجامع أبدا يأتى ما ~~يخيل اقتفاء الجمع والفارق يأتى بأخص منه مع الاعتراف بالجمع له الذى أبداه ~~الجامع وبين الفارق الفرع والأصل إذا افترقا فى الوجه الخاص كان الحكم ~~بافترقهما أوقع من الحكم بالجمع الذى أبداه باجتماعهما فى الوصف ثم يتجاذب ~~الجامع والفارق أطراف الكلام هنا سرد كلامه مع اختصاره اخترته لئلا يطول ~~ونحن نقول أما الذى حكاه عن أبى بكر الباقلانى فقد حاول شيئا بعيدا لأن ~~الفرق والجمع على الوجه الذى نخوض فيه ما نقل عن الصحابة أصلا وإنما كانوا ~~يتتبعون التأثيرات ومن تأمل فيما نقل عنهم علم مغزاهم في كلامهم وتيقن أنهم ~~كانوا ينقلون المعاني المؤثرة والذى نقل عن عبد الرحمن بن عوف أنه أشار إلى ~~عمر مؤدب وإن ما فعله حق فهو معنى صحيح والذى أشار إليه على فى وجوب الضمان ~~عليه معنى هو ألطف من المعنى الأول وإن كان لم يصرح به فقد بينا أن المراد ~~من كلامه أنه وأن كان مباح التأديب ولكنه مشروط بالسلامة لأنه أمر ليس بحتم ~~بل هو جائز فعله وجائز تركه ولم يكن على حد مضبوط فى الشرع وتقدير قدره ~~فيطلق فعله بشرط السلامة فليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذى نحن فيه ~~بسبيل ولا ندرى كيف وقع هذا الخبط من هذا ms688 القائل وأين وقع الفرق فنحن لا ~~ننكر الفرق بالمعانى المؤثرة وترجيح المعنى على المعنى وإنما الكلام فى شئ ~~وراء هذا وهو أن المعلل إذا ذكر علة قام له الدليل على صحتها بالوجوه التى ~~قلناها فإذا فرق فارق بين الأصل والفرع بمعنى أبداه فإن كان فرقا لا يقدح ~~فى التأثير الذى لو كان المعلل فى الحكم فيكون الفرق فرق صورة ولا يلتفت ~~إليه وإن فرق معنى مؤثر فى حكم الأصل فنهاية ما فى الباب أن الحكم فى الأصل ~~يكون معللا بعلتين مؤثرتين وإحدى العلتين وجدت فرعا أثرت فيه وألحقته ~~بالأصل والأخرى لم تجد فرعا يؤثر فيه فكيف يقدح هذا فى الجمع الذى قصده ~~المعلل وأن يبقى الفارق معنى مؤثرا فى التفريق بين الفرع والأصل فالذى يقدح ~~هو بيان معنى مؤثر فى الفرع يفيد خلاف الحكم الذى أفاده المعنى الأول فلابد ~~لهذا من اسناده إلى أصل فحينئذ يكون PageV02P233 معارضة ولا يكون الفرق ~~الذى يقصد بالسؤال ونحن قد بينا أن المعارضة قادحة والتقسيم الذى قسمه فى ~~الفرق يبين أن الفرق على ما يقتضيه بعض التأثير ليس بصحيح بل إنما يصح ~~الفرق على وجه يكون فيه إبداء سقوط فقه المعلل من العلة لكن أخرجه على صيغة ~~الفرق والمثال الذى ذكره من مسألة البيع الفاسد ليس مما يتكلم فيه من شيء ~~لأن البيع الذى لا يمكن إثبات المشروعية فيه لا يكون مفيدا للملك عند أحد ~~من العلماء وهم لا يعتمدون على مجرد المعنى الذى ذكره لكن يثبتون وصفا من ~~المشروعية فى البيع الفاسد الذى وقع فيه الاختلاف فيقولون هو مشروع بأصله ~~غير مشروع بوضعه فلهذا أوجبوا الملك ونحن ننفيها من كل وجه فنقول لا يفيد ~~الملك لأن المشروع من الملك لا يثبت إلا بسبب مشروع فعلى هذا يقع تنازع ~~الخصوم وتجالب المعانى وأما مسألة النية فى الوضوء فعندنا قولهم طهارة ~~بالماء علة باطلة ما لم يثبتوا المعنى المؤثر فى ذلك وقول من قال من ~~أصحابنا طهارة حكمية أيضا باطلة مل لم يبين التأثير على الجملة ms689 لا يتصور ~~بوجهه سؤال الفرق معنى بيان علة أخرى فى الأصل للحكم نعم إذا عكس ذلك ~~المعنى فى الفرق وبين تأثيره فى الحكم على خلاف ما توجبه العلة وبين أصلا ~~له فحينئذ تكون معارضة وقد بينا الكلام فى المعارضة ونحن لا نبالى بغضب من ~~يغضب بسبب إفساد الفروق على ما يعتاده المتفقهة الذين لا يرجعون إلى تحقيق ~~ورضوا بصور ينتصبون للذب عنها والدفع عن حزبها ويتصالحون عليها من الجانبين ~~ويظنون أن ذلك هو المطلوب فى المسائل فى الفقه منهم كبعد الإنسان من مناط ~~الثريا والذى ادعاه هذا الذى حكينا قوله أن فيما قلته بيان سر المسألة فلا ~~ينكشف من سره إلا الذى قدمناه ومن حاول توجيه سؤال الفرق إلا معارضة المعنى ~~فى الفرع بمعنى آخر وتمسكة بأصل آخر فقد رام شيئا بعيدا وطلب ما لا يوصل ~~إليه بحيلة ما فليفهم المعترض وجوه الاعتراضات على النمط الذى قلناه وليعلم ~~أن السؤال الصحيح على العلة المؤثرة الممانعة المعارضة ويورد النقض وفساد ~~الوضع على بيان أن الوصف غير مؤثر ويظهر الوجه الذى قلنا عدم تأثيره بتوجه ~~هذين السؤالين والله ولى المعونة فى التمييز بين الحق والباطل منه وقد ذكر ~~الأصحاب فيما يتصل بالفرق كلاما طويلا كثيرا ونحن إذا لم نره صحيحا إلا فى ~~المعارضة بجانب الفرع لم نر لذكر ذلك فائدة فاعترضنا عن جميعه وذكروا أيضا ~~كلاما كثيرا وأمثلة فى وجوه الاعتراضات الفاسدة وفيما ذكرناه كفاية فلا ~~معنى لتسويد البياض وإملال الناظر فيما لا يعود بفائدة والله العاصم بمنه ~~PageV02P234 # | فصل # ولما ذكرنا توجه سؤال المعارضة فلابد أن نذكر الكلام فى الترجيحات ونبين ~~وجوه ذلك فنقول أولا إن # تعارض العلتين على ضربين # أحدهما أن تتعارضا فى حق المجتهدين فلا يوجب التعارض فسادهما لأن كل واحد ~~منهما مكلف باطل ما أداه إليه اجتهاد # والضرب الثانى إن تعارضا فى حق مجتهد واحد فيوجب التعارض فسادهما إلا أن ~~يوجد ترجيح لإحدى العلتين على الأخرى # ثم اعلم أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم لأن العلم لا ms690 يتزايد ~~وإن كان يجوز أن يكون بعضه أقوى من بعض وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب ~~للعلم وبين دليل موجب للظن لأن المفضي إلى الظن لا يبلغ رتبة الموجب للظن ~~ولو رجح الدليل المفى إلى الظن بكل ترجيح لكان الدليل الموجب للعلم مقدما ~~عليه ثم متى تعارضت العلتان المقربتان للظن فلا شك أن العلة القياسية لا ~~تفيد الظن فإذا لم يكن بد من ترجيح إحديهما على الأخرى فنقول # الترجيح يكون من وجوه # أحدها أن تكون إحديهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى منتزعة من أصل غير ~~مقطوع به فالمنتزعة من المقطوع به أقوى وأولى لأن مثلها أولى فتكون أقوى # والثانى أن تكون إحديهما عرفت بنطق والأخرى عرفت بمفهوم واستنباط فما ~~عرفت بالنطق أقوى فيكون المنتزع منه أقوى # والثالث أن تكون إحديهما عموما لم يخص وأصل الأخرى يكون عموما قد دخله ~~التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف فإن ~~من الناس من قال قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه PageV02P235 # والرابع أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص ~~بالقياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه يكون أولى # والخامس أن يكون أصل إحديهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى من القياس ~~على ما ليس من جنسه # والسادس أن تكون إحديهما مردودة إلى أصل واحد والأخرى مردودة إلى أصول ~~فتكون المردودة إلى أصول أولى # ومن أصحابنا من قال هما سواء والأول أصح لأن ما كثرت أصوله يكون أقوى # والسابع أن تكون إحديهما صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية فالحكمية تكون أولى ~~ومن أصحابنا من قال الذاتية أولى لأنها ألزم والأول أصح لأن الحكم بالحكم ~~أشبه فيكون الدليل عليه أولى # والثامن أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة ~~المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط # والتاسع أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفى لا ~~يكون علة على الأصح # والعاشر أن تكون إحداهما اسما والأخرى صفه فتكون الصفة ms691 أولى من الاسم لأن ~~الأصح أن الاسم لا يمكن أن يكون علة # الحادى عشر أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا ومن أصحابنا ~~من قال القليلة الأوصاف أولى لأنها أسلم ومنهم من قال التى كثرت أوصافها ~~أولى لأنها أكثر شبها بالأصل PageV02P236 # والثانى عشر أن تكون إحداهما أكثر فرعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال ما ~~كثرت قفروعها أولة لأنها أكثر فائدة ومنها من قال هما سواء # الثالث عشر أن تكو إحداهما متععدية والأخرى واقفة بالمتعدية أولى لأنها ~~مجمع على صحتها والواقفة مختلفف فى صحتها # الرابع عشر أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتى ~~تطرد وتنعكس أولى لأن التى تطرد وتنعكس تكون أقوى فى الظن ولأن الاطراد ليس ~~بدليل لصحة العلة وأما الاطراد والانعكاس فدليل على ما سبق # الخامس عشر أن تكون إحداهما تقتضى احتياطا فى الغرض والأخرى لا تقضى ~~احتياطا فالتى تقتضى الاحتياط أولى لأم القلب يكون عليه أسكن # السادس عشر أن تكون إحداهما تقتضى الحظر والأخرى تقتضى الإباحى فمن ~~أصحابنا من قال هما سواء والأصح التى تقتضى الحظر أوللى لأنها أحوط # السابع عشر أن تكون إحداهما تقتضى النقل من الأصل إلى الفرع الشرعى ~~والأخرى تقتضى التبقية على الأصل فالناقلة أولى ومن اصحابنا من قال ~~المتبقية أوى والأول أصح لآنها تفيد حكما رشعيا لا تفيده هذه # الثامن عشر أن تكون إحداهما توجب حدا والخرى تسقطه أو إحديهما توجب العتق ~~والأخرى تسقطه فمن أحابنا نت قال التى توجب العتق تسقط الحد أولى لأن العتق ~~مبنى على الإيقاع والتكميل والحد من على الاستنباط والدرأ ومن اصحابنا من ~~قال لا يترجح بما بينا لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق فى الحكم الشرع ~~على السواء # التاسع عشر أن تكون إحديهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها عموم فما ~~يوافقها العموم أولى ومن أصحابنا من قال لا يكون أولى والأول أصح لأن ~~العموم دليل بنفسه فإذا انضم إلى القياس يقويه # العشرون أن بكون مع إحديهما قول صحابى ولا يكون مع الأخرى فالتى ms692 معها قول ~~الصحابى أولى لأن قول الصحابى حجة فى قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس ~~قواه ففالأقوى أولى # الحادى والعشرين أن تكون إحديهما تعم حكم أهلها والأخرى تخص حكم أصلها ~~كتعليل البر بالطعم يعم ثبوت الربا فى جميع البر قليله وكثيرة وتعليله ~~بالكيل ينفى ثبوت الربا فيما رر يكال من ابر ومن التعليل منه فرجح التعليل ~~بالطعم لأنه عم حكم أصله على التعليل بالكيل لأنه خص حكم أصله # الثانى والعشرين أن تكون إحديهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى ~~مأخوذ من أصل مختلف فى تعليله فتكون المأخوذة من أصل متفق على تعليله أولى # الثالث والعشرون أن تكون إحديهما تدخل فروعها فى فروع الأخرى فيكون الأعم ~~أولى وهذا مثل تعليل الربا بالطعم يكون أولى من التعليل بالقوت لأن القوت ~~يدخل فى الطعم والطعم لا يدخل فى القوت # الرابع والعشرين أن تكون إحديهما تفيد حكما هو أزيد من الآخر كالندب ~~والإباحة فرجح الندب على الإباحة وكذلك الوجوب والندب # الخامس والعشرون أن تكون إحديهما موافقة للأصول والأخرى مخالفة لها # فهذا جملة ما ذكره العراقيون من أصحابنا فى الترجيح ذكرها القاضى أبو ~~الطيب والقاضى أبو الحسن الماورددى والشيخ أبو إسحاق الاشيرازى # واعلم بعد هذا أت الترجيح فى اللغة عبارة عن إثبات الرجحان وهو الزيادة ~~لأحد المثلين على الآخر صفة # فقال هذه الدراهم راجحة إذا مالت كفة الدراهم على كفة السنجاات صفة وهى ~~صفة الثقل فرجحان أحد العلتين ععلى الأخرى زيادة قوة إحدى العلتين وتلك ~~القوة رجحان # قال أبو زيد ولنا انضمام علة إلى علة أخرى لا توجب رجحان تلك العلة وقد ~~قال بعض أصحابنا يترجح بذلك إلا أن الأول أصح لأن الشئ لا يتقوى إلا بصفة ~~توجد فى ذاته وإنما يغير انضمام غيره إليه لا يقوى الدليل عليه المحسوسات ~~فكذلك PageV02P237 # العشرون أن يكون مع إحديهما قول صحابى ولا يكون مع الأخرى فالتى معها قول ~~صحابى أولى لأن قول الصحابى حجة فى قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس ~~قواه فالأقوى يكون أولى ms693 # الحادى والعشرون أن تكون إحديهما تعم حكم أهلها والأخرى تخص حكم أصلها ~~كتعليل البر بالطعم يعم ثبوت الربا فى جميع البر قليله وكثيرة وتعليله ~~بالكيل ينفى ثبوت الربا فيما لا يكال من البر وهو التعليل منه فرجح التعليل ~~بالطعم لأنه عم حكم أصله على التعليل بالكيل لأنه خص حكم أصله # الثانى والعشرين أن تكون إحديهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى ~~مأخوذ من أصل مختلف فى تعليله فتكون المأخوذة من أصل متفق على تعليله أولى # الثالث والعشرون أن تكون إحديهما تدخل فروعها فى فروع الأخرى فيكون الأعم ~~أولى وهذا مثل تعليل الربا بالطعم يكون أولى من التعليل بالقوت لأن القوت ~~يدخل فى الطعم والطعم لا يدخل فى القوت # الرابع والعشرين أن تكون إحديهما تفيد حكما هو أزيد من الآخر كالندب ~~والإباحة فرجح الندب على الإباحة وكذلك الوجوب والندب # الخامس والعشرون أن تكون إحديهما موافقة للأصول والأخرى مخالفة لها # فهذا جملة ما ذكره العراقيون من أصحابنا فى الترجيح ذكرها القاضى أبو ~~الطيب والقاضى أبو الحسن الماوردي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي # واعلم بعد هذا أن الترجيح فى اللغة عبارة عن إثبات الرجحان وهو الزيادة ~~لأحد المثلين على الآخر صفة فقال هذه الدراهم راجحة إذا مالت كفة الدراهم ~~على كفة السنجات صفة وهى صفة الثقل فرجحان أحد العلتين على الأخرى زيادة ~~قوة إحدى العلتين وتلك القوة رجحان # قال أبو زيد ولنا انضمام علة إلى علة أخرى لا توجب رجحان تلك العلة وقد ~~قال بعض أصحابنا يترجح بذلك إلا أن الأول أصح لأن الشئ لا يتقوى إلا بصفة ~~توجد فى ذاته وإنما يغير انضمام غيره إليه لا يقوى الدليل عليه المحسوسات ~~فكذلك PageV02P238 العلة لا يتصور تقويها بانضمام علة أخرى إليها وإنما ~~تتقوى بوجود صفة فيها ولهذا قلنا إن الشهادة لا ترجح بكثرة العدد حتى أن ~~شهادة الأربع تساوى شهادة الاثنين هذا قد منعه بعض أصحابنا ولهذا الأصل ~~قلنا إن صاحب النصيب القليل وصاحب النصيب الكثير فى الشفعة على السواء لأن ~~كل جزء من ms694 العرصة والشقص علة تامة فى الاستحقاق بالشفعة فلا يترجح أحدهما ~~بزيادة نصيبه لأنه انضمام علة إلى علة أخرى قالوا ولهذا لا يصير صاحب ~~الكثير أولى بالاستحقاق من صاحب القليل ولكن ثبت استحقاقه بقدر النصيب ولا ~~يقال إن لصاحب الكثير طرفا فى الاستحقاق ولصاحب القليل طريقا واحدا فيوجب ~~أن يقدم صاحب الكثير الذى له طرق كثيرة فى الاستحقاق فدلت هذه المسألة أن ~~نضمام علة إلى علة لا يوجب رجحان العلة قالوا ولهذا نقول إذا ماتت المرأة ~~وتركت ابنى عم أحدهما زوج لها وأحدهما أخ لأم فإن صاحب القرابتين لا يترجح ~~في الاستحقاق على الآخر بل يكون لابن العم الذى هو زوج نصف المال بالزوجية ~~والباقى بينه وبين ابن العم الآخر نصفان وكذلك فى المسألة الثانية يكون ~~لابن العم الذى هو أخ لأم سدس المال والباقى بينهما نصفان بالعصوبة لأن ~~الأخوة والزوجية علة على وحدة فانضمامها إلى العصوبة لا يوجب رجحان العصوبة ~~والأصل ما بينا أن انضمام علة لا يوجب زيادة قوة فى العلة قالوا وإنما ~~تترجح العلة بزيادة التأثير والعلة تصير علة بالتأثير فما كان أكثر تأثيرا ~~يكون أولى بالعمل وضرب لهذا مثلا فى طول الحرة وذكر ما بينا لهم فى تلك ~~المسألة وزعم أن الذى قالوا أكثر تأثيرا وذكر أيضا مسألة غصب المنافع وحكى ~~عن أصحاب الشافعى أنهم قالوا لم يجب ضمان المنافع إذ أتلفت لم يجبر لأن ~~التضمين يضمن إيجاب زيادة على المتلف فى الضمان وفيه إلحاق الضرر ولكن مع ~~هذا الإيجاب أولى لأن فلى الإيجاب إبطال من بعض حق المتلف وفى الامتناع من ~~الإيجاب إلحاق الضرر بالمظلوم وإلحاق الضرر بالظالم أولى فكان الإيجاب أولى ~~من الامتناع منه قال إلا أنا نقول إن الامتناع عن إيجاب الضمان مع كون ~~المتلف متقوما مشروع بدليل إتلاف الحربى والباغى وأما القضاء بزيادة فى ~~الضمان غير مشروع فكان الامتناع من إيجاب الضمان أولى ولأن فى الامتناع عن ~~القضاء بإيجاب الضمان تأخير PageV02P239 إلى الآخرة وفى القضاء بزيادة ~~الضمان إبطال الحق أصلا ورأسا فالتأخير أهون ms695 من الإبطال فكان التأثير فيما ~~قلناه أكثر فيكون أولى ونحن نقول إن انضمام العلة إلى العلة يجوز أن يقال ~~ترجح العلة لأنها تزيد قوة الظن والحكم فى المجتهدات بقوة الظن فإذا زادت ~~قوة الظن ظهر الترجيح # ببينه أن الفائدة بالترجيح ليست ألا وجود قوة الظن بإحديهما دون الأخرى ~~وحد الترجيح يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما # ببينة أن العلة المنتزعة من أصول تكون أقوى من العلة المنتزعة من أصل ~~واحد وكذلك العلل المنتزعة من أصول وكلها يدل على حكم واحد تكون أقوى من ~~العلة الواحدة المنتزعة من أصل واحد يدل عليه أن العلة المنتزعة من الأصول ~~دون العلل المنتزعة من أصول وكلها دالة على حكم واحد فإذا ترجح الأول ~~فالثانى أولى وهذا لأن فى الفصل الأول ثبوت العلة بكثرة أصولها وفى الفصل ~~الثانى بكثرتها فى نفسها وكثرة أصولها فيكون أحكم وأقوى ويصير كأن العلل ~~شهد بعضها لبعض فى القوة فيكون ذلك أولى من العلة المتجردة عن شهادة شئ لها ~~أصلا # وأما مسألة الشفعة ومسألة طول الحرة ومسألة إتلاف المنافع فقد ذكرنا فى ~~الخلافيات لهذه المسائل طرقا لا يأتى عليها شئ فيما ذكروه فاستغنينا عن ~~إعادة شئ من ذلك لأن من نظر فى هذه الأصول وأحكمها لابد أن ينظر فى تلك ~~الفروع ومن نظر فى تلك الفروع لابد أن ينظر فى هذه الأصول فإن الكلام فى ~~الفروع والأصول أخذ بعضها برقاب بعض وهى كأنها مشتبكة وصحة البعض فيها ~~منوطة بصحة البعض # | فصل # وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا عند ذكر الكلام فى ترجيحات الأقيسة بعضها على ~~بعض مقدمة تشتمل على ذكر مراتب الأقيسة وسمى البعض قياس المعنى وسمى البعض ~~قياس الشبه وسمى البعض قياس الأدلة ونحن رأينا أن نذكر طرفا من ذلك ونتكلم ~~على بعض ما يكون موضع الكلام عليه قال ونحن نرسم مراسم فى الاختلاف وننزل ~~كل مرتبة منزلتها ونرى أن مداركها على حقائقها مشرقة على طرق المعانى وإذا ~~عسر الوفاء باستيعاب الأقيسة المعنوية فى هذا المجموع فالوجه أن ms696 نتخير اصلا ~~من أصول الشرع يشتمل على مجامع القول فى وجوه الإخالة ونبين وجوه الترتيب ~~فيها PageV02P240 وما يقع فى الرتبة العليا والرتبة التى تليها إلى استيعاب ~~مدارك القول ومعانيها ثم نقيس النظر على ما نرسمه منها ما يدانيها فليقع ~~الكلام فى القصاص وما يقتضى إيجابه ويجب اندفاعه قال أوجب الله تعالى ~~القصاص فى كتابه زجرا للجناة وكفا لهم فأشعر بذلك نفى قوله تعالى @QB@ ولكم ~~في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون @QE@ واتفق المسلمون على هذه ~~القاعدة ولم ينكرها من طبقاتهم منكر ثم قال أئمة الشريعة كل مسلك يطرق إلى ~~الدماء السفك ويخرم قاعدة الزجر فهو مردود فإن المقصود المتفق عليه من ~~القصاص صيانة الدماء وحفظ المهج مما يخالف هذا ولو قدر ثبوته كان مناقضا ~~لهذا الأصل فلا سبيل إلى قبوله وإثباته وإذا تمهد هذا فكل معنى يستند إلى ~~هذه القاعدة ويوافقها من غير اختلاف فى مجراه فهو على المرتبة العليا من ~~أقيسة المعانى وهذا مثل فى القول فى القتل بالمثقل فلا شك أن من نفى القصاص ~~فى القتل بالمثقل مناقض للقاعدة من جهة أن القصد بهذه الالات التى اختلف ~~فيها ثابت وهو ممكن لا عسر فى إيقاعه ثم ليس القتل بها مما يندر فإذا لم ~~يتعسر ولم يندر كن نفى القصاص عن القتل بها مضادا لحكم الشريعة فى القصاص ~~وإذا ناكر الخصم العمدية فى القتل سفه ولم يستفد منه إيضاح عسر القتل ولئن ~~تشبث بتعبد فى آلة القصاص كان ذلك فى حكم العبث فإن تقدير التعبد مع ما ~~تمهد من الحكمة يناقض الحكمة المرعية فى العصمة فليفهم الفاهم مواقع التعبد ~~وإن تمسك بصورة من العكس وقال الجرح الذى لا يغلب إفضاءه إلى الهلاك إذا ~~هلك أوجب القصاص كان هذا غاية فى خلاف الحق فإن الحرج لاختصاصه بمزيد الغور ~~وإمكان السريان إذا اقتضى القصاص حسما لمادة الجناية وردعا للمعتدين فكيف ~~يستجير لما رد عليه إسقاط القصاص بالقتل الذى يقع بالأسباب التى تقتل لا ~~محالة فهذا على قياس المعنى لا حاجة ms697 فى ربطه بالقاعدة التى تكلف نظر أو ~~تحرير أو تقريب وتقرير ويخالف ما وقع فى هذه الرتبة مائل عن الحق على قطع ~~وليس القول فى ذلك دائرا فى فنون الظن وما يكون بهذه PageV02P241 الصفة لا ~~يتصور أن يعارضه معارض هذا كلامه فى هذا الفصل # وعندى أن هذا الكلام بهذا التقرير حائد عن نكثه الخلاف فى مسألة القتل ~~بالمثقل لأن الخلاف بيننا وبين الخصم أن سبب القود هل وجد فى مسألة المثقل ~~أم لا فالخصم يقول لم يوجد لأنه يدعى شبهه فى السبب ونحن ندعى أن السبب قد ~~وجد وأنه لا شبهة وإذا كان موضع الخلاف هذا ومنه نشأ ما نشأ فتقرر وجه ~~الحكمة فى إيجاب القود وبيان وجودها فى هذا المحل لا ينفع وإنما ينبغى أن ~~يكون الكلام فى بيان السبب ونفى ما يدعونه من الشبهة ثم إذا ثبت ذلك وعرف ~~استمر وجوب القصاص بالسبب المعهود فى الشرع للفائدة التى ذكرناها وأما ~~التعبد فى آلة القصاص فلست أعرف أن أحدا من المخالفين ذكر هذا اللفظ فى آلة ~~القصاص وإنما ادعوا الشبهة عند وجود القتل بالمثقل فى استيفاء القصاص قالوا ~~إنه آلة القتل حسا وشرعا بدليل المرتد ومن حيث المعنى ادعوا أن القتل به ~~أيسر وأسهل فكان أولى وليس المذكور للذب عن المخالفين ولكن يبين وجه كلامهم ~~فى المسألتين حتى يكون كلامنا على هذا ونحن قد ذكرنا في خلافيات الفروع ~~فساد دعواهم الشبهة فى القتل وقلنا إن اعتبار المماثلة فى الاستيفاء من كل ~~وجه ممكن مشروع وقد ذكرنا ودللنا على ذلك بدلائل تزيل الإشكال وتنفى الشبهة ~~فليكن الاعتماد على ذلك وقد ذكرنا أن الفعل يصير قتلا بتفويت الحياة وتفويت ~~الحياة بالمحدد والمثقل واحد والخصم يدعى شبهة عدم القتل إما بعدم الحرج أو ~~بعدم آلة القتل ومتى عرف حد القتل سقط دعوى شبهة عدمه وسقط أيضا قولهم إن ~~آلة القتل لم توجد لأن آلة الشئ ما يوجد به الشئ فلا يتصور بغير آلة القتل ~~وأيضا فإن القتل فعل محسوس والفعل المحسوس متى ms698 وجد لا يتصور أن لا يوجد من ~~وجه بل إذا وجد من وجه ما يصير موجودا من كل الوجوه والمسألة فى نهاية ~~الظهور على المخالفين لكن من هذا الوجه لا من طريق بيان فائدة القصاص وقد ~~بينا أنه إنما ينطر في وجوب القصاص إلى سبب القصاص لا إلى حكمة القصاص # ثم ذكر المرتبة الثانية وقال هى مشتملة على قياس معتضد بالأصل لكن الجامع ~~لابد له من مزيد تقرير وتقريب وقد يعن للخصم تخيل فرق وإن كان إفساده هينا ~~مثال ذلك أنه قد ثبت وجوب القصاص على المشتركين فى القتل وهذا مستند إلى ~~قاعدة الشرع فى تحقيق العصمة وزجر الجناة فإن الاستعانة فى أمثال هذا ليس ~~بالعسير والقتل على الاشتراك غالب الوقوع فاقتضى معنى القصاص فى الأصل ~~إيجاب القصاص على PageV02P242 الشركاء وهذا يتطرق إليه الكلام قليلا من جهة ~~أن كل واحد منهم بالانفراد ليس بقاتل وقتل غير القاتل مخالفة لموضوع الشرع ~~فى تخصيص القتل بالقاتل وفيه وجه آخر وهو أن إمكان القتل بالاستعانة دون ~~إمكان القتل بالمثقل وعن هذا تردد بعض العلماء فى إيجاب القصاص على ~~المشتركين فى القتل وقال بعض أصحابنا إن قتل الشركاء فى القتل الواحد خارج ~~عن القياس وإنما هو ثابت بقول عمر رضى الله عنه لو تمالأ عليه أهل صنعاء ~~لقتلتهم به قال والمسلك الحق عندى أن المشتركين يقتلون بحكم قاعدة القصاص ~~ولا نظر إلى خروج آحادهم عن الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص ~~عنهم هرج ظاهر ومفسدة عظيمة ولا نظر مع هذا إلى انحطاط مكان الاشتراك قليلا ~~عن الانفراد بالقتل فإنه يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين ~~فيعتدل المسلكان وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول فى الطرف إلحاقا له بالنفس ~~أنه صين بالقصاص على المنفرد فليصن بالقصاص على المشتركين كالنفس وذكر بعد ~~هذا كلاما طويلا ومد النفس مدا عظيما وصار فى آخر الكلام إلى الفرق بين ~~المشتركين فى السرقة والمشتركين فى اليد بما ذكره المشايخ فى الفرق وكل ذلك ~~موجود فى مسائل الفروع ms699 ولم أر لذكر ذلك وجها هاهنا فتركته واعتماده على ما ~~اعتمد عليه من قتل الجماعة بالواحد من جنس ما اعتمد عليه فى القتل بالمثقل ~~والكلام عليه بمثل ما تكلمنا به فى تلك المسألة وهو أن الأحكام إنما تناط ~~بالأسباب لا بالحكم وكل ما أشير إليه حكمه وجوب القود بالحكمة فى الواجب لا ~~يجب الواجب إنما يجب بالسبب الواجب ونحن بينا طريقين أحدهما أن كل واحد ~~منهما قاتل بمعونة غيره ببينة أنه لا جزء من النفس إلا ولكل واحد من ~~المشتركين فيه عمل في تفويته إلا أنه وجد معونة غيره ومن استعان بغيره فى ~~شئ فقد تمهد فى الشرع أنه يجعل فعل المعين فعل المستعين PageV02P243 فيجعل ~~كل واحد كأنه قاتل من هذا الوجه ويمكن أن يقال إنهم إذا اشتركوا جعلوا ~~بمنزلة الشخص الواحد حكما والسبب أنا إذا لم نجعل كذلك أدى إلى ما قال من ~~الهرج وسفك الدماء وإذا جعلوا كالشخص الواحد حكما وقد تحقق السبب منه ~~فيقابل بالقصاص وعلى كلا المعنيين وجب القود فى الطرف على الجماعة أيضا إذا ~~قطعوا طرفا واحدا # وإما فصل السرقة فإنما لم يجعل كل واحد كأنه تفرد بسرقة النصاب لأن ~~المقصود من السرقة تحصيل المال فإذا سرق نصابا واحدا فالنصاب يقصد لتحصيله ~~ولم يحصل مقصود كل واحد وهو تحصيل نصاب كامل حتى يجعل صاحبه معينا له فى ~~تحصيل مقصوده ويجعل فعله كفعله وأما هاهنا فإن المقصود لكل واحد من ~~المشتركين فى القتل والقطع هو إهلاك هذا الإنسان فى القتل وإهلاك اليد فى ~~القطع وقد حصل مقصود كل واحد منهما وقد أعانه صاحبه فى تحصيل مقصوده وفعل ~~المعين فعل المستعين فيصير كل واحد منهما كالمنفرد بالقتل والقطع ويجعل كل ~~واحد منهما قاطعا قاتلا ولأن الاشتراك فى سرقة نصاب واحد يندر فإسقاط القطع ~~عنهما لا يؤدى إلى المفسدة العظيمة فلم يجعلوا كلهم كالشخص الواحد وأما ~~هاهنا فإن اجتماع القوم على قتل واحد يوجد غالبا بل الأصل أن الواحد يقاوم ~~الواحد وإنما يعجز فى رده إذا اسعان بغيره ms700 فلو أسقطنا القود يؤدى إلى ~~المفسدة العظيمة فطلبنا سببا لإيجاب القود عليهم فكان ذلك بأن نجعل الجماعة ~~بمنزلة الشخص الواحد حكما وهذا فرق بين وخرج على ما ذكرناه إذا قطعا وتميز ~~فعلاهما الذى عده مشكلا لأنا إنما ادعيناه فى الموضع الذى وجد لفعل كل واحد ~~منهما عمل فى جميع اليد وفى هذه الصورة لم يوجد فلم يمكن أن يجعل كل واحد ~~قاطعا بجميع اليد وهذا بخلاف النفس فى هذه الصورة لأن التميز لا يتصور فى ~~النفس لأن الإهلاك بتفويت الحياة ولا يتصور تميز فعل كل واحد فعل صاحبه فى ~~تفويت الحياة فصار فعل كل واحد منهما عاملا فى جميع ما تفوت به الحياة مثل ~~ما إذا لم يتميز فعلاهما وأما فى اليد فيتصور تميز فعل كل واحد منهما عن ~~صاحبه فى قطع اليد وحين يتميز فى صورة ولا يتميز فى صورة يقع الفرق المعنوى ~~على الوجه الذى قدمناه وقد يلزم عليه تعدد الكفارة إلا أنا ندعي هذا فى ~~القصاص ولأن القصاص إذا وجب على كل واحد تبعته الكفارة فهذا ينبغى أن يكون ~~PageV02P244 وجه الكلام فى المسألة لا الذى قاله والله أعلم # قال والمرتبة الثالثة فمثلها بالقول فى المكره على القتل وفيه ثلاثة ~~مذاهب # أحدها أن القصاص على المكروه دون المكره # والثاني وهو قياس بين أن القصاص على المكرة دون المكره وهو مذهب زفر # والثالث أن القصاص عليهما وهو مذهب الشافعى # وأبعد المذاهب عن الصواب هو إيجاب القصاص على المكره دون المكره فإنه زعم ~~أن فعل المكره منقول إلى المكره وكأنه آلة له وهذا ساقط له مع المصير إلى ~~أن النهى عن القتل يستمر على المكره القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف ~~الشرع إياه ومن ضرورة كونه آلة انقطاع التكليف عه فتخصيص المكره بالتزام ~~القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له ووجه مذهب زفر فى القياس لائح وهو إذا رأى ~~المحمول ممنوعا ولم ير الإكراه أثرا فى سلب المنع والنهى والمباشرة تغلب ~~على السبب إذا استقلت وارتبط بها التكليف والتصريف ms701 من الشارع والذى يختاره ~~اصحاب الشافعى يبتنى على ما ذكرناه لزفر من استقلال المباشرة وهذايقتضى ~~إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء إحباط الإكراه وإسقاط ~~أثره بالكلية فإنه يوقع القتل غالبا والإكراه من أسباب الضمان فبعد تعطيله ~~وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة فالوجه تنزيلهما منزلة الشريكين ولا ~~شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل صاحبه من جهة أنه يخرج عن كونه ~~قتلا ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما فإذا لم يسقط القصاص عن الحامل ~~والمحمول لضعف ما صدر عنها أما ضعف المباشرة فمن جهة كون المباشر محمولا ~~وأما ضعف الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف عليه ~~يوهن أثر الإكراه وليس أحدهما أولى بالضعف من الثانى فلا سبيل إلى تخصيص ~~القصاص بأحدهما فنزلناهما منزلة الشريكين ولكن القول فى هذا ينحط عن القول ~~فى الشريكين من جهة اختلاف السبب والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس ~~بابه ثم إنه يتعارض مذهب أبى حنيفة وزفر والترجيح لزفر ومذهب إيجاب القصاص ~~عليهما PageV02P245 منسوب إلى جميع نكتتى المذهبين مع امتناع إسقاط القصاص ~~عنهما جميعا قال وإيجاب القصاص على شهود الزنا إذا رجعوا بعيد فإن فرض رجوع ~~المدعى واعترافه فلا وجه لوجوب القصاص على الشهود والطريق القطع بتغليب ~~المباشرة وإن فرض الكلام فى استمراره على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط فى ~~مرتبة الاجتهاد عن شهود الزنا فإن المدعي على خيرته قال ولو ذهبنا نستقصي ~~هذه المسائل لطال الكلام وإنما غرضنا التنبيه ولم يوجب الشافعى عقوبة في ~~هذا المساق أبعد من إيجابه حد الزنا على المرأة إذا نكلت عن اللعان بعد ~~لعان الرجل فإن هذا سفك دم بقول المدعى وهو فى مسلك القياس يدانى إيجاب ~~القصاص بقول المدعي في لوث القسامة ولولا الخبر لما اقتضى قياس ذلك قال ~~واللعان أبعد من القسامة من جهة أن الشرط فى القسامة ظهور اللوث عند الحاكم ~~وهذ غير مشروط فى اللعان غير أن المعتمد فى القسامة الخبر الصحيح والمعتمد ~~فى اللعان نسبته إلى شيئين ms702 أحدهما أنه لا يجد بد من الخروج عن قانون الحجج ~~فالإستمساك بظاهر القرآن اقترب وهو قوله تعالى @QB@ ويدرأ عنها العذاب @QE@ ~~وحمل العذاب على الجنس بعيد وبالجملة نفى إيجاب الحد وتغليب حقوقها اقترب ~~إلى مأخذ الشريعة عندى قال ومن عجيب الأمر أن قول الشافعى اختلف فى أن ~~القصاص هل يجب بأيمان القسامة ولم يختلف قوله فى وجوب الحد على المرأة مع ~~تعرض الحد الواجب لله للسقوط بما لا يسقط به القصاص وسبب هذا أن خبر ~~القسامة ورد فى الغرم وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهو الحد فهذا ~~عبرة فى أمثال ما ذكرنا من قواعد الشرع ونحن نختم بأمر بدع يقضى الفطن ~~العجب منه فالمرتبة الأولى تكاد تقضى بالقطع والمرتبة الثانية أعنى اللعان ~~والقسامة لا يستقل المعنى فيها ولم نر شبهها مرتبة فى القياس من حيث لم ~~نرها مستقلة فهذه جملة كافية فى التنبيه على المراتب وضابطها القرب من ~~القاعدة والبعد منها هذا سرد كلامه فى هذا الفصل ونحن قد تكلمنا على ما ~~جعله فى المرتبة الأولى والثانية # وأما هذه التى سماها المرتبة الثالثة فاعلم أن ما صار إليه فى مسألة ~~المركه على القتل من الكره والمكره بمنزلة الشريكين فى القتل فليس بشئ لأن ~~مباشرة جملة الفعل محسوسا وجد من المكره فإذا جعلنا المكره شريكا له فى ~~المباشرة فأما أن نجعل ذلك لأنا نجعل المكره آلة له أو لأنه سبب سببا يفضى ~~إلى القتل غالبا فإن جعلنا شريكا له فإذا PageV02P246 صار المكره آلة ~~للمكره فى بعض القتل وجب جعله آلة له فى جميعه لأن الذى يجعله آلة له فى ~~بعض القتل موجود فى كله وإن جعلنا شريكا بالتسبب فباطل أيضا لأن التسبب ~~للقتل ومباشرة الفعل فعلان مختلفان وينفصل أحدهما عن الآخر وكل واحد من ~~المكره والمكره يستقل بما فعله فكيف نجعلهما شريكين فى القتل وإذا لم يكن ~~التسبب إلى القتل قتلا عند هذا القائل فمتى يتصور أن يجعله شريكا للمكره فى ~~القتل فالقضاء بأنهما شريكان فى القتل كلام قاله بعض المشايخ ms703 من غير تأمل ~~فى عائلته والذى قال إن الخصم يحكم بنقل الفعل فهم لا يرتضون هذه اللفظة ~~وإنما يقولون إن المكره آلة للمكره وليس للمكره فعل أصلا فيما يعود إلى ~~النيابة على محل الفعل لأنه فى ذلك يصلح أن يكون أله المكره ووجه كونه آلة ~~وهو استعماله فى فعله على اختيار نفسه يحمله عليه مثلما يستعمل السيف فى ~~قطعه على اختيار نفسه بتحامله عليه ويقولون هذا فى الإثم لا يتصور لأن ~~الإثم بجنايته على دينه وهو بجنايته على دينه لا يصلح أن يكون آلة للمكره ~~وإنما فى جنايته على محل الفعل صورة يصلح أن يكون آلة له وأما نحن نقول إن ~~الحكم بكونه آلة للمكره مع بقاء اختياره وإمكانه الصبر والكف إلى أن يقبل ~~ورود الشرع بذلك باطل وجعل المكره والمكره شريكين فى القتل باطل لكنه يجب ~~القود على المكره بمباشرة القتل وعلى المكره بالتسبب للقتل ويقول كل واحد ~~منفرد بفعله من القتل والتسبب من غير مشارك والقود واجب على المكره ~~بالمباشرة وعلى المكره بالتسبب لأن التسبب أخذ شبها من القتل والقتل أخذ ~~شبها من التسبب أما الأول فلأنه يفضى إلى إزهاق الروح غالبا وأما الثاني ~~فلأن القتل بإزهاق الروح غالبا وأما الثاني فلأن القتل بإزهاق الروح وأزهاق ~~الروح لا يدخل تحت قدرة العباد فلا يكون منه إلا التسبب فلما أخذ كل واحد ~~منهما شبها من صاحبه جعلناهما علتين صحيحتين فى إيجاب القتل غير أنا نعتبر ~~فى التسبب أن يكون مفضيا إلى القتل غالبا حتى يأخذ شبها من القتل ويخرج على ~~هذا حفر البئر فى بئر المسلمين ويعتبر أيضا أن يكون معتبرا فى أحكام الشرع ~~حتى يخرج عليه الإمساك ويظهر الاعتبار فى المال وإذا عرف هذا بطل قول زفر ~~وسقط ما حمده هذا القائل وعلى هذا الأصل الذى مهدناه ينبنى وجوب القود على ~~شهود القصاص وشهود الرجم إذارجعوا وسواء فى وجوب القصاص رجع المدعي أم لم ~~يرجع بعد أن تم رجوع الشهود وذلك التفريق الذى قال ليس بمذهب ولا هو ms704 صحيح ~~على المعنى بعد أن يكون المشهود على قتله قد قتل فأما إذا أقمنا الدليل على ~~أن السبب موجب للقتل صار مثل القتل PageV02P247 وعلى القطع نعلم وجود السبب ~~القوى من الشهود فيكون علة لوجوب القود عند رجوعهم مثل القتل من الولى يكون ~~علة لوجوب القود عند رجوعه فإذا أوجب القتل على الولى عند رجوعه واعترافه ~~وإن قام الشهود على شهادتهم فيكون التسبب علة لوجوب القود على الشهود إذا ~~رجعوا وإن كان الولى مقيما على زعمه وإن قتل بحق وبأمثال هذا الكلام تعرف ~~مقادير الرجال ويظهر مراتبهم والفقه أعز علم خاض فيه الخائضون ومنه مدارك ~~الأحكام وهو البحر ذو التيار وفيه المغاصات على دور المعانى فلا يقع عليها ~~إلا من أيد بنور من الله تعالى ومنه قيل إن العلم نور يقذفه الله تعالى فى ~~قلوب من يشاء من عباده وقد كنا ذكرنا فى خلافيات الفروع أن شهود القصاص ~~قتله حكما ودللنا عليه وهذا الذى ذكرناه هاهنا أحسن # وأما مسألة إيجاب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان فهو يبتنى على أن ~~اللعان حجة شرعية لتحقيق الزنا على المرأة ولعانها حجة شرعية لدفع الحد ~~عنها وكذلك الأيمان فى القسامة حجة شرعية على تحقيق القتل على المدعى عليه ~~نعم يجوز أن يقال إن هذه الحجة لا تشبه سائر الحجج ونحن لم نعرف الحجج فى ~~جميع المواضع إلا بالشرع البحت والتعبد الخالص من غير خلط وإذا كان اللعان ~~حجة سقط استبعاد إيجاب الحد على المرأة ومن نظر في كلمات اللعان وتأملها ~~عرف أنه ما وضع إلا لتحقيق الزنا على المرأة وما وضع فى الشرع لتحقيق شئ ~~فلابد أن يتحقق وإذا تحقق الزنا عليها سقطت الاستبعادات والإنكارات جملة ~~وأما اختلاف القول فى القسامة واتحاد القول فى مسألة اللعان فيجوز إن يقال ~~إنه لاتحاد الواجب فى الزنا واختلاف الواجب فى القتل ويجوز أن يكون له ما ~~قاله والله اعلم # واعلم أنا ننكر مراتب المعانى وأن يكون بعض المعانى أوضح من البعض لكن لا ~~على هذه الوجوه ms705 التى قالها والإخالة والتأثير قد يترتب فإنا نعلم أن ~~الإخالة فى الطعم لتحريم البيع دون الإخالة فى شدة التحريم المسكر والإخالة ~~فى الثيابة لإيجاب الإذن والإخالة للبكارة فى إفادة الإجبار مثل الإخالة فى ~~الطعم أو دونه بيسير إلا أن كل واحد من المعانى له علقة بالقلب وإشعار ~~بالحكم الذى علق به وقد سبق من هذا ما فيه غنية PageV02P248 # | فصل # قال هذا القائل الذى حكمنا منه ما حكينا فى قياس المعنى ونحن الآن نذكر ~~مراتب قياس الشبه فنقول محال هذا القسم عند انحسام المعنى المخيل الثابت ~~فإذا لم نجد معنى للحكم الثابت أو صادفنا تخيل غير صحيح على الشبه فالوجه ~~رد النظر إلى التشبيه ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام ~~مراتب المعنى فالواقع فى المرتبة العليا هو الذى يسميه الأصوليون فى المعنى ~~الأصل ولا يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع كان فى المرتبة العليا وقد ~~سبق الاختلاف أنه هل يسمى قياسا أو هو متلقى من اللفظ والنفى والوجه عندنا ~~فى ذلك أن يقال إن كان فى اللفظ إشعار من طريق اللسان فلا نسميه قياسا ~~كقوله صلى الله عليه وسلم ( من أعتق شركا له فى عبد قوم عليه ) فهذا وإن ~~كان فى العبد فإنه يستعمل فى الأمة وقد يقال للأمة عبدة # وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا فى وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس ~~معنى وقد يكون مفضيا إلى العلم مثل قياس عرق الكلب بلعابه فى التعبد برعاية ~~العدد والتعفير فأما إذا زال العلم وكان الظن هو المستفاد ولم يفسد عند ~~السبر والعرض على الأصول فإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند ~~المحققين والإشتباه بين طرفى قياس المعنى والطرد فالذى لاح من كلام الشافعى ~~رحمه الله أن أقرب الرتب من المرتبة المعنوية إلحاق الزبيب بالتمر فى الربا ~~وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج من المرتبة إلحاق الأرز بالحنطة والذرة ~~بالشعير ثم يلى هذه المرتبة إلحاق الوضوء بالتيمم فى النية ولهذا قال ~~الشافعي مستبعدا طهارتان فكيف ms706 يفترقان قال ونحن نقول في هذا إن كل شبه كلى ~~يعتضد بمعنى فهو بالغ فى فنه وذلك إذا كان المعنى لا يستقل بنفسه مخيلا ~~مناسبا وبيان ذلك بما وقع المثال به أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا ~~من كلى الشريعة أنها مبتنية على استصلاح العباد فإذا لم يلح صلاح ناجز ظهر ~~من المآخذ الكلية أنها صلاح فى العقبى وهو التعرض للثواب ولا سبيل إليه إلا ~~بقصد التقرب فإذا وجدنا الطهارة كذلك متفقا عليه ثم كان المختلف فيه غير ~~معقول المعنى ظهر وقع الشبه فى الافتقار إلى النية المحصلة لغرض العقبى ~~فليجعل الناظر هذا معتبرا فى المرتبة الأولى من الأشباه المظنونة ~~PageV02P249 ولم يبلغ مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهارتين فى أحكام ~~وشرائط قال وإلحاق المطعومات التى لا تقدر بكيل ولا وزن طريقة الشبه عندنا ~~فإن مسالك الإخالات مفسدة فلا يبقى إلا التشبيه ثم سبيل هذا التشبيه النظر ~~إلى مقصود المنصوص عليه وقد لاح أن المقصود هو الطعم وبطل اعتبار الفوت ~~لمكان الملح وسقط اعتبار القدر لأنه فى الجنسين والجنس الواحد على وتيره ~~واحدة والحكم مختلف فلاح النظر إلى المقصود وأنه العلة وهذا مع الاعتراف ~~أنه غير مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض فى العقبى كما ~~ذكرناه فى القسم الأول ولولا ما ثبت عندنا من الاضطرار إلى تعليل المنصوصات ~~فى الربا لما لاح لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع ~~القائسين وجدنا اتباع المقصود أقرب مسلك وهذا واقع فى المرتبة الثانية # واعلم أن الذى قاله هذا القائل ليس على ما ظنه فى هذه المسائل وليس على ~~ما رتبه أما إلحاق الأمة بالعبد فى مسألة العتق وإلحاق العبد بالأمة فى ~~الحد المنصف عن الحر فقد سبق الكلام فى ذلك فلا معنى للإعادة # وأما مسألة النية فى الوضوء ومسألة الربا فليس الأمر على ما زعمه فى ~~المسألتين أما النية فى الوضوء فليس وجوبها بالجهة التى ظنها من فضل التقرب ~~به إلى الله تعالى لأن تخفيف التقرب ms707 إلى الله تعالى وهو لا يثبت مستقلا ~~بنفسه يبعد جدا وإنما الوضوء محض تعبد وسبيل التعبد أن ينظر فيه إلى الحد ~~الذى ورد الشرع فيه فلا يتجاوز عنه والشرع أمرنا بالوضوء للصلاة لقوله ~~تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ يعنى فاغسلوا للصلاة مثل قول ~~القائل إذا جاء الشتاء فتأهب أى للشتاء وإذا قدم فلان فاستعد إلى قدومه ~~فعندنا يجب الوضوء للصلاة وهذا هو معنى قولنا إن النية واجبة فيها إلا أن ~~الدليل قد قام أن الوضوء لفعل لا يستباح إلا بالوضوء ينزل منزلة الوضوء ~~للصلاة وإذا ثبت ما قلنا عرف محل الخلاف فعندهم التيمم يجب للصلاة والوضوء ~~لا يجب للصلاة وفرقوا بما عرف وهو أن الماء مفيد للطهارة بطبعه لأنه خلق ~~لذلك فإذا استعمل أفادها بذاته ولم يفتقر إلى إرادة الصلاة وأما التيمم فلا ~~يفيد الطهارة بذاته لأنه لم يخلق لذلك وإنما يفيدها بالشرع والشرع جاء ~~بكونه مفيدا للطهارة إذا أراد به الصلاة فهذا فرق القوم وأما عندنا قالوا ~~طهارة شرعية لا حسية # ألا ترى أنها تجب فى موضع ليس فيه تطهير المحل من شئ محسوس وإذا كان ~~طهارة شرعية فيتبع مورد الشرع والشرع يأمر به للصلاة فتكون طهارة شرعية إذا ~~أريد PageV02P250 به الصلاة وإذا لم يرد به الصلاة لا يكون طهارة أصلا بمثل ~~ما سلموا فى التيمم ومن نظر فى هذا عرف أنه المعنى الصحيح والدليل المعتمد ~~وأما ما سواه فليس فيه طائل وأما مسألة علة الربا فليس الأمر على ما زعم ~~أنه ليس فيه معنى مخيل مؤثر يدل على حكم النص والكلام فى مسألة علة الربا ~~لا يمكن إلا بعد معرفة النص فإن التعليل له فعندنا حكم النص تحريم بيع ~~المطعوم بجنسه غير متساويين فى معيار الشرع والتحريم أصل والإباحة تعارض ~~دليلا وهو المماثلة فى معيار الشرع وعلة الطعم مخيلة فى الحكم الثابت بالنص ~~لأنه مشعر بشرف المحل لما تعلق به من القوام وشرف المحل مؤثر فى التحريم ~~لأنه لما تعلق به القوام والبيع ابتذال جعل الأصل فيه ms708 الحظر ليظهر شرف ما ~~تعلق به من القوام وليكون مبقيا مصونا عند مالكه فيستعمله فى قوام حياته فى ~~وقته وهذا كالإيضاح فإن الأصل فيها الحرمة لأن قوام النسل بها فجعل الشرع ~~أصلها على الحرمة وصانها عن الابتذال والامتهان ثم أباحها بعارض دليل وهذا ~~أصل كبير وعليه أسئلة للمخالفين أجبنا عن ذلك فى كتبنا وإنما أشرنا إلى هذا ~~القدر فى هذا الموضع ليعلم بطلان قول من زعم أنه ليس فيه معنى مخيل وأما ~~كون الطعم مقصودا فى المحل فليس يشعر بتحريم العقد # ألا ترى أن من علق الإباحة بهذا الوصف يكون مثل من علق التحريم به فى أن ~~الوصف لا يدل على واحد منهما والشبه يعود مثل هذه المسألة التى أجمع ~~القائسون على الخصوص فيها بالتعليل بترك ذلك خالية على المعنى الذى يدل على ~~الحكم فالمعنى موجود لكن العاثر عليه يعز نعم يجوز أن يجعل كون الطعم ~~مقصودا فى المحل أولى من الكيل لكن ليس الكلام فى الترجيح لأنه لابد أولا ~~من تصحيح العلة ثم إذا عارضها علة يطلب من المعلل تصحيحها فإذا صحت فحينئذ ~~يصار إلى الترجيح فأما أن يبدءوا أولا في كلامه بإظهار الترجيح ويشتغل به ~~فليس هذا من دأب أهل المعانى فى شئ وإن اشتغل بإبطال علة الخصم فلا يصح ~~علته بهذا أيضا وقد سبق بيانه وعلى أن الخصم يقول ليس حكم النص عندى ما ~~قلتم إنما حكم النص وجوب المماثلة وربما يقول حرمة الفضل قدرا وعلى اللفظ ~~الأول معولهم قالوا والمؤثر فى المماثلة بالكيل والجنس ولهم فى هذا كلام ~~طويل عريض والذى قال إن النبى صلى الله عليه وسلم أباح الفضل عند اختلاف ~~الجنس ويوجد الكيل والوزن عند اختلاف الجنس واتفاقه على وتيرة واحدة فهم ~~يزعمون PageV02P251 أن الجنس مؤثر في إثبات المماثلة التى هى حكم النص مثل ~~تأثير الكيل وذلك لا يوجد عند اختلافه وعلى أن هذا الكلام إن صلح إنما يصلح ~~للترجيح وقد بينا أن الكلام فيه باطل إلا بعد أن يقوم المعلل بتصحيح العلة ~~ويعارض ms709 أيضا بعلة صحيحة ثم حينئذ يكون الكلام فى الترجيح فليفهم الفقيه كل ~~ما أشرنا إليه وليكن معوله عليه وتمسكه به وليعض عليه بناجذه فإنه من ~~الأعلاق النفسية وقلما يظفر به بمثله وقد قال الصاحب فى بعض ما نقل عن ~~رسائله وإذا كان الذهب بناقده فما أعزه صير فى الكلام مضى هذا ورجعنا إلى ~~نقل كلام من كافأ نقل كلامه قال ومن أبواب التشبيه ما يتعارض فيه المعنى ~~والشبه على التناقض كالتردد وهو فى أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة أو ~~لا فالذى يقتضيه القياس المعنوى عدم الضرب والذى يقتضيه الشبه الضرب ~~اعتبارا بالحر ومما يلحق بهذا القول فى تقرير أروش أطراف العبيد بالسبب ~~الذى يقدر به أطراف الأحرار فالذى يقتضيه القياس المعنوى نفى التقدير ~~واعتباره ينقص من القيمة نظرا إلى المملوكات وهذا مذهب ابن سريج والرأى ~~الظاهر للشافعى رحمه الله أنها تتقدر معتمدة الشبه وهذا أولى من الأول لأن ~~الشارع أثبت للحر بدلا حتى لا يهدر إذا قتل خطأ ثم قاس أطرافه بجملته ~~بمعاني لا تنتهى أفهام المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن أن لا تقدر ~~أروش أطراف الحر فإنا وجدنا فى جراحات الأحرار حكومات غير مقدرة فلو اقتضى ~~شرف الحر تقدير ديته فهذا لا يطرد فى أطرافه فلما تأصل فى الطرف تقدير وطرف ~~العبد من العبد كطرف الحر من الحر اعتبر به ولم يلتفت إلى خروج قيمة العبد ~~عن التقدير وعلى هذا خرج أطراف البهائم لأنا لم نتحقق فيها أنها تقع من ~~البهائم مواضع أطراف الأحرار من الأحرار فأما فى العبد علمنا قطعا أن أطراف ~~العبيد من العبيد مثل أطراف الأحرار من الأحرار وفقا ومنفعة # قال وأما ضرب القيمة على العاقلة فالأولى فى ذلك سلوك المعنى وأن لا تضرب ~~على العاقلة لبعد تحميل العاقلة عن مدارك العقول فلا جرم أن يكون الضرب على ~~العاقلة فى حق الأحرار خاصة # قال ومما يعده الفطن فزعا من هذا إلحاق القليل من الدية بالكثير فى الضرب ~~على العاقلة ونحن نرى ذلك فى ms710 المسألة الأعلى من جهة الشبه ومن جهة أن أصل ~~الضرب ثابت وهو جرى فى القليل عند كثرة الشركاء جريانه فى الكثير وليس هذا ~~مبتنيا على صرف الإجحاف والإضرار عن المحمول عنه فإن الدية محمولة عن ~~الموسرين مثل حملها PageV02P252 عن الفقراء وكان الضرب ثابتا فى الشرع ~~مسترسلا على الأقدار من غير اعتبار مقدار والذى قاله هذا القائل فى الفصل ~~لا بأس به ويجوز أن يعول عليه وهو كلام الأصحاب وقد قرره وأحسن تقريره ~~وأورده بألفاظ حية فليؤخذ بها ثم ذكر فى آخر كلامه سؤالا فأجاب عنه والسؤال ~~فإن قيل إذا تعلق المتعلق بوجه شبه ونوقش فيه فكيف وجه تقريره فإن قال ~~المتعلق بالشبه أنه يفيد غلبة الظن ونوزع فيه كيف يبين وجه وجود غلبة الظن ~~أجاب عن هذا السؤال وقال لاشك أن غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى سبب ~~يقتضيها ولابد من ذكره وبه يتميز الشبه من الطرد فالشبه مستند إلى مأخذين ~~هما الأصل وبعدهما أمر ثالث ينبه عليه # فأحدهما جريانها على مقتضى الشبه وهذا كإلحاق اليسير بالكثير فى الضرب ~~على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة الشركاء مع تناهيها فى القلة وينضم إليه ~~بطلان اعتبار المواساة المشروعة بسبب خيفة الإجحاف فيخرج بما ذكرناه أن ضرب ~~العقل لا ينتهى إلى توقيف فى قلة ولا كثرة وليس هذا المعنى مخيل مناسب ~~ولكنه متلقى من أصل الوضع بالمسلك الذى ذكرناه # والوجه الثانى وهو الذى يدور عليه معظم الأشباه وهو أن يثبت معنى على ~~الجملة فى قصد الشارع ولا يدخل فى الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا بأن ~~الشارع قد أرش أكثر بنصف الدية بنسبة لها مخصوصة من الجملة فهذا مما نعلمه ~~ونطلع عليه على الوجه الذى لأجله قدر النفس لهذا التقدير غير معلوم وإذا ~~تمهد هذا كان اعتبار يعد العبد يد الحر شبها صحيحا فإن عنائد العبد من ~~جملته كعنائد الحر من جملته فالشبه فى هذا راجع إلى معنى معلوم من قصد ~~الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه وإذا اتجه هذا النوع كان ms711 بالغا جدا ~~مقدما # قال وأما الأمر الثالث فهو اعتبار المقصود وهذا لا استقلال له إلا أن ~~تضطر إلى التمسك بعلة للمنصوص عليه ومثال ذلك الأشياء الستة فى الربا فلو ~~هجم ناظر عليها ولم يتقدر عنده وجوب طلب علة أو علم للحكم لم يعثر على فقه ~~قط ولا شبه فإن قيل الفقه مناسب حاز مطرد سليم على السبر والشبه يتلقى من ~~أمثله أو تخيل معنى جمل والرأى لا يقضى بواحد منهما فى نصب الطعم علما ولكن ~~إذا ثبت طلب العلم وانحسم المعنى المستور والمجمل فلا وجه إلا أن يقال إذا ~~لم يثبت الحكم لأعيان هذه PageV02P253 الأشياء ثبت لمعانيها ومعانيها هى ~~المقصودة منها ثم ينصب على ذلك شاهدان أحدهما من قبل التمثيل وهو اختلاف ~~الحكم باتحاد الجنس واختلافه والمقصود فى الجنسين مختلف والكيل على وتيرة ~~واحدة فدل هذا أن المقصود هو العلم على الحكم والشاهد الثانى قوله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل ) فهذا معاندة الأشباه ~~وإذا عرف هذا فلا حاجة إلى تكلف التمييز بينهما وبين الطرد # واعلم أنا تكلمنا من قبل على فصل الشبه وبينا الموضع الذى يكون حجة فيه ~~فليعتمد على ذلك وإذا قرر على هذا الوجه الذى بيناه فعلى القطع نعلم وجود ~~قوة الظن وأما رجوعه إلى مسألة الربا فلا أرى لذلك وجها وجعل الطعم علة ~~بمجرد كونه مقصودا فى المحل لا وجه له بحال اللهم إلا أن يقول هذا القائل ~~إن الطعم ليس بعلة لكنه علم منصوب على الحكم ويقال له من نصبه وما الدليل ~~على نصبه فى هذا الحكم وما الفصل بينه وبين من يقول إنه منصوب على ضد هذا ~~الحكم إذ ليس من المناسبة فى التحريم ما ليس له ذلك فى التحليل وأما اختلاف ~~الجنس لا يدل أن العلة هى الطعم وإنما يقول الخصم إن الجنس مؤثر مثل الكيل ~~فى الحكم المنصوب له العلة فإذا عدم فات الحكم وأما عندنا فنحن نقول إن ~~الطعم علة مؤثرة بالوجه الذى بينا إلا أنه ms712 أباح الفضل عند اختلاف الجنس ~~ووجود الطعم لأن الطعم عندنا علة والجنس محل أو شرط بالشرع والعلل يطلب ~~تأثيرها فأما الشرط فلا يطلب له تأثير بدليل سائر الشروط فصار الطعم مؤثرا ~~لأنه علة والجنس شرطا شرعيا غير مؤثر لأنه شرط محض وليس بعلة ولهذا قلنا لا ~~يحرم النساء بانفراده لأن الشرط بانفراده لا عمل له قال هذا القائل ونحن ~~نختم هذا الفصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول اختلف العلماء فى أن العبد ~~هل يملك ومأخذ الكلام فيه من طريق الشبه وأما من يقول إنه يملك فيشبهه ~~بالحر فإن العبد خلق آدميا مختارا طلوبا لما يصلحه دفوعا لما يضره لبيبا ~~أريبا فطنا وهو فى هذا كالحر فهذا شبه خلقى غير عائد إلى الصور وإنما هو ~~راجع إلى المعانى التى يتهيئ بها الإنسان لمطالبة ومأربه وأما من منع كونه ~~مالكا شبهه بالبهائم من جهة أنه مسلوب PageV02P254 القصد والاختيار مستوعب ~~المنافع باختيار مالكه حتى كأنه لا اختيار له والتعلق بهذه الأشياء أقرب ~~فإن القائل الأول تمسك بالأمور الخلقية ومن منع من الملك تمسك بمأخذ ~~الأحكام وكان هذا القول أقرب وأصوب فإن الرق حكم غير واجب إلى صفات حقيقية ~~خلقية فإن حاصلة سقوط استبداد شخص فى أمور نفسه وتهيؤه لتصرف غيره وهذا ~~يناقض صفات المالكين فإن حكم المالك الاستقلال ثم أقام الشرع طالبا للملوك ~~فيما يسد حاجته ويكفى مؤنته والحاجة التى لا يتصور الكفاية فيها أثبتها ~~الشرع للمملوك بإذن مالكه وهو حق المتمتع فى النكاح فإن قيل السيد إذا ملك ~~عبده فالحق لا يعدوهما فإن كان استغراق السيد لحقه يمنعه من صفة المالكين ~~فإذا ملكه المولى وجب أن يملك قلنا التمليك لم يخرجه عن كونه مملوكا محتكما ~~فلا يجتمع معه الملك وهذا لأنه مملوك فى نفسه فلا يكون مالكا وأما إذا ثبت ~~للسيد حق استقلال بأن كاتبه فيتصور له ملك على حسب ما يليق به على ما عرف # واعلم أن المعتمد فى نفى ملك العبد كونه مملوكا ولو كان أهل الملك لكان ~~أول ما ms713 يظهر فيه الأهلية ملكه نفسه ولو ملك نفسه عتق فصار الملك مضادا ~~لثبوت الملك فهذه وجوه نفى الملك له # | فصل # ثم ذكر سؤال المطالبة وجوابه عنها على ما عرف من الجدليين ونحن قد ذكرنا ~~من قبل وبينا وجه الجواب وذكر الترجيحات وقد سبق وجوه ذلك وذكر العلة ~~القاصرة مع العلة المتعدية إذا تعارضتا قال وحاصل ما قيل ثلاثة مذاهب ~~أحدهما وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق ترجيح العلة القاصرة # والثانى وهو المشهور ترجيح العلة المتعدية # والثالث وهو اختيار القاضى أبى بكر أن إحديهما لا تترجح على الأخرى ~~بالقصور ولا بالتعدى # قال وهذا إنما يرد إذا لم نر تعليل الأصل بعلتين أصلا وإذا اتفق القائسون ~~أن الصحيحة إحداهما ولا يجوز تعليقه بهما جميعا وأما الذى رجح المتعدية ~~فكلامه ظاهر PageV02P255 وهو أن العلل تزاد لفوائدها والفائدة للمتعدية لأن ~~النص يغنى عن القاصرة فليكن التمسك بالمتعدية أولى وأما من رجح القاصرة قال ~~لأنها متأيده بالنص وصاحبها أمن من الزلل فى الحكم العلة فإذا دل الدليل ~~على صحة العلل حينئذ تطلب الفوائد قال والترجيح بحكم للعلة بعيد والترجيح ~~الحقيقى يكون بما ينشأ من مثار الدليل عليها لأنه يفيد زيادة قوة الظن فأما ~~الترجيح بالنظر إلى الفوائد فلا وجه له لأنه ليس مما يرجع إلى زيادة قوة ~~الظن وقد قيل إن هذه المسألة تقديرية وهى غير واقعة فى الشرعيات فإن قال ~~قائل أن أبا حنيفة قد علل الربا فى التقدير بالوزن وهو معتد إلى كل موزون ~~وعلل الشافعى بكونهما جوهرى النقدين وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم فى ~~ذلك قلنا علة الوزن باطلة عند الشافعى كبطلان علة الكيل وعلة الثمنية صحيحة ~~وقد قام الدليل عليها والترجيح إنما يكون بعد أن تصح العلتان جميعا بقيام ~~الدليل عليهما # فإن قيل علة الشافعي فى تثبيت الخيار للمعتقة تحت العبد قاصرة وقد قدم ~~ثبوتها على العلة المتعدية لأبى حنيفة قلنا هذا باطل من أوجه # منها أن ما اعتمده أصحاب أبى حنيفة من تعليل الخيار باطل فى نفسه فلا ~~ينتهى ms714 القول إلى مقام الترجيح # ومنها أن الرأى الظاهر أن لا يعلل خيار المعتقة تحت العبد كما حققنا فى ~~الفروع ومنها أن من يثبت الخيار للمعتقة تحت الحر يزعم أن قصة بريرة كانت ~~واقعة والزوج حر فيكون الأصل على هذا ما ورد فيه النص ويكون غيره فرعا فكيف ~~يعلل الأصل ويقاس على الفرع حتى يقال إنها متعدية أو غير متعدية واعلم أنا ~~أما التقطنا كلمات له فى هذه المسألة ولم نحكمها على الوجه # وعندى أن المتعدية والقاصرة سواء بعد أن يقوم الدليل على صحتها وإن طلب ~~الترجيح بوجه آخر # وأما مسألة خيار المعتقة فقد ذكرنا فى كتابى النكاح أن النكاح وقع لازما ~~وقد استبرأ قبل لزومه على اختلاف التارات والحالات ولا دليل يدل على ثبوت ~~الخيار عند العتق وأبطلنا ما يزعمونه من الدليل وإذا بطل ذلك بقى النكاح ~~لازما على ما وقع لأن الباقى بعد الثبوت هو الثابت ابتداء فإذا ثبت لازما ~~بقى لازما وذكر فصلا آخر فيما يرجع إلى الترجيح قال وإذا تعارض قياسان ~~واعتضد أحدهما بمذهب صحابي فمن يقول إن PageV02P256 مذهب الصحابى حجة عد ~~هذا من انضمام دليل إلى أحد القياسين وهذا يقتضى تقديم المذهب الذى يدل ~~عليه القياس ويدل عليه قول الصحابى ويقع الكلام في أن هذا هل يسمى ترجيحا ~~أو لا وإذا كنا لا نرى التعلق بمذهب الصحابى فلا أثر له فى الترجيح وقوله ~~كقول بعض علماء التابعين ومن بعدهم وإن لم يكن قوله بانفراده حجة لكن إذا ~~انضم قوله إلى القياس وقد شهد النص بمؤيد علم فى هذا الفن الذى نصب فيه ~~القياس أفاد انضمامه زيادة قوة فى الظن قال الشافعى قول زيد أرجح من قول ~~معاد رضى الله عنهما وإن كان قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أعلمكم ~~بالحلال والحرام معاذ ) وذلك لأن شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد ~~أخص فى الفرائض وأدل على اختصاصه بمزيد الدرك فيها وكذلك مذهب زيد مع ~~انضمام قياس إليه أرجح من مذهب على مع انضمام ms715 قياس إليه وإن كان قد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أقضاكم على ) وهذا أبين مما قدمناه فى معاذ ~~فإن شهادة الشارع له بمزية البصيرة فى القضاء يشير إلى التفطن لقطع ~~المشاجرات وفصل الخصومات والتهدى إلى تمييز المحق من المبطل والشهادة بمزية ~~العلم فى الحلال والحرام وقع فى مض . . . الاجتهاد والشهادة بمزية العلم فى ~~الفرائض أخص من الجميع فهذه إذا ثلاث مراتب وإذا لم يكن فى الواقعة قياس ~~واجتمعت هذه المذاهب الثلاث فالقول فى تقليد من يقلده يأتي فى غير هذا ~~الموضع فإن قيل إذا اعتضد أحد المذهبين بقول أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ~~فما قولكم فيه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من ~~بعدى أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ) قلنا هذا عندنا اعم من الشهادة لعلى ~~بمزيد فى العلم فى القضاء فإنا نجوز أن النبى صلى الله عليه وسلم أشار بهذه ~~على الاستحثاث على اتباعهما فى الخلافة وإبداء الطاعة فإذا انضم إلى ~~المراتب الثلاث فى الشهادات الصحيحة مرتبة رابعة فأولاها بالتعلق أخصها وهى ~~الشهادة لزيد ويليها الشهادة لمعاذ ثم تلى الشهادة لمعاذ الشهادة لعلى ثم ~~يلى ما ذكرناه ما ذكر صلى الله عليه وسلم فى أمر أبى بكر وعمر رضى الله ~~عنهما ثم قال الشافعى قول على فى الأقضية كقول زيد فى الفرائض وقول معاذ فى ~~PageV02P257 التحليل والتحريم إذا لم يتعلق بالفرائض كقول زيد فى الفرائض ~~فهذا الذي وجد من زيادة فائدة فيما نقله فى أصوله وأما سائر ما نرجح به ~~العلل قد ذكرنا الكلام فيه ثم اعلم أنه قل ما يوجد علتان متعارضتان وقد قام ~~الدليل على صحتهما ثم يصار إلى الترجيح فى ذلك بل أكثر الكلام إنما يقع فى ~~طلب التأثير الذى به تصح العلة فإن اتفق ما قلناه من تعارض العلتين وقد قام ~~الدليل على صحتهما ووقعت الحاجة إلى الترجيح فالوجه ما قدمنا وحين فرغنا من ~~هذا نذكر الكلام بعد هذا فى التعلق بالاستدلال ونبين عند ذلك الفرق بينه ms716 ~~وبين التعليل وبين قرينه كل واحد منهما ووجه ترجيح أحدهما على صاحبه ثم ~~نذكر بعده الكلام فى السبب والشرط والفرق بين العلة وبينهما وهذان الفصلان ~~أعنى الكلام فى الاستدلال والكلام فى السبب والشرط ومعرفة الفرق بينهما ~~وبين العلة مما يجب الاهتمام بذلك لكثرة ما تقع الحاجة إليه فى المسائل ~~وسنذكر ذلك جميعه بعون الله تعالى وتوفيقه ونبرأ إلى الله عز وجل من حولنا ~~وقوتنا ونعتصم ونلوذ بحوله وقوته فإن الكل منه وبه وإليه PageV02P258 # | القول فى الاستدلال # قد ذكرنا أن الاستدلال طلب الحكم بالاستدلال بمعانى النصوص وقيل أنه ~~استخراج الحق وتمييزه من الباطل ذكرهما أبو الحسن الماوردى وقيل إنه معنى ~~مشعر بالحكم المطلوب مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلى من غير وجدان أصل ~~متفق عليه # واختلفوا فى هذا فذهب جماعة إلى رد الاستدلال وقالوا لا يجوز أن يكون ~~المعنى دليلا حتى يستند إلى أصل وذكره القاضى أبى بكر وجماعة من المتكلمين ~~وأما الذى يدل عليه مذهب الشافعى رحمة الله عليه هو كون الاستدلال حجة وإن ~~لم يستند إلى أصل ولكن من شرط قربه من معانى الأصول المعهودة المألوفة فى ~~الشرع وقد ذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة إلى جواز الاستدلال وإن لم يستند ~~إلى حكم متفق عليه فى أصل وشرح ذلك أن يكون الثابت مصالح شبيه بالمصالح ~~الثابته فى أصول الشرع غير خارجة عنها وأفرط مالك فى جواز القول بالاستدلال ~~وجوز مصالح بعيدة عن المصالح المعهودة والأحكام المعروفة فى الشرع وحكى عنه ~~جواز القتل وأخذ المال بمصالح يقتضيها غالب الظن وإن لم يوجد لتلك المصالح ~~مستندا إلى أصول وربما يقول أصحاب مالك يجوز اتباع وجوه المصالح والاستصواب ~~قربت عن موارد النصوص أو بعدت إذا لم يصدمها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب ~~والسنة والإجماع واحتج من نفى الاستدلال على وجه القياس بأن الدلائل محصورة ~~بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس على أحدها والاستدلال الذى يذكرونه ~~خارج عن هذه الأقسام ومن هذه الدلائل أجمع قد يصح أن يكون دليلا قال القاضى ~~أبو بكر إن ms717 المعانى إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة فى ~~ضبط الشرع وإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط واتسع الأمر وصار ~~الشرع مرجوعه إلى وجود الرأى من الناس من غير اعتماد واستناد إلى أصل شرعى ~~فيرى كل إنسان وجها ويعتمد شيئا سوى ما يراه ويعتمد صاحبه ويصير إذا أهل ~~الرأى فى هذا بمنزلة الأشياء فيفعل كل إنسان ما يراه ويعتقده صلاحا فى ~~المعنى الذى سنح له فيصير ذلك ذريعة إلى أبطال أبهة الشروع PageV02P259 ~~ورونقها ويذهب طراوتها وبهاؤها وينسكب ماؤها ثم مع ذلك يختلف ما يرونه من ~~الاستصلاح والاستصوابات بالمكان والزمان وأصناف الخلق فتختلف أحكام الله ~~تعالى نهاية الاختلاف ويكون حكم الله تعالى اليوم خلاف ما كان عليه أمس ~~وحكم الإنسان خلاف حكم جاره وشريكه وهذا أمر يخالف ما عهد عليه قوانين ~~الشرع وما درج عليه الأولون من هذه الأمة وما أرى القول به إلى مثل هذا فهو ~~باطل وهذا لأن ما لا أصل فى الشرع فهو فى نفسه ما لا أصل له وأيضا يقولون ~~إن معاذا رضى الله عنه لم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فدل أن ما سوى ~~ذلك باطل وأما دليل مثبتى الاستدلال هو أنا نعلم قطعا أنه لا يجوز أن يخلو ~~حادث عن حكم الله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم # ببينة أنه لم يرو عن السلف الماضين أنهم أغروا وأخلوا واقعة عن بيان حكم ~~فيها لله تعالى وتقدس ونحن نعلم كثرة الفتاوى وازدحام الأحكام الأحكام وقد ~~استرسلوا فى بث الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع وقد قصدوا ~~لإثباتها فيما وقع وتشوفوا فى إثباتها فيما سيقع ولا يخفى على منصف أنهم ما ~~كانوا يفتون فتوى من تقسيم الوقائع عنده إلى ما يغري عن حكم وإلى ما لا ~~يغغرى عنه وإذا عرفنا هذا فنقول لو انحصرت مآخذ الأحكام فى المنصوصات ~~والمعانى المستشارة منها لما وسع القياس لكل ذلك فإنا نعلم أن المنصوصات ~~معانيها لا تنسحب على كل المعانى ولو لم يتمسك الماضون ms718 بمعانى وقائع لم ~~تعهد وأمثالها لكان يزيد وقوفهم فى الأحكام على فتاويهم وجريانهم فيها قال ~~الشافعى رحمه الله من سير أحوال الصحابة رضى الله عنهم وهم الأسوة والقدرة ~~لم ير لواحد منهم تمهيد قياس على ما يفعله القياسيون بل كانوا يخوضون فى ~~وجوه الرأى من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فثبت بمجمع ما ذكرناه ~~صحة القول بالاستدلال ومما يدل على صحة ما ذكره الشافعى رحمة الله عليه ~~وتمسك به أنه إذا استندت المعانى إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست النصوص ~~وأحكامها حججا وإنما الحجة فى المعنى وأعيان المعنى ليست منصوصة وهى ~~المتعلق بها بل نقطع بمحض خروج المعانى عن ضبط النصوص فدل أن المعانى حجة ~~كافية ولو راعينا ردها إلى الأصول تنصرف الأصول عن كثير من المعانى ومن ~~يتتبع كلام الشافعى لم يره متعلقا بأصل ولكنه يبنى الكلام فى الأحكام على ~~المعانى المرسلة فإن عدمها حينئذ شبه بالأصول PageV02P260 واما الذى تعلقوا ~~به من كلامهم الأول فقد ظهر الجواب عليه فيما قلناه ولو قال قائل لم يصح عن ~~أحد من السلف استعمال القياس على ما يعتاده أبناء الزمان من تمثل أصل ~~واستتاره معنى فيه وربط فرع به كان ذلك حقا وصوابا # فأما الكلام الثانى الذى قاله وزعمه أن القول بهذا يؤدى إلى خروج الأمر ~~عن الضبط وانحلال أمر الشرع ورد الأحكام إلى أرآء الرجال فهذا لا يلزمنا ~~لأنا نعتبر وجود معنى لا يدفعه أصل من أصول الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع ~~والجملة أنه يعتبر وجود معنى يناسب الحكم الذى يبنيه عليه من غير أن يدفعه ~~أصل من كتاب أو سنة أو إجماع وقد قال بعض أصحابنا فى العبارة عن هذا إنه قد ~~ثبتت أصول معللة اتفق القائسون على عللها فقال الشافعى رحمه الله نتخذ تلك ~~العلل معتصما ويجعل الاستدلال قريبا منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها ~~مثلا أصول والاستدلالات معتبرة بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من ~~اعتبار صورة بصورة لمعنى جامع فإذا قرب معنى ms719 المجتهد والمستدل فيما يجتهد ~~إلى الشرع ولم يرده إلى أصل كان استدلالا مقبولا مثاله أن الرجعية المحرمة ~~الوطء عند الشافعي رحمه الله عليه مباحة الوطء عند أبى حنيفة واستدل ~~الشافعى بأنها متربصة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها فى الزمان الذى ~~تؤثر فيه بالتبرئة متناقض ثم هذا يعتضد تبرئة بأن الزوج لو اعتزل امرأته ~~قبل الطلاق مدة العدة ثم طلقها لم يعتد بما كان منها عدة ولو كانت تحل قبل ~~الطلاق وبعد الطلاق لما كان لاختصاص العدة بما يعد الطلاق معنى وهذا نوع ~~استدلال ضمنى مستخرج من العدة ولم يطلب الشافعى لهذا أصلا يقيس عليه وذكر ~~بعض متأخرى الأصحاب فى هذا كلاما طويلا لم أر فى حكايته فائدة فتركته وقد ~~ترد المسألة من أولها إلى آخرها إلا القليل على طريقة المشايخ # وأما نحن فعلى طريقة المحققين لا نرى الاعتماد على العدة وإن كان هو ~~متعلقا حسنا من حيث الحكم وأقل غائلة فى هذا التعليق على أصل الخصم أنه لا ~~يجتمع العدة وشغل الرحم من الزوج فإنه قد صار مراجعا بالوطء ولهم على العدة ~~كلام واقع على ما ذكرناه فى الخلافيات وإنما المعتمد عندنا وقوع الطلاق ~~وهويصرف فأجر عمله الإسقاط والإزالة فلابد أن يزيل شيئا وليس ذلك إلا ملك ~~الحل وقد بينا وجه الاعتماد على هذا ومشيئة وقد أورد بعض أصحابنا أمثلة ~~الاستدلال سوى هذا PageV02P261 # وقال مثال الاستدلال ما قال أصحابنا إن الخارج من غير السبيلين ليس بحدث ~~لأنه لو كان حدثا لاستوى قليله وكثيره وحكمه وكذلك قالوا لو كانت القهقهة ~~حدثا ينقض الطهارة لاتفق فى ذلك حال الصلاة وحال غير الصلاة # ومثال ذلك أيضا ما قالوا فى المتيمم إذا رأى الماء إنه لا يكون رؤية ~~الماء حدثا لأنه لو كان رؤية الماء حدثا لم يختلف موجبه في وجوب الغسل تارة ~~والوضوء أخرى ومن ذلك قولهم فى توسيع وقت الحج إنه لو كان مضيقا لكن المؤخر ~~له عن عام وجوبه إذا أتى بعد ذلك يكون قاضيا لا مؤديا فلما كان مؤديا ms720 دل ~~أنه موسع الوقت ومن ذلك أيضا ما قاله الشافعى إنه لو كان اللعان شهادة لكان ~~حكمه كيت وكيت على ما عرف # ومنها ما استدل به الشافعى على إبطال علة الوزن # فقال العلة الموجبة لتحريم التفاضل لو كان هو الوزن ما جاز إسلام الذهب ~~والورق فى سائر الموروثات على ما هو المعروف # وعندى أن هذا كله قياس لاعتبار شئ بشئ بمعنى مستخرج # ويجوز أن يقال إنه قياس من حيث المعنى لا من حيث الصورة والدليل على أنه ~~لم يخرج من قسم القياس أنه استند فى كونه دليلا إلى غيره وما استند إلى ~~غيره واعتبر به فلابد أن يكون غير خارج من قسم القياس # ويجوز أن يقال إنه نوع بحث يثير حكما شرعيا وقد قالوا إنه يجوز أن يوجد ~~فى الأحكام الشرعية ما لا أصل له بعينه وذلك نحو العمل القليل فى الصلاة ~~وما شاكله وذلك لأن الدليل لما دل أن كثير العمل يفسد الصلاة وأن قليله لا ~~يفسدها ولم يثبت PageV02P262 بالنص القدر الذى يفسد والقدر الذى لا يفسد ~~وجب الرجوع إلى الاجتهاد # وقال بعضهم إن قدر ما يفسد الصلاة على التقريب ما إذا شاهد المشاهد لم ~~يظن أنه فى الصلاة وعلى الجملة فلا شك أن العمل فى ذلك على ما ظن المصلى ~~أنه قليل فلا يفسد أو كثير فيفسد وليس ذلك راجع إلى أصل بعينه من أصول ~~الشرع وقد ألحق بعض أصحاب أبى حنيفه بهذا الباب انكشاف ساق المرأة فإنه ~~يقول إذا انكشف ربع الساق فما فوقه فسدت صلاتها وإن كان قد انكشف ما دون ~~الربع لا تفسد وذكروا لهذا التقدير وجها على التقريب وهو أن الناظر إلى ساق ~~المرأة إذا كانت الساق مكشوفة إنما يبصر جانبا منها وللشئ اربعة جوانب فإذا ~~رأى جانبا منها فيكون قد رأى الربع فجرى فى هذا مجرى الكل فى فساد الصلاة ~~وهذا أيضا شئ قالوه على وجه التقريب من غير أن يستند إلى أصل وعلى هذا من ~~مذهبهم مقادير النجاسات المعفو عنها وقدر ما ms721 ينزح من الدلاء من البئر عند ~~وقوع الحيوانات فيها # وقد قدر الشافعى أيضا فى المتابعة بين الإمام والمأموم فقال إذا سبق ~~الإمام المأموم بركن واحد أو ركنين لم تفسد المتابعة وإن سبق بثلاثة أركان ~~فسدت المتابعة وهذا تقدير على وجه التقريب ليس له أصل بعينه ولذلك قال فى ~~المسافة بين الإمام والمأموم إذا زاد على مائتى ذراع أو ثلاث مائة فسدت ~~المتابعة وفيما دون ذلك لا تفسد وإن كان هذا تقديرا على وجه التقريب غير ~~مستند إلى أصل بعينه وعلى هذا نفقة الموسر والمعسر ينظر فى ذلك على حسب ~~العادة فيعرف بذلك الموسر من المعسر ونجرى الحكم على ذلك وهو غير مستند إلى ~~أصل بعينه # وكذلك القول فى جهة الكعبة ومقدار ما يعرف أنه على جهة الكعبة أو ليس على ~~جهة الكعبة وكذلك ما يتوصل به إلى معرفة قيم المتلفات وإيجاب قدر القيمة ~~حكم شرعي وقد تعلق بأمارة غير مستندة إلى أصل # وقد قيل إن الأمارة فى هذا عقلية وهى النظر إلى عادات الناس # ألا ترى أن من قوم الثوب بعشرة لو قيل له لم قومته بذلك يقول إن عادة ~~الناس أن يبيعوا مثل هذا الثوب بعشرة ويمكن أن يسألوا على هذا فيقال إذا ~~جعلتم الأمارة فى هذا عقلية فهلا قلتم إذا خرق زيد ثوب عمرو يكون الواجب ~~تخريق ثوبه PageV02P263 والجواب عنه إن زيدا إذا خرق ثوبه يقابل بتخريق ثوب ~~الجاني وقد أضر بنفسه لحين لم يتعرض من ماله التالف بماله ولا يجوز أن يضر ~~الإنسان بنفسه من غير فائدة فإن قال قائل فائدته التشفى قيل له التشفى تبع ~~لحسن تحريق ثوب الجانى فإذا لم يحسن التخريق لم يحسن التشفى ذكر هذا السؤال ~~عبد الجبار الهمدانى فى العمد وأجاب بما بينا # وعندى إن هذا ليس بشئ لأن السائل يقول إن التشفى حسن بدليل القصاص فإن ~~اعتبار التشفى فيه قد حسن فليحسن ها هنا وإذا حسن التشفى وجب أن يحسن ~~التخريق ويصير حسن التخريق لثوب الجانى تبعا لحسن التشفى والأولى أن ms722 يقال ~~فى هذا إذا لم يجوز تخريق ثوب الجانى لانعقاد الإجماع أنه لا يجوز وإنما ~~فرقنا بين النفس وبين المال بمحض اتباع الشرع وعلى أن الأصل المعلوم فى ~~الضمانات الواجبة للآدميين هو أن ينظر لما فيه صيانة حقوقهم عليهم وحفظها # ألا ترى أن فى الأعيان القائمة وجب صيانتها وحفظها على أربابها بوجوب ~~الاحتراز عما يؤدى إلى إهلاكها وإتلافها فإذا تلفت وجب أيضا ضمانها على ما ~~يكون فيه حفظ حقوق الملاك عليهم بقدر الإمكان وذلك بإيجاب المثل فى ~~المثليات وإيجاب القيم فى غير المثليات فيقوم المثل مقام المثل وتقوم ~~القيمة مقام العين المقومة ويصير كأن المتلف باق لملاكه محفوظ عليهم وكأنه ~~لم يتلف وهذا هو المعنى المعقول فى إيجاب الضمان وأما الإتلاف فى مقابلة ~~الإتلاف فخارج عن هذا المعنى وفيه تقدير الإهلاك السابق ومقابلة إهلاكه ~~بإهلاك مثله إلا أن الشرع ورد بالقصاص على خلاف هذا الأصل لغرض قائم فيه لا ~~يوجد فى الضمان من حيث المال وهو زجر الجناة وإحياء النفوس ومعلوم قطعا أنه ~~يوجد فى القصاص من الزجر والردع المؤدى إلى حياة النفوس ما لا يوجد فى ~~النفوس فصار القصاص ضمانا شرعيا للنفس لغرض مختص به وصارت الدية ضمانا ~~قياسيا للنفس من حيث إن فيه إيفاء حق صاحب الحق عليه وحفظه له بقدر الإمكان ~~وأن الدية قامت مقام نفسه فى السلامة لصاحب الحق إن كانت الجناية فى قطع ~~اليد أو وارثه إن كانت الجناية بقتل النفس وسلامة العوض لمن يقوم مقام صاحب ~~الحق ينزل منزلة سلامته لصاحب الحق فاستقام كون القصاص ضمانا بالشرع ~~واستقام كون الدية ضمانا بالقياس ولم يجز الجمع بينهما لأن كلا الواجبين ~~بدل النفس وإن اختلفت جهة إيجابهما ولا يجوز إيجاب واجبين عن متلف ~~PageV02P264 واحد فأما فى تخريق الثوب وقتل البهيمة فليس فى مقابلة التخريق ~~بالتخريق وقتل الدابة بالدابة غرض صحيح لأن نهاية ما فى الباب أنه يوجد ~~بذلك إتلاف مال عليه وفى أخذ الضمان يوجد هذا مثل ما يوجد إذا أهلكنا ماله ~~عليه فإنا إن قدرنا ms723 أنه يتلف عليه بهيمته بإتلافه عليه بهيمة أو قدرنا أنه ~~خرق عليه ثوبا بإزاء ما خرق وعليه ثوبه فإنه لا يجوز أن يعرض بهائمه فيتلف ~~عليه أى بهيمة شاء أو يخرق أى ثوب شاء بل ينبغى أن يخرق ثوبا مثل ثوبه أو ~~يتلف بهيمة مثل بهيمته وإذا فعل ذلك كان ذلك فى المعنى وأخذ الضمان سواء ~~وأما القصاص ففيه إتلاف نفسه وإزهاق روحه ولا شك أن فيه معنى زائد على ~~الدية وقد لا يبالى الإنسان بإعطاء الدية بقتل عدوه فإذا عرف أنه يقتل إذا ~~قتل انكف عنه فهذا هو المعنى الصحيح والحكمة المعقولة الشرعية وعلى مثل هذا ~~يكون المعول فى هذا وأمثاله وأمثال هذه المعانى تكثر فى الشرع وقد يكون ~~نظير هذا إيجاب الكفارة فى القتل فإن الله تعالى لما خلق ليعبدوه على ما نص ~~عليه فإذا قتل إنسانا فهو بالقتل قد أبطل عليه معنى التعبد والتعبد من ~~العبد لله تعالى مقصود كلى من العباد فصح بنا إيجاب الضمان على هذا المعنى ~~الذى يليق به وليس ذلك إلا الكفارة بإعتاق رقبة إذا قدر عليها لأن العبد ~~مسلوب النفس بالرق فكأنه هالك عن صفة الآدمية وقد قدم الله حق السادة على ~~حقه فى كثير من المواضع فأوجب الله على القاتل عتق رقبة على معنى أنه يزيل ~~عنه صفة الرق فيكون قد أحيا نفسا بقدر الإمكان فأقامه مقام النفس التى ~~أتلفها لتعبد الله مكانها فيكون قد أقام الله عبدا يعبده مكان العبد الذى ~~أهلك فيها فبهذا الوجه يضمن حق الله وصار الضمان كضمان النفس بالدية أو ~~القود فعلى هذا يستوى فيه القتل عمدا وخطا لأن حق الله فى جهتى العمد ~~والخطأ مثلما يكون حق الآمى مضمونا فى الجهتين أيضا ويستوى فى هذا أيضا قتل ~~المسلم والكافر والحر والعبد والبالغ والصبى وينظر إلى أصل ما كان عليه ~~الخلقه وقد خلق الكل فى الأصل ثم يتصل بهذا الفعل أن الواجب باسم الكفارة ~~والكفارة اسم معنوى وهو التغطية فيكون واجبا لتغطية الذنب ومحوه والذنب متى ms724 ~~صار مغطا ممحوا التحق المذنب بمن لم يذنب فصارت الكفارة كفارة بهذا المعنى ~~ولا نقول إنه عبادة لأنه ليس القصد منها التقرب إلى المعبود ولا نقول إنه ~~عقوبة لأنه ليس فيها أخذ أو تنكيل والعقوبات هى ما يختص بصفة الأخذ أو ~~التنكيل فكان شيئا غير العبادة والعقوبة وهى أنها كفارة ومعناها أنها ماحية ~~للذنب PageV02P265 مغطية له والشئ إذا أمحى ذهب ولم يبق وإذا غطى لم يبق له ~~أثر وإذا كان كذلك استقام إيجابها على الكافر كما يستقيم إيجابها على ~~المؤمن فهذا الذى ذكرناه وما يشبهه استدلالات حسنة ومعان بالغة مناسبة ~~للأحكام المبنية عليها تعلق بقلب كل فقيه إن هذا هو المعنى الذى يبتنى عليه ~~الحكم ومن هذا الباب أيضا ما نقول فيمن نفى وجوب الكفارة بعيد بالوطء فى ~~الصوم وإيجابها بالوطء وهو أنا نقول إن الجماع محظور الصوم والأكل والشرب ~~مناف للصوم لأن الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة على خلاف النفس فينبغى أن يكون ~~التعبد بالكف فى زمان الفعل عبادة حتى يكون بخلاف هوى النفس فإنه إذا لم ~~يكن زمان الفعل عادة لم يحصل الكف عبادة والنهار زمان الأكل والشرب عادة ~~فكان الكف عنه فى هذا الزمان عبادة تعم هو محظور العبادة لأن الحظر ~~والتحريم للعبادة يكون متحققا فى زمان الفعل عادة أو لا فى زمان الفعل عادة ~~وإذا ثبت أن الأكل والشرب مناف للصوم فيصير بفعله تاركا للصوم فى المستقبل ~~وترك الصوم لا يوجب الكفارة كتركه فى الابتداء وأما الوطء لما كان محظور ~~الصوم فيكون بالكف عن الأكل والشرب مقيما على فعل الصوم غير أنه يكون جانيا ~~عليه بفعل المحظور وإيجاب الكفارة بفعل محظور الصوم لا يكون دليلا على ~~إيجاب الكفارة بترك الصوم وانقطع إحدهما عن الآخر صورة ومعنى وبطل فهذا ~~استدلالهم فى إيجاب الكفارة فى الوطء على إيجاب الكفارة فى الأكل وهم يدعون ~~على أنا أوجبنا الكفارة فى الأكل والشرب بطريق الاستدلال لا بطريق القياس ~~ومن وجوه الاستدلال ما نقوله فى مسألة الاستيلاء فإن عندنا لا يملك ms725 الكفار ~~ما استولوا عليه من أموال المسلمين بخلاف المسلمين إذا استولوا على أموال ~~الكفار ملكوها # وإنما قلنا إن المسلمين يملكون أموال الكفار إذا استولوا عليها ويملكون ~~رقابهم إذا أسروها لأن المشركين فى معنى العبيد فإن حريتهم غير ثابتة ثبات ~~تمكن واستقرار # وأما أموالهم التى فى أيديهم إنما هى للمسلمين وهى فى أيديهم بمنزلة ~~الغصب لأن الله إنما خلق الدنيا وما فيها من أصناف الأموال والقنيات لعبيده ~~الذين يؤمنون به PageV02P266 ويعملون ما خلقهم له من عبادته وجعل سائر ~~الأملاك معاونات لهم على إقامة طاعاته فمن كفر وعبد غيره فلا شئ له يستعين ~~به على كفره وعبادة غيره فما حصلوه فى أيديهم واحتووا عليها فهى غصب فى ~~أيديهم وسبيله أن يرد إلى من يسعتين به على طاعة الله ولهذا سمى المال ~~المأخوذ من المشركين فيئا # ويقا أفاء الله مال المشركين أى رده علينا بعد أن كان المشركون غصبونا ~~إياه وما هذا وصفه فهو مردود على صاحبه فصار ملك المسلمين أموال الكفار ~~بهذا الوجه وهذا لا يوجد فى الكفار إذا أخذوا أموال المسلمين لأنها أموال ~~فى أيدي ملاكها وعليها حماية الإسلام وإذا كانت فى حماية الإسلام لم تزل ~~بغلبة أهل الشرك عليها وصارت أموالهم كرقابهم فهم أحرار حقيقة وأملاكهم لهم ~~حقيقة وأما الكفار فيهم فهم فى المعنى عبيد المسلمين وأموالهم التى فى ~~أيديهم للمسلمين فالكل يكون فيئا لأنهم عبيد أبقة ردوا إلى مواليم وأملاكهم ~~غصوب أعيدت إلى ملاكها فهذه الأمثلة التى ذكرناها فى الاستدلال أمثلة حسنة ~~يشهد الشرع والعقل بصحتها ومن عرف قواعد الشرع وقوانينها شهد له قلبه وما ~~أدركه من معانى الشريعة بصحتها ولم يرده أصل مجمع عليه من كتاب أو سنة أو ~~أجماع فيجوز أن يسمى أنواع هذا استدلالا فإن الأمثلة التى ذكرناها من قبل ~~حكاية عن بعض المتأخرين من أصحابنا فإنها هي أقيسة حكمية منقولة من الأصحاب ~~غير هذا القائل العبارة عنها فسماها استدلالا على أنا نقول لا غيره بالاسم ~~فإن سموا استدلال قياسا والقياس استدلالا فالوجه الذى قدمناه لأن ms726 جميع ذلك ~~طلب الحكم من معانى النصوص والكل نوع بحث عن معنى مناسب للحكم صحيح على ~~السبر فهذا صحيح ولا مبالاة بأى اسم سمى وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر ~~الاستحسان وهل يجوز أن يكون حجة على ما ذكره أصحاب أبى حنيفة أو لا ~~PageV02P267 # | القول فى الاستحسان # ذكر الأصحاب أن القول بالاستحسان فى أصول الدين فاسد وذهب أصحاب أبى ~~حنيفة إلى القول به وكذلك القول بالمصالح والذرائع والعادات من غير رجوع ~~إلى دليل شرعى باطل فأما مالك فإنه يقول بذلك ويعتمده # واعلم أن الكلام فى الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذى يعتمده ~~أصحاب أبى حنيفة فإن كان الاستحسان هو القول بما استحسنه الإنسان ويشتهيه ~~من غيردليل فهو باطل قطعا ولا نظن أن أحدا يقول بذلك تنذكر الآن ما ذكره ~~أبو زيد فى كتابه فى معنى الاستحسان لغة وحكما # قال أما اللغة فالاستحسان هو اعتقاد حسن الشئ # يقال استحسنت كذا أى اعتقدته حسنا واستقبحت كذا أى اعتقدته كلك ومحل ظن ~~بعض الفقهاء أن من قال بالاستحسان قد ترك القياس والحجة الشرعية باستحسانه ~~تركها من غير دليل يطلق وطعن بهذا على علمائنا وأن ما هذا تغير الاستحسان ~~لغة فأما عند الفقهاء الذين قالوا بالاستحسان اسم لضرب دليل يعارض القياس ~~الجلي حتى كان القياس غير الاستحسان بعد سبيل التعارض وكأنهم سموه بهذا ~~الاسم لاستحسانهم ترك القياس أو الوقف على العمل بدليل آخر فوقه فى المعنى ~~المؤثر أو مثله وإن كان الخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة ~~لظهوره ولا رأوا الظهور رجحانا بل نظروا إلى قوة الدليل فى نفسه من الوجه ~~الذى تعلق به صحته ولم يكن غرضهم من هذه التسمية إلا يميزوا بين حكم الأصل ~~الذى يدل عليه القياس وبين الحكم المال عن ذلك السنن الظاهر بدليل أوجب ~~الذى أماله فسموا الذى يبقى على الأصل قياسا والذى الممال استحسانا وهذا ~~كما ميز أهل النحو بين وجوه النصب فقالوا هذا نصب على التفسير PageV02P268 ~~وهذا نصب على الظرف ونصب على المصدر وكذلك ms727 أهل العروض ميزوا بين الطويل ~~والمديد والمتقارب # قال محمد بن الحسن فى كثير من المواضع القياس كذا والاستحسان كذا ~~وبالقياس نأخذ وأخذ فى عامة المواضع بالاستحسان فعلم أنهما يستويان كدليلين ~~متعارضين # قال فصار العمل بالاستحسان هو الممال بحكمه من الطريق الظاهر إلى الخفى ~~بدليل شرعي لا بهوى التعيين فإنه كفر وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك ~~الظاهر بالخفي الذى ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل ~~بهذا الاسم كان اسما مستعارا كاسم الصلاة والصوم وغير ذلك # قال ثم الاستحسان قد يكون نصا وقد يكون ضرورة وقد يكون إجماعا وقد يكون ~~قياسا خفيا # أما النص فنحو قول أبى حنيفة فى من أكل ناسيا لصومه لولا قول الناسى لقلت ~~يقضى القياس الظاهر بوجوب القضاء إلا أنى استحسنت تركه بنص خاص ورد فيه ~~وهذا لأن النص فوق الرأى فأستحسن ترك الرأى به # وأما الإجماع فنحو جواز الاستصناع فإنه قد ظهر تعامل الأمة به قد بينا ~~وحدثنا من غير تكبر والقياس أنه لا يجوز لأنه بيع معدوم # قالوا وأما الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعد تنجسها والقياس ~~يأبى ذلك لأن الدلو ينجس لملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس فلا يمكن ~~الحكم بطهارة الماء إلا أن الشرع حكم بالطهارة الضرورية لأنه لا يمكن غسل ~~البئر ولا الحوض وإنما غاية ما يمكن هذا وهو نزح الماء النجس وحصول الماء ~~الطاهر فيه فاستحسنوا ترك العمل بالقياس لأجل الضرورة والعجز فإن الله ~~تعالى جعل العجز عذرا فى سقوط العمل بكل خطاب وأما ترك القياس بدليل أخفى ~~منه فهو مثل المتبايعين إذا اختلفا فى الثمن والسلعة قائمة بعينها فى يد ~~البائع لم تقبض لا يتحالفان قياسا لكن القول قول المشترى وفى الاستحسان ~~يتحالفان لأن كل واحد منهما مدع ومدعا عليه PageV02P269 لأن البائع يدعى ~~على المشترى زيادة الثمن والمشترى ينكره وأما المشترى فيدعى على البائع ~~وجوب تسليم السلعة عند أداء ما يدعيه من الثمن والبائع ينكره فأخذوا بدليل ~~الاستحسان دون القياس لأن تأثيره أكثر وأخذ ms728 بالقياس فى موضع آخر وهو إذا ~~تلا آية السجدة فى صلاته فركع فى صلاته ينوب الركوع عن السجود قياسا لأن ~~الواجب عليه عند قرآة السجدة الخشوع والخضوع لله تعالى وذلك يحصل بالركوع ~~وفى الاستحسان لا ينوب لأن الواجب عليه السجود والركوع غير السجود ولا يعرف ~~أنه مثله فى الخضوع والخشوع بالقياس أخذوا لأن الواجب الخشوع والركوع خشوع ~~تام مثل السجود بخلاف القياس لأنه ليس بخشوع تام ونحن أوردنا ما قالوه فى ~~الاستحسان لتعرف حقيقة مذهبهم # ويقال لهم إن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس فى النفس ويستحسن فى الطبع ~~فلا شك أنه باطل والأحكام إنما تبنى على أدلة الشرع لا على الهواجس ~~والشهوات وما يقع فى الطباع وإن كان هو الحكم بأقوى الدليلين من كتاب أو ~~سنة أو إجماع أقوى من قياس فلا معنى لتسميتهم ذلك استحسانا ولإن كان هذا ~~النوع استحسانا فكل الشرع استحسان فلا معنى لتخصيص ذلك ببعض المواضع دون ~~البعض # واعلم أن مرجع الخلاف معهم فى هذه المسألة إلى نفس التسمية فإن الاستحسان ~~على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به والذى يقولونه ~~لتفسير مذهبهم به العدول فى الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه وهذا لا ~~ننكره لكن هذا الاسم لا نعرفه بآية ما لما يقال به لمثل هذا الدليل # وقد قال بعضهم إنه تخصيص قياس بدليل أقوى منه وهذا باطل لأنا لا نقول ~~بتخصيص الأقيسة وقد أبطلناه من قبل # وقال بعضهم هو عدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا أيضا باطل لأنهم ~~يسمون إذا عدلوا عن القياس إلى نص استحسانا أيضا # وقال بعضهم الاستحسان ترك طريقة الحكم إلى أخرى هى أولى منها ولولا ما ~~يوجب الثبات على الأولى وحده أبو الحسن الكرخى من أصحابهم وقال هو أن يعدل ~~الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما يحكم به فى نظائرها لوجه هو أقوى من ~~PageV02P270 الأول يقتضى العدول عن ذلك وهذا يلزم عليه أن يكون القياس الذى ~~يعدل به إليه عن ms729 الاستحسان استحسانا # وقد قالوا فى مسائل بالقياس نأخذ وعدلوا عن الاستحسان إليه وسموه قياسا ~~وعلى الجملة لا معنى لهذه التسمية وهى تسمية لا يمكن حدها بحد صحيح تختص به # وأما تفسيرهم الذى يفسرونه فنحن قائلون بذلك وليس مما يتحصل فيه خلاف وقد ~~ذكر الشافعى لفظ الاستحسان فى مراسيل ابن المسيب وقال أيضا فى المتعة ~~واستحسن يقدر بالأفلس درهما ليس هذا اللفظ بممتنع فى بعض المواضع وإنما ~~المستنكر أن يجعل ذلك أصلا من الأصول تبنى عليه الأحكام وخالف بينه وبين ~~سائر الأدلة ولا يمكن تحقيق المفارقة والتمييز على ما سبق به القول فى ~~السبب والعلة والشرط والفرق بين معانى ذلك ومواجبها PageV02P271 اعلم أن ~~مما يكثر ذكره فى أقوال الفقهاء ويرد فى المسائل هو السبب والعلة والشرط ~~ولابد من معرفة ذلك والفرق بين معانيها ومواجبها # أما السبب # فاعلم أن السبب فى اللغة اسم للحبل الموصل إلى ما لا يوصل إليه إلا ~~بتعلقه به ثم يسمى كل مبنى يتوصل به إلى مطلوب مرام باسم السبب بسببها ~~بالحبل الذى يتدلى به من يوصل به إلى مرامه ومطلوبه مع أنه لا أثر للحبل فى ~~إيجاد ذلك المطلوب وتحصيله وإذا كان السبب فى اللغة اسما فنقول حده ما يوصل ~~إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما # وقيل إن السبب مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقديمها فلا أثر لها فيه ~~ولا فى تحصيله وهذا كالجبل سبب للوصول إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا ~~بالحبل PageV02P272 وكذلك الطريق سبب للوصول إلى المكان الذى يقصده ثم ~~الوصول لا يكون بالطريق بل بقوة الماشى وكذلك الدلالة بحل الشىء سبب لأخذه ~~وليس الأخذ بدلالة بل هو بقوة الأخذ وكذلك حل قيد المقيد سبب لفراره ثم ليس ~~الفرار بحل القيد بل هو بقوة الفار ويمكن الاستدلال على ما ذكرناه بقوله ~~سبحانه وتعالى @QB@ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم ~~آياته لعلكم تعقلون @QE@ # فجعل الله تعالى ضرب القتيل ببعض لحم البقرة سبب الحياة فلا أثر لذلك فى ~~الحياة وكذلك ضرب موسى البحر ms730 بالعصا صار سببا لصيرورته يبسا وضربه الحجر ~~صار سببا لانفجار العيون من غير أن يكون ضرب العصا مؤثرا في تجفيف البحر أو ~~انفجار الماء من صخرة صماء وتبين بهذه الأمثلة صحة قولنا فى الحد الأول أنه ~~وصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما # ببينة أن العصا بالضرب فى البحر والحجر لم ينقلب طبعه عما كان إلى شئ آخر ~~ليؤثر فى يبس البحر أو انفجار الحجر بالضرب ولكنه صار سببا بجعل الله تعالى ~~ذلك سببا فدل أن السبب للشئ سبب وإن لم يكن له تأثير فى إيجاده بوجه ما ~~ولأهل الكلام فى هذا خوض كثير وقد جعلوا الطعام سببا للشبع والماء سببا ~~للإرواء وليس هو بنفسه مشبعا ولا مرويا لكم المشبع والمروى هو الله تعالى ~~على الحقيقة وهذا من حيث الإعتقاد صحيح لكنه لا يسببه النظر الأول فإن فى ~~الطعام طبع الإشباع وفى الماء طبع الإرواء والأولى هو الاقتصار على القدر ~~الذى قلناه # وذكر أبو سليمان الخطابى وقد كان من العلم بمكان عظيم وهو إمام من أئمة ~~PageV02P273 السنة صاح للاقتداء به والإصدار عنه قال السبب هو الوصلة التى ~~يتوصل بها إلى الشئ ومن هذا قيل للحبل سبب وللطريق سبب لأنه بسلوكه تصل إلى ~~الموضع الذى تريده قال الله تعالى @QB@ فأتبع سببا @QE@ أى طريقا وقد يسمى ~~السبب علة لأنه يتوصل به إلى معرفة الحكم كما بنيته بالعلة على الحكم إلا ~~أنه ليس كل سبب بعلة ولكن كل علة سبب كما أن كل علة دليل وليس كل دليل علة ~~وفرقوا بين العلة والسبب من وجوه فقيل العلة لا توجد إلا ومعلولها موجود ~~كالنار لا توجد ولا إحراق وقد يوجد السبب ومسببه غير موجود كالسحابة توجد ~~ولا مطر وقد قيل إن السبب هو الحال الذى يتفق بكونها نزول الحكم كالوقت ~~الذى يتفق فيه نزول الحكم والعين التى يتفق نزوله فيها وقد يوجد السبب ~~والحكم غير مقصور عليه بل يكون عاما لأهل ذلك السبب وغيرهم فيمن لا يشاركهم ~~فيه # وأما العلة # فتطرد مع الحكم بكل ms731 حال وقيل إن العلة هى المعنى الجالب للحكم ومنه علة ~~المريض وهى السبب والجالب للمرض # وقد قال بعض الشعراء # ( ألم تر أن الشئ للشئ علة % يكون بها كالنار تقدح بالزندى ) # وقد قيل أيضا إن اشتقاق العلة فى اللغة راجع إلى معنى التكرار والدوام ~~وذلك أن العرب تسمى السقى الثانى عللا وتسمى المرأة التى نكحت على الأخرى ~~علة وذلك أنها تعل بعد صاحبتها فكانت العلة على هذا الاشتقاق هى الشئ التى ~~يتكرر ويدوم بوجوده ما علق به # واختلفوا فى المعلول ما هو فقال بعضهم هو الحكم لأنه مجلوب العلة ويقال ~~علة هذا الحكم كذا فتضيف العلة إلى الحكم # وقال آخرون هو الشيء الذى وقعت فيه العلة بمنزلة المضروب الذى وقع فيه ~~الضرب # ألا ترى أنا نقول إن البر معلول بالأكل والخمر معلول بالشدة PageV02P274 # وأما الشرط # فأصله العلامة # قال أبو عبيد ومنه أشراط الساعة أى علاماتها # وحد الشرط ما يتغير به الحكم بوجوده ويفارق السبب لأن الشرط يقتضى ~~PageV02P275 تغير الحكم بوجوده وعدمه والسبب قد لا يوجد ذلك بل يوجب ~~مصادفته وموافقته وقد أشار إلى هذا الذى قلناه الشيخ القفال الشاشي # قال القفال والطريق فى التمييز بين العلة والسبب والشرط أنا ننظر إلى ~~الشئ فإن جرى مقارنا للشئ مع تأثير الشئ فيه دل على أنه علته وإن جرى ~~مقارنا للشئ أو غير مقارن لا تأثير للشئ فيه دل أنه سببه PageV02P276 # وأما الشرط هو ما يختلف الحكم بوجوده وعدمه وهو مقارن غير مفارق للحد ~~كالعلة سواء إى أنه لا تأثير له فيه وإنما هو علامة على الحكم من غير تأثير ~~أصلا # ويقال أيضا فى الفرق بين السبب والعلة إن السبب قد يوجد مع تراخى الحكم ~~كالبيع بشرط الخيار سبب للملك ليس بعلة ولو كان علة لما تأخر حكمه ولكنه ~~سبب منعقد ويصير علته بارتفاع الخيار فيكون ارتفاع الخيار شرطا ليصير علة ~~لوقوع الملك فمتى وجد هذا الشرط انقلب السبب علة ولا يتراخى عنه حكمه ثم ~~الحكم إذا وجد بانضمام الشرط إلى السبب يضاف إلى ms732 السبب لا إلى الشرط ولهذا ~~قلنا بتضمين شهود اليمين إذا رجعوا دون تضمين شهود الشرط وكذلك حصول الجرح ~~فى المجروح من المكلف المختار سبب لوجوب القصاص عند زهوق الروح ويصير عند ~~زهوق الروح علة القصاص وكذلك حصول النافى فى يد الغنى المكلف فى الزكاة سبب ~~لوجوب الزكاة وإذا حال الحول صير علة موجبة وكذلك اليمين قبل الحنث سبب ~~لجواز أداء الكفارة ويصير عند الحنث علة موجبة مقررة وكذلك الطلقة الواحدة ~~سبب التحريم فى الرجعة وعند انقضاء الرجعة تصير علة لانقطاع النكاح # وقد ذكروا مثال هذا الشرط فقالوا إن الحياة شرط فى صحة وجود العلم ~~والقدرة وغيرهما من صفات الحى ولا يصح وجود العلم والقدرة بدون الحياة وهذا ~~فى العقليات وفى الشرعيات لا تصح الصلاة بدون الطهارة ولا يصح الصوم بدون ~~النية وهذا الذى ذكرناه هو مذهبنا وقد أوردناه على ما ذكره الأصحاب مع شئ ~~من الزيادة فى تقديره وتحقيقه # وأما أبو زيد فله كلام كثير فى السبب والعلة والشرط ونذكر طرفا من ذلك ~~ونتكلم على ما يوافق مذهبنا قال فى تقويم الأدلة الأسباب التى تسمى أسبابا ~~شرعا أربعة أقسام سبب اسما لا معنى وسبب محض اسما ومعنى وسبب هو علة العلة ~~معنى وسبب هو علة معنى # أما السبب اسما لا معنى ولا حكما فنحو اليمين بالله فى حق الكفارة فإنها ~~بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف وكذلك النذر المعلق بالشرط ~~فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط ويسمى النذر المعلق بالشرط سببا ~~وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجازا لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى ~~السبب لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره وطريقا واليمين تعقد للبر ~~وأنه مانع من الحنث الذى تجب PageV02P277 عنده الكفارة وليس بطريق ولكنه ~~لما كان الغرض أن يزول المانع فيصير علة كان فى صورة السبب ويتحلل المانع ~~ذهب عنه معنى السببية ولهذا قال أصحابنا لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث # قال ونقول على هذا إن تعليق الطلاق بالنكاح جائز لأنه ليس ms733 بطلاق ولا هو ~~سبب الطلاق ولا يعتبر لانعقاده شرطا لطلاق وهو ملك النكاح كما لو حلف بشئ ~~آخر وإنما تكلم هذا بما يصير خلافا وهو إذا وصل إلى المرأة التى هى محلها ~~بعد الشرط وإنما يعتبر فى الحال كون الرجل من أهل التكلم به ومن أهل اليمين ~~لأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين يرتفع بعد ~~الحنث لأنه يبقى بعد الحنث قوله أنت طالق أو على كذا وهذا القدر لا يكون ~~يمينا # وكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر وبعده يزول الانعقاد وهو ~~كعقد قائم مفسوخ فلا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى ~~البيع # وكذلك بعد الحنث يزول معنى اليمين المنعقدة لإيجاب البر فلا تكون ~~المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه # قال فالمتعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشرط وقد تسمى ~~أسبابا تسوية مجازا فهذا ضرب مجاز ولكنه معتبر شرعا لأنه فى الحال معتبرة ~~أيمانا لحكم شرع اليمين له وكان عقدا صحيحا لحكم صحيح وإنما أبطلنا كونه ~~سببا لحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد فى الحال # قال وأما السبب المحض فنحو حل قيد العبد حتى أبق فإنه سبب محض ولا يضمن ~~العبد لأن الإهلاك كان بالإباق والإباق كان باختيار من العبد لا بقوة حدثت ~~من الحل وكذلك إذا دل سارقا على المال حتى سرق ولا يضمن المال لأن أخذ ~~المال كان باختيار السارق لا بقوة حدثت من الدلالة # قال ولهذا قال علماؤنا إن الدابة إذا أتلفت زرع الإنسان لم يضمن صاحب ~~الدابة لأن التلف كان بوطء أو بأكل فعلته الدابة باختيارها لا بقوة حدثت من ~~تسبيب صاحبها وكذلك ما انفتح باب أسطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى ~~PageV02P278 طار الطير لم يضمن لأن الخروج والطيران كان باختيار من الطير ~~والدابة لا بقوة حدثت من الفتح أوجبت له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ~~ليفسد الاختيار بالكره ولا يلزمنا على هذا المحرم إذا دل على صيد حيث يضمن ~~لأن الدلالة ms734 سبب محض فى حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث الأخذ للصيد ~~ولكنه يضمن من حيث أزال أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل ~~أمنه فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على ~~الوديعة يضمن به ويضمن فى مسألة الدلالة من حيث إنه جنى بالدلالة على ~~إحرامه فإن أزال الأمن عنه لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم ~~بمكانه فلا ينجيه إلا الفرار على خوف ولهذا قلنا إن حافر البئر لا يضمن ~~الكفارة ولا يحرم الإرث لأنهما يجبان جزاء بإزاء فعل القتل مباشرة ~~والمباشرة من الحافر فى حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط وإنما اتصل به ~~عمق حادث بفعله فصار يشبه سقوطا للعمق الحادث بفعله إلا انه شرط لسقوطه ~~لأنه علة لسقوطه فسقوطه سبب ثقله الذى لا يحمله الهواء والأرض كانت تحمله ~~ولما صار العمق الحادث بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن ~~صاحب الشرط وأما ضمان التالف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل إنما ~~يضمن التالف لوجود تلف مضاف إليه والحكم إلى الشرط مضاف وجودا وإن لم يضف ~~إليه وجوبا وإذا اضيف إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف ~~وصلح كل واحد منهما أن يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى وها هنا ~~العلة ثقله أو شبه وذاك لا يصلح سبب الضمان لأنه ليس بتعد فوجبت الإضافة ~~إلى صاحب الشرط # قال وكذلك زوائد الغصب المتصلة والمنفصلة أمانة عندنا لأن ضمان الغصب ~~ضمان فعل خاص هو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الجزاء إلا بإزالة ~~يده عن الشئ وهذا الحد وجد فى الأم ولم توجد فى الزوائد لأنها حدثت فى يدى ~~الغاصب فلا يجب ضمان الغصب به وإن سلمنا أن البقاء تعد حكما فهو تعد غير ~~الغصب ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير ~~PageV02P279 ضمان الغصب تكلمنا فيه قال وعلى هذا يقول إن شهود ms735 القصاص إذا ~~رجعوا بعد ما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة ولا يحرمون ~~الإرث ويضمون الدية كالحافر سواء لأن المباشرة منهم بأداء الشهادة وقد ~~انقضت بالفراغ عن الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا ~~الحاكم ذلك إلا أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمى والكفارة جزاء الإتلاف ~~حقيقة وذلك بمباشرة الولى وهو فيه مختار غير ملجأ فنقصر فعله ولا ننتقل إلى ~~الشهود فلا يلزمهم ضمان القتل حقيقة وكذلك الرجل تكون له امرأتان صغيرة ~~وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة حتى بانتا فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف ~~الصداق ويرجع بما غرم على الكبيرة إن تعمدت الفساد ولا يرجع إن لم تتعمد ~~الفساد لأن الرضعة مسببة للفرقة وليست بصاحبه علة كالحافر سواء لأن فعلها ~~فى التمكين من الارتفاع لا غير والفرقة تتعلق بوصول اللبن فى الجوف وذلك ~~إنما يحصل بارتضاع الصغيرة وهى مختارة فى غير ذلك غير أن مص الصغيرة إنما ~~يكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل الكبيرة وهو بقاء الثدى فى فمها بإلقام كان ~~منها ابتداء إن كان الإلقام تعديا وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء وهو ~~كالحفر سواء إذا لم يكن تعديا لم يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان ~~منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب لا يكون فوق التلف والتلف إذا لم يكن ~~بتعد من الحافر لم يضمن فكذلك الوجوب هاهنا وعندنا الضمان إنما يجب لإيجاب ~~المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير متقوم عندنا ولو شهد الشهود بالفرقة ~~بعد الدخول ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة ~~مباحا أضيف الإيجاب إلى ما هو تعد فوجب الضمان على ما مر من الأسباب ووجود ~~بعض ما يتم علته بانضمام معنى آخر إليه كأخذ شطرى البيع وأخذ وصفي علة ~~الربا فهو من الأسباب المحضة لأن الحكم لا يجب ما لم تتم العلة وذكر أن ~~البعض من العلة لا يكون له حكم العلة # قال وعلى هذا نقول لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد لأن ms736 علتها الرأس فلا ~~يكون للبعض حكم العلة وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هى الكيل ~~وهذا بعض ما يكال وليس بمكيل وذكر أمثالا لهذا قال وأما السبب هو علة العلة ~~PageV02P280 فهو السبب الموجب لأنه أوجب علة الحكم فمن حيث إنها لم توجب ~~إلا بواسطة علة كانت سببا ومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكم به أضيف الوجوب ~~إليه صار موجبا ولهذا السبب حكم العلة من كل وجه لأن علة الحكم لما حدثت ~~بالأولى صارت العلة الأخيرة مع حكمها الأول ومثاله الرمى المصيب القاتل ~~فإنه سبب الموت لأن فعل الرمى ينقطع قبل الإصابة لكنه أوجب حركة فى السهم ~~وصل بها إلى الرمى وأوجب نقض بنيته ثم انتقاض البنية أحدث آلاما قتلته وكان ~~الرمى سببا موجبا وله حكم حر الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الآلام ~~انتقاض البنية ونفوذ السهم إحكاما للرمى # قال وقلنا نحن إن شراء القريب إعتاق ويجوز به التكفير لا سبب موجب للعتق ~~لأن الشراء علة الملك والملك القريب علة العتق فكان الشراء علة علة العتق ~~فكان له حكم العلة وصار الملك مع العتق حكمين للشراء # قال ولهذا قلنا إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما يصير ~~موجبا بالآخر ثم الحكم يجب بالكل فيصير الوصف الآخر كعلة العلة ومن هذه ~~الجملة قطع حبل القنديل حتى يكسر وشق الزق حتى يسيل لأن قوامه بمسكته ومسكة ~~القنديل بالحل ومسكة الدهن بالزق والقطع والشق علة مزيلة للمسكة وزوال ~~المسكة علة التلف قال وأما السبب هو الذي علة فهو الموجب للحكم بنفسه فى ~~ثانى الحال بلا واسطة علة لكن الحكم فى الحال لم يجب لعدم تمامه لا لعدم ~~بعض ما هو علة بل لعدم وصف ما هو علة من حيث لم يوجب بنفسه حتى تم بوصفه ~~كان سببا وطريقا إليه ومن حيث إن الحكم فى الثاني يضاف إلى العلة دون وصفها ~~لأن الأوصاف أتباع لم تكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء وهذا ~~أرق وجوه ms737 الأسباب ومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب وعلة إذا تم الحول لأن ~~الزكاة تجب بسبب الغنى والغنى فى النصاب دون الحول ولما لم تجب الزكاة ~~بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر على القائم به وهو أنه يوصف بأنه حولى فى ~~ملكه لأن الشرع علق الزكاة قال نام معنى والنمو لا تكون إلا مدة فشرط صفة ~~التفاجؤ لا يستحق النمو فصار المال المرصد للنمو أصل العلة والحول وصفا فلم ~~PageV02P281 يعمل أصل العلة ما لم يتم وصفه # قال ولا يقال إن حولان الحول عليه شرط الوجوب لأنه سبب بقوله صلى الله ~~عليه وسلم ( لا زكاة فى مال حتى يحول الحول ) وحتى ليست بكلمة شرط إنما هى ~~توقيت ولا يقال إن الحول أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق ~~فكان ينبغى أن تسقط بإسقاطه بأن يأخذ بالعزيمة ويجعل الأداء كما فى صوم ~~المسافر لما كان المانع من الوجوب أجل الله تعالى صح التعجيل بها هنا إذا ~~عجل لا يكون فرضا بل يكون موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها على ما مر بيانه ~~علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن التعجيل ليس على وجه الرخصة وهذا ~~لأن الحول متى تم واتصف النصاب بما قلنا والوصف لا يقوم بعينه # بل بالموصوف وهو المال من حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحول إلا ~~إلا إذا بقى حولا فاستند بالوصف إلى أصل المال وصار ذلك المال من أول الحول ~~متصفا بأنه حولى كالرجل يعيش مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك ~~الوليد نفسه لا شخص آخر فإذا استند الوصف إلى أول النصاب استند الحكم ~~والوجوب إلى أوله أيضا فيعتبر التعجيل مؤديا بعد الوجوب فيجزئه وأما بعض ~~العلة فلا تستند إلى ما قبله بل تقتصر على حين وجوده لأنه ليس بتبع لما ~~قبله وإذا اقتصر على حين التمام فيبقى الأداء قبله إذا قبل الوجوب فلا ~~يجزئه # قال وهذا كما قيل فى المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله أنه ينفذ ~~ويصير ملكا للموهوب ms738 له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا وإذا مات نقضت الهبة ~~فى العلتين لأن العلة الحاجزة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض وقولنا ~~مميت صفة للمرض والوصف معدوم وقت الهبة فنفذت الهبة من غير حجز فلما دام ~~المرض حتى مات تم الوصف فصار أول الوجوب متصفا بالإضافة لا آخره لأن الموت ~~يضعف القوى وكل جزء من المرض بعده أخرج عن عداد الأصحاء يضعف بمنزلة جراح ~~متفرقة سرت إلى الموت فإنه أضاف إلى الكل دون الأخير فتمت علة الحجر من حين ~~أصل المرض الذى أضفناه والتصرف وجد بعده فصار محجوزا عليه فنقض عليه إذا لم ~~يجزه صاحب الحق قال وعلى هذا قال علماؤنا إذا جرح رجل PageV02P282 رجلا خطأ ~~وكفر ثم مات المجروح أجزأه بالمال والصيام جميعا لأن علة الوجوب هى القتل ~~وذلك اسم لجرح يسرى إلى النفس فيموت والسراية صفة لأصل الجرح فعدم الوصف ~~يمنع الوجوب ولا يمنع التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها فى الثانى هذا ~~كلام أبى زيد فى أقسام سبب ذكرت أكثره وتركت بعضه والمذكور كاف لبيان ~~أصولهم وأكثر هذا الكلام إنما هو على أوضاع لهم فى أصولهم على ما زعمه ~~هؤلاء على ما زعمه مشايخهم وأصحابهم والذى ذكر أولا أن اليمين ليست الكفارة ~~ضيقة إنما هى السبب تسمية ومجازا فالأصل أن الشئ إذا حكم بثبوته يكون حقيقة ~~ومن ادعى كونه مجازا فعليه الدليل وقد ذكرنا فى كثير من المواضع أن الكفارة ~~لقضاء حق الاسم وذلك فى الحال الواقع بالبئر فلا يجب التكفير مع حصوله في ~~الحال بغيره ثم إذا حنث فقد فات قضاء حق الاسم بالبر فيجب الآن قضاؤه ~~بالكفارة ألا أن السبب لذلك هو اليمين لما بينا من قبل فإذا كفر جاز لأنه ~~قد فعل بعد وجود سببه فإذا كان المفعول لقضاء حق الاسم وسببه قد تحقق ~~باليمين فلا معنى لمنع الجواز وأما قوله إن السبب ما يتقرر عند وجود حكمه ~~فلما ارتفعت اليمين بالحنث وهو زمان وجوب الكفارة دل أنه لا يصلح ms739 سببا ~~للكفارة # قلنا الكفارة سببها اليمين على ما قلنا ولكن لما كان هذا الواجب كفارة ~~فلابد من اتصال هتك باليمين ليستقيم الواجب كفارة ثم إذا اتصل الهتك ~~باليمين باتصال الحنث بها لم يمنع تأخر اتصال الحنث باليمين من تحقيق ~~السببية فى الحال مثل الموت مع الجراح فإن تأخر الموت عن الجراح لا يمنع من ~~تحقيق السببية فى الحال حتى جازت الكفارة والمعنى ما بينا فى ذلك أنها ~~لقضاء حق الاسم عند الاستشهادية فى عقد مخصوص والاسم في اليمين فكانت هى ~~السبب # وأما ارتفاعها عند الحنث فلا يقول بنفس الحنث ارتفع لكن إذا كفر ووقع ~~قضاء حقها بالتكفير لم يبق لبقائها فائدة فارتفعت كالرجل يقول والله لا ~~أكلم فلانا يوم كذا فمضى اليوم ولا يكلم ارتفع لعدم الفائدة فى بقائها ~~فارتفعت # وأما مسألة الدابة إذا اتلفت زرع إنسان إنما أوجبنا الضمان إذا وجدنا ~~بالليل قضاء النبى صلى الله عليه وسلم بإلزام أربابها الحفظ لها وإذا أمر ~~منهم حفظها بالليل فقد ألزمهم ضمانها إذا فسدت وأما فتح باب القفص وباب ~~الأسطبل فهو سبب لطيران الطير PageV02P283 وسبب لخروج الدابة وإنما جعلنا ~~ذلك سببا لأن السبب ما يوصل إلى شئ ونحن نعلم قطعا أن فتح الباب موصل إلى ~~الطيران وطيران الطير هلاك له فى حق مالكه وكذلك فى حفر بئر عمق المكان ~~مبطل لاستمساكه على الأرض فى حال سببه الذى هو مباح له وزوال المسكة فى مثل ~~هذه الصورة مهلكا له فصار بفتح الباب مهلكا للطير بهذا الوجه وبحفر البئر ~~مهلك للواقع من هذا الوجه وضمان الهالك واجب على المهلك سواء أكان الواجب ~~حق الله تعالى أو حق الآدمى وهذا لأن التسبب قتل لأنه لا يمكن مباشرة إزهاق ~~الروح فيكون تحصيله بالتسبيب إليه إلا أن التسبب إذا قوى بأن يؤدى إلى ~~الهلاك غالبا أوجب القود وإذا ضعف بأن لا يؤى إلى الهلاك غالبا أوجب الدية ~~وكان المعنى فيه أن القود وجب لحكمة الزجر فإذا ضعف السبب استغنى عن الزجر ~~فسقط القود وإذا قوى السبب ms740 افتقر إلى الزجر فوجب القود وإذا ثبت أنه قتل ~~وجبت الكفارة به # ببينة أن بالاتفاق وجبت الدية لحق الآدمى وضمان المتلف لا يجب إلا ~~بالإتلاف دل أن حفر البئر إذا اتصل به السقوط إتلاف وعلى هذا وجب القصاص ~~على شهود القصاص إذا رجعوا لأنه سبب قوى يؤدى إلى التلف فصاروا متلفين # والدليل على أن فعلهم إتلاف وجوب الدية عليهم قولهم إنهم قتلة حكما لا ~~حقيقة قلنا إذا كانوا قاتلين فيكونون قاتلين حقيقه وإلا لم يكونوا قاتلين ~~ثم نقول إنما صاروا قتلة بإتيانم هلاك الشخص حقا للمشهود له وإذا جعلوا ~~هلاكه حقا فقد أهلكوت فهذا وجه قولنا إنهم قتلة ثم إذا صاروا قتلة فسواء ~~صاروا قتله حكما أو حسيا بعد أن يستند إثبات قتلهم إلى فعل حسى يوجد منهم ~~إسقاط إيجاب القود عليهم بذلك الفعل الحسى الذى أوجب نسبة القول إليهم وهذا ~~كالرمى والجرح المؤدى إلى هلاكه وقولهم إن الولى يختار القتل قلنا اختياره ~~للقتل لم يمنع نسبة القتل إلى الشهود حكما فلا يمنع أيضا وجوب القود عليهم ~~وهذا لأن جهة القتل فى حق الولى والشهود مختلفة فالولي صار قاتلا بمباشرته ~~جرحا أو حز رقبة والشهود إنما صاروا قتلة بجعلهم هلاك الرجل حقا للولى وإذا ~~اختلفت الجهة لم تمنع اختيار الولى من نسبة القتل إلى الشهود وأما مسألة ~~ولد الغصب فنحن قد ذكرنا أن الغصب إثبات اليد بعدوان على مال الغير وهذا ~~القدر مستقل كاف في إيجاب الضمان ولا PageV02P284 نعتبر وراءه شيئا آخر ~~وهذا لأن ما يستقل بإيجاب الضمان بنفسه إذا وجد فلا معنى لضم شئ آخر إليه ~~وإثبات اليد على مال الغير مستقل بنفسه لإيجاب الضمان لأن إزالته اليد التى ~~يشيرون إليها لا يراد لعينها وإنما يراد لإثبات اليد فإذا كانت الإزالة ~~وصلة وذريعة لم يعتبر وجودها بعد أن وجد المقصود وتمام هذا فى تلك المسألة # وأما مسألة إرضاع الكبيرة الصغيرة فاعتبار وجود التعمد إلى الفساد بعد أن ~~وجد الفساد بعيد عن مسالك الشرع والذى ذكر من قوله إن الإلقام ms741 تعد فإثبات ~~التعدى فى إلقام الصبى الثدى متعذر إلا باعتبار إفساد النكاح متصل بهذا ~~الفعل سواء تعمد الإفساد أم لم يتعمد وإذا اتصل الإفساد به وكانت المرأة ~~المرضعة منشدة للنكاح فشرط قصدها التعمد أو عدم قصدها التعمد لا وجه له ~~كالرمى فإنه لما كان تعديا بإصابته آدميا فبعد أن أصاب الآدمى وتحقق قتله ~~باعتبار تعمده وعدم تعمده لا يكون له وجه الضمان فى الحالين # وأما الذى قاله فى المرض وملك النصاب فهو تكلف شديد والحق يجب للورثة ~~قطعا بعد الموت واستناد وجوب هذا الحق إلى ابتداء المرض غير ممكن لأنه إن ~~كان المرض سبب الموت يضعف القوى فتركيب الآدمى على طباع مختلفة وأمشاج ~~متباينة سبب للمرض وكل العلل فإن ثبوت الاعتدال فى المتباينات عسر جدا ~~فالتركيب المختلف آيل إلى الانتفاض كما أن الضعف آيل إلى الفناء ومن دخل فى ~~أمثال هذا فلا شك أنه ينقطع عليه ويبقى فهمه حسيرا فى بعض المداخل وإنما ~~المنع من التبدع فيما زاد على الثلث من قبل الشرع يجب للورثه من بعد لا لحق ~~واجب لهم فى الحال والدليل على هذا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( إن ~~تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ) فأشار فى المنع إلى ~~معنى بعد موته لا إلى أمر قائم فى الحال # وأما النصاب فهو موجب للزكاة عند اتصال صفة النماء به والنماء يتحقق بحول ~~الحول فهو عندنا مثل اليمين التى سبق ذكرها واتصال الحول بالمال مثل اتصال ~~الحنث باليمين وجواز التعجيل لتبوع نفع للفقراء لكن جواز هذا مع النفع بعد ~~وجود السبب فى نفسه وإن تأخر الوجوب لتأخر الصفة وكأن الشرع لم يلغ وجود ~~السبب واعتبر ذلك فيما يتصل بنفع الفقراء من إخراج زكاة إليهم أو صرف عتق ~~إلى عبيد أو إطعام مساكين ومحاويج ولهذا لم يجوز الصوم فى الكفارة قبل ~~الحنث لأنه ليس بمتصل بنفع أحد والأصل أن كل معنى يمكن اعتباره فى حكم ورد ~~به السمع فإنه يعتبر ولا PageV02P285 يعطل وإراده الشارع ms742 نفع المحتاج معتبر ~~وعدم تعطيل السبب بعد أن تحقق يعتبر فبمجموع هذا ورد الجواز فى المحل فى ~~تعجيل الزكاة وقد ورد الجواز فى تعجيل الزكاة # فأما أن يعمد إنسان ويريد أن يحقق وجوب الزكاة بنفس النصاب والشرع ورد ~~بنفى الوجوب قبل الحول ويجعل نفس ملك النصاب كافيا لوجوب الزكاة وقد وجدنا ~~فى حول الحول اتصال معنى بالنصاب يصلح مؤثرا فى أيجاب الزكاة من تحقق ~~النماء فيه فمحال وصار هذا مثل اليمين والحنث فاليمين سبب والحنث يتصل ~~فيستقيم بناء إيجاب الكفارة على اليمين فى هذه الحالة لأن المؤاخذة فى ~~سببها لابد من اعتبار هتك كما أن الزكاة مواساة فلابد من اعتبار نماء ثم ~~هناك لم يعطل نفس السبب حتى اتصل به جواز الإخراج وإن تأخر الوجوب كذلك لا ~~يعطل السبب فى الكفارة فيتصل به جواز التكفير وإن تأخر الوجوب فهذا وجه ~~الكلام على ما ذكره وتمام هذا مذكور فى الخلافيات فلا يعدم الناظر فى هذا ~~الذى ذكرناه من مزيد فائدة على ما ذكرناه فى التعاليق والمصنفات # | فصل # ثم ذكر أنواع العلل المعتبرة فرعا فقال # العلل المعتبرة أربعة # علة موجودة اسما ومعنى وحكما # وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما # وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى # وعلة موجودة اسما لا معنى ولا حكما # فأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المخاطب عبده وطلاقه امرأته وبيعه ~~ماله ونذره لصدقة شئ وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل قال وأما الموجود ~~اسما لا معنى ولا حكما فنحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان عقد الطلاق اسما ~~ولم يكن معنى ولا حكما على ما مر من قبل # وأما الموجود اسما ومعنى لا حكما فهو مثل النصاب قبل الحول فإنه علة ~~الوجوب اسما ومعنى لا حكما لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول وكذلك الجرح ~~علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما وكذلك البيع بشرط الخيار علة للملك ~~PageV02P286 اسما ومعنى لا حكما وكذلك الطلاق الرجعى علة إبانه انعقدت اسما ~~ومعنى وحكما وأما الموجود حكما لا اسما ms743 ولا معنى فكالسفر فإنه سبب للرخصة ~~والعلة هى المشقة فأثبتت حكم العلة وهى السقوط ولا مشقة وهى العلة على ~~الحقيقة وكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين وإن كانت ~~الأمة بكرا أو اشتراها من صبى أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط ~~بماء قد وجد ولا ماء فى هذه المواضع وكذلك الوضوء يجب عن النوم وإن لم يوجد ~~الحدث والعلة خروج النجس عندنا أو خروج شئ من المخرج على أصل غيرنا وكذلك ~~إذا باشر امرأته وإن انتشرت آلته وليس بينهما ثوب وجب الوضوء وإن لم يخرج ~~شئ بيقين والعلة هى الخروج وكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن ~~بعدم الماء والعلة خروج المنى عن شهوة والسبب يثبت بالنكاح وأصله الماء ~~وثبت وإن لم يطأها ويعلم أنه لم يخلق من مائه وهذا لأن السفر سبب ظاهر ~~للمشقة عادة والمشقة أمر باطن يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم ولو علق ~~الحكم بحقيقة المشقة لتعذر الأمر علينا فعلته الشرع بسببها فى العادات ~~تيسيرا علينا فثبت الحكم وإن عدمت العلة لأن السبب حققها وصار علة شرعا ~~وكذلك خروج الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فتعلق بالسبب ~~المؤدى إليه ظاهرا وهو النوم الذى يرخى مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر ~~العبادة وكذلك الاستبراء لو علق بالماء وهو أمر باطن تعذر علينا مراعاته ~~فتعلق بالسبب المؤدى إلى خلط المياه وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن ~~هذا الاستحداث يصح من غير استبراء لزم للمالك الأول فلو أتحنا للمالك ~~الثانى بنفس الملك لأدى إلى الخلط بخلاف النكاح فإن ملك النكاح إذا زال بعد ~~الدخول لابد من تربص من حيث البراءة فالإطلاق للثانى بنفس الملك لا يؤدى ~~إلى الخلط وإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو التأخير بنفس الملك فقام الخلط ~~حقيقة تيسيرا على العباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء الباطن # واعلم أن هذا الذى ذكره أول ما فيه أن يعمد فى كل فصل يذكره إلى تقسيم ~~مفيد بأعداد ( ) الأربعة ولابد أن يبلغ ms744 هذا العدد ولا يزيد فيستخرج بالنقاش ~~أقساما حتى يبلغ هذا القدر ونعلم قطعا أن هذا ليس من شأن المحقق وما بال ~~هذا الفاضل وعدد PageV02P287 الأربعة وكيف يستقيم أن يصير هذا العدد مما ~~لابد فيه والنقصان فيه جائز متوهم والدليل على أنه لم يكن من شأنه التحقيق ~~في هذه الفصول التى يذكرها أنه قسم العلل والأسباب وجعل أحد الأقسام قسم ~~علة توجد حكما بلا معنى وإذا كانت العلة علة تسمية بلا معنى فكيف يبنى عليه ~~حكم من أحكام الشرع وسبيلها أن تتبع العلل الصحيحة ولا صحة لعلة ما حتى ~~تكون معنوية وذكر أيضا أحد الأقسام قسم علة لا حكم لها وإذا لم يكن للعلة ~~حكم فكيف تكون علة والمسائل التى ذكرها فليس على ما زعم ولأن لم تكن مشقة ~~فهو نادر وكذلك النوم موجب خروج الحدث فى الغالب فاعتبر الغالب فى هذين ~~الموضعين وأعرض عن النادر وعلى أنه قد قال بعض أصحابنا وبعض أصحابهم إن نفس ~~النوم حدث وهو طريق معتمد وصار نفس النوم حدثا بالنص # وأما مسألة الاستبراء فعندنا لابد من ماء حقيقة أو توهم ماء حتى لو عدم ~~كلاهما لم يجب الاستبراء وكذلك فى النكاح لا نقول إن نفس النكاح يثبت النسب # بل النسب عندنا بتوهم الماء وهو إمكان الوطء وثبت بنفس الإمكان احتياطا ~~للنسب # ثم الزوج إذا علم أن الولد ليس منه فقد جعل الشرع له سبيلا إلى نفيه ~~باللعان إلا فى موضوع مخصوص من شخص مخصوص على ما عرف فثبت النسب لهذا الولد ~~الذى نقطع أنه ليس من هذا البائس ويصير ربقة فى عنقه ولا سبيل له إلى ~~التخلص منه بحال وكذلك فى المواضع التى لا يرون اللعان بحال وفى الأشخاص ~~الذين لا يرون إيجاب اللعان وهذا من الحرج والضرر الذى لا يجوز أن يطلقه ~~حكمة الرب وبفضله على عبادة وحسن نظره لهم مثله وكيف يأخذ الشرع ولد زنا ~~فيضعه فى حجر إنسان ويلحقه به ثم لا يجعل له سبيلا فى التخلص منه ولا قبح ~~ولا فظاعة ms745 فوق هذا ولا نفرة فى القلوب ولا ضرر فى النفوس أشد من هذا فدل ~~حكاية مذهبهم على بطلانها وما كانت حكايته معينة من إقامة الدليل على فسادة ~~فنعلم قطعا خطأ تأويله ويجوز أن يقال فى مثل هذه المسألة إن قائله أخطأ ~~ونحكم بخطئه ونقول لو حكم حاكم بثبوت النسب فى مثل هذه المواضع ينبغى ألا ~~ينفذ حكمه PageV02P288 # | فصل # ثم ذكر # أنواع الشرط وجعلها أقساما أربعة # فقال شرط محض وشرط فى حكم العلة وشرط هو فى العلامة المحضة وشرط صورة ما ~~له حكم # فأما الشرط المحض فما يمتنع وجود الحكم إلا بوجوده والشرط المحض بكلمة إن ~~نحو قولك عبدى حر إن دخل الدار فإن التحرير قد انعدم حكما وامتنع وجوده حتى ~~يوجد الشرط # قال ووجود العتاق يضاف إلى الشرط فأما وجوبه يضاف إلى قوله أنت حر وعلى ~~هذا شروط العبادات فإن الوقت علة الوجوب والعلم بالخطاب شرطه فلا يوجد ~~ابتداء الوجوب إلا بعد العلم أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت وكذلك ~~الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع ولكن الوجود شرعا يتعلق ~~بالطهارة والنية وسائر الشروط وكذلك فى المعاملات فإن عقد النكاح يكون ~~بالإيجاب والقبول ولا يؤخذ شرعا إلا بشهود # وأما الشرط الذى هو فى حكم العلة فنحو شق الزق للدهن وقطع حبل القنديل ~~وضمن كأنه كل الدهر أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق بمباشرة إتلاف الزق ~~وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن ~~سببا لا مانعا لكنه فى حكم العلة لأن تماسك الشئ يعتبر بقدر الممكن فى ~~العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف فى العادة لا يكون إلا بالأوعية وكان ~~سبب الدهن فى الوعاء حفظا فيكون شق الوعاء إتلافا وذكر مثل هذا فى قطع حبل ~~القنديل لأن التعليق بالحبل حفظ وكان قطع الحبل إتلافا # قال وهذا كالقتل فإنه مباشرة إتلاف ومعلوم أن القتل اسم لما يزيل الحياة ~~لا لما يفيد جزءا معينا من شخص وإنما كان كذلك لأن الحياة ليست بعين ms746 يمكن ~~أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها بعينها ولكن علق بقاءها ~~محفوظة بسلامة بنيته وكان نقض البنية وبها قوامه إتلافا للحياة # وأما الطلاق فما يحفظ ترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج فإذا تكلم ~~به PageV02P289 وعلق الشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع ~~واعتبر الإرسال عن لسانه اتباعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة قال وعن هذا ~~الأصل قال أبو حنيفة فى الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر الزوج الولادة ~~وشهدت القابلة لم تطلق لأن الشرط حكم العلة فى إيجاب الحكم فلا يثبت وجوب ~~الطلاق بشهادة امرأته # وأما أبو يوسف ومحمد فيقولان الوجوب لا يضاف إلى الشرط فتبقى علامة محضة ~~في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء وذكر مسائل له على هذا الأصل # قال وأما الشرط الذى هو في حكم العلامة فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين ~~بالإحصان أن الحد كان رجما فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله ~~فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه حتى أن أربعة لو شهدوا على الزنا ~~واثنان على الإحصان ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا # قال وأما الشرط الذى هو شرط صورة لا معنى فالشرط الخارج عن وفاق العادة ~~لقوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا @QE@ وقوله @QB@ ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات @QE@ لأن العادة جارية بترك نكاح الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز ~~عنها وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره والسكوت عنه بمنزلة والفائدة فى تخصيص ~~الله تعالى هذه الحالة هى حالة الابتداء بهذه الحادثة فى العادات فصارت هذه ~~الحادثة أولى بالبيان لأن الحاجة إليها أمس # واعلم أن تقسيم هذه الشروط تقسيم باطل أيضا والشرط لا يكون شرطا حتى تكون ~~له حقيقة وإنما يعدل إلى المجازفة بدليل وأما الفرق بينه وبين العلة فقد ~~بيناه # وإذا ثبت الفرقان فقوله إن من الشروط ما يكون علة باطل ms747 وأما مسألة شق ~~الزق وقطع الحبل فإتلاف عندنا بحكم التسبب إليه وقد ذكرنا أن التسبب إتلاف # وأما مسألة طول الحرة فى قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم @QE@ # فظاهر الآية دل على أنه شرط ومن قال ليس بشرط فعليه إقامة الدليل # وأما قوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي في حجوركم @QE@ فإنما سقط كونه ~~PageV02P290 شرطا بدليل قام عليه وكان ظاهر الآية تقتضى أن يكون شرطا وقد ~~ذكر أنواع العلامة وأقسامها ولم أر فى ذكرها فائدة فتركتها فهذا جملة ما ~~ذكره في أقسام السبب والعلة والشرط # وقد ذكرنا الكلام على جميع ذلك بحسب ما أذن الله تعالى ونذكر الآن ~~PageV02P291 # | مسألة أسباب الشرائع # وهى مسألة لابد من ذكرها وللفقهاء إلى ذلك حاجة شديدة لأنها تدخل فى ~~مسائل كثيرة # اعلم أن الواجبات الشرعية عندنا بالخطاب المحض من الله تعالى فكل ما وجب ~~فوجوبه بإيجاب الشرع وكل ما حرم فحرمته بتحريم الشرع ونقول على هذا إن ~~الإيمان وجب على العبد بإيجاب الله تعالى وكذلك الصلاة والزكاة وسائر ~~العبادات وجوبها على العباد بإيجاب الله تعالى # قال أبو زيد فى كتاب تقويم الأدلة إن أصل الدين وفروعه من العبادات ~~والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسبابا لها بدليل قام على ~~ذلك # وأما الأمر فإنه لا إلزام إذا ما وجب علينا بسببه كما يقول البائع ~~للمشترى اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلبا للأداء لا سببا للوجوب فى الدية # قال وعندنا أن الواجب فى الذمة لا يجب نحو الوجوب بل بالطلب من مستحقه ~~وذلك بالخطاب والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب وذلك لأنا نجد وجوب حقوق ~~الله تعالى على من لا يصح خطابه نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر ~~جنونه وإن قصر وقت العبادة وكذلك الصبى على أصل الشافعى يلزمه الزكاة ~~وكفارات الإحرام وكفارة القتل وإن كان طفلا لا يتصور خطابه فعلمنا أن ~~الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت فى حقهم كما فى حق غيرهم وهو كما يلزمه ~~من حقوق العباد بمداينة الولى ms748 وكما يعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو ~~الملك وقد صح فى حقه # ألا ترى وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحدا من هؤلاء أداء حقوق ~~الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلوات تجب متكررة ~~وكذلك سائر الحقوق فى الأمر بالفعل لا يقتضى التكرار بحال أطلق أو علق بوقت ~~فإن من قال لآخر تصدق بدرهم من مالى لم يملك إلا مرة واحدة وكذلك إذا قال ~~حين يصبح أو يسمى أو قال لمجئ عدو لما لم يجب التكرار بنفس الأمر علمنا أن ~~التكرار سبب موجب لتكرار الوجوب كل حين يتكرر PageV02P292 # قال فنقول وبالله التوفيق إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى هو ~~الآيات فى العالم الدلة ع 5 لى حدث العالم وهى دائمة أبدا لا يمكن زوالها ~~عنه PageV02P293 فلأن وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال ~~والتبدل وإنما يسقط PageV02P294 الأداء فى بعص الأحوال للعجز كما يسقط أداء ~~الصلاة عن النائم مع وجوب عليه وسبب الوجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرر ~~الوجوب بتكرر الوقت فإنها لو كانت شروطا لما تكرر الوجوب بتكررها بدون ~~أسبابها ولا يعقل غير الخطاب سببا آخر للوجوب مع الوقت ولما بطل أن يكون ~~الخطاب موجبا للتكرار بقى الوقت سببا بنفسه وصار الخطاب سببا ملزما إذا وجب ~~فى ذمته بسبب آخر ويدل عليه أنه يضاف إليه # فيقال صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شئ يدل على حدوثه كما ~~يقال كفارة القتل وغرامة الإتلاف ووجوب هو الحادث عند وجود الوقت دل أن ~~الوجوب كان بالوقت وقد يضاف إلى الشرط أيضا لكنه يكون على وجه المجاز كما ~~أن الحكم وجد عنده والكلام لحقيقته إلى أن يقوم الدليل على المجاز ويدل ~~عليه أن الله تعالى قال @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ واللام تذكر ~~للتعليل فى مثل هذه المواضع كما يقول القائل يتطهر للصلاة وتأهب للشتاء ~~فثبت أن السبب هو الوقت وكل جزء من الوقت سبب تام فإنه لو كانت السببية ~~تتعلق بالجميع ms749 لوجبت بعد الوقت كالزكاة تجب بعد الحول قال وأما الصوم فسببه ~~الشهر لأنه يضاف إليه فيقال صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت # وقال صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) # كما قال تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ # وقال تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ # علق إيجاب الأداء بشهود الشهر فعلم أنه سبب الوجوب حيث استقام طلب الأداء ~~بعده كالرجل يقول من اشترى شيئا ليؤد ثمنه أى ليؤد الواجب بالشراء قال وسبب ~~وجوب الزكاة النصاب من المال الذى عرف فى الزكاة بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف ~~النصاب في وقت واحد وبدليل الإضافة إليه # فيقال زكاة السائمة وزكاة مال التجارة PageV02P295 # وقال صلى الله عليه وسلم ( لا صدقة إلا عن ظهر غنى ) # وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ( أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ) # والغنى يكون بالمال # وأما الحول إنما اعتبره الشرع تيسيرا للعباد وهذا لأن المال إنما يعتبر ~~سببا إذا أعد للنماء بسببه من تجارة أو إسامة والنمو لا يكون إلا بمدة وقام ~~الحول مقام النمو الذى يصير به المال سببا ولما قام مقام السبب تكرر الوجوب ~~بتكرره # قال وسبب وجوب الجزية الرءوس بأوصاف معلومة لأمه لأنه يقال خراج الرأس ~~يتضاعف بعدد الرءوس # قال وسبب العشر الأراضى النامية وكذلك الخراج بدليل أنه يقال عشر الأرض ~~وخراج الأرض # وأما الحج فسبب وجوبه البيت دون الوقت بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت ~~ولذلك يضاف الحج إلى البيت فيقال حج البيت # قال الله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ # قال وأما الوقت فشرط فى هذا الموضع عنده يجب الحج وأما الاستطاعة فصفه ~~للعبد عندها يحل الوجوب وكان اعتبارها تيسيرا على العباد كما فى السفر بلا ~~زاد ولا راحلة من المشقة وليست الاستطاعه بصفة لما هو سبب فلم يجعل من ~~السبب # ولهذا قيل إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه وتيسير الاستطاعة بملك ~~الزاد والراحلة وقد جاز الأداء قبل ملك ذلك دل أن السبب قد وجد كما يجوز ms750 ~~للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد ولذلك لا يتجدد ~~الوجود بتجدد ملك الزاد والراحلة لأنه ليس بسبب وأما سبب وجوب صدقة الفطر ~~PageV02P296 على المسلم وأيش يلزمه مؤنته فولايته عليه ووقت الفطر شرط عمل ~~السبب فى الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف الرأس وإن كان يوم الفطر ~~واحدا # وأما إضافة الصدقة إلى الفطر فمجاز لأنها تجب فيه لا لأنه سبب وهذا لأن ~~الرأس ليس سبب كل حين لأن صدقة الفطر لا تجب كل حين وكل ساعة وإنما هو سبب ~~للوجوب فى وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلا للوجوب ~~عليه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافرا أو صبيا في أشهر ~~الحج ولا فرق بينهما إلا أن ذلك الوقت ممدود وهذا الوقت مقصور فعلى هذا لا ~~تجب صدقة الفطر على كل كافر يسلم بعد الصبح لأنه ليس بأهل للوجوب عليه # قال وأما الكفارات فأسبابها ما أضيفت إليها كالزنا والسرقة والقذف وشرب ~~الخمر والسكر وسبب وجوب الطهارة الصلاة لأنه يقال طهارة الصلاة ويسقط فى ~~نفسه إذا سقطت الصلاة والشروط لا تجب إلا بما علق صفتها بها كالشهادة فى ~~النكاح واستقبال القبلة فى الصلاة # وأما أسباب المعاملات فتعلق بقاء المقدور بتعاطيها وبيان ذلك أن الله ~~تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى القيامة من طرق التناسل ولا تناسل ~~إلا بإتيان الذكور النساء فى موضع الحرث فشرع الله تبارك وتعالى له طريقا ~~يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع وهو طريق ~~الازدواج بلا شركة فى الوطء ففى الوطء على التغالب فساد وفى الشركة ضياع ~~النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقى على الأم وما بها قوة كسب ~~الكفارات فى أصل الجبلة ولذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق ~~للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض بقدر المحتاج إليه لكل شخص أن يتهيأ ~~له إلا بأناس آخرين وعافى أيديهم فشرع لذلك أسبابا ms751 للإصابة على تراض ليكون ~~طريقا لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففى الأخذ بالتغالب فساد ويدل ~~عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما ~~قال الله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ والعبادة إعمال ~~بخلاف هوى النفوس وما خلق الدنيا دار نعيم واقتضاء شهوة للمؤمنين وإنما هو ~~للمؤمنين فى الدار الآخرة فعلمنا أن الله تعالى ما شرع لنا طريق ~~PageV02P297 الأكل والوطء وما يسستوفي من الشهوات بالأموال لأنفسنا # بل بحكم ابتلائنا بإقامته وفى الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له ~~وعاص لا يعمل فخلق الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع بحق الأمر والعاصى ~~فيتأدى بالفريقين جميعا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعا فيما فعلوا ~~مبتلين بأمر حكمه عاملين له بخلاف هوى نفوسهم فالكافر يهوى خلاف الله تعالى ~~فيما أمره وقدره جميعا وعلى هذا أفعال الكفرة جهلا وتعنتا لا يخرجهم من ~~كونهم مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم فإن الله تعالى قد قدر أن ~~يكون للنار قوم استوحبوها بما كان منهم وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق ~~استوحبوها بما كان منهم جزاء وفاقا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره ~~فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلى بإقامة حكم الله تعالى على ~~ما قال @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس @QE@ وإنما كانوا لجهنم ~~لما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال تعالى @QB@ فسنيسره ~~لليسرى @QE@ وقال @QB@ فسنيسره للعسرى @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم ( كل ~~ميسر لما خلق له ) فصار كل منا مبتلا بما خلق له فى عاقبة أمره تقديرا أطاع ~~الأمر وارتكب النهى إثباتا لقهر العبودية عليهم وعظمة الألوهية تبارك الله ~~الواحد القهار فالمطيع في طاعة ربه # لأول أمر مبتلا بخلاف هوى نفسه والآخر مبتلا فى طاعة نفسه لإقامة حكم ~~الله فى عاقبة أمره بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء ~~الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر هذا كلام أبى زيد سردته بما فيه ولم أترك ~~منه إلا الذيل ms752 الذى لا يعبأ به # واعلم أن الذى قاله خطأ واختراع ولا أظن أن أحدا قبله صار إليه وإنما ~~الناس كانوا على أحد قولين فى الإيمان فذهب أهل السنة إلى أن الوجوب ~~بالخطاب من الشارع وذهب طائفة إلى أن الوجوب بالعقل ولم يعرف أن أحدا من ~~الأمة قال إن وجوب الإيمان ينصب الدلائل من رفع السماء وبسط الأرض ونصب ~~الجبال وخلق الشمس والقمر والكواكب فإنما فى هذا القول أنه خلاف الأمة ~~ومكابرتهم باختراع قول ثالث لم يعرف # وأما سائر العبادات وكل الأوامر والنواهى الواردة من الشرع فقد قالت ~~الأمة إن عامتها سمعية وإنما قال من قال بإيجاب العقل وحظره في أشياء ~~يسييره وذلك مثل شكر PageV02P298 المنعم ومنع الظلم وغير ذلك # فأما العبادات المعروفة والكفارات والتحميدات وغاية الحدود فقد أجمعت ~~الأمة أنها سمعية ومعنى قولهم نحن نقول إنها سمعية أنها وجبت بالسمع وهو ~~خطاب الله تبارك وتعالى بالإيجاب فإن قالوا إنها سمعية على معنى أن الله ~~تعالى وضع هذه الأسباب وجعلها موجبة # قلنا قولنا واجبات سمعية أنها وجبت بأقوال مسموعة لأن ما لا يسمع لا يكون ~~سمعية والسمع يختص بالأقوال وإذا كان على ما قالوا لم تكن سمعية ولا عقلية ~~إما لا يكون سمعية لأنه لم يكن وجوبها بقول يسمع وإما لم تكن عقلية لأن ما ~~قلتم يقتضى وجوبها على من لايعقل هذه بالأسباب فى حق الكل على العموم من ~~العقلاء وغير العقلاء ثم يدل بدليلين واقعين فى أن الوجوب بالخطاب فنقول ~~أمر الله تعالى مؤثر في الإيجاب لأن الله تعالى رب الخلق والفهم والخلق ~~عبيد له وأمر المالك مؤثر فى الإيجاب على العبد مثل ما تعرفه من أمرنا على ~~عبيدنا ومماليكنا فأما زمان يأتى ويمضى وما كان يوجد ويذهب ومال يملكه ~~العبد ويفنى لا يعرف لها تأثير فى إيجاب شئ على العبد ويعنى بالأزمان أزمان ~~الصلوات وزمان الصوم ويعنى بالمكان ما ذكروه من البيت وأنه سبب الحج ويعنى ~~بالمال مال النصاب فلا يعرف لهذه الأشياء تأثير فى إيجاب شئ منها نعم ms753 يجوز ~~أن يكون الزمان علامة وأمارة وكذلك المكان أو يقال إن الزمان ظرف العبادة ~~والمكان مكان العبادة والمال محل الواجب من الزكاة والكفارات والنصوص التى ~~وردت فى الكتاب والسنة تذكر هذه الأشياء فإنما هى على هذا المعنى لا غير ~~وقد ورد النص فى أن الله تعالى هو الموجب للأشياء # قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن ( ادعهم إلى شهادة أن ~~لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم وترد فى فقرائهم ) # والحديث الآخر حديث ضمام بن ثعلبة أنه قال يا رسول الله إن رسولك أتانا ~~وأخبرنا أن الله تعالى فرض علينا كذا وكذا الخبر ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ~~ولله على الناس حج البيت @QE@ # وهذا نص فى أن الله تعالى هو الذى أوجبه علينا فإن قيل نحن نقول إن الله ~~PageV02P299 تعالى فرض علينا لكن على معنى أنه تعالى نصب الأسباب وهذه ~~الأسباب للإيجاب # ثم قالوا إن الأوامر الواردة فى الشرع من قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ # وقوله صلى الله عليه وسلم ( صوموا شهركم وصلوا خمسكم وأدوا زكاة اموالكم ~~طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم ) مفيدة فعل الأداء فأما أصل الإيجاب فكان ~~الذى قدمناه وهذا لآن قوله صل وزك وصم وحج أمر بالفعل والأمر بالفعل تالى ~~الوجوب ففذا لم يتقدم الوجوب لم يتصور الأمر بالأداء # والجواب أنا قد بينا أن هذه الأشياء لا تصح أسبابا وأما الخطاب فصالح ~~للسببية # وأما قولهم إن الله تعالى جعل هذه الأشياء أسبابا للوجوب قلنا هذه دعوى ~~لابد عليها من دليل ومجرد الإضافة لا تدل على السببية لأن الشئ قد يضاف إلى ~~سببه وقد يضاف إلى شرطه ويضاف إلى محله # فإن قالوا إن الأصل ما قلنا # قلنا ليس كذلك لأن الإضافة لا تدل إلا على التعريف وكل ما يصلح تعريفا ~~للشئ يصلح للإضافة التى قلتم وعلى أنه يقال دين الله فيضاف إلى الله فهل ~~نقول إن الله تعالى سبب للوجوب # وأما قولهم فى الدليل على ms754 ما ادعوه بثبوت تكرره عند تكرر الوقت قلنا هو ~~لقيام الدليل وهذا لأن الأمر لا يدل على التكرار بنفسه # فأما عند وجود قرينة تنضم إليه يدل على التكرار فيدل عليه وعلى أنه قد ~~قال جماعة من أصحابنا إن الأمر المعلق بالوقت يتكرر بتكرر الوقت وهذه ~~الأوامر معلقة بالأوقات فتكررت بتكرر الأوقات فسقط ما قالوه جملة # وأما قولهم إن الأوامر الواردة فى الكتاب والسنة إنما تدل على فعل الأداء ~~قلنا يدل على الوجوب أولا # ثم يدل على فعل الأداء مثل السيد إذا قال لعبده اسقنى فإنه يدلل على ~~الوجوب عليه ويدل على فعل السقى ونحن نعلم قطعا أن وجوب السقى فى هذه ~~الصورة كان بقوله اسقنى لا بشئ آخر فقدم عليه فعلمنا أن الأمر المجرد على ~~الوجوب الذى يعتقدونه بالسبب ودل على الفعل أيضا وهذا فصل معتمد وقد ذكرنا ~~فى الخلافيات أن الواجب ليس إلا أداء الفعل وهو مستفاد بخطاب PageV02P300 ~~الشرع بالاتفاق والوجوب الذى يدعونه لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاب الفعل وهذا ~~لأن الصلاة فعل والصوم فعل وكذلك سائر العبادات والكفارات فى نظائر هذا ~~والخصم يورد على هذا الواجبات التى تأخر أداؤها مثل الصوم على الحائض وعلى ~~المسافر والمريض والصوم على المغمى عليه # وأجبنا عن هذا بأن فى هذه المواضع لا نقول بالوجوب من قبل إنما يجب الصوم ~~على الحائض إذا طهرت وأما المريض والمسافر فقد وجب الصوم عليهما والتأخير ~~رخصة ونحن لا ننكر أن يتوجه الوجوب ثم تعترض رخصة مؤخرة وهذا قد قررناه فى ~~مسائل الفروع ولكن اخترنا فى الأصول الجواب الأول وهو أحسن وأبين وأقطع ~~للخصومة والمنازعة # وأما وجوب الزكاة والكفارات عندنا فى أموال الصبيان فذاك بأمر الشرع ~~والأصل أن كل ما أدى إليه إيجابه إلى إيقاع الصبى والمجنون فى كلفة وطلبه ~~فهو موضوع عنه رحمه من قول الله تعالى وذلك كالعبادات البدنية فأما ما يكون ~~وجوبه فى الذمة والأداء بالمال ويتأدى بفعل الغير فإيجابها عليه لا يوقعه ~~فى كلفة فيجب فى ذمة بخطاب الشرع وإيجابه ثم الخطاب بالأداء ms755 يتوجه على ~~الولى دون الصبى وهذا على ما عرف فى مسألة زكاة الصبى وقد اقتصرنا فى ~~الجواب على هذا القدر لئلا يطول وفى كلامه الذى حكيناه خبط عظيم وصدقة ~~الفطر لازمة لأنه إنما يعرف صدقة الفطر بالإضافة إلى الفطر ومع ذلك لم ~~يجعلوا الفطر سببا وفى الجزية يقال خراج الرأس فيبقى على هذا أن لا يتكرر ~~كما أنهم لما قالوا إن سبب الحج هو البيت بحكم الإضافة لا يتكرر وفيما ~~قلناه من قبل كفاية والله أعلم # وحين انتهى الكلام فى القياس فنذكر الكلام الآن فى الاجتهاد وما يتصل به ~~PageV02P301 # | القول فى الاجتهاد وما يتصل به # وبيان قولنا إن الحق فى قول واحد من المجتهدين وأن الباقى خطأ متروك # اعلم أن الاجتهاد وهو بذل الجهد فى استخراج الأحكام من شواهدها الدالة ~~عليها بالنظر المؤدى إليها # وقال بعضهم الاجتهاد هو طلب الحق بقياس وغير قياس # وقال بعضهم ما اقتضى غالب الظن فى الحكم المقصود # وقال بعضهم طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه # وهذا الأخير أليق بكلام الفقهاء # ثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت ~~بالعالم نازلة وجب عليه طلبها فى النصوص والظواهر فى منطوقها إلى مفهومها ~~ومن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره وفى إجماع علماء الأنصار فإن ~~وجد فى شئ من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه فى الأصول والقياس ~~عليها وبدأ فى طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم ~~يجد فى النص عدل إلى المفهوم فإن لم يجد نظر فى الأوصاف المؤثرة فى الأصول ~~فى ذلك الحكم والمؤثر ما بيناه من قبل PageV02P302 # وقد قيل إن الاجتهاد فى حق العلماء على ثلاثة أضرب # فرض على العين وفرض على الكفاية وندب # أمما فرضه على الأعيان ففى حالتين # إحدايهما اجتهاده فى حق نفسه فيما نزل به لأن العالم لا يجوز أن يقلد فى ~~حقه ولا فى حق غيره # والحالة الثانية اجتهاده فيما تعين عليه الحكم فيه فإن ضاق وقت ms756 الحادثة ~~كان فرضها على الفور وإن اتسع وقتها كان فرضها على التراخى # وأما فرضه على الكفاية ففى حالتين # إحديهما فى حق المستفتى إذا نزلت به حادثة فاستفتى أحد العلماء كان فرضها ~~متوجها على جميعهم وأخصهم بفرضها من خص بالسؤال عنها فإن أجاب هو عنها أو ~~غيره سقط فرضه عن جميعهم فإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا وإن أمسكوا ~~مع القياسة عليهم عذروا وإن كان فرض الجواب باقيا عند ظهور الصواب # والحالة الثانية أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين فى النظر فيكون ~~الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما انفرد بالحكم سقط فرضه عنه # وأما الندب ففى حالتين # إحديهما فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل ليسبق إلى معرفة حكمه على ~~نزوله # والحالة الثانية أن يستفتيه سائل قبل وقوعها به فيكون الاجتهاد فى ~~الحالتين ندبا # | فصل # وإذا عرفنا حقيقة الاجتهاد فنذكر من يجوز له الاجتهاد # فنقول صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية ومعرفتها بستة شروط # أحدها أن يكون عارفا بلسان العرب من لغة وإعراب وموضوع خطأهم فى الحقيقة ~~والمجاز ومعانى كلامهم فى الأوامر والنواهى والعموم والخصوص إلى غير ذلك ~~PageV02P303 لأن السمع فى شرع الإسلام ورد بلسان العرب لأنه مأخوذ من ~~الكتاب والسنة وهو ما ورد بلسان العرب قال الله تعالى فى الكتاب @QB@ بلسان ~~عربي مبين @QE@ وقال عز من قائل @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~@QE@ # فإن قيل قد كان من تقدم من الأنبياء مبعوثا إلى قوم خاصة فجاز أن يكون ~~مبعوثا بلسانهم ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الأمم فلم صار ~~مبعوثا بلسان بعضهم # قلنا لا يخلو إما أن يكون مبعوثا بلسان جميعهم وهذا خارج عن العرف ~~والمعهود من الكلام ويبعد بكل محل أن يرد كل كلمة من القرآن مكررا بكل ~~الألسنة وإذا لم يجز هذا وكان لابد أن يكون بلسان بعضهم كان لسان العرب أحق ~~من كل لسان لأنه أوسع وأفصح ولأنه لسان أول المخاطبين ومعرفة لسان العرب ~~فرض على العموم فى جميع المكلفين إلا أنه فى حق المجتهد ms757 على العموم فى ~~إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه أما فى حق غيره من الأمة خاص فى ما ورد ~~التقيد به فى الصلاة من القراءة والأذكار لأنه لا يجوز بغير العربية # فإن قيل إحاطة المجتهد بجميع لسان العرب ممتنع لأن أحدا من العرب لا يحيط ~~بجميع لغاتهم وكيف يحيط ولأن الإحاطة بجميعه شاغل من الاشتغال بغيره # قيل لسان العرب وإن لم يحط به واحد من العرب فإنه يحيط به جميع العرب # كما قيل لبعض أهل العلم من يعرف كل العلم قال كل الناس والذى يلزم فى حق ~~المجتهد أن يكون محيطا بأكثر كلام العرب ويرجع فيما عزب عنه إلى غيره وهو ~~كما أن جميع السبب لا يحيط به أحذ ( ) من العلماء وإنما يحيط به جميع ~~العلماء فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده ويرجع فيما عزب عنه إلى ~~من يعلمه فكذلك ها هنا # وأما الشرط الثانى هو أن يكون مشرفا على ما تضمنه الكتاب من الأحكام ~~الشرعية من عموم وخصوص ومبين ومجمل وناسخ ومنسوخ بنص أو فحوى أو ظاهر ~~أومجمل ليستعمل النص فيما ورد والفحوى فيما يفيده والظاهر فيما يقتضيه ~~والمجمل يطلب المراد منه فإذا كان عالما بأحكام القرآن هل يشترط أن يكون ~~حافظا PageV02P304 لتلاوته فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه يلزم أن يكون ~~حافظا للقرآن لأن الحافظ أضبط لمعانيه من الناظر فيه # وقال الآخرون لا يلزمه حفظ تلاوته ويجوز أن يقتصر على مطالعته والنظر فيه ~~كما فى السنن # وقال آخر ويجب عليه أن يحفظ ما اختص بالأحكام ولا يلزمه أن يحفظ منه ~~القصص والأمثال والزواجر # وأما الشرط الثالث هو بعرفة ما تضمنته السنة من الأحكام وعليه فيها خمسة ~~شروط # أحدها معرفة طرقها من تواتر وآحاد ليكون المتواتر معلومة والآحاد مظنونه # والثانى معرفة صحة طرق الآحاد ومعرفة رواتها ليعمل بالصحيح منه ويعدل عن ~~ما لا يصح منه # والثالث أن يعرف أحكام الأفعال والأقوال ليعلم بما يوجبه كل واحد منهما # والرابع أن يحفظ معانى ما انتفى الاحتمال عنه ويحفظ ألفاظ ما ms758 دخله ~~الاحتمال ولا يلزمه حفظ الآسانيد وأسماء الرواة إذا عرف عدالتهم # والخامس ترجيح ما يعارض من الأخبار ليأخذ ما يلزم العمل به PageV02P305 ~~وقال بعض أصحابنا إذا عرف من اللغة ما يعلم به مراد الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم من الكتاب والسنة والخطاب الوارد فيهما وعرف موارد الخطاب ~~ومصادره من الكتاب والسنة والحقيقة والمجاز والأمر والنهى والعام والخاص ~~والمجمل والمفصل والمنطوق والمفهوم والمطلق والمقيد وعرف الناسخ والمنسوخ ~~وعرف أحكام النسخ فهذا القدر كاف وهذا هو الأولى فى الشرائط التى سبق ذكرها # وأما الشرط الرابع هو معرفة الإجماع والاختلاف وما ينعقد به الإجماع وما ~~لا ينعقد به الإجماع وما يعتد به فى الاجماع ومن لا يعتد به فى الإجماع ~~ليتبع الإجماع ويجتهد فى الاختلاف # وأما الشرط الخامس هو معرفة القياس والاجتهاد والأصول التى يجوز تعليلها ~~وما لا يجوز تعليلها والأوصاف التى يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز أن يعلل ~~بها وترتيب الأدلة بعضها على بعض ومعرفة الأولى فيها فيقدم الأولى ويؤخر ما ~~لا يكون أولى ويعرف وجوه الترجيح ليقدم الراجح على المرجوح # وأما الشرط السادس فهو أن يكون ثقة مأمونا غير متساهل فى أمر الدين # فإذا تكاملت هذه الشروط فى المجتهد صح اجتهاده فى جميع الأحكام وإن لم ~~يوجد واحد من هذه الشروط خرج من أهلية الاجتهاد وليس يعتبر فى صحة الاجتهاد ~~أن يكون رجلا ولا أن يكون حرا ولا أن يكون عدلا وهو يصح من الرجل والمرأة ~~والحر والعبد والفاسق وإنما تعتبر العدالة فى الحكم والفتوى فلا يجوز ~~استفتاء الفاسق وإن صح استفتاء المرأة والعبد ولا يصح الحكم إلا من رجل حر ~~عدل فصارت شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة لما تضمنه من القبول ~~وشروط الحكم أغلظ من شروط الفتيا بالحرية والذكورية لما تضمنه من الإلزام ~~PageV02P306 واعلم أن الثقة والأمانة فى أن لا يكون متساهلا فى أمر الدين ~~فلابد منه لأنه إذا لم يكن كذلك لا يستقصى النظر فى الدلائل ومن لا يستقصى ~~النظر فى الدلائل لا ms759 يصل إلى المقصود وأما الذى ذكره الأصحاب أنه لا تعتبر ~~العدالة فيجوز أن يكون المراد ما وراء هذا وأما هذا القدر فلابد منه وقد ~~ذكر المتكلمون كلاما فى شرائط الاجتهاد على غيرهذا الوجه وهذا الذى قلناه ~~كلام االفقهاء وهو الصحيح وحين عرفنا صفة المجتهد فنذكر صفة أقوال ~~المجتهدين إذا اختلفوا فيما بينهم # | مسألة # قد بينا حد الاجتهاد ويمكن أن يعبر عن ذلك فيقال هو استفراغ الوسع وبذل ~~المجهود فى طلب الحكم الشرعى # واعلم أن الأحكام ضربان عقلى وشرعى والأولى أن يقال أصول وفروع # فأما أصول الدين فالحق فى قول واحد منهما والثانى باطل قطعا # وحكى عن عبد الله بن الحسن العنبرى أنه قال كل مجتهد فى الأصول مصيب # وكان يقول فى مثبتى القدر هؤلاء عظموا الله # ويقول فى نافى القدر هؤلاء نزهوا الله وقد قيل إن هذا القول منه فى أصول ~~الديانات التى يختلف فيها أهل القبلة ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار ~~صحيحة للتأويل كالرؤية وخلف الأفعال وما أشبه ذلك # وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى ~~والمجوس فإن فى هذا الموضع نقطع بأن الحق فيما يقوله أهل الإسلام وينبغى أن ~~يكون التأويل على هذا الوجه لأنا نظن أن أحدا من هذه الأمة لا بد أن يقطع ~~بتضليل اليهود والنصارى والمجوس وأن قولهم باطل قطعا ولأن الدلائل القطعية ~~قد قامت لأهل الإسلام فى بطلان قول هؤلاء الفرق والدلائل القطعية توجب ~~الإعتقاد القطعى فلم PageV02P307 يكن بد من القول بأنهم ضالون مخطئون قطعا ~~وإذا ثبت هذا فيما يخالفنا أهل الملل فكذلك فيما يخالفنا فيه القدرية ~~والمجسمة والجهمية والروافض والخوارج وسائر من يخالف أهل السنة لأنا نقول ~~إن الدلائل القطعية قد قامت لأهل السنة على ما يوافق عقائدهم فثبت ما ~~اعتقدوه قطعا فحكم ببطلان ما يخالفه قطعا وإذا حكمنا ببطلان ذلك قطعا ثبت ~~أنهم ضلال ومبتدعة ونذكر مشروع هذا الكلام ومدخله على وجه آخر فنقول إن ~~الاختلاف بين الأمة على ضربين اختلاف يوجب البراءة ويوقع الفرقة ويرفع ~~الألفة ms760 واختلاف لا يوجب البراءة ولا يرفع الألفة فالأول كالاختلاف فى ~~التوحيد # قال من خالف أصله كان كافرا وعلى المسلمين مفارقته والتبرؤ منه وذلك لأن ~~أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة قد طبقت العالم وعم وجودها فى كل مصنوع ~~فلم يعذر أحد بالذهاب عنها وكذلك الأمر فى النبوة لقوة براهينها وكثرة ~~الأدلة الباهرة الدالة عليها وكذلك كل ما كان من أصول الدين فالأدلة عليها ~~ظاهرة باهرة والمخالف فيه معاند مكابر والقول بتضليله واجب والبراءة منه ~~شرع # ولهذا قال ابن عمر حين قيل له إن قوما يقولون لا قدر فقال بلغوهم أن ابن ~~عمر منهم برئ وأنهم منى براء وقد استجار مثل هذا التعنيف فى الفروع # وقال ابن عباس من شاء باهلته أن الله تعالى لم يجعل فى المال نصفا ونصفا ~~وثلثا # وقالت عائشة رضى الله عنها أبلغوا زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول صلى الله ~~عليه وسلم قد بطل # ونحو هذا من الآثار إلا أن هذا النوع من الوعيد ليس هو على المذهب الأول ~~إنما هو تعنيف على التقصير فى النظر وتحريض على الاجتهاد وتحريض على التأمل # والضرب الآخر من الاختلاف لا يزيل الألفة ولا يوجب الوحشة ولا يوجب ~~البراءة ولا يقطع موافقة الإسلام وهو الاختلاف الواقع فى النوازل التى عدمت ~~فيها النصوص فى الفروع وغمضت فيها الأدلة فيرجع فى معرفة أحكامها إلى ~~الاجتهاد ويشبه أن يكون إنما غمضت أدلتها وصعب الوصول إلى عين المراد منها ~~امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده لتفاضل في درجات العلم ومراتب ~~الكرامة كما قال تعالى @QB@ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات @QE@ وقال @QB@ وفوق كل ذي علم عليم @QE@ PageV02P308 وعلى هذا يتأول ~~ما ورد فى بعض الأخبار ( اختلاف أمتى رحمة ) فعلى هذا النوع يحمل هذا اللفظ ~~دون النوع الآخر فيكون لفظا عاما والمراد به خاصا ثم اعلم أنه اختلف ~~العلماء فى حكم أقوال هؤلاء المجتهدين وذكر ذلك فى ما يسوغ فيه الاجتهاد من ~~المسائل التى اختلف فيها فقهاء الأمصار وظاهر مذهب الشافعى رحمه الله ms761 أن ~~المصيب من المجتهدين واحد والباقون مخطئون غير أنه خطأ يعذر فيه المخطئ ولا ~~يؤثم وقد قال بعض أصحابنا إن هذا قول الشافعى ومذهبه ولا يعرف له قول سواه ~~وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من أصحاب أبى حنيفة # وقال بعض أصحابنا إن للشافعى قولين أحدهما ما قلناه والآخر إن كل مجتهد ~~مصيب وهو ظاهر قول مالك وإليه ذهب أكثر أصحاب أبى حنيفة وزعموا أن قوله هو ~~قول المعتزلة وهو قول أبى الحسن الأشعرى وقال الأصم وابن عليه والمريسى إن ~~الحق فى واحد من أقوال المجتهدين وما خالفه خطأ وصاحبه مأزور مأثوم وقال ~~أبو زيد فى أصوله قال فريق من المتكلمين الحق في هذه الحوادث التى يجوز ~~الفتوى في أحد أحكامها بالقياس والاجتهاد حقوق وكل مجتهد مصيب للحق بعينه # ثم إنهم افترقوا فقال قوم إذا لم يصب المجتهد الحق عند الله مكان مخطئا ~~ابتداء وانتهاء حتى أن عمله لا يصح # وقال علماؤنا كان مخطئا للحق عند الله مصيبا فى حق عمله حتى أن عمله به ~~يقع صحيحا شرعا كأنه أصاب الحق عند الله # قال وبلغنا عن أبى حنيفة أنه قال ليوسف بن خالد السمتى كل مجتهد مصيب ~~والحق عند الله واحد فتبين لك أن الذى أخطأ ما عند الله مصيب فى حق عمله # وقال محمد بن الحسن فى كتاب الطلاق إذا تلاعن الزوجان ثلاثا ثلاثا فرق ~~القاضى PageV02P309 بينهما نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة فجعل قضاؤه فى حقه ~~صوابا مع قوله إنه مخطئ الحق عند الله تعالى قال أبو زيد وهذا هو القول ~~المتوسط وهو بين الغلو والتقصير واعلم أن هذا القول هو القول بالأشبه وهو ~~أن يكون المجتهد مصيبا فى اجتهاده مخطئا فى الحكم فإنهم جعلوا أشبه عند ~~الله تعالى قالوا وهو مطلوب المجتهد وذلك الذى لو نص الله سبحانه وتعالى ~~على الحكم لنص عليه وهو الحق وما عداه خطأ وقال هؤلاء وما كلف الإنسان إلا ~~إضافة الأشبه ونقل بعضهم هذا نصا عن أبى حنيفة ومحمد وقد حكى القول بالأشبه ms762 ~~عن أبى على الجبائى وهذا القول هو اختيار المزنى وحين عرفنا هذه الأقوال ~~على مما نقله الأصوليون # فنقول فى بيان الصحيح من الأقاويل إن الصحيح من هذه الأقاويل هو أن الحق ~~عند الله عز وجل واحد والناس مأمورون بطلبه مكلفون أصابته فإذا اجتهدوا ~~وأصابوا حمدوا وأجروا وإن أخطئوا عذروا ولم يأثموا إلا أن يقصروا فى أسباب ~~الطلب وهذا هو مذهب الشافعى وهو الحق وما سواه باطل # ثم نقول إنه مأجور فى الطلب إذا لم يقصر وإن أخطأ الحق ومعذور على خطئه ~~وعدم إصابته للحق وقد يوجد للشافعى فى بعض كلامه ومناظراته مع خصومه أن ~~المجتهد إذا اجتهد فقد أصاب وتأويله أنه أصاب عند نفسه فإنه بلغ عند نفسه ~~مبلغ الصواب وإن لم يكن أصاب عين الحق # واعلم أنه لا يصح على مذهب الشافعى إلا فيما قلناه ومن قال غير هذا فقد ~~أخطأ على مذهبه # وقال ما قال على شهوته # احتج القائلون بأن كل مجتهد مصيب بقوله تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث @QE@ إلى أن قال @QB@ وكلا آتينا حكما وعلما @QE@ فإذا كان ~~أحدهما مخطئا لم يكن الذى قاله عن علم ولأن الصحابة اختلفوا فى المسائل # وقال كل واحد قولا وصوب بعضهم بعضا بدليل أنه ينفى بينهم تعظيم بعضهم ~~للبعض وترك إنكار بعضهم قول البعض ولو اعتقد كل واحد منهم أن صاحبه مخطئ ~~لأنكره لأن إنكار المنكر واجب فصار هذا دليلا من إجماعهم أنهم لم يعتقدوا ~~تخطئة بعضهم بعضا # بل كانون على تصويب بعضهم البعض ولأنه لو كان الحق واحدا من الأقاويل وما ~~عداه كان خطأ لكان الله سبحانه وتعالى كلفه بالعدول إلى الصواب ولو كان على ~~الحق دليل قاطع لفسق مخالفه ولمنع المفتى من الفتوى PageV02P310 والحاكم من ~~الحكم به وكان ينبغى إذا حكم الحاكم به ينقض حكمه وحين لم يقل بهذا أحد ~~علمنا أن كل مجتهد مصيب للحق وهذا دليل معتمد لهم # دليل أكثرهم قالوا لو كان المجتهد فى الفروع مخطئا لأدى إلى أقسام كلها ~~باطلة وذلك لأنه لا يخلو ms763 إما أن يقطعوا فى الجملة أن المخطئ من المجتهدين ~~مغفور له تقصيره فى النظر وإما أن لا يقطعوا بذلك فإن لم يقطعوا بذلك فهو ~~باطل لأنهم لا يقولون به على ما زعمتم ولأن الصحابة ما كان ينكر بعضهم على ~~بعضهم أقاويلهم فى مسائل الاجتهاد إنكار فعل من يجوز أنه م أهل النار وإن ~~كان غفران خطئه فى الجملة مقطوعا به لم تخل إما أن يكون المجتهد إذا أخطأ ~~يجوز كونه مخطئا ومخلا بنظر يلزمه فعله ولا يجوز ذلك فإن قلتم لا يجوز أن ~~يكون مخلا بالنظر فمحال لأنه على هذا لا يصح تكليفه النظر الذى فرط فيه ~~لأنه قاطع على أنه ما فرط فى النظر ولأنه فى حكم الذاهل والساهى والذاهل ~~والساهى لا يكلف فى حال ذهوله وسهوه ولا يستحق عقابا فيقال إنه غفر له وإن ~~كان يجوز كونه مخطئا ومخلا ببعض النظر فلا يخلو إما أن يعلم أنه مغفور له ~~في ذلك الحال إخلاله بما أخل به من النظر أو لا يعلم ذلك ومحال أن يعلم ذلك ~~لأن المجتهد لا يميز المرتبة التى إذا انتهى إليها غفر له إخلاله مما بعدها ~~من النظر وذلك أنه يعلم بأنهم إن اقتصروا على أول النظر لم يغفر له ما بعده ~~وبعد هذا ليس مرتبة أولى من مرتبة ولا يمكن الإشارة إلى ما تتميز به بعض ~~المراتب عن البعض مع أنه مجوز فى جميع ذلك أنه مخل بنظر يلزمه فعله وبعد ~~فلو علم المجتهد أنه مغفور له إخلاله بالنظر لكان إغراء بالمعصية لأنه يكون ~~قد علم أنه لا ضرر عليه فى تركه النظر الزائد وإن كان المجتهد المخطئ إنما ~~يعلم فى الجملة أن المخطئ من المجتهدين مغفور له إذا انتهى إلى مرتبة ما من ~~مراتب النظر وداخل بما بعدها ولم يتعين له تلك المرتبة وجوز أن يكون أخل ~~بالنظر الزائدما انتهى إلى تلك المرتبة التى تغفر له بما بعدها من النظر ~~لزم أن يجوزوا كون المجتهد من المخطئين ما انتهوا إلى هذه المرتبة ms764 وفى ذلك ~~تجويز كونهم غير مغفور لهم وأنهم من أهل العقاب وقد أجمع أهل الاجتهاد على ~~خلاف هذا فقد بان أن القول بخطأ المجتهدين وإصابة الواحد منهم فحسب يؤدى ~~إلى أقسام كلها فاسدة وفى القول بإصابتهم خلاص من هذه الوجوه أجمع وهذا ~~الذى ذكرناه دليل المتكلمين # وأما أبو زيد احتج بهذا القول وقال إن المجتهد كلف الفتوى بغالب رأيه وما ~~PageV02P311 كلف إلا الفتوى بالحق فلولا أنه مصيب الحق وإلا لما توجه ~~التكليف عليه بإصابته بغالب الرأى لأن الله تعالى لم يكلف مما ليس فى الوسع ~~فدل أن كل مجتهد مصيب للحق وأن الحق حقوق لا واحد وهذا كاستقبال القبلة ~~فإنه شرط لصحة الصلاة وهى إلى جهة واحدة حال التبين عند الاشتباه تصير ~~الجهات كلها قبلة على ما قال الله تعالى @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله ~~@QE@ حتى قالوا إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات مختلفة أجزأتهم صلاتهم ~~قالوا ولا نمنع أن تكون أقوال المجتهدين كلها حقا فى الحادثة الواحدة لكنه ~~فى أناس مختلفين لبعضهم الحظر ولبعضهم الإباحة وهذا كما صح فى باب قبلة ~~الصلاة حال الأشتباه إذا اختلفوا وكانت قبلة كل فريق ما أدى إليه تحريه يدل ~~عليه أنه يجوز من الله تعالى بعث رسولين فى زمان واحد إلى قومين مختلفين ~~بحكمين مختلفين فى نازلة واحدة ويكون كل واحد من الحكمين حقا عند الله ~~فكذلك جاز بالاجتهاد مثل ذلك فيختلف عالمان فى الاجتهاد ويلزم كل واحد ~~اتباع إمامه ويكون كل واحد منهم محقا مصيبا وهذا لأن الله تعالى ابتلى ~~عباده بهذه الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ويجوز اختلاف الحكم بين الناس ~~باختلاف الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله فكذلك يجوز الاختلاف باختلاف ~~الطبقات فى زمان واحد ألا ترى أن مصالح الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة ~~كذلك تختلف باختلاف الناس فى زمان واحد وهذه الدلائل لهذا القول # فأما من يقول بالأشبه فسنبين الكلام فيه بعد هذا ونبين ما يكون الصواب ~~منه # وأما دليلنا على أن الحق واحد فى أقوال المجتهدين وما عدا ذلك ms765 خطأ قوله ~~تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان @QE@ فلو كانا مصيبين لما خص سليمان بفهم ~~الحكم لأن داود عليه السلام قد فهم من الحكم ما فهم سليمان # فإن قيل هذا شريعة من قبلنا ويجوز أن لم يكن داود وسليمان مصيبين وذلك ~~شريعتهما وأما فى شريعتنا فيكون كل مجتهد مصيبا # والجواب أن الأصل أن كل ما ذكره الله تعالى فى القرآن فإنما ذكره لنستفيد ~~به فى شرعنا ولم يكن ذكره على مجرد حكاية وسرد قصة وليست فائدة هذا إلا أن ~~نعلم ما قلناه ونحن إذا جعلنا حكمنا على خلاف حكمهم بطلت هذه الفائدة وعلى ~~أنا نقول شريعة من قبلنا لازمة لنا على قول جماعة من أصحابنا إلا فى موضع ~~قام الدليل على PageV02P312 خلاف ذلك # وأما الذى تعلقوا به من قوله تعالى ( وكلا آتينا حكما وعلما ) # قلنا لم يذكر الله تعال أنه آتى كلاهما حكما وعلما فيما حكما به فى هذه ~~الحادثة فيجوز أن المعنى من ذلك إعطاء العلم بوجوه الاجتهاد فى طرق الأحكام ~~وعلى أنه يرد عليهم ما قالوه فإنه ليس يجب إذا كانا قد أصابا أن يكون كل ~~مجتهد مصيبا فى هذه الشريعة ويدل على ذلك من جهة السنة قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران وإن اجتهد فأخطأ له أجر واحد ) # فأخبر صلى الله عليه وسلم بأن منهم من يصيب ومنهم من يخطئ وإن حكم المصيب ~~كذا ولو كانوا مصيبين كلهم لم يكن لهذا التقسيم معنى # فإن قيل معنى قوله فأخطأ أى أخطأ النص ثم قال لو كان خطأ كما قلتم لم ~~يستحق الأجر لأن أحسن أحوال المخطى العفو فأما استحقاق الأجر فلا # والجواب الأول قلنا لو كان معنى قوله فأخطأ أى أخطأ النص لكان معنى قوله ~~فأصاب أى أصاب النص لا يكون حينئذ للاجتهاد حكم ما والخبر ورد فى موضع ~~إثبات حكم الاجتهاد وإصابة الحق أو عدم إصابته وأيضا فإنه لا يقال من ms766 لم ~~يبلغه النص ولم يتمكن منه أنه مخطئ للنص كما لا يوصف من لم يبلغه شريعة ~~النبى صلى الله عليه وسلم بأنه قد أخطأها وأيضا فإن من طلب النص واستقصى فى ~~طلبه فلم يظفر به واجتهد فهو مصيب عندكم وإن طلب فقصر فى الطلب فهو مخطئ فى ~~الاجتهاد فلا يستحق الأجر عند أحد فكيف يصح الحمل على هذا الموضع وأما ~~الأجر الذى يستحقه إذا أخطأه فهو بقصده طلب الصواب باجتهاده فيؤجر بذلك وإن ~~كان قد فاته المقصود وسبيل هذا سبيل رجل قصد مكة للحج فسلك بعض الطريق ثم ~~انقطع فهو على ما قطعه من الطريق مأجور وإن كان بانقطاعه عن بلوغ بلوغ البت ~~منقوصا كمن افتتح الصلاة ثم تبين أنه لم يكن على طهارة فإنه لم يكن مأجورا ~~وإن لم يحصل الغرض له منها وكمن أخرج درهما ليتصدق به ففعل ثم استحق فإنه ~~يكون مأجورا على قصده التقرب به إلى الله تعالى وإن كان لم يحصل غرضه ~~ومقصوده والمعتمد من الدليل الإجماع من الصحابة فإنهم اتفقوا على الاجتهاد ~~فى المسائل وأنكر بعضهم على البعض وخطأ بعضهم بعضا ونصوا على الخطأ فى ~~اجتهادهم فلو كان كل مجتهد مصيبا وكانوا يعتقدون ذلك لم يصح PageV02P313 ~~تخطئة بعضهم على بعض ولا إنكار بعضهم بعضا ولكان لا يجوز لبعضهم إذا بلغ ~~إليهم قول البعض أن يخالفه لأنه حينئذ يكون مخالفا للحق والصواب # وبيان ما ادعيناه من أقوال الصحابة وقول أبى بكر رضى الله عنه أقول فى ~~الكلالة برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان # ويدل عليه أن عمر رضى الله حكم بحكم فقال رجل حضره هذا والله الحق # ثم حكم بحكم آخر فقال الرجل هذا والله الحق فقال عمر إن عمر لا يعلم أنه ~~أصاب الحق لكنه لا يألوا جهدا # وعن عمر رضى الله عنه أنه قال لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر فإن كان خطأ ~~فمنه وإن كان صوابا فمن الله # وعن على رضى الله عنه أنه قال فى ms767 قصة المجهضة إن كانوا لم يجتهدوا فقد ~~غشوك وإن كانوا اجتهدوا فقد أخطأوا عليك وعلى قومك الدية # وقال ابن مسعود رضى الله عنه أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله ~~تعالى وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان # وقال عثمان رضى الله عنه فى امرأة أقرت بالزنا عند عمر رضى الله عنه ~~أراها تستهل كأنها لا تعلم وإنما الحد عن من علم فبين خطأه فى اجتهاده # وعن على رضى الله عنه انه ندم على إحراق المرتدين لما بلغه قول ابن عباس ~~رضى الله عنهما لا يعذب بالنار إلى ربها # وبلغ أيضا عليا تحكيم الحكمين فقال فى ذلك شعرا # ( لقد عثرت عثرة لا أتحير % سوف أكيس بعدها وأستمر ) # ( وأجمع الرأى الشتيت المنتشر % ) # وقال عبيدة السلماني فى مسألة بيع أم الولد رأيك مع الجماعة أحب إلينا من ~~رأيك وحدك فى الفرقة وهذا تعريض له أنه قد أخطأ # وروى أن عليا وزيدا وابن مسعودد خطأوا ابن عباس فى ترك القول بالعول حتى ~~قال ابن عباس من شاء باهلته إن الذى أحصى رمل عالج عددا لم يجعل فى ماله ~~PageV02P314 واحدا نصفا ونصفا وثلثا ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث # وروى عن ابن عباس أنه قال ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابن ~~ولا يجعل أب الأب أبا وهذا طريق المبالغة فى التخطئة وليس على طريق أنه ترك ~~التقوى فهذا إجماع منهم على أن جميع المجتهدين ليسوا بمصيبين وأن بعضهم ~~مخطئ وبعضهم مصيب وليس لهم أن يقولوا إن الصحابة إنما خطأ بعضهم بعضا لأنها ~~جوزت أن يكون غيرهم قصروا فى النظر ولم يبالغوا فيه ولهذا جوزوا الخطأ ~~وقالوا ما قالوا هذا لا يصح لأن المخالف فى هذه المسائل ابن عمر أن ~~المختلفين فيها مصيبون ولا يفرقون بين هذه المسائل وبين سائر مسائل ~~الاجتهاد ولا يجوز أن يقال إنهم لم يقولوا ما قالوه عن اجتهاد والكلام فيما ~~إذا قالوا ما قالوه عن اجتهاد لأن هذا إساءة الظن بالصحابة وحمل أمرهم على ~~أنهم قالوا ms768 ما قالوه عن جزاف وتنجيم وهذا محال ولأنهم كانوا يؤبون إلى ~~أماراتهم التى اعتمدوها فى الدلالة على الأحكام # فإن قال قائل إن المراد بالخطأ المذكور فى هذه خطأ الأشبه ونحن نقول يجوز ~~خطأ الأشبه # والجواب إنما قلناه دليل قاطع على من قال إن كل مجتهد مصيب للحق عند الله ~~تعالى وأما القول بالأشبه فهو باطل وسنبين ذلك من بعد # وأما الذى قالوا فى حجتهم إن الصحابة كان يصوب بعضهم بعضا فى الاجتهاد # قلنا ليس كذلك بدليل ما بينا من قبل وليس نعلم أحدا منهم قال لصاحبه فى ~~اجتهاد وجد منه أصبت فى قولك # وقولهم إنه بقى بينهم تعظيم بعضهم بعض # قلنا إنما كان كذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن الخطأ خطأ مغفور أو جوزوا ~~كونه صغيرة وبارتكاب الصغائر لا يذهب تعظيم بعضهم للبعض ثم نقول قد تناظروا ~~فيما بينهم ومنع بعضهم البعض من الذهاب إلى ما صار إليه بقول بليغ يشبه ~~الإنكار الشديد وقد حكينا مثال هذا عن ابن عباس وقد روى عن على أنه قال فى ~~عبد الله ابن عباس حين بلغه أنه يخالفه فى مسائل إنه رجل نابه فثبت أن ~~إجماع الصحابة معنا فى هذه المسألة وهو دليل مقطوع به لا يجوز العدول عنه ~~بحال ومما نقل عن الصحابة من تصويب بعضهم بعضا فيجوز أن يدعى ذلك فى ~~القراءات وفى الآراء وفى الحروب PageV02P315 # أما فى القرآن لأنهم اعتقدوا أن الكل بمنزلة من الله تعالى وأن الإنسان ~~متخير فى القراءة بأى آي شاء على ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ( نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ) # فأما الآراء فى الحروب فيجوز أن يقال إنهم صوب بعضهم بعضا لأنهم ربما ~~كانوا يعتقدون أن غيرهم أعلم بوجوب الحرب ومعرفة المكائد فيها أو كان يعتقد ~~أنه كانت التجربة فيها بصاحبه أكثر منه وهذا غير مستنكر منهم # فأما تصويب بعضهم بعضا فى الاجتهادات فلا يعرف ذلك بحال # واستدل الأصحاب أيضا وقالوا إن القولين المتضادين فى مسائل الاجتهاد ~~كالتحليل ms769 والتحريم والإيجاب والإفساد لا يخلو إما أن يكونا صحيحين أو ~~فاسدين أو أحدهما صحيحا والآخر فاسدا ولا يجوز أن يكونا فاسدين لأنه يؤدى ~~إلى أن يكون الشئ الواحد حراما وحلالا صحيحا فاسدا وهذا محال فلم يبق إلا ~~أن يقال إن أحدهما صحيح والآخر فاسد وهذا الحقيقة وهو أن كل واحد من مسائل ~~الاجتهاد إما أن يكون فيها أمارة هى أقوى من غيرها وإما أن يكون فيها ~~أماراتان ( ) متكافئتان على قول من يجوز ذلك وإن كان فيها أمارة هي أقوى من ~~غيرها فقد كلفت المجتهد إصابتها والظن لها والحكم بها فمتى عدل عنه فقد ~~أخطأ وإن كانت فيه أماراتان ( ) متكافئتان فقد كلف إذا إصابة تكافئهما الظن ~~لهما أو يحكم بالتخيير بين حكميهما فمتى عدل عن ذلك فقد أخطأ فلا بد من ~~وجود الخطأ فى كل واحد من الموضعين والدليل على أنه كلف إصابة الأمارة ~~القوية من حيث غلبة الظن أو الإصابة لتساوى الأمارتين إن جاز تساويهما بأن ~~المجتهد طالب وإنما هو طالب فى هذا الموضع أمارة مقربة للظن ومعلوم أن ~~المجتهد ليس يقصد باجتهاده الظفر بأضعف الأمارات ولا هو كلف ذلك فصح أنه ~~كلف الظفر بأقواهما # فإن قيل فهل يجوز أن تعتدل الأمارات عند المجتهد فى المجتهد # قلنا لا يجوز ذلك وإنما قلنا ما قلناه على التقدير ومذهب الفقهاء أنه لا ~~يجوز اعتدال الأمارات بحال ولا بد أن يكون لإحدى الأمارتين ترجيح على ~~الأخرى # وقد جوز أبو على وأبو هاشم ذلك PageV02P316 # وندل فى هذا الموضع على أنه يجوز فنقول لو تعادلت الأمارتان في القوة لم ~~يكن الحكم لإحديهما أولى من الحكم بالأخرى وفى ذلك إثبات حكميهما # أما على الجمع فذلك غير ممكن وأما على التخيير فالأمة مجمعة على أن ~~المكلفين غير متخيرين فى مسائل الاجتهاد ولأنه لو تعادلت الأمارتان أدى إلى ~~الشك فى الحكم وذلك لا يجوز # وإنما قلنا إنه يؤدى إلى الشك لأن الرجلين المتساويين فى الصدق لو أخبرها ~~أحدهما أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فى الكعبة وأخبر ms770 الآخر أنه صلى فى ~~الكعبة وأنه شاهده منذ دخلها إلى أن خرج منها وقد عرف أنه لم يدخلها إلا ~~مرة واحده وأخبر الآخر انه رآه صلى فيها فإنها تشكك هل صلى فيها أو لم يصل ~~فيها ولا يظن أحدهما ولا كل واحد منهما وإنما لا يظن أحدهما لأنه لا ترجيح ~~لأحدهما على الآخر وكيف يترجح ولا دلالة فى الترجيح ولا يجوز أن يظن كلاهما ~~لأن ذلك مستحيل فإنه يستحيل أنه صلى ولم يصل وإذا عرف هذا فى هذه الصورة ~~فهكذا تكون الأمارات المستنبطة # فإن قال قائل هلا قلتم بالتخيير إذا تعادلت الأمارتان # قلنا التخيير بين النفى والإثبات لا يصح إلا على معنى الإباحة والإباحة ~~حكم واحد فكيف يقال فيه إنه مخير # فإن قالوا إن الإباحة هى التخيير بين الفعل والكف عنه على الإطلاق وأما ~~فى هذه المواضع فإنما يقال للمكلف افعل إن اعتقدت كون الفعل مباحا ولا ~~تفعله إن اعتقدت حظره # الجواب أنه يقال لهم أليس إن الإعتقاد بحظره وإباحته علم فلا بد أن يقال ~~بلى فيقال له فما الطريق إلى كون ذلك علما فإن قالوا بثبوت الأماره أو ~~الدلالة قلنا وفى كل واحد من القولين أمارة ودلالة فكيف يجوز أن يقال إن ~~الطريق له فى العلم بالإباحة أمارة أو دلالة وأنتم تجوزون ألا يعتقد ~~الإباحة ويعتقد الحظر # فإن قالوا إن الطريق إلى العلم بالإباحة أو العلم بالحظر أن يختار المكلف ~~اعتقاد أحدهما # قيل اختيار الإنسان أن يعتقد شيئا ليس بدليل على صحة معتقده فيكون ~~اعتقاده علما ولو جاز ذلك لجاز أن يختار الاعتقادات كلها باختيارنا علوما ~~وكيف يجوز ذلك PageV02P317 مع أن الإنسان قد يختار الصحيح كما يختار الفاسد ~~وأيضا فحسن الاختيار للاختيار تابع الإعتقاد لأنه إنما يحسن أن يختار ما هو ~~حسن في نفسه وحسن الإعتقاد تابع للمعتقد لأنه إنما يحسن أن يعتقد بما هو ~~صحيح فى نفسه فالاختيار تابع للمعتقد وهم عكسوا القصة فجعلوا الإعتقاد ~~تابعا للاختيار وجعلوا صحة المعتقد تابعة للاعتقاد وهذا الذى ذكرناه يقتضى ~~أن العامى ms771 إذا أفتاه مفتى بالحظر وأفتاه آخر بالإباحة # وقلنا إنه يجب عليه أن يجتهد فيها فإنه إذا اجتهد فيها فلا بد أن يترجح ~~عنده أحدهما على الآخر # فإن قال قائل هلا قلتم أنه يصير الفعل مباحا إذا تساوت الأمارتان قلنا لو ~~وجعلناه مباحا لكنا قد عملنا على أمارة الإبحاة مع مساواة أمارة الحظر لها ~~وليس يجوز ذلك لأنهما إذا تساويا وجب الشك والعمل فى المسائل يتبع الظن لا ~~الشك # فإن قال قائل أليس إن الشافعى قال بالقولين فى مسائل كثيرة وهذا يدل على ~~أنه قد جوز اعتدال الأمارة عند المجتهد بحيث لا يكون لأحدهما ترجيح على ما ~~بينا والكلام في القولين سيأتى من بعد ويتبين بهذا الذى قلنا أن الذى صار ~~إليه أبو حنيفة من اعتقاد الشك فى سؤر الحمار والبغل باطل وهو أن ما صار ~~إلى ذلك بدعواه أنه اعتدلت الأمارات وهى موجبة للطهارة والنجاسة من غير ~~ترجيح ونحن قد بينا أن الترجيح عند المجتهد لا بد منه وأن الاعتدال على وجه ~~لا يكون ترجيحا ولا ترجيح يجوز إلى هذا الموضع إن جر الكلام في هذه المسألة ~~رجعنا إلى تمام الكلام فى مسألة المجتهدين واحتج الأصحاب أيضا وقالوا لو ~~كان المجتهدين على اختلافهم مصيبين لم يكن فى مناظرة بعضهم بعضا معنى لأن ~~كل واحد منهم يعتقد أن الآخر أدى ما كلف وأصاب فى فعله فما وجه مناظرته ~~ونحن نعلم أن كل واحد يناظر صاحبة ليرده عن ما هو عليه فلو كان مصيبا لما ~~كان له أن يقصد رده من الصواب وهم يقولون إنما يناظره ليريه أن أماراته ~~أقوى من أمارته فهو يناظره ليريه ذلك وإن كان فرض غيره بما هو عليه فإذا ~~بان له أن أمارة من ناظره أقوى من أمارته تغير فرضه وصارت مصلحته أن يحكم ~~بالأمارة التى بانت له قوتها فإن قلتم فما الفائدة فيقال الفائدة فى ذلك ~~أنه لا يمتنع أن يكون إذا تغير فرضه ولزمه أن يحكم بالأمارة التى بان له ~~قوتها كان ثوابه على ذلك ms772 أكثر فكذلك يتناظر الجتهدان ولأجل إن هذه المناظرة ~~PageV02P318 غير راجعة إلا إلى هذه الفائدة لم تجب المناظره بل يندب ~~المتناظران إلى ذلك فحسب # واحتج أبو زيد بهذا القول وقال إنه ممتنع فى العقول لثبوته الحظر ~~والإباحة والصوم والفطر حقين يلزم اعتقادهما فى ساعة واحدة لأنه لا يمكن ~~العمل بهما # إلا ترى أنه يمتنع ذلك فى النصين فإن النصين إذا اختلفا وأباح أحدهما ~~وحظر الآخر لم يجب العمل بهما بل يجب الوقفة إلى أن يظهر الرجحان لأحدهما ~~ولأنه لو كان الحق حقوقا على ما قالوا لجاز للعامى الذى يعمل باتباع ~~العلماء أن يختار من كل مذهب ما يهواه لنفسه كما أن الله تعالى لما أثبت ~~الكفارة في باب اليمين أنواعا كان للعبد الخيار بينهما على ما يهواه بلا ~~دليل من أباح هذا فقد شرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى والله تعالى ~~ما نهج الدين إلا على طريق غير الهوى من نص ثابت أو قياس شرعى على ما بينا ~~وقرر هذا الكلام تقريرا طويلا والاعتماد على ما سبق من إجماع الصحابة ~~والدليل الذى ذكرناه بذكر الحقيقة # فإما الجواب قلنا أما تعلقهم بالاية وما ذكر من أحوال الصحابة وتصويب ~~بعضهم بعضا فقد سبق الجواب عنه # فأما قولهم إنه لو كان الصواب فى واحد من أقوال المجتهدين لوجب أن ينصب ~~الله تعالى دليلا قاطعا عليه ليعدل إليه # قلنا قد دلنا الله تعالى على الحكم الذى كلفناه بدلالة قاطعة لأن الله ~~تعالى قد كلفنا العمل بأقوى العلل وأولاها وقد جعل لنا طريقا نقطع معه بان ~~أحد الظنين أولى أن يعلق الحكم به وإنه إذا وجد فى الأصل والفرع يلزمنا ~~الحكم به فى الفرع ونعنى بالدلالة القاطعة الدليل الذى ذكرناه فى وجوب ~~استعمال القياس وقد بينا وجوه التأثير من قبل # واعلم أنا إذا استنبطنا معنى من أصل وجدناه فى الفرع يجب علينا أن يثبت ~~مثل حكم الأصل فى الفرع ونقطع أن الحكم فى الفرع بهذه العلة لكن إذا ثبت ~~أنه علة الأصل غير أنا لا ms773 نقطع بكونه علة الأصل وليس بممتنع أن يكون علمنا ~~بكون العلة علة الحكم فى الفرع يستند إلى ظننا أن العلة علة حكم الأصل لأنه ~~لا يمتنع أن يقف العمل فى الشئ على شرط مظنون كما علمنا لوجوب التحرير من ~~مضرة مخصومة على الظن لنزولها بنا فيكون المعنى المستنبط علة الحكم ظنى ~~وأما ثبوت PageV02P319 الحكم فى الفرع بذلك المعنى قطعى # وأما قولهم لو كان على الصواب من الحق دليل من قبل الله تعالى لنقض الحكم ~~ما عداه ولم يسع الفتوى # قلنا ليس يجب هذا وليس مع الخصم إلا مجرد الدعوى # ببينة أن كثيرا من المجتهدين يستدل بالقرآن فى مواضع وبالنصوص فى مواضع ~~ولا شك أنه الدليل ما عداه ومع ذلك لا يفسق تارك ذلك لأن كل واحد من ~~المجتهدين يرجع إلى دليل عنده ويصير إلى تأويل لما يتعلق به من مخالفة لذلك ~~فى الأقيسة لما كان كل واحد من القائسين يصير إلى تأثير عند نفسه وهو فى ~~الأصل الذى يسنبط منه ظنى لم يفسق من يخالف ولم ينقض الحكم الصادر مما ~~يخالفه وساغ الفتوى والحكم به لمن يظن أنه الحق # وأما قولهم إن القول بتخطئة بعض المجتهدين وتصويب البعض يؤدى إلى اقسام ~~كلها فاسدة # قلنا لا يؤدى لأنا بينا أن على الحق دليلا منصوبا من قبل الله تعالى لكن ~~إنما يوصل إليه بطريق ظنى فما يعود إلى معرفة علة الأصل فى الظنيات ميل ~~عظيم وكل واحد يظن غير ما يظن صاحبه وليس يستقر على شئ واحد فالشرع سامح فى ~~ذلك ولم يؤاخذنا بخطأ # بل أصاب بقصد طلب الحق وبذل الجهد منه عند نفسه وغفر له ماأخطأه وجعله من ~~المعفو عنهم وأما فى الأصول الدينية فلما كان الوصول إليها بالدلائل ~~القطعية من كل وجه شدد الله تعالى فى ذلك ولم يعذر بالخطأ وفسق بالخلاف ~~تارة وكفر أخرى وعفى مرة ولم يعف أخرى فهذا هو الفرق بين مسائل الأصول بين ~~مسائل الفروع وهو أيضا يبين وجه قولنا إنه مع خطأه الصواب عند الله ms774 عز وجل ~~مغفور له # وأما قولهم إنما قلتم يؤدى إلى تكليفه ما ليس فى الوسع # قلنا ليس كذلك لأنا أمرناه بطلب الحق وقد يجوز أن يصيبه فى الجملة وإذا ~~لم يصب لا يكون عليه مؤاخذة ولا تبعة فأين قولهم إنه تكليف لما لا يكون فى ~~وسعه # وأما تعلقهم بفصل القبلة # قلنا نحن نقول إنما يكون مصيبا إذا أصاب القبلة فأما إذا لم يصيب القبلة ~~يكون مخطئا حقيقة ويلزمه إعادة الصلاة فإن قيل إذا اجتهد أربعة أنفس فى ~~القبلة فأدى PageV02P320 اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة تخالف جهة صاحبه هل ~~يصلون على ما أدى اجتهادهم إليه # فإن قلتم يصلون فقد صوبتموهم وإن قلتم لا يصلون فهذا منع لهم من الاجتهاد ~~وتعطيل لصلواتهم # والجواب أنا لا نستدل عليكم إلا بفصل القبلة فإن المجتهدين فى القبلة ~~مطلوبهم القبلة بعينها فكذلك يجب أن يكون مطلوب المجتهدين فى الحوادث حكما ~~معينا عند الله تعالى # ببينة أن المجتهد فى القبلة يعلم أن القبلة عين من الأعيان يجوز أن يكون ~~فى الجهة التى يظن بأقوى الأمارات أن القبلة فيها ويجوز أن لا يكون فيها ~~فيقولوا فى حكم المسألة هو حكم معين عند الله تعالى يجوز أن يكون هو حكم ~~أقوى الأمارات ويجوز أن يكون غيره # وما المسألة التى ذكرتموها قلنا إنما جازت صلاة هى واحد منهم فى الحال ~~لجواز أن يكون المصيب هو دون غيره لكن نقطع بإصابة بعضهم وخطأ البعض ولو ~~تبين الخطأ فإنا لا نوجب الإعادة على المخطئ # واعلم أن الذين يقولون بإصابة المجتهدين كلهم على الإطلاق يزعمون أن ~~الدليل ليس الظن المجتهد بأمارة وكلهم فى هذا الظن واحد فيكون كلهم فى ~~الإصابة واحد # قال أبو هاشم ليس على المجتهد إلا أن يحكم بما هو أولى عنده فى ظنه وفى ~~هذا المعنى لا يجوز تخطئة البعض وتصويب البعض ونحن نقول إن الدليل هو ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول الثابتة بأحد هذه الدلائل ~~والدليل على هذا قوله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ms775 ~~والرسول @QE@ ثم القياس دليل مستند إلى الكتاب والسنة ثم الظن الذى قالوه ~~لا يجوز أن يكون مجرد الظن حجة لأن ذلك يوجد للعامى كما يوجد للعالم ولكن ~~الحجة ظن بأمارة من كتاب أو سنة أو إجماع ويجوز أن يصيبه الواحد ولا يصيبه ~~الواحد وهذا لأن العلل إنما تكون عللا صحيحة إذا كانت مؤثرة وقد بينا وجه ~~التأثير وكيفيته ولا يتصور اعتدال المؤثرات على السواء بحيث لا يكون لجانب ~~رجحان على الجانب وبينا أن اعتدال الأمارات والتأثيرات فى حكمين مختلفين ~~يؤدى إلى الحكم بالشك وهذ لا يجوز وإذا لم يكن PageV02P321 بد من ترجيح ~~إحدى الأمارتين على الأخرى ثبت أن القول بتصويب المجتهدين باطل وعندى أن ~~هذا القول وهو القول بإصابة المجتهدين يؤدى إلى أن يعود على الإجماع بالخرق ~~وعلى الأمة بالتخطئة لأن الاجتهاد شئ معهود من لدن أصحاب النبى صلى الله ~~عليه وسلم ورضى عنهم إلى أيامنا هذه وقد أجمعوا على تخطئة بعضهم بعضا ~~ويرتقون عن هذه الدرجة وينسبون مخالفتهم إلى القول بالباطل واعتقاد غير ~~الحق على الإطلاق من غير تحاش وامتناع وكذلك ما زال بعضهم يقيم على البعض ~~الدليل ويدعوه إلى ترك قوله بقوله وإنما فعلوا ذلك لاعتقادهم بإصابتهم وخطأ ~~صاحبتهم وظهر أيضا بين الأمة التفرق حتى انتسب كل طائفة إلى ما لا ينتسب ~~لطائفة أخرى وادعى من إصابة الحق ما لم يعترف من إصابة صاحبه وهذا شئ مشهور ~~لا يخفى على أحد هذا فى جانب المجتهدين الطالبين الباحثين وإنما فى جانب ~~المطلوب وهو حكم الشارع فى الحادثة # فنحن نعلم أيضا إذ اتدبرنا قانون الشريعة وأصولها وقواعدها أن الحق أيضا ~~هو أن يكون الحكم فى الحادثة واحدا وأنه أمر المجتهد بإصابته وطلبه وذلك ~~لأنا نطلب الأحكام فى الحوادث التى لم يرد فيها نص من الله سبحانه وتعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم على منهاج الإحكام التى ورد فيها نصوص فإن موضع ~~التعلق إما بالمعانى المؤثرة العالقة بالقلوب عند عرضها على الأصول أو ~~الأشباه التى هى موافقة للأصول ملائمة لها ونحن ms776 نعلم قطعا أنه لا يوجد في ~~الأحكام المنصوص عليها فى الحوادث إلا القول الواحد فى الحادثة ولم يعرف ~~وجود حكمين مختلفين يتناولهما النص بحادثة ما من الحوادث بل النصوص فى ~~الكتاب والسنة تتناول الحكم الواحد فى الحادثة الواحدة فينبغى أن يكون ~~المطلوب على وفق ذلك فى الحوادث التى لم يتناولها النص بل ينبغى أن يكون ~~الحق ليكون حكم الحوادث المتفرعة عن الأصول على وفق أحكام الأصول وهذا هو ~~الأولى بحكمة الله تعالى أن يكون حكمه في الحادثة واحد غير مختلف وأن يجعل ~~الناس فى شرعه على السواء خصوصا فى الزمان الواحد والشئ الواحد وهو الأولى ~~أيضا عند إرادته جل جلاله لتعريض العبد للثواب وابتلائه لطلبه لأن العبد ~~إذا اعتقد أن كل مجتهد مصيب الحق عند الله تعالى للحقه الكلال والكسل فى ~~الطلب بل يتوانى ويقصر ويعتمد على أنه إن أصاب أو أصاب صاحبه فقد أصاب الحق # وإذا علم أن الحق واحد وأن الله عز وجل كلفه الإصابة ببذل مجهوده يتكلف ~~ويتحمل كل كد وتعب فى الطلب ليصيب الحق عند الله تعالى ثم يكون التوفيق ~~والهداية له من الهوى على قدر سعيه وكده وبذله PageV02P322 وجهده فثبت عند ~~التقريرات أن اللائق منهج الشرع ومحاسن الدين ومسالك الحق أن يكون الحق على ~~ما اخترناه # ولقد تدبرت فرأيت أكثر من يقول بإصابة المجتهدين هم المتكلمون الذين ليس ~~لهم فى الفقه ومعرفة أحكام الشريعة كثير حظ ولم يقفوا على شرف هذا العلم ~~وعلى منصبه فى الدين ومرتبته فى مسالك الكتاب والسنة وإنما نهاية رأس ما ~~لهم المجادلات الوحشة وإلزام بعضهم بعضا فى منصوبات وموضوعات اتفقوا عليها ~~فيما بينهم فكل يلزم صاحبه طرد دعواه وعند عجزه يعتقد عجز صاحبه وفلح نفسه ~~وقد رضى بهذا المقدار من غير أن يطلب النفائس أو تلج صدورا في إقامة دليل ~~يفيد يقينا أو بصيرة وهذا هو أعم أحوالهم إلا في النازلات النادرة فنظر ~~هؤلاء إلى الفقه ومعانيه بأفهام كليلة وعقول حسيرة فعدوا ذلك ظاهرا فى ~~الأمر ولم يعتقدوا لها كثير ms777 معانى يلزم الوجوب عليها # وقالوا لم يكلف المجتهد إلا محض ظن يعثر عليه بنوع أمارة وليس يستقيم ~~تكليفه سوى ذلك وليس هاهنا حق واحد مطلوب # وربما عبروا عن ذلك فقالوا إنما كلف المجتهد أن يعمل بحسب ظن الأمارة لا ~~بحسب الدلالة وليس على أعيان الفروع أدلة أصلا وقالوا ليس مطلوب المجتهد ~~إلا الظن للأمارة ليعمل على حسب ظنه وهذا الذى قالوه فى غاية البعد وهو أن ~~يكون مطلوب المجتهد مجرد ظن والظن قد يستوى فيه العالم والعامى وقد يكون ~~بدليل وقد يكون لا بدليل فدل أن المطلوب حكم الله تعالى فى الحادثة بالعلل ~~المؤثرة والإشارة القوية ولابد من الترجيح لمعنى على معنى ولشبه على شبه ~~وهذا إنما يقف عليه الراسخون من الفقهاء والذين عرفوا معانى الشرع وطلبوها ~~بالجهد الشديد والكد العظيم حتى أصابوها فأما من ينظر إليه من بعد ويظنه ~~سهلا من الأمر ولا يعرف إلا مجرد ظن يظنه الإنسان يعثر هذه العثرة العظيمة ~~التى لا انتعاش عنها ويعتقد تصويب المجتهدين بمجرد ظنونهم فيؤدى قوله إلى ~~اعتقاد الأقوال المتناقضة فى أحكام الشرع وأن يكون الشئ حلالا وحراما واجبا ~~مباحا صحيحا فاسدا موجودا معدوما فى وقت واحد والكل عند الله تعالى صواب ~~وحق ثم يؤدى قوله إلى خرق الإجماع # والخروج على الأمة وحمل أمرهم على الجهل وقلة العلم وترك الحفل والمبالاة ~~بما نصبوا الأدلة لها وكدوا فيها وأسهروا لياليهم PageV02P323 وأتعبوا ~~فكرهم واستخراجها وإظهار تأثيراتها لما ادعوها من العلل ثم كان نهاية ~~وصولهم عند هؤلاء الجهلة أنهم وصلوا إلى مثل ما وصل إليه مخالفوهم وأن ذلك ~~الذى وصلوا إليه حق عند الله تعالى وضده حق وقوله صواب وقول مخالفيه صواب ~~فيكون سعيه وكده شبه ضائع وثمرته كلا ثمرة وفائدته كلا فائدة # وبطلان مثل هذا القول ظاهر ولعل حكايته تغنى كثيرا من العقلاء عن إقامة ~~البرهان عليه # وأما أصحاب أبى حنيفة فقد قال من قال بتصويب المجتهدين فهم أن عند الله ~~تعالى أشبه مطلوب وأن المجتهد يجتهد ليصيبه وأنه لو ورد النص من ms778 الله ~~سبحانه فى حكم الحادثة لكان النص على ذلك ومن قال هذا فقد قال إن الحق واحد ~~وما سواه ليس بحق وهذا هو الذى يطلبه ويقيم الدلالة عليه # فإن قالوا إن العبد لم يكلف إصابته # قلنا إذا سلمتم أن الحق واحد وأن المجتهد طالب وقد كلف الطلب فلابد أن ~~يكون كلف الحق وإصابته وقد قال أصحابنا إن الله تعالى قد كلف المجتهد إصابة ~~الحق ونصب الدليل عليه إلا أن من أخطأ لا يأثم ولا يفسق لأن طريق التأثيم ~~والتفسيق الشرع وقد جاء الشرع بإسقاط الإثم على المجتهد على ما سبق بيانه ~~ويحتمل أيضا أن يكون أيضا أسقط عنهم المأثم لخفاء الأدلة وكثرة وجوه الشبه ~~فتفضل الله تعالى ورحم المجتهدين بخفى لطفه وخفى صنعه وأزال عنه الإثم ~~وأثابه على قصده واجتهاده # وقال الأصحاب فيما إذا حكم حاكم باجتهاده إنما لا ينقضه مجتهد آخر وإن ~~كان عنده أنه أخطأ لأنا لو صرنا إلى ذلك أدى إلى أن لا يستقر حكمه فى الشرع ~~ولا يثبت ملك لأنه متى حكم حاكم بحق أو ملك يجئ آخر وينقض ذلك ثم بعد ذلك ~~يجئ ثالث وينقضه هكذا أبدا وهذا فى نهاية القبح والفساد وقد قال الأصحاب ~~أيضا على قول من قال إن العامى يقلد من شاء من العلماء فدل أن قولهم جميعا ~~صواب وحتى قالوا نحن لا نسوغ التقليد لمن خالف الحق بل نقول له قلد عالما ~~بشرط أن يكون مصيبا كما نقول له قلد عالما بشرط أن لا تخالف النص على أن لو ~~منعنا العامى أن يقلد إلا من معه الصواب لم يجد إلى معرفة ذلك سبيلا إلا ~~بعد أن يتعلم الفقه وفى إيجاب ذلك على كل واحدة مشقة وحرج عظيم وفساد مصاح ~~يرجع إلى أحوالهم فسومح العامى وأمر PageV02P324 بتقليد الأوثق عنده فى ~~نفسه وقد سمعت بعضهم يقول إن المجتهد إذا بذل وسعه وأدى اجتهاده إلى شيء ~~يلزمه الأخذ بذلك وإذا ترك ذم وعيب على تركه ولولا أنه قد أصاب الحق لم ~~يلحقه ذم وعيب ms779 وقال هذا القائل أيضا إن أدلة الأحكام فى الغالب تقع متكافئة ~~وليس فيها ما يقتضى قطعا وكل واحد من الخصمين يمكنه أن يبين تأثير مثل ما ~~يبينه صاحبه أو يبين قوة شبهته على حسب ما بينه صاحبه فلا يظهر لأحدهما ~~مزية على الآخر وكذلك فى تأويل الظواهر من الآيات والسنة فإنه يمكن كل واحد ~~من المستدلين أن يؤول ما تعلق به صاحبه قبل ما يؤول صاحبه ما يتعلق هو به ~~فلا يظهر لأحدهما على الآخر رجحان ومزية ونحن نقول على الأول إنما يلزمه ~~حقيقة ما يؤدى إليه اجتهاده بشرط صحته وسلامته عما يبطله فإن بان خلافه لم ~~يجز الإعتقاد بكون ما أدى إليه اجتهاده حقا وهذا كما أنه إذا اجتهد يعتقد ~~أنه مصيب للحق بشرط أن لا يكون مخالفا للنص فإذا ظهر أنه مخالف لنص كتاب أو ~~سنة فإنه لا يجوز له أن يعتقد ما أداه إليه اجتهاده وعلى أن الذى قالوه ~~دليل عليهم لأنه متى أدى اجتهاده إلى شئ يلزمه أن يعتقده ولا يجوز أن يعتقد ~~خلافه ولو كان ما يؤدى إليه اجتهاده حقا وثوابا جاز له ترك ما أدى إليه ~~اجتهاده إلى ما أدى إليه اجتهاد صاحبه ألا ترى أن فى كفارة اليمين لما كان ~~كل الأنواع مأمورا به وكفارة عند الله تعالى تخير المكفر وكان له أن يكفر ~~بأيهما شاء وأما كلامه الثانى فباطل أيضا لأنه إذا اجتهد المجتهدان فلا بد ~~أن يكون لأحدهما ترجيح على صاحبه بوجه ما إما فى التأثير وإما فى الشبه ~~وكذلك فى الظواهر ولهذا إذا تناظر الخصمان بان أن أحدهما أظهر حجة من صاحبه ~~وقلما تخلوا مناظرة من ذلك ويعرف ذلك من يعتقد تصويب المجتهدين كما يعرف ~~ذلك من لا يعتقد وعلى أن هذا الذى قالوه لو كان دليلا على تصويب المجتهدين ~~فى الفروع لكان فى الأصول كذلك وذلك مثل الأشعرية والمعتزلة إذا تكلموا فى ~~تخليد الفساق أو تكلموا فى الصفات أو تكلموا فى القدر وفى جواز الرؤية على ~~الله تعالى فيوجد ms780 من كل واحد أيضا ما يوجد لصاحبه وإنما يفترق الخصمان على ~~التكافئ والتساوي فى التأويلات وإيراد الأدلة والشبه ومع ذلك لا يدل ذلك ~~على أن الجميع حق والكل صواب والاعتماد على الجواب الأول PageV02P325 & باب ~~اختلاف القولين & # وحين ذكرنا اختلاف الثانى من أقوال المجتهدين وأردنا حجة كل فريق على ~~الإشباع والتمام وذكرنا الصحيح من ذلك فلا بد من ذكر القولين المنسوبين إلى ~~الشافعى رحمه الله فى المسائل وبيان الكلام فيه ووجه ذلك فى الموضع الذى ~~يصح وبيان ما لايصح من ذلك # اعلم أن الأقاويل المتناقضة لا يجوز أن يعتقدها أحد من الناس نحو أن ~~يعتقد أن فعلا حرام عليه ثم يعتقد أن ذلك الفعل بعينه على شرطه وجهته جائز ~~له # ويجوز اعتقاد وجوب أحد الفعلين عل البدل والتخيير مثل ما يعتقد من عليه ~~كفارة اليمين أنه يجب التكفير عليه بأحد الأشياء الثلاثة # ويجوز أيضا فى فعلين وإن كانا ضدين كما يجوز أن يعتقد أن عليه الخروج ~~الواحد من أحد هذه الأبواب أو عليه الصلاة الواحدة فى أحد هذه الأماكن أو ~~على المرأة أن تعتد بالأطهار أو بالحيض # واعلم أن القول المختلف فى الحادثة الواحدة على ضربين ضرب لا يسوغ فيه ~~الاختلاف وضرب يسوغ فيه الاختلاف # فأما الضرب الذى لا يسوغ فيه الاختلاف كأصول الديانات من التوحيد وصفات ~~البارى عز اسمه وهى تكون على وجه واحد لا يجوز فيها الاختلاف وكذلك فى فروع ~~الديانات التى يعلم وجوبها بدليل مقطوع به مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~وكذلك المناهى الثابته بدليل مقطوع به فلا يجوز اختلاف القول فى شئ من ذلك # فأما الذى يسوغ ففيه الاختلاف وهى فروع الديانات إذا استخرجت أحكامها ~~بأمارات الاجتهاد ومعانى الاستنباط فاختلاف العلماء فيه مسوغ ولكل واحد ~~منهم أن يعمل فيه مما يؤدى إليه اجتهاده فأما قول العالم الواحد فيه بقولين ~~مختلفين فلم يعلم قبل الشافعى رحمه الله تعالى من قال بذلك تصريحا وهو رحمه ~~الله قد ابتكر هذه العباره وذكرها فى كتبه وقد أنكر ذلك كثير من مخالفيه ms781 ~~ونسبوه إلى الخطأ فى ذلك وقالوا هذا دليل على نقصان الآلة وقلة المعرفة حين ~~لم يعرف الحق من أحد القولين فاحتاج إلى تخريج المسألة على قولين وأيضا ~~فإنه خرق الإجماع فإنه لم يتقدم أحد يقول بقولين فى PageV02P326 مسألة ~~واحدة في حالة واحدة وإنما كانوا من استقر له حق أثر ذكره أو خفى عليه ~~فأمسك عنه وأيضا فإن اعتقاد قولين مختلفين مناقضة ويمتنع أن يكون بالشئ ~~الواحد حلالا وحراما ويمتنع أن يكون العقد الواحد صحيحا وفاسدا أو يكون ~~الشئ الواحد مثبتا منفيا # قالوا وأما الروايتان عن أبي حنيفة ومالك فذلك فى حالتين مختلفتين ~~والمجتهد قد يجتهد فى وقت فيؤدى اجتهاده إلى شئ ثم يجتهد فى وقت آخر فيؤدى ~~اجتهاده إلى خلافه إلا أن الثانى يكون رجوعا عن الأول ويكون الذي استقر ~~عليه قول المجتهد هو الثانى وإن كان فتوى أو قضاء فيكون على ما قال عمر رضى ~~الله عنه ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضى وإنما المستنكر اعتقاد قولين ~~مختلفين فى وقت واحد فى حادثة واحدة فهذا طعن المخالفين فى القولين وقد صنف ~~بعضهم فى ذلك تصنيفا مفردا ورأيت لأبى عبد الله البصرى الملقب يجعل فى هذا ~~الكتاب مفردا بل صنفه المعروف بالصاحب وهو إسماعيل بن عباد وإذا عرفت هذا ~~فنقول قد قسموا ما نسبوا إلى الشافعى رحمه الله من القولين أقساما وسنذكر ~~تلك الأقسام حين نبين أن الذى قاله الشافعى ليس بموضع الإنكار والذى هو ~~موضع الإنكار فإنه لا يقول به وهذا شئ ورد على طريق النقل فإن شيوخ المذهب ~~أعلم بهذا من غيرهم # وقال القاضي أبو الحسن الماوردى هو على أربعة عشر قسما # أحدها أن يقيد جوابه فى موضع ويطلق في موضع آخر مثل قوله فى أقل الحيض ~~أنه يوم وليلة وقال في موضع آخر أقله يوم يريد به مع ليلة وهذا معهود فى ~~كلام العرب من وجهين جاء القرآن بهما # أحدهما حمل المطلق على المقيد فى جنسه لقوله تعالى @QB@ وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم @QE@ وقال فى موضع ms782 آخر @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ يحمل ~~المطلق من الشهادة على ما فيه بها # والثانى إطلاق ذكر الأيام يقتضى إضافة الليالى إليها كما قال تعالى @QB@ ~~تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب @QE@ والمراد مع الليالى ~~فعلى هذين أحد القولين يخرج من جملة الاعتراض ولا نقول أن له فى المسألة ~~قولين ومن قال أبلغ فيه PageV02P327 قولين فقد وهم # والقسم الثانى ما اختلف فيه ألفاظه مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف ~~معانيها من وجه فغلب بعض أصحابنا حكمها فى الاختلاف ولم يغلب حكمها فى ~~الاتفاق فخرج حكم المسألة على قولين مثل قوله فى المظاهر إذا منع الجماع ~~أحببت أن يمنع القبلة والتلذذ وقال فى القديم رأيت أن يمنع القبلة والتلذذ ~~وهى لفظة محتملة فيحتمل أن تحمل على الاستحباب والإيجاب فكان حملنا على ما ~~صرح به من الاستحباب أولى من حملها على ما يجوز أن يحتمله من الإيجاب لأنه ~~غير مذكور فإن توسع بعض الأصحاب وعدل باللفظ إلى ما يذكره فى موضع الذى ~~حمله على إيجاب الاجتناب بوجه الاعتراض عليه لكن بلا معترض على الشافعى فإن ~~الشافعى له قول واحد والمحتمل محمول على غير المحتمل # والقسم الثالث ما اختلف قوله فيه لاختلاف حاله فينزل به بعض أصحابه عن ~~اختلاف الحاليين إلى اختلاف القولين # ومثاله فى الصداق إذا قدر فى السر بتقدير وذكر أكثر منه فى العلانية قال ~~فى موضع الصداق صداق السر وقال فى موضع الصداق صداق العلانية وليس ذلك منه ~~لاختلاف قولين وإما هو لاختلاف حالين فإن اختلف العقد بصداق السر فهو ~~المستحق ويكون صداق العلانية تحملا وإن افترق العقد بصداق العلانية وهو ~~المستحق ويكون صداق السر موعدا # فإن قيل فيستعمل هذا فى كل ما يمكن من اختلاف القولين أو لا # قلنا يعتبر ذلك أصول مذهبه ويوجد ذلك على ثلاثة أضرب # أحدها أن يقتضى أصول مذهبه حكمها على اختلاف حالين فيحمل على اختلاف ~~حالين ولا يحمل على اختلاف قولين # والضرب الثانى يمنع أصول مذهبه من حملها على اختلاف حالين فيحمل على ms783 ~~اختلاف قولين على ما سبق صحته # والضرب الثالث أن تتقابل أصول مذهبه فى أمرين فمن أصحابه من غلب حمله ~~PageV02P328 على اختلاف حالين ومن أصحابه من غلب على اختلاف قولين والأول ~~أولى لأن ما أمكن حمله على الوفاق كان أولى من حمله على الخلاف # والقسم الرابع ما اختلف قوله فيه لاختلاف القراءة أو لاختلاف الرواية ~~باختلاف القراءة مثل قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء @QE@ ~~فقرئ @QB@ أو لامستم النساء @QE@ و @QB@ لامستم @QE@ يوجب الوضوء على ~~الملامس والملموس ولمستم يوجب على اللامس دون الملموس # واختلاف الرواية كالمروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيان ~~المواقيت ( أنه صلى العشاء الآخرة فى اليوم الثانى حين ذهب من الليل نصفه ) ~~وفى رواية أخرى ( حين ذهب الليل ثلثه ) فلأجل اختلاف الرواية واختلاف ~~القراءة اختلف قوله ولا يتوجه عليه فى مثل هذا إنكار لأن اختلاف الدليل ~~أوجب اختلاف المدلول فإن ترجح عنده إحدى القراءتين أو إحدى الروايتين كان ~~مذهبه ما ترجح وإن لم يترجح أحدهما كان الترجيح مذهبا لمن ترجح عنده ولم ~~يكن مذهبا للإمام الشافعى لأنه لم يترجح عنده ولا يجوز أن يضاف إليه مذهب ~~هو عنده مجهول وإن كان عند غيره معلوما # وأما القسم الخامس فهو ما اختلف قوله فيه لأنه عمل على أحد القولين بظاهر ~~من كتاب الله تعالى ثم بلغته مسألة ثابته نقلته عن الظاهر إلى قول آخر كقول ~~الله تعالى فى صيام المتمتع @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج @QE@ فأخذ ~~بظاهره وأوجب صيامها فى أيام التشريق لأنها الظاهر من أيام الحج ثم روى عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن صيامها ) فعدل بهذه الرواية عما ~~عمله به من ظاهر الكتاب وأوجب صيامها بعد إحرامه وقيل يوم عرفة اتباعا ~~للسنة PageV02P329 # ومثل هذا قال فى الصلاة الوسطى ولا إنكار عليه فى هذا العدول لأنه فى ~~الحالتين عمل بدليل صار الثانى منهما أولى من الأول ويكون مذهبه هو القول ~~الثانى دون الأول وكان القول الأول مذهبا له قبل الثانى فصار كالمنسوخ ~~بالثانى ms784 وعلى هذا نظائر كثيرة فى مثل هذين القولين والمذهب فى الكل هو ~~الثانى # والقسم السادس ما اختلف فيه قوله لأنه عمل بالقياس ثم بلغته سنته لم تثبت ~~عند تخالف موجب القياس فجعل مذهبه من بعد ذكر السنة موقوفا على ثبوتها ~~كالذى جاءت به السنة من الصيام عن الميت والغسل من غسل الميت رويا له من ~~طريقين ضعيفين فقال بموجب القياس فى أن الصيام على الميت ولا غسل من غسله ~~ثم ذكر ما روى فى السنة فقال إن صح الحديث قلت به وأظهر موجب القياس وأوجب ~~العدول عنه إن صح الحديث وقد قال كل قول قلته فثبت عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم خلافه فأنا أول راجع عما قلته وقائل بموجب الحديث وهذا مما يجب إظهار ~~الاختلاف فيه وإن نقول بالسنة إن ثبتت وبالقياس إن لم يثبت ويكون ومذهبه فى ~~الحالتين ما يوجبه القياس دون السنة فإن ثبت ففى أى وقت ثبت يكون مذهبا له # والقسم السابع أن يذكر القولين لإبطال ما عداها من أقاويل كثيرة قد ذهب ~~إليها المجتهدون أو يكون مذهبه موقوفا على ما يؤدى إليه اجتهاده من صحة ~~أحدهما وإن لم يكن قائلا بهما فى الحال ومثل هذا قد جابه الشرع والعمل # أما الشرع فقول النبى صلى الله عليه وسلم فى ليلة القدر ( التمسوها فى ~~العشر الأواخر فى رمضان ) فنفى أن يكون فى غير العشر الأواخر من رمضان وجعل ~~غير الليلة موقوفة على الاجتهاد فى العشر الأواخر كأنها إذا اجتهد فى الكل ~~أصابها # وأما العمل المأثور ما عمله عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى أهل الشورى ~~فجعل الإمامة فى ستة نفر ونفى بذلك طلب الإمامة من غيرهم وجعلها موقوفة على ~~ما يؤدى إليه الاجتهاد منهم وهذا شئ انعقد إجماعهم وكان الشافعى رحمه الله ~~مقتديا بالشرع من الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل من الصحابة فى مثله فلم ~~يمتنع أن يبطل بالقولين ما عداهما ليكون الاجتهاد مقصورا عليهما ولا ~~يعدوهما PageV02P330 # والقسم الثامن أن يقصد بالقولين إبطال ما توسط ms785 منهما ويكون مذهبه منهما ~~ما حكم به وفرع عليه مثل قوله فى وضع الحوائج وقد قيدها مالك بوضع الثلث ~~فقال الشافعى ليس إلا واحد من القولين إما أن يوضع جميعها أو لا يوضع شئ ~~منها ومثل قوله فى الجارية الموصى بها إذا ولدت أو وهب لها مال بعد موت ~~الموصى قبل قبول الموصى له أنه لما جعل بعض العلماء ولدها وبعض ما وهب لها ~~لورثة الموصى وبعضها الموصى له قال ليس إلا واحد من القولين إما أن ملكها ~~الموصى له بالموت فيكون قبل ذلك بحدوثه على ملكه وإما أن يملك بالقول فيكون ~~كل ذلك للورثة بحدوثه على ملكهم وليس لتبعيضه وجه وهذا تحقيق يبطل به ما ~~خالف القولين وليس فيها تغيير لأحد القولين وإن كل الحق لا يخرج لأحدهما ~~فإن اقترن ما يدل على اختياره كان هو المذهب المضاف إليه دون الآخر وإن ~~تجرد عن قرينه لم يضف إليه واحد من القولين وإن علم أن الحق لا يخرج منها ~~لعدم ما عداهما # والقسم التاسع أن يذكر قولين مختلفين في مسألتين منفضتين فيذكر أحد ~~القولين فى إحدى المسألتين ويذكر القول الآخر فى المسألة الثانية فيخرجها ~~أصحابه على قوله وهذا على الإطلاق غلط لأنه إذا كان بين المسألتين فرق من ~~وجه امتنع أن يكون قوله فى واحدة من المسألتين إلا ما نص عليه فيها سواء ~~ذكر الفرق أو لم يذكر وتخريجها على قولين خطأ وإن لم يكن بينهما فرق لم يخل ~~قولان له من أن يكون فى وقت أو فى وقتين فإن كان فى وقتين كان كما قال فى ~~مسألة بقول ثم قال بعده فيها بقول آخر فيكون على ما سنذكره وإن كان قال لها ~~فى وقت فيكون على ما نذكره فى مسألة واحدة بقولين فى حالة واحدة # والقسم العاشر ما اختلف قوله فيه لأنه أداه اجتهاده إلى أحدهما وقال إنما ~~أداه اجتهاده إلى القول الآخر فعدل إليه وهذا غير مستنكر فى الصحابة ومن ~~بعدهم من علماء الأمصار لأنه أدل على مداومة ms786 الاجتهاد وإمعان النظر هذا عمر ~~بن الخطاب رضى الله عنه اختلف قوله فى ميراث الأخوة مع الجد فأسقطهم فى أول ~~قولهم وأشركهم معه فى آخره وحكم فى المشركة فى العام الأول بالتشريك وفى ~~العام الثانى بإسقاط التشريك وقال تلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى ~~واختلف قول على بن أبى طالب رضى الله عنه فى ميراث الجد على أقاويل # وقال فى بيع أمهات الأولاد اجتمع رأيه ورأى أبى بكر وعمر رضى الله عنهم ~~على PageV02P331 تحريم بيعهن وقد رأيت بيعهن جائز وليس أحد من الأئمة وجلة ~~العلماء إلا وقد اختلفت الرواية عنه فى كثير من أحكام الشرع فسماه أصحابهم ~~روايات وسماه أصحاب الشافعى أقاويل وإذا كان كذلك فمذهبه القول الثانى ~~لعدوله إليه ولا يرسل القولين إلا بعد التقييد بالجديد أو القديم والثانى ~~يكون هو المذهب دون الأول # والقسم الحادى عشر أن يكون قال فى المسألة بقول فى موضع وقال فيها بقول ~~آخر فى موضع آخر فيخرجها أصحابه على قولين وهذا وإن كان فى النقل صحيحا فهو ~~فى إضافتهما إليه على التساوى غلط وينظر فى اختلاف القولين فإنهما على ~~ضربين # أحدهما أن يتقدم أحدهما على الآخر فيكون كأنه قال بأحدهما ثم رجع عنه إلى ~~الآخر فيكون على ما ذكرناه من قبل # والضرب الثانى أن يشكل المتقدم منهما من المتأخر فلا يجوز أن يضافا إليه ~~معا لأنه لم يقل بهما فى حالة واحدة فإن كانت أصول مذهبه توافق أحدهما فقد ~~اقترن بنصه عليه دليل من مذهبه فكان هو المذهب المضاف إليه وإن لم يكن فى ~~أصول مذهبه موافقة أحدهما فإن تكرر منه ذكر أحد القولين وفرع عليه دون ~~الآخر فالذى عليه المزنى وطائفة من أصحاب الشافعى رحمه الله أنه المتكرر ~~وذا التفريع هو مذهبه دون الآخر لترجيحه له على الآخر وإن استويا صار مذهبه ~~فيهما مشتبها فإذا قلنا إن ألحق واحد من أقوال المجتهدين على ما هو المشهور ~~عنه لم يجز أن يضاف إليه القولان لتنافيهما ولم يجز أن يضاف إليه أحدهما ms787 ~~لأنه لم يتعين ويقال قد أشكل مذهبه فى أحد القولين وإن لم يخرج عن أحدهما ~~وأما إذا أضيف إليه أن كل مجتهد مصيب جاز أن يضاف إلى مذهبه القولان على ~~الانفراد بأحدهما دون الجمع بينهما ولم يجز أن ينفى عنه أحدهما لأنه قائل ~~بما أضيف إليه غير عادل عما نفى عنه # والقسم الثانى عشر أن يذكر القولين حكاية عن مذهبه غيره ولا يوجب حكايته ~~لهما أن يكون قولين لأن الحاكى يخبر عن معتقده غيره فلم يجز أن يضاف حاكيته ~~إليه أنه يعتقده وهذا كمن حكى الكفر لا يصير كافرا ومن نقل الخلاف لا يكون ~~مخالفا فإن أشار إليهما بالإنكار كان الحق عنده فى غيرهما وإن أشار إليهما ~~بالجواز جاز أن يكون الحق عنده فيها وفى غيرها وإن أشار إليها بالاختيار ~~كان الحق عنده فيها ولم يكون فى غيرها # والقسم الثالث عشر أن يذكر القولين معتقدا لأحدهما وزاجرا بالآخر كما فعل ~~فى PageV02P332 قضاء القاضى بعلمه وفى تضمين الأجير المشترك فإن مذهبه أن ~~للقاضى أن يحكم بعلمه وأن لا ضمان على الأجير لكن ذكر الآخر زاجرا ومرهبا ~~وقد قال الشافعى رحمة الله عليه بعد ذكر القولين فيهما ولولا خوفى ميل ~~القضاة وخيانة الأجراء لجعلت للقاضى أن يحكم بعلمه وأسقط الضمان عن الأجير ~~فعلل منع القاضى بميله وضمان الأجير بخيانته فدل أن مذهبه فيمن لم يمل من ~~القضاة جواز حكمه بعلمه وفيمن لم يخن من الأجراء سقوط الضمان عنه وإذا صح ~~هذا فيمن أمن ميله وخيانته ثبت حكمه فيمن خيف ميله وخيانته لعموم الحكم فى ~~الجميع ولا عيب على الشافعى بمثل هذا لأن من كان ترغيما فى الدين فحقيق أن ~~يكون زاجرا # واعلم أن جميع هذه الأقسام لا يتوجه عليها المنكر القولين اعتراض بما ~~أوضحناه فى كل قسم منه # والقسم الرابع عشر وهو المختص باعتراض منكر القولين وهو أن نقول فى ~~المسألة الواحدة فى الحالة الواحدة بقولين مختلفين مجمع فيهما بين قولين ~~متضادين فيحكم بحلية الشئ فى أحدهما وتحريمه فى الآخر ويوجب الشئ ms788 فى أحدهما ~~ويسقطه فى الآخر فهذا على ضربين أحدهما أن يميز أحد القولين بما ينبه على ~~اختياره والثاني أن يطلق ولا يميز فإن ميز أحدهما بما ينبه على اختياره فهو ~~ثلاثة أضرب # أحدها أن يرجح أحدهما فيقول وبه أقول أو يقول وهذا مما أستخير الله تعالى ~~فيه أو يقول هذا أصح أو هو أشبه فيكون مذهبه منهما هو القول الذى أشار إلى ~~ترجيحه # والضرب الثانى أن يفرع على أحدهما أو يكرر ذكره ولا يكرر ذكر الآخر فقد ~~جعل بعض أصحابنا دليلا على الترجيح وبعض أصحابنا لم يجعله دليلا على ~~الترجيح # والضرب الثالث أن يعمل بأحدهما دون الآخر فيكون عمله بذلك دليلا على أنه ~~القول المختار وأما الضرب الثانى فهو إذا جمع بين القولين وأطلقهما ولم ~~يميز أحدهما باختيار ولا ترجيح فهذا على ثلاثة أضرب # أحدها أن يتوقف فى القولين المتعارضين لاحتمال الأدلة وتعارضهما ويعلم أن ~~الحق PageV02P333 فى أحدهما ولم يتعين له فجمع بينهما وتوقف فيهما وأبطل ~~بهما ما عداهما وجعل الاجتهاد مقصورا عليهما ليستوضح الحق فى أحدهما ~~بمراجعة الاجتهاد فيهما وليس بمستنكر عند العلماء التوقف عند الأشباه وهذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف فى اللعان وغيره حتى نزل القرآن وعن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ( المؤمن وقاف ) وهذا أدل على الورع ~~وأبلغ فى النظر ولا إنكار فى مثل هذا إذا تجاذبت الأصول وتعارضت الأدلة ~~ويكون القصد بذكر القولين فى الحال بيان أن لكل واحد منها وجها فى أحدهما ~~الاجتهاد ويكون القصد أيضا إبطال ما عداهما ويكون من بينة إعادة الاجتهاد ~~عند الفتيا والحكم به # والضرب الثانى أن يجمع بينهما في القول لتردد الفرع بين أصلين يحله ~~أحدهما ويحرمه الآخر أو يوجبه أحدهما ويسقطه الآخر فيجمع بينهما فى رد ~~الفرع إليهما فيجعله حراما وحلالا واجبا ساقطا وهذا مستحيل أن يكون قائلا ~~به ومن المستحيل أن يجمع بين ضدين حسا فيستحيل أن يجمع بينهما حكما وهذا لا ~~يقول به الشافعى ولا أحد من الأئمة # والضرب الثالث أن يجمع ms789 بين القولين على التخيير فى أحدهما دون الجمع ~~بينهما لتردد الفرع بين أصلين يحله أحدهما ويحرمه الآخر ويوجبه أحدهما ~~ويسقطه الآخر فتخير فى رده إلى أى الأصلين شاء لتساوى الشبه فيهما وتعارض ~~الأدلة وقيل إن مثل هذا لا يوجد للشافعى رحمه الله إلا فى سبعة عشر مسألة # وقد أنكر أصحاب أبى حنيفه هذا قالوا لا يجوز أن يعتمد الفرع فى الشبه بين ~~أصلين متجاذبين وقالوا إنما يستحيل فى الشرع التخيير بين حكمين متناقضين # وأما عندنا فهو جائز وهو قول كثير من المتكلمين وإنما جاز التخيير بينهما ~~على وجه البدل دون الجمع لأمرين # أحدهما أنه لا يمتنع اعتدال الفرع فى الشبه بين أصلين متجاذبين لوجود ذلك ~~عيانا كما لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين فى القبلة ثم كان لا يمتنع ~~اعتدال جهتين مختلفتين فى القبلة ثم كان لا يمتنع اعتدال جهتين فى القبلة ~~فى التخيير فى الصلاة إلى أيهما شاء أجماعا وكذلك جاز مثل هذا اعتدال فروع ~~بين أصلين فى تخيير رده إلى أيهما شاء # والثانى أن القياس طريق إلى الأحكام كالنصوص فلا جاز ورود النص بالتخيير ~~فى الكفارة جاز أيضا أن يكون القياس موجبا للتخيير كالنص وليس بمستحيل فى ~~الشرع ورود النص بالتخيير بين حكمين متنافيين كما تخير المسافر بين الصوم ~~والفطر زمن الإتمام PageV02P334 والقصر وتخيير العبد بين الجمعة والظهر # واعلم أن هذا الذى يقوله هذا القائل إنما يصح عند اعتقاد الإنسان جواز ~~تكافؤ الأدلة واعتقاد إصابة المجتهدين ونحن قد بينا أن واحدا منهما لا يصح ~~والأولى أن يقال إن الشافعى لم يذكر القولين فى هذا المعنى أيضا على معنى ~~أنه معتقد لهما أو مخبر وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم ~~يترجح عنده بعد أحدهما فذكرهما لينظر فيهما ويختار بينهما الصواب فأدركه ~~الموت قبل البيان وليس فى هذا عيب على المجتهد بل هو دليل على غزارة علم ~~المجتهد وكمال فضله وشدة توقيه فإن طلبوا الفائدة من ذكر القولين # قلنا قد بينا من قبل فائدة ذكر القولين وهذا الذى قلناه ms790 هو المختار وهو ~~الأولى وعليه الاعتماد وإذا استقررنا على هذا سقط طعن الطاعن وعنت المتعنت ~~والله الهادى إلى الصواب والمرشد فيه بمنه وطوله # | فصل # ونذكر فى هذا الموضع مواضع اختلف فيها الأصحاب فيما يرجع إلى إثبات ~~القولين أو إثبات قول واحد إذا ذكر فى القديم قولا ثم ذكر فى الجديد قولا ~~بمذهبه الثانى والأول مرجوع عنه # ومن أصحابنا من قال لا يكون رجوعا عن الأول حتى يصرح بالرجوع عنه # والصحيح هو الأول وهو مثل ما لو وجد من صاحب الشرع قولان مختلفان فى ~~وقتين مختلفين فى حادثة واحدة فإنه يكون الثانى نسخا للأول كذلك هاهنا يكون ~~القول الثانى رجوعا عن الأول # موضع آخر إذا نص الشافعى رحمه الله فى مسألتين على قولين ثم أعاد ~~المسألتين وذكر فيهما أحد القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد وكذلك إذا ~~فرع على أحد القولين كان ذلك اختيار للقول الذى فرع عليه وهو قول المزنى # ومن أصحابنا من قال لا يكون ذلك دليلا على الاختيار # والصحيح هو الأول لأنه لما أعاد أحد القولين أو فرع عليه فالظاهر أن ~~مذهبه هو ذلك لأنه لو كان مقيما على القولين لأعادهما وفرع عليهما جميعا ~~فلما أفرد أحدهما PageV02P335 بالإعادة والتفريع دل أنه هو الذى يذهب إليه ~~ويختاره # موضع آخر إذا نص فى مسألتين على حكم ونص فى غيرهما على حكم آخر وأمكن ~~الفصل بين المسألتين لم ينقل جواب إحديهما على الأخرى بل يحمل كل واحد على ~~ظاهره # ومن أصحابنا من قال ينقل الجواب إلى الآخر وتكون المسألتان على قولين # الصحيح هو الأول لأن القول إنما يجوز أن يضاف إلى الإنسان وإذا قال أو دل ~~عليه بما يجرى مجرى القول وأما الذى لم يقله ولم يدل عليه فلا يجوز أن ينسب ~~إليه لأن إذا كان صاحب المذهب قد نص على المخالفة فكيف يجوز الجمع بين ما ~~خالف فيه بل ينبغى أن يفرق إذا أمكن الفرق ولا يخترع له قول لم يقل به # موضع آخر لا يجوز أن ينسب إلى الشافعى ms791 رحمه الله ما يخرج عنه قوله فيجعل ~~قولا له # ومن أصحابنا من قال يجوز ذلك # والصحيح هو الأول كما ذكرناه فى الفصل الأول # فإن قيل أليس ينسب إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم ما يقتضيه ~~قياس قولهما فكذلك يثبت إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس مذهبه قوله # الجواب ان ما دل عليه القياس فى الشرع لا يجوز أن يقال إنه قول الله ولا ~~قول رسوله وإنما يقال هذا من الله ومن رسوله بمعنى أن الله تعالى دل عليه ~~وكذلك رسوله ومثل هذا لا يصح فى قول الشافعى فسقط ما قالوه # موضع آخر إذا قال الشافعى فى موضع بقول ثم قال ولو قال قائل كذا كان ~~مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا به له وقال بعض أصحابنا يجعل ذلك قولا له # والصحيح هو الأول لأن قوله فلو قال قائل كان مذهبا ليس فيه دليل على أن ~~ذلك مذهب بل هو إخبار عن احتمال المسألة وجها من وجوه الاجتهاد فلا يجوز أن ~~ينسب إليه قول بهذا القدر فهذه المواضع لا بد من معرفتها لمن يريد أن يقف ~~على مذهب الشافعى PageV02P336 # | فصل # فى الوجوه النى يجوز معها تخريج المذهب # اعلم أن مذهب الإنسان هو اعتقاده فمتى ظننا أن اعتقاد الإنسان أو عرفناه ~~ضرورة أو بدليل مجمل أو مفصل قلنا إنه مذهبه ومتى لم نظن ذلك ولم نعلمه لم ~~نقل إنه مذهبه ويدل الإنسان على مذهبه فى المسألة بوجوه # منها أن يحكم فى المسألة بعينها بحكم معين # ومنها أن تأتى بلفظ عام يشمل تلك المسألة وغيرها فيقول الشافعى رحمه الله ~~الكل جائزا وغير جائز # ومنها أن يعلم أنه لا يفرق بين المسألتين وينص على حكم أحدهما فيعلم أن ~~حكم الآخر عند ذلك الحكم مثل أن يقول الشفعة لجار الدار فنعلم أن جار ~~الدكان مثل جار الدار # ومنها أن يعلل الحكم بعلة توجد فى عدة مسائل فنعلم أن مذهبه شمول ذلك ~~الحكم فتلك المسائل سواء قال بتخصيص العلة أو لم يقل أما ms792 إذا لم يقل بتخصيص ~~العلة فلا يشكل ذلك وأما من قال بتخصيص العلة فإنما يقول بتخصيص العلة إذا ~~دل على تخصيصها دلالة كالعموم وكما أن الكلام العام يدل على مذهبه فكذلك ~~تعليله وأما إذا نص العالم فى مسألة على حكم وكانت المسألة تشبه مسألة أخرى ~~شبها يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يقال قوله فى هذه ~~المسألة هو قوله فى المسألة الأخرى لأنه قد لا تخطر المسألأة بباله ولم ~~ينبه على حكمها لفظا ولا معنى ولا يمتنع لو خطر بباله لصار فيها إلى ~~الاجتهاد الآخر وهذا قد سبق بيانه من قبل # | مسألة # ومما يتصل بباب الاجتهاد مسألة اختلفوا فيها وهى أنه هل يجوز أن يقال ~~للرسول أو للعالم احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فقد منع من ذلك كثير من ~~الناس وأجازه آخرون على العموم وذهب إليه يونس بن عمران وقال بعضهم يجوز ~~للنبى صلى الله عليه وسلم على الخصوص ولا يجوز لغيره وهذا هو المختار وقد ~~ذكر الشافعى فى كتاب الرسالة ما PageV02P337 يدل على هذا واستدل من منع ذلك ~~وقال إن الشرائع إنما تعبد الله تعالى بها لكونها مصالح # والإنسان قد يختار الصلاح وقد يختار الفساد فلو أباح الله سبحانه للمكلف ~~أن يحكم بما اختاره المكلف لكان قد أباحه الحكم مما لا نأمن كونه فسادا ~~واستدل من جوز ذلك بأنه إذا جوز أن يفوض الله تعالى إلى المكلف أن يختار ~~واحدة من الكفالات جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره ~~ولأنه إذا جاز أن يتعبد الله تعالى العامى ليختار العمل على فتوى واحد من ~~الفقهاء ويتعين ذلك باختياره جاز مثل ذلك فى أصل التعبد ولأنه إذا جاز أن ~~يكلف الله من الإنسان العمل على الأمارات مع أنها قد تخطئ جاز أن يكلف ~~الإنسان أيضا العمل على اختياره وإن كان الإنسان قد يختار الصواب كما يختار ~~غير الصواب # وأما من قال يجوز للأنبياء ولا يجوز لغيرهم فاستدل على ذلك بالوجود وهو ~~قوله تعالى ms793 @QB@ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه @QE@ ولأن السنة مضافة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وحقيقة الإضافة ~~تقتضى أنها من قبله ولأن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى مكة ( لا يختلا ~~خلاها ولا يعضد شجرها قال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لقبورها ~~وأفنيتها قال إلا الإذخر ) ولأن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الحج فقيل ~~أحجتنا هذه لعامنا أم للأبد فقال ( للأبد ولو قلت لعامنا لوجب يعنى فى كل ~~سنة وما استطعتم ) ولأن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( ولولا أن أشق على ~~أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~عفوت عن أمتى صدقة الخيل والرقيق إلا أن فى الرقيق صدقة الفطر ) قالوا ~~ولأنه روى أن موسى عليه السلام أثبت الأحكام كلها من جهته إلا تسع آيات ~~أنزلها الله تعالى والأولى أن يتعلق فى هذه المسألة بوجود وجوب الأشياء عن ~~اختيار من الموجب وقد تحقق هذا من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم # فأما فى حق غيره فلم يوجد وهذا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوما ~~من الخطأ فيجوز أن يقال له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب وهذا لا يوجد فى ~~حق غيره فلم يامن خطأه ولأن الله تعالى قد قال PageV02P338 @QB@ فحكمه إلى ~~الله @QE@ وقال فى موضع @QB@ فردوه إلى الله والرسول @QE@ ولم يقل إلى ~~اختيار الرجال وأما مسألة الكفارات فالإيجاب قد كان من قبل الله تعالى فإنه ~~قد أوجب واحدة من الكفارات على العبد وإنما يختار واجبا لا أنه يجب ~~باختياره عليه شئ وكذلك فى العامى إذا استفتى فإنما وجد منه مجرد اختيار ~~فواجب لأنه قد وجب على العامى الرجوع إلى العالم فى الأحكام وأما هاهنا ~~الكلام فيما ذكرناه وهو أنه يوجب باختياره فإن قال قائل أليس من نذر شيئا ~~فقد أوجب على نفسه باختياره # قلنا ليس هذا من مسألتنا في شئ لأن مسألتنا هى أن يحكم بشئ ابتداء فى شئ ms794 ~~من غير دليل يرجع إليه فيوجبه على نفسه أو غيره أو يحرمه على نفسه أو غيره ~~فيثبت شرعا مبتدأ يرجع إليه تماما النذر فأما النذر فمن باب الالتزامات وهو ~~عقد مشروع من قبل الله تعالى للعباد يعقدونها أو يلتزمونها مثل سائر العقود ~~وليس شرع مبتدأ من قبل العبد واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلموا ~~الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء وليس فيها كثير فائدة لأن هذا فى غير ~~الأنبياء لم يوجد ولا يوجد توهمه فى المستقبل فأما فى حق النبى صلى الله ~~عليه وسلم فقد وجد فقلنا على ما وجد وهذا القدر كاف فى هذه المسألة والله ~~اعلم # ولما تم ما أوردناه من الكلام فى الاجتهاد وذكرنا صفة المجتهد والمختار ~~مما ينبغى أن يعتقد فى أقوال المجتهدين فيكون الكلام بعد هذا فى التقليد ~~وما يتصل به وسنذكر من بعد ذلك ما يقع الحاجة إليه PageV02P339 # | التقليد # التقليد قبول قول المرء فى الدين بغير دليل وحده بعضهم بأنه العمل على ~~قولين من غير علم بصحته ولا نظر فى الطريق إلى معرفته والأول حد الفقهاء ~~ويقال إن التقليد مأخوذ من تصيير الشئ قلادة فى عنق من ينسب إليه أو أخذ ~~عنه ومن التقليد ما يجوز ومنه ما لا يجوز فأما اتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض وقد قال ~~الله تعالى @QB@ واتبعوه لعلكم تهتدون @QE@ ولأن الدلائل قد قامت فى أن ~~قوله حجة فلا يكون قبول قوله قبول قول فى الدين من قائله بلا حجة وقد قال ~~الشافعى رحمه الله فى بعض المواضع فلا يجوز تقليد أحد سوى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهذا مذكور على طريق التوسع لا على طريق الحقيقة # وقال بعضهم إن رجوع العامى إلى قول العالم ليس بتقليد أيضا لأنه لا بد له ~~من نوع اجتهاد فلا يكون تقليدا حتى لو اعترض إنسانا من غير أن يجتهد فى طلب ~~الأعلم فسأله لم يجز على الأصح بل لا بد أن يتوخى الأفضل ms795 والأشهر عند الناس ~~فى درجة العلم والأوثق عند نفسه منهم فيصير الاجتهاد فى اختيار أعيان ~~العلماء كاجتهاد العالم فى اختيار أعيان الأقاويل وعلى أنا إن سمينا ذلك من ~~العامى تقليدا فلا بأس ولعله الأولى لأنه لا يعرف حجة ما يصير إليه ويقبله ~~فيوجد فيه حد التقليد وهو قبول القول من قائله بغير حجة # وأما تقليد الأمة إذا قالت قولا عن إطباق وإجماع فهو حجة لا يجوز ~~مخالفتها لقيام الدليل أنها لا تجتمع إلا على حق وإذا أفتى العالم واحدا من ~~العامة فى الحادثة تنزل به جاز تقليده والأخذ به لأن العامة لو كلفوا ~~الاجتهاد والاستدلال لكان فرض طلب PageV02P340 العلم على وجه يصير به ~~الإنسان عالما مجتهدا فرضا على الأعيان ولو كان كذلك لبطل معايش الناس ~~ولأضر بهم ذلك ضررا بينا ولحقتهم المشقة التى لا يمكن احتمالها وقد دفع ~~الله مثل هذا عن الأمة ووضع الإصر عنهم ولم يحملهم ما ليس لهم وسع فى ~~تحملها رحمة من الله تعالى ولطف فعله بهم وإذا لم يجب عليهم ما ذكرناه بقى ~~فرضهم الأخذ بقول غيرهم وتقليدهم وهذا التقليد فى الفروع جائز # وأما قبول خبر الواحد إذا كان ظاهر العدالة فعمل يكون تقليدا اختلف ~~أصحابنا فيه سماه بعضهم تقليدا وامتنع بعضهم من ذلك وهو الأولى لأنه لا يقع ~~التسليم لقوله إلا بعد الاجتهاد فى عدالته فصار قوله مقبولا بدليل والتقليد ~~قبول قول الغير من غير دليل فلم يكن هذا من باب التقليد والله اعلم # مسألة لا يجوز للعالم أن يقلد العالم # ومن الناس من قال إنه جائز وهو قول أحمد وإسحاق وعن محمد بن الحسن قال ~~يجوز له تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله وهذا الذى قلناه ~~يستوى فيه PageV02P341 العالم من الصحابة وغير الصحابة وقد فرق بعضهم بين ~~الصحابة وغير الصحابة # وقد قال الشافعى رحمه الله فى القديم يجوز تقليد الصحابي فيما لم يجعله ~~له غيره فيه وإن لم يظهر قوله ولم ينتشر # وقال فى الجديد لا يجوز وقد ذكرنا ms796 هذا من قبل وقال بعضهم يجوز تقليد ~~الخلفاء الأربعة دون غيرهم # وقال بعضهم يجوز تقليد أبى بكر وعمر رضى الله عنهما دون غيرهما # وقد ورد من الأخبار ما يدل على كل واحد من هذين القولين # قال النبى صلى الله عليه وسلم فى خبر ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدى ) وقال صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين من بعدى أبى ~~بكر وعمر ) # ونتكلم فى المسألة على الإطلاق فنقول احتج من جوز للعالم تقليد العالم ~~بظاهر قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ قالوا ~~فإذا حدثت الحادثة ولم يكن عند الفقيه علم بها جازت له المسألة عنها وقبول ~~قول العالم فيها لظاهر هذه الآية لأن العامة إنما يجوز لهم تقليد العلماء ~~لأنهم لما يعرفون أحكام الحوادث فكذلك العلماء إذا أشكل عليهم العلم فيها ~~نزلوا بمنزلة العوام فى هذه المسألة واستووا فى جواز التقليد لهم واستوى ~~الفريقين فى عدم العلم بها # قالوا ولأن الاجتهاد يجب فى فروض الكفاية فجاز أن يتكل فيه البعض على ~~البعض كالجهاد فإنه لما كان من فروض الكفاية جاز أن يتكل فيه البعض على ~~البعض كذلك هاهنا وقد تعلق بعض أصحاب أبى حنيفة فى هذه المسألة بقصة الشورى ~~فإن عبد الرحمن بن عوف دعا عليا إلى تقليد أبى بكر وعمر فلم يجب إلى ذلك ~~فأما عثمان فإنه أجاب # فدل هذا من قول PageV02P342 عثمان وعبد الرحمن بن عوف أنه يجوز للعالم ~~تقليد العالم # وقال بعضهم فى تقليد الأعلم أن ألعلم له مزية لكثرة علمه وحسن معرفته ~~لطريق الاجتهاد # واما الاجتهاد فالإنسان نفسه له مزية من وجه آخر وهو أنه على ثقة وإحاطة ~~من جهة الدليل وما يقتضى الحكم وليس على ثقة من اجتهاد الأعلم وإذا اجتمعا ~~تساويا فيخير بينهما # وقالوا أيضا إن العالم يقول ما يقول عن دليل وحجة فى هذا الموضع أطلق له ~~ذلك كذلك فى الصورة الأولى # وأما دليلنا قوله تبارك وتعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول @QE@ فأمر عند وقوع الاختلاف برد ms797 المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة ~~فوجب بحق الظاهر أن لا يرد إلى غيرهما من أقاويل الصحابة والعلماء ويدل ~~عليه أيضا إجماع الصحابة فإنهم اختلفوا فى مسائل كثيرة وتناظروا واجتهدوا ~~ولم يعلم عن أحد منهم أنه قلد غيره أو دعا أحدا إلى تقليد نفسه وخالف أبو ~~سلمة بن عبد الرحمن ابن عباس فى مسألة فتحاكما إلى أم سلمه ولم يقل له ابن ~~عباس لا يسوغ لك مخالفتى لأنى صحابى وانت تابع لى فتقليدك لى واجب عليك ~~فثبت أن من جوز التقليد مع إطباق الصحابة على المنع منه فقد خالف الإجماع ~~ويدل عليه أن الله تعالى ذم التقليد وعابه فقال تعالى حكاية عن الكفار @QB@ ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون @QE@ وهذا لحقيقة وهو أن ~~قبول قول الغير فى الحكم من غير حجة مع تمكن معرفة الحكم بحجة لا يجوز لأن ~~التقليد مذموم شرعا وعقلا # أما الشرع فقد بينا # وأما العقل فلأنه إذا أمكن فى نفسه تقليد غيره فليس قول واحد أولى من ~~قبول قول غيره إلا أنا إنما جوزنا للعامى لأجل حاجة إلى التقليد فإنه لا ~~يمكنه أن يصل إلى معرفة الحكم بالحجة فجوز له التقليد ضرورة وهذا لا يوجد ~~فى حق العالم فلم يجز له التقليد لما بينا من قبل وأما الذى تعلقوا به من ~~قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ فهو فى العوام ~~الذين لا يعرفون الدليل أو عو فيمن لا يعرف نصوص الكتاب والسنة فيرجع إلى ~~من يعرفها وعلى هذا الجواب يخرج إن تعلقوا بقوله تعالى @QB@ فلولا نفر من ~~كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم @QE@ ~~فالمراد من ذلك إنذار العوام أو تبليغ الكتاب إلى من لم يبلغه وإنما تقليد ~~العوام العلماء فإنما جاز لأنا لو أوجبنا عليهم معرفة الأحكام والدلائل ~~بالحجج لاشتدت المحنة عليهم وعظمت البلوى فيهم فإنا إذا ألزمنا الكافة ~~النظر PageV02P343 فى الدليل أدى إلى مفسدة راجعة إلى كافة الناس لأنه لا ~~يكون منهم من يقوم ms798 بأمر مصالح دنياهم وما يقوم به معايشهم ويفسد نظام ~~الأحوال فى الأفعال والأعمال وعلى أنا لا نخليه من نوع اجتهاد نوجبه عليه ~~وهو بقدر طاقته واتساع باعه له هو أن يختار من أعيان العلماء أعلمهم عنده ~~وأوثقهم فى نفسه فيرجع إلى قوله ويقلده أمر دينه فليكن العالم كذلك وهو أنه ~~يتكلف ما يطيقه ويتسع له علمه وهو مطلق للاجتهاد ومتسع علمه لذلك فلا يجوز ~~له تركه كالعامى الذى يقدر أن يتخير من العلماء فيقلد الأعلم في نفسه ~~والأوثق فى علمه فإنه لا يجوز له ترك ذلك # وأما اعتبارهم الاجتهاد بالاجتهاد فقد أجاب بعض أصحابنا عن ذلك وقال من ~~سهل عليه تناول الأدلة وقرب مواضعها من فهمه فهو بمنزلة من حضر العدو وقرب ~~مواضعه منه فلا يجوز له الاتكال على غيره فى الجهاد # وأما العامى الذى تغيب عنه الأدلة فلا يعرف وجوه الاستدلال فهو يمنزلة من ~~بعدت المسافة بينه وبين عدوه ولحقته المشقة فى قطعها إليه ومن كان بهذه ~~الصفة لا يجب عليه الجهاد فقد استوى الجانبان من حيث المعنى # وأما الذى تعلقوا به من قصة الشورى فهو محمول على أنه دعاه إلى سيرتهما ~~والسياسة والرأى فى الأمور وضبط الشرعية ومجاهدة الأعداء والقيام بالآيات ~~الثابتة ويجوز أيضا أنه دعاه إلى سنتهما فى ما عملا به ولم يظهر لهما مخالف ~~فصار ذلك بمنزلة الإجماع # وأما الذى قال إن الأعلم لاجتهاده مزية ولهذا أيضا مزية فخير بينهما # قلنا العالم والعالم وإن اختلفا فى غزارة العلم وعدم غزارة العلم ولكن ~~غزارة علم صاحبه لا تفيده علما بلا دليل والواجب هو العلم بالدليل إذا تمكن ~~من الدليل ولأن التقليد من عمل الجهلة والاجتهاد من عمل العلماء فلا يجوز ~~أن يترك عمل العلماء وهو علم إلى علم الجهال # وقوله إنه يعرف أن ذلك العالم يقول ما يقوله عن دليل # قلنا وإن كان كذلك ولكن دليله عند صاحبه لا يفيده دليلا فى نفسه # واعلم أن أصحاب أبى حنيفة يفرقون بين العالم والعامى فيقولون إن العامى ~~يجب PageV02P344 عليه ms799 التقليد والعالم يجوز له التقليد ولا يجب عليه لكن ~~غذا اشتبه عليه الدليل يجوز له التقليد لأنه فى هذه الحالة يحتاج إلى ~~التقليد مثل العامى وهذا ليس بشئ لأن معه آلة الاجتهاد فلا يعذر بالأشتباه # مسألة إذا نزلت بالعالم نازلة وخاف فوت وقتها لم يجز له تقليد غيره # وقال أبو العباس بن سريج يجوز لأنه فى هذه النازلة بمنزلة العامى من حيث ~~إنه لا يتوصل إلى معرفة حكمها بالإجتهاد ولأنه مضطر إلى التقليد فإنه إذا ~~اجتهد فاتته العبادة عن وقتها فجاز له التقليد كالعامى أيضا وأما نحن فنقول ~~إن معه آلة الاجتهاد فلا يجوز له التقليد كما لو كان الوقت واسعا # بينة أنه لو جاز له التقليد إذا خاف فوت الوقت لجاز وإن لم يخف كالعامى ~~والحرف أن الفرض لا يتبدل لخوف الفوت وعدم الخوف وقوله إنه كالعامى فى هذه ~~النازلة قد بينا الفرق # وقوله إن به ضرورة قلنا ليس كذلك لأنه إن كان ذلك الشئ مما يجوز تأخيره ~~للغذ يكون اشتباه الحادثة عذرا له فى التأخير إن كان مما لا يجوز غيره ~~أداءه على حسب حالة ثم يعيده فلا ضرورة فى التقليد له # واعلم أن العامى يجوز له تقليد العالم فى جميع الأحكام الشرعية # وقال أبو على الجبائى لا يجوز له فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد وقال ما ~~طريقه مقطوع به يصير مثل العقليات # وأما عندنا يجوز فى الكل لأنه المعنى الذى لأجله يسوغ له التقليد فى ~~مسائل الاجتهاد موجود فى غيرها يدل عليه أنه إذا أمر العامى بمعرفة الدليل ~~وترك التقليد أدى إلى مفسدة عظيمة تعود عليهم وتشتد البلوى والمحنة بهم على ~~ماذكرنا من قبل وقد ذكرنا من قبل أنه لا يقلد العامى إلا بعد أن يجتهد فى ~~أعيان الفقهاء وقد ذكر هذا أبو العباس بن سريج والقفال # وقد ذكر بعض أصحابنا أنه يجوز له تقليد من شاء من العلماء من غير أن ~~يجتهد فى أعيانهم وزعم أن فى تكليفه الاجتهاد فى الأحكام مشقة PageV02P345 # ونحن نقول إنه ليس ms800 عليه فى هذا كثير مشقة ولا ينقطع بإيجابه عليه عن سائر ~~مصالحه فى أمر معايشه وأسبابه ويحصل له بذلك نوع ظن فإذا كان يحصل له ذلك ~~من غير مشقة فيجئ عليه تحصيله كما يجئ على الإمام الاجتهاد فى سائر الحوادث ~~والنوازل # وعندى أن هذا أولى والله أعلم # مسألة وأما الكلام في مسائل الأصول # فقد ذهب جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء أنه لا يجوز للعامى التقليد ~~فيها ولا بد أن يعرف ما يعرفه بالدليل وقالوا العقائد الأصولية عقلية ~~والناس جميعا مشتركون فى العقل ولأن العلم بها واجب والعلم لا يحصل للمقلد ~~بتقليد غيره ولأن الدلائل على الأصول ظاهرة وليست غامضة فتكليف العامى ~~ليعرف الأصول بدلائلها لا يؤدى إلى الحرج الشديد فيسقط عنهم لذلك # واعلم أن أكثر الفقهاء على خلاف هذا وقالوا لا يجوز أن نكلف العوام ~~اعتقاد الأصول بدلائلها لأن فى ذلك المشقة العظيمة والبلوى الشديدة وهى فى ~~الغموض والخفاء أشد من الدلائل الفقهية فى الفروع ولهذا خفى على كثير من ~~العقلاء مع شدة عنايتهم فى ذلك واهتمامهم العظيم فصارت دلائل الأصول مثل ~~دلائل الفروع ولأنا نحكم بإيمان العامة ونقطع أنهم لا يعرفون الدلائل ولا ~~طرقها وإنما شأنهم التقليد والاتباع المحض وإنما طريقهم أخذ شيئين فى ~~التقليد أحدهما أنهم عرفوا أن العلماء قد قالوا ما قالوا عن حجة ودليل ~~فيكون اتباعهم لأقوال العلماء اعتقادا عن دليل بهذا الوجه # وأما لأن العوام يعلمون أن العلماء يقولون ما يقولون عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقد عرفوا إقامة النبى صلى الله عليه وسلم من المعجزات ما يعجز ~~عنه البشر وتحقق فى قلوبهم ثبوته بهذا الطريق وأنه يقول ما يقوله عن الله ~~عز وجل فحصلت عقائدهم عن علم ودليل قام لهم فيها بهذا الوجه # وأما إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن اصواب ومتى ~~أوجبنا ذلك متى يوجد فى العوام يعرف ذلك وتصدر عقيدته عنه بل يكون أكثر ~~العوام PageV02P346 بحيث لو عرض عليهم تلك الدلائل لم يفهموها أصلا فضلا من ~~أن ms801 يصيروا أصحاب دلائل ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية وإنما غاية ~~العامى هو أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى زنة من العلماء ويتبعهم فى ذلك ~~ويقلدهم ثم يسلمون عليها بقلوب سليمة طاهرة عن الأدغال والأهوال ثم يعضون ~~عليها بالنواجذ فلا يحولون ولا يزودون ولو قطعوا إربا فهنيئا لهم السلامة ~~والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام والورطات التى تورطوا فيها حتى ~~أدت بهم إلى المهاوى والمهالك ودخلت عليها الشبهات العظيمة وصاروا فى ~~الآخرة متحيدين عمين ولهذا لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل لأنهم ~~أعرضوا عن ورع اللسان وأرسلوا بما فى صفات الله تعالى بجرأة عظيمة وعدم ~~مهابة وحرمة ففاتهم ورع سائر الجوارح # وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان والإنسان كالبنيان يشد بعضه بعضا وإذا ~~خرب جانب منه تداعى سائر جوانبه للخراب ولأنه ما من دليل لفريق منهم ~~يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك ~~الدليل سواء وغاية الواحد منهم فى الفلح والعلو على صاحبه بزيادة الحذق فى ~~طريقة الجدل وبينهم أوضاع يناظرون عليها ويطالبون الخصم بطردها فإذا لم ~~يفوا بطردها سموها انقطاعا وعجزا وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ~~ما ينال المسلم به برد اليقين ويزداد به مشقة فيما يعتقده وطمأنينة وأنما ~~ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد فى الأصول بالطريق الذى اعتقدوه وساموا جميع ~~المسلمون سلوك طريقة وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى # ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع وهذا هو الخطر الشقاء والداء ~~العضال وإذا كان السواد الأعظم هو العوام وبهم قوام الدين وعليهم مدار رحى ~~الإسلام ولعله لا يوجد فى البلدة الواحدة التى تجمع المائة الألف والمائتين ~~الألف ممن يقوموا بالشرائط التى يعتبرونها إلا الفذ الفادر والشاذ النادر ~~ولعله لا يبلغ عند العشرة فمتى يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء ~~الناس أجمع ويعتقد أنه لا عقيدة لهم فى أصول الدين أصلا وأنهم أمثال ~~البهائم والدواب المسخرة وعن ثمامة بن الأشرس وكان من ms802 أئمة المعتزلة ~~المذكورين فيهم أنه رأى قوما يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت ~~الصلاة فقال انظروا إلى الفقراء انظروا إلى الحمير وقال عمر بن النضر مررت ~~بعمرو بن عبيد فجلست إليه فذكرت شيئا فقلت ما هكذا يقول أصحابنا قال ومن ~~أصحابك قلت يوسف بن عون PageV02P347 ويونس بن عبيد والتيمى فقال أولئك ~~نحانس أنجاس أموات غير أحياء # وقال واعلم أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم غرة أهل زمانهم فى العلم والفقة ~~والاجتهاد فى العبادة وطلب المطعم وقد درجوا على ما كان عليه من قبلهم من ~~الصحابة ومقدموا التابعين وقد اعتقد فيهم مثل هذا فكذلك تكون عقيدته وعقيدة ~~أمثاله فى غير هؤلاء # نعم فقد ذكرت طرفا من هذا صالحا النمط فى كتاب الانتصار لأصحاب الحديث ~~وذكرت الفرق بين طرق الكلام وطرق الفقه بأبين أوجه وأوضح معنى فعلى الطريقة ~~التى ذكرتها ينبغى أن يتكلم المسلم ويعتمد عليه ولا يغتر بزخارف القول ~~وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية من الصحابة ومنهج التابعين ~~بإحسان لبيان السعادة العظمى ويصل إلى الطريقة المثلى والله تعالى يعصم ~~ويؤيد بمنه وطوله # | فصل # قد ذكر أبو زيد فصلا فى إبطال التقليد ولم أجد فى ذكره كبير فائدة فتركته ~~وذكر بعده فصلا فى الإلهام وسأنقل ما ذكره وأتكلم عليه فى الموضع الذى ~~ينبغى أن نتكلم عليه # قال الإلهام ما حرك العلم بقلب يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ~~ولا نظر فى حجة # قال جمهور العلماء إنه خيال لا يجوز العمل به ألا عند فقد الحجج كلها فى ~~باب ما أبيح عمله بغير علم # وقال بعض الجهمية إنه حجة بمنزلة الوحى المسموع عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واحتج ذلك بقوله تعالى @QB@ ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها @QE@ أى عرفها بالإيقاع فى القلب وبقوله تعالى @QB@ فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ وشرح ~~الصدر بنور العلم والحرج والضيق بظلمة الجهل فالله تعالى أخبر أنه الفاعل ~~لذلك بلا واسطة ولا صنع ms803 من العبيد وبقوله تعالى @QB@ أو من كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا @QE@ فالحياة هى العلم والنور هو الهدى وقد أخبر ~~أنه الجاعل لذلك فلا صنع منا بقوله تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها @QE@ فأخبر أن الناس PageV02P348 قد خلقوا على ~~الدين الحنيفي بلا صنع منهم # وقال تعالى @QB@ وأوحى ربك إلى النحل @QE@ فأوحى إليها أى ألهمها حتى ~~عرفت مصالحها فلا ينكر مثل ذلك للآدمى وقال تعالى @QB@ وأوحينا إلى أم موسى ~~أن أرضعيه @QE@ وكان ذلك بطريق الإلهام وقال صلى الله عليه وسلم ( كل مولود ~~يولد على الفطرة ) أى على دين الحق وليس للمولود نظر واستدلال وقال صلى ~~الله عليه وسلم ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل ) ~~والفراسة شئ يقع فى القلب بلا نظر فى حجة وقال صلى الله عليه وسلم لوابصة ~~وقد سأله عن البر والإثم ( ضع يدل على صدرك فما شك فيه قلبك فدعه وإن أفتاك ~~الناس ) فقد جعل النبى صلى الله عليه وسلم شهادة قلبه بلا حجة أولى من ~~الفتوى # وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( قد كان فى الأمم محدثون فإن يكن فى ~~هذه الأمة أحد منهم فهو عمر ) أى منهم كأنه يوحى إليه ويحدثه ربه أو تحدثة ~~الملائكة فى قلبه # وقد روى عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال ألقى فى روعى أن ذا بطن خارجة ~~جارية # وإلا لغى الإلهام وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه تكلم فى أشياء فنزل ~~الوحى بذللك وقد كان ألهم قبل # وقد كان لأنبياء بني إسرائيل إلهام يتكلمون عنه وينزل ذلك بمنزلة الوحى ~~إلى غيرهم # وقالت الأئمة فيمن اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحرى بقلبة لا تجوز # وإن أصاب القبلة وإن صلى بتحرى قلبه تجوز صلاته وإن أصاب غير القبلة # قالوا فثبت أن الإلهام حق من قبل الله تعالى وأنه كرامة للآدمى وأنه وحى ~~باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه يحرم هذه الكرامة ويستولى عليه وحى ~~الشيطان قال الله تعالى ms804 @QB@ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم @QE@ ~~فالمطيع لا يخفى عليه وحيه عن وحى الملك إلا على سبيل الغفلة التى تعترى ~~القلب فينزل ثم ينتبه من ساعته ولا يقر عليه # قالوا بالقلب يمتاز له الحق من الباطل فاحتج أهل الإلهام بمثل هذه الحجج ~~التى ذكرناها PageV02P349 # قال وأما حجة أهل السنة والجماعة قوله تعالى @QB@ وقالوا لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا أو نصارى @QE@ الآيه فألزمهم الكذب لعجزهم عن إظهار الحجة ~~لأن الإلهام حجة باطنة فلا يمكن إظهارها وقال @QB@ ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به @QE@ فقد وبخهم بدعوى إله غير الله لا برهان لهم به ولو ~~كانت شهادة قلوبهم حجة لهم لما لحقهم التوبيخ فثبت أن الحجة التى يصح العمل ~~لها ما يمكن إظهاره من النصوص والآيات التى عرفت حججا ويدل قوله تعالى @QB@ ~~سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ وهذا يدل ~~على أن العلم بالله تعالى لا يكون إلا بالآيات والآيات لا تدلنا إلا بعد ~~الاستدلال بها عن نظر عقلى ويدل عليه قوله تعالى @QB@ أفلا ينظرون إلى ~~الإبل كيف خلقت @QE@ الآية وقال تعالى @QB@ وفي أنفسكم أفلا تبصرون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ والله تعالى أمر بالنظر ~~والاستدلال ولم يأمر بالرجوع إلى القلب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ ~~حين بعثه إلى اليمن ( بم تقضى قال بكتاب الله قال فإن لم تجد فى كتاب الله ~~قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد بسنة رسول الله قال أجتهد برأيى ) فلم ~~يذكر بعد الكتاب والسنة إلهام القلب وإنما ذكر الرجوع إلى النظر والاستدلال # وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من فسر القرآن برأيه ~~فليتبوأ مقعده من النار ) وأجمعنا على أنه يجوز ترائى النظر والاستدلال ~~بالأصول فدل أن المراد به الرأى بلا نظر ولأن الرأى بلا نظر لو كان حجة ~~يعمل بها كالوحى لحل كل إنسان أن يدعوا الخلق إلى ما عنده بل وجب كما وجب ~~على نفسه العمل به ms805 وكما كان يجب على النبى صلى الله عليه وسلم قال ومن قال ~~هذا فقد كفر # قال ونقول أيضا على أهل الإلهام ما قولكم فى الإلهام أهو حجة بلا موافقة ~~الشرع أو ما كان وافق أم خالف # فإن قال يكون حجة وإن خالف فهذا لا يقوله مسلم وفيه رفع الإسلام وإن قال ~~بموافقة فلا تثبت الموافقة إلا بالنظر فى أصول الشرع وأيضا فإن الإلهام قد ~~يكون من الله تعالى وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس فإن كان من الله ~~تعالى يكون حقا PageV02P350 وإن كان من الشييطان أو من النفس لا يكون حقا ~~بل يكون باطلا فإذا احتمل أن لا يكون حقا يدل أن كل إنسان فى دعوى الإلهام ~~مثل صاحبه فإن قال ألهمت أن ما أقوله حق وصواب فيقول الآخر إن ما تقوله خطأ ~~وباطل # ونحن نقول لهؤلاء إنا ألهمنا أن ما تقولنه خطأ وباطل # قالوا هذا دعوى منكم نقول ما تقولنه أيضا دعوى # فإن قالوا إنكم لستم من أهل الإلهام نقول أيضا إنكم لستم من أهل الإلهام ~~وبأى دليل صرتم من أهل الإلهام دوننا # قال أبو زيد وقد ابتليت بقوم زعموا أن العبد يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا ~~نظر واستدلال بالآيات وهذا قول لم يكن فى السلف والقلب مضغة ليس لها حاسة ~~رؤية مثل ما ليس لسائر الأعضاء حاسة رؤية فلا فرقق بين قول من يقول رأيت ~~ربى بقلبى وبين قول من يقول رأيت ربى بيدى أو سمعني قال وأما رؤية القلب ~~علمه بنظره ونظره التفكير لا يتصور غيره ولهذا قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ( تفكروا فى الآيات ولا تتفكروا فى الذات ) لأن الآيات محسوسة فالتفكر ~~فيها يدلنا على الله تبارك وتعالى وأما التفكر فى الذات يوجب التعطيل كنظر ~~العين إلى ما لا يرى وإنما مثله نجار فى بيت لا يرى ويخرج منه الخشب ~~المنجورة فيقيل نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجار ولا علم له ~~بوجود النجار # فأما نفسه فلا علم له بها # وحكى لنا عن ms806 محمد بن زكريا أنه قال لأصحابه إذا كلمكم الموحدون فى الآيات ~~فكلموهم فى الذات وبه تعلق فرعون فى محاجة موسى عليه السلام # قال وما رب العالمين فأعرض موسى عن جواب المحال وأجاب بالوصف قال رب ~~السماوات والأرض وما أخطأ الحكماء الأوائل إلا بتفكرهم فى الذات والماهية # قال فأما الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى @QB@ فألهمها فجورها وتقواها @QE@ ~~تأويله والله أعلم عرفها بطريق العلم وهو الآيات والحجج طريق الفجور ~~والتقوى وكذلك شرح الصدور بنور التوفيق وهو النظر والحجج وكذلك الأخبار ~~المذكورة فى PageV02P351 القرآن للقلب هو بنور الأدلة وبما أراه من الآيات ~~والاهتداء للعبرة إنما يكون بهداية الله تعالى وذلك بطريق الهداية بعد جهاد ~~العبد قال الله تعالى @QB@ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ويهدي إليه من ينيب @QE@ وإنها أدنى الدرجتين والأعلى بالإصطفاء ~~والاختيار كما قال تعالى @QB@ يجتبي إليه من يشاء @QE@ # وقال @QB@ ووجدك ضالا فهدى @QE@ ولم يذكر جهاده # فالله تعالى يجتبى إليه من يشاء بروح القدس وكمال نور العقل وزكا الطريق ~~والتوفيق بأداة الحجج كرامة ابتداء حتى يصير موكلا على النظر فى الآيات ~~فتبين له أنه الحق كما يتبين للكافر يوم القيامة # قال وأما الفطرة فتأويلها أن الآدمى يخلق وعليه أمانة الله التى قبلها ~~آدم عليه السلام فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة وكان ~~على عذر فى ترك الأداء عن عجز على مابينا فى باب حمل الأمانة # فأما وحى النحل فإنما أنكرنا مثل ذلك فى علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به ~~وأما وحى أم موسى فإنا نقول به وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من ~~فرعون لما ظهرت من سنته ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاؤه فى البحر إن ~~نجا فيه النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل له ركوب لوح فى ~~البحر ولأن من ابتلى بشرين لزمه اختيار أهونهما فقد فعلت الذى فعلت بالنظر ~~ومعنى الوحى هو إلقاء النظر فى قلبها وأما كرامة الفراسة فلا ننكرها أصلا ~~ولكنا لا نجعل شهادة القلب ms807 لجهلنا أنها عن الله تعالى أو من إبلييس أو من ~~نفسه وأما قول الصحابة رضوان الله عليهم فلم يثبت توحيد قول منهم بعد إلا ~~على نظر واستدلال فهذا جملة الذى نقلته من قوله فى الإلهام وقد تركت بعض ما ~~أورده طلبا للاختصار # واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز ويجوز أن يفعل الله تعالى بعبد بلطفه ~~كرامة له # ونقول فى التمييز بين الحق والباطل من ذلك أن كل من استقام على شرع النبى ~~صلى الله عليه وسلم ولم يكن فى الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول وكل ما لا ~~يستقيم على شرع النبى صلى الله عليه وسلم فهو مردود ويكون ذلك من تسويلات ~~التفس ووساوس الشيطان ويجب رده على أنا لا ننكر زيادة نور الله تعالى كرامة ~~للعبد وزيادة نظر له فإما على القول الذى يقولونه وهو أن يرجع إلى قوله في ~~جميع الأمور فلا نعرفه والله تعالى أعلم وأحكم PageV02P352 # | فصل # وإذا فرغنا من الكلام فى الاجتهاد والمجتهد فنذكر # | الكلام فى المفتى والمستفتى وما يتصل فى ذلك # فنقول المفتي من العلماء من استكملت فيه ثلاث شرائط # أحدها أن يكون من اهل الاجتهاد وقد قدمنا شروط المجتهد وصفته # والشرط الثانى ان يستكمل أوصاف العدالة فى الدين حتى يثق بنفسه فى التزام ~~حقوقه ويوثق به في القيام بشروط # والشرط الثالث أن يكون ضابطا نفسه من التسهيل كافا لها عن الترخيص حتى ~~يقوم بحق الله تعالى فى إظهار دينه ويقوم بحق مستفتيه # وللمتسهل حالتان # إحديهما أن يتسهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادىء النظر وأوائل ~~الفكر فهذا مقصر فى حق الاجتهاد فلا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن يستفتى وأن ~~جاز أن يكون ما أجاب به حقا لأنه غير مستوف لشروط الاجتهاد لجواز أن يكون ~~الصواب مع استيفاء النظر فى غير ما اختلف فيه # والحالة الثانية أن يتسهل في طلب الرخص وتأويل الشبه ومعنى النظر ليتوصل ~~إليها وتعليق بأضعفها وهذا متجوز فى دينه متعد فى حق الله تعالى أو غار ~~لمستفتيه ms808 عادل عما أمر الله سبحانه به فى قوله @QB@ وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ وهو فى هذه الحالة أعظم ~~مأثما منه فى الأولى لأنه فى الحالة الأولى مقصر وفى الثانية متعد وإن كان ~~فى الحالتين آثما متجوزا لكن الثانى أعظم وكما لا يجوز أن يطلب الرخص ~~والشبه كذلك لا يجوز أن يطلب التغليظ والتشديد وليعدل فى الجواب إلى ما ~~يوجبه صحه النظر من الحكم الذى تقتضيه الأدلة الصحيحة فإن دلت على التغليظ ~~أصاب وإن دلت على الترخيص أصاب وإن كان للتغليظ وجه فى الاجتهاد أمسك عن ~~ذكره فهذه الشروط التى يجب أن يكون عليها PageV02P353 المفتى فإن أخل بها ~~لم يحل للفتيا ولايحل لسائل علم بحالة أن يستفتيه # فأما إذا علم المفتى جنسا من العلم بدلائل وأصوله وقضى فيما سواه كعلم ~~الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى فى غيره # واختلفوا فى جواز فتياه فى الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله ~~وقصره فيما سواه كعلم الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى فى غيره ~~واختلفوا فى جواز فتياه فى الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله ~~ودلائله ومنعه أكثرهم فى الفتيا فيه لتجانس الدلائل وتناسب الأحكام امتزاجا ~~لا يتحقق أحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها ويلزم الحاكم من ~~الاستظهار فى الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتى ويأثم بالتسهيل وطلب الترخيص ~~أكثر مما يأثم المفتى وإن كان كل واحد منهما مأمور بإمعان النظر واجتناب ~~الرخص لأن فى القضاء إلزاما ليس فى الفتيا ويجب فيه ما لا يجب فى الفتيا ~~فافترقا # مسألة وقد قال أصحابنا إنه لا بد للقاضى أن يكون عالما عدلا وعند أبى ~~حنيفة يجوز أن يكون القاضى جاهلا فاسقا على معنى أنه يصلح لذلك # ويقولون إنه لا ينبغى ان يولى القاضى إلا العالم العدل # قالوا واذا فسق بعد تقليد القضاء يجب على السلطان أن يعزله وقد ذكر ~~الخصاف من أصحابهم فى كتاب آداب القضاة أن القاضى إن ارتشى وقضى لا ينفذ ~~قضاؤه وأن كان ms809 القضاء بحق فبعضهم قال بهذا على القول الذى اختاره أصحابنا ~~أنه إذا فسق ينعزل # وقال بعضهم الانعزال بالفسق ليس بمذهب وانما قاله بعض أصحابنا من غير أن ~~نعرف أنه مذهب أبى حنيفة لكن على ظاهر مذهبه وإن كان لا ينعزل لكن فى هذه ~~الصورة لاينفذ قضاؤه لأنه وجب عليه القضاء لله عز وجل فإن القضاء رأس ~~الطاعات والعبادات ولهذا لا يجوز للقاضى أن يأخذ الأجرة على القضاء فاذا ~~ارتشى وقضى PageV02P354 صار قاضيا لنفسه فلم يكن عبادة لله تعالى فلا يكون ~~قضاء # ببينة أنه قضى لنفسه حيث ارتشى وقضى وقضاؤه لنفسه باطل # قالوا واذا كان جاهلا يقضى بقول العالم كأنه يسأله ويقلده ثم يقضى به # وأما مذهبنا فإنه لا يجوز أن يكون القاضى إلا عالما عدلا لأن الشهادة دون ~~القضاء فإذا اعتبرت العدالة فى الشهادة ففى القضاء أولى وكذلك الفتوى فإن ~~الفتوى أولى من القضاء فإذا لم يجز للمفتى إلا أن يكون عالما كذلك القاضي ~~لا يجوز إلا أن يكون عالما وقد فرقوا بين القاضى والمفتى وقالوا المفتى لا ~~يقدر أن يفتى بعلم غيره وأما القاضى يقدر أن يقضى بعلم غيره بأن يرجع فى ~~قضاياه إلى عالم يقضى بذلك # ونحن نقول إن قلتم لا يمكن الفتوى بعلم غيره من حيث الصورة فليس كذلك ~~لأنه يمكنه أن يسأل غيره ثم يفتى به كما يمكنه أن يسأل غيره ثم يقضى به وإن ~~قلتم حقيقة ففى الموضعين واحد لأن الفتوى والقضاء كل واحد منهما ينبغى أن ~~يكون عن علم والتقليد لا يرجع إلى علم لأنه التقليد لا يفيد علما للمقلد ~~ولأن العلم يكون بطريق ولم يوجد طريق العلم فى واحد منهما رجعنا إلى بقية ~~الكلام فى الفتوى والمستفتى # واعلم أن المفتى يجب عليه أن يفتى من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم ~~فإن لم يكن فى الإقليم الذى هو فيه غيره تعين عليه التعليم والفتيا وإن كان ~~هناك غيره لم يتعين عليه لأن ذلك من فروض الكفاية وإذا قام به بعضهم سقط عن ~~الباقين ms810 فرضه وعلى هذا نقول إن الإنسان إذا تعين لطلب العلم بإنه لم يكن فى ~~ناحيته من يصلح لطلب العلم سواه يجب عليه أن يطلبه ولا يحل له أن يتركه ~~وهذا إذا وجد فيه شروط الطلب وشروط الطلب فى الإنسان صحة حواسه ووفور عقله ~~وسلامة اليته فإذا تكاملت فيه الية الطلب وجب عليه الطلب ويجب على المطلوب ~~منه أن يجيب ويعلم إذا تعين لذلك والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم كن ~~عاما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك وروى عن على رضى ~~الله عنه أنه قال الناس ثلاث عالم ربانى ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع ~~أتباع كل ناعق لم يستطيبوا العلم فأن PageV02P355 أمسك الطالب عن الطلب سقط ~~الفرض عن المطلوب منه وكان الطالب بالإمساك عاصيا وإن طلب الطالب وأمسك ~~المطلوب منه عن فرض التعليم كان المطلوب منه بالإمساك عن التعلم عاصيا وهذا ~~إذا لم يوجد غيره وأما الطالب فقد سقط عنه فرض المطلوب # والحالة الثانية أنه لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ولا يتعين ~~على المطلوب منه فرض التعلم لوجود غيره فيكون الطلب والتعليم ندبا فى حقهما ~~ومن فروض الكفاية فى حق الكافة وإذا شرع الطالب فى الطلب سقط به الفرض عن ~~المطلوب منه وإذا أجاب المطلوب منه سقط به الفرض عن المطلوبين أعنى فرض ~~الكفاية # والحالة الثالثة أن يتعين على الطالب فرض الطلب لعدم غيره ولا يتعين على ~~المطلوب منه التعلم لوجود غيره فيكون التعلم متعينا على الطلاب والتعليم ~~ندبا فى حق المطلوب منه # والحالة الرابعة أن لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ويتعين على ~~المطلوب منه فرض التعليم لعدم غيره فيكون الطلب ندبا فى حق الطالب والتعليم ~~فرضا متعينا على المطلوب منه وإذا استفتى المفتى من لا يجد غيره وجب عليه ~~أن يفتيه ويتعين فرض الفتيا عليه إن علم أنه يعمل بقوله ولا يجب عليه إن ~~علم أنه لا يعمل بقوله وإن كان المستفتى يجد غيره كان فتياه ندبا ms811 ولم يكن ~~فرضا متعينا ولا يجوز للمفتى أن يطلب على الفتوى أجرا لقوله تعالى @QB@ ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا @QE@ أى ياخذوا عليه أجرا ويجوز أن يقبل الهدية ~~بخلاف الحاكم لأن الحاكم يلزمه حكمه # وإن اجتهد المفتى فى حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة أخرى ~~فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد فيه وجهان فمن أصحابنا من قال يفتى بالاجتهاد ~~الأول ومنهم من قال يحتاج أن يجدد الاجتهاد والأول أصح PageV02P356 # فأما المستفتى فلا يجوز له أن يستفتى من شاء على الإطلاق لأنه ربما ~~يستفتى من لا يعرف الفقه بل يجب أن يتعرف حال الفقيه فى الفقه والأمانه ~~ويكفيه فى ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده ~~وإن كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد فيه وجهان فمن أصحابنا من قال ~~يقلد من شاء منهم # وقال أبو العباس والقفال يلزمه الاجتهاد فى أعيان المفتين وهذا قد ذكرناه ~~من قبل # وإن استفتى رجلين نظر فى الجواب فإن اتفقا فى الجواب عمل بما قالا وإن ~~اختلفا فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف فيه أصحابنا على ثلاثه ~~أوجه # منهم من قال لا يأخذ بما شاء منهما # ومنهم من قال يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما # ومنهم من قال يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والأولى أن يقال يجتهد ~~ممن يأخذ بقوله منهما # وأما الذى قال إنه يأخذ بأغلظ الجوابين فقد يكون الحق فى أخف الجوابين ~~قال الله تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( بعثت بالدين الحنيفية السهلة السمحة ) وقد قيل ~~يأخذ بأخف الجوابين لهذا الدليل # فإن قال قائل هل يجوز للعامى أن يطالب العالم بدليل # الجواب قلنا لا يمنعه أن يطالب به لأجل احتياطه لنفسه ويلزم العالم أن ~~يذكر الدليل إن كان مقطوعا به لإشرافه على العلم بصحته ولا يلزمه أن يذكر ~~له الدليل إن لم يكن مقطوعا به لافتقاره إلى الاجتهاد ويقصر عنه العامى # فإن قال قائل قد اخترتم ms812 إن يكون على العامى الاجتهاد فى أعيان الفقهاء ~~فأيش PageV02P357 يجب عليه من ذلك # الجواب أن الذى عليه فى الإخبار والاستخبار أن يعرف شواهد حاله ويسأل عنه ~~من يثق بصدقه ويجب على من استخبر منه أن يخبر على ما عرفه من حاله فإن لم ~~يغلب على ظنه صدق الواحد والاثنين استزاد والاحتياط أن يزيد بقدر ما يمكنه ~~ليزداد ثقة وطمأنينة # وقد قيل إنه إذا اجتمع عالمان على جواب وتفرد أحدهما بخلافه أخذ بقول ~~الاثنين لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( الشيطان مع الواحد وهو من ~~الاثنين أبعد ) وهذا إنما يأتى عند استواء الكل بعد اجتهاده منهم وأما إذا ~~تفاضلا فى العلم فلا بد أن يكون الأخذ بقول الأفضل أولى # وقد قيل يجوز الأخذ بقول المفضول كما يجوز للحاكم أن يقبل شهادة العدل ~~وإن كان هناك من هو أعدل منه ولأن الصحابة قد تفاضلوا تفاضلا بينا فما ~~منعوا من استفتاء المفضول مع وجود من هو أفضل منه وإذا سمع المستفتى جواب ~~المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه فيصير العمل لازما بالانقياد ويجوز ~~أن يقال إنه يلزمه إذا أخذ فى العمل به وقد قيل إنه يلزمه إذا وقع فى نفسه ~~صحته وحقيقته وهذا أولى الإوجه وأذا لم يعلم المستفتى لسان المفتى فيكفى ~~ترجمة الواحد ويجوز أن يجيب باللسان ويجوز أن يجيب بالكتبه # مسألة ويجب على العامى أن يستفتى إذا وقعت له الحادثة # ولم يحتمل التأخير فيلزمه تعجيل السؤال وهذا فى الديانات إذا توجه فرضها ~~عليه لزمه الاستفتاء بأعجل ما يمكنه فأما فى المعاملات فإن توجه الحق عليه ~~لزمه الاستفتاء فيه وأن كان الحق له مخيرا فيه ثم ما يسأل عنه من فروض ~~الديانات ينقسم على خمسة أقسام # أحدها ما تعين فرضه على كل مكلف على الإطلاق وهو الإيمان ومسألة الصلاة ~~PageV02P358 التى لا تسقط عمن عقلها من المكلفين ولا مهلة فى تأخير العمل ~~بها # والقسم الثانى ما يجب على المكلف بوجود شرط ولا يجب عليه مع عدم الشرط ~~وهوالحج الواجب بوجود الزاد ms813 والراحلة والزكاة الواجبه بوجود المزكى فلا ~~يلزمه العمل بتفصيل أحكامها إلا بعد وجود الشرط # والقسم الثالث ما تغير فرضه بتغير صفة المكلف وهو الحر والعبد والمسلم ~~والكافر فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما اختلف منها بانتقالهم عن ~~أحوالهم # والقسم الرابع ما يختلف أحكام الإنسان باختلاف أحواله كالمسافر والمقيم ~~والطاهر والحائض فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما عليهم من العزائم ~~وهم مخيرون فى استعلام ما لهم من الرخص # والقسم الخامس فرضه على الكفاية كالجهاد وطلب العلم وغسل الموتى والصلاة ~~عليهم فلا يلزم مع طهور الكفاية أن تعلم ويلزم العلم بها عند التعين عليه # واعلم أن فرض التعليم الذى على الآباء للأولاد وذلك إذا بلغ الولد ستة ~~فينبغى الإب أن بذكر أن الله عز وجل خالقه ومعبوده وأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم نبيه ورسوله وأنه على دين الإسلام وأنه لا نبى بعد نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأنه بعث بمكة ودفن بالمدينه # ويذكر له بحيث تزول عنه الشبه ليألفه وينشأ عليه إذا بلغ سبعا وصار بحيث ~~يؤمر وينهى عليه الطهارة ومواجبها والصلاة وما يشتمل عليها فبأمر بفعلها ~~ولا يضربه على تركها لضعفه عن احتمال الضرب حتى يبلغ عشرا فإذا بلغ عشرا ~~يضربه إن تركها لأن هذا أولى زمان البلوغ ومبادى القوة ويذكر للغلام ~~والجارية ما يكون بلوغهما به ويذكر لهما استقرار الفرض عليهما بالبلوغ ~~ويعلمهما ستر العورة واجتناب القبائح ويعلمهما من مصالح الدنيا ما يكون ~~باعثا على صلاح أحوالهم ويكون التعليم بما اختص بأمور الدين فرضا وبما اختص ~~بأمور الدنيا ندبا لأن أمور الدين محمولة على الإعتقاد وأمور الدنيا محمولة ~~على النفل # وهذا الذى ذكرناه واجب على الآباء فى مبادى التربية وتختلف مبادىء ~~التعليم على PageV02P359 قدر ما ركب الله فيهم من العقول ليثبتوا عليها ~~فتصيرمستقرة فى غرائزهم فإن لم يكن لهم آباء فعلى الأمهات فإن لم يكن لهم ~~أمهات فعلى الأولياء الأقرب فالأقرب منهم فإن لم يكن لهم أولياء فعلى ~~الإمام وإن اشتغل الإمام عنهم فعلى جميع المسلمين ms814 ويتوجه فرض كفايته على من ~~علم بحاله منهم إذا كان قريب الدار ولا يلزمه من لا يعلم ولا من بعد وإن ~~علم وإذا كانت الصغيرة ذات زوج وأبوين وجب تعليمها على الأبوين فأن عدما ~~فالزوج أحق بتعليمها من سائر أوليائها وإن كان الصغير ذا زوجة لم يكن عليها ~~فرض تعليمه وفى الصغيرة لها زوج يجوز أن يقال يجب على الزوج تعليمها مثل ما ~~يجب على حق الأولياء ويجوز أن يقال إنه يكون ندبا فى حق الزوج وإن كان ~~واجبا فى الأولياء وإذا كان الزوجان فقيهين وقد آلى منها وقد مضت عليها ~~أربعة أشهر فإن اعتقدت الزوجة أنها قد بانت منه وحرمت عليه واعتقد الزوج ~~أنها لم تبن فعلى كل واحد منهما أن يعمل بمعتقده فيلزم الزوجة منعه من ~~نفسها وتهرب منه وللزوج أن يستمتع بها ويكرهها ويتوصل كل واحد منها إلى ~~معتقده بما هو دون القتل والضرب يفضى إلى تلف النفس فإن أفضى إلى القتل ~~وتلف النفس كف وكان حكمه فيما قيل حكم المكره يئول فيه المأثم عن الموطؤة ~~لإكراهها وعن الوطىء لاعتقاده وهكذا لو أفتاهما فقيه بالجوبين المختليفين ~~وكان جاهلين بالحكام وإذا اعتدت الزوجة لاعتقادها أنها قد بانت منه حل لها ~~أن تتزوج فى الباطن لغيره وحرمت فى الظاهر على من يريد أن يتزوج بها وحل ~~للأول وطئها فى الظاهر كما بينا وحل للثانى وطئها فى الباطن فإن حكم بينهما ~~حاكم عدل بأحد الحكمبن تعين وثبت الحكم له وإذا تنازع اثنان فى حق ودعا ~~أحدهما صاحبه إلى الحاكم وجب على صاحبه إجابته فى الظاهر والباطن وإن كان ~~الحاكم عدلا من أهل الاجتهاد وإن كان غير عدل أو كان من غير أهل الاجتهاد ~~لزم إجابته فى الظاهر لئلا يتظاهر بشق العصا ومخالفة الولاة ولا يلزمه ~~الإجابة باطنا فيما بينه وبين الله تعالى لأن طاعة الولاه تجب على أهل ~~العدل منهم دون من يجوز منهم وقد قال أبو بكر رضى الله عنه أطيعونى ما ~~أطعتكم فى الله عز وجل فإن عصيت ms815 الله فلا طاعة لى عليكم # فأن حكم غير العدل بينهما التزما فى الظاهر وإن كان فى الباطن غير لازم # وحكى أبو سعيد الإصطخرى أنه إذا ادعى كان له الامتناع ظاهرا وباطنا وإن ~~أفضى الإمتناع إلى قتله وحمله على PageV02P360 قوله صلى الله عليه وسلم ( ~~من قتل دون ماله فهو شهيد ) وإذا حكم العدل بين خصمين لم يخل حالهما من أن ~~يكونا من أهل الاجتهاد أو من غير أهله فإن لم يكونا من أهل الاجتهاد لزمهما ~~ما حكم به عليهما فى الظاهر والباطن وإن استفتيا فأفتى يلزمهما أيضا حكم ما ~~أفتى به لكن يكون حكم الحاكم ألزم من فتيا المفتى وإن كان المتحاكمان من ~~أهل الاجتهاد ولم يخل حكمه عليهما من ثلاثة أحوال # احدها ان يكون حقا عندهما فعليهما إلزامه # والحالة الثانية أن يكون باطلا عندهما فيلزمهما عملا ولا يلزمهما معتقدا ~~ويجوز إن يقال يلزم المحكوم عليه ولا يلزمه المحكوم له لأن المحكوم له مخير ~~والمحكوم عليه مخير # والحالة الثالثة إن يكون عند احدهما حقا وعند الآخر باطلا فإن كان معتقدا ~~لحق هو المحكوم له وجب له استيفاؤه وعلى المحكوم عليه أداؤه وينبغى على قول ~~الشافعى رحمه الله أن لا يجب على المحكوم عليه أداؤه في الباطن وإن أوجب ~~الحكم أداؤه فى الظاهر وإن كان معتقدا لحق هو المحكوم عليه ومعتقد الباطل ~~هو المحكوم له وجب على المحكوم عليه أداؤه فى الظاهر والباطن واستيفاؤه ~~وللمحكوم له استيفاؤه فى الظاهر وفى استباحته له فى الباطن مذهبان وإذا ~~استفتى المتنازعان فقيها مع وجود الحاكم فإن التزما فتياه عملا بها وإن لم ~~يلزما فتياه كان الحاكم أحق بالنظر بينهما ولو لم يجدا حاكما فقد قيل ~~يلزمهما فتيا الفقيه إذا لم يجد غيره مفتيا ولا حاكما وقيل لا يلزمهما حتى ~~يلتزماها ولو وجدا غيره لزمهما من الفقهاء ولم يجدا حاكما لم يلزمهما فتيا ~~الفقيه حتى يلتزماها ويفتيهما باقى الفقهاء بمثل فتيا الأول وإن التزما ~~فتيا الفقيه ثم تنازعا إلى الحاكم فحكم بينهما بغيره لزمهما فتيا الفقيه ms816 فى ~~الباطن وحكم الحاكم فى الظاهر وقيل يلزمهما حكم الحاكم فى الظاهر ولو ~~استفتيا فقيها فأفتاهما ورضى به أحدهما وامتنع الآخر لم يلزم الممتنع ولو ~~تحاكما إلى حاكم فرضى به أحدهما وامتنع الآخر لزم الممتنع ولو اختلفا فدعا ~~أحدهما إلى فتاوى الفقهاء ودعا الآخر إلى حكم الحاكم أجيب الداعى إلى حكم ~~الحاكم لأن فتيا المفتى إخبار وحكم الحاكم إخبار وإذا دعى إلى حكم الحاكم ~~أجبر وإذا كان الفقيه عدلا والحاكم ليس بعدل فأفتاهما الفقيه PageV02P361 ~~بحكم وحكم الحاكم بغير لزمهما فى الباطن أن يعملا بفتيا الفقيه ولزمهما فى ~~الظاهر أن يعملا بحكم الحاكم # هذه جملة مسائل على الوجه الذى سردتها لا بد من معرفتها فى فروع المفتى ~~والمستفتى أوردتها فى هذا الموضع فليغتنمها الناظر عليها فإنها عزيزة ~~الوجود جدا وقل ما يجدها الإنسان فى المذهب وليس ما يقع عنها الغنية للفقيه ~~الفقيه والله أعلم بالصواب # اعلم أنه قد ذكر بعض الأصوليين فى فصل المفتى والمستفتى كلمات أحببت أن ~~أذكرها هاهنا ويوجد فى أثنائها فوائد لم تدخل فيما قد ثناه ذكر فصلا فى ~~كيفية فتوى المفتى وقال لا يجوز للمفتى أن يفتى بأحكام عن غيره بل إنما ~~يفتى باجتهاده لأنه إنما سئل عنه ولم يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكى قول ~~غيره جازت حكايته ولو جاز للمفتى أن يفتى بالحكاية جاز للعامى أن يفتى بما ~~يجده فى كتب الفقهاء وذكر أنه إذا أجاب الفقيه في مسألة ثم وقعت تلك ~~المسألة قال لا يجب لاجتهاد إذا كان ذاكرا لذلك القول وذاكرا لطريقة ~~الاجتهاد لأنه كالمجتهد فى الحال وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد فهو فى حكم من ~~لا اجتهاد له فالواجب عليه تجديد فتواه وهذا حسن جدا فينبغى أن يكون ~~المختار هذا الوجه لأننا قلناه من قبل ثم قال إذا لم يجز للمفتى أن يفتى ~~فتواه السابق فأولى أن لا يأخذ بفتوى من مات قال وإذا أفتى المفتى باجتهاده ~~ثم تغير اجتهاده لم يلزمه تعريف المستفتى تغاير اجتهاده إذا كان قد عمل ms817 به ~~وإن لم يكن عمل به فينبغى أن يعرفه إن تمكن منه لأن العامى إنما يعمل به ~~لأنه قول المفتى ومعلوم أنه ليس قوله الذى يريد أن يعمل فينبغى أن يخيره ~~بذلك # قال وإذا أفتاه بقول مجمع عليه لم يخيره فى القبول منه وإن كان مختلفا ~~فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره وهذا لا شبهة فيه على قول من يقول كل ~~مجتهد مصيب وعلى قول من قال إن الحق واحد # يكون هكذا أيضا لأنه ليس بأن يجب عليه الآخر بقول أحد من المفتين بغير ~~حجة بأولى من الآخر فإن كان التخيير معلوما من قصد المفتى لم يجب عليه أن ~~يخيره لفظا بل يذكر له قوله فقط وليس كذلك الحكم لأن الحاكم منصوب لقطع ~~الخصومات فلو كان الخصم مخيرا بين الدخول تحت حكمه وترك الدخول لم تنقطع ~~الخصومة أبدا PageV02P362 # قال الإمام وعندمى أنه لا يجب عليه أن يبين له تخيره لأنا بينا أنه لا بد ~~للمستفتى فى الاجتهاد فى أعيان العلماء وإذا وجب عليه ذلك فاختار أحد ~~العلماء باجتهاده واستفتاه فقد صار فى هذه المسألة بمنزلة مجتهد والمجتهد ~~لا يتخير بين الأخذ بقول غيره أو باجتهاده بل يلزمه الأخذ باجتهاد فكذلك ~~العامى يلزمه الأخذ بقول هذا العالم ولا يجب تخييره # واعلم أن جماعة من المعتزلة منعوا العامى تقليد العالم أصلا وقالوا إن ~~العامى لا يأمن أن يكون من قلده لم ينصح له فى الاجتهاد فيكون فاعلا مفسدة ~~ومع توهم المفسدة لا يجوز الرجوع وقاسوا أيضا التقليد فى الفروع على ~~التقليد فى الأصول وقالوا إذا لم يجز فى أحدهما لا يجوز فى الآخر قالوا ~~ولأنه إذا قلده فى مسائل الاجتهاد وقلتم إن الحق فى واحد فلا يؤمن أن يقلده ~~فى شىء يكون الحق بخلافه # وعلى هذا قال أبو على الجبائى يجوز للعامى تقليد العالم فى مسائل ~~الاجتهاد لأن كل مجتهد مصيب فأما فيما ليس من مسائل الاجتهاد إذا قلنا إن ~~العامى يقلد فيه الحق واحد فلا نأمن أن يكون ms818 قلده فيما هو خلاف الحق وقال ~~هؤلاء لا يجوز أن يأخذ العامى بقول العالم إلا بعد أن يبين له حجته ونحن ~~نقول إن هذا غلط عظيم وخطأ فاحش فأن الصحابة والأمة من بعدهم دليل على ~~خلافه فإن الصحابة ومن بعدهم ما زالوا يفتون العوام فى غوامض الفقه ولم يرو ~~عن أحد أنه عرف العامى أدلته ولا نبه على ذلك ولا أنكروا عليهم اقتصارهم ~~على مجرد الأقاويل من غير أن يستخبروا عن الأدلة ولأن العامى إذا حدثت له ~~حادثه فلا بد أن يكون مستعبدا شىء فإن ألزمناه التعلم عند بلوغه خفى فيصير ~~مجتهدا وأوجبنا هذا على كل أحد يؤدى إلى إهمال أمور الدنيا أجمع لأنهم إذا ~~اشتغلوا بذلك فلا بد أن يتعطل أمر الدنيا وأمر مصالحها فأن قالوا لا يلزمه ~~الاجتهاد لكن العالم يبين له الدلائل يجوز هذا فى آية يتلوها عليه أو خبر ~~يذكره عن النبى صلى الله عليه وسلم # فأما القياس إنما يكون حجة ويجوز للأنسان أن يتوصل به إلى معرفة الحكم ~~الشرعى مقدما فلا يتصور حصولهما لهذا العامى بخبر يخبره العالم له عن ذلك ~~فلا ندرى كيف وقع هذا السهو ولكن قد بينا أن من لا يكون من أهل الفقه يقع ~~لهم السهو PageV02P363 الكبير والأولى بالمتكلمين أن يدعوا هذا الفن ~~للفقهاء وأن يقتصروا على الخوض فيما انتصبوا له مع أنهم لو تركوا ذلك أيضا ~~كان أولى بهم وأسلم لدينهم يدل أنه إذا وقع للأنسان حادثه فى صلاته أو ~~صيامه فإذا لم يرجع إلى العالم فى الجواب عنها فلا بد أن يسلك طريقا يصير ~~به عالما مجتهدا وذلك بالابتداء بالتفقه والحادثه وحكمها كيف تحتمل هذا ~~التأخير إلى أن يصير هذا الرجل فقيها ومن يضمن له أنه يصير مجتهدا وأكثر ~~طالبى العلم قد قطع الطريق بهم وبقوا مقلدين وإنما يصير الشاذ النادر ~~مجتهدا ويكون بحيث يسلم له النظر وإن قال فى الحال يذكر له الدليل فقد بينا ~~أنه لا بد من مقدمات كثيرة ومعرفة طرق وأسباب ووجوه وترتيبات تضل عنها ms819 فهوم ~~المتبحرين مثل الفقهاء فكيف يدركه العامى بمجرد ذكره له حتى يصير عالما ~~ويكون وصوله إلى الحكم بعلم نفسه واجتهاده # وأما قولهم إنه ربما لا ينصح له قلنا هذا باطل فمن روى خبرا فى حكم يلزمه ~~الأخذ به لا يقال إنه ربما كذب له ولأنه إذا كان قد اجتمع فى المجتهد شرائط ~~الاجتهاد فيمنع ذلك التوهم وهذا كالراوى إذا كان عدلا فإن عدالته تمنع هذا ~~التوهم # وأما التقليد فى الأصول فقد بينا من قبل وقد قال جماعة من أصحابنا الذين ~~يمنعون التقليد فى الأصول فى الفرق بين الموضعين إن العامى إنما يلزمه ~~النظر فى مسائل مخصوصة فى التوحيد وسائل الصفات وإثبات القضاء والقدر وبيان ~~النبوات وما يتصل لها ومدار هذه الأشياء أكثرها عقلية وإنما يحتاج العاقل ~~فيها إلى تنبيه يسير فلا يؤدى إلى أن يستغرق ذلك عمره وتعطل عليه مصالحه # وأما الحوادث الطارئة من الفروع بغير إحصاء ولا عد فالاجتهاد فيها لا ~~يمكن إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها والاستدلال بها إلا فى الزمان الأطول ~~فيؤدى إلى ما قدمنا من دخول المفاسد فى أمور عامة الناس وأما الذى قاله أبو ~~على الجبائى فضعيف لأن ذلك إنما يكون بأن يلزم العامى أن يعرف مسائل ~~الاجتهاد مما ليس فى مسائل الاجتهاد وإذا فعلنا ذلك فقد ألزمناه أن يكون من ~~أهل الاجتهاد لأن ذلك لا يميز إلا أهل الاجتهاد وفى ذلك من المفاسد ما ~~قدمناه وذكر فصلا فى شرائط المستفتى وما يجب عليه إذا أفتاه أهل الاجتهاد ~~قال أما شرائط الاستفتاء أن يغلب على ظن المستفتى أن من يستفتيه من أهل ~~الاجتهاد مما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان الناس ويرى أخذ الناس ~~عنه PageV02P364 وأن يظنه من أهل الدين بما يرى من اجتماع الجماعات على ~~سؤاله واستفتائه فيما يراه من سمات الستر والدين والأشبه أنه ليس للعامى أن ~~يستفتى من يظنه غير عالم ولا متدين وإنما أخذ عليه ذلك الظن لأن ذلك القدر ~~ممكن له وأما ما يجب على العامى إذا أفتاه ms820 أهل الاجتهاد هو أنهم إن اتفقوا ~~يجب على المستفتى أن يصير إلى الفتوى التى اتفقوا عليها وإن اختلفوا وجب ~~عليه الاجتهاد فى أعلمهم وأدينهم لأن ذلك طريق قوة ظنه وهو ممكن له فجرى ~~مجرى قوة ظن مجتهد فى المسائل التى يجتهد فيها # وقد ذكرنا أن قوما من أصحابنا وغيرهم أسقطوا عنهم الاجتهاد لأن العلماء ~~فى كل عصر لم ينكروا على العامة ترك النظر فى أحوال العلماء والأول أحسن ~~فإن اجتهد واستوى عنده علمهم ودينهم كان مخيرا في الأخذ بأى أقاويلهم شاء ~~فأيها اختاره وجب عليه كما بينا وإن كان عنده أن واحد من هؤلاء المفتين ~~أدين فيجب عليه اتباع الأدين لأن الثقة تكون بقوله أقوى وكذلك إذا كان فى ~~ظنه أن أحدهما أعلم وجب عليه الأخذ بقول الأعلم لأن النفس إليه أسكن ويجرى ~~التفاضل فى العلم بمنزلة التفاضل فى الدين وأما إذا كانا عالمين دينين ~~وأحدهما أدين إلا أن أدينهما أنقصهما علما فإنه يحتمل أن يقال هما سواء ~~والأولى أن يرجع قول الأعلم بزيادته فيما يعين على الاجتهاد والوقوف ~~والصواب # قال ومثل هذا النظر لا يخفى على العوام فهو كتدبير أمور الدنيا لا يخفى ~~عليهم فلا يسقط عنهم ونذكر مسألة تقليد العالم العالم وقال وإن اكثر ~~الفقهاء منعوا من ذلك وذلك لأن الصحابة لم يقلد بعضهم بعضا بل ناظروا ولو ~~جاز ذلك لفعلوا ولم يكن لمناظرتهم فى المسائل فائدة وأيضا فإن المجتهد ~~متمكن من الإجتهاد لتكامل الآلة فلم يجز مع تمكنه من العمل على اجتهاده أن ~~يصير إلى قول غيره كما لم يجز أن يصير إلى قول غيره فى العقليات لما تمكن ~~من النظر والاستدلال عليها ولأن المجتهد لو أداه إلى خلاف قول عالم آخر وإن ~~كان أعلم منه لا يجوز له بالاجماع ترك رأيه والأخذ بقول الأعلم فيجب أن ~~يجوز له ذلك وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ~~ذلك القول # قال ولأن التقليد دون الاجتهاد فإذا تمكن من الاجتهاد لم يجز له ms821 العدول ~~إلى ما دونه كما لا يجوز للمتمكن من العلم أن يعدل إلى الظن وأيضا فإن ~~المجتهد متعبد PageV02P365 بالاجتهاد وعلمه بحسبه ويكون بذلك مطيعا لله عز ~~وجل وهذا لأن الله تعالى ما نصب الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد ~~فيها وليس بعض المجتهدين بذلك أولى من البعض ولا يجوز إثبات بدل هذا ~~التعليل الواجب إلا بدلالة عقلية أو سمعية ولا دليل يدل عليه فوجب نفيه ~~واعتمد هذا الذى أوردنا كلامه وهذا بالدليل ثم ذكر احتجاج المخالفين فى ~~تقليد الصحابة بقول صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتى وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدى ) وبقوله صلى الله عليه وسلم ( اقتدوا باللذين ~~من بعدى أبى بكر وعمر ) رضى الله عنهما # وأجاب وقال هذه أخبار آحاد لا يكون العلم على أن أكثر هذه الأخبار خطاب ~~مواجهة لمن كان فى ذلك العصر فمن لم يكن صحابيا أن يتبع الصحابة ومن لم يكن ~~صحابيا فى ذلك العصر لم يكن من أهل الاجتهاد فجاز له التقليد وعلى انه يجوز ~~أن يكون المراد به الأمر بالاقتداء بهم فى رويتهم لأنه يقال لمن اتبع رواية ~~غيره إنه اقتدى به أى اقتدى بروايته ثم قال ( اقتدوا باللذين من بعدى ) ~~وقوله ( عليكم بسنتى ) وما يشبه هذه الألفاظ أمر والأمر للإيجاب وليس يجب ~~التقليد إلا على العامى فدل أن المراد به هو العامى دون العالم # وأما الدعاء الذى قاله لعمر وعلى فيجوز أن يكون ذلك فى شىء مخصوص والدليل ~~عليه أن سائر الصحابة اجتهدوا وأفتوا بما أدى إليه اجتهادهم ولم يرجعوا إلى ~~قولهم معتقدين أن ما قالوه هو الحق والصواب دون غيره فإن قالوا أليس أنه ~~روى أن عمر رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهما حين قال له ذلك برأيه وأن ~~سألهما عن وجه الحجة فدل أنه كان محض تقليد قلنا مجهول على التنبيه على وجه ~~الدليل وحين ينبهان على ذلك ننتبه # فقال ما قال لهذا المعنى ويجوز أنه خطر له وجه قولهما حين سمع كلامهما ~~فرجع إلى ms822 ذلك لهذا ويكون على هذا عمله بعلمه واجتهاده لا بتقليدهما يبين ~~ذلك أن الإنسان إذا تردد بين رأيين فى الحدث ثم صمم على أحدهما فقال له ~~قائل ليس هذا بصواب إنما الصواب كذا وكذا فقال له صدقت فهم الحاضرون أنه ~~صدقه صدقه لإنه PageV02P366 تنبه على وجه الرأي إما من ذلك الكلام أو من ~~غيره # واحتج ايضا لهم وقال إن المجتهد مصيب صواب وقوله صواب فجاز اتباعه # قلنا قولك له صواب دعوى ويجوز أنه خطا وهذا لأنا نقول إن الصواب فى قول ~~واحد من المجتهدين فالذى يظن أنه الصواب بعينه يجوز أنه الخطأ بعينه فهذا ~~حكاية ما نقله فى أصوله ذكرته مع اقتصار على البعض وأفردته لأنه اشتمل على ~~فوائد فى هذه المسائل المذكورة وهذه المسائل وإن دخلت فيما أوردناه من قبل ~~فقد تضمن نقله تقرير للصحيح المختار من الأقوال والله تعالى يهدى إلى ~~الصواب ويرشد بمنه إليه # وقد أتينا على ما أورده أصحابنا من الكلام فى الأصول وذكرنا المختار من ~~ذلك وأوردنا الدلائل الصحيحة فى ذلك على ما يوجبه التحقيق ويصلح لتثبيت ~~الأصول التى بنينا عليها الفروع فى مسائل الخلاف وبلغنا النهاية فى الإيضاح ~~وكان قصدنا بذلك إن شاء الله سنبين الحق من الباطل ولم نقصد قصر الميل إلى ~~جانب دون جانب وخلينا سرد كثير مما قاله أصحابنا حين لم نجد على ذلك دليلا ~~قويا يعتمد عليه فاخترنا فى الكل ما أمكن تحقيقة وإثباته بطريق الزمان ولم ~~نقنع بمحض الجدل والله تعاله يجعل سعينا فى ذلك لوجهه وطلب مرضاته والأولى ~~أن نقنع بالكفاف لا لنا ولا علينا وفيه الربح العظيم والنجاة من الخسارة ~~PageV02P367 # | فصل # وقد بقيت علينا مسألة النسبه إلى الإمام المطلبى الشافعى رحمه الله # وهذا أمر يعرف باستقراء المسائل والنظر في دلائلها فإن المجتهد لا يقنع ~~بمجرد التقليد والنسبة من غير معنى وقد ذكرت فى كتاب الاقتصار طرفا من ~~تقديم أصحاب الحديث على أصحاب الرأى # وقد ذكرنا دررا من فضل الشافعى رحمة الله وذكرت أيضا فى الكتاب الذى ~~سميته ms823 البرهان المسائل من أصول المخالفين يأتى على تشنيعات عليهم فى أشياء ~~اختاروها لا يصح ذلك على أصول الشرع وسردت ذلك سردا من أول كتاب الطهارة ~~إلى آخر الكتب فلم أحب إعادته فى هذا الموضع وأيضا فإن سائر أصحابنا قد ~~اعتنوا فى ذلك وصنفوا الكتب وقد بالغوا ولم يقصروا وعلى الجملة نقول إن ~~الانتساب إلى الشافعى استنان فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال ( الأئمة من ~~قريش ) وقال فى موضع آخر ( الناس تبع لقريش فى هذا الأمر أبرارهم تبع ~~لأبرارهم وفجارهم تبع لفجارهم ) فذكر أنهم الأصل وأن باقى الناس تبع لهم ~~ولا بد للمتبع من مقتدى به فى الجملة والتقليد وإن لم نجوزه للعالم ولكن ~~لأجل حرمة ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بد من أمام ينتسب إليه ~~لنكون ممتثلين لقول صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه ( الناس تبع لقريش ) ~~فاخترنا الأمام المطلبى محمد بن إدريس الشافعى رحمه الله ورضوان الله عليه ~~لأنا لم نجد فى الأئمة الذين مهدوا الأصول وفرعوا التفريعات وتكلموا فى ~~المسائل على ما توجبه الأصول والاجتهاد الصحيح المبتنى على القواعد الصحيحة ~~أحدا من قريش سوى الشافعى رحمه الله والباقون لا مطعن عليهم وقد تحروا الحق ~~وطلبوه بجهدهم لكن العالم الذى لا يجوز له التقليد وإنما يطلب الانتساب ~~المحض بوجه الاستنان بقول الرسول صلى الله عليه وسلم فتعين الانتساب إلى ~~الشافعى رحمه الله لما بينا من قبل # وأما العامى الذى يقلد ويطلب الانتساب إيضا فالأولى له وبه أن ينتسب إلى ~~هذا PageV02P368 الإمام لأن القرشى إمام مقتدى به بقول صاحب الشرع مؤيد ~~بزيادة لا توجد فى غيره وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( رأى رجل من قريش مثل ~~رأى رجلين من غير قريش ) يعنى فى إصابة الصواب فيكون أبو حنيفة ومالك ~~وغيرهما على النصف من الشافعى فى إجابة الحق فيتعين لهذا أيضا الانتساب إلى ~~مثل هذا الإمام ثم بعد هذا إذا نظر العالم إلى المسائل وأصولها وفروعها وجد ~~أصول الشافعى رضى الله عنه موافقة للكتاب والسنة ms824 مؤيدة بهما مستمرة على ~~الإخبار إذا وجدها استمرارا صحيحا مستقيما ويتبع الصحيح منها ويدع الرأى ~~حين يجده فلا يأمر بعرض حديث على قياس ولكن يأمر بعرض القياس على الأحاديث ~~فإن وجدها معترضا على خبر من ذلك حكم برده وقدم الحديث ويقول بطرح المراسيل ~~والمناكير ويعرض عن رواية المجاهيل ولا يفرع إلا على أصل صحيح وفى القياس ~~يطرد القياس طردا ولا يدعه باستحسان ولا يمنع أيضا فى موضع يمكنه استعماله ~~فيه ويطلب المعانى المؤئرة والأشباه الصحيحة ويطلب المعانى المؤثرة فى ~~العلل ليكون برىء الجانب # مسألة من المناقضة الموحشة وفى كلام كثير وخطب عظيم لكنا اقتصرنا على هذا ~~القدر وأشرنا إلى طرف منه والله ولى التسديد بمنه وعونه ويتلوه إن شاء الله ~~ذكر مسائل وفصول اختصر أبو زيد بإيرادها فى أوصله والكلام عليها والله ~~المعين # واعلم أنا قد أتينا على مقصودنا من الكلام فى أصول الفقه على ما ذكره ~~الصحابة وأوردنا الصحيح من ذلك على سبيل التحقيق لا على سبيل المجاز ~~والتجوز على ما يفعله كثير من المتفقهة وحين فرغنا من ذلك فقد ذكر القاضى ~~أبو زيد الدبوسى فى آخر كتابه الذى صنفه فى أصول الفقه وسماه تقويم الأدلة ~~فصولا لا توجد فى سائر الأصول وللفقهاء حاجة إليها خصوصا فى الطريقه التى ~~هى معهودة الوقت فأحببت إيراد ذلك والكلام عليه فى المواضع التى يجب الكلام ~~عليها فيكون مخالفا لأصولنا التى تبنى عليها التفريعات لنزول حيرة السامع ~~لذلك حين يسمعه ويعرف وجه الكلام عليه إذا احتاج إليه ونسأل الله تعالى ~~المعونة فى ذلك والتأييد بمنه بدأ يذكر فصلا فى خبر أهلية الآدمى لوجوب ~~الحقوق الشرعية وهى الأمانة التى حملها الإنسان قال لا خلاف أن الآدمى يخلق ~~وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه فإنه يخلق وعليه عشر الأرض PageV02P369 وخراجها ~~بالإجماع وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز واختلفوا فيما سقط عنه بعذر ~~الصبى كما يسقط بعذر الحيض عن الحائض لا أنها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن ~~الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمى أهل الوجوب عليه بالذمة ms825 فمحل الوجوب هو ~~الذمة # يقال وجب فى ذمته كذا ولا يضاف الوجوب إلى غيرها والآدمى كما خلق خلق وله ~~ذمة أترى أن الطفل إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف ~~البهيمة وكذلك يلزمه مهر أمراته وسائر حقوق الناس وإنما عرف وجوهها بالشرع ~~ولأن الذمة عبارة عن العهد فالله تعالى لما خلق الإنسان ليتحمل أمانته ~~أكرمه بالعقل والذمة حتى صار أهلا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة ~~والحرية والمالكية بأن حمل حقوقه وثبتت عليه حقوق الله تعالى التى سماها ~~أمانة كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة ثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين ~~فى الدنيا والآدمى لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق الا وهو أهل ~~لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه ولأن هذه الحقوق ~~الشرعية التى تلزم الآدمى بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبرا وشاء أو أبى ~~وإذا لم يتعلق الوجوب عليه بتمييزه واختياره لم يفتقر الوجوب إلى قدرة ~~العمل ولا قدرة التمييز # ألا ترى أن الصلاة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل من ~~يوم وليلة ثم قال لا يجوز أن يقال إن وجوب الحقوق بالخطاب بل الوجوب ~~بالأسباب التى جعلها الشرع أسبابا للوجوب وليس بالأمر والخطاب والأسباب هى ~~ملك النصاب للزكاة والأراضى العشرية للعشر والأراضى الخراجية للخراج والبيت ~~للحج والأوقات للصلوات وشهر رمضان للصوم والآيات الدالة على الله تعالى ~~للإيمان والنكاح للمهر والشراء للثمن والقرابه للنفقة ويجوز ذلك ثم الخطاب ~~بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك لغيرك اشتريت عبدا بألف درهم فأد ~~ثمنه فيكون وجوب الثمن فى الذمة بالشراء لا بقولك أد الثمن # بل قولك أد الثمن طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قول الله ~~تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ أى ليؤد الواجب عليه بشهود ~~الشهر وقوله @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ أى أدوا ما يلزمكم بأوقاتها وهذه ~~الأسباب قائمة فى حق البالغ والصبى على السواء فلا ينبغى أن يقع الفرق ~~بينهما فى ms826 صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما سقط عن الصبى كان بعذر يسقط بمثله ~~بعد البلوغ تيسيرا علينا لأنه ليس بأهل له وإنما يفارق الصبى الذى لا يعقل ~~PageV02P370 العاقل فى وجوب أداء ما لزم ذمته بأن تعلق من صاحب الحق بالأمر ~~والخطاب وغير العاقل ليس من أهله فلا يلزمه الأداء إلا على ما نذكر بعد هذا ~~وهذا كما قيل إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ ~~لأنه لا يقدر عليه ولا يعلم به وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على ~~سبيل الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه # فأما الوجوب فى الذمة فصحيح بدون اختيارنا فلم يكن من شرط صحته إلا ~~قدرتنا ولا علمنا به # قالوا ولا يجوز أن يقال إن الوجوب للأداء لا لنفسه فلا يجوز الإيجاب على ~~من لا يقدر على الأداء فإن الوجوب بالأداء لا يتعين حال الوجوب بل يجوز ~~بعده بزمان إما أداء وإما قضاء فصح الإيجاب على ما من حالة قدرة الأداء ~~والقضاء فى الجملة والصبى من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه # فإن قيل وأى واجب علينا فى باب العبادات البدنية سوى الأداء قلنا قال ~~الوجوب حكم إيجاب الله تعالى بسببه والواجب اسم ما لزمه في ذمته بالإيجاب ~~والأداء فعل العبد الذى يسقط الواجب عنه وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطا ~~ليخيط له ثوبا بدرهم فليلزم الخياط فعل الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما ~~لزمه بالعقد والأداء بالخياطة وكان الفعل المسمى واجبا فى الذمة غير المؤدى ~~حالا بالقميص وكذلك دراهم مؤداة عينا بدراهم فى الذمة فيكونان غيرين لا ~~محالة فإن قيل أرأيت لو مات الولد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء لم ~~نجعله أنه أمانة الله سبحانه وتعالى واستحقاق الجزاء فى الآخرة # قلنا اختلفوا فى هذه المسألة روى عن أبى حنيفة أنه توقف فى جواب هذه ~~المسألة # وحكى عن محمد أنه قال إنما أنا أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا بغير ذنب ~~وقد جاءت الأخبار بأن ms827 الأطفال يكونون شفعاء لآبائهم يوم القيامة فأما ~~الخلاف بينهم فى وقوع الحمل عليهم على ما مر اختلافهم فى الجزاء لا يدل على ~~خلافهم فى الحمل فالجزاء يقابل الأداء لحمل الأمانة فإنها تقع عليها بإيجاب ~~الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء لوجوب الصلاة علينا ~~بل الأداء # ويحتمل أن يقال بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم ~~أهلهم لذلك باستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء وأنابهم كرما وألحق ~~غير المؤدى بالمؤدى بعذر العجز بمنزلة البالغ يدركه وقت الصلاة وهو لا يجد ~~ما يتطهر به فإنه يلزمه PageV02P371 الصلاة ولا يؤاخذ إذا مات قبل الأداء ~~ويثاب وهذا لأن الإيجاب شرعا بنى على ظاهر الحال لا على ما يكون فى الغيب ~~ولظاهر الحال كل صبى ممن يرجى منه الأداء أرأيت طفلا له أرض عشرية ولا ولى ~~له أليس يلزمه العشر أو الخراج إن كانت خراجيه وإن مات قبل أن يلى عليه ~~أحدا ويقدر بنفسه وكم من بالغ يلزمه حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء ~~فيسقط عنه # فإن قيل قد قال النبى صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى ~~حتى يحتلم ) الخبر قلنا رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب فى الذمة وإنما ~~يدل على سقوط أداء الوجوب لأن القلم للحاسب والحساب على ترك ما عليه من ~~الأداء لا على الوجوب فى ذمة فإن الواجب إذا تأجل لم يؤاخذ العبد به ~~والوجوب قائم ألا ترى أنه قرنه بالنائم والنائم يلزمه الصلاة فى ذمته ولا ~~يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبى هذا كلامه فى هذا الفصل أوردته على ~~الوجه # واعلم أن هذا الفصل الذى زعمه وهو أن وجوب العبادات لا يكون بالخطاب بل ~~إنما يكون بالأسباب قد بينا من قبل أن هذا خطأ عظيم وإنما الوجوب بالأمر ~~والأوقات المذكورة علامات وأمارات للوجود وذكرنا الدليل على ذلك بأوضح مما ~~يكون فلا معنى للإعادة # فإن قالوا نحن نقول إن الموجب هو الله تعالى لكن بهذه الأسباب لأن ms828 هذه ~~الأسباب مجعولة أسبابا من قبل الله تعالى # قلنا إذا اعترفتم أن الأسباب من قبل الله تعالى فيكون الأمر أدل على ~~الإيجاب من السبب فيكون إحالة الإيجاب عليه اولى من إحالته على السبب وهذا ~~لأن أمر الرب تبارك وتعالى مؤثر فى الإيجاب على العبد لأن للموالى أن ~~يستعملوا عبيدهم فى أوامرهم فإما وقت يمضى ومكان يتغير وبيت يبنى ولا يعرف ~~لهذه الأشياء تأثير فى إيجاب شئ على أحد والذى ذكر من كون الذمة محل الوجوب # قلنا بلى ولكن بالأمر والخطاب لا غير # وقولهم إن الأمر بالصلاة إنما يقتضى الأداء فحسب # قلنا يقتضى الأداء ويقدم الوجوب كما بنيا فى أمر السيد وعبده وإذا ثبت أن ~~PageV02P372 و الوجوب بالخطاب فكل من ثبت فى حقه الخطاب ثبت الوجوب ومن لم ~~يثبت فى حقه الخطاب لم يثبت فى حقه الوجوب إما بصغر أو جنون أو نوم # ونقول على هذا فى النائم والمغمى عليه والحائض إنما يجب عليهم كما يجب ~~بعد اليقظة والإفاقة والطهر من الحيض # وهذا لأن القضاء يجب بأمر جديد لا بالأمر السابق فاستقام أن يجب على ~~هؤلاء هذه العبادات بعد زوال الأسباب المانعة فى الخطاب ووجوبه باسم القضاء ~~لا يدل على أن الوجوب ثبت عليهم فى حال النوم والإغماء وحال الحيض لما بينا ~~أنه وجب بأمر جديد لا بالأمر الأول غير أنه لولا الأمر الأول وامتناعه ~~بالعوارض المعلومة لم يجب شئ بهذا الأمر الثانى # فمن هذا الوجه سمى قضاء فيمكن أن يقال إن الإيجاب ليس إلا إيجاب الأداء ~~فإذا سلموا بثبوت الأداء بالخطاب فقد سلموا أن أصل الوجوب بالخطاب لأنه لا ~~يعرف الوجوب إلا وجوب الأداء وقد قررنا هذا فى الخلافيات وهذا لأن الأمر لا ~~يكون إلا لفائدة ولا فائدة للإيجاب إلا الأداء فدل أن الإيجاب ليس إلا ~~أيجاب الأداء ويقال لهم أيش وجب عليه ولا يمكنهم أن يحققوا وجوب شئ عليه ~~بأى معنى ذكروا سوى فعل هذه الأشياء أصلا # | فصل # ثم ذكر بعد هذا الكلام فى حين الخطاب شرعا قال لا ms829 خلاف أن حين الخطاب ~~شرعا حين البلوغ عن قدرتين قدرة فهم الخطاب بالعقل وقدرة العمل وهو بالبدن ~~بدليل قوله تعالى @QB@ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ ولا وسع إلا بعدها ~~بين القدرتين وقال تعالى @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ أى ضيق ~~وقال تعالى @QB@ ويضع عنهم إصرهم @QE@ أى الثقل فدل رفع الحرج والإصر على ~~رفع ما لا يطاق بطريق الأولى فدلت آية الوسع أنه لا تكليف # لأول حال الأدمى لأنه لا قدرة له أصلا ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ~~ما يعقل لأنه يخرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء إلى أن يعتدل عقله ~~وقدرته فيشق عليه الفهم والعمل به ثم وقت الاعتدال متفاوت فى جنس بنى آدم ~~فلا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكليف عظيم فوقت الله تعالى بحال ~~تعتدل لديه العقول فى الأغلب على سلامة الفطرة من الآفات وهو البلوغ فقام ~~البلوغ شرعا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه PageV02P373 الخطاب وإن لم يعتدل ~~وسقط قبله وإن اعتدل دفعا للحرج الذى كان يلحقنا بالوقوف على الاعتدال ~~بالتجربة لكل صبى # قال وقد بينا إقامة الأسباب مقام العلل وتعطيل العلل فى أنفسها تيسيرا # قال وقد أيد هذا القول قول النبى صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ~~ثلاثة ) الخبر والقلم لا يكون إلا للحساب ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما ~~قلنا أن الحساب لا يكون إلا على الوجوب فى الذمة بل هو بعد طلب الأداء ~~بالخطاب ونحن نقول هذا الذى ذكره هذا الفاضل تكليف عظيم ولا حاجة إلى هذا ~~التكليف أصلا لأنا قد بينا أن الوجوب بالخطاب والخطاب وجد من الشرع بعد ~~البلوغ لا قبل البلوغ ويجوز أن يقال إن العمل إنما يكمل بعد البلوغ # فإما قبل البلوغ فلا # فاعتبرنا ما يغلب وجوده فى بناء الخطاب عليه وسقط ما يندر وجوده # وأما العشر والخراج والزكاة على أصلنا فنحن نقول إن الإيجاب على الصبى ~~اعتبار نيابة الولى عنه وهذا ممكن فى العبادات المالية لجريان النيابة فيها ~~فأما فى العبادات البدنية ms830 فلا يمكن لأن النيابة لا تجرى فيها وفى هذه ~~الأشياء المالية يكون أيجاب فعل الشئ وأيفائه إلا أنه يستقيم بما يتأدى فى ~~حق الصبيان والمجانين بالطريق الذى بينا ومثل هذا لما لم يسقم فى العبادات ~~البدنية قلنا إنها تسقط أصلا ثم ذكر بعد ما حكيناه فصلا فى بيان ما أسقط من ~~الحقوق بعذر الصبى رحمة أما الأول أمره فللعجز الحقيقى وفيه الحكمة وأما ~~بعد ما عقل فللحرج وأنه رحمة وأنه بمنزلة ديون على معسر فيكون أصل الحق على ~~الغريم وحق الأداء ساقط إلى أن ينقضى الأجل الثابت بالعشر ولأن سقوط الخطاب ~~بالأداء يدل على سقوط وجوب الأداء فإن الوجوب فى الذمة لا يوجب الأداء ~~عقيبة بحال # ألا ترى أن من باع عبدا بألف درهم وجب الألف ولا يجب الأداء إلا بعد ~~الطلب وكذلك إذا استأجر رجلا ليخيط له ثوبا بدرهم وجب عليه ولا يجب الأداء ~~فى الحال حتى ينقضى مطالبه فكذلك حق الله علينا فإن قيل أليس لا يحل تأخير ~~المغرب عن أول الوقت ولا تأخير العصر إلى آخره ولا عن الوقت قلنا ثبت ذلك ~~بخطاب غير PageV02P374 الوجوب عليه بدخول الوقت # ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا فى التأخير بقدر بما ثبت عندهم من الدلائل مع ~~اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت وأما التأخير عن الوقت فتفويت لعين ~~الوجوب إلى ذيله وتفويت الحق تعدى زائد عن ترك الأداء فيحرم كإتلاف عين ~~الغير عنده ولهذا لا يأثم الصبى ولا يحاسب وكذلك إذا استوصف الله تعالى فى ~~حال صباه فلم يصف لا يكون كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان ولا ~~أداء عليه حال الصبا ولذلك إذا لم يستدل بالإيمان حتى بقى على جهله وإن كان ~~فى حكم المسلمين كالذى لا يعقل # فإن قيل إذا أسلمت امرأة الصبى الكافر عرض عليه الإسلام عندكم وإذا أبى ~~فرق بينهما # قلنا ذلك السقوط الذى ذكرناه فى حق الله تعالى رحمة منه دون حق العبد لأن ~~النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى سقط عنه الأداء ms831 لحق الصبى تضرر به ألاخر ~~فلم يسقط ونحن نقول فى هذا الذى ذكره أن هذا كله بناء على الأصل الذى زعمه ~~فى الابتداء وقد تكلمنا عليه وعلى أنه يجوز أن يقال إن الخطاب سقط عن الصبى ~~رحمة لكن الفرق بين البدنية والمالية بما سبق من قبل # وقد تبين مناقضة فى ابتداء كلامه فإن عندهم إن ردة الصبى صحيحة مثل ما ~~يصح إسلامه ثم قالوا فى الصبى إذا استوصف الإسلام فلم يصف لا يحكم بكفره # وقالوا فى البالغ فى مثل هذه الصورة يكفر فعندهم ترك وصف الإسلام ردة ~~بدليل البالغ ومع ذلك لم يكن ردة من الصبى # وقولهم إن الأداء ساقط عنه لعذر الصبى # قلنا إذا سقط فعل الإسلام عن الشخص لا يبقي عليه واجب آخر لأن الواجب لم ~~يكن إلا فعل الإسلام ثم من وجب عليه الإسلام ثم لا يؤمر بالإسلام هذا مما ~~لا يعقل ولا يتصور وجوده ولا نفيه # ثم ذكر فصلا فى بيان ما يسقط من حقوق الله تعالى بأصله قال حقوق الله ~~تعالى أربعة # النظر فى الآيات الدالة على الله تعالى ثم الإعتقاد على ما توجبه الدلائل ~~ثم PageV02P375 العبادات ثم الأجزية وقال علماؤنا وجوب الأجزية والعبادات ~~ساقط عن الصبى أصلا ووجوب النظر فى الآيات والاعتقاد حقا لله تعالى غير ~~ساقط وإنما الساقط عنه الأداء # وقال الشافعى وجوب البدنى ساقط عنه ووجوب المالى غي ساقط عنه وتفسير ~~الإعتقاد ما يتأتى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~وتفسير العبادة ما يتأدى بفعل البدن تعظيما لله تعالى بطاعته إياه وتعتبر ~~الأجزية ما شرع جزاء على أفعال محظورة فى الجملة والبدنى من العبادات ~~والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالى منها ما لا يتأدى إلا بالمال # أما الشافعى رحمه الله احتج وقال أجمعنا على أن العشر يلزمه وفيه معنى ~~العبادة حتى لم يجب على الكفار وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا ~~يلزمه الصلاة والصوم لأن الجنس الأول بدنى والثانى مالى ولأنا ذكرنا أن ~~الصبى أهل للوجوب عليه ms832 بذمته وإنما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر ~~ولو لم يسقط عنه الواجبات فى مدة الصبا وهى مدة مديدة ثم كان يلزمه القضاء ~~بعد البلوغ لكان يخرج والله تعالى ما جعل عليكم فى الدين من حرج فأسقطهما ~~عنه أصلا نفيا للحرج كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل ~~شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم يسقط القضاء بقى عليها أبدا فكانت ~~تخرج فى القضاء ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر السقوط على ~~البدنى دون المالى لأنه يتأدى بالنيابة فلا يقع العجز عنه لقيام ولى الشرع ~~مقام ولى ثبت بأمره بعد البلوغ فقال يلزمه الزكاة وكفارة القتل وكفارات ~~ارتكاب محظورات الإحرام وكل ما صح سببه فى حق الصبى وأما كفارة اليمين فإنه ~~لا يلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعا بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعا # وقال إسلام لا يصح لأنه بدني والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام ~~بإسلامه واجب شرعا ولا وجوب قبل البلوغ لأنه وجب بدنيا وكذلك الردة لا تصح ~~من الصبى لأن الردة قد تعلق أحكامها بترك الإسلام الواجب ولا وجوب فى حق ~~الصبى فلم يعتبر فى حق أحكام الدنيا ولا يلزمنا إذا صلى الظهر ثم بلغ فى ~~الوقت أو أحرم بالوقت ثم PageV02P376 بلغ قبل الوقوف أنه يقع عن الفرض لأنا ~~أسقطنا عنه الوجوب رحمة ونظرا له دفعا للحرج عنه والنظر له فى هذه الحالة ~~أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه لما بلغ قبل مضى الوقت وكذلك فرض الحج ~~يلزمه الوقوف إذا بلغ الوقوف بعرفة فمتى جعل الوجوب عليه من حال صباه يزفه ~~بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم يجعل على الوجوب بقى تحت عهدة الوجوب إلى أن ~~يؤدى ثانيا وهذا كما قلتم فى المعاملات أن قبوله للهبة يصح وهبته لا تصح ~~لأن فى الهبة ضررا وفى قبوله نفعا # وقلنا نحن إن صدقته باطلة ووصيته بالصدقة صحيحة لأن الصدقة فى حال الحياة ~~مضرة فى الحال ومنفعته بعد الممات ms833 لأن الملك يزول بالموت لولا الصدقة # وقلنا جميعا إن نفل الصلاة مشروع فى حقه دون الفرض لأن شروع النفل نفع ~~محض أن فعل ينتفع به وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض مضرة من وجه وهو المؤاخذة ~~على الترك ولا يلزمنى إبطال قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مسوقا ~~له من قبل الولى وقعت الغنيمة به عن ترك الأصل المجتهد فى بابه فإنه ~~لاستيفائه النظر له كما لا يجوز بيعه ما ساوى درهما بألف درهم وفيه نفع ~~لأنه مما استوفى له ذلك بالولى # قال والحجة لعلمائنا أنه لما سبق ثبت أن الصبى مثل البالغ فى أهلية ~~الوجوب وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما فى البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن ~~لا يكون مشروعا حقا لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التى تحتمل النسخ ~~والتبديل وثبوتها مشروع بعد البلوغ فى وقت دون وقت وأما معرفة الله تعالى ~~بصفاته لا أن لا يكون ثابتا مشروعا حقا لله تعالى # ألا ترى أنا لا نجد شيئا من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعذر ما بعد ~~البلوغ فكان السقوط بعذر الصبا أولى لأنه رأس الأعذار لأنه فى أول أمره لا ~~يقدر أصلا ولا يتم قدرته ما لم يعتدل قوامه ولأن سقوط ما سقط عن الصبى لم ~~يكن إلا للعجز عن الأداء دفعا للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد ~~البلوغ ووجوب أصل الإيمان عليه لحال الصبا لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ~~ولأن الصبى مثل البالغ فى صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب فى حقه # والدليل عليه حقوق العباد وهذا لأن السبب لا يعتبر صحيحا شرعيا بنفسه ~~وإنما يعتبر PageV02P377 صحيحا بحكم فإذا وجب صحيحا لا بد أن يكون حكمه ~~فإنه متى تخلف عنه حكمه أصلا لم يكن السبب سببا وإذا عرف هذا والآيات ~~الدالة على الله تعالى لا يتصور أن لا يكون أنه على العالم للمستدلين ولا ~~حدث العالم لم يتصور إلا يكون دلالة على محدث وكذلك ما يتعلق بها فى وجوب ~~النظر ms834 فيها علينا ولا يجوز أن لا يكون ساقطا بحال وإن كان يسقط الأداء عنا ~~لعقد شرط الأداء من القدرة فأما وقت الصلاة فيجوز أن لا يكون سببا للوجود ~~ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت شيئا فى حق الصبى وكل معذور سقط ~~عنه الوجوب وكذلك أسباب الأجزية ما صارت أسبابا إلا شرعا ولولا الشرع ما ~~كانت أسبابا ولا عللا فى نفسها فثبت أن الصبى إنما يسقط عنه وجوب ما يحتمل ~~أن لا يكون فى نفسه حقا لله تعالى واجبا دون ما لا يحتمل ثم المالى والبدنى ~~من العبادات سواء وكذلك الجزية لأن العبادة اسم لنوع فعل ابتلى الآدمى ~~بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى نفسه لا على سبيل ~~الإكراه والجبر لأنه يجازى على وفاق فعله ولا جزاء يستقيم فى الحكم مع ~~الجبر فإنه لا فعل للمجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء # ألا ترى أن الحقوق التى تجب يستحقها فيما بيننا بإزاء الأفعال لا يثبت ~~إلا لمن يفعله مختارا بنفسه أو نائب عنه يثبت نائبا بأمره واختياره إلا أنا ~~فى البدنى ابتلينا بفعل يتأدى بالبدنى وفى المالى ابتلينا بفعل يتأدى ~~بالمال إما فعل لسان نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالى مرة ~~يتأدى بمباشرة الإنسان وتارة بغيره ولا بد أن يكون الفعل مضافا إليه على ~~سبيل الاختيار ولا يتصور الاختيار عن الإنسان إلا أن يكون الولى عنه بأمره ~~فأما إذا ثبت شرعا لا بالاختيار من الإنسان فيكون كإعطاء الإنسان خيرا فلا ~~يكون عبادة # قال والخصم ذل خاطر قلبه عن اختيار الصدقه الاختيارية وأما الأجزية فلا ~~تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقا لله تعالى والانتهاء ~~أداء حق النهى كالائتمار أداء حق الأمر وقد ذكرنا أن الصبى غير مخاطب بحقوق ~~الله تعالى لا ائتمار ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه ~~العقوبات البدنية وإذا لم يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على ~~مخالفته واعتبره بإثم الآخرة ولهذا ms835 لا يحرم الصبى القاتل الميراث لأنه شرع ~~جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما قلنا فى PageV02P378 موضعه لأن هذه ~~الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل شرعنا والصبى ~~مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة عليه ولهذا ~~قلنا إن الصبى إذا أحرم يصح فى حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف عن محظوراته ~~ولا يلزمه الكفارة ويمكنه نقضه لأن اللزوم فى الإحرام حكم ثبت شرعا ويحتمل ~~أن يكون ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ بالإحصار والرق ~~والنكاح وكذلك الكفارة سقطت عندكم بعذر الإكراه والنسيان فلأن تسقط بعذر ~~الصبا أولى ولهذا قلنا إن الصبى إذا أحرم ثم ترك وجامع لم يلزمه القضاء كما ~~قال الشافعى فى البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل ولأن اللزوم حق ثبت لله ~~تعالى شرعا ويجوز أن لا يكون فلا يثبت فى حق الصبى # قال ولا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه فى الصبا لأن الوجوب شرع فى حقه ~~حال البلوغ فيكون بمنزلة رجل صلى أربع ركعات قبل الزوال ثم ترك ثم شرع فى ~~الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن الشروع بعد الأداء ما سبق وتكلم فى مسألة ~~وصية الصبى # وقال إنها باطلة لأنها تمليك بعد الموت بلا عوض فإنه فى عوضه ضرر كما لو ~~وهب فى حال الحياة وإنما انقلبت نفعا باتفاق حالة الموت فلم تعتبر وأما ~~قبول الهبة تصح فى الصبى إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفته التصرف ما ~~ثبت إلا نظرا له كيلا يخدع فى ماله ونفسه ولا يغبن وليس فى قبول الهبة ~~مخافة غبن فلا يثبت الحجر فى حقه وصار قبول الهبة محض نظر # قال ولهذا قلنا يصح إسلامه لأن الوجوب كان ثابتا على ما مر أنه لا يحتمل ~~السقوط فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وأن لم يكن مخاطبا ~~بالأداء كالصلاة لأول الوقت والصوم فى السفر والدين المؤجل وما للأداء فى ~~الشرع حد الصحة إلا أن ms836 يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة ويشهد بلسانه أنه ~~كما اعتقد والخلاف فى صبى يتصور منه ذلك مثل ما يتصور إذا كان بالغا قال ~~وعلى هذا ردة الصبى فصح أيضا وزعم أن ما يحتمل ألا يكون إلا حقا مستحقا لله ~~تعالى فلا يعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعا فى حق البالغ والصبى ~~على السواء وإنما يختلفان فى وجوب أداء الشرع فإن PageV02P379 الأداء يلزم ~~دون الصبى إذا صار الإسلام مشروعا وجوبه حقا لله تعالى على الصبى لأنه ~~يحتمل غير ذلك وكذلك وجوب حرمة الردة لا يحتمل غير ذلك فاستوى فيه الصبى ~~والبالغ فصح ذلك فى الصبى كما يصح منه الإسلام إلا أنه لا يلزمه الجزاء ~~المشروع فى الدنيا على الردة لأن الجزاء المتعجل فى الدنيا يحتمل أن لا ~~يكون مشروعا على أن القتل فى حق المرتد مشروع لصيرورته حربيا كافرا حتى لا ~~تقتل المرأة لأنها ليست فى أهل الحرب والصبى بمنزلتها وأما حرمان الإرث ~~وفساد النكاح فليس بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان بالكفر الأصلى # فإن قيل أليس أن الصبى يؤدب إذا أساء فعله # قلنا التأديب لا يقام جزاء على ما مضى بل تقويما فى المستقبل # ألا ترى أن الدابة تراض وتقوم تقويما وإصلاحا وتسوية الأخلاق بمنزلة ~~الدواء لطلب الشفاء وبمنزلة الحجامة # فإن قيل أليس يسترق الصبى وأنه عقوبة شرع جزاء للكفر # قلنا الاستيلاء على المباح شرع سببا للملك كما فى حق الصيود وأهل الحرب ~~ما بهم عصمة فلا يكون ملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما فى حق البهائم وإنما ~~لم يملك عندهم بالاستيلاء العصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون زوال ~~العصمة بالكفر حقيقة أو تبعا لأبوية بمنزلة زوال نعمة فلا يكون يكون عقوبة ~~واجبة على زوال الصحة والحياة وسائر الكرامات # قالوا وأما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبى ومؤنته ~~كما تجب على المولى بسبب رأس العبد حتى أوجبنا فى العبد الكافر وأما جواز ~~الأداء من مال الصبى فلأن وجوبها وجوب المؤنة عن رأسه ms837 والمؤنة تتأدى بولية ~~جبرية كالخراج والعشر ولأنه شبهة لا فى هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه ~~فيه فأما العشر فمؤنة الأرض كالخراج ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر فى ~~حقوق الله تعالى صح تأدية بولاية جبرية على ما عليه الحق صح أخذ القاضى من ~~البالغ كرها ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة وإنما يكون له ثواب ~~ذهاب ماله فى وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصاب # فأما إذا كان الحق لله تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة فيه اسم ~~للفعل ولا بد أن يكون فعله على وجه الاختيار ليثاب عليه ولا يجوز بدون فعل ~~منه على اختياره # قال ولهذا لا يجوز للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبها كرها كما يأخذ ~~PageV02P380 ديون الناس # قال ولهذا قلنا إنه لا يؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر ~~وسائر حقوق الناس فصار المعنى الذى اعتبره الخصم للفرق بين المالى والبدنى ~~حال عجز الصبى عن الأداء بنفسه معتبرا فى حقوق غير الله تعالى والمالى ~~بينهما يلزم الصبى دون البدنى # فأما الذى يجب لله تعالى فالمالى والبدنى فيه سواء وسقط عن الصبى ما ~~يحتمل السقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمل وأما الأداء ساقط فى الأحوال كلها ~~هذا كلامه فى هذا الفصل # ونحن نقول إن أصل هذا الكلام مبنى على مسألة الأسباب وقد سبق الكلام عليه ~~وقد اشتمل كلامه الذى ذكره على مسائل منها مسألة زكاة الصبى وهو جعل حرفه ~~فى سقوط الزكاة عن الصبى دعواه أن الزكاة عبادة والعبادة لا تتأدى إلا ~~بولاية اختيارية ولا تتأدى بولاية جبرية ويدخل عليه صدقة الفطر والعشر ~~فإنهما عبادتان ومع ذلك قد تأدتا بولاية جبرية من غير اختيار أو علم يوجد ~~لمن عليه وعذرهم عن المسلمين فى نهاية الضعف لأنه إذا قال فى صدقة الفطر ~~أنها تجب على الولى لا الصبى فينبغى أن لا يجوز إعطاؤها من مال الصبى # والذى ذكر أن محمدا لا يجوز وقد خالف أستاذه فهذا ليس بجواب والإلزام على ~~أبى حنيفة ms838 وهو أستاذهم الكبير فحين يضيق بهم الخناق لا يترك لهم ترك مذهبه ~~وأما العشر فلازم أيضا # والذى قالوا إنه مؤنة الأرض # فيقال أيضا إن الزكاة مؤنة المال والعشر مثل زكاة سائر الأموال لأنه زكاة ~~وزكاه وكل دليل كون سائر أنواع الزكاة عبادة فكذلك يدل على كون العشر عباده # وعلى الجملة لا يتضح لهم فرق صحيح بين صدقة الفطر والعشر وزكاة المواشى ~~هذا على أصلهم وأما على أصلنا فنقول إن هذه الحقوق حقوق الفقراء وهى لهم ~~ومعنى العبادة تبع فيكون حكمه مثل سائر حقوق بنى آدم وهذا فصل قد أحكمناه ~~فى الخلافيات ودللنا عليه بدلائل معتمدة وعلى أنا إن قلنا إن الزكاة عبادة ~~فيستقيم إيجابها على الصبيان والمجانين لأنها وإن كانت عبادة لكنها مالية ~~والنيابة فبها جارية وكما يقوم فعل الولى مقام فعل الصبى فيقوم اختياره ~~مقام اختيار الصبى وهذا لأن العبادة فى الفعل لا فى الاختيار الذى زعموه ~~ومع ذلك صح إقامة فعل النائب مقام فعل من عليه وكان PageV02P381 الفعل ~~عبادة ممن عليه كذلك يصح إقامة نيته واختياره مقام نية من عليه واختياره ~~وكان ذلك عبادة ممن عليه وهذا لأن الوجب حق مالى فاعتبر تصور أدائه من ~~المال وتصور أدائه من مال الصبى مثل تصور الأداء من مال البالغ ونقصان ~~المال فى الموضعين على وجه واحد والابتلاء والاختيار يوجد إما باعتبار حال ~~البلوغ إن لم يكن اتصل الأداء بالمال فيؤمر بالأداء بعد البلوغ أو بإقامة ~~فعل الولى مقام على ما سبق بيانه # وعندى أن الأول هو قولنا إن الزكاة حق الفقراء وهو منزل منزلة سائر حقوق ~~الآدميين ومعنى زيادة فيها تبع وإنما ابتنى فيها معنى العبادة لأن الله ~~تعالى أوجبها ابتداء من غير أن سبق من العبد فيه شئ فيكون فيها مصلحة شكر ~~نعمة المال مثل ما أوجبنا الصلاة والصوم فيكون فيها معنى شكر نعمة البدن ~~فهذا الوجه أحد معانى العبادة لكن هذا المعنى تبع والأصل حق الفقراء لأنها ~~واجب مالى والله تعالى خلق المال لنفع العباد وكلما وجب فى ms839 المال لا بد أن ~~يبقى فيه المعنى الذى خلق له أصل المال وذلك نفع العبد فلهذا أوجب الزكاة ~~للفقراء نفعا لهم وإذا أوجب لنفعهم كان حقا لهم وعلى هذا وقع الفرق بين هذا ~~وبين العبادة البدنية لأنها لم تجب لنفع أحد من الآدميين فتمحض حقا لله ~~تعالى # وأما مسألة إسلام الصبى فقد بيناها أيضا وعلى وجوب الإيمان ينصب الدلالات ~~وهذا ليس بصحيح بل وجوب الإيمان بإيجاب الله تعالى ولا إيمان يجب على ~~الصبيان لأن الله تعالى لم يوجبه عليهم وقوله إن الإيمان لا يحتمل أن لا ~~يجب # قلنا على المكلفين فأما على غير المكلفين فيحتمل أن لا يجب عليهم ببينة ~~أنه كما لا يحتمل أن لا يكون غير مشروع فى الأصل فلا يحتمل أن يكون مشروعا ~~فى حق شخص ثم لا يجب عليه فعله ثم قد بينا فى مسألة إسلام الصبى وجه عدم ~~صحته من الصبى من طريقين مخيلين مؤثرين فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تلك ~~المسألة ولم تجب الإعادة هاهنا لوقوع الغنيمة عن ذلك بذكره فى الفروع ~~والأولى فيما يرجع إلى الأصول أن نبين أن الوجوب لا يثبت فى حق الصبى أصلا ~~لأنه بالخطاب يكون الوجوب والخطاب عنه ساقط وإذا سقط الخطاب سقط الوجوب ~~وأما الوجوب بما نصب من الآيات والعلامات فلا يجوز لأن الآيات والدلالات ~~توجد قبل وجود الشرع ولا وجوب # فإن قالوا يجب قبل ورود الشرع فالدليل على فساده ما سبق ولأن الأمة ~~اختلفت PageV02P382 على قولين فى هذه المسألة فقال بعضهم يجب الإيمان ~~بالفعل # وقال بعضهم يجب بالسمع ولم يعرف قول ثالث والذى قالوه إحداث قول ثالث فى ~~هذا أنه وجب بالآيات والعلامات فيكون خلافا للأمة فلا يسلم لقائله ذلك ثم ~~ذكر فصلا فى حيز صحة عبارات الصبى شرعا وقال لا خلاف أن عباراته فاسدة قبل ~~أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين السمعيات ولن يتصور ذلك إلا بعد ~~المعرفة عن عقل ولهذا لم يتعلق بكلام النائم والمجنون والمغمى عليه حكم ولا ~~خلاف أنه إذا ميز ms840 وعقل يصح كلامه حتى إذا قال أنا جائع سمع منه وأطعم وكذلك ~~إذا دعا ربه أثيب عليه ويصح أذكاره فى صلاته كما لو كان بالغا وإنما ~~اختلفوا فيما أفسد عليه شرعا نظرا ورحمة كما لا يصح منه فرض العبادات نظرا ~~له # قال علماؤنا عباراته فى الأصل صحيحة لا فيما يضره ويتوهم لحوق الضرر به # وقال الشافعي رحمه الله عباراته فاسدة شرعا فيما صار موليا عليه فيها ~~فأما فيما لم يصر فثابت له إلا أن الشرع حجره عن الاستيفاء نظرا له حتى لا ~~يخدع كما سقط عنه الفرض نظرا له فلم يثبت الحجر فيما يتمحض نفعا كما لم ~~ينعدم الشرع فى حق نوافل العبادات التى تتمحض نفعا فعلى هذا لا يصح قبول ~~هبة منه لأنه مولى عليه فيها وهى نفع محض لأن الملك يزول إلى خلف له وهو ~~الثواب وإذا وقعت الفرقة بين الأبوين وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره ~~أيهما اختاره لأنه يعرف الذى هو أرق له وأعطف عليه وهذا الاختيار نفع محض ~~والشرع لم يجعله موليا عليه فيه # وقال لا تصح عباراته فى البيع لا لنفسه ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ~~ولا يصح طلاقه وإقراره لأنه ضرر # قال ولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان لأنه امتاز ~~عن غيره من سائر الحيوانات بصحة العبارات حتى قيل إن المرء بالتعزية بقلبه ~~ولسانه # وقيل لسان الفتى نصف ونصف فؤداه فلا يجوز أن نفسد على الصبى بعد إصابته ~~شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك فى دفع ما يتعلق به فى المضار عنه ~~وإذا ثبت هذا الأصل # قلنا لا ضرر عليه فى صحة قبول الهبة والصدقة والوصية فيصح كما قال الخصم ~~فى صحة وصيته بالصدقة # وأما قوله إن كونه موليا عليه ينافى ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر فى ~~باب حقوق الله تعالى PageV02P383 # قال فلا يصح هبته ولا صدقته لأنها من المضار وكذلك بعد الموت لا يصح أيضا ~~لما بينا وكذلك لا يصح اختياره فى الحضانة ms841 لأنه يتضرر بين ضر ونفع ولربما ~~يختار الذى يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة لأن طبعه ينفر عمن ~~يؤدبه ويحمله على التخلق بآداب الشرع والمروءة ويميل إلى من يدعه للهو ~~وارتكاب الهوى فكانت عبارته فى هذا الباب كعبارته فى باب التجارة التى ~~تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل بها # وقال علماؤنا يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة فى الدارين بحق الإسلام ~~وكرامات الآدميين كلها لحق الدين ولا شك أن الخير فيه فوق ما فى نوافل ~~العبادات # فإن قيل ولربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح # قلنا لا عبرة لهذه الزوائد التى ليست من أحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة ~~أخرى وحالة يتفق بدلائل تفسد إسلامه وإن تعلق به الإرث وصحة النكاح نحو أن ~~كانت أسلمت امرأة الصبى الكافر وعمه مسلم لا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام ~~يعصم نكاحه ويرث عمه وعلى أن حرمة النكاح والإرث حرمة تثبيت مضافة إلى كفر ~~الكافر منهما على ما بينا فى موضعهما # قال وتنعقد التصرفات كلها بعباراته كما تنعقد بعبارة البالغ وينفذ إذا ~~كان وكيلا عن أهلها لأنه لا ضرر عليه فى انعقاد التصرف نحو الوكالة لأنه لا ~~عهدة تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على مابينا فلا تثبيت الحجة فى حقها # وإذا ثبت أنها تصح فى حال الغير بإذن الولى صحت كذلك فى حال نفسه بإذن ~~الولى من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان فى ماله ~~وهذا اللزوم جعل من الصالح إذا حضره رأى الولى بدليل أن الولى لو فعله ~~بنفسه أو أمر به غيره صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظرا له ~~وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل موليا ~~عليه لماله من النفع فى تصرف الولى عليه بذلك ولا ضرر فى صحة عبارته فى ~~ماله وكان النظر آن يكون صحيح العبارة مع ثبوت الولاية للمولى ليثبت له ~~نفعها من طريقين فثبت أن ما ms842 قلناه أولى الوجهين # فإن قيل لو شهد الصبى لم تقبل وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها حكم # قلنا العبارة صحيحة ولكن مع هذا لا يكون حجة على غيره كما لو شهد العبد ~~أو شهد الكافر على مسلم وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره وإنما ~~يتعلق بكمال الحال PageV02P384 فى ولاية مع صحة العبارة هذا كلامه فى هذا ~~الفصل وهذا الفصل أكثر كلام فيه يتصل بتصرفات الصبى وقد وضع هذا الرجل ~~لأصحابنا كلاما وتكلم عليه ونحن قد بينا هذه المسألة فى خلافيات الفروع ~~وذكرنا طريق سلب أهلية التصرفات وكان اعتمادنا فى ذلك على نقصان عقل الصبى ~~واعتمدنا على ثبوت النظر له من قبل الشرع ومن النظر له أخراجه عن أهلية ~~التصرفات الدائرة بين النفع والضر حتى يكمل عقله ويعلم خيره من شره ونفعه ~~من ضره على التمام وقد ذكرنا تقرير هذا بحيث يشفى الصدور ويزيل الإشكال # وأما كونه موليا عليه فى هذه التصرفات فهو كلام حسن لكن ليس بما يستدل ~~ابتداء فى هذه المسألة ولكنه يدخل فى أثناء الكلام لتقرير الكلام والله ~~أعلم # ثم ذكر فصلا فى حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام # قال حكم الشرع إنما يلزم بعد بلوغنا إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف ~~نفسا إلا وسعها ولا وسع إلا بعد العلم فسقط أصلا ضرر ما يحتمل النسخ لقصور ~~الخطاب دفعا للحرج كما سقط بالصبا وقد روى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت ~~المقدس بعد ما حول القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم فى الصلاة فأخبرهم أن ~~القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا كهيئتهم ولم ينكرها عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل ~~الله تعالى @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا @QE@ ~~وهذا فصل لا خلاف فيه ثم البلوغ نوعان حقيقة إسماع وحلم لشيوع فى قومه فإن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أمر بتبليغ الناس القرآن كافة وما أمكنه التبليغ ~~إلى كافة ms843 الناس وإنما بلغ أكابر كل قوم فى جماعتهم وكان مؤديا بذلك حكم ~~الأمر فيكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه ولأن الخطاب متى شاع ~~أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في الحجة من قومه وإذا لم يطلب حتى جهل ~~كان بتقصير منه ولم يصر ذلك الجهل له عذر أو صار كأنه علم ثم لم يعمل # ألا ترى أن الواحد منا لو لم يعلم الشرائع وجهلها لم يعذر ويلزمه كلها ~~لشيوعها فى دار الإسلام وكذلك الذى إذا أسلم وهو لم يعلم بالصلاة لزمته ولو ~~أسلم الحربى فى دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن ~~الخطاب غير شائع فيها # قال وهذا كما قال علماؤنا فيمن أذن PageV02P385 لعبده فى التجارة وشاع ~~إذنه ثم حجر عليه لم يثبت الحجر فى حق أهل السوق حتى يحجر حجرا عاما ولهذا ~~قالت الأمة فى الحربى يتزوج أختين معا أو على التعاقب ثم فارق إحديهما ثم ~~أسلم بقى نكاح الباقية صحيحا وإن كانت الأخيرة هى الباقية لأن خطاب التحريم ~~قاصر عنهم فبقوا على الحال الثابت قبل الخطاب وكذلك لو تزوج وثنيا ثم فارق ~~الأولى منهن ثم أسلم بقين على الصحة ولو وقع فاسد فى الأصل لم ينقلب صحيحا ~~بالإسلام وكذلك لو تزوج فى عدة من كافر أو تزوج بغير شهود # وقال أبو حنيفه لو تزوج الكافر محرما ودخل بها لم يسقط إحصانه وكان ~~بمنزلة ما لو تزوج مجوسية # وكذلك الجواب فى أهل الذمة فى مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف ~~لأن أهل الذمة وإن كانوا فى دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما ~~يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا يصير حجة عليهم بحق الشرع بل ~~يقدر ما عهدوا عليه ولأن الخطاب من الله تعالى بأن أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بدعوة الكافر إلى الإيمان بالله ورسوله فإن أبوا فبأى الذمتين ~~فيمن جعل لهم الذمة وأى دين يتدينون إلا ما استثنى عليهم فإذا دعاهم ms844 إلى ~~الذمة بشرطها فقد بلغهم خطاب الشرع فى حقهم فلا يلزمهم ما يتبدل من أحكام ~~الله بهذا الشرع إلا ما كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله ~~تعالى ولهذا لا يحدون على شرب الخمر وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على ~~ملك الأثمان لم تتفرع الأثمان من أيدى متملكيها بالعقود ولم تنقض تلك ~~البيوع ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم الإسلام وصاروا بحيث لا يقرون على ~~الفاسد كما لو أربوا ثم أسلموا قال وقال علماؤنا إذا أتلف مسلم عليهم الخمر ~~ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر فى حقهم على ما كان قبل التحريم قال ~~وإنما قال الشافعى لا يضمن لأن الحرمة ثابتة فى حق المسلم وديانتهم لا تكون ~~حجة على المسلم ولا قصور الخطاب فى حقهم يبدل حكم الخطاب فى حق من بلغه ~~وكذلك إذا أتلف الذمى على ذمى فتحاكموا إلى قاضيا لا يلزم قاضيا الحكم بما ~~عندهم # قال وجوابنا أن الحكم بما عندنا وعندنا أنه مال متقوم فى حقهم وقال أبو ~~حنيفة لا يفسد نكاحهم المحرم بمراجعه أحدهم لأن دليله المراجع لا يكون حجة ~~على الآخر هذا كلام وهذا فصل يأتى فى مسائل كثيرة من الخلافيات وقد ذكرها ~~وذكرناها ونحن PageV02P386 نقول إن الخطاب المبتنى على شرع الإسلام بأجمعه ~~قد لزم الكفار إلا فى مواضع يسيرة أخرجها الشرع من الخطاب لدلائل قامت على ~~ذلك فقد دللنا على هذا الأصل من قبل # وأما قوله إن الخطاب قاصر عنهم فهو لفظ باطل والبلوغ إنما هو ببلوغهم ~~رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وقيام الدليل على صحتها وثبوتها وقد تظاهرت ~~الدلائل القاطعة على ثبوت نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا لم يبق ~~لأحد عذر فى العالم بترك قبول الإسلام ولأجل قيام الحجج وتظاهر البراهين ~~والأدلة ينزل جميع الكفار منزلة المعاندين المكابرين ولولا أن الأمر على ~~هذا الوجه لعذروا بالجهل وقد اجتمعت الأمة أنه لا عذر لأحد فى شئ من ~~الإسلام وشرعه وإن تعلق متعلق بتقريرهم على كثير من ms845 الأشياء فذلك من حكم ~~الوفاء بالعهد لا من حيث قصور الخطاب عنهم فى شئ ما وإن تعلق متعلق ~~بالأنكحة فصحتها كان يعارض دليل لا من حيث إن خطاب الشرع قصر عنهم أو لم ~~يبلغهم بل إنما حكمنا بصحتها لأنا لو لم نحكم بصحتها أدى إلى مفسدة عظيمة ~~تعود إلى الإنسان وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم ولد كافر وكذلك عامة ~~الصحابة رضى الله عنهم فإذا قلنا إن أنكحتهم لا تصح إذا عقد على غير شرط ~~الشرع كان يؤدى ذلك إلى اعتقادنا أن النبى صلى الله عليه وسلم وسائر ~~الصحابة خلقوا من أنساب فاسدة محرمة وكان يؤدى ذلك إلى القدح والطعن فى ~~أنسابهم وقد ورد الشرع بإثبات نكاحهم نصا # قال الله تعالى @QB@ وامرأته حمالة الحطب @QE@ فقد أثبت كونها زوجته وقال ~~النبى صلى الله عليه وسلم ( ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح ) وقال صلى الله ~~عليه وسلم ( أنا ابن عبد المطلب ) وقال ( نحن بنو النضر بن كنانة ) فلمثل ~~هذه الدلائل حملتنا الضرورة على الحكم بصحة أنكحتهم ولم PageV02P387 يكن ~~ذلك لقصور الخطاب عنهم # وأما سقوط حكم الشرب فلم يكن لهذا أيضا بل إنما كان لأن الكافر شرب الخمر ~~معتقدا إباحته فشرب الخمر باعتقاد إباحتها كفر والكفر لا يوجب الجلدات بحال ~~ولأنه قد أعطى عوض الحقن عن إباحته الثابتة نسب الكفر وهو الجزية فلا يجب ~~عليه شئ آخر # وأما قصة أهل قباء فنحن لا ننكر مثل ذلك فى ابتداء الخطاب ولأنه لا يثبت ~~إلا بالسماع فأما فى حق الكفار فقد وجد البلوغ قطعا من حيث البلوغ لأنهم قد ~~كفروا بخروج نبى يدعو إلى الله بشريعة مخصوصة والدليل أنهم على لزومهم ذلك ~~ولم يبق لهم عذر أصلا والدليل على هذا الجماع الأمثل إجماع الأمة على ~~تأثيمهم فى كل ما خالفوا من الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم ولو قصر ~~الخطاب عنهم أو لم يحكم ببلوغهم ذلك لم يتصور الإثم والدليل على ما ذكرنا ~~أيضا إقامة الحدود على أهل الذمة فى أرتكاب ms846 المحرمات على ما يوافق شرع ~~الإسلام فدل أن الخطاب قد بلغهم وأن اللزوم قد ثبت فى حقهم وأن اعتقاد قصور ~~الخطاب وعدم البلوغ اعتقاد باطل وشئ مخترع لا يمكن إقامة دليل عليه مستقيم ~~على أصول الشرع وقواعده والله الموفق للصواب # ثم ذكر فصلا فى الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ # قال هذه الأعذار أربعة أنواع الجنون والعته نوع وهو عذر عدم العقل ~~ونقصانه # والنوم ولإغماء نوع وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام ~~أصوله # والنسيان والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية ~~نوع فإن العقل ينعدم معها بسبب الترك مختار # والرابع قسم الرق والحيض فإنه مما ينعدم به شرع بعض العبادات حكما فيثبت ~~العجز شرعا لا طبعا وقد قال بعضهم الأعذار الاثنا عشر # النوم والاغماء والاكراه والصبا والجنون والعته والسكر والحيض والنفاس ~~وهما واحد والمرض وعدم السماع والنسيان والخطأ # قال أبو زيد أما الجنون فهو بمنزلة الصبى قبل أن يعقل الصبا إذا طال ~~الجنون وبمنزلة النوم إذا قصر والعتة بمنزلة الصبى بعد ما عقل الصبى لأن ~~المعتوه هو الذى اختلط PageV02P388 كلامه فكان بعض كلام العاقل بعض كلام ~~الغافل بعض كلام المجنون وكان ذلك الاختلاط لنقصان عقله كما يكون فى حق ~~الصبى إلا فى حق العبادات فإنا لم نسقط به العبادات # وأنا أقول إن هذا الكلام باطل لأن العته نوع جنون إلا أنه يعقل قليلا وهو ~~فى التأثير فى العقل أكثر من الصبى بعد أن عقل فإذا كان ذلك يمنع وجوب ~~العبادات فالعته أولى بالمنع # وقولهم إن الجنون إذا قصرت مدته يكون كالنوم كلام باطل أيضا لأن العقل ~~قائم فى النائم زائل فى المجنون رجعنا إلى كلامه # قال وأما السفه بعد البلوغ فلا يوجب الحجر لأن السفه ليس بنقصان العقل ~~وإنما هو مكابرة العقل بغلبة الهوى وقد نهاه الشرع عن اتباع الهوى فلا يصير ~~اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذرا لم يوجب الحجر نظرا له ولم يجعل السفيه ~~وإن كان مغلوبا هو له كالمكروه الذى هو مغلوب ms847 لغيره لأن ذلك عذر عند الله ~~تعالى وهذا لم يجعل عذرا عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع ولو لم ~~تساعده نفسه وإنما يصير مغلوبا بالمساعدة للهوى مختارا ونحن قد أجبنا عن ~~هذا فى مسألة المحجور عليه بالسفه ذكرنا طريقة توجب الحجر على السفيه # قال وأما النوم والإغماء فنوع واحد وهو فترة بعارض منع من أستعمال العقل ~~مع قيامه وحكم النوم تأخير حكم الخطاب فى حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلا ~~على ما قال صلى الله عليه وسلم ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها فإن ذلك وقتها ) ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلا وإنما ~~يسقط وجوب العمل إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعا للحرج والنوم لا ~~يمتد عادة بحيث يخرج العبد فى قضاء ما يفوته فى حال نومه لأنه عادة لا يمتد ~~مع الليل يوما كاملا إلا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي والإغماء بمنزلته ~~إلا فى حق الصلاة فإذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء لأن الصلاة تتكرر إذا ~~كانت ستا وفى ذلك حرج والإغماء يمتد هذا القدر من المدة فيجعل مسقطا لوجوب ~~الصلاة دفعا للحرج # بمنزلة الجنون وكان الإغماء كالنوم فى حق الصوم والزكاة لأنه لا يمتد فى ~~العادات شهور وسنين وفى الصلاة كما ذكرنا # فإن قيل إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به الخطاب PageV02P389 # قلنا إن السكر يحصل بسبب هو معصية وهو شرب الخمر المسكر واجتماع ذلك ~~الحرام فى معدته لم يجعل عذرا شرعا على ما عرف فى غير هذا الموضع وأما باب ~~النسيان فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه # بسبب النسيان للعجز # إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به كقصده ديار زيد لا ~~يتصور بدون زيد وقصد صوم رمضان قبل العلم به لا يتوصر وكذلك قصد استعمال ~~الماء لا يتصور إلا بعد العلم به فصار فى حكم العجز وإن نفيت القول ~~الغريزية معه وصار أيضا فى حكم النوم ms848 لأنه آفة مخلوقة جبلية كالنوم وقد قرن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسيان الصلاة والنوم عنها على ما مر ذكره ~~إلا أن يكون نسيانا عن لهو أو لعب فيؤاخذ به كالنوم عن سكر ولهذا قلنا إن ~~من نسى الماء فى رحله وهو مسافر فتيمم يجزئه لأنه عجز عن استعماله بالنسيان ~~كما يعجز بعدم الماء فيسقط به خطاب استعمال الماء إلى الخطاب بالتيمم # قال وأما كلام الناس إنما يبطل الصلاة لأن أصل حظرية الكلام لا ترتفع ~~بالنسيان وإنما بما ينبنى فى الحرمة فحسب حتى لا يأثم إلا أن فعل الكف عن ~~الكلام شرط لصحة الصلاة فلا يتأدى بدونه كما لو نسى الطهارة وصلى بدونها لم ~~يأثم ولا تجوز صلاته # قال ونقول أيضا أن القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسى وكذلك الخطأ فى حكم ~~النسيان بدليل أن المخطئ لا يأثم ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من الحظر ~~فى قوله @QB@ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ وقوله @QB@ وما كان ~~@QE@ للتحريم وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت أنه فى حكم المباح فى حق ~~الفاعل # قال ونقول إن كلام المخطئ صحيح مثل كلام العامد فإن يمين المخطئ صحيحة ~~مثل يمينه وكذلك نكاح المخطئ وطلاقه وعتاقه ونذره وكل ما لا يبطل بالهزل لا ~~يبطل بالخطأ لأن الموجب لصحة كلامه شرعا قائم مع الخطأ وأما البيع خطأ فلا ~~ينبغى أن يلزم الهزل والكره لأن الشرع بنى لزومه على التراضى مع صحة ~~المعاقدة ولا رضى إلا بعد قصد صحيح # قلنا عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضى وبقى الخيار لعدم الرضى نفسه # قال ولنا إذا أسلم الشفعة خطأ بطلت الشفعة لا بالتسليم فإنه يخطئ غير راض ~~به ولكن يترك الطلب كما لو سلمت لوم يلزم ولهذا لم يلزم القاتل الخطأ ~~الكفارة وتحريم الإرث ولو سقط بالخطأ حرمة القتل أصلا ما لزمه حكم القتل ~~المحظور وكذلك الكره PageV02P390 بمنزلة الخطأ أو دونه لأن المكره محظور ~~بما فعله قاصد إياه لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن ms849 علم وقصد إلا ~~أنه قصد فاسد لأنه قصد لا راضيا به وتفويته إتيانه بل أوقع الشر عن نفسه ~~فلا يحكم إلا بالفساد ولعدم القصد ولا يقع هدرا وإنما يبطل به ما يتعلق ~~لزومه بالرضى كالبيع والإجارة وما لا يلزم مع استثناء الخيار أوقع الهزل ~~وأما يمين المكره ونكاحه وطلاقه وعتاقه فلازم وكذلك الكلام مكرها فى الصلاة ~~يبطلها وكذلك الأكل فى الصوم مكرها أو سبق الماء إلى حلقه خطأ يفسده # قلنا لم يهدر حكم وكذلك من ارتكب محظورا من محظورات الحج خطأ أو مكرها ~~لزمته الكفاره # فإن قيل أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم # قلنا لم يهدر حكم الفعل فإن القصاص واجب به لكن لم يجب على الفعل كرها ~~بحكم انعدام الفعل منه فإنه جعل المكره الذى حمله عليه كأنه قبض على يديه ~~وقتل بيده إنسانا على ما بينا في موضعه وكذلك وجب على الذى أكرهه لأن الفعل ~~أضيف إليه ومتى انعدم الفعل لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم القتل كما لو ~~لم يفعل بغير كره # وأما فعل لا يستقيم أن نجعل المكره المباشرة آلة للمكره فالفعل لا ينقل ~~عنه وبقى مقتصرا عليه على ما بينا فى موضعه وإذا بقى عليه وصار فاعلا لزمه ~~حكمه إلا ما يبطله الهزل والأقوال كلها لا يمكن أن يجعل الفاعل عن كره آلة ~~فيه للآمر إذا أمر ولا يمكنه التكلم بلسان غيره وأما القتل فيمكن بيد غيره ~~والأكل والزنا مثل الأول وسائر الإتلافات مثل الثانى # قال وأما الجهل فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون للجهل ~~بدليله وسبب وجوبه فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل ~~كما يكون من المخطئ والناسى ويكون الجاهل عاجزا حكما كالناسى ويكون الجهل ~~عذرا يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلا كالخطأ والنسيان ولهذا قيل إن ~~العبد إذا عمل باجتهاده فى حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم ~~يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما مضى باجتهاده ولو سقط أصلا ms850 بالجهل ما لزمه ~~النقض كما لو ترك النص بعد رأيه فى زمن الوحى # هذا كلامه فى هذا الفصل نقلته على ما كان فى أصله PageV02P391 # ونحن نقول فى هذه المسائل على خلاف ما ذكروا أما النوم فلا يسقط الفرض ~~بحال لأنه لا يزيل العقل ويجوز أن يقال إن الواجب عليه بعد اليقظة ولا يجب ~~فى حال النوم جريا على ظاهر الخبر وأما الإغماء فإنه يسقط الفرض لأنه مما ~~يزيل العقل # فإن قالوا كيف يقال إنه يزيل العقل وهو جائز على الأنبياء # قلنا جاز على الأنبياء لأنه يزول فى مدة يسيرة وذلك لا يخل بأمرهم # فأما إذا طال ووصف بالجنون فلا يجوز لأنه يخل بأمرهم وأما الفرق الذى ~~قالوا فى الصلاة وإنه إذا استوعب ست صلوات سقط وإذا لم يستوعب لم يسقط # ففرق لا يعرف وإنما هو محض تحكم على الشرع والحرج الذى قالوه ليس بشئ ~~لأنه لا حرج فى قضاء ست صلوات والمراد فى نفى المذكور فى القرآن شيئا لم ~~يجعل لهم من ذلك مخرجا # فأما الناسى فلا خطاب عليه فى حال النسيان وقد بينا أن الكلام الناسى ~~يبطل الصلاة وأكل الناسى لا يبطل الصوم وكذا فى كل موضع وجد النسيان فيه ~~فإنه مؤثر فى إسقاط الخطاب وطرد هذا الشافعى رحمه الله وهو صحيح على قواعد ~~الشرع # وأما مسألة التيمم إذا رأى الماء فى رحله وأنه لم يجز تيممه لأن الله ~~تعالى علقه بالعدم وهناك هو واجد لأنه إذا كان الماء موضوعا فى رحله غير ~~أنه نسى موضعه فهو واجد له غير أنه غفل موضعه ولأن رحل المسافر موضع الماء ~~ولو طلب وجد وأى عذر له فى ترك الطلب وإن لم يتذكر كما لو كان فى قرية ~~عامرة وعدم الماء مكانه ونسى أن يطلب فتيمم فإنه لا يجوز لأن القرية معدن ~~الماء ولو طلب وجد فلما كان العجز بسبب هو قصر فيه لم يجعل عذرا وأما ~~الإكراه فهو عندنا معدم للرضى والرضى شرط فى كل العقود ليلزم حكمها لأن هذه ~~الحقوق ms851 إنما تلزم بإلزامه إياها فلا بد من رضاه بلزومها ليلزم وقد بينا ~~صحيح هذه الطريقة فى طلاق المكره وأجبنا عن فصل الخيار # وأما الذى ادعوه فى مسألة الإكراه على القتل وقوله إن المكره آلة وهذا ~~أيضا أصل باطل لأن المكره عاقل بفعل ما يفعله عن قصد صحيح فلا يتصور أن ~~يكون آلة لأحد PageV02P392 وتنزيل عاقل بالغ منزلة خشبة يستعملها فى أفعاله ~~محال # وأما قولهم إنه يحمل عليه من قبل المكره ويفسد قصده # قلنا فساد القصد لا يعرف ولا يعقل والقصد عمل القلب وهو فى المحسوس ~~كأعمال الجوارح فتكون صحتها بوجوبها وهذه كلمات أحكمناها فى خلافيات الفروع ~~فلا معنى لإعادتها فى هذا الموضع # ثم ذكر فصلا فى الحيض والرق فقال إن الحيض لا يوجب حجرا من حيث ذهاب قدرة ~~القلب بعلمه وعقله أو قدرة البدن ولكنه يوجب عجزا حكميا من حيث فوات الشرط ~~بالأداء فى الصوم والصلاة وهو دون العجز الذى يثبت بالنوم وكان القياس أن ~~لا يسقط أصل الوجوب بل يؤخر # إلا أنا أسقطنا الوجوب به بشرع ورد به وذلك بغلبة الحرج فإن الحيض تعتاده ~~النساء فى كل شهر والصلوات تتكرر فى كل يوم فلو أمرناها لتضاعف الوجوب ~~عليها ولحرجت فى ذلك فسقط بسبب ذلك الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وهذا ~~المعنى معدوم فى حق الصوم فلم يسقط # والرق من هذا القبيل لأنه مما ينعدم به شرط بعض العبادات كالكفارات ~~المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وهو لا يملك المال ما دام رقيقا وكذلك ~~وجوب الحج يسقط عنه أصلا لا لعدم ملك الزاد والراحلة فإن الفقير إذا أدى ~~جاز وكان فرضا بخلاف العبد ولكن إنما لم يجب على العبد لعدم ملك المنافع ~~التى يتأدى بها الحج فإنها عبادة بدنية ومنافعة قد صارت لمولاه إلا ما ~~استثنى الله تعالى فى باب الصوم والصلاة ولم يستثنى فى باب الحج لأنه لا ~~وجوب بلا زاد ولا راحلة ولما لم يستبن صارت للمولى فلا يعود إليه كما لا ~~يملك منافع غيره ولا سائر الأموال ms852 بتمليك المؤن ولا يصح الأداء بمنافع كما ~~لا يصح التكفير بمال المولى وكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع من النساء ~~والحدود التى تحتمل التنصيف وكذلك العدة والتطليقات وحق القسم وتبطل ~~الولاية وما يبتنى على الولاية من الإرث والشهادة وهذا الكلام الذى قال فى ~~الابتداء لا بأس به ونحن نقول بذلك وأما الذى قال فى آخر كلامه فى التنصيف ~~بالرق فنحن PageV02P393 نقول إن الرق منصف لما يقبل التنصيف وهذا صحيح فى ~~كل ما يتبعض ويتنصف # فأما الذى لا يقبل التنصيف من الحل فنقول إن الحل فى الأمة نكاحا مثل ~~الحل فى الحرة ولا ينصف لأنه لا يقبل التنصيف ولأن الرق يفتح باب الحل فى ~~محل الرق وما لا يوجد فى محل الحرية فلأن يؤثر فى الحل الذى يوجد قى محل ~~الحرية أولى وهذا فصل فى مسألة طول الحرة ومسألة الطلاق بالرجال والنساء ~~وقد ذكرنا وجه قولهم فى ذلك ووجه جوابنا عنه ثم ذكر فصلا فى الكفر # فإن قال قائل فإنكم لم تذكروا قسم الكفر # قلنا الكفر ليس من جملة الإعذار ولأنه غير مسقط للخطاب عند أهل الكلام ~~وهو مذهب الشافعى من الفقهاء ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق # وذكر مسألة خطاب الكفار بالشرعيات واحتج من الجانبين وقد سبق ذكرنا لها ~~وأوردنا حجة الفريقين على التمام والكمال فاستغنينا عن الإعادة وهذا جملة ~~ما ذكروه من الأعذار العامة فى أحكام الشرع وقد أوردنا هذا على ما ذكروه ~~وتكلمنا عليه بحيث ما يسر الله تعالى والله أعلم # ثم ذكر القول فى الحجج العقلية قال وقد أجمع العقلاء على إصابة المطلوبات ~~الغائبة عن الحواس بدلائل العقول كإجماعهم على إصابة الحاضرة بالحواس حتى ~~أنك لا تكاد تجد أحدا خاليا عن الاستدلال بها لجديرا به وعقله حتى لم يكن ~~السمع حججا إلا باستدلال عقلى ولا يقع الفرق بين المعجزة والمخرقة والنبى ~~والمتنبئ إلا بنظر عن عقل وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة بدخانها مستدلا ~~عليها بعقلك لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال بنظر عقلى فى ms853 ~~المحسوس ليدرك ما غاب عنه # قالوا ولا خلاف فى هذا بين العقلاء وإنما اختلفوا بعد ذلك # وقال بعضهم لا يعرف الله تعالى بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع # وقال بعضهم يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع # وقال بعضهم لا يستقل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول فلا معنى ~~للاشتغال بها # قال وقال علماؤنا من لم تبلغهم الدعوة من الكفار لا يقاتل إلا بعد الدعوة ~~وإن قوتلوا أو قتلوا لم يجب شئ # وقال الشافعى يضمن PageV02P394 # وقال أيضا إنهم يعذبون فى الآخرة فجعلهم كأطفال المسلمين # قال ولا نص عن علمائنا فى المبسوط إلا ما ذكرنا من هدر الدماء وأنه لا ~~يدل على التزام الكفر بترك الاستدلال فإن المسلم منافيهم عندنا ما يهدر دمه ~~ما لم يجوز نفسه بدار الإسلام # قال قال علماؤنا إن الصبى إذا أسلم وعقل صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله ~~ولم يجر كلمة الشهادة على لسانه لم يحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستنصاب بل ~~كان فى حكم المسلم ما لم يبلغ ولو امتنع بعد البلوغ كفر لأن خطاب الشرع ~~بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذورا # قال واحتمل مثل هذا بعد البلوغ قبل أن تبلغه دعوة أحد فلا نحكم بكفره ~~لجهله بالله تعالى وغفلته عن الاستدلال بالآيات ويحكى عن أبى حنيفه أنه قال ~~لا عذر لأحد فى الجهل بالخالق لما يرى فى العالم من آثار الخلق فيحتمل أن ~~يكون ذلك بعد ورود السمع بذلك # فقد حكينا أنهم عذروا الصبى لجهله # قالوا وأما الذى قالوا إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا فى ~~ذلك إلى أن العقلاء أجمعوا أن الأداء لا يجب إلا بعد ورود الشرع ولو كان ~~العقل حجة كافية وجب قبل الشرع ولأنا نرى العقلاء مختلفين فى إثبات القديم ~~مع شدة تأملهم واشتهارهم بالحكمة ولا يعرف واحد منهم إصابة ما يتبين بالشرع ~~ولو كان بالعقل كفاية لما اختلفوا فإن اختلفوا يجب أن يكون فيهم من أصابه ~~وحين لم يعرف أن أحدا ممن طلب الحق بعقله أصابه على ms854 ما عرف بالشرع علمنا ~~أنه لا يعرف بدون الشرع # قال وأما الذين قالوا إنه تقع الكفاية بالعقل ذهبوا إلى أن إبراهيم عليه ~~السلام قال لأبيه @QB@ إني أراك وقومك في ضلال مبين @QE@ ولم يقل أوحى إلى ~~فثبت أن العقل بنفسه يهدى ولذلك الله تعالى أخبر أن إبراهيم عليه السلام ~~استدل بالنجوم فعرف ربه عز وجل وكان استدلاله حجة على قومه فقال تعالى @QB@ ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه @QE@ وليس فى الآية من باب الوحى ذكر ~~وقال تعالى @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق @QE@ ولم يقل نسمهم ونوحى إليهم # وقال تعالى @QB@ ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به @QE@ ولم يقل ~~بعدما أوحى إليه أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم ~~يكن فيه كفاية لما انقطع العذر PageV02P395 # قال وقول من قال إن الله تعالى لم يدعنا والعقول فذلك رحمة من قبل الله ~~تعالى وتفضل منه وربما يقولون بعث الرسول لبيان تتمة الدين # ببينة أن الله تعالى لم يدعنا ورسولا واحدا وقد كانت الحجة قائمة لرسول ~~واحد منهم # قالوا وأما اختلاف العقلاء فقد وجد اختلاف العقلاء بعد دعوة الرسل أيضا ~~على أن من لم ينل ذلك لتقصير فى اجتهاده والمقصر فى اجتهاده لا ينال كان ~~الحقيقة وكذلك الغالى يتعداها وإذا جاء الوحى والعصمة عن التقصير والغلو ~~صار الدين واحدا # وأما الذين قالوا إن الاستدلال لا يجب قبل الشرع فقد احتجوا بالشرع ~~والعقل أما الدليل من قبل الشرع قول الله تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم يأتكم رسل منكم @QE@ وقال @QB@ رسلا ~~مبشرين ومنذرين @QE@ الآية وقال @QB@ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ~~فقد جاءكم بشير ونذير @QE@ وقال عقيب قوله @QB@ ألم يأتكم رسل منكم @QE@ ~~@QB@ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون @QE@ فأخبر أن ~~الإهلاك كان ظلما وهذه الآيات دالة على أن العذر لا ينقطع بمجرد العقل لأن ~~الهوى غالب على الإنسان وطرق هوى الدين محضة تحت ms855 غالبة الهوى ومنام القلب ~~والغفلة فى دلائل العقل وفى تنبهه عن مؤلم الغفلة بالشرع حرج عظيم أكثر مما ~~يحرج الصبى العاقل بسبب نقصان عقله لإدراكه ما يدركه البالغ من الخطاب ~~المسموع # وقد أخبر الله تعالى لأن لا حرج فى الدين وقد ذكر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن الخطاب ساقط عن الصبى مع وجود العقل ويمكنه من الاستدلال فكذلك بعد ~~البلوغ يسقط أيضا بمجرد العقل لأنه لا تفرقة بين الحالين من حيث العقل # ألا ترى أن العبادات كما سقطت بعذر الصبى سقطت بعذر الجهل عمن أسلم فى ~~دار الحرب ولا يعلم بالعبادات ولأن النفس بهواها غلبة فى أول الفطرة وإذا ~~حدثت حدثت مغلوبة إلا من شاء الله من الخواص وإذا كانت مغلوبة بقيت العبرة ~~للراجح وبقى الحكم على ما كان قبل العقل حتى يتأيد العقل بالوحى فيرجح على ~~الهوى حينئذ فلا يجوز فى الحكمة التزام العمل حسا والعامل مغلوبا بالمانع ~~حسا فكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة PageV02P396 مغلوبة مدفوعة ~~بغيرها # قال وهذا القول قول بين القولين من التقصير والغلو فقصر من أنكر وجود ~~الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغال من التزم بالاستدلال بالوحى ولم يعذر ~~بغلبة الهوى وهو من الله تعالى وقرب من الإنصاف من قال إن الله تعالى يعرف ~~بدلالات العقول وحدها ولكن لا يجب فعل الاستدلال إلا بشرع والحق بالشرع ~~ونفس العقل لا يميز بين امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبى عقل وبلغ أربع ~~عشرة سنة ونصف بل حال الصبى أكمل من حال البالغة بحيضها بالتسع سنين # ببينة أن العاقل لا يرى بناء إلا عرف لها بانيا ولا يعرف نقشا إلا عرف له ~~ناقشا ولا يعرف صورة إلا عرف لها مصورا فكيف يعذر بعد رؤية الصورة فى جهله ~~بمصورها وإذا لم يعذر فلا بد أن تقع المعرفة بفاعل الصورة فقد تنبه بعقله ~~وكيف ينكر هذا والله تعالى يقول حاكيا عن الكفرة @QB@ ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ وكذلك لا ترى أحدا من الكفار إلا وهو ms856 ~~يخبر عن الصانع إنما كفرهم كان لوصفهم الله تعالى بما لا يليق به من الولد ~~والشريك وكان كفر بإنكارهم البعث بعد الموت للجزاء وكلامنا فى نفس الجاهل ~~للصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من استخفافه بالحجة بعدما لاحت له بلا ~~تمثل فالبناء شاهد على البانى بلا تمثل فى العقول والاستخفاف بالحجة فوق ~~الغفلة عن سكر يقع بالخمر وأنه لم يعذر فهذا أولى بخلاف أول حالة العقل ~~لأنه لأول حالة لا يتنبه لما يتنبه له الكبير ألا بجهد وحرج كالنائم يتنبه ~~فلا يدرك لأول مرة ما يدركه بعد مدة فانتبه قام أن يعذره الله تعالى رحمة ~~ثم قدر مدة العذر ولا يعرف ذلك بالعقل # قال والدليل على أن التنبيه لا يقع لأول العقل قوله تعالى @QB@ أولم ~~نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر @QE@ ولم يذكر العقل وقال ( وجاءكم النذير ) ~~وقيل إنه السبب # وقال @QB@ أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض @QE@ ولم ~~يذكر الوحى بل عايبهم على ترك التفكر # وقال @QB@ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~@QE@ أخبره أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس لا يقع ~~إلا بالاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل PageV02P397 # قال وأما قوله تعالى @QB@ ألم يأتكم رسل منكم @QE@ وهو كلام توبيخ فيكون ~~بأظهر الأمور وأعلاها وأما قوله تعالى @QB@ لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل @QE@ أى حجة نفاذ ولا حجة تقبل وكذلك أخذ الله تعالى الميثاق ~~لقطع حجة نفاد وقوله تعالى @QB@ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم @QE@ أى لم ~~يهلكهم بظلمهم حتى أرسل الرسول وظهر تعنتهم ولو أهلك لكان عدلا ولكنا ~~أمهلنا إلى حين عذاب الآخرة أى أخرنا عنهم العذاب إلى بعثة الرسل تأكيدا ~~عليهم كما جعلناه بعد الحساب والشهود تأكيدا عليهم # ثم نذكر أقسام دلائل العقل الموجبة فقال منها ما يدرك بدلائل العقول كحدث ~~العالم ودلالة ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمل ونظر كدلالة العالم على صانع ~~هو الله تعالى ولهذا اختلف العقلاء ms857 فى ذلك لا لاختلافهم فى استعمال النظر ~~ولم يختلف فى حدث العالم المحسوس # ومنها ما لا يكون دلالة إلا بتجربة كمعرفة الأدوية والأغلبة ولكن إذا دق ~~المطلوب اختلف فيه الشبة # ومنها ما لا يكون دلالة إلا بمعرفة الحس كالنجوم على الطرق والجبال ~~والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء فى هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما ~~يدرك بالحواس # واعلم أننا بينا المذهب الصحيح من قبل وقد ذكرنا أن العقل لا يوجب بنصه ~~شيئا ولا يحرمه والذى ذكره فيه ضبط عظيم لأنه إذا اختار أن الله تعالى يعرف ~~بمجرد العقل فيكون قد ناقض وارتكب مالا تتجه صحته لأنه إذا عرف بمجرد العقل ~~وقد أعطاه العقل ولا يحتمل أن يكون واجبا على الخلق فوجب أن يجب عليه إذا ~~كان قد أصاب العقل الذى هو طريق معرفة الله تعالى ولأنه إذا حقق دلائل ~~العقول بنفسها فيجب شكر المنعم والنظر المؤدى إلى معرفة الله تعالى على ما ~~قاله أهل الكلام وقد مهدوا لهذا قواعد لا بد لمن عرف بها أن يحكم بأن العقل ~~بنفسه يوجب ولم أحب ذكر ذلك ولأنه ليس مما يتصل بهذا الكتاب والقول بين ~~القولين إنما يستحب اختياره وسلوك طريق بين الغالى والمقصر إنما يكون أولى ~~إذا أمكن تمشيته فأما إذا لم يمكن تمشيته فلا وعلى أنه قد ذكر أن الموجب ~~للإيمان ليس هو الله تعالى إنما الموجب للإيمان PageV02P398 هو الدلالات ~~التى نصبها فى العالم من رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال وخلق المنيرين ~~والكواكب وغيرها وقد ذكرنا فساد هذه المقالة بل الصحيح والذى يليق بحكمة ~~البارى تعالى ولطفه بخلقه أنه لا يجب الإيمان إلا بعد بعث الرسل وختم الأمر ~~بالوحى الصادق إلى ما نصب من الدلائل الدالة عليه ثم بوجود معونته عليه ~~وتوفيقه له فإن معرفة الله تعالى بصفاته التى هو عليها من أشق المعارف ~~وأعسرها ولهذا ارتبك فيها أكثر الناظرين وتحيروا والتبس عليهم هذا الأمر ~~بحقيقته وأيضا فإن عقلهم مشوب بالهوى وتنبههم غير تام لاستيلاء الغفلة ~~عليهم وفجورهم راجح على تقوتهم فيكون ms858 نظرهم بهذه الأسباب مدخولا وفكرهم ~~وارتيابهم معلولا ولهذا لم يخل العبد وعقولهم ولهذا لم يوجد أحد يهتدى إلى ~~الحق على ما هو به بمجرد عقله وظهر لنا أن الحكمة الشرعية مقتضية على ما ~~مهده واستنه ووضعه وهو إعطاء العقل آلة الإدراك ونزول الوحى الصادق بالأمر ~~الصادق والتكليف ثم المعونة من الله تعالى من غير أن يخليه وأمره ويغنيه عن ~~نفسه فإن أغناه عن نفسه فيما كلفه وأمره ويخليه ومحض معقوله لهلك بل هو ~~مخالف بما عرف من تفضل الخالق مع خلقه وجوده وكرمه معهم ونظره لهم وهو الذى ~~قلناه أيضا لا يعرف بمجرد العقل بلا لا يبصر إلا من أيده الله إليه بنوره ~~ورفع بيده من ارتكابه فى الظلمات ونجاه من المهاوى والمهالك التى هى ويسأل ~~الله مما لا وجود له إلا به ولا وصول إليه إلا بمعونته ومنه # ثم ذكر فصلا فى موجبات العقل دينا وقال يعنى بالوجوب الوجوب فى الذمة حقا ~~لله تعالى لوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى وذكر أن ~~هذه الواجبات أربعة معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله تعالى بالإلهية ~~ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى للجزاء الوفاق ~~ومعرفة الدنيا وما فيها بالعبيد المبتلين بضرب يقع يعود إليهم فيها وذكر فى ~~هذا قصة طويلة وكلاما كثيرا فلم أر فى ذكرها كبير فائدة فيما يرجع إلى أصول ~~الفقة ثم ذكر محرمات العقل وجعلها أربعة أيضا الجهل والظلمة والعته والسفه ~~وزعم أن الجهل إنما يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه ~~العقل إلا ليقف به على مصالح لا تنال غايتها بالحواس وبه غلب على ما فى ~~البر والبحر واستسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فيحرم بالعقل ما يفوت به ~~أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذى فيه حياته وكما يحرم بالعقل ترك ~~البصر PageV02P399 بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم إطفاء ~~السراج مع إرادته سلوك طريق لا يهتدى إليه بالسراج وإذا حرم الجهل حرمة ~~الظلم لأن حقيقة الظلم ms859 وضع الشئ فى غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى ~~بنور عقله ويكون الأول تركا للرؤية كالذى لم يفتح عينيه حتى وقع فى بئر ~~فيقبح منه ذلك والذى فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصدا كان الفعل منه ~~أقبح ومثاله من باب الشرع من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان ~~قبيحا والذى تامل وعرف ورد تعنتا كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون وقارون حيث ~~جحدوا بعدما اشتدت منة أنفسهم وأما العبث فيحرم أيضا لأنه اسم لفعل يخلو عن ~~الفائدة لأن نفس الفعل وإن قل ففيه أدنى مشقة فلا يحتمل عقلا إلا لفائدة ~~أولى # ومنها السفه لما أوجب مضرة كان أقبح من الأول لوجوب معنى الأول فيه من ~~فوت الفائدة وزيادة من ضرر فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ثم ذكروا ~~أربعة أخرى تحرم بالعقل وقال هى الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا ~~واقتضاء الشهوات فيه والإنكار بالصانع والإنكار بالعبث للجزاء # وذكر أن الطاغوت كل ما عبد من دون الله وأورد فى هذا فصلا بعباراته ونحن ~~نقول إن الفعل بمجرده لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا يفصل فيها تفصيلا ~~بوجه ما والأصل أن كل ما ينال بفعله أو كل ما ينال بالانتهاء عنه السعادة ~~الأبدية # قلنا لايثبت سببا من الأمر به أو النهى عنه إلى مجرد العقل لما ذكرنا فلا ~~نعيد # ثم ذكر فصلا فى مباحات العقول وهذا قد سبق الكلام فيه وهى المسألة ~~المعروفة أن الأشياء أصلها على الحظر والإباحة أو على التوقف عن غير اعتقاد ~~حظر ولا إباحة وهذه المسألة سبقت بجوانبها وحواشيها فلا نعيد ثم ذكر فى ~~آخره فصلا فى أحوال قلب الآدمى قبل العلم وأحواله بعد العلم # قال يولد الإنسان وهو بصير كالمجنون فى عدم العقل ليس معه قدرة التمييز ~~الذى بها خواطب الإنسان بهذه العلوم وضده العاقل لا العالم ثم يصير غافلا ~~عن نور فى الصدر يبصر به القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر الحجج كما ~~أن العيين إنما تبصر مع ms860 نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا عقل قادرا ~~على البصر لكنه على جهل ما لم يبصر وضد الجهل العلم ثم ينظر نظرا ضعيفا ~~فيصير شاكا والميل والشك PageV02P400 ضد اليقين وذلك كالشئ يبدو للعين إذا ~~نظر إليه بدرا غير قوى فلا يميز الناظر إليه بين حقيقة وجود الشئ وبين خيال ~~يميل العين ثم يبصر بعد ذلك نظرا فوق ذلك غير تام فيصير ظانا والظن فى ~~اعتقاد العلم أحد وجهى الشك برجحانه على الآخر بهوى لا بدليل هو دليل على ~~الحقيقة وضد الظن الحق على ما قال الله تعالى @QB@ وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا @QE@ ثم إذا صار النظر على وجهه وميز بين الدليل وما ليس بدليل ~~وطلب الرجحان لأحد وجهى الشك بالحجة ورجح ومال القلب إليه من غير تعلم فذلك ~~مبدأ العلم فغالب الرأى والعلم الذى يقع بالمقاييس والاجتهادات التى تحتمل ~~الخطأ وأخبار الآحاد ونحوها من الأدلة المجوزة وهذا يسمى علما لكنه على ~~المجاز لقيام شبهة الخطأ واحتماله مع هذا الدليل واسمه على الخصوص من الحق ~~لأنه ثبت عن دليل وضده الظن وإذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس ثم إذا جد ~~فى النظر وقعت الإصابة وزالت الشبهة من كل وجه صار عالما فصار حكم العلم ~~رؤية للقلب المنظر فيه كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة ~~كالرؤية للعين وقد تستبعد الرؤية عن العين للقلب كالرؤية إنما تكون بتبدى ~~المنظور إليه وكذلك العلم يتبدى المنظور فيه للقلب # قالوا واللاعتقاد صفة زائدة للقلب بعد العلم يعلم ثم يعتقد الإنسان بقلبه ~~على ما رأى # قال وقد كان إبليس عالما بالله ولم يكن معتقدا والاعتقاد بالقلب كالطاعة ~~للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم حمل بها فيكون الإعتقاد تصديقا بقلبه على ما ~~علم وإن ترك الإعتقاد كان تكذيبا لقلبه # قال ثم العلم الأول ما يقع للقلب يكون رؤية بالقلب فإذا دامت الرؤية وزال ~~الاضطراب صار العلم معرفة كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبت بينهم ~~المعرفة وإن كان قد ثبت العلم باول ms861 رؤية ولهذا يقال للبهائم عرفت كذا ولا ~~يقال علمت كذا لأنها لا تعرف شيئا إلا بالعيان الذى يزيل كل اضطراب والعلم ~~ما يكون بنظر القلب والاستدلال الذى هو دون العيان حتى إذا زال الاضطراب ~~بدوام الصحبة قبل المعرفة وضد المعرفة نكرة وضد العلم الجهل ويقال علمت ~~فلانا ولكنه ليس من معارفى إذا لم يكن بينهما صحبة فعلمنا أن المعرفة فوق ~~العلم بزيادة صفة PageV02P401 للصحبة للقلب لا زيادة درجة الثبوت فإنهما ~~سببان فى اليقين ثم العلم بعدما يصير معرفة يتنوع إلى ضربين علم الظاهر دون ~~المعنى والباطن الذى فيه الحكمة وعند تأيد القلب به يصير معقولا له ويجرى ~~مجرى الطبيعة فمتى نظر بدلالة عقلية وقف على الباطن وتأيد القلب به بعد ما ~~اطمأنت إليه فقهاء والفقه على ضربين ضرب علم أصيب باستنباط المعنى وضد ~~الفقيه صاحب الظاهر وهو الذى يعمل بظاهر النصوص من غير تأمل فى معانيها ولا ~~يرى القياس حجة ولو كان العلم والفقه سواء لكان ضد الفقيه هو الجاهل لا ~~عالم يعلم نوعا من العلم فإلى هذا تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى ~~بغالب أنه من غير يقين فيميل إليه ثم تزول الشبهة فيصير علما حقيقة ثم ينزل ~~علمه فيصير معرفة ثم ينظر فى معناه وحكمته فيقف عليها فيصير فقها وقد فسر ~~عبد الله بن عباس الحكمة بالفقه فى جميع القرآن ولهذا نص بهذا الاسم ~~العلماء الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون إلا بالوقوف على المعانى ~~الباطنة غير أن الله تعالى يوصف بالعلم ولا يوصف بالمعرفة والفقه # لأن العلم يبتدى المعلوم للعالم على حقيقته والله تعالى لا يخفى عليه شئ ~~فكان عالما والفقه والمعرفة اسمان إلى العلم على ما مر ذلك وليس لله تعالى ~~أحوال فى صفاته وأسمائه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا علم لنا إلا عن ~~دليل والدليل قد يكون حسيا وقد يكون عقليا فالحسيات تشارك البهائم الأدميين ~~فى المعرفة الواقعة بها فإنها تعرف أولادها وأحبائها ومراحها ومسرحها لأن ~~لها حواس كما ms862 فى الآدميين إنما يفارق الآدمى غيره فيما لا يعرف إلا بدلائل ~~العقل إلى آخر ما ذكره # وهذه الكلمات لا بأس بها وقد تمهدت لنا أصول وقواعد فى الديانات بفروعها ~~فما استقام عليها قبلناها وما لا يستقيم عليها رددناها والله الموفق للأرشد ~~والأصوب # وذكر بعضهم فصلا فى تباين ما خص الله تعالى الآدمى بها # قال ومنها الذمة اختص بها الآدمى من بين سائر الحيوانات وسميت رقبة ~~الآدمى الحر ذمة وإنما سميت رقبته ذمة لأن الذمة عبارة عن العهد والحرية ~~ولهذا سمى الكافر المعاهد ذميا لأنه ذو عهد وحرمة والله تعالى جعل الآدمى ~~ذا حرمة عظيمة وشرفه على سائر الحيوانات ولما صارت رقبة الآدمى الحر محترمة ~~كانت محلا لوجوب الحقوق له PageV02P402 وعليه من الحقوق فيقال وجبت الحقوق ~~فى ذمته وذكروا على هذا فى مسألة الميت المفلس وعندى أن هذه القاعدة ليست ~~بشئ والرقبة لا تكون ذمة وإنما الذمة عبارة عن محل الوجوب فحسب وقد جعل ~~الله تعالى الآدمى بمحل أن يجب له وعليه ثم عبر عن محل الوجوب بالذمة ولا ~~يمكن أن يعبر بأكثر من هذا ومما وراء هذا القدر كله فضول من الكلام # قال ومنها الملك اختص الآدمى بملك الأموال وبملك النكاح من بين سائر ~~الحيوانات فإنه ليس بشئ من الحيوانات يملك سوى الآدمى وهو نوع شرف للآدمى ~~حتى التحق بسبب تلك الحرمة بالأحرار والملوك فى الآخرة وإن كان عبدا خلقه ~~والملك عبارة عن قدرة حكمية # يقال ملك فلان أكل الطعام وملك الشئ إذا قدر عليه وهذه القدرة الحكمية هي ~~القدرة على التصرفات المشروعة المباحة والملك صفة الملك على الحقيقة وقد ~~يوصف به المملوك أيضا يقال لفلان ملك فى هذه العين وإنما وصف المملوك به ~~لأن الملك ثبت للمالك لمعنى فى المملوك وهو المالية فاتصف المملوك به لكونه ~~سببا # ومنها الولاية وهى عبارة عن القدرة الحكمية وهى القدرة على التصرفات وهى ~~قدرته على أداء الشهادات وتعبد الأحكام وفعل العقود فمتى كان الإنسان أهل ~~الولاية على غيره بالأسباب التى جعلها الشرع أسبابا ms863 وتلك الأسباب السلطنة ~~والقرابة وغير ذلك والولاية حق المولى لأن المولى عليه هو المتنفع بها # ومنها فإن الآدمى يدا حكمية كما له يد محسوسة وهى عبارة عن القدرة على ~~الحفظ يقال هذا الشئ فى يد فلان أى هو القادر على حفظه # قال ومنها ملك اليد وهى عبارة عن ثبوت ولاية الحفظ فللمرتهن ملك اليد ~~وكذلك المودع لأن لكل واحد منهما ولاية الحفظ # قال العبد أليس له ملك يمين وله ملك نكاح وهذا التفريق بالشرع لأن ملك ~~اليمين يثبت للحاجة ولا حاجة للعبد إلى إثبات الملك له فلا يثبت وله حاجة ~~إلى إثبات ملك النكاح فثبت وهو أيضا قدرة شرعية مخصوصة تثبت بسبب مخصوص # قالوا وأما الرق عبارة عن الضعف الحكمى الذى به يصير الآدمى محلا للتملك ~~وما هو بعقوبة لكنه سبب يحمل الكافر على الإسلام لأن حرمان القوة الحقيقة ~~لا تثبت عقوبة وكذلك حرمان القوة الحكمية لا تكون عقوبة # ولهذا نقول إن الرق لا يدخل PageV02P403 تحت الملك لأن الضعف الحقيقى لا ~~يتصور دخوله تحت الملك كذلك الضعف الحكمى ولهذا يجوز استرقاق الصبى ~~والمجنون وهما لا يعاقبان فى الدنيا # وقول من قال إنهما يسترقان ليس بصحيح لأن الاتباع فى العقوبة غير مشروع ~~فلا يمكن أن يقال إنهما يعاقبان به # قال وأما الكافر فله ملك يمين وملك نكاح وله جميع الولايات فى حق الكفار ~~لمساس الحاجة إليها وهو مرقوق مال فإنه غرضه التمليك بالأسباب كالصيود ~~والجمادات # وأما المالية فهى غير الملك والرق وهى عبارة عن منافع ذات غير العين وكل ~~عين ينفع به غير الآدمى الحر فهو مال لأن الله تعالى جعل الآدمى مالك ~~الأموال يستحيل أن يكون مالا ولهذه الأشياء التى لا يمكن الانتفاع بها ~~بنفسها وهو مما لا يضمن بها كحبة حنطة وشعير وكسرة خبز وقطرة ماء # قال وأما الأشياء التى حرمها الشرع ومنع الناس من الانتفاع بها إن كان ~~شيئا يرغب الناس فى إمساكه للانتفاع به فى حالة يباح الانتفاع يكون مالا ~~كالخمور وجلود الميتات فإن الناس يضنون بها ms864 لينتفعوا بها فى ثانى الحال ~~فيكون مالا لأن المال ما يميل طباع الناس إليه ولهذه سمى مالا وطباع الناس ~~تميل إلى هذه الأشياء لمنافع تظهر لها فى ثانى الحال فيكون مالا مثل ~~الأطفال والجحوش للحمر والمهر للأفراس وأما الميتات والعذرات وما لا يقصد ~~الناس إلى إمساكه فليس بمال وأما الحر فهو مال فى حق الكفار وأما فى حق ~~المسلمين يجب أن لا يكون مالا وأما الصيود فى البرارى فهى مال وهذه كلمات ~~تكلمنا عليها فى الخلافيات # وعندنا الرق والمالية بمعنى واحد إلا أن المالية والملك فى الآدمى يسمى ~~رقا ولأن الرق يدخل تحت الاستحقاق ويدخل تحت الإثبات عن الآدمى ويدخل تحت ~~الإسقاط بالعتق فيكون حقا ثابتا لبنى آدم مثل سائر الحقوق والباقى قد ~~تكلمنا عليه # ثم ذكر فصلا فى انعقاد العقود الشرعية وحكى عن بعضهم أن الانعقاد هو أن ~~يأتى أحد العاقدين بكلام وهو كلام البائع بكلام المشترى فى الشراء وسائر ~~العقود من حيث الشرع PageV02P404 # وقال بعضهم انعقاد العقد هو اعتبار الكلام من حيث الشرع فى الحكم الموضوع ~~للعقد شرعا وبنى على هذا مسألة توقف العقد الانعقاد موجود فى حق المتعاقدين ~~ثم ذكر فصلا فى بقاء العقد وقال زعم بعضهم أن العقد يبقى بعد الفراغ # وقال بعضهم لا يبقى واحتج من قال لا يبقى بأنه كلام مضى وانقضى لا يتصور ~~بقاؤه والأصل أن ما لا يبقى حقيقة لا يبقى بدليل قاطع والأصح أنه يبقى ~~لحاجة الإنسان إلى بقائه وأعرض على هذا وقال لا حاجة بالناس إلى بقاء العقد ~~لأن الحكم لا يبقى بلا بقاء السبب لأن ما وجد يبقى إلى أن يوجد ما يقطعه # ويجاب عن هذا فيقال فى البقاء حاجة لأن الحاجة تقع إلى فسخ العقد كما تقع ~~إلى نفس فعله وفسخ الحكم لا يمكن إلا بعد فسخ العقد لأن الحكم غير منعقد ~~حتى يمكن فسخه وتقضه فأما الحكم فيثبت شرعا فكيف يتصور نقضهما له ولأن ~~العاقدين ينصان على فسخ العقد لا على فسخ حكمه ولذلك القاضى يفسخ عقودا ms865 ~~كثيرة بأسباب شرعية وما لا يتحقق بقاؤه لا يتصور فسخه ولأن التولية صحيحة ~~من العاقد وما لم يبق العقد لا يصح التولية # قال والحكم يبقى العقد ببقاء المحل # والأصل أن ما ثبت فى المحل يبقى ببقاء المحل ولهذا نقول إن الزيادة فى ~~الثمن والمثمن فى حال قيام المعقود عليه يكون جائزا لقيام المحل حتى إذا ~~هلك المحل ارتفع العقد لأنه لا يتصور بقاء العقد من غير محل يتعلق به # قال ويبتنى على هذا جواز تغيير العقد من وصف إلى وصف لبقائه وذلك فى ~~مسألة زيادة الثمن وذكر اختلافهم فى توريث العقد فزعم بعضهم أنه يورث العقد ~~لبقائه حكما وتعلقه بالمحل # وزعم بعضهم أنه لا يورث لأنه كلام قائم بالمتكلم فلا يورثه وذكر مسألة ~~خيار الشرط أنه هل يورث أو لا واستدل فى أنه لا يورث بأن الإرث إنما يكون ~~فيما يبقى بعد الموت ومن له الخيار يعجز عن التصرف بحكم الخيار فى آخر جزء ~~من أجزاء حياته فيبطل خياره ويبرم العقد لأن الأصل أن من له الخيار متى عجز ~~عن التصرف بحكم PageV02P405 خياره يبطل خياره ويبرم العقد ولأن الخيار ليس ~~إلا تخيره فى إثبات حكم العقد فى مدة الخيار وتخيره قائم به وما يقوم ~~بالمورث لا يورث ونحن نقول إن العقد قائم والفسخ يتناوله والإرث ثابت فيه ~~وثابت فى الخيار المتعلق به وقد تكلمنا فى هذا بما فيه الغنية ثم ذكر فصلا ~~فى الانفساخ العقود الشرعية # قال والانفساخ ضد الانعقاد فعند بعضهم يكون الانفساخ انفساخ الكلامين # وعند بعضهم يكون الانفساخ هو خروج الكلام من كونه معتبرا فى حق الحكم ~~المشروع له قال ومن العقود ما يقبل الفسخ بالإجماع كالبيع والهبة والإجارة ~~والصرف والسلم والرهن والوديعة والعارية ومنها ما لا يقبل الفسخ وهو الطلاق ~~والعتقا والخلع والصلح عن دم العمد فإن العقد لا يبقى فى هذه المواضع بعد ~~وجوده ثم الذى يقوم به عقد الطلاق وهو ملك النكاح وحل المحلية فإن الطلاق ~~يسقط وملك النكاح وحل المحلية النكاح وحل المحلية لا ms866 يبقى بعد السقوط ~~والمعقود عليه الذى يقوم به عقد العتاق وهو ملك المال وذلك باطل والباطل ~~غير باق وكذلك المنتهى غير موجود بعد الانتهاء والمعقود عليه فى الخلع أيضا ~~ما هو المعقود عليه فى الطلاق والمعقود عليه الذى يقوم به الصلح عن دم ~~العمد هو ملك القصاص وذلك يسقط ولا يبقى فيما لم يبق المعقود عليه فى هذه ~~المواضع لم يبق وإذا لم يبق العقد لم يمكن فسخه وأما النكاح قال عندنا لا ~~يقبل الفسخ وعند الشافعى رضى الله عنه يقبل لأن العقد قائم لقيام المعقود ~~عليه وهو منافع البضع فيقبل الفسخ كالإجارة # قال وأما عندنا لا يقبل الفسخ لأن عقد النكاح إنما انعقد باعتبار الحاجة ~~مع وجود ما ينافى العقد وهو الحرمة لأن الحرمة تنافى انعقاد سبب الملك ~~وتنافى الأملاك فيكون النكاح منعقدا فيما فيه حاجة ولا يكون منعقدا فيما لا ~~حاجة فيه ولا حاجة إلى الانعقاد فى حق الفسخ PageV02P406 # قال وفى الأمة إذا أعتقت يثبت الخيار ولا يكون ذلك فسخا بل العقد غير ~~منعقد فى نصف الملك فقد كان العقد منعقدا فى نصف الحل ولم يكن منعقدا فى ~~النصف فلا ينعقد فى هذا النصف إلا برضاها # وقال فى حق الصغير والصغيرة إذا بلغا ذلك العقد غير منعقد فى حق صفة ~~الملك وهو صفة التمام واللزوم وكانت ولاية هؤلاء ناقصة غير تامة وكان العقد ~~كذلك فعند البلوغ برضاهما ينعقد فى حق الوصف فكان لهما أن لا يرضيا ~~بالانعقاد فى حق الوصف ولا يبطل فى الأصل لعدم الانعقاد فى حق الوصف لأنه ~~لو بطل فى حق الأصل لصار تبعا للوصف فى البطلان وهذا لا يجوز # ثم ذكر أن العقد ينفسخ تارة ويرتفع تارة وينتهى أخرى # قال وهى ثلاثة أشياء انفساخ وارتفاع وانتهاء # وكل واحد غير صاحبه فالانفساخ والانتفاض نظيران والإرتفاع والفوات نظيران ~~والإجارة تمضى مدتها تنتهى وكذلك النكاح بموت أحد الزوجين أو بموتهما ينتهى ~~وكذلك البيع بهلاك المعقود عليه بعد القبض ينتهى والبيع إذا انتهى بالموت ~~أو النكاح انتهى بالموت ms867 لا يبقى كما النمو إذا انتهى ببلوغه غايته لا يبقى ~~النمو # قال وأما إقالة البيع فهى فسخ فى حق العاقدين مع جديد فى حق غيرهما وكذلك ~~الرد بالعيب بعد القبض بالتراضي # وأما الرد بالعيب قبل قبض المبيع فهو فسخ فى حق كافة الناس وكذلك إذا قضى ~~القاضى بالرد بالعيب فهو فسخ على العموم سواء كان قبل القبض أو بعد القبض ~~وهذا كله مذهبه # فأما عندنا فالإقالة فسخ فى حق الناس كافة وذلك لأن العاقدين بالإقالة ~~يعضدان فسخ العقد وفسخ العقد مملوك لهما فثبت الفسخ فى حق الناس كافة كما ~~إذا كان قبل القبض أو كان الفسخ بقضاء القاضى PageV02P407 والدليل على أن ~~الفسخ مملوك لهما ثبوت الفسخ فى حقهما وقد ذكر هذا الرجل كلام أصحابه فى أن ~~الإقالة فسخ على أنفسهما ولا ولاية لهما على غيرهما وقد وجد تناقل الملك ~~بالتراضى وكان وأما قبل القبض فلا يمكن بجعله بيعا جديدا فلا بد أن يكون ~~فسخا فى حق الناس لأن له ولاية على الناس كافة فلا يمكن أن يجعل فسخا فى حق # وأما عندنا فنقول يعتبر قصد المتعاقدين فماذا وإذا قصد الفسخ يكون فسخا ~~فصل صحيح يشهد له كل الأصول فإن العقود والفسوخ مرتبة على والفاسخين وأما ~~التفريق بين المتعاقدين وغير المتعاقدين شئ عجب لا يعرف لذلك معنى بحال # وأما الذى قال أن لهما ولاية على أنفسهما # قلنا إن حكم العقود والفسوخ راجعة إلى المتعاقدين وإن رجع إلى غير ~~المتعاقدين فذلك يكون على النادر وإذا كان المعقود فسخا فى حق المتعاقدين ~~فلا بد أن يكون فسخا فى حق غيرهما # وحين انتهينا إلى هذا الموضع تم المقصود فى هذا الفصل الذى أوردنا فيه ~~كلام الخصوم فى المسائل التى أشرنا إليها وتكلمنا عليها بما سنح له الوقت ~~وجاد به الخاطر وتمام ذلك فى خلافيات الفروع وقد ذكرنا أكثر ذلك فى المصنف ~~الذى صنفناه فيه فمن أراد أكثر مما قلنا فليرجع إليه فيه والله تعالى ~~المعين على ذلك والمرشد إلى الصواب والحق وهو خير معين ms868 PageV02P408 # وتم الكتاب المبارك بحمد الله تعالى ومنه وصلواته على محمد خير خلقه وأله ~~وصحبه أجمعين على يد أضعف العباد وأحوجهم أحمد بن عبد الله المصرى تعليقا ~~بحسب الطاقة بتاريخ خامس عشر ذى الحجة الحرام من شهور سنة خمس عشر وثمان ~~مائة أحسن الله عاقبتها وغفر للكاتب وللقارئ وللمجتهد ولجميع المسلمين ~~أجمعين آمين PageV02P409 ms869