######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012049 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 489 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواطع الأدلة في الأصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012049 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12049 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12049 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1418هـ/1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | المجلد الأول ### | مقدمة المؤلف # ... # قال الشيخ. # بسم الله الرحمن الرحيم1. # وهو حسبي وكفى رب يسر ولا تعسر. # الحمد لولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خليقته محمد وآله. # أما بعد2 فإني رأيت الفقه أصل العلوم وأشرفها قال الله تعالى: {فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ~~لعلهم يحذرون} [التوبة: 122] أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وجعله فرضا ~~على فرق الناس قاطبة ليقوم طائفة من كل فرقة به وينتصبوا في قومهم منصب ~~الانبياء في اممهم منذرين ومحذرين دعاة إلى الله تعالى قائمين بدينه ياتين ~~سبيله موضحين للخلق نهجه فصار الفقهاء خلفاء الرسل انذارا وتحذيرا وارثى ~~علومهم قياما به وحملا سالكى طريقتهم بثا ونشرا وهذه مرتبة لا توجد لفرقة ~~من الفرق وناهيك بها من مرتبة ولأن علم الفقه علم على منهج الازدياد لأنه ~~العلم بأحكام الحوادث ولا حصر ولا حد للحوادث ولا حصر ولا حد للعلم ~~بأحكامها ومواجبها وعلم الأصول في الديانات وأن كان علما شريفا في نفسه وهو ~~أصل الأصول وقاعدة كل العلوم ولكنه علم محصور مبناه لأنه معارف محصورة أمر ~~الله تبارك وتعالى بها لا مزيد فيها ولا نقصان منها وأما علم الفقه فعلم. ~~PageV01P017 # مستمر على ممر الدهور وعلى تقلب الاحوال والاطوار بالخلق لا انقضاء ~~وانقطاع له وقد جعل الله تعالى اجتهاد الفقهاء في الحوادث في مدرج الوحى في ~~زمان الرسل صلوات الله عليهم فقد كان الوحى هو المطلوب فى زمان الرسل عليهم ~~السلام كشان أحكام الحوادث وحمل للخلق عليها فحين انقطع الوحى وانقضى زمانه ~~وضع الله تبارك وتعالى الاجتهاد من الفقهاء فى موضع الوحى ليصدر منه بيان ~~أحكام الله تعالى ويحمل الخلق عليها قبولا وعملا ولا مزيد على هذه المنقبة ~~لا متجاوز عن هذه المرتبة: # شاء وزاد الله جنته سؤددا ... وذلك مجد يملأ الحجر واليدا # نعم وما يشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر في بحر فطنته ~~استخرج درا وغيره يستخرج بالخراز وطالب الزيادة في منهج الزيادة ms001 معان منصور ~~مطالب الزيادة على مالايزيد عليه مبعد مخذول والله تعالى يفتح عين بصيرة من ~~احب عباده بطوله وفضله ويعمى عين من يشاء بقهره وعدله وقد سبقت منى مصنفات ~~في مسائل الخلاف التي هي بيننا وبين اصحاب الراي نبهت فيها على معاني الفقه ~~واستخرجت لطالبيها قلائد1 وقرائد2 طالما كانوا في طلبها فاعتاصت عليهم إلى ~~أن يسر الله ذلك وتمهدت له قواعدها وطابت لهم مشارعها ونسقت معاني الفقه ~~نسوقا وتعرقت عروقا اظن أن لامزيد عليها ولامحيد للمحققين عنها وقد كان ~~جماعة من اصحابي احسن الله تعالى لهم التولي والحياطة يطلبون مجموعا في ~~أصول الفقه يستحكم لهم بها معانيه ويقوى افرعها ويجتمع اشدها وينسق فروعها ~~ويرسخ أصولها فإن من لم يعرف أصول معاني الفقه لم ينج من مواقع التقليد وعد ~~من جملة العوام وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب ~~وتصانيف غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم ~~يداخل حقيقة الأصول على مايوافق معاني الفقه وقد رايت بعضهم قد اوغل وحلل ~~وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل3 وسلك طريق ~~المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا. PageV01P018 # قبيل لهم فيه ولا وفير ولا نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ~~ثوبى زور وعادة السوء قطاع لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد واصابة الصواب ~~فاستخرت الله تعالى عند ذلك وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه اسلك فيه ~~طريقة الفقهاء من غير زيغ عنه ولا حيد ولاميل ولا أرضى بظاهر من الكلام ~~ومتكلف من العبارة معول على السامعين ويسبى قلوب الأعتام الجاهلين لكن اقصد ~~لباب اللب وصفو الفطنة وزيدة الفهم وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة ~~وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد ~~الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه ~~الاشكال بعون الله تعالى وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين ~~الفريقين إلى بعض ms002 المسائل التي تتفرع لتكون عونا للناظر وحين أصل إلى باب ~~القياس وما يتشعب منه من وجوه الكلام ومأخذ الحجة وطريقة الأسئلة والأجوبة ~~ووجوه الأعتراض والأخذ الخصوم وتوقيف المجادلين على سواء الصراط وطلب ~~ملازمة حدود النظر وسلوك الجدد وترك الحيد ومجانبة الزيغ والأخذ والمبين ~~المحكم من مخاييل الظنيات وما تعلق به الاصحاب بمحض الاشتباه في كثير من ~~المسائل ووجه صحة ذلك وفساده فسأشرح عند ذلك وأبسط زيادة بسط وشرح على حسب ~~ما يسمح به الخاطر ويجود به الوقت والله المعين على ذلك والميسر له بمنه. # PageV01P019 ### | القول في مقدمات أصول الفقه # اعلم أن أول ما نبدأ في هذا الفصل هو معرفة الفقه وأصوله ثم نبنى عليه ما ~~يتشعب منه فنقول. # الفقه في اللغة من قولهم فقهت الشيء إذا ادركته وادراكك علم الشيء فقه1. # قال أبو الحسن بن فارس وقيل هو في اللغة المعرفة بقصد المتكلم يقول ~~القائل فقهت كلامك أي عرفت قصدك به2. # وأما في عرف الفقهاء فهو العلم بأحكام الشريعة. # وقيل جملة من العلوم بأحكام شرعية. # فإن قال قائل أن في الفقه ظنيات كثيرة فكيف يسمى علما قلنا ما كان فيه من ~~الظنيات فهى مستندة إلى العلميات ولأن الظن منى يسمى علما لأنه يؤدي إليه ~~قال الله تعالى: {يظنون أنهم ملاقو ربهم} أي يعلمون. # وقيل أن الفقه هو أستنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا ~~أستنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الأستدلال قال الله تعالى: {فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم. PageV01P020 # طائفة} الآية والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء ~~بغيره حديث زياد بن لبيد قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال ~~ذلك أوان ذهاب العلم قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه ~~ابنائنا فقال: "ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من ~~افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والأنجيل ولا ~~يعلمون بشىء مما فيهما" 1 فدل قوله: "أن كنت اعدك من فقهاء المدينة" على ms003 ~~أنه لما لم يستنبط علم ما اشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما ~~شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والأنجيل عندهم ~~حرج عن الفقه فهذا يدل على ماذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من ~~الواضح وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "رب حامل فقه غير فقيه" 2 أي غير ~~مستنبط ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له أستدلال ولا أستنباط ~~فيها. # "وأما أصول الفقه" فهي من حيث اللغة ما يتفرع عليه الفقه3 وعند الفقهاء ~~هي طريق الفقه التي يؤدى الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية4 وهي ~~تنقسم إلى قسمين إلى دلالة وإمارة فالدلالة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى ~~العلم5 والإمارة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن6 ويقال في حد إلا ~~صل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره. # وقيل الأصل مايقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه والعبارتان مدخولتان لأن ~~من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه ~~بحال مثل. PageV01P021 # ماورد به الشرع من دية الجنين والقسامة وتحمل العقل فهذه أصول ليست لها ~~فروع فالأولى أن يقال أن الأصل كل ما يثبت دليلا في ايجاد حكم من أحكام ~~الدين وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا أو لم بجلبه ثم اختلفوا في عدد ~~الأصول قال عامة الفقهاء الأصول أربعة الكتاب والسنة واجماع الأمة والعبرة ~~واختصر بعضهم فقال دلائل الشرع قسمان أصل ومعقول الأصل فالأصل الكتاب ~~والسنة والأجماع ومعقول الأصل هو القياس وأشار الشافعي رحمه الله أن جماع ~~الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والأجماع داخل تحت النص والمعنى هو القياس ~~وقد ضم بعضهم العقل إلى هذه الأصول وجعله قسما خامسا. # وقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة ~~والأجماع والعبرة واللغة والصحيح أن الأصول أربعة على ما قدمنا وأما العقل ~~فليس بدليل يوجب شيئا وإنما يكون به درك الأمور فحسب أو هو آلة المعارف ms004 ~~وأما الحس فلا يكون دليلا بحال والأمر فيه بين لأن الحس يقع فيه درك ~~الأشياء الحاضرة فهي مالم يوجد كونا ولم يشاهد عينا فلا يكون للحس فيها ~~تأثير وأما اللغة فهي مدرجة اللسان وفطنة لمعاني الكلام وأكثر ما فيها أنها ~~عبارة عن الشيء باسمه تمييزا له عن غيره بوضعه ولاحظ لأمثال هذا في ايجاب ~~شيء واثبات حكم وإذا عرفنا الفقه وأصوله فلا بد من معرفة العلم لأنا بينا ~~أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فنقول العلم على ضربين ضروري ومكتسب ~~ونعنى به العلم الذي هو يحدث فأما العلم القديم الذي هو للباري عز اسمه فلا ~~نوصفه بواحد منهما فأما علم الاضرار فضربان: # أحدهما: ما كان مبدئا في النفوس كالعلم بأن المسمى لا يخلو من وجود أو ~~عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وأن من المستحيل اجتماع الضدين ~~وكون الجسم في محلين وزيادة الواحد على الأثنين وعلى هذا علم الأنسان ~~بأحوال من نفسه من صحة وسقم وقوة وضعف وشجاعة وجبن ونفور وميل وغير ذلك ~~وهذا النوع من العلم يدرك ببديهة العقل من غير أن يقوم له سبب. # والضرب الثاني: ما كان واقعا عن درك الحواس كالاشخاص المدركة بالبعد ~~والاصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم ~~والاجسام المدركة باللمس ويدخل في هذا الضرب العلم بالبلدان التي لم يحضرها ~~والوقائع التي لم يشهدها وكذلك العلم بورود الرسل صلوات الله عليهم ودعائهم ~~إلى الله عز وجل. # PageV01P022 # وتكذيبهم وتصديقهم وأمثال هذا تكثر وضربى هذا العلم مدرك بغير نظر ولا ~~استدلال وحده ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه بشك أو شبهة وأما العلم ~~المكتسب فهو الواقع عن نظر واستدلال وهو على ضربين مسموع ومعقول فالمسموع ~~ما أخذ عن توقيف صار به أصلا والمعقول ما أخذ عن اجتهاد صار به فرعا ~~واختلفوا في حد العلم فقال بعضهم تبين المعلوم أو معرفة المعلوم أو درك ~~المعلوم على ما هو به والأحسن هو اللفظ الأخير والذي قاله بعضهم أنه اثبات ~~الشيء على ms005 ما هو به فاسد لأن المعدوم معلوم وهذا الحد يقتضى أن يكون شيئا ~~وهو ليس بشيء عند أهل السنة والذي قاله بعضهم أنه اعتقاد الشيء على ما هو ~~عليه باطل لأن الله تعالى مما لم يعلم على مانطق به الكتاب والسنة ولا نطلق ~~عليه الاعتقاد بحال بل هو من صفات المخلوقين وإذا لم يكن الحد جامعا لم يكن ~~صحيحا وهذا الحد حد المعتزلة وهم ضلال في كل ما ينفردون به وأما من حيث ~~اللغة قال ابن فارس هو من قوله علمت الشيء وعلمت به وهو عرفانه على ما هو ~~به يقال علمته علما قال وقد يكون اشتقاقه من العلم والعلامة وذلك لأن ~~العلامة أمارة مما يميز بها الشيء عن غيره وكذلك العلم يميز به صاحبه عن ~~غيره وعلى هذا قوله تعالى: {وإنه لعلم للساعة} [الزخرف: 61] أي نزول عيسى ~~بن مريم به يعرف قرب الساعة وقراءة قوم: {وإنه لعلم للساعة} أي أمارة ~~ودلالة. # "وأما الجهل" فهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به ولابأس بلفظ الاعتقاد ~~في حد الجهل بخلاف العلم على ما سبق. # "وأما الشك" فهو الوقوف بين منزلتي الجهل والعلم وقيل تجويز أمرين لا ~~مزية لأحدهما على الآخر فإذا ظهرت المزية لأحدهما على الآخر فهو ظن ويقال ~~غلبه احد طرفي التجويز فإذا قوى سمى غالب الظن وقد ورد الظن بمعنى اليقين ~~وقد ورد بمعنى الشك بدليل قوله تعالى: {إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] أي ~~يشكون فاليقين منه ما كان له سبب دل عليه والشك منه ماخطر بالقلب من غير ~~سبب يدل عليه. # فإن قال قائل إنكم قلتم أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فما أحكام ~~الشريعة قلنا هي المنقسمة إلى كون الفعل واجبا ومندوبا إليه ومباحا ومحظورا ~~ومكروها وليست الأحكام هي الأفعال بل هي مضافة إلى الأفعال يقال أحكام ~~الأفعال والشيء لا يضاف إلى نفسه فالواجب مايثاب على فعله ويعاقب على تركه ~~وهو في اللغة من. # PageV01P023 # السقوط1 قال الله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36] أي سقطت فكأنه ~~الشيء الذي ms006 سقط على المخاطب به فلزمه وأثقله كما يسقط عليه الشيء فلا يمكن ~~دفعه عن نفسه والفرض مثل الواجب يقال فرضت عليك كذا أي اوجبته قال الله ~~تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} [البقرة: 197] أي أوجب على نفسه ومنه قيل لسهام ~~الميراث فريضة. # وأما الندب: فهو ما فيه ثناء على فعله ولا يعاقب على تركه وأصله في اللغة ~~هو المدعو له والمرغب فيه2 يقال ندبته لكذا فانتدب له والنفل قريب من الندب ~~إلا أنه دونه في المنزلة والنافلة من حيث اللغة الزيادة بعد الواجب وأصله ~~من النفل وهو العطاء ومنه قول لبيد أن تقوى ربنا خير نفل. # والجائز: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في في تركه وأصله من جزت المكان ~~إذا عبرته كأنه الشيء إذا وقع جاز ومضى ولم يحبسه مانع. # والحلال: هو الموسع في إثباته. # وأما المحظور: فهو ممنوع فعله وأصل الحظرا المنع ومنه الحظيرة التي تفعل ~~للدواب لجمعها ومنعها من التفرق وكذلك الحرام هو الممنوع من إتيانه ومنه ~~المحروم وهو الذي منع سعة الرزق ويقال الحرام والمحظور ما يعاقب على فعله. # والمكروه: ما تركه اولى من فعله. # والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويتحصل به المقصود. # والفاسد: مالا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود. # والصواب: [ما] 3 أصيب به المقصود بحكم الشرع. # والخطا: نقيض الصواب في اللغة معناه مخالفة القصد والعدول عنه إلى غيره. # والحق يستعمل على وجهين أحدهما بمعنى الصواب يقال حق عليك أن تفعل كذا أي ~~واجب والطاعة4 مأخوذة من الطوع والأنقياد ومعناها تلقى الأمر بالقبول ~~والمعصية ضد الطاعة. PageV01P024 # والحسن: كل فعل إذا فعله الفاعل لا يستحق الفاعل له ذما. # والقبح: كل فعل إذا فعله الفاعل استحق بفعله الذم. # واذا عرضنا انقسام أحكام الشرع فنقول العلم بأحكام الشريعة ضربان: # أحدهما: ما وجب فرض العلم به على الأعيان وهو ما لا يخلو مكلف من التزامه ~~والعمل به من أفعال وتروك كالصوم والصلاة ووجوب الزكاة والحج لمن يجد المال ~~وتحريم الزنا واباحة النكاح وتحريم الربا واباحة البيع وتحريم ms007 الخمر والقتل ~~والسرقة وكذلك كل ما يكثر مواقعته من المحظورات ويجب على كل مكلف أن يعلم ~~وجوبها عليه لاستدامة التزامها واختلفوا في عمله بوجوبها هل يجب أن يكون عن ~~علمه بأصولها ودلائلها فذهب بعضهم إلى وجوب علمها بأصولها ودلائلها فيكون ~~فرض العلم بأصولها على الأعيان كما كان فرض أحكامها على الأعيان وذهب بعضهم ~~إلى أن فرض العلم بأصولها ساقط عنهم لأن الواجب عليهم العمل وأما العلم ~~بالدلائل فيختص بها العلماء وهذا الوجه اوسع وأسهل وهو الأولى. # والضرب الثاني ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو ما عدا النوعين من ~~الأحكام التي تجوز أن يخلوالمكللف من التزامها ومعنى الفرض على الكفاية أنه ~~يجب أن ينتدب لعلمه قوم في كل عصر فيرجع من يلزمه في حكمه إلى من يعلمه ~~وإنما لم يجب على الأعيان لأن العلم بها لا يكون إلا مع الانقطاع إليها ~~فإذا أوجبنا على كل ذلك اختل أمر المصالح التي هي مصالح الدنيا لأنهم إذا ~~انقطعوا إلى العلم لم يتفرغوا للقيام بمصالح الدنيا فكان الواجب على ~~الكفاية ليقوم به قوم والباقون يقومون بمصالح الدنيا فتنتظم على هذا الوجه ~~مصالح الدين والدنيا جميعا ويجب أن يجتمع العلم بالأصول والأحكام في كل ~~واحد من أهل الكفاية ولا يختص بكفاية العلم بالأحكام فريق وبكفاية العلم ~~بالأصول فريق فإن تفرد بعلم الأحكام فريق وبعلم الأصول فريق لم تسقط بواحد ~~منهما فرض الكفاية في الأحكام والأصول لأن الأحكام فروع الأصول والأصول ~~موضوعة للفروع فلم يجز انفراد أحدهما عن الآخر. # وذهب من قال أن العالم يجوز له تقليد العالم إلى أنه لا يلزم الجمع ~~بينهما ووأنه إذا انفرد بكل واحد من الأمرين جعل كاجتماعهما في الواحد وسقط ~~بذلك فرض الكفاية واختلفوا بعد هذا في كيفية الوجوب في الواجب على الكفاية ~~فذهبت طائفة من الفقهاء والأشعرية من المتكلمين إلى أنه واجب على كل واحد ~~من أهل الفريضة بعينه. # PageV01P025 # بشرط أن لم يقم به غيره1. # وذهب طائفة من الفقهاء والمعتزلة من المتكلمين إلى أنه غير واجب على ms008 احد ~~بعينه إلا بشرط أن لا يقوم به غيره2 فيكون على الوجه الأول فرضا إلا أن ~~يقوم به الغير. PageV01P026 # فيسقط وعلى القول الثاني غير فرض إلا أن لا يقوم به الغير فيجب. # وذهب بعضهم إلى أنه أن غلب على ظنه أن يقوم به غيره لا يجب عليه وأن غلب ~~على ظنه أنه لا يقوم به احد وجب عليه وهذا وجه حسن والخلاف الأول محض صورة ~~لاظهور فائدة فلا أرى له معنى1 واذ قد ذكرنا معنى العلم فلا بد أن نذكر ~~معنى العقل وما قيل في حقيقته. # وقد قيل أنه أصل لكل علم وكان بعض أهل العلم يسميه أم العلم وقد اكثر ~~الناس الخلاف فيه قبل الشرع وبعده ومن كثرة اختلاف الناس فيه قال بعضهم. # سل الناس أن كانوا لديك افاضلا ... عن العقل وانظر هل جوات2 محصل # وقد جعله المتقدمون جوهرة وقالوا: أنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق ~~المعلومات قالوا: وهذا فاسد لانه لو كان جوهر لصح قيامه بذاته فجاز أن يكون ~~عقل بلا عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فحين لم يتصور ذلك دل أنه ليس ~~بجوهر وأما عند كافة المسلمين فهو نوعا من العلم يدخل في جملة اقسامه ~~واختلفوا في حقيقته على أقاويل شتى وقد روى عن الشافعي رحمه الله أنه قال ~~آلة التمييز. # وقال بعضهم العقل بصر القلب وهو بمنزلة البصر من العين ندرك به المعلومات ~~كادراك البصر المشاهدات قاله أبو الحسن عن ابن حمزة الطبري. # وقال بعضهم هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات وقال بعضهم معنى العقل ~~هو العلم لا فرق بينهما لانه لا فرق عند أهل اللغة وأرباب اللسان بين قولهم ~~علمت وعقلت فيستعملون العلم والعقل على حد ولاحد في معنى واحد ويقولون هذا ~~أمر. PageV01P027 # معلوم ومعقول ويقولون اعلم ما تقول واعقل ماتقول وفي استعمال العلماء يقع ~~على اسمه قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين ويصح منه ~~بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب ويخرج به عن ms009 حد المجانين ~~والمعتوهين ويصح معه التكليف والخطاب. # ويمكن أن يقال أنه قوة ضرورية للوجود بها يصح درك الأشياء ويتوجه تكليف ~~الشرع وهو ما يعرفه كل انسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره لأن الاستدلال ~~يفتقر إلى علم ينتظر فيه وأصل يعتمد عليه ولو كان غيره دليلا عليه لكان ~~مكتسبا لا ضروريا ثم أن العقل تختلف مراتبه. # فأولها: إدراك مايدرك بديهة وعلم ما يعلم بأول الراي وأعلاها ادراك ~~الغائبات بالوسائط واسم العقل منتفى عن الله تعالى لأن علمه احاط بالأشياء ~~لا عن جهة الاستدلال ولا بالترقى إلى معرفتها بالاجتهاد ولأن الأصل في ~~اسامي الرب تعالى هو التوقيف ولا توقيف في وصف الله تعالى بالعقل فلا يوصف ~~به واعلم أن محله القلب لأن محل سائر العلوم القلب فكذلك هذا ايضا ولأن ~~الله تعالى قال: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37] أي عقل دل أن ~~محله القلب حيث عبر به عنه وقال بعض اصحاب ابي حنيفة أن محله الدماغ يقال ~~فلان خفيف الدماغ أى ليس له عقل ولأنه إذا جن الدماغ ذهب العقل والأول اصح ~~وقد قال جماعة أن العقل عقلان عقل غريزى وهو القوة المتهيئة لقبول العلم ~~وهو من حيث القوة موجود في كل خليقة من الادميين وجوده في الطفل كوجود ~~النخل في النواة والسمبل في الحبة. # والثاني: عقل مستفاد وهو الذي تتقوى به تلك القوة وقد يحصل باختيار من ~~العبد ويحصل بغير اختيار منه قالوا: والعقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد ~~والمستفاد بمنزلة النور فكما أن المبصر لم يكن له نور من الجو لم يدرك بصره ~~شيئا فكذلك العقل إذا لم يكن له نور من العلم المستفاد لم تعد بصيرة قال ~~الله تعالى: {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] وما ~~ذكرناه أولا من باب الفقهاء وطريقتهم هي الأولى وإذا عرفنا العلم واقسامه ~~فنقول قد بينا أن الأصول أربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس وقال بعض ~~اصحابنا ومعقول أصل واستصحاب الحال وقالوا: دخل في معقول الأصل ms010 دليل الخطاب ~~وفحوى الخطاب ولحسن الخطاب وفى استصحاب الحال خلاف سنذكره. # PageV01P028 # "الكتاب" فأما الكتاب فهو أم الدلائل وقيم البيان لجميع الأحكام قال الله ~~تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وقال الله تعالى: ~~{ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} [ابراهيم: 1] . # قال الشافعي رحمه الله ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا وفي كتاب الله ~~تعالى الدليل على سبيل الهدى فيها. # فإن قال قائل أن من الأحكام مايثبت لهذا بالسنة قلنا ذلك مأخوذ من كتاب ~~الله في الحقيقة لان كتاب الله تعالى أوجب علينا اتباع الرسول صلوات الله ~~عليه وفرض علينا الأخذ بقوله وحذرنا مخالفته قال الله تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وقال تعالى: {وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} [التغابن: 12] وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ~~[النور: 63] . # قال الشافعي فما قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قيل فإن ~~قيل هيئات القبوض في البياعات وكيفية الاحراز في السرقة وغالب العقود في ~~المعاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة. # قلنا قد قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ~~[الأعراف:199] والعرف ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة فصار ~~العرف في صفة القبوض والإحراز والنفوذ معتبرا بالكتاب فعلى هذا نقول أن ~~الكتاب أمثل الدلائل والسنة ماخوذة منه والقياس مأخوذ من الكتاب والسنة ~~والاجماع ماخوذ من الكتاب والسنة والقياس. # وكتاب الله تعالى هو المنقول إلينا بطريق التواتر على وجه يوجب العلم ~~المقطوع الذي لا يخامره شك ولاشبهة وهو المثبت بين الدفتين فكل من عاين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم حصل العلم بالسماع وهو أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن هذا هو القران الذي انزله الله تعالى وهو كلامه ووحيه ~~ومن لم يعاين الرسول حصل له العلم بالنقل المتواتر خلفا عن سلف وذلك العلم ~~هو أنه ثبت عندنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم بما اقام ms011 به الدليل وثبت أنه ~~كان يقول: أن الكتاب الذي جاء به هو هذا القران وانه كلام الله عز وجل ~~ووحيه ولا نقول انا علمنا أنه كلام الله بالاعجاز لانه يجوز أن يعجز الله ~~الخلق عن الاتيان بمثل1. PageV01P029 # كلام لا يكون ذلك الكلام كلامه بل بالمعجزات عرفنا نبوة الرسول صلوات ~~الله عليه ونقول عرفنا أن القرآن كلام الله عز وجل ونقول أن القران في نفسه ~~معجز لا يجوز أن ياتي أحد بمثله في جزالته وفصاحته ونظمه وكذلك من حيث ~~معانيه هو معجز الخلق عن الاتيان بمثله ومع تحدي الرسول صلوات الله عليه ~~وسلم وطلبه اياهم أن ياتوا بمثله فعجزوا عنه ولا نقول كما قال بعض المبتدعة ~~أن نفس القران ليس بمعجز فإن فصاحة بعض الفحول من شعراء الجاهلية لا تكون ~~دون فصاحته وإنما الاعجاز في القران هو أن الله عز وجل منع الخلق عن ~~الإتيان بمثله مع قدرتهم عليه وهذا قول باطل وزعم كاذب سمعت والدي رحمه ~~الله يقول: أن هذا قول اخترعه الجاحظ ولم يسبقه إليه احد وقال بعده فاياه ~~اتبع وعلى منواله نسج وهو في نفسه مستسمج مستهجر بالتامل في نظم القران ~~وجزالته وفصاحته وعرضه على كل نظم عرف من اساليب كلام العرب وكل كلام فصيح ~~عرف من كلامهم ثم امتيازه عن الكل بروائه وبهائه وطلاوته وحلاوته واعرافه ~~وابتنائه واعجازه ظاهر لكل ذي لب من الناس لولا خذلان يلحق بعض القوم ونسال ~~الله العصمة بمنه ولا يحتمل هذا الموضوع بيان وجوه الاعجاز في القران وقد ~~كفينا مؤنة ذلك بحمد الله بمنه واعنى بذلك جماعة من علماء أهل السنة والله ~~تعالى يشكر سعيهم ويرحمهم وإيانا بمنه. # والمصحف الامام: هو هذا المصحف الذي بين المسلمين جمع في زمان ابي بكر ~~الصديق رضي الله عنه باجماع الصحابة واخرج في زمن عثمان رضي الله عنه ونسخ ~~منه المصاحف وفرقت في البلدان وعليه الاتفاق. # وفي الباب خطب كبير واقتصرنا على هذا القدر وقد دل اتفاق المسلمين على أن ~~ما بين الدفتين كلام الله تعالى ms012 وعلى أن التسمية من فاتحة الكتاب وكذلك هي ~~من القران في كل موضع اثبت في المصاحف وقد اتينا على هذا الدليل في ~~الخلافيات. # " السنة " وأما السنة: فهو الأصل الثاني وهو تلو الكتاب وهي عبارة عن كل ~~ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة قولا وفعلا. # قال أبو سليمان الخطابي هي الطريقة المسلوكة في الأمر المحمود وأصلها من ~~قولهم سننت الشيء بالمسن إذا امررته عليه حتى يؤثر فيه تسنينا أي طرائق ~~فإذا اطلقت السنة اريد بها الطريقة المحمودة وإذا قيدت كانت في الخير والشر ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة ومن سن سنة سيئة # PageV01P030 # فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" 1. # ويقال السنة عبارة عن السيرة قال الشاعر: # فلا تجزعن من سنة انت سرتها ... فأول راضى بسنة من يسير بها # معناه من سيرة انت سرتها فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الطريقة ~~التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لها مراتب ونقل بعضها يوجب ~~العمل ونقل بعضها يوجب العلم وسيرد ذلك في باب الاخبار بعون الله تعالى. # وأما الملة: فهي عبارة عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم. # وقيل هي عبارة عما يمله الملك على النبي صلى الله عليه وسلم من علم ~~الوحى. # "الاجماع" وأما الأصل الثالث وهو الاجماع فهو حجة خلافا لبعض الناس ~~وسنبين ذلك والاجماع في اللغة العزم على الأمر يقال اجمعت على الشيء وازمعت ~~عليه بمعنى واحد ومنه قوله تعالى: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} [يونس: 71] أي ~~اعرضوه فامضوه. # وقد قيل في عبارة أن الفقه استفاضة القول وانتشاره في الجماعة الذي نسب ~~الاجماع اليهم وفي مسائل الاجماع كلام كثير وسياتي بيانه أن شاء الله. # " القياس " والأصل الرابع هو القياس وأصله في اللغه التقدير ولذلك يقال ~~للميل الذي يسد به غور الجرح2 مقياس ومسيار. # قال الشماخ ودلج الليل مهاد قياس أي يصير بالطرق مقدر ليسير فيما يقضى ~~بانتهائه إلى المقصد. # ويقال ms013 أنه حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لنوع من الشبه وسياتي ~~الكلام فيه على الاشباع ونذكر معنى العله والسبب والشرط والعرف والفرق بين ~~هذه الاشياء لغة وفي عرف الفقهاء وإذا عرفت هذه الأصول فلا بد من النظر في ~~هذه الأصول لتعرف أحكام الشريعة. PageV01P031 # " النظر " فالنظر هو الفكر في حال المنظور إليه والتوصل بأدلته إلى ~~المطلوب1. # يقال تناظر الرجلان إذا تقابلا بنظريهما ايهما المصيب وابهما المخطىء. # وقيل هو تصفح الادلة لاستخراج الأحكام وللنظر شروط. # أحدها أن يكون الناظر كامل الالة على ما نذكره في باب المعنى. # الثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة. # والثالث أن يستوفى شروط الدليل وترتيبه على حقيقته بتقديم ما يجب تقديمه ~~وتأخير مايجب تأخيره. # يجب أن يكون المطلوب هو علم الاكتساب لا علم الضرورة وفى الاجتهاد كلام ~~كثير في بابه. # "الجدل" والجدل قريب معناه من النظر إلا أن النظر يكون من الناظر وحده ~~والجدل إنما يكون بمنازعة غيره وأصله من الجدل [وهو الفتل] 2 كانه فتل ~~صاحبه بالحجاج عن رايه ومذهبه إلى راى غيره3. # وقال بعضهم الجدل اكثره في الباطل والنظر في الحق. # " الدليل " وأما الدليل هو المرشد إلى المطلوب وقالوا: ايضا هو الدال على ~~الشيء والهادي يقال دل على كذا فهو دال ودليل كما يقال عالم وعليم وقادر ~~وقدير4. # والدلالة مصدر وقد يقال دليلي كذا أي دلالتي والمصدر يوضع موضع الأسماء5. ~~PageV01P032 # وقد قال اكثر المتكلمين وبعض الفقهاء لا يستعمل الدليل إلا فيما يؤدى إلى ~~العلم فاما فيما يؤدى إلى الظن فلا يقال دليل وإنما يقال له امارة عند عامة ~~الفقهاء أنه لا فرق بينهما لأن العرب لا تفرق في تسمية الدليل من ما يؤدى ~~إلى العلم ويؤدى إلى الظن وأما الدال في ذكرنا إنما الدليل واحد. # وقيل هو الناصب للدليل وهو الله تعالى. # والمستدل: هو الطالب للدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل من المسئول ~~ويقع على المسئول لانه يطلب الدليل من الأصول1. # والمستدل عليه: هو الحكم الذي يطلب من التحليل والتحريم2. # والمستدل ms014 له: يقع على الحكم لانه يطلب له الدليل ويقع على السائل لانه ~~يطلب الدليل3. # والاستدلال: طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل والمسئول جميعا4. # فان قال قائل قد ذكرتم الحد في هذه الاشياء فما معنى الحد الحد وحده قلنا ~~هو اللفظ الوجيز المحيط بالمعنى5. # وقيل هو الجامع المانع6. # وقيل معناه أنه يجمع الشيء المقصود به ويمنع دخول غيره عليه7. # وقد قيل الحد هو النهاية التي إليها تمام المعنى وحدود الدار ماخوذة من ~~هذا لانها نهايات الاملاك وكذلك حدود الله تعالى التي ضربها لفرائضه نهايات ~~لها لئلا تتعدى. PageV01P033 # وأصل الحد المنع ومنه تسمى النوار حدادا ومنه سمى الحديد حديدا لانه يمنع ~~لابسه ومنه قيل للمحروم محدود لانه منع سعة الرزق وسميت العقوبات حدودا ~~لانها تمنع وتردع وحدود الدار على هذا القول هي الموانع من وقوع الاشتراك ~~في خاص الاملاك ولم نشبع القول في الحدود لانها تاتي في مواضعها من ابواب ~~الكتاب أن شاء الله تعالى. # PageV01P034 ### | القول في اقسام الكلام ومعانى الحروف التي لابد من معرفتها في مسائل الفقه # علم أن جميع ما يتلفظ به في مسائل الفقه قسمان مستعمل ومهمل. # والمهمل كل كلام لا يوضع لفائدة. # والمستعمل كل كلام وضع لفائدة ثم الكلام من جهة اللفظ مقسوم على ثلاثة ~~اقسام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. # ومن جهة المعنى إلى أربعة أقسام أمر ونهى وخبر واستخبار قالوا: فالاسم ما ~~دل على معنى منفرد وذلك المعنى يكون شخصا ويكون غير شخص فالشخص نحو رجل ~~وفرس وحجر وغير الشخص فنحو الضرب والاكل والليل والنهار ونحو باقي الاشياء ~~وإنما قيل ما دل على معنى منفرد ليفرقوا بينه وبين الفعل إذا كان الفعل يدل ~~على معنى وزمان كقولك ضرب وقام ويضرب ويقوم وما اشبه ذلك يدل على زمان أما ~~في الماضي وأما في المستقبل. # واما الحرف: اداة تفيد معنى في الكلام إذا ضم إليه قالوا: واقل ما يأتلف ~~منه الكلام اسم واسم كقولك زيد قائم وكقولك الله الهنا أو اسم وفعل كقولك ~~قام عمرو وضرب زيد ms015 ولا ياتلف الفعل ولا الحرف مع الحرف ولا الحرف مع الفعل ~~ولا الحرف مع الاسم وياتلف الاسم والفعل والحرف [كقولك] 1 خرج عبد الله وهل ~~ذهب زيد ونحو ذلك. # ثم الأسماء المعربة على أربعة أضرب: # اسم الجنس الذي بقتضيه من جنس آخر كقولك الحيوان والانسان والدينار ~~والدرهم والاكل والصوت وجميع ما اردت به العموم والالف واللام يدخلان في ~~هذا النوع لعهد. PageV01P034 # الجنس لا التعريف. # الضرب الثاني: اسم الواحد من الجنس نحو رجل وفرس وبعير وحمار ودينار ~~ودرهم وسمى هذا النوع الأسماء الموضوعة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء فقط. # والضرب الثالث: ما اشتق لوصف من الجنس نحو ضارب مشتق من الضرب وعالم مشتق ~~من العلم وحسن مشتق من الحسن وهذه الأسماء تسمى الأسماء المشتقة وهي تفيد ~~المعرفة بذات الشيء وصفته وتخبر عن حقيقته وماهيته وقال الحسن بن هانىء ~~اجمع هذا الاسم بين الأمرين: # أن اسم جنس لو جمعها صفة ... ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا # وهي إذا سميت فقد وصفت ... فيجمع اللفظ المعنيين معا # والضرب الرابع: مالقب به شيء بعينه ليعرف من غيره نحو زيد وعمرو وما اشبه ~~ذلك وتسمى الأسماء الأعلام وأسماء الألقاب والأسماء المنقولة لأنها منقولة ~~من أصولها إلى غيرها على جهة الاصطلاح وإنما تفيد التشهير وتمييز الشخص من ~~غيره وليس بحثه إلا هذا. # ثم أن الأسماء الموضوعة تنقسم إلى خمسة أقسام: # الأسماء المبهمة كقولك شيء وموجود وحيوان وسميت مبهمة لأنها لا تفيد ~~المعرفة بعين من الأعيان خاص بل يستوى فيها ما تحتها من أنواع الاشياء ~~والحيوانات والموجودات. # والقسم الثاني: في الأسماء المتضادة مثل القرء والجون1 فإن الطهر والحيض ~~على تضادهما يتناولهما اسم القرء والبياض والسواد على تضادهما يتناولهما ~~اسم الجون. # والقسم الثالث: الأسماء المترادفة كقولك ليث واسد وحجر وفهد وخمر وعقار ~~وسائر ما تترادف عليه الأسماء المختلفة ذات العدد مع اتفاق المعنى. # والقسم الرابع الأسماء المشتركة مثل العين هي العين التي تبصر بها ولعين ~~الماء ولعين الميزان وللمهر الكبير ومثل اللون ومثل العرض هو اسم للواحد من ~~العروض لما ms016 هو خلاف الطول وعرض لسعة الشيء مثل قوله تعالى: {عرضها السماوات ~~PageV01P035 # والأرض} [آل عمران: 133] . # والقسم الخامس: الأسماء المختلفة وهي ما اختلفت اسمائها ومعانيها وهي ~~اكثر الأسماء لانها موضوعة للدلالة على المسميات ومن شانها اختلافها في ~~صورة بالفصل بينها وبين غيرها. # كقولك حمار وفرس وجدار وبعير وغيرها من الأسماء هكذا اورده أبو سليمان ~~الخطابي على ما نقلته وهو ثقة فيما ينقله. # معاني بعض الحروف1. # ونذكر الان معاني الحروف التي تقع إليها الحاجة للفقهاء ولا يكون بد من ~~معرفتها وتشتد فيها المنازعة بين أهل العلم فمنها حروف من حروف العطف2. # أولها الواو وقد ادعى جماعة من اصحابنا انها للترتيب واضافوا القول به ~~إلى الشافعي رحمة الله عليه وقد حكى هذا المذهب عن بعض نحاة الكوفيين3. # واما عامة أهل اللغة فعلى خلاف ذلك وإنما هي عندهم للجمع4 واشتراك ~~الثاني. PageV01P036 # فيما دخل فيه الأول كقولك جاءني زيد وعمرو وليس فيهما دليل ايهما كان ~~أولا قالوا: إنما يعرف وقوع الترتيب فيه بقرائن ودلائل. # قال الماوردى أبو الحسن الواو لها ثلاث مواضع حقيقة ومجاز ومختلف في ~~حقيقته ومجازه فالحقيقة أن يستعمل في العطف للجمع والاشتراك كقولك جائني ~~زيد وعمرو والمجاز أن تستعمل بمعنى أو كقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] والمختلف في حقيقته أن تستعمل في ~~الترتيب لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6] فذهب جمهور ~~أهل اللغة واكثر الفقهاء انها تكون أن استعملت في الترتيب مجازا. # وذهب بعض اصحاب الشافعي إلى انها تكون حقيقة فيه فإذا استعملت في موضوع ~~يحتمل الأمرين حملت على الترتيب دون الجمع لزيادة الفائدة1. # وقال الفراء تحمل على الجمع إذا احتملت الأمرين وعلى الترتيب إذا لم ~~تحتمل غيره2. # وقد رايت بعض اصحابنا ادعى على اصحاب ابى حنيفة انهم يدعون أن الواو. ~~PageV01P037 # للجمع على سبيل الإقران1 وأخذ يرد عليه كما يرد على من زعم انها للترتيب ~~والتوالى من اصحابنا وليس ما ادعاه مذهب احد من اصحاب ابي حنيفة وإنما ~~يدعون أن الواو للجمع من غير تعرض لاقران ms017 أو ترتيب2 فلا معنى للرد وأما ~~دعوى الترتيب على الاطلاق فضعيفة جدا لان من قال رايت زيدا وعمرا وجاءني ~~زيد وعمرو لا يفهم منه السامع ترتيبا بحال ويجوز أن يكون راى عمرا أولا ثم ~~يقول: رايت زيدا وعمرا ويحسن منه ذلك ويقال ايضا رأيت زيدا وعمرا معا فلو ~~كان للترتيب لكان هذا القول مناقضة. # ويدل عليه أن العرب استعملت الواو في باب الفاعل يقال تقابل زيد وعمرو ~~ولو قال تقابل زيد ثم عمرو لم يكن صحيحا. # وأما ما استدل به بعض اصحابنا من أن الواو للترتيب بمسالة الطلاق وهي أنه ~~لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق فانه لا يقع إلا طلقة واحدة ~~فليس هذا لانها للترتيب بل لان الطلاق الأول سبق وقوعه فيصادفها الثاني وهي ~~بائنة فلا يقع وإنما سبق لانه تكلم به على وجه الايقاع من غير أن يربطه ~~برابط أو يعلقه بشيء ما3 وليس الواو بدليل على الاقران على ما سبق وإنما ~~الموجود منه ثلاث ايقاعات متوالية من غير أن يكون للبعض تعلق بالبعض والواو ~~حقها في هذا الموقع عطف الايقاع على الايقاع فصارت قضية الكلام الأول ~~الموقوع وحين وجد من غير انتظار ولا مهلة وكما لو افرده بالذكر وإذا وقع ~~فلا بد أن يكون الثاني والثالث قد صادفا المراة في حال الابانة فسارت ~~الجملة في هذه المسالة أن دعوى كونها للترتيب خطا4. PageV01P038 # ونسبة ذلك للشافعي رحمه الله على الاطلاق لا تصح وإنما نهاية مانقل عنه ~~أنه قال في الوضوء حين ذكر الاية ثم قال ومن خالف ذلك من الترتيب الذي ذكره ~~الله تعالى لم يجز وضوؤه1. # وقد شنع عليه محمد بن داود وغيره في هذا اللفظ وقالوا: أنه خالف أهل ~~اللغة اجمع وادعوا عليه الجهل بالنحو. # ووجه الجواب عن هذا أن الشافعي رحمه الله ما تعلق في اثبات الترتيب ~~بالواو فقط وإنما دليل الترتيب من النظر في معنى الاية على ما ذكرنا في ~~الخلاف بينه أن الوضوء عبادة على البدن وردت بلفظ لا ينفى ms018 الترتيب وراينا ~~أن العبادات البدنية اشتملت على افعال مختلفة مترتبة في جميع المواضع مثل ~~الصلاة والحج وراينا ورود هذه العبادات بلفظ صالح لمعنى الترتيب وأن كان ~~غير مقتضى له بكل حال ووجدنا الفوائد مطلوبة من الالفاظ والترتيب نوع فائدة ~~فعند اجتماع هذه الأشياء يقال اثبات الواو ظاهرها للترتيب في هذا الموضع ~~فحمل عليه والظاهر حجة فهذا وجه الكلام لنصرة ما قاله الشافعي رحمه الله ~~وقد اشار إليه أبو الحسن بن فارس. # وأما الفاء فمقتضاها التعطيف والترتيب من غير تراخ كقولك ضربت زيدا فعمرا ~~ففيه أن عمرا مضروب عقيب زيد بلا تراخى ولهذا دخل في الجزاء المعلق على ~~الشرط لان من حكم الجزاء تعلقه بالشرط من غير فصل2. PageV01P039 # وأما حرف ثم فللتعقيب والتراخى1 كقولهم ضربت زيدا ثم عمرا فمقتضاه وجود ~~مهلة بين الضربين ولا دليل على مقداره من جهة اللفظ وقد تستعمل في موضع ~~الواو مجازا اذ قال الله عز وجل: {ثم الله شهيد على ما يفعلون} 2 [يونس: ~~46] وكقوله عز وجل: {فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة} [البلد: 13, 14] ~~إلى أن قال تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} [البلد: 17] ومعناه فكان من ~~الذين امنوا. # واما بعد فهي اسم في معنى الحرف موضوع للترتيب ويحتمل الفور والتراخى ولا ~~يختص [بالحرفية] 3. # واما مع فهو موضوع للجمع بين الشيئين نقول رايت زيدا مع عمرو واقتضى ذلك ~~اجتماعها في رؤيته. # واما حرف أو فلها ثلاثة مواضع4 تكون لأحد الشيئين بخبر عنه عند شك ~~المتكلم أو قصده أحدهما كقولك اتيت زيدا أو عمرا وجاءني رجل وأمراة هذا إذا ~~شك. # فاما إذا قصد أحدهما فكقولك كل السمك أو اشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ~~ولكن اختر ايهما شئت وكقولك أعطني دينارا أو اكسني ثوبا. # والوجه الثالث أن تاتى للاباحة كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين وائت ~~المسجد أو السوق وهذا على الاذن فيهما جميعا. # وقد ورد في القران التخيير في الأمر مثل قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ms019 أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] . # وقد ورد الجمع في النهى مثل قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} ~~[الانسان: 24] . PageV01P040 # وأما حرف بل فمعناه الاضراب عن الأول والإثبات للثاني1 كقولك ضربت زيدا ~~بل عمرا وجاءني عبد الله بل أخوه. # واما حرف لكن فهى للاستدراك بعد النفى2 كقولك ما جاءني زيد لكن عمرو ما ~~رأيت رجلا لكن امراة وقد يدخل النفى بعد اثبات كقولك حاءني زيد لكن عبد ~~الله لم يات وقيل لترك قصة إلى قصة وفيه كلام كثير للنحاة. # واما حرف لو فيدل على امتناع الشيء لامتناع غيره3 تقول لو جئتنى لحييتك. # وأما لولا فتدل على امتناع الشىء لوقوع غيره4 نقول لولا أنك جئتنى لحييتك ~~وقد تكون لو بمعنى أن قال الله تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم} [البقرة: 221] أي وأن اعجبتكم وقد تفيد معنى التقليل كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "اتقوا الله ولو بشق تمرة" 5. # فأما الحروف اللازمة لعمل الجر وهي من وإلى وفي والباء واللام فنقول أما ~~من فمعناها ابتداء الغاية6 يقال سرت من الكوفة إلى البصرة وهذا الكتاب من ~~فلان إلى فلان وهذا باب من حديد يعنى ابتداء عمله من حديد قال سيبويه قد ~~تكون للتبعيض مثل قولهم هذه الخرقة من الثوب وهذا الرجل من القوم وقال غيره ~~من حيث وجدت كانت لابتداء الغاية وقوله أخذت من ماله فقد جعل ماله ابتداء ~~غاية وأخذ وإنما دل على البعض من حيث أنه صار ما بقى انتهاء له فالأصل واحد ~~وكذلك قوله أخذت منه درهما وهذا كلام النحويين فيما بينهم فاما الذي تعرفه ~~الفقهاء فهو لابتداء الغاية والتبعيض جميعا7 وكل واحد في موضعه حقيقة وقد ~~ورد مثله يقال ما جاءني من أحد قال الله تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم} [نوح: ~~4] . PageV01P041 # وقد ورد بمعنى على قال الله تعالى: {ونصرناه من القوم} [الانبياء: 77] أي ~~على. # واما عن فيكون بمعنى من1 إلا في مواضع خاصة قالوا: من تكون للانفصال ~~والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل يقال أخذت من مال فلان ويقال أخذت ms020 من عمل فلان ~~وقد اختصت الاسانيد بالعنعنة ولا تستعمل كلمة من في موضعه وقالوا: من لا ~~يكون إلا حذفا وعن تكون اسما تدخل من عليه يقال أخذت من عن الفرس جله2. # واما من المفتوحة فلها ثلاثة مواضع: # أحدها للخبر كقولك جاءني من أحببت وأعجبني من رايت. # والثاني للشرط والجزاء كقولك من جاءني اكرمته ومن عصاني عاقبته3. # والثالث للاستفهام4 كقولك من عندك فتقول زيد أو عمرو. # واما إلى فلانتهاء الغاية5 يقال من كذا إلى كذا وقال سيبويه إذا قرن بمن ~~اقتضى. PageV01P042 # للتحديد ولا يدخل الحد في المحدود تقول بعتك من هذه الشجرة إلى هذه ~~الشجرة فلا يدخلان في البيع وإذا لم تقرن بمن يجوز أن تكون تحديدا ويجوز أن ~~تكون بمعنى مع قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: ~~2] اى مع أموالكم وقال تعالى من أنصاري إلى الله اى مع الله وقال الله ~~تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] اى مع المرافق1 وتقول العرب ~~الذود إلى الذود ابل أي مع الذود فالأصل أنه لانتهاء الغاية على مقابلة من ~~فانها لابتداء الغاية يقال من كذا إلى كذا قال سيبويه ويقول الرجل إنما ~~اليك اى انت غايتي ويقول للرجل قم إلى فلان فتجعله منتهاك من مكانك هذا هو ~~الحقيقة في اللغة وما سواه مجاز. # وأما حتى فهي للغاية2 ايضا قال الله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} ~~[البقرة: 222] وقال تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] ولأهل النحو في قوله اكلت السمكة حتى رأسها وتصريف ذلك ~~ومعناه كلام كثير تركت ذكره وقد تذكر بمعنى إلى نقول لا أفارقك حتى تقضينى ~~حقي3 يعنى إلى أن تقضينى حقي وبما في معناه الظرف تقول زيد في البيت يعنى ~~أن البيت قد حواه وكذلك قوله أن المال في الكيس فإذا قلت: فلان عيب فانه ~~على وجه المجاز والاتساع حيث جعلت فلانا مكانا للعيب وهو قولك اتيت فلانا ~~وهو في عنفوان شبابه وأتيته وهو في أمره ونهيه يعنى اتيته وهذه الامور قد ~~أحاطت به ms021 وهو طريق التشبيه والتمثيل. # وأما الباء فاللالصاق ويجوز أن يكون معه استعانة4 ويجوز أن لا يكون فاما ~~الذي معه استعانة فكقولك كتبت بالقلم وكقولك عمل الصانع بالقدوم - فأما ~~الذي. PageV01P043 # لا استعانة معه فكقولك مررت بزيد ونزلت بعبد الله وقد تزاد الباء في خبر ~~النفى توكيدا كقولك ليس زيد بقائم وجاءت زائدة كقول الله تعالى: {وكفى ~~بالله شهيدا} [النساء: 166] وكقول الشاعر تضرب بالسيف وتزخر بالفرح وقد قال ~~بعضهم أن الباء للتبعيض في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] ~~وقالوا: غلط1 والباء هاهنا صلة لتعدية الفعل قاله الخطابي. # وقال الماوردى الباء موضوعة لالصاق الفعل بالمفعول كقولك مسحت يدى ~~بالمنديل وكتبت بالقلم وقد تستعمل في التبعيض إذا امكن حذفها كقوله تعالى: ~~{وامسحوا برؤوسكم} اى بعض رءوسكم قال وهو حقيقة في بعض اصحاب الشافعى مجاز ~~في قول الأكثرين. # وأما لام الاضافة قال سيبويه معناه الملك واستحقاق الشيء تقول الغلام لي ~~والثوب لفلان. # وقالوا: أن اللام لها ثلاثة مواضع:. # للتمليك2 من قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] . # والثاني للتعليل3 قال الله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~والثالث للعاقبة قال الله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} ~~. # واعتذارا4 أن هذا على طريق التوسع والمجاز فإن هذا مثال لما زعمه ~~المعتزلة من تأويل قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس} 5 ~~[الأعراف: 179] وقد أنكر. PageV01P044 # بعض النحويين قولهم اللام للملك وقالوا: إذا قال قائل هذا أخ لعبد الله ~~فهذا الكلام لمجرد المقارنة وليس أحدهما في ملك الآخر وفي قولهم هذا الغلام ~~لعبد الله فإنما هو في الملك بدليل آخر وزعم قائل هذا أن لام الاضافة تجعل ~~الأول لاصقا بالثاني فحسب والذي ذكرناه هو الذي يعرفه الفقهاء. # وأما "على" قال المبرد يكون اسما وفعلا وحرفا وجميع ذلك مأخوذ من ~~الاستعلاء وكذلك قال سيبويه يقال عليه دين يعنى اعتلاه ويقال فلان أمين ~~علينا أي أعتلانا. # وأما حرف ما فلها ثلاثة مواضع: # أحدها: للنفى1 والجحود كقولك ما لزيد عندى حق وما قام عمرو. # والثاني: ms022 التعجب2 كقولك ما أحسن زيدا وما أشجع عمرا. # والثالث: الاستفهام3 كقولك ما فعل زيد وما عندك وهي تختص بما لا يعقل. # ويخالف قوله من فإنه يختص بمن يعقل فإذا قيل من عندك تقول زيد أو عمرو ~~ولا تقول فرس أو حمار فإذا قيل ما عندك قلت: ثور أو جمل ولا يحسن أن تقول ~~زيد أو عمرو وقد جوز بعضهم ذلك في الموضعين والصحيح هو الأول. # واما أن وأن فإن مفتوح لما مضى وأن بالكسر لما يستقبل كقولك أن دخلت ~~الدار فأنت طالق وأن دخلت الدار فانت طالق فالأول ايقاع والثاني شرط وقد ~~تختلف معاني الكلام باختلاف الاعراب فلو قال قائل هذا قاتل اخي بالتنوين ~~وقال آخر هذا قاتل اخي بالاضافة يدل التنوين على أنه لم يقتله ودل حذف ~~التنوين على أنه قتله. PageV01P045 # ومذهب الفقهاء أنه إذا قال لإمراته أن فعلت كذا فأنت طالق أنه على مرة ~~واحدة وكذلك إذا قال إذا فعلت كذا فأما إذا قال كلما فعلت كذا فانه على ~~التكرار وإذا قال متى ما فعلت كذا فحقه في اللغة التكرار1 واصطلح اكثر ~~الفقهاء على أنه للمرة الواحدة كقوله إذا فعلت كذا. # وأما "إنماء" أصله أن دخلت عليه ما وهو مركب من حرفين أحدهما أن الاثبات ~~والآخر من ما الذي هو للنفي فلذلك صار مثبتا من وجه نافيا من وجه2 قال الله ~~تعالى: {إنما هو إله واحد} [الأنعام: 19] فيه اثبات الالهية لله تعالى ~~ونفيها عن غيره. # وقيل التحقيق المتصل وتحقيق المنفصل وتكون أن المشددة للتوكيد كقولك أن ~~زيدا عاقلا. # وأما إلا للاستثناء3 مثل قول القائل خرج القوم إلا زيدا ورايت القوم إلا ~~زيدا ولفلان على الف إلا مائة قال الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما} [العنكبوت: 14] وقال تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا ~~إبليس أبى أن يكون} [الحجر: 31] . # وقال الفراء وقد تقع إلا لمعنى سوى وذلك في استثناء زائد من ناقص قال ~~الله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} [هود: ~~107] بمعنى ms023 سوى ما شاء ربك من زيادة المضاعفة لا إلى غاية فعلى هذا لو قال ~~لفلان على الف إلا الفين فقد أقر بثلاثة الاف وهذا لا تعرفه الفقهاء. # قال الفراء وقد تكون إلا بمعنى لكن قال الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] بمعنى لكن أن كان خطأ وهو باب كبير ~~وستاتى المسائل فيها. # وأما "ليس" فلها ثلاثة مواضع قد تقع جحدا كقولك ليس لك على شيء وتكون ~~استثناء تقول ذهب القوم ليس زيدا اى ماعدا زيدا وتكون بمعنى لا التي ينتفى ~~بها كقول لبيد: # واذا جوزتك فرضا فأجزه ... انما يجزى الفتى ليس الجمل # معناه إلا الابل. # وأما "لا" فمقتضاه النفي ويقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار. ~~PageV01P046 # وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض منه تقرير نفى اشتمل الكلام ~~عليه. # قال الله تعالى: {ما منعك أن تسجد} [ص: 75] معناه أن لا تسجد لكن لما ~~اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفى كان لا لتاكيد النفى الذي اشتمل ~~الكلام عليه وأما قوله تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة} [القيامة:1] فقد قيل ~~أنه صلة زائدة والأولى أنه رد لقول الكفار ودعائهم وقوله: {أقسم} افتتاح ~~قسم في المعنى ذكره عقيبه. # واما الالف واللام قال ابن كيسان أن الالف واللام يدخلان في الأسماء ~~الثلاثة معانى للتعريف1 كقولك رايت رجلا وضربت دابة ثم تقول رايت الرجل ~~وضربت الدابة فتعرفهما بالالف واللام. # ويدخلان للتجنيس2 كقولك الابل خير من الشاة والذهب خير من الفضة يريد ~~الجنس. # ويدخلان للتعظيم كقولك الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب والالف واللام ~~لم يفيدا ها هنا تعريفا لانهما كانا معرفين بالاضافة إلى غيرهما والشيء ~~الواحد لا يعرف من جهتين وإنما الالف واللام افادا هاهنا التفخيم والتعظيم. # واما بلى ونعم فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام ~~مشتمل على النفي كقوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] قال ~~سيبويه لو قالوا: نعم لكان نفيا للربوبيه3 وأما نعم فللاثبات فإذا قال ~~القائل أرأيت زيدا فليكن ms024 جوابك إذا رايته نعم4 وقال الله تعالى: {فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] . # واما أم فتستعمل للاستفهام5 كقولك اسكت أم نطقت وقد تستعمل بمعنى الواو ~~العاطفة في بعض المواضع وقد تستعمل بمعنى أو في كثير من المواضع. # واما اين فهو اسم موضوع للسؤال عن الكلام ويكون جوابه بذكر المكان6. ~~PageV01P047 # كقولك اين زيد فتقول في الدار. # واما متى فهو اسم ظرف للسؤال عن الزمان1 ويجاب عنه بذكر الزمان فإذا قلت: ~~متى الخروج فالجواب أن تقول غدا أو اليوم وإذا قلت: متى جاء زيد والجواب أن ~~تقول أمس أو تقول أول من أمس. # وأما اذ وإذا فهما ظرفا زمانا غير أن اذ لما مضى2 وإذا لما يستقبل3 كقولك ~~قمت اذ قام زيد واقوم إذا قام عمر. # واما حيث فظرف مكان4 قال الله تعالى: {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام} [البقرة: 149] واعلم أن الكلام في معاني الأسماء والحروف كثيرة ~~وذكرنا منها قدر ما تمس إليه الحاجة ويتصل بهذا الباب الاسامى الشرعية ~~واللغوية وجواز النقل فيما تكلم فيه أهل اللغة وسياتي من بعد وكذلك الكلام ~~في افعال المكلفين ومراتبها وأحكامها وافعال غير المكلفين وقد ذكر بعضهم ~~هذا الفصل في هذا الموضع ونحن اخرناه إلى أن نصل إليه في موضعه واقتصرنا في ~~هذا الموضع على هذا القدر ونشرع الان في باب الأوامر ونذكر أحكامها ~~وقضاياها ونورد المسائل التي اختلف فيها العلماء فيما بينهم وننص على القول ~~الصحيح من ذلك ونحل شبه المخالفين على حسب ما يأذن الله تعالى في ذلك ومنه ~~المعونة والتوفيق والتيسير. PageV01P048 ### | باب القول في الأوامر ### | مدخل # ... # باب الأوامر. # القول بالوقف في الأوامر والنواهى: وللأمر صيغة مقيدة بنفسها في كلام ~~العرب من غير قرينة تنضم إليها وكذلك النهى وهذا قول عامة أهل العلم وذهب ~~أبو الحسن الاشعري ومن تبعه إلى أنه لاصيغة للأمر والنهى وقالوا: لفظ افعل ~~لا يفيد بنفسه شيئا إلا بقرينة تنضم إليه ودليل يتصل به. # وعندي أن هذا قول لم يسبقهم إليه احد من العلماء ms025 وقد ذكر بعض اصحابنا ~~شيئا من ذلك عن ابن سريج ولا يصح وإذا قالوا: أن حقيقة الكلام معنى قائم في ~~نفس المتكلم والأمر والنهى كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الأمر ~~والنهى ولا يكون حقيقة الأمر والنهى وهذا ايضا لا يعرفه الفقهاء وإنما ~~يعرفوا قوله افعل حقيقة في الأمر وقوله لا تفعل حقيقة في النهي. # واما الواقفية فتعلقوا بما ذهبوا إليه وقالوا: أن صيغة قوله افعل تحتمل ~~وجوها من المعنى فانه قد ورد بمعنى الايجاب مثل قوله تعالى: {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] وورد بمعنى التهديد بدليل قوله تعالى: ~~{اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] وورد بمعنى التكوين قال الله تعالى: {كونوا ~~قردة خاسئين} [البقرة: 65] وورد بمعنى التعجيز قال الله تعالى: {فأتوا ~~بسورة من مثله} [البقرة: 23] وورد بمعنى السؤال وذلك في قول العبد رب اغفر ~~لى وارحمنى وورد بمعنى الاباحة وهو قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} ~~[المائدة: 2] وورد بمعنى الندب في قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة} ~~وإذا احتملت هذه الصيغة هذه الوجوه لم يكن البعض أولى من بعض فوجب التوقف ~~حتى نعلم المراد بقرينة واشبه هذا سائر الأسماء المشتركة وهذا لازم احتمل ~~وجوها شتى من المعنى لا يتعين أحد وجوهه إلا بدليل وشبهة القوم أن قوله ~~افعل ليس يختص بمحمل احد من مسالك العقول فإن العقول لا مجال لها في تفصيل ~~العبارات فلئن اختص بمحمل فإنما يختص من جهة النقل عن العرب أو من جهة ~~الشرع. # قالوا: فإن ادعيتم نقلا صريحا من جهة أهل اللسان وهم العرب فهذه مباهته ~~ولانعلم في هذا نقل صريح من العرب ولأن النقل ينقسم إلى المتواتر والآحاد ~~وأن ادعيتم النقل من جهة الاحاد فلا احتمال به لانه لا يوجب العلم والمطلوب ~~في هذه. # PageV01P049 # المسألة هو العلم. # وان ادعيتم النقل بالتواتر كان ذلك محالا لان النقل من جهة التواتر يوجب ~~العلم الضروري وذلك يوجب استواء طبقات الناس فيه قالوا: ونحن معاشر ~~الواقفية مصرون على أنه لم يقع لنا العلم بذلك وقد مرت علينا الدهور ms026 ~~والازمان ونحن مقيمون على هذا الخلاف واين العلم الذي تدعونه وتزعمونه. # قالوا: وأن نسبتم قولكم إلى الشرع فالكلام على النقل الشرعى مثل ما قلناه ~~على من ادعى النقل من جهة العرب وقد بينا التقسيم فيه وبطلان وجهى ذلك فهذا ~~مثله هذا حجة القاضي ابى بكر محمد بن ابى الطيب ونهاية ما قالوا:. # واما حجتنا فنقول اجمع أهل اللغة على أن اقسام كلام العرب أربعة اقسام ~~أمر ونهى وخبر واستخبار وقالوا: الأمر قوله افعل والنهى قوله لا تفعل ~~والخبر قوله زيد في الدار والاستخبار قوله أزيد في الدار ومعلوم انهم إنما ~~ذكروا الاقسام المعنوية في كلامهم دون ما ليس له معنى فإذا قلنا أن قوله ~~افعل ولاتفعل ليس له معنى مقيد بنفسه بطل هذا التقسيم ببينه أن الخبر ~~والأستخبار كلام مقيد بنفسه من غير قرينة تتصل به فكذلك الأمر والنهى وهذا ~~الحقيقة وهى أن وضع الكلام في الأصل إنما هو للبيان والافهام وعلم المراد ~~من الخطاب ولو كان بخلاف ذلك لجرى مجرى اللغو والأخبار التى يقع القصد منها ~~إلى المغايرة وتعمية المراد وذهبت فائدة الكلام أصلا وهذا ظاهر الفساد وإذا ~~ثبت أن القصد من الكلام هو البيان واعلام مراد المخاطب فنقول المعلومات ~~متغايرة في ذواتها مختلفة في معانيها ولا بد لها من أسماء متغايرة ليقع ~~التمييز بتغايرها بين المعلومات فيحصل البيان عن المراد ولا نعرف فيها ~~الاشكال ومن جملة المعلومات التي لابد من البيان عنها الأمر والنهى والعموم ~~والخصوص والتفريق والتخيير إلى ما سوى ذلك من المعلومات والعرب قد جعلت ~~للأمر اسما وللنهى اسما وكذلك للتخيير والعموم والخصوص وغير ذلك وهو مثل ما ~~وضعوا الاسامى المنفردة لمعانى معلومة ووضعوا الحروف التى هي ادوات لمعانى ~~معلومة ايضا وإذا ثبت هذا فالواجب أن يكون كل شيء منها محمولا في الأصل على ~~ما جعل سمة له ودلاله عليه وأن يكون معقولا من ظاهره ما اقتضته صورته إلا ~~أن يرد دليل ينقله عنه إلى غيره ليصير الغرض من الكلام واللبس مرتفعا ~~فالبيان حأصلا والاشكال زائلا ms027 ومن حاد عن هذه الطريقة فقد جهل لغة العرب ~~ولم يعرف فائدة. # PageV01P050 # موضوعها وقد أنزل الله تعالى القران بلسان العرب وعلى اوضاع بيانها فقال ~~تعالى: {بلسان عربي مبين} [الشعراء:195] فعرفنا قطعا أن اوضاعهم مبينة وأن ~~منصوباتهم معتبرة يدل عليه أنه لا خلاف أن المفردات من الأسماء والاحاد من ~~الاجناس التي تتركب منها الجموع والمصادر التي تصدر عنها الافعال مستعملة ~~على ظواهرها غير متوقف فيها وكان حتى ما يبتنى منها وتتركب عليها من ~~الالفاظ الموضوعة للأمر والنهى والعموم والخصوص من أن تكون كذلك إذا كان ~~بعضها متركبا من بعض ومشتقا منه والبيان بكل منها من نوعه واقع به متعلق ~~فإذا توقفنا مع وجود اسمه وحصول الدلاله من جهة الظاهر فقد عطلنا البيان ~~وابدلنا فائدته. # فان قالوا: ما ذكرتم من أصل لكلام وتقسيم انواعه إنما هو منقول عن جماعة ~~من أهل اللغة مثل الخليل وسيبويه واقرانهما والعلم لا يحصل بتعلم بحال ~~وإنما يكون ذلك لكم حجة أن لو نقلتم عن العرب وهم لا يعرفون هذا التقسيم ~~وأما الذي قلتم أن الكلام في الأصل موضوع للبيان مسلم ولكن البيان ليس ~~مقصور على لفظ دون لفظ وعلى حالة دون حالة وأن لم يقع بيان الأمر والنهى ~~بصيغة قوله افعل ولاتفعل فيقع عند اتصال القرائن به ويقع ايضا بغير هذه ~~الالفاظ وعلى أنا ادعينا أن هذه اللفظة من جملة الأسماء المشتركة والأسماء ~~المشتركة باب عظيم منقول عن العرب والبيان يقع بها في محتملاتها عند ارادة ~~بعض وجوهها فكذلك ها هنا. # والجواب أن الذي حكيناه من اقسام كلام العرب وحكى عن جميع أهل اللغة وهم ~~الذين عنوا بمعرفة لسان العرب واخلطوا علما محدود اوضاعه فلما ارادوا أن ~~يحصروا علمه لمن بعدهم ولمن غاب داره عنهم من أهل عصرهم صنفوا كلام العرب ~~اصنافا وقسموا كلام العرب اقساما وقد عدوا الأمر من اقسامه كما عدوا الخبر ~~من اقسامه فلما كان ظاهر الخبر والاستخبار معمولا به فكذلك ظاهر الأمر ~~والنهى وهذا لان طريق العلم في كل واحد والنقل الذي ms028 في الجميع كان بجهة ~~واحدة لغرض واحد وهو العلم بكلام العرب فلا يجوز أن نعلم البعض ونجهل البعض ~~هذا محال. # واما قولهم أن البيان يقع ولا يختل مع التوقف الذي صرنا إليه. # قلنا إذا وضعوا للأمر قوله افعل وللنهى قوله لا تفعل ولم يفد بنفسه شيئا ~~اختل البيان. # بيانه أن اللغة وضعت لحاجات الناس فكل ما احتاجوا إليه وضعوا له اسما يدل # PageV01P051 # عليه ومعلوم أن الأمر والنهى من اشد ما تقع الحاجة إليه وهما داخلان في ~~عامة المخاطبات التي تدور بين الناس ونقل ذلك اكثر من الخبر والاستخبار ~~فيستحيل أن يخلو كلام العرب مع سعته وكثرة وجوهه من صيغة الأمر والنهى ~~ولفظة مفردة تدل عليهما بأنفسهما. # وأما الذي قالوا: أن هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة ويقع ~~البيان بهما عند ارادة احد وجوههما. # قلنا نحن لاننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة ولكن ليس هذا من جملتها ~~لانه لو كان يقول القائل لغيره افعل حقيقة في أن يفعل وحقيقة في التهديد ~~الذي يقتضى في أن لا يفعل أو غير ذلك مما ذكروه لكن اقتضاؤه لكل واحد من ~~هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر ولو كان كذلك لما سبق إلى ~~افهامنا عند سماعها من دون قرينة أن المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه كما ~~أنه لما كان اسم اللون مشتركا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة ~~من دون قرينة السواد دون البياض ومعلوم أنا إذا سمعنا قائلا يقول لغيره ~~افعل وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة فإن الاسبق إلى افهامنا أنه طلب ~~للفعل كما انا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارا فإن الاسبق إلى أفهامنا الدابة ~~المعروفة دون الابله الذي يشبه بها وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أن الاسم ~~المشترك وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو ~~طلب الفعل. # وأما الجواب عن كلامهم أما الأول قولهم أنه قد ورد لكذا وورد لكذا قلنا ~~هذه الصيغة موضوعة بنفسها لطلب الفعل وإنما ms029 حملنا على ما سواه في المواضع ~~التي ذكرها بقرائن دلت عليها. # وأما الأسماء المشتركة فقدمنا الجواب عنها وهذا لأن اللون والعين واشباه ~~ذلك لم توضع لشيء معين وإنما قوله افعل وضع لمعنى معين. # ألا ترى أن من أمر عبده أن يضع الثوب يكون لم يستحق له الذم باي صيغ من ~~صيغه فلو قال لعبده اسقنى استحق الذم بتركه السقى ولو كان قوله اسقنى ~~مشتركا بين الفعل والترك واشتراك اللون بين السواد والبياض لم يجز أن يستحق ~~الذم والتوبيخ بترك السقى وهذا لأن أهل اللغة لم يضعوا اسم اللون بعينه وقد ~~وضعوا قوله افعل لمعنى تعينه وهو طلب الفعل على ما سبق. # PageV01P052 # وأما كلامهم الثاني قلنا قد بينا بطريق النقل عن العرب الذين هم أهل ~~اللسان. # وقولهم أنه لم يقع لنا العلم بذلك قلنا هذه مكابرة ومباهتة. # بيانه أن العرب صاغوا قوله افعل ولاشك انهم صاغوا هذه اللفظة لمعنى مثل ~~ما صاغوا سائر الالفاظ لمعان وليس ذلك إلا لطلب الفعل الذي يعرفه كل احد من ~~معناه. # يدل عليه أنه إذا وجب الوقف بالأمر وجب الوقف بالنهى ايضا ثم حينئذ يصير ~~الأمر والنهى واحدا وهذا محال وعلى أن من مذهب الواقفية أن قوله افعل من ~~الأسماء المشتركة وإذا كان عندهم هكذا فجميع ما قالوه من التقسيم في ثبوت ~~الصيغة للأمر وانها تثبت بالعقل أو بالنقل ودعواهم أن العلم لم يقع لنا ~~بنقل ذلك من العرب ينقلب عليهم فيما ادعوه أنه من الأسماء المشتركة ولا ~~مخرج لهم عن هذا بحال وكل كلام امكن قلبه على قائله ويغير على ما جعله حجة ~~فانه يبطل من أصله والله الهادى إلى الصواب وهو المعين. # PageV01P053 ### | فصل: صيغة الأمر # ... # فصل: وإذا ثبت أن للأمر صيغة فنقول. # حد الأمر: أنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه1 ثم هو أمر بصيغته وليس ~~أمر بالارادة وعند المعتزلة هو أمر بارادة الأمر المامور2. # وقد حد بعضهم الأمر فقال حد الأمر أنه ارادة الفعل بالقول ممن هو دونه ~~وهذه المسألة أصولية فإن عندنا ms030 يجوز أن يأمر بالشيء وأن كان لا يريده وقد ~~أمر الله تعالى ابليس بالسجود لادم عليه السلام ولم يرد أن يسجد ونهى ادم ~~عن اكل الشجرة واراد أن ياكل وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ولم يرد ~~أن يذبح وهذا لأن ما أراد الله تعالى أن يكون لا بد أن يكون ولأن السيد إذا ~~قال لعبده افعل كذا يقال امره بكذا وأن لم يعلم مراده فدل أن الأمر أمر ~~بصيغته فحسب ثم إذا عرفنا هذا فنذكر بعد حكم الأمر موجبه. PageV01P053 # مسالة موجب الأمر الوجوب عندنا. # وهو قول اكثر أهل العلم1 هذا في الصيغة المتجردة عن القرائن والجملة أن ~~الأمر عندنا حقيقة في الوجوب وعند جماعة من المعتزلة أنه حقيقة في الندب ~~قال أبو هاشم أنه يقتضي الارادة فحسب فإذا قال القائل لعبده افعل افاد ذلك ~~أنه يريد منه الفعل فإن كان الفاعل حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على ~~حسنه تستحق لاجلها المدح فإذا كان القول في دار التكليف وأجاز أن يكون ~~واجبا وجاز أن لا يكون واجبا ويكون ندبا فإذا لم تدل دلالة على وجوب الفعل ~~وجب نفيه والاقتصار على المتحقق وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح. # وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر لا يقتضي إلا الندب2. # وعند جماعة أنه يقتضى الإباحة3 لا غير4 وذهب من قال أنه للندب إلى أن. ~~PageV01P054 # الأمر طلب الفعل فلا يجوز أن يكون موجبه الإباحة لأن الاباحة لا ترجح جهة ~~الفعل فيها على جهة الترك فلا يكون الأمر طلبا للفعل إذا حمل على الاباحة ~~فاما إذا حملناه على الندب فقد رجح جهة الفعل على جهة الترك لانا جعلنا ~~الفعل أولى من الترك فتحقق طلب الفعل في الأمر فظهرت حقيقته وإذا تحقق ~~الأمر في الندب فلا معنى لاثبات صفة زائدة عليه وهذا لان صفة الوجوب لا ~~دليل عليها لانه لما تحقق معنى الأمر في الندب لم يبق دليل على الوجوب. # قالوا: ولأن صفة الأمر لا تفيد إلا الارادة ولا فرق بين قول ms031 القائل افعل ~~كذا وبين قوله اريد أن تفعل كذا وأهل اللغة يفهمون من أحدهما ما يفهمون من ~~الآخر ويستعملون أحدهما مكان الآخر ثم قوله اريد منك أن تفعل كذا لا يفيد ~~الوجوب فكذلك قوله افعل وجب أن لا يفيد الوجوب ايضا ولأن أهل اللغة قالوا: ~~أن قوله افعل إنما يكون امرا إذا كان القائل فوق المقول له في الرتبة فإذا ~~كان دونه في الرتبة يكون سؤالا وطلبا ولا يكون امرا فلم يفرقوا بين السؤال ~~والأمر إلا بالرتبة ومعلوم أن هذه الصيغة في السؤال لا تقتضى ايجاب الفعل ~~على المسئول وإنما تقتضى الارادة فقط فكذلك في الأمر لانه لو اقتضى الوجوب ~~لا يفصل من السؤال شيء زائد على الرتبة وهذا لان الرتبة لا تقتضى الوجوب ~~بحال لأن عالي الرتبة قد يأمر بالندب كما يأمر بالواجب فلم يكن في الرتبة ~~ما يدل على الوجوب. # قالوا: ولأن الأمر ضد النهى ولا معنى لكونه ضدا إلا أن فائدته ضد فائدته ~~وفائدة النهى كراهة الناهى للمنهى عنه لاغير فكان فائدة الأمر ايضا ارادة ~~للأمر المامور به لاغير. # قالوا: ولانا امرنا بالنوافل وسائر الطاعات ونحن مطيعون لربنا بامتثالنا ~~لها ولا صفة لها سوى الندبية فدل أن الأمر يكون حقيقة في الندب وإذا ثبت ~~أنه حقيقة في الندب سقط الوجوب لانها زيادة لا معنى لها وأما حجتنا نستدل ~~أولا بما ورد في قصة ادم عليه السلام وابليس فإن الله تعالى ذكر امره ونهيه ~~في هذه القصة أما الأمر فإن الله تعالى قال: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن} [الكهف: 50] فإن الله امره بالسجود ~~لادم فخرج عن أمر ربه بقوله تعالى: {ففسق عن أمر # PageV01P055 # ربه} [الكهف: 50] ومعناه خرج فلعنه واخرجه من رحمته ونهى ادم عن اكل ~~الشجرة فاكله واخرجه من الجنة ووسمه بالعصيان ولم يحك لنا في القصة سببا ~~يقدم به اليهما غير مطلق الأمر. # والدليل عليه أنه قال تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ~~وقال تعالى في حق ادم: {ولا ms032 تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} ~~[الأعراف: 19] فدل هذا القول انهما يصيران ظالمين بمجرد ارتكاب النهى فإن ~~قيل إنما كفر ابليس لا بمخالفة الأمر لكن بالاستكبار وانكار فضيلة ادم عليه ~~السلام التي اكرمه الله بها والدليل عليه قوله تعالى: {إلا إبليس أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34] معناه صار من الكافرين باستكباره ~~وأما انكاره فضيلة آدم لأنه قال: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين} . # الجواب انا لاننكر استكباره وانكاره لفضيلة ادم التى وصفها الله تعالى له ~~لكن استدلالنا - بقوله: {ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50] وسمه بالفسق لخروجه ~~عن أمر ربه وايضا قال تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ~~ووبخه بمجرد ترك الأمر لانه افاد الوجوب ولولا ذلك لم يستقم توبيخه وذمه ~~بنسبة ذلك إلى مجرد ترك الأمر ويدل عليه أن الله تعالى قال: {لا تجعلوا ~~دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~[النور:63] فقد حذر الله تعالى خلاف الأمر واوعد عليه وبين تعالى أن امره ~~لنا ليس كأمر بعضنا لبعض في أنه لا يجب فإن لنا فيه الخيرة وقد قال تعالى ~~فى موضع آخر: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] فقد نفى الله تعالى ثبوت الخيرة فى ~~امره وانتفاء الخيرة نص في التحتيم والايجاب ويروى أنه عليه السلام دعا ابى ~~بن كعب أو رجلا آخر من اصحابه وهو يصلى فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء فقال ~~لم يمنعنى من اجابتك إلا انى كنت في الصلاة فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~الم تسمع قول الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم} 1 فأخبر أن الاجابة واجبة. PageV01P056 # عليه لهذا الخطاب وعنه عليه السلام أنه قال: "لولا أن اشق على امتى ~~لامرتهم بالسواك عند كل صلاة" 1 دل أنه إذا أمر وجب ms033 وأن لحقت المشقة. # واذا قلنا أن الأمر لا يوجب فلا مشقة وايضا فإن المتعارف من أمر الصحابة ~~رضى الله عنهم انهم عقلوا عن مجرد أوامر الرسول صلوات الله عليه الوجوب ~~وسارعوا إلى تنفيذها ولم يراجعوه فيها ولم ينتظروا لها قران الوعيد وارادته ~~اياها بالتوكيد ولوكان كذلك لحكى عنهم ولنقل القرائن المضافة إلى الأوامر ~~كما نقلت أصولها فلما نقلت اوامره ونقل امتثال الصحابة لها من غير تلبث ~~وانتظار ونقل ايضا احترازهم عن مخالفتها بكل وجه عرفنا انهم اعتقدوا فيها ~~الوجوب وهذا كله من الشرع وأما من حيث اللسان فلان العرب تستجيز نسبة ~~المخالف للأمر إلى العصيان احالة له إلى نفس المخالفة يقول القائل منهم ~~لغيره امرتك فعصيتنى وهذا شيء متدأول بينهم لا يمتنع أحد منهم عن إطلاقه ~~عند مخالفة الأمر قال شاعرهم: # امرتك امرا جازما فعصيتنى ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم # وقال دريد بن الصمة: # امرتهم امرى بمتعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # فلما عصونى كنت منهم وقد ... ارى غوايتهم واننى غير مهتد # ببينه أن العرب تقول امرتك فعصيتنى فعقب الأمر بالعصيان موصولا بحرف ~~الفاء فدل أنه كان ذلك مما سيق من الأمر ومخالفته كما تقول زرتك فاكرمتنى ~~أو زرتنى فاكرمتك يدلان أن المؤثر في اكرامه كان زيارته كذلك المؤثر في ~~معصيته خلافه لامره وإذا كان هو المؤثر دل أنه موجب فإن قالوا: قد يقول ~~القائل لغيره اشرت عليك فعصيتنى ولاتدل على أن الاشارة عليه موجبة. # قلنا إنما يقال في الاشارة فلم يقبل منى ولا يقال فعصيتنى إلا نادرا ولئن ~~قيل فهو على طريق التوسع لا على أنه حقيقة ودليل آخر معتمد وهو من اقوى ~~الادلة وهو. PageV01P057 # دليل معقول ووجه ذلك أن قوله افعل طلب الفعل لا محالة وطلب الفعل لا ~~محالة ايجاب وإنما قلنا أنه طلب الفعل لا محالة لان قوله افعل قضية الفعل ~~بلا اشكال من غير أن يكون للترك فيه مشاع لان الترك نقيض الفعل والشيء ~~لانقيض يقتضيه وكذلك لا تخيير فيه لان التخيير يأخذ ms034 طرفا من الترك فانه ~~يخبر ليفعل أو يترك والأمر يقتضى الفعل بكل حال من غير أن يكون للترك فيه ~~مشاع فلا يكون للتخيير فيه ايضا مشاع وإذا ثبت بطلان التخيير فيه والمندوب ~~إليه على التخيير لانه وأن كان الفعل منه أولى فالترك فيه جائز من غير أن ~~يكون فيه عيب على تاركه فبطل اقتضاء الندب ايضا على هذا الوجه وبقى ما قلنا ~~أن الأمر لا يقتضى طلب الفعل لا محال إنما يقتضي مجرد إرادة المأمور وارادة ~~المامور لا توجب الفعل قالوا: وهذا لانه لا فرق بين قول القائل لغيره افعل ~~وبين قول القائل اريد منك أن تفعل وهذا ليس بصحيح بل الأمر يقتضى الفعل بكل ~~حال على ما سبق وليس قوله افعل مثل قوله اريد أن تفعل لان قوله اريد منك أن ~~تفعل اخبار بالارادة فحسب وليس بطلب الفعل منه وأما قوله افعل طلب الفعل ~~صريحا فكيف يستويان وقد قال بعضهم في تقرير ما ذكرناه أن الأمر في اللغة ~~لما كان موضوعا لطلب الفعل والفعل لا يحصل إلا بالوجوب لان الفعل إذا لم ~~يكن واجبا لا يحصل لانه ترك فاقتضى الوجوب حتى يحصل فصار وجوبا بايجابه ~~فأوجبناه ليوجد. # يدل عليه أن الائتمار من حكم الأمر كما أن الانكسار من حكم الكسر كما ~~يقال كسر القنديل فانكسر وهدم الجدار فانهدم وأمر بكذا فائتمر وإذا كان ~~الائتمار من حكم الأمر اقتضى حصول الائتمار كالكسر اقتضى حصول الانكسار إلا ~~أن حصول الائتمار لما كان بفعل مختار اقتضى وجوب الفعل ليحصل الائتمار إلا ~~ترى أنه لما لم يكن الائتمار بفعل مختار حصل الائتمار عقيب الأمر بلا واسطة ~~كالانكسار عقيب الكسر قال الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون} [النحل: 40] وقال تعالى: {كونوا قردة خاسئين} والجواب في هذا ~~الدليل أن الائتمار لما كان حكم الأمر فاقتضى الأمر ثبوت الائتمار ضرورة ~~ولا ائتمار إلا بالأيجاب ليوجد لا محالة فيثبت الوجوب ضرورة هذا الطريق ~~وهذا دليل اورده أبو زيد وفيه تكليف شديد ms035 والذي ذكرناه من قبل احسن وقد ~~استدل المتقدمون في هذه المسالة بأمر السيد عبده بفعل من الافعال ثم إذا ~~خالف يجوز تاديبه وحسن منه ذلك عند العقلاء كافة. # PageV01P058 # ولولا أنه أفاد الوجوب لم يحسن تاديبه إلا بقرينة يصلها بامره ليدل على ~~الوجوب وحين جاز تاديبه ويقول له: اؤدبك لانك خالفت امري وعصيتنى ولاتهجن ~~في ذلك احد يسمع منه هذا المقال عرفنا أنه يفيد الوجوب بصيغته والاعتماد ~~على ماذكرنا وإذا عرفنا هذه الدلائل سهل الجواب عن شبههم. # أما الأول فقولهم أن الأمر طلب للفعل وقد ترجح الفعل على الترك بالندبية. # قلنا وأن ترجح جانب الفعل لكن الترك مدخل في الفعل. # فان قلنا أنه مندوب إليه لانه بتركه فيجوز له ذلك وقد بينا أن قوله افعل ~~يقتضى الفعل لا محالة وذلك هو الوجوب. # واما قولهم أن قوله افعل لا يقتضى إلا ارادة الفعل قد اجبنا عن هذا في ~~اثناء كلامنا وذكرنا الفرق بين قوله افعل وبين قوله اريد منك أن تفعل وعلى ~~انا بينا فيما تقدم أن الأمر لا يدل على الارادة ويجوز أن تأمر الأمر بما ~~لا تريده من المأمور. # واما قولهم أن الأمر إنما يكون أمر بالرتبة. # قلنا ليس فيما قلناه اكثر من أن السؤال لا يقتضى الوجوب وهذا كلام باطل ~~لان السؤال ليس بأمر والكلام في موجب الأمر. # وقولهم انهم فرقوا بمجرد الرتبة قلنا واى مانع من التفريق بالرتبة واللغة ~~منقولة عن أهل اللسان فإذا سمعوا عن هذا امرا وهذا سؤالا وفرقوا بالرتبة لا ~~بالصيغة وقع الفرقان ولم يدل عدم الوجوب في السؤال على عدم الوجوب في ~~الأمر. # بيانه أن القائل لغيره افعل على طريق السؤال نعتقد أن فعله لذلك على طريق ~~التطول والتفضل لا على طريق الخروج عن الأمر حتى أنه إذا لم يفعل لا ينسب ~~إلى العصيان والخلاف وإنما ينسب إلى طريق التفضل والتكرم وهاهنا نعتقد ~~الأمر أن فعله كالمامور على جهة الخروج عن الأمر وينسب إلى العصيان والخلاف ~~عند ترك المامور فإن قالوا: أن الإنسان إذا ms036 قال لمن هو فوقه افعل كذا يطلب ~~منه الفعل لا محالة من غير أن يدع له في تركه مساغا مثل ما إذا قال لمن هو ~~دونه افعل. # قلنا ليس كما قلتم لانه سؤال على طريق التذلل والخضوع فيطلب منه الفعل مع ~~اعتقاده أنه على تخييره وأن فعله تفضل منه بخلاف مسالتنا فانه يطلب منه ~~الفعل على طريق الاستعلاء عليه ويعتقد أنه لاخيرة له فيه بحال فكان مقتضيا ~~للإيجاب على. # PageV01P059 # ما سبق فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل وهو معتمدهم وأما قولهم بان النهى ~~يفيد الكراهة فيفيد الأمر والإرادة. # قلنا عندنا أن النهى للتحريم فيكون الأمر للايجاب وسياتى هذا من بعده. # واما قولهم أن النوافل مامور بها. # قلنا بلى ولكن على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة فإن قلنا على طريق ~~الحقيقة سيتبين من بعد وقد قال بعض المخالفين لو كان مطلق الأمر ظاهر يدل ~~على الوجوب لم يكن لورود التاكيد عليه معنى فحين دخل عليه التأكيد من ذكر ~~الالزام والايجاب وذكر الوعيد وما يجرى مجراه علمنا أن الوجوب كان بذلك ~~وايضا فانه يحسن الاستفسار من المخاطب ولو كان صيغته الوجوب لم يحسن ~~الاستفسار وليس واحد من هذين الكلام بشيء أما الأول فإن اللفظ قد يؤكد فإن ~~كان له ظاهر معمول به مثل قولهم ثلاثة وسبعة فتلك عشرة والتاكيد واسع في ~~كلام العرب. # قال أبو المكارم الاعرابى هو شيء شد به كلامنا وأما الاستفسار فلا نسلم ~~حسنه بعد أن يكون الكلام معلوما في نفسه وعلى أنه أن قيل فهو نوع استظهار ~~وطلب زيادة شرح وتبيين وهو ايضا داخل في كلام العرب مع كون الكلام صحيحا في ~~نفسه معمولا به والله اعلم بالصواب. # PageV01P060 ### | فصل: صيغة الامر إذا وردت إبتداء أوبعد حظر فإنها تقتضي الوجوب # ... # فصل # ثم اعلم أن هذه الصيغة سواء وردت ابتداء أو وردت بعد الحظر فانها تقتضى ~~الوجوب1 2. PageV01P060 # وقال بعض اصحابنا إذا وردت بعض الحظر اقتضت الاباحة1 وعليه دل ظاهر قول ~~الشافعى2 رحمه الله في أحكام القران3. # وتعلق من قال ms037 بالقول الثانى بان الأمر المطلق المتجرد عن القرائن هو ~~الدليل على الوجوب وتقدم الحظر قرينة دالة على الاباحة مثل قوله: {وإذا ~~حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ولأن عرف الشرع وعرف العادة معتبر والمعروف ~~في الأمر الوارد بعد الحظر في الشرع أنه يفيد الاباحة بدليل قوله تعالى: ~~{وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] وبدليل قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا} [الجمعة: 10] وكذلك عرف العادة فإن من قال لعبده لا تدخل الدار ~~ثم قال ادخل كان المعقول منه رفع النهى المتقدم لا ايجاب الدخول. # واما الدليل على القول الأول وهو الاصح أن صيغة الأمر الوارد بعد الحظر ~~مثل صيغة الأمر الوارد بعد الحظر مثل صيغة الأمر الوارد ابتداء فإذا كانت ~~صيغة الأمر ابتداء فإذا كانت صيغة لمر ابتداء مفيدة للوجوب كذلك الوارد بعد ~~الحظر وهذا لان الموجب هو الصيغة والصيغة لا تختلف بتقدم الحظر وعدم تقدمه ~~ولأن النهى الوارد بعد الاباحة يفيد ما يفيده النهى ابتداء كذلك الأمر ~~الوارد بعد الحظر يفيد ما يفيده في الابتداء وربما يمنعون هذا. # واما قولهم أن تقدم الحظر قرينة لا نسلم وهذا لان الحظر ليس له اتصال ~~بالأمر المتآخر فكيف نجعل قرينة فيه وهذا لان المنع فى الشريعة فى الالفاظ ~~لا الاعراض اذ الاعراض لا يمكن الوقوف عليها فوجب ترك التفتيش عنها ولزم ~~الرجوع إلى حقائق. PageV01P061 # الالفاظ فى الشريعة. # واما قولهم أن الكلام يحمل على عرف الشرع وعلى عرف العادة. # قلنا أما ما ذكروا من الايات فإنما حمل الأمر على الاباحة في هذا الموضوع ~~بدليل. # واما الذي ذكروه من عرف العادة فلا نسلم ذلك والعادة فى ذلك مختلفة فلا ~~يمكن الرجوع إليها فنرجع إلى نفس اللفظ على ماسبق. # ألا ترى أن لفظ الايجاب وهو قول القائل اوجبت كذا والزمت كذا لافرق فيه ~~بين أن يرد به قبل الحظر أو يرد ابتداء كذلك لفظ الأمر الذي يقتضي الإيجاب ~~يكون كذلك. # PageV01P062 ### | فصل: اختلاف الاصحاب فى الأمر إذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب # ... # فصل # ثم اختلف اصحابنا فى الأمر إذا قام الدليل ms038 فيه على انتفاء الوجوب وحمل ~~على الندب هل هو مأمور به أولا فمن اصحابنا من قال ليس بمأمور به ولئن سمى ~~مامورا به فهو على المجاز. # ومنهم من قال هو مامور به حقيقة. # اما الذين قالوا: بالأول يذهبون إلى أن الأمر حقيقة في الايجاب فإذا ~~استعمل في غير الايجاب يكون مجازا كما لو استعمل فى الاباحة وكسائر الالفاظ ~~التى تستعمل فى غير موضعها أما الذين قالوا: بالثانى ذهبوا إلى أن الواجب ~~ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على ~~تركه فإذا حمل الأمر على الندب فقد حمل على بعض ما اشتمل عليه الواجب فكان ~~حقيقة فيه كما لو حمل العموم على بعض مدلوله فإنه يكون حقيقة فيه كذلك ~~هاهنا. # والأول احسن لان المندوب إليه غير الواجب قطعا وبان كان يثاب على فعله ~~المندوب إليه لا يذهب هذه الغيرية لأن الشيئين يجوز أن يستويا فى بعض ~~الأشياء وأن كانا مختلفين لعدم التشابه فى باقى الاوصاف وإذا ثبت الاختلاف ~~فإذا حمل الامرعليه عرفنا قطعا أنه استعمل فى غير حقيقته فلا بد أن يكون ~~مجازا. # PageV01P062 ### | فصل: أذا ورد الدليل على انه لم يرد بالأمر الوجوب # ... # فصل # اذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز الاحتجاج به على ~~الجواز ومن اصحابنا من قال يجوز لان الوجوب وأن انتفى فانتفاؤه لا يدل على ~~انتفاء الجواز # PageV01P062 # والأول اظهر لان اللفظ لم يوضع للجواز أما وضع للايجاب والجواز يدخل فيه ~~على طريق التبع فإذا سقط الأصل سقط ما دخل فيه على سبيل التبع1. ~~PageV01P063 ### | ............................................................................ # PageV01P064 # مسألة: الأمر لا يفيد التكرار على قول اكثر اصحابنا. # وقال بعضهم يفيد التكرار وهو اختيار الاستاذ ابى اسحاق الاسفرائينى. # وقد قال بعض اصحابنا أنه لا يفيد التكرار ولا يحتمله فالأولى أن تقول أنه ~~يحتمله لكن لا يفيده بمطلقه1. PageV01P065 ### | ................................................................... # PageV01P066 ### | .................................................................... # PageV01P067 ### | ........................................................................... # PageV01P068 # أما الذين قالوا: أنه يفيد التكرار تعلقوا بحديث الاقرع بن حابس أنه قال ~~يا رسول الله احجتنا هذه لعامنا أم للابد فقال: "للابد ولو قلت: لعامنا ms039 ~~لوجب وما استطعتم" 1. # فقد اشكل عليه أنه على التكرار أو لا على التكرار ولو كان لا يفيد لما ~~اشكل عليه ولم يكن لهذا السؤال معنى ولأن الأمر ضد النهى وهو في طلب الفعل ~~مثل النهى في طلب الكف عن العمل ثم النهى يفيد التكرار وكذلك الأمر حتى لو ~~ترك الفعل مرة ثم فعله يكون مرتكبا للنهى كذلك هاهنا إذا فعل المامور مرة ~~ثم لم يفعله يكون تاركا للأمر ولانه يفيد الفعل ويفيد اعتقاد الوجوب ثم هو ~~يفيد اعتقاد الوجوب على الدوام فيفيد الفعل على الدوام والدوام فيه أن ~~يفعله على وصف التكرار ولو اقتضى الفعل مرة وجب أن لا يجوز عليه النسخ لانه ~~يكون بدءا والبداء على الله تعالى لا يجوز ولأن الأمر لا يتخصص بوقت دون ~~وقت فليس بأن يقال يجب فى بعض الاوقات بأولى من قول القائل يجب فى البعض ~~فوجب فى كل الاوقات وهذا لان القول بالاستيعاب واجب فى الخطاب لطلب كثرة ~~الفوائد والتكرار من الاستيعاب وقد اتفقنا على أن الأمر لا يتناول ما ينطلق ~~عليه الاسم حتى لو قال لغلامه كل فأكل لقمة واحدة لا يكون ممتثلا للأمر ~~وإذا لم يحمل على ادنى ما ينطلق عليه الاسم وجب أن يحمل على جنس ما ينطلق ~~عليه الاسم لأن مالا يحمل على الخصوص يحمل على العموم لأن القول بالعموم فى ~~كل ما يمكن فيه القول واجب. # وأما حجتنا فنقول قوله صل أمر بما قوله صلى خبر عنه كذلك قوله صل لا ~~يقتضى فعل مرة واحدة ليكون قوله صلى خبرا عنه كذلك قوله صل لا يقتضي الفعل. ~~PageV01P069 # إلا مرة ليكون قول صل امرا به وهذا لأنه قوله صل أحد تصارف الفعل فصار ~~كما لو قال صلى وهذا لأن تصاريف الفعل لا تختلف عن الفعل لأن الفعل واحد فى ~~الكل وإنما اختلفت تصاريفه فإذا كان واحدا فى تصريف الخبر وتصريف المستقبل. # مثل قوله ضرب يضرب كذلك فى تصريف الأمر وهم يوردون على هذا تصريف النهى ~~وسنجيب عنه. # ويمكن أن يقال ms040 مثال مأخوذ من المصدر كالخبر. # ألاترى أن ضرب مأخوذ من الضرب فكذلك اضرب مثال مأخوذ من الضرب فثبت ~~استواؤهما من هذا الوجه وهكذا الحقيقة وهو أن الأمر يقتضى الامتثال فلا ~~يتناول إلا قدر ما يصير به ممتثلا للأمر وبالفعل مرة يصير ممتثلا للأمر دل ~~أن الأمر تناوله بلا زيادة فإن قالوا: إنما يصير ممتثلا بعض الأمر دون ~~الكل. # قلنا لا يصير ممتثلا كل الأمر فإن من قال لغلامه اسقنى فسقاه مرة يصير ~~ممتثلا كل ماأمره به وكذلك إذا قال اشتر لحما وخبزا ففعل مرة صار ممتثلا ~~على الإطلاق. # ألاترى أنه لو كرر فى هذه الصورة يجوز أن يعاقبه السيد فيقول: أمرتك مرة ~~فلم زدت عليه وأيضا فإن الغلام يعد نفسه ممتثلا للأمر وكذلك العقلاء يعدونه ~~ممتثلا للأمر ولا يستحسنون عتابه فى ترك الأمر وهذا لأن قوله صل معناه صل ~~صلاة وكذلك قوله صم وكل واشرب وادخل واشتر وقوله صلاة وصوما نكرة فى اثبات ~~وأجمع أهل اللغة أن النكرة فى الاثبات تخص ولا تعم فاقتضى وجود ما سمى صلاة ~~وصوما أو دخولا وخروجا أو شربا أو أكلا وخرج على هذا فصل النهى الذى تعلقوا ~~به لأنه على الصورة التى قلنا بها يكون نكرة فى النفى تعم ولا تخص بالإجماع ~~ونظير النكرة فى النفى قوله ما رأيت رجلا ونظير النكرة فى الإثبات رأيت ~~رجلا. # فإن قالوا: إنما تجعل كأنه قال افعل الصلاة وافعل الصوم أوافعل الدخول ~~وإدخال الألف واللام يقتضى استيعاب الجنس. # قلنا إنما نقدر من المصدر ما يستقبل به الكلام وقد استقل متعد وصلاة ~~منكرة وصوم منكر فلا حاجة إلى تقديره بالألف واللام وقد قال الأصحاب أن ~~الطاعة والمعصية فى الأوامر على مثال البر والحنث فى الأيمان ثم البر ~~والحنث في الأيمان يحصل فى الفعل مرة والأمثلة معلومة كذلك الطاعة والمعصية ~~فى الأوامر وعلى هذا أوامر العباد فى قولهم طلق وأعتق وبع واشتر وتزوج ولا ~~تتزوج فإن فى هذه الصورة # PageV01P070 # يحصل الامتثال بفعل المأمور مرة واحدة. فإن قالوا: أن الخلاف فى ms041 قضية ~~الأمر فلا يجوز أن نلتمس ذلك من قضايا الشرع خصوصا فى الشرعيات التى تثبت ~~على العادات. # قلنا بل هو على ما قلتم فى البر والحنث من قضايا الشرع لكن هذه القضايا ~~جاءت على ما يوافق اللغة وهذا لأنه يجب أن نعرف مقتضى الأفعال ثم نبنى ~~الشرع عليه فيستدل بإجماعهم فى هذه المسائل على أن الأوامر ما اقتضت الفعل ~~إلا مرة واحدة على أنهم علموا أن الأمر لا يقتضى الفعل إلا مرة واحدة حتى ~~بنوا الأحكام على هذا الأصل. # أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما تعلقهم بحديث الأقرع يقال لهم أولا لو ~~كان الأمر يقتضى التكرار لم يقل أم للأبد بل كان ينبغى أن لا يشتبه عليه ~~ذلك ثم نقول إنما سأله لأنه وجد أوامر فى القران مقتضية للتكرار لكن مثال ~~لذلك لأنه ظن من هذا الأمر مثل تلك الأوامر. # فإن قالوا: نحن نتعلق بالأوامر التى وردت فى القران واقتضت التكرار. # قلنا نحن لا ننكر احتمال الأمر للتكرار لكن إنما أنكرنا أن يكون موضوعا ~~لذلك فأما إذا وردت فأريد بها التكرار بدليل يقوم على ذلك فنحن لا ننكره ~~وعلى أنه ورد فى القران من الأوامر ما لا يقتضى التكرار مثل قوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ومثل قوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وأما تعلقهم ~~بالنهى واعتبارهم الأمر بذلك فغير صحيح فإنه يمكن أن يقال أولا لا نسلم أن ~~النهى يقتضى التكرار لأن معنى التكرار أن يفعل فعلا وبعد فراغه منه يعود ~~إليه وهذا لا يوجد فى النهى لأن الكف فعل واحد مستدام وليس بأفعال مكررة ~~بخلاف الأمر فإنه يوجد فيه أفعال متكررة على ماذكرنا والأمر فيه دليل على ~~الفعل وليس فيه دليل على إعادة الفعل بعد الفراغ منه وعلى أنه أن بينت ~~الفرق الذى قالوه. فيقال لا فرق بينهما لغة فإن واحدا منهما لا يفيد ~~التكرار لغة وإنما افترقا من حيث العرف فإن من قال لغلامه افعل كذا واخرج ~~إلى السوق فإن ms042 هذا الأمر يقتضى أن يفعل مرة فقط وإذا قال لا تخرج أو لا ~~تفعل يقتضى هذا النهى أن لا تفعل أبدا فالفرق كان من حيث العرف لا من حيث ~~اللغة وقد قال بعض أصحابنا فى الفرق بين. # PageV01P071 # الأمر والنهى إن فى حمل الأمر على التكرار ضيقا وحرجا يلحق الناس لأنه ~~إذا كان الأمر يقتضى الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره وتعطل عليه جميع ~~مصالحه وأما النهى لا يقتضى إلا الكف والأمتناع ولا ضيق ولا حرج فى الكف ~~والامتناع وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف ويضيق عن أنواع الفعل وهذا ~~الفصل يضعف لأن الكلام فى مقتضى اللفظ فى نفسه وأما التضايق وعدم التضايق ~~معنى يوجد من بعد وربما يوجد وربما لا يوجد فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ ~~وعلى أنه يلزم على هذا الفصل أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام إلا القدر ~~الذي يعتذر عليه ويمنعه من قضاء حاجته وهذا لا يقوله أحد وقد بينا الفرق ~~بين الأمر والنهى فى قولنا أن الأمر لا يقتضى فعلا على وجه التنكير وهو ما ~~يخص فى الأمر ويعم فى النهى وهو جواب معتمد وأيضا فإنه يمكن أن نفرق بينهما ~~بالمسائل التى ذكرناها فى البر والحنث وكذلك مسائل الوكالات. # وأما قولهم أن اعتقاد الوجوب يجب على الدوام. # قلنا لا يجب عليه إلا أن يعتقد وجوب الفعل مرة إلا أنه لا يجوز أن يترك ~~هذا الاعتقاد لأنه يؤدى إلى أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو به وهو مثل ما ~~إذا قيل بمرة واحدة فإنه يلزمه إعتقاد وجوبه على ما يلزمه فى الأمر المطلق ~~ومع ذلك هو غير مقيد للتكرار. # وأما قولهم أنه لوأفاد العمل مرة لم يجز عليه النسخ. # قلنا عندنا يجوز نسخ المأمور قبل وجود وقت فعله ولا يكون أداء فكيف يكون ~~هذا أداء وسنبين ذلك من بعد. # وقد قال بعض أصحابنا إنا إذا قلنا أن الأمر على الفور ويقتضى الفعل مرة ~~لا يجوز عليه النسخ وإنما يجوز النسخ عليه إذا دل ms043 الدليل على إفادته ~~التكرار وأن قلنا أنه دليل على التراخى والأمر وأن اقتضى الفعل مرة ولكن ~~الأوقات تتناوب فيه فجاز النسخ بعد ما مضى وقت واحد ولا يدل ذلك على الأداء ~~وأما الذي قالوا: أنه ينبغى أن يحمل على العموم فى الجنس. # قلنا قد بينا أن التقدير فى اللفظ صل صلاة أو صم صوما وعلى هذا لا يجوز ~~حمله على الإستيعاب فى الجنس وحين وصلنا إلى هذا الموضع فقد إنتهت المسألة. # PageV01P072 # ومما يتفرع على هذه المسألة الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يتكرر ~~بتكرارها1. # والمذهب الصحيح أنه لا يتكرر بتكرارها وقضيته عند وجود الشرط والصفة مثل ~~قضيته عند إطلاق الأمر. # وزعم بعض أصحابنا أنه يتكرر بتكرارها2 وأن كان لا يفيد التكرار عند. ~~PageV01P073 # الإطلاق1 وتعلقوا بالأوامر المعلقة بالشروط فى القرآن فإنها تتكرر بتكرار ~~الشروط كذلك ما جاء فى غير القران يكون كذلك ولأن الشروط كالعلة. # ألا ترى أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط مثل ما إذا وجدت العلة وجد ~~المعلول ولا خلاف أن المعلول يتكرر بتكرار العلة كذلك وجب أن يتكرر المشروط ~~بتكرار الشرط ولأنه لا خلاف أن النهى المتعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط ~~فكذلك الأمر يكون كذلك. PageV01P074 # لأنه ضده ولأن عمل أحدهما فى الفعل مثل عمل الآخر فى الكف عن الفعل وأما ~~الدليل لنا أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وكذلك المعلق بالشرط لأن الشرط ~~لا يقتضى إلا تآخر الأمر إلى وجود الشرط ثم إذا وجد الشرط تعين الأمر منزلة ~~الإبتداء فى هذه الحالة فلا يفيد إلا ما يفيده عند ابتدائه ولأنه إذا قال ~~لغلامه إذا دخلت السوق فاشتر كذا فإنه لا يفيد أنه كلما دخل السوق يجب عليه ~~أن يشترى اللحم وهذا معلوم قطعا ومن ادعى خلافه فهو مكابر. # وأما تعلقهم بالأوامر الواردة قبل الشرع على التعليق بالشرط. # فقلنا لم يكن ذلك قضيته الأمر بل كان ذلك بدلا دلت عليه قرائن اقترنت ~~بالأمر فأفادت ذلك. # وأما التعلق بالعلة قلنا العلة موجبة للحكم والموجب لا ينفك عن الموجب أو ~~هي ms044 دلالة على الحكم والدليل لا ينفك عن المدلول وأما الشرط فليس بموجب ~~للحكم ولا هو دلاله عليه إنما هو علامة على الحكم فحسب ويجوز أن يوجد الشرط ~~ولا مشروط وسنبين بعد هذا الفرق بين العلة والشرط وعلى الإيجاز نقول هاهنا ~~أن الحكم يقتصر ثبوته على العلة ولا يحتاج إلى أمر آخر وثبوت المشروط لا ~~يقتصر على الشرط بل يحتاج إلى موجب يوجبه وهو العله. # مثال هذا أن كون الواحد منا حيا شرط لكونه قادرا وكونه قادرا لا يثبت ~~كونه حيا بمعنى آخر وراء الحياة. # وأما تعلقهم بالنهي فقد أجبنا عنه في المسألة الأولى والله أعلم. # مسألة: إذا ثبت أن الواجب بالأمر الفعل الواحد فهو على الفور أو على ~~التراخى. # اختلف أصحابنا فيه. # فقال ابوعلى بن خيران وأبو على بن أبى هريرة وأبو بكر القفال وأبو على ~~صاحب الإفصاح أنه على التراخى وهو الأصح وهو قول أكثر المتكلمين ونصره أبو ~~بكر محمد بن الطيب وقاله أبو على وأبو هاشم. # وزعم أبو بكر الصيرفى من أصحابنا والقاضى أبو حامد وأبو بكر الدقاق أنه ~~على الفور وهو قول أكثر أصحاب أبى حنيفة وذهب إليه طائفة من المتكلمين. # PageV01P075 # وقال بعضهم أنه على الوقف ولا يحمل على الفور ولا على التراخى إلا ~~بدليل1. PageV01P076 ### | ...................................................................... # PageV01P077 # واعلم أن قولنا أنه على التراخى ليس معناه على أنه يؤخر عن أول أوقات ~~الفعل لكن معناه أنه ليس على التعجيل. # والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير ~~أن يكون له تعرض للوقت بحال. # وعند الآخرين أن قوله افعل يقتضى الفعل في أوقات الإمكان فمنهم من قال أن ~~لفظ الأمر يقتضى كذلك ومنهم من قال أن الواجب المستفاد بالأمر يقتضيه. # أما من قال منهم أن لفظ الأمر يقتضى ذلك فاستدلوا بأمر السيد عبده وصورته ~~أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه أن يعجل سقيه الماء ولو لم ~~يفعل استحسن العقلاء ذمة على تأخير سقيه. # قالوا: فإن قلتم أنه اقتضى ذلك بقرينة ms045 نقول أن السيد يعلل ذمه لعبده ~~فيقول: أمرته بشيء فأخره فلا يحل الذم إلا على مجرد تأخير الأمر هذا دليل. # واستدل أيضا من قال أن لفظ الأمر يقتضي العجل بأن الوقت وأن لم يكن ~~مذكورا في لفظ الأمر فإن الفعل لما كان إنما يقع في وقت وجب أن يفيد إيقاعه ~~في أقرب الأوقات إليه كما أن ألفاظ البيع والنكاح والطلاق والعتاق يفيد ~~وقوعهما فى أقرب الأوقات إليها. # ببينة أن هذه الأشياء إيقاعات من غير أن يكون فيها تعرض للوقت فإذا كان ~~موضوعها على التعجيل لأن الوقت الأول أقرب الأوقات إلى الإيقاع كذلك الأمر ~~الذي هوطلب الفعل. # وأما دليلهم من حيث النظر في فكرة الأمر فمن وجوه:. # منها أن الأمر قد اقتضى وجوب الفعل في أول الفعل والدليل عليه أنه لو ~~أوقعه المكلف فيه أسقط بذلك الفرض عن نفسه فجواز تأخيره نقض لوجوبه لأن حد ~~الواجب ما لا يسع تركه ولاشك أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه فثبت أن في ~~التأخير نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة وهذا باطل وهذا دليل معتمد. # قالوا: فإن قلتم أن التأخير لا ينقض الوجوب ولا يلحقه بالنافلة لأن ~~النافلة يجوز الإخلال بها أصلا وهذا لا يجوز الإخلال به لأنه وأن أخره فلا ~~بد أن يفعله في PageV01P078 # زمان غيره وهذا غير صحيح لأن الإلزم هو وجوبه في أول أوقات الإمكان ثم ~~جواز تركه فقد يلحق بالنافلة في هذا الوقت وليس الإلزام أنه التحق بالنافلة ~~على الإطلاق حتى يفصلوا بينه وين النوافل المطلقة إنما الإلزام الحاقه ~~بالنافلة في وقت وجوبه. # قالوا: وقول بعض أصحابكم أن التأخير إنما جاز ببدل يقيمه مقام فعله وهو ~~العزم على فعله في الوقت الثاني فهذا كلام باطل لأنه أولا إثبات بدل ~~العبادة لادليل عليها. # فإن قلتم وجوب العزم بالإجماع على أداء الفعل في الثاني دليل نقول لكم ~~ومن بسلم بهذا الإجماع بل لو قيل أن الإجماع على سقوط وجوب العزم كان صحيحا ~~فإن من دخل عليه وقت الصلاة فأخرها عن أول وقتها من ms046 أن يخطر بباله عزما أو ~~ترك عزم فإنه لا يعلم بين الأمة خلاف أنه يجوز له ذلك وإذا فعل الصلاة من ~~بعد في وقتها لم يكن عليه وزر ولا وبال وقالوا: اللهم إلا أن يكون المعنى ~~من الوجوب العزم الذي هو أصل ما يجب على كل مؤمن من التزام الفعل وكونه على ~~أدائه وترك الإخلال به وهذا أمر لا يختص بالأوقات فإنه يجب على كل إنسان في ~~العبادات قبل دخول أوقاتها بعد دخولها في قضية الأوامر الواجبة بعد وجود ~~أوقاتها قالوا: ولأن العزم لو كان بدلا عن العبادة لوجب أن يقوم مقام ~~العبادة بحال لأن البدل ما يقوم مقام الأصل فى وجوه مصالحها وأجمعنا على ~~أنه لا يقوم مقام العبادة بحال فإن أصل الفعل لا يسقط بالعزم على الفعل ~~بوجه ما. # قالوا: فإن قلتم أنه يقوم مقامه في الوقت الأول دون الوقت الثاني. # نقول إذا قام مقامه في الوقت الأول وقضية الفعل في الوقت الأول سقوط ~~الفرض عن المكلف فينبغي أن يقوم مقامه في هذا الغرض قالوا: ولأنكم اعتقدتم ~~هذا الأمر فرضا آخر معجلا وهو العزم على الفعل من غير أن يكون لصيغة الأمر ~~تعرض له واعتقدتم تأخير الفعل مع اقتضاء الأمر الفعل ولا دليل على التأخير ~~وهذا خطأ فاحش فبطل قول من قال أن العزم يدل وصح الدليل الذي تعلقنا به. # دليل آخر للقائلين بموجب الأمر على الفور وهو أن الأمر بالفعل يقتضي ~~الفعل ويقتضي اعتقاد وجوبه ويقتضى العزم على فعله ثم كان اقتضاؤه اعتقاد ~~الوجوب واقتضاؤه العزم على فعله على الفور والتعجيل فكذلك اقتضاؤه الفعل ~~يكون على هذا الوصف أيضا وتعلقوا بالنهى أيضا فإنه يقتضي الإنتهاء عن الفعل ~~على الفور فكذلك. # PageV01P079 # الأمر يكون اقتضاؤه بالفعل على الفور ولأن كل واحد نظير صاحبه ومما ~~يعتمدون عليه وهو شبه المسألة وإشكالها أن القول بالتأخير يؤدى إلى أقسام ~~كلها باطلة فيكون باطلا فى نفسه لأن ما يؤدى إلى الباطل باطل وإنما قلنا ~~ذلك لأنه إذا جاز التأخير فلا يخلو أما أن ms047 يجوز إلى غاية أو لا إلى غاية ~~فإن جاز لا إلى غاية فإما أن يجوز إلى بدل أو لا إلى بدل فإن قلتم لا إلى ~~بدل فهذا نقض لوجوبه وإلحاق له بالنوافل وهو لا يجوز وأن قلتم يجوز إلى بدل ~~فإما أن يكون البدل هو العزم على فعله فى الوقت الثانى أو الوصية به فأما ~~العزم فقد أبطلنا كونه بدلا والمعتمد فى إبطاله أنه لا دليل على كونه بدلا ~~فلا يجوز تأخير العبادة إلى بدل لا دليل عليه. # فان قلتم أن الإجماع ثابت على وجوب العزم فقد بينا أن لا إجماع وعلى أنه ~~وأن وجب العزم فوجوب الشيء لا يدل على أنه يكون بدلا من غيره بل الأصح أن ~~الأمر يوجب الفعل أصلا ويوجب العزم عليه أصلا إلا أن وجوب أحدهما بالصريح ~~ووجوب الآخر بالدلالة وأما القول بجواز التأخير إلى بدل الوصية فباطل أيضا ~~لأنه ليس كل العبادات مما يجوز الوصاية بفعلها وعلى أنه أن كان أمر الله ~~تعالى لنا أن نفعل العبادة لا يمنع من أن يعزم على الإخلال أو يوصى غيرنا ~~بها لم يمنع أيضا أمرنا الوصى أن يوصى بما وصيناه به ويحل بفعله بنفسه ~~وكذلك القول فى الوصى الثانى والثالث إلى ما لا يتناهى. # قالوا: وأن قلتم يجوز التأخير إلى غاية فلا يخلوا لنا أن تكون الغاية ~~معينة أو موصوفة فالمعينة أن يقال يجوز له التأخير إلى اليوم الثانى أو ~~الثالث أو وقت كذا أو سنة كذا فلا يجوز تأخيره بعده وهذا لم يقل به أحد ولا ~~دليل عليه فهو باطل. # وأما الموصوفة فهو أن يقال يجوز له تأخيره إلى الوقت الذي يغلب على ظنه ~~أنه لو آخر عنه فات وهذا لا يخلوا أما أن يغلب على ظنه لا بأمارة أو يغلب ~~على ظنه بأمارة من شدة مرض وعلو سن وغير ذلك وهذا باطل ايضا أما غلبة الظن ~~لا عن إمارة فليس بشيء لأن الظن لا عن أمارة لا يجوز تعليق حكم الشرع به ~~ولأنه قد يغلب ms048 الظن على السوء اى فى الموت وغيره ولا يجوز أن نعتبر مثل هذا ~~الظن فى شيء وأما الظن عن أمارة فهو باطل أيضا لأن كثيرا من الناس يموتون ~~فجأة وبغتة ولا يوجد لهم غلبة الظن فيموتون فما قلتم يقتضى أنه لم تجب ~~عليهم العبادة لأنه قد جاء عندكم التأخير إلى غاية ولا غاية فى حقهم وكان ~~التأخير لهم جائزا على الإطلاق. # PageV01P080 # فانتقض الوجوب فى حقهم أصلا. # ببينة وهو الإشكال أن الأمر بالفعل يقتضى الفعل لا محالة هذا الطريق صار ~~موجبا للفعل على ما سبق بيانه وعلى ما قلتم لا يكون موجبا للفعل لأنه لا ~~يكون مقتضيا للفعل لا محالة لأنه إذا جاز التأخير ولم يتضيق عليه فى وقت ما ~~فلا وجوب وأن تضيق عليه فى وقت ما فلا يكون ذلك التضييق على العموم فى حق ~~المكلفين فإنه أن يضيق فى حق من يغلب على ظنه لا يتضيق فى حق من لا يغلب ~~على ظنه ويموت بغتة فلا يكون الأمر مقتضيا للفعل لا محالة فينتقض الوجوب. # والحرف أن الأمر إذا أوجب الفعل على العموم فلا يجوز أن يكون علامة ~~الوجوب إلا على الأمر وأما حجة القائلين بالتراخى وهو الأصح فدل أولا أنه ~~ليس فى لفظ قوله افعل دليل على صفة الفور والتعجيل فنقول قوله افعل صيغة ~~موضوعة لطلب الفعل ولا تقتضى إلا مجرد طلب الفعل من غير زيادة كسائر الصيغ ~~الموضوعة للأشياء فإنها لا تفيد إلا ما وضع لها ولا يفيد زيادة عليها وأقرب ~~ما يعتد صيغة طلب الفعل فى المستعمل بصيغة الخبر عن الفعل الماضى ثم لو ~~أخبر عن فعل فى الماضى لم يدل الخبر عن الفعل إلا على مجرد الفعل ويكون خبر ~~الفاعل عن الفعل بعد فعله بمدة قرينة على وجه واحد كذلك هاهنا وهذا لأن ~~قوله لغيره افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه ما وإنما هو مجرد طلب الفعل وليس ~~فيه دليل على وقت متقدم وعلى وقت متآخر ولا يجوز أن يدل اللفظ على ما لا ~~يتعرض له ms049 اللفظ وهو دليل على التقييد وهذا لا يجوز كيف وقد جعلوا تقييد ~~المطلق نسخا له فى كثير من المسائل على ما عرف من مذهبهم إيقاع الفعل فحسب ~~إلا أن الزمان من ضرورته لأن الفعل من العباد لا يصير موقعا إلا فى زمان ~~فصارت الحاجة ماسة إلى الزمان ليحصل الفعل موقعا والزمان الأول والثانى ~~والثالث فى هذا المعنى وهو حصول وقوع الفعل واحد وإذا استوت الأزمنة فى هذا ~~المعنى بطل التخصيص والتقييد بزمان دون زمان وصار كما لو قال افعل كذا فى ~~أي زمان شئت فهذه الدلائل من حيث بيان أن الأمر لا يقتضى التعجيل بلفظه ثم ~~يدل على أنه لا يقتضى التعجيل بفائدة فنقول لو كان يقتضى التعجيل بفائدته ~~لكان يقتضيه من حيث أن الأمر يفيد الوجوب ولا يتم الوجوب مع القول بجواز ~~التراخى وهذا لا يصح لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا على المكلف وأن كان ~~مخيرا بين فعله فى أول الوقت وفعله فيما بعده فيجوز له التأخير ما لم يغلب ~~على ظنه فواته. # PageV01P081 # إن لم يفعله فمتى غلب على ظنه فواته أن لم يفعله حرم التأخير فيكون هذا ~~الأمر مقتضيا طلب الفعل منه فى مدة غيره بشرط أن لا يخلوا زمان العلم منه ~~فيصير واجبا عليه بوصف التوسع لا بوصف التضييق والتكليف على هذا الوجه لا ~~يمنع منه معقول ولا مشروع. # أما المعقول فإنه لو صرح بمثل هذا الأمر لم يكن مستنكرا عند أحد العقلاء ~~ولو قال السيد لغلامه افعل كذا غدا أو قال افعل فى شهر كذا أو سنة كذا ~~ومراده أن يأتى به فى أي وقت يختاره من هذه المدة بشرط إلا يخلى المدة منه ~~فإنه يكون صحيحا غير مستبعد ولا مستنكر وأما المشروع فقد ورد الشرع بمثاله ~~وذلك فى الصلوات المفروضات فى الأزمنة المعلومة لها وكذلك القضاء الواجب ~~عند ترك الصوم بعد زوال الكفارات الواجبات والزكوات على أصولهم وبهذا ~~المعنى أجمع أهل العلم على أنه فى أي زمان فعله يكون مؤديا ويحسن أن يوصف ~~بالإمتثال ms050 لأمره ولهذا المعنى أجمع أهل العلم أيضا أن الإيمان على الأفعال ~~يحصل البر فيها سواء اتى بالأفعال على الفور أو على التراخى فيثبت أنه لا ~~دليل على صفة الفورية لا من جهة لفظ الأمر ولا من جهة فائدته والقول بالشيء ~~بلا دليل عليه باطل. # فإن قالوا: ليس مع هذا كله أجبتم المسارعة والمبادرة فى الأوامر فكذلك ~~جاز أن وجب ذلك. # قلنا إنما أوجبنا المسارعة والمبادرة بلا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة ~~معناه لكن بدليل أجنبى جاء من جهة الشرع استجلب المبادرة إلى كل الطاعات ~~والكلام فى هذا الاقتضاء من حيث اللفظ وقد يدل على ما ذكرناه أيضا قصة عمر ~~رضى الله عنه أنه قال لأبى بكر رضى الله عنه فى زمان الحديبية من صد النبى ~~صلى الله عليه وسلم عن البيت ووقوع الصلح على الرجوع فى ذلك العام أليس أن ~~الله تعالى وعدنا أن ندخل المسجد الحرام فقال له أبو بكر أقال العام قال لا ~~قال فسندخل فسكت عمر وعلم الحق من قوله وكذلك سائر الصحابة رضى الله عنهم ~~علموا ذلك واعتقدوا صدق الوعد بهذا الطريق مع وجوه تراخى الدخول فثبت أنهم ~~علموا ذلك بالطريق الذي قدمناه فكذلك الأمر يكون بمثابته ومنوالهم على ما ~~ذكرناه بما أوردناه فى شبههم وسنفصل عنها ونزيل الإشكال منها بعون الله ~~تعالى. # الجواب أما كلامهم الأول وهو تعلقهم بالسيد إذا أمر غلامه بسقيه الماء. # PageV01P082 # قلنا إنما عقل التعجيل فى ذلك الأمر بقرينة دلت عليه وهى علم العبد أن ~~السيد لا يستدعى الماء إلا وهو محتاج إلى شربه هذا هو الأغلب ولو لم يوجد ~~إلا فى الأمر فإنه لا يعقل ذلك. # وأما قولهم أن السيد يقول: أمرته بكذا فأخره. # قلنا وقد يعتذر العبد فيقول: أمرنى بكذا ولم يأمرنى بتعجيله ولا علمت أن ~~عليه فى تأخيره مضرة. # وأما كلامهم الثانى قلنا هذه الأحكام التي تعلقوا بها عامة صيغها صيغ ~~أخبار وقد بينا أن صيغة الخبر لا تدل على قرب من المخبر عنه ولا يعد إلا ms051 ~~بدليل يقترن به أيضا فإن هذه العقود فى الشرع إيقاعات تقتضى أحكاما على ~~التأبيد فلا بد أن تتصل أحكامها بالعقود ليصح القول بإتيانها على التأبيد ~~فهو مثل النهى فى مسألتنا فإنه لما اقتضى الانتهاء والكف على التأبيد اقتضى ~~الانتهاء على الفور ليصبح القول بثبوتها على التأبيد. # فإن قيل كون الحكم إذا وقع دام لا يمنع من النظر فى ابتداء وقوعه أنه يقع ~~معجلا أو على التراخى وهو كالملك فى الثمن المؤجل فإنه يقع الملك فيه فى ~~المستقبل ثم إذا وقع دام وهو لا يمنع ذلك من النظر فى ابتداء وقوعه أنه على ~~التعجيل أو على التراخى ويكون ذلك بحسب قيام الدليل عليه. # قلنا إذا كان قضية الشيء أن يكون حكم على الدوام فاعتقاد التراخى فيه ~~يفضى إلى اعتقاد الجزم فى صفة الدوامية لأنه يتراخى ويتراخى إلى زمان يوجد ~~حكم اكتسب فى ذلك الزمان ولا يتصور معنى الدوام فيه فلهذا قلنا أنه يكون ~~على الفور على ثبت صفة الدوام ثم نقول فى هذه المسائل التى قاسوا عليها لم ~~تثبت صفة التعجيل بصيغ هذه الألفاظ وإنما ثبتت بإثبات الشرع لها ذلك ~~وكلامنا وقع فى مقتضى صيغة اللفظ فسقط تعلقهم بها من هذا الوجه وهذا جواب ~~معتمد. # وأما دليلهم الذى قالوه من جهة فائدة اللفظ قولهم أن الأمر قد أفاد ~~الوجوب فى أول أوقات الإمكان. # قلنا أي شيء يعنون بهذا أن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على وجه ~~لا يجوز تأخيره عنه فلا نسلم ذلك وأن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت ~~على معنى أنه إذا أوقعه فيه يقع من الواجب قلنا لم قلتم إذا كان على هذا ~~الوصف وجب إلا يجوز التأخير. # PageV01P083 # فإن قلتم لأنه كان واجبا فى أول الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه ~~وإلحاقه بالنوافل. # قلنا لا يؤدى إلى ذلك لأنه إنما يؤخر لا لأنه غير واجب بل يؤخر لأنه واجب ~~موسع عليه فى وقته والواجب على وجهين واجب موسع على المكلف فى وقته وواجب ~~مضيق ms052 على المكلف فى وقته فالمضيق عليه فى وقته لا يجوز تأخيره فأما الموسع ~~عليه فى وقته يجوز تأخيره وهذا التأخير لا يخل بصفة الواجبية لأنه جوز لنا ~~التأخير عن أول أوقات الإمكان إلى وقت مثله فى الإمكان وشرط عليه أن لا ~~يخلى كل الوقت عن الفعل ولما أخلا عصى وأثم فعلى هذا أفاد صفة الواجبية ولم ~~يلتحق بالنافلة فهذا وجه الجواب عن هذا الدليل وقد سلك بعض أصحابنا طريقا ~~آخر فى الجواب وقال إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم وزعم أن الإنسان ~~إنما يجوز له التأخير بشرط أن يكون عازما على فعله الثانى. # وذكر القاضى أبو الطيب وجهين للأصحاب فى وجوب العزم وهذه الطريقة صعب ~~تمشيتها شاق مسلكها للمسائل التى ذكرناها وما ذكرناه من الجواب معتمد وهو ~~كاف # ويقال أيضا لهم إنكم تعلقتم بسقوط الأمر عنه بفعله فى أول الوقت بمعنى ~~يستوى فى ذلك الوقت الأول والثانى وذلك لأن الأمر اقتضى إيقاع الفعل فقط من ~~غير تعرض للوقت فإذا فعله فى الوقت الأول فقد أوقع الفعل وإذا فعله فى ~~الوقت الثانى أو الثالث فقد أوقع الفعل فكان سقوط الفرض عنه بفعل المأمور ~~فى أول الوقت لا لمعنى يرجع إلى الوقت بل كان لوجود حصول الفعل على ما ~~اقتضاه الأمر وقد استوى فى هذا المعنى كل الأوقات فصار جميع الأوقات فى هذا ~~الوقت واحدا وصح الفعل فى الوقت الثانى والثالث من حيث صحته فى الوقت الأول ~~ولم يؤد هذا التوسع عليه إلى إلحاقه بالنوافل لما بينا من قبل. # وأما ما تعلقوا به من وجوب الإعتقاد على التعجيل. # قلنا ولم قلتم إذا وجب تعجيل إعتقاد وجوب المأمور به وجب تعجيل المأمور ~~به وما أنكرتم أن تعجيل الاعتقاد وجب لدليل يخصه لا للأمر وإنما كان يلزم ~~ذلك أن لو وجب لقضية الأمر. # فإن قالوا: أن الاعتقاد تابع للمعتقد فإذا تعجل الاعتقاد وجب أن يتعجل ~~المعتقد قلنا والمطالبة مع هذا ولم إذا وجب تعجيل الاعتقاد مع هذا وجب ~~تعجيل المعتقد # PageV01P084 # ويتصور انفصال أحدهما ms053 عن الآخر. # ثم يقال لهم إنما وجب تعجيل اعتقاد الوجوب لأنه إذا كان قام الدليل ~~للمكلف فى أن الأمر يفيد الوجوب وقد وجد الأمر فكيف يتصور أن لا يعتقد وجوب ~~الأمر والأمر على هذا الوجه فأما تعجيل الفعل فيجوز أن يعتقد الوجوب فى ~~المأمور ومع هذا لا يجب عليه تعجيله لما بينا من قبل وعلى أنا نقول يلزمه ~~اعتقاد وجوبه على التوسع كما يلزمه فعله على التوسع وإذا وجب الفعل على حسب ~~ما يعتقده من الوجوب ووجب الاعتقاد على حسب ما يلزمه من الفعل لم يقع ~~الفرقان بوجه ما وأما تعلقهم بفصل النهى فقد أجبنا عنه من قبل وهو أنه ~~يقتضى الانتهاء على الدوام فإنما كان على الفور والتعجيل لأنا إذا لم نعجله ~~على هذا الوقت أدى إلى بطلان صفة الدوامية فيه على ما سبق بيانه ويمكن أن ~~يجاب عن فصل اعتقاد الوجوب بهذا أيضا وأما الذى ذكروه من بعد هذا وهو أن ~~القول بجواز التأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة قلنا لا يؤدى لأنا نقول ~~يجوز له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه إذا آخر يفوت المأمور ونقول أن ~~الظن المعتبر هو الظن عن إمارة وهذا قسم صحيح جائز اعتقاده لأن الظن عن ~~أمارة دليل من دلائل الشرع. # فيجوز بناء الأحكام عليه بدليل الاجتهاد فى الأحكام فكذلك هذا الحكم يجوز ~~بناؤه عليه ولأن الله تعالى قد كان أوجب الوصية للأقارب فى ابتداء الاسلام ~~عند حضور الموت على ما قال تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] ولا يعرف حضور الموت إلا ~~بغلبة الظن عن إمارة وقد بين الشرع إيجاب الوصية عليه كذلك هاهنا يجوز أيضا ~~مثله # وأما قولهم أنه ربما يموت بغتة أو فجأة. # قلنا هذا الذى قلتم نادر والظاهر الأغلب فى حق الناس موافقة علامات حضور ~~الموت واحتباس الإنسان بضعفه وحضور أجله ومعرفته بظهور علاماته فيه والنادر ~~لا يدخل فيما بنى أمره على الأعم الأغلب بدليل ما قلناه فى الوصية. ms054 # فإن قالوا: ما قولكم إذا مات بغتة يموت عاصيا أو لا يموت عاصيا. # فإن قلتم يموت عاصيا فمحال لأنا أطلقنا له التأخير فاخترمته المنية من ~~غير أن يحس بحضورها لم يتصور إطلاق وصف العصيان عليه لأن وصف العصيان ~~بالتأخير مع إطلاق التأخير محال. # PageV01P085 # وإن قلتم يموت لا عاصيا فلم يبق للوجوب فائدة. # الجواب أنا نقول يموت لا عاصيا ولا يدل هذا على بطلان فائدة الوجوب وذلك ~~لأنا بينا أن الوجوب على التوسع جائز وردوه مشروعا ومعقولا وبينا أن ~~التأخير لا يدل على أن المأمور غير واجب لأنه يجوز له التأخير عن الوقت ~~الأول فى الفعل إلى وقت مثله فى الفعل فلا يكون محرما عليه لأن المحظور ~~عليه فى الواجبات تركها على الإطلاق والترك على الإطلاق هو الترك على وجه ~~يفوت المأمور والتأخير على هذا الوجه الذي أطلقناه ليس فيه تفويت المأمور ~~ثم إذا أحس بالفوات وهو إذا ظهرت عليه أمارات حضور الموت ضيقنا عليه الأمر ~~ومنعناه من التأخير وأما إذا مات بغتة وفجأة فهو غير مفوت للمأمور لأنه ~~إنما آخر من وقت إلى وقت مثله وقد بينا أن مثل هذا لا يعد تفويتا وإذا صار ~~حيث يؤدى إلى التفويت منعناه من التأخير فصار الفوات عند موته بغتة محالا ~~به على الله تعالى لا على العبد لأنه قد فعل ما كان مطاقا له ذلك فعنذ ذلك ~~الفعل منه لم يجز وصفه بالتفويت على ما سبق بيانه إلا أنه صار فائتا بمعنى ~~من قبل الله تعالى فلم يجز أن يوصف بالعصيان وهو كالأمر المضيق إذا لم ~~تساعده الحياة فى وقته وكان من هذا الوجه على العبد لم يجز أن يوصف ~~بالعصيان وجعل الفوات لمعنى من قبل الله تعالى كذلك هاهنا وعدم وصفه ~~بالعصيان لم يدل على ذهاب فائدة الوجوب لأنا حققنا صفة الواجبية مما يعود ~~إلى فعل العبد من منعه وتفويته فبوجود الفوات من قبل الله تعالى لا نبطل ~~فائدة الوجوب فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل ولم نبق على ما قررناه ms055 إشكال ~~بوجه ما وهذا الفصل قد أعيى الفحول من الأصحاب حتى رأيت بعضهم يقول فى ~~أصوله لا يستقيم مع قولنا أنه غير عاص إلا أن يحكم أنه لا وجوب وكذلك زعم ~~أن الصلاة فى أول الوقت لا تجب والمفعول فى أول الوقت ينبغى أن يكون نافلة ~~وهذا ترك لمذهب الشافعى رحمه الله ومساعدة للمخالفين وليس سبيل من ينصب ~~للتقدم فى مذهبه ويعتقد أنه الفحل المدافع عن حريمه أنه إذا جاء إشكال فى ~~المسألة يترك مذهب صاحبه ويوافق الخصوم بل ينبغى أن يبذل له جهده ويجعل ~~فكره يحل الإشكال فإن أمكنه ذلك وإلا تركه إلى من يوفقه الله تعالى له ~~ويهديه إليه وبمثل قول عمرو بن معدى كرب # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # فأما أن يترك مذهبه ويوافق خصومه فمحال والله العاصم بمنه. # PageV01P086 # وإذا عرفنا هذه المسألة يخرج عليها مسألة الحج أنه يجوز تأخيره عن أول ~~أوقات الإمكان وقد ذكرنا وجه الكلام فيها وأما أبو زيد الدبوسي زعم أن ~~الأمر بصيغته لا يدل على صفة الفورية إلا أن فى الحج وجب فعله على الفور ~~لأن تأخيره يؤدى إلى تفويته حقيقة والإدراك فى السنة الثانية على الوهم ~~والشك فلا يجوز القول بتأخير يؤدى إلى الفوات قطعا بإدراك موهوم وهذا فصل ~~قد ذكرناه فى الخلافيات وذكرنا الكلام عليه فى كتاب الاصطلام فتركنا الكلام ~~عليه فى هذا الباب واقتصرنا على ما ذكرناه والله أعلم. # مسألة. # وإذ بينا الكلام فى الأمر المطلق وقضيته فنبين حكم الأمر المؤقت بوقت ~~فنقول اعلم أن الأمر الوارد على التوقيت على وجهين أمر مؤقت بوقت لا يفصل ~~الوقت عنه بل هو وارد بقدر الوقت مثل صوم رمضان فإنه واجب بأول دخول الوقت ~~بلا خلاف ومعنى الوجوب بأول الوقت أنه يجب مباشرته مقترنا بدخول وقته ~~مقترنا من غير تقديم ولا تأخير1 وأما الوجه الآخر فهو الأمر المؤقت بوقت ~~يفصل الوقت عنه وأن شئت قلت: يسع له ولغيره مثل الصلوات الخمس التى هى ~~مؤقتة بالأوقات المعلومة ونعلم قطعا ms056 أن أوقاتها تسع لها ولغيرها فعندنا تجب ~~هذه العبادات فى أول أوقاتها وجوبا متوسعا ومعنى الوجوب المتوسع أنه يطلق ~~له التأخير عن أول أوقاتها إلى أوقات مثلها إلى أن يصل إلى وقت يعلم أنه أن ~~آخر فات فحينئذ يضيق عليه ويحرم عليه التأخير وهذا قول أبى شجاع السلمى من ~~أصحاب أبى حنيفة وهو اختيار كثير منهم وإليه ذهب جمهور المتكلمين2. ~~PageV01P087 # وذهب الكرخى وأبو بكر الرازى وأكثر أصحابهم من العراقيين إلى أنه يجب ~~تأخير الوقت والمفعول فى أول الوقت نفل وفعله يمنع الوجوب فى أخره مثل ~~الزكاة المعجلة فى الحول قبل انقضائه1. # ومنهم من قال أنه موقوف أن أدركه آخر الوقت وهو أهل الوجوب كان المفعول ~~واجبا وأن أدركه آخر الوقت وهو ليس من أهل الوجوب كان المفعول تطوعا. # ومنهم من قال المفعول يكون واجبا فكان الوجوب متعلق بأحد شيئين أما آخر ~~الوقت وأما اختيار الفعل2 3. PageV01P088 # وتعلق من قال إنها لا تجب بأول الوقت بأن حد الواجب ما لا يسع تركه ~~والصلاة فى أول الوقت واسع تركها من غير حرج فدل أنها غير واجبة قالوا: ولا ~~يجوز أن يقال أن تركها إلى بدل وهو العزم على فعلها فى الثانى لأنا قد ~~أبطلنا طريقة العزم فى المسألة الأولى. # قالوا: ولا يجوز أن يقال أن هذا تأخير وليس بترك لأنا بينا أن الترك فى ~~أول الوقت قد وجد فإن الترك فى أول الوقت هو التأخير الذي قلتم والتأخير هو ~~الترك فى أول الوقت فعلى أي الاسمين ذكر نحوه فالمعنى واحد لا يختلف وربما ~~يقولون الواجب ما يتعين الإقدام عليه فى الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وقد ~~قال بعض أصحابنا المتأخرين حين سمع هذه الشبهة للمخالفين قد اتفق أهل ~~التحقيق من الفقهاء أن من آخر الصلاة عن أول وقتها ومات فى أثناء الوقت لم ~~يلق الله تعالى عاصيا فإذا كان كذلك فلا معنى لوصف الصلاة بالوجوب فى أول ~~الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت لوقعت فى مرتبة الواجبات إذا ~~أجزأت ms057 وهى على القطع كالزكاة تعجل قبل حولان الحول هذا كلامه. PageV01P089 # وأما دليلنا فنقول الأمر يفيد الوجوب قد تناول أول الوقت قطعا فأفاد ~~الوجوب قطعا يدل على أن الأمر تناول جميع الوقت على وجه واحد فإن كان لا ~~يفيد الوجوب فى أوله فلا يفيد فى أخره فإذا أفاد الوجوب فى أخره فلا بد أن ~~يفيد فى أوله ولأنا أجمعنا أنه يجب عليه نية الواجب إذا فعل الصلاة فى أول ~~الوقت ولو نوى النفل بطلت صلاته والنية مصححة للفعل ومفسدة له فلو كان ~~المفعول فى أول الوقت يقع نفلا لم يبطل النفل بل كان ينبغى أن يكون نية ~~النفل مصححة لها. # ببينة أنه لما وجبت نية الفرض علمنا قطعا أن المفعول لا يقع نفلا لأنه لا ~~يتصور أن يقع عن النفل مع وجوب نية الفرض وإذا وقع عن الفرض ثبت أنه فرض ~~فإن قالوا: ليس فيما قلناه أكثر من وقوع الفعل عن الواجب قبل الوجوب وأنتم ~~قد فعلتم مثل هذا فى صلاة العصر للمسافر فى وقت الظهر وصلاة العشاء الاخرة ~~له فى وقت المغرب وكذلك الوضوء يجب عند دخول وقت الصلاة وقد صح بالإجماع ~~قبله. # قلنا واحد منهما لا يلزم أما الأول فوقت الظهر وقت وجوب العصر فى حق ~~المسافر إلا أنه واجب موسع وكذا نقول فى العشاء الأخرة أن وقت المغرب وقت ~~وجوبها فى حق المسافر وهذا ثابت عندنا بالنصوص الواردة فى الباب على ما عرف ~~فلم نقل بجواز تقديم الواجب على وقته. # وأما فصل الطهارة قلنا دخول الوقت إنما يوجب الوضوء على المحدث لإزالة ~~الحدث فأما إذا كان تطهر قبل دخول الوقت وجاز على طريق النفل فقد زال الحدث ~~ودخل وقت الصلاة وهو متطهر غير محدث ولم يجب عليه الوضوء أصلا وهذا لأن ~~الوضوء لا يجب لعينه بحال وإنما وجب شرطا للصلاة ليؤديها على طهر من حدث ~~وإذا كان متطهرا عن الحدث عند دخول الوقت فقد وجد شرط الصلاة فلم يتصور ~~وجوب الطهارة عليه. # وأما الجواب عن قولهم أن حد ms058 الواجب ما لا يجوز تركه. # قلنا لا ترك هاهنا على وجه يخل بالواجبية فلم قلتم أن الترك الذى لا يخل ~~بالواجبية لا يسع فى الواجب والدليل على أنه لا يخل بالواجبية أن هذا واجب ~~واسع وقته على معنى أن وقته يشتمل على أزمان غيره لهذا الفعل على الترادف ~~والتعاقب فلا بد أن يكون لتوسع الوقت أى فى هذا الواجب وليس ذلك إلا أنه ~~يجوز تأخيره عن أول زمانه إلى زمانه الثانى والثالث والرابع إلى أن يضيق فى ~~أخره فيوجد وقت لا يتلوه # PageV01P090 # وقت أخر. وجواز التأخير على هذا الوجه لا يخل بالواجبية لأنه أخره عن ~~وقته أو تركه فى وقت إلى وقت مثله فى الوجوب فيفيد فائدة الأمر فى الإيجاب ~~لأن الوقت الثانى فى الحقيقة صار مثل الوقت الأول فكأنه الوقت الأول فكذلك ~~الثالث والرابع ولا يخص ترك وهذا لأن المحظور ترك يؤدى إلى تفويت الواجب ~~وإذا تعددت أوقات الفعل بحكم اتساعه لم يوجد تفويت وإذا قرر على هذا الوجه ~~وقع التفريق بينه وبين النفل ولم يلحق به بحال فقد وقع الانفصال عن هذه ~~الشبهة بأبين وجه وبقى الدليل الذى قدمناه من غير أن يكون لهم غلبة كلام ~~بوجه ما وأما إذا مات فى خلال الوقت فقد بينا أنه غير عاص بقول من قال من ~~أصحابنا أن على هذا لا يصح إلا أن يقال أنه غير واجب فى أول الوقت خطأ وقد ~~بينا الكلام عليه فى المسألة الأولى وحققنا وجود الوجوب مع القول بترك ~~معصيته عند اخترام المنية إياه ولا مزيد على ما قلناه. # وأما الزكاة فعندنا الأمر اقتضى الإيجاب من وقت ما تناوله الأمر وقد ~~تناوله الأمر وقد تناول الأمر ما بعد الحول فلا يجب قبله فكذلك الأمر هاهنا ~~قد يتناول أول الوقت فلا يتآخر عنه الوجوب. # وأما جواز إخراج الزكاة قبل الحول رخصة من الشرع ثبت ذلك بالنص الوارد ~~فيه والرخص لا يجوز إلزامها على الواجبات التى هى عرفيه ولو وردت هاهنا ~~رخصة بجواز فعل الصلاة قبل الوقت ms059 لقلنا بذلك. # فإن قال قائل الوقت سبب الوجوب فكيف يتصور أن يجب من أول الوقت إلى أخره ~~وهو يؤدى إلى أن يكون الزمان الأول سببا للوجوب وكذلك الزمان الثانى ~~والثالث فيكون ذلك إيجاب ما هو واجب وهذا لا يجوز الجواب أن عندنا الوقت ~~ليس بسبب الوجوب أما سبب الوجوب خطاب الشرع إلا أنه يجب مرة فى زمان متضيق ~~ويجب مرة فى زمان واسع وكل واحد جائز معقولا ومشروعا على ما سبق بيانه فعلى ~~هذا لم يرد إلى ترادف الإيجاب فى فعل واحد بل الإيجاب حصل مرة واحدة إلا ~~أنه واجب متوسع وقته فصار الترادف فى الوقت لا فى نفس الإيجاب فسقط ما ~~قالوه من هذا الوجه وقد دل ما ذكرناه أن الوجوب لا يستقر بأول الوقت ~~واستقرار الفريضة معتبرة بإمكان الأداة بعد دخول الوقت وهو الظاهر من مذهب ~~الشافعى وإذا استقر بإمكان الاداء كان التأخير جائزا بحكم توسع الوقت بشرط ~~أن # PageV01P091 # لا يؤخذ تأخيرا يؤدى إلى التفويت على ما سبق وبعض أصحابنا ضم إلى هذا ~~شرطا آخر وهو العزم على أداء المأمور قبل انقضاء الوقت وعندى أن الشرط ~~الأول كاف وقد سبق الكلام فى ذلك والله أعلم. # مسألة # المأمور إذا ترك الإمتثال فى الوقت المضروب للأمر حتى انقضى فلا يجب عليه ~~القضاء بصيغة الأمر فإن وجب يجب بأمر جديد. # وقال بعض الفقهاء يجب القضاء بالأمر الأول1 واحتج فى ذلك بما روى عنه ~~PageV01P092 # النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها" 1 وقوله فليصلها دليل على أن الأمر الأول باق عليه وأن الواجب بعد ~~خروج الوقت هذا الذى كان واجبا فى الوقت ولأن الواجب عليه بعد الوقت واجب ~~باسم القضاء والقضاء من ضرورته وجوب فقضى عليه فدل أن الأمر الأول باق عليه ~~حتى سمى المفعول قضاء. # ببينة: أنه إذا وجب بأمر لم يتصور أن يكون قضاء. # قالوا: ولأن الأوامر مصالح والمصلحة فى نفس الفعل لا فى وقت الفعل فإذا ~~لم يفعل كان عليه ms060 فعله وأن انقضى الوقت المضروب للفعل. # وأما دليلنا هو أن الوجوب بالأمر والأمر يتناول الفعل فى وقت معلوم فلا ~~يكون الفعل فى غير ذلك الوقت مأمورا وإذا لم يكن أمرا بعد الوقت لم يكن ~~وجوب والحق أن المأمور يفوته بفوات الأمر وقد فات الأمر بفوات الوقت فيفوت ~~الوجوب. # ببينة: أن فى الشاهد من قال لغلامه زر فلانا فى الغد لا يكون أمرا ~~بالزيارة بعد الغد حتى إذا ترك الزيارة فى الغد وزار بعد الغد يسمى مخالفا ~~لسيده وأيضا يقال القاضى ليس يمتثل الأمر فإن الممتثل للأمر هو الموافق ~~لصيغة الأمر والموافقة لصيغة الأمر وهى بالفعل فى الوقت المسمى فى الأمر ~~وإذا لم يكن الفعل بعد الأمر امتثالا لم يكن الأمر مقتضيا له فصار فعل ~~المأمور بعد خروج الوقت كفعله قبل دخول الوقت. PageV01P093 # ثم لا يصح ذلك فى الأمر وكذلك بعد خروج الوقت يكون كذلك أيضا. # وأما الجواب عما تعلقوا به أما الخبر قوله ص فليصلها نقول أولا هذا دليل ~~عليهم لأن قوله فليصلها أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم نحتج ~~إلى هذا الأمر الثانى فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول ~~ثم قوله فليصلها يعنى فليصل مثلها لأن الواجب عليه هذا الأمر المحدد صلاة ~~مثل صلاة الأولى فلأجل هذه المشابهة صحت هذه الكتابة وأما الذى تعلقوا به ~~من تسمية المفعول قضاء. # قلنا هذا دليل عليكم لأن الأمر الأول لو تناول الفعل قبل خروج الوقت كان ~~المفعول أداء ولم يكن قضاء مثل المفعول فى الوقت ثم نقول تسميته قضاء هو ~~على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة ومعنى المجاز أنه فعل على مثاله الأول ~~قائم مقامه فى إسقاط تبعة الأمر الأول عنه وهذا لأن عندنا وأن وجب القضاء ~~بأمر جديد يعمله قيامه مقام الأول فيسقط عنه تبعة الخلاف فى الأمر الأول ~~فهذا الوجه سمى قضاء وهو على طريق المجاز لأنه لا يقضى عليه فى الحقيقة. # وأما كلامهم الأخير فقوله أن الأوامر مصالح. # قلنا تأجيل المصالح ms061 فى الأوامر عندنا باطل والله تعالى لا يجب عليه شيء ~~بوجه ما وقد يفعل الأصلح بالعبد وقد يفعل غير الأصلح وهذه قاعدة تعرف فى ~~غير هذا الموضع وعلى أنه يجوز أن تكون مصلحة العبد فى فعل الشيء في وقت ~~معين ولا يكون فعله فى غير ذلك الوقت مصلحة. # ألا ترى أن فعله فى الوقت مصلحة له وقبل الوقت لا يكون مصلحة والله أعلم. # PageV01P094 ### | فصل: هل يتوجه الوجوب حال العذر # ... # فصل # وذكر أصحابنا فى أصحاب الأعذار الذين لا يحتم عليهم الصوم فى الحال مثل ~~المريض والمسافر ومن لا يجوز له صوم فى الحال مثل الحائض والنفساء أن الصوم ~~واجب عليهم فى حال العذر. # وقال أصحاب أبى حنيفة لا يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض والمريض فى # PageV01P094 # حال العذر1. # وأما المسافر فالصوم واجب عليه وله الفطر بترخيص الشرع وحكوا عن بعض من ~~ينسب إلى الكلام أن الصوم لا يجب على المريض والحائض وأما المسافر فعليه ~~صوم أحد الشهرين أما شهر الاداء وأما شهر القضاء وأيهما صام كان أصلا مثل ~~الأنواع الثلاثة فى كفارة اليمين. # واحتج الأصحاب فيما صاروا إليه بأن الله تعالى علق قضاء الصوم بفطر مضمر ~~فى الأية إجماعا وهو قوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر} [البقرة: 185] ومعناه فانظروا عدة من أيام آخر فدل أن وجوب القضاء ~~معلق بالفطر ولو لم يكن الوجوب ثابتا عند الفطر لما تعلق به القضاء ولأن ~~المفعول لما كان يسمى قضاء لا أداء فالقضاء اسم لواجب قام مقام واجب آخر ~~فأما أداء الواجب فى وقته فلا يسمى قضاء بحال ولأن هذه العبادة مفروضة فى ~~هذا الوقت فلو لم يجب على هؤلاء فى الوقت لم يجب شيء بعد فوات الوقت ~~كالحائض لما لم يجب عليها الصلاة فى. PageV01P095 # الوقت لم يجب بعد الوقت. # قال من يخالف هذا كيف يتصور وجوب الصوم على الحائض ولا سبيل لها إلى ~~الأداء ولا إلى إزالة المانع إلى الأداء بل هي منتهية عن فعل الصوم لا ~~إيجاب ms062 فعل لا سبيل للمأمور إلى التوصل إليه بحال. # ببينة أنه لو جاز إيجاب الصوم على المرأة فهى منتهية عنه لجاز إيجاب سائر ~~المنهيات عليها هذا فى الحائض وكذلك قالوا: للمريض الذى يستضر بالصوم لا ~~يجوز له فعل الصوم فلا يجوز أن يقال بوجوبه عليه وأما المسافر فالصوم له ~~جائز إلا أنه رخص له تركه والقضاء من بعد. # وأجاب الأصحاب عن هذا وقالوا: المحدث إذا ضاق به وقت الصلاة لا يتأنى له ~~الأداء والوجوب ملاق إياه وكذلك من لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا لا يتصور ~~منه الأداء ولا التسبب إليه ومع ذلك صح الوجوب عليه والسكران لأنه خطاب ~~وجوب الصلاة وهو ممنوع من أدائها وهذا لأن الحيض نوع حدث والمرض والسفر نوع ~~عذر والحدث والعذر إنما يؤثران فى الأداء ولا يؤثران فى أصل الوجوب مثل ~~سائر الأحداث والأعذار إلا من الأحداث ما يكون العبد بسبيل إلى إزالته ~~ومنها لا سبيل له إلى إزالته ومن الأعذار ما يكون الأداء جائزا معه وربما ~~يكون الأداء هو الأولى ومنها ما يكون ترك الأداء أولى وذلك فى المريض الذى ~~يستضر بالصوم. # واعلم أن القول بإيجاب الصوم على الحائض مشكل جدا والحرف الذى يمكن ~~الاعتماد عليه أن الخطاب بالإيجاب عام فى حق كل من هو من أهل الخطاب إلا أن ~~هؤلاء أصحاب أعذار وموانع فيعمل العذر والمانع بقدره ولا يفوت الخطاب أصلا ~~والحيض حدث دائم وعمل الأحداث فى المنع من الأداء والمرض عذر مضر بصاحبه ~~والضرر فى الأداء فى الإيجاب والسفر جعل عذرا لأنه سبب المشقة فالمشقة فى ~~الأداء لا غير فهذا الطريق كان عمل هذه الأشياء فى الأداء لا فى الوجوب ~~فيبقى أصل الوجوب وظهرت فائدته من بعد وهو عند زوال هذه الأعذار وهذا غاية ~~ما يمكن ذكره فى هذا الفصل وللقاضى أبى زيد فى كل هذه الأعذار كلام مفرد ~~ذكره فى أحد أصوله الذى صنفه وسنحكى ذلك من بعد ونتكلم عليه مع أخواته التى ~~ضم إليها ونتكلم فيها ونبين الصواب من ذلك والله ms063 المعين بمنه. # PageV01P096 # مسألة: الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء. # مثل الأمر الوارد فى كفارة اليمين وما يشبه ذلك فالذى عليه جمهور الفقهاء ~~أن الواجب أحد ذلك لا بعينه فأيها فعل يعين واجبا بفعله فيكون مبهما قبل ~~الفعل متعينا بعد الفعل بفعله1. # وقال كثير من المعتزلة وشرذمة من فقهاء العراقيين أن جميعها واجب دون ~~أحدها فإذا فعل أحدها سقط به وجوب باقيها2. # وقد قال بعض أصحابنا أن من عليه الكفارة إذا فعل جميعها كان الواجب أحدها ~~وهو أعلاها ثمنا لأنه مثاب على جميعها وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب ~~فانصرف الواجب إلى أعلاها دون أدناها ليكثر ثوابه وأن ترك جميعها كان ~~معاقبا على أحدها. # وهو أدناها ليقل وباله ووزره ولأن الواجب يسقط بفعل الأدنى فينظر فى ~~إلحاق الوزر إلى ذلك القدر ولا وزر فيما زاد عليه3 احتج عبد الجبار ~~الهمدانى لمن قال إن. PageV01P097 # جميعها واجب وقال أن الكفارات الثلاث كل واحدة منها قد أرادها الله عز ~~وجل كما أراد الأخرى وأمر بها كما أمر بالأخرى والصلاح فى إحداها كالصلاح ~~فى الأخرى كان الأمر والصلاح والإرادة اتصل بكل الثلاث على وجه واحد وجب أن ~~يكون وجوب الجميع على وجه واحد وربما يقول: ليس إيجاب البعض بأولى من إيجاب ~~البعض فوجب أن يجب الكل وأيضا فإن كل واحد منها إذا فعله جاز ويكون مؤديا ~~للواجب وهذا صفة بالواجب وحكمه وقالوا: لوكان الواجب أحدها لا بعينه وجب أن ~~يبينه الله تعالى. # لأنه إذا لم يتبين أدى إلى أن يكلف أحد شيئا من غير أن يسأله وهذا لا ~~يجوز. # يدل عليه أنه لو أوجب أحدها لنصب عليه دليلا وميزه من غيره حتى لا يؤدى ~~إلى التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب فلما لم يميزه ولم ينصب عليه ~~دليلا دل أنه أوجب الكل. # قالوا: أيضا أن الكفارات إنما أمرنا الله تعالى بها لأنها مصالح لنا ولا ~~يجوز أن تكون المصالح موقوفة على اختيارنا لأن العبد لا يهتدى إلى مصالح ~~نفسه لأن رأيه عن ms064 عقل مشوب برأيه عن هوى ولا يحصل بمثل هذا الرأي الاهتداء ~~إلى المصالح. # وأما حجتنا هى أنا أجمعنا أنه لو عين أحد الأنواع بالفعل وأداه سقط ~~الواجب عنه ولا يلزم الإتيان بعده وهذا الواجب ما لا يسع تركه إلى غير بدل ~~ولا شك أن المؤدى واحدا من الأنواع تارك غيره بلا بدل فدل أن عليه الذى ~~أداه ليس بواجب وأن شئت قلت: انعقد إجماع المسلمين أنه لو ترك جميع الأنواع ~~لا يستحق العقاب على جميعها وإنما يستحق العقاب على أحدها ولو كان الجميع ~~واجب استحق العقاب على الكل. # قالوا: عندنا يجب الكل على طريق الجمع لكن على طريق التخيير فإذا إدى ~~المكلف إحدها يخرج الباقى عن صفة الوجوب. # قلنا هذا هو الدليل عليكم لأن الجميع لو كان واجبا لم يسقط بفعل أحدهما ~~كالصناعات والصلوات والزكوات المجتمعة عليه لا تسقط بأداء الواحد منها وإذا ~~تركها عوقب على جميعها وقولهم أن الكل واجب على طريق التخيير. # قلنا لو وجب الكل وجب أن لا يثبت التخيير فيها على وجه إذا فعل الواحد ~~منها سقط الكل كسائر الواجبات التى تجتمع عليه فى الوجوب. # قالوا: يجوز مثل هذا كفرض الكفاية فإنه واجب على الكل ومع ذلك إذا فعله. # PageV01P098 # البعض سقط عن الكل. # قلنا فرض الكفاية دليل عليكم لأنه لما وجب على الكل من وجه ظهر لذلك أثر ~~بوجه ما فإنه العقاب كما إذا كان واجبا على الكل لا على طريق التخيير وأما ~~هاهنا لو ترك الكل لم يكن عقاب وإثم إلا بترك أحدها فلم يكن لوجوب الكل ~~ظهور أثر بوجه ما وإذا كان كذلك لم يكن فيما قالوه إلا مجرد تسمية الواجب ~~أن غير معنى ولا عبرة للأسامى إذا كانت خالية عن المعانى وقد دل على ما ~~قلنا قوله تبارك وتعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] . # وأجمع أهل اللغة أن أو للتخيير والواو للجمع فلو قلنا أن جميع الكفارات ~~الثلاث واجبة لم يبق فرق بين ms065 أو وبين الواو مع إجماع أهل اللغة على التفريق ~~بينهما أما الجواب عن كلماتهم. # أما قولهم أن الإرادة تعلقت بكل الثلاث. # قلنا الأمر ليس بأمر بالإرادة حتى يقال أن الإرادة إذا اتصلت بالكل صار ~~الكل واجبا إنما الأمر بصيغة قوله افعل أو بما يقتضى الفعل لا محالة وصيغة ~~طلب الفعل إنما اتصلت بإحدى الكفارات الثلاث لا بعينها بدليل أنه إذا فعل ~~إحداها سقط عنه الطلب وأيضا يقال لهم الأمر أمر بالإرادة والله تعالى إنما ~~أراد من المكلف فعل إحدى الكفارات لا فعل جميعها بدليل أنه لا يلزمه فعل ~~جميعها ولو أريد منه فعل كل الكفارات لزمه فعل كل الكفارات. # ويقال أيضا أن الإرادة اتصلت بمبهم غير معين فى حق المكفر وأن تعين ما ~~يكفر به فى سابق علم الله تعالى. # وأما قولهم أن إيجاب البعض ليس بأولى من إيجاب البعض. # قلنا لم وقد قام الدليل على إيجاب بعضها على إيجاب كلها والعبرة بما قام ~~الدليل عليه. # وأما قولهم أنه لو كفر بكل واحدة يكون مؤديا ما هو الواجب عليه. # قلنا هذا لا يدل على أن الكل واجب وإنما هو دليل على أن الواجب مفوض إلى ~~اختيار العبد هذا كما نقول فى الرقبة والإطعام فإن من ملك مائة رقبة فإنه ~~إذا أعتق يقع عن الكفارة أو ملك ألف مد أي عشرة أمداد أعطى وقع عن الواجب ~~ولا يدل. # PageV01P099 # على أن الكل واجب وكذلك لوباع قفيزا من صبرة فإنه اى قفيز سلم يكون مبيعا ~~ولا يدل على أن الكل مبيع كذلك هاهنا. # وأما قولهم أنه لو كان الواجب واحد ما لميزه ونصب عليه دليلا قلنا هذا ~~إنما يجب إذا كان الواجب معينا قبل الفعل فيجب أن يكون عليه دليل ليتوصل ~~المأمور إلى معرفته وأداء فرضه بفعله فأما إذا لم يكن معينا وإنما يتعين ~~بفعله فلا حاجة إلى غيره لأن ما يتأدى به فرضه هو ما يختاره منها. # جواب آخر أن ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه واحد بالإجماع ولم يجب ~~تمييزه عن ms066 غيره ونصب الدليل لكل جواب للمخالف على هذا فهو جوابنا فى وجوب ~~الواحد. # وأما قولهم أن الكفارات كلها مصالح. # قلنا قد تكلمنا على فصل المصلحة من قبل فلأن المصلحة فى كونها واجبا ~~تعلقت بإحداها لا بالكل بدليل أنه لو فعل الكل لا يكون مؤديا للواجب ولو ~~كانت مصلحة الواجبية تعلقت بالكل لوجب أن يجعل هو مؤديا للكل عن صفة الوجوب ~~واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى فى هذه المسألة وإنما الخلاف خلاف عبارة ونحن ~~نمنعهم من إطلاق عبارة الواجب على الكل لأنه يؤدى إلى ما بيناه من قبل ولأن ~~العبارات التى ليس لها معنى لا يجوز التمسك بها لا إجماعا ولا اختلافا فثبت ~~أن الصحيح ما قدمناه والله أعلم. # PageV01P100 ### | فصل: الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه # ... # فصل # ذكر الأصحاب أن الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه بصيغته1 مثل قوله صل. ~~PageV01P100 ### | ......................................................................... # PageV01P101 ### | ................................................................... # PageV01P102 # هذا اللفظ بصيغته لا يكون أمرا بالطهارة وستر العورة لأن هذه الشرائط لها ~~صيغ موضوعة واختلاف الصيغ يدل على اختلاف المسوغ له. # ألا ترى أن صيغة غير الصلاة لا تجعل صيغة لها وصيغة الصلاة لا تجعل صيغة ~~لغيرها واعلم أن لا ننكر أن الصلاة مقتضية للطهارة بالدلالة وإنما ننكر أن ~~تكون من حيث الصيغة مقتضية وهذا لأن المأمور كما لا يستغنى عن الشرائط التى ~~يقف صحة الأداء عليها لا تستغنى عن وقت الأداء ثم الأمر بالشيء لا يدل على ~~الوقت بصيغته وإنما يدل عليه من حيث الضرورة كذلك الشرائط. # فإن قال قائل لما صارت الأسباب من ضرورة فعل الصلاة حتى لا يسمى الفعل ~~صلاة إلا بها كان التنصيص على الصلاة تنصيصا على أسبابها كما كان تنصيصا ~~على أفعالها وأبعاضها. # قلنا أبعاض الصلاة كلها صلاة فيجوز أن نطلق عليها اسم الصلاة والطهارة ~~ليست بصلاة. # ألا ترى أن المصلى لا يجوز له استعمال الطهارة فدل أنها غيرها وأما أفعال ~~الصلاة نفس الصلاة والشيء الواحد يتوقف أوله على أخره ولا ننكر اشتمال ~~الإسم الواحد على جميعه وإنما أنكرنا ذلك فى شيئين مختلفين وقد ms067 قال أصحابنا ~~أن الصلاة بصيغتها تدل على الدعاء فقط وما زاد على الدعاء ثبت بالدلائل ~~الشرعية لا من طريق الصيغة واعلم أن ما لا يمكن امتثال المأمور إلا به ~~يلزمه من حكم الدلالة حكم الدلالة إذا كان من كسبه نحو الطهارة وغيرها من ~~شرائط الصلاة وكالسعى إلى الجمعة وقطع المسافة فى الحج وهما أمران لا أمر ~~واحد وأن كان أداء أحدهما لا يتم إلا بأداء الآخر إلا ترى أنه قد يلزمه ~~الحج بلا قطع مسافة ولا ملك زاد وصورة الخطاب فى الموضعين واحدة وأما ما لا ~~يتم إلا بكسب غيره نحو حضور غير الجمعة حتى يصح غير جمعة فلا يكون هو ~~مخاطبا به وإنما يخاطب بفعل نفسه وهو الحضور وأن كان حضور غيره شرطا فى ~~الأداء إلا أنه قد يخاطب بإحداث فعل غيره بقدر ما يتأنى منه كالإمام يلزمه ~~الحضور وإحضار الناس للجمعة ويلزمه الخروج وإخراج الناس للجهاد ويلزمه أيضا ~~تحصيل الماء لإجراء الطهارة وستر العورة لأدائها واعلم أن هذه الأشياء وأن ~~لزم الإنسان بحضوره العبادات وأنه لا يلزمه تحصيل المال لأداء الزكاة وقد ~~كان يجوز ورود الشرع به إلا أن الله تعالى وضع ذلك عن العباد رحمة وأما إذا ~~لم يمكن. # PageV01P103 # أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب هل يصير ذلك واجبا أم لا مثل إمساك ~~جميع النهار لا يمكن إلا بإمساك جزء من الليل وكذلك ستر العورة لا يمكن إلا ~~بستر ما ليس بعورة وغسل جميع العضو لا يمكن إلا بغسل ما ليس من ذلك العضو ~~وكذلك ممن وجب عليه الطهارة ولا يمكنه فعلها إلا بشراء الرشاء واستقاء ~~الماء فالواجب فى هذه المواضع كلها ما علق بها الوجوب فى الشرع. # إلا إنما لا يتأتى أداء الواجب إلا به صار واجبا للتوصل إلى أداء الواجب ~~لا لأنه واجب مقصود بنفسه. # وأما اكتساب المال لاستطاعة الحج واكتساب المال لأداء الزكاة لا يجب لأن ~~ذلك شرط الوجوب دون الفعل ولا يجب عليه أن يفعل ما تجب به العبادة عليه. # وأما فى ms068 سائر المواضع فالعبادات واجبة إلا أن لفعلها شرطا لا يمكنه ذلك ~~الفعل إلا به فيجب عليه ذلك ليتوصل به إلى الفعل ومن هذا الفصل إذا زاد على ~~مقدار الواجب زيادة يتأدى الواجب بدونها مثل أن يطيل الركوع أو القراءة. # فالأولى على هذا المذهب أن الزيادة على ما يتناوله الاسم من مقدار الواجب ~~نفل. # وحكى عن بعضهم أن الكل فرض وإنما قلنا أن الزيادة نفل لأنه قضى حق الاسم ~~لما أتى من المأمور بما انطلق عليه بالاسم فكان بالزيادة مستقلا كما لو أدى ~~الفرض مرة ثم أعاد فإن الثانى يكون نفلا. # يدل عليه أنه لو ترك الزيادة لا إلى بدل فإنه لا يأثم وهذا من حد النفل ~~ولا ينظر إلى أن اسم الصلاة يتناول أول الفعل وآخره لأن اسم الصلاة يتناول ~~فرضها ونفلها ثم يختلفان فى الصفة ولا نقول أن من قال لغيره تصدق من مالى ~~أنه لا يتقدر بل يتقدر بأقل ما ينطلق عليه اسم الصدقة واعلم أن الذى قلناه ~~فى المأمورات وهو أنه إذا كان لا يتأتى أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب ~~قد يكون مثله فى الكف عن المحضور وهو إذا لم يكن الكف عن المحظور إلا بالكف ~~عما ليس بمحظور وذلك إذا اختلط النجس بالطاهر نحو الدم أو البول يقع فى ~~الماء القليل فيجب الكف عن استعماله ثم اختلفوا فى كيفية التحريم فمنهم من ~~قال يصير كله نجسا وهو اللائق بمذهبنا1 ومنهم من قال إنما حرم الكل لتعذر ~~الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به فإنه لا يكاد يستعمل جزءا من ~~الطاهر إلا وقد استعمل جزءا من النجس وهذا. PageV01P104 # يليق بمذهب أبى حنيفة وأصحابه1 فإن عندهم إذا وقعت النجاسة فى الماء ~~الكثير وكان الماء بحيث إذ وقعت النجاسة فى جانب منه لم يخلص إلى الجانب ~~الآخر فيمكن استعمال الماء من الطرف الآخر على وجه لا يكون مستعملا لجزء من ~~النجاسة قالوا: يجوز ذلك2 والأول أحسن لما بينا. # وقد قال أصحابنا أن البول أو الدم إذا وقع ms069 فى الماء الكثير ولم يتغير أحد ~~أوصافه3 فإن الكل طاهر ويجوز استعمال جميع الماء وأن تيقنا أنه باستعمال كل ~~الماء يصير مستعملا لذلك القدر من الدم أو البول4 وإذا قلنا يجوز استعمال ~~جميع الماء فنقول أن ما وقع فيه قد حكم بطهارته وهذا ينبغى أن يكون هو ~~المذهب. # وقد قال بعض أصحابنا إذا استعمل الماء الذى وقع فيه مثل هذه النجاسة فإنه ~~ينبغى أن يترك بقدر النجاسة وليس بمذهب5 وأما إذا لم يكن الاختلاط بدخول ~~أجزاء. PageV01P105 # البعض فى البعض لكن كان اختلاط التباس واشتباه ففى قسم منها يجب الكف عن ~~الكل1 كالمرأة التى هى حلال تختلط بالنساء المحرمات والمطلقة بغير المطلقات ~~أو المذكات بالميتات فالكف عن الكل واجب احتياطا وفى قسم تسقط حكم المحرم ~~باختلاطه بالمباح نحو امرأة محرمة تختلط بنساء بلدة عظيمة ولا يحصى عددهن ~~فيسقط تحريم الواحدة وتجعل كالعدم ويباح له نكاح أى امرأة أراد منهن وفى ~~قسم الثالث ثبت التحرى وذلك فى الثوب النجس يختلط بالثياب الطاهرة أو ~~الآنية من الماء النجس اختلط بالأوانى الطاهرة فجعل الشرع لما علم طهارته ~~بالاجتهاد حكم الطهارة وأن كان نجسا فى الحقيقة وأسقط به الفرض عنه إلا أن ~~يزول ذلك العلم الظاهر بيقين يحصل من بعد على ما عرف فى المذهب والله ~~المستعان. # مسألة: نذكر بعد هذا من يتناوله خطاب الأمر ونبتدئ بالكفار فنقول إنهم ~~داخلون فى الخطاب بالشرعيات2 كما أنهم داخلون فى الخطاب بالتوحيد3 والإقرار ~~بالنبوات ومن فوت على نفسه فعلها بترك الإسلام استحق العقاب وهذا قول أكثر ~~أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة4 وقالت طائفة منهم إنهم لا يلحقهم خطاب ~~الشرعيات بحال وهو اختيار الشيخ أبى حامد الإسفراينى5 وأما المتكلمون ~~فأكثرهم معنا فى هذه المسألة وتعلق من قال إنهم لا يدخلون فى الخطاب بكلمات ~~معنوية منها وهو شبهتهم قالوا: تكليف من لا يصل إلى امتثال المأمور على ما ~~ورد به الشرع بحال محال وهذا صفة خطاب الكافر بالشرعيات لأنه لا يتصور من ~~الكافر أداء العبادات فى حال كفره وإذا ms070 أسلم سقط وزال التكليف عنه ولا وصول ~~إلى أداء المأمور بحال. # قالوا PageV01P106 # وبهذا فارق الإيمان لأنه يصلح من الكافر متى قصد إليه ويفارق المحدث أيضا ~~لأنه بعد الطهارة أمكنه أداء الصلاة بذلك الخطاب فطهارته لا تنافى ما خوطب ~~به وأما إسلام الكافر ينافى ما خوطب به من حيث أنه لا يبقى عليه بعد ~~الإسلام ولهذه الشبهة اختار الشيخ أبو حامد هذا المذهب وربما يقولون هذا ~~أمر لا يفيد فائدة ولا يقتضى قضيته لأنه طلب الفعل فإذا لم يصل إلى الفعل ~~سقطت فائدته والأمر لا يكون إلا لفائدة فإذا سقطت فائدته بطل الأمر بل خطاب ~~الكافر بالشرعيات يؤدى إلى تكليفه ما ليس فى وسعه وأمره بما لا يطيقه وإنما ~~قلنا ذلك لأنه يستحيل أن يفعل الشرعيات مع كفره. # قالوا: ولا يجوز أن يقال أن فائدة الأمر استحقاق العقاب عند تركه لأن ~~الأمر لا يرد من الأمر لفائدة العقاب عند الترك بل الأمر ليس إلا لفائدة ~~الفعل وهو المقصود من الأمر وإنما أوعد عليه عند تركه لتحقيق طلب الفعل منه ~~وترك العقاب عند الترك بمنزلة التبع من المقصود فكما أن العقد مصحح لمقصوده ~~لا لما ليس لمقصوده فكذلك الأمر يصحح لمقصوده لما ليس لمقصوده. # يدل عليه أن الأوامر بالعبادات لنفع العباد ونفع العباد فى فعلهم ~~العبادات فإذا لم يصح منهم فعلها بطل نفعهم منها فإذا كان الأمر لنفعهم بطل ~~نفعهم [وبطل] 1 أمرهم. # وأما حجة أبى زيد أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادات لأن أداء العبادة ~~لاستحقاق الثواب فى الآخرة بحكم الله تعالى. # والكافر ليس بأهل الثواب فى الآخرة لأن ثواب الآخرة هى الجنة وهو ليس من ~~أهل الجنة فتبين أنه ليس بأهل للعبادة وإذا لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن ~~من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب بالعمل للعمل وهذا كالعبد لا يخاطب ~~بالعبادات المالية من الكفارات والزكوات وغيرها لأنه ليس من أهل ملك المال ~~فلا يخاطب بواجب المال. # ببينة أن العبادات ثمن الجنة والكافر لا يتصور أن يكون له ms071 حظ فى الجنة ~~فأشبه الكافر فى هذا من لا ذمة له في استحقاق حق أصلا وهو [كالبهائم] 2 قال ~~وليس. PageV01P107 # كالإيمان لأنه ثبت له الحق فى الجنة فصار الإيمان فى الحقيقة اكتسابا ~~للجنة وهو من أهل اكتسابها. # قالوا: ولا يجوز أن يقال أنه من أهل العبادة إذا أسلم فيصح الأمر ليسلم ~~ويفعل بمنزلة المحدث مخاطب بالصلاة ليتطهر ويصلى. # وهذا لا يصح لأن الكافر فى الحال ليس بأهل للعمل ليثاب عليه والخطاب ~~يتناول العمل فى الحال لأن الخطاب هو قوله صل وصم وهذا تناول الحال وفى ~~الحال ليس هو من أهل هذا العمل ولا الكافر أعد للإسلام ما له حتى يعطى له ~~حكم ما له فى الإعداد له كالمنى فى الرحم وبيض الطير فالكافر ماله مال ~~الإسلام لا حيلة له من الله تعالى ولا عادة لهم بل العادة فى الكافر التمسك ~~بالكفر كالمسلم عادته التمسك بالإسلام وإنما يختار الإسلام كالمسلم يختار ~~الكفر نادما. # قالوا: وليس كالجنب لأنه بنفسه أهل لعمل يثاب عليه غير أنه لا يصح منه ~~الصلاة لفقد شرطه وهو الطهارة فهى شرط لصحة الأداء لا ليصير أهلا لعمل يثاب ~~عليه فى الآخرة فيصح الخطاب له على أن يفعله بشرطه وأما الكافر فليس بأهل ~~لعمل يثاب عليه فى الآخرة أصلا فلا يصح الخطاب معه أصلا وسبيل هذا سبيل ~~المولى يقول لعبده أعتق عن نفسك عبدا أو كفر عن يمنيك بالمال يكون لغوا لأن ~~ملك المال شرط التصرف بهذا الخطاب والعبد ليس من أهل ملك المال وبمثله لو ~~قال لحر أعتق عبدك على ألف فأعتق صح عنه بصحة الأمر لأنه أهل الإعتاق إلا ~~أنه فقد فى الحال شرط الأداء وهو الملك وصح الأمر به على أن يؤدى المأمورية ~~بشرطه قال ولا يجوز أن يقال أن الكفر معصية فلا يجوز أن يجعل شىء لسقوط ~~الخطاب لأنه تخفيف والكفر لا يصلح سببا للتخفيف قال لأنا لا نسقط الخطاب ~~برحمة ليكون سبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة لأنه سقط لخروجه عن صلاحية ~~الجنة وهذا ms072 نقمة ببنية أن الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه ~~عن الجنة وبخطاب المؤمن بالعبادات لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل ~~الخطاب وراحة الجنة فوق راحة سقوط الخطاب وهذا كالبهائم لا يخاطبون وليس ~~ذلك لإرادة التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل الخطاب فكان سقوط الخطاب ~~للإزراء بها كذلك سقوط العبادات عن الكفار ليس للتخفيف عليهم بل لإخراجهم ~~عن أهلية الخطاب فيكون على وجه العقوبة والإزراء بهم وإلحاقهم بالبهائم ~~التى لها خطاب عليهم قال وأما المناهى ثابتة. # PageV01P108 # في حقهم لأنه أن لم يكن من أهل العبادة لأنها ثمن الجنة فهو من أهل ~~المعصية التى هى سبب العقوبة فيستقيم إثبات خطاب المناهي فى حقه وأن لم ~~يستقم إثبات خطاب العبادات قال وهذا يحثهم على المعاصي في الدنيا لأن ~~الحدود عقوبات على إنكار المناهي وخطاب المناهي قد لحقهم ولأن هذه الأعمال ~~للفكاك عن قيد الاستعباد كما أن مال الكتابة يؤديه العبد للفكاك عن قيد ~~الرق وقبل الإيمان بالله عز وجل لا يتصور منه أعمال تتعلق بهذا الفكاك عن ~~القيد وأما الإيمان فيتعلق بنفسه للفكاك أو يثبت عقد الفكاك فاستقام الخطاب ~~بالإيمان دون الأعمال ألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بأداء المال ~~بعد عقد الكتابة ولا يستقيم قبل عقد الكتابة هذا طريقا إلى هذا الموضع ~~وتعلقوا بالخبر المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن ~~قال له ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإن أجابوك ~~فأعلمهم أن عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وفي رواية فأعلمهم أن عليهم ~~صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم1 فقد أخبر أن هذه الواجبات تلزم بعد ~~الإيمان بالله تعالى ولو لزمت مع لزوم الإيمان لم يكن لتأخير ذكر الإيجاب ~~معنى. # وأما حجتنا في هذه المسألة تتعلق أولا بما ورد من السمعيات في الباب ~~والتعلق للأصحاب بما ورد في القرآن والسنة كثيرة غير أن المختار من ذلك ~~قوله تعالى: {ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من ms073 المصلين، ولم نك نطعم ~~المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين} [المدثر: 42, 45] فقد ذمهم ووبخهم بترك ~~الصلاة وكذلك بترك الزكاة لأن إطعام الطعام الذى يتعلق بتركه التوبيخ هو ~~الزكاة فلولا أن ذلك توجه عليهم ولحقهم خطابه لم يستقم التوبيخ والذم فإن ~~قيل معناه لم نك من جملة المصلين أي المسلمين قلنا لا يستقيم ذلك لأن قوله: ~~{من المصلين} يفيد أنهم استحقوا الذم لأنهم لم يصلوا كقول القائل عاقبت ~~فلانا لأنه لم يك من المطيعين يدل أنه عاقبه لأنه لم يطعه. # فإن قيل قوله: {لم نك من المصلين} يجوز أن يكون إخبارا لأنهم كانوا ~~ارتدوا. PageV01P109 # بعد إسلامهم ولم يكونوا صلوا في حال إسلامهم قلنا قوله: {لم نك من ~~المصلين} لا يقتضي ترك الصلاة في زمان معين بل يقتضي ظاهره أنهم لم يكونوا ~~من المصلين فى جميع زمانهم مثل قول القائل فلان [صرورة] 1 لأنه لم يحج ~~يقتضي أنه لم يحج فى وقت ما وإذا حملت الآية على ما قالوا: كان حملا على ~~ترك الصلاة في زمان معين وهذا خلاف ظاهر الآية وعلى أن الآية عامة فى ~~المرتدين وغير المرتدين وقد أيد هذه الآية قوله تعالى: {وويل للمشركين، ~~الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 6, 7] أوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم ~~بالزكاة وهو مثل قول القائل ويل للسراقة الذين لا يصلون فهذا ذم لهم على ~~السرقة وترك الصلاة جميعا كذلك هاهنا ذم وتوبيخ على الشرك وترك الصلاة ~~جميعا ونعتمد على قوله سبحانه وتعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا} [آل عمران: 97] وهذا يتناول المسلم والكافر لأن اسم الناس ~~يتناول كليهما على وجه واحد ولا مانع من كون الكافر من أهل الآية لا من جهة ~~ولا من جهة السمع العقل. # أما الدليل السمعي فلأنه لو وجد مانع من هذه الجهة لظفرنا به عند الطلب. # وأما من جهة العقل فلأنه لو كان لكان لفقد التمكن والكافر متمكن من الحج ~~بأن يقدم عليه الإسلام وكل من تمكن من الفعل على بعض الوجوه فهو له مستطيع ~~كما أن ms074 المحدث متمكن من أداء الصلاة بأن يقدم عليه الوضوء والخراسانى متمكن ~~من الحج بأن يقدم عليه قطع المسافة وهذا الذى قلناه فى الحج موجود فى كل ~~عبادة فيلزمه كل العبادات بالخطاب العام الذى يتناول المسلمين والكفار وهذا ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس أحمرهم وأسودهم وقد ~~جاء بالقرآن المشتمل على إيجاب الإيمان وإيجاب الشرائع من الأوامر والنواهي ~~فإن كان بعث بما أنزل معه إلى جميع الناس وجب كل ما أنزل معه على جميع ~~الناس لأنه بعث بهذه الشرائع فكل ما بعث به يجب على من بعث إليه. # فإن قالوا: هذا على ما قلتم إذا أمكن الإيجاب وهاهنا لا يمكن الإيجاب. # قلنا يمكن على ما بينا من قبل ولأنه لما لزمهم النواهي لزمهم الأوامر لأن ~~الأوامر أحد قسمى الشرع فصار كالقسم الآخر والدليل على لزومهم النواهي ~~إجماع الأمة في أن الكافر يحد إذا زنا ويقطع إذا سرق ولو لم يكن مكلفا بترك ~~الزنا. PageV01P110 # والسرقة لم يكن الزنا والسرقة معصية ولو لم تكن معصية لم يعاقب على فعله ~~وهذا دليل معتمد. # فإن قالوا: إنما وجب ذلك عليهم التزامهم أحكام الإسلام. # قلنا هذا ليس بشىء لأن لزوم الأحكام بالتزام العبيد ذلك. # ألا ترى أن الخطاب متوجه على جميع الكفرة بالإيمان بالله عز وجل وأن ~~كانوا لم يلتزموا شيئا من ذلك. # ثم نقول من أحكامنا أن لا يحد الإنسان على المباح فلو كان الزنا غير ~~محظور عليه كان مباحا والحد لا يجب بارتكاب المباح. # قالوا: أن الكافر مع كفره قد كلف ترك الزنا لأنه مع كفره لا يمكنه فعلها ~~فلم يخاطب بفعلها. # قلنا لا يجوز أن يكلف ترك الزنا إلا وقد كلف العلم بقبحه ولا سبيل إلى ~~العلم بقبحه إلا بشريعة الإسلام لأن ما عداه من الشرائع فقد منع المكلفون ~~من الرجوع إليها ولا يمكن مع جحد الإسلام أن يعلم قبح شىء كما لا يمكنه فعل ~~الصلاة فى هذه الحالة فلا فرق بينهما. # ولكن كان وجه التكليف بالعلم بقبح ms075 الزنا بأن يسلم قبحه ليتركه فحقق عليه ~~تحريم الزنا بهذا الوجه وكذلك فى الصلاة مثله يتحقق عليه إلزام الصلاة ~~بالوجه الذى حقق عليه تحريم الزنا غير أن ترك إقامة الحد عليهم كان بدليل ~~شرعى قام عليه ونحن لا ننكر سقوط إقامة الحد مع تحقق التحريم بدليل شرعى ~~يقوم عليه وذلك الدليل هو العهد المعقود معهم بترك التعرض لهم فى شرب ~~الخمور وأكل الخنازير إذا لم يظهروا ذلك فيما بيننا وإقامة الحد من التعرض ~~فيكون ذلك إحقار للعهد فلهذا لم نقمه عليهم وقد أجبنا بغير هذا فى المسائل ~~الفقهية. # أما الجواب عن كلماتهم. # أما الأول قلنا لا نسلم أن هذا تكليف بما لا وصول إليه بل الوصول من ~~الكفار إلى فعل هذه العبادات ممكن وذلك بأن يسلم ثم يباشر العبادات ونظير ~~ذلك الجنب مكلف فعل الصلاة بأن يزيل الجنابة ثم يصلي. # وقولهم أنه إذا أسلم سقط عنه الصلاة فلا وصول إليها لا قبل الإسلام ولا ~~بعد الإسلام. # قلنا الوصول ممكن بأن يسلم في الوقت أو يسلم قبل الوقت فإذا دخل الوقت ~~صلى. # PageV01P111 # فإن قالوا: إذا أسلم صلى بأمر جديد. # قلنا لا كذلك قيل بفعل الصلاة بالأمر الذي كان عليه من قبل. # فإن قالوا: هل كلف الكافر الصلاة قبل الإسلام. # فإن قلتم نعم فهو مستحيل لأنه إذا لم يصح منه فعل الصلاة كيف يكلف فعل ~~الصلاة. # قلنا هذا قد قلتم وقد أجبنا. # ونقول هل كلف الجنب بأن يصلى فى حال الجنابة. # فإن قالوا: أن الطهارة تصلح شرطا للصلاة والإسلام لا يصلح شرطا لأن ~~الشروط اتباع. # قلنا ولم لا يصلح شرطا وليس معنى الشرط إلا ما يقف الشىء على وجوده. # وعلى أن هذا ليس بخروج عن الإلزام فإن وجه الإلزام أن الجنب يكلف فعل ~~الصلاة فى حال الجنابة ثم إذا أداها يكون بشرطها وهو تقديم الإسلام وأيضا ~~فإن الأمة اجتمعت على أن الكافر يخاطب بالإيمان بالرسل وإذا وصل إلى الآخرة ~~ولم يكن أسلم يعاقب على ترك الإيمان بالرسل كما يعاقب بترك الإيمان بالله ms076 ~~ومعلوم أنه لا يصح الأيمان بالرسل إلا بشرط تقديم الإيمان بالله مثلما لا ~~تصح الصلاة إلا بعد تقديم الإيمان. # ولكن قيل كلفوا ذلك بشرط تقديم معرفة الله عليه كذلك جاز أن يكون مكلفا ~~بالعبادات بهذه الشريطة أيضا وهذا إلزام عظيم هدم عليهم هذه القاعدة. # وقولهم أنه لا فائدة فى هذا الأمر. # قلنا إذا بينا وجه التمكن من الفعل على بعض الوجوه اتصلت الفائدة بالأمر. # قالوا: بطلت فائدة الأمر فى حال كفر الكافر لأنه عندكم مخاطب بالعبادات ~~فى حال كفره. # قلنا هذا الذى قلتم ليس بشرط لصحة الأمر بدليل الجنب الذي قلناه وعلى أن ~~فائدة الأمر في الحال أنه إذا ترك الإتيان استحق العقاب على ترك الصلاة فى ~~الآخرة ويجوز تصحيح الأمر بهذه الفائدة في الحال بدليل الجنب الذي قدمناه ~~وكذلك من علم الله تعالى منهم أنه لا يؤمن يحسن خطابه بالإيمان وليس يحسن ~~خطابه بالإيمان إلا لفائدة استحقاق العقاب بترك الإيمان لأن الفعل منه غير ~~متصور لأنه يؤدي إلى تجهيل. # PageV01P112 # الله تعالى وقد تقدس البارى عن ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا. # وقولهم أن المقصود من الأمر طلب الفعل فإنا قد ذكرنا وجها للفعل وذكرنا ~~أيضا أن فائدة استحقاق العقاب كان فى تصحيح الأمر فسقط هذا السؤال. # وقد قال الأصحاب على قولهم أن الكافر إذا أسلم يسقط الأمر بالصلاة لأنه ~~إنما سقط بعفو الشرع وذلك بقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف} [الأنفال: 38] ولأجل أنا إذا أوجبنا عليه قضاء ما سبق من ~~الصلوات والصيامات الفائتة والزكوات [والخراج] 1 [المسير الماء فيه] 2 أدى ~~ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام وقد ذكرنا هذا فى المسائل الفقهية وما ذكرنا ~~أولا كاف. # وأما طريقة أبي زيد فنقول قوله أن الكافر ليس من أهل العبادة. # قلنا ليس معنى هذا إلا أنه إذا فعل العبادة لا يصح وهو باطل بالجنب الذي ~~قدمناه لأن الجنب ليس من أهل فعل الصلاة مثل الكافر ليس من أهل فعل الصلاة. # ولكن قيل هو من أهل الصلاة ms077 عند تقديم الطهارة فصح الأمر عن فى حقه وأن لم ~~يكن على طهارة كذلك الكافر من أهل الصلاة عند تقديم الإسلام فصح الأمر فى ~~حقه وأن لم يكن فى الحال مسلما. # وأما قوله أن العبادة لاستحقاق الثواب وهو ثمن الجنة على ما زعم. # قيل له ليس صحة الأمر بالعبادة بكونه من أهل الجنة لأنه ليس لصحة العبادة ~~من المسلم باستحقاق الجنة فإنه قد قام الدليل لنا أن الثواب الموعود محقق ~~بفضل من الله تعالى وأنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد وإنما صحة العبادة ~~بورود السمع بها وانضمام شرطها إليها والإيمان بالله تعالى أحد شرائطها غير ~~أن صحة الأمر لا تقف على وجود الشرط بل يكفى فى صحة التمكن من إيجاد الشرط ~~على ما سبق كذلك هاهنا وعلى أنه أن لم يكن تصحيح الأمر ليفعل المأمور فيثاب ~~عليه يمكن تصحيحه حتى إذا ترك يعاقب عليها. # فإن قالوا: لا يصح الأمر لهذا. # قلنا ولم وقد سبق الجواب عن هذا والجواب الأول أولى وأحسن ويبطل هذه ~~الطريقة بالإيمان بالرسل فإنه يخاطب به وكما أنه خوطب بالصلاة ليثاب عليها. ~~PageV01P113 # فكذلك خوطب بالإيمان بالرسول ليثاب عليه فلا فرق بينهما بحال وإذا ثبت ~~لنا هذه المسألة فقد ثبت على هذه المسألة كثير من المسائل من مسألة وجوب ~~القضاء للصلوات المتروكة على المرتد إذا أسلم وجواز إيتاء الحج منه بعد ~~الردة ومسألة الذمى إذا أتلفه المسلم ومسألة استيلاء الكفال وغير ذلك على ~~ما عرف والله أعلم. # PageV01P114 ### | مسائل قصار وفصول من المذهب يليق بهذا الموضع # مسألة: يدخل العبيد فى المطلق من الأوامر والنواهي1 مثل ما يدخل الأحرار ~~وذهبت شرذمة إلى أنهم لا يدخلون إلا بدليل يدل على ذلك2 قالوا: وذلك لأن ~~العبد نفسه مملوكة لغيره ومنافعه مستحقة له والأمر تصريف من مالكه فإذا كان ~~هو في تصريف [مالكه] 3 لم يدخل في تصريف غيره إلا بدليل يدل عليه. # وأما الدليل على أنهم يدخلون مع الأحرار بصيغة قوله افعل يتناول فعل الحر ~~والعبد على وجه واحد وكل ms078 واحد منهما يجوز أن يكون مأمورا بهذا الأمر. # ألا ترى أنه لو أراده صح فاشتمل الأمر على الأحرار والعبيد على وجه واحد ~~أيضا ويقال أيضا أنه لما جاز أن يكون العبيد معينين لهذا الأمر دخلوا فى ~~هذا الخطاب إلا أن يوجد مانع سمعى أو نقلى ولم يوجد مانع فإن قالوا: أن ~~المانع قد وجد وهو ما وجد من وجوب خدمته لسيده في أوقات العبادة. # قلنا إنما يكون من خدمة سيده إذا فرغ من العبادات فصارت أوقات العبادات ~~مستثناة من أوقات خدمة السيد كأوقات الأكل والشرب وسعيه بنفسه فيما لا بد ~~به. # قولهم أنه في تصريف سيده فلا يكون في تصريف آخر لنفس الشيء لأنه يجوز. ~~PageV01P114 # أن يكون في تصريف سيده فى وقت وفى تصريف خالقه في وقت. # ألا ترى أنه لو عنى العبد صح فإذا جاز أن يكونوا معينين بهذا الأمر وحق ~~السيد عليه قائم كذلك يجوز أن يكون الخطاب المطلق متناولا للعبيد أيضا وحق ~~للسيد عليه قائم والله أعلم # مسألة: مذهب الشافعى أن النساء لا يدخلن1 في خطاب الرجال # وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنهن يدخلن وقالوا: قد دخلن فى أكثر الأوامر ~~المطلقة فى الشرع مثل الأمر بالصلاة والزكاة وبالحج وغير ذلك فدل أن حقهن ~~الدخول بصيغة الأمر ولأن أهل اللغة قالوا: أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا ~~أى علامة التذكير على علامة التأنيث فصار الخطاب فى حق الجنسين على وجه ~~واحد. # وأما دليلنا هو أن أهل اللغة فرقوا بين الجنسين فى خطاب الجمع كما فرقوا ~~فى خطاب الفرد فإنهم قالوا: فى خطاب الجمع للرجال افعلوا وللنساء افعلن وفى ~~خطاب الفرد للرجل افعل وللمرأة افعلى وإذا اختلفت الصيغة فى الجنسين دل أن ~~أحدهما لا يدخل فى خطاب الآخر كما لا يدخل الرجال فى خطاب النساء وكما أن ~~فى خطاب الفرد لا تدخل المرأة فى صيغة خطاب الرجل ونستدل بحديث أم سلمة2 ~~أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماترى الله تعالى لا يذكر إلا ~~الرجال فأنزل الله تعالى: {إن ms079 المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35] الآية إلى ~~آخرها فإن قالوا: أرادت الإفراد بالذكر. # قلنا هذا الطلب إنما يصح أن لو وجد إفراد الرجال بالذكر وإذا كان عندكم ~~الخطاب يتناول الجنسين من حيث وضع اللغة فيكون دخول النساء فيه مثل دخول ~~الرجال فلا يستقيم طلبنا بالإفراد بالخطاب لأنه تعالى لم يفرد الرجال ~~بالذكر فى محل ما فى خطاب الجمع فمن أى وجه يطلب النساء أن يفردن بالذكر. ~~PageV01P115 # ببينة أنا إذا قلنا يكون الخطاب للرجال والنساء في صيغة الجمع على وجه ~~واحد لا يبقى لخطاب الرجال على الانفراد صيغة وهذا محال. # وأما الذي قالوا: أن النساء قد دخلن مع الرجال في أكثر خطاب الشرع. # قلنا إنما دخلن بدلالة وقرينة. # وأما كلامهم الثاني وهو قولهم أن الرجال والنساء أن اجتمعوا علمت علامة ~~التذكير على علامة التأنيث. # قلنا هذا لا يعرف لغة إنما هذا قول الفقهاء وعلى أننا لا ننكر دخول ~~النساء فى خطاب الرجال إذا أردن بذلك ويكون ذلك على وجه المجاز كالحمار إذا ~~أريد به البليد تناوله على وجه المجاز والكلام فى الحقيقة وقد بينا أنه لا ~~يجوز أن يدخلن من حيث الحقيقة والله أعلم. # فصل: وأفعال السكران وأقواله داخلة تحت التكليف فى قول عامة الفقهاء. # وقال أهل الكلام لا تكليف عليه وتابعهم بعض الفقهاء1 وقال من يمنع دخوله ~~تحت التكليف أن توجيه التكليف مع عدم علم المكلف بما كلف به محال لأنه لا ~~يدخل هذا فى تكليف االإنسان ما ليس فى وسعه وهذا لا يجوز فى الشرع ولا فى ~~العقل. # قالوا: ولأنه لوجاز تكليف السكران جاز تكليف المجنون والصبي بل جواز ~~تكليف الصبي أقوى من تكليف السكران لأن الصبي له عقل وتمييز وأن لم يكمل ~~مثل ما كمل للبالغين فإذا لم يكلف الصبي فلأن لا يكلف السكران أولى. # قالوا: وأما الصلاة إذا فاتته في حال السكر فإنما القضاء بأمر جديد بعد ~~الصحو. # ويقولون أيضا أن الأمر فيما قلتم متقدم على زوال العقل فإنه يقال له إذا ~~سكرت فى وقت الصلاة أو نسيت أو ms080 نمت عنها أو أتلفت شيئا فى حال السكر أو فى ~~حال النوم لزمك ضمانه. # وأما دليل ما صار إليه الفقهاء قوله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا PageV01P116 # الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فقد خاطب السكران ~~بها حال السكر بالكف عن الصلاة حتى يعلم ما يقول: فدل أن السكر لا ينافى ~~الخطاب ولأن الأمة أجتمعت على صحة ردته فى حال السكر وأجمعوا على وجوب الحد ~~عليه بالزنا والقذف وكذلك يلزمه ضمان ما يتلفه من الأموال فدلت هذه الأحكام ~~أن التكليف قائم فى حقه وأن زال عقله بالسكر. # وقد قال بعض الأصحاب فى حين أقدم على الشرب كان عاقلا وقد تكلف شيئا ~~محظورا أجرى الله العادة إلى زوال العقل به فجعل الزوال بالسبب المحظور ~~بمنزلة القائم ولهذا المعنى إذا قتل الإنسان مورثه جعل المقتول كالحى حتى ~~لم يورث منه وكذلك نقول أن التكليف متوجه على النائم وجعل كاليقظان بدليل ~~شرعي قام عليه وهو إيجاب الصلاة عليه وأن استوعب النوم جميع وقت الصلاة ~~وكذلك إذا انقلب على شيء أو أتلفه يجب عليه الضمان هكذا قال بعض الأصحاب. # والأصح عندى أن السكران متوجه عليه الخطاب ويجعل عقله بمنزلة القائم ~~بالدلائل التى قامت عليه من جهة الشرع وإذا جعلنا عقله بمنزلة القائم شرعا ~~استقام خطابه وتكليفه. # وأما النائم فالأولى أن يقال لا تكليف عليه فى حال النوم1 لأن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة" 2 وذكر فيهم النائم ولأن النوم ~~مباح فلا يجعل النائم بمنزلة اليقظان ويعتبر ما وجد من زوال الحس بالنوم ~~ولا يجوز تكليف من لا حس له ولا علم وإنما وجوب القضاء بعد اليقظة للصلاة ~~التي فاتته في حال النوم ووجوب غرامات المتلفات فإنما ذلك بالأمر بعد ~~الانتباه. # قال الأصحاب ولا تكليف على الساهي فيما سها عنه وذلك لعدم علمه بما سها ~~عنه لأنه لو كان عالما لم يكن ساهيا وأما المكره ففعله داخل تحت التكليف ~~لأنه يقدر على تركه بأن يستسلم بما ms081 خوف به وهذا بخلاف حركة المرتعش لا يوصف ~~بأنه. PageV01P117 # مكره عليها لأنه لا يقدر على تركها فالإكراه لا ينافي العلم والقصد فلا ~~ينافي دخول فعله تحت اقتداره واختياره فلم يسقط التكليف. # وقال بعض المتكلمين أن فعل المكره لا يدخل تحت التكليف وليس لأهل هذه ~~الطائفة تعلق إلا ادعاؤهم فقد الاختيار. # قالوا: ولا تكليف مع عدم الاختيار1 وربما يقولون أنه غير مريد لما أكره ~~عليه. PageV01P118 # ولا قصد له فصار فعله كفعل النائم وليس هذا بشيء لأنا قد بينا أن اختياره ~~فيما أكره عليه قائم. # ألا ترى أنه يصبر على ما خوف به فدل أنه إذا لم يصبر وفعل ما اكره عليه ~~فإنه يفعله عن قصد واختيار والدليل على بقاء التكليف فى حقه أنه تنقسم عليه ~~الأحكام فيما أكره عليه ففي بعضها يجب عليه فعله وفي بعضها يحرم وفي بعضها ~~يباح وفي بعضها يرخص فالأول مثل أكل الميتة والثاني مثل القتل والثالث مثل ~~إتلاف مال الغير والرابع مثل إجراء كلمة الكفر على لسانه مع طمأنينة قلبه ~~على الإيمان وانقسام الأحكام عليه دليل قاطع على بقاء التكليف وقد أجتمعت ~~الأمة على أنه لو أكره إنسانا على قتل إنسان لا يجوز أن يقتله ولو قتل أثم ~~إثم القتل ولولا الحظرية عليه قائمة لم يأثم ولما أثم ثبت أن التكليف قائم ~~مستمر عليه وأما الصبيان فلا تكليف عليهم في فعل شيء ما لأن التكليف من قبل ~~الله تعالى والله تعالى وضع عنهم ظلمة الأفعال ولم يوقعهم فى هذه الكلفة ~~رحمة من قبل الله تعالى ونظرا لهم فأما الحقوق المالية التى تجب عليهم ~~فليست فيها إلزام فعل ولا إيقاع لهم فى كلفة ومشقة إنما الإيجاب عليهم ~~يلاقيب ذممهم ولهم ذمم صحيحة وأما فعل الأداء الذى هو كلفة ومشقة فهو متوجه ~~على الأولياء لا على الصبيان والجملة أن إزالة التكليف على الصبيان نظر من ~~الله تعالى ورحمة وذلك فى إسقاط الفعل الذى يتضمن التعب والمشقة وأما أمرهم ~~بالعبادات عند بلوغ السبع فنوع امتران واعتياد وليس على جهة ms082 التكليف وكذلك ~~ضربهم على سائر الآداب للرياضة كضرب الدابة. # وأما الذى قاله الشافعى رحمه الله من سقوط الظهر عنه إذا كان فى أول ~~الوقت وهو غير بالغ ثم بلغ فى آخر الوقت1 فإنما كان كذلك لأنه فعل وظيفة ~~الوقت فى. PageV01P119 # أول الوقت فمنع فعلها من وجوبها عليه فى آخر الوقت إذا بلغ لئلا يؤدى إلى ~~التثنية فى الوظيفة وقد قررنا هذا المعنى فى خلافيات الفروع # مسألة: لا يدخل الأمر فى الأمر عند عامة الفقهاء: # وذهب طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل والمسألة مصورة فى النبى صلى الله ~~عليه وسلم إذا كان آمرا فإن الأمر الوارد من قبل الله تعالى بذكر الناس ~~وأمرهم بشيء بفعله فقد اتفقوا أن الرسول يدخل فى ذلك1 وتعلق من قال بدخوله ~~فى الأمر قال لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل فإذا قال ~~للأمة افعلوا كذا فيصير كأن الله تعالى قال افعلوا كذا فيدخل النبى صلى ~~الله عليه وسلم فيه مثل ما يدخل غيره وربما يقولون أن الأمر يدل على ~~الإيجاب فيصير كأن النبى صلى الله عليه وسلم قال هذه العبادة واجبة فتكون ~~واجبة على الكل وأما دليلنا أنه لا يجوز أن أمرا لنفسه بلفظ يخصه فلا يجوز ~~أن يكون أمرا لنفسه يعمه ويعم غيره وهذا لأنه أمر فلا يكون مأمورا كالمأمور ~~لا يكون أمرا ولأن الأمر قول القائل لمن دونه افعل فصارت الرتبة شرط صحة ~~الأمر ولا يتصور رتبة مع. PageV01P120 # نفسه لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان أعلا رتبة أو أدنى رتبة من نفسه ~~ولهذا لم يصح أمر الإنسان لنفسه على التخصيص وأيضا فإن الأمر قول موضوع ~~لاستدعاء الفعل وطلبه وهذا وضع لطلبه من الغير لأن هذه الصيغ إنما تكلمت ~~بها العرب لحاجتهم إليها وليفهم البعض من البعض مراده وخطابه ولا يتصور منه ~~قول لاستدعاء الفعل من نفسه لأن طبيعته داعية إليه طالبة منه فعل كل ما ~~يسره والكف عن كل ما يضره فلا حاجة إلى قول موسع له من نفسه ms083 لطلب فعل منه ~~أو قول وضع لمنعه عن فعل وهذه كلمات قطعية والذى قاله الخصم أنه يصير كأن ~~الله تعالى قال افعلوا # قلنا إذا قال تعالى افعلوا فالنبى صلى الله عليه وسلم يكون مأمورا وإذا ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم فيكون أمرا والكلام فى دخول الأمر فى الأمر ~~فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه أمرا وهذا كالسيد يقول لغلامه اسقنى ~~فإنه لا يدخل العبيد فى هذا الأمر وأن كان يجوز أن يدخل فى أمر غيره وأما ~~قولهم أن أمره يصير كأنه قال هذه العبادة واجبة قلنا ولم يصير هكذا وهذا ~~خبر وذاك أمر والخبر خبر فى حق كل أحد وأما الأمر يتناول الأمر على الخصوص ~~بحكمه وأما الأمر الوارد من قبل الله عز وجل بخطاب النبى صلى الله عليه ~~وسلم الرسول فإنه يتناوله على الخصوص ولا يتناول غيره إلا أن يقوم عليه ~~الدليل وأما الوارد بقوله: {يا أيها الناس} أو: {يا أيها الذين آمنوا} أو: ~~{يا عبادي} فإنه يتناول النبى صلى الله عليه وسلم وغيره لأجل عموم اللفظ ~~والله أعلم. # واعلم أن الأصحاب قد ذكروا أن الخطاب الوارد من الله عز وجل ومن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إنما يتناول المكلفين الصالحين لهذا التكليف الوارد ~~الموجودين عند الخطاب وأما الذين يوجدون من بعد ذلك فإنما يدخلون فى الخطاب ~~بالإجماع وهذا لأن خطاب المعدوم لا يتصور إفادته الإيجاب فدخولهم فى الخطاب ~~لا يكون بنفس الخطاب وإنما يكون بدليل آخر وليس ذلك إلا الإجماع فكذلك نقول ~~فى كل خطاب معلق بصفة إنما يتناول أهل تلك الصفة عند مورد الخطاب فأما من ~~يصير بتلك الصفة فى حالة أخرى1. PageV01P121 # فإنما يتناوله الخطاب بدليل آخر1 وإذا ثبت هذا فخطاب الله تعالى وخطاب ~~رسوله صلى الله عليه وسلم باسم الجمع إنما صار شاملا جميع أهل الإيجاب مع ~~عدمهم عند ورود الخطاب بدليل إجماع الأمة والإجماع فى نفسه دليل قاطع لا شك ~~أنهم عقلوا ذلك حين أجمعوا عليه وقالوا: ما قالوه عن دليل فثبت ms084 ما أجمعوا ~~عليه وأن لم ينقل الذى أجمعوا عليه. # مسألة: الأمر بالشيء يدل على أجزائه # وهذا قول جميع الفقهاء2 وذهبت طائفة من المتكلمين أنه لا يدل على أجزائه ~~ولا بد فيه من دليل آخر3 وقال هؤلاء الطائفة لا بد أن نبين المراد من قولنا ~~مجزىء ليصح أن نتكلم عليه قالوا: وعلى أنا لا نريد بقولنا مجزىء أنه يثاب ~~عليه وأنه حلال لأنا نقول أن المأمور لابد أن يكون مثابا عليه ولا بد أن ~~يكون حلا لا لأنه أما أن يكون واجبا أو مندوبا إليه وأيهما كان فلا بد أنه ~~حلال وإنما نريد بقولنا أنه مجزىء أنا إذا قلنا هذه اللفظة فى الصلاة ~~فالمراد بذلك أن القضاء غير لازم فيها فإذا قلناه فى البيع فالمراد أن ~~الملك الصحيح يقع به وإذا قلناه فى الشهادات فالمراد من ذلك أنه يجب على ~~القاضى أن يقضى بها فهذا هو المراد بقولنا مجزىء وإذا عرف هذا نقول أن ~~الأمر لا يقتضى إلا كون المأمور واجبا أو ندبا على خلاف وكونه كذلك لا يمنع ~~كونه مجزئا بل لا متنع أن يكون واجبا أو ندبا ومع ذلك لا يكون مجزئا على ~~المعنى الذى قلناه وهذا كما يقول فيمن ظن أنه على الطهارة وليس على الطهارة ~~وتجب عليه الصلاة وأن كانت الصلاة غير مجزئة وعليه قضاؤها. PageV01P122 # إذا علم أنه محدث وكذلك من أفسد على نفسه الحج يجب عليه المضي وأن كان ~~غير مجزيء عنه فهذا كلام ذكره عبد الجبار بن أحمد في العمد. # وأما دليلنا نقول أن معنى الإجراء هو الخروج عن عهده الأمر أو إنهاء ذلك ~~الأمر في حقه فنقول على هذا امتثل الأمر كما أمر فوجب أن يخرج عن عهده ~~الأمر. # كالمولى إذا قال لغلامه اسقني فسقاه يخرج عن عهدته وهذا لأن الأمر لا ~~يقتضي الفعل إلا مرة واحدة فإذا فعل المأمور ما اقتضاه هذا الأمر وجب أن لا ~~يبقي عليه واجب آخر من جهة هذا الأمر وإذا لم يبق عليه شيء من جهة الأمر لا ms085 ~~بد أنه حكم بكون المفعول مجزئا وهو يعني خروجه عن عهدته وهو كما لو نهى عن ~~شئ فانتهى خرج عن عهدة النهى. # وأما كلامهم ففي غاية الضعف لأن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يستقيم تفسير ~~الإجراء بسقوط القصد ولهذا المعنى صح وورد أمر من الشارع لاقضاء له عن ~~فواته مثل الجمعة وما يشبهها وإنما معنى الإجراء ما بيناه. # ببينه أن المأمور بامتثال الأمر يصير مطيعا لأمر آمره ومتى جعل مطيعا لا ~~بد أن يكون طاعة وأما الذي قالوا: أنه ظن أنه على الطهارة يجب عليه الصلاة ~~ثم يلزمه قضاؤه. # قلنا إنما وجب بناء على طهارة فإذا تبين أنه لم يكن على طهارة ظهر أنه لم ~~يمتثل للمأمور كما أمر فبنى الحكم على ما تبين حقيقته وأعرض عن الحكم الذي ~~كان مبتنيا على ظن منه وكان الأمر بخلافه وكذلك في مسألة الحج الفاسد إذا ~~مضى عليه بها وجب عليه القضاء لآنه ممتثل المأمور كما مر لأنه أمر بالحج ~~الخالي عن الإصابة وقد حج لا على هذا الوجه فلم يخرج عن عهدة الأمر وأما في ~~مسألتنا فقد فعل المأمور كما أمر فلا بد أن يقع المفعول مجزئا عنه على أي ~~وجه فسر الإجزاء والله أعلم. # مسألة: الأمر بالشئ نهى عن ضده من طريق المعنى # وهذا مذهب عامة الفقهاء وذهبت المعتزلة إلى أنه يكون نهيا عن ضده1 ~~وتعلقوا. PageV01P123 ### | ....................................................................... # PageV01P124 ### | ..................................................................... # PageV01P125 ### | ......................................................................... # PageV01P126 ### | .......................................................................... # PageV01P127 ### | ......................................................................... # PageV01P128 # في ذلك بوجوه فيها أن القائل به لا يخلوا أما أن يقول: أن الأمر بالشيء ~~نهى عن ضده من حيث اللفظ ومن حيث المعنى فإن قلتم من حيث اللفظ فهذا مدفوع ~~من حيث المشاهدة والمحسوس. # وهذا لأنا سمعنا الأمر من قوله لغيره افعل فكيف تسمع النهى من هذا اللفظ ~~وهو ضده. # فإن قلتم من حيث المعنى فليس المعنى إلا أن الحكيم إذا أراد شيئا فقد كره ~~ضده وإذا حسن شيئا فقد قبح ضده وهذا لا يوجب أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ~~ضده لأن الله تعالى قد أمرنا بالشيء من غير أن يكره ضده كالنوافل ms086 فإنه ~~تعالى أمر بها ولم يكره ضدها لأنه لو كره ضدها لم تكن النوافل نوافل بل ~~كانت واجبات فمنها أن الأمر بالشيء لو كان نهيا عن ضده وجب أن يكون العلم ~~بالشيء جهلا عن ضده والقدرة على الشيء عجزا عن ضده كما قلتم أن أرادة الشيء ~~تكون كراهية لضده. # فيؤدي ما قلتم إلى أن يكون الشيء نصفه ضده لأن الكراهة ضد الأرادة فلو ~~كانت الإرادة كراهة لضده لكان الشيء نصفه ضده وهو باطل. # ومنها أن الشيء إذا كان له ضدان مثل السواد فإن البياض والحمرة ضدان له ~~فيجب إذا أراد السواد أن يكون كارها للحمرة والبياض والحمرة ضد البياض كما ~~أنها ضد السواد فكان المحب إذا كره البياض لإرادته السواد أن يكون مريدا ~~للحمرة لأن كراهية البياض إرادة للحمرة لأنها ضده ثم إذا كان مريدا للحمرة ~~وجب أن يكون كارها للسواد والبياض جميعا لأنهما ضدان له فيجب على هذا أن ~~يكون كل واحد من هذه الأضداد مرادا مكروها وهذا باطل وما أدى إليه يكون ~~باطلا. # وأما حجتنا قلنا أن الأمر بالشيء أمر بما لا وصول إليه إلا به ولا يتم ~~إلا بفعله مثل الأمر بالحج أمر بالسعى إلى مكان الحج قبله. # والأمر بالاستقاء أمر بإدلاء الدلو في. PageV01P129 # البير ونزعه والأمر بصعود السطح أمر بنصب السلم وقد بينا هذا من قبل وإذا ~~كان الأمر بالشىء أمرا بما لا يتم المأمور إلا به فنقول أن فعل الشىء لا ~~يحصل إلا بترك ضده مثل الحركة لا تحصل إلا بتركها السكون وكذلك السكون لا ~~يحصل إلا بترك الحركة فصار الأمر بالشىء نهيا عن ضده معنى هذا الطريق ولهذا ~~يكون الأمر بالإيمان نهيا عن الكفر لأنه ضده وكذلك الأمر باللبث فى المكان ~~نهى عن ضده وهو الخروج والأمر بالقيام نهى عن القعود وأشباه هذا كثير وهذا ~~هو المراد من قولنا أن الأمر بالشىء يكون نهيا عن ضده فإن أعجبهم عن ~~استعمال لفظ النهى وهو الوفاق وأن لم يعجبهم هذا اللفظ وقالوا: إنما قلناه ~~معنى تعينت ms087 المخالفة فى نفس التسمية ولا مبالاة بها بعد الموافقة فى المعنى ~~وأن خالفوا فى اللفظ والمعنى جميعا كان خروجا عن المعقول فيكون باطلا. # والأولى أن نقول أن المسألة مصورة فيما إذا وجد الأمر وقضينا أنه على ~~الفور فلا بد من ترك ضده عقيب الأمر كما لا بد من فعل المأمور عقيب الأمر ~~وأما أن قلنا أن الأمر على التراخى فلا تظهر المسألة هذا الظهور فالأولى ~~تصويرها فى الجانب. # وأما الجواب عما ذكروه فأما الأول فتعلقهم بالنوافل باطل لأن النوافل ~~عندنا غير مأمور بها فإن عندنا ما ليس بواجب لا يكون مأمورا به ولئن تناوله ~~الأمر يكون على طريق المجاز ثم نقول الأمر الذى يفيد الوجوب يكون نهيا عن ~~ضده وأما الأمر الذى يفيد الاستحباب إنما يفيد النهى عن ضده بما يناسب ~~الاستحباب والاستحباب أن يكون فعل الشىء أولى من تركه فالحكم فى ضده أن ~~يكون تركه أولى من فعله. # وأما كلامهم الثانى ففى نهاية الضعف لأنه يجوز أن يجتمع العلم بالشىء ~~والعلم بضده وكذلك القدرة على الشىء وضده فأما فعل الشىء وفعل ضده لا يتصور ~~اجتماعهما والأمر يقتضى الفعل فهذا الوجه عمل في ضده بالنهى عنه. # وأما كلامهم الثالث الذى ذكروه فليس بشىء أيضا لأنا نجعل الأمر بالشىء ~~نهيا عن ضده لا من حيث اللفظ ولكن من حيث المعنى وهو أنه لا يتوصل إلى فعل ~~الشىء إلا بترك ضده وهذا المعنى فيما له ضد واحد وفيما له أضداد واحد فسواء ~~كان له ضد واحد وأضداد فلا بد من ترك الكل حتى يفعل المأمور وأما النهى عن ~~الشىء هل يقتضى الأمر بضده فإن كان الشىء له ضد واحد مثل الحركة والسكون. # PageV01P130 # فكذلك نقول أنه إذا نهاه عن السكون يكون الأمر بالحركة إذ ليس بينهما ~~واسطة فأما إذا كان له أضداد فلا يكون النهى عن الشىء أمرا بها كلها لأنه ~~يتوصل إلى ترك الشىء من غير أن يفعل جميع أضداده ولا يتوصل إلى فعل الشىء ~~إلا بعد أن يترك جميع أضداده فافترقا ms088 لهذا المعنى ثم نقول أن هذا الأمر ~~بالشىء نهى عن ضده صيغة حتى يصير في النهى الثابت معنى أن يكون أمرا بضده ~~فإن الذى ادعيناه إنما ادعيناه في صيغة الأمر والنهى ولم ندع ذلك فيما ثبت ~~معنى فسقط ما قالوه. # وادعى أبو زيد في هذه المسألة قولا ثالثا وقال أن الأمر بالشىء يقتضى ~~النهى عن ضده على وجه الكراهة لا على وجه التحريم وهذا ليس بشىء لأن الأمر ~~إذا كان بعد الوجوب فلا بد أن يقتضى الكف عن ضده على وجه التحريم حتى ~~يستقيم حمله على الإيجاب. # وقد أجمع الفقهاء على أن الأمر يفيد الإيجاب ومع هذا لا يكون لما قاله ~~وجه. والله أعلم. # مسألة الفرض والواجب واحد عندنا # وزعم أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ~~ثبت وجوبه بدليل مظنون1 وقالوا: لأن الواجب ليس على مرتبة واحدة ألا ترى أن ~~الثابت بدليل مقطوع لا يكون في مرتبة ما ثبت بدليل مظنون بل يكون فوقه فى ~~الرتبة وإذا كان اختلفا في الرتبة اختص كل واحد منهما باسم غير اسم صاحبه. # قالوا: ولأن الفرض في اللغة يدل على ما لا يدل عليه الوجوب لأن الوجوب ~~يدل على اللزوم فإنه مأخوذ من السقوط على ما سبق ولا تأثير للساقط فى المحل ~~ولأن الفرض مأخوذ من الجز والشق ومنه فرض القوس وفرضة الوادى فدل هذا الاسم ~~على التأثير فى المحل وإذا أثر فى المحل أفاد زيادة لا يفيدها اسم الوجوب. # ونحن نقول أن حد الواجب والفرض واحد لأن حدهما جميعا ما لا يسع تركه أو ~~ما لا يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه وإذا اتفقنا فى المعنى اتفقنا فى ~~الاسم ولأنكم فرقتم بين الواجب والفرض بفرق ولا يدل عليه دليل والدليل على. ~~PageV01P131 # أنه لا دليل عليه أنه لو قلت: [قلمكم قال] 1 هذا الفرق وقال الواجب ما ~~ثبت بدليل مقطوع به والفرض ما ثبت بدليل مظنون لم يكن عنه خلاص وأما الذى ~~تعلقوا به من قولهم أن ما ms089 ثبت بهذا الدليل مخالف فى الرتبة ما ثبت بذلك ~~الدليل فوجه الجواب المعتمد عنه أن الكلام فى الواجب العملى وهو الذى تتكلم ~~فيه الفقهاء فيما بينهم وأما العلم ليس له تعرض أصلا والواجب عملا تستوى ~~مراتبه سواء كان ثبوت الشىء بدليل قطعى يوجب العلم أو بدليل اجتهادى يوجب ~~الظن والعقاب فى كل واحد عند تركه عملا مثل العقاب في صاحبه وكذلك واحد لا ~~يسع تركه صاحبه إذا استويا من هذا الوجه استغنى عن التفريق الذى ذكروه. # وأما كلامهم الثانى قلنا إذا تراجعنا اللغة فلفظ الوجوب أدل على اللزوم ~~من لفظ الفرض لأن الفرض اسم مشترك يكون بمعنى الإنزال مثل قوله تعالى: {إن ~~الذي فرض عليك القرآن} [القصص: 85] أى أنزل ويكون بمعنى البيان مثل قوله ~~تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها} [النور: 1] ويكون بمعنى التقدير يقال فرض ~~القاضى النفقة أى قدر ويكون بمعنى الإيجاب كقوله تعالى: {فمن فرض فيهن ~~الحج} [البقرة: 197] أى أوجب فالإلزام أحد معانى الفرض وأما الوجوب له معنى ~~واحد وهو السقوط وقد اقتضى الإلزام من حيث هذا المعنى الواحد فكان هذا ~~الاسم أخص فى الإلزام من لفظ الفرض فلا أقل أن يستويا وأما التأثير فى ~~المحل فلا معنى له لأن الإلزام على الإنسان لا يظهر له تأثير فى المحل حسا ~~بوجه ما فلا معنى لاعتباره. # مسألة الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق # وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يتناوله والخلاف تظهر فائدته فى قوله ~~تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] فعندنا هذا لا يتناول الطواف ~~بغير طهارة ولا الطواف منكوسا وعلى مذهبهم يتناوله فإنهم وأن اعتقدوا ~~كراهية هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل فى الأمر حتى يتصل به الإجزاء الشرعى ~~وعندنا يدخل ولا جواز لمثل ذلك الطواف واعلم أن هذا المثال على أصلهم يتصور ~~وأما عندنا أن ذلك طواف مكروه بل لا طواف أصلا لأنه قام الدليل عندنا أن ~~الطهارة شرط فى. PageV01P132 # الطواف. # مثل كونها شرطا فى الصلاة وكذلك قام الدليل أن الطواف الشرعى هو الطواف ~~على هيئة مخصوصة لا ms090 يوجد إذا طاف منكوسا وأما هم زعموا أن الطواف حقيقة ~~دوران حول البيت وذلك موجود سواء طاف بطهارة أو بغير طهارة وسواء طاف ~~مستويا أو منكوسا قالوا: وأما وجود الكراهية الشرعية لا يدل على عدم دخول ~~المفعول فى الأمر بدليل الصلاة فى الأرض المغصوبة والبيع وقت النداء فإن ~~الأول داخل فى الأمر. # والثانى فى الإطلاق. # وأما حجة ما صرنا إليه أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة والندب والإباحة مجازا ~~فما ليس بواجب ولا مندوب إليه ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر وأما ~~الصلاة فى الأرض المغصوبة فنتكلم فى هذه المسألة ابتداء حتى يظهر الواجب ~~فنقول مذهبنا ومذهب أكثر أهل العلم أن الصلاة فى الأرض المغصوبة جائزة1 ~~وذهبت المعتزلة غير النظام إلى أنها لا تجزىء2 وهو قول داود وأهل الظاهر ~~وقيل أنه مذهب أحمد بن حنبل3 رضى الله عنه. # واحتج من قال أنها لا تجزىء بأن الصلاة طاعة بإجماع المسلمين والصلاة فى ~~الدار المغصوبة معصية لأن الصلاة تشتمل على القيام والركوع والسجود والقعود ~~وهذه الأشياء تصرف فى الدار المغصوبة وشغل لأماكنها وأهويتها ومنع لرب ~~الدار لو حضر من التصرف فيها منزل منزلة وضع ساج فيها وربما يعبرون عما ~~قلنا فيقولون الكون فى هذه البقعة محرم معصية والأكوان التى تقع فى الصلاة ~~لا بد أن تقع طاعة ونقول الكون فى هذه البقعة محرم منهى عنه والأكوان التى ~~تقع فى الصلاة لا بد أن تكون مأمورا بها ويستحيل وقوع الشىء الواحد مأمورا ~~به منهيا عنه وأيضا فإنهم أجمعوا أن من شرائط الصلوات الخمس أن ينوى بها ~~المصلى أداء الواجب وما يدخل فيه أداء الواجب نحو أن ينوى كونها ظهرا أو ~~عصرا والصلاة فى الدار المغصوبة لا يتأتى فيها ذلك لأنه لا يصح أن ينوى ~~الإنسان أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب. PageV01P133 # قالوا: وعلى هذا نقول أيضا لا تجوز صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب ~~واختلفوا فيمن ستر عورته بثوب مملوك ثم لبس عليه ثوبا مغصوبا فمنهم من ~~أجازها لأن [فى] 1 الثوب ms091 الثانى [زيادة] 2 وفى الثوب الأول كفاية لستر ~~العورة وهو مملوك وقال آخرون لا تجوز لأن قيامه وقعوده وتصرفه فى كلا ~~الثوبين وزعموا أيضا أن المودع أو الغاصب إذا طولب برد الوديعة أو المغصوب ~~فتشاغل بالصلاة مع اتساع الوقت لم تجز صلاته. # وإن كان الوقت ضيقا ويخشى أن تشاغل بالرد أن تفوته الصلاة لم تبطل صلاته ~~أن لم يستضر صاحبها بالتأخير ضررا شديدا وتبطل أن استضر بالتأخير ضررا ~~شديدا وقالوا: لمن صلى وهو يرى من يغرق أو يهلك وهو يرجو أن يخلصه فسدت ~~صلاته والوجه فى ذلك أجمع أن صلاته فى جميع هذه المواضع قبيحة قالوا: ولا ~~يلزم إذا آمن فى الدار المغصوبة حيث يصير مؤمنا لأن ذلك ليس بتصرف فيها ~~فيكون غصبا لها فلم يلزم أن يكون قبيحا غير طاعة قالوا: وليس يلزم إذا صلى ~~فى أرض إنسان غير أن يقصد غصبها ولا زرع فى الأرض لأن العادة جارية أن مالك ~~الأرض لا يكره أن يصلى المارة فى أرضه وكذلك العادة جارية بأن من أذن لغيره ~~فى الدخول فى داره أنه لا يكره أن يصلى فيها فنزل ذلك منزلة صريح الإذن. # قال أبو الحسين البصرى صاحب المعتمد مستدلا فى هذه المسألة أن صحة الصلاة ~~فى الدار المغصوبة إما أن يراد بها أنها داخلة تحت التعبد أو يراد بها أنها ~~تقوم مقام ما دخل تحت التعبد والأول باطل لأن التعبد لا يتناول القبيح ~~المكروه والثانى يكفى فى نفيه أنه لم يدل دليل على أنها تقوم مقام ما دخل ~~تحت التعبد وإذا لم يدل الدليل على ذلك لم يسقط به التعبد الواجب عليه3. # وأما حجتنا [فقد] 4 ذكر بعض أصحابنا أن بعض ما يحتج به فى هذه المسألة ~~إجماع الأمة فإنا نعلم أن المكلفين الذين خوطبوا بالصلاة من شرق الأرض ~~ومغربها ما كان يخلو عصر من الأعصار من فعل بعضهم الصلاة فى الأرض المغصوبة ~~ولو كان. PageV01P134 # من أهل الاجتهاد من لا يجوز ذلك لم يجز فى مستقر العبادات أن لا يظهر ms092 ~~خلافه مع كثرة وقوع ذلك وعموم البلوى به ولجرى بينهم تناظر وتشاجر فى ذلك ~~كيف وأهل القدوة الذين هم أهل القدوة فى الشريعة والأعلام فى معرفة الأحكام ~~أطبقوا على القول بجواز ذلك فلا يعتد بخلاف من خالف فى ذلك لأنه خالف محدث ~~ولم ينقل عن أحد من السلف ذلك وعندى أن هذه الحجة ضعيفة لأنهم يقولون ~~بالإجماع وقد بينا خلاف ذلك. # وقولهم أنه لم ينقل عن أحد من السلف ذلك قالوا: كما لم ينقل الفساد لم ~~ينقل الجواز ولعلهم أن سئلوا عن ذلك أفتوا ببطلان صلاته قالوا: والظاهر ذلك ~~لأن الدليل مضى فى هذه المسألة فما كنا نظن بسلفنا الصالح أنهم يتركون مثل ~~الذى قدمناه وأقمناه إلى ما دليل عليه بل هو مجرد دعوى ونستدل بوجه آخر ~~يعتمد عليه فنقول الصلاة غير منهى عنها لأن النهى وأن ورد ولكنه ينصرف إلى ~~فعل الغضب لا إلى فعل الصلاة. # ألا ترى أن بعد الخروج عن الصلاة هو فاعل للغصب غير فاعل للصلاة. # ألا ترى أنه لو صلى فى مكان من الدار لا يخرج من أن يكون غاصبا لغير ذلك ~~المكان من بقاع الدار. # قالوا: على هذا أن المعقول من الغضب هو الاستيلاء على مال الغير على وجه ~~العدوان وهو بالصلاة شاغل ملك غيره بالعدوان فيصير بغير الصلاة غاصبا فكيف ~~لا يكون النهى منصرفا إليها وصلاته عن الغصب. # الجواب يقال لهم هل يجوز بين أن يكون الإنسان فى فعل واحد مأمورا من وجه ~~منهيا من وجه مطيعا من وجه عاصيا من وجه فإن قالوا: لا قلنا الدليل على ~~جوازه المشروع والمعقول. # أما المشروع فإن المريض الذى يستضر بالصوم فإذا صام فإنه لم يختلف أحد أن ~~صومه يقع وهو مأمور بالصوم من وجه منهى من وجه ولولا أنه مأمور به من وجه ~~لم يتصور وقوعه موقع الصوم المعروض عليه وهو منهى عنه من وجه وهو لتضمنه ~~إضرارا بنفسه. # وأما المعقول فإن السيد إذا قال لعبده احمل هذه الخشبة إلى موضع كذا ~~واسلك بها طريق ms093 كذا فحمل الخشبة وسلك طريقا غير الطريق الذى قال فإنه يكون ~~مطيعا من. # PageV01P135 # وجه عاصيا من وجه. # ألا ترى أنه يحسن أن يقول العبد أن كنت عصيتك فى سلوك هذا الطريق فقد ~~أطعتك فى حمل هذه الخشبة إلى موضع كذا ويقول لهم أيضا هل يجوز أن يشتمل ~~الفعل الواحد على معنيين مختلفين فى حكم الشارع فإن قالوا: لا. # قلنا الدليل على جواز ذلك أن من وقف على جبل مغصوب بعرفات فقد اشتمل ~~وقوفه على ما هو طاعة وهو الوقوف بعرفة وعلى ما هو معصية وهو استعمال جبل ~~الغير وكذلك إذا توضأ بماء مغصوب فإن حركاته فى الوضوء اشتملت على شيئين ~~مختلفين على استعمال ماء الغير وهو معصية وعلى فعل الوضوء وهو طاعة وكذلك ~~إذا ذبح بسكين مغصوب فإن فعله اشتمل على استعمال سكين الغير وهو معصية وعلى ~~ذبح الشاة وهو مباح جائز وإذا نوى الإنسان الصوم ونام فى نهاره فإنه فى حال ~~نومه فاعل للصوم وفاعل للنوم وهذه المسائل كلها مسلمة ولم ينقل عن ~~المخالفين منع شىء منها وأقواها مسألة صوم الشيخ والمريض اللذين يستضران ~~بالصوم ومسألة الوضوء بالماء المغصوب والوقوف على جبل مغصوب فإذا ثبت ما ~~قلناه فنقول إذا صلى فى أرض مغصوبة فنقول النهى فى شغل أرض الغير والأمر ~~بالصلاة فهو مأمور بهذا الفعل من حيث أنه صلاة منهى عنه من حيث أنه شغل ملك ~~الغير والجواز من حيث أنه صلاة لا من حيث أنه شغل ملك الغير وإن شئت عبرت ~~عن هذا بالطاعة والمعصية فقلت: أنه مطيع من حيث الصلاة عاص من حيث شغل ملك ~~الغير وهو مثل مسألة المريض إذا صام والوضوء بالماء المغصوب والوقوف على ~~جبل مغصوب وهو مأمور مطيع من حيث فعل الصوم وفعل الوقوف وفعل الوضوء عاص ~~منهى عنه من حيث الإضرار بنفسه واستعمال مال الغير وجبل الغير وهو لأن شغل ~~ملك الغير ينفصل عن الصلاة والصلاة تنفصل عن شغل ملك الغير فإذا انفصلا حسا ~~فيجوز أن نجعل فعله فيهما كفعلين منفصلين فيكون ms094 مطيعا بأحدهما عاصيا بالآخر ~~والدليل عليه المسائل التى قلناها والحرف فى هذه المسألة أنا وجدنا فعلا من ~~حقه أن يكون طاعة وقد وقع قبيحا ومعصية ومع ذلك أجزأ عن الطاعة وكان طريق ~~جوازها ما ذكرنا كذلك هاهنا وأما فصل النية التى قالوا: بها فنحن إذا فصلنا ~~الطاعة عن المعصية استقام فيه النية وقد نقل بعض المتأخرين من أصحابنا عن ~~القاضى أبى بكر الباقلانى كلاما غير مفهوم فى هذه المسألة وهو أن صلاة ~~الإنسان فى الأرض المغصوبة. # PageV01P136 # لا بد أن تقع مأمورا بها ولكن يسقط الأمر بالصلاة عندنا كما يسقط الأمر ~~بأعذار نظرا من الجنون وغيره وهذا هذيان فأعرضنا عنه والله أعلم. # مسألة إذا قال الصحابى أمرنا بكذا فإنه ينزل منزلة القول المقول فى ~~الأمر1. # وقال داود وأصحابه لا ينزل منزلة ما لم يقل اللفظ2 وقال لأنه يجوز أن ~~يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر لفظا فى الندب والرواى ظن منه معنى ~~الوجوب فيقبل على ما ظن ونحن نقول قول الصحابى أمرنا بكذا مثل قول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أمرتكم بكذا ومثل قوله أمركم الله بكذا والذى قالوه ~~باطل لأن الأمر عندنا لا يكون أمرا إلا إذا أفاد الوجوب فأما إذا أفاد ~~الندب فإنه لا يكون أمرا فليس ما قالوه بشىء والله أعلم. PageV01P137 ### | باب القول في النواهي ### | باب القول فى النواهى # ... # باب القول فى النواهى. # اعلم أن النهى يقارب الأمر فى أكثر ما ذكرناه ونشير إلى ذلك على وجه ~~الاختصار ونبين ما يخالف الأمر فيه. # فأما حقيقة النهى1 فهو استدعاء ترك الفعل بالقول ممن هو دونه وقيل هو قول ~~القائل لغيره لا تفعل على جهة الاستعلاء. # فصل وله صيغة تدل عليه فى اللغة. # وقال أبو الحسن الأشعرى ومن تبعه ليس له صيغة وقد دللنا عليه وأبطلنا ~~قوله من قبل. # فصل وصيغة النهى مقتضية للتحريم 2. # وقال أبو الحسن ومن تبعه لا يدل عليه ولا على غيره إلا بدليل. # والدليل على أنه يقتضى التحريم أن قوله لغيره لا تفعل يقتضى طلب ms095 ترك ~~الفعل لا محالة مثلما أن قوله لغيره افعل يقتضى طلب الفعل لا محالة وطلب ~~الفعل لا محالة يقتضى الإيجاب كما ذكرنا فى مسألة الأمر فطلب ترك الفعل لا ~~محالة يقتضى التحريم التحريم وقد سبق وجه الدليل فى هذا ويمكن أن يقال أن ~~النهى لما كان لطلب الامتناع من الفعل والفعل لا يمتنع وجوده بكل إلا ~~بالتحريم فكان مقتضيا للتحريم أى امتناع وجوده بكل حال من حيث الشرع يكون ~~بالتحريم لأن السيد إذا قال. PageV01P138 # لغلامه لا تفعل كذا ففعل استحق الذم والتوبيخ ولولا أنه اقتضى التحريم لم ~~يستحق الذم والتوبيخ. # فصل والنهى يقتضى الترك على الدوام وعلى الفور1 بخلاف الأمر يقتضى فعل ~~المأمور مرة واحدة ولا يقتضى الفور إلا بدليل. # وذكرنا الفرق من قبل ببينة أن من قال لغلامه افعل كذا ففعل مرة واحدة يعد ~~ممتثلا آتيا للمأمور وإذا قال لا تفعل كذا لا يعد منتهيا إلا بعد الانتهاء ~~على الدوام وهذا ظاهر للمتأمل. # فصل: قد ذكرنا أن الأمر بالشىء نهى عن ضده فأما النهى عن الشىء هل يكون ~~أمرا بضده2 فإن كان له ضد واحد فهو أمر بذلك الضد كالصوم فى العيدين وأن ~~كان له أضداد كثيرة فهو أمر بضد واحد من أضداده لأنه لا يتوصل إلى ترك ~~المنهى عنه إلا به فأما إثبات الأمر بسائر الأضداد فلا معنى له وقد سبق ~~هذا. # فصل إذا نهى الشارع عن أحد الشيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما. # ويجوز له فعل واحد منهما أيهما شاء3 وعند المعتزلة يكون منهيا عنهما4 فلا ~~يجوز له فعل واحد منهما وزعموا أن النهى لا يرد إلا عن قبيح فإذا نهى عنهما ~~ثبت قبحهما فيكونان جميعا منهيين وأن ورد بلفظ التخيير اللهم إلا أن تدل ~~الدلالة على أن أحدهما إنما كان منهيا عنه إذا كان الآخر موجودا وذلك الآخر ~~منهى عنه إذا كان هذا موجودا فيكون للتخيير هاهنا فائدتان يقال لا تأكل ولا ~~تشرب وتدل الدلالة أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجود الشرب وكذا إنما ms096 نهى عن ~~الشرب بعد وجود الأكل فيكونان منهيين على طريق التخيير على هذا الوجه هذا ~~مذهبهم فى هذا وأما عندنا فالأمر على ما ذكرناه والدليل على أن الأمر أمر ~~بالفعل والنهى أمر بالترك ثم الأمر. PageV01P139 # بالفعل فى أحد شيئين لا يقتضى وجوبهما كذا الأمر بالترك فى أحد شيئين لا ~~يقتضي وجوب تركهما وقد سبق هذا أيضا. # مسألة: النهى يدل على فساد المنهى عنه. # وهو الظاهر من مذهب الشافعى وعليه أكثر الأصحاب إلا أنهم اختلفوا فمنهم ~~من قال يقتضى الفساد من جهة الوضع فى اللغة ومنهم من قال يقتضى الفساد من ~~جهة الشرع ويمكن أن يقال يقتضى الفساد من حيث المعنى لا من حيث اللغة وقد ~~ذهب إلى هذا المذهب أيضا جماعة من أصحاب أبى حنيفة ومن أصحابنا من قال أن ~~النهى لا يدل على فساد المنهى عنه وحكى عن الشافعى رحمه الله ما يدل عليه ~~وهذا اختيار أبى بكر القفال الشاشى وهو قول الكرخى ومن معه من أصحاب أبى ~~حنيفة وهو أيضا قول أكثر المتكلمين ومنهم أبو على وأبو هاشم وأبو عبد الله ~~البصرى1 الملقب. PageV01P140 ### | .......................................................................... # PageV01P141 ### | ........................................................................ # PageV01P142 # [بمصلح المتكلمين] 1 [واختلف هؤلاء] 2 فيما بينهم فقال بعضهم أن كان فى ~~فعل المنهى إخلال بشرط فى صحته أن كان عبادة أو فى نفوذه أن كان عقدا وجب ~~القضاء بفساده وأن لم يكن فيه إخلال بما ذكرناه لم يجب القضاء بفساده. # وقال بعضهم أن كان النهى يختص بالفعل المنهى عنه كالصلاة فى المكان النجس ~~اقتضى الفساد وأن لم يختص بالمنهى عنه كالصلاة فى الدار المغصوبة لم يقتض ~~الفساد. # وقال بعضهم أن كان النهى عن الشىء المعنى فى عينه أوجب الفساد وأن كان ~~المعنى فى غيره لا يوجب الفساد. # وأما المعروف عن طريقة أبى زيد فى هذه المسألة. # قالوا: النهى المطلق نوعان نهى عن الأفعال الحسية مثل الزنا والقتل وشرب ~~الخمر ونهى عن التصرفات الشرعية مثل الصوم والصلاة والبيع. # والنهى عن الأفعال الحسية دليل على كونها قبيحة فى نفسها لمعنى فى ~~أعيانها إلا أن يقوم ms097 دليل على ذلك. # وأما النهى المطلق من التصرفات الشرعية فيقتضى قبحا لمعنى فى غير المنهى ~~عنه. # لكن متصلا. PageV01P143 # بالمنهى عنه فيتبقى صفة المشروعية عن المنهى من وجه مع تصوره فى نفسه ~~وبقاء حقيقته وربما يعبرون عن هذا فيقولون يخرج عن المشروعية بوصفه ويبقى ~~مشروعا بأصله وبيان هذا قد ذكروه فى مسائل الخلاف. # وأما حجة من يقولون أن النهى لا يقتضى فساد المنهى عنه قالوا: الحال لا ~~يخلوا أما أن يكون النهى مقتضيا فساد المنهى عنه من حيث لفظ النهى ووضعه ~~لغة ومن حيث الشرع أو من حيث النظر إلى معناه. # فأما الأول فباطل لأن النهى طلب ترك الفعل والأمر طلب الفعل لغة وهذا ~~لايدل على فساد ولا على صحة لأن الفساد والصحة أمران شرعيان لا يعرفان من ~~حيث اللغة بحال ولا يدل عليهما من جهة اللفظ بوجه ما. # وأما الثانى فهو باطل أيضا لأن الفساد من حيث الشرع لا يعرف إلا بنقل ولا ~~نقل عن السماع فى فساد المنهى عنه بالنهى شرعا ولو كان لعثرنا عليه بالبحث ~~وقد بحثنا فلم نجده يدل عليه أنا رأينا مناهى وردت فى الشرع ولم تقتض فساد ~~المنهى عنه والدليل عليه الصلاة فى الأرض المغصوبة فإنها منهى عنها وليست ~~بفاسدة وكذلك البيع وقت النداء وكذلك الطلاق فى حال الحيض منهى عنه ومع ذلك ~~هو واقع محكوم بصحته ووقوعه وكذلك البيع فى آخر وقت الصلاة منهى عنه وهو ~~جائز وكذلك الإحرام محكوم بالنهى عنه وهو منعقد وقد قال بعض من نصر هذا ~~القول أنه لابد من معرفة معنى الفاسد والصحيح فإن فى معرفة معناه زوال معظم ~~الشغل فى المسألة. # قالوا: ومعنى الفاسد أنه لايقع موقع الصحيح فى الحكم بحال حتى استعمل فى ~~الصلاة والصيام أفاد أن القضاء واجب وإذا استعمل فى العقود أفاد أن التمليك ~~لايقع بها وإذا استعمل فى الإيقاعات من الطلاق والعتاق أفاد أن لاعضل وإذا ~~استعمل فى الشهادة أفاد أن الحاكم لا يحكم بها وأما معنى الجواز فعلى الضد ~~من هذا فيفيد استعماله ms098 فى الصلاة والصيام سقوط القضاء وفى العقود وقوع ~~الملك وفى الإيقاعات حصولها وفى الشهادة يفيد أن القاضى بها إذا عرفنا معنى ~~الفساد والجواز ليس فى المنهى دليل على أنه إذا فعل المنهى لا يقع موقع ~~الصحيح فى الحكم لأنه من حيث صيغته ليس إلا طلب ترك الفعل ومن حيث المعنى ~~يدل على كراهة الناهى لفعل المنهى عنه أو يدل على القبح لأن الناهى إذا كان ~~حكيما فلا بد أن يكون المنهى قبيحا وإلا. # PageV01P144 # لم يحسن النهى بقبح المنهى وكراهة الناهى له لا يدل على فساده من حيث ~~الحكم بدليل المسائل التى قدمنا. # ويدل عليه أن الذبح بالسكين المغصوب منهى عنه وكذلك التوضؤ بالماء ~~المغصوب وقد وقعا مواقع الصحيح فثبت أن النهى لا يدل على الفساد لا من حيث ~~الصيغة ولا من حيث الشرع ولا من حيث المعنى. # قالوا: ولأن النهى إذا أفاد الفساد لكان ما لا يفسد من الأفعال القبيحة ~~لا يكون منهيا عنه على التحقيق لأن اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له يكون ~~مجازا ولا يكون حقيقة. # وقد قال بعضهم أن لفظ النهى لغوى والفساد معنى شرعى ولا يجوز أن يكون ~~اللفظ اللغوى موضوعا له لأن أهل اللسان قد تكلموا بهذا ولم يعرفوا شرعا ما ~~يدل أنه لا يجوز أن يقتضيه لفظ النهى قال ولا يجوز أن يكون الفساد من حيث ~~القبح لأن قبح الشيء لا ينافى ثبوت الحكم لا محالة لأن الحكم قد نهى عن ~~الشيء لنوع مفسدة معلق به وأن وقع موقع الصحيح فى الحكم وذلك أن يتشاغل به ~~عن واجب مثل البيع مع تعين السعى إلى الجمعة أو مع تعين التحريم عليه أو ~~تعين إنقاذ غريق أو حريق وإذا أكن هذا لم يأمن أن يكون النهى عن البيع أو ~~الطلاق وغيرهما كان لغرض سوى أن أحكامها لا تثبت وإذا جاز ذلك لم يقتض صحة ~~الفساد وأما أبو زيد فالذى يحضرنى من كلامه فى هذه المسألة هو أن النهى لا ~~يصح عن غير المتكون لأن النهى ms099 يرد والمراد به انعدام الفعل مضافا إلى ~~اختيار العباد وكسبهم فلا بد من أن يكون المنهى عنه ليكون العبد مبتلى بين ~~أن يكف عنه باختياره فيثاب عليه وبين أن يفعله باختياره فيعاقب عليه فثبت ~~أن النهى لا يتصور إلا من متكون من العبد قالوا: ولهذا لا يصح أن يقال ~~للأعمى لا تبصر وللأدمى لا تنظر لأنه لا يكون منه ويجوز أن يقال للبصير لا ~~تبصر كذا وكذلك للسميع لا تسمع كذا لأنه يتكون منه وربما يعبرون عما قلنا ~~فيقولون أن النهى لطلب الامتناع من المنهى عنه فلا بد من تصور المنهى عنه ~~حتى يتحقق النهى عنه فعلى هذا المنهى عنه الصوم فى يومى العيد وأيام ~~التشريق والبيع أيضا هو المنهى عنه مع الشرط الفاسد وكذلك الصلاة عند غروب ~~الشمس والصوم اسم لفعل مخصوص وكذلك الصلاة والبيع اسم لقول مخصوص وهو الذى ~~جعل سببا للملك شرعا فوجب تصور الصوم والصلاة والبيع بعد النهى # PageV01P145 # ليتحقق النهى عنه شرعا قالوا: ولا يجوز أن يقال أنه تصور صورة الإمساك ~~وصورة أفعال الصلاة وصورة الإيجاب والقبول لأن الصوم إنما صار صوما بصورته ~~ومعناه وكذلك الصلاة وكذلك البيع والمعنى فى الصلاة والصوم كونه صلاة وصوما ~~فى حكم الله تعالى والمعنى فى البيع كونه مفيدا للملك فإذا لم يوجد هذا ~~المعنى فى هذه الأشياء لم توجد هذه الأشياء أصلا وقد بينا أنه لا بد من ~~تصور المنهى عنه ليصبح النهى. # والحرف أن الذى يحقق موجودا ليس بصلاة ولا صوم ولا بيع قالوا: والفسخ ~~ينزل من النهى فى طرف مناقض له لأن النهى إعدام الشيء بفعل العبد فأما ~~الفسخ فهو إعدام الشىء مشروعا لينعدم فعل العبد لا نعدامه مشروعا والنهى لا ~~لا نعدام المشروعية بل لينعدم الشىء بفعل العبد مع بقاء المشروعية. # قالوا: أما كون المنهى عنه محظورا فلا ينافى المشروعية لأنه يجوز أن يكون ~~الشيء مشروعا من وجه محظورا من وجه فصار المفعول مشتملا على حظرية ومشروعية ~~وإنما أثبتنا المشروعية مع الحظر لأجل الضرورة على ما سبق ms100 فإن قلتم أن نص ~~الشارع على هذا لا يجوز مثل أن نقول حظرت عليك هذا الشىء وشرعته لك فلا ~~يجوز وعلى أنه يجوز أن ثبت بطريق ما لا يثبت بطريق التنصيص وهذا كالأمر ~~بالشىء نهى عن ضده وكذلك النهى عن الشىء أمر بضده إذا كان له ضد واحد فصار ~~الشرع من مقتضيات النهى ضرورة والحظر من مقتضيات الأمر ضرورة وأن كان لا ~~يجوز ذلك بطريق التنصيص وعلى أن الشىء الواحد يجوز أن يكون مشروعا من وجه ~~محظورا من وجه بدليل المسائل التى قلناها وكذلك وطء الأب جارية ابنه ووطء ~~أحد الشريكين الجارية المشتركة. # وقال بعضهم القبح صفة قائمة بالمنهى فكان تابعا فلا يجوز إثباته على وجه ~~يبطل به ما أوجبه واقتضاه. # وبيان هذا أن النهى أوجب القبح فإذا أثبتناه على وجه يفسد به المنهى عنه ~~وفى فساد المنهى عنه فساد النهى على ما سبق. # كما أثبتناه على وجه يبطل به ما اقتضاه وأوجبه فعملنا بالأصل وهو النهى ~~على ما يتصور معه المنهى وعملنا بالمقتضى وهو الفسخ بقدر الإمكان وهو أن ~~نجعل المنهى عنه غير مشروع بوصفه لأن القبح وصف يبطل المشروعية من حيث ~~الوصف فأبقينا. # PageV01P146 # المشروعية فى أصله لئلا نبطل أصل النهى فهذا غاية الإمكان فى إظهار العمل ~~بالدليلين. # فإن قلتم كيف يحتمل المشروع وصف الصلاة. # قلنا قد يحتمل بدليل المسائل التى قدمناها ولأن العبرة بالدليل لا ~~بالاستبعاد وخرجوا على هذا الأصل مسائل مثل مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم ~~يومى العيد وأيام التشريق وكذلك الصلاة فى الأوقات المنهى عنها وقد ذكرنا ~~وجه كلامهم فى ذلك فى مسائل الفروع ولا معنى لذكرها هنا. # وأما حجتنا فى المسألة قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدخل فى ديننا ما ~~ليس فيه فهو رد" 1 روته عائشة رضى الله عنها وغيرها والخبر فى الصحيحين ~~والمنهى عنه ليس بداخل فى الدين فيكون مردودا باطلا وسؤالهم على هذا هو أن ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم فهو رد أى غير مقبول ولا يثاب عليه. # والجواب أن ms101 الظاهر من قوله رد هو بمعنى الإبطال والإعدام كما يقال رد ~~فلان على فلان ماله أى أعدم يده وقوته أو ثبت يد المردود عليه وأوجده وإذا ~~كان الظاهر هذا لم يجز أن يحمل عليه إلا بدليل ولأنا أجمعنا على أن النهى ~~يقتضى حرمة المنهى عنه وحظره ولهذا المعنى إذا ارتكبه يأثم وإذا صار محظورا ~~لا يبقى مشروعا لأن المشروع هو المطلق فعله فى الشرع وهذا أدنى درجات ~~المشروعية والمحظور هو الممنوع عنه فى الشرع فيستحيل أن يكون الشىء الواحد ~~محظورا ومشروعا ببينة أن الله تعالى قد نص على التحريم فى الربا بقوله ~~تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] والمحرم ما يجب ~~الامتناع عنه وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعا لما بينا أن أقل ~~درجات المشروع هو الندب أو الإباحة إذا لم يكن عقد الربا مشروعا لم يثبت ~~الملك المشروع لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع وتحقيق ما ~~ذكرنا فإن البياعات والأنكحة وسائر العقود ما عرفناها إلا بالشرع فإنه لولا ~~الشرع لم يعرف شىء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط ~~مخصوص فى محل مخصوص من فاعل مخصوص فما وراء ذلك غير مشروع أصلا وهذا لأن ~~الأصل لما كان هو عدم المشروعية فإذا شرع عقدا على وجه فما كان على. ~~PageV01P147 # غير ذلك الوجه بقى على العدم وإذا بقى على العدم لا يصلح لثبوت حكم شرعى. # فإذا قالوا: أن قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] ~~يتناول كل ما يسمى بيعا فيجب أن لايوجد بيع ما إلا وهو داخل تحت الأية فإذا ~~وردت السنة بزيادة شرط أو تسمية محل فلا يخرج العقد من كونه بيعا لظاهر ~~الأية فإذا كان بيعا دخل تحت المشروعية. # قالوا: وعلى أن صحة البيع تعرف بالفعل ولو لم يرد شرع بالبيع لكنا نعرف ~~بالعقل أن من كان له ملك فى شيء فجعله لغيره يصير لذلك الغير وإذا عرف ~~بالعقل لم يكن عدم ورود المشروع دليلا على انعدامه. ms102 # والجواب أما الأية قلنا معنى الأية: {وأحل الله البيع} على ما ورد به ~~بيان السنة. # والدليل عليه أنه لايحل إلا على ذلك الوجه الذى وردت به السنة ولأنه ~~تعالى قد قال عقبه: {وحرم الربا} وعندهم الربا عقد منعقد مقيد للملك على ما ~~ينعقل غير الربا ويفيده. # وأما قولهم أن صحة البيع تعرف بالعقل. # قلنا هذا محال لأن البياعات عقود شرعية بإجماع الأمة والعقود الشرعية لا ~~تعرف إلا بالشرع ثم نقول أن سلم لكل مسلم أن البيع وإفادته الملك كان يعرف ~~بالعقل لكنا لم نترك العقل بل رددنا إلى الشرع وقد صارت البياعات شرعية ~~بإجماع الأمة. # ألا ترى أن جواز الإقدام على البيع وغيره كان يعرف بالعقل والأن قد ارتفع ~~ذلك حتى لا يجوز الإقدام على عقد ما إلا إذا كان على مايوافق الشرع وإذا ~~صارت شرعية ظهر ما قلنا أن ما لم يرد به الشرع بقى على عدم المشروعية ولا ~~يجوز أن يفيد حكما شرعيا بحال. # واعلم أن هذا الذى قلناه ظاهر فى البياعات والأنكحة وسائر العقود وهو فى ~~العبادات أظهر وذلك لأن المفعول عبادة فإذا كان منهيا عنه لم يكن عبادة ~~ولأن العبادة ما يتناوله المتعبد من المعبود والمنهى عنه لا يتناوله ~~المتعبد فلا يكون عبادة. # ويمكن أن يقال ما لا يتناوله المتعبد لا يسقط التعبد وإنما قلنا أن ~~المنهى عنه لا يتناوله المتعبد لأن التعبد ما يتناول ماله صفة زائدة على ~~حسنه والمنهى عنه لا يكون حسنا فكيف تثبت له صفة زائدة على الحسن وجميع ما ~~ذكرناه فى كلامهم يمكن. # PageV01P148 # إخراجه على طريق السؤال على هذه الطريقة وسنجيب عن الكل. # واحتج بعض أصحابنا بأن النهى ضد الأمر ويقتضيه والأمر يدل على إجزاء ~~المأمور به فيجب أن يدل المنهى على عدم اجزائه وإلا لم يكن ضده ولا يقتضيه ~~وقد قالوا: على هذا أن الأمر لما دل على أجزاء المأمور به فالنهى الذى هو ~~ضده لا يدل على إجزاء المنهى عنه فقد ثبتت المخالفة والمضادة من هذا الوجه ~~ونحن وأن ms103 قلنا أن المنهى عنه يجزىء فلا نحكم لإجزائه لمكان النهى وقالوا: ~~على قولنا أن المنهى عنه لو كان مجزئا لكان طريق الشرع والشرع أما إيجاب أو ~~ندب أو إباحة والنهى نفى جميع هذا. # قالوا: لا يمتنع أن يثبت الإجزاء مع انتفاء هذه الوجوه. # ألا ترى أنه يجوز أن تقول إذا فعلتم ما نهيتكم أجزأكم عن الغرض أو نقول ~~إذا بعتم ما نهيتكم عنه وقع به الملك فإذا جاز هذا تصريحا جاز وأن لم يصرح ~~به. # ونحن نجيب عن هذا فنقول ما قلتم من التصريح على ما قلتم لا يجوز وأن ورد ~~على ذلك فيكون النهى [مجازا] 1 ولا يكون له حقيقة وإذا ثبت هذا الأصل الذى ~~قلناه خرجت عليه المسائل من مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم يومى العيد ~~وأيام التشريق وقد ذكرنا وجه ذلك فى الفروع. # وأما الجواب عن كلماتهم أما الأول فقد قسموا وقالوا: النهى يدل على فساد ~~المنهى عنه بصيغة النهى وبمعناه أو شرعا هذا تقسيم باطل لأنا بينا وجه فساد ~~المنهى عنه فينبغى أن يكون الكلام على ذلك ويمكن أن يقال بصيغته لأن صيغته ~~تدل على عموم المشروعية لأن المشروعية [بأمر وإباحة] 2 والنهى نفى ذلك ~~ويمكن أن يقابل بمعناه لأنه قد دل النهى على قبح المنهى عنه وحظره وهذا ~~مضاد للمشروعية. # وقولهم يجوز أن يكون الشىء مشروعا من وجه ومحظورا من وجه. # قلنا قد ورد النهى عن نفس الشىء مطلقا فصار محظورا مطلقا وإذا صار محظورا ~~مطلقا لم يبق مشروعا بوجه ما. # وقولهم أن النهى ليس إلا طلب الكف عن الفعل قلنا بلى ولكن قد دل على ~~الفساد بالوجه الذى قلنا. PageV01P149 # والأولى أن لا ندعى الفساد بصيغة النهى لكن نقول إنما جاء الفساد من حيث ~~معنى النهى وذلك المعنى على ما سبق. # وأما قولهم أن معنى الفاسد كذا ومعنى الجائز كذا. # قلنا قد قام الدليل أن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يكون معنى الفاسد مع ~~أنه يجب قضاؤه والقضاء لا يجب بالأمر الأول بحال وليس هذا ms104 بشيء. # وقولهم أنه يجوز أن النهى عن الشىء لنوع مفسدة تتصل بالمفعول وأن كان هو ~~فى نفسه جائز. # قلنا النهى عن نفس الشىء لا يكون إلا لمفسدة فى عينه فلا يتصور أن يكون ~~جائزا وهذا لأنه إذا ورد النهى عن نفس الشىء فإن كان عبادة انتفى منه ~~التعبد وأن كان من عقود المعاملات انتفى منها الإطلاق والإباحة وما لا يكون ~~مباحا لا يكون مشروعا وإذا لم يكن مشروعا لم يبن عليه حكم الشرع. # وأما قولهم أن النهى صيغة لغوية والجواز والفساد شرعيان. # قلنا وأن كان النهى لغة لكن عرفنا أن أهل اللسان عقلوا أن ذلك لما لا ~~يتصل به المطلوب بالفعل والأمر لما يتصل به المطلوب بالفعل ثم قد ذكرنا أن ~~النهى إنما نفى الشرع بالوجه الذى سبق ذكره. # وأما المسائل التى تعلقوا بها فنقول أولا أن الأصول الممهدة من الشرع لا ~~تنتقض لأنه ما من أصل من أصول الشرع إلا وقد وجدنا له موضعا فى الشرع ~~مخالفا له غير أن ذلك لا يعد نقضا لذلك الأصل المشروع الموضوع وإنما عدل فى ~~ذلك الموضع عن ذلك الأصل بدليل يقوم عليه من إجماع ونص أو غير ذلك. # ببينة: أن النهى فى اقتضاء الفساد كهو فى اقتضاء التحريم وقد يعدل به من ~~التحريم إلى التنزيه ولا يخرج النهى من أن يكون دالا على التحريم فكذا تصور ~~النهى فى بعض المواضع عن الفساد لوجود القرائن المانعة من الفساد لا يدل ~~على أن النهى فى وضعه لا يدل على الفساد وأمثال هذا يكثر ثم نقول أن النهى ~~إذا ورد عن نفس الشىء حقيقة فلا بد أن يوجب فساد المنهى عنه. # فأما إذا كان النهى واردا عن نفس الشىء لكن عن معنى آخر غيره وأضيف إلى ~~الشىء مجازا عن ذلك المعنى فإنه لا يوجب فساد المنهى عنه وعلى هذا تخرج ~~المسائل أما الصلاة فى الأرض المغصوبة فالنهى ليس عن الصلاة لكن عن شغل ~~أرض. # PageV01P150 # الغير وهذا يوجب النهى عن التعدى فى أرض الغير بلا صلاة ms105 وقد بينا هذا ~~فيما سبق فلا نعيد وكذلك الطلاق فى حال الحيض فإن النهى ليس لنفس الطلاق ~~لكن لإلحاق الضرر بالمرأة ولهذا يوجد الطلاق فى حال الحيض ولا يكره إذا لم ~~يؤد إلى الضرر وهو أن يطلق فى حال الحيض قبل الدخول وكذلك الوطء فى حال ~~الحيض إنما نهى عنه لا لنفس الوطء [بل] 1 لمباشرة الأذى وقد ورد النص بهذا ~~المعنى وعلى هذا البيع وقت النداء إنما نهى عنه للاشتغال به عن السعى إلا ~~ترى [أنه] 2 لو اشتغل بشىء آخر غير البيع كان النهى متناولا إياه وأما فى ~~سائر ماورد به النهى فقد تناول نفس الشىء فإن النهى عن البيع بالخمر نهى عن ~~نفس البيع وكذلك بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك النكاح بغير شهوة وعلى هذا ~~النهى عن صوم يومى العيد وأيام التشريق بدليل أنه لا يتصور وجود النهى إلا ~~عند نقل هذه العقود. # والحرف أنه لا يتصور ارتكاب البيع بالخمر إلا عند مباشرة بيع الخمر ولا ~~يتصور ارتكاب الربا إلا عند بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك فى البيع بشرط فاسد ~~لا يوجد ارتكاب ذلك النهى إلا عند وجود البيع وكذلك فى صوم يومى العيد لا ~~يوجد ارتكاب النهى إلا عند فعل الصوم بالنية مع الإمساك حتى لو أمسك ولم ~~ينو الصوم فإنه لا يكون مرتكبا للنهى وفى المسائل التى أوردها يتصور ارتكاب ~~النهى من غير وجود تلك العقود أصلا وهذا جواب معتمد فى غاية الظهور وفيه ~~غنى عن خبط كثير من الأصحاب فيها وأما الإحرام مجامعا فينعقد لا على ما ~~ينعقد إذا أحرم من غير مجامع لأنه ينعقد فاسدا ولأنه لا يفيد المقصود من ~~الخروج عن المفروض عليه والنقص عن عهدته فليكن سائر العقود الفاسدة كذلك ~~النهى لا يفيد المطلوب من الملك فى البيع والحل فى النكاح والخروج عن عهدة ~~النذر فى صوم يومى العيد وأيام التشريق خلاف ما يقوله الخصم فإنهم قالوا: ~~إذا نذر صوم هذه الأيام وفعلها خرج من عهدة النذر فإن قالوا: أليس قد انعقد ~~الإحرام ms106 مع هذا كله فهلا قلتم أنه لا ينعقد أصلا قلنا انعقاده على الفساد ~~وإلزامه أفعاله يجرى مجرى نوع معاقبة من الشرع والمؤأخذات من الشرع على ~~أنواع فيجوز أن يقال يكون هذا الأصل وإيقاع المرء فى عهدة أفعال الحج ~~ليفعلها ولا يسقط بها الحج عن ذمة ولا يثاب على فعلها نوع معاقبة من الله ~~تعالى له. PageV01P151 # لارتكابه النهى وفعله الحج على وجه المعصية فلم تدخل هذه المسألة على ~~الأصل الذى قلناه. # وأما طريقة أبى زيد فاعلم أن معتمده فى طريقته هو أن النهى لا يتحقق إلا ~~مع تصور المنهى عنه فقد قال الأصحاب أنه متصور لولا النهى فلتصوره لولا ~~النهى صح النهى والنهى يعمل عمله على ما قدمناه ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال ~~أن النهى لإعدام الشىء شرعا لا لإعدامه حسا فلما أنه متصور حسا صح النهى ~~عنه ولما أن النهى قضيته نفى المشروعية عن المنهى عنه على ما سبق انعدم ~~شرعا. # وقولهم أن المنهى عنه هو الصوم المعلوم والبيع المعلوم فى الشرع وأما ~~مجرد الإمساك فليس بصوم ولو كان صوما فهو صوم لغة لا شرعا فوجب الحكم بتصور ~~الصوم حقيقة والبيع حقيقة حتى يصح النهى وجوز الأصحاب من هذا ما قلناه أنه ~~قد يتصور لولا النهى فهذا لا يدفع الإشكال فليس مما يقنع به الخصم ويمكن أن ~~يجاب فيقال الصوم الذى هو فعل العبد ليس إلا النية مع الإمساك وهذا متصور ~~من العبد وقد صح النهى لتصوره منه وأما خروجه عن كونه صوما شرعا ليس لمعنى ~~من قبله لكن لعدم إطلاق الشرع ذلك أو يقال لعدم قبول الشرع إياه لنهيه عنه ~~والصوم لا يكون صوما إلا بفعل العبد واتصال أمر الشرع به فصار المفعول صوما ~~من حيث النظر إلى فعل العبد وصح النهى لذلك ولم يكن صوما من حيث النظر إلى ~~إطلاق الشرع كذلك أوامره به وليس غرض الحكيم من كلامه إلا تحصيل النهى فإذا ~~تحقق النهى بما قلناه حتى إذا ارتكبه كان عاصيا لارتكابه النهى فاعلا ما ~~منع ms107 منه وحظر عليه والمنهى عنه ما يعاقب على فعله وقد وجد بما فعله العبد ~~على وسعه وطاقته وليس فى وسعه الصوم إلا بهذا الذى وجد منه وإذا ثبت تحقق ~~النهى يسقط ما قالوه جملة وهذا لأن الصحة والفساد معنيان متلقيان من الشرع ~~وليس إلى العبد ذلك وإنما العبد ذلك إيقاع الفعل باختياره فإن وقع فعله على ~~وفق أمر الشرع صح شرعا وانبنت عليه الأحكام الشرعية وإذا وقع على خلاف أمر ~~الشرع كان الأمر باطلا ولم يبتن عليه الأحكام الشرعية ولهذا أبطلنا صوم ~~الليل مع تحقق الإمساك الحسى فيه عن المفطرات وكذلك إمساك المرأة عن ~~المفطرات فى حال حيضها متحقق حسا وصورة ولكن لما لم يوافق أمر الشرع لم ~~يثبت له الحقيقة الشرعية. # ونقول أيضا ذكر الصوم والبيع وغير ذلك فى النهى ليس لتحقيق هذه العقود. # PageV01P152 # ولكن ذكرها لتعريف مايعمل فيه النهى من الإبطال الشرعى وهذا كالنهى عن ~~بيع الحر وعن بيع الخمر وعن بيع الملاقيح والمضامين [و] 1 ليس ذلك لتحقيق ~~البيع ولكن لتعريف ما وقع القصد إلى إفساده وإبطاله. # وإن قالوا: فالصوم والبيع لا يكون منهيا عنه إذا قلنا هو منهى عنه لأن ~~عمل النهى ظهر فيه من فساده وإبطاله ولكن ذكره لم يدل على تحقيقه فى نفسه ~~لأنه لتعريف ما يبطل ويفسد على ما ذكرنا وأما كلامهم على فصل القبح ~~والحظرية فضعيف جدا ومتى سلم أن المفعول محظور لا بد أن يخرج عن كونه ~~مشروعا وقولهم محظور من وجه مشروع من وجه. # قلنا هذا محال لأن الحظرية بالنهى والمشروعية بإطلاق الشرع وإذا لم يتصور ~~اجتماع المنع والإطلاق فى شىء واحد لم يتصور أيضا اجتماع حكمهما فيه. # وأما وطء أحد الشريكين الجارية المشتركة. # فنقول أنه محظور من كل وجه إلا أنه سقط الحد وثبت النسب لوجود الملك فى ~~بعض الجارية لوجود حق الملك للأب فثبت ما ثبت من سقوط الحد وثبوت النسب ~~لوجود نفس الملك أو لوجود نفس حق الملك لا لأجل أن الوطء صار مشروعا من وجه ~~وكذلك ms108 الوطء فى النكاح الفاسد لا نقول أنه مشروع بوجه إذا سقط الحد وثبت ~~النسب لاختلاف العلماء. # وفى مسألة ما إذا زفت إليه غير امرأته لأجل الاشتباه الذى وجد فيه وهذا ~~لأنه لما أقدم على الوطء على قصد أنه حلال له وهو موضع يشتبه فيه الأمر فلم ~~يستحق عليه الحد الذى هو عقوبة وثبت النسب احتياطا فهذا وجه الكلام فى هذه ~~المسألة وقد بسطنا الكلام فيها زيادة بسط لوقوع الحاجة إليه فى كثير من ~~المسائل والله المرشد للحق والهادى إلى الإصابة بمنه وعونه تم باب الأوامر ~~والنواهى. # وقد قال بعض أصحابنا أن النهى يكون بمعنى النفى فى كثير من المواضع وضرب ~~لذلك أمثلة غير أن ذلك غير مرضى فى هذه المسألة لأنه يؤدى إلى الحكم بكون ~~المنهى مجازا فى نفسه إذ النهى والنفى بابان مختلفان وإنما ينبغى أن نتكلم ~~فى هذه المسألة مع تبقية النهى على حقيقته وقد ذكرنا بغاية المجهود بعون ~~الله وتوفيقه. PageV01P153 ### | القول في العموم والخصوص ### | مدخل # ... # القول في العموم والخصوص. # اعلم أن الكلام العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له هذا هو المعقول من ~~كون الكلام عاما. # ألا ترى أن قولنا الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له لأنه يستغرق الرجال دون ~~غيرهم إذا كان لا يصلح لغيرهم وكذلك لفظة من فى الاستفهام نحو قول القائل ~~لغيره من عندك فلأنها تستغرق كل عاقل عنده ولا يتعرض لغير العقلاء ولا ~~لعقلاء ليسوا عنده لأنها لا تصلح فى هذه المواضع لهم وكذلك قولنا كل تستغرق ~~كل جنس يدخل عليه ولا يتناول من لا يدخل عليه لأنه لا يصلح له. # وقد قال بعض أصحابنا العموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقيل ما استقل لفظه ~~بنفسه ولا يشتمل على مسميات بجنسه وقد يستعمل فى شيئين ويستعمل فى جميع ~~الجنس. # أما الأول فكقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء. # وأما الثاني فكقولك عممت الناس بالعطاء وإذا عرف حد العموم فتبين أولا ~~إثبات الصيغة للعموم فى اللغة والشريعة ثم نذكر عقبه ما يتلوه من الفصول ~~المذهبية ms109 والمسائل الخلافية أن شاء الله تعالى. # مسألة للعموم صيغة مقتضية استيعاب الجنس لغة وشرعا. # وهذا قول جملة الفقهاء وكثير من المتكلمين. # وقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه أنه ليس للعموم صيغة موضوعة في اللغة ~~والألفاظ التى ترد فى الباب تحتمل العموم والخصوص فإذا وردت وجب التوقف ~~فيها حتى يدل الدليل على ما أريد بها1. PageV01P154 # وتعلق من ذهب إلى ذلك بوجوه من الكلام أقواها فى الجدال قولهم أنه لو كان ~~للعموم صيغة موضوعة لكان ذلك معلوما إما بالبديهة أو بإخبار الواضعين كذلك ~~لنا أما بمشافهة أو بنقل عنهم أما بالتواتر أو بالآحاد أو أن يكون طريق ذلك ~~الشرع. # قالوا: وليس الخلاف معكم فى أن ذلك معلوم شرعا لأنكم تدعون العلم ~~بالاستغراق من جهة اللغة قبل الشرع ومعلوم أن العلم فى ذلك ليس من حيث ~~البديهة وما شاهدنا الواضعين ليشافهونا بذلك ولو تواتر النقل عنهم باستغراق ~~ألفاظ العموم كعلمنا من ذلك كما علمتم وأخبار الآحاد ليست بطريق العلم فبان ~~أنه لا طريق إلى العلم باستغراق ألفاظ العموم. # وقالوا: أيضا هذه الألفاظ التى يدعون فيها الاستغراق تستعمل فى الاستيعاب ~~وفيما دونه على وجه واحد فإنها ترد والمراد منها البعض وترد والمراد منها ~~الكل وليس حملها على أحدهما بأولى من حملها على الآخر فوجب التوقف كما تقول ~~فى الأسماء المشتركة من اللون والعين وغير ذلك بل هذه الألفاظ تستعمل فى ~~أكثر هذه المواضع إلا فى البعض دون الكل. # ألا ترى أنه يقال أغلق الناس أبوابهم وفتح الناس حوانيتهم وافتقر الناس ~~وجاع الناس وجمع السلطان التجار وغير هذا والمراد من كل ذلك البعض دون ~~الجميع ولو كان اللفظ حقيقة فى العموم لكان أكثر كلام الناس مجازا ببينة ~~أنه إذا ثبت استعمال الناس لهذه الألفاظ فى الخصوص فالظاهر من استعمال ~~الاسم فى الشىء أن يكون حقيقة فيه إلا أن يمنع مانع من كونه حقيقة فيه وإذا ~~كان حقيقة فى البعض وحقيقة فى الاستيعاب كان الاسم من الأسماء المشتركة ~~وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم للاستيعاب والاستغراق ms110 لكان الاستثناء منه ~~نقصا ورجوعا. PageV01P155 # فإن قلتم لم يكن نقصا وقبيحا نقول لو لم يكن قول القائل ضربت كل من فى ~~البلد إلا بنى تميم نقصا وقبيحا لكان قوله ضربت كل من فى الدار لم أضرب كل ~~من فى الدار غير قبيح ولا مناقصة وحين كان نقصا وقبيحا كان الأول نقصا ~~وقبيحا وربما تعلقوا بالاستثناء من وجه آخر فقالوا: لو كان لفظ العموم ~~يستغرق لجرى للاستثناء منه مجرى أن يعدد الإنسان أشخاص الجنس ثم يستثنى منه ~~شخصا نحو أن يقول: رأيت زيدا رأيت عمرا رأيت خالدا هكذا إلى آخره ثم نقول ~~إلا زيدا فإذا قبح هذا وجب أن يقبح الأول لأنهما فى المعنى واحد على زعمكم ~~ولما حسن الاستثناء علمنا أن لفظ العموم غير مفيد للشمول. # وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكل الجنس لما حسن أن يستقيم ~~المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب فهم ما قد فهم بالخطاب عبث ومعلوم ~~أن الإنسان إذا سمع رجلا يقول: ضربت كل من فى الدار فإنه يحسن منه أن يقول: ~~ضربتهم كلهم أجمعين وأن يقول: ضربت زيدا فيهم وفى حسن ذلك دليل على ما ~~قلناه كما سبق وكذلك يحسن التأكد وإذا أفاد الشمول لما حسن لأن التأكيد ~~يفيد ما أفاده المؤكد وذكروا شبهة فى لفظ من قالوا: لو كان لفظ من يفيد ~~الاستغراق لاستحال جمعه لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع وإذا كان ~~لفظ من قد أفاد الاستيعاب عندكم فلا يتصور أن يفيد جمعه شيئا زائدا فينبغى ~~أن لا يصح جمعه وحين صح جمعه دل أن لفظ من لا يفيد الاستيعاب بنفسه والدليل ~~على وجود الجمع فى كلمة من قول الشاعر: # أتوا [بابى] 1 فقلت: [من] 2 أنتم ... فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما # قالوا: ولأن اللفظ الذى يقولون لو كان يفيد العموم وجب إذا حمل على ~~الخصوص أن يكون مجازا لأنه يكون مستعملا فى غير ما وضع له واللفظ إذا ~~استعمل فى غير ما وضع له يكون مجازا كسائر الألفاظ ms111 التى استعملت فى غير ما ~~وضع لها وربما يقولون ينبغى أن لا يجوز تخصيص العموم الوارد فى الكتاب ~~بالسنة لأنه إسقاط بعض ما يثبت بالكتاب والسنة أو القياس فينبغى أن لا يجوز ~~كما لا يجوز النسخ وحين جاز دل على ما قلناه. PageV01P156 # وأما حجة القائلين بالصيغة للعموم قوله تعالى فى قصة نوح عليه السلام: ~~{ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} [هود: 45] فأخبر ~~الله تعالى عن نوح أنه تعلق بعموم اللفظ ولم يعقب ذلك بنكير بل ذكر جوابه ~~له أنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فدل أن مقتضى اللفظ العموم وأن له ~~صيغة يتعلق بها فى الحجة وأيضا فإنه روى أنه لما نزل قوله تعالى: {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الانبياء:98] قال عبد الله ~~بن الزبعرى خصمت محمدا ورب الكعبة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فإن دخلوا النار فنحن ندخل كما دخلوا ~~فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} 1 ~~[الانبياء:101] فاحتج على النبي صلى الله عليه وسلم بعموم اللفظ إلى أن ~~أخبر الله تعالى أن الملائكة والمسيح غير داخلان فى عموم اللفظ ولو كان ~~اللفظ لا يقتضى العموم لما احتج به ولكان إذا احتج به أنكر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك ولأن الله تعالى أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه ~~السلام فقال تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس} [الأعراف: 11] ثم أخبر ما قال لإبليس بترك السجود ورد ~~الأمر وهو قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد} [ص: 75] وقال: {فاخرج إنك من ~~الصاغرين} [الأعراف: 13] فلما أخبر تعالى عن مبادرة الملائكة إلى السجود دل ~~أنهم عقلوا من مطلق اللفظ الشمول إذ لولاه لتوقفوا ولم يبادروا ولأن إبليس ~~لما امتنع عن السجود واستكبر وعاقبه الله تعالى وطرده لم يقل معتذرا إنى لم ~~أعرف دخولى فى اللفظ فإن ms112 الكلام للعموم والشمول بل عدل إلى شىء آخر فقال: ~~{خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فهذه القصة من أولها إلى ~~آخرها تدل أن للأمر والنهى والعموم والخصوص صيغة معلومة وقضية مفهومة لا ~~يجوز خلافها بمطلق اللفظ وبمحض الصيغة. # ويدل عليه أن إبراهيم عليه السلام لما سمع من الملائكة قولهم: {إنا مهلكو ~~أهل هذه القرية} [العنكبوت: 31] عقل منه العموم ولذلك خاف الهلاك على لوط ~~فقال: {إن فيها لوطا} [العنكبوت: 32] ولم يسكن قلبه حتى أخرج الملائكة لوطا ~~وأهله من المهلكين بضرب تخصيص واستثناء فقالوا: {نحن أعلم بمن فيها لننجينه ~~وأهله} [العنكبوت: 32] . PageV01P157 # الآية فهذه الآيات دلائل معتمدة وبراهين ظاهرة ونهاية ما يقولون على هذه ~~الألفاظ هو أن هذه الألفاظ محتملة للعموم عندنا وأن لم يكن للعموم صيغة ~~ولأجل الاحتمال حسن موردها وصح السؤال والجواب عن ما ذكرتم فيها ونحن نقول ~~على هذا لو كان فى هذه الألفاظ مجرد الصلاحية للعموم لأنها صيغة فيها لكان ~~السؤال بطريق الاستفهام وهو أن يقول القائل فى هذه القصص الواردة فى الكتاب ~~كلها هل دخل فلان فى الخطاب أو لا ثم إذا عرف الدخول يبنى عليه ما يقوله. # فإن قالوا: أن هذه الألفاظ حملت على العموم لا بصيغتها لكن لقرائن اقترنت ~~بها. # قلنا لا قرينة تعرف وإنما وجد مجرد اللفظ عريا عن الدلائل فمن زاد على ~~القرائن فعليه البيان وقد استدل الأصحاب أيضا بما نقل عن الصحابة من ~~الاحتجاج بالعمومات فى مسائل كثيرة غير أن فيما ذكرناه من الاحتجاج بالآيات ~~غنية وكفاية. # ونستدل فى إثبات ألفاظ العموم فى اللغة فنقول. # الاستغراق معنى ظاهر لكل أحد والحاجة تمس إلى العبارة عنه ليفهم السامع ~~أن المتكلم أراده فجرى هذا مجرى السماء والأرض والفرس والحمار وما أشبه ذلك ~~فى ظهوره بين الناس ومسة الحاجة إلى العبارة عنها فكما لم يجر مع هذا ~~الداعى الذى هو داعى الحاجة أن تتوالى الأعصار بأهل اللغة ولا يضعوا لهذه ~~الأشياء أسماء تختص لكل واحد منها مع أنهم قد وضعوا الأسماء للمعانى ووضعوا ~~للمعنى الواحد ms113 أسماء كثيرة كذلك لا يجوز أن لا يضعوا للاستغراق أسماء مختصة ~~وليس يجوز من أمة عظيمة فى أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة للمعنى ~~الواحد ولا يضعون لمعنى ظاهر تشتد إليه حاجة الناس أسماء تخصه. # فإن قيل ليس بممتنع أن يتفق ذلك من الأمم العظيمة أليس العرب مع كثرتهم ~~لم يضعوا للفعل الحال عبارة تخصه دون الفعل المستقبل ولا وضعوا للاعتماد ~~سفلا ولا للاعتماد علوا ولا للكون الذى هو يمنة أو يسرة عبارة ولا وضعوا ~~لرائحة الكافور أو رائحة العنبر أسماء تخصها والحاجة إلى ذلك شديدة والأمر ~~فى ذلك ظاهر ثم قالوا: لا حاجة بالمتكلم إلى وضع لفظ الاستغراق لأنه يمكن ~~للمتكلم أن يعدد الأشخاص الذين يريد أن يعلمهم بالذكر واحدا واحدا. # قالوا: ولأنهم يمكنهم أن يعبروا عن الاستغراق ويذكروه بلفظه مع قرينة ~~وشاهد. # PageV01P158 # حال أو يدلوا على الاستغراق بالتعليل بأن يقول: كل من دخل دارى ضربته ~~لأنه دخل دارى فيعرف بالتعليل أنه يريد أن يعم كل من دخل الدار. # والجواب أما الأول فلا يصح لأن الأشياء التى ذكروها غير ظاهرة فيجوز أن ~~لا يضعوا لها عبارات تخصها بخلاف معنى العموم والشمول والمعتمد من الجواب ~~أن تلك الأشياء أن لم تكن لها أسامى مفردة فلها أسامى مركبة. # وبيانه أنه يقال اعتمد سفلا واعتمد علوا أو يقال قال يمنة أو يسرة ويقال ~~رائحة الكافور ورائحة العنبر إلى سائر الروائح ويقال فى الماضى ضرب زيدا ~~وفى المستقبل يضرب زيدا وهذا بخلاف ما تنازعنا فيه لأنه ليس عند خصومنا فى ~~اللغة كلام موضوع ولا مركب منبىء عن الاستغراق من غير قرينة ولا دلالة. # وأما قولهم أنه يعد الأشخاص واحدا واحدا. # قلنا هذا يطول وسبق فلا يجوز المصير إلى مثل هذا. # وقولهم أنه يفيد العموم والشمول بقرينة أو أمارة أو دلالة. # قلنا يبعد أن تضع العرب للشىء الواحد عددا من الأسامى ثم يكتفون فى معنى ~~الشمول والعموم بقرينة أو بإشارة مع اتساع العبارات وضيق القرائن والأشارات ~~وعلى أن العلم من حيث الدلالة أو الإشارة ms114 ليس مما يصلح لجميع الناس بل هو ~~شىء خاص يقع للبعض دون البعض فلا يجوز أن يقع الاقتناع به فى مثل هذا ~~المعنى الظاهر وكذلك الجواب عن التعليل الذى ذكروه وعلى أنه ليس كل معنى ~~يعرف علته حتى يعلل بها. # ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر بأن كل من فى الدار نائم أو ضارب أو ~~آكل وغير ذلك مما لا يحصى كثرة لم يعرف لذلك علة حتى يعلل بها. # قالوا: إنما يصح هذا الدليل الذى ذكرتم أن لو كانت الأسماء مواضعة من أهل ~~اللسان وأما الأسماء توقيف فليس يوجد فيها هذا الدليل. # قلنا ومن يسلم لكم أن الأسماء توقيف وعلى أنا نقول الأسماء بعضها على ~~التوقيف وبعضها على الوضع وهذا هو الأولى فينبغى إذا لم يوجد فى شىء توقيف ~~واشتدت حاجتهم إلى وضع اسم له أن يضعوا كلاما يكون أسماء له كما أن من أحدث ~~آلة جديدة يجوز أن يضع اسما لها ومن ولد له ولد يجوز أن يضع اسما له فالشخص ~~الواحد إذا جاز له ذلك فالأمم الكبيرة بذلك أولى. # PageV01P159 # دليل آخر أن اللغة فائدتها إفهام المراد بالخطاب لأن المتكلم يعلم ما فى ~~نفسه وأن لم ينطق لسانه وإنما يريد بكلامه إفهام غيره والإبانة له عن ~~المراد الذى فى نفسه فما كان كذلك وجدنا أهل اللغة وأرباب اللسان استعملوا ~~فى أبياتهم ألفاظا تعارفونها ووضعوا لكل شىء أرادوا الإبانة عنه سمة ورسموا ~~لكل معنى منه رسما يعلم به المراد ويقع به التمييز بين الشىء وضده فلا يجوز ~~إبطال ما أصلوه منها وإزالته عما وضعوه عليه وحمل ألفاظهم على ما يؤدى إلى ~~التعرى عن الفائدة كما لم يجز ذلك فيما وجد فى أوائل كلامهم من مفرد إلى ~~الأسماء والحروف التى هى أدوات الكلام فهذه الأسماء المفردة والحروف التى ~~هى أدوات كلها مقيدة والأسماء المركبة وكذلك الأفعال مبنية من الأسماء ~~المفردة ومردودة إليها وخالفوا بين السمات وزادوا ونقصوا من الحروف وفاوتوا ~~بين جهات الإعراب لاختلاف ما يوجد تحتها من المراد ms115 وقد قالوا: فى باب ~~الأسماء رجل وفى التثنية رجلان وفى الجمع رجال وقالوا: فى المشتق مشرك ~~ومشركان وقالوا: فى أبنية الأفعال للواحد فى باب الأمر افعل وللاثنين افعلا ~~وللجمع افعلوا وكما قيل فى الإخبار عن الفعل الماضى فعل وفى المستقبل يفعل ~~وفيما يدخله التراخى سيفعل وقالوا: فيما يستدعيه من فعل غيره استفعل ~~وقالوا: فيما تكلفه من الفعل من غير مطاوعة تفعل فلكما خالفوا بين الشىء ~~والشىء فى القصد خالفوا بين المصارف فى الشكل والهيئة لنعلم أنهم لم يضعوا ~~قسمة الألفاظ إلا على قسمة المعانى ولم يرتبوا هذه الأسماء إلا على مراتب ~~المسميات وإذا تقرر ما ذكرناه فكان الأمر فى هذا مشهورا عند أهل المعرفة ~~باللغة وبأن من قال للفظ الجمع الذى ذكروه فى الأسامى والأفعال معنى. # وقالوا: تناوله للعدد الشامل للجنس وللبعض من ذلك أو للواحد والاثنين على ~~وجه واحدا فقد رام الجمع بين ما فرقوا والتفريق بين ما جمعوا وحمل بعضها ~~على البعض مع التفريق من أهل اللسان ومن رام هذا فقد رام قلب اللغة وإبطال ~~البيان وإيقاع العلم فى اللبس والتشكيك وهذا فاسد قطعا بلا إشكال ولا مرية. # قالوا: إذا لم يدع قلب اللغة ولا زعمنا أنه لا بيان فى حملها لكن قلنا أن ~~هذه الألفاظ التى ادعيتم لها العموم محتملة فى وضعها معرضة أن يكون المراد ~~بها الشىء وغيره فإنها توجد والمراد بها العموم والاستغراق وتوجد أخرى ~~والمراد بها الخصوص والإفراد فإذا كان كذلك لم يجر القضاء عليها بأحد وجهى ~~الاحتمال إلى أن يقوم عليها. # PageV01P160 # دليل المراد وهذا كسائر الأسماء المشتركة. # قلنا قد بينا أن العرب لم تقسم الألفاظ إلا على قسمة المعانى ووجدنا صيغة ~~للعموم صيغة امتاز بها عن صيغة الخصوص ومراتب الأسماء مبنية على مراتب ~~المسميات فلا بد لها من معنى يمتاز بها عن غيرها وقد وجدنا لها ظاهرا يهيأ ~~العلم به فلم وجب التوقف فيه مع وجود سمة امتازت بها عن غيرها من السمات ~~ووضوح دلالة منها يصلح اللفظ لها فهل هذا إلا ضرب ms116 الأسماء فى بعضها ببعض ~~وتعكيس اللغة ودفع البيان منها وأما الأسامى المشتركة فهى ألفاظ معدودة ~~وكلمات يسيرة كقولهم حيوان ولون وعين وأمثال ذلك وليس إذا لم يوجد فى اللغة ~~إلا أشياء يسيرة ظاهرة تصار إليه ومعان متعينة لها ما يجب أن تتوقف عن سائر ~~الأشياء التى لها ظواهر معلومة ودلائل معروفة ولهذا إذا ذكر الحيوان واللون ~~والعين لم يتبادر إلى الفهم شىء من معانيها المشتركة دون شىء بل يكون فى ~~موقف واحد من التسابق إلى الفهم والبدار إلى المراد وأما لفظ العموم ~~فيتبادر منه إلى الفهم الشمول والاستغراق وهذا شىء تبين لا خفاء به أصلا. # دليل آخر أن القائل إذا قال من دخل دارى ضربته حسن أن يستثنى منه كل عاقل ~~شاب والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فإذا لولا ~~الاستثناء لوجب دخول كل عاقل تحت لفظة من فلو كانت لفظة من غير مقتضية ~~للشمول والاستغراق لما وجب دخول كل عاقل تحتها ولما صح الاستثناء منها هذا ~~دليل معتمد قالوا: ما أنكرتم أن يكون الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه ~~لصلح دخوله تحته فعلى هذا صح استثناء كل عاقل لأنه يصلح دخوله كل عاقل تحته ~~لأنه دخل تحته حقيقة. # والجواب أنه لو جاز الاستثناء بهذا الوجه لحسن أن نقول اضرب رجلا إلا ~~زيدا أو رأيت رجلا إلا زيدا لأن كل رجل يصلح دخوله تحت قوله ضربت رجلا فقد ~~صلح دخول زيد فى اللفظ ولم يصح استثناؤه فدل أن الاستثناء إنما يصح فى ~~مسائلنا لدخول المستثنى منه تحته حقيقة نبين ما قلناه أن الاستثناء يحسن ~~دخوله فى العشرة مثل أن يقول القائل لفلان على عشرة إلا واحدا واثنين وإنما ~~حسن دخوله على العشرة لأنه أخرج منها ما لولاه لدخل فيها. # ألا ترى أنه لا يحسن استثناء كلها ولا استثناء ما لم يدخل تحتها فكذلك ~~هاهنا لما حسن الاستثناء بأن نقول أعط من دخل دارى إلا الطوال منهم وكان ~~هذا الاستثناء. # PageV01P161 # حقيقة عرفنا قطعا أن المستثنى كان داخلا تحت ms117 الفظ المذكور وأما تعلقهم فى ~~حجتهم بفصل الاستثناء. # وقولهم أنه لو كان اللفظ الوارد فى العموم للاستيعاب والاستغراق لكان ~~الاستثناء نقضا ورجوعا. # قلنا لا يكون نقضا ولا رجوعا لأن ظاهر العموم عنده الاستغراق إذا تجرد عن ~~الاستثناء أو ما يجري مجراه وإذا استثنى فلم تجرد. # ونقول أيضا أن لفظ العموم يقتضى استغراق ما دخل عليه وإذا كان معه ~~استثناء فهو داخل على ما عدا المستثنى ولا جرم هو مستغرق له. # وأما قولهم أنه إذا عدد أشخاصا ثم استثنى شخصا واحدا منهم لا يجوز فيجب ~~أن يكون اللفظ العام كذلك. # قلنا هذا كما يلزمنا يلزمكم لأنكم تقولون أن لفظ العموم حقيقة فى ~~الاستغراق وحقيقة فى البعض لأنه اسم مشترك يتناول الكل ويتناول البعض فيكون ~~حقيقة فيها مثل اللون والحيوان ثم قلتم إذا أراد الاستيعاب واستثنى يصح ولو ~~أنه عدد الأشخاص ثم أنه استثنى لا يصح وهذا لأن الاستثناء إنما يحسن فى لفظ ~~واحد يشمل أشخاصا ثم يستثنى بعض الأشخاص فأما إذا تعدد الألفاظ فيصير كل ~~لفظ كالمنفرد عن صاحبه فإذا استثنى فيكون كأنه استثنى الكل من الكل وهذا لا ~~يجوز لأن الاستثناء حقيقة هو استثناء البعض من الكل. # دليل آخر وهو أن أهل اللغة فرقوا بين العموم والخصوص وجعلوا أحدهما فى ~~مقابلة الآخر فقالوا: مخرج هذا اللفظ العموم ومخرج هذا الخصوص كما فصلوا ~~بين الأمر والنهى وكما وجب أن يكون لكل واحد منهما لفظ يخصه فكذلك العموم ~~والخصوص يدل عليه أنهم خالفوا بين تأكيد العموم والخصوص وجعلو تأكيد أحدهما ~~مخالفا لتأكيد الآخر فقالوا: رأيت زيدا نفسه ولم يقولوا رأيت زيدا أجمعين ~~وقالوا: رأيت القوم أجمعين ولم يقولوا رأيت القوم نفسه وكما أن تأكيدهما ~~مختلفان فكذلك وجب أن يختلفا لأن من حق التأكيد أن يطابق المؤكد. # واعلم أن الفقهاء والمتكلمين قد استكثروا من الدلائل فى هذه المسألة غير ~~أنا اقتصرنا على أعداد منها معتمدة وأصح الدلائل الدليل الأول من الآيات ~~والدليل الثانى من حيث اللغة والدليل الثالث من حيث صحة الاستثناء وقد ms118 حرر ~~بعضهم. # PageV01P162 # فقال استيعاب الجنس حد هو أحسن التعبير فيكون له صيغة يراد بصيغته من غير ~~قرينة كالفرد والتثنية. # أما الجواب عن كلماتهم أما الأول قلنا قد أجبنا عن هذه الشبهة فى ابتداء ~~باب الأوامر فلا معنى للإعادة. # والحرف أنهم يقولون أن لفظ العموم للاستيعاب ولما دونهم فيدخل عليهم هذه ~~الشبهة كما دخلت علينا وأن ارتكب منهم ما ارتكب وقال إنها غير موضوعة ~~للاستيعاب بحال فهذا محال لأنا نعلم بالضرورة وبالنقل عنهم وفى مستعمل ~~كلامهم أن لفظ كل والجميع إذا استعملت فى الاستغراق لم يكن مجازا ولو لم ~~نعلم ضرورة يمكن أن ينقل بالتواتر أنهم أضافوا إلى هذه الألفاظ أحكامها لا ~~يصح إلا إذا كانت الألفاظ عامة نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك وذكرنا ~~أيضا أن هذا الكلام يدخل على من ادعى التوقف والاشتراك وقد سبق تقرير هذا. # وأما دليلهم الثانى قولهم أن هذه الألفاظ تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه ~~على وجه واحد قلنا أن عنيتم أن هذا اللفظ يستعمل فى الاستيعاب وما دونه على ~~الحقيقة فلا نسلم ذلك وكذلك أن قالوا: أنه يستعمل فى كل واحد منهما من غير ~~قرينة لا نسلمه أيضا. # ونقول ليس استعمال لفظ العموم فيما دون العموم كاستعماله فى الاستغراق ~~فإن استعماله فى الاستيعاب بصيغة وفيما دونه بقرينة تنضم إليه وهو من ~~استعمال اسم الحمار فى البهيمة والبليد واسم الأسد فى الحيوان المخصوص ~~والشجاع وليس كثرة الاستعمال دليل على الحقيقة ولا قلة الاستعمال بدليل على ~~المجاز إنما الحقيقة والمجاز يعرفان بوجوه آخر. # ويقال لهم أليس قولنا أمر يستعمل فى الشأن والفعل وليس بحقيقة فيهما وقد ~~كثر استعمال لفظ الأمر فى الشأن والفعل كثرة استعمال لفظ العموم فيما دون ~~الاستيعاب فإن قالوا: إنا عرفنا كون استعمال الأسد فى الشجاع والحمار فى ~~البليد مجازا بطريق الضرورة فهل تعرفون استعمال لفظ العموم حقيقة فى ~~الاستيعاب فإذا استعمل فيما دونه فلا بد أن يكون مجازا وليس كل مجاز يعرف ~~ضرورة ولكن يعرف دليل يقوم عليه فإن قالوا: أنتم لا تقولوا ms119 أن العموم إذا ~~طبق يكون مجازا قلنا قد ذهب جماعة من الأصوليين أنه يصير مجازا ووافقهم على ~~ذلك بعض أصحابنا. # PageV01P163 # وإن قلنا لا تصير مجازا فلأن المجاز ما استعمل فى غير ما وضع له والعموم ~~والخصوص قد استعمل فى بعض ما وضع له فلهذا لا يوصف بالمجاز عند أكثر ~~الفقهاء واعلم أن الخلاف فى هذه المسألة مع المتكلمين فينبغى إذا تكلمنا ~~معهم أن نقول أنه يصير مجازا وقد قال الأصحاب على قولهم أن أكثر ألفاظ ~~العموم تستعمل فى البعض قال يجوز أن يكون اللفظ حقيقة فى معنى ثم يستعمل فى ~~غيره أكثر. # ألا ترى أن الغائط حقيقة فى الموضع المطمئن ثم أكثر ما يستعمل فى الخارج ~~من الإنسان وكذلك الشجاع عن حقيقة فى الحية ثم أكثر ما يستعمل فى الرجل ~~البطل وكذلك العذرة والمفازة إلى ما يشبه ذلك. # وأما تعلقهم بفصل الاستثناء فقد أجبنا عنه. # وأما قولهم أنه يحسن الاستفهام والتأكيد. # قلنا الاستفهام قد يكون طلبا لمطلق الفهم وإزالة الالتباس وقد يكون طلبا ~~لزيادة الفهم وزيادة الفهم فهم وهذا لأن السامع قد يظن أن المتكلم غير ~~متحفظ فى كلامه ويظن به السهو فيستفهمه ويستبينه بمعنى أن كان ساهيا أزال ~~سهوه. # ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل ضربت فلانا فنقول أضربت فلانا أو يقول: ~~ضربت كل من فى الدار فنقول أضربتهم كلهم فيقول: نعم ضربتهم كلهم فنجيبه ~~باللفظ الأول فدل أن المراد من الاستفهام هو الاستثبات لظن الغلط. # وأما التأكيد الذى تعلقوا به فيبطل تأكيد الخصوص مثل قول القائل جاءنى ~~زيد نفسه وكذلك تأكيد ألفاظ الفرد وذلك مثل قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام ~~في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] وكذلك قولهم ألف ~~تام فقولهم ألف قد أنبأ عن التام. # فإن طلبوا فائدة التأكيد. # قلنا فائدته زيادة العلم وهذا لأن بالتأكيد يزداد الأمر جلاء وبيانا ~~فيزداد علمنا وقد يكون فى ذلك مصلحة لنا وأن لم نقف عليها. # ألا ترى أن الله تعالى قد أكثر الأدلة على المدلول الواحد ms120 وأن كان ~~المقصود قد حصل بالدليل الواحد وأيضا يجوز أن يكون التأكيد لإزالة مجاز أو ~~احتمال مستعمل وعلى الجملة إذا جاز وجود فائدة للتأكيد لا يوجد فى المؤكد ~~بطل تعلقهم بهذا الفصل. # وأما دليلهم الذى ذكروه فى كلمة من قولهم أنه يجمع بمنون. # PageV01P164 # قلنا قولهم منون وأن كان لفظه لفظ الجمع فليس بجمع على الحقيقة لأنه ~~يستفاد منه ما يستفاد من قوله من عندنا وعند المخالف ألا ترى أنه لو قال ~~القائل من أنتم كان استفهاما عن جماعتهم كما أن قوله منون استفهام عن ~~جماعتهم وعند المخالف أن ألفاظ العموم كلها مشتركة وليس فى اللغة لفظ يختص ~~بالاستغراق ولفظ منون عندهم مشترك بين الاستغراق والبعض كلفظ من فلم تفد ~~أكثر ما تفيده لفظ من فيثبت أن هذا الكلام يلزمنا ويلزمهم فلم يكن فيه دليل ~~علينا. # وأما الدليل الأخير الذى قالوه فقد أجبنا [عنه] 1 واعلم أن من المتكلمين ~~من حمل لفظ الجمع على أقل الجمع وهو ثلاثة وتوقف فيما زاد. # وقيل أنه قول أبى هاشم وذهب إليه من الفقهاء محمد بن شجاع البلخى ~~والدلائل التى أقمناها فى إثبات الاستيعاب واستغراق اللفظ لكل ما يصلح له ~~يبطل هذا القول وهذا لأنه إذا كان لاستيعاب كل ما يصلح له فالثلاث وما زاد ~~عليه فى الصلاحية واحد فليتناول الكل تناولا واحدا فلم يجز أن يحمل على بعض ~~ما ينتظمه اللفظ دون البعض. # وتعلق من قال بالقول الثانى بأن دخول الثلاثة فى اللفظ يقين وما زاد ~~يحتمل فلا يثبت دخوله بالشك. # والجواب أن دعوى الشك محال فيما زاد على الثلاث لأن اللفظ الموضوع ~~للاستيعاب والاستغراق جميع ما يصلح له اللفظ ويستحيل أن يقال أن بعض ما ~~يصلح له اللفظ يقين وبعض ما يصلح له مشكوك فيه وهذا لأنه لما يتناول كل ~~الأعداد على وجه واحد فلم يجز هذا التفريق بوجه ما. # فإن قالوا: أليس إذا قال لفلان على دراهم يقبل تفسيرها بثلاثة ولا يقبل ~~فيما دون الثلاثة. # قلنا هذا لا يقتضى الاستيعاب. # قالوا: ما ms121 قولكم إذا قال لفلان على الدراهم. # قلنا كذلك نقول ولكن إنما لم يحمل على الجميع لأنه لا يتصور حمله على ~~جميع الدراهم لأنه لا يتصور أن يكون أتلف عليه كل درهم فى الأرض أو استقرض ~~كل درهم فى الأرض فعدل عن العموم لأنه لم يكن حمله على العموم. PageV01P165 # ومن فروع هذه المسألة: # أن أبا بكر الصيرفى قال إذا ورد لفظ العموم يجب أن يعتقد العموم بنفس ~~الورود. # وقال ابن سريج يتوقف الاعتقاد إلى أن يعرضه على دلائل الشرع فإذا لم يجد ~~الخصوص اعتقد العموم واحتج من ذهب إلى القول الأول بأن لفظ العموم موضوع ~~للاستغراق فإذا ورد وجب أن تعتقد ما وضع له اللفظ كلفظ الخصوص وكلفظ الأمر ~~والنهى قال ولأن النظر لا يتناهى فيجوز أن لا يجد مخصصا فى النظر ثم نجد فى ~~النظر الثانى وما لا يتناهى لا يصار إليه قال فلأن الذى صار إليه ابن سريج ~~قول بالوقف وقد ذكرنا بطلانه. # وأما الدليل لما ذهب إليه ابن سريج هو أن اللفظ الموضوع للاستغراق هو ~~اللفظ المتجرد عن القرائن المخصصة ولا بد من طلب التجرد ليحمل على المعنى ~~الموضوع له اللفظ وهذا الطلب يعرض للخطاب الوارد على دلائل الشرع لتعرف هل ~~وجد هناك دليل يخص اللفظ أو لا ثم إذا لم نجد فقد أصاب اللفظ المجرد عن ~~قرينة مخصصة فيحمل حينئذ على الموضوع له وهو الاستيعاب ونعتقد ذلك وهذا مثل ~~البحث عن عدالة الشهود ووجوب الحكم هناك مثل اعتقاد العموم هاهنا. # وأما قولهم أنه وضع للاستيعاب. # قلنا بلى ولكن إذا تجرد عن قرينة والمقصود من العرض التوقف إلى أن بعرض ~~طلب هذا التجرد. # وأما قولهم أن العرض لا يتناهى. # قلنا ما لا يتناهى يقطع فى بدايته. # ألا ترى فى البحث عن عدالة الشهود لا يؤمن أن يطلع على جرح عند إعادة ~~البحث ولكن لا يعتبر ذلك لأنه لا يتناهى وكذلك المجتهد إذا رفعت إليه حادثة ~~يعرض الحادثة على الكتاب والسنة لطلب النص ويبحث مرة واحدة وأن كان يجوز ms122 أن ~~يجد النص عند إعادة العرض ولكن لا يعتبر ذلك لما بينا وأما الذى قالوا: أن ~~هذا قول بالوقف فليس كذلك لأن الواقفية لا يجعلون العموم صيغة يخصها أصلا ~~وأما ابن سريج فيجعل العموم صيغة إذا تجردت عن قرينة ويطلب التجرد وإذا ~~وجدها لأن تحقق صيغة العموم بها اعتقد العموم والله أعلم. # PageV01P166 ### | فصل: في ألفاظ العموم # ... # فصل ونذكر الآن ألفاظ العموم فنقول. # أولها ألفاظ الجموع وسواء فيها جمع السلامة وجميع التكسير1 كقوله اقتلوا ~~المشركين واعمروا المساجد وهذا النوع أبين وجوه العموم ثم بعد هذه الأسماء ~~التى يدخلها الألف واللام للجنس2 كقولك الحيوان والنبات والجماد يراد بها ~~تعميم هذه الأجناس ومن هذا الباب قوله تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة: ~~38] : {الزانية والزاني} [النور: 2] فلا سارق إلا وعليه القطع بالآية ولا ~~زانى إلا وعليه الجلد بالآية وقد قال بعضهم مثل هذا اللفظ لا يكون للعموم ~~وإنما يكون للعهد قال أبو هاشم يفيد الجنس دون الاستغراق وأما عندنا هو ~~العموم لأن نفس اللفظ وأن كان لفظا مفردا ولا يدل على العموم ولكن دخل عليه ~~ما يوجب عمومه وهو لام الجنس وهذا لأنه لو لم يستغرق قولنا الإنسان جميع ~~الجنس لأفاد واحدا غيره يقينا وإذا قلتم بهذا فقد كان هذا مستفادا بالاسم ~~قبل دخول الألف واللام عليه فلا يبقى لدخول الألف واللام فائدة فدل أن ~~فائدتهما الاستغراق. # قالوا: أنه لو استغرق الجنس لجاز مع أنه لفظة واحدة أن يؤكد كل وجميع ~~كلفظ من نحو قوله كل من دحل دارى أكرمته ولا يستقيم أن يقول الرجل رأيت ~~الإنسان كلهم ولا أن يقول: جاءنى الرجل أجمعون وأيضا فإنه يقبح الاستثناء. # ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول: رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان للعموم ~~فحسن ذلك. # قالوا: وأما قوله تعالى: {والعصر، إن الأنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} هو على طريق المجاز ويحتمل أيضا أن الخسارة لما لزمت جميع ~~الناس إلا المؤمنين جاز هذا الاستثناء. # والجواب أن أصحابنا اختلفوا أن العموم من حيث اللفظ فى هذه ms123 الصورة أو من ~~حيث المعنى فالأولى أن نقول أن العموم من حيث المعنى وذلك لأن الألف واللام ~~لا بد أن تفيد التعريف وليس التعريف إلا تعريف الجنس وإذا قلنا أن اللفظ ~~يفيد. PageV01P167 # واحدا من الجنس خرج الألف واللام من كونهما للجنس ولم يبق لهما فائدة ~~وإذا ثبت أنهما للجنس ثبت الاستغراق ولأنه إذا قال الإنسان يفيد دخول كل من ~~كان من جنس الإنسان فى اللفظ ولهذا المعنى صح قولهم أهلك الناس الدينار ~~والدرهم البيض فيعنون كل واحد منهما بالجمع فدل أنهما يفيدان الاستغراق ~~ويقال هلكت الشاة وهلك البعير وهلك الحيوان ويراد به العموم دل أنه مفيد له ~~على الوجه الذى قدمنا وأما الألف واللام إذا دخلا على الجمع فلا بد من كونه ~~مفيدا للاستغراق والدليل عليه حسن الاستثناء فإنه إذا قال اعط المسلمين ~~فإنه يجوز أن يستثنى كل من شاء منهم وكذلك إذا قال رأيت الناس يجوز أن ~~يستثنى أى إنسان أراد من الناس والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب ~~دخوله فيه يدل عليه أنه إذا قال رأيت ناسا يفيد أنه رأى من هذا الجنس ولا ~~يفيد الاستغراق فلا بد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا فائدة إلا ~~الاستغراق. # ومن ألفاظ العموم الأسماء المبهمة نحو من وما والفرق بين من وما أن كلمة ~~من عامة فيمن يعقل لأنك إذا قلت: من فى الدار استقام الجواب بكل من يعقل ~~ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والثوب وإذا قلت: ما فى الدار ولا يستقيم ~~الجواب عنه بالعاقل1 لكن لا يعقل فنقول حمار أو شاة أو ثوب وما أشبه ذلك ~~ومن أسماء العموم الأسماء المبهمة نحو من وما وذلك لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" 2 "ومن أحيا أرضا ميتة فهى له" 3 "وما أكلت ~~العافية فهى له صدقة" 4. PageV01P168 # وأين وحيث تعمان الأمكنة ومتى تعم الأزمنة وكل تعم الفرد النكرة لقولنا ~~كل رجل وكل زيد وكل الناس1 وكلما تعم الفعل2 لقول القائل كلما فعلت فعلا ~~يتناول الأفعال على العموم ms124 واعلم أنه لا فرق فى ألفاظ العموم بين الأسماء ~~المشتقة وأسماء الأجناس وأسماء الصفات كقولك اعط المسلمين اعط الناس اعط ~~الطوال فكل ذلك يستغرق كل ما يصلح له. # وأما ألفاظ النكرات نحو قولك رجل فإنه عام على البدل غير عام على الجمع. # وإنما قلنا أنه عام على البدل لأنه يتناول كل رجل على البدل من صاحبه. # وقد قال عامة أهل العلم أن النكرة إذا كانت نفيا استغرقت جميع الجنس ~~كقولهم ما رأيت رجلا وما رأيت إنسانا وأما إذا خرج على الإثبات فلا يقتضى ~~الاستغراق وأما إذا قال رأيت رجالا ولقيت ناسا فأقل ما يقتضيه ثلاثة من ~~جماعتهم فإن قيل أليس أن الله تعالى قال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن ~~نقول له كن فيكون} [النحل:40] وهذا على العموم لأن الله تعالى لم يرد شيئا ~~دون شيء لأن قدرته عامة شاملة جميع الأشياء محيطة بها كلها. # قلنا قد قالوا: فى تأويل الآية وتخريجها وجهين أحدهما أن فيها إضمارا ~~والمعنى أما قولنا لكل شىء أو لشىء شىء فاكتفى بذكر أحدهما لأن فيه دلالة ~~على الأول. # والوجه الآخر أن عمومه من طريق المعنى لا من طريق اللفظ وذلك لأن الأشياء ~~متساوية فى قدرته فإذا أخبر عن نفوذ قدرته فى بعضها فقد دل بالمعنى على ~~نفوذ قدرته فى سائرها وأما كلمة أى فقد قيل هى بمنزلة النكرة لأنها تصحب ~~النكرة لفظا ومعنى يقول القائل أى رجل فعل هذا وأى دار تريدها قال الله ~~تعالى: {أيكم يأتيني بعرشها} [النمل: 38] وهى نكرة معنى لأن المراد بها ~~واحد منهم. # وقد ألحق بعض الأصوليين هذا الباب ما يفيد العموم من جهة المعنى وذلك ~~يكون بأن يقترن باللفظ ما يدل على العموم وأن كان اللفظ لا يدل عليه فمن ~~ذلك أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ومفيدا لعلته ليقتضى شيوع الحكم فى كل ما ~~شاعت فيه العلة. # ومن ذلك أن يكون المفيد لعموم اللفظ يرجع إلى سؤال السائل. PageV01P169 # ومن ذلك دليل الخطاب المقتضى للعموم. # فالأول مثل قوله صلى الله عليه ms125 وسلم فى الهرة إنها ليست بنجسة إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات فاقتضى عموم طهارة كل ما كان من الطوافين علينا ~~وأمثال هذا تكثر وأما المقتضى للعموم وما يرجع إلى السؤال نحو أن يسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عمن جامع زوجته فيقول: عليه الكفارة فيعم ذلك كل ~~من أفطر وأما العموم مفهوم الخطاب نحو قوله صلى الله عليه وسلم فى سائمة ~~الغنم زكاة فدل هذا أن لا زكاة فى كل ما ليست بسائمة. # مسألة: واختلف أصحابنا فى المجاز هل يتعلق به العموم على وجهين: # فقال بعضهم لا يدخل فى العموم إلا الحقائق وقال آخرون يدخل فيه المجاز ~~كالحقيقة لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة واختلف الأصحاب أيضا أن ~~لفظ العموم هل يتناول ما يمنع دليل النقل من إجراء حكمه عليه كقوله تعالى: ~~{خالق كل شيء} وكقول القائل اضرب كل من فى الدار ونحو ذلك لأن الله تعالى ~~شىء ويمنع العقل أن يكون خالق نفسه وكذلك يمنع العقل أن يكون المأمور يضرب ~~كل من فى الدار مأمورا بضرب نفسه فقال بعضهم أن موضوع اللفظ يتناوله لأن ~~الدليل يوجب إخراجه منه. # وقال آخرون بل هو خارج منه لسقوطه فى نفسه بما ذكرناه وقالت هذه الطائفة ~~أن اللفظ لم يتناوله أصلا فهذا هو الكلام فى ألفاظ العموم ويلحق هذا الموضع ~~ما صح فيه دعوى العموم ما لا يصح وجملة ذلك أن العموم يصح دعواه فى نطق ~~ظاهر يستغرق الجنس لفظه كالألفاظ التى ذكرناها فيما تقدم وأما الأفعال فلا ~~يصح فيها دعوى العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص ~~الحكم بها وأن لم تعرف صار مجملا فيما عرفت صفته مثل ما روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين فى السفر فهذا مقصور على ما ورد فيه ~~وهو السفر ولا يحمل على العموم وما لم تعرف مثل ما يروى أنه عليه السلام ~~جمع بين الصلاتين فى السفر فلا نعلم أنه كان فى سفر طويل أو سفر ms126 قصير إلا ~~أنه معلوم أنه لم يكن إلا فى سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك تعينه وجب التوقف ~~فيه حتى تعرف ولا يدعى هو العموم وكذلك القضايا فى الأعيان لا يجوز دعوى ~~العموم فيها وذلك مثل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار ~~وقضى فى الإفطار بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى. # PageV01P170 # العموم فيها بل يجب التوقف لأنه يجوز أن يكون قضى بالشفعة لجار بصفة تختص ~~بها أو قضى بالكفارة بجماع أو بغيره فيما يختص به المحكوم عليه فلم يكن ~~دعوى العموم وقال بعضهم أن روى أنه كان يقضى تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ~~ألا ترى أنه يقال فلان كان يقرى الضيف ويصنع المعروف وقال الله تعالى فى ~~إسماعيل عليه السلام وكان يأمر أهله بالصلاة والمراد به التكرار. # PageV01P171 ### | فصل: الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فيه # ... # فصل: وكذلك الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فى إضمار. # مثل قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} يفتقر إلى إضمار فبعضهم يضمر وقت ~~إحرام الحج أشهر معلومات وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات والحمل ~~عليها لا يجوز بل يعمل بما يدل عليه الدليل وهذا لأن العموم من صفاته النطق ~~فلا يجوز دعواه فى المعانى وعلى هذا قالوا: لا يجوز دعوى العموم فى قوله لا ~~صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد يعنى نفى الجواز والفضيلة وكذلك قوله لا ~~صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولا يجوز دعوى العموم فيه لنفى الجواز ~~والفضيلة وكيف يجوز دعوى العموم على هذا الوجه وإذا انتفى الجواز لا يتصور ~~انتفاء الفضيلة لأنه لا بد من وجود الجواز ليتصور انتفاء الفضيلة وعلى هذا ~~قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولى قوله لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض ~~فكذلك قوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة وقد جعل بعض الفقهاء هذه ~~الألفاظ مجملة وسيأتى من بعد الكلام فى المجمل وبعضهم جعل هذه الألفاظ عامة ~~فى كل ما يحتمله والله أعلم. # مسألة ms127 أقل ما يتناوله اسم الجمع عندنا ثلاثة. # وهو أيضا قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وذهب طائفة من الفريقين أن أقل ~~الجمع اثنان وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن أبى الطيب من المتأخرين وهو ~~أيضا قول محمد بن داود من المتقدمين1 وإليه ذهب بعض من النحويين وتعلقوا ~~بقوله. PageV01P171 # تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين} [الانبياء:78] ورد الكناية إلى الاثنين بلفظ الجمع وتعلقوا ~~أيضا بقوله تعالى: {إذ تسوروا المحراب} [ص: 21] الآية فاستعمل فى الاثنين ~~لفظ الجمع وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وإنما ~~لهما قلبان وقد ذكرهما بلفظ الجمع وتعلقوا بقوله عليه السلام الاثنان فما ~~فوقهما جماعة1 والمعتمد لهم شيئان أحدهما أن الجمع فى صيغة اللغة هو ضم ~~الشىء إلى الشىء وهذا فى الاثنين مثله فى الثلاث وإذا وجد الجمع حقيقة فى ~~الاثنين صح أن يتناوله اسم الجمع حقيقة. # والثانى أن الاثنين يقولان فى المخاطبة فعلنا كذا ويقولان دخلنا وخرجنا ~~وأكلنا وشربنا فإذا خاطبا خطاب الجمع دل أنهما جمع مثل الثلاث سواء وأما ~~دليلنا ما روى أن ابن عباس احتج على عثمان رضى الله عنهم فى أن الأخوين لا ~~يحجبان الأم من الثلث إلى السدس بقوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس} [النساء: 11] وقال ليس الأخوان إخوة فى لسان قومك فقال عثمان رضى ~~الله عنه لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلى وتوارثه الناس ومضى فى الأمصار ~~فلو لم يكن ذلك مقتضى اللغة لما صح احتجاجه وما أقره عليه عثمان وهما من ~~فصحاء العرب وأرباب اللسان. # فإن قيل روى عن زيد بن ثابت أنه قال الأخوان إخوة فصار مخالفا لهما. # قلنا المراد بذلك أنهما كالإخوة فى الحجب. # والمعتمد هو الاستدلال من حيث اللغة فنقول الدليل على أن لفظ الجمع لا ~~يتناوله الاثنين أنه لا ينعت بالاثنين وينعت بالثلاثة فإنه يقال رأيت رجالا ~~ثلاثة ولا يقال رأيت رجالا اثنين ويقال أيضا رأيت جماعة رجال ولا يقال رأيت ~~جماعة رجلين ms128 فإن كانت الجماعة لا تنعت بالاثنين بحال عرفنا أنه لا يتناولها ~~اسم الجمع بحال. PageV01P172 # ونقول أيضا الأسماء سمات والسمات علامات لما وسم بها من الأعيان فسمة ~~الاثنين مخالفة لسمة الجماعة كما كانت سمة الواحد مخالفة لسمة الاثنين وعلى ~~هذا جرت العادة بالتفضيل فى الأعداد. # وقيل آحاد ومثانى وجموع فكان هذا دليلا أن الجمع بعد التثنية كما أن ~~التثنية بعد الواحد وكذلك هذا الاختلاف فى تفصيل عدد الأجناس قالوا: رجل ~~ورجلان فإذا بلغ العدد ثلاثة قالوا: رجال وقيل امرأة وامرأتان ثم تركوا هذا ~~الاسم فى الجمع قالوا: أيضا فدل أن سمة الاثنين متميزة عن سمة الجماعة فى ~~الوجوه كلها. # وأما الجواب عن دليلهم وتعلقهم بالآية الأولى والثانية فما ذكرنا دليل ~~على أن ذلك مذكور على وجه المجاز لا على وجه الحقيقة وأما قوله تعالى: {فقد ~~صغت قلوبكما} [التحريم: 4] فقد قيل أن هذا الباب مخصوص لا يقاس عليه غيره ~~وهو باب مفرد فى ذكر ما فى الإنسان من الجوارح فقوله: {فقد صغت قلوبكما} ~~[التحريم: 4] وكذلك قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: ~~38] والمراد بذلك اليمين من كل واحد منهما ولو كان لزيد خاتم ولعمرو خاتم ~~لم يصلح أن نقول خذ خواتيمهما والمراد خاتم واحد من كل واحد بل الصحيح أن ~~نقول خذ خاتمهما فصار هذا مخالفا لجوارح الإنسان فافهم هذا فإنه يأت جنس فى ~~العربية وقد قالوا: يوم أعشار وثوب أخلاق ولم يدل ذلك أن الواحد اثنان. # وكان الحجاج يقول: يا غلام اضربا عنقه وخليا عنه ومن هذا قوله تعالى: ~~{ألقيا في جهنم كل كفار عنيد} [ق:24] وأما الخبر الذى رووه فلا نعرف صحته ~~وعلى أن المراد به أن حكم الاثنين حكم الجماعة فى ثواب صلاة الجماعة ~~وانعقادها وهذا لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل على تأويل الاسم ~~اللغوى. # وأما قولهم أن الجمع حقيقته الضم قلنا نعم ولكنه من ضم ثلاثة بعضها إلى ~~بعض وكذلك ما زاد عليه واللغة على ما وردت لا على ما يدل عليه القياس. # ألا ترى ms129 أن الواحد يوجد فيه ضم بعض الأشياء إلى البعض لأنه جوهر متركب من ~~أشياء مختلفة ومع ذلك لا ينطلق عليه اسم الجمع وقد نقض الأصحاب ما يصيرون ~~إليه من الاشتقاق فى اسم الجمع بفصل الدابة والجنين والقارورة وغير ذلك. # وأما الكلام الثانى الذى اعتمدوا عليه وهو الخبر عن فعل اثنين بلفظ فقد ~~يتفق اللفظان فى موضع الغنية عن التفريق بينهما ولا يدل ذلك على الجمع فى ~~المعانى. # PageV01P173 # كقولك للمرأتين أنتما وهما وكذلك تقول للرجلين وكما تقول المرأتان جعلنا ~~كما تقول الرجلان وإنما كان كذلك لأن السمات موضوعة للتمييز ورفع الاشتباه ~~فإذا كان الكلام فى أمر معلوم عند المخاطب وكان الإخبار عن حاضرة علم ~~بالمشاهدة استغنى عن التمييز ولفظ أنتما خطاب لحاضر وكذلك لفظ فعلنا خطاب ~~من المشاهدة وعمن يضاف إليه ممن هو معلوم حالته فأما ما كان بخلاف ذلك مما ~~يدخله الشبهة لا يقاس عليه غيره ولا بد من سمة التمييز والكلام الأول بدون ~~هذا كاف والله أعلم. # PageV01P174 ### | فصل: التخصيص # ... # فصل نقول فى ابتداء هذه المسألة أن التخصيص تمييز بعض الحكمة بالحكم. # ولهذا يقال خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو كذا وخص فلان بكذا ~~وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ العام ويجوز دخول التخصيص فى ~~جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهى والخبر. # ومن الناس من قال لا يجوز فى الخبر كما لا يجوز فيه دخول النسخ وهذا خطأ ~~لأنا بينا أن التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح فى الخبر كما ~~يصح فى الأمر1. PageV01P174 # مسألة العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما بقى بل هو على حقيقة فيه. # والاستدلال به صحيح فيما عدا المخصوص ولا فرق عندنا بين أن يكون التخصيص ~~بدليل متصل باللفظ أو دليل منفصل وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يصير مجازا ~~متصلا كان الدليل المخصص أو منفصلا. # وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يصير مجازا فى حال دون حال ~~اختلفوا فى تفصيل الحال فقال بعضهم أن ms130 خص بدليل لفظى لم يصر مجازا متصلا ~~كان الدليل أو منفصلا وأن خص بدليل غير لفظى كان مجازا. # وقال آخرون يكون مجازا إلا أن يخص بدليل متصل وهذا يحكى عن عيسى بن أبان ~~وعن أبى الحسن الكرخى ومحمد بن شجاع وأما أبو بكر الرازى فذهب إلى ما ذهبنا ~~إليه1 وذهب من جعله مجازا إلى المنع من الاستدلال بالعموم المخصوص. ~~PageV01P175 # وأما من ذهب إلى أنه يصير مجازا احتج فى ذلك وقال أن العموم فى وضع اللغة ~~للاستيعاب فإذا اختص فقد استعمل اللفظ فى غير ما وضع له وإذا وجد حد المجاز ~~لا بد أن يصير اللفظ مجازا. # قالوا: لا يجوز أن يقال أن أهل اللغة وضعوا اللفظ العام للاستغراق مع فقد ~~القرينة ووضعوه للخصوص عند وجود القرينة وذلك لأنا لو اعتبرنا هذا لم يبق ~~مجازا فى كلام العرب لأنه يمكن أن يقال أن الألفاظ كلها وضعت مع وجود ~~القرائن لما تدل عليه القرائن فإن هذا رفع المجاز من الكلام أصلا لأن ~~القرائن كثيرة لا تخص فلا يمكن أن يحصروها حتى يضعوا العموم مع كل واحد ~~منهما لما يقتضيه. # ببينة أن العموم ضد الخصوص والخصوص ضد العموم فكيف يتصور مع وجود ضد ~~العموم أن يبقى العموم على حقيقته. # قالوا: وأما إذا كانت القرينة المخصصة متصلة باللفظ مثل الاستثناء والشرط ~~والصفة فإنما لم يصر مجازا لأن هذه الأشياء الثلاثة من جملة الكلام الملفوظ ~~الذى هو العموم. # وإذا صار من جملته فلا يكون لفظ العموم بانفراده حقيقة ولا مجازا ويكون ~~العموم مع الاستثناء أو الشرط أو الصفة بمجموعة حقيقة فيما يقتضيه وبيان ~~هذا أن القائل إذا قال اضرب بنى تميم إلا من دخل الدار أو اضرب بنى تميم ~~الطوال أو اضرب بنى تميم أن كانوا طوالا فإنه لم يرد بعضهم وحده لأنه لو ~~كان كذلك ما كان قد أراد الاستثناء أو الشرط أو الصفة شيئا لأن هذه الأشياء ~~لم توضع لشىء يستقل فى دلالتها عليه فيقال أن المتكلم قد أراد لها ذلك ~~الشىء أو ms131 أراد بالعموم وحده البعض ولأنه إذا أراد البعض بلفظ العموم لم يبق ~~شىء زائد بالاستثناء أو الشرط أو الصفة فثبت أنه عبر عن البعض بمجموع ~~الأمرين وإذا ثبت أن المتكلم لم يرد بلفظه. PageV01P176 # العموم وحده الاستغراق ولا البعض ثبت أنه إذا كان مع هذه الأمور لم يكن ~~فأراد به حقيقة ولا مجازا وله إذا عنى البعض بمجموع الأمرين وهما لا يفيدان ~~بمجموعهما إلا ذلك البعض ثبت أن ذلك حقيقة فيهما وأما فى القرينة المنفصلة ~~فقد أراد المتكلم بنفس لفظ العموم بعض ما يتناوله فيكون مجازا على ما بينا ~~ثم قالوا: أنه إذا ثبت أنه صار مجازا خرج من أن يكون له ظاهر فلم يجز ~~التعلق بظاهره ولأن العموم المخصوص يجرى مجرى أن يقول الله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] ثم يقول: لا تقتلوا بعض المشركين فكما يمنع ذلك من ~~التعلق بظاهر اللفظ كذلك غيره من التخصيص هذا حجة عيسى بن إبان. # وقال بعضهم أن العموم المخصوص يجوز أن يكون فى الأدلة ما يخصه ثانيا ~~فامتنع التعلق به لجواز أن يدل عليه تخصيص آخر. # وقال بعضهم أن العلة المخصوصة لا يجوز التعلق بها كذلك العموم المخصوص ~~وأما حجتنا فتقول أن لفظ العموم يتناول ما عدا المخصوص بأصل وضعه فلا يكون ~~مجازا فيه وتصور موضعها حتى يزول الإشكال فنقول قوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] يتناول كل المشركين بعمومه وليس كلهم سوى آحادهم فهو ~~إذا عبارة عن كل واحد منهم ولهذا لو تركنا فظاهره مقارنة قتل كل واحد من ~~آحاد المشركين إلى أن يستوعبوا بالقتل وإذا خرج بعض المشركين عن الآية ~~بدليل دل عليه فيعلم قطعا أنه تناول الباقين بأصل وضعه وإذا تناوله بأصل ~~الوضع كان حقيقة وهو مثل العشيرة إذا أخرج بعضها بالاستثناء فإنها تكون ~~حقيقة فى الباقى كذلك هاهنا. # ببينة أنه إذا كان اللفظ متناولا ما عدا المخصوص على ما بينا فالمتكلم ~~بالخطاب إذا كان حكيما فلا بد أن يعنى ما يتناوله اللفظ إلا أن يدلنا على ~~أنه ما عناه وهذا لأن ms132 الحكيم إذا خاطب قوما بلغتهم فإنه يعنى بخطابه لهم ما ~~يدل عليه ذلك الخطاب عندهم وإلا كان ملبسا عليهم ولهذا المعنى إذا أورد ~~العموم ولم يدل دليل على تخصيصه حمل على ظاهره من العموم لما ذكرناه اللهم ~~إلا أن يقوم دليل يوجب تخصيصه وإذا ثبت أنه قد عنانا بالخطاب ما عدا ~~المخصوص ثبت أن الحجة قائمة بالعموم فيما عدا المخصوص وليس يدخل على هذا ~~إذا خص العموم تخصيصا مجملا وهذا نحو قول الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] ثم قال أنا لم أرد بعضهم ولا يدرى من المعنى بذلك البعض فإنه ~~لا يجوز الاحتجاج بمثل هذا العموم المخصوص. # PageV01P177 # لأن كل من جعل الآية حجة فى مثله يجوز أن يكون هو من البعض مخصوصا. # فأما إذا كان المخصوص معلوما فقد بينا وجه كون العموم حجة فى الباقى وقد ~~ورد من الصحابة التعلق بالعموم المخصوص فإن عليا رضى الله عنه قال فى الجمع ~~بين الأنثتين المملوكتين فى الوطء أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روى عن ~~عثمان رضى الله عنه مثل ذلك1 وعنيا بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى: {أو ما ~~ملكت أيمانكم} وعنيا بآية التحريم قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~ومعلوم أن قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} مخصوص منه البنت والأخت واحتج ~~ابن عباس رضى الله عنهما فى قليل الرضاع بقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم} [النساء: 23] وقال قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير وأن ~~كان وقوع التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط وذلك يوجب تخصيص الآية ولا يعرف ~~لهؤلاء مخالف من الصحابة. # واستدلال الصحابة بالعمومات المخصوصة كثير لأنه لا يعرف عموم يلحقه خصوص ~~إلا فى الندب وعلى الشذوذ فإن عامة ما ينطق به الصحابة والعلماء من بعدهم ~~من العمومات فهى عمومات مخصوصة وقد قال الأصحاب فى أصل المسألة أن إيصال ~~التخصيص بالعموم إيصال بيان اللفظ واتصال البيان باللفظ لا يجعله مجازا ولا ~~يخرجه من أن يكون حجة كالمجمل إذا اتصل به البيان وإنما قلنا أن التخصيص ~~بيان لأنه يبين أن اللفظ ms133 لم يتناول المخصوص ولا شمله وهذا باق بلا إشكال ~~والاعتماد على الدليل الأول. # أما الجواب قلنا قولهم العام المخصوص لفظ مستعمل فى غير ما وضع له. # قلنا لا كذلك بل هو مستعمل فيما وضع له فيما سبق وهذا لأن لفظ العموم ~~للاستيعاب إذا لم يقترن به دليل يوجب تخصيصه فأما عند وجود قرينة مخصصة ~~توجب تخصيصه فلا بل اللفظ عند وجود القرينة موضوع لما وراء المخصوص. # وقولهم أن هذا يؤدى إلى رفع المجاز من الكلام لا يصح لأنه إذا كان اللفظ ~~مستعملا فى أصل ما وضع له اللفظ إلا أنه فى البعض دون البعض. # فإذا قيل هو حقيقة فيه كيف يؤدى إلى رفع المجاز نعم لو قلنا أن لفظ الأسد ~~عند اتصال القرينة وضع للشجاع حقيقة كان يؤدى إلى ارتفاع الكلام من الكلام ~~لأنه. PageV01P178 # مستعمل فى غير ما وضع له فى الأصل ويلزم على ما قالوه لفظ العشرة مع ~~استثناء بعضها فإنه حقيقة فيما وراء المستثنى عند أصحاب أبى حنيفة وأن كان ~~قد استعمل لفظ العشرة فى غير العشرة ومع ذلك لم يكن مجازا. # قيل أن لفظ العشرة من غير قرينة موضوع لهذا العدد فأما مع قرينة ~~الاستثناء موضوع لبعضها كذلك هاهنا والعدد الذى قالوه يقال عليه هلا قلتم ~~فى القرينة المنفصلة مثل ما قلتم فى القرينة المتصلة وهو أن المتكلم ما ~~أراد البعض باللفظ العام خاصة لكن أراد باللفظ والقرينة فلا يكون اللفظ ~~العام مجازا مثل ما قلتم فى القرينة المتصلة وهذا جواب معتمد. # وأما الذى قالوا: أن العموم ضد الخصوص فليس بشىء لأنه أن كان بينهما ~~مضادة فهو فى المخصوص من اللفظ فأما فيما وراء المخصوص فلا يتصور مضاده ~~وأما الذى تعلق به عيسى بن إبان فى منع التعلق بالعموم المخصوص فليس بشىء ~~لأن قوله أن العموم المخصوص ليس له ظاهر يخص دعوى بل له ظاهر فيما وراء ~~المخصوص على ما سبق. # وأما كلامه الثانى فقد جمع بين التخصيص المجمل والتخصيص المفصل من غير ~~علة وقد ذكرنا الفرق ms134 ونذكر بوجه أوضح مما سبق فنقول أن الله تعالى إذا قال: ~~{فاقتلوا المشركين} ثم قال لا تقتلوا بعضهم أو قال لم أرد بعضهم ولم يبين ~~ذلك البعض فمن أردنا قتله من المشركين يتناوله قوله: {فاقتلوا المشركين} إذ ~~هو مشرك ويتناوله قوله لا تقتلوا بعضهم لأنه بعض المشركين فلم يكن بأن يدخل ~~تحت أحد الظاهرين بأولى بأن يدخل تحت الآخر فأما إذا عين البعض وقالوا: لا ~~تقتلوا النساء ولا تقتلوا أهل العهد أمكننا استعمال ظاهر الآية من غير ظاهر ~~يعارضه لأن من علمناه امرأة أو علمناه من أهل العهد أدخلناه تحت التخصيص ~~ومن علمناه رجلا لا عهد له علمنا خروجه من التخصيص فإنه مراد بالآية وهذا ~~لأن الأشياء المعلومة إذا خرج منها أشياء معلومة كنا عالمين بما عداها وإذا ~~خرج منها أشياء مجهولة بقى الثانى مجهولا لأنه لا يدرى الذى خرج منها مما ~~لم يخرج ألا ترى أن العشرة معلومة فإذا علمنا أنه قد خرج منها ثلاثة علمنا ~~أنه قد بقى سبعة وإذا علمنا أنه خرج منها عدد لا نعلمه لم ندر ما بقى منها. # وأما تعلقهم بالعلة المخصوصة فسنبين الفرق بين العلة المخصوصة والعموم. # PageV01P179 # المخصوص فى مسألة تخصيص العلة. # وإذا عرفنا أن العموم المخصوص لا يصير مجازا حجة فى الباقى فنقول قوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة 5] عام مخصوص والاستدلال به جائز على ما ~~سبق وكذلك قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~فإنه عام فى كل سارق سرق قليلا أو كثيرا من حرز أو من غير حرز فقيام ~~الدلالة على اشتراط الحرز وقدر مخصوص لا يمنعنا من العلم بوجوب قطع من سرق ~~نصابا من حرز بالآية وذهب بعض أصحاب أبى حنيفة إلى أنه لا يجوز التعلق بهذه ~~الآية لأنه قد شرط فى القطع شرط لا ينبىء عنه لفظ الآية فلم يكن إيجاب ~~القطع بمجرد قوله سارقا وهو الذى يتناوله لفظ الآية وفى قوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين} يقتل الحربى لكونه مشركا وربما يقولون بعد قيام الدلالة ~~على اشتراط الحرز ومقدار المسروق ms135 ولا يمكن أن يستدل بالآية على قطع من وجد ~~فيه الشرطان إلا بعد أن يضم إلى الآية ما دل على اشتراط الشرطين فثبت أنه ~~لا يجوز التعلق بظاهر الآية. # والجواب أن كلا الكلامين ليس بشىء. # أما الأول فنقول أن كان اللفظ لا ينبىء عن النصاب والحرز فلفظ المشركين ~~لا ينبىء عن عدم العهد ولا عن الذكورة أيضا لكن قيل أن قوله: {فاقتلوا ~~المشركين} عام فى أهل العهد وأهل الحرب فمنع قتل أهل العهد بتخصيص كذلك ~~قوله: {والسارق والسارقة} عام فى السارق من حرز وغير حرز وكذلك سارق النصاب ~~وما دونه ومنع قطع السارق ما دون النصاب أو من غير حرز تخصيص وكلامه الثالث ~~يدخل عليه أيضا قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} لأنه لا يمكن قتل المشرك ~~الذى هو غير المعاهد إلا بعد أن يضم دليل الشرطين. # فإن قالوا: هناك قتلناه لأنه مشرك فحسب. # قلنا وهاهنا أيضا إذا سرق نصابا من حرز نقطعه لأنه سارق فحسب وهذا لأنه ~~يحتاج إلى إثبات الشرطين بدليلهما حتى لا يقطع بعض السراق لا لتقطع من يجب ~~قطعه مثل أنه قتل المشركين. # إنما احتجنا إلى إثبات الشرطين حتى لا نقتل بعض المشركين لا لنقتل من يجب ~~قتله إلا أن البيان لذلك قد يرد بلفظ النفي بأن يقول: لا تقطعوا من سرق من ~~غير حرز وقد يرد بلفظ الإثبات بأن يقول: الحرز والنصاب شرط فى القطع وكلا ~~القولين قضيته. # PageV01P180 # نفى القطع عن السارق من غير حرز ولا نصاب فأما إثبات القطع عند وجود ~~الحرز والنصاب معلوم يتناول الآية إياه وقد جهد المخالفون أن يفصلوا بين ~~الاثنين بوجه ما ولا يمكنهم ذلك فاعلمه فإنك تجده كذلك والله الموفق ~~للصواب. # PageV01P181 ### | فصل: أقل ما يتناوله تخصيص لفظ العموم # ... # فصل. # ذهب أبو بكر القفال إلى أن تخصيص لفظ العموم يجوز إلى الثلاثة ولا يجوز ~~تخصيص اللفظ فيما دون الثلاثة إلا بما يجوز به النسخ. # وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يجوز تخصيص اللفظ العام إلى أن يبقى واحد. # وذهب القفال إلى أن لفظ ms136 العموم دليل على الجمع بلفظه وأقل الجمع ثلاثة ~~فلا يجوز تخصيصه فيما دونه لأنه يخرج عن كونه لفظا للجمع فينزل منزلة ~~النسخ1. PageV01P181 # وحرفه أن لفظ المشركين لا يحصل للواحد بحال ولا يجوز رد اللفظ إلى ما لا ~~يصلح له وكذا أن المنع من ذلك أما أن يكون لأن الخطاب بهذا التخصيص يصير ~~مجازا أو لأنه إذا استعمل فى الواحد لم يكن مستعملا فى الجمع واللفظ للجمع ~~فيكون قد استعمل الخطاب فى غير موضوعه ولا يجوز أن نمنع الأول لأنه لو كان ~~كذلك لم يجر التخصيص بكل حال لأنه أن صار مجازا بالتخصيص إلى أن يبقى واحدا ~~يصير مجازا بالتخصيص أيضا وأن بقيت ثلاثة ولا يجوز أن يمنع بالثانى لأن ~~اللفظ العام موضوع للاستغراق لا غير وأما الجمع تبع له فإن لم يجز استعماله ~~فى غير الجمع وجب أن لا يجوز استعماله فى غير الاستغراق بل لا يكون المنع ~~هاهنا لأنا بينا أن اللفظ للاستغراق والجمع تبع له وهذه حجة فى نهاية ~~الجودة وقد ظهر فيها الجواب عما قالوه. # وقد قال الأصحاب أن التخصيص من العام كالاستثناء من المستثنى منه ~~والقرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة لأن كلام الشرع وأن تفرق فى المورد وجب ~~ضم بعضه إلى بعض وبناء بعضه على بعض ثم صح الاستثناء ما بقى من اللفظ شىء ~~فكذلك التخصيص. # وتحريره أن ما جاز تخصيص العام به إلى الثلاث جاز إلى ما دونه كالاستثناء ~~ولأنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه فيما دون الثلاث كمن وما فإن من عام ~~فيمن يعقل وما فيما لا يعقل ثم جاز أن يلحقها الخصوص إلى أن يبقى الواحد ~~كذلك هاهنا وقد سلم القفال ولم يسلمه من وافقه من المتكلمين وهذا وأن قيل ~~ولكن الاعتماد على الأول وأما النسخ فهو رفع الحكم أصلا وأما التخصيص فليس ~~رفع الحكم لكنه نوع بيان اتصل بالآية على ما سبق تقديره ولأن النسخ بمنزلة ~~استثناء العشرة من العشرة والتخصيص بمنزلة استثناء البعض. PageV01P182 ### | فصل: فيما يخص به لفظ العموم # ... # فصل والكلام ms137 يقع الآن فيما يخص به العموم فنقول. # الذى يخص به العموم شيئان عقل وشرع. # فأما تخصيصه بالعقل فى قول جمهور العلماء والمتكلمين وقالوا: هو مثل قوله ~~تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] فدليل العقل قد خص هذه الآية لأنه ~~تعالى غير خالق لذاته ولا لصفات ذاته وكذلك قوله: {وأوتيت من كل شيء} ~~[النمل: 23] وقوله تعالى: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] فعلم ~~بالمعقول أنه لم يؤت من جميع الأشياء وكذلك فى الآية الثانية. # ومنع قوم من تخصيص العموم بالعقل لأن دليل العقل متقدم على وجود السمع ~~فأجازوا أن يتقدم دليل التخصيص على العموم المخصوص1 وهذا فاسد من وجهين ~~أحدهما أنه لما جاز التخصيص بما لا يوجب العلم من أخبار الآحاد فلأن يجوز ~~بما يوجب العلم من دلائل العقل أولى. # والثانى أنه يستحيل اعتقاد الاستغراق فى قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} ~~[الرعد: 16] وكذلك فى قوله تعالى: {وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] ~~وإذا استحال العموم ثبت الخصوص وأن تقدم العقل على بعض السمع فلا شك أنه ~~إذا خص بما قارنه من دليل العقل لا بما يتقدمه ويقال لمن منع منه أتحمل ~~قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] وقوله تعالى: {وآتيناه من كل ~~شيء سببا} [الكهف: 84] على الاستيعاب فى كل ما يتناوله اسم الشىء. # فإن قالوا: هذا فهو جهل بالله تعالى وكذلك فى الآية هو جهل منه ~~بالاستثناء وأن قالوا: هو مخصوص فقد قيل ما قلناه. # وأما تخصيص العموم بالشرع فضربان. # أحدهما يتصل به. # والثانى ينفصل عنه. # وأما المتصل به فسنفرد له بابا. # وأما تخصيصه بالمنفصل منه2 فنقول هو على أربعة أضرب. PageV01P183 # أحدها: تخصيصه بالكتاب. # والثانى: بالسنة. # والثالث: بالإجماع. # والرابع: بالقياس. # فأما تخصيصه بالكتاب. # فلا يخلو حال العموم من أن يكون ثابتا بالكتاب أو السنة فإن كان بالكتاب ~~فتخصيصه جائز بالكتاب مثل قوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~[البقرة: 221] خص بقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} ~~[المائدة: 5] ومثل قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا} ~~[البقرة: ms138 234] خص بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 ~~ومثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] خص ~~بقوله تعالى: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} 1 [الأحزاب: 49] . # وإن كان العموم ثابتا بالسنة فيجوز أن يخص بالكتاب لأنه لما جاز أن يخص ~~الكتاب بالكتاب فأولى أن يخص السنة بالكتاب2 وأما النسخ فيستبين فى باب ~~النسخ ونذكر الفرق بين النسخ والتخصيص واعلم أنه كما يجوز التخصيص ببعض ~~الكتاب يجوز التخصيص بفحوى الكلام ودليل الخطاب من الكتاب أما فحوى النص3 ~~فهو جار مجرى النص وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به على الظاهر من ~~مذهب الشافعى4 لأنه مستفاد من النص فصار بمنزلة النص ومثاله من الكتاب قوله ~~تعالى. PageV01P184 # {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} فكان عاما فى كل مطلقة ثم ~~قال: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن} [البقرة: 236] فكان دليله أن لا متعة للمدخول بها فيخص بها فى ~~أظهر قوليه عموم المطلقات وامتنع من التخصيص فى القول الآخر وأما تخصيص ~~عموم الكتاب والسنة بالسنة. # فإن كانت السنة متواترة فيجوز تخصيص العموم بها سواء كان العموم فى ~~الكتاب أو فى السنة وسواء كان العموم المخصوص فى السنة ووروده بالتواتر أو ~~بالآحاد لأن السنة المتواترة كالكتاب فى إفادتها العلم فإذا جاز تخصيص ~~الكتاب بالكتاب جاز بالسنة المتواترة1. # وأما تخصيص الكتاب بالسنة أو السنة المتواترة بالآحاد. # فأخبار الآحاد ضربان. # أحدهما: ما اجتمعت الأمة على العمل به كقوله عليه السلام: "لا ميراث ~~لقاتل" 2 "ولا وصية لوارث" 3 وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ~~وابنة أخيها فيجوز تخصيص العموم به ويجوز ذلك ويصير كتخصيص هذا للعموم ~~بالسنة المتواترة لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواترة لانعقاد الإجماع على ~~حكمتها وأن لم ينعقد الإجماع على روايتها. # وأما الضرب الثانى: من الآحاد وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به فهو ~~المسألة التى اختلف العلماء فيها. # مسألة يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر ms139 الواحد عندنا وعند الكثير من ~~المتكلمين. # وقال بعض المتكلمين من المعتزلة لا يجوز وهو قول شرذمة من الفقهاء. # وقال عيسى بن أبان أن كان قد خص العموم يجوز تخصيصه وأن كان لم يخص. ~~PageV01P185 # لا يجوز1 وتعلق من قال بذلك بأن الكتاب موجب العلم والعمل فلا يجوز أن ~~يخص بما يوجب العمل دون العلم ولأنه إسقاط بعض ما تضمنه الكتاب فلا يجوز ~~بخبر الواحد دليله النسخ. # وأما عيسى بن أبان فقال إذا خص العموم يصير مجازا على ما سبق من قوله ~~وخرج أن يكون له ظاهر فى قضيته فصار تخصيصه بمنزلة بيان المجمل. # وأما إذا لم يخص منه شىء فهو باق على حقيقته وهو مفيد للعلم ما يقتضيه ~~فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأنه نوع ترك فيكون ما يفيد العلم بما يفيد ~~الظن. # وأما دليلنا فلأن خبر الواحد دليل موجب للعمل فما دل على وجوب العمل فهو ~~الدليل على جواز التخصيص به وهذا لأن العمل بالدليلين واجب ولا يجوز ترك ~~دليل إذا أمكن العمل به وإذا قلنا بالتخصيص الذى ذكرناه عملنا بالدليلين ~~وإذا قلنا لا يجوز التخصيص تركنا دليل السنة. # وبيان الترك أنها دلت على شىء مخصوص وقد تركوه حيث لم يخصوا بها العموم ~~وأما إذا خصصنا العموم فلم نترك دليله لأنه بدليله باق فيما وراء المخصوص. # فإن قالوا: تركتم القول بالاستيعاب فى العموم. # قلنا قد بينا أن اعتقاد العموم لا يجوز بنفس الورود ما لم يعرض العموم ~~على الأصول الثابتة بالكتاب والسنة ثم إذا عرضنا ولم نجد دليلا مخصصا حينئذ ~~نعتقد عمومه فإذا وجد فى الأصول ما يخصه لم يكن هذا ترك القول بما يقتضيه ~~العموم من الاستيعاب بل هو فى الحقيقة بيان اتصل بالكتاب فظهر أنه ورد ~~مقتضيا حكمه فيما وراء المخصوص ويمكن أن يستدل فى المسألة بإجماع الصحابة ~~على تخصيص قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: ~~230] فإن عمومه يقتضى إباحتها قبل الدخول وبعد فخصوه بقوله عليه السلام: " ~~لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق ms140 عسيلتك" 2 وكذلك خصوا قوله تعالى: {يوصيكم الله ~~في أولادكم} [النساء: 11] بقوله. PageV01P186 # عليه السلام: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" 1 الخبر وكذلك قوله عليه السلام: ~~"إنا معاشر الأنبياء لا نورث" 2 وخصوا قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] بنهيه عليه السلام عن قتل النساء. # وأما دليلهم فنقول استغراق العموم يقتضيه غالب الظن دون اليقين فجاز أن ~~يعارضه من أخبار الآحاد ما يوجب غالب الظن دون اليقين وعلى أن خبر الواحد ~~معلوم الأصل باليقين وهو إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنهم أجمعوا على ~~قبوله والعمل به على ما سنبين من بعد فأجرى عليه حكم أصله كما أن جهة ~~القبلة معلومة وأن كان الاجتهاد عند إشكالها مظنونا فأجرى عليه حكم أصلها ~~وأجزأت الصلاة كذلك هاهنا وأما النسخ فهو يقع الحكم بعد ثبوته فلا يجوز ~~بدليل مظنون إذا كان ثبوت المرفوع بدليل مقطوع به وأما التخصيص فليس برفع ~~للحكم إنما هو فى الحقيقة ما بيناه من اتصال بيان بالعموم فصار بمنزلة ~~اتصال بيان بمجمل الكتاب فيجوز بخبر الواحد. # وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد قاله من أصل اعتقده لا يوافقه عليه ~~فذكرنا بطلانه وضعف الدليل الذى استدل به والله أعلم. PageV01P187 ### | فصل: تخصيص السنة بالسنة # ... # فصل وأما تخصيص السنة بالسنة فجائز. # وعن داود أنه لا يجوز3 لأن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم ~~مبينا فلا تحتاج سنته إلى بيان وهذا ليس بشىء لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب ~~بالكتاب جاز تخصيص السنة بالسنة. PageV01P187 # وقوله أن السنة بيان. # قلنا والكتاب تبيان قال الله تعالى: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] فإذا ~~جاز تخصيص الكتاب بالكتاب وأن كان تبيانا كذلك يجوز تخصيص السنة بالسنة ~~موجود كما وجد تخصيص الكتاب بالكتاب فوجب القول به فى الموضعين. # وبيان وجود تخصيص السنة بالسنة قوله عليه السلام: "لا تنتفعوا من الميتة ~~بشىء" 1 قد خص بما روى أنه عليه السلام قال فى شاة ميمونة: "هلا أخذتم ~~إهابها فدبغتموه" 2 وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة بأفعال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms141 وتخصيصه بها. # ومنع أبو الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أن يخص عموم القول بالفعل ~~ولهذا لم يخص نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول باستقبال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بيت المقدس واستدباره الكعبة وقد ~~خصت الصحابة قوله عليه السلام فى الجمع بين الجلد والرجم بفعله فى رجم ماعز ~~والغامدية من غير جلد هكذا ذكره الأصحاب. # وعندى أن هذا بالنسخ أشبه وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الوصال ثم خص عموم نهيه بفعله فى حقه دون غيره. # وأما تخصيص العموم بالإجماع. # فهو جائز لأن الإجماع حجة قاطعة3 وقد خص بالإجماع قوله تعالى: {يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] بأن العبد لا يرث ~~وإذا جاز أن يخص الإجماع الكتاب جاز أن يخص به عموم السنة أيضا. # وأما تخصيص العموم به على ما قدمناه. # وأما إذا ظهر القول فى الحادثة من أحدهم ولم يظهر من أحد منهم خلافة ولا ~~وفاق معه فإن حصل إجماعا لانتشاره جاز تخصيص العموم به. PageV01P188 # وإن لم يحصل إجماعا لعدم انتشاره فقد كان الشافعى رحمه الله يجعله فى ~~القديم حجة كالقياس وهو قول أبى حنيفة ومالك ثم رجع عنه فى الجديد وصح أن ~~يكون حجة فعلى هذا القول لا يجوز تخصيص العموم به. # وأما القول القديم فقد اختلف أصحابنا فى تخصيص العموم به فقال بعضهم يجوز ~~لأنه حجة شرعية بمنزلة سائر الحجج وقال بعضهم لا يجوز لأن الصحابى محجوج ~~بالعموم فلا يخص بقوله العموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا ~~العموم فى خبر النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة ~~حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة ~~فتركناها بخبره1 ومثل هذا يوجد كثيرا. # وأما تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه. # فإنه أجازه أبو حنيفة لأنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره مثل ما روى عن أبو ~~هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات2 ms142 وقد روى غسله سبعا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم3 وخص روايته بمذهبه ببينة أن الرواى لا يترك ما ~~رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عرف من النبي صلى الله عليه وسلم ~~تخصيص الكتاب أو نسخه وهذا فاسد عندنا لأن روايته حجة ومذهبه ليس بحجة فلا ~~يجوز تخصيص ما هو حجة بما ليس بحجة4 ولأنه محجوج بالخبر فلا يجوز تخصيصه ~~بقوله كغيره. # ويبينه: أن مقتضى العموم معلوم وليس فى مقابلته إلا حسن الظن بالراوى ~~ومعنى حسن الظن بالراوى أنه لولا أنه علم قصد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومراده من العموم لم يخالف وهذا وأن كان كذلك إلا أنه مظنون وكون العموم ~~حجة فى جميع ما يسوغه العموم معلوم ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون وعلى أن ~~خلافه لو كان يعلم مقصد الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينبغى أن يتبين ذلك ~~لكى يزيل عن نفسه الإيهام بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والكلام. ~~PageV01P189 # الوجيز فى هذا أن علينا أن نعتقد العموم فى قول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ونجعله حجة على كل من يخالفه وليس علينا أن نتفحص عن قول من يخالفه ~~أنه من أين قال بل يحتمل أنه عن قياس فاسد ورأى باطل وخلاف من ليس بمعصوم ~~عن الخطأ لا يقابل قول من هو معصوم عن الخطأ وعلى هذا نقول قول ابن عباس أن ~~المرتد لا يقتل أن ثبت عنه لا يخص به عموم قوله عليه السلام: "من بدل دينه ~~فاقتلوه" 1 وأما تفسير الراوى لأحد محتملى الخبر يكون حجة فى تفسير الخبر ~~كالذى رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا وفسره بالتفريق ~~بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى لأنه قد شاهد من خطاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله والفرق بين تفسيره ~~وتخصيصه بمذهبه أن تفسيره موافق للظاهر غير مخالف له فأخذ به وأما مذهبه ~~مخالف فلا يخص به على ما سبق. # وأما التخصيص بالقياس. # فقد اختلف ms143 فيه مثبتوا القياس فذهبت شرذمة من الفقهاء وكثير من المعتزلة ~~إلى أن تخصيص العموم بالقياس لا يجوز لأن ظاهر العموم أقوى من القياس فلم ~~يجز أن يخص القياس والدليل على أنه أقوى أنه دليل علمى والقياس دليل ظنى ~~ولا شك أن العلمى أقوى من الظنى ولأنه لما لم يجز النسخ بالقياس لا يجوز ~~التخصيص به ولأن العموم نص والقياس يستعمل مع عدم النص. # وقال عيسى بن أبان وهو الظاهر من مذهب أبى حنيفة أنه يجوز أن يخص بالقياس ~~عموم دخله التخصيص ولا يجوز أن يخص به عموم لم يدخله التخصيص وذهب أبو بكر ~~محمد بن أبى طالب الأشعرى وجماعة من متأخريهم إلى أن العموم والقياس إذا ~~تقابلا وجب الوقف عن استعمال أحدهما لتكافئهما من حيث أن كل واحد منهما صار ~~حجة فعليه يتوقف حتى يقوم دليل يوجب ترجيح أحدهما وأما الشافعى ومالك وأكثر ~~الفقهاء ذهبوا إلى جواز تخصيص العموم بالقياس لأنه دليل شرعي منصوب لمدارك ~~الأحكام فيخص به العموم كسائر الدلائل. # ببينة أن فى تخصيص العموم بالقياس استعمالا لدليلى العموم والقياس جميعا ~~فكان أولى من استعمال أحدهما وإسقاط الآخر ولأن القياس يدل على الحكم من. ~~PageV01P190 # طريق المعنى والعموم يدل من طريق الاسم والمعانى والأسامى إذا التقتا كان ~~القضاء للمعانى على الأسامى. # والجواب عما ذكروه أما قولهم أن العموم أقوى من القياس لا نسلمه وقولهم ~~أنه يفيد العلم قلنا إنما يفيد العلم بأصل وروده فأما فى محتملاته فلا نسلم ~~ذلك بل هو مجرد ظاهر فى الاستيعاب ويحتمل خلافه وعلى أنه لا يمتنع أن يخص ~~الأقوى بالأضعف كما يخص الكتاب بالسنة وأما تعلقهم بالنسخ فنقول النسخ رفع ~~حكم ثابت فامتنع بالقياس لضعفه وأما التخصيص فمعرفة ما لم يرد بالعموم ~~والقياس يجوز أن يدل على ذلك تبيين الفرق أن عموم الكتاب يجوز تخصيصه بخبر ~~الواحد على ما قدمناه فلا يجوز نسخه به وأما قولهم أن العموم نص قلنا صيغة ~~العموم إنما يدخل فى النص إذا لم يخصها القياس فإن خصها لم يدخل فيه. ms144 # وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد أجبنا من قبل وإذا ثبت جواز تخصيص ~~العموم بالقياس فيجوز بالقياس الجلى فأما بالقياس الخفى فعلى وجهين قال بعض ~~أصحابنا لا يجوز لقوة الجلى وضعف الخفى وقال بعضهم يجوز لأن الخفى ألحق ~~بالجلى فى ثبوت الحكم فيلحق به فى تخصيص العموم1. PageV01P191 # وأما التخصيص بدليل الخطاب. # فيجوز تخصيص العموم به. # قال أبو العباس بن سريج لا يجوز وهو قول أكثر أهل العراق لأن عندهم أنه ~~ليس بدليل والكلام معهم يجىء أن شاء الله. # وعندنا هو دليل كالنطق فى أحد الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما ~~كان يجوز التخصيص به. # وأما فحوى الخطاب. # فيجوز التخصيص به وقد بيناه. # ثم اعلم أن من تخصيص العموم بالقياس قوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ثم خصت الأمة بنصف الحد نصا ~~بقوله تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب} ثم خص العبد بنصف الحد قياسا على الأمة فصار بعض الآية مخصوصا ~~بالكتاب وبعضها مخصوصا بالقياس ومن ذلك قوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من ~~شعائر الله..} إلى قوله: {فكلوا منها} ثم خص منها بالإجماع تحريم الأكل من ~~جزاء الصيد وخص عند الشافعى تحريم الأكل من هدى المتعة والقران قياسا على ~~جزاء الصيد فصار بعض الآية مخصوصا بالإجماع وبعضها بالقياس على الإجماع. # فهذا بيان ما قدمناه. PageV01P192 # وأما التخصيص بالعادة والعرف1. # فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به2 لأن الشرع لم يوضع على العادة ~~وإنما وضع فى قول بعض أصحابنا على المصلحة وفى قولنا على ما أراد الله ~~تعالى ولا معنى للرجوع إلى العادة فى شىء من ذلك والله أعلم. # مسألة إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص وكان مستقلا بنفسه يجرى على عمومه ~~ولا يستقل بنفسه. # وليس المعنى بالسبب السبب الموجب للحكم مثل ما نقل أن ماعزا زنى فرجمه. ~~PageV01P193 # رسول الله صلى الله عليه وسلم1 أو سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد2 ~~وإنما المعنى بالسبب مثل ما روى ms145 أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التوضؤ ~~بماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 3 فاقتضى الجواب أن يكون ~~الماء طهورا فى جميع وجوه الانتفاع وكذلك روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عمن ابتاع عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فقال: "الخراج بالضمان" 4 فكان ~~قوله الخراج بالضمان عاما فى هذا الموضوع وفى غيره وكذلك الرخصة فى العرية ~~إنما وقعت بسبب فقراء لم يكن لهم ما يشترون به الرطب فأجاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالرخصة فى العرية فكان الجواب عاما فى الفقراء والأغنياء ~~واعلم أن من أشرط إجرائه على عمومه هو أن يكون اللفظ المذكور يمكن أن يحمل ~~على عمومه فيكون مفيدا من غير أن يعلق بذلك السبب فأما إذا لم يفد ما لم ~~يصر عن السبب فإنه يكون مقصورا عليه وهذا كما روى أنه عليه السلام قال فى ~~جواب السائل حين سأله عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص إذا جف قالوا: نعم ~~قال فلا إذا5 [ ... ] 6لا يمكن أن يحمل على ظاهره بدون السبب لأنه لا يستقل ~~بنفسه فى الإفادة [ ... ] 7 على سببه. # وقال مالك يقصر على سبببه وهو اختيار المزنى والقفال وأبى بكر الدقاق ~~وقد. PageV01P194 # أورد بعض أصحابنا أن الشافعى أشار إلى هذا فى الخبر المروى فى بئر بضاعة ~~وقال قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شىء" 1 مقصور على ~~سبببه وقال فى قوله: "لا قطع فى ثمر وكثر" 2 أنه خرج على عادة أهل المدينة ~~فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محفوظة وسائر الأصحاب قالوا: إنما قال ~~الشافعى هذه الأدلة دلت عليها فأما إذا لم يكن هناك دليل يدل على التخصيص ~~فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه. # واحتج من قال بذلك بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال ~~هو المعتضى للجواب والمميز له وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل به فى ~~بيانه على السؤال وإذا ثبت أنها كالجملة الواحدة فيجب أن يصير السؤال مقدرا ~~فى ms146 الجواب فيخصص الحكم به. # ببينة: أن السبب لما كان هو الذى أثار الحكم تعلق به تعلق المعلول ~~بالعلة. # قالوا: ولأن من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وإنما يكون مطابقا ~~بالمساواة وإذا أجرينا اللفظ على عمومه لم يكن مطابقا. # يدل عليه أن الخطاب جواب وليس بابتداء كلام وإذا جرينا على ما قلتم كان ~~ابتداء الكلام ولم يكن جوابا ألا ترى أن من قال لغيره تغد معى فقال والله ~~لا أتغدى يكون اليمين مقصورا على التغدى معه حتى لو تغدى لا معه لم يحنث ~~وإنما كان كذلك لما بيناه قالوا: ولأن الراوى لما نقل السبب مع لفظ الجواب ~~فلا بد له من فائدة وليس فائدة النقل إلا اقتصار الخطاب عليه فهذه كلماتهم ~~فى المسألة. # وأما حجتنا نقول أولا كل لفظ وجب إجراؤه على العموم عند تعريه عن سؤال ~~خاص وجب إجراؤه على العموم وأن خرج على سؤال خاص كما لو قالت امرأة لزوجها ~~طلقنى فقال نساؤه طوالق أو كل امرأة له طالق وهذا لأن الطلاق يقع بلفظ ~~الزوج لا بسؤال الزوجة فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه فكذا حكم الشريعة يثبت ~~بقول الشارع لا بسؤال السائل فاعتبر عموم لفظ الشارع وخصوصه وهذا كلام. ~~PageV01P195 # لا بأس به إلا أن التعلق بمسألة الطلاق ضعيف لأن الكلام فى عمومه يقبل ~~التخصيص فى الطلاق لو قال نساؤه طوالق وكل امرأة له طالق وقال عنيت بعض ~~نسائى لم يصدق بخلاف خطاب الشارع لو قام الدليل أنه عنى البعض يكون محمولا ~~عليه على الخصوص وصح ذلك والحجة المعتمدة أن الكلام فى جواب له صيغة صالحة ~~للسبب وغيره حتى يوجد الاستيعاب وقد قام الدليل لنا على أن صيغة العموم ~~لاستيعاب كل ما يصلح له فنقول اللفظ العام الصادر عن الشارع أو عن حكم يجب ~~إجراؤه على عمومه إلا أن يمنع مانع ولا مانع من إجرائه على عمومه فيجرى ~~وهذا لأنه ليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب نعم من شرطه أن لا يقصر ~~عن السبب أما أن ms147 يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب فلا ببينة أنه لا يلزم ~~المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال لا من حيث العادة ولا من حيث الشريعة ~~ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى عليه السلام عما فى يمينه فقال {وما تلك ~~بيمينك يا موسى} طه 17 فأجاب موسى {قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي ولي فيها مآرب أخرى} طه 18 فأجاب وزاد فثبت أن السؤال عن شىء خاص لا ~~يوجب قصر اللفظ عليه. # يدل عليه أن تخصيص العموم يكون بالمنافى ولا منافاة بين السبب والخطاب فى ~~شىء ما ولم يجريه التخصيص وهذه كلمات معتمدة فليكن التعويل عليها لا على ~~الأول. # وأما الجواب عن كلماتهم قولهم أن السؤال والجواب كالشىء الواحد. # قلنا أن كان كذلك فهو فى قدر ما يكون جوابا عن السؤال وأما فيما يزيد ~~عليه فلا ثم يدخل عليه مسألة الطلاق ولو جعل الجميع كالشىء الواحد لم يقع ~~إلا على هذه المرأة على الخصوص. # وأما قولهم أن السبب مشير للحكم فصار كالمعلول مع العلة. # قلنا ليس الكلام فى مثل هذا السبب وقد بينا هذا فى أول المسألة حتى لو ~~كان السبب المنقول هو المؤثر كان الحكم متعلقا به. # وأما قولهم أن من حق السؤال أن يكون مطابقا للجواب. # قلنا أن أردتم بالمطابقة مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من شرط ~~الجواب وقد بيناه وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك ~~يحصل بالمساواة من. # PageV01P196 # غير مجاورة وبالمساواة مع المجاورة كما فى سؤال موسى عليه السلام عن عصاه ~~وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن التوضؤ بماء البحر. # وأما قولهم أن هذا الخطاب جواب وليس بابتداء كلام. # قلنا بل هو جواب وابتداء كلام على معنى جواب عما سئل عنه وبيان أيضا لحكم ~~ما لم يسأل عنه وهو صحيح غير ممتنع لم بينا أن السؤال يقتضى جواب ما سئل ~~عنه. # فأما أن يمنع الزيادة عليه فلا وقد ذكرنا وجه صحة هذا مثالا ومعنى وأما ~~إذا قال تغد ms148 معى فقال والله لا أتغدى قلنا لا نعرف أن المسألة على مذهب ~~الشافعى فعلى ما قالوه وعلى أن الأيمان محمولة على العادة فى الفتاوى لا ~~على حقائق الألفاظ. # وأما قولهم أن الراوى نقل السبب ولا بد له من فائدة. # قلنا فائدته أن لا يجوز تخصيص ما وقع السؤال عنه من العموم. # وقد قال بعضهم فى أصوله أن مذهب أبى حنيفة أنه يجوز وهذا لا يعرف من ~~مذهبه1. PageV01P197 ### | فصل: تعارض اللفظان من صاحب الشرع # ... # فصل: إذا تعارض اللفظان من صاحب الشرع فلا يخلو أما أن يكونا خاصين أو ~~عامين أو أحدهما خاصا والآخر عاما أو يكون كل واحد منهما عاما من وجه خاصا ~~من وجه. # فأما إذا كانا خاصين مثل أن يقول: اقتلوا المرتدة ولا تقتلوا المرتدة أو ~~صلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ~~فهذا لا يجوز أن يرد إلا فى وقتين فيكون أحدهما ناسخا للآخر فإن عرف ~~التاريخ يكون الثانى ناسخا للأول وأن لم يعرف التاريخ وجب التوقف2 وأن كانا ~~عامين مثل أن يقول: من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند ~~طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فإن لم يمكن استعمالها وجب التوقف ~~كالقسم الذى. PageV01P197 # قدمنا وإن أمكن استعمالهما فى حالتين استعملا1 ومثال هذا ما قال صلى الله ~~عليه وسلم فى خبر الشهود: "من شهد قبل أن يستشهد" 2 وقال: "شر الشهود من ~~شهد قبل أن يستشهد" 3 وقالوا: الأول محمول على ما إذا شهد ولم يعلم صاحب ~~الحق أن له شاهدا فإن الأول أن شهد وأن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه ~~والثانى محمول على ما إذا علم له الحق بشهادة فلا يجوز للشاهد أن يبدأ ~~بالشهادة قبل أن يستشهد. # وأما إذا كان أحدهما خاصا والآخر عاما مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة والدم} [المائدة: 3] مع قوله صلى الله عليه وسلم: "حلت لكم ميتتان ~~ودمان" 4 ومع قوله صلى الله عليه وسلم: ms149 "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 5 ومثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" 6 مع قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 7 قالوا: يجب فى هذا وأمثاله أن يقضى ~~بالخاص على العام ولا فرق عندنا بين أن يتآخر العام ويتقدم الخاص ويتآخر ~~الخاص ويتقدم العام أو يرد ولا نعرف التاريخ بينهما8. PageV01P198 # وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص والعام بكل وجه وهو قول القاضى أبى بكر ~~الباقلانى. # وقال كثير من المعتزلة إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فإنه ينسخ ~~العام1 وإليه ذهب عامة أصحاب أبى حنيفة وقالوا: فيما إذا كان الخاص متأخرا ~~والعام متقدما فإن كان ورد الخاص قبل أن يحضر وقت العمل بالعام فإنه يكون ~~الخاص مقضيا به على العام وأن ورد الخاص بعدما حضر وقت العمل بالعام فإنه ~~يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم فيما بعد دون ما قبل لأن البيان لا يتآخر ~~عن وقت الحاجة هذا مذهب المعتزلة ويجوز أن يكون مذهب أصحاب أبى حنيفة على ~~خلاف هذا ويذهبون إلى مثل ما ذهب إليه الشافعى رحمه الله. # ورأيت عن أبى الحسن الكرخى أن المتآخر ينسخ المتقدم وسواء فى ذلك كان ~~المتآخر خاصا أو عاما. # وقد ذكر عيسى بن أبان فى الخبرين إذا تعارضا وأن كان أحدهما عاما والآخر ~~خاصا ولم يعرف تاريخ ما بينهما وجوها من الترجيح. # منها أن يكون أحدهما متفقا على استعماله كخبر العشر فإنهم قالوا: أن قوله ~~فيما سقت السماء العشر متفق على استعماله وخبر الأوساق متفق على استعماله. # ومنها أن يعمل معظم الأمة بأحدهما ونعيب على ترك العمل به مثل الخبر فى ~~ربا الفضل والخبر الآخر وهو قوله عليه السلام: "لا ربا إلا فى النسيئة"2 ~~فإن الصحابة عابوا على ابن عباس فى ترك العمل بخبر أبى سعيد وهو الخبر الذى ~~روى فى تحريم ربا الفضل. # ومنها أن يكون الرواة لأحدهما أشهر. # واعلم أنا إذا بينا أن الخاص يقضى به على العام بكل حال سقطت هذه الوجوه ~~التى ms150 ذهب إليها فى الترجيح ويقال أن قوله فى خبر الأوساق أن الأمة لم ~~يتفقوا على استعماله فليس ذلك أكثر من أنا تركنا العمل به وهذا لا يضعف ~~الخبر وعلى. PageV01P199 # أن قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر" 1 متفق على استعماله فى ~~الأوساق الخمسة فما زاد فأما فيما دون الأوساق الخمسة فلا واستعمال الأمة ~~الخبر فيما وراء الأوسق الخمسة لا يوجب ترجيحا وأيضا يقال لهم لم قلتم أن ~~استعمال الخبر من الأمة على الجملة يوجب ترجيحا للخبر وكلا الخبرين ورد ~~مورد الصحة ولا عذر لأحد فى ترك العمل بواحد منهما لأن الدليل الذى دل على ~~وجوب العمل بأحد الخبرين هو الدليل الذى دل على وجوب العمل بالخبر الآخر ~~ومتى طولبوا بمثل هذه لم يمكنهم القيام بحجة فيما زعموه ويخص الفصل الذى ~~ذكرناه وهو إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا ونبين أن القول بالنسخ ~~للخاص المتقدم بالعام المتآخر باطل ونقيم الدليل على مذهبنا فى بناء العام ~~على الخاص والقول بقضاء الخاص على العام. # مسألة العام المتقدم لا ينسخ الخاص المتقدم بل الخاص يقضى عليه ويكون ~~الحكم له فيما تناوله المتآخر 2. # وعندهم الخاص المتقدم يصير منسوخا بالعام المتآخر وتعلقوا فى هذا بأشياء ~~منها: # أن اللفظ العام فى تناوله لآحاد ما دخل تحته يجرى مجرى ألفاظ خاصة كل ~~واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن قوله {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] يجرى مجرى قوله اقتلوا زيد المشرك أو اقتلوا عمرا واقتلوا ~~خالدا ولو قال ذلك ثم قال لا تقتلوا زيدا لكان ذلك ناسخا فكذلك ما ذكرنا ~~ومنها أن الخاص المتقدم يتأتى نسخه والعام يمكن أن يكون ناسخا له فكان ~~ناسخا والدليل على أنه يمكن أن يكون ناسخا لأنه يتناول ما تناوله الخاص مع ~~الثانى وهو متآخر فينسخه. # واستدل من قال بوقوع التعارض بين الخاص والعام أن العام قد تناول ما ~~تناوله الخاص وزيادة فتناوله لتلك الزيادة لا يؤثر فى تناوله لما تناوله ~~الخاص وإذا كان كل واحد منهما متناولا لما تناوله صاحبه وجب ms151 أن يكونا ~~متعارضين كالخاص والخاص والعام والعام وهذا لأن تناول العام لزيادة تجرى ~~مجرى خبر آخر تناول تلك الزيادة ولو كان كذلك لم يؤثر فى تعارض هذين فى هذا ~~الشىء الواحد فثبت أنهما متعارضان كالخبرين جميعا وفى ترك بناء العام على ~~الخاص استعملا للخبر العام وتركا للخاص. PageV01P200 # لأن فى القول ببناء العام على الخاص ترك العام لأن العام لاستيعاب كل ما ~~يتناوله فإذا بنى على الخاص ومعنى بناء الخاص على العام أنه يجعل كأنه لم ~~يتناول ما ورد به الخاص فقد تركتم العام لأن فى ترك القول بالاستيعاب ترك ~~القول بالعموم فاستوى الجانبان من هذا الوجه # وأما حجتنا فتقدم الدليل فى أن القول ببناء العام على الخاص واجب على ~~الجملة. # فنقول كل واحد من العام والخاص دليل يجب العمل به فلا يجوز إطراحهما إذا ~~أمكن استعمالهما والقول ببناء العام على الخاص استعمال لهما جميعا وهو ~~استعمال الخاص فيما يتناوله بصريحه واستعمال له فيما وراء ما تناوله الخاص ~~وعلى هذا بطل القول بالتعارض لأن فى القول بالتعارض إنما ترك العمل بهما أو ~~ترك العمل بالخاص فثبت أن القول ببناء العام على الخاص متعين. # فإن قالوا: لم لا تقولون بأن أحدهما ينسخ الآخر. # قلنا لا يمكن القول بالنسخ إلا بعد معرفة التاريخ وهذا الدليل فى بناء ~~العام على الخاص فى الجملة وهو إذا لم نعرف تاريخ ما بين الخطابين أو كان ~~العام متقدما والخاص متأخرا فأما إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا ~~فسنبين القول فيه ببينة أنه لو كان بدل الخاص قياس لبنى العموم عليه والخبر ~~الخاص آكد من القياس وأقوى فلأن بنى عليه العام أولى وأيضا فإن العام ~~والخاص لو وردا معا يبنى العام على الخاص فكذلك إذا وردا ولم يعلم تاريخ ما ~~بينهما لأن الأصل أن كان شيئين وجدا معا ولم نعلم تاريخ ما بينهما يجعل ~~كأنهما وجدا معا كمسألة الغرقى والهدمى إذا لم يعلم وقت موت واحد منهم يجعل ~~كأنهم ماتوا معا حتى لا يحكم بالميراث لواحد منهم من ms152 صاحبه وأن كان بينهما ~~سبب يوجب الإرث وهم ربما يعترضون على هذا فيقولون لما اشتبه حال الميتين لم ~~يورث أحدهما من الآخر فكذلك إذا اشتبه حال الخبرين وجب أن لا يعترض بأحدهما ~~على الآخر وأن يرجع إلى أمر آخر والاستدلال فيما قصد بالاستدلال به قائم ~~وهذا لا يوجب مغمزا فيه وأما الدليل فى أن العام المتآخر لا ينسخ الخاص ~~المتقدم هو أن الخاص معلوم دخول ما تناوله تحته ودخول ذلك تحت اللفظ العام ~~مشكوك فيه والعلم لا يترك بالشك وهم يقولون على قولكم هذا أن دخوله تحت ~~اللفظ العام مشكوك فيه ليس بذلك بل تناوله إياه ولما سواه حتى يتم ~~الاستيعاب معلوم أيضا لأنه صيغة موضوعة للاستيعاب لغة وشرعا فكيف يقع. # PageV01P201 # الشك فى تناوله لما ينسحب عليه الاستيعاب. # ونحن نقول المعنى بما ذكرناه من الشك هو أنه يحتمل أنه لا يتناوله والخاص ~~لا يحتمل أن لا يتناوله وهذا مسلم ونقرر هذا الدليل بوجه آخر وهو المعتمد ~~فنقول الخبر العام يتناول ما تناوله الخاص على ما زعموا ولكن لا تعارض فى ~~هذا التناول لأن الخاص يتناوله بصريح لفظه من غير أن يكون فيه احتمال أن لا ~~يتناوله وأما العام فيتناوله لا بصريح لفظه بل بظاهر عمومه ويحتمل إلا ~~يتناوله وإذا لم يستويا فى التناول لم يقع التعارض فوجب القضاء بما له ~~الترجيح. # وإذا رجحنا سقط النسخ وتصور صورة ليكون الكلام أوضح فنقول قول القائل لا ~~تقتلوا اليهود يمنع من قتلهم أبدا وقوله من بعد اقتلوا الكفار يوجب قتلهم ~~فى حالة من الحالات. # والقول الأول يمنع من قتلهم فى تلك الحالة وإذا تمانعا على هذا الوجه ~~والخاص أخص باليهود وأقل احتمالا وجب القضاء به والكلام الوجيز فى هذا ~~الدليل أن القول بالنسخ من غير دليل على النسخ باطل والقول بترجيح الخاص ~~على العام فيما تناولاه مانع من قيام دليل النسخ. # وأما الجواب عن كلامهم. # وأما الأول قلنا لو جعلنا الجملة كالآحاد المذكورة واحدا واحدا لا متنع ~~تخصيص كل عموم فى العالم كما ms153 ذكروا واحدا واحدا لم يجز تخصيص واحد منهم من ~~الأعداد المذكورة ثم نقول اللفظ العام يجرى مجرى الآحاد المذكورة واحدا ~~واحدا فى أصل التناول ولا يجرى مجراها فى امتناع دخول التخصيص عليه ألا ترى ~~أن اللفظ الذى يذكر فيه الأعداد واحدا واحدا لا يجوز أن يخرج شىء منه ~~بالتخصيص بخلاف اللفظ العام. # وأما دليلهم الثانى قلنا مجرد احتمال النسخ لا يدل على النسخ وكذلك ~~المتآخر وعلى أنه كما أن الخاص المتقدم يحتمل أن ينسخ فالعام المتآخر يحتمل ~~أن يخص فلم يكن أحدهما أولى من الآخر وعلى أنا بينا الدليل المانع من ~~النسخ. # وقولهم أن المتآخر دليل النسخ قلنا وهل نوزعتم فى هذا الموضع إلا فى هذا. # وأما اعتراضهم على دليلنا بقولهم أن فى بناء العام على الخاص بترك القول ~~بالعموم. # PageV01P202 # قلنا لا فإنا عملنا بالعموم وراء المخصوص. # وقولهم أن الصيغة للاستيعاب. # قلنا إذا لم يقم دليل على التخصيص وها هنا قد قام وهذا لأن التخصيص بيان ~~يتصل بالخطاب فيظهر أن الخطاب بالعموم صدر متناولا لما وراء المحل المخصوص ~~فإن قالوا: كيف ثبت اتصال البيان بشىء متقدم على الخطاب ولو جاز هذا لجاز ~~الاستثناء متقدما على المستثنى منه. # قلنا وأى شىء يمنع من أن يكو بيان الخطاب وتخصيصه بسبب متقدم ألا ترى أن ~~دليل العقل يجوز به تخصيص العموم وأن كان متقدما على العموم وقد سبق ذكر ~~ذلك وبيان مثاله أما الاستثناء فكلام تكلم به أهل اللغة وهم لم يتكلموا ~~بالاستثناء المتقدم على المستثنى منه وعلى أن عندنا يجوز ذلك وقد ذهب إليه ~~كثير من الأصحاب وسنبين وروده. # أما الكلام الأخير الذى ذكره ففيما قلنا جواب عنه وقد بينا ترجيح التناول ~~فى هذا الجانب والمرجوح لا يعارض الراجح ولم يستعمل فى هذه المسألة بإيراد ~~الأمثلة فى المواضع التى أجمع الفقهاء فيها ببناء العام على الخاص لأنهم ~~يقولون قد ورد أيضا بناء الخاص على العام وهو قوله تعالى: {كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] ~~فهذا ms154 خاص فى الوالدين والأقربين ومع ذلك بنى على عموم قوله لا وصية لوارث"1 ~~والجواب عن هذا سهل والاعتماد على ما سبق والله أعلم. # وأما إذا تعارض خطابان أحدهما خاص من وجه عام من وجه والآخر عام من وجه ~~خاص من وجه وتنافيا فى الحكم الذى ابتنى عليهما فلا بد من التوقف حتى يظهر ~~المرجح2. # وأمثال هذا كثيرة وتوجد فى قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه ~~فاقتلوه" 3 وقد ورد فى. PageV01P203 # معارضة نهيه عليه السلام عن قتل النساء وأحدهما خاص فى النساء عام فى ~~الحربيات والمرتدين والآخر خاص فى المرتدين عام فى النساء والرجال فينبغى ~~أن يطلب فى هذا الموضع الترجيح لأحدهما على الآخر وقد ذكر الأصحاب وجوها من ~~الترجيح سترد من بعد بمشيئة الله تعالى. # PageV01P204 ### | فصل: إذا ورد عقيب العموم تقييد بالشرط أو باستثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا [يتأتى إلا فى] 1 بعض ما تناوله العموم فالمذهب أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط. # وذهب بعض الأصوليين إلى التوقف وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب ~~المعتمد2. # ومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة: 237] وقوله: ~~{إلا أن يعفون} يتناول الكبيرة العاقلة وأول الآية عام فى الصغيرة والكبيرة ~~والعاقلة والمجنونة. # ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن} إلى أن قال: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~[الطلاق: 1] تعنى الرغبة فى مراجعتهن وهذا خاص فى الرجعة وأول الآية عام فى ~~الرجعية والبائنة. # ومثال التقييد بحكم قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] وهذا ~~لا يكون إلا فى الرجعية أيضا وأول الآية عام فى البائنة والرجعية. # ومثال الشرط قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] فقوله تعالى: {إن ارتبتم} ~~خاص وقوله: {واللائي ms155 يئسن من المحيض من نسائكم} عام والتقدير واللائى يئسن ~~من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر وأن ارتبتم فالأول على عمومه وأن ~~عقبه بشرط يخص البعض دون البعض. PageV01P204 # ووجه ما ذكرنا أن اللفظ العام يجب إجراره على عمومه إلا أن يضطرنا شىء ~~إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله فإن ادعى ~~المخالف لهذا ضرورة وقال أن الكناية ترجع إلى جميع ما تقدم لأن قوله تعالى: ~~{إلا أن يعفون} معناه إلا أن يعفوا النساء اللوائى طلقتموهن ولو أن الله ~~تعالى صرح بذلك دل ذلك أن النساء المذكورات فى أول الكلام هن اللوائى يصح ~~منهن العفو. # ألا ترى أن من قال من دخل الدار من عندى ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك ~~إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن نقول إلا أن يتوب عبيدى الداخلون الدار ~~والجواب أن هذا كله لا يوجب ضرورة لأن الضرورة المخصصة هى وجود التنافى بين ~~ظاهر العموم وبين الدليل المخصص ومعلوم قطعا أنه لا ضرورة فى مثل هذا فى ~~مسألتنا لجواز أن يريد المخاطب الاستيعاب من أول الآية ثم يعقبه باستثناء ~~أو صفة تخص تعيين من أريد بالاستيعاب وهذا غير ممتنع بوجه ما فلم تثبت ~~المنافاة وإذا لم تثبت المنافاة يظل التخصيص وأجرى الكلام الأول على عمومه ~~وقد قال من يقول: بالوقف أن هذا العموم المقدم يقتضى الاستغراق فظاهر ~~الكناية يقتضى الرجوع إلى كل ما تقدم فليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ~~ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم وإذا ~~لم يكن أحدهما بأولى من الآخر وجب التوقف والجواب عن هذا بالطريق الذى سبق ~~وهذا لأن اللفظ الأول ظاهر فى العموم وما نرى لما ذكروا من الكناية ظاهرا ~~يمكن التوقف فى الظاهر الأول. # مسألة المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما فى المعطوف ~~عليه بل إنما يضمر مما فى المعطوف عليه بقدر ما يفيد ويستقل به. # وعند أصحاب أبى حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما ms156 يمكن إضماره ومثال هذا ~~الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى ~~عهده" 1 فعندنا يضمر ولا يقتل ذو عهده على معنى المنع من القتل وعندهم يضمر ~~ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر2 فعلى هذا قالوا: أن الكافر الذى لا يقتل به ~~ذو العهد هو الحربى فيكون قوله. PageV01P205 # لا يقتل مؤمن بكافر المراد به الحربى. # واستدل من ذهب إلى هذا فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل ~~مؤمن بكافر وعطف على ذلك قوله ولا ذو عهد فى عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد ~~يقتل بالذمى ولا يقتل بالكافر الحربى فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه ~~بكافر حربى لأن المضمر فى المعطوف هى المظهر فى المعطوف عليه فإذا كان ~~المضمر فى المعطوف مخصوص فى الحربى فيجب أيضا تخصيص المعطوف عليه بالحربى ~~قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الكلام يفيد ويستقل بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا ~~يزاد عليه لأن الإضمار لا يقف على ما يستقل عليه الكلام بل يضمر فيه جميع ~~ما سبق. # ألا ترى أن الإنسان لو قال لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى كان معناه ~~ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط وإن كان يستقل ~~به. # وكذلك لو قال رجل لغيره لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز كان ~~معناه ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح وإنما كان كذلك لأن العطف يفيد ~~اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكم المعطوف عليه وحكم المعطوف عليه فى ~~المثال الأول المنع من القتل بالحديد لا المنع من القتل أصلا وفى المثال ~~الثانى حكم المعطوف عليه هو المنع من شراء الخبز بالدراهم الصحاح لا المنع ~~من الشراء بالدراهم على الإطلاق لأن المنع من الشراء على الإطلاق غير مذكور ~~فلا يتصور فيه مشاركة كذلك هاهنا المنع من القتل ابتداء غير مذكور فلا ~~يتصور المشاركة فيه. # ودليلنا فى أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يستقل به ويفيده ~~وهذا لأن فقد ms157 استقلاله وعدم فائدته أوجب الإضمار فلا يجب من الإضمار إلا ~~قدر ما يستقل به ويفيده ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد فى عهده يستقل ويفيد ~~بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يراد لأنه تكون الزيادة إضمارا من غير حاجة إلى ~~الإضمار يدل عليه أنا إذا أضمرنا الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده حتى ~~يكون معناه وال يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم وجب بدليل أن يكون ذلك مخصوصا ~~فى الحربى ولم يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوص فى الحربى. # ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لو صرح وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر ~~ولا ذو عهد فى عهده بكافر" ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص فى الحربى لم يجب ~~أن يكون أول الكلام مخصوصا فى الحربى فإذا قام مثل هذه الدلالة يكون معنى ~~الأول لا يقتل مؤمن بكافر. # PageV01P206 # بحال ومعنى الثانى ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم قام الدليل أن ~~المراد من الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده كافر حربى وهذا غير مستنكر ~~ولا مستبدع فجاز الحمل عليه كما يجوز إذا ظهر وقام الدليل. # قالوا: أن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكمه وحكمه هو ~~الذى عناه المتكلم بلفظه وإذا زاده دون ما لم يعنه فلو كان الكافر المذكور ~~فى المعطوف عليه عاما وفى المعطوف خاصا لم يجعل العطف مفيدا اشتراكهما فيما ~~قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص. # قالوا: وليس كما لو أظهر وقام الدليل لأن الثانى يصير بمنزلة كلام مبتدأ ~~وهاهنا لا يمكن أن يجعل بمنزلة كلام مبتدأ لأنه غير مستقل بنفسه واعترضوا ~~على الكلام الأول بما ذكرنا فى دليلهم. # والجواب أن الواو يوجب العطف فى اللفظ وجعلنا المعطوف والمعطوف عليه ~~مشتركين فى قوله لا يقتل وإذا اشتركا فى هذا اللفظ أفاد العطف فائدته من ~~الاشتراك ثم بعد ذلك يكون الحكم بحسب ما يقوم عليه الدليل صار هذا كما لو ~~أظهر قوله ولا يقتل ذو ms158 عهد فى عهد بكافر ثم قام الدليل أن المراد بالكافر ~~فى قوله ولا ذو عهد فى عهده هو الحربى فلا يوجب ذلك أن يكون المراد لا يقتل ~~مؤمن بكافر هو الحربى فقد جاز هذا الاختلاف مع وجود الواو العاطفة وكان ~~العطف مفيدا للاشتراك فى قوله ولا يقتل وأن اختلف الاختلاف الذى ذكرناه ~~وقوله أن ذلك مبتدأ قلنا إنما جعله مبتدأ لأنه يستقل بنفسه وهاهنا إذا ~~أضمرنا مما سبق قوله لا يقتل قد استقل فلا معنى لإضمار الزيادة. # فإن قيل المتكلم إنما يقصد بالعطف اشتراكهما فى الحكم الذى قصده دون ~~العطف قلنا ولم فهل الخلاف إلا فى هذا فعندنا يجوز أن يكون قصده اشتركهما ~~فى اللفظ المذكور دون حكم المقصود. # فإن قيل كيف يقصد لفظا بلا معنى قلنا صح القصد إلى الاشتراط فى اللفظ ~~وصار بمنزلة المصرح به ثم كل يفيد فائدته وهذا لأن كلا الكلامين لم يخل عن ~~فائدته. # ويمكن أن يجاب عن كلامهم الأول فيقال أن الكلام كان يكون صحيحا على ما ~~ذكروا أن لو كان قال ولا ذو عهد واقتصر عليه فلما قال فى عهده وجب أن. # PageV01P207 # يفيد هذه الزيادة فائدة محدودة وليس ذلك إلا المنع من قتله ابتداء لعهده ~~ونظير هذا أن لو قال القائل لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى ~~الأشهر الحرم كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر ~~الحرم أصلا ولا يكون ولا تقتلوا النصارى فى الأشهر الحرم بالحديد. # ببينة: أنه لو قال بدل قوله ولا ذو عهد فى عهده ولا رجل فى عهده لا قتضى ~~أن لا يقتل رجل فى عهده بحال ليكون قوله فى عهده يفيد فائدة محدودة كذلك فى ~~قوله ولا ذو عهد فى عهده يكون المعنى هذا أيضا. # واعلم أن الكلام للخصم ظاهر جدا وهذا الذى قلناه غاية الوضع وتمشيته ~~ممكنة والكلام الذى ذكرناه من قبل أحسن فى التمشية وقد ذكرنا فى الخلافيات ~~أن الخبر قد صح وروده مطلقا برواية على رضى الله عنه من غير هذه ms159 الزيادة ~~واحتجاجى فى مسألة قتل المسلم بالذمى وعند ذلك لا نحتاج إلى الخوض فيما ~~قلنا والله أعلم. # PageV01P208 ### | فصل: إذا خرج الخطاب فى العموم مخرج المدح أو الذم # كقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: ~~1, 2] إلى قوله: {لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 5, 6] فعموم هذا يقتضى مدح كل من حفظ فرجه ~~إلا على زوجته أو ما ملكت يمينه ويدل أن من وطىء زوجته أو ما ملكت يمينه لم ~~يكن مذموما فهل يصح دعوى العموم فى هذا. # أولا اعلم أنه لا خلاف على المذهب أنه إذا عارض هذا اللفظ خطاب عام لم ~~يقصد به المدح أو الذم فإنه يخصه ويقصره على المدح والذم ولا يحمل على ~~عمومه بل يقضى بعموم ذلك الخطاب عليه ومثل هذا ما قلناه فى قوله: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] فهذه الآية قصد بها بيان الأعيان ~~المحرمات ذوى العدد وقوله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] قصد ~~بها بيان العدد وظاهرها يقتضى إباحة العدد المذكور سواء كان من الأعيان ~~المحرمات أو من غيرهن إلا أنا قضينا بتلك الآية التى قصد بها بيان الأعيان ~~المحرمات على الآية الأخرى التى لم يقصد بها بيان الأعيان المحرمات وإنما ~~قصد بها بيان العدد كذلك هذا مثله. # وأما إذا تجرد اللفظ الواحد على سبيل المدح أو الذم ولم يعارضه لفظ الخبر ~~فهل. # PageV01P208 # يصح ادعاء العموم فيه أم لا اختلف أصحابنا فى ذلك فمنهم من قال لا يصح ~~ادعاء العموم بل يقتصر على بيان المدح والذم فحسب لأنه إنما قصد به مدح من ~~حفظ فرجه وذمه إذا لم يحفظه لا أنه قصد به بيان الحكم حتى يدعى عمومه1 ~~والمذهب الصحيح أنه يصح ادعاء العموم فى ذلك2 فعلى هذا يصح ادعاء العموم فى ~~هذه الآية التى ذكرناها ويصح أيضا ادعاء العموم فى قوله تعالى: {والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] وأن كان قصد ~~بالآية الذم لمن كنز المال. # والدليل ms160 على دعوى صحة العموم فى ذلك ما روى عن عثمان رضى الله عنه أنه ~~قال فى الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية وعنى بآية التحليل ~~قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 6] فقد حمل الآية على العموم مع أن القصد كان هو المدح لمن حفظ ~~فرجه عن الحرام لأن اللفظ إذا ورد عاما فإنه يحمل على عمومه ولا يخص إلا ~~بما يعارضه وينافيه فأما الذى يماثله ولا ينافيه فلا يخصص. PageV01P209 # الآية به وليس بين الخطاب العام وبين قصد المدح أو الذم بذلك منافاة فبطل ~~تخصيصه به ووجب حمل اللفظ على عمومه. # ببينة أن المدح إنما كان مقصودا بالآية أو الذم لا مذكور فيها وهذه العلة ~~قائمة فى العموم لأن اللفظ عام والعموم مذكور فوجب كونه مقصودا وليس يمنع ~~القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما. # PageV01P210 ### | فصل: تخصيص العموم بالدليل المتصل # ... # فصل: هذا الذى ذكرناه هو بيان تخصيص العموم بالدليل المنفصل. فأما تخصيص ~~العموم بالدليل المتصل فنقول. # الدليل المتصل أربعة: استثناء وغاية وشرط وتقييد. # فأما تخصيص العموم بالاستثناء. # فاعلم أن الاستثناء هو لفظ على صيغة إذا اتصل بالكلام أخرج منه بعض ما ~~كان داخلا فيه وقد حده بعض المتكلمين بأنه إخراج جزء من كل1 والأول أحسن ~~وهو مأخوذ من قولهم ثنيت زيدا عن رأيه إذا أرددته عنه وتقول اثنيت عما كنت ~~عليه إذا رددت نفسك عن شىء كنت عليه وثنيت العود إذا رددته عن عوجه وثنى ~~الثوب ما عطف وكف من أطرافه. # ولا يصلح الاستثناء إلا إذا كان بالمستثنى منه فإذا انفصل منه بطل حكمه. # وهو قول كافة أهل اللغة وجمهور أهل العلم وليس يعرف فيه خلاف إلا ما حكى ~~على جهة الشذوذ عن ابن عباس أنه جوزه منفصلا وأجراه مجرى بيان المجمل ~~وتخصيص العموم وقيد زمان الجواز ببينة فإن استثنى بعدها بطل. # وعن بعض التابعين أنه جوز فى المجلس ولم يجوز إذا فارق المجلس2. ~~PageV01P210 # وقيل أنه ms161 قول الحسن وطاوس وعطاء وحسبك فى الدليل اتفاق أهل اللغة أن ~~المنفصل لا يكون استثناء. # وأيضا فإنه غير مفهوم لأن من قال رأيت بنى تميم ثم قال بعد شهر أو سنة ~~إلا زيدا لم نفهم منه الاستثناء. # وهذا لأن قوله إلا زيدا أو إلا كذا كلام مبتور وتعلقه بالمستثنى منه ~~كتعلق الخبر بالمبتدأ وكتعلق الإجزاء بالشرط فإنما يفهم عند اتصاله بالأول ~~ويستقبح مع انفصاله. # ولأنا لو جوزناه منفصلا لم يوثق بيمين ولم يقع طلاق ولا عتاق على وجه ~~الثبات وكذلك لم ينعقد عقد على هذا الوجه وهذه طامة كبيرة ومخرقة عظيمة. # وأما قول ابن عباس فلا يكون حجة مع مخالفة أهل اللغة ولعل الآفة من ~~الراوى والخطأ من الناقل. # PageV01P211 ### | فصل: ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تآخر عن أو تخلله # فنقول إذا تقدم رأيت إلا زيدا جميع بنى تميم كما يقول: إذا تآخر رأيت بنى ~~تميم إلا زيدا. # ومنه قول حسان بن ثابت رضى الله عنه: # الناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر1 # فقد استثنى السيوف والقنا من الوزر وتقديره ليس لنا وزر إلا السيوف ~~وأطراف القنا. # ونظير هذا قول الكميت: # وما لى إلا آل أحمد شيعة ... وما لى إلا مشعب الحق مشعب2 # وتقديره ما لى شيعة إلا آل أحمد وما لى مشعب إلا مشعب الحق. # فصل ويجوز أن يخرج بالاستثناء أكثر الجملة وأقلها. # وقد شذ بعض أهل اللغة فمنع من استثناء أكثرها واختاره الأشعرى وقيل أنه ~~قول أحمد بن حنبل3. PageV01P211 # وقيل من ذهب إلى هذا أنه يستقبح أن يقول الرجل لفلان على ألف إلا تسع ~~مائة وتسعة وتسعين. # والاستقباح يمنع من الاستعمال والمتروك استعماله متروك. # ببينة أن الاستثناء لاختصار الكلام أو الاستدراك ويبعد كلاهما فى هذه ~~الصورة ولأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل ولأن المستثنى فرع ~~المستثنى منه ولا يجوز أن يزيد الفرع على أصله وهذا القول مدفوع بالكتاب ~~واللسان والمعنى. # أما الكتاب قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا، نصفه أو ms162 انقص منه قليلا، أو ~~زد عليه} [المزمل: 2, 4] وفى الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل ~~ولأن الله تعالى قال فى موضع: {إلا عبادك منهم المخلصين} [الحجر:40] وقال ~~فى موضع: {إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42] فمرة استثنى المخلصين ومرة ~~استثنى الغاوين ولا بد أن أحد العددين يكون أكثر. # وأما اللسان فقول الشاعر. # أدوا التى نقصت تسعين عن مائة ... ثم ابعثوا حكما بالعقل حكاما # وأما المعنى فهو أن حد الاستثناء ما قلناه وذلك الحد موجود فى استثناء ~~الأكثر والأقل على وجه واحد كالتخصيص فإذا جاز جريان التخصيص فى أكثر ما ~~دخل تحت العموم فكذلك الاستثناء. # وأما دعوى الاستقباح فغير مسلم وإنما هو استثناء وليس باستقباح. # وأما استثناء الجميع فإنما لم يجز لأنه تخصيص والتخصيص يجرى فى البعض لا ~~فى الكل ولأن استثناء الكل من كلامه نقص لكلامه وإسقاط لفائدته بخلاف ~~استثناء. PageV01P212 # الأكثر فافترقا. # والذى قالوا: من الفرع والأصل فليس بشىء لأنهم أن عنوا بالفرع أنه لا صحة ~~له إلا به فيبطل بالتخصيص وعلى أن الفرع قد يزيد على الأصل بدليل الحسيات ~~والأمثال تكثر. # فصل وأما ألفاظ الاستثناء فالمستولى على الكل استعمالا هو كلمة إلا ثم ~~تليها ما يقل استعماله وهو سوى وعدا وحاشا وخلا وجميعها فى حكم الاستثناء ~~سواء. # مسألة اختلف أهل اللغة وأهل الفقه فى الاستثناء من غير الجنس. # فمنعت منهم طائفة من طريق اللفظ والمعنى جميعا وهو قول كثير من أصحاب ~~الشافعى. # وهؤلاء جعلوه لغوا. # وقالت طائفة يجوز الاستثناء من غير الجنس لفظا ومعنى. # وقال بعضهم يصح من طريق المعنى دون اللفظ1 إذا كان معنى الجنس يتفقان من ~~وجه فيكون الاستثناء على هذا عائدا إلى المعنى المتجانس لا إلى اللفظ ~~المختلف فيقول لفلان على ألف درهم إلا دينار فيستثنى من الألف بقيمة ~~الدينار. # وهذا القول هو الأولى بمذهب الشافعى رحمه الله وهو قول المحققين من ~~الأصحاب. # واحتج من جوزه على الإطلاق بقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون*إلا ~~إبليس} [الحجر: 30, 31] قال وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: ~~{إلا ms163 إبليس كان من الجن} [الكهف: 50] وتعلق أيضا بقوله تعالى: {فإنهم عدو ~~لي إلا رب العالمين} [الشعراء:77] وبقوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما} [الواقعة: 25, 26] وبقوله تعالى: {ما لهم به ~~من علم إلا اتباع الظن} [النساء: 157] . # وتعلقوا بقول النابغة فى القصيدة المشهورة: # وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالريع من أحد2 # إلا أوارى لأياما أثبتها ... والنوى كالحوض بالمطلومة الجلد PageV01P213 # وقال غيره: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # فاستثنى الأوارى فى الأول من قوله وما بالريع من أحد وفى الثانى استثنى ~~اليعافير وهى الظبا والعيس وهى الإبل من الأنيس. # وحكى سيبويه عن العرب ما رأيت اليوم أحدا إلا حمارا أو ثورا. # وأما حجة من لم يجوزه على الإطلاق فظاهر وقالوا: الدليل عليه أن ~~الاستثناء إخراج بعض ما دخل فى الجملة وغير الجنس غير داخل فى الجملة فلا ~~يصح استثناؤه منها لأن غير الداخل لا يتخيل استخراجه كما أن غير الخارج لا ~~يتخيل إدخاله ولأنه أحد ما يخص به العام فلم يصح فيما لم يدخل فى العموم ~~كالتخصيص بغير الاستثناء ولأنه يقبح أن تقول جاءنى الناس اليوم إلا الكلاب ~~أو رأيت الحمير إلا الناس ومن قال هذا من أهل اللغة كان ملغزا فى الخطاب ~~عادلا عن تبيين الصواب وهذا لأن الاستثناء مع المستثنى منه يكون صحتها ~~وارتفاع أحدهما بالآخر بنوع من التمانع والتدافع ولهذا يقال أن الاستثناء ~~من المنفي إثبات ومن الإثبات نفى وإنما يتصور التمانع والتدافع والتنافى فى ~~الجنس الواحد لأن اللفظ الأول يدخله والثانى يخرجه فيقع التنافى وأما في ~~غير الجنس فلا يتصور هذا فإن اللفظ الأول إذا لم يتناوله بالإدخال فلا يكون ~~الثانى مخرجا ولا يقع التنافى والتمانع فثبت أن الاستثناء حقيقة لا يكون ~~إلا من الجنس. # وأما الذى تعلقوا به أما الآية الأولى فالصحيح أن إبليس كان من الملائكة ~~ولهذا تناوله الأمر بالسجود ولو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر ~~بالسجود. # وأما قوله تعالى: {كان من الجن} [الكهف: 50] فقد قيل ms164 كان من قبيلة من ~~الملائكة يسمون الجن وعلى أن جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز والكلام فى ~~الحقيقة. # وأما المذهب الثالث وهو صحة الاستثناء من طريق المعنى فهو المختار على ~~مذهب الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه نفى ما قلناه أن الاستثناء من غير ~~جنس المستثنى منه لا يكون حقيقة لأن هذا الذى ادعيناه راجع إلى اللفظ وهو ~~على ما ذكرناه وإنما جوزنا الاستثناء حين جوزناه من طريق المعنى وسبب جوازه ~~اتفاق معنى الجنسين من وجه فيصير الاستثناء له إلى المعنى المتجانس لأن ~~اللفظ مختلف. # ولهذا قال الشافعى لو قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا أو مائة دينار ~~إلا ثوبا. # PageV01P214 # فيكون مستثنى بقيمة الدينار أو الثوب1 ولا يصح هذا المذهب إلا إذا صححنا ~~الاستثناء على الوجه الذى قلناه وأما أبو حنيفة فقد ناقض وقال إذا قال ~~لفلان على ألف درهم إلا دينارا يجوز وكذلك إذا استثنى الحنطة أو الشعير قال ~~ولو استثنى الثوب لا يجوز2 وهذا تفريق لا يعرف. # وقد ذكروا فرقا ذكرناه فى مسائل الخلاف وأبطلناه عليهم. # وأما إذا استثنى من زيد وجهه ومن الدار بابها فاختلف الأصحاب أنه استثناء ~~الشىء من جنسه أو من غير جنسه والصحيح أنه من جنسه لأن وجه زيد جزء من زيد ~~مثل الواحد جزء من العشرة وكذلك وجه الدار جزء منها فصار كما ذكرنا والله ~~أعلم. # مسألة إذا تعقب الاستثناء جملا قد عطف بعضها على بعض يرجع إلى الجميع. # وقال أصحاب أبى حنيفة يرجع إلى ما يليه من الجمل. # وقالت الأشعرية هو موقوف على الدليل وقد خبط بعض أصحابنا فى هذه المسألة ~~حتى أداه خبطه إلى العدول عن مذهب الشافعى إلى مذهب الخصم وقال إنما ينعطف ~~الاستثناء على كلام يجتمع فى غرض واحد فأما إذا [اختلفت] 3 المقاصد فى ~~الجمل وكل جملة منها مستقلة بمعناها لا تعلق لها بما بعد فالاستثناء يرجع ~~إلى ما يليه من الجمل4 وزعم أن الواو فى مثل هذا الموضع لاسترسال الكلام ~~وحسن بظنه ولا يكون. PageV01P215 # للعطف1 ms165 ثم زعم إذا قال وقفت على بنى فلان دارى وحبست على بنى فلان ضيعتى ~~وجعلت على خدمى وموالى بهيمتى إلا أن يفسق منهم فاسق ولا يظهر اختصاص ~~الاستثناء فى هذه الصورة بالجملة الأخيرة ولا يظهر أيضا انعطافه على الجمل ~~أيضا فيكون الأمر موقوفا على المراجعة والبيان منه قال والسبب فى هذا أن ~~ميثاق الخطاب فى الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة فى الذكر على معنى أن ~~كل جملة مستقلة بنفسها فيجوز أن يعود الاستثناء إلى ما يليه ويجوز أن يرجع ~~إلى جميع الجمل فوجب التوقف إلى أن يأتى البيان ويقوم الدليل على واحد من ~~الأمرين. # وعندى أن الأولى أن يقال أنه إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض ولم يكن فى ~~المذكور إجراما يوجب إضرابا عن الأول وصلح رجوع الاستثناء إلى الكل فإنه ~~يرجع إلى الكل. # وممكن أن يعبر عن هذا فيقال إذا لم يكن الثانى خروجا من قصة إلى قصة أخرى ~~لا يليق بالأول ونظير هذا أن نقول اضرب بنى تميم والأشراف هم قريش إلا أهل ~~البلد الفلانى وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق ~~بالآخر أو أحدهما قصة والآخر قصة أخرى هل أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا ~~شىء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام ~~وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب ~~والاستثناء ينصرف إلى ما يليه وعلى هذا قيل أيضا إذا قال أكرم ربيعة واضرب ~~بنى تميم إلا الطوال منهم ينصرف إلى ما يليه أيضا. # وقد ورد القرآن بانصراف الاستثناء إلى جميع المذكور وورد بانصرافه إلى ما ~~يليه. PageV01P216 # وورد فيه الخلاف فالأول قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~إلى قوله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] فهذا ~~الاستثناء ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع. # وقال تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله: ~~{إلا أن يصدقوا} [النساء: ms166 92] فهذا يرجع إلى أقرب ما يليه وهو الدية ولا ~~ينصرف إلى التحرير وإنما قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} إلى قوله تعالى: {إلا الذين تابوا} ~~[النور: 4 , 5] فهذا موضع الخلاف وعندنا ينصرف إلى جميع ما تقدم وعندهم ~~ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى: {وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4] فأما ~~من قال أن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه من الجمل المذكورة فاحتج بوجوه من ~~الكلام. # أحدها أن أول الكلام مطلق فله حكم إطلاقه وآخر الكلام مقيدا بالاستثناء ~~فله حكم تقييده وهذا كقوله تعالى: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] فقد انصرف هذا التقييد ~~إلى الربائب وبقى الأول على إطلاقه وهذا معنى ما روى عن الصحابة فى هذا ~~أبهموا ما أبهم الله. # ببنية: أن أول الكلام لما كان عاما والاستثناء المذكور فى آخر الكلام ~~يحتمل أن ينصرف إلى جميع ما تقدم ويحتمل أن ينصرف إلى ما يليه فلم يجز ~~إبطال صفة العموم عن أول الكلام بالشك وربما يقول: أن أول الكلام عام فمن ~~ادعى تخصيصه فعليه الدليل كسائر العمومات. # وحجة أخرى بأن الاستثناء إنما يرد إلى ما تقدم إذا كان لا يستقل بنفسه ~~لأنه إذا لم يستقل بنفسه لم يقدر فوجب تعليقه بما تقدم ليستقل ويفيد. # ألا ترى أنه إذا استقل بنفسه لم يعلق بما تقدم. # قالوا: وإذا علقناه بالذى يليه فقد استقل وأفاد فلا يعلق بما زاد عليه ~~لأن تعليقه بما زاد على ذلك يجرى مجرى تعليق المستقل بنفسه بغيره لا من ~~ضرورة. # دليل آخر لهم قالوا: الاستثناء من الجمل كالاستثناء من الاستثناء وإذا ~~كان الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يفتقر فى إثبات استقلاله ~~إلى أكثر من ذلك فكذلك الاستثناء من الجمل يكون كذلك. # قالوا: وليس هذا كما لو عقب الجمل بشرط حيث يرجع إلى جميع ما تقدم لأن. # PageV01P217 # الشرط وأن تقدم فهو فى معنى التقدم لوجوب تقدم الشرط على الجزاء والإنسان ~~إذا قال اضرب ms167 ربيعة وبنى تميم أن قاموا معناه أن قام بنو تميم وربيعة ~~فاضربهم وليس كذلك الاستثناء الذى اختلفنا فيه لأنه ليس من حقه وجوب تقديمه ~~فلهذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم. # قالوا: وكذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى لأن لفظه لفظ الشرط ولأن من حق ~~الاستثناء بمشيئة أن يوقف جميع الجملة. # وأما الاستثناء بإلا فيدخل على بعض دون البعض. # ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أن شاء الله لم يقع شىء1 ولو ~~قال لامرأته أنت طالق إلا ثلاثا لم يصح2 وإنما يصح إذا قال أنت طالق ثلاثا ~~إلا واحدة أو اثنين3 وقد استدلوا بمسألة وهى أنه لو قال لفلان على عشرة ~~دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا ينصرف الاستثناء إلى ما يليه وأن كان يجوز ~~الاستثناء للجنس من غير الجنس على قول بعض. # وقد قلتم أن الأصح جواز استثناء الجنس من غير الجنس من حيث المعنى ومع ~~ذلك فى هذه الصورة لم ترد فالاستثناء إلى جميع ما تقدم. # وذكروا كلاما يختص بآية الرمى وقالوا: أن الاستثناء لم ينصرف إلى جميع ~~المذكور بالإجماع إلا أنه لم ينصرف إلى الجلد ولو كان من حقه أن ينصرف إلى ~~جميع ما تقدم لانصراف إلى الجلد أيضا. # ببينة: أنه إذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم فمن حقه أن ينصرف إلى ما يليه ~~لأنه لا قائل يقول: أنه لا ينصرف إلى ما يليه ولا ينصرف إلى جميع ما تقدم. # وأما أبو زيد فقد سلك فى آية القذف مسلكا آخر وزعم أن رد الشهادة حد وقال ~~هو عقوبة مؤلمة مثل الجلد عقوبة مؤلمة وهو معطوف على الجلد ومفوض ذلك إلى ~~الإمام الذى يلى إقامة العقوبات فيكون فى حكمه وإذا كان عقوبة لم يسقط ~~بالتوبة وزعم أن الواو هاهنا للنظم وليس للعطف والتشريك. PageV01P218 # وأما دليلنا قال الأصحاب وربما نسبوا إلى الشافعى أن الجملة التى عطف ~~بعضها على بعض بواو العطف تجرى مجرى الجملة الواحدة لأن واو العطف فى ~~الأسماء المختلفة يقوم مقام واو الجمع فى الأسماء ms168 المتماثلة ولا فرق عند ~~أهل اللغة بين قولهم أكرم العرب إلا الطوال منهم وبين قولهم أكرم مضر ~~وربيعة وقحطان إلا الطوال منهم وكذلك لا فرق عندهم بين قوله اضرب بنى ربيعة ~~وتميما إلا الطوال وبين قولهم بنو تميم وربيعة اضربوهم إلا الطوال منهم ~~وإذا صار الجميع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكل. # قالوا: على هذا أن واو العطف تجرى مجرى واو الجمع فى اشتراك الاسمين فى ~~الحكم مثل قول القائل اضرب فلانا وفلانا أو أكرم فلانا وفلانا. # أما من أين قلتم أنه يجرى مجرى واو الجمع فى انصراف الاستثناء إليها هذا ~~مجرد الدعوى ثم نقضوا ذلك بالجملتين المتباينتين وهو قوله أكرم ربيعة واضرب ~~بنى تميم إلا الطوال وإنما ينصرف الاستثناء إلى بنى تميم خاصة ثم قالوا: فى ~~قوله ربيعة وبنو تميم اضربوهم إلا الطوال منهم إنما انصرف الاستثناء إليها ~~لأن الاستثناء ينفصل بقوله اضربوهم وفيه اسم الفريقين فينصرف الاستثناء ~~إليهما. # وأما إذا قال اضرب بنى تميم وربيعة إلا الطوال فلم يتصل الاستثناء باسم ~~فيشمل الفريقين وقالوا: أيضا أن الواو قد تكون للعطف وقد تكون للنظم على ما ~~بينا. # ومعلوم أنه إذا قال الرجل أكرموا من يزورنا وقد حبست على أقاربى دارى هذه ~~واشتريت عقارى الذى تعرفونه من بيت فلان وإذا مت فأعتقوا عبيدى إلا الفاسق ~~منهم فإن الواو فى هذه المواضع يفيد أن يكون للعطف وجعل الجملة بمنزلة ~~الجملة الواحدة فدل أنها للنظم. # وقوله إلا الفاسق ينصرف إلى ما يليه. # الجواب أنا نقول أن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير بمنزلة الجملة ~~الواحدة إذا لم تكن فى الآخر ما يدل على الإضراب عن الأول لأنه إذا لم يكن ~~إضرابا عن الأول فالإتيان بحرف العطف بين الجملتين والتعقيب بالاستثناء ~~الذى أصل رده إلى الكل يدل على أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول. # والدليل على أنه لم يضرب عن الأول بالثانى أنه فى الخطاب أضاف إلى الحكم ~~الأول حكما آخر مبتنيا على السبب الأول وهذا فى آية القذف ظاهر. # PageV01P219 # ونظيره من ms169 الكلام قول القائل ادخل البلد الفلانى وسلم على بنى هاشم ~~واستأمرهم وكذلك يقول: سلم على بنى تميم وربيعة. # وبيان أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول إضافته إلى الاسم الأول لمعنى آخر ~~فصار الكلامان من هذا الوجه مع حرف العطف كالجملة الواحدة فينصرف الاستثناء ~~إليها كما ينصرف إلى الجملة. # وقولهم أن الواو للنظم قلنا الأصل أن الواو للعطف والتشريك فإذا أمكن ~~استعماله فى هذا لم يستعمل فى غيره. # يدل عليه أن صرف الاستثناء إلى بعض المذكور ليس بأولى من البعض بحق ~~الصيغة ألا ترى أن كل واحد من الجملة المتقدمة يصح ذكرها موصولا بالاستثناء ~~فإذا جمع بين الكل فى الذكر وأتبعها بالاستثناء كان ابتدار الاستثناء إلى ~~الكل ابتدارا واحدا يوجب أن ينصرف إلى جميعها انصرافا واحدا وهذا كاللفظ ~~العام إذا ورد وجب إجراؤه على عمومه وسحبه على كل ما يصلح له نظمه لأن بعض ~~المسميات ليس بأولى من البعض إذ الكل يبتدر إلى اللفظ ابتدارا واحدا وهو ~~الذى قلناه هو المعتمد. # ومعنى دليل آخر أن الاستثناء فى مسألتنا كالشرط والاستثناء بمشيئة الله ~~فى أنه لا يستقل بنفسه فلما وجب رجوع الشرط والاستثناء بمشيئة الله إلى ~~جميع ما تقدم فكذلك لفظ الاستثناء فى مسألتنا وهذا إلزام عظيم على الخصم ~~والعذر الذى قالوه فى نهاية الضعف لأنه يقال قولكم أن حق الشرط هو التقدم ~~هلا خصصتم الشرط بما يليه وقدرتموه تقدير المتقدم عليه على الخصوص حتى يكون ~~التقدير فى قوله اضرب بنى تميم وربيعة أن دخلوا الدار اضرب بنى تميم وأن ~~دخل الدار ربيعة فاضربهم. # والحرف أنه ينبغى أن يتقدم الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى على ~~الجملة الأخيرة فثبت ما ذكروه من حق التقدم ولا ينصرف إلى جميع الجملة ~~المتقدمة. # وأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم أن المطلق على إطلاقه والمقيد على ~~تقييده قلنا ومن يسلم أن الجملة الأولى مطلقة والثانية مقيدة وهذا لأنه ليس ~~واحدة منهما تخالف صاحبتها فى الإطلاق والتقييد بل الجمل كلها فى الصورة ~~مطلقة وفى المعنى مخصوصة بدليل ms170 قام عليه. # وقوله أن الاستثناء يحتمل أن ينصرف إلى الجميع ويحتمل أن ينصرف إلى ~~الواحد الذى يليه فلا يثبت تخصيص ما يستيقن من الألفاظ المطلقة العامة ~~بالشك قلنا لا عام. # PageV01P220 # هاهنا لأنا قد بينا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة فلأنه أن كان ~~فى انصرافه إلى الجملة الأولى شك فكذلك فى انصرافه إلى الجملة التى تليه شك ~~أيضا لأنه يحتمل أن ينصرف الاستثناء إلى ما تقدم ذكره ولا ينصرف إلى ما ~~يليه ألا ترى إلى ما روى فى بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" 1 وقوله إلا ~~صدقة الفطر ينصرف إلى الأول. # وقال عامة أهل التفسير فى قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: 83] أنه استثناء من قوله عز وجل: ~~{وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] فهذا موضع ~~الاستثناء بقوله إلا قليلا. # والجواب المعنوى أنه لاشك فى واحد من الردين سواء رد إلى ما يليه أو إلى ~~ما تقدم بل الموجود فى الكل احتمال الرد إليه وصلاحية الرجوع عليه وهذا ~~القدر كاف فى رد الاستثناء إلى المذكور. # فإن قيل كيف تستوى الجملة الأولى والجملة الثانية وفى الجملة الثانية لم ~~يقع فصل بينهما وبين الاستثناء وأما فى الجملة الأولى قد وقع الفصل بينهما ~~وبين الاستثناء بالجملة الثانية ووقوع الفصل مانع من رد الاستثناء إليها. # قلنا قد أجبنا عن هذا بقولنا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة ثم ~~نقول بجواز أن يقع فصل بين الكلامين بواو النسق ثم يرد الآخر منهما على ~~الأول دون ما يليه ويعطف عليه بإعرابه ما عداه كقوله تعالى: {وأرجلكم إلى ~~الكعبين} [المائدة: 6] فمن قرأ بفتح اللام تسبق الأرجل على الوجه وقد قطع ~~بينهما ذكر مسح الرأس وقال تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن ~~العظيم} [الحجر:87] فقد فتح النون ms171 ورده بعد واو النسق على أول الكلام ثم ~~ينتقض هذا الذى ذكروه بالشرط والاستثناء بمشيئة الله. # وأما قولهم أنه إنما يرد الاستثناء إلى ما سبق ليفيد. # قلنا ينتقض هذا بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه غير مقيد ولا ~~مستقل بنفسه. PageV01P221 # وإنما يفيد إذا علق بما تقدم وقد أفاد بتعليقه بما يليه دفع ذلك رجع إلى ~~جميع ما سبق. # وعلى أنا نقول أن هذا الذى قلتم يمنع أن يكون الرجوع إلى الجملة الأولى ~~بحق الإفادة ولا يمنع أن يرجع بدليل آخر يقوم عليه ونحن لا نرده إلى الجملة ~~الأولى للإفادة بل إنما رجع لدليل آخر قام عليه وأما تعلقهم بالاستثناء من ~~الاستثناء قلنا إنما يرجع إليهما لأن العشرة إثبات والاستثناء منها يكون ~~نفيا والاستثناء من النفى يكون إثباتا ولو رجع الاستثناء إليها لكان نفيا ~~وإثباتا وهذا متضاد. # فإن قيل قلتم رجع إلى الثانى دون الأول قلنا لما رجع إلى ما يليه وأمكن ~~ذلك وتعذر رجوعه إلى ما سبق للتضاد الواقع فصرناه على ما يليه لأجل القرب ~~اللفظى وأما هاهنا قد أمكن رجوعه إلى كل ما سبق بما بيناه ولا تضاد ولا ~~تنافى فرددناه إلى الجميع. # وأما المسألة التى أوردوا من قولهم لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير ~~إلا دينارا قلنا يحتمل أن يقال ينصرف إليهما جميعا ويحتمل أن ينصرف إلى ~~الدنانير على الخصوص لأن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه مجاز على ما ~~سبق فإن كان حقيقة معنى فهو مجاز لفظا لكان رده إلى ما يكون اللفظ فيه ~~حقيقة أولى. # وأما قولهم فى آية القذف فى أن التوبة لا تنصرف إلى الجلد قد أجبنا عنه ~~فى مسائل الخلاف وكذلك عن طريقة أبى زيد والكلام فى ذلك بالفقه أقرب منه ~~بأصول الفقه فتركنا ذكره والله أعلم. # PageV01P222 ### | فصل: تخصيص العموم بالشرط # ... # فصل: قد ذكرنا تخصيص العموم بالاستثناء. # وأما تخصيص العموم بالشرط1. # فهو موجب لتخصيص المشروط فيه إلا أن يقع موقع التأكيد أو غالب الحال ~~فينصرف بالدليل عن حكم الشرط وهذا مثل قوله تعالى: ms172 {وإذا ضربتم في الأرض ~~فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ~~[النساء: 101] وليس. PageV01P222 # الخوف بشرط مخصص للفعل بحاله وإنما هو للتأكيد كقوله تعالى: {وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] وليس كونهن فى ~~حجورهم بشرط مخصص وإنما ذكر لأنه أغلب الأحوال1. # وإذا أوجب الشرط تخصيص المشروط فيه لم يثبت حكم المشروط إلا بوجود الشرط ~~فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه ومثال هذه الطهارة التى جعلها الله تعالى شرطا فى ~~صحة الصلاة بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: ~~6] وكقوله تعالى: {فتحرير رقبة} {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ~~أن يتماسا فمن لم PageV01P223 # يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] فجعل عدم الرقبة شرطا فى جواز ~~الصيام وجعل العجز عن الصيام شرطا فى جواز الإطعام وعلى هذا قوله تعالى: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} [التوبة: 29] أوجب إطلاق العموم استغراق ما ~~انطلق عليه اسم المشرك فى قتله ومثاله فإذا قال اقتلوا المشركين أن كانوا ~~حربيين وقاتلوهم حتى يعطوا الجزية أن كانوا كتابيين صار هذا1 الشرط مخصصا ~~لعموم الأسماء. # واعلم أن من حق الشرط أن يكون مستقبلا لحكم مستقبل ولا يجوز أن يكون ~~ماضيا لحكم ماض ولا أن يكون مستقبلا لحكم ماض لأنه إذا قال لا أكرم زيدا ~~أمس إلا أن يقدم عمرو اليوم امتنع اجتماع الشرط والمشروط لأنه أن أكرم زيدا ~~بالأمس فهو قبل وجود الشرط وأن لم يكرمه حتى يقدم عمرو فإن المشروط من ~~إكرام زيد بالأمس فلما امتنع اجتماعهما بطل حكم الشرط فبطل حكم المشروط. # وأما أن كان الشرط ماضيا لحكم مستقبل كقوله أن كان زيد قدم فأكرم عمرا ~~فهذا على ضربين. # أحدهما أن يكون الشرط قد وجد قبل الأمر فيكون المأمور مخاطبا بالأمر ~~المشروط ويكون الشرط الماضى تضليلا وليس بشرط فلا يخص به العموم لأنه لم ~~يتقدمه أمر يختص بالشرط. # والضرب الثانى أن يكون الشرط لم يوجد فلا يجوز أن يتعلق الحكم بوجوده بعد ~~الأمر لأنه معقود على ماض وليس ms173 معقود على مستقبل. # وأما تخصيص العموم بالغاية. # فالغاية كالشرط فى تخصيص العموم بها مثل قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [لتوبة: 29] فجعل إعطاء الجزية غاية فى قتالهم قبلها والكف عنهم ~~بعدها فصارت الغاية شرطا مخصصا. # وقد يتعلق الحكم المشروط بغاية وشرط فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط ~~مثل قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم ~~الله} [البقرة: 222] فجعل انقطاع الدم غاية والغسل شرطا فصارا معتبرين فى ~~إباحة الإصابة. PageV01P224 # والتخصيص واقعا باجتماعهما ولا يقع بوجود أحدهما. # وأما التخصيص بالتقييد. # مثل قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} [المجادلة: 3] وكقوله تعالى: {فصيام ~~شهرين متتابعين} [المجادلة: 4] فلما قيد الرقبة بالإيمان والصيام بالتتابع ~~خص عموم الرقاب وعموم الصيام فلم يجز من الرقاب إلا المؤمنة ومن الصيام إلا ~~المتتابع وكان لولا التقييد الإجزاء بكل رقبة مؤمنة كانت أو كافرة وكل صيام ~~متتابعا كان أو متفرقا وصار التقييد الشرعى تخصيصا لكل عموم ورد به السمع. # ويجوز تقييد العموم بشرطين وأكثر1 وإذا زيدت شروط تقييده كان أضيق لتخصيص ~~عمومه ويجوز أن يجمع فى تقييد العموم بين شرط وصفة وغاية فإذا قال إذا قدم ~~زيد صحيحا إلى رمضان فأعط عمرا درهما كان قدوم زيد شرطا وصحته صفة وإلى ~~رمضان غاية ودفع الدرهم إلى عمرو حكما يلزم بمجموع الشرط والصفة والغاية. ~~PageV01P225 ### | فصل: ومما يدخل فى باب العموم القول فى ألفاظ الشارع فى حكايات الأحوال # فعند الشافعى رحمه الله أن ترك الاستفصال فى حكايات الأحوال مع الاحتمال ~~يجرى مجرى العموم فى المقال2. # ومثال ذلك ما روى أن غيلان بن سلمة الثقفى رضى الله عنه أسلم وتحته عشر ~~نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" 3 ولم ~~يسأله عن كيفية العقد عليهن هل. PageV01P225 # عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير ~~استفصال واستبراد حال دليلا دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود ms174 عليهن ~~معا أو يوجد العقود متفرقة عليهن فإن قال قائل يجوز أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علم كيفية الحال فلهذا لم يسأل وأطلق الجواب وأيضا فإن كان الرسول ~~عليه السلام لم يقف على الكيفية فى هذه الحادثة ولا يعرف استبهام الكيفية ~~فى كل حادثة تنقل على هذا الوجه. # والجواب المطلق إنما يمكن حمله على العموم إذا كان مبتنيا على استبهام ~~الحادثة. # والجواب أن دعوى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لكيفية العقود من غيلان ~~بن سلمة وهو رجل من ثفيف ورد عليه ليسلم والتعرف لأمثال هذه المواقعات يبعد ~~من الآحاد من الناس فكيف يلائم حال الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا غاية ~~البعد. # والذى ذكر ثانيا فنحن إنما ندعى العموم فى كل ما يظهر فيه استفهام الحال ~~ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلا على الأحوال ~~كلها وعلى أن وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة فى الأحوال كلها فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أمسك أربعا فأجملهن ولم يخصص فى الإمساك ~~أوائل عن أوآخر أو أوآخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم ولذلك قال ~~لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختان: " اختر أيهما شئت وفارق الأخرى" 1 فقد ~~علق على اختياره على الإطلاق من غير تعرض لأولى وأخرى. PageV01P226 ### | فصل: ورود صيغة متخصة في وضع اللسان بالنبي صلى الله عليه وسلم # ... # فصل # وإذا وردت صيغة مختصة فى وضع اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم فالذى ~~صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه فى ذلك سواء ولهذا تعلقوا فى ~~مسألة النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} ~~فالخطاب يختص به والأمة عندهم كالنبى صلى الله عليه وسلم فى موجبه وقد ~~أوقفهم بعض أصحابنا فى هذا2 وقال من ذهب إلى هذا إن. PageV01P226 # الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته فى الشرائع على التسوية ~~والتماثل كما أن الأصل أن الأمة بعضها مع البعض فى الشرع سواء فإن جرى ms175 ~~تخصيص فى بعض المواضع فإنما صدر ذلك عن دليل خاص دل عليه وقد روى أن بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال له فى بعض الأمور إنك لست مثلنا أنه قد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر فغضب وقال إنما أرجو أن أكون أخشاكم ~~لله تعالى ثم ذكر كلاما عن النكاح وغيره وقال فى آخره: "فمن رغب عن سنتى ~~فليس منى" 1 وقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: ~~21] فدل أنه صلى الله عليه وسلم قدوة الأمة فى كل شىء. # وقد وجدت أحكام خاصة لأفراد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ~~ما روى أن خزيمة ابن ثابت كان مختصا بشهادتين2 وكذلك قال للبراء بن عازب فى ~~الأضحية تجزيك ولا تجزيء عن أحد بعدك3 ورخص للزبير فى لبس الحرير عن حكة ~~به4 ولم ينقل أحد أنه يجوز لغيره ونحن نقول أن رجعنا إلى صورة اللفظ فلا ~~ارتياب أنه مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم ثم بعد هذا يقال ما ظهرت فيه ~~خصائص الرسول عليه السلام كالنكاح والمغانم فإذا ورد خطاب مختص به صلى الله ~~عليه وسلم فهو مخصوص به وعلى هذا ينبغى أن نص بأصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهم اعتقدوه وإنما صرنا إلى هذا لأن الصيغة خاصة واختصاص الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فى الباب معلوم فحمل الخطاب على أنه خاص له فأما ما لم يظهر ~~فيه خصائصه وورد خطاب من الله تعالى يختص به فينبغى أن يكون الأمر على ما ~~قاله. PageV01P227 # وهذا لأنه قدوة الأمة فإذا وضعنا الخطاب على التخصيص الذى يقتضيه ظاهرة ~~وقطعنا الأمة عنه مع جريان عادة أهل اللسان فى خطاب الواحد ويريدون به ~~الجماعة يؤدى إلى خرم قاعدة الاقتداء به وقد أمر الله صلى الله عليه وسلم ~~تعالى باتباعه فى مواضع كثيرة من القرآن وربما يؤدى قطع المشاركة فى ~~الأحكام إلى نفرة القلوب عنه وتباعدها منه فالأولى ما ذكرنا والله أعلم ~~بالصواب. # وأما إذا ms176 خصص الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته بخطاب فقد ذكر ~~بعضهم خلافا فى هذا وقال من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون ~~المخاطب ومنهم من قال لا يشاركون فمن قال بالأول صار أن الأصل أن جميع ~~الأمة فى الشرع سواء بلا تخصيص لواحد من بين الجماعة وقد جرت عادة أهل ~~اللسان أنهم يخاطبون الواحد ويريدون به الجماعة وهذا فى كلام كثير. # وأما من قال بالثانى فقد ذهب إلى صورة الصيغة وهى مختصة بالواحد من بين ~~الجماعة فلا يجعل للتعميم إلا بدليل والأول أولى لأنا وأن كنا إذا نظرنا ~~إلى مقتضى الصيغة كان موجبا للتخصيص ولكن إذا نظرنا إلى ما استمر الشرع ~~عليه فذلك يقتضى المشاركة والمساواة ألا ترى أن اللفظ الذى يخص به أهل عصر ~~يكون مسترسلا على الأعصار كلها ولا يخص به أهل العصر الأول كذلك هاهنا. # مسألة: ومما يتعلق بباب العموم والخصوص مسألة المطلق والمقيد. # اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا تقييد له يحمل على إطلاقه وأن ورد مقيدا ~~لا مطلق له حمل على تقييده وأن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا فى موضع ينظر فى ~~ذلك فإن اختلف السبب واختلف الحكم جميعا مثل ما ورد من تقييد الصيام ~~بالتتابع فى كفارة القتل وإطلاق الإطعام فى الظهار لم يحمل أحدهما على ~~الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان فى لفظ ولا فى ~~معنى1. # وإن كان ورودهما فى حكم واحد وبسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة مطلقة فى. ~~PageV01P228 # كفارة القتل ومقيدة فى كفارة الظهار كان الحكم للمقيد وبنى المطلق عليه ~~ويصير كأن الوارد حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم يستوف بيانه ~~فى الموضع الآخر1. # وأما إذا ورد المطلق والمقيد فى حكم واحد وبسببين مختلفين مثل ما وردت ~~الرقبة مطلقة فى كفارة الظهار ومقيدة بالأيمان فى كفارة القتل فعندنا يحمل ~~المطلق على المقيد. # واختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل فمن أصحابنا من قال يحمل المطلق على ~~المقيد بنفس الورود ومنهم من قال ms177 من جهة القياس2. # وأما إذا اتفق السبب فاختلفوا فيه فقال بعضهم يحمل المطلق على إطلاقه ~~والمقيد على تقييده مثل ما اختلف بالسبب ومنهم من قال يحمل المطلق على ~~المقيد فى هذه الصورة أما دليلهم قالوا: أن المطلق خطاب على حاله والمقيد ~~خطاب على حاله وربما يقولون نص على حدة ونص على حدة فهما نصان مختلفان فلا ~~يحمل أحدهما على الآخر بل يعمل كل واحد منهما على ما يقتضيه إذ كل واحد ~~منهما موجب للعمل بنفسه وبصيغته قالوا: وعلى هذا سواء كان المطلق أو المقيد ~~فى سببين مختلفين أو سبب واحد يدل عليه أنا نعقل من كلام صاحب الشرع ما ~~يعقل بعضنا من كلام البعض لأن الله تعالى خاطبنا بما يخاطب به العرب بعضهم ~~مع البعض ثم الواحد منا لو أطلق كلامه إطلاقا ثم قيده ثانيا تقييدا فإنا ~~نحمل المطلق على المقيد بل يجرى كل واحد منهما على سببه وقضيته ألا ترى من ~~قال لامرأته أن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال أن دخلت الدار راكبة فأنت طالق ~~فإنها تطلق إذا دخلت الدار راكبة وتطلق إذا دخلت الدار غير راكبة. # وكذلك إذا قال الرجل لغيره أعتق عبدا واحدا من عبيدى وقال لآخر أعتق عبدا ~~واحدا أبيض من عبيدى فإن الأول يملك أن يعتق أى عبد شاء والثانى لا يملك ~~إلا. PageV01P229 # إعتاق عبد أبيض ولا يحمل المطلق على المقيد فكذلك ما جاء من الشرع يكون ~~كذلك وهذا المعنى معقول وهو أن المطلق ضد المقيد فيكون فى حمل المطلق على ~~المقيد نسخ المطلق لا نسخ الحكم رفعه وأنتم قد رفعتم المطلق وحكمه بالمقيد ~~وحكمه. # وبيان رفعه أن قضية المطلق أجزأ كل ما يسمى رقبة وقد ارتفع هذا الإجزاء ~~والرفع نسخه ببينة أن التعبير بمقتضى الآية نسخ فالرفع لأن يكون نسخا أولى. # قالوا: ولهذا لا يشترط فى قضاء رمضان من التتابع لأنه ورد مطلقا بقوله ~~تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] ولم يحمل على صوم اليمين ولا على ~~صوم الظهار وكذلك عندكم لا يحمل ms178 الصوم فى كفارة اليمين على الصوم فى كفارة ~~القتل والظهار. # قالوا: وأما فى الشهادة فإنا لا نقول يحمل المطلق فيها على المقيد ~~بالعدالة لكن شرطنا العدالة فى الشهادة التى لم يرد فيها النص تقييدا ~~بالعدالة بدليل آخر وهو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] والأمر بالتثبت يمنع القبول وكذلك فى زكاة ~~الغنم إنما شرطنا السوم بدليل آخر وهو قوله عليه السلام لا زكاة فى ~~المعلوفة ولا فى المحمولة وكذلك إنما قيدنا الميراث المذكور فى آخر سورة ~~النساء بما قيد به الميراث المذكور فى أولها من تأخيره عن الدين والوصية ~~بالإجماع لا يحمل المطلق على المقيد قالوا: ولا يجوز أن يقال أن المطلق عام ~~وحمله على الرقبة المؤمنة تخصيص لأن دعوى العموم باطلة فى قوله: {فتحرير ~~رقبة} [النساء: 92] من وجوه منها أن قوله: {رقبة} اسم لرقبة واحدة لأنها ~~نكرة فى الإثبات فتخص ولا تعم والعام ما يشتمل على مسميات كثيرة فأما الذى ~~يشتمل على مسمى فرد ومحل وبلد فمحال أن يدعى فيه العموم ببينة أنه لا شك ~~أنه اسما مفردا. # ألا ترى أنه يجمع فيقال رقبة ورقبات كما يقال رجل ورجال وعبد وعبيد ودعوى ~~التخصيص فى اسم المفرد محالا ولأن إثبات التقييد فى الرقبة المطلقة زيادة ~~على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص ~~نقصان والنقصان زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه ~~تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان ضد الزيادة ونقيضها فكيف نجوز أن ~~يدعى فى الشىء معنى ضده ونقيضه والدليل على أنه زيادة أن صفة الإيمان لا ~~تشتمل عليها اسم الرقبة فإن الرقبة اسم للبنية بأجزائها والإيمان ليس من ~~إقرار بوجه ما وإنما هو. # PageV01P230 # معنى يعتقده ويكتسبه بقلبه وكذلك لو كفر وما كان من هذا الوجه لم يتصور ~~أن يشتمل عليه اسم الرقبة. # قالوا: ولا يجوز أن يدعى العموم فى أوصاف الرقبة لأن الأوصاف غير مذكورة ~~فلا يجوز دعوى العموم فيها ms179 وما هو المذكور يقع اسما على الرقبة الواحدة ~~وتخصيص المسمى الواحد محال. # قالوا: وليس كالمعيبة والسليمة لأن العيب نقصان جزء من أجزاء البنية فلا ~~تكون رقبة مطلقة وأما الكافر فرقبة مطلقة مثل المؤمنة لأن الكفر والإيمان ~~ليس من أجزاء البنية فعلى هذا لا يكون شرط السلامة زيادة على النص بل يكون ~~اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النص. # وأما صفة الإيمان لما كان سببا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة فيكون زيادة ~~محضة وإذا بدا أنه زيادة لم يجز إثباتها بالقياس لأن بالقياس لا يجوز ~~الزيادة على النص لأنها نسخ على ما سنبين فى باب النسخ ونسخ القرآن بالقياس ~~لا يجوز ولأن القياس إنما يجوز استعماله فى غير موضع النص وهذا استعمال ~~القياس فى موضع النص لأن كفارة القتل منصوص عليها وكفارة الظهار منصوص ~~عليها وقياس المنصوص عليه على المنصوص عليه باطل كما لا يجوز قياس السرقة ~~على قطع الطريق لإثبات قطع الرجل مع اليد وكذلك قياس التيمم على الوضوء ~~باطل فى إدخال الرأس والرجل فى التيمم وكذلك قياس كفارة القتل على كفارة ~~الظهار باطلة فى إثبات الإطعام والإطعام كفارة مثل الرقبة والصيام. # ببينة أن التقييد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص فلم يجز ~~كما لا يجوز فى هذه الصورة التى بيناها قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم ~~يقيد بنفس ورود المقيد ويحمل عليه بلا قياس ولا دليل يدل عليه فكلام باطل ~~وزعم محال لأن ظاهر المطلق يقتضى أن يجرى على إطلاقه فلو خص بالمقيد مجرد ~~كون هذا مطلقا وكون الآخر مقيدا كان هذا مجرد ميل باطل وينتهى بمحال لأنه ~~لا يكون أن يقيد بأولى من أن لا يقيد به. # ببينة أنه يجوز أن يكون حكم الله تعالى فى أحدهما الإطلاق وفى الآخر ~~التقييد وأيضا كما لا يجوز أن تكون المصلحة الشرعية فيهما التقييد يجوز أن ~~يكون المصلحة الشرعية فيهما الإطلاق ويجوز أن يكون المصلحة فى أحدهما ~~الإطلاق بينما الآخر. # PageV01P231 # التقييد يدل عليه أنه لو جاز أن يقيد أحدهما بمجرد ms180 أن الآخر مطلق من غير ~~أن يكون بينهما وصلة لا لفظية ولا معنوية ولكن بمجرد أن هذا المقيد وجب أن ~~يقيد الآخر ومثله من هذا أيضا أن يكون لأحدهما بدل لأن للآخر بدلا أو يثبت ~~التخصيص فى أحد العموم لأن الآخر مخصوص. # قالوا: وقول بعضكم أن القرآن كله كالكلمة الواحدة يقيد بعضه مما يقيد به ~~البعض الآخر مثل قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} [الأحزاب: ~~35] لا يصح لأن قولهم أن القرآن كالكلمة الواحدة أن أرادوا بذلك أن كله حق ~~ولا غرر فى شىء منه ولا اختلاف هذا صحيح. # وإن أرادوا أن كله كالشىء الواحد حتى يقيد البعض منه بما يقيد به البعض ~~فهذا كلام لم يقل به أحد وكيف يكون كالكلام الواحد وقد أنزله الله تعالى ~~على سبعة أحرف وقيل معناه سبع جهات أمر ونهى ووعد ووعيد ومتشابه وقصص ومثل ~~ولأن اسم القتل لا ينطلق على الظهار فلا يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب ~~قياسه عليه كالبر لما كان اسمه لا ينطلق على الأرز لم يستعمل فيه حكمه إلا ~~بمعنى يوجب قياسه عليه وهو أما الكيل أو الطعم على حسب ما اختلفوا فيه. # فأما حجتنا نقول فى المطلق والمقيد إذا وردا فى حادثة واحدة أن التقييد ~~زيادة فى أحد الخطابين ورد من الشارع فوجب الأخذ بها دليله الزيادة فى ~~الاحتياط فإنه يجب الأخذ بها كذلك هاهنا وإذا وجب الأخذ بهذه الزيادة لم ~~يكن بد من حمل المطلق عليه لأنا إذا لم نحمل المطلق عليه كان تركا لوصف ~~التقييد. # فإن قالوا: وإذا حملنا المطلق على المقيد كان تركا لوصف الإطلاق قلنا لا ~~يكون تركا بل يكون قولا بتخصيص عموم وأما إذا لم يحمل المطلق عليه كان تركا ~~لصفة التقييد أصلا فإن قوله عليه السلام: "فى سائمة الغنم زكاة" 1 إذا لم ~~يحمل عليه الخطاب الذى ورد فى إيجاب زكاة الغنم تعطلت صفة السوم والغنم ولم ~~يبق لها فائدة ولا بد فى هذا الدليل من الرجوع إلى أن القول بدليل الخطاب ~~واجب ms181 وأنه حجة شرعية وسيأتى هذا من بعد. # ونقول أيضا إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد وإذا ~~اعتبرنا. PageV01P232 # المقيد واعتبرنا التقييد فى إثبات الحكم اعترضنا على المطلق ولا بد من ~~واحد منهما والثانى أولى لأن الأمر المقيد صريح فى وصف التقييد أعنى السوم ~~أو وصف الإيمان فيما إذا قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة ثم قال إذا جنيتم ~~فأعتقوا رقبة مؤمنة واللفظ مختص بهذا الوصف. # وأما المطلق فظاهر فى المعلوفة وليس بصريح فيها وكذلك فى المثال الثانى ~~ليس بصريح فى الكافرة فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر وبالنص على العام ~~أولى لأن الخاص مقدم على العام والصريح مرجح على الظاهر هذا هو الكلام فى ~~المطلق والمقيد إذا ورد فى حادثة واحدة والذى ذكروا من المثالين فى مسألة ~~الطلاق والعتاق فلا يعرف ذلك على مذهبنا وإنما هو على مذهبهم. # وأما الدليل فى الفصل الثانى وهو إذا ورد المطلق والخطاب المقيد فى شيئين ~~مختلفين مع إيجاد الحكم وهو المسألة المعروفة ومثال ذلك فى كفارة القتل ~~وكفارة الظهار فوجه الكلام فى هذه المسألة أن يدل على أن قوله: {فتحرير ~~رقبة} [المجادلة 3] لفظ عام يشتمل على جميع الرقاب والتقييد بالإيمان تخصيص ~~وإذا ثبت هذا صح بالقياس لأنا بينا أن تخصيص العموم بالقياس جائز والدليل ~~على أنه لفظ عام أن قوله: {فتحرير رقبة} [المجادلة 3] صالح لكل رقبة لأن ~~الرقبة اسم لكل شخص له رقبة إلا أنه اختص بالعبيد من حيث العرف فهو إذا ~~صالح للمؤمنة والكافرة والمعيبة والسليمة والعاقلة والمجنونة وإذا صلح لكل ~~الرقاب كان عاما فى كل الرقاب إلا أنه لفظ فى كل الرقاب من حيث البدل على ~~معنى أنه لا يتعدد الرقبة الداخلة فى الأمر بالتحرير غير أنه ما من رقبة ~~توجد وتسمى رقبة إلا ويتناولها اللفظ ويشتمل عليها الأمر حتى لو قصدها ~~فيحررها تخرج عن عهدة الأمر فصار معنى قولنا من حيث البدل أنه متناول لكل ~~الرقاب لا من حيث يدخل جميع الرقاب فى الأمر بالتحرير ولكن من حيث استرسال ~~الأمر على ms182 الرقاب بوصف التناول وقيام البعض مكان البعض فيكون عاما من حيث ~~المعنى أن لم يكن عاما من حيث صورة اللفظ ويمكن أن يقال أنه عام فى الأوصاف ~~لأنه على أى وصف كانت الرقبة فهى رقبة. # وقولهم أن الوصف غير مذكور فلا يمكن دعوى العموم فيه قلنا الأوصاف لا ~~تنفك الرقاب عنها بل هى من صورة الرقاب فصارت كالمذكورة فصح دعوى العموم ~~فيها. # PageV01P233 # ثم الدليل الواضح على أنه لفظ عام أنه يحسن منه الاستثناء بإلا وهو أن ~~يقول: أعتق رقبة إلا أن تكون كافرة أو ذمية أو معيبة أو يقول: أعط هذا ~~الدرهم فقيرا إلا أن يكون كافرا والاستثناء بعض ما يتناوله اللفظ ولولا أنه ~~عام لم يتصور فيه الاستثناء لأن الاستثناء تخصيص إلا أنه دليل يتصل باللفظ ~~والذى يتكلم فيه تخصيص بدليل منفصل عن اللفظ وإذا استويا فى معنى التخصيص ~~فإذا قيل هذا اللفظ أحدهما قبل الآخر وقد ظهر هذا الذى قلناه الجواب عن ~~قولهم أنه اسم فرد فهو وأن كان اسم فرد ولكنه عام فى الأوصاف أو نقول هو ~~وأن كان اسم فرد فى الصورة لكنه اسم عام فى المعنى على ما ذكرنا من قبل ~~بالتخصيص إنما يصح لعمومه من حيث المعنى كما صح الاستثناء بهذا الوجه ونزيد ~~ما قلناه إيضاحا فنقول التخصيص على وجهين تخصيص بإخراج بعض المسميات من ~~اللفظ مثل قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] فإن تخصيصه بإخراج ~~بعض ما تناوله اللفظ من المسميات. # والوجه الثانى من التخصيص هو إفراد بعض ما يصلح له اللفظ عن البعض وأن ~~شئت قلنا تعيين بعض ما يتناوله الاسم المبهم ونظيره قول الرجل رأيت زيدا ~~فهذا اسم مبهم يصلح اللفظ لكل من يسمى زيدا فإذا قلت: رأيت زيدا العالم فقد ~~أفردت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض وعنيت بعض من يتناوله الاسم المبهم. # وإذا ثبت أن ما قلناه من حمل المطلق على المقيد بالقياس ومنع إجزاء ~~الرقبة الكافرة تخصيص لفظ عام شامل لمسميات كثيرة بالوجه الذى قدمنا سقط ~~قول أن ms183 تقييد الرقبة بالإيمان زيادة فى النص بل هو نقصان لأن التخصيص يكون ~~نقصانا ولا يكون زيادة. # وقولهم أن اسم الرقبة للبنية بأجزائها قلنا نعم ولكن الإيمان والكفر وصف ~~لهذه البنية فقال رقبة مؤمنة ورقبة كافرة كما يقال معيبة وسليمة وكما لا ~~يتصور إلا أن تكون معيبة أو سليمة لا يتصور إلا أن تكون كافرة أو مؤمنة وقد ~~قال الطبرى فى أصوله لا يجوز أن لا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما ~~وهذا هوس لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرا ولا أن تكون لا مؤمنة ولا ~~كافرة كما لا يتصور أن تكون لا معيبة ولا سليمة وعلى أنه يدعى أن الإيمان ~~والكفر من أجزاء البنية لكن ادعينا أنهما وصفا البنية وادعينا العموم من ~~حيث الأوصاف ولهذا جاز الاستثناء. # PageV01P234 # وإذا جاز أن لا يكون من أجزاء البنية وصح استثناء الرقبة بهذا الوصف جاز ~~أيضا أن لا يكون من أجزاء البنية ويصح تخصيص الرقبة بهذا الوصف. # واعلم أن فصل الاستثناء يهدم كل كلام لهم فى هذه المسألة ولا يتصور لهم ~~رد وكلام عليه والجواب إنما لا يدعى أن الكفر من أجزاء الرقبة أو الإيمان ~~لكن يدعى أن الكافر رقبة وتناول اللفظ إياه من هذا الوجه لا من وجه الذى ~~قلتم وقد بينا دعوى العموم فى هذه المسألة ولم نحتج إلى أن نبين أن الزيادة ~~فى النص لا تكون نسخا وتركنا الكلام فيه إلى أن نبلغ إلى مسائل النسخ وأما ~~المسائل التى أوردوها فإنا لم نجز استعمال القياس فى هذه المسائل لأن ~~الإجماع منع منه. # وأما مسألة التتابع فى قضاء رمضان أو فى صوم كفارة اليمين فإنما لم نحمل ~~المطلق على المقيد فى ذلك لأن المحل قد تجاذبه أصلان أعنى صوم المتعة حيث ~~نص فيه على التفريق وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه ~~بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر على حاله. # والكلام فى مطلق له أصل واحد فى المقيد وحين بلغ هذا الكلام فى هذا ~~الموضع فقد انتهت المسألة والذى ms184 قالوا: أن قياس كفارة الظهار على كفارة ~~القتل قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه قد أجبنا عن هذا فى الخلافيات ~~فلا معنى للإعادة ثم الكلام فى العموم والخصوص ونتبع القول فى هذا القول فى ~~مفهوم الخطاب ودليله لأنه لائق بفصل المطلق والمقيد وقد انبنى الكلام عليه ~~فى بعض فصوله والله الموفق للصواب. # PageV01P235 ### | ### | القول فى دليل الخطاب # # القول فى دليل الخطاب # ... # القول فى دليل الخطاب. # وبيان اختلاف العلماء فى ذلك ووجه كونه حجة وذكر ما يتصل به وما قيل فى ~~بيان مذهب العلماء فى دليل الخطاب وما ذهب كل فريق منهم فى ذلك. # اعلم أن أصحابنا أوردوا أنه على ثلاثة أنحاء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ~~ومفهوم الخطاب وبعضهم ضم إليها قسما رابعا وهو دليل الخطاب وفرقوا بين دليل ~~الخطاب ومفهوم الخطاب. # فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة1 وطريق الأولى مثل قوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الاسراء: 23] وقوله تعالى ومن أهل ~~الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك آل عمران 75 الآية ومثل قوله تعالى: ~~{ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 124] وعلى هذا ما روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ردوا الخيط والمخيط وكذلك قوله تعالى مما أفاء الله عليك ~~الأحزاب 5 مثل هذه وضرب بيده إلى وبرة بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم ~~ويقول القائل فى مستعمل الكلام فلان لا يعطى خردلة ولا يترك من حقه حبة ~~ويقول: لا تقر عين أخيك وأمثال هذا. # وقد سمى الشافعى رحمه الله هذا قياسا جليا وذكر على مثاله قوله تعالى: ~~{ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة} [النساء: 92] قال هذا تنبيه على وجوب ~~الكفارة فى قتل العمد واعترضوا عليه قالوا: ليس هذا بقياس لأنا نعلم هذا ~~باضطراد لا بحكم النظر والاستدلال وهو كما نجد أنفسنا غير مفتقرة إلى النظر ~~والاستدلال فى العلم بالمدركات وما نجده فى أنفسنا من الآلام واللذات وأيضا ~~فإنه يشترك فى هذا العلم العامة والسوقة والنساء وأهل العلم والعلية من ~~الناس وإذا علمه ms185 من ليس من أهل النظر والاستدلال دل أنه ليس علمه بطريق ~~النظر والاستدلال ولأنه لو كان معلوما بنظر وقياس جلى أو خفى لجاز أن يغلط ~~فيه غالط أو يشك فيه شاك أو يجوز أن. PageV01P236 # يترك الناس هذا القياس وهذا النظر ولا يقفون على قضيته وموجبه أو يعدل عن ~~هذا النظر عادل أو يستعمل غير جهته مستعمل. # وحين لم يتصور شىء من هذه الوجه دل أنه معرفة ضرورية بمعرفة قياسية ويجوز ~~أن يصحح قول الشافعى فيقال إنما قال الشافعى ذلك لأن الضرب والشتم غير ~~مذكور فى خطاب قوله: {فلا تقل لهما أف} [الاسراء: 23] وإنما استدرك علمه ~~وأن لم يذكر فى الخطاب من ناحية المذكور ويلقيه من قبله فأثبته علمنا ~~بالفرع من ناحية أصله. # وأيضا فإنه لا بد من نوع نظر فإن ما لم يعرف قصد المتكلم وأنه أخرج ~~الكلام لمنع الأذى لا يجعل له هذا العلم. # ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لغيره لا تشتم فلانا ولا تواجهه بقبيح ~~ولكن اقتله ويقول: لا تضربه ولكن اقتله. # وأمثال هذا يوجد كثيرا وإنما حبس ذلك لأن مقصوده لم يكن دفع الأذى عنه ~~ولكن كان مقصوده إيقاع فعل دون فعل ويجوز أن يقصد العاقل فعلا ما فى عينه ~~ولا يقصد فعل ما دونه. # فأما إذا كان قصد المخاطب دفع الأذى بالمنع من التأفيف المنع من الشتم ~~والضرب من طريق الأولى كما سبق فهذا تصحيح ما صار إليه الشافعى وسيأتى ~~بأجلى من هذا فى باب القياس. # وأما لحن الخطاب1 فقد قيل ما أضمر فى أثناء اللفظ وقيل لحن الخطاب ما يدل ~~على مثله والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه. # وأما مفهوم الخطاب فما عرف من اللفظ بنوع نظر وقيل ما دل عليه اللفظ ~~بالنظر فى معناه ومن فرق من أصحابنا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب فلا ~~يتجه له فرق صحيح. # والجملة أن فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب أدلة يستخرج بها ما ~~اقتضته ألفاظ الشارع من الأحكام. # واعلم أن حقيقة دليل الخطاب ms186 أن يكون المنصوص عليه صفتان فيعلق الحكم ~~بإحدى الصفتين وأن شئت قلت: فيقيد الحكم بإحدى الصفتين فيكون نصه مثبتا ~~للحكم مع وجود الصفة فدليله نافيا للحكم مع عدم الصفة كقوله عليه السلام: ~~"فى الغنم PageV01P237 # السائمة الزكاة أو فى سائمة الغنم الزكاة" 1 فنصه وجوب الزكاة فى السائمة ~~ودليله نفى وجوب الزكاة فى المعلوفة وكقوله عليه السلام: "إذا بلغ الماء ~~قلتين لم يحمل خبثا" 2 فنصه طهارته إذا بلغ الماء قلتين ودليله نجاسته إذا ~~نقص عن القلتين وكقوله: "فى أربعين شاة شاة" 3 فنصه وجوبها فى الأربعين ~~ودليله سقوطها فيما دون الأربعين وكقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [الحجرات: 6] فنصه مقتضى التثبت فى قول الفاسق ~~ودليله قبول قول العدل وترك التثبت فيه. # وإذا عرف دليل الخطاب فنقول اختلف أهل العلم فى كونه دليلا وصحة ~~الاستدلال به فقال مالك والشافعى وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام ~~ويحتج به وهو قول داود وأصحاب الظاهر وقال به أيضا طائفة من المتكلمين. # وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن دليل الخطاب ليس بحجة ووافقهم على ~~ذلك من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والقاضى أبو حامد المروزى وأبو ~~بكر القفال الشاشى وهو قول جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشعرية4 واختلف ~~هؤلاء المبطلون بدليل الخطاب فى تعليق الحكم بالصفة إذا علق الحكم بغاية أو ~~شرط فأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ذهبوا إلى أن التقييد ~~بالغاية والشرط مثل التقييد بالصفة وليس يدل على الخطاب على ما سوى المنطوق ~~به أصلا. # وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط والغاية ~~وأن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة5 وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط6 ~~وأثبته. PageV01P238 # فى المقيد بالغاية. # وأما المثبتون لدليل الخطاب فقد أثبتوه فى المقيد بالشرط والصفة والغاية ~~واختلفوا فى المقيد فى الاسم والعين فأثبته أيضا أبو بكر الدقاق وشرذمة ~~قليلة من الفقهاء والصحيح أنه غير ثابت1. # وأما حجة النافين لدليل الخطاب قالوا: فلو دل الخطاب المقيد بالصفة على ms187 ~~نفى ما عداه لدل عليه أما بصريحه ولفظه وأما بفائدته ومعناه وليس يدل عليه ~~من كلا الوجهين فإذا ليس يدل عليه أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكر لما عدا ~~الصفة إلا ترى أن قول القائل أدوا عن الغنم السائمة الزكاة ليس فيه ذكر ~~للمعلوفة أصلا وأما المعنى فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت ~~الزكاة فى غير السائمة كهى فى السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق ~~الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف ~~لما لا فائدة فيه قالوا: وهذا لا يصح لأن فى تكلف ذكر السوم فوائد أخرى سوى ~~نفى الزكاة عن المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة فى ذكر ~~السوم سوى انتفاء الزكاة عن المعلوفة وذكروا فوائد فى التقييد بالصفة منها ~~أنه قد يكون اللفظ لو أطلق فى بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عنه ~~فتذكر الصفة لإزالة هذا الإيهام وهذا مثل قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم ~~خشية إملاق} [الاسراء: 31] لو أطلق لكان يجوز أن يتوهم به متوهم أنه لم يرد ~~عند خشية الإملاق قول الله تعالى: {خشية إملاق} ليرفع هذا الإيهام وهذا غرض ~~صحيح ومنها أن تكون البلوى تعم بالصفة المذكورة وما عداها لم يثبته على. ~~PageV01P239 # الناس فقيد الله تعالى الخطاب بالصفة لإحداث البلوى بها وهذا أيضا مثل ~~قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الاسراء: 31] ومنها أن يكون ~~غرض الشارع أن يعلم حكم المنصوص عليه بالنص ويعرف حكم ما عداه بالقياس أو ~~بدليل وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع أن تعرف حكم الأجناس الستة فى الربا ~~بالنص ويعرف حكم ما عداها بالقياس عليها. # وفى تعريض المجتهد للاجتهاد تعريضه للثواب وهو نفع عظيم وغرض صحيح ومنها ~~أن تكون المصلحة المعلومة للشارع أن يبين حكم الزكاة عند وجود صفة السوم ~~وينفى حكم المعلوفة على ما يدل عليه العقل. # فأما إذا لم يجد دليلا يدل على وجوب الزكاة فى المعلوفة نفينا الزكاة ~~عنها لأن ms188 العقل يدل على ذلك من حيث أنه مال الغير لا يستحق عليه إلا بدليل ~~شرعى يدل على استحقاقه. # فإن قلتم فقد نفينا الزكاة عن المعلوفة وصرتم إلى ما قلنا نقول بلى ولكن ~~بتعليق الزكاة بالسائمة لكن ينعدم قيام الدليل على وجوب الزكاة فى المعلوفة ~~فإنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعى وهذا الذى قلناه دليل معتمد لهم ~~وذكروا دليلا آخر وقالوا: لو كان الحكم المقيد بالصفة فى محل يدل التقييد ~~على نفيه فيما عداها لكان أمر الخبر كذلك ومعلوم أن الإنسان لو قال زيد ~~الطويل فى الدار لا يدل على أن القصير ليس فى الدار ولا على أنه فيها بل هو ~~موقوف على قيام دليل عليه فالأمر يكون كذلك. # دليل آخر لهم هو أن الأسماء مثبتة لتمييز الأجناس والأشخاص فتمييز ~~الأجناس أن يقال خيل أو إبل وتمييز الأشخاص أن يقال فرس أو بعير والصفات ~~موضوعة لتمييز النعوت والأحوال فتمييز النعوت بالأوصاف أن يقال طويل أو ~~قصير وتمييز الأحوال أن يقال قائم أو قاعد فصارت الأسماء والصفات فى وصفها ~~للتمييز شأن فإن كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه فإنه ~~إذا قيل فى الإبل الزكاة لا يدل على نفيها عن البعير فوجب أن يكون التقييد ~~بالصفات بمثابته فلا يدل تقييد الخطاب بها على نفى الحكم المذكور فى الخطاب ~~عما عداه وهذا أشهر دلائلهم وأعرفها. # دليل آخر لهم قالوا: قد فرق أهل اللغة بين العطف وبين النقض وقالوا: قول. # PageV01P240 # القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض ولو كان قوله اضرب ~~الرجال الطوال يدل على نفى ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا. # دليل آخر قالوا: موضوع الخطاب أن تفهم منه المراد بوصفه فيفهم من الإيجاب ~~إيجابا ومن النفى نفيا ولا يصح لهم الإيجاب من النفى ولا النفى من الإيجاب ~~كما لا يصح أن يفهم من القول الصحيح إلا ما يوافقه وقد قلتم فى دليل الخطاب ~~أن يفهم النفى من الإيجاب والإيجاب من النفى فيكون جمعا بين ms189 المتضادين وهذا ~~لا يجوز وليس كالأسماء المشتركة لأنه لا يجمع بين المتضادين هناك فى المراد ~~فإنه إذا قام الدليل على أن المراد به أحدهما انتفى الآخر وفى مسألتنا ~~القول بدليل الخطاب يقتضى الجمع بين الضدين من النفى والإثبات وهذا محال. # دليل آخر قالوا: الخطاب المقيد بالصفة يحسن الاستفهام فيه لما عدا الصفة ~~فيقال للمخاطب ما حكم المعلوفة فى قوله: "فى سائمة الغنم زكاة" 1 ويقال ~~للمخاطب فى قوله البنت أحق بنفسها من وليها ما حكم البكر ولو كان دليل ~~الخطاب ثابتا من حيث لسان العرب لكان يقبح الاستفهام لأن الاستفهام طلب ~~الفهم وما فهم يقبح طلب فهمه واعتمد القاضى أبو بكر الباقلانى فى نفى دليل ~~الخطاب على فصل وقال لو كان الأمر على ما يقوله القائلون بدليل الخطاب لوجب ~~أن لا يعلم إلا سماعا وتوقيفا عن أهل اللغة لأن مثل هذا لا يدرك بموضوعات ~~العقول وإنما يوجد بالمواضعة والمواطأة من أهل اللسان ولو كان من أهل اللغة ~~توقيف فى هذا الباب لوجب أن نعلمه مع كثرة خوضنا فى هذه المسألة وتوفير ~~دواعينا على طلب الحق منها. # قالوا: وأن كان ما يحكيه المخالفون عن أهل اللغة فى هذا الباب لوجب أن ~~ينقل إلينا نقلا مستفيضا حتى يقع لنا العلم بذلك وحين لم يقع لنا العلم فى ~~ذلك بوجه ما عرفنا أنه لا نقل فى ذلك عن أهل اللغة أصلا وإذا لم يثبت النقل ~~ولم يعرف شرع ورد بإثبات دليل الخطاب دل أن الدليل من هذه الجملة ساقطا ~~أصلا وأما أبو زيد قال فى هذه المسألة لا يخلو أما أن يكون الوصف المذكور ~~معنويا أو غير معنوى فإن كان غير معنوى فيعلق الحكم به كتعليقه بالاسم ~~واللقب وأن كان معنويا وهو أن يكون مؤثرا فى إيجاب الحكم فنهاية ما فى ~~الباب أن ينزل منزله العلة والاختلاف بين العلماء أن العلة توجب الحكم عند ~~وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم. PageV01P241 # على ما كان قبل معرفة العلة قال وكذلك فى ms190 الحكم المعلق بالشرط فالشرط ~~يقتضى وجود الحكم عند وجوده ولا يقتضى نفيا عند عدمه بل الحكم عند عدم ~~الشرط يكون موقوفا على قيام الدلالة كما تقول فى العلة. # قال وأما الزكاة إنما لم تجب فى المعلوفة بدليل آخر وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا زكاة فى الإبل العوامل" 1 وبعضهم روى: "لا زكاة فى الحمولة ~~والعلوفة" 2 واستدل من قال لغيره أعتق عبيدى ثم قال أعتق عبدى الأبيض لا ~~يكون نهيا عن عتق غيره وأما أبو الحسن الكرخى من أصحابهم فرق بين المقيد ~~بشرط وبين المقيد بصفة قال لأن التعليق بالشرط يقتضى إيقاف الحكم على وجود ~~الشرط وإذا وقف عليه انعدم بعدمه وليس فى تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم ~~عليها حتى ينعدم عند عدمها فيبقى ما وراء المذكور موقوفا بل بحسب ما يقوم ~~عليه الدليل والأصح عندهم أن لا فرق بين الشرط والصفة. # وأما دليلنا اعلم أن الأصحاب اختلفوا فى أن دليل الخطاب دليل من حيث ~~اللفظ أو من حيث الشرع والصحيح أنه دليل من حيث اللغة ووضع لسان العرب ~~فيقول الدليل على ذلك أن ابن عباس ناظر الصحابة وهم قطب العرب والفصحاء ~~منهم فى إسقاط ميراث الأخوات مع البنات بقوله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ~~ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء: 176] فكان دليله أن لا شىء لها مع ~~الولد وسائر الصحابة لم يدفعوا عن هذا الاستدلال بل عدلوا فى إثبات توريث ~~الأخوات مع البنات إلى حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ورث الأخوات مع البنات3 والخبر المشهور فى الباب وفى هذا إجماع منهم ~~على القول بدليل الخطاب وبمثل هذا استدل ابن عباس على الصحابة فى قوله ~~تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} [النساء: 11] وزعم أن الأخوين لا ~~يردان الأم من الثلث إلى السدس وقال له عثمان أصحابك جعلوا الأخوين بمنزلة ~~الإخوة ولم يذكر أن هذا الذى يقوله لا يدل عليه لسان العرب. PageV01P242 # ويدل عليه أيضا أن أبا عبيد ms191 القاسم بن سلام وهو من أوثق من نقل كلام ~~العرب حكى عن العرب استعمالهم دليل الخطاب واستشهد عليه بقوله صلى الله ~~عليه وسلم وهو من أفصح من ذب ودرج: "لى الواجد يحل عرضه وعقوبته" 1 قال ~~فهذا دليل على أن لى المعدم لا يحل عرضه وعقوبته وكذلك قال فى قوله عليه ~~السلام: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يزيد خير من أن يمتلىء شعرا" 2 ~~وذكر أنه إذا لم يمتلىء فهو مباح فإن قال قائل يحتمل أن أبا عبيد قال ما ~~قاله عن نظر واستدلال من قبل نفسه مثل ما يقولون لا أنه قال ذلك عن أهل ~~اللغة هو رحمه الله إنما فسر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى كتابه على ~~ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض فى خاطره ويظن فظنه فسقط ما قالوه ~~ولأن العرب فرقت بين المطلق والمقيد بالصفة كما فرقت بين الخاص والعام وبين ~~المطلق والمقيد بالاستثناء ألا ترى أنهم لا يقولون اعط زيدا الطويل واعط ~~عمرا القصير وهم يريدون التسوية بين الطويل والقصير وبين الغنى والفقير ~~وكذلك يقول القائل من دخل الدار فأعطه درهما ويقول: أن دخله عربى فأعطه ~~درهما فإنه يريد بالأول كل من يدخل ولا يريد بالكلام الثانى غير العربى فدل ~~أن الخطاب دليل مستخرج من اللفظ من حيث اللغة ولسان العرب. # فإن قيل هذا دعوى على العرب لا يعرف ولا يمكنهم أن يوجدوا فى ذلك رواية ~~عنهم ولا حكاية عن فصيح منهم وأن كان على ما يزعمون فنصوا على ما زعمتم وأن ~~لم يمكنهم ذلك فاعلموا أنكم حصلتم على دعوى مجردة لا دليل عليها والجواب أن ~~ما ذكرنا أمر متعارف من كلام العرب وشىء معقول من لسانهم ومعلوم من مذاهبهم ~~وليس من عادة العرب أن تخبرك بذلك عن نفسها وتقول إنا أدرنا بكذا كذا وبكذا ~~كذا وإنما تتكلم بطباعها وبما أودع الله عز وجل فى لسانها من البيان الذى ~~يحصل به علم المعانى عند السامعين فمن كمل معرفته من ms192 الناس بلسانها واستدرك ~~مرادهم بكلامهم بما ذكرنا من لغتهم وعرفه من لسانهم وهذا مثل وجوه. ~~PageV01P243 # الإعراب من الرفع والنصب والخفض فإنهم لم يقولوا أن لساننا فى الإعراب ~~كذا وكذا ولكن تكلمت بطباعها على وجوه من الإعراب فمن عرف لسانهم عرف وجوه ~~الإعراب من كلامهم وكما عرف من كلامهم ذكر الأدب والتنبيه به على الأعلى ~~مثل قول القائل فلان يحاسب على النقير والقطمير وفلان لا تقع الخردلة من ~~كفه وما أشبه ذلك فكذلك عرف من كلامهم أنهم يذكرون أعلى صفات الشىء وأتمها ~~فى بابه وجنسه ويريدون بذلك أن يكون ما عداه يخالفه فى حكمه كقولهم الشبع ~~فى الخبز والقوة فى اللحم والرق فى البر واللذة فى الماء البارد فنعلم أن ~~ما عدا هذه الأشياء مخالف لها قاصر عنها فى معانيها ونظير هذه الألفاظ قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "الولاء لمن أعتق" 1 لأن الإعتاق أجل ما يصطنعه الناس ~~ويسديه السادة من النعم إلى عبيدهم فلم يجز أن يشاركهم فى استحقاق الولاء ~~غيرهم وعلى هذا قوله: "فى سائمة الغنم الزكاة" 2 لما كانت السائمة أعلى ~~جنسها فى توفر المنفعة وخفة المؤنة لم يجز أن يشاركها المعلوفة التى ~~استغرقت مؤنتها عامة منفعتها ولا العوامل التى عدم ماؤها وانقطع درها ~~ونسلها فقد وجد من النبي صلى الله عليه وسلم التكلم بهذا وأشباهه ليدل على ~~المخالفة وذلك على دقاق لسان العرب وما توجبه اللغة ونحن نجد لدلالة اللحن ~~من الغلبة على القلب والتمكن من الفهم ما نجده لنص الكلام قال الله تعالى: ~~{ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30] فدليل الخطاب من لحن القول وبيان ~~اللسان وقد دل اللفظ من جهتين بنصه ومفهومه ففى نصه إلمامنا لشىء وفى ~~مفهومه ما عداه وهذا من لطف لسان العرب وقد قال بعض الشعراء: # والحادثات وأن أصابك نوبها ... فهو الذى إياك كيف نعيم # فاستعمل الدليل من الشىء على نفسه وضده وقد قال أيضا أهل اللغة أن كلمة ~~إنما أنها من أن التى هى لإقرار الشىء وإثباته ومن ما التى هى النفى ms193 فاجتمع ~~المعنيان لها وأن كان هذا مشهورا عندهم وموجودا فى كلامهم فكيف بك وجود ~~نظير ذلك من المنطوق ودليل مفهومه. # ببينة أنه المعلوم أن صح الكلام وأبعده من دخول الشركة كلام التحديد ثم. ~~PageV01P244 # الحدود جارية على الطرد والعكس وتعمل بركنيها وتعطى الدلالة من جهتيها ~~فيثبت بهذا الذى قلناه أن دليل الخطاب ثابت من جهة كلام العرب وتضمنه ~~لسانها الذى تكلموا بها وقد خرج ما قلناه أخيرا. # الجواب عن كلامهم أنه كيف يعرف دليل الإثبات من النفى أو دليل النفى من ~~الإثبات وأن ما قلتم يؤدى إلى أن يكون الكلام الواحد جامعا لدليلين متضادين ~~وظهر أيضا الجواب عن دليل أبى بكر محمد بن أبى الطيب الباقلانى فى قوله أنه ~~لم يدل على هذا نقل ولا عقل وقد بينا الدليل من جهة النقل عن العرب ~~والمعروف عن كلامهم وقد ذكر الأصحاب ما يزيد هذا من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فى قصة عبد الله بن أبى واستغفاره له حين نزل قوله عز وجل: {إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] قال صلى الله عليه ~~وسلم عند ذلك: "والله لأزيدن على السبعين" 1 وفى رواية: "لو علمت أنه ~~يستجاب لى لزدت على السبعين" 2 فإن قيل كيف يصح الاستدلال بهذا والكلام ~~إنما خرج على جهة تأييس المنافقين من المغفرة. # والجواب أن الاستدلال صحيح لأن الكلام كان محتملا أن يكون المراد به ~~الإياس من المغفرة لهم ومحتملا أن لا تقع المغفرة بالسبعين وتقع بما جاوزها ~~فاستعمل صلى الله عليه وسلم بما جعل الله فى قلبه من الرأفة والرحمة ~~بالعباد حكم اللسان ووضع الاستدلال موضوعه رجاء أن يصادف الإجابة والمغفرة ~~وبين الله تعالى المراد من الآية فى تحقيق الإياس بقوله: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] فهذا وجه الاستدلال بالآية ~~وهو بين جدا وخرج على الطريقة التى ذكرناها طريقة أبى زيد لأنا لم ندع أن ~~دليل الخطاب من حيث العلة والمعلول حتى نلزم ما قال ms194 وإنما قلنا بدليل ~~الخطاب من حيث اللغة ووضع اللسان. # نعم قد رأيت لبعض المتأخرين من أصحابنا ذكر هذه المسألة فى أصوله وزيف ~~دلائل الأصحاب من حيث الظاهر ومن حيث المعنى ثم قال المختار عندى أن الخطاب ~~المقيد بالصفة ينظر فى الصفة المذكورة فإن كانت مناسبة للحكم المنوط به دل ~~أن ما عداه بخلافه وأن لم تكن مناسبة لم تدل وذكر صورة المناسبة قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "فى خمس PageV01P245 # من الإبل السائمة شاة" 1 فإن السوم يشعر بخفة السوم وتوفر المنافع وذكر ~~فى هذا الفصل عبارات زائفة حسنة فدل توفر المنفعة وخفة المؤنة على وجوب ~~الزكاة فوجب القول بالمفهوم وسقطت الزكاة عن المعلوفة بحكم المفهوم وكذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وكذلك قوله عليه ~~السلام: "من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" 2 ولهذا ~~أمثلة كثيرة. # وعندى أن هذه الطريقة ضعيفة ولا يجوز اختيارها لوجهين. # أحدهما أنه خلاف مذهب الشافعى لأنه جعل المفهوم حجة على العموم فى جميع ~~المواضع من غير اعتبار وجود مناسبة بين الصفة والحكم. # والثانى أنه إذا اعتبرنا المناسبة التى ذكرها فليس ذلك الإتيان علة مؤثرة ~~فى الحكم فيرد عليه ما ذكره القاضى أبى زيد وهو أن الإطراد فى العلل واجب ~~لكن عكس العلة لا يكون حجة فى عكس الحكم والعلة توجد الحكم بوجودها لكن لا ~~يجب أن ينعدم بعدمها والاعتماد على ما ذكرناه وهى الطريقة الصحيحة ~~المختارة. # واستدل كثير من أصحابنا فى هذه المسألة بالفصل المعروف المتداول بين ~~الفقهاء وهو أن الصفة نطق عن صاحب الشرع تكلف ذكره فلا يجوز أن يخلو عن ~~فائدة لأن طلب الفوائد من كلام صاحب الشرع واجب ما أمكن ولا يجوز استعمال ~~طريق تؤدى إلى إلغاء كلامه وإخلائه عن الفائدة وما قلتم يؤدى إلى هذا يدل ~~عليه أن التقييد فى الصفة يخصص الخطاب كتقييد الدلائل المخصصة للعمومات ~~وكالاستثاء من الأعداد فإن قالوا: أن الاستثناء لفظ منطوق به فى النفى مثل ~~ما هو منطوق ms195 به فى الإثبات وهاهنا النطق فى الإثبات دون النفى. # فالجواب أن كون النطق فى شىء مخصوص لا يدل على سقوط دليله فيما لم ~~يتناوله النطق دليله الفحوى وعلى أنا قد ذكرنا أن هذا أخذ وجوه البيان فى ~~اللغة وهو من لحن القول على ما سبق. # وأما الفوائد التى ذكروها فليست بشىء لأن المعتبر هو الفائدة التى يدل ~~عليها اللفظ. PageV01P246 # فى الأعم الأغلب والفائدة التى يدل عليها اللفظ فى الأعم الأغلب هو ما ~~ذكرنا من كون ما عدا الملفوظ بخلافه. # ويقولون على هذا قلتم أن الأكثر والأغلب على ما قلتم وأيضا فإنا لو ~~اعتبرنا هذا كان الذى يؤدى إليه اللفظ هو غالب الظن دون القطع لأنه يجوز ما ~~قلناه من الفوائد وأن كان قليلا نادرا. # ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال نحن لا نلحق المفهوم بالنص لكن نقول هو ظاهر ~~فى المفهوم مثل العموم ظاهر فى الاستيعاب ولهذا نقدمه على القياس ونؤخره عن ~~النص وهذه الطريقة قد حكيناها عن الشافعى وقالوا: ذكرها فى الرسالة ويمكن ~~نسبتها غير أن الاعتماد على الأول وقد استدل بعض أصحابنا بظاهر قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "الماء من الماء" 1 وقوله: "الأئمة من قريش" 2 وقوله عليه ~~السلام: " الربا فى النسيئة" 3 واحتج ابن عباس فى ذلك فى نفى ربا النقد. # وهم يقولون فى هذا الألفاظ إنما صارت دليلا لا من حيث دليل الكلام لكن ~~لأن صاحب الشرع أدخل الألف واللام وهما لاستغراق الجنس فلأجل هذا حسن ~~الاستدلال بهذه الألفاظ. # أما من الأنصار من منع إيجاب الغسل بدون الإنزال حتى روت عائشة رضى الله ~~عنها ما روت ومن أبى بكر رضى الله عنه فى دفع الخلافة من الأنصار ومن ابن ~~عباس رضى الله عنهما فى نفى ربا النقد4. PageV01P247 # وعندنا يثبت ربا النقد بالأخبار الصحيحة فى الباب1. # واعلم أنه قد دخل الجواب فيما ذكرناه عن معظم ما ذكروه وقد نفيت لهم أحرف ~~ولا بد من الجواب عنها. # أما قولهم أن تقييد الخبر بالصفة لا يدل أن ما ms196 عداه بخلافه. # قلنا الدليل بين الأمر والخبر أن المخبر قد يكون له غرض فى الإخبارى وبه ~~زيد العالم أو دخوله الدار أو قدومه ولا يكون له غرض فى الإخبار عن عمرو ~~الجاهل فيخص زيدا بالإخبار عن دخوله ورؤيته وأما الشارع فغرضه أن يبين جميع ~~ما كلف فإذا قال زكوا عن الغنم السائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة فى جميع ~~الغنم تعلق بمطلق الاسم. # وأما تعلقهم بالخطاب المقيد بالاسم. # قلنا هو خارج على الطريقة الأولى لأن العرب تجمع بين الأسماء المختلفة فى ~~الأمر الواحد ويحسن منهم ذلك فإنهم يقولون اشتر لحما وخبزا وتمرا وبيضا ~~وتريد الكل بالشراء ولا تقول العرب اشتر تمرا برنيا فاشتر تمرا معقليا ~~واشتر الإزاد حتى تعد جميع أنواع التمر ويعدون هذا عيا من الكلام بل يقولون ~~اشتر التمر وهذا لأن الاسم بمجرد التعريف مثل الألقاب والتعريف فى محل لا ~~يدل على الجهالة فى محل آخر. # وأما الصفة فليس للتعريف المجرد بل هى للتنبيه على المعنى والدليل على ~~الفرق بينهما من حسن اللغة ولسان العرب أن الأسامى تختلف على اتفاق المعانى ~~ولا يتصور اختلاف الصفة مع اتفاق المعنى بل الأوصاف تقع أدلتها خاصة ومعنى ~~هذا أن ذكر. PageV01P248 # الصفة يدل على تلك الصفة على الخصوص إذا قال القائل أعط الأسود عقل تخصيص ~~الأسود بالعطاء ومنع الأبيض وإذا قال أعط زيدا لم يعقل منه منع عمرو وعلى ~~طريقة أبى بكر الدقاق قد منع هذا الفصل. # وأما قولهم إلا يصح أن نقول أعط الطوال والقصار ويكون هذا عطفا ولا يكون ~~نقضا. # قلنا عندنا تخصيص الطوال بالأمر بالضرب أو الأمر بالإعطاء يدل على نفى ~~ضرب القصار أو نفى إعطاء القصار فإذا عطف القصار على الطوال لم يوجد تخصيص ~~الطوال بالخطاب حتى يوجد الدلالة على نفى ضرب القصار أو نفى إعطائه وعلى أن ~~هذا يبطل بالغاية والشرط فإن الإنسان إذا قال لغيره صم إلى غروب الشمس أفاد ~~ذلك نفى الصوم بعد غروبها ولو قال صم إلى غروب الشمس أو إلى طلوع القمر لم ms197 ~~يكن نقضا وفى الشرط لو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار أفاد أنه لا يجوز ~~العطية إذا لم يدخل الدار ولو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار وأن دخل ~~السوق يكون تقييد عطفا ولا يكون نقضا وأما الذى قالوه من حسن الاستفهام ~~فإنما حسن ذلك لأنا لم ندع أن اللفظ نص فى موضع المفهوم لكن إنما ادعينا ~~أنه نص فى موضع النطق ظاهر فى موضع المفهوم وإذا كان ظاهرا يجوز أن يقوم ~~دليل على خلاف المراد فى موضع المفهوم فيحسن الاستفهام ليصير الظاهر نصا ~~ويسقط الوهم مثل صيغة العموم هى للاستيعاب ثم يحسن الاستفهام فيقول: أردت ~~الجميع إذا أردت الاستغراق والاستيعاب وكان حسن الاستفهام بالطريق الذى ~~قدمنا كذلك هاهنا وقد تبين الجواب عن جميع أدلتهم وهذه المسألة أصل عظيم فى ~~الفقه وعليه مسائل كثيرة وقد وقعت الإشارة إلى بعضها فى أثناء المسألة ~~وباقى المسألة معروفة وقد ذكرت فى خلافات الفروع فاقتصرنا على ذلك والله ~~أعلم. # PageV01P249 ### | فصل: الخطاب سبعة أنواع # ... # فصل وإذا ثبت القول بدليل الخطاب فنقول الخطاب سبعة أنواع. # الشرط والغاية والصفة والحال والاسم والعين والعدد وأما تعليقه بالشرط ~~فهو ما دخل عليه أحد الحرفين أن وإذا. # فإن كقوله أن دخل زيد الدار فأكرمه. # وإذا كقوله إذا دخل زيد الدار فأكرمه. # PageV01P249 # وهما حرفا شرط ثبت الشرط بكل واحد منهما ويتعلق الحكم بوجوده وينتفى ~~بعدمه على السواء وإنما يختلف الحرفان فى التحقيق والشك. # فإن تستعمل فيمن لا يتحقق دخوله. # وإذا تستعمل فيمن تحقق دخوله. # وإنما الغاية فهى بلفظ حتى وهو قوله أكرم زيدا حتى يقوم فيستحق الكرامة ~~قبل قيامه ولا يستحقها بعد قيامه. # والفرق بين الغاية والشرط أن حكم الغاية يتعلق بها قبل وجودها وحكم الشرط ~~يتعلق به بعد وجوده. # وأما الصفة فالتعليق بالصفة إنما يكون فيما يختلف أوصافه وأقله أن يكون ~~ذا وصفين فإذا علق الحكم بإحدى صفتيه كان موجبا لثبوت الحكم مع وجوده ~~ودليله موجبا لانتفاء الحكم عند عدمها وإذا قرن الحكم المعلق بالصفة بحكم ~~مطلق فقد ms198 اختلف قول الشافعى فى دليل المقيد بالصفة هل يصير مستعملا فى ~~المطلق على قولين ومثاله قول الله تعالى: {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] وكان نصه ~~أن لا عدة على غير المدخول بها ودليله وجوب العدة على المدخول بها ثم قال: ~~{فمتعوهن} هل يكون إطلاق المتعة معطوفا على العدة فى اشتراط الدخول بها على ~~قولين. # أحدهما أنه تصبير المتعة بالعطف على العدة مشروطة بعدم الدخول. # والقول الثانى أن قوله تعالى: {فمتعوهن} لا يتقيد بما تقدم. # PageV01P250 ### | فصل: إذا علق الحكم بالصفة في نوع من جنس وأخرى حكم في جميع الجنس قياسا # ... # فصل: وإذا علق الحكم بالصفة فى نوع من جنس وأخرى حكم فى جميع الجنس ~~قياسا. # مثل قوله عليه السلام: " فى سائمة الغنم زكاة" 1 وقد قيس عليها زكاة ~~الإبل والبقر والكل جنس النعم فقد اختلف أصحاب الشافعى أن دليل الخطاب هل ~~يكون مستعملا فى نوع النص أو فى جميع الجنس على وجهين. # أحدهما يكون مستعملا فى نوع النص دون الجنس فيكون دليل هذا الخطاب موجبا ~~بسقوط الزكاة فى معلوفة الغنم على الجنس ويسقط فى معلوفة الإبل والبقر. ~~PageV01P250 # بدليل آخر. # والوجه الثانى أنه يستعمل دليله فى جميع الجنس لأنه لما ألحق جميع جنسه ~~بالنوع قياسا وجب أن يستعمل دليله فى جميع الجنس قياسا1. # وأما تقييد الخطاب بالحال كقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187] والحال كالصفة فى ثبوت الحكم بوجودها وانتفائه ~~بعدمها فيكون نصه مستعملا فى الإثبات ودليله مستعملا فى النفى مثل الصفة. # وأما تعليق الحكم بالاسم فهو ضربان. # أحدهما اسم مشتق من معنى كالمسلم والكافر والقاتل فيكون ما علق به من ~~الحكم جرى مجرى تعليقه بالصفة فى استعمال دليله فى قول جمهور أصحاب الشافعى ~~رحمه الله. # وقال بعضهم ينظر فى الاسم المشتق فإن كان لمعنى اشتقاقه تأثير فى الحكم ~~استعمل دليل خطابه فإن ما لا يؤثر فى الحكم لا يكون علة. # والضرب الثانى اسم لقب غير مشتق من ms199 معنى كالرجل والمرأة وأشباه ذلك فمذهب ~~الشافعى أن دليل خطابه غير مستعمل وعند أبى بكر الدقاق أنه مستعمل وقد ~~بينا. # وأما تعليق الحكم بالأعيان كقوله فى هذا المال الزكاة أو على هذا الرجل ~~الحج فدليل خطابه غير مستعمل ولا يدل وجوب الزكاة فى ذلك المال على سقوطها ~~عن غيره وهذا عندنا مثل تعليق الحكم بالإسم. # وأما تعليق الحكم بالعدد فدليله مستعمل وهو مثل تعليق الحكم بالصفة2 ~~فهذا. PageV01P251 # تمام الأنواع التى ذكرناها. # واعلم أن كثيرا من أصحاب أبى حنيفة جعل مفهوم الشرط حجة وإليه ذهب الكرخى ~~ومن تبعه وأبى بعضهم1. # وقال حكم ما وراء الشرط موقوف على الدليل وقال أبو زيد فى الأصول الذى ~~عملها حين ذكر مذهب الشافعى وقال علماؤنا انتفاء المعنى حال عدم الشرط فلا ~~يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص فقد حكى عن جميع أصحابه ~~وليس على ما زعم بل هو قول بعضهم على ما ذكرنا قالوا: وحأصل الخلاف يرجع ~~إلى أن الشرط هل يمتنع به انعقاد علة الحكم أو لا قالوا: فعندنا الشرط يمنع ~~انعقاد العلة لم تكن العلة وعندهم لا يمنع فإذا لم يكن الشرط عندهم مما ~~يمتنع به انعقاد العلة كانت العلة موجودة وكانت موجبة للحكم والشرط منع ~~وجود الحكم قال وعندنا لما كان الشرط مما يمتنع به انعقاد العلة موجودة حتى ~~توجب الحكم فلم يتصور منع الحكم بالشرط. # ودليلهم قالوا: التعليق دخل فى السبب لا فى الحكم. # قال السبب قوله أنت طالق والتعليق دخل فيه فإن قوله أنت طالق تطليق وقد ~~علقه بدخول الدار إلا ترى أنه قد قصد التطليق عند دخول الدار لا فى الحال ~~وهذا لأنه جعل التطليق جزاء الدخول الدار والجزاء عند أهل اللغة يتعلق ~~وجوده بوجود الشرط فإن من قال لغيره أن أكرمتنى أكرمتك أو قال أكرمك أن ~~أكرمتنى فإنه علق التزام إكرامه بإكرام صاحبه كذلك هاهنا جعل التعليق جزاء ~~دخول الدار. PageV01P252 # فعلق وجود التطليق بوجود دخول الدار فيكون التطليق على العدم قبل دخول ~~الدار ms200 فدل أن الشرط امتنع به انعقاد العلة. # ببينة أنه إذا دخل الشرط على الإطلاق وعلقه منع تعلقه وصوله إلى محله ~~والعلة الشرعية لا تصير علة إلا بوصولها إلى محلها ولا تصير علة إذا قصرت ~~عن محلها وهذا بخلاف البيع على أن البائع بالخيار أو على أن المشترى ~~بالخيار فإن كلمة على أن وأن كانت كلمة شرط لكن عملها خلاف عمل كلمة ~~التعليق وهى كلمة أن فإنك إذا قلت: أزورك أن زرتنى كنت معلقا وجود زيارتك ~~بزيارة صاحبك وإذا قلت: لصاحبك أزورك على أن تزورنى كنت معلقا زيارة صاحبك ~~على زيارتك وتكون زيارتك سابقة على زيارة صاحبك وإذا كان عمل كلمة على أن ~~خلاف عمل كلمة أن فلا توجب كلمة على أن تعليق نفس البيع بل توجب تعليق أمر ~~آخر هو مطلوب من البيع وهو الملك فيتعلق حكم المبيع أعنى الملك بالاختيار ~~وأما نفس البيع فانعقد فى الحال يدل عليه أن فى مسألتنا دخل كلمة الشرط على ~~السبب لأنه قال أن دخلت الدار فأنت طالق وفى البيع لم تدخل كلمة شرط على ~~السبب إنما نجز البيع تنجيزا ثم أثبت لنفسه فيه خيارا وحكمه على ما عرف فى ~~الشرع لامتناع اللزوم وعدم الملك. # وقد قال فى تقويم الأدلة قوله لعبده أن دخلت الدار فأنت حر فلا حرية قبل ~~الدخول لانعدام العلة لا لأن الشرط بقاؤها بعد وجود سببها لأن قوله أنت حر ~~كما لا يعمل حتى تتم الصيغة بقوله أنت حر لا يعمل حتى يجد محلا صالحا ~~للتحرير فإنه لو أضافه إلى مبينة أو ثلاثة لغا فقوله أن دخلت الدار منع ~~وصول هذا الإنجاز إلى العبيد لأنه معلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده ~~كالقيد بل المعلق يحتمل إلا يكون وأصلا إلى الأرض وإذا لم يصل إلى محله لم ~~يصل بقوله أنت حر علة بل كان بمعرض أن يصير علة بالوصول إليه عند وجود ~~الشرط كالرمى لا يكون سببا للقتل قبل وقوع السهم فى المرمى ولكنه بغرض أن ~~يكون علة إذا وصل ms201 إلى محله فحرفهم فى هذا هو أن الشرط يحول بين العلة ~~ومحلها فلا يصير معه علة لأنه داخل على أصل العلة لا على الحكم بخلاف شرط ~~الخيار والآخر فإنهما يدخلان على الحكم على ما ذكرنا ولهذا لو حلف أن لا ~~يبيع فباع أو شرط الخيار بحيث لو حلف لا يطلق فقال لها أنت طالق أن دخلت ~~الدار فإنه لا يحنث. # PageV01P253 # قال ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما كان معلق بالشرط ~~غير وأصل إلى المرأة على ما ذكرنا وإنما هو مبين ويصير طلاقا عند الشرط ~~والملك حينئذ لأن الملك أعنى ملك النكاح شرط الطلاق لا اليمين بل محل ~~اليمين هو الذمة مثل اليمين بالله. # قال ولهذا الأمثل لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث لأن سبب الكفارة بشرط ~~الحنث فقبل الشرط لا يكون شيئا ويكون أشد وجوب الكفارة حين الحنث فلا يتصور ~~الأداء قبل الحين وكما لا يتصور تعجيل فى الصوم. # قال وقولهم بالبدن والمال ساقط لأن الكفارة عبادة والعبادة عبارة عن فعل ~~العبد ماليا أو بدنيا وإنما يختلف محل الفعل والمالى ما يكون محل فعله ~~المال والبدنى ما يكون محل فعله بدنه وأما الواجب ففعل من العبد فى الحالين ~~بإيجاب الله تعالى. # قال وهذا بخلاف دين العباد الذى يجب عوضا لأن الواجب هناك هو المال ~~والتسليم للعبد الواجب لأن المستحق لصاحبه مال بأداء حقه وليس المستحق ~~لصاحبه فعلا لأنه حق للعبد فى فعل العبد. # وأما البارىء عز اسمه ما استحق على العبد إلا بالعبادة وهى فعل يفعلها ~~العبد قال وعلى هذا الأصل نقول فى قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] أن الله تعالى أباح نكاح الأمة عند ~~عدم الصبر وما حرمه عند وجوده بل لم يذكره أصلا فاستبيح نكاحها فى هذه ~~الحالة بإشارة الآيات فصار نكاح الأمة حال وجود الحرة حلالا بالآيات ~~المطلقة للنكاح وهذه أيضا وتجوز أن تكون حلية الأمة معلقة بوصفين أو بعلتين ~~وبعلل كثيرة إلا ترى أن الرجل يقول ms202 لآخر أعتق عبدى أن دخل الدار ثم يقول: ~~أعتق عبدي أن كلم زيدا أو دخل الدار يصح ولو دخل الدار فأعتقه كان جائزا ~~ولو كلم زيدا ودخل الدار فأعتقه كان جائزا أيضا بالأمرين جميعا فيصح ~~الإعتاق بعلة أو علتين وذكر كلاما طويلا ومسائل من الفروع على عادته من ~~الاستشهاد بالفروع على الأصول تركت ذلك لطوله ولأن الفائدة فيما حكيته. # وأما دليلنا فيدل أولا على أن الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه على كل ~~حال أن قول القائل لعبده ادخل الدار أن دخلها عمرو معناه أن الشرط فى دخولك ~~دخول عمرو أو قال سافر أن سافر عمرو وكذلك إذا علق الطلاق أو الإعتاق ~~بالدخول. # PageV01P254 # لكن صونا فى خطابه لعبده لأنه أظهر ولو قال لعبده شرط دخولك الدار دخول ~~عمرو أو قال شرط سفرك سفر عمرو علمنا أنه لم يوجب عليه السفر مع فقد سفر ~~عمرو وبينته أن الشرط هو الذى يقف عليه الحكم فلو ثبت الحكم مع عدمه لكان ~~كل شىء شرطا فى كل شىء حتى يكون دخول زيد الدار شرطا فى كون السماء فوق ~~الأرض وأن وجد ذلك مع عدم الدخول. # والدليل على أن المعقول من الشرط ما ذكرناه أن يعلى بن منبه سأل عمر بن ~~الخطاب فقال ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فلو ~~لم يعقل من الشرط نفى الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى. # فإن قيل يجوز أنهما إنما تعجبا لأنهما علما من الآيات الواردة فى الكتاب ~~وجود الإتمام وأن حال الخوف مستثناة من الآيات والباقى ثابت على الأصل فى ~~الإتمام فلهذا تعجبا. # والجواب أن هذا كله زيادات وللعلماء كلام كثير فى أن الأصل كيف كان فى ~~الصلاة وقد قالت عائشة رضى الله عنها كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين ~~فأقصرت صلاة السفر وزيدت فى صلاة الحضر وقد قيل غير هذا وإذا اختلفت ~~الروايات فى هذا فكان ms203 التعجب مما صرح به الآيات وهو شرط الخوف فى القصر ثم ~~القصر مع الأمن فكان الاستدلال قائما. # واحتج أبو زيد لنا وقال أن تعليق الحكم بالشرط بنفيه عما قبله ويعدمه على ~~اعتبار أنه لولاه كان موجودا إلا ترى أن قوله لعبده أنت حر توجب وجود ~~الحرية صفة للعبد فإذا قال أن دخلت الدار وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن ~~محله ونفيه مع وجود قوله أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط ~~يوجب النفى عما قبله وكذلك التعليق الحسى فإن تعليق المنديل بحبل بسماء ~~البيت توجب وجوده فى الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذى يكون فيه لولا ~~تعلقه وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وانعدام ~~قبل أوليته الوجود لا يكون علة الوجود ولكن بانعدام علة الوجود فلم يكن من ~~حكم العلة إلا وجود الحكم عندها فإنه السبب لابتداء الوجود والتعليق لتغيير ~~حكم الوجود بعد وجود سبب الوجود فجرى مجرى الأصل هذا كلامه. # PageV01P255 # ويقال أيضا أن الشرط لا يؤثر فى العلة إنما يؤثر فى حكم العلة فإن من قال ~~لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار فقوله أن دخلت الدار لا يؤثر فى قوله أنت ~~طالق إنما يؤثر فى حكمه ولا يمنع ثبوته فإن قوله أنت طالق ثابت مع الشرط ~~كما هو ثابت بدون الشرط ولكن حكمه لا يثبت لأصل الشرط فكان أثر الشرط فى ~~منع حكم العلة لا فى نفس العلة والدليل عليه أنه لو لم يؤثر به الشرط ثبت ~~حكم العلة وقوله أنت طالق ثابت فى الصورتين ولكن الحكم ينعدم عند وجود ~~الشرط ويثبت عند عدمه فثبت أن عمل الشرط فى الحكم تسبب فى تحقيق هذا الفعل ~~وهو أن سبب الطلاق قوله أنت طالق وقد وجد هذا صورته سواء وصل به قوله أن ~~دخلت الدار أو لم يصل. # وكلمة أن يجوز أن تدخل على السبب فتعلقه كما قالوا: ويجوز أن تدخل على ~~الحكم فيكون عمله تأخير الحكم والدليل على جواز ذلك أنه كما يجوز ms204 أن يكون ~~معنى قوله أن دخلت الدار فأنت طالق يجوز أن يكون المعنى أن دخلت الدار أنت ~~طالق وقوعا ونزولا لأن النازل فى المحل والواقع قوله أنت طالق. # ألا ترى أنه إذا اتصل الحكم بالسبب تكون هى طالقا من حيث الوقوع وإذا لم ~~يتصل وتعلق بالدخول تكون هى طالقا من حيث التسبب والحرف على هذا إلى المعلق ~~تكون الطالقية فعلا لا الطالقية تسببا فثبت قطعا أنه يجوز أن يدخل الشرط ~~على الحكم ويجوز أن يدخل على السبب فنقول دخوله على الحكم لمنعه أولى لأن ~~قوله أنت طالق كلمة مستقلة صحيحة لثبوت التطليق أو لثبوت [الطلاق بها] 1 ~~عند الإطلاق واتصال حكمه به. # ألا ترى أنه لزم تعليقه بالشرط ثبت كلاهما فإذا أوصل بالشرط فإنما منعنا ~~الحكم لضرورة الشرط ولا ضرورة فى منع السبب وانعقاده عليه فانعقد السبب ~~وتآخر الحكم ولأن الطلاق عقد شرعى له حكم وقد وجدنا فى أصول الشرع وجود عقد ~~بصورته وتآخر العقد عنه وهذا لأن عقد التطليق قوله أنت طالق مضافا إلى محل ~~النكاح فإذا وجد وتحقق فكيف يحكم بتأخره. # نعم يجوز أن يتآخر حكمه لأنه لم يوجد فأما تآخر عقد الطلاق مع وجود تصوره ~~من أهله فى محله فمحال. PageV01P256 # وخرج على هذا قوله أن أكرمتنى أكرمتك لأنه لا يتصور دخوله على الإكرام ~~فحسب وهاهنا يتصور دخوله على الحكم لا على السبب وهذا لأن الإكرام شىء واحد ~~فلا بد إذا علق شىء أن يتآخر فأما هاهنا فإن هذا عقد شرعى له حكم فيجوز أن ~~يدخل على الحكم فيتآخر وينتجز العقد. # وقد ذكرنا هذا الفصل فى خلافيات الفروع وأجبنا بجوابات مقنعة واقعة والذى ~~ذكرنا هاهنا جواب برهانى فى غاية الوضوح. # وقولهم أن الطلاق ما ينزل فى محله فبينا اتصال العقد بالمحل بصورة قوله ~~أنت طالق فبقوله أنت اتصل اللفظ بالمحل وهذا يكفى للاتصال سببا وأما ~~الاتصال وقوعا ونزولا فيكون عند الشرط والمسائل مبنية على هذا الأصل وقد ~~عرف فى الخلافيات فلا يحتاج إلى الإعادة هاهنا والله أعلم. # PageV01P257 ### | القول ms205 فى ### | البيان # والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه # البيان # ... # القول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه. # قال أبو بكر الصيرفى: البيان إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز ~~التجلى1. # وذكر الشافعى البيان فى الرسالة فقال البيان اسم جامع لأمور متفقة الأصول ~~متشعبة الفروع. # واعترض عليه أبو بكر بن داود وقال البيان أبين من التفسير والذى فسرته ~~وهذا لا يصح لأن الشافعى رحمه الله لم يقصد بقوله حد البيان وتفسير معناه ~~وإنما أراد به أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان فهى متفقة ~~فى أن الاسم البيان يقع عليها ومختلفة فى مراتبها فبعضها أجلى وأبين من ~~البعض لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه ومنه ما يحتاج ~~إلى تدبر وتفكر فيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان ~~لسحرا" 2 فأخبر أن بعض البيان أبلغ من البعض ويدل على ذلك أن الله تبارك ~~وتعالى خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه وجميع ذلك بيان ~~وأن اختلفت مراتبها. # وقال أبو بكر الدقاق البيان هو البيان الذى يبين به العلوم. # وقيل أن البيان هو الأدلة التى يتبين منها الأحكام وبهذا قال الأشعرى ~~والجبائى3 واختار القاضى أبو الطيب الطبرى الحد الذى ذكره أبو بكر الصيرفى ~~وقد اعترض عليه من وجهين. # أحدهما أن البيان المبتدأ من قبل الله تعالى لا يدخل فى هذا الحد وأن كان ~~بيانا فإنه ربما ورد من الله تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد فلا يكون ~~مخرجا لشىء من حد الإشكال إلى حد التجلى. PageV01P258 # والثانى أن لفظ البيان أظهر من قوله أنه إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى ~~حيز التجلى. # ومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود. # وقد قال القاضى أبو الطيب ما كان إيضاحا لمعنى وإظهارا له فهو بيان له ~~وما دون ذلك فلا يكون بيانا والذى يبينه الله تعالى ابتداء إيضاح لما جهله ~~الناس وما لم يتبينوه فيجوز أن يدخل تحت حد البيان. # والذى ms206 قالوا: أنه أغمض من البيان المعروف فليس بشىء لما ذكرناه من دليله. # وحكى القاضى أبو الحسن الماوردى عن جمهور الفقهاء أن البيان إظهار المراد ~~بالكلام الذى لا يفهم منه المراد إلا به وهذا الحد أحسن من جميع الحدود لأن ~~البيان فى اللغة هو الظهور والكشف من قوله بان الهلال إذا ظهر وأبان ما فى ~~نفسه إذا أظهر ويعترض الحد الذى ذكره المتكلم فيقال أن الله تعالى قد قال: ~~{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] ~~فى الكتاب دليل فدلت الآية أن البيان غير الدليل. # وقول أبى بكر الدقاق فى الحد حسن أيضا. # وإذا عرفنا الحد فاعلم أن النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب والفحوى كل ~~هذا بيان وقد ذكرنا من قبل حد العموم وحد دليل الخطاب وفحواه فنذكر الآن ~~معنى النص والظاهر وحدهما فنقول. # النص ما رفع فى بيانه إلى الحكم غايته ومنه منصة العروس ترتفع عليها على ~~سائر النساء وتتكشف لهن بذلك. # ومما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير العنق فإذا وجد ~~فجوة نص معناه رفع فى السير على ما كان يسير من قبل. # ومنه قول امرىء القيس: # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هن نصته ولا بمعطل # وقال القاضى أبو حامد النص ما تعرى لفظه عن الشركة ومعناه عن الشبهة وقيل ~~ما استوى ظاهره وباطنه وقيل كل لفظ مقيد لا يتطرق إليه تأويل1. PageV01P259 # والألفاظ قريبة بعضها من بعض والأول حد حسن والأول عندى هو الأولى واعترض ~~بعضهم على ذكر اللفظ وقال الفحوى نص وليس بلفظ ونحن نقول أن الفحوى ليس بنص ~~ولكنه مقتضى له1. # وقد ذكر أبو زيد من أربعاتة التى ذكرها فى أصوله ونقصد إيراد أربعة أوجه ~~فى كل فصل بذكره إيراد من لا ينظر إلى معنى وإنما ينظر إلى صورة عدد تورده ~~ويكون قصده بلوغ العدد المقصود لا غير فقال فى أقسام الثابت بالظاهر دون ~~الظاهر والرأى هذه الأحكام أقسام أربعة الثابت بعين النص والثابت بدلالة ~~النص والثابت ms207 بإشارة النص والثابت بمقتضى النص وزاد غيره فقال والثابت بضم ~~النص. # فالثابت بعين النص يكثر. # وأما الثابت بدلالة النص فذكر قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] فثبت من دلالة النص ملك الكفار ~~أموال المسلمين لأنه جعل لهم أموالا ثم سماهم فقراء والفقير هو عديم الملك ~~لا البعيد من الملك لأنه ضد الغنى والغنى من ملك لا من أصابه بيده. # قال وكذلك قوله: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الاحقاف: 15] فيه دلالة على ~~أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد اختص بفهمه عبد الله بن عباس رضى الله ~~عنهما. # وكذلك قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] ~~فيه دلالة على أن الجنابة لا تضاد الصوم لأنه تعالى أباح الجماع إلى مدة ~~الصباح ثم أمره بإتمام الصوم ومن ضرورة إباحة الجماع إلى مدة الصباح وجود ~~الجنابة بعد الصبح وذكر من هذا الجنس مسائل. # وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} ~~[الاسراء: 23] فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب. # وكذلك قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] فلما أوجب القضاء إذا أفطر بعذر ففيه دلالة أنه إذا أفطر ~~بغير عذر يوجب. PageV01P260 # عليه القضاء. # وكذلك ما روى أن ماعزا زنا فرجم1 صار رجم ماعز ثابتا بالنص ورجم غيره ~~ثابتا بدلالة النص وذكر أمثلة لهذا أيضا منها الأكل مع الوطء فى نهار رمضان ~~وغير ذلك وخرج عليه مسألة اللواطة مع الزنا وذكر أنها دونه ومسألة القتل ~~بالمثقل وذكر أنه دون القتل بالسيف وهذه أشياء قد ذكرت في خلافيات الفروع ~~وقد تكلمنا على ذلك. # قال وأما الثابت بمقتضى النص فهو زيادة على النص لا يتحقق مع النص بدونها ~~فاقتضاها النص حتى يتحقق معناه ولا يلغو وصار المقتضى مضافا إلى النص مثل ~~حكمه وشبه هذا بشرى الأب2 فإنها إعتاق حكما وأن لم توجب العتق بنفسه بل ~~بزيادة الملك ولكن لما ثبت الحكم بالشرى صار حكمه وهو العتق مع الملك حكمين ms208 ~~للشرى قال وهذا لا خلاف فيه وهو إنما مثل قوله أعتق عبدك عنى على ألف ~~فالملك يقتضى هذا النص ثم أنه ذكر أنه لا عموم للمقتضى. # قال وعند الشافعى رحمه الله له عموم واحتج لنفسه وقال المقتضى ساقط من ~~النص بعينه فى الأصل لا حكم له وإنما أثبتنا ضرورة أن يصير الكلام مفيدا ~~فإذا ثبت بقدر ما صار به الكلام مفيدا زالت الضرورة فيسقط ثبوته كالميتة ~~حكمها الحرمة فى الأصل والحل ثبت ضرورة فيعذر تقديرها وهو قدر سد الرمق دون ~~ما سواها من التمول والجمل والشبع. # ونحن نقول أن المقتضى يجوز أن يدعى فيه العموم لأنه ثابت ضرورة فصار ~~كالثابت نصا ونقول كلما أمكن طلب فائدة العموم منه يجوز أن تطلب لأن ~~الاختصار والحذف عام فى كلام العرب ويعدونه من الفصاحة والبلاغة فصار ~~المقتضى كمضمر الكلام ثم دعوى العموم فى المضمر جائز كذلك فى المقتضى ~~والمضمر مثل قوله: {واسأل القرية} [يوسف: 82] معناه أهل القرية وكقوله ~~تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} [مريم: 4] معناه اشتعل شعر الرأس شيبا وغير ذلك ~~وقد ذكروا مضمر النص هذا هو الذى قلناه. PageV01P261 # واعلم أن هذا الذى أوردوه ليس فى أكثره ما يعترض عليه وما قالوه على ~~أصولهم فقد أحسنوا فى مواضعه لكن هذه الأقسام ليست بنص إنما النص ثابت ~~بعينه وأما الثابت بعموم ودلالة لا يكون نصا إنما هو دليل مستخرج من النص ~~وإنما المقتضى من الضمير فيجوز أن يقال أنه نص أو بمنزلة النص كما بينا أنه ~~على وفق لسان العرب. # وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أن العموم نص فيما يتناوله من المسميات وقد ~~سمى الشافعى الظواهر نصا فى مجارى كلامه1 والأولى أن لا يسمى العموم نصا ~~لأنه يحتمل الخصوص ولأن العموم فيما يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه ~~البيان ولكن العموم ظاهر. # ونحن نقول حد الظواهر هو لفظ معقول يبتدر إلى الفهم منه معنى مع احتمال ~~اللفظ غيره فعلى هذا العموم ظاهر فى الاستيعاب لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك مع ~~أنه يحتمل غيره ms209 وهو الخصوص. # وكذلك الأمر يجوز أن يقال هو ظاهر فى الإيجاب لأنه يبتدر الفهم ذلك مع ~~أنه يحتمل غيره وهو الندب والإباحة. # وكذلك صيغة النهى ظاهر فى التحريم ويحتمل غيره من الكراهة والتنزيه وعلى ~~هذا قوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 2 ظاهر فى نفى الجواز ~~ويحتمل نفى الفضيلة والكمال. # وكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى ~~الفضيلة وأمثال هذا تكثر. # ومن ذلك يلقى المفهوم من الخطاب المقيد بالصفة ظاهر فيما يستعمل فيه ~~المفهوم وقد يتبع مثل هذا الظاهر فى الحروف مثل إلى الغاية وغير ذلك. # وهكذا فى الظاهر كل لفظ يحتمل معنيين وأكثر وبعضها أظهر وأولى باللفظ ~~فيحمل على الأولى والأظهر ويكون اللفظ ظاهر فيه وهذا قريب مما ذكرناه من ~~قبل. PageV01P262 # وأما المجمل فاعلم أنه قد يعلق المجمل على العموم ومن قولك أجملت الحساب ~~إذا جمعت إفادة له وأن أثبته تحت صيغة جامعة ولكن المجمل على اتفاق ~~الأصوليين مخالف للعموم وقيل المجمل ما لا يفهم منه المراد به وقيل ما عرف ~~معناه من غيره1 فإن قال قائل هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال قلنا أجمل ~~ليتفاضل درجة العلاء بالاجتهاد وبدراسة معانيه. # ثم اعلم أن المحتاج إلى البيان ضربان: # أحدهما ما يحتاج إلى بيان ما لم يركب وهو العموم الذى قصد به الخصوص. # والضرب الثانى ما يحتاج إلى بيان ما فيه وهو المجمل الذى لا يفهم منه ~~المراد ونقول الإجمال قد يكون فى الاسم المشترك مثل القرء2 ينطلق على الحيض ~~والطهر والشفق يطلق على الحمرة والبياض والذى بيده عقدة النكاح يطلق على ~~الأب والزوج والمراد من اللفظة واحد من هذين فى هذه المواضع. # والاجتهاد داخل فى المراد باللفظ وكذلك يجوز أن يكون الدليل من قرينة ~~تتصل باللفظ وقد يكون الإجمال فى المراد باللفظ مع أن اللفظ فى اللغة لشىء ~~واحد3 وذلك مثل قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] غير أن ~~البيان فى هذا النوع من المجمل موقوف على الرسول صلوات الله ms210 عليه بقول منه ~~أو فعل. # وقد يكون البيان بالاجتهاد مثل قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] وقد اجتهد العلماء فى أقل الجزية وقال سبحانه وتعالى: ~~{إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: ~~9] أجمل الله تعالى وكذلك ذكر العدد الذى ينعقد به الجمعة حتى اجتهد ~~العلماء فيه وقال تعالى: {لينفق ذو سعة PageV01P263 # من سعته} [الطلاق: 7] فأجمل الله تعالى نفقة السر وجاءت فى أكثرها ~~وأوسطها وأقلها حتى اجتهد العلماء فى ذلك فهذا وأنواعه من المجمل الذى يوصل ~~إلى بيانه من أصول أدلة الشرع. # فإن قال قائل ما حكم المجمل قبل ورود البيان. # قد قالوا: أن التزام المجمل قبل بيانه واجب والدليل عليه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن فى أموالهم حقا يؤخذ من أغنيائهم ويرد فى ~~فقرائهم" 1 فقد أوجب عليهم التزامها قبل بيانها. # واختلف أصحابنا فى كيفية التزامها قبل البيان. # فقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان. # وقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا وبعد البيان بالتزامه ~~مفسرا ومن وجوه المجمل ما يكون المجمل فى بعض الخطاب فيكون مقتضيا لإجمال ~~صيغة وذلك مثل قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} ~~[الأنعام: 151] لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا ومثل هذا ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل ~~حراما أو حرم حلالا"2 لما كان الحرام والحلال مجملين صار المراد بالصلح ~~مجملا. # ومن المجمل ما لا يكون إجمال بعضه مقتضيا إجمال باقيه وهو أن يكون بعضه ~~مستقلا بنفسه وبعضه مفتقرا إلى البيان كقوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] فالجنب مجمل والغسل مفتقر لا يصير بإجمال ~~الجنابة مجملا ويكون البيان إذا ورد مقصورا على موضع الإجمال. # وأما المفسر فهو المنصوص ومحاويها ومفهوماتها المستقلة بأنفسها فلا تحتاج ~~إلى ms211 بيان بظهور معناه بنفسه. # وحد المفسر ما يفهم منه المراد به وقيل ما يعرف معناه من لفظه وكل خطاب ~~استقل بنفسه وعرف المراد به فهو من المفسر الذى يستغنى عن البيان. ~~PageV01P264 ### | فصل: المحكم والمتشابه # ... # فصل: وإذا وصلنا إلى هذا الموضع نذكر: # المحكم والمتشابه. # فإنما يعرف معناهما من المجمل والمفسر فنقول أن الله تعالى وصف جميع ~~القرآن بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه. # فالأول قوله تعالى: {كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] ومعناه أن منزله أحكمه ~~على وجه لا يقع فيه تفاوت. # والثانى قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} [الزمر: 23] ~~ومعناه أنه متماثل فى الدلالة والإعجاز والعلو. # وأما الثالث فقوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] واختلف العلماء فى هذا المحكم ~~والمتشابه على أقاويل فقال عبد الرحمن بن زيد المحكم هو الذى لم يتكرر ~~ألفاظه والمتشابه الذى تكررت ألفاظه وعن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم ~~أن المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ. # وقال مجاهد المحكم ما لا يتشابه معانيه والمتشابه ما اشتبهت معانيه. # وقال بعضهم المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا فلم يحتج أى ~~نظر وتدبر والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها واحتاج إلى تأمل وتفكر فى ~~الوقوف على المراد به1. # وأحسن الأقاويل أن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه ~~أحدا من خلقه وكلفهم الإيمان به والمحكم مما أطلع العلماء عليه وأوقفهم على ~~المراد به وهذا هو المختار على طريقة السنة وعليه يدل ما ورد من الأخبار ~~وما عرف من اعتقاد السلف فعلى هذا يكون على قوله تعالى: {وما يعلم تأويله ~~إلا الله} وقف تام ثم يبتدىء قوله: {والراسخون في العلم} واو العطف إلا ~~شرذمة قليلة من الناس واختاره البعض من المتأخرين. # وقد كان يعتقد مذهب السنة وعليه يدل كلامه فى كتبه لكنه سها فى هذه ~~المسألة. PageV01P265 # ولكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة. # وقد نقل بعضهم مثل ذلك عن مجاهد من السلف ولا أعلم تحققه وقد ms212 تكلمت فى ~~هذا ودللت على ما يذهب إليه أكثر السلف فى كتاب منهاج السنة وأوردت على ~~مافيه الغنية فاقتصرت فى هذا الكتاب على هذا القدر والله الموفق للصواب ~~والهادى إلى الرشاد بمنه. # PageV01P266 ### | فصل: الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما # ... # فصل: ويذكر بعد هذا الذى ذكرنا: # الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما. # كما يشتمل القرآن على المجمل والمبين والمبهم والمفسر والخاص والعام ~~والمحكم والمتشابه فهو يشتمل أيضا على الحقيقة والمجاز وكذلك التشبيه. # وأنكر قوم وجود المجاز فى اللغة1 ولا يخلو كلامهم فى ذلك أما يكون خلافا ~~فى معنى أو عبارة والخلاف فى المعنى ضربان. # أحدهما أن يقولوا أن أهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فإما يقولوا أنه مجاز ~~فيه نحو اسم الحمار فى البليد والأسد فى الشجاع وهذا مكابرة لا يرتكبها ~~أحد. # وإما أن يقولوا أن أهل اللغة وضعوا فى الأصل اسم الحمار للبليد كما وضعوا ~~للبهيمة وهذا باطل لأنه كما يعلم لم يضطرد أنهم يستعملون ذلك فى البليد ~~فإنه يعلم أنهم استعملوا ذلك على طريق التشبيه وأن استحقاق البليد هذا ~~الاسم ليس كاستحقاق البهيمة وكذلك يسبق إلى الأفهام من قول القائل رأيت ~~الحمار البهيمة البليد. PageV01P266 # ولو كان ذلك موضوعا لهما على السواء لم يسبق إلى الأفهام أحدهما. # فإن قيل فإذا كانت الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوزوا بالأسماء فى غير ~~ما وضعت له قلنا المجاز يشتمل على أشياء لا توجد فى الحقيقة يقصدها العرب ~~فى كلامها منها المبالغة وإنا إذا وصفنا البليد بأنه حمار نكون أبلغ فى ~~البيان عن بلادته من قولنا بليد ومنها الحذف والاختصار ومنها التوسع فى ~~الكلام ومنها الفصاحة وأما الخلاف فى الاسم فبأن مبهم المجاز أن استعمال ~~اسم الحمار فى البليد ليس موضوع له فى الأصل وأنه بالبهيمة أخص لكن نقول لا ~~نسميه مجازا إذا عنى به البليد ولأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع ~~قرينة حقيقة. # فيقال له أن أردت أن العرب لم تسميه بذلك فصحيح وأن أردت أن الناقلين ~~عنهم لم يسموه كذلك فباطل تلقيهم كتبهم ms213 بالمجاز وأنهم يقولون فى كتبهم هذا ~~الاسم مجاز وهذا الاسم حقيقة وليس إذا لم يشتهر العرب بذلك يمنع أن يضع ~~الناقلون عنه له هذا الاسم ليكون آلة وأدلة فى صناعتهم لأن عبارة أهل ~~الصنايع أنهم يعقلون ذلك ولهذا يسمى النحاة الضمة المخصوصة رفعا والفتحة ~~نصبا ولم يلحقهم بذلك عتب وأما تسمية الخصم مجموع الاسم والقرينة مجموع ~~حقيقة فإنه أوضح ذلك بقدح ذلك فى تسمية أهل اللغة الاسم بانفراده مجازا على ~~ما حكيناه عنهم. # PageV01P267 ### | فصل: فى حسن دخول المجاز فى خطاب الله عز وجل وفى أنه قد خاطب به # ذهب الجمهور إلى أن الله تعالى قد خاطبنا فى القرآن بالمجاز ونفى بعض أهل ~~الظاهر ذلك1 وقالوا: أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للعجز عن التكلم ~~بالحقيقة وذلك يستحيل على الله تعالى ولو خاطب الله تعالى بالمجاز ~~والاستعارة لصح وصفه بأنه متجوز فى خطابه وبأنه مستعير ولأن المجاز لا يغنى ~~عن معناه بنفسه فورود القرآن به يؤدى إلى الالتباس ولأن القرآن كله حق ~~فيكون كله حقيقة لأن الحق والحقيقة معنى واحد. # أما دليلنا فنقول فى الدليل على حسن ذلك أن القرآن أنزل بلسان العرب وفى. ~~PageV01P267 # إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب يقتضى حسن خطابه إيانا فيه بلغتها ~~ما لم يكن فيه تنفير والتنفير يكون بالكلام السخيف الذى ينسب قائله إلى ~~المجون والغى وليس هذا سبيل المجاز لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر بالمجاز ~~والاستعارة ثم الدليل على أن فى القرآن مجازا كقوله تعالى: {جدارا يريد أن ~~ينقض} [لكهف: 77] وقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94] وقوله تعالى ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة الإسراء 24 وقوله تعالى: {إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله} [الأحزاب: 57] وقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] أى ~~شدة وقوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ~~[الفرقان:23] أى ذاهبا وقال تعالى فى حل النساء: {هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن} [البقرة: 187] وقال تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله المائدة ~~64 فليس يخلو أما أن يقول هذه ms214 الألفاظ وضعت فى الأصل للمعانى التى أراد ~~الله سبحانه وتعالى وهذا قد أفتاه من قبل وأما أن يقول: هذا الكلام كان ~~مجازا فى اللغة بهذه المعانى ثم نقل إليها بالشرع فصار من الحقائق الشرعية ~~وهذا باطل لأنه لو كان كذلك لسبق إلى أفهام أهل الشرع معانيها التى أرادها ~~الله عز وجل كما يسبق إلى أفهامهم الصلاة الشرعية ومعلوم أنه لا يسبق إلى ~~الأفهام فى قوله: {جدارا يريد أن ينقض} [لكهف: 77] الإرادة التى توجد ~~للإنسان وقوله: {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94] الصدع الذى هو الشق وكذلك فى ~~قوله: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الاسراء: 24] الجناح الذى يكون ~~للطائر فثبت بطلان ما ادعوه وعرف قطعا وجود المجاز فى القرآن. # فأما قولهم أن العدول إلى المجاز عجز إنما يقتضى العجز عن الحقيقة أو لم ~~يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة ومعلوم أن العدول إلى المجاز ~~يحسن لما فيه من زيادة اللفظ والمبالغة فى التشبيه والتوسع فى الكلام ~~والاختصار والحذف على ما هو عادة العرب فدل أن ذلك ليس بعجز. # وأما قولهم أنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى الرب عز وجل متجوزا أو مستعيرا. # قلنا عندنا لا يجوز أن يسمى الرب تعالى أو يوصف بوصف إلا الذى ورد به ~~القرآن والسنة ولأنه لما يقال فى العادة فلان متجوز فى أفعاله وأقواله إذا ~~كان يسمى بالقبح منها. # وأما قولنا مستعير فإنما يفهم من إطلاقه إذا استأذن غيره فى التصرف فى ~~ملكه. # PageV01P268 # لينتفع به وكل ذلك يستحيل على الله عز وجل. # وأما قولهم أنه يؤدى إلى الالتباس قلنا لا التباس مع القرينة الدالة على ~~المراد. # وأما قولهم أن كل القرآن حق فيكون كله حقيقة. # قلنا ليس الحقيقة من الحق فسنبين أن الحق فى الكلام أن يكون صدق وأن يجب ~~العمل به والحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له وسواء كان صدقا أو كذبا إلا ~~ترى أن قول النصارى ثالث ثلاثة ليس بحق وهو حقيقة فيما أرادوه وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "يا أنجشة ms215 رفقا سوقا بالقوارير" 1 ليس بحقيقة فيما قيلت ~~فيه وهو صدق وحق فدلنا أن أحدهما غير الآخر ويقول: أن القرآن نزل بلسان ~~العرب قلنا اشتمل القرآن على أقسام كلامهم فيما عدا المجاز اشتمل أيضا على ~~المجاز ليكون كلام الله تعالى جامعا لأقسام الكلام فيكون أبلغ فى الإعجاز ~~مع التحدى وهذا الكلام وجيز حسن والله الهادى بمنه. PageV01P269 ### | فصل: وإذا ثبت جواز المجاز فى القرآن والسنة فلكل مجاز حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز # لأن الحقيقة أصل المجاز فافتقر المجاز إلى الحقيقة ولم تفتقر الحقيقة إلى ~~المجاز. # وأما حد الحقيقة والمجاز فقال بعضهم الحقيقة2 هى اللفظة المستعملة فى ~~موضعها والمجاز3 هو اللفظ المستعمل فى غير موضعه. PageV01P269 # وأحسن من هذا أن يقال الحقيقة ما استغنت بها ما وضعت له والمجاز ما ~~استفيد به غير ما وضع له. # وقال بعضهم ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل فهو ~~حقيقة وما لا ينتظم لفظه معناه أما لزيادة أو نقصان أو نقل فهو مجاز. # واعلم أن للحقيقة والمجاز شروطا يعتبرونها. # أحدهما أن الحقيقة والمجاز لا يدخلان فى أسماء الألقاب ويدخلان فى أسماء ~~الاشتقاق. # والثانى أنه لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة لشىء فإن خلت اللغة من ~~وضع لفظ لشىء خرج عن الحقيقة والمجاز. # والثالث ما ذكرنا فإنه لا يجوز أن يكون اللفظ مجازا فى شىء ولا يكون له ~~حقيقة ويجوز أن يكون حقيقة فى شىء ولا يكون له مجازا عن غيره. # والرابع أن الحقيقة مطردة والمجاز غير مطرد. # والخامس أن الحقيقة تتعدى والمجاز لا يتعدى لأنه إذا سمى الرجل أسود ~~لسواده. PageV01P270 # جاز أن يسمى كل أسود من غير الرجال وإذا سمى الرجل الشديد أسدا لم يجز أن ~~يسمى كل شديد من غير الرجال أسدا. # واعلم أنه إذا كان للفظة حقيقة ومجاز وجب حملها على الحقيقة دون المجاز1 ~~بحكم الظاهر إلا بدليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز فيحمل على المجاز ~~بالدليل. # والحقيقة على ثلاثة أضرب لغوية وعرفية وشرعية. # والمجاز على ثلاثة أضرب لغوى ms216 وعرفى وشرعى. # فاللغة أصل فيهما والعرف ناقل لهما عن اللغة إلى العرف والشرع ناقل لهما ~~عن اللغة والعرف. # أما الحقائق اللغوية2 فمعلومة لكل أحد فإنه يوجد فى اللغة ألفاظ مقيدة ~~للشىء الواحد على الحقيقة وقد يوجد أيضا ألفاظ مقيدة للشىء وبخلافه حقيقة ~~على طريق اشتراك وضع من هذا قرء والدليل على جواز ذلك أنه لا يمتنع أن يضع ~~قبله أتم القروء للحيض فيضع أخرى للطهر ويشيع ذلك ويجعل كون الاسم موضوعا ~~لهما من جهة قبيلتين فهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل أوعلى أن وجود ~~مثل هذه الأسماء يغنى عن الدليل وقد ذكره أهل اللغة فى كتبهم. # وأما مسألة الحقائق الشرعية فقد ذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين إلى أن ~~الاسم اللغوى يجوز أن يتقبله الشرع إلى معنى آخر فيصير اللفظ فى ذلك المعنى ~~حقيقة شرعية ونفى قوم من أهل العلم ذلك وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن ~~الطيب وذهبوا إلى أنها مقرة على حقائق اللغات لم ينقل ولم يزد فى معناها. # وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيدت فى معناها فى الشرع3 والأصح. ~~PageV01P271 # هو القول الأول وصوروا الخلاف فى الصلاة والزكاة والحج والعمرة وما أشبه ~~ذلك فإن الصلاة فى اللغة الدعاء وقيل من ملازمة الشىء من قولهم صلى بالنار ~~واصطلى بها1 والزكاة هى النمو2 لغة والحج والعمرة القصد3 وقد حمل الشارع ~~الصلاة لأفعال مخصوصة والزكاة لفعل مخصوص من إخراج مال مخصوص والحج والعمرة ~~لأفعال فى أزمنة معلومة والحج من يتبع ذلك. # وقال أن الله تعالى أتى فى القرآن بلسان العرب وقال بلسان عربي مبين ~~وقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [ابراهيم: 4] والصلاة فى ~~لغة العرب الدعاء والحج هو القصد والصوم هو الإمساك فإذا ورد به الشرع وجب ~~أن يحمل على ما يقتضيه لسان العرب. # ببينة: أن هذا النقل يقبح لأن إذا نقل الاسم من معناه إلى معنى آخر اقتضى ~~تغير الأحكام المتعلقة به نحو أن يأمر الله عز وجل بالصلاة ويعنى بها ~~الدعاء فإذا نقل الاسم ms217 إلى هذه الأركان تغير به الفرض. # قالوا: فإن لم تغير حقيقة كون الصلاة اسم لهذه الأفعال التى نعرفها وفى ~~اللغة على الدعاء فإذا جعلت اسما [يهدم عينها] 4 فقد تغيرت. # نقول أن اسم الصلاة فى اللغة الدعاء وسميت الصلاة الشرعية بذلك لأن فيها. ~~PageV01P272 # دعاء فلم يختلف معناه والزكاة النماء وسميت الصدقة المفروضة زكاة لما ~~يوجد فيها من زيادة الثواب فى الآخرة والنماء هو الزيادة وسميت الأفعال ~~المعهودة حجا لأن الحج فى اللغة القصد فسميت هذه العبادة المخصوصة حجا لأن ~~فيها قصدا. # قالوا: ولأنه لو قال فى الأسماء شبهة قول لبينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيانا يقع به العلم لأن معناه لا بد من وقوع العلم فيه حتى يتوصل إليه ولو ~~بين بيانا يقع به العلم لقلنا ذلك كما علمهم ولما لم نعلم ذلك لأنه لم يفعل ~~ويجوز ما بينا فيدل أولا على إمكان نقل الأسماء. # فنقول أن كون الاسم اسما لمعنى نقل لشىء ولا يجب وإنما هو تابع للاختبار ~~به بدليل انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة ولأنه كان يجوز أن يسمى ~~المعنى بغير ما سمى به نحو أن يسمى البياض سوادا أو الحركة سكونا أو غير ~~ذلك وإذا كان كذلك جاز أن يختار مختار سلب الاسم من معناه أو نقله إلى غيره ~~وإذا كان ذلك نافعا للاختبار. # فإذا قال قائل إذا جوزنا ذلك لتباينت الحقائق. # قلنا إنما كان يلزم ذلك أن لو استحال انفكاك الآية عن المعنى وقد جاء أن ~~الأمر بخلاف ذلك ثم نقول قد جاء الشرع بعبادات لم تكن معروفة فى اللغة فلم ~~يكن بد من وضع اسم لها للتميز به عن غيرها كما يجب ذلك فى موارد يؤلفه بلا ~~كتاب وفى آلة يستحدثها بعض الصناع ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم ~~مبتدأ وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة إلا ترى فى المولود لا فرق ~~بين أن يستحدث له اسما ابتداء وبين أن يظل له اسما نعبر به. # ثم الدليل على أن ms218 الشرع قد نقل بعض الأسماء أن قولنا صلاة لم يكن مستعملا ~~فى اللغة بمجموع هذه الأفعال الشرعية ثم صار اسما بمجموعها حتى لا يعقل من ~~إخلافه سواه وكذلك فى الحج والزكاة فثبت الوجود وإذا ثبت وجود النقل ثبت ~~النقل إجماعا. # وأما كلامهم. # أما الأول قولهم أن القرآن والسنة جاءت بلسان العرب. # قلنا نحن نقول أن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب وهذه الأسماء كلها عربية ~~والخطاب بها خطاب بلغة العرب وليس إذا استعمل ذلك فى غير ما وضعته العرب. # PageV01P273 # خرج من أن يكون خطابا بلسان العرب إلا ترى أن الحمار قد يستعمل فى غير ما ~~وضعته العرب وهو الرجل البليد وكذلك البحر يستعمل فى غير ما وضعته العرب ~~وهو الرجل الجواد ولا يخرج الخطاب بذلك عن أن يكون خطابا بلسان العرب. # وأما قولهم أنه يؤدى النقل إلى تغير الأحكام الشرعية. # قلنا هذا النقل كان لتقرير الأحكام الشرعية لا لتغيير الأحكام الشرعية ثم ~~يمنع نقل اسم عن معناه إذا كان قد تعلق به فرض ولا يمنع من نقل اسم لم ~~يتعلق به فرض. # وأما قولهم إنما سميت الصلاة صلاة لأنها تشتمل على الدعاء قلنا أن قلتم ~~أن اسم الصلاة واقع به على جملة هذه الأفعال لأن فيها دعاء فقد سلمتم ما ~~يزيده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده فى اللغة ولا يضرنا أن يتعللوا وقوع ~~الاسم على هذه الأفعال مما ذكرتم وأن أردتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء ~~من جملة هذه الأفعال دون مجموعها فذلك باطل لأن المفهوم من قولنا صلاة جملة ~~الأفعال والمفهوم من قولنا فلان فى الصلاة أنه فى جزء من هذه الأفعال دعاء ~~كان أو غيره والمفهوم من قولنا فلان خرج من الصلاة أنه فارق جملة الأفعال ~~ولو كان الأمر كما ذكروه لوجب إذا قلنا أنه خرج من الصلاة أفاد أنه خرج من ~~الدعاء وإذا عاد إلى الدعاء يجوز أن يقال أنه قد عاد الآن إلى الصلاة فلما ~~لم يقل ذلك دل أن الصلاة اسم الأفعال المعلومة ms219 بجملتها وهذا الاسم واقع على ~~جملة الأفعال على وجه واحد فثبت أن النقل قد صح وقد قال الأصحاب أن صلاة ~~الأخرس صلاة حقيقة ولا دعاء فيها فدلت أن الاسم فى الشرع ليس بمعنى الدعاء. # وقد قال بعض أصحابنا معترضا على ما قلناه وقال الدعاء التماس وأحوال ~~المصلى أحوال يخضع المصلى فيها لربه عز وجل ويبغى بها التماسا فالشرع عمم ~~الكل اسم الدعاء تجوزا واستعارة وهذا دعوى المجاز فى هذه الألفاظ والأصح أن ~~هذه الأسماء حقائق شرعية ويجوز أن يقال أن هذه الأسماء شرعية فيها معنى ~~اللغة لأن الصلاة لا تخلو من الدعاء فى أغلب الأحوال والأخرس نادر ولأنا لو ~~اعتبرنا ذلك فقد يخلو فى حق بعض المرضى عن معظم الألفاظ وهذا اللفظ لا بأس ~~به. # وأما قولهم أنه لو حصل لها هذا النقل لوقع لنا العلم به. # قلنا قد أجبنا عن هذا فيما تقدم وعلى أنا نقول أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد بين ذلك بيانا. # PageV01P274 # ثابتا إلا ترى فى كل موضع ذكر الصلاة لم ترد إلا هذه الأفعال ولكن ليس من ~~شرط البيان أن يقع العلم به لكل أحد إلا ترى أنه صلى الله عليه وسلم بين ~~الحج بيانا ثابتا ثم لم يقع العلم به لكل أحد حتى اختلف العلماء فى إحرامه ~~فقال بعضهم كان مفردا وبعضهم قال كان قارنا وقال بعضهم كان متمتعا. # PageV01P275 ### | فصل: الحقائق العرفية # ... # فيصير هو المفهوم عند إطلاقه لكثرة استعمالهم الاسم فيه وهو الفرس وقد دل ~~هذا الذى ذكرناه على وجود النقل كما دل على حسنه وقد قال أهل اللغة أن ~~التروية اسم للجمل وقد صار بالعرف المزادة والغائط للمكان المطمئن وقد صار ~~بالعرف اسما للحاجة وأما إشارة انتقال الاسم فهو أن يسبق الأفهام عند سماعه ~~معنى غير ما وضع له فى الاسم فإن كان السامع الاسم يتردد فى فهم المعنى ~~العرفى واللغوى معا كان الاسم مشتركا فيهما على سبيل الحقيقة. # واعلم أنه كما جاز وجود الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية كذلك يجوز ~~وجود المجاز ms220 اللغوى والعرفى والشرعى فإن قال قائل ثم تعرفون الحقيقة عن ~~المجاز والمجاز عن الحقيقة قلنا الأصل أن الكلام يحمل على الحقيقة بالإطلاق ~~وعلى المجاز بالدليل ويعرف الفصل بين الحقيقة والمجاز بوجوه منها أن يرد نص ~~أو يقوم دليل أن اللفظ مجاز. # ومنها أن يعلم استعمال العرب اللفظ فى شىء وعدم استعمالها فى غيره فإذا ~~أطلق اللفظ حمل على ما استعملوه ويكون حقيقة. # ومنها أن تكون اللفظة تطرد فى موضع ولا تطرد فى غيره فيعلم أنها قد اطردت ~~فيه حقيقة وفيما لم تطرد فيه مجاز1. # وبيان الإطراد وعدم الإطراد أن قولنا أطول يفيد ما اختص بالطول وإذا ~~علمنا أن أهل اللغة سموا الجسم طويلا عند اختصاصه بالطول ولولا ذلك ما سموه ~~طويلا علمنا أنهم سموه بذلك لطوله فسمينا كل جسم فيه طول طويلا. # وأما فى المجاز فلا يثبت الإطراد بحال وهذا نحو تسميتهم الرجل الطويل ~~نخلة فإنه يجوز أن يسمى كل رجل طويل بذلك ولكن لا يجوز أن يسمى غير الرجل ~~بذلك. # ومنها غلبة الظن وهو أن يرد لفظ يغلب على ظن السامع أنه حقيقة أو ترد ~~لفظة يغلب على الظن أنه مجاز وهذا لأن الفصل بينهما نوع حكم والأحكام تثبت ~~بغالب الظن ومنها أن يستعمل الشىء فى الشىء لمقابلته فيعلم أنه مجاز استعمل ~~لأجل المقابلة وهذا مثل قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] ~~فهذه وجوه. PageV01P276 # فأصلة بين الحقيقة والمجاز وعند الإشكال والاشتباه يحمل على الحقيقة إلا ~~أن يقوم الدليل على المجاز. # واعلم أن الكلام الواحد يجوز أن يكون له حقيقتان وقد يتفقان على المضادة. # والدليل على جواز ذلك وجوده فإن الاسم العين يطلق على عين الرأس وعين ~~الماء وهو حقيقة فى كل واحد منهما والقرء اسم للحيض والطهر والشفق اسم ~~للحمرة والبياض وليس هذا بأكثر من المحمل الذى يصح وروده لما يقترن به من ~~البيان كذلك هاهنا صح أيضا لما يستعمل فيه من البرهان وقد يكون اللفظ له ~~حقيقتان فيحمل اللفظ عليهما جميعا كاسم الناض فى الذهب والفضة واسم ms221 الماشية ~~حقيقة فى كل نوع من الإبل والبقر والغنم فإذا ورد مثل هذا اللفظ فى موضع ~~يحمل اللفظ على كل ما هو حقيقة فيه إلا أن يخص أحدهما دليل. # وأما إذا تناول الاسم الواحد شيئين متضادين كالحيض والطهر فى القرء وما ~~أشبه ذلك والحمرة والبياض فى الشفق فإنه يصار إلى الترجيح بالدليل فيرجح ~~أحدهما على الآخر ويصير الحكم الراجح ويجوز أن يرد تغيير بنيهما فى الشرع ~~فيخير المكلف أحدهما وهذا اللفظ الواحد إذا كان له حقيقتان متضادتان فهذا ~~وجه الكلام فيما قصدنا والله أعلم. # مسألة يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان. # وسواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازا وهذا قول أبى ~~على الجبائى وعبد الجبار وأحمد وزعم أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجوز أن يراد ~~باللفظ الواحد معنيان مختلفان وهو قول أبى القاسم ويزعم الضميرى من أصحابهم ~~أن هذا قول أبى حنيفة على الخصوص وأن عند أبى يوسف ومحمد يجوز ذلك1. # واحتجوا فى ذلك وقالوا: أن الحقيقة هى اللفظ المستعمل فى موضعه والمجاز ~~هو اللفظ الذى يجوز به عن موضعه ولا يجوز أن يكون اللفظ الواحد مستعملا فى ~~موضعه ومستعملا فى غير موضعه فى حالة واحدة بل يستحيل ذلك كما يستحيل ~~الاقتصار على الشىء والمجاوزة عنه فى حالة واحدة. PageV01P277 # وقالوا: يبين ذلك أن العبارة تعتبره عبارة عن الشىء المعبر به عنه بالقصد ~~إلى ذلك فلما استحال القصد إلى ما ذكرناه من هذين الشيئين المختلفين لم يجز ~~أيضا أن يكون اللفظ الواحد عبارة عنهما وقال أبو عبد الله البصرى المعروف ~~يجعل أن الإنسان يجد فى نفسه تعذر استعمال اللفظة فى مجازاتها وحقيقتها قال ~~وجرى مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به فى حالة واحدة وقالوا: أيضا أن المستعمل ~~للكلمة فيما هى مجاز فيه لا بد أن يسم فيه كاف التشبيه والمستعمل لحالتها ~~على حقيقة فيه لا يسم فيه كاف التشبيه ومحال أن يضمر الشىء ولا يضمره ~~قالوا: ولهذا نقول فى قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43] لما حمل ~~على ms222 الوطء لم يجز حمله على اللمس باليد لأنه حمل على المجاز ولا يحمل على ~~الحقيقة. # والدليل على أن الآية قد تناولت الوطء جواز التيمم للجنب ولهذا من حمل ~~الآية على اللمس باليد لم يجوز التيمم للجنب مثل ابن مسعود ومن حمله على ~~الوطء جوزه مثل ابن عباس. # وأما دليلنا نقول إنكم لا تخلون أما أن تقولوا يستحيل فى مطلق اللفظ ~~المشترك إرادة المعنيين معا أو تقولوا لا يستحيل منه إرادتهما. # فإن قلتم يستحيل إرادة المعنيين فهذا جحد الضرورة ومعاندة المعقول فإنا ~~نعلم قطعا جواز إرادة المعنيين المختلفين غير المتناقضين بلفظة واحدة إلا ~~ترى أنه لا يستحيل أن نقول إذا أحدثت فتوضأ يريد به البول والغائط وكذلك ~~تقول إذا لمست فتوضأ وتريد به الوطء واللمس باليد جميعا وهذا أمر قطعى لا ~~يمكن خلافه. # وإن قلتم لا يستحيل إرادة المعنيين ولكن لا يفهم من مطلق اللفظ جميع ~~المعنيين من غير قرينة فهذا نحن نقول به فإنه إذا احتمل إرادة المعنيين ~~واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف فى معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع ~~والتخصيص. # فإن قالوا: هذا الدليل فى المعنيين المختلفين فما دليلكم فى الجمع بين ~~إرادة الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وقد بينا استحالته يدل عليه أن المجاز ~~لا يعقل من الخطاب إلا بقرينة وتقييد والحقيقة تعلم منه بالإطلاق من غير ~~قرينة وتقييد ويستحيل أن يكون الخطاب الواحد جامعا بين الأمرين فيكون مطلقا ~~مقيدا فى حالة واحدة وهذا كقرينة الخصوص وقرينة الاستثناء فإنه يستحيل أن ~~يكون اللفظ الواحد عاما خاصا مستثنى منه غير مستثنى منه. # PageV01P278 # الجواب أن اللفظ الواحد يجوز أن يحمل على الحقيقة والمجاز إذا تساويا فى ~~الاستعمال لكن إذا عرى عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إلا أن ~~يقوم الدليل على أنه مراد به وقيام الدلالة على إرادة المجاز لا ينفى عن ~~اللفظ إرادة الحقيقة والدليل على جواز ما ذكرناه صحة تعلق القصد والإرادة ~~بهما جميعا وصحة التصريح بهما متعلقين بلفظ واحد إلا ترى أنه يصح أن ms223 نقول ~~لا تنكحوا ما نكح آباؤكم عقدا ووطئا وتوضئوا باللمس مبينا وجماعا فإذا صلحت ~~الكلمة إنما كان الجمع بينهما مثل الجمع بين المعانى التى تشتمل عليها ~~الكلمة الواحدة كشمول لفظ العموم لجميع الآحاد ولفظ الأمر للإيجاب ~~والإباحة. # وأما قوله أن المجاز لا يعلم بتناول اللفظ بلا تقييد والحقيقة تعلم ~~بالإطلاق فلا جزم لأنا إنما ذكرنا هذا فى اللفظ الذى اشترك فى عرف استعمال ~~الحقيقة والمجاز معا وفى هذه الصورة لا ينافى جواز دخول العرف على كل واحد ~~منهما. # فإن قيل فعلى ما قلتم تكون الكلمة الواحدة مجازا وحقيقة وهذا يستحيل. # قلنا هذا لا نأباه لكن المجاز متعلق فيها بغير ما تعلق به الحقيقة وهذا ~~كالأمر الذى هو نهى عندنا عن جميع أضداد ما تناوله الأمر فهو إذا أمر ونهى ~~لكن اجتماعهما فى جهتين مختلفتين وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن معتمدهم وهو ~~الكلام الأول والثانى وهذا لأنه ليس بين إرادته وبين أن تكون الكلمة ~~مستعملة فى موضعها فى شىء ومعدولا بها عن موضعها فى شىء آخر تنافى كما لا ~~تنافى فى أن يريد به معنى ويريد به معنى آخر إنما التنافى أن نقول أراد أن ~~يستعملها فيما وضع له اللفظ وأراد أن لا يستعملها فيما وضعت له اللفظة وهذا ~~لا يقول به أحد. # وأما حجة أبى عبد الله البصرى قلنا قولك أن الإنسان يجد من نفسه تعذر ذلك ~~دعوى بل المعلوم فى نفسه صحة ذلك وأما إجراؤه هذا مجرى تعظيم زيد ~~والاستخفاف به فذلك مفارق لما نحن فيه إلا ترى أنه يجوز أن نريد الحقيقة ~~والمجاز بخطابين فى وقت واحد ولا يجوز أن يعظم زيد ويستخف به بفعلين فى وقت ~~واحد وعلى أن الفرق بين الموضعين أن الاستخفاف ينبىء عن اتضاع حال ذلك ~~الغير والتعظيم ينبىء عن ارتفاع حاله ومحال أن يكون الإنسان فى حالة واحدة ~~مرتفع الحالة ومتضع الحال وأما فى مسألتنا فلا تنافى إلا ترى أنه يستقيم أن ~~نقول أنهاك عن مسيس النساء. # PageV01P279 # ونريد به اللمس باليد والجماع ms224 وأما الذى قال من كأن للتشبيه وترك كاف ~~التشبيه. # قلنا إذا قال الإنسان رأيت السباع وأراد به أنه رأى أسدا ورجالا شجعانا ~~فإنه لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه فى بعضهم دون بعض ثم يدل على فساد ~~مذهبهم من أصولهم كأنهم قالوا: لو حلف لا يضع قدمه فى الدار فدخل راكبا أو ~~ماشيا حنث وقد تناول اللفظ الحقيقة والمجاز. # وكذلك قالوا: لو قال اليوم يدخل فلانا الدار فعبده حر فدخل ليلا أو نهارا ~~حنث وقالوا: في السير الكبير لو أخذ الأمان لبنيه يدخل فيه بنوه وبنو بنيه ~~وأن كان فى أول اليوم من النهار حقيقة والليل مجازا وفى الثانى البنون بنوه ~~من صلبه حقيقة وبنو بنيه على وصف المجاز. # واعلم أنه قد ذكر بعضهم أنه لا يجوز هذا من جهة اللغة لأن أهل اللغة ~~وضعوا قولهم حمارا للبهيمة وحدها وتجوزوا بها فى البليد وحده ولم يستعملوه ~~فيهما معا إلا ترى أن الإنسان إذا قال رأيت حمارا لا يفهم منه البهيمة ~~والبليد جميعا وإذا قال رأيت حمارين لا يفهم منه أربعة أشخاص بهيمتين ~~وبليدين. # والجواب أنا ادعينا ذلك إذا انضم إلى ذلك عرف الاستعمال وإذا كان كذلك ~~فلا يأباه العربى ولا غير العربى وعلى أنه إذا جاز فى الإرادة وأمكن ~~العبارة عنهما بأى وجه كان فقد ثبت ما رتبناه. # PageV01P280 ### | فصل: ما يرجع إلى لغه العرب ووجوه استعمالها # ... # فصل. # وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر ما يرجع إلى لغة العرب ووجوه استعمالها ~~اعلم أن الألفاظ لا بد من الاعتناء بها لأن الشريعة عربية وقد نزل القرآن ~~بلسان العرب وجاءت السنة بلسانهم وقد قال بعضهم أن القرآن يشتمل على ما ليس ~~من لسان العرب وهذا ليس بشىء لأن الله تعالى قال: {إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا} [يوسف: 2] وقال: {بلسان عربي مبين} [الشعراء:195] وهذا يدل على أن ~~كل القرآن عربى وأنه ليس فيه شىء من غير لسان العرب وأيضا لو كان فيه من ~~غير لسان العرب لاختل أمر التحدى ولم يثبت الإعجاز لأنه يكون طريقا ms225 لهم فى ~~أن يقولوا أن القرآن الذى جاء به يشتمل على لسان العرب وغير لسان العرب ~~ونحن لا نعرف إلا لسان العرب فى بلدنا من قبل هذا فيؤدى هذا القول إلى نفى ~~أمر الإعجاز. # PageV01P280 # وأما الألفاظ التى يذكرون أنها وردت فى القرآن ليست من لغة العرب وسموا ~~ذلك فى مواضع فاعلم أنها من لسان العرب ولا نقول إنها ليست من لسانهم لكن ~~يجوز أن يقع موافقة بين لغة ولغة وكلمات معدودة وهذا غير مستنكر ولا مستبدع ~~وقد قيل أن مثال هذا ما يقال بالعربية للسما سماء بالسريانية سمسا ويقال فى ~~العربية حياة وبالعبرانية حيا ويقال سروال بالعربية وبالعجمية شروال لما ~~يلبس وقد ذكروا أشباها آخر كهذا وإذا ثبت ما ذكرناه أن الشريعة عربية ~~فينبغى للمجتهد أن يعلم من لغة العرب ما يحتاج إليه ويعرف طريق استعمالهم ~~ووجوه مخارج كلامهم من مثلها. # ثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا فى مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف ~~من الله عز وجل1 وصار صائرون إلى أنها ثبتت اصطلاحا تواطؤا2 والمختار أنه ~~يجوز كل ذلك أما التوقيف فلا يحتاج إلى دليل فلا يجوزه وقد قال الله تعالى: ~~{وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] فيجوز أن تكون الأسماء أو حيت ويجوز ~~أن يثبت الله فى الصدور علوما بصيغ مخصوصة لمعانى فيبين للعقلاء الصيغ ~~ومعانيها فيكون معنى التوقيف أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة ~~والاختيار. # وأما الدليل على تجويز وقوعها اصطلاحا أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى ~~رأس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيار منهم صيغا ~~لتلك المعانى التى يريدونها إلا ترى أن الإنسان يولد له مولود فينشىء له ~~اسما وكذلك يجوز أن يستحدث صيغة وآلة فيصيغ اسما ولآلتها اسما فدل أن ~~التوقيف جائز والاصطلاح جائز والظاهر فى الأسامى هذه أن بعضها كان توقيفا ~~من الله عز وجل على ما نطق به الكتاب وبعضها كان اصطلاحا وتوقيفا. # وإذا عرف هذا فنذكر بعد هذا مسألة معروفة فى الأصول يبنى عليها مسائل وهى ~~مسألة ms226 جواز أخذ الأسماء من جهة القياس: # فنقول اختلف أصحابنا فى جواز أخذ الأسماء من جهة القياس فذكر الأكثرون من ~~أصحابنا أن ذلك جائز وهو اختيار ابن سريج وقد دل عليه من مذهب الشافعى. ~~PageV01P281 # قوله فى مسألة شفعة الجار وقال أن الشريك جار واستدل عليه بقوله امرأتك ~~أقرب إليك أم شريكك فقياس الاسم معنى القرب واحتج فى الأمر باشتقاق اللفظ. # وذهب جماعة من أصحابنا إلى أن إثبات اللغة بالقياس لا يجوز وهو قول أصحاب ~~أبى حنيفة وأكثر المتكلمين1 واحتج على ذلك وقال أن اللغة أما توقيف واصطلاح ~~فلا معنى للرجوع إليه ببينة قوله ما من شىء إلا وله اسم فى اللغة توقيفا ~~فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر بالقياس كما إذا ثبت الحكم بالنص لم يجز أن ~~نثبت له حكما آخر بالقياس. # والمعتمد لهم أن الخلاف فى الأسماء المشتقة والعرب تلتزم وجود الاشتقاق ~~فإنهم سموا الدابة دابة لدبيبها ولم يسموا كل ما يدب دابة وسموا الجنين ~~جنينا لاستتاره ولم يسموا كل مستتر جنينا وسموا المجن مجنا لأنه يستتر به ~~الإنسان ولم يسموا كل ما يستتر به مجنا. # وأقرب من هذا أن الخمر ليس فى معنى اسمها الإطراب إنما هى من المخامرة ~~والتخأمر والتخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخأمر العقل ~~خمرا وأن لم يطرب الخمر يدل عليه أن العرب خالفوا بين المتشاكلين فى الاسم ~~فسموا الفرس الأدهم أدهم وسموا الحرير الأسود أدهم وسموا الفرس الأبيض أشهب ~~ولم يسموا الحمار الأبيض أشهب فدل عليه أنه لا مجال للقياس فى هذا. # قالوا: ولأنكم أن أثبتم هذه الأسماء لغة للعرب فلا يجوز أن تكون اللغة ~~أسبق من الشرع ولتقدم اللغة خاطبنا الله تعالى بها فلا يجوز إثبات الأسماء ~~فيها بأمور طويلة. # تنبيه أن الدليل بإثبات الأسامى قياسا أن كان يزعم أن العرب أرادت هذه ~~الأسماء وأن لم يبوحوا بذلك فهو تحكم من غير تثبت ولا نقل فيما يزعمه وأن ~~قال أن العرب لم تمنع بذلك فى مواضع يلحق ذلك بلسانهم وهذا ms227 محال لأن إلحاق ~~شىء بالشاهد ليس من لسانهم لا يعرف وأما دلائل من جوز ذلك فى الأسماء ~~المشتقة لأن الاسم الموضوع يبنى على ذلك الشىء فحسب والاسم المشتق يبنى على ~~ذات الشىء وفعله وخاصيته والدليل على جواز تعليله أنه نقل عن الصحابة تعليل ~~الأسماء قال عمر رضى الله عنه الخمر ما خأمر العقل وقال ابن عباس [رضى الله ~~عنهما] 2 إشارة كل مخمر خمر. PageV01P282 # فالأول إشارة إلى التعليل بالشدة المضرة لأنها بشدتها والتصاقها يمازج ~~السكر منها العقل وكذلك قول ابن عباس رضى الله عنهما إشارة إلى أنها تغطى ~~العقل بالسكر كما يغطى الإناء بالغشاء. # ببينة: أن أهل اللغة جعلوا الأسماء على أقسام فجعلوا المشتقة أحد تلك ~~الأقسام والاشتقاق بأنه القياس وربما استعاروا فى الأسماء الموضوعة ~~واستخرجوا من ذلك أسامى وتصريحات فى مواضع من ذلك قولهم أشياء شد الرحيل ~~إذا نوى وأسدته على كذا إذا شببه وقالوا: كلب أشياء وكلب الدهر علينا وسبع ~~فلان فهذه اشتقاقات من اسم السبع والكلب والأسد. # قال الخطابى ومثل ذلك فى كلامهم كثير وقد استعمله النبي صلى الله عليه ~~وسلم فى كلامه قال صلى الله عليه وسلم: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" 1 ~~وقال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه عز وجل: "أنا الرحمن وهى الرحم شققت ~~لها من اسمى من وصلها وصلته ومن قطعها ثنيته" 2. # وقد أحدث فى الشرع أسماء لم تكن فى الجاهلية كالمنافق وإنما اشتق من ~~نافقة السرجوح3 وكالفاسق يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وإذا ثبت أنهم ~~وضعوا الأسماء وصرفوا الكلام تصريفات من جهة الاشتقاق ذلك أنهم جعلوا ~~المشتق بمنزلة الفرع والمشتق منه بمنزلة الأصل والمعنى الذي اشتق لأجله ~~بمنزلة العلة هذا الذى قلناه قدر الإمكان واعلم أن كلماتهم فى نفى إثبات ~~الأسامى لغة العرب بالقياس قوى جدا فالأولى أن نقول يجوز إثبات الأسامى ~~شرعا ولا يجوز إثباتها لغة وهذا هو الذى اختاره ابن سريج والدليل على جواز ~~ذلك أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لأجل صفة ms228 من الصفات متى ~~اشتقت تلك الصفة عنها لم تسم صلاة ونعلم أيضا أن ما شاركها فى تلك الصفة ~~تكون صلاة ونبين هذا بثبوت الأسماء الشرعية بالعلل وأن شئت قلت: أن الشريعة ~~وسعت هذه الأسماء الشرعية مثل الصلاة الزكاة الحج وغير ذلك لاختصاصها ~~بأحكام من الشريعة فإذا ثبت هذا الأمر لمعان جاز قياس كل محل وجد فيه ذلك ~~المعنى وتسميته بذلك المعنى الاسم وعلى هذا خرجت الأسماء. PageV01P283 # اللغوية وأن لم يلزم ما ذكروه من تركهم اطراد معانى الأسماء فعلى هذا ثبت ~~اسم الخمر للنبيذ شرعا ثم حرم بالآية وكذلك ثبت اللواط اسم الزنا شرعا ثم ~~يجب الحد بالآية وثبت اسم السارق للنباش شرعا ثم يجب القطع بالآية والله ~~أعلم. # PageV01P284 ### | فصل: فى ذكر وجوه المجاز وطرق استعماله # اعلم أنا بينا أن الكلام ينقسم إلى الحقيقة والمجاز والصريح والكناية ~~والمبين والمجمل والمفسر والمبهم والخصوص والعموم والمطلق والمقيد وقد بينا ~~ذلك وهذه الوجوه كلها بلسان العرب وجاء الكتاب والسنة بها والبيان المطلوب ~~متعلق بجميع ذلك وقد كنى الله تعالى عن النساء بالنعاج فقال تعالى: {إن هذا ~~أخي له تسع وتسعون نعجة} [ص: 23] وكنى عن الوطء بالإفضاء وكنى عن النساء ~~بالحرث وكنى عنهن باللباس وكنى عن ما يخرج من الإنسان بالغائط وكنى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الوطء بالعسيلة وكنى عن النساء بالقوارير وكنى عن ~~قرب المشركين بلفظ النار وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تستضيئوا بنار ~~المشركين" 1. # وقد قيل أن الكناية عند العرب أبلغ من الصريح فى معنى البراعة وأكثر ~~أمثال العرب على مجاز من الكنايات ويقولون فلان عفيف الإزار طاهر الذيل ~~وكنوا عن الاقتضاض بثقب اللؤلؤ وكنوا عن بنت الرجل بكريمته وعن الصغير ~~بالريحانة وعن الأخت بالشقيقة وعن الأعمى بالمحجوب وعن الأبرص بالوضاح وعن ~~الأسود الذى قد شاب رأسه بالغراب وعن البخيل بالمتقصد وكنوا عن البخيل بأنه ~~جعد الأصابع وقالوا: فيمن اكتهل سدل الأدهم2 بالأبلق3 وقالوا: استبدل المسك ~~بالكافور وأمثال هذا كثير. # واعلم أن المجاز على وجوه كثيرة ويذكر بعضها من ذلك ms229 تسمية الشىء باسم ~~غيره4 إذا كان لسبب كتسميتهم البنت ندى لأنه من الندى يكون بما سموا النجم ~~ندى لأنه عنه. PageV01P284 # ينعقد ومن هذا تسميتهم الوطء نكاحا لأن العقد الذى هو حقيقة النكاح سبب ~~له فسمى باسم سببه كتسميتهم المطر سماء لأنه من السماء ينزل. # تقول العرب ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم وقال الشاعر # إذا سقط السماء بأرض قوم ... وأرض القوم ليس لهم حجاب # ومن هذا قوله تعالى: {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها ~~خالدون} [آل عمران:107] يعنى الجنة لأن دخولهم الجنة برحمته يكون. # ومن المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقارنه ويجاوزه قال امرؤ القيس. # إذا ما الثريا فى السماء تعرضت # وفى شعر زهير سمى عاقر الناقة أخا عاد وأراد ثمود لقرب ما بينهما وسموا ~~أهداب العين أشفارا وإنما الأشفار مبيت أهداب العين وعبروا أيضا عن الجفن ~~بالعين وبالمحاجر عن الوجه قال الشاعر. # هن الحرائر الأرباب لعمرى ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور # وقال بعض أصحابنا أن الوجه يعبر به عن العين مجازا ومن هذا قوله تعالى: ~~{وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} [القيامة:23] معناه أعين يومئذ ناضرة ~~ويعبرون عن الوجه بالناصية فيقولون فلان مبارك الناصية أى مبارك الوجه ومن ~~المجاز تسميتهم الشىء باسم ما يؤول إليه1 قال الله تعالى: {إني أراني أعصر ~~خمرا} [يوسف: 36] وقال تعالى لهما يأكلون في بطونهم نارا ومن هذا قوله صلى ~~الله عليه وسلم فى الذى يشرب فى آنية الذهب والفضة: "إنما يجرجر فى بطنه ~~نار جنهم" 2. # ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم مكانه قال الله تعالى: {إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع} [ق: 37] أى عقل فكنى عن العقل بالقلب لأنه ~~مكان العقل ومن هذا قوله تعالى: {لأخذنا منه باليمين} [الحاقة:45] أى ~~بالقوة لأن اليمين محل القوة ومن هذا أيضا تسميتهم قضاء الحاجة غائطا ~~والشىء النجس عذرة ومن هذا تسمية الولد لهوا قال الله تعالى لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا أى ولدا لأنه وضع اللهو. PageV01P285 # ومن المجاز تسميتهم ms230 باسم بعض1 يقول القائل من على رأس كذا يريد نفسه وقال ~~تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} النساء 3 أى ملككم ومن ذلك قوله فظلت أعناقهم ~~لها خاضعين الشعراء 4 أى فظلوا ومن ذلك قوله عليه السلام: "على اليد ما ~~أخذت حتى ترد" 2 وقد فرع مشايخنا على هذا مسألة إضافة الطلاق إلى اليد ~~والرجل وقد بينا فى الخلافيات وعلى هذا الأصل تفريعات كثيرة. # ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم الشىء على معنى التشبيه3 قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: "هو سيف من سيوف الله عز وجل" 4 أى كالسيف ~~فى إمضائه وركب فرسا لأبى طلحة فقال وجدناه بحرا شبهه به لسعة الجرى ومنه ~~تسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا والشرير كلبا. # ومن وجوه المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقابله5 مثل قوله تعالى: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] سمى الثانى سيئة وأن كان جزاء السيئة ~~حقيقة لأنه يقابله وكذلك قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ~~ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] فسمى الثانى اعتداء لمكان المقابلة ومن ~~المجاز تسمية الشىء باسم غيره إذا قام مقامه وسد مسده وقد ورد هذا فى ~~الأشعار. # ومن المجاز حذفهم بعض الكلام على وجه لا يؤدى إلى الالتباس قال الله ~~تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82] أى أهل القرية وقال تعالى: {الحج أشهر ~~معلومات} [البقرة: 197] أى وقت الحج أشهر معلومات. # ومن المجاز أيضا الاستعارة فإن العرب تستعير الشىء لنوع مقاربة بينهما ~~قال الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ~~[البقرة: 187] . PageV01P286 # فالاستعارة فى لفظ الخيط ومن الاستعارة قوله تعالى: {واشتعل الرأس شيبا} ~~[مريم: 4] وإنما الاشتعال للنار ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة} [الاسراء: 24] فاستعار اسم الجناح وهو العلو المعروف وقال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: "رجل أخذ بعنان فرسه كلما سمع ضيعته طار إليها" ~~1 أى أسرع إليها فاستعار اسم الطير للإسراع. # ومن المجاز المعروف قوله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه} [الكهف: 77] ~~أى قارب وأشرف قال ms231 الشاعر: # إن دهرا يلف شملا بشملى ... لزمان قد هم بالإحسان # ووجوه المجاز كثيرة فاقتصرنا على ذكر بعضها وتركنا الباقى لئلا يطول. # واعلم أنه قد ذكر أبو زيد ومن نظر طريقته فصلا فى الحقيقة والمجاز لا بد ~~من ذكره لأنه يتعلق بذلك أصل كبير فى مسائل الخلاف الذى بينهم وبيننا قال ~~أبو زيد فى تقويم الأدلة أنواع استعمال الكلام أربعة حقيقة ومجاز وصريح ~~وكناية. # أما الحقيقة كل كلام أريد به ما وضع واضع اللغة الكلام له. # والمجاز كل كلام أريد به غير ما وضع واضع اللغة الكلام به يقال حبك لى ~~مجازا أى هو باللسان لا بالقلب الذى هو معدنه وهذا الوعد منك مجاز لأنه لم ~~يرد به التحقيق قال وقد ظهر المجاز ظهورا عظيما فى كتاب الله عز وجل ورسائل ~~الكتبة وأشعار العرب حتى كاد يغلب على الحقيقة وجودا واستحسانا وبه توسعت ~~اللسان وصلحت ثم قال فالحقيقة تبقى ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة ~~كالنصوص فى باب الشرع وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى سماعه ثبت لغه فلا ~~يعتبر فيه السماع بل يعتبر المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فإذا تكلم على ذلك ~~المعنى صح والمجاز آت والاستعارات أمر شائع بين الخطباء والكتبة والشعراء ~~حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع اللغة فإذا تكلم بالاستعارات ~~والتعريضات دل أنه ليس بسمعى قال ومن الناس من ظن أن المجاز لا عموم له وهو ~~غلط لأن ما أمكن اعتبار العموم فيه يعتبر ولأن الاستعارة تقم المستعار من ~~اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذى استعير له ولولا هذا لكان المتكلم به ~~مخلا بالغرض وكان لا يحسن به المتكلم فلما كان المستعار أحسن من. ~~PageV01P287 # الحقيقة دل أنه مثله فى البيان أو أكثر. # قال ويتبين مما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز ~~لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب الواحد لا يجوز أن يكون عارية وملكا قال ~~ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثا لأن الجماع مراد بقوله: {أو لامستم النساء ~~فلم تجدوا ماء} [النساء: 43] فبطل ms232 أن يكون الحقيقة مرادا وكذلك قال علماؤنا ~~أن النص المتناول لتحريم الخمر لا يتناول سائر الأشربة لأن الاسم الذى من ~~العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجاز لاتصال بمعنى مخامرة العقل فلا ~~يدخلان جميعا تحت هذا الكلام وهذا كلام أبى زيد وخرج على هذا سائل له وذكر ~~غيره ممن ينظر طريقته من جملة العصريين وهو أن المعنى الذى اعتبره أهل ~~اللغة فى المجاز هو أن يكون بين المستعار منه والمستعار اشتراك فى المعنى ~~وذلك المعنى فى المستعار منه أبلغ وأبين هكذا قاله أهل اللغة فيما زعمه ~~وحكاه على بن عيسى الريانى صاحب التفسير قال وإنما شرطنا هذا لأن ترك ~~الحقيقة مع القدرة على الاستعمال لها والميل إلى المجاز وفيه نوع إيهام ~~وتلبيس لا يجوز إلا لفائدة لا تجوز إلا فى الحقيقة وذلك ما بينا وهو أن ~~يكون فيه زيادة بيان لا توجد فى الحقيقة قال وهذا مثل قوله فاصدع بما تؤمر ~~ومعناه امتثل بما تؤمر فقد استعار قوله فاصدع فى مكان قوله امتثل والصدع هو ~~الشق والصدع بمعنى الشق مستعار منه والامتثال مستعار له وقوله فاصدع مستعار ~~والمعنى المشترك بين الشق هو التأثير فإن الشق له أثر فى الشقوق والامتثال ~~له أثر فى المأمور به إلا أن تأثير الشق فى المشقوق أبين من تأثير الامتثال ~~فى الشق وكأن فى المجاز زيادة بيان فإن طلب الامتثال بقوله فاصدع بما تؤمر ~~أبلغ من طلب الامتثال بقوله فائتمر وكذلك يقال فى بنى آدم أسد لاشتراكهما ~~فى المعنى وهو الشرط فيه وهذا المعنى فى الأسد أبلغ لأنه أشجع الحيوانات ~~وكذلك أيضا استعارة اسم الحمار فى البليد وزعم على هذا أنه لا يجوز أن يجعل ~~لفظ الطلاق كناية ومجازا عن العتق لأن هذا الشرط لا يجوز أن يوجد فى هذه ~~الصورة لأن العتق أبلغ فى الإزالة والطلاق دونه1 وأما لفظ الهبة أو التمليك ~~يجوز أن يجعل مجازا فى النكاح2 لأن. PageV01P288 # لفظ الهبة والتمليك لإثبات الملك أبلغ من لفظ النكاح إلا ترى أنه يفيد من ~~التمليك ms233 ما لا يفيده لفظ النكاح قالوا: ولهذا قلنا فى قوله لعبده وهو أكبر ~~سنا منه هذا ابنى أنه يعتق ويصير قوله هذا ابنى مجازا عن العتق لاشتراكهما ~~فى المعنى فإن كل واحد من اللفظين يوجب حرية العبد وقوله هذا ابنى أبلغ فى ~~إفادة الحرية لأنه يوجب الحرية قبل قوله بزمان كثير لأنه يولد حرا لو ثبت ~~ما قال وقوله أنت حر يوجب الحرية فى الحال وكان المعنى فى المستعار منه ~~أبلغ منه فى المستعار لذلك وصحت الاستعارة قال وإنما استعملنا على جهته ~~المجاز لأن المجاز أحد فسمى الكلام استعمالا على ما مر إلا أن الحقيقة ما ~~سبقهما ثبوتا فإذا تعذرت الحقيقة بصرفه دلالة تعين المجاز مرادا وحمل ~~الكلام عليه وهذا الذى ذكره لا يعرف فى استعمال المجاز ولم يذكر فى كتاب من ~~كتب اللغة وإنما الاستعارة فى الكلام ضرب من التوسع وليظهر براعة المتكلم ~~وحسن تصرفه في الكلام واقتداره عليه وليس لأن الاستعارة أفادت معنى زائدا ~~على ما يفيده حقيقة الكلام إلا ترى أنهم تكلموا بالصريح والكناية وقد ~~استكثروا من الكناية على حسب ما استكثروا من الاستعارة ومعلوم أن الكناية ~~لا تفيد زيادة على ما يفيده الصريح ولا يقال أنهم لما تركوا الصريح مع ~~قدرتهم عليه وجب أن يكون تركهم الصريح إلى الكناية لنوع فائدة لا توجد فيه ~~بل قيل أنه ضرب من التوسع فى الكلام ونوع من البراعة واللمس واقتدار على ~~تصاريف الكلام وفنونه والدليل على أن ما قالوه ليس بشرط أنهم استعاروا لفظ ~~المس للوطء ولفظ القربان للدخول ونحن نعلم قطعا أنه ليس فيه زيادة على ما ~~يفيده لفظ الجماع بل للفظ الجماع والوطء وصريح لفظ النيل من الزيادة على ~~هذه الألفاظ وكذلك لفظ الخيط الأبيض والأسود استعير لضوء النهار وسواد ~~الليل وليس لمعناه زيادة على معنى الضوء والظلام إلا أنا مع هذا كله لا ~~ننكر أن يتفق مثل ما قالوه اتفاقا فإما أن يكون ذلك من شرطه فلا وأما قولهم ~~أنه يقال للشجاع أسد وللبليد حمار وللشرير ms234 كلب والمعنى الذى استعير لأجله ~~هذه الأسامى أبلغ فى هذه المعانى قلنا فى هذه الصورة قدر كاف التشبيه فكأنه ~~قيل شجاع كالأسد وللبليد كالحمار أو شرير كالكلب وإنما يشبه الشىء بالشىء ~~فى المعنى إذا كان المشبه به أبلغ فى ذلك المعنى فأما الاستعارة باب آخر ~~وقد ذكرنا أن ما ظاهره ليس بشرط بوجه عام وأما الذى قالوه فى أول الفصل أن ~~الكلام لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز وقد بينا وجه صحة ذلك وذكرنا من ~~أصولهم ما ينقض أصلهم الذى زعموه وأما استعمال لفظ. # PageV01P289 # الهبة والبيع فى عقد النكاح فلا يجوز لأن الاشتراك فى المعنى لم يوجد ~~وكذلك السببية التى يدعونها لم توجد أيضا لأن ملك المتعة نكاحا غير ملك ~~المتعة يمينا ويظهر ذلك بأحكامها فعلى هذا لا تكون الهبة والبيع سببا لملك ~~المتعة الذى ثبتت بعقد النكاح بوجه ما وأما لفظ الطلاق فقد بينا صلاحيته ~~كناية ومجازا عن لفظ العتاق وأما إذا قال لغلامه وهو أكبر سنا منه هذا ابنى ~~فإنما لم يصح عندنا مجازا عن العتق لأن اللفظ إنما يصلح مجازا إذا كان له ~~حقيقة وهذا اللفظ فى هذا المحل لا حقيقة له لأنه لغو وهذا باب الكلام وأن ~~قلتم أن النسب فى الجملة يوجب العتق فإنما يوجب فى محل يتصور فيه النسب ~~فأما فى محل لا يتصور فيه النسب فلا يوجب العتق وإذا لم يوجب العتق لم يمكن ~~استعمال اللفظ مجازا فى هذا المحل نعم يجوز هذا المجاز فى معروف النسب لأن ~~النسب فيه متصور فإن لم يثبت كان مجازا عن العتق فأما فى هذه المسألة فبعيد ~~جدا. # أيضا قد بينا وجوه الكلام بقدر ما ذكر فى أصول الفقه والبيان يتعلق ~~بجميعها فنعود الآن إلى ذكر المجمل وما يقع به بيانه وما ألحق بالمجمل وليس ~~منه فنقول قد ذكرنا حد المجمل وحد المبين وقد قيل أن المجمل ما لا يستعمل ~~بنفسه فى معرفة المراد به وقيل أيضا أنه الكلام المبهم الذى لا يطاوع ~~التقييد أولا ببيان ms235 ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى فضائه تعين كشف هذه. # وقد قال الأصحاب أن المجمل على أوجه1. # منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شىء بعينه2. # كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] . # كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ~~لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله عز وجل" 3 فإن الحق يشتمل على أشياء كثيرة وهو فى هذا الموضع ~~مجهول لا يعرف ولا بد فيه من بيان يتصل به. PageV01P290 # ومنها أن يكون اللفظ فى الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ~~والطهر فيفتقر إلى البيان1. # ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أن دخلها شيئا مجهول كقوله ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم ~~حرم} [المائدة: 1] فإنه قد صار مجملا ما دخله من الاستثناء وفى هذا المعنى ~~العموم الذى علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه ومنها أيضا أن يفعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين2 فى السفر فهو محتمل لأن السفر ~~يحتمل الطويل والقصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل وكذلك ~~ما روى أن رجلا أفطر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة3 وهذا مجمل ~~لأنه يجوز أنه أفطر بجماع ويجوز أنه أفطر بالأكل ولا يجوز حمله على أحدهما ~~دون الآخر لا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب فى إجمالها لافتقارها إلى ~~البيان واختلف المذهب فى ألفاظ فمنها قول الله عز وجل: {وأحل الله البيع ~~وحرم الربا} [البقرة: 275] فعلى حد قول الإمام الشافعى رحمه الله هو مجمل ~~لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا ~~وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وبيان ما يحرم وعلى القول الثانى ليس ~~بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول فى اللغة ms236 فحمل اللفظ على العموم إلا ما ~~خصه الدليل ومنها الآيات التى ذكر فيها الأسماء الشرعية وهى قوله تعالى: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] وقوله: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} [البقرة: 185] وقوله: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ~~فمن أصحابنا من قال هذه الآيات عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء ~~والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه ومن أصحابنا ~~من قال هى مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها فى اللغة وإنما ~~تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان مثل قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] وهذا هو. PageV01P291 # الأصح لأنا بينا هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشريعة ومنها الألفاظ ~~التى علق التحليل والتحريم فيها على البيان كقوله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] فقال بعض أصحابنا إنها مجملة لأن العين لا ~~توصف بالتحليل ولا بالتحريم وإنما الذى يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير ~~مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال وما لا يحرم ومنهم من قال إنها ~~ليست مجملة1 وهو الأصح لأن التحريم والتحليل فى مثل هذا إذا [ ### | .... # ] الأفعال مقصورة فى هذه الأيمان ولا يراد أنه إذا قال لغيره هذا الطعام ~~عقل منه تحريم الأكل وكذلك إذا قال حرمت عليك هذا الشراب يعقل منه الشراب ~~فصار المراد معقولا من هذا اللفظ وما عقل من اللفظ لا يكون مجملا فصار هذا ~~الطريق أولى من الأول. # ومنها الألفاظ التى تتضمن النفى والإثبات كقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنما الأعمال بالنيات" 2 وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلى بولى" 3 ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" 4 وكقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل" 5 وما شبه هذا. # فقد زعم بعض أصحاب أبى حنيفة أن هذا مجمل لأن الذى نفاه هو العمل أو ~~النكاح أو الصلاة وهذه الأشياء موجودة لا يمكن نفيها فيكون المراد بالنفى ~~نفى صفة غير مذكورة ms237 فافتقر إلى بيان تلك الصفة وقال الكرخى وأبو عبد الله ~~البصرى إذا لم يكن المراد به نفى صوة الصلاة والصوم كان المراد بذلك نفى ~~الحكم شرعا فيجوز أنه أراد به نفى حكم الجواز ويجوز أنه أراد به نفى ~~الفضيلة فلا يمكن الحمل عليها جميعا لأن نفى الفضيلة من ضرورته وجود الجواز ~~ولأنه مضمر ودعوى العموم فى المضمر لا يجوز وإذا لم يصح دعوى العموم وجب ~~التوقف إلى أن يعلم المراد وأما أصحابنا فقد زعموا أن هذه الألفاظ ليست ~~مجملة وهو الأصح6 لأن صاحب الشرع لا يثبت ولا. PageV01P292 # ينفى المشاهدات وإنما يثبت وينفى الشرعيات فكأنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لا عمل فى الشرع إلا بالنية ولا نكاح فى الشرع إلا بولى وذلك معقول من ~~اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا. # وزعم جماعة من أصحاب أبى حنيفة أن قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتى ~~الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه مجمل لأن ظاهر اللفظ رفع الخطأ والنسيان ~~والإكراه وهذه الأشياء موجودة قطعا فيجب أن يكون المراد منه معنى غير مذكور ~~فافتقر إلى البيان. # وأما عندنا فالأصح أنه ليس مجمل لأن معقول المعنى فى الاستعمال1 ويمكن أن ~~يقال أنه معقول المعنى لعلة أيضا لأن المراد من مثل هذا اللفظ رفع المؤأخذة ~~ألا ترى أنه إذا قال لعبد رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤأخذة ورفع كل ما ~~يتعلق بهذه الأفعال من التبعات وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لأبى رمثة وابنه حين قدما عليه: " أما أنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه" 2 ~~وليس المراد منه رفع صورة الجناية ولكن المراد منه نفى المؤأخذة فإن معناه ~~لا تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك وزعم بعض أصحاب أبى حنيفة أيضا فى قوله ~~عز وجل: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] فقوله أيديهما ~~مجمل لأنه يجوز أن يقال أنه أراد من المنكب ويجوز أنه أراد من المرفق ويجوز ~~أنه أراد من الزند لأن الجميع تناوله باسم قطع اليد ويقال أيضا إذا برى ms238 ~~القلم وجرح شيئا من أصابعه قطع فلان يده. # وقيل فى قوله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن} [يوسف: 31] أنه ~~أراد بذلك خدش اليدين لا القطع حقيقة. # والصحيح أن الآية ليست بمجملة بل هى عامة وحملها على القطع من المنكب ~~صحيح لو لم ترد السنة بالقصر على الزند فقد خص ذلك بدليل دل عليه وقال دليل ~~على التخصيص لا يخرج اللفظ من عمومه. PageV01P293 ### | فصل فيما يقع به بيان المجمل # اعلم أن بيان المجمل يقع من ستة أوجه. # أحدها بالقول وهو أكبرها وأوكدها كبيان نصيب الزكوات وكقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا قطع فى كثر" وكقوله: "القطع فى ربع دينار فصاعدا". # والوجه الثانى بالفعل مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتمونى ~~أصلى" وكقوله صلى الله عليه وسلم فى الحج: "خذوا عنى مناسككم". # والوجه الثالث بيانه بالكتاب كبيانه لأسنان الديات وكذلك ديات أعضاء ~~البدن بالكتاب وكذلك الزكوات وكذلك ما بين بما كتب إلى عماله من الأحكام ~~ومن دعاء الملوك إلى الإسلام. # والوجه الرابع بيانه بالإشارة مثل قوله صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا ~~وهكذا وهكذا يعنى ثلاثين يوما ثم أعاد الإشارة بأصابعه ثلاث مرات وحبس ~~إبهامه فى الثالثة يكون تسعة وعشرون يوما. # والوجه الخامس بيانه بالتفسير وهو المعانى والعلل التى نبه بها على بيان ~~الأحكام كقوله صلى الله عليه وسلم فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا يبس ~~وكقوله صلى الله عليه وسلم فى قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت". # والوجه السادس اختص العلماء ببيانه عن اجتهادهم وهو ما قدمت فيه الوجوه ~~الخمسة إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين أما من أصل يعتبر هذا ~~الفرع به وأما من طريق أمارة يدل عليه1. # فهذه وجوه البيان والله أعلم. PageV01P294 ### | فصل: وقت البيان # ... # فصل: وأما الكلام فى وقت البيان. # اعلم أن لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى ~~الفعل ولا اختلاف أيضا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل لأن المكلف قد ~~يؤخر النظر وقد يخطىء إذا نظر ms239 فهذان الضربان متفق عليهما لا اختلاف بين أهل ~~العلم فيهما. # وإنما اختلفوا فى تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل ~~فى بيان المجمل وتخصيص العموم ولهذا قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن ~~سريج وأبو سعيد الإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وطائفة ~~من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أبى الحسن الأشعرى واختيار القاضى أبو بكر. # والمذهب الثانى: أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب فى بيان المجمل وتخصيص ~~العموم وبه قال من أصحاب الشافعى أبو إسحاق المروزى وأبو بكر الصيرفى ~~والقاضى أبو حامد ومذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر المعتزلة. # والمذهب الثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير تخصيص العموم ~~وهذا قول أبى الحسن الكرخى وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد ~~وبهذا قال أصحاب الشافعى. # والمذهب الرابع: أنه يجوز تأخير تخصيص العموم ولا يجوز تأخير بيان المجمل ~~وبهذا قال بعض أصحاب الشافعى رحمه الله. # والمذهب الخامس أنه يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهى ولا يجوز تأخير ~~بيان الأخبار1 حكاه الماوردى عن الكرخى وبعض المعتزلة وعندى أن مذهب الكرخى ~~هو ما قدمنا من قبل قال الماوردى ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعى ~~رحمة الله عليه. # مسألة: واعلم أن الذى ننصره جواز التأخير فى الكل وهو المذهب الأول خلافا ~~لما ذهب إليه طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأكثر المعتزلة ونصره عبد الجبار ~~الهمذانى فى العمد وحكاه عن أبى على وأبى هاشم رجلى رجال المعتزلة من ~~المتأخرين. PageV01P295 # قال أبو زيد فى أصوله بعد أن جعل البيان أربعة أقسام أن بيان المجمل إذا ~~لم يكن تبديلا ولا تغييرا يجوز مقارنا وطارئا وذكر أن بيان الاستثناء بيان ~~تغيير ولا يجوز طارئا بحال ثم ذكر أن الخلاف بيننا وبين الشافعى فى بيان ~~الخصوص فعندنا هو من قبيل بيان الاستثناء فلا يجوز إلا مقارنا وعند الشافعى ~~هو من قبيل بيان المجمل فيصح مقارنا وطارئا قال ولهذا قال علماؤنا إذا قال ~~أوصيت لفلان ms240 بهذا الخاتم ولهذا بفصه بكلام متصل فالفص كله لصاحب الفص ويكون ~~تخصيصه بيانا كالاستثناء ولو فصل وقال وأوصيت لهذا بفصه كان الفص بين الأول ~~والثانى ولا يصير بيانا عند الفصل قال وأما بيان المجمل منفصلا جائز إلا ~~ترى أن أصحابنا قالوا: فيمن أقر لفلان على شىء يكون البيان إليه متصلا ~~ومنفصلا وهو تفسير منهم قالوا: لذلك إذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه ~~ويجوز متصلا ومنفصلا وذكر مسائل سوى ما ذكرنا واحتج من أثبت تأخير بيان ~~المجمل بقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ~~وقال لا يخلو أما أن يكون أراد منها الاعتداد بالطهر أن شاءت أو بالحيض أن ~~شاءت أو أراد منها الاعتداد بواحد منهما بعينه وأى الأمرين أراده فقد أراد ~~منهما ما لا سبيل إلى فهمه من اللفظ لأن اللفظ لا يجنى عن التخير ولا عن ~~واحد منهما بعينه وأن قلتم أنه لم يرد منها شيئا فهو محال ولم يقل به أحد. # وقالوا: أيضا لو حسن الخطاب المجمل من غير بيان فى الحال لحسن خطاب ~~العربى بالزنجية مع القدرة على مخاطبته بالعربية وكذلك مخاطبة الزنجى ~~بالعربية فيخاطب ثم لا يبين فى الحال وحين قبح ذلك فليقبح هاهنا أيضا لأنه ~~لا يعرف السامع مراد المخاطب بكلامه فإن قلتم لم يحسن مخاطبة العربى ~~بالزنجية لأن العربى لا يعرف بكلام الزنج شيئا ويعرف بكلام المجمل شيئا وهو ~~أن المتكلم أراد بخطابه إيجاب شىء عليه أو نهيه عن شىء فى الاسم المشترك ~~يعلم أن المتكلم أراد بخطابه أخذ معنى الاسم المشترك قالوا: هذا لا يصح ~~لأنه لا يخلو لنا أن يعتبروا فى حسن الخطاب العلم بكل المراد ويعتبروا ~~العلم ببعض المراد فإن اعتبرتم المعرفة بنقد المراد لزمكم أن لا يجوز تأخير ~~بيان المجمل لأنه لا يمكن مع فقد معرفة كمال المراد وأن اعتبرتم المعرفة ~~ببعض المراد لزمكم حسن المخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى إذا عرف بحكمه ~~الزنجى المخاطب له علم أن أراد بخطابه له شيئا أما الأمر وأما النهى وأما ~~غيرهما ms241 فهذا دليلهم المعتمد. # وقال بعضهم أن المجمل مع البيان بمنزلة الشىء الواحد مثل المبتدأ مع خبره ~~ثم لا. # PageV01P296 # يجوز فصل المبتدأ من خبره مثل أن يقول زيد ثم يقول بعد مدة قائم كذلك ~~هاهنا لا يجوز أيضا تأخير البيان عن المبين قالوا: وأما تأخير بيان النسخ ~~فنسلم أنه يجوز ولكن للفصل بينهما أن تأخير بيان النسخ لا يخل بالمعرفة ~~بصفة العبادة فلم يمكن أداؤها وأيضا فإن النسخ بيان مدة الحكم وحقيقته سقوط ~~الأمر عنه عند وجود مدة ينتهى إليها والخطاب المطلق يعلم قطعا أن حكمه ~~يرتفع عنه لعلمنا بانقطاع التكليف وليس كذلك العموم لأنا لا نعلم خصوصه ~~بإطلاقه وكذلك المجمل لا نعلم بيانه بإطلاقه. # وأما الذين منعوا تأخير بيان العموم وتأخير المجمل فقد قالوا: بهذا ~~المذهب فى كل كلام له ظاهر وذكروا أنه لا يجوز تأخير بيانه. # واستدلوا فى ذلك وقالوا: أن بيان العموم خطاب لنا فى الحال بالإجماع ولا ~~يخلو المخاطب أما أن يقصد أنها منا فى الحال أو لا يقصد ذلك فإن لم يقصد ~~أنها منا بطل كونه مخاطبا لنا ونحن نعلم أنه باللفظ العام قصد اتهامنا وأنه ~~لو لم يقصد اتهامنا كان عبثا لأن الفائدة فى الخطاب إفهام المخاطب ولأنه لو ~~جاز لا يقصد إفهام المخاطب بالخطاب لجازت مخاطبة العربى بالزنجية وهو لا ~~يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطب على زعمكم وليس من هذا الخطاب إلا ~~ترك إفهام المخاطب وأن كان أراد اتهامنا فى الحال فلا يخلو أما أن يريد أن ~~يفهم مراده على ظاهر اللفظ وعلى غير ظاهر اللفظ فإن أراد منا أن نفهم على ~~ظاهر اللفظ فلفظه فظاهره العموم وهو مخصوص عنده فقد أراد منا اعتقاد غير ~~الحق وأن أراد منا أن نفهم على غير ظاهره وهو بعد لم ينصب دليلا على تخصيصه ~~فقد أراد منا أن من ما لا سبيل إليه فيكون تكليف لنا كما ليس فى وسعنا ~~وطاقتنا وهذا باطل قالوا: فعلى هذا لا بد أن يبين لنا الخصوص متصلا بالعموم ~~أو ms242 يشعر بالخصوص وكذلك النسخ لا بد أن يشعر بالنسخ وهذا لأن الخطاب مع هذا ~~الإشعار يصير مفيدا فى الجملة ولا يكون إغراء باعتقاد غير الحق قالوا: ~~والإشعار بالتخصيص أن يقول: اعلموا أن هذا العموم مخصص لا يبين ما الخارج ~~عن العموم أو يقول: جوزوا خصوصه حتى أبينه وقال صاحب هذه الطريقة يجوز ~~تأخير بيان المجمل لأن المجمل لا ظاهر له فلا ينكر الإجمال ثم تأخير البيان ~~لأنه لا يجوز من الحكيم أن يفيد غير مراده على الجملة كما يجوز أن يفيد ~~مراده على التفصيل إلا ترى أن زيدا قد يعلم أن فى الدار عمرا بعينه فيكون ~~له غرض أن يعرفه أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعلم خالدا أن فى الدار ~~عمرا ويكون له غرض أن يعرفه أن فى # PageV01P297 # الدار رجلا ويكره أن يعرفه أنه عمرو فيقول: أن فى الدار رجلا ولا يبين له ~~أنه عمرو ولغرض له كذلك فى المجمل يكون الأمر هكذا وهو أن يريد المخاطب أن ~~يعلم المخاطب أن عليه حقا فى الجملة ولا يبين فى الحال لمعنى له ثم يبين ~~ذلك فى ثانى الحال فهذا معتمد هؤلاء الطائفة # وأما أبو زيد فقال فى هذا الفصل أن لفظ العموم للعموم والاستيعاب على ~~سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم للعدد لكن ذلك العدد على سبيل القطع ~~بلا احتمال لغيره فيكون التخصيص رفعا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما فى الألف ~~إذا استثنى منها شىء فيكون بيان تعيين مثل الاستثناء ولا يجوز الاستثناء ~~إلا متصلا باللفظ كذلك هذا البيان هذا كله وأما دليلنا فيدل أولا على وجود ~~بيان تأخير المجمل والعموم فى الشرع ويتعلق أولا بقوله تعالى: {فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 18, 19] وكلمة ثم للتراخى وقال ~~تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} ~~[الانبياء:98] وكان المراد بذلك الأصنام دون عيسى والملائكة عليهم السلام ~~وإنما بين ذلك ببيان التراخى فإن من المزهر الشاعر خاصم فى ذلك على ما ms243 ورد ~~فى القصة المعروفة وقال أن دخلها عيسى والملائكة فنحن ندخل أيضا فأنزل الله ~~تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الانبياء:101] ~~وهم يقولون على هذا الدليل أن الملائكة وعيسى لم يكونوا دخلوا تحت الآية ~~لأنه تعالى قال: {وما تعبدون من دون الله} وما لا يعقل ومن لم يعقل وقد ~~كانت الكفرة متعنتين معارضتهم فيمكن أن يقال أن الاحتجاج صحيح ولو كان ~~الأمر كما قالوا: لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يسكت حتى نزل قوله ~~تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} وتعلق الأصحاب أيضا بقوله تعالى ~~مخبرا عن الملائكة أنهم قالوا: {إنا مهلكو أهل هذه القرية} [العنكبوت: 31] ~~والمراد غير لوط وأهله وتأخير البيان إلى أن قال إبراهيم عليه السلام: {إن ~~فيها لوطا} [العنكبوت: 32] قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله قال ~~الله تعالى لنوح عليه السلام: {احمل فيها} [هود: 40] يعنى فى السفينة من كل ~~زوجين اثنين وأهلك والمراد غير ابنه وتآخر إلى أن قال نوح: {رب إن ابني من ~~أهلي} [هود: 45] وقال الله تعالى: {إنه ليس من أهلك} [هود: 46] وهم يقولون ~~على هذا أن البيان كان معروفا بالخطاب لأن الله تعالى قال: {إن أهلها كانوا ~~ظالمين} [العنكبوت: 31] وهذا اللفظ يخرج لوطا ومن أسلم معه من الخطاب وقد ~~قال تعالى فى. # PageV01P298 # موضع آخر مخبرا عن الملائكة: {إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين*إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته} [الحجر: 58, 60] وكذلك قالوا: فى قصة نوح أن ~~البيان كان مقرونا لأن الله تعالى: {إلا من سبق عليه القول} والجواب عن ~~السؤال ممكن بمراجعة إبراهيم ونوح عليهما السلام ولو كان البيان مقرونا لم ~~يكن لمراجعتهما وجزائهما عن ذلك معنى وتعلق الأصحاب بقوله تعالى فى خمس ~~الغنائم: {ولذي القربى} [الأنفال: 41] تآخر البيان فى إخراج بنى عبد شمس ~~وبنى نوفل إلى أن سأل عثمان بن عفان رضى الله عنه وجبير بن مطعم عن ذلك وهم ~~يقولون على هذا أن آية القربى لا عموم لها لأن القربى تحتمل ضروب قرب وضروب ms244 ~~قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم عليه السلام فلم يمكن تعميمها ~~وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيصبح البيان فيه متراخيا وهذا ~~ضعيف لأن القرن معلوم يعرف الاستعمال ولم يكن يخفى عليهم وإنما خفى على ~~هؤلاء الأعتام الجهال الذين خلوا من بعد وعلى هذا الدليل فى المجمل قائم. # وتعلق الأصحاب أيضا بأمر الله تعالى بذبح بقرة مطلقة فى بنى إسرائيل ~~وتأخير بيان أوصافها إلى أن سألوا وهم يقولون على هذا أنه قد روى عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما أنهم لو عمدوا إلى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكن شددوا ~~فشدد الله عليهم1. # ونحن نقول هذا خلاف ظاهر الآية لأن بنى إسرائيل قالوا: ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما هي ثم قالوا: ثالثا: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه ~~علينا} ولو كان البيان حصل لم يكن لهذه الأسئلة معنى. # وتعلق الأصحاب أيضا بما روى أن جبريل قال للنبى صلى الله عليه وسلم فى ~~ابتداء الوحى اقرأ فقال وما أقرأ ولست بقارىء إلى ثلاث مرات وجبريل عليه ~~السلام يكرر القول وهو يجيب هذا وروى أنه كان يغطه حتى بلغ منه الجهد إلى ~~أن قال اقرأ باسم ربك2 فقد آخر البيان قال الشافعى محتجا أن الله تعالى ~~أثبت المواريث بين الناس ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين إلا ميراث بين ~~الكفر والإسلام وبين أيضا أن الله تعالى أمرنا بالصلاة مطلقا والزكاة. ~~PageV01P299 # مطلقا وتآخر بيان ذلك وأمرنا بالحج مطلقا وتآخر بيان ذلك حتى حج حجة ~~الوداع وقال: "خذوا عنى مناسككم" 1 وسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الكلالة فقال: "يكفيك آية القيد" 2 وهى الآية التى فى آخر سورة النساء وكان ~~عمر رضى الله عنه يقول: اللهم من يبين لهم فإن عمر لم يبين وأمثال هذا تكثر ~~فهذه الظواهر والنصوص دلائل سمعية وفيها مقتصر لو اقتصرنا عليها ثم مع هذا ~~نبين من الدلائل العقلية ما يدل على ما ذكرناه فنقول أن البيان ما ms245 يجب ~~لتمكن المكلف من إذا ما كلف والتمكين من ذلك غير محتاج إليه عند الخطاب ~~وإنما يحتاج إليه قبل التعليق بلا فعل فلم يجب تقديمه عند الخطاب وهو ~~كالاقتصار على الفعل فإنه لما كان ليتمكن من أداء الفعل لم يجب تقديمه على ~~وقت الحاجة إلى الفعل وأيضا لو صح تأخير البيان لكان وجه متجه فقد بين ~~المكلف ما أمر به وذلك يقتضى فتح الخطاب إذا لم يبين المكلف وأن بين له ولا ~~يقال أنه إذا لم يبينه فقد أتى بالجهل من قبل نفسه بخلاف إذا لم يبين له ~~ذلك وذلك لأن الجهل لا يختلف سواء أتى الإنسان ذلك من قبل نفسه أو من قبل ~~غيره إلا أن الإنسان سقط تكليفه إذا مات سواء أماته الله تعالى أو قتل ~~نفسه. # ودليل آخر معتمد أنه لو قبح تأخير البيان لكان وجه متجه أنه لا يمكن ~~للسامع له أنه يعرف به كمال المراد ولو قبح ذلك لقبح تأخير بيان النسخ أيضا ~~لأنه فى معناه وهو أنه لا يعرف به كمال المراد مثل التخصيص. # يبينه أن النسخ تخصيص من حيث الزمان وتخصيص العموم تخصيص من حيث الأعيان. # أما الجواب عن دلائلهم أما ما تعلقوا به من أنه أمر بالاعتداد. # قلنا نقول أن الله عز وجل إنما أراد بالآية اعتداد النساء بواحد بعينه من ~~الطهر والحيض إلا أنه لو لم يرد من المخاطبين أن يفهموه فى الحال لأنه لم ~~يدلهم فى الحال بلفظ الحيضة فيريد منهم فهمه وإنما دلهم على الجملة فهو ~~يريد منهم فهم الجملة كما لو كان اعتد بواحد من أحد شيئين بعينه أما الطهر ~~وأما الحيض وسأبين ذلك وكما لو قال. PageV01P300 # القائل لغيره اضرب رجلا واعلم أنه رجل معين وسأبين ذلك وكما لو علم أن ~~زيدا فى الدار وأراد إعلام عمرو أن فى الدار رجلا فإنه قد عنى به زيدا ولم ~~يرد أن يعرفه أنه زيدا. # وأما الثانى الذى قالوه وهو تعلقهم بكلام العربى الزنجى بالعربية أو ~~الزنجى العربى بالزنجية فهذا تعلق ms246 فاسد والفرق بين الموضعين أن العرب لا ~~تعرف ما وضع له خطاب الزنج فلم يحسن أن يخاطبه به منفصلا عن بيان ذلك ~~الخطاب أما أن يكون أمرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو غير ذلك والسامع ~~من العرب غير متمكن من معرفة ذلك وأما هاهنا فإن المخاطب بالمجمل متمكن من ~~معرفة ما يفيده الخطاب فى الجملة فإنه يعلم أنه أمر أو نهى أو خبر أو ~~استخبار أو غير ذلك وكذلك يعرف ما وضع له الاسم المشترك لأنه وضع لواحد من ~~هذين على انفراده وتصور هذا فى القرء فإنه يعلم أنه يريد بالخطاب أما ~~الاعتداد بالطهر أو الاعتداد بالحيض ألا ترى أن القائل إذا قال للمرأة أريد ~~منك أن تعتدى بشىء يعنى من شيئين أما الطهر وأما الحيض فإنها قد فهمت معنى ~~هذا الخطاب من التردد بين الطهر والحيض وأنها مأمورة بالاعتداد بأحد هذين ~~وكذلك فى قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] يفهم المخاطب ~~أن المراد بالخطاب إيجاب شىء فى ماله وهذا مثل قول القائل فى الدار رجل ~~فإنه يعلم بهذا وجود شخص بوصف الدخول فى الدار وأن لم يعلم حقيقة وهذا لأن ~~الأمر ابتلاء فإذا لزمه أن يعتقد أن الله تعالى أراد منه حقا فى ماله وقد ~~حصل الابتلاء وهذا لعلة أعظم من الابتلاء بالعقل. # قال أبو زيد فى أصوله وهذا كما أن فى القرآن ما هو متشابه أجبنا عن بيانه ~~وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة فى الجملة قال ولهذا لو قال لفلان على ~~شيئا يكون البيان إلى المقر منفصلا ومتصلا لأنه تكلم بكلام مجمل وإذا قال ~~لفلان على ألف درهم وفى البلد نقد يختلف كان البيان إليه منفصلا ومتصلا ~~وإذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه متصلا ومنفصلا وأما كلامهم فى منع ~~تأخير بيان التخصيص للعموم فنحن نقول إذا ثبت جواز بيان تأخير المجمل ثبت ~~جواز تأخير بيان التخصيص لأن فى الموضعين الموجود بيان متصل بما يحسن فيه ~~البيان. # والذى قالوا: أنه يريد إفهام المخاطب أو ms247 لا يريد. # قلنا يريد به إفهامه وقد فهم بالمجمل شيئا فى الجملة وهو الخطاب بإيجاب ~~شىء. # PageV01P301 # عليه وفارق هذا فصل المتكلم بالزنجى مع العربى لأنه لا يفهم منه شيئا ما. # وأما قوله أنه كيف يريد إفهامه مقتضى اللفظ من العموم وأن لم يتصل به ~~دليل يوجب التخصيص والخطاب على هذا الوجه حسن إلا ترى أن لو صرح به حسن ~~فكذلك إذا لم يصرح به وأراده صح أيضا وعلى أن فصل النسخ داخل على ما قالوه ~~وليس لهم على فصل النسخ عذر بيان وقولهم أنه يموت هوش لأن أمده ينقضى بموته ~~إذا مد كل إنسان مدة حياته وأما النسخ فيه قطع الأمد الموت إنهاء الأمد ~~فكيف يتشابهان وأما الذى قالوا: أنه لا بد من إشعاره بالنسخ فنقول مخترع لم ~~يقل به أحد ويبطل بما ورد من نسخ تحليل الخمر ونسخ التوجه إلى بيت المقدس ~~وما أشبه ذلك فإنه قد صح هذه الوجوه من النسخ ولم يتقدم إشعار بذلك من قبل ~~ولا يمكنهم دعوى وجوده فبطل هذا وأما طريقة أبى زيد فضعيفة ولا نسلم أن لفظ ~~العموم فيما يتناوله من الأعيان مثل لفظ الألف فى الأعداد التى اشتمل عليها ~~وإنما العموم مجرد ظاهر فيما يتناوله من الأعيان وهو محتمل الخصوص وتأخير ~~بيان التخصيص عنه لا يمنع منه شرع ولا عقل وهذا خير الكلام فى البيان وما ~~يتصل به القول فى أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وما يتصل بها يذكر أو لا ~~مقدمة فنقول اعلم أن الأفعال على ضربين. # أحدهما ما لا صفة له زائدة على وجوه وهو كبعض أفعال التناهى وبعض أفعال ~~الناس فقد لا توصف بحسن ولا قبح وهذا الفعل الذى لا مضرة فيه ولا منفعة من ~~فعل النائم والساهى وأما ما يكون من أفعال الساهى فيه مضرة أو منفعة فقد ~~قال بعضهم أنه لا بد أن يوصف بالحسن أو القبح وقال بعضهم لا يوصف بشىء من ~~ذلك وهذا هو الأولى لأن الحسن والقبح يتبع التكليف فمن لا يكون عليه ms248 تكليف ~~لا يوصف فعله بشىء من هذين وعلى هذا كل فعل يفيد زمن لا تكليف عليه. # وأما الضرب الثانى وهو أفعال المكلفين فينقسم خمسة أقسام واجب وندب ومباح ~~ومحظور ومكروه وقال بعضهم ينقسم إلى قبيح وحسن ثم ينقسم القبيح إلى مكروه ~~ومحظور والحسن إلى مباح وندب وواجب وقد بينا حدود هذه الأشياء ثم اعلم أن ~~الواجب والندب والمباح يصح وقوعها من جميع المكلفين فأما المحظور فقد ~~اتفقوا على صحة وقوع ذلك من بنى آدم وهل يصح وقوع ذلك من الملائكة فذهبت. # PageV01P302 # المعتزلة1 وكثير ممن سواهم إلى أنه لا يصح وقوع ذلك منهم وتعلقوا بقوله ~~تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] وعند أهل ~~السنة أنه يصح وقوع ذلك منهم بدليل قصة إبليس وقد كان من الملائكة وقصة ~~هاروت وماروت وقد كانا من الملائكة وأما قوله تعالى: {لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] فيجوز أن يكون ذلك فى طائفة منهم أو ~~فى زمان مخصوص والله أعلم وأما الأنبياء عليهم السلام فلا يصح منهم وقوع ~~الكبائر لعصمة الله تعالى إياهم عن ذلك فأما الصغائر فقالوا: لا يصح منهم ~~وقوع ما ينفر عنهم مثل الكذب وما يضع من أقدارهم وما يدعوا إلى البعد عنهم ~~مثل الغلظة والفظاظة ولا يصح منهم أيضا وقوع ما ورد السمع بحظره عليهم من ~~الكبائر وقول الشعر فى حق نبينا صلى الله عليه وسلم. # وعندى أن هذا الحد لا يصح فى حق سائر الأنبياء وقد ورد السمع بحظر الأكل ~~من الشجرة وصح منه ذلك وأما ما عدا ما ذكرناه من الصغائر فقد أبى بعض ~~المتكلمين وقوع ذلك من الأنبياء أيضا والأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم ~~ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية وأما الخطأ والسهو فيجوز وقوع ~~ذلك من الأنبياء وقد حمل كثيرا مما فعلوه مما حكى الله تعالى على ذلك وفى ~~الباب خطب كثيرة وليس هذا موضعه. # وإذا تقرر هذا رجعنا إلى أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم فنقول أفعاله ~~على ms249 ثلاثة أضرب. # أحدها: حركاته التى تدور عليها هواجس النفوس كتصرف الأعضاء وحركات الجسد ~~فلا يتعلق بذلك أمر باتباع ولا نهى عن مخالفة. # والضرب الثانى: أفعاله التى لا تتعلق بالعبادات كأحواله فى مأكله ومشربه ~~وملبسه ومنامه ويقظته فيدل فعل ذلك على الإباحة دون الوجوب. # وأما الضرب الثالث: ما اختص بالديانات وهو على ثلاثة أضرب. # أحدها: ما يكون بيانا. # والثانى: ما يكون تنفيذا وامتثالا. # والثالث: ما يكون ابتداء شرع فأما البيان فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان ~~المبين واجبا كان البيان واجبا وأن كان ندبا كان البيان ندبا ويعرف أنه ~~بيان بأن يصرح بأنه بيان كذلك ويعلم فى القرآن أنها مجملة تفتقر إلى البيان ~~ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن. PageV01P303 # هذا الفعل بيان لها والثانى أن يفعل امتثالا وتنفيذا له فيعتبر أيضا ~~بالأمر وأن كان الأمر على الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وأن كان الفعل على ~~الندب علمنا أنه فعل ندبا والثالث أن يعمل ابتداء من غير سبب ولم يوجد منه ~~فى ذلك أمر باتباع ولا نهى عنه فاختلف أصحابنا فى ذلك على ثلاثة مذاهب ~~وكذلك سائر الفقهاء والمتكلمين وهذا الاختلاف فيما يرجع إلى حقوق الأمة. # المذهب الأول: أن اتباعه فى هذه الأفعال واجب على الأمة إلا ما خصه ذلك ~~وهذا مذهب مالك والحسن وبه قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج ~~والإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وهذا هو الأشبه بمذهب ~~الشافعى رحمة الله عليه وبهذا قال من أصحاب أبى حنيفة أبو الحسن الكرخى وهو ~~قول طائفة من المتكلمين. # والمذهب [الثانى] 1: المستحب للأمة اتباعه فى هذه الأفعال ويندب إلى ذلك ~~ولا يجب وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر أهل المعتزلة وبه ~~قال من أصحاب الشافعى أبو بكر الصيرفى وأبو بكر القفال. # والمذهب [الثالث] 2 أن الأمر فى ذلك على الوقف حتى يقوم دليل على ما أريد ~~منا فى ذلك وإلى هذا ذهب أكثر الأشاعرة واختاره من أصحاب الشافعى أبو بكر ~~الدقاق وأبو ms250 القاسم بن كج3. PageV01P304 ### | ............................................................................ # PageV01P305 # مسألة: التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا واجب فى القرب. # وعند من ذكرناه لا يجب1 واستدل من ذهب إلى ذلك بوجوه من الدليل وقالوا: ~~تقدم أولا معنى التأسى فمعناه أن يفعل صورة ما فعله على الوجه الذى فعله ~~لأجل أنه فعل وما لم يكن على هذا الوجه لا يكون تأسيا وقالوا: يدل أولا أنه ~~لا يجب علينا أن. PageV01P306 # نفعل مثل ما فعله على جهة الواجب فنقول أنه لا يجوز أن يعلم ذلك بالعقل ~~لأنه لو علم ذلك بالعقل لكان من أحد الوجهين أما أنه لا يجوز أن يختص بوجوب ~~شىء عليه وما وجب عليه لا بد من كونه واجبا علينا أو لأنا إذا لم نتبعه فى ~~أفعاله أدى ذلك إلى التنفير عنه والأول باطل لأنه عليه السلام إنما تعبد ~~بالفعل لأنه مصلحة له ولسنا نعلم وجه كونه مصلحة حتى نعلم شياعه فى جميع ~~الناس وهذا لأنه ليس يجب اشتراك المكلفين فى المصالح فيجوز أن يكون هذا ~~الفعل مصلحة له ولا يكون مصلحة لنا إلا ترى أنه قد أبيح له ما لم يبح لنا ~~مثل العدد فى الأنكحة والصفى من المغنم وغير ذلك وقد أوجب عليه ما لم يوجب ~~علينا مثل قيام الليل والوتر والتضحية وغير ذلك والثانى باطل لأنه أما أن ~~يقال أن التنفير يحصل إذا فارقناه فى فعل واحد أو يحصل إذا فارقناه فى جميع ~~الأحوال والأول لا يصح لأن المفارقة قد حصلت فى أشياء كثيرة مثل المفارقة ~~فى صلاة الضحى والمناكح فقد حصل التنفير إذا والثانى لا يصلح لأنه إذا كان ~~التنفير يحصل بالمفارقة فى جميع الأفعال لا فى بعض الأفعال فلا بد من دليل ~~غير العقل يميز لنا ما تعبدنا به من أفعاله وبين ما لم نتعبد به ولأنه لو ~~قال اعلموا إنما تفعلوه مصلحة لكم دونى أو ما أفعله مصلحة لى دونكم لم يكن ~~هذا مؤديا إلى التنفير فكذلك ما ذكرناه لا يؤدى إلى التنفير أيضا. # قالوا: وليس الأفعال كالأقوال من ms251 الأوامر والنواهى لأن الأقوال موضوعة ~~لمعان معلومة على ما ذكرناه من قبل فإذا لم يقتض ذلك الإيجاب أو التحريم ~~علينا إذا كان أمرا ونهيا يطلب معانيها وهذا لا يوجد فى الأفعال لأن ~~الأفعال مفيدة صحيحة فى حق فاعليها فالقول فى ترك إيجاب أمثالها علينا لا ~~يؤدى إلى إبطالها وإلغائها وإذا ثبت أنه لا يجب التأسى به من حيث العقل وأن ~~عرفنا أنه فعل واجبا فكيف يجب علينا أنه فعل ما فعل على وجه الوجوب وهذا ~~لأنا إذا لم نعلم الجهة التى فعل عليها لم يكن ما يفعله تأسيا لوجه ما إلا ~~ترى أنه لو صار واجبا فتطوعنا لم نكن متأسين به وكذلك إذا فعل تطوعا وفعلنا ~~فرضا لم نكن متأسين به أيضا وحرفهم فى هذا الدليل أنه لا دليل على ما قلتم ~~من وجوب التأسى لا من حيث العقل ولا من حيث السمع فسقط لعدم الدليل ~~واستدلوا أيضا بأنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عليه ~~وحين لم يكن دليلا عليه فلا يكون دليلا علينا لدل أنه كان واجبا عليه لأنا ~~إنما نفعله تبعا له فإذا لم يدل على أنه كان واجبا عليه فالأولى أن لا يدل ~~على أنه يجب علينا. # PageV01P307 # مثله وإذا ثبت انتفاء الوجوب علينا مجرد فعله فقد قال بعضهم أن فعله1 يدل ~~على الإباحة لأنها أقل الأحوال2. # وقل بعضهم3 يدل على الندب4 لأن الكلام فى القرب وأدنى أحوال القرب ~~الندبية فأخذنا بها أخذ باليقين ومنهم من يوقف ليقوم الدليل على أحد هذه ~~الأمور وأما دليلنا فاعلم أن المعتمد هو الاستدلال بالشرع فى وجوب الاتباع ~~والدليل على ذلك قوله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] وقال ~~تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} [الأعراف: 157] الآية وقال ~~تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فأمر ~~الله تعالى فى هذه الآيات باتباعه واتباعه قد يكون فى قوله وقد يكون فى ~~فعله فكان بيان الشريعة من جهته واقعا بالأمرين جميعا إلا ترى أنه صلى ms252 الله ~~عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" 5 وقال: "خذوا عنى مناسككم" 6 ~~والصلاة والحج من الأحكام المجملة وقد حصل بيانها بالفعل فثبت أن مجمل ~~الفعل فى البيان محل القول وأن من اتبعه فى فعله كان كمن اتبعه فى قوله ~~وإنما يكون بيان الفعل أوكد من بيان القول. # ألا ترى أنه إذا أمر بشىء فأراد تحقيقه حققه بفعله كحلقه حين أحصر عام ~~الحديبية وقد كان أمر فلم يفعلوا وتربصوا وتوقفوا فلما فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تبادر الناس عند ذلك إلى الحلق فدل أن الفعل من المكانة فى ~~القلوب ما ليس للقول ومما يدل أن محل فعله محل قوله أنه عليه السلام لما ~~سئل عن القبلة للصائم فقال أنا أقبل وأنا صائم فقال السائل إنك لست كأحدنا ~~فغضب وقال: "أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله" 7 ولما قيل لابن ~~عمر أن ناسا يقولون إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل. PageV01P308 # القبلة ولا تستدبرها قال لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على اليقين مستقبل بيت المقدس لحاجته1 فاستدل ابن عمر بذلك ~~على جواز فعله ودل به على بطلان قولهم وأجزأه مجزءا قوله لوروده بإطلاقه ~~وإباحته وقد قال عامة أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى الإمام ~~قاعدا فصلوا قعودا أجمعين" 2 بفعله حين أم قاعدا فى مرضه الذى توفى فيه وهم ~~قيام وغفلوا أن نسخ القول واقع بالفعل منه وأنهما فى بيان الشريعة على ~~السواء وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أصبح جنبا فقد ~~أفطر" 3 ثم زاد أنه منسوخ بما روى أنه كان يصبح جنبا ثم يغتسل ويتم صومه ~~وكذلك زاد أنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" 4 ~~منسوخ بترك جلد ماعز والغامدية وأن قوله فى السارق: " فإن عاد فاقتلوه" 5 ~~منسوخ بترك قتله حين أتى فى المرة الخامسة ومن هذا الباب جلوسه صلى الله ~~عليه وسلم: "بين ms253 الخطبتين يوم الجمعة" 6 وليس فيه إلا فعله فقط وروى ~~الشافعى رحمه الله فساد الصلاة بتركه7 ومما يزيد ما قلناه بيانا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما خلع نعله فى صلاته خلع أصحابه نعالهم فلما سلم قال: ~~"ما لكم خلعتم نعالكم" فقالوا: رأيناك خلعت نعلك فقال: " أن جبريل أخبرنى ~~أن بهما قذرا" 8 وأيضا فإن عمر رضى الله عنه لما قبل الحجر قال إنى أعلم ~~أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك9 ~~فيرى أن متابعته على الظاهر من فعله واجبة مع علمه أنه لا يقع فيه أكثر من ~~الاتباع وأمثال هذه الأخبار كثيرة فهذه الأخبار تبين أن أفعاله جارية فى ~~بيان الشرع. PageV01P309 # مجرى أقواله ومن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يعتقدون ذلك ويرون أن ~~المبادرة إلى أفعاله فى المتابعة مثل المبادرة إلى أقواله وقد دل على هذا ~~الأصل الكبير قوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] ~~وأمره هو شأنه وذلك مشتمل على أفعاله وأقواله ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{لتنبئنهم بأمرهم هذا} [يوسف: 15] أى شأنهم وإلى قوله تعالى: {وما أمر ~~فرعون برشيد} [هود: 97] أى شأنه وطريقته ومذهبه وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من أدخل فى أمرنا ما ليس فيه فهو رد" 1 يريد دينه وشريعته وأقواله ~~وأفعاله وأن ادعوا أن الأمر حقيقة فى القول مجاز فى الفعل نقول فى هذا ~~الموضع لما كان المعنى الثانى كان منتظما بالقول والفعل على وجه واحد ودل ~~أيضا قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] وهذا ~~على الإلزام والإيجاب بدليل أن أتبعه قوله: {لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر} [الأحزاب: 21] وهذا وعند التعقيب بالمواعيد دليل الوجوب ويبين هذا ~~الجواب عن قولهم أنه لو كان المراد بالآية الإيجاب لقال لقد كان عليكم ولم ~~يقل لكم لأن الذى قلناه من ذكر الوجوب واللزوم والشىء الواجب علينا إذا ~~فعلناه كتب لنا أمره فهو لنا من هذا الوجه وقد دل أيضا على ما ms254 ذكرناه قوله ~~تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] فجعل فعله صلى الله عليه ~~وسلم علما على القدرة والأسوة وثبت بالآية أن الائتساء به صلى الله عليه ~~وسلم ثابت على العموم حتى ورد دليل الخصوص إلا ترى أنه لما جاء الخصوص قال ~~تعالى: {إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: ~~50] فثبت أن الائتساء وجب شرعا والذى ذكرناه يعرف من الدلائل القطعية التى ~~يحرم خلافها ولا يدخل الاجتهاد فى تجاوزها وعلى هذا الأصل الذى ثبتناه لا ~~يحتاج إلى الجواب عن شىء من كلامهم لأنهم إذا ادعوا انتفاء الوجوب من حيث ~~العقل ونحن ادعينا وجوبه من حيث الشرع ولا ملاقاة بين طرفى الدليلين فوقعت ~~الغنية عن الاشتغال بم ذكروه وأوردوه والله المشكور بالهداية إلى ما يوافق ~~السنة فإن ذكروا شيئا اختص به النبي صلى الله عليه وسلم نقول قام دليل ~~التخصيص مع ذلك فلا يدخل على الأصل الذى أصلناه. # فإن قيل لو كان الفعل منه صلى الله عليه وسلم على الوجوب لكان الترك على ~~الوجوب قلنا نقول. PageV01P310 # إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه ~~إلا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه ~~إلى أن قال لهم إنى أعافه وأذن لهم فى تناوله وهذا وجه الكلام فى هذه ~~المسألة وقد تبين جدا وقد رأيت لبعض المتأخرين فى هذه المسألة كلاما مختلطا ~~ورأيته متردد الرأى فى المسألة وأشار إلى طرف مما ذكرناه من أن الصحابة رضى ~~الله عنهم كانوا يبتدرون إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم ابتدارهم إلى ~~أقواله وهو صلى الله عليه وسلم إمام الخليقة فى جميع أموره وذكر أنه يبنى ~~فعله على الإيجاب والإلزام أخذا بالأحوط ثم رأيته يميل إلى القول بالإباحة ~~على معنى أنه إذا ظهر منه صلى الله عليه وسلم فعل لم يكن على الأمة حرج أن ~~يفعلوا ms255 مثل فعله قال وأما القول بالإيجاب والندب فلا دليل عليهما ونحن نحمد ~~الله عليهما قد دللنا على ذلك بأبين وجه وأظهر مسلك فليعتقد المرء ذلك يجد ~~نفسه على سواء الصراط والله المغنى بمنه. # وإذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا وعرف أنه فعله على وجه الوجوب ~~أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على التخصيص بذلك ~~فقال أبو بكر الدقاق لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل يدل عليه هكذا ذكر ~~الأصحاب وعندى أن ما فعل فى القرب سواء عرف أنه فعله على جهته أو لم يعرف ~~فإنه شرع لنا إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه والذى ذكرناه فى المسألة ~~الأولى دليل في هذه المسألة ولا معنى للإعادة والمعتمد رجوع الصحابة إلى ~~أقواله وأفعاله جميعا على السواء. # وإذا ثبت هذا فنقول اعلم أنه يحصل بالفعل جميع أنواع البيان من بيانه ~~المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ فأما بيان المجمل فهو كما روى ~~من فعله صلى الله عليه وسلم الصلاة والحج وتصمن فعله بيان المجمل الذى فى ~~القرآن وأما تخصيص العموم فهو كما روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس1 ثم روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد ~~العصر صلاة لها سبب2 وكان ذلك تخصيص عموم النهى وأما تأويل الظاهر فهو كما ~~روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القود فى الطرف قبل الاندمال ثم روى أنه ~~أفاد قبل الاندمال فيعلم أنه صلى الله عليه وسلم أراد بالنهى الكراهة فى ~~وقت دون التحريم وأما النسخ فقد بيناه فى موضعين فلا يفيد # وإن تعارض قوله وفعله فى البيان ففيه أوجه من أصحابنا من قال القول أولى ~~من. PageV01P311 # الفعل لتعديه بصيغته. # ومنهم من قال الفعل أولى لأنه أدل وأقوى فى البيان على ما سبق من خبر حلق ~~الرأس فى الحديبية. # ومن أصحابنا من قال هما سواء1 وعندى أن هذا هو الأولى ولا بد من دليل آخر ~~لترجيح أحدهما ms256 على الآخر ووجه التسوية بينهما ما ذكرنا فى المسألة الأولى ~~وهو اتفاق الصحابة رضى الله عنهم على التسوية بين القول والفعل وأخذهم بيان ~~الشرع منهما على وجه واحد من غير ترجيح والكتاب يدل أيضا على ذلك وهو فى ~~المواضع التى ذكرناها والله أعلم. # ونذكر حكم ما أقر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عصره فنقول وإذا ~~شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على استدامة أفعال فى بيعات أو ~~غيره من معاملات يتعاملونها فيما بينهم أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو ~~أبنية أو مقاعد فى أسواق فأقرهم عليها ولم ينكرها منهم فجميعها فى الشرع ~~مباح إذا لم يتقدم إقراره إنكار لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستجيز أن ~~يقر الناس على منكر ومحظور كما وصفه الله تعالى فى قوله: {النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر} [الأعراف: 157] فدل أن ما أقرعليه داخل فى المعروف خارج عن المنكر ~~فإن مدح فاعله وذم تاركه دل على وجوبه وأن ذم فاعله ومدح تاركه دل على حظره ~~وهكذا لو أمره بالتوبة لأنه لا يأمر بها إلا فى معصية وأن مدح فاعله ولم ~~يذم تاركه دل على استحبابه وهكذا لو وعد فاعله بالثواب أو لم يتوعد تاركه ~~بالعقاب دل على استحبابه وأن لم يمدح فاعله ولم يذم تاركه دل على إباحته ~~وأن أقر فاعلا بعد ذمه على فعل مثله دل على. PageV01P312 # إباحته بعد حظره وأن ذم واحدا على فعل وأقر آخر على مثله فإن علم ~~افتراقهما فى السبب تعلق الحظر والإباحة بالسبب الذى افترقا فيه وأن جهل ~~بسبب الافتراق عليه حكم الآخر منهما فإن كان الآخر الإقرار بعد الذم دل على ~~الإباحة بعد الحظر وأن كان الآخر الذم بعد الإقرار دل على الحظر بعد ~~الإباحة وإذا علم من حال مرتكب المنكر الإنكار أن كان الإنكار عليه يزيده ~~إغراء على فعل مثله فإن علم به غير الرسول لم يجب عليه الإنكار لئلا يزداد ~~من ms257 المنكر بالإغراء. # وإن علم به الرسول ففى وجوب إنكاره وجهان أحدهما لا يجب لهذا التعليل وهو ~~قول المعتزلة والوجه الثانى يجب إنكاره ليزول بالإنكار توهم الإباحة وهذا ~~الوجه أظهر وهو قول الأشعرية من هذا الوجه يكون الرسول مخالفا لغيره لأن ~~الإباحة والحظر شرع مختص بالرسول دون غيره. # مسألة وإذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا فهو على ثلاثة أضرب. # أحدها أن يضيفه إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والآخر إلى عصر ~~الصحابة رضى الله عنهم والثالث أن ينطق فإن أضافه إلى عصر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وكان مما لا يخفى مثله حمل على إقرار الرسول وصار شرعا وأن كان ~~مثله يخفى كأن يكرر منهم وكثر حمله على إقراره لأن الأغلب فيما كثر منهم ~~أنه لا يخفى عليه كما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال كنا نخرج ~~صدقة الفطر فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من بر أو صاعا من ~~شعير أو صاعا من تمر1 الخبر وعلى هذا إذا أخرج الراوى الرواية مخرج التكثير ~~بأن قالوا: كانوا يفعلون كذا حمل الرواية على علمه وإقراره فصار المنقول ~~شرعا وأن تجرد عن لفظ التكثير كقوله فعلوا كذا فهو محتمل ولا يثبت شرع ~~باحتمال وأما أن أضيف الفعل إلى عصر الصحابة رضى الله عنهم نظر فإن كان مع ~~بقاء عصر الصحابة لم يكن حجة وأن كان انقراض عصرهم فهو حكاية عن إجماعهم ~~فيكون حجة وأن أطلقه ولم يضفه إلى أحد العصرين نظر فإن كان عصر الصحابة ~~باقيا فهو مضاف إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأن كان بعد عصر الصحابة ~~فالماضى قبله عصر الصحابة. # وإذا قال الراوى من السنة كذا كما قال على رضى الله عنه من السنة أن لا ~~يقتل حر بعبد فقد اختلف فيه الفقهاء فعند أبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى ~~وأبى. PageV01P313 # الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أنه لا يحمل ذلك على سنة الرسول1 لأن ~~الصحابة ربما سنوا بالقياس والاجتهاد أحكاما كما ms258 قال على رضى الله عنه جلد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخمر أربعين وجلد أبو بكر رضى الله عنه ~~ثمانين فى كل سنة2 وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتى وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدى" 3 وأما مذهب الشافعى رحمه الله أن مطلق السنة ما ~~سنه الرسول صلى الله عليه وسلم وأضافها إلى غيره4 فجاز لا قتدائه فيها بسنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه وأما ~~قول على رضى الله عنه وكل سنة يعنى بالزيادة أنها تقرير جاءت به السنة ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: "وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" ما أخبروكم به ~~عن سنتى وأن كان ذلك حجة نظر فإن كان الراوى لذلك صحابيا كان روايته مسندة ~~يجب العمل بها وأن كان تابعيا كان روايته مرسلة فحكمها حكم المراسيل. # مسألة: وإذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فلا يوجب هذا أن ~~يقطع بأنه عن الرسول ولا يقطع بأنه ليس عن الرسول صلى الله عليه وسلم لجواز ~~الأمرين. # واختلفوا فيما يوجب هذا الظاهر فحكى عن أبى الحسن الكرخى من أصحاب أبى ~~حنيفة وأبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى أنه يحمل على أنه من الصحابة دون ~~الرسول صلوات الله عليه إلا أن يقوم دليل على أنه من الرسول عليه السلام. # ومذهب الشافعى أنه يحمل على أنه من الرسول صلوات الله عليه دون الصحابة5 ~~لأن الصحابة لقربهم من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يستعملون هذه ~~اللفظة فى أوامره ونواهيه فوجب أن يحمل على عرف الاستعمال وهذا مثل ما روى ~~عن أنس أنه قال. PageV01P314 # "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"1 وهذا محمول على أن الأمر هو ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # ومنهم من جعل الأمر على الوقف حتى يقوم دليل والصحيح ما قدمنا ومما يلحق ~~بالفصل الذى ذكرناه من قبل أن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم غيره على ما ~~يشاهده منه شرع استدل به الشافعى فى ms259 إثبات القافة2 من خبر محرز المدلجى ~~ونظره إلى أسامة بن زيد وهما نائمان وعليهما قطيفة وقد بدت أقدامهما فقال ~~هذه الأقدام بعضها من بعض3 وسرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وذكره ~~لعائشة رضى الله عنها مستبشرا بقوله ووجه الاحتجاج بالخبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يسره إلا الحق وقد قال محرز ما قاله بالقافة فإنه كان ~~معروفا بهذا العلم فلما سره قوله تبين أنه مسلك صحيح وقوله مصدر عما صدر ~~عنه حق وهذا هو الجواب عن قول من قال معترضا على الخبر أن قول محرز كان ~~موافقا للشرع فإن أسامة ولد على فراش زيد والقول الصادر على وفق الشرع لا ~~يكون دليلا على أنه فى نفسه حق وحجة ألا ترى أن الفاسق لو قال أن هذه الدار ~~لفلان وعزاها إلى مالكها فلو قرر الشرع مثل هذا على قولكم لم يكن دليلا على ~~أن قول الفاسق مقبول محكم به. # والجواب على هذا ما سبق ويقال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو لم يكن ~~معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفال وما يقال بالحدس والتخمين ~~ولما أبعد أن يخطىء فى تواضع أن أصاب فى هذا الموضع وكان ينبغى أن لم يكن ~~القافة حقا أن ينبهه على غلط وهو قوله بهذا الطريق حتى لا يتخذه مسلكا ~~يسلكه فى سائر المواضع فيخطىء فى غير هذا الموضع وأن أصاب فى هذا الموضع ~~فمقداره الاحتجاج بالخبر وهو وجه حسن واضح داخل فى أستار القلوب والله ~~أعلم. # مسألة: ويلحق بهذا الفصل الكلام فى تعبد نبينا عليه السلام بشريعة من ~~قبله # اعلم أنه يجوز أن يتعبده الله تعالى بشريعة من قبله من الأنبياء ويأمره ~~باتباعها ويجوز أن يتعبده بالنهى عن اتباعها ولا لبس فى وجوب هذا أو عدمه ~~استبعاد ولا استنكار ولأن. PageV01P315 # مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف فيجوز أن يكون الشىء مصلحة فى زمان النبى ~~الأول دون الثانى ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الثانى دون الأول ويجوز أن ~~يكون مصلحة فى ms260 زمان الأول والثانى وإذا جاز هذا فيجوز أن تختلف الشرائع ~~وتتفق فإن قيل إذا جاء الثانى بمثل ما جاء به الأول لم يكن لبعثه وإظهار ~~المعجزة عليه فائدة لأن الشريعة معلومة من قبل قلنا الله تعالى أعلم حيث ~~يجعل رسالته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعلى أن فيه فوائد كثيرة منها ~~أنهما وأن اتفقا فى بعض الأحكام فيجوز أن يختلفا فى بعضها ومنها أنه يجوز ~~أن يكون الأول مبعوثا إلى قومه والثانى إلى غيرهم ومنها أن يندر من شريعة ~~الأول فلا يعلم إلا من جهة الثانى ومنها أن يحدث فى الأول بدع فيزيلها ~~الثانى فيعلم أن الأمرين جائزان. # ثم اختلف أصحابنا وغيرهم هل تعبده لله تعالى أعنى نبينا صلى الله عليه ~~وسلم باتباعها أعنى شريعة من قبلنا أم كان منهيا عن اتباعها على ثلاثة ~~مذاهب. # أحدها: أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وقد ذهب إلى هذا ~~جماعة من أصحابنا وأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة. # والمذهب الثانى: أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا باتباعها إلا ما نسخ ~~منها وإلى هذا مال أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة وطائفة من ~~المتكلمين. # والمذهب الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعبد فيها بأمر ولا نهى وقال ~~بعض الفقهاء كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه السلام على الخصوص دون غيره1 ~~وهو قول شاذ والمعروف ما قدمنا من قبل والمذهب الصحيح هو الأول وإنه كان ~~المذهب الثانى قد نصره كثير من أصحابنا وقد أومىء إليه الشافعى فى بعض كتبه ~~وقيل أنه بنى عليه أصلا من أصوله فى كتاب الأطعمة غير أنا نقول أن العقل لا ~~يحل اتباع شريعة من قبلنا غير أنه قد ثبت شرعا أنا غير متعبدين بشىء من ~~أحكام الشرائع المتقدمة فأما وجه قول من قال إنا تعبدنا بذلك قوله تعالى: ~~{قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا} [آل عمران: 95] فهذا نص أن هذه ~~الشريعة ملة إبراهيم ونحن نعلم أنها لم تجعل الملة فى الحال فثبت ms261 أنها ملة ~~له على معنى أنها كانت ملة له فبقيت حقا لذلك وصارت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويدل عليه. PageV01P316 # قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] والهدى ~~اسم الإيمان والشرائع جميعا لأن الاهتداء بها كلها ويدل عليه قوله تعالى: ~~{إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} ~~[المائدة: 44] وقوله النبيون الذين أسلموا قد دخل فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقيل أنه أراد بها النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص وقوله فى قصة ~~اليهوديين اللذين زنيا ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة وحكمه ~~بها على هذا القول أكثر أهل التفسير وبه وردت الرواية ويدل عليه أن ابن ~~عباس رضى الله عنهما سئل عن سجدة ص فقال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم أن ~~يقتدى به1 وأيضا فإن الله تعالى قال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} ~~[الشورى: 13] والدين اسم لما يدان الله به من الشرائع ولأن ما أنزله الله ~~تعالى من الشرع شرع ثبت لكل الناس ما لم يثبت نسخه وليس فى بعث الرسول ~~الثانى ما يدل على نسخ ما كان شرعا من قبل لما بينا أنه غير ممتنع أن يكون ~~شرع الأول شرعا للثانى فعلى هذا شرائع من قبلنا شرائع الله تعالى ولم يعرف ~~نسخها ثبت حقا وشرعا إلى أن يعرف نسخها قال أبو زيد فى أصوله والصحيح هذا ~~المذهب وهو أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا لحكايته أنها ثابتة لأن الله تعالى ~~أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعها وخانوا فى النقل فصاروا مردودين ~~الشهادة ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم واتهموا بالحيل واللبس فيما ~~يظهرون من شر لبعض فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبرنا أنها ثابتة بوحى متلو وغير متلو قال فالشرائع التى ~~كانت من قبل تبقى حقا فى نفسها لأنها كانت ms262 مطلقة غير مقبولة فبعث نبى آخر ~~ولكن لا يثبت شرعهم بنقلهم ولكن بنقل الثانى. # قال وفيه كان عرف المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث لم يصدق غيره عليه ولزم ~~الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء قالوا: ولهذا لم يرجع إليهم ولم ~~يراجعهم فى معرفة الأحكام وربما يستدل من ذهب إلى هذا المذهب بحال النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل الوحى بأنه كان متبعا شريعة من قبله بدليل أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يحج ويعتمر ويفعل وجوه الخيرات ويذبح وينحر ويطوف ويعظم ~~البيت ولا بد أن هذه الأفعال كانت منه باتباعه شريعة من قبله لأنه لم يكن ~~ينزل عليه الوحى بشرع يدل عليه أن الله تعالى لا يخلى زمانا من شرع وإذا لم ~~يكن عليه شرع فلا بد أن يكون الذى عليه شريعة من قبله فأما دليلنا قوله ~~تعالى. PageV01P317 # {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} [آل عمران: 81] والرسول الذى ذكر هاهنا ~~هو رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد جعلهم بعد مبعثه بمنزلة أمته فدل أن ~~شرائعهم قد انتهت بمبعثه ويدل عليه قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~المائدة 48 قال أبو زيد على هذه الآية فيه دليل على جواز النسخ فى الجملة ~~وليس فيه دليل على انتساخ كلى فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير الأحكام ولا شك ~~أن بعض الأحكام قد تغيرت بتبدل الطريقة فاستقام قوله تعالى: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] قال يبينه أنهم أجمعوا كلهم على طريقة ~~واحدة بالإيمان بالله تعالى وطاعتهم إياه فى أوامره ونواهيه ويمكن أن يجاب ~~عن هذا فيقال أن هذه الآية تقتضى تفرد كل واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج ~~إلا ما قام عليه الدليل والدليل على أن شرائع من قبلنا انتهت بمبعث نبينا ~~صلى الله عليه وسلم ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صحيفة فى يد ~~عمر رضى الله عنه فقال له ما هذه الصحيفة فقال ms263 فيها شىء من التوراة فغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود ~~والنصارى لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى1 فجعله بمنزلة واحد من أمته ~~لو كان حيا فهذا نص أن شريعته انتهت ببعثه ولأن أصحاب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كانوا يرجعون فى الحوادث إلى الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا ~~متعلقا من الكتاب والسنة والدليل عليه قول معاذ حين بعث إلى اليمن الخبر ~~المعروف ولم يرو أن أحدا منهم رجع إلى شىء من أحكام الكتب المنزلة من قبل ~~ولا بحث عنها ولا أمر أحدا بالبحث عما فيها ولو كانوا متعبدين بذلك لنقل ~~عنهم أو نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو فعل لنقلوا عنه عليه ~~السلام ذلك وهذا دليل معتمد لكن نبسط بساطا لهذا الدليل ليظهر وجه الاعتماد ~~عليه فيقول القائل بوجوب اتباع شريعة من تقدمه لا يخلو أما أن نقول أن الله ~~تعالى أوحى إليه بلزوم العبادات التى تعبد بها من قبله وأوحى إليه تلك ~~العبادات وصفاتها وهيئاتها فرجع إلى ما أوحى إليه منها ولم يرجع إلى النقل ~~عمن تقدم أو يقول: أنه رجع فى معرفة شرع من تقدم إلى النقل كما نفعله نحن ~~فى شرع نبينا صلوات الله عليه أو نقول رجع فى البعض إلى الوحى وفى البعض ~~إلى النقل ولا يجوز الأول لأن هذا مجرد دعوى ولا بد. PageV01P318 # فى ذلك من نقل وأما الظن والتخمين لا يثبت ولأنه لا يخلو أما أن نقول أن ~~جميع ما أوحى إليه شرع نبي متقدم أما موسى عليه السلام أو غيره وأما أن ~~نقول أن بعض ما أوحى إليه شرع نبى متقدم والبعض لا والأول باطل لأن كثيرا ~~من شرعه لا يوافق شرع موسى والمسيح وغيرهما وهذا معلوم قطعا وأما الثانى ~~فغير ممتنع أن يكون بعض شرعه موافقا لشرع من تقدمه ولكن وقوع الاتفاق لا ~~يدل أنه متعبد بشريعة من تقدمه لأنه عليه السلام إنما علمه بالوحى فصار ~~شريعته وإذا صار ms264 شريعته بالوحى ولا سند إلى أنه شريعة له بكونه شريعة من ~~قبله وأن قال أنه أنزل إليه أن هذه شريعة من قبلك وأنت متعبد بها فاتبعها ~~فهذا لا بد فيه من نقل على هذا الوجه وأن رجعوا إلى الآيات التى ذكروها ~~فليس فيها ذكر شرع من شرائعهم وحملها على جميع شرائعهم لا يمكن لما ذكرنا ~~من قبل ولا يجوز الثانى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى نقل من ~~تقدم وهو باطل لما بينا أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع فى ~~شىء من الحوادث إليها بل كان ينتظر الوحى مثل ما انتظر فى الظهار والإيلاء ~~واللعان وغير ذلك ولم يرو أنه سأل أحد من أهل التوراة والإنجيل عن حكم من ~~الأحكام ولو كان متعبدا بما فيها لم يتصور أن لا يرجع ولذلك أحد من السلف ~~لم يرو أنه رجع إلى نقل أحد من أهل الملل ولا سألهم عن شرائعهم ولو كانوا ~~متعبدين كما قلتم لكانت كتب الأنبياء المتقدمين عليهم السلام فى الأحكام ~~بمنزلة الكتاب والسنة فكان ينبغى أن يجب الرجوع إلى ذلك كما أوجب الرجوع ~~إلى الكتاب والسنة فإن ذكروا الرجوع إلى أمر الرجم سنجيب عنه فإن قالوا: ~~إنما امتنع ذلك لأن أهل الأديان السالفة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه ~~التى عليها نزلت قلنا إذا ثبت أن الرجوع إلى نقل من تقدم ممتنع ولم ينقل ~~الوحى بذلك ولا ثبت فساد الرجوع فإذا سقط عرفنا قطعا أنه لم يكن متعبدا ~~بشرع من قبله ولأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله على ما زعموا وكانوا قد ~~حرفوا وغيروا ونحن نعلم قطعا أنهم لم يحرفوا الجميع فكان ينبغى أن يقع ~~التنبيه من الله تعالى على مواضع اللبس والتمويه والتحريف حتى لا يتعطل ~~مرجع الأحكام ويدل عليه أنه كان قد أعلم من أحبارهم جماعة مثل عبد الله بن ~~سلام وزيد بن شعبة وغيرهما فى زمان النبي صلى الله عليه وسلم ومثل كعب ~~الأحبار وغيره بعده فكان يمكن أن ms265 يعرف مواضع التحريف من غير مواضع التحريف ~~منهم وقد استشهد الله تعالى بعبد الله بن سلام فى نص التنزيل وهو قوله: {قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] وهو عبد ~~الله بن سلام فى قول جماعة المفسرين فإن قالوا. # PageV01P319 # بقول الواحد والاثنين لا نعرف قلنا فيما طريقة العلم يعرف وعلى أنه كان ~~يخالط أهل العلم النقل للكتب المتقدمة ليعرف ما فيها بطريق التواتر حتى لا ~~يذهب عليه شرع من الشرائع التى تعبد به والذى قاله أبو زيد فى حجتهم أنه لا ~~يثبت بما شرعهم إلا بقول من الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا فإن ذلك القول ~~وكان ينبغى أن يوقفه الله عليه وليس أوقفه الله عليه وكان ينبغى أن يعلمنا ~~ذلك حتى لا يذهب علينا شريعة من الشرائع التى تعبدنا الله تعالى بها وقد ~~قال بعض من ذهب إلى هذا المذهب أنه لو كان متعبدا بشرع من سلف لم ينسب جميع ~~شرعه إليه كما لا ينسب شرعه عليه السلام إلى بعض أمته وفيما قالوه جعل ~~الرسول كأنه أمة من تقدمه وهذا غض من درجته وحط عظيم من مرتبته ومنزلته ~~واعتقاد أنه تبع لكل نبى من تقدمه وهذا لا يستجيزه أحد من أهل الملة بل فيه ~~التنفير عنه لأنه يكون تابعا بعد أن كان متبوعا ومدعوا بعد أن كان داعيا ~~أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما الآية الأولى فلا تعلق لكم بها لأن ~~المذكور اسم الملة واسم الملة لا يقع إلا على الأصول من التوحيد والإخلاص ~~لله تعالى بالعبادة وغير ذلك ولا يقع هذا الاسم على فروع الشرائع التى يقع ~~اختلافنا فى ذلك ولهذا لا يقال ملة أبى حنيفة وملة الشافعى ويقال مذاهبهما ~~مختلفة ولا يقال ملتهما مختلفة ويدل عليه أن الله تعالى قال: {أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [النحل: 123] فعلمنا أنه أراد بالملة ~~أصل الدين ويدل عليه أن شريعة إبراهيم قد انقطع نقلها وكيف يحثه الله تعالى ~~على اتباع ما لا ms266 سبيل له. # وأما قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ~~فقد أمر الله تعالى باتباعه هدى يضاف إلى جماعتهم والهدى المضاف إلى ~~جماعتهم هدى التوحيد الذى اجتمعوا عليه دون الشرائع التى اختلفوا فيها وأما ~~قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا} [المائدة: 44] قلنا ظاهر هذا يقتضى أن يحكم بها كل النبيين فعلى ~~هذا لا بد من حمله على التوحيد ليدخل جميع النبيين فيه لأننا نقطع أن بعض ~~الشرائع قد تنسخ بعضا على تفاصيل معلومة وأما قولهم أنها نزلت فى شأن ~~اليهوديين اللذين زنيا قلنا قد يسقط استدلالكم بالطريق الذى قلناه ويجوز أن ~~يكون المراد بالذين أسلموا جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعثوا على شرع ~~التوراة والدليل على أن المراد بالآية ما ذكرنا أنه لم ينقل رجوع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى التوراة فى طلب الأحكام وأما قصة اليهوديين فليس يعلم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إليها مستفيدا لحكم منها ويجوز أن نرجع ~~إليها لنتبين كذبهم فيما ادعوا أنه ليس حد الزنا. # PageV01P320 # هو الرجم فى التوراة وقد كان إلى ذلك لأن اليهود كانوا يموهون على ~~المسلمين ويقولون أنه لم يوجد صفة محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة ~~فأراد أن يبين كذبهم فيما ادعوا من حكم الزانى ليعرف كذبهم فى غير ذلك مما ~~يدعونه وأيضا يجوز أنه عليه السلام حكى أن الرجم هو حد الزانى فى التوراة ~~فرجع إليها ليقررهم على صدقه فى حكاية أن الرجم موجود فيها ولو رجع فى ~~استفادة الحكم منها لرجع إليها فى غير ذلك من الأحكام ورجع إليها في شرائط ~~الإحصان وغيره. # وأما قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} [الشورى: 13] قلنا ~~اسم الدين يقع على الأصول دون الفروع ولهذا لا يقال دين الشافعى ويراد به ~~مذهبه ولا يقال دينه ودين أبى حنيفة مختلف وعلى أن قوله: {أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] دليل على أن الدين شرعه لنا ما وصى به ms267 نوحا وهو ~~ترك التفرق وأن يتمسك بما شرع وأما قولهم أن الشريعة التى شرعها الله تعالى ~~وأنزلها لا يثبت نسخها إلا بدليل قلنا قد قام الدليل على نسخها على ما سبق ~~وقد أقمنا الدلالة على ذلك وهذا لأن جميع الشرائع السابقة قد انتهت بشرع ~~رسولنا صلوات الله وسلامه عليه ونستدل بما ذكرناه على انتهائها وقد سبق بما ~~فيه وأما قولهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بشرع من قبله قبل ~~الوحى قلنا هذا لا نسلمه أيضا والدليل عليه أنه لو كان متعبدا بذلك لكان ~~يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك كان يخالط من ينقل ذلك الشرع من النصارى ~~واليهود وغيرهم ولو فعل معهم ما كانوا يفعلونه وقد نقلت أفعاله قبل البعث ~~وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يخالط أحدا من النصارى واليهود أو يفعل شيئا ~~من أفعالهم والحق أنه لو تعبد بها لفعلها ولو فعلها لظهرت منه ولو ظهرت ~~لاتبعه فيها الموافق لنازعه فيها المخالف وقد عدم هذا كله فدل أنه لم يكن ~~متعبدا بذلك وأما قولهم أنه كان يحج ويعتمر ويطوف قلنا لم يثبت أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حج واعتمر قبل المبعث ولم يثبت أنه تولى التذكية وأمر ~~بها ويمكن أن يقال أنه وجد قومه على أدب من أدب إبراهيم عليه السلام ~~فوافقهم فيما فعلوه من الأفعال التى كانوا فيها على طريقة إبراهيم وهذا غير ~~ممتنع فعله وموافقته قومه فيها خصوصا إذا كانوا قوما نشأ فيهم وكان فيما ~~بينهم ولم يكن الفعل مما هو محرم فى شريعة معروفة فهذا وجه الكلام فى هذه ~~المسألة والله أعلم. # PageV01P321 ### | القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل ### | مدخل # ... # القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل. # وإذا بينا أفعال الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأحكامها فالواجب أن نبين ~~أقواله صلى الله عليه وسلم ومواجبها وما يتعلق بها وأيضا فإن السنة تلو ~~الكتاب فإذا بينا طرفا مما يتعلق بالكتاب فنبين السنة وما يبتنى عليها ms268 ~~فنقول فى مقدمة الكلام فى الأخبار أن سنة الرسول صلوات الله عليه فى حكم ~~الكتاب فى وجوب العمل بها وأن كانت فرعا له لأن الله تعالى ختم برسوله ~~النبوة وأكمل الشريعة وجعل إليه بيان ما أجمله فى كتابه وإظهار ما شرعه من ~~أحكامه وقال تعالى فى محكم تنزيله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: 7] . # ولما جعله بهذه الرتبة أوجب الله عليه أمرين لأمته وأوجب له أمرين على ~~أمته وأما ما أوجب عليه لأمته منه الأمرين:. # فأحدهما التبليغ قال الله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] . # والثانى البيان قال الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] . # وما أوجب له على أمته من الأمرين: # فأحدهما: طاعته فى قبول قوله والعمل به قال الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] . # والثانى: أن يبلغوا عنه ما أخبرهم به وأمرهم بفعله لأنه ما كان يقدر على ~~أن يبلغ جميع الناس وما كان يبقى على الأبد حتى يبلغ أهل كل عصر فإذا بلغ ~~الحاضر لزمه أن ينقله إلى الغائب وإذا بلغ أهل عصر لزمهم أن ينقلوه إلى أهل ~~كل عصر عمن تقدمهم لينقلوها إلى أهل العصر الذى يتلوهم فينقل كل سلف إلى ~~خلفه فيدوم على الأبد نقل سنته وحفظ شريعته. # قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد الغائب" وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "بلغوا عنى ولا تكذبوا على" وقال أيضا: "نضر الله امرءا سمع مقالتى ~~فوعاها وبلغها من لم يسمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه". # PageV01P322 # وإذا كان أمر السنة على هذا الوجه فللسنة حالتان. # إحداهما: أن يأخذها الحاضر عن الرسول صلى الله عليه وسلم سماعا منه. # والحالة الثانية: أن ينقل إلى الغائب خبرا عنه. # فأما الحالة الأولى: فإذا سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمع لفظه ~~فالعلم بذلك مقطوع بوجوده لأن ms269 السماع من علوم الحواس المدركة بالاضطرار ~~وإذا رفع العلم بذلك فيكون وجوب العلم صادرا عن العلم بصحة ما سمعه. # وأما الحالة الثانية: وهى إذا نقل خبره صلى الله عليه وسلم إلى غائب عنه ~~فيجب على من نقل إليه أن يعمل به كما يجب على من شاهده وسمع منه فليثبتونه ~~فى وجوب العمل وأن اختلفا فى وقوع العلم وسنبين هذا من بعد وليس على من ~~بلغته السنة من الغائبين عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يهاجر لها ~~لسماعها منه لأنها قد وصلت إليه بالنقل فسقطت عنه المعجزة وسقط عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيانه ثانيا وأن هاجر لأنه قد بين بالبلاغ الأول فسقط ~~عنه فرضه ولو لزم كل مبلغ أن يحضر ولزم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكرر ~~لخرج من حد الاستطاعة فى الجمعين فصارت الأخبار أصلا كبيرا فى أصول الدين ~~بالوجه الذى قد بيناه. # PageV01P323 ### | فصل اعلم أن حد الخبر كلام يدخله الصدق والكذب. # ولا يعنى بهذا دخولهما عليه فى حالة واحدة لكن المراد منه أنه يصح فيه ~~الصدق والكذب من حيث صيغته ثم يكون الصدق بدليله والكذب بدليله إلا ترى أن ~~الإنسان إذا أخبر بخبر فلا يقال صدقت أم كذبت من حيث صيغته لأنه من حيث ~~صيغته يستوى فيه الصدق والكذب وإنما يقال كذبت أو صدقت بدليل يدل عليه لا ~~من صيغته وقد عدل بعضهم عن الحد الأول فقال ما يدخله الصدق أو الكذب وقال ~~بعضهم ما لا يخلو أن يكون صدقا أو كذبا1. # والحد الأول هو المعروف وقد صح بالوجه الذى بينا فإن قيل قول القائل محمد ~~ومسيلمة صادقان خبر وليس بصدق ولا كذب قلنا هذا الكلام يجرى مجرى خبرين ~~أحدهما خبر عنه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم والآخر بصدق مسيلمة والأول ~~حق صدق. PageV01P323 # والثانى كذب باطل وإذا جرى هذا الكلام مجرى خبرين أحدهما صدق والآخر كذب ~~سقط السؤال ثم نقول قد بينا أن معنى قولنا أن الخبر يدخله الصدق والكذب هو ~~أنه إذا قيل ms270 للمتكلم به صدقت أو كذبت لم يكن باطلا من حيث اللغة وفى هذه ~~الصورة لا يكون الصدق أو الكذب باطلا من حيث اللغة وإنما وجه بطلانه بدليل ~~يدل عليه فإن قال قائل ما الصدق وما الكذب قلنا الصدق هو الإخبار عن الشىء ~~على ما هو به والكذب الإخبار عن الشىء على خلاف ما هو به وهذا حد المتكلمين ~~والأولى أن نقول إذا كان المخبر على ما تضمنه الخبر فهو صدق وإذا كان ~~بخلافه فهو كذب ويكفينا هذا القدر. # وإذا علمنا حد الخبر فنقول الأخبار على ثلاثة أضرب. # خبر يعلم صدقه فهو حق وخبر يعلم كذبه فهو باطل وخبر يحتمل الصدق والكذب ~~فهو ممكن أن يكون حقا أو باطلا. # فالمعلوم صدق كالخبر ففى اجتماع الصدق والخبر نقصان الواحد من الاثنين ~~وكالخبر ببياض العاج وسواد القار ويدخل فى هذا ما علم بضرورة العادة كالخبر ~~بحدوث الولد عن أبوين وبطلوع الشمس من المشرق وقد يعلم الصدق بالدليل ~~المكتسب مثل الخبر بحدوث العالم بوحدانية الصانع وبالدليل العرفى مثل قولهم ~~الطعام مشبع والماء مروى. # وأما الخبر الذى يعلم كذبه فهو الخبر الذى يقابل الضروب التى قلناها ~~والخبر الذى يعلم صدقه بطريق العكس وهو كالخبر باجتماع الضدين بزيادة ~~الواحد على الاثنين إلى آخر ما ذكرناه وقد يعلم صدق الخبر وكذبه بقرائن ~~تتصل بالخبر وذلك أن الخبر الواحد يخبر ويعمل به جميع الأمة أو يخبر الواحد ~~بخبر ويصدقه الجم الغفير وأما القرينة الدالة على الكذب فهو أن يخبر الواحد ~~بخبر ويعلم الأمة بخلافه أو يخبر الواحد بخبر ويكذبه الجم الغفير وفى الأول ~~نظر وسيأتى من بعده وأما الخبر الذى يمكن أن يكون صدقا أو يكون كذبا فهو ~~كالإخبار بلقاء زيد أو بكلام عمرو وكذلك الإخبار بخصب السنة وحدها والإخبار ~~بموت فلان وبحياته وبصحته ومرضه وغناه وفقره وأمثال هذا تكثر ثم اعلم أن ~~الخبر صيغته موضوعة فى اللغة يدلك على ما وضعت له وقالت الأشعرية لا صيغة ~~له مثل ما لا صيغة للأمر والنهى والعموم والخصوص وقد فرق ms271 بعضهم بين الخبر ~~وغيره وجعل للخبر صيغة والدليل عليهم أن لم يجعلوا له صيغة ما ذكرناه من ~~قبل فلا مقيد ثم اعلم أن الخبر ضربان متواتر وآحاد فللآحاد باب مفرد. # PageV01P324 # وأما المتواتر فكل خبر علم مخبره ضرورة1 وقد فرق بعضهم بين أخبار ~~الاستفاضة وأخبار التواتر وزعم أن أخبار الاستفاضة ما تبدوا منتشرة ويكون ~~انتشارها فى أولها مثل انتشارها فى آخرها وأخبار التواتر ابتدا به الواحد ~~بعد الواحد حتى يكثر عددهم ويبلغوا عددا ينتفى عن مثلهم المواطأة معه ~~والأصح أن لا فرق لأن من حيث اللسان كلاهما واحد وهذا الفرق لا يعرفه أحد ~~من أهل اللسان. # وأما شروط التواتر فأشياء: # منها: أن يعلم المخبرون ما أخبروا به عن ضرورة أما بعلم الحس من سماع أو ~~مشاهدة وأما بأخبار متواترة فإن وصل إليهم بخبر الواحد لم يصح منهم ~~التواتر. # والثانى: أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها اتفاق الكذب منهم والتواطؤ ~~عليه لأنا لو جوزنا أن يشتركوا فى الخبر اتفاقا أو متواطىء أو تراسل لم ~~تأمن أن يكونوا كذبوا فى الخبر وقد عبروا بما قلناه وهو أن الشرط أن يكون ~~شواهد أحوالهم تنفى عن مثلهم المواطأة والغلط. # والشرط الثالث: أن يتفقوا على الخبر من حيث المعنى وأن اختلفوا فى ~~العبارة فإن اختلفوا فى المعنى بطل تواترهم. # الشرط الرابع أن يستوى طرفاه ووسطه فيؤدى العدد الذى ذكرناه عن مثله إلى ~~أن يصل بالمخبر عنه. # وممكن أن يختصر هذا كله فيقال الشرط أن يكثر المخبرون كثرة يمتنع معها ~~التواطؤ على الكذب ويكونوا بما أخبروا به مضطربين2 وهذا كاف ثم اعلم أنه ~~ليس فى عدد المخبرين فى التواتر حصر وعدد معلوم لا يزاد عليه وإنما الشرط ~~ما ذكرناه وإنما لم. PageV01P325 # يصدر العدد ليكون أنفى للريبة وأبعد من التصنع لأنه قد ينتفى الارتياب عن ~~عدد ويثبت بهم التواتر ولا ينتفى عن عدد هو أكثر فلا يثبت بهم التواتر وهذا ~~لأن ما يدل عليه من شواهد أحوالهم مختلف فامتنع به حصر عدده وليس فيه نص ~~مشروع1. # وقد ذكر ms272 بعض أصحابنا أن الشاهد الحال قد يقترن بخبر الواحد فيوجب العلم ~~وذلك إذا وجدنا رجلا كبيرا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المرويات ~~حاصيا حاسرا رأسه شاقا جبينه وهو يدعو بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب ~~بوالده أو ولده ونقطع أنه لم يطرأ عليه عته ولا خبل وشهدت الجنازة وترى ~~الغسال مشمرا يدخل ويخرج فبهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بأخباره تضمنت ~~العلم بصدقه وقد يوجد الكذب من الجم الغفير إذا ضمنهم حالة توجب اقتضاء ~~الكذب وقد يقع التواطؤ على الكذب من الحد الكثير مكيدة بقصدهم بيانا وشر ~~عادة. # والذى ذكرناه من قبل وهو أن الشرط أن يكون فى شواهد أحوالهم ما ينفى عنهم ~~تهمة التواطؤ والكذب بدفع هذه التصويرات والمشهور من الأصحاب أنه لابد من ~~عدد على الوصف الذى ذكرنا وقد تكلم الأصحاب فيما لا يثبت به التواتر من ~~العدد فذهب أكثر أصحاب الشافعى رحمه الله إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر ~~بأقل من خمسة فما زاد فعلى هذا لا يوجد أن يتواتر بأربعة لأنه عدد معتبر فى ~~الشهادة الموجبة لغلبة الظن دون العلم. # قال الإصطخرى لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة وأن جاز أن يتواتر بالعشرة ~~فما زاد لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد والعشرة فما زاد جمع ~~الكثرة وقال قوم من غير أصحاب الشافعى أقل ما يتواتر به الخبر اثنى عشر ~~لأنهم عدد النقباء لبنى إسرائيل قال الله تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا} [المائدة: 12] وقال قوم لا تواتر بأقل من عشرين لذكر الله تعالى ~~لهذا العدد فى عدد الصابرين فى القتال قال الله عز وجل: {إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] وقال قوم لا تواتر بأقل من أربعين ~~لأنه عدد نصاب الجمعة وقال قوم لا تواتر بأقل من سبعين لأنه العدد الذى ~~اختاره موسى عليه السلام قال الله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا} [الأعراف: 155] . PageV01P326 # وقال قوم لا تواتر بأقل من ثلثمائة وثلاثة عشر عدد أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه ms273 وسلم يوم بدر1 وهذه الأقاويل التى حكيناها عن غير الأصحاب ليست ~~بشيء وليست بمستندة إلى أصل يعلم وخللها بين والاعتلال فيها مضطرب فلا معنى ~~للالتفات إلى شىء من ذلك والذى ذكره أصحابنا من القولين أمثل الأقاويل ~~والأولى أن لا يقع الالتفات إلى عدد ما سوى أنه كان يعتبر أن يكون أكثر من ~~أربعة لما ذكره الأصحاب وإن قيل أن هذا العدد لا يعتبر أيضا لكن يعتبر وجود ~~العلم بخبر المخبر لما يتصل به من شاهد الحال فيه صحيح أيضا على ما سبق ~~بيانه والأحسن ما قاله أكثر الأصحاب. # مسألة الخبر المتواتر يفيد العلم عند جماعة العلماء # وعند بعض الناس أنه لا يفيد العلم وقد نسب ذلك إلى البراهمة والسمنية ~~وهذا الخلاف خلاف لا يعتد به لأنه من قبل إنكار المحسوس وهو مثل خلاف ~~السفسطائية فى رفع المحسوسات وتصور صورا ليزول الإشكال فنقول أن رجلا لو ~~اعترض الناس وهم منصرفون من الجمعة فجعل الواحد والاثنان والجماعة يخبرون ~~أن الناس قد صلوا الجمعة وتكاثر عليه هذا الخبر حتى أخبره الفوج بعد الفوج ~~وخرج الأمر عن الحصر والعدد ولم ير أحدا منهم مخالف فى ذلك فإن السامع يجد ~~فى نفسه وقوع العلم له فصلاتهم الجمعة بحيث لا يتخالجه شك ولا يدخله ريب ~~ويجد قلبه ساكنا إلى ذلك وكذلك من دخل بلدا فاسترشد هذا إلى دار الوالى أو ~~منزل الحاكم فأرشده الواحد بعد الواحد وذكروا أن سلوك هذا الطريق يفضى إلى ~~داره وتواتر منهم ولم ير أحدا يخالفهم فى ذلك فإنه يقع العلم بقولهم ويعرف ~~قطعا أنه إذا سلك هذا الطريق وصل إلى مقصوده وأصاب غرضه وكذلك لو أن رجلا ~~يرى صبيا وسمع الناس يقولون أن والده فلان وقد مات عنه وتواتر له هذا الخبر ~~من جيرته وعشيرته وسائر أقربائه ورآهم يخبرون بذلك فى السر والعلانية ~~وحالتى الرضا والغضب ولا ينكر ذلك منكر ولا يخالفهم مخالف ودام الزمان على ~~ذلك فإنه يجد نفسه ساكنا إلى قولهم معتقدا صحة ما أخبروه به من أمر هذا ms274 ~~الصبى وهذا مما لا ينكره أحد له أدنى مسكة من عقل أو شمة من لب وقد استدلوا ~~أيضا بوقوع العلم لنا بوجود البلدان النائية القرون الماضية والملوك ~~السالفة. PageV01P327 # وسائر ما يجرى هذا المجرى وليس يدخل على هذا ما يجد الناس الكثير من ~~اجتماعهم على اعتقاد أو مذهب ولا يدل ذلك على أنهم محقون لأنا بينا أن شرط ~~وقوع العلم بالخبر المتواتر أن يكون صدره فى الابتداء عن ضرورة وأمر محسوس ~~بالسمع أو النقل وهذا لا يوجد فى هذا الموضوع وعلى أن نقول أن اجتمعوا على ~~حق فيجوز ويكون الذى حمى الاجتماع دليل الحق لأنهم مع اختلاف طباعهم وتباين ~~هممهم يجوز أن يصرف دليل الحق إلى اعتقاد الحق وأما إذا كان ذلك النبأ ~~باطلا فلا بد من دخول الاختلاف بينهم وعدم الائتلاف منهم ولم يوجد اتفاق كل ~~الناس على الباطل أبدا بحال ثم نقول بأن الخبر مخالف لباب الرأى والاعتقاد ~~لأن الخبر صدره عن الحس والمشاهدة والغلط لا يعرض فيها فإذا وجدناهم متفقين ~~على الخبر لم نجد موضعا للارتياب بهم وتوهم الغلط عليهم وأن قلتم يجوز أنهم ~~اتفقوا وتواطئوا على الكذب نقول أن الكلام فى الجماعة التى لا يتصور منهم ~~التواطؤ والاتفاق على الخطأ وأما اعتقاد المذاهب فضلت عن الرأى والاجتهاد ~~والغلط قد تعرض فيه على حسب غموض الأمر ودقة مستدله إلا ترى أن الجماعة من ~~المتناولين يجوزون الخطأ على أنفسهم فيما اعتقدوه والجماعة من المخبرين لا ~~يجوزون على أنفسهم الخطأ فيما أخبروه عن شاهدتهم فإن اختلاف الأمرين كان ~~قبل هذا الذى قلتم موجود فى إجماع الأمة فلا تجعلوه إذا حجة وقد قلتم أنه ~~حجة قاطعة موجبة العلم قلنا إنما كان كذلك لأن هذه الأمة قد خصت بالعصمة ~~عند الإجماع على الشىء وقد دل على ذلك حجة السمع ولولا ذلك لم يفرق بينكم ~~وبين سائر الأمم فإن قيل أن الجماعة الذين ذكرتهم وأن جم عددهم وكثرت ~~أشخاصهم فإنهم فى أنفسهم آحاد يجوز على كل واحد منهم فى حالة الاجتماع ما ~~يجوز ms275 فى حالة الانفراد إذ الانفراد والاجتماع أغراض لا تؤثر فى نفس الطباع ~~ولا يغيرها عما هى عليه فإذا جاز الكذب على كل واحد منهم منفردين جاز الكذب ~~على كل واحد منهم مجتمعين. # الجواب إنما قلتموه غلط لأن الذى حلت عليه الكثرة فى اختلاف الطباع ~~وتباين الهمم واختلاف الدواعى لا يمكنهم فى جارى العادات من الاجتماع ~~والتواطؤ على وجه واحد من التقول والتكذب ولا يخلى بينهم وبينه كما لا ~~يمكنهم من الاجتماع مهنة واحدة من المهن على صناعة واحدة من الصناعات وليس ~~كل ما صح يجوز على كل أحد من الجماعة عند الانفراد يجوز على جماعتهم إلا ~~ترى أن الواحد يجوز أن يقتل. # PageV01P328 # ولده أو يشوه وجهه ولا يجوز ذلك على جماعتهم وهو أن يتفقوا عليه وكذلك ~~استعمال شىء واحد والمشى فى طريق واحد والاجتماع على صنعة واحدة وأمثال هذا ~~تكثر وبهذا الطريق نجيب عن قولهم أن الخبر الذى وجد من الجماعة هو الذى وجد ~~من الواحد فلو كان وجود من الجماعة يفيد العلم لكان وجوده من الواحد يوجب ~~العلم ونقول يجوز أن يوجد من الواحد شىء ولا يجوز وجوده من الجماعة مثل ما ~~بينا وعلى أنا دللنا على وجود العلم بل نقطع بوجوده لكل أحد عند الخبر ~~المتواتر فكيف يحكم به وفاته مثل هذه الشبهة. # فإن قيل إذا جاز اجتماعهم على الصدق وهو رأى اختاروه له لا يجوز اجتماعهم ~~على الكذب وهو نظيره قلنا إنما افترقا لأن حسن الصدق داع إلى نفسه وأسبابه ~~مرغبة فيه وذاته تحرك عليه ما فيه غنية من جميع الأحدوثة ونيل المنزلة ~~العلية عند الناس وأما الكذب فعينه منفرة عنه وقبحه مزهد فيه ولأن فيه من ~~قبح الأحدوثة وخمول الذكر وسقوط المنزلة عند الناس ما يمنع من ارتكابه إلا ~~لغرض يدعوا إليه فأسباب الصدق يجوز أن تجتمع فى الجماعة فتصور إلفافهم عليه ~~فإن قيل هذا الأصل الذى قلتم يقتضى أن صدق اليهود فى دعاويهم قتل المسيح ~~عليه السلام فإنهم جماعة لا يجوز أن يتواطئوا على الكذب ms276 ببينة أن النصارى ~~وافقوهم وعددهم لا يخفى كثرة ووفورا وكذلك المجوس مطبقون فى الخبر عن ~~زرادشت ونبوته وإيراده المعجزات فى زمانه. # الجواب أما أمر عيسى والخبر عن قتله لم يوجد فيه الإطباق ولم يحصل عليه ~~منهم الاتفاق فإن العيسوية وهم فرقة كبيرة من النصارى يزعمون أن عيسى عليه ~~السلام لم يقتل بل رفعه الله إليه ولا يعتقدون التثليث ونصارى الحبشة على ~~هذا وزعم هؤلاء أن محمد صلى الله عليه وسلم رسول مبعوث إلى العرب خاصة وفى ~~اليهود من يقول: هذا الأخير ثم قد قالوا: أن خبر قتل عيسى من النصارى أيوجد ~~فيه شرط التواتر لأنا بينا أن شرط التواتر أن يستوى طرفاه وواسطته وقد قيل ~~أن خبر قتله مسند إلى أربعة نفر هم يوحنا ومتى ولوقا ومرقص وذكر أهل ~~العناية بالأخبار أن عيسى عليه السلام كان بأرض عربية وكان أصحابه مطلوبين ~~خائفين عليه وعلى أنفسهم فلما وقعت الصحة وقيل أنه قد قتل جل أصحابه على ~~خفية واستتار ونظروا إلى شخص مصلوب مقتول وهم على حال وجل ورعب توهموا أن ~~ما سمعوه حق فأفاضوا الخبر بذلك وأشاعوا فى أصحابهم وأشياعهم وأما خبر ~~اليهود فإن أصل الخبر عنهم فى قتله أوهى ما ضعف من خبر النصارى وذلك. # PageV01P329 # لأنهم كانوا يطلبون عيسى عليه السلام يريدون قتله وهم لا يعرفونه بحلته ~~وإنما جعلوا لرجل منهم جعلا فدلهم على شخص فى بيت فهجموا عليه وقتلوه ~~وزعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام وأشاعوا الخبر وإذا كان مخرج الخبر به ~~اعتورته هذه الآفات كان معدوم شرائط الصحة غير موثوق به وقد أخبر الله ~~تعالى فى كتابه بالحماية من شرطه وقال: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} ~~[النساء: 157] فوجب الأخذ بهذا ونزل ما زعموه للآفات التى عرضت عليه فيه ~~وأما ما يدعيه المجوس من نبوة زرادشت فإن الخبر فى ذلك لم يصدر عن جماعة ~~وجد فيهم شرط الأخبار المتواترة فإن الوارد فى خبره أنه خرج فى زمن ملك كان ~~يسمى بشتاين وآمن به الملك وأمر الناس بالإيمان ms277 به وزعم أنه أراه المعجزات ~~الدالة على صدقه فصدقوه على ذلك رغبة ورهبة وآمنوا به وتابعوه ثم نقول أن ~~الدين الذى دعا إليه زرادشت وما فى مردودهما مذهب قد بلغ فساده بالدلائل ~~القطعية وهو فى نفسه قول متناقض فإن أصل مذهبهما هو القول بالأصل من النور ~~والظلمة أو نرد ظاهر مرد هذا طريق بين الفساد ظاهر الأشخاص والانحلال فصارا ~~كذابين لعينين ولا يجوز أن يظهر الله تعالى المعجزات على يدى الكذابين عليه ~~فبهذا الطريق عرفنا أن تلك الأخبار عن أولئك القوم باطلة وإذا ثبت لنا أن ~~خبر التواتر يفيد العلم فهو يفيد العلم الضرورى وعنده أنه القسم الحسى يفيد ~~العلم الكسبى والكلام معه يرجع إلى معرفة العلم الضرورى وهو العلم الذى لا ~~يخالجه شك ولا يدخله ريب ولا يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بوجه ما وهذا ~~المعنى موجود فى العلم الحأصل بخبر التواتر كما هو موجود فى العلم الحأصل ~~بالعيان وقد ذكر المتكلمون فى هذه المسألة كلاما كثيرا إلا أن مرجعه إلى ~~أصول الكلام فتركنا ذلك غناء عنه واقتصرنا على القدر الذى يحتاج إليه ~~الفقهاء. # واعلم أن الأصوليين من أصحابنا قد قسموا التواتر إلى قسمين فقالوا:. # أحد قسمى التواتر ما يرجع إلى عين الشىء. # والقسم الثانى ما يرجع إلى معناه دون عينه1. PageV01P330 # فالأول معلوم وهو مثل ما سبق ذكره فى مواضع. # وأما الثانى فهو الخبر عن جود حاتم وشجاعة على رضى الله عنه وأمثاله وحلم ~~الأحنف وذويه فإن يروى نفر من سخاوة حاتم أنه وهب لرجل عشرة أعبد ويروى آخر ~~أنه وهب لرجل مائة شاة ويروى آخر أنه وهب لإنسان فرسا ويروى آخر أنه نحر ~~بعيره وقرى أضيافه ويروى آخر أنه أوهب ماله فيقع لنا العلم مجموع أخبارهم ~~أنه كان رجلا سخيا وكذلك الأمر فى شجاعة على رضى الله عنه فإنه يروى واحد ~~أنه قتل يوم بدر وليد بن عقبة وجماعة ويروى آخر أنه قتل يوم أحد فلانا ~~ويروى آخر أنه بارز يوم الخندق عمرو بن عبد ود وقتله ويروى ms278 آخر أنه قتل يوم ~~حنين فلانا اليهودى فيقع العلم مجموع أخبارهم أنه كان رجلا شجاعا وكذلك فى ~~حلم الأحنف وما أشبه ذلك وعلى هذا الوجه يقع العلم لنا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أقام المعجزة فإنه روى نفر أن النبي صلى الله عليه وسلم نبع ~~الماء من بين أصابعه وروى نفر أنه عليه السلام لما انتقل من الجذع إلى ~~المنبر حن الجذع كحنين الناقة وروى نفر أنه أشبع الجماعة الكثيرة بالطعام ~~اليسير وروى آخر أنه دعا شجرة فأتته وروى آخر أنه سبح الحصى فى يده وسمع ~~ذلك وروى آخر أنه أشار إلى القمر فانشق إلى أمثال هذا فيقع العلم القطعى ~~لنا بمجموع هذه الأخبار أنه أقام المعجزة على صدق نبوته وكان المعنى فى كل ~~هذا أنه لا يجوز أن يقع من الجماعة الكبيرة التواطؤ على وقوع مثل هذا وقد ~~نقلوا ذلك فى أزمنة مختلفة وأحوال متباينة ومعنى التواتر أنه وأن عدم ~~التواتر فى أعيان آحادها فقد وجد التواتر فى معناها إذا كانت هذه الأخبار ~~على اختلافها بحصرها معنى واحد فصار كأنهم نقلوا جميعا ذلك المعنى وأجمعوا ~~على الخبر عنه وهؤلاء الذين أخبروا هذه الأشياء بمجموعهم لا يجوز عليهم ~~التواطؤ على الكذب والتحق بورود الخبر المتواتر على الشىء لعينه واعلم أن ~~مثل هذا الطريق رد على الرافضة ما زعموا من نص الرسول صلى الله عليه وسلم ~~على إمامة على رضى الله عنه فإنهم زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ~~عليه على رءوس الأشهاد ومشهد من جميع أصحابه. PageV01P331 # ونص لهم عليه وقال هو الإمام من بعدى ثم إنهم جميعا كتموه وهذا محال من ~~الكلام ولا يتصور من ذلك مثل الجماعة العظيمة والجم الغفير اختلاف طباعهم ~~وتباين أهوائهم وتردد الدواعى منهم إطباقهم واتفاقهم على كتمان مثل هذا ~~النص الجلى ومن دخل فى مثل هذا فقد كفى خصمه مؤنة والمسألة من باب أصول ~~الدين وليست من باب أصول الفقه فتركنا الإطناب فى ذلك والله الموفق للصواب ~~والهادى إلى الرشاد بمنه ms279 وعميم طوله. # ونتكلم الآن فى أخبار الآحاد فنقول: # أخبار الآحاد ما أخبر به الواحد والعدد القليل الذى لا يجوز عليهم ~~المواطأة على الكذب1. # وهى على ثلاثة أضرب. # أحدها: أخبار المعاملات. # والثانى: أخبار الشهادات. # والثالث: أخبار السنن والديانات. # فأما أخبار المعاملات فلا يراعى فيها عدالة المخبر وإنما يراعى فيها سكون ~~النفس إلى خبر المخبر فتقبل من كل راو فاجر ومسلم وكافر وحر وعبد فإذا قال ~~الواحد منهم هذه هدية فلان إليك أو هذه الجارية وهبها فلان لك أو كنت أمرته ~~بشراء جارية فاشتراها لك جاز للمخبر قبول قوله إذا وقع فى نفسه صدقه ويحل ~~له الاستمتاع بالجارية والتصرف فى الهدية وكذلك إذا قال أذن فلان لك فى ~~دخول داره وأكل طعامه جاز له دخول داره وأكل طعامه وهذا شىء متعارف عليه فى ~~جميع الأعصار ومن غير تكبر وهو المعتاد والمتعارف بين الناس وقد ألحق بعض ~~أصحابنا الصبى بمن ذكرناه طردا للعرف فإن العرف فى مثل هذا العرف فيما سبق ~~وهذا هو الأصح. # وأما أخبار الشهادات2 فشرطها وعددها معلوم فى الشرع ولا حاجة إلى ذكر ذلك ~~وأما أخبار السنن والديانات فاعلم أن خبر الواحد فيها قد يوجب العلم فى ~~مواضع منها أن يحكى الرجل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويدعى علمه ~~فلا ينكر عليه فنقطع بصدق. PageV01P332 # المخبر ويقع العلم بخبره ومنها أن يحكى الرجل بحضرة جماعة كثيرة ويدعى ~~علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقه وعندى أن من شرط هذا أن التمادى على ذلك ~~الزمان الطويل ثم لا يظهر من ذلك القول حد ينكره لأنه بدون هذا يجوز أن ~~يسكتوا عن الإنكار عليه لغرض ويجوز أن يكون لهيبة له أو لوجل منه فأما إذا ~~مر على ذلك الزمان الطويل فلا يتصور السكوت عن الإنكار من كل القوم مع ~~اختلاف الطباع وتباين الهمم وكثرة الدواعى من كل وجه ومنها خبر الواحد الذى ~~تلقته الأمة بالقبول وعملوا به لأجله فيقطع بصدقه وسواء فى ذلك عمل الكل به ~~أو عمل البعض وتأوله البعض ومثال ms280 هذه الأخبار خبر حمل بن مالك بن النابغة ~~فى الجنين وخبر عبد الرحمن بن عوف فى أخذ الجزية من المجوس وخبر أبى هريرة ~~فى تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وقالت هذه الأخبار وهى كثرة وقد ~~ألحق بعضهم بهذا أن يكون الخبر مضافا إلى حال قد شاهدها كثير من الناس ثم ~~يرويه واحد أو اثنان ويسمع بروايته من شهد الحال فلا ينكره فيدل ترك ~~إنكارهم له على صدقه لأنه ليس فى جارى العادة إمساكهم جميعا عن رد الكذب ~~وترك إنكاره إلا ترى أنه لو انكفى عن الجامع من حضرة الصلاة فأخبر أحدهم ~~بفتنة وقعت فيه فأمسكوا عن تكذيبه علم صدقه فى خبره قال وعلى هذا ورد أكثر ~~معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وأكثر أحواله فى مغازيه وأكثر ما ورد به ~~السنن المشهورة وهذا وجه حسن جدا ولا بد أن يكون ملحقا بما قدمنا. # وأما ما سوى هذا من أخبار الآحاد فالكلام فيها يشتمل على شيئين. # أحدهما فيما يتعلق بالعلم. # والآخر فيما يتعلق بالعمل. # أما العلم فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه لا يوجب العلم وذهب ~~أكثر أصحاب الحديث إلى أن الأخبار التى حكم أهل الصنعة بصحتها ورواها ~~الأثبات الثقات موجبة للعلم1 وقد ذكرنا حجتهم على هذا فى كتاب الانتصار ~~وذهب داود إلى أنها توجب علما استدلاليا لأن التعبد باستعمالها موجب لحدوث ~~العلم بها استدلالا بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الاسراء: 36] ~~وبقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] فدلت ~~هاتان الآيتان أنه إذا أوجب العمل ثبت العلم. # وذهب النظام إلى أن خبر الواحد يوجب العلم إذا اقترن به الشك وذلك إذا ~~خرج. PageV01P333 # الرجل من داره مخرق الثياب حافيا حاسرا يدعو بالويل وأخبر أن والده مات ~~قال يقع العلم لكل من سمع منه بذلك قال وكذلك إذا أقر على نفسه بما يوجب ~~القتل أو القطع. # وأما حجة من قال أنه لا يوجب العلم هو أن الخبر الواحد لو اقتضى العلم ~~لاقتضاه كل خبر واحد ms281 كما أن الخبر المتواتر لما اقتضى العلم اقتضاه كل خبر ~~متواتر والمعتمد أن الشك والتجوز يعترض فى خبر الواحد ما لا يعترض فى خبر ~~المتواتر وما يعترض فيه الشك لا يوجب العلم الذى يوجبه ما لا يعترض فيه ~~للشك ولأنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم لما لزم مدعى النبوة إظهار ~~الأعلام الدالة على صدقه ولجاز الاقتصار على قبول قوله ولو اقتصر على قوله ~~لما وقع فرق بين النبى والمتنبى ولأفضى ذلك إلى إبطال النبوات وهذا الرجوع ~~إلى الدليل الأول واحتج عامة المتكلمين على النظام وقالوا: ليس يخلو العلم ~~الواقع عند الخبر على ما قاله النظام أما أن يكون سببه القرينة وحدها أو ~~القرينة بشرط الخبر أو الخبر وحده أو الخبر بشرط القرينة والقسمان الأولان ~~باطلان لأن القرينة لا تتناول المخبر عنه وإنما المتناول له هو الخبر فلم ~~يجز أن يكون المفيد للعلم هو القرينة وهى غير متناولة للخبر ولا يجوز أن ~~يكون الخبر وحده هو المقتضى للعلم لأنه لو كان كذلك لاقتضاه إذا تجرد عن ~~القرينة ولا يجوز أن يقتضيه الخبر بشرط القرينة لأن اعتقادنا عند رؤية ~~القرينة مع فقد الخبر مثل اعتقادنا وأن اتصل به الخبر وبيان هذا إذا رأينا ~~الرجل مشقوق الجيب يدعو بالويل أو سمعنا الداعية من دار وقد علمنا أن فى ~~الدار مريضا فاعتقدنا مصاب الرجل فى الصورة الأولى وموت المريض فى الصورة ~~الثانية قبل أن يخبر مخبر بموت المريض أو يخبر الرجل بمصابه مثل اعتقادنا ~~أن لو أخبر ثم لا علم قبل الخبر كذا بعد الخبر فإن قال المخالف إذا اتصل ~~الخبر بالقرينة فلا بد من وجود زيادة قلنا يجوز أن يقال أنه يحصل به زيادة ~~قوة الاعتقاد فأما أن يفيد شيئا آخر لم يكن حأصلا له من قبل فهذا لا يكون ~~وعلى أنه يجوز أن يكون المراد بخبره وإظهار القرينة تحصيل غرض له لأنه يريد ~~أن يوهم بعض من يخاف موته أو يظهر أنه أصيب بمصيبة لغرض له قال القاضى أبو ~~الطيب وقد ms282 وقع مثل هذا بخوارزم مع القاضى الكعنبى قال قد وقع أيضا بالبصرة ~~واعلم أنه يجوز أن تنتفى دلائل الكذب فى خبر الواحد على الجملة نحو أن يكون ~~الرجل متحفظا عن الكذب نافرا منه ويعلم من حاله بذلك ويحوز أن يكون رسولا ~~من سلطان ويذكر أن السلطان يأمر الجيش بالخروج إليه ويعرف أن السلطان ~~يعاقبه أن كذب ويجوز أن يخبر الإنسان بشعر بلد. # PageV01P334 # ويكون الإنسان ذا مرة مصرفه عن الكذب ولا يكون لداعى الكذاب فى ذلك داع ~~ويجوز أن يكون الإنسان مهتما بأمر من الأمور بمنشأ فلان فيسأل عن خبر ~~فيخبره عنه فى الحال فيعلم أنه لم يفكر فيه فيدعوه إلى الكذب داع وهذه وجوه ~~تدل على الصدق وهو من الاستدلال على الشىء بإبطال يقتضيه ولكن مع كل لا ~~ينتفى توهم الكذب ويمكن تصور الكذب فى هذه الصور كلها بوجوه من الأغراض ~~وعوارض توجب صرف الإنسان عن الصدق إلى الكذب فلم يخبر أن يحكم بكون الخبر ~~مفيد للعلم وإذا اقترنت به هذه القرائن ووجد على هذه الأحوال فهذا وجه ~~الكلام فى هذه المسألة. # وأما الكلام فيما يتعلق بالعمل الذى يثنى على خبر الواحد [ ### | .... # ] 1 مذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء أن خبر الواحد يوجب العمل فقد ~~تعبد به الشرع وليس فى العقل ما يمنع من التعبد به وذهبت طائفة إلى منع ~~التعبد بأخبار الآحاد واختلفوا فى المانع من التعبد به فقال بعضهم يمنع منه ~~العقل وذكر بعضهم أنه قول ابن علية والأصم وقال القاشانى من أهل الظاهر ~~والشيعة يمنع من التعبد بها الشرع وأن كان جاز فى العقل2 فى هذه مسألة يكثر ~~الكلام فيها على أن تذكر المعتمد من الجانبين ونزع الشبهة المذكورة من ~~المختلفين بتوفيق الله تعالى والحجج من منع التعبد بها عقلا وقالوا: لو جاز ~~أن يكون علمنا بما أخبرنا به الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم وغلب على ~~ظننا صدقه مصلحة لنا وجب العمل به وجب أن يكون إذا أخبر الواحد عن الله ~~تعالى وذكر أنه رسول ms283 منه وغلب على ظننا صدقه مصلحة لنا أيضا ويجب علينا ~~العمل به وأما الفرق أن يكون المخبر عن الله تعالى بلا واسطة أو واسطة نبى ~~قالوا: فنقول مخبر عن شرع من الله عز PageV01P335 # وجل فلا يجب علينا قبوله عملا بمجرد غلبة الظن فى صدقه دليله إذا أخبر ~~بواسطة دعوى الرسالة وقالوا: أيضا لو جاز التعبد بها بأخبار الآحاد فى ~~الفروع لجاز التعبد بها فى الأصول وذلك فى صفات الله تعالى وما يجوز عليه ~~وما لا يجوز فحين لم يجز فى الأصول كذلك فى الفروع وقالوا: أيضا لو جاز ~~التعبد بأخبار الآحاد فى الفروع جاز التعبد بها فى نقل القرآن ببينة أنه ~~لما لم يجز فى نقل قول الله تعالى لم يجز فى نقل قول الرسول عليه السلام ~~والحرف المشكل لهم هو أن الشرعيات مصالح والواحد يجوز أن يكذب فيما يخبر به ~~من فعل أو ترك فعل فإذا كان يجوز أن يكذب لم نأمن أن يكون ما تضمنه بخبره ~~مفسدة وربما يعبرون عن هذا فيقولون لما لم يؤمن كون الخبر كذبا لم نأمن كون ~~المخبر به مفسدة وإذا لم نأمن كونه مفسدة فالعقل يمنع منه حتى لا نكون ~~عاملين بما يجوز أن يكون مفسدة لنا هذه شبهة القوم واحتج من قال أن الشرع ~~يمنع من التعبد به بقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الاسراء: 36] وبقوله ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون البقرة 169 وبقوله: {إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون} [الزخرف: 86] قال والعمل بالخبر الواحد اتفاقا ليس لنا به علم ~~وشهادة به وقول بما لا نعلم لأن العمل بالخبر الواحد مستند إلى الظن لا إلى ~~العلم وتعلقوا أيضا بقول الله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا} [النجم: 28] قدم من اتبع الظن وبين أنه لا غنى له فى الحق ~~فكان على عمومه فى كل موضع وهذا الموضع الذى اختلفنا فيه من جملته وذكر ~~بعضهم أنا إذا لم نقبل خبر الرسول عليه السلام إلا ms284 بدليل يقترن به يدل على ~~صدقه من إقامة المعجز فأولى أن لا نقبل من غيره لمجرد خبره وقوله وهذا ~~الدليل يقرب من الدليل الأول وأما دليلنا قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67] والتبليغ ~~يكون بحسب الإمكان لأن الله عز وجل لا يأمر بما لا يحتمله طوق البشر ومعلوم ~~أنه لم يكن فى وسع الرسول لقاء الناس كلهم والمصير إليهم فى بلادهم ولم يكن ~~فى عمره من المهلة والتنفس ما يفى بخطابه آخر من يكون من أمته ولا كان أيضا ~~فى وسع جميع الناس أن يصيروا إلى حضرته ولا أيضا كان فى الوسع أن يصير إليه ~~من كل قبيلة من العدد ما يقع العلم بخبرهم فيبلغوا عنه بقية من لم يصل إليه ~~لأن ذلك يشق عليهم ويغير معايشهم ويؤدى إلى الجلاء عن أوطانهم ومثل هذا لا ~~يجوز أن يرد به خطاب الشرع لأن الله تعالى رفع مثل هذا عن أمته رحمة منه ~~لهم وإلى هذا أشار قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة # PageV01P336 # منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم ~~يحذرون} [التوبة: 122] فثبت بمجموع ما بينا أن التبليغ واجب بحسب الإمكان ~~وليس ما ذكرناه من الإمكان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر التبليغ ~~بحسب الإمكان فكان تبليغ الحاضر خطابا ويبلغ الغائب خبرا على لسان من ~~بحضرته من واحد وجماعة ليبلغوا عنه ويؤدونه إلى من ورائهم فيقع به التبليغ ~~وتقوم به الحجة وكذلك قال عليه السلام: "ألا هل بلغت" 1 وقال عليه السلام: ~~"ليبلغ الشاهد الغائب" 2. # وبيان أنه كذلك وأنه كان يفعل ما ذكرنا ما اشتهر عنه فى أخباره من بعثه ~~الرسل إلى النواحى والأطراف وإلى الملوك ليبلغوا عنه ويبينوا للناس أمر ~~الدين وليعلموهم أحكام الشريعة كتوجيه معاذ إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى ~~أهل مكة وعثمان بن أبى العاص إلى الطائف وبعث الرسل إلى ملوك الأرض دحية ~~إلى قيصر وعبد الله بن حذافة السهمى ms285 إلى كسرى وعمرو بن أمية الضمرى إلى ~~الحبشة وبعث إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وإلى هوذة بن على الحنفى وغيرهم ~~وإنما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقم الحجة عليهم ولم يذكر فى موضع أنه ~~بعث فى الوجه الواحد عددا يبلغون حد التواتر ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليبعث بما يقع به البلاغ وتقوم به الحجة فعلى هذا جرت عادته صلى الله ~~عليه وسلم وقد كان أيضا يبعث الجواسيس والعيون إلى أرض العدو ويقتصر على ~~الواحد فى البعثة ويعتمد على قوله وأمثال هذا تكثر وليس يخفى على العلماء ~~المبرزين نعم تخفى على الجهال ومن لم يقف على أحوال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وأخذ العلم من ورا وراء فتبين بمجموع هذا أن الخبر من الواحد موجب ~~العمل مثل ما يوجب الخبر من العدد الكثير وهذا الدليل دليل قطعى لا يبقى ~~لأحد معه عذر فى المخالفة. # ويدل على ما ذكرناه إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنه من المشهور عنهم ~~أنهم قبلوا أخبار الآحاد فى الشرعيات واستعملوها وذلك مثل قبول أبى بكر ~~الصديق رضى الله عنه خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة فى توريث الجدة ~~السدس3. PageV01P337 # وقبول الصحابة عن أبى بكر رضى الله عنه خبره عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" 1 ولقبول عمر رضى الله ~~عنه خبر عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فى أخذ الجزية من المجوس2 وخبر ~~الضحاك بن سفيان فى توريث المرأة من دية زوجها3 وخبر حمل بن مالك بن ~~النابغة فى دية الجنين وكقبوله خبر أبى موسى وأبى سعيد فى الاستئذان وعن ~~على رضى الله عنه أنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا نفعنى الله به ما شاء أن ينفعنى فإذا حدثنى عنه غيره استحلفته فإذا ~~حلف صدقته وحدثنى أبو بكر وصدق أبو بكر رضى الله عنه4 وسأل على المقداد رضى ~~الله عنهما أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ms286 أمور فلما أخبره عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقبل ابن مسعود رواية معقل بن سنان الأشجعى فى قصة بروع ~~بنت واشق وسر بذلك ورجع ابن عمر رضى الله عنهما عن المخابرة برواية رافع بن ~~خديج وترك ابن عباس رضى الله عنهما مذهبه فى الصرف بخبر أبى سعيد الخدرى. # وأمثال هذا تكثر وهذه أمور مشهورة والشهرة فيها قامت مقام الرواية ~~المستفيضة فمن خالف هذا فقد خالف جملة الصحابة ورام الطعن عليهم وترك القول ~~بأخبار الآحاد ويقع الملحدين إلى إبطال كثير من أحكام الدين إلى الطعن فى ~~السلف الصالح وهذا دليل هذا فإن قالوا: أليس [أن عمر رضى الله عنه] 5 قال ~~فى حديث فاطمة بنت قيس لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة6 وقال على ~~فى حديث بروع بنت واشق: "ما أصنع بقول أعرابى بوال على عقبيه" قلنا ليس هذا ~~بقادح فيما علمناه لأن عمر إنما أنكر مخالفة الكتاب وذلك فى السكنى فإن ~~الكتاب دال على إيجاب السكنى والنبى صلى الله عليه وسلم. PageV01P338 # أسقط السكنى بسبب وكانت فاطمة رضى الله عنها تنقل إسقاط السكنى ولا تروى ~~السبب فهذا محل إنكار عمر رضى الله عنه وغيره عليها وعلى لا يقبل رواية ~~الأعرابى لغلبة الجهل عليهم وليس الكلام فى أمثال هذا وأما الكلام فى أصل ~~قبول أخبار الآحاد دليل ثالث هو أنه لا خلاف فى قبول أخبار الآحاد فى باب ~~المعاملات فإن للإنسان أن يدخل دار غيره بإذن الحاجب والبواب وله أن يستبيح ~~ما يقول الرسول إذا قال أهداه لك فلان ووقع فى نفسه صدقه ويأخذ بقول الجمال ~~والخادم وقد تكون الهدية جارية فيستبيح وطأها وقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يرسل أنس بن مالك رضى الله عنه بحوائجه وأموره وهو صبى واتخذ ابن ~~أريقط الليثى دليلا حين توجه إلى المدينة وقد كان كافرا واعتمد على دالته ~~فهذا فى أبواب المعاملات وأيضا فلا خلاف فى قبول شهادة من لا يقع العلم ~~بقوله فإن نهاية ما فى عدد الشهود هو ms287 الأربع ولا شك أن هذا الخبر لا يفيد ~~العلم وإنما يفيد غالب الظن وقد تكون الشهادة فى إراقه دم أو إقامة حد أو ~~استباحة فرج وأدناه استحقاق المال فلم يخلفوا فى قول المستفتى قول المفتى ~~وكذلك فى أخذ القرآن عن المعلم وهذه أمور تتعلق بالدين وما ذكرنا من قبل من ~~أمور الدنيا فإذا جاز قبول أخبار الآحاد فى أمور الدين والدنيا فى هذه ~~المواضع فكذلك فى سائر المواضع فإن قيل قد تعلقتم بالأخبار فى المعاملات ~~وقد يقبل فى الأدنى والهدية وما يشبه ذلك قول من يسكن القلب إلى صدقه من ~~صبى أو فاسق بل كافر أنه لا يجوز قبول قول هؤلاء فى أخبار الدين فكيف يحتج ~~بهذا الفعل مع وقوع هذا الفرقان بينهما واعتذر أبو زيد لهم من أخبار الناس ~~فى المعاملات وقال حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها تثبت بإيجابهم ~~وتصرفهم ولهم ضرورة إليها ولا يمكنهم إظهارها وإثباتها بدليل لا يبقى فيه ~~شك وأما الدين فحق الله تعالى والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب ~~العلم فلا يجوز إثباته فما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد ~~والنبوة وصفات الله تعالى بالأخبار التى يعنى بها شك أو شبهة. # قال وأما الشهادة فالأصل ما قدمنا وإنما تركنا الأصل الذى قد بيناه بكتاب ~~الله تعالى وهو بخلاف القياس وقال بعضهم إنهم يقبلوا أخبار الآحاد فى إثبات ~~شرع أو لشهادة بأن زنى أو قتل أو سرق ليس يثبت بها شرع أما الأول قلنا موضع ~~الاستدلال من أخبار المعاملات هو استعمال قول من لا يؤمن الغلط عليه ووقوع ~~الكذب منه وهو موجود فى الأمرين على ما سبق بيانه فإن كان أحدهما يتساهل ~~فيه ما لا يتساهل فى الآخر وإنما يراعى فى الجمع والفرق موضع النكته التى ~~يتعلق بها الحكم دون ما عداه من الأوصاف. # PageV01P339 # وإنما وقع التساهل فى باب الإذن والهدية وما صار عنهما من الأمور حتى جاء ~~فيها قبول قول الخادم والقهرمان من العبد والحر والصبى والبالغ والذمى ~~غيرهم ms288 لأن الغالب فى العرف الحادى والعادة القائمة أن يتولى هذه الأمور ~~ويتعاهدها الخدم والخول منهم دون علية الناس وأهل المروءة منهم وأما ~~الشهادات فإنما يقوم بها أعيان الناس ويتحملها ذوو الدين والعدالة منهم لما ~~فيها من التوثق للحقوق والاحتياط عليها ولذلك قرأت مصمتة بأوصاف من البلوغ ~~والحرية والعدالة ونحوها وصارت أخبار السنن واسطة بين الأمرين فجاز فيها ~~قول الواحد إذا قوي قوله بوصف العدالة ولا يحتمل أن يكون ذكرا أو أنثى أو ~~عبدا أو مملوكا أو بصيرا أو أعمى وهذا أيضا نوع تساهل فى رواة أخبار السنة ~~والآثار لأنه لو أن فيها جميع أوصاف الشهود لعدمت النقلة وعز وجودهم وصار ~~ذلك سببا لانقطاع العلم ولو جرت فيها المساهلة التى تجرى فى أخبار ~~المعاملات لوجد الفساد والخلل فى أمر الدين وصار لأهل الباطل سبيلا إلى أن ~~يدخلوا فيه ما ليس منه واختلط أهل الحق بالباطل فاقتصر على الواحد ليتسع ~~الطريق إلى النقل وأيد بالعدالة لتنقطع التهيئة عنه وكل من هذه الأمور منزل ~~على منزلة تليق ويرشد إليها وجه المصلحة ويدل عليه الحكمة وأما الذى قاله ~~أبو زيد من العذر لهم فليس بشىء لأنا بينا وجود قبول الواحد فى أمور الدين ~~وقد ذكرنا صورا منها ونزيد فنقول إذا قال الواحد هذا الماء طاهر أو نجس ~~يقبل قوله ويعمل عليه أو يقول: أنا وكيل فلان فى التصرف فى ماله يجوز ~~الشراء منه وإذا قالت المرأة حضت أو طهرت يقبل الرجل قولها فإذا قالت حضت ~~يجب الامتناع من وطئها وإذا قالت طهرت يجوز الإقدام على وطئها وإذا قال هذه ~~خمر أو نبيذ وقال هذه أمتى أبيعها منك أو ابنتى أزوجها منك فإن سلموا هذه ~~الوجوه لا بد من تسليمها لأن مصالح الناس لا تقوم إلا بها فيكون الباقى من ~~الأخبار ملحقا بها هذه الأخبار مرجعها إلى الدين لأن الامتثال بقول المخبر ~~بالحل والحرمة والصهار والنجاسة وهذه أمور لا تثبت من حقوق الناس فى شىء ~~فهذه الدلائل التى ذكرناها دلائل قطعية موجبة للعلم وللأصحاب دلائل ms289 كثيرة ~~سوى هذا فرأينا عنها اقتصارا واكتفاء لهذا القدر وقد ذكر أهل الأصول فى ~~بيان أنه يجوز أن يقع انعدام الآحاد من حيث العقل وأن كانت لا تفيد إلا ~~الظن وذلك لأنه ليس بمستبعد ولا مستنتج فى العقل أن يقول الله تعالى إذا ~~غلب على ظنكم صدق الرواى عن فلان فاعملوا بخبره كما أنه خبر مستقبح فى ~~العقل أن يقول إذا أخبركم فلان فاعملوا بخبره فإذا جاز. # PageV01P340 # أحدهما جاز الآخر وقد قالوا: أن الشريعة مصالح فلا يمتنع أن يكون قبول ~~قول الواحد إذا غلب على ظننا صدقه والعمل به مصلحة لنا ولهذا يلزم المسافر ~~سلوك طريق وتجنب طريق آخر إذا أخبر الواحد بسلامة أحدهما ووجود المخافة فى ~~الآخر. # أما الجواب عن كلماتهم أما تعلقهم بخبر مدعى النبوة وأنه لا يجب علينا ~~قبوله من غير دليل يقوم على صدقه وهو المعجز وأن غلب على ظننا صدقه قلنا ~~نقول ولا أن نقطع بوجوب العمل بخبر الواحد لأن دليلا قطعيا قد قام على وجوب ~~العمل به ومثل هذا لا يوجد فى غير مدعى النبوة لأن الأدلة الشرعية إنما ~~تكون قاطعة فى خبر مدعى النبوة إذا علمنا صدقه لمعجز يقيمه حتى إذا أخبرنا ~~بوجوب العمل علمنا وجوب العمل بخبره وهذا لا يتم إذا كان صدق المدعى للنبوة ~~مظنونا غير مقطوع به ثم نقول أن الاقتصار على الظن فى صدق مدعى النبوة يؤدى ~~إلى مفسدة عظيمة لأن فى النبوة من الرئاسة العظيمة التى لا يدانيها رئاسة ~~فلأن من إذا قبلنا قوله من غير معجز تعين أن يطلبها كل واحد ويتحرى فى أكثر ~~الناس ظاهر الصدق والعدالة والستر اسم له هذه الرئاسة فيكثر على هذا ~~المدعون للنبوة والوارد بالشرائع المخالفة وفى هذا من المفسدة ما لا يخفى ~~وأما ها هنا فليس للمخبر بالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه ~~الرئاسة وأيضا فإن السنن محصورة فى النقل لا يمكن الزيادة عليها فلم يؤد ~~قبول خبر الواحد فيها إلى المفسدة. # ببينة أنه أن لزمنا ما ذكروه ms290 على قولهم وقولنا أن شهادة الشهود مقبولة ~~وكل عذر لهم فى ذلك فهو عذرنا وأما قولهم أنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد ~~فى الفروع لجاز فى الأصول قلنا قد بينا أن الأخبار التى تلقتها الأمة ~~بالقبول موجبة للعلم قاطعة للعذر وكذلك فى كل حادثة شهدها جماعة وأخبر ~~الواحد منهم ولم ينكر الباقون ذلك فعلى هذه الأخبار الواردة فى صفات الله ~~تعالى وإثبات القدرة وجواز الرؤية وإخراج الموحدين من النار بعد إدخالهم ~~فيها وإثبات الشفاعة وإثبات عذاب القبر وإثبات الحوض والميزان وما أشبه ذلك ~~وإذا اشتهرت وعرفت فى الأمة فأكثرها لا يخرج عن هذين القسمين فتكون موجبة ~~للعلم قاطعة للعذر ويفيد ما ويفيدها الأخبار المتواترة وأما قولهم أنه يجوز ~~التعبد بأخبار الآحاد فى نقل القرآن قلنا هذا جمع بين موضعين بغير علة ~~جامعة ثم نقول فى القرآن المنقول بالآحاد أما أن يظهر فيه الإعجاز أو لا ~~يظهر فيه الإعجاز فإن ظهر فيه الإعجاز فالإعجاز حجة النبوة ولا يكون حجة ~~إلا وقد علم أنه لم يعارض فى عصر. # PageV01P341 # الله ما لا نعلم بل قلنا ما نعلمه ونتيقنه وأما قوله تعالى: {إن يتبعون ~~إلا الظن} قلنا إنما اتبعنا الدليل القاطع الذى يدل على وجوب العمل بخبر ~~الواحد ولم نتبع الظن فإن قيل قد جعلتم للظن حظا فى الاتباع لأنكم لو لم ~~تظنوا صدق الراوى لم تعملوا بالخبر قلنا أن الله تعالى إنما ذم من يتبع ~~الظن فلم يدخل فى ذلك من اتبع الدليل عند الظن فهذا وجه الجواب عن التعلق ~~بهذه الآيات ومن عرف هذا الوجه من الجواب سهل عليه الكلام على ما يوردونه ~~والله أعلم. # إذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فنذكر بعد هذا ما ينبني عليه ونبتدىء ~~بذكر. # أحوال الرواى والشرائط المعتبرة فيه لنقل خبره: # فنقول أولا اعلم أن الصحابة رضى الله عنهم عدول وروايتهم يجب قبولها من ~~غير تخصيص وذهب المعتزلة إلى أنه قد كان فى الصحابة قوم فساق1 وقد فسق كثير ~~منهم وهم الذين قاتلوا عليا رضى الله عنه ms291 خصوصا معاوية وعمرو وسائر من ~~كانوا من الصحابة وغيرهم مع معاوية رضى الله عنهم وتوفى بعضهم أبو طلحة ~~والزبير وعائشة رضى الله عنهم أجمعين وادعى كثير منهم أنهم فسقوا وتابوا ~~قالوا: وقد علمنا ذلك فى هؤلاء الثلاثة ولم نعلم توبة معاوية ومن معه ونحن ~~نتبرأ إلى الله تعالى من هذا القول وزعم أن القوم قاتلوا مع على رضى الله ~~عنه بالتأويل فإن الإمام الحق قد قتل وهو عثمان رضى الله عنه وقد كانت ~~قتلته أنصار على وكانوا جميعا معه ومع هذا زعم أن الحق كان مع على لكن لا ~~نفسق أولئك القوم لأجل أنهم كانوا متأولين ولأن عدالة جميع الصحابة ثبتت ~~قطعا فلا يزول عنها إلا بدليل قطعى والدليل على أن السمة كانت عظيمة إذ ~~وجود من بقى من الصحابة اعتزلوا الطائفتين مثل سعد وأسامة وابن مسلمة وابن ~~عمر وعبد الرحمن بن أبى بكر وغيرهم فالأولى فى هذا حفظ اللسان وتسليم أمرهم ~~إلى الله تعالى وإنما الكلام فيمن وراء الصحابة فنقول:. # نشترط فى الراوى أن يكون ثقة عدلا فى دينه معروفا بالصدق فى حديثه حافظا ~~أن حدث من حفظه2 ضابطا لكتابه أن حدث من كتابه غير معروف بالتدليس. ~~PageV01P342 # وملاك الأمر شيئان صدق اللهجة وجود الضبط لما يرويه ومن كثر غلطه ترك ~~حديثه والعدل قد تعورف استعماله فيمن كان من أهل قبول الشهادة وشرائطه ما ~~عرف فى الفقه وقد قيل أن المشارطة على أخذ الأجرة على التحدث يقدح فى قبول ~~الرواية وقيل أيضا أن الإقدام على المستقبحات مثل الأكل على الطريق وما ~~يشبه ذلك تقدح أيضا فى الرواية وقد اتفقوا أن الفسق فى التعاطى يمنع قبول ~~الرواية لأن من يقدم على الفسق وهو يعتقد أنه فسق لا يؤمن فيه الإقدام على ~~الكذب فى حديثه وأما الفسق من حيث الاعتقاد مثل أهل الأهواء فقد ذكروا أنهم ~~ينقسمون قسمين منهم من كفر الصحابة وفسقهم مثل الخوارج وغلاة الرافضة ~~فهؤلاء حديثهم مردود غير مقبول وأما من سلم عليه السلف وكان ثقة فى دينه ~~غير ms292 مستحل للكذب على مخالفته بل كان مأمونا عليهم معروفا بالصدق فى روايته ~~جللا فى تعاطيه غير داعية إلى اعتقاده يقبل روايته1 والأصح هو الأول وقد ~~روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبيد قال حدثنا عمرو بن عبيد وكان صاحب بدعة ~~والفرق بين الفسق فى التعاطى وبين الفسق فى الاعتقاد هو أن الفسق فى أعمال ~~الخوارج إنما يمنع من قبول الحديث لأن فاعله فعله وهو يعلم أنه فسق فقدح ~~ذلك فى الظن بصدق ولم يؤمن أن يقدم على الكذب وأن علم أنه محظور وليس كذلك ~~الفسق فى العقيدة لأنه يؤمن منه الكذب لأن الأمور مشتبهة عليه وهو متحرج فى ~~أفعاله متنزه عن الكذب فيه أن الركن فى قبول الحديث قوة الظن والظن يقوى ~~بصدق من هذا سبيله لمكان نخرجه ببينة أن الصحابة تفرقوا ولم يمنع ذلك من ~~قبول بعضهم رواية البعض وروى التابعون عن الفريقين أيضا وأما الكافر الخارج ~~عن الإسلام فلا تقبل روايته بحال2 لأن اعتقاده يدعو إلى التحريف فلا يقوى ~~الظن بصدقه وهذا الذى ذكرناه مذهب الفقهاء وعندهم أنه لا يقبل من أهل ~~الأهواء وأنه يقبل رواية الكل كما. PageV01P344 # يقبل شهادتهم وقد روى أصحاب الحديث عن قتادة وابن أبى نجيح وعمرو بن عبيد ~~وأضراب هؤلاء فإن كانوا نسبوهم إلى القذف فى كتبهم من يظهر منه العناد ~~والتعنت فلا تقبل روايته وكذلك من يتدين بالكذب فلا تقبل روايته وكذلك ~~المتساهل فى روايته وتارك التحفظ من الزيادة. # وقد ذكر بعضهم أن الشرائط فى الراوى لقبول الرواية خمسة: # أحدها: البلوغ لأن الصغير لا يقبل قوله فى الدين فى خبر ولا فتيا ولا ~~شهادة لأنه لم يقبل خبره فى حق نفسه فأولى أن لا يقبل فى حق غيره وقد ذكر ~~بعضهم أن رواية الصبى إذا كان مميزا وقع فى ظن المستمع صدقه مقبولة1 والأصح ~~هو الأول لأن المعتمد لنا إجماع الصحابة ولم يرو أن أحدا من الصحابة رجع ~~إلى رواية صبى وحده إذا عرف أنه غير مؤأخذ بالكذب لا يزعه عن أمر ms293 لكان ~~وازع. # والشرط الثانى: العقل وقد قالوا: أنه لا يجوز الاقتصار على العقل الذى ~~نيط به التكليف بل لا بد أن ينضم إليه شدة التيقظ وكذلك التحفظ وأن كان ~~يفيق يوما ويجن يوما فإن أثر جنونه فى زمان جنونه لم يقبل خبره وأن لم يؤثر ~~يقبل. # والشرط الثالث: العدالة فى الدين وهذا لأن الفاسق لا يوثق بخبره كما لا ~~يوثق بشهادته والعدالة مأخوذة من الاعتدال ولا بد من أربع شرائط. # أحدها المحافظة على فعل الطاعات واجتناب المعاصى. # والثانى أن لا يرتكب الصغائر وما يقدح فى دين أو عرض. # والثالث أن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الذم. # والرابع إلا يعتقد من المذهب ما يرد أصول الشرع مصرح معانيه ووحى وخلا ~~دلائله وقد بينا فى أهل الأهواء ما قاله أهل العدالة الإسلام مع السلامة من ~~فسق ظاهر وجعلوا العدالة المعتبرة فى الشاهد علة العدالة المعتبرة فى ~~المفتى والعدالة المعتبرة فى المفتى أغلظ من العدالة المعتبرة فى الرواية ~~وتعلقوا بحديث الأعرابى أنه لما شهد عند النبى صلى الله عليه وسلم برؤية ~~الهلال قبل شهادته ولم يسأل عن عدالته والصحيح أن ما يعتبر من العدالة فى ~~الشهادة يعتبر فى الرواية يدل أنه أن لم تكن العدالة فى الخبر أغلظ منها ~~فى. PageV01P345 # الشهادة فلا يتنفى أن يكون أسهل لأن المخبر ثبت بخبره شرعا يعم إلزامه ~~فكان بتغليظ العدالة أولى قال وأما أهل الأهواء الذين لا يدفع شبهة شهوة ~~تأويلهم نص كتاب ولا سنة ثابتة متواترة شهادتهم مقبولة وقد شدد بعض أصحاب ~~الحديث فى هذا فمنع القبول فيما ذكرنا والأصح ما بينا ونرد خبر من ظهر منه ~~الكذب فما قل أو كثر من أمور الدين وأن كذب فى ضرر أحد وجب إسقاط جميع ما ~~تقدم من حديثه. # والشرط الرابع: أن يكون بعيدا من السهو والغلط ضابطا لما يتحمله ويرويه ~~ليكون الناس على ثقة منه وضبطه وقلة غلطه فإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا ~~فيما يعلم أنه غلط فيه وأن كان كثير الغلط ms294 رد خبره إلا فيما يعلم أنه لم ~~يغلط فيه وليس من شرط الضبط معرفة أحكام الحديث لأن هذا صفة تزيد على الضبط ~~ولا يمنع جهل الراوى بحكم الحديث قبوله وقد قيل الصدر الأول شهادة الأعراب ~~وأهل البوادى. # والشرط الخامس:أن لا يعرف التساهل فيما يرويه وبالتأويل لمذهبه فربما ~~أحال المعنى بتأويله وربما يدين موضع زيادة يصحح بها فاسد مذهبه فلم يوثق ~~بخبره ومن انتفت عنه الثقة لم يقبل خبره ولا يرد خبر من قلت: روايته كما لا ~~يرد من قلت: شهادته ولا يرد خبر من لم يعرف بمجالسته العلماء والمحدثين ~~لأنه قد يسمع من حيث لا يعلمون. # فأما المدلس فاعلم أن التدليس هو ترك اسم من يروى عنه وطى اسمه وذكر اسم ~~من يروى عنه شيخه وقد ذكر التدليس عن كثير من أئمة الحديث مثل قتادة ~~والأعمش وهشام وشريك وذكر ذلك أيضا عن سفيان بن عيينة وجماعة يجرون مجراه ~~فنقول التدليس من الرواة يجرى على وجهين. # أحدهما أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه ذلك وإذا استكشف لم يخبر باسم من ~~يروى عنه فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه لأن التدليس معه تزويد إبهام لما لا ~~حقيقة له وذلك يؤثر فى صدقه وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "المتشبع ~~بما لا يعط كلابس ثوبى زور". # والوجه الثانى من التدليس أن يطوى اسم من يروى عنه إلا أنه إذا كشف عنه ~~أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله فهذا التدليس لا يسقط الحديث ولا يوجب ~~القدح فى الراوى1 وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص ~~على اسمه ولم يكتمه وهذا شىء مشهور عنه وهو غير قادح قال إبراهيم بن بشار ~~حدثنا سفيان ابن عيينة يوما بحديث فقال عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد ~~فقلت: يا أبا محمد. PageV01P346 # أسماعا عن عمرو فقال ابن جريج عن عمرو فقلت: سماعا من ابن جريج فقال لا ~~تفسده أبو عاصم عن ابن جريج فقلت: سماعا من أبى عاصم فقال قد أفسدته بحديثى ~~على ابن المدينى ms295 عن أبى عاصم عن ابن جريج عن عمرو فهذا طريق سفيان ومذهبه ~~والشافعى لا يروى عنه من الحديث بما يدخله التدليس وبيان مذهب الشافعى فى ~~هذا الباب أن من اشتهر بالتدليس لا تقبل روايته إذا لم يخبره بالسماع ~~فيقول: سمعت أو حدثنى أو أخبرنى وما أشبهه فأما إذا قال عن فلان وحمل الأمر ~~فى ذلك على السماع لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة إذ هو أسهل عليهم من ~~أن يقول فى كل حديث حديثا والعرف الجارى فى ذلك يقام مقام التصريح وقد ذكر ~~الحاكم أبو عبد الله الحافظ فى كتاب علوم الحديث وقال الأحاديث المعنعنة ~~متصلة بإجماع أهل النقل إذا لم يكن فيها تدليس1 وذكر حديث عمرو بن الحارث ~~عن عبد ربه بن سعيد الأنصارى عن أبى الزبير عن جابر عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لكل داء دواء فإذا أصاب دواء داء برىء بإذن الله تعالى" 2 وكذلك ~~ذكر رواية إسرائيل عن عبد الله بن مختار عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم قال: "أن مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما ~~وأميطوا عنه" 3 والرواة فى هذين الخبرين عن قولهم يعرفوا بالتدليس ~~فالحديثان متصلان وأن ذكر بطريق العنعنة قال وضد هذا من الخبر ما رواه يعلى ~~بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال ذكرنا ليلة القدر فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم مضى من الشهر" قلنا ثنتان وعشرين وبقى ~~ثمان فقال: "مضى ثنتان وعشرون وبقى سبع اطلبوها الليلة الشهر تسع وعشرون" 4 ~~وهذا الحديث فيه تدليس لأن الأعمش لم يسمعه من أبى صالح. # وقد روى محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا خلاد الجحفى ~~حدثنى أبو مسلم عبد الله بن سعيد قائد الأعمش عن سهل بن أبى صالح عن أبيه ~~عن أبى هريرة الخبر الذى ذكرناه فإن الأعمش قد دلس فى الرواية الأولى وأظهر ~~من سمع منه فى الرواية الثانية وذكرنا صورة ms296 من التدليس ليعرف بعينه وصورته ~~رغم أن أصحاب الحديث. PageV01P347 # وأهل الرواية منهم قد ذكروا ستة أنواع من التدليس وقد ذكرها أبو عبد الله ~~الحافظ فى كتاب معرفة علوم الحديث1 وذكرها صورا ولم أذكرها كيلا تطول ~~الكتابة وذكرت مكانها حتى أن رغب إنسان فى علم ذلك عرف موضعه وذكر نوعا من ~~ذلك تغير الأسامى بالكنى والكنى بالأسامى لئلا يعرفوا وقد فعله سفيان ~~الثورى وليس هذا مما يوجب القدح فى الحديث وذكر نوعا من ذلك قول المحدث قال ~~فلان ولم يسمع منه وإنما سمع إنسانا تحدث عنه وهو مثل ما قدمنا من قولهم عن ~~فلان قال وقد دلسوا عن قوم مجهولين وعن قوم مجروحين والمتبحر فى علم الحديث ~~يعرف ذلك وهذا باب يطول ذكره إذا وجد سماعا فى كتاب ولم يذكر أنه سمعه جاز ~~له أن يرويه وهذا قول أبى يوسف وعند محمد وأبى حنيفة لا يجوز له أن يرويه ~~حتى يذكر سماعه ولأهل الحديث خلاف فيه وقد اعتبر من منع ذلك بالشهادة وأما ~~من جوز ذلك قال رواية الأخبار محمولة على الظاهر وحسن الظن وقدم فيها ما لم ~~يسامح فى الشهادة ومن الظاهر أنه إذا رأى سماعه بخط من يوثق به أنه قديم ~~فوجب أن يجوز له الرواية وليعلم الحديثى أن الحسن البصرى لم يسمع من أبى ~~هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمرو ولا من ابن عباس رضى الله عنهم شيئا قط ~~وإنما روايته عنهم تدليس والشعبى لم يسمع من عائشة رضى الله عنها ولا من ~~على ولا من ابن مسعود ولا من أسامة ولا من زيد بن ثابت رضى الله عنهم ~~وروايته عن هؤلاء تدليس وليعلم أن الأعمش لم يسمع من أنس وأن قتادة لم يسمع ~~من صحابى سوى أنس وأن عامة أحاديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة وأن ~~عامة أحاديث مكحول عن الصحابة حوالة فاعلم أن عامة المحدثين من أهل الحجاز ~~قد صانوا أنفسهم عن التدليس إلا ما ذكرنا عن ابن عيينة وهو كوفى وفد ms297 مكة ~~وصار إمام الدنيا فى الحديث وإنما أكثر التدليس وهو من أهل الكوفة وجماعة ~~من أهل الشام وقد كان خيثمة بن بشير كثير التدليس وهو من أهل واسط وأما أهل ~~بغداد والجبال وأهل خراسان وما وراء النهر فلا يذكر من واحد منهم التدليس ~~إلا الشىء اليسير وقد روى عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد عن أبيه قال ~~التدليس ذل وذكر عبدان عن ابن المبارك أنه ذكر رجلا ممن كان يدلس فقال فيه ~~قولا سديدا وأنشد فيه: # دلس للناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا # هذا كله فى التدليس فى الرواية مع الصدق فى المتون. PageV01P348 # وقد قال بعض أصحابنا إذا كان الأغلب على الراوى التدليس لا يقبل خبر ما ~~جهلت حاله فى ذلك حتى يعلم أنه غير مدلس وأن كان الأغلب أنه لا يدلس قبلت ~~روايته فيما جهلت حاله حتى يعلم أنه مدلس وأما من يدلس فى المتون فهذا مطرح ~~الحديث مجروح العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وأن كان ملحقا ~~بالكذابين ولم يقبل حديثه. # وأما تزكية الرواة فقد قال بعضهم لا نقبل إلا شاهدين والذى عليه أكثر ~~الفقهاء المحدثين أنه يثبت عدالة الراوى بتزكية الواحد لأنها تزكية على خبر ~~فكانت كالخبر ويقبل فى هذا تزكية الراوى وتزكية النساء والعبيد كما يقبل ~~روايتهم1. # فأما قدح الراوى فلا يقبل إلا من شاهدين وإذا روى العدل عن رجل لم تكن ~~روايته عنه تعديلا وزعم بعض أصحاب الحديث أنه يكون تعديلا وليس بصحيح لأنه ~~يجوز أنه إذا سئل عنه بعدله أو بجرحه قال الشعبى حدثنى الحارث الأعور وكان ~~والله كذابا ولأنه لما لم يكن شهادة شهود الفرع على شهود الأصل تعديلا لهم ~~كذلك رواية الراوى لهم. # فإن قيل أيجوز أن يروى عن غير العدل قلنا يجوز فى المشاهير ولا يجوز فى ~~المناكير وأن عمل الراوى بالخبر كان تعديلا للراوى اللهم إلا أن يعمل بموجب ~~الخبر لا لأجل الخبر ويقبل خبر الأعمى والعبد وأن لم تقبل شهادتهما كما ~~يقبل خبر النساء ولا تقبل شهادتهن ms298 ونذكر معه هذا الحديث بالمعنى فإنه شىء ~~يرجع إلى الراوى فنقول. PageV01P349 # اختلف أهل العلم فى ذلك فذهب بعض السلف إلى أنه لا يجوز مجاوزة اللفظ ولا ~~يجوز أداء الحديث بالمعنى بحال وهذا مذهب عبد الله بن عمرو وجماعة من ~~التابعين وجماعة من بعدهم واحتج من ذهب إلى هذا بقول صلى الله عليه وسلم ~~نضر الله امرءا سمع مقالتى فحفظها ووعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ~~غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه قالوا: ومعنى الحديث متعلق بلفظه ~~فإذا تغير اللفظ أثر فى المعنى فكان النبى صلى الله عليه وسلم أفصح العرب ~~وأحسنها بيانا وقال أوتيت جوامع الكلم فمن يمكنه أن يأتى بلفظ يوازى لفظه ~~ويتضمن ما يتضمنه من المعنى وعن أبى العباس أحمد بن يحيى يغلب أنه كان يذهب ~~هذا المذهب ويقول: أن عامة الألفاظ التى لها نظائر فى اللغة إذا تحققتها ~~وجدت كل لفظة منها مختصة بشىء لا يشاركها صاحبتها فمن رأى العبارة ببعضها ~~عن البعض لم يسلم من الزيغ عن المراد والذهاب عنه. # وأما عامة أهل العلم فرأوا أن الرواية على المعنى جائزة إذا كان الراوى ~~عالما ما يتعين به المعنى وبذلك جرت عادة أكثر السلف والجمهور من الخلف ~~وكذلك اختلفت ألفاظ الحديث وأن كانت القصة واحدة1 وشبهوا ذلك بالشهادات حيث ~~يصح أداؤها بالمعانى ويعتبر اتفاق الشهود فيه وأن اختلفت ألفاظهم ومما يدل ~~على ذلك رواية الصحابة المناهى عن النبى صلى الله عليه وسلم مثل نهيه عن ~~بيعتين فى بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزابنة وحبل الحبلى والنجش وبيع حاضر ~~لباد وغير ذلك وكذلك روت الصحابة أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى باليمين. ~~PageV01P350 # على الشاهد1 وقضى بالشفعة فى ما لم يقسم2 ومعلوم قطعا أن فى هذه الأخبار ~~لم يقصد الرواة ألفاظه صلى الله عليه وسلم وإنما حكوا معانى خطابه من غير ~~قصد إلى لفظه بعينه فدل ذلك على جواز النقل عن طريق المعنى دون المحافظة ~~على اللفظ وأما قوله صلى الله عليه وسلم فأداها ms299 كما سمعها هذا لا يمنع من ~~النقل على المعنى ألا ترى أن الإنسان لا يمنع أن يقول: أديت رسالة فلان ~~إليك كما سمعت وأن كان أداه على المعنى وهذا إذا كان الراوى عالما مميزا ~~يعلم ما يتغير به المعنى ويميز بين اللفظ والمعنى أما إذا لم يمكن كذلك لم ~~يجز له مجاوزة اللفظ وقال بعض أصحابنا كل ما أوجب العلم من ألفاظ الحديث ~~فالمنقول فيه على المعنى ولا مراعاة للفظ فيه وأما الذى يجب العمل به منها ~~ففيه ما لا يجوز الإخلال بلفظ كقوله صلى الله عليه وسلم: "تحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم" 3 وكقوله صلى الله عليه وسلم: "خمس يقتلن فى الحل ~~والحرم" 4 وما أشبه ذلك والأصح ما ذكرناه وهو الجواز بكل حال والله أعلم. # ونذكر عقب هذا ما يتعلق بقولنا حدثنا وأخبرنا وتقدم أولا ما يتعلق بتحمل ~~الأخبار وسماعها فنقول يتعين صحة التحمل وسماع الخبر صحة التمييز والضبط ~~لما يسمعه حتى يعرف ذلك ويفعله إذا لم يكن بلغ من السن ما يعرف هذا لم يصح ~~سماعه. # وقد قدر بعضهم أن بلغ خمس سنين بحديث محمود بن الربيع أنه قال عقلت مجة ~~مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بئر دارنا وكان لى خمس سنين والأصح ~~أن لا يقدر وقد قال بعض الناس يعتبر أن يكون التابع بالغا وليس هذا بشىء ~~فإن إجماع المسلمين ثابت على قبول ما نقله أحداث الصحابة وأن كانوا سمعوه ~~فى صغرهم مثل ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأصغر منهم الحسن بن ~~على رضى الله عنهم أجمعين. # وقد روى عن. PageV01P351 # النبى صلى الله عليه وسلم ثم نقول للمستمع أربع أحوال بعضها أقوى من ~~البعض أولها أن يسمع من لفظ المحدث والثانى أن يقرأ على المحدث والثالث أن ~~يكاتبه به المحدث والرابع أن يخبر له المحدث والأول أقوى ثم الثانى ثم ~~الثالث ثم الرابع ونبين خلاف الناس فى ذلك ويجوز أن يكون المحدث أعمى أو ~~أصم وهو يحدث وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول ms300 بعد هذا ما يتعلق بتحديث المحدث ~~فنقول إذا حدث المحدث من حفظه أو كتابه فلا خلاف للسامع أن يقول: سمعت ~~فلانا يحدث عن فلان وأن شاء قال حدثنا وأن شاء قال أخبرنا فلان وإذا قرىء ~~على المحدث فأقر به فجائز أن يقول: أخبرنا فلان كما يجوز أن يشهد على ~~الإنسان إذا قرأ عليك الصك وقرره به والدليل على ذلك قوله تعالى: {ألست ~~بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] وزعم بعض أصحاب الحديث أنه لايجوز فى هذا ~~أن يقول: حدثنا ولا أخبرنا وإنما يقول قرأ على فلان وأنا أسمع ما قرأ به ~~وأما إذا قرىء عليه فلم يعترف فلا يجوز أن يروى عنه وأن علم أنه حديثه ~~وسماعه1 كما أن الإنسان إذا قرأ على الإنسان وقبل حكايته إقراره بدين أوسع ~~أو نحوه فلم يقر به ولم يعترف بصحته فإنه لا يجوز أن يشهد عليه وقد روى عن ~~أنس بن مالك قال بينما نحن جلوس مع النبى صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل ~~فقال يا محمد إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجدن فى نفسك فقال: ~~"اسأل ما بدا لك" فقال نشدتك ربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم ~~قال: "اللهم نعم الخبر" 2 إلى آخره واحتج شيخ الصنعة أبو عبد الله محمد بن ~~إسماعيل البخارى بهذا الحديث فى كتاب العلم من الجامع الصحيح فى باب العرض ~~على المحدثين وهو دال على ما قلناه من قبل بأنه إذا قرأ عليه فاعترف به ~~يكون حديثا له وإخبار ويصير كأنه سمع منه وقد قال كثير من المحدثين أن ~~العرض على الراوى سماع قالوا: وصورة العرض أن يكون الراوى حافظا متقنا فقدم ~~المستفيد إليه جزء من حديثه أو أكثر من ذلك فتناوله ويتأمل الراوى حديثه ~~فإذا عرف أنه من حديثه قال للمستفيد قد وقفت على ما ناولتنيه وعرفت ~~الأحاديث كلها وهى رواياتى عن شيوخى فحدث بها حتى يجوز أن يحدث بها عنه ~~وينزل هذا منزلة. PageV01P352 # السماع1 وقد قال بهذا عكرمة والزهرى وربيعة ويحيى ms301 بن سعيد الأنصارى وهشام ~~بن عروة ومالك وعبد العزيز الدراوردى فى جماعة آخرين هؤلاء من أهل المدينة ~~ومن أهل مكة مجاهد بن جبر وأبو الزبير محمد بن مسلم ونافع بن عمر الجمحى ~~وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجى فى جماعة ومن أهل الكوفة علقمة ~~والشعبى وأبو بكر بن أبى موسى والنخعى وحبيب بن أبى ثابت ومنصور بن المعتمر ~~وإسرائيل وزهير بن معاوية فى جماعة ومن أهل البصرة قتادة وأبو العالية ~~وحميد الطويل وداود بن أبى هند وكهمش وسعيد بن أبى عروبة وجرير بن حازم فى ~~آخرين ومن أهل الشام ومصر أيضا جماعة وكل أصحاب مالك ذهبوا إلى هذا منهم ~~عبد الرحمن بن أبى القاسم وأشهب بن عبد العزيز وعبد الله بن وهب وعبد الله ~~بن عبد الحكم وقال ابن أبى أويس سئل مالك عن حديثه أسماع هو أم عرض فقال ~~منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع وقال مطرف بن عبد الله ~~صحبت مالكا سبع عشرة سنة فما رأيته قرأ الموطأ على أحد وسمعته يأتى أشد ~~الآيات على من يقول: لا يجزيه إلا لسماع ويقول: كيف لا يجزيك هذا فى الحديث ~~ويجزيك فى القرآن وأنا أقول لا أدرى ما هذا الذى قاله مالك فى القرآن وكيف ~~يكون العرض على ما قلنا فى التحديث للقرآن وإنما المعروف فى القرآن هو ~~القراءة ولم ير أن فقهاء الإسلام الذين أفتوا فى الحلال والحرام لم يروا ~~العرض سماعا واختلفوا فى القراءة على المحدث هل هو إخبار أم لا2 فقال ~~الشافعى المطلبى بالحجاز والأوزاعى بالشام والبويطى والمزنى بمصر والنووى ~~وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين بالعراق وعبد الله بن ~~المبارك وإسحاق الحنظلى ويحيى بن يحيى بالمشرق أنه لا يكون العرض سماعا ~~وأما القراءة على المحدث فهو إخبار عند هؤلاء الأئمة والحجة لهم فى ذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها حتى يؤديها ~~إلى من لم يسمعها" 3. PageV01P353 # وقال صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويسمع ms302 منكم" 1 قلنا ندب النبى صلى الله ~~عليه وسلم إلى سماع قوله وحفظه وأدائه كما سمع دل أن مجرد العرض على ما ~~ذكره لا يكون سماعا والذى عليه أكثر المشاع للحديث أن يقول: فيما يأخذ عن ~~المحدث لفظا ليس معه أحد حدثنى فلان وما يأخذه من المحدث لفظا مع غيره ~~يقول: حدثنا فلان وما قرأ على المحدث بنفسه يقول: أخبرنى فلان وما قرىء على ~~المحدث وهو حاضر يقول: أخبرنا فلان وما عرض على المحدث وأجاز له روايته ~~شفاها يقول: أنبأنى فلان وما كتب إليه المحدث عن فلان ولم يشافهه بالإجازة ~~يقول: كتب إلى فلان وقد قال الشافعى لا تجوز الرواية بالأحاديث على أنه لا ~~يجوز أن يقول: أخبرنا وحدثنا فى العرض الذى قالوه وهو المناولة ولكن يقول: ~~أجاز لى فلان وأنبأنا أجازة أو مناولة والأولى تحرى الصدق فى كل شىء ~~ومجانبة الكذب بما يمكن فهذا جملة ما يقال فى هذا الباب وقد ذكرته بزيادة ~~الشرح لخفاء ذلك على أكثر الفقهاء وغفلتهم عنه واعلم أن الأولى للمحدث أن ~~يروى الخبر بلفظه فإن أراد الرواية بالمعنى ينظر فإن كان ممن لا يعرف معنى ~~الحديث لا يجوز له ذلك لأنه لا يؤمن أن يغير الحديث وأن كان يعرف معنى ~~الحديث ينظر فى ذلك فإن كان ذلك فى خبر محتمل لم يجز أن يؤدى بالمعنى لأنه ~~ربما ينقل بلفظ لا يؤدى مراد النبى صلى الله عليه وسلم وأن كان خبرا نصا أو ~~ظاهرا فقد ذكرنا الكلام فى نقله بالمعنى ويجوز أن يؤدى جميع الحديث ويجوز ~~أن يروى بعضه إذا كان له غرض فى ذلك2 وينبغى لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه ~~من الكتاب وأن كان يحفظه فالأولى أن يرويه من الكتاب وأما إذا لم يحفظ ~~وعنده كتاب فيه سماعه بخطه وهو يذكر سماعه للخبر جاز أن يرويه وأن لم يذكر ~~سماعه فهل يجوز أن يرويه3 فيه وجهان أحدهما يجوز ويدل عليه قول الشافعى فى ~~الرسالة. PageV01P354 # والوجه الثانى أنه لا يجوز وهو الأصح لأنه لا ms303 يأمن أن يكون وقف على خطه ~~ولا بد من شيئين فى الرواية من الكتاب أحدهما أن يكون واثقا بكتابه وسواء ~~كان ذلك بخطه أو بغير خطه والثانى أن يكون ذاكرا لوقت سماعه فإن أخل بواحد ~~منهما لم يصح روايته ويقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه بخلاف الشهادة ~~لاشتراك الناس فى السنن والديانات وإذا أسند الراوى حديثه إلى رجل فدفعه ~~المحدث عن نفسه وقال لا أذكره فعند أبى الحسن الكرخى وهو قول جماعة ~~المتكلمين لا تقبل رواية الراوى لأنه الأصل فى الرواية فلا تقبل الرواية ~~إذا أنكرها1 وهذا كشاهد الأصل إذا أنكر شهادة الفرع ولأنا إنما نقبل بطريق ~~حسن الظن وإذا أنكر المروى عنه فأين حسن الظن وأما على مذهب الشافعى فلا ~~يقدح هذا فى رواية الراوى لأنه يجوز أنه نسى ما رواه لأن الإنسان قد يحدث ~~الإنسان بحديث فى أمور الدنيا ثم يسهو عنه ويذكر به فلا يذكره إلا بعد زمان ~~طويل وربما لا يذكره أصلا وقد روى ربيعة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن ~~أبى هريرة خبر القضاء بالشاهد واليمين ثم نسيه سهيل وكان يقول: حدثنى ربيعة ~~عنى وهو ثقة ولم ينكر عليه فصار إجماعا من السلف وفى الشهادة زيادة احتياط ~~لا توجد فى الرواية بدليل اشتراط التحمل هناك بخلاف الرواية هذا إذا قال لا ~~أذكر أو قال نسيت فأما إذا جحد المروى عنه وكذب بالحديث سقط الحديث هكذا ~~قاله الأصحاب وأقول يجوز أن لا يسقط رواية الراوى لأنه قال ما قال بحسب وإن ~~قال ما رويته أصلا فيعارضه قول الراوى أنه سمع منه وكل واحد منهما ثقة ~~ويجوز أن يكون المروى عنه رواه ثم نسبه فلا يسقط رواية الراوى بعد أن يكون ~~ثقة هذا مع التجويز. # ونذكر الآن مسائل الخلاف. # [فصل] : 2 اعلم أن خبر الواحد إذا ثبت وجب العمل به سواء ورد فيما يعم به ~~البلوى أو ورد فيما لا يعم به البلوى وذهب عامة أصحاب الحديث إلى أن خبر ~~الواحد إذا ورد فيما ms304 يعم به البلوى لم يجب العمل به وتوقفوا فى خبر ~~المتبايعين بهذا المعنى وكذلك فى إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام وخبر ~~الوضوء من مس الذكر3 والذى. PageV01P355 # تعلقوا به هو أن ما عم به البلوى يكثر السؤال عنه وما يكثر السؤال عنه ~~يكثر بيانه وما يكثر بيانه يكثر نقله فحين قل النقل دل أنه لم يثبت فى ~~الأصل ولهذا لم يقبل قول الرافضة فى دعواهم النص على على رضى الله عنه فى ~~الإمامة لأن فرض الإمامة يعم به بلوى الناس فلو كان هذا النص ثابت لنقل ~~نقلا مستفيضا وحين لم ينقل دل أنه غير ثابت قالوا: ولأن الخبر الذى يفيد ~~العلم لا يقبل حتى ينقل على طريق الاستفاضة لعموم البلوى فى العلم المتعلق ~~بالخبر كذلك الخبر الذى يوجب العمل فإذا عمت البلوى به لا يقبل حتى ينقل من ~~طريق الاستفاضة. # وأما الدليل لنا هو أن الدليل المعتمد فى قبول أخبار الآحاد هو إجماع ~~الصحابة وقد دل هذا الدليل على قبول خبر الآحاد أجمع سواء كان فيما يعم به ~~البلوى أو فى غير ما يعم به البلوى. # ببينة: أن الصحابة اختلفوا فى الأمور العامة ثم صاروا فيها إلى أخبار ~~الآحاد وهذا مثل اختلافهم فى وجوب الغسل بالتقاء الختانين وقد صاروا فى ذلك ~~إلى خبر عائشة رضى الله عنها وقد كان قبل ذلك وجوب الماء من الماء ثم إنهم ~~اجتمعوا عند عمر رضى الله عنه فأرسل إلى عائشة رسولا فانصرف الرسول فأخبرهم ~~عنها بأن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ~~فصدوا عن قوليهما قائلين بذلك معتقدين له وقد كان هذا من الأمور التى يعم ~~بها البلوى وسأل عمر الناس عن المجوس وأخذ الجزية منهم فأخبره عبد الرحمن ~~بن عوف رضى الله عنهما على ما روينا1 فأخذ بذلك وقد كان هذا من الأمور ~~العامة لأنه حكم على أمة من الأمم وجيل عظيم من أجيال الناس وقال ابن عمر ~~رضى الله عنهما كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا ms305 رافع بن خديج الخبر2 وهذا ~~أيضا من الأمور العامة وقد كان عمر رضى الله عنه يقول بالتفاضل فى رءوس ~~الأصابع حينا من الدهر حتى روى له أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى كتاب ~~عمرو بن حزم فى كل أصبع عشر من الإبل فرجع عن قوله وتحقق الكلام فنقول من ~~لا. PageV01P356 # يقبل خبر الواحد فيما يعم به البلوى مع اعتقاده أن خبر الواحد يوجب العمل ~~فأما أن لا يقبله لأن الشريعة منعت من قبوله أو لأنه ليس فى الشريعة ما يدل ~~على قبوله أو لأنه لو كان صحيحا لأشاعه النبى صلى الله عليه وسلم وبين على ~~وجه متواتر نقله ليصل إلى من تعبد بموجبه على ما ذكروا من قبل قالوا: ولو ~~فعل ذلك لقوى الدين والعادة إلى إشاعة نقله وهذه الأقسام كلها باطلة أما ~~الأول فباطل لأنه لو كان فى الشرع نص منع من قبوله لوجدناه مع البحث ~~المستديم فإن قالوا: أليس قد رد عمر خبر أبى موسى فى الاستئذان. # ورد أبو بكر رضى الله عنه خبر معاذ فى الجدة قلنا كان ذلك نوع احتياط ~~وليس أنهما لو لم يأتيا براوى آخر لم يقبلا وعندكم خبر الاثنين أيضا يعم به ~~البلوى وأما الثانى فباطل أيضا لأنا قد قلنا بالدلائل القطعية على قبول ~~أخبار الآحاد من غير تفصيل وتخصيص وأما الثالث فباطل أيضا وهو الحرف الذى ~~ذكرنا فى حجتهم أنه إذا كان الحكم فيما يعم به البلوى يجب فى الحكم إشاعته ~~فنقول على هذا إذ ما يجب ذلك لو لزم المكلفين العمل به على كل حال فأما إذا ~~لزمهم العمل بشرط أن يبلغهم الخبر فليس فى ذلك تكليف ما لا طريق إليه ولو ~~وجب ما ذكروه فيما يعم به البلوى لوجب فيما لا يعم به البلوى أيضا لأنه وأن ~~كانت البلوى لا تعم به لكنه يجوز وقوعه لكل واحد من آحاد الناس فيجب فى ~~الحكم إشاعة حكمه خوفا من أن لا يصل إلى من يعمل به فيصبح فرض عليه فإن ms306 ~~قالوا: لا يلزم القول وجوب إشاعته لأنه إنما يكلف المكلف ذلك الحكم بشرط ~~وصوله إليه وأن لم يصل إليه لم يكن مكلفا قلنا أن جاز هذا فى الآحاد من ~~الناس جاز فى جماعتهم وعلى أن وجوب الوتر يعم به البلوى ولم يتواتر بوجوبه ~~قال أبو الحسن الكرخى قد تواتر النقل بفعله قلنا هذا لا يعصمكم من المناقضة ~~لأن الفعل يعم به البلوى والوجوب أيضا يعم به البلوى ولم يتواتر به النقل ~~جواب آخر أن الحكم وأن عم به البلوى فليس هو بشىء وقعت واقعته فى الحال لكل ~~أحد فى نفسه وذاته بل غاية ما فى الباب توهم وقوعه وإذا لم يكن إلا محض ~~التوهم فإذا وقع يمكن الوصول إلى موجب الحكم لأن حكمه وأن نقله الواحد ~~والاثنان فالتمكن من الوصول إليه موجود فيكفى ذلك لأنه إذا أمكنه الوصول ~~فليس يضيع الحكم وأما مسألة الإمامة قلنا وجود الإمام للإنسان فرض على كل ~~إنسان وواقعته فى الحال لأنه لا بد لكل أحد من إمامة ترجع إليه فلو كان ~~النص الذى ادعوه فى على رضى الله عنه ثابتا وقد شاع النبى صلى الله عليه ~~وسلم ذلك فإنهم يدعونه كذلك ويقولون أنه صلى الله عليه وسلم أشاع العهد فى ~~الإمامة يوم غدير. # PageV01P357 # خم ولا يتصور أن يشيع ذلك ثم يجمع الجم الغفير والجماعة العظيمة على ~~كلماته وقد قالوا: أن غدير خم لم يعرف فى العالم وكيف يفعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فى هذا الموضع مثل هذا الفعل وينصب للناس عليا يرجعون إليه ثم ~~يشتبه على الناس موضع ذلك حتى لا يعرف أحد وأما ما تعلقوا به من الخبر ~~الموجب للعلم فقد ذكرنا أنه بأى معنى لا يوجب الخبر الواحد وإذا ما لم يكن ~~الخبر الواحد طريقا إلى إفادة العلم بوجه ما بالمعنى الذى بينا وكان طريقا ~~لإيجاب العمل سقط سؤالهم. # PageV01P358 ### | فصل: الخبر إذا صح وثبت من طريق النقل وجب الحكم به وأن كان مخالفا لمعانى أصول سائر الأحكام # وقد حكى عن مالك أن ms307 خبر الواحد إذا خالف القياس لا يقبل وهذا القول ~~بإطلاقه سمح مستقبح عظيم وإنما أجل منزلة تلك عن مثل هذا القول وليس يدرى ~~ثبوت هذا منه وقال أبو الحسين البصرى لا خلاف فى العلة المنصوص عليها وإنما ~~الخلاف فى العلة المستنبطة قال والقياس لا يخلو أما أن يكون حكمه فى الأصل ~~ثابتا بخبر الواحد أو بنص مقطوع به فإن كان الأصل ثابتا بخبر فلا يجوز أن ~~يكون القياس معارضا لخبر الواحد بل الأخذ بالخبر يكون أولى على قول الكل ~~وأما إذا كان الحكم ثابتا فى الأصل بدليل مقطوع به والخبر المعارض للقياس ~~خبر واحد فينبغى أن يكون الناس إنما اختلفوا فى هذا الموضع وأن كان ~~الأصوليون ذكروا الخلاف مطلقا وقال في هذه الصورة التى ذكرها فعند الشافعى ~~أن الأخذ بالخبر أولى وهو قول أبى الحسن الكرخى وقال عيسى بن أبان أن كان ~~راوى الخبر ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه وجب قبول خبره وترك القياس ~~به وأن كان الراوى خلاف ذلك كان موضع الاجتهاد وذكر أن من الصحابة من رد ~~حديث أبى هريرة بالاجتهاد وحكى عن مالك ما ذكرنا وأما أبو زيد فإنه قال إذا ~~كان الراوى فقيها فيجب قبول خبره الذى رواه وترك القياس به بكل حال وأما ~~إذا كان عدلا ولكن لم يكن فقيها مثل أبى هريرة وعمار وجابر وأنس وأمثال ~~هؤلاء فإذا خالف القياس لم يجب قبول خبره1 واحتج المخالفون فى هذه المسألة ~~أما من قدم القياس قال إن. PageV01P358 # القياس أثبت من الخبر لجواز الكذب والخطأ على الراوى ومثل هذا لا يوجد فى ~~القياس فكان القياس مقدما عليه ولأن القياس يخص عموم الكتاب فلأن يترك به ~~خبر الواحد أولى لأن خبر الواحد أصوب من عموم الكتاب وقد قال بعضهم أن ~~القياس لا يحتمل تخصيصا بل لا يجوز تخصيصه وأما الخبر الواحد يحتمل التخصيص ~~وكان غير المحتمل أولى من المحتمل وقد قال أصحاب أبى حنيفة فى تقديم الأصول ~~على الخبر الواحد بأن الأصول مقطوع بها والقياس غير مقطوع ms308 به وكان الدليل ~~المقطوع به أولى من الدليل المظنون واحتج من قدم خبر الواحد على القياس ~~بإجماع الصحابة فإنهم كانوا يتركون أحكامهم بالقياس إذا سمعوا الخبر الواحد ~~وروى أن أبا بكر رضى الله عنه نقض حكما حكم به برأيه بحديث سمعه من بلال ~~وترك عمر رأيه فى الجنين وفى دية الأصابع بالحديث الذى نقل له وكذلك ترك ~~رأيه فى ترك توريث المرأة من دية زوجها بالحديث الذى رواه الضحاك بن سفيان ~~وترك ابن عمر رأيه فى المزارعة بالحديث الذى سمعه من رافع بن خديج ونقض عمر ~~بن عبد العزيز ما حكم به من رد الغلة على البائع عند الرد بالعيب بالخبر ~~الذى روى له أن الخراج بالضمان وهذا شىء معروف منهم وعن بعض المشاهير من ~~الصحابة لقد كدنا نقضى برأينا وفيه خبر عن رسول الله فإن قيل أليس أن ابن ~~عباس قال لأبى هريرة حين روى عن النبى صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ ~~أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدرى أين ~~باتت يده" 1 فقال ابن عباس فما تصنع بالمهراس والمهراس حجر عظيم كانوا ~~يجعلون فيه الماء ويتوضئون منه قلنا من قال له أبو هريرة يا ابن أخى إذا ~~حدثتك الحديث فلا تضربن له الأمثال ولأن ابن عباس إنما أخبره عن عجزه عن ~~استعمال الحديث لأنه رد الحديث فسقط السؤال ولأن الخبر الواحد أصل القياس ~~وأن القياس الذى يعارض الخبر أصله الخبر أما المتواتر والآحاد فإن قالوا: ~~نحن إنما نقدم القياس على الخبر الواحد إذا كان القياس قائما على دليل قاطع ~~والجواب أن هذا التفصيل لم يعرف من المخالف فى هذه المسألة إنما هذا. ~~PageV01P359 # شىء ذكره أبو الحسين البصرى ولم يعرف له متقدم وعلى أنا بينا أن خبر ~~الواحد فى العمل منزلة الخبر المتواتر لأنه يوجب العمل بدليل مقطوع به فإذا ~~كان الخبر المتواتر فى العمل مقدما على القياس فكذلك الخبر الواحد يكون ~~كذلك أيضا وهذا لأن الخبر إذا ثبت يصير مقتضاه ms309 كأنه سمع من النبى صلى الله ~~عليه وسلم وإذا صار كذلك لم يكن بد من تقديمه على القياس وهم يقولون على ~~هذا إنما يجرى مجرى ما سمع من النبى صلى الله عليه وسلم فى وجوب العمل ~~وكذلك القياس وقد قال بعض أصحابنا أن إثبات الحكم بخبر الواحد يستند إلى ~~قول النبى صلى الله عليه وسلم بلا واسطة وإثباته بالقياس مستند إلى قوله ~~بواسطة فكان إثباته بالخبر أولى وهم يقولون على هذا أنه وأن كان لا يتأتى ~~الحكم بالخبر هذه المزية فإن لإثبات الحكم بالقياس مزية أخرى وهى استناده ~~إلى أصل معلوم بدليل قطعى قالوا: وكما أن العمل بخبر الواحد مستند إلى أصل ~~معلوم وهو ما دل على وجوب العمل بخبر الواحد فكذلك الحكم بالقياس مستند إلى ~~ما دل على العمل بالقياس وهو معلوم وكما أن العمل بالقياس مفتقر إلى ~~الاجتهاد فى الإمارة فالحكم بالخبر الواحد يفتقر إلى الاجتهاد فى أحوال ~~المخبرين فهما متساويان فى هذه الجهة وهذا من أقوى ما يحتج به المخالف غير ~~أن هذا الدليل موجب التعارض بين خبر الواحد والقياس وأن يكون الأمر فى ~~تقديم أحدهما على الآخر مردود إلى القياس والمعتمد لنا هو الدليل من إجماع ~~الصحابة والدليل لا بأس به على حسب ما ذكرناه وأما قولهم أن السهو والغلط ~~له مدخل فى الخبر جواز ذلك كجواز كون الحكم غيره متعلق بالإمارة فى القياس ~~وأن كان الأغلب صدق الراوى وتعلق الحكم بالإمارة وأما قولهم أنه يخص عموم ~~الكتاب بالقياس قلنا إذا خصصنا العموم بالقياس لم نكن تاركين للعموم أصلا ~~بالقياس وليس كذلك فى مسألتنا لأنه يؤدى إلى ترك الخبر أصلا بالقياس وأما ~~قولهم أن الخبر محتمل قابل للتخصيص والقياس بخلاف ذلك قلنا الكلام فى خبر ~~نص يرد ويخالفه القياس وفى هذه الصورة لا احتمال واعلم أنه قد قال بعض ~~الأصوليين ينبغى أن يضاف إلى الاجتهاد إذا تعارض الخبر الواحد والقياس على ~~الأصول المقطوع بها وهذا ليس بصحيح لأنا بينا معتمدنا إجماع الصحابة وعلى ~~أن الترجيح للخبر ms310 بالدليل الثانى الذى قد بيناه ويمكن أن يقال أيضا أن ~~دلالة الألفاظ لا تستنبط من غيرها وأما القياس فهو مستنبط من الألفاظ وكانت ~~أقوى فى الدلالة إلى هذا الموضع انتهت هذه المسألة وهى مع مالك بن أنس ومن ~~تابعه أن ثبت وأما الكلام مع أصحاب أبى حنيفة فإنهم قد زعموا أن الخبر. # PageV01P360 # الواحد مفهوم على القياس وقد نص عليه أبو حنيفة فى كتاب الصوم وغيره ~~ولكنهم زعموا أن الخبر الواحد إذا خالف الأصول لم تقبل وزعموا أن خبر ~~القرعة وخبر المصراة خالف الأصول وكذلك خبر الشاهد واليمين وزعموا أن خبر ~~القهقهة وخبر الوضوء بنبيذ التمر خالف القياس فإنا نقول نعوذ بالله من ~~الطمع الكاذب وأى مخالفة للأصول فى هذه المسائل التى قالوها وهل ورد أصل ~~مقطوع به فى صورة مسألة القرعة أو صورة مسألة المصراة أو صورة مسألة الشاهد ~~واليمين بخلاف مواجب الأخبار الواردة فى هذه المسائل وإنما غاية قولهم أن ~~قياس هذه الحادثة على أمثالها يقتضى أن يكون الحكم كذا وهو أن يكون الحكم ~~على خلاف ما ورد به الخبر هل هذا إلا رد الخبر بمحض القياس ونقول أن الحديث ~~إذا ثبت صار أصلا فى نفسه إلا أنه ربما لا يكون له من حديث المعنى يظهر فى ~~سائر أصول الشرع وعدم النظير لا يبطل حكم الشىء وإنما يبطله عدم الدليل ~~وإنما صارت الأصول أصولا لقيام الدلالة على صحتها وثبوتها فإذا ثبت الخبر ~~صار أصلا مثل سائر الأصول فلو وجب تركه لسائر الأصول لوجب ترك سائر الأصول ~~به فإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر وعلى أنهم قد استعملوا فى مذهبهم من ~~هذا ما أنكروه من مذهبنا وهو قولهم الخبر فى الوضوء بنبيذ التمر وفى إيجاب ~~الوضوء بالقهقهة وأما الذى قالوا: أن ذلك الخبر مخالف للقياس فى هذا مخالف ~~الأصول تمنى باطل لأن دعوى خلاف الأصول فى المسائل التى ذكروها لا يصح إلا ~~من حيث المعنى وهو محض القياس والعجب أنه كيف صار القول واجبا بهذه الأخبار ~~التى ذكروها أعنى ms311 فى القهقهة والوضوء بنبيذ التمر وما أشبه ذلك مع ضعف ~~أسانيدها وبطل القول بالأخبار الصحيحة فى مسألة المصراة والشاهد واليمين ~~والعرايا والقرعة وما أشبه ذلك فهل هذا لا تحكم فى الدين واختيار قول غير ~~أولى بأهل العلم وذوى العقول يدل على ما بينا أن أصل الأصول وأقواها هو ~~الكتاب وقد بين الله تعالى ما حرم من النساء وعدده تعديدا ثم قال: {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم} فلم يمتنع علماء السلف والخلف من قبول الخبر فى تحريم ~~نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها وأن كان الظاهر أنه مخالف الآية وقال ~~تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} فقبلنا نحن الخبر وكذلك أهل العراق فى تحريم ~~كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير وقبل عمر رضى الله عنه حديث حمل ~~بن مالك بن النابغة فى الجنين وقضى به وقال لو لم ينسخ هذا لقضينا فيه ~~بغيره فقبل الحديث وأن كان مخالفا. # PageV01P361 # لما غفله من معانى الأصول وذلك المعنى فى الأصول هو أن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أوجب فى النفس مائة من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حيا فيكون ~~جنينا من الإبل أو يكون ميتا فلا يكون فيه شىء إلا أنه لما بلغه الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه أصلا فى نفسه فقبله ولم يضرب به سائر ~~الأصول وقبل أيضا خبر الضحاك بن سفيان الكلابى فى توريث المرأة من دية ~~زوجها وقد كان يرى خلاف ذلك تمسكا بظاهر القرآن وذلك لأن قوله تعالى: {ولهن ~~الربع مما تركتم} ظاهره يقتضى أنها إنما ترث ما كان ملكه الزوج والزوج لم ~~يملك الدية قط لأنها وجبت بموته وهذه دلائل بينة على خلاف ما قالوه وقد ذكر ~~أبو زيد فى أصوله أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم ويحكى على ما ذكروه وقد ~~قال هم أربعة أقسام أما المشهورون فنحو الخلفاء الراشدين والعبادلة وأما ~~المجهولون فنحو ms312 معقل بن يسار وسلمة بن المحنق ووابصة بن معبد وسائر الأعراب ~~الذين لم يعرفوا إلا بما رووا ثم المخبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس ~~الصحيح فإذا خالف نظر فإن كان الراوى من أهل الفقه والرأى والاجتهاد رد ~~القياس بخبره وأن لم يكن من أهل الفقه والرأى رد خبره بالقياس أما الأول ~~فلأن الخبر أولى فى الجملة من القياس لأن الخبر فى الأصل حجة يقينا وإنما ~~وقع الإسناد فى نقل الناقل والرأى فى أصله إشكال فى حق الإصابة ولأن شبهة ~~الرأى من حيث أنه لعلة لم يبلغ حيث كان الحق وشبهة الراويه من حيث قصد ~~الكذب أو اعتراض نسيان فيكون لا بحالة لعارض وكان دون الأول قال وقد اشتهر ~~من الصحابة ترك الرأى بالجهر وذكر بعض ما ذكرنا قال وأما الراوى الذى ليس ~~من أهل الفقه فذكر أنه قد ثبت ثبوتا ظاهرا الرد على أبى هريرة بالقياس وكان ~~هو من المشهورين المعدلين إلا أنه لم يكن فقيها روى أبو هريرة الوضوء عما ~~مسته النار فقال ابن عباس ألسنا نتوضأ بالحميم فرد بالقياس ولم يشتغل ~~بالسند وقال أبو هريرة وأن كان قال يا ابن أخ إذا رويت لك الحديث فلا تضرب ~~له الأمثال فهو لا يكون فى مقابلة ابن عباس رضى الله عنهم وقد كان عمر رضى ~~الله عنه يستشير فى أحكام الحوادث وكان يقول له: غص يا غواص شنشذة أعرفها ~~من أحزم وهذا مثل تمثل به العرب يشبه الولد بوالده قال وروى أبو هريرة أن ~~ولد الزنا شر الثلاثة1 فقرأت عائشة: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وقالت عائشة ~~رضى الله عنها فيه إلا تعجبون من هذا وكثرة حديثه عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم كان النبى صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده عاد لأحصاه وقال ~~إبراهيم. PageV01P362 # النخعى كانوا يأخذون من حديث أبى هريرة ويدعون قال فدل ما قلناه أن العدل ~~ترد روايته بالقياس إذا لم يكن فقيها لأن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد ~~عدالته وكثرة صحته ms313 ومع ذلك رد حديثه بالقياس لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد ~~ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الحديث بالمعنى فلما ظهر ذلك منهم احتمل ~~كل حديث أن يكون الراوى نقل بما فقه من المعنى فإذا لم يكن فقيها صار متهما ~~بالغلط لما خالف لفظه معنى القياس الصحيح فالتحق برواية الصبى والمغفل فيرد ~~وأما إذا كان الراوى فقيها لم يتهم وعلم أنه ما نقل ما يخالف القياس إلا عن ~~معرفة صحيحة وهذا لأنه عالم بالرأى وطريقه فلا يظن به تركه إلا بنص محكم ~~قال ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة وحديث العرايا لأنه لم يروهما فقيه وإذا ~~ثبت ما قلنا فى رواية أبى هريرة فمن لم يبلغه فى المنزلة شهرة وصحة بما ~~قلنا إلا أن يكون حديثا عمل به السلف وقد كانوا أهل فقه وتقوى فيدل قبولهم ~~الخبر على علمهم بصحته من طريق آخر. # قال وأما المجهول من الصحابة رضى الله عنهم أجمعين فخبره حجة أن عمل به ~~السلف وكذلك أن سكتوا عن الرد وقد ظهر ذلك الخبر فيما بينهم وأما قبل ~~الظهور فيعمل به أن وافق القياس ولا يعمل به أن خالف القياس لأنه فى الرتبة ~~دون أبى هريرة بكثير وقال محتمل أن يقال أن خبر المشهور الذى ليس بفقيه حجة ~~ما لم يخالف القياس وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين ~~الذى ظهرت عدالته والذى لم تظهر ليكون رد العدل يعارض تهمة وقبول قول غير ~~العدل يعارض دليل وذكر قول عمر رضى الله عنه فى خبر فاطمة بنت قيس ذكرت ما ~~قاله فى هذا الفصل على اختصار وتركت بعض قوله وهذا الرجل قد بنى كلامه فى ~~هذا الفصل على التصرف فى الصحابة والإبهام ببعض الطعن على طائفة منهم ومن ~~بعضهم بعدم العدالة ووسم طائفة منهم بكونهم مجهولين وهذا الذى قاله جرأة ~~عظيمة ولا أدرى كيف وقع الأغضاء عنه والمدامجة فى حقه فى برار أهل السنة ~~وجميع الصحابة قد عدلهم الله تعالى فى آى كثيرة من كتابه فقال ms314 تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه} والمراد من الذين اتبعوهم بإحسان من مسلمى الفتح ومن أسلم ~~من أهل البوادى والأعراب وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه} [الفتح: ~~29] الآية وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ~~[الفتح: 18] الآية. # PageV01P363 # وكذلك وردت أخبار كثيرة فى فضل الصحابة وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تذكروا أصحابى إلا بخير فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما أدرك مد أحدهم ~~ولا نصيفه" 1 والروايات فى جنس هذا تكثر وأما أبو هريرة رضى الله عنه لقد ~~كان من المهاجرين من علية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضائله ~~كثيرة وحسب السامع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم ~~حبب عبدك أبا هريرة إلى عبادك المؤمنين" 2 وقد كان دعا له بالحفظ واستجاب ~~الله تعالى فيه ذلك حتى انتشر فى العالم ذكره وحديثه وقال إسحاق الحنظلى ~~ثبت عندنا فى الأحكام ثلاثة ألف حديث روى أبو هريرة رضى الله عنه منها ألف ~~وخمسمائة وقال البخارى روى عنه سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وقد ~~روى جماعة من الصحابة رضى الله عنهم عنه وقد كان ابن عباس رضى الله عنه ~~يأخذ الحديث عنه وعن أمثاله لأنه كان صبيا فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ~~وخبر الوضوء مما مست النار3 منسوخ وقول ابن عباس ما قاله كان من طريق بينه ~~أنه منسوخ وأما عائشة رضى الله عنها فإنها كانت تنكر عليه سرده الحديث سردا ~~وما كانت تتهمه بالكذب ومعاذ الله أن يظن ذلك بأحد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد كان الزبير وجماعة ينكرون كثرة الرواية عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم مخافة السهو والغلط وقد ورد أن عمر رضى الله عنه حبس ابن ~~مسعود وجماعة لكثرتهم الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم وقيل أنه طعن ~~وتوفى وهم فى حبسه ثم أطلقوا وقولهم أن أبا هريرة رضى الله ms315 عنه لم يكن ~~فقيها قلنا لا بل كان فقيها ولم يعدم شيئا من آلات الاجتهاد وقد كان يفتى ~~فى زمان الصحابة رضى الله عنهم وما كان يفتى فى ذلك الزمان إلا فقيه مجتهد ~~وعلى أنه أن لم يكن من المعروفين بالفقه فقد كان معروفا بالضبط والحفظ ~~والتقوى ولم يقل أحد من الأئمة أن الفقه فى الراوى شرطا. PageV01P364 # لقبول روايته. # ببينة: أنه لما لم يشترط فى الشهادة مع أن الاحتياط فيها أكثر والاستقصاء ~~فيها أشد فكيف يعتبر فى الرواية وقد جرى فيها من المساهلة ما لم يجر فى ~~الشهادة. # وقولهم إنهم كانوا ينقلون بالمعنى قلنا وكيف يخفى معنى الحديث على مثل ~~أبى هريرة ودونه وقد كانت الأخبار جاءت بلسانهم التى عرفوها وعرفوا عليها ~~فعله باللسان يمنع من اشتباه المعنى وعدالته وتقواه دافع لتهمة المزيد ~~والنقصان عليه وأن قال يجوز أن يغلط فهذا أمر مثله موجود فى الفقيه وغير ~~الفقيه وموجود فى الشهادات ومع ذلك لم يلتفت إليه فدل ما ذكرناه أن ما قاله ~~هذا الرجل باطل. # وعندى أن من قال أن خبر الواحد على الجملة لا يقدم على القياس أعذر ممن ~~قال مثل هذه المقالة التى مرجعها إلى التصرف فى الصحابة وتطريق الناس للطعن ~~عليهم والغمز فيهم ونسأل الله تعالى العصمة من مثل هذه المقالة الوحشة ~~والعجب أنه يذكر فى أبى هريرة رضى الله عنه ما يذكر وقد نص صاحبهم أنه ترك ~~القياس فيما إذا أفطر ناسيا وراوى ذلك الخبر أبو هريرة رضى الله عنه فقد ~~خالف صاحبه والذى يعتنى كل هذا الاعتناء للذب عن مذهبه وأما حديث عمر رضى ~~الله عنه فى فاطمة بنت قيس فالمراد بذلك فى السكنى وقد ذكرنا فى الخلافيات ~~الفروع والله أعلم. # مسألة: لا يجب عرض الخبر على الكتاب ولا حاجة بالمخبر إلى إجازة الكتاب. # وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يجب عرضه على الكتاب1 فإن لم يكن ~~فى الكتاب ما يدل على خلافه قبل وإلا فيرد وذهب إلى هذا كثير من المتكلمين. # وقال ms316 أبو زيد فى أصوله خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة العرض على كتاب ~~الله ورواجه بموافقته وزيافته بمخالفة ثم على السنة الثابتة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهى السنة التى ثبتت بطريق الاستفاضة ثم العرض على ~~الحادثة فإن كانت الحادثة مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذا كان ذلك ~~زيافة فيه وكذلك أن كان حكم الحادثة بما اختلفت بين السلف اختلافا ظاهرا ~~ولم ينقل عنهم المحاججة بالحديث كان عدم الحجاج زيافة فيه وقال أما الأول ~~فكما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "كل شرط ليس فى كتاب الله فهو ~~باطل وأن كان. PageV01P365 # مائة شرط" 1 أى كان حكمه بخلاف ما فى كتاب الله عز وجل وروى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "إذا روى لكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله ~~تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه"2 وأن كتاب الله تعالى ثابت بيننا ~~وغير الواحد ثابت ثبوتا فيه شبهة وكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد ~~اليقين به قال وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره ~~بأن حمله على المجاز وهذا لأن العام عندنا بوجوب العلم بعمومه يقينا كالخاص ~~ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقينا ومتن خبر الواحد فيه شبهة ~~قال وأن كان معنى المتن لا شبهة فيه يعنى به الخبر لواحد وفى متن الكتاب ~~شبهة لاحتماله الخصوص وكان متن الكتاب بقوة بثبوته أولى من ترجيح غير ~~الواحد بقوة ثبوته لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله ~~أولى ثم إذا استويا فى جهة المعنى وجه قولهم فى هذا أن خبر الواحد يقتضى ~~الظن وعموم الكتاب يقتضى القطع ولا يجوز العدول عما يقتضى القطع إلى ما ~~يقتضى الظن واستدلوا أيضا بالنسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد كذلك ~~تخصيصه أيضا لا يجوز لأن كل واحد منهما عدول إلى مظنون غير معلوم وكذلك ~~السنة الثابتة بالتواتر والاستفاضة أو الإجماع لأن هذه الأشياء فى ms317 إفادة ~~العلم بمنزلة الكتاب. # قال أبو زيد ففى هذا الانتقال علم كثير وصيانة للدين بليغة فأكثر الأهواء ~~والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد وقبوله اعتقادا أو عملا بلا عرض له ~~على الكتاب والسنة الثابتة ثم تأويل الكتاب لموافقة خبر الواحد وجعل ~~المتبوع تبعا وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقينا فيصير الأساس علما ~~بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل ~~خبر الواحد لأن هذا الرجل إنما رد خبر الواحد بشبهة الكذب وتمسك بقياس أو ~~استصحاب حال وأما هذا الآخر جعل خبر الواحد أصلا وعرض كتاب الله عليه وبنى ~~دينه على ما لا علم به يقينا فكان القول الوسط العدل أن يجعل كتاب الله ~~تعالى أصلا فهو الثابت يقينا وخبر الواحد مرتبا عليه يعمل به على. ~~PageV01P366 # موافقته ويرد إذا خالفه ثم القياس بعده مرتبا عليه يعمل به على موافقته ~~ويصار إليه إذا لم يوجد فى الكتاب والسنة وذلك الحكم الثابت بالقياس على ~~خلافه فأما إذا وجد فى الكتاب والسنة على خلافه فيرد وضرب أمثلة لهذا الذى ~~ادعاه منها القضاء بشاهد ويمين. # ومنها مسألة الرطب بالتمر فإن الخبر فى الأول ورد مخالفا لكتاب الله ~~تعالى والخبر الثانى ورد مخالفا للسنة المتواترة وهو قوله عليه السلام ~~التمر بالتمر مثلا بمثل والفضل ربا1 وذكر فى المسألة الأولى كلامهم المعروف ~~فى مسألة الشاهد واليمين وذكر فى مسألة بيع الرطب بالتمر حرفا زائدا وقال ~~قوله مثلا بمثل للإباحة وقوله والفضل ربا إشارة إلى فضل معتاد المماثلة ~~المذكورة لا محالة وعليه الإجماع وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلا لتوهم ~~حدوثه بمعنى طارىء وهو الجفاف وهذا الفضل لا يعتاد المماثلة المبيحة فى ~~الأمثل لأن المماثلة المبيحة فى الأصل هى المماثلة عند العقد وهذا الحديث ~~يقتضى تحريم البيع مع قيام المماثلة فيكون التحريم مع المماثلة خلافا للخبر ~~ولأنه يقتضى ضم مماثلة أخرى إلى المماثلة التى اقتضاها الخبر الأول فيكون ~~إثبات زيادة مماثلة فيقتضى النسخ وذكر خبر فاطمة بنت ms318 قيس وقول عمر رضى الله ~~عنه فى ذلك وذكر فى الحادثة التى يعم بها البلوى ما ذكرنا من قبل قال ولهذا ~~لا يقبل قول الواحد فى رؤية هلال رمضان إذا كانت السماء مصحية لأن الناس ~~لما شاركوه فى النظر والمنظر والأعين كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجا عن ~~العادة فأوجب تهمة فى خبره كذلك فى الحادثة التى يعم بها البلوى فقد دفعت ~~الحاجة إلى معرفة حكمها وما كانوا يعملون بالرأى مع النص وكانت عنايتهم فى ~~طلب الحجة أشد من عنايتنا فلو كان النص ثابتا لاشتهر لديهم مثل اشتهار ~~الحادثة وحكمها فلما لم يشتهر أوجب تفرد الواحد بالرؤية تهمة وذكر على هذا ~~الوضوء من مس الذكر ومن حمل الجنازة وخبر الوضوء مما مست النار قال وكذلك ~~الحادثة التى ظهر فيها الخلاف بين السلف ولم تجر المحاجة بالخبر فيدل ~~إعراضهم عن المحاجة بالخبر باطل على عدم ثبوته فإنه لو كان ثابتا مما يحل ~~الإعراض فى المحاجة به ولو وقعت المحاجة به لظهر ولنقل الرجوع عن المخالفة ~~إليه مما هو عادة المتدينين فلما لم يظهر المحاجة بالخبر دل أن الخبر غير ~~ثابت وبيان هذا فى اختلاف الصحابة رضى الله عنهم فى زكاة مال الصبى ورواية ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال. PageV01P367 # "ابتغوا فى أموال اليتامى كيلا تأكله الصدقة" 1 فإنه لم يرو عنهم المحاجة ~~بهذا الخبر دل أنه غير ثابت وكذلك اختلاف الصحابة فى عدد الطلاق أنها ~~بالرجال أو بالنساء ورويتم أنه عليه السلام قال: "الطلاق بالرجال" 2 ولم ~~يجزم بحاجة فثبت أنه مخترع موضوع هذا آخر ما ذكره أبو زيد وسمى هذا الباب ~~باب الانتقاد للخبر الواحد أما الدليل على صحة ما ذكرنا من أن الخبر إذا ~~ثبت لا يجب عرضه على الكتاب لقبوله وكان تخصيص عموم الكتاب به جائز نقول قد ~~قال الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3, 4] ~~فأخبر الله تعالى أن مصدر الخبر عن الوحى كما أن مصدر ms319 الكتاب عن الوحى وقال ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وقال ~~سبحانه وتعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] فأمر باتباع سنن ~~الرسول كما أمر باتباع آى كتاب وإذا كان كذلك وجب قبول ما ثبت عنه ولم يجز ~~التوقف عنه إلى أن يعرض على الكتاب وهذا لأنه حجة فى نفسه فلا يجب عرضه على ~~حجة أخرى حتى يوافقها أو يخالفها وقد قال الشافعى رحمه الله لا يجب عرضه ~~على الكتاب لأنه لا يتكامل شرائطه إلا وهو غير مخالف للكتاب فإن قالوا: فما ~~قولكم إذا خالف قلنا أنتم تتوهمون أنه مخالف ولا مخالفة وقد ضربتم أمثلة فى ~~تلك المسائل لا مخالفة بين الكتاب والسنة وقد أجبنا عما قالوه فى مسائل ~~الخلافيات للفروع وخبر القضاء بالشاهد واليمين لا يمسه الكتاب ولا هو يمس ~~الكتاب وكل واحد منهما فى شىء آخر دون صاحبه وكذلك خبر سعد بن أبى وقاص فى ~~بيع الرطب بالتمر لا يخالف الخبر المشهور الوارد فى الربا لأن هذا الخبر ~~الخاص يدل على اعتبار المماثلة فى هذا الموضع الخاص حاله الجفاف أعدل ~~الحالين وإذا بينا المماثلة على حالة الجفاف بين عدم المماثلة عند العقد ~~وقد قررنا ما فى كتاب الاصطلام ذلك وأما الخبر الذى يروون من الأمر بعرض ~~السنة على الكتاب فهو خبر رواه يزيد بن ربيعة عن أبى الأشعث عن ثوبان ويزيد ~~بن ربيعة مجهول ولا يعرف له سماع من أبى الأشعث وإنما يروى أبى الأشعث عن ~~أبى أسماء الرحبى عن ثوبان فالحديث منقطع وفيه رجل مجهول وحكى الساجى عن ~~يحيى. PageV01P368 # ابن معين أنه قال هذا حديث باطل وضعته الزنادقة ويحيى بن معين أبو زكريا ~~هو علم هذه الأمة فى علم الحديث وتركته الرواة وهو الطود المنيع وهو الذى ~~كان ينفى الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين توفى بالمدينة وحمل ~~على نعش النبى صلى الله عليه وسلم وكان رجل يمشى قدام الجنازة ويقول: هذا ~~الذى ينفى الكذب عن رسول الله صلى الله عليه ms320 وسلم ويحفظ سنته وأخباره ~~والعجب من هذا الرجل أنه جعل هذا الباب باب نقد الأحاديث ومتى سلم له ~~ولأمثاله بنقد الأحاديث وإنما نقد الحديث لا يعرف الرجال وأحوال الرواة ~~ووقفت على كل واحد منهم حتى لا يشذ عنه شىء من أحواله التى يحتاج إليها ~~ويعرف زمانه وتاريخ حياته ووفاته ومن روى هو عنه ومن صحب من الشيوخ وأدركهم ~~ثم يعرف تقواه وتورعه فى نفسه وضبطه لما يرويه ويقظة رواياته وهذه صنعة ~~كبيرة وفن عظيم من العلم وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "لا تنازعوا ~~الأمر أهله" 1 وهذا الرجل أعنى الدبوسى وأن كان قد أعطى حظا من الغوص فى ~~معانى الفقه على طريقة اختارها لنفسه ولكن لم يكن من رجال صنعة الحديث ونقد ~~الرجال وإنما كان غاية أمره الجدال والظفر بطرق من معانى الفقه لو صحت ~~أصوله التى يبنى عليها مذهبه ولكن لم يحتمل الأساس الضعيف من البناء عليه ~~لا جرم لم ينفعه ما أعطى من الذكاء والفهم إلا فى مواضع يسيرة أصاب فيها ~~الحق وأما فى أكثر كلامه وغايته تراه يبنى على قواعد ضعيفة ويستخرج بفضل ~~فطنته معانى لا توافق الأصول ولم يوافقه عليها أحد من سلف أهل العلم ثم ~~يحمل عجبه برأيه على خوضه فى كل شىء فتراه دخالا فى كل من هجوما على كل علم ~~وأن كان لا يحسنه فيهجم ويعتز ولا يشعر أنه يعثر. # وقد اتفق أهل الحديث أن نقد الأحاديث مقصور على قدم مخصوصين فما قبلوه ~~فهو المقبول وما ردوه فهو المردود وهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيبانى ~~وأبو زكريا يحيى بن معين البغدادى وأبو الحسن على بن عبد الله المدينى وأبو ~~يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلى وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى ~~وأبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازى وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ~~القشيرى وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلى وأبو داود سليمان بن الأشعث ~~السجستنانى وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمى ومثل هذه الطبقة يحيى ms321 ~~بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى والثورى وابن المبارك وشعبة ووكيع ~~وجماعة يكثر عددهم وذكرهم علماء الأمة فهؤلاء وأشباههم أهل. PageV01P369 # نقد الأحاديث وصيارفة الرجال وهم المرجوع إليهم فى هذا الفن وإليهم انتهت ~~رئاسة العلم فى هذا النوع فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه وقدر بضاعته من ~~العلم فيطلب الربح على قدره وإنما جرينا الكلام إلى هذا لأنه كان قد ذكر فى ~~كلامه أن فى هذا النقد علما كثيرا وصيانة للدين عن الأهواء والبدع واعلم أن ~~الخطة الفأصلة بيننا وبين كل مخالف أننا نجعل أصل مذهبنا الكتاب والسنة ~~ونستخرج ما نستخرج منهما ونبنى ما سواهما عليهما ولا نرى لأنفسنا التسلط ~~على أصول الشرع حتى نقيمها على ما يوافق رأينا وخواطرنا وهواجسنا بل نطلب ~~المعانى فإن وجدناها على موافقة الأصول من الكتاب والسنة أخذنا بذلك وحمدنا ~~الله تعالى على ذلك وأن زاغ بنا زائغ ضعفنا عن سواء صراط السنة ورأينا ~~أنفسنا قد ركبت البنيان وبركت الجدد اتهمنا آراءنا فرجعنا بالآية على ~~نفوسنا واعترفنا بالعجز وأمسكنا عنان العقل لئلا يتورط بنا فى المهالك ~~والمهاوى ولا يعرضنا للمعاطب والمتالف وسلمنا الكتاب والسنة عليها وأعطينا ~~المقادة وطلبنا السلامة وعرفنا أن قول سلفنا من أن الإسلام قنطرة لا تعبر ~~إلا بالتسليم. # وأما مخالفونا فجعلوا قاعدة مذاهبهم المعقولات والآراء وبنوا الكتاب ~~والسنة وطلبوا التأويلات المستكرهة وركبوا كل صعب وذلول وسلكوا كل وعر وسهل ~~وأطلقوا أعنة عقولهم كل الإطلاق فهجمت بهم كل مهجم وعثرت بهم كل عناء ثم ~~إذا لم يجدوا وجها للتأويل طلبوا رد السنة بكل حيلة يحتالونها ومكيدة ~~يكيدونها ليستقيم وجهة رأيهم ووجهة معقولهم فقسموا الأقسام ونوعوا الأنواع ~~وعرضوا الأحاديث عليها فما لم يوافقها ردوها وأساءوا الظن بنقلتها ورموهم ~~بما نزههم الله تعالى عنه وهذا الذى نحن فيه وهو التوقف عن قبوله السنة إلى ~~أن يعرض الكتاب والأصول أحد تلك الأقسام على ما قاله هذا الرجل ولسنا نخصه ~~بهذه الآية بل هو متبع فى هذا الأمر ناسج على منوال ثابت قبله سالك سبيلا ~~وطيت له ms322 ولأمثاله فإن عيسى بن أبان البصرى هو المخترع لهذا ولذلك نقل عنه ~~التصرف فى الرواة من الصحابة رضى الله عنهم فإنه قال أن كان الراوى متساهلا ~~فى الرواية لم يقدم خبره على القياس مثل أبى هريرة وذويه وقد باء ذلك الرجل ~~بوبال نصب هذه الأخبار وخبر هذه المهواة وبسط هذه الشبكة وطرح هذا الشوك فى ~~طريق الإسلام وهذا أن كان فيه ما فيه لكن العلة فى أمر الفروع أسهل والشرع ~~فيه أصح وإنما الشأن فيما يرجع إلى العقائد فى أصول التوحيد وصفات البارى ~~عز اسمه وأمر القضاء والقدر وعند ذلك يأتى ما يضم السمع والعمى والبصر ولكل # PageV01P370 # مرتبة وعن كل مسألة والله تعالى أعدل وهو أحكم من أن يعلم ضعفنا وقصور ~~رأينا وقلة أفهامنا ثم تخلينا وعقولنا أو يجعل ذلك أصل دينه وقاعدة سبيله ~~ونسأل الله تعالى العصمة فهو المستعان ومنه التأييد والتوفيق بمنه رجعنا ~~إلى ما كنا فيه. # أما الخبر الذى رووه من الأمر بعرض السنة على الكتاب فقد ذكرنا الكلام ~~عليه وأما الذى ذكروه من قوله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس فى كتاب ~~الله تعالى فهو باطل وأن كان مائة شرط" فالمراد من كتاب الله هو حكم الله ~~تعالى وتقدس وعندنا كل شرط لم يحكم الله تعالى بصحته فى كتاب أو سنة فهو ~~باطل. # وقولهم: أن الكتاب يقين والسنة فيها شبهة. # قلنا الخبر فى العمل يقين أيضا وقد بينا فى كتاب الانتصار أن عرض القوم ~~ليس هو عرض السنة على الأصول فإنا بحمد الله تعالى لم نجد خبرا صحيحا يخالف ~~الكتاب بل الكتاب والسنة متوافقان متعاضدان وأن عرض سؤال سائل فى كتاب أو ~~خبر فقد أجاب عنه علماء السنة وقد ذكر ذلك الشىء فى كتاب مختلف الحديث ~~وأجاب عنه وذكر غيره أيضا ولكن غرض القوم ومرماهم رد السنة وطى الأحاديث ~~جملة وقد قال أبو حنيفة ما جاءنا عن الله تعالى وعن رسوله فعلى الرأس ~~والعين وهذا قول ثابت عنه وهذا لفظ منصف معترف للانقياد للكتاب والسنة ms323 وهو ~~ينفى ما زعموه من التوقف إلى أن يعرض على الكتاب وقد روى ابن عيينة عن سالم ~~أبى النضر عن عبيد الله بن أبى رافع عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكة يأتيه الأمر مما أمرت به أو ~~نهيت عنه فيقول: لا ندرى ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه" 1 فبين صلى الله ~~عليه وسلم أن الترفه والنعمة وترك طلب العلم مجملة على هذا المقال فإن ~~الاتكاء على الأريكة شأن المترفين والمنعمين وقد قال الله تعالى فى صفة أهل ~~النار: {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين} [الواقعة:45] وأما مسألة ورود الخبر ~~فيما يعم به البلوى وقد ذكرنا من قبل فلا يفيد وقد بينا وجود المناقضة فى ~~ذلك ودللنا على فساد ما قالوه بما فيه الغنية وأما ترك احتجاج الصحابة ~~بالخبر فليس فيه دليل على ما قالوه لأنه يحتمل أن يكون ذلك لعدم بلوغ الخبر ~~أياهم وعلى أن غرضه من ذلك الخبر الذى ذكرناه فى مسألة زكاة الصبى وليس ~~الخبر بذلك الأحكام الذى يقتنع وأما الذى نسب إلينا من روايتنا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P371 # "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء" 1 فنحن لا نثبت هذا الخبر وأما تخصيص ~~عموم الكتاب بالسنة فهو جائز عندنا لإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] بقوله عليه ~~السلام: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" 2 وما روى أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال: "لا يرث قاتل" 3 أو لفظ هذا معناه. # فإن قالوا: أن فاطمة رضى الله عنها قد طلبت الميراث ولم تقبل هذا ~~التخصيص. # قلنا إنما طلبت التحلى لا الميراث وخصوا قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم} [النساء: 12] وقوله: {ولهن الربع مما تركتم} [النساء: 12] بقوله ~~عليه السلام لا يتوارث أهل ملتين حتى قالوا: لا يرث الزوج من المرأة ~~النصرانية ولا المرأة النصرانية من زوجها وخصوا قوله تعالى: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} [النساء: 24] بما روى ms324 عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها4 وخصوا أيضا قوله تعالى: {وأحل الله ~~البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] بخبر أبى سعيد فى منع بيع الدرهم ~~بالدرهمين وخصوا أيضا قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} بخبر عبد الرحمن بن ~~عوف رضى الله عنه فى المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 5 والمجوس مشركون ~~وقد خصوا وأمثال هذا تكثر. # فإن قالوا: أليس أن عمر رضى الله عنه قال لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا ~~بقول امرأة6. # قلنا يجوز أن يكون معناه لا ندع كتاب ربنا نسخا وهذا لأنه لا يقال لما خص ~~من القرآن أنه ترك القرآن إنما يقال لمن ادعى النسخ وهذا لأن التخصيص مجراه ~~فى الآية العامة والخبر العام مجرى البيان على ما سبق ذكره وخرج النسخ على ~~هذه الآية تغير الحكم ورفعه. PageV01P372 # وأما قولهم أن خبر الواحد يفيد الظن والكتاب يقتضى القطع قلنا نحن نعمل ~~بخبر الواحد بطريق قطعى مفيد الحكم فهو مثل دليل الكتاب فى العمل قالوا: ~~أليس إنا نعلم قطعا ويقينا أن الله تعالى قال وحكم بما يتضمنه الكتاب وفى ~~خبر الواحد نظر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال ولا نعلمه والجواب أما نظن ~~أن النبى صلى الله عليه وسلم قال الذى قال فى خبر الواحد وقام لنا الدليل ~~القطعى على العمل بما يغلب على ظننا من ذلك وكل هذا علم لأنا نعلم أنه غلب ~~على ظننا صدق الراوى ونعلم قيام الدليل على وجوب العمل فما ظنناه فثبت ~~مساواة الطريق إلى العلم بحكم الخبر طريقنا إلى العلم بعموم الكتاب. # فإن قالوا: بما رجحتم حكم الخبر الواحد على ما يقتضيه الكتاب من العموم. # قلنا بإجماع الصحابة على ما سبق وهو المعتمد والله أعلم. # واعلم أنه إذا ثبت الخبر فخلاف الصحابى إياه لا يوجب رده وترك العمل به ~~لأن الخبر حجة على كافة الأمة والصحابى محجوج به كغيره1 قال الله تعالى: ~~{وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ms325 أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم} [الأحزاب: 36] وقال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: 7] وهذا وارد من غير تخصيص لبعض الأمة دون البعض وقد ~~روينا عن الصحابة أنهم تركوا اجتهادهم وما صاروا إليه بقول الصحابة وأما ~~بغير الصحابى أولى هذا إذا احتمل الخبر وجهين مثل ما فعله عمر رضى الله عنه ~~فى خبر المتبايعين وأما تخصيص الصحابى فلا نقبله ما لم يقم الدليل على ~~التخصيص وهو مثل قول ابن عباس فى المرتدة وقد سبق بيان هذا والله أعلم. ~~PageV01P373 ### | فصل: ما يقبل فيه خبر الواحد # ... # [فصل] 2 ونذكر الآن ما يقبل فيه خبر الواحد. # فنقول كل ما يقبله بالعمل يقبل فيه خبر الواحد فنقول كان عبادة مبتدأة أو ~~ركنا من أركانها أو خبر أو ابتداء نصاب أو تقدير نصاب وقاله بعض أصحاب أبى ~~حنيفة لا يقبل فيما ينتفى الشبهة3 حكاه أبو بكر الرازى عن أبى الحسن الكرخى ~~وقال أبو عبد الله البصرى فعل هذا لا يقبل فى الحدود وقال هو لا يقبل فى ~~إسقاط الحدود ولذلك. PageV01P373 # قالوا: فى ابتداء النصب وفى أركان الصلوات وفرقوا بين ابتداء النصب وبين ~~توانى النصب فقبلوا الخبر الواحد فى النصاب الزائد على خمسة أواق لأنه فرع ~~ولم يقبلوا فى ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل لأنه أصل واستدل من قال أنه ~~لا يقبل خبر الواحد فى الحدود لأن الحدود موضوعها فى الأصل على أن الشبهة ~~تسقطها وخبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم فلا يجوز إيجاب الحد به لأن ~~أقل أحوال الخبر الواحد يحصل معه شبهة انتفاء العلم به وإيجاب الحدود مع ~~الشبهة لا يجوز وليس كالشهادة حيث ثبتت بها الحدود ولأن كانت تفيد الظن ولا ~~تفيد العلم لأن الحكم بالشهادة ثابت من طريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق ~~يوجب العلم فإن قلتم ثبت وهو الإجماع ونص القرآن وأما الحكم الذى يرد به ~~خبر الواحد لم يثبت بطريق يوجب العلم فإن قلتم ثبت بطريق يوجب العلم وهو ~~إجماع الصحابة فليس كما ظننتموه لأن ms326 إجماعهم إنما ابتناه باستدلال يوجب ~~علمية الظن ليس أنه وجد منهم صريح الإجماع على ذلك حتى يكون موجبا للعلم ~~وأما الشهادة فإن حكمها ثابت بالنص الصريح من الكتاب فى إجماع الأمة وهما ~~دليلان موجبان للعلم وأما دليلنا وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وقد ~~روى ذلك نصا عن أبى يوسف واختاره أبو بكر الرازى ووجه ذلك أن الدلائل التى ~~دلت على قبول خبر الواحد لم تخص موضعا دون موضع فنقول الحدود شرع عملى من ~~الشرائع فجاز إثباته بخبر الواحد دليله سائر الشرائع ولا وجه للفصل بين ~~الحدود والنصب وغيرهما وقولهم أن الحدود تنتفي بالشبهة قلنا هذا لا يمنع من ~~قبول خبر الواحد كما لا يمنع من قبول الشهادة وأما عذرهم عن الشهادة فليس ~~بشىء لأن الشبهة إنما جاءت عندهم من عدم ثبوت العلم بخبر الواحد وهذا ~~المعنى موجود فى الشهادة وقولهم أن العمل بالشهادة وجب بدليل موجب للعلم ~~قلنا وكذلك الخبر الواحد وقد سبق بيان ذلك وقولهم أنه لم ينقل عن الصحابة ~~صريح الإجماع قلنا اتفاقهم على ذلك فعلا صريح أو أعلى منه وقول من قال أن ~~وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن بدليل مفيد للعلم قول مخالف لقول عامة ~~الأصوليين بل لا ندرى أنه قال به أحد منهم ثم نقول لهم قد قبلتم شهادة أهل ~~الذمة بعضهم على بعض فى الحدود فلا إجماع فى قبول شهادة أهل الذمة فإن ~~قالوا: قد أجمعوا أن النبى صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين بشهادة اليهود ~~وفعله صلى الله عليه وسلم موجب للعلم قلنا ومن قال أن انعقد الإجماع على ~~ذلك والمعروف أنهما اعترفا بالزنا فرجمهما وإنما روى أن اليهود شهدوا بطريق ~~شاذ فسقط ما. # PageV01P374 # قالوه جملة وثبت ما قلناه ويقال لهم ما قولكم فى القصاص هل ثبت بخبر ~~الواحد فإن قالوا: لا فمحال لأنه حق من حقوق الآدميين فثبت كسائر حقوقهم. # ببينة: أن القياس حجة فيه فخبر الوالد أولى وقد استدلوا بخبر مرسل فى قتل ~~المسلم بالذمى واستدلوا فى أن عمر ms327 قتل الجماعة بالواحد وهو دون الخبر ~~الواحد وأن قالوا: يقبل فقد قبلوا خبر الواحد فيما يسقط بالشبهات وأى فرق ~~بين القصاص والحدود والشبهة مؤثرة فى الكل فثبت أن قول من قال أن الخبر ~~الواحد لا يقبل فى الحدود قول مردود وليس عليه دليل والعجب أنهم قالوا: لا ~~يقبل أيضا فى ابتداء النصب ويقبل فى توانى النصب وهذا تفريق مستعجب وإذا ~~قبل فى أحدهما فلا بد أن يقبل فى الآخر لأنه لا يظهر بينهما فرق والله أعلم ~~وعلى ما ذكرنا يقبل عندنا خبر الواحد فى المعاملات والسنن والديانات وهذا ~~قد بيناه من قبل. # ويقبل خبر الواحد فى رؤية هلال رمضان ولا يعتبر شهادة جماعة يقع العلم ~~بقولهم سواء كانت السماء مضحية أو متغيمة1 وعلى مذهب أبى حنيفة أن كانت ~~السماء مضحية لا يقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بقولهم2 واستدلوا بما ~~ذكرنا لهم فى المسألة الأولى وأما عندنا فيقبل لما بينا أنه شرع عملى من ~~الشرائع فيقبل فيه خبر الواحد دليله غيره من الشرائع العملية وفى المذهب ~~اختلاف القول أنه يقبل شهادة الواحد ويعتبر شهادة الاثنين ولا حاجة إلى ~~إبراز ذلك فى هذا الموضع وأما الذين يقولون أن الناس لما ساووا هذا الواحد ~~فى النظر والمنظر والعين دل تفرده أنه كاذب قلنا مع هذا يجوز أن يكون تفرد ~~الواحد بروايته لحدة بصره أو علم منه موضع الهلال ولم يعلمه غيره أو زيادة ~~قلت: وحدة منه فى النظر إلى أن يراه والباقون قد تفرقوا حين بم يروه لدقته ~~أو خفاء موضعه وإذا جاء واحد من هذه الوجوه فلا يرد خبره ولا يلحق هذا ~~الواحد من العمليات بالعلمى ولا يقطعه عن إخوانه وأضرابه واعلم أن ما يرويه ~~الراوى إذا تضمن إضافة شرع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فحكمه ما بيناه ~~وأما إذا لم يتضمنه إضافة شرع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فإن كان مما ~~يجرى مجراه مثل إضافة الفتوى إلى المفتى فيقبل خبر الواحد فيه أيضا وأما أن ~~أخبر بحكم الحاكم ms328 فإنه لا يقبل إلا بما يقبل بسائر الشهادات وأما الأخبار ~~التى تحتاج إليها الناس فى مصالحهم فيقبل فيها خبر الواحد وقد ذكرنا صورها ~~من قبل وقد ألحق بعض. PageV01P375 # الأفعال بالأقوال فى ابتناء الشرع عليه وذلك مثل وضع الماء فى الطريق على ~~بعض الوجوه يبيح شربه مثل الخبر بذلك وكذلك وضع الدرهم فى يد المسكين يبيح ~~له أخذه وعلى هذا أمثال هذا فى الأمور المتعارفة ومن ذلك بسط المائدة بين ~~يدى الجماعة ووضع الطعام وتقديمه يبيح لهم أكله وليس أمثال هذا على سنن ~~القياس ولكن بحكم العادات الجارية أجريت الأفعال فى هذا مجرى الأقوال وعلى ~~هذا التعاطى الجارى بين الناس فى المعاملات من غير قول يوجد من الجانبين لا ~~يحكم بحرمتها ونقول يقع بها الملك ونقول تمليك وملك فعلى وقع على التراضى ~~ولا نقول أنه عقد بيع أو عقد إجارة على ما يقوله أصحاب أبى حنيفة وإنما ~~فعلنا ذلك لأن ذلك متعارف من قديم الدهر إلى حديثه ولم ينقل فى ذلك إنكار ~~من أحد ما ولأن فى تحريم ذلك حرجا عظيما على الناس فجرى معدولا من سنن ~~القياس. # مسألة الأخبار على نوعين مسانيد ومراسيل: # فالمسانيد حجة مقبولة. # واختلفوا فى المراسيل وهى ما رواه التابعى عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هل هى حجة أم لا فذهب الشافعى رحمه الله إلى المرسل بنفسه لا يكون حجة وقد ~~ينضم إليه ما يكون حجة معه على ما سنبينه وعند مالك وأبى حنيفة هو حجة ~~ويقال أنه مذهب أحمد بن حنبل أيضا وقد ذهب إلى هذا كثير من المتكلمين وذهب ~~إليه أبو على وأبو هاشم وجملة مذهب هؤلاء من يقبل سنده يقبل مرسله وقال ~~عيسى بن أبان فمراسيل التابعى وتابع التابعى مقبول ولا يقبل مرسل من دونه1 ~~واحتج هؤلاء. PageV01P376 # الطائفة بأشياء منها وهو أقوى دلائلهم وهو إرسال المرسل العدل الحديث ~~يجرى مجرى ذكره من المرسل عنه وقوله هو عدل عندى ولو ذكر كذلك يقبل حديثه ~~كذلك إذا أرسل والدليل على هذا أن العدل لا يستجيز ms329 أن يخبر عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم شيئا إلا وله الإخبار عنه لأن عدالته مانعته عن إقدامه إلا ~~على ما يجوز له الإقدام عليه ولا يجوز له الإخبار بذلك إلا بعد أن يخبره ~~عدل عنه حتى أن لم يكن حقيقة أنه قال يكون قد غلب على ظنه أنه قاله. # ببينة أن روايته قد أفهمت إيجاب عبادة على الناس وطرح عبادة عنهم فلا ~~يجوز أن يقدم عليه من غير علم أو غلبة ظن فثبت أن روايته مرسلا جرت مجرى ما ~~ذكرنا ولو ذكر من روى عنه وقال هو ثقة عندى لزم قبول خبره كذلك هاهنا ~~قالوا: وليس ذكر سبب عدالته بشرط وهذا متفق عليه بيننا وبينكم وإنما الخلاف ~~فى الجرح فذكر أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجب عليه أن يذكر سبب الجرح أيضا ~~وذهب الشافعى رحمة الله عليه أنه لا يصير مجروحا حتى يذكر سبب الجرح ~~واستدلوا على دعوتهم أن ذكر سبب العدالة ليس بشرط أن أصحاب الرواية وأئمة ~~الحديث يزكون الرجل من غير أن يذكروا سبب عدالته ولأن الإنسان إنما يكون ~~عدلا إذا اجتنب الكبائر ولم يحل بالواجبات فلو. PageV01P377 # وجب ذكر أعيان ذلك لوجب ذكر أعيان ذلك فى الزمان الطويل مخافة أن يكون ~~منها ما لا يسلم معه عدالة الإنسان وهذا متعزز قطعا قالوا: وأن لزمتم على ~~هذا الشهادة فنقول قضية إطلاق الشهادة على هذا أيضا لكن الدلالة منعت من ~~قبول الشهادة على الشهادة حتى يسمى شهود الأصل وليس يجب إذا منعت الدلالة ~~من ذلك فى الشهادة ما يجب أن يمنع قبل ذلك فى الرواية إلا ترى أنه قد دلت ~~الدلالة أن من شرط الحكم بشهادة الشهود الفرع أن يحملهم شهود الأصل الشهادة ~~ولم يجب أن يعتبر مثل ذلك فى الرواية. # ببينة: أنه ما وجب فى الشهادة ذكر شاهد الأصل لم يجب أن يشهد على وجه ~~يجوز إلا يكون سمعه منه وهو أن يقول عن فلان وأما هاهنا فتجوز الرواية مع ~~جواز كونها مرسلا وهو إذا قال الراوى عن ms330 فلان ويجوز فى هذا أن يكون سمع منه ~~ويجوز أن يكون سمع من غيره عنه وهذا حجة مبتدأة لهم فى المسألة هينة وهذا ~~لأنا جعلنا إرسال الحديث كأنه ذكر من يروى عنه وعدله وفى الشهادة لا يكتفى ~~بمجرد ذكر شاهد الأصل وقوله هو عدل بل لا بد من تعديل القاضى وفى الرواية ~~يكتفى بما ذكرناه فظهر الفرق بينهما ودليل آخر وهو أنهم ادعوا إجماع ~~الصحابة روى عن البراء بن عازب أنه قال ليس كل ما حدثناكم به سمعناه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنا لا نكذب وروى عن أبى هريرة رضى الله ~~عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما سئل عن ~~ذلك ذكر أن الفضل بن عباس رضى الله عنهما أخبره وروى ابن عباس رضى الله ~~عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا ربا إلا فى النسيئة" 1 ثم ذكر ~~أن أسامة روى له ذلك وروى ابن عباس أيضا أن النبى صلى الله عليه وسلم ما ~~زال يلبى حتى رمى جمرة العقبة ثم ذكر أن الفضل بن عباس أخبره ذلك. # ببينة: أن أحداث الصحابة الذين كانوا صبيانا فى زمن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قد أكثروا الرواية عنه صلى الله عليه وسلم خصوصا ابن عباس ومعلوم أنهم ~~لم يسمعوا إلا القليل ولم يرو عن أحد منهم إنكار ذلك والتفحص عنه والبحث أن ~~هذا الصحابى ممن سمعه فصار ذلك إجماعا منهم على جواز ذلك وأن قلتم يجوز ~~عندنا فى الصحابة ولا يجوز فى التابعين فهو من التمنى الباطل ولا فرق بين ~~صحابى يرسل وتابعى يرسل خصوصا إذا كان الإرسال من. PageV01P378 # وجوه التابعين والطبقة العالية منهم مثل عطاء بن أبى رباح من أهل مكة ~~ومثل سعيد ابن المسيب من أهل المدينة وبعض الفقهاء السبعة ومثل الشعبى ~~والنخعى من أهل الكوفة ومثل الحسن وأبى العالية من أهل البصرة ومثل مكحول ~~من أهل الشام فهؤلاء قد نقل عنهم مراسيل ولا يظن ms331 بهم إلا الصدق وقد كان ~~النخعى يقول: إذا قيل لكم حدثنى فلان عن عبد الله فهو الذى روى لى ذلك وإذا ~~قلت: لكم قال لى عبد الله فقد رواه لى غير واحد ولهذا قال بعضهم أن المرسل ~~أقوى من المسند فهذا وجه تعلقهم بهذا الدليل وهو معتمد جدا دليل آخر لهم ~~هذا أن الناس من زمان النبى صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ما زالوا ~~يردون المراسيل من غير تحاش وامتناع قد ملأوا الكتب منها ولم يروا أن أحد ~~من الأئمة أنكر عليهم ذلك ولم يزل العلماء من سلفهم إلى خلفهم يقولون قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وقال فلان كذا للواحد فالواحد من الصحابة ~~وهذا إرسال منهم للخبر ولو كان المرسل مردودا لامتنعت الأمة من روايته ~~ولكانوا لا يقرون من فعل ذلك عليه فصار ذلك إجماعا منهم وعرف بما فعلوا ~~أنهم قد سووا بين المرسل والمسند وقد تعلقوا أيضا بما قاله الشافعى رحمة ~~الله عليه فى مراسيل ابن المسيب وغيره فإن قلتم أن مراسيله قد تتبعت فوجدت ~~مسانيد قال فإذا لم تستحسن مسانيده لا مراسليه قال الشافعى أيضا إذا عملت ~~الأمة بالمرسل فإن المرسل مقبولا قال أبو بكر فإذا يكون الإجماع هو المقبول ~~فهل المجموع هو ما ذكرهم وهى دلائل قوم لا بد من صرف العناية إلى إيضاح ~~الجواب عنها خصوصا وقد وجدت بعض من ضعف بكلام أبى بكر الباقلانى وبجعله ~~الإمام والقدوة فى عامة ما ذكره فى أصول الفقه حتى كأنه رضى لنفسه أن يقلده ~~وينصبه إماما لنفسه فى عقائده قد قال أن كان عرض الشافعى عن المراسيل على ~~معنى تقديم المسانيد عليها وقد وجد من كلامه مما يدل على أنه إذا لم يجد ~~أولا المراسيل مع الاقتران بالتعديل عن الإجماع يعمل عليها وبها عندى أن ~~هذا خلاف مذهب الإمام الشافعى وقد أجمع كل من نقل عنه هذه المسألة مع كل ~~العراقيين الخراسانيين أن على أصله لا تكون المراسيل حجة وهو فيما بين ~~الفقهاء من ms332 الفريقين أشهر مسألة من خلافيات الأصول ولا عجب من أبى بكر ~~الباقلانى أن كان يتصل القول بالمراسيل فإنه كان مالكى المذهب ومن مذهب ~~مالك قبول المراسيل فأما من انتصب لذب عن مذهب الشافعى رحمة الله عليه فلا ~~يجوز أن يعدل عن قوله إلى قول من لا يعرف تفسيره فى العلم فإن كان الأمر ~~بالمحاجة على المذهب فالحجة سنبينها ونبين عند ذلك أن هذا القول. # PageV01P379 # هو الحق وأن رضى إنسان بالتقليد فلا يشك عاقل أن تقليد الشافعى أولى من ~~تقليد المتأخرين الذين يعم بضاعتهم الجدال والله المرشد إلى الصواب والعاصم ~~من الزلل عنه وأما حجة القائلين بقبول المراسيل وهو الصحيح على ما سنبين ~~ونقيم البرهان عليه ونتعلق أولا بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الاسراء: 36] وقال تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: ~~169] ونحن إذا قلنا خبر من لا يعلم حاله فى الصدق والعدالة من حاله فى خلاف ~~ذلك فقد قفونا ما ليس لنا به علم وقلنا على الدين والشرع ما لا نتحققه فإن ~~قيل هذا ينعكس عليكم فإنكم إذا رددتم المراسيل فقد قلتم ما لا علم لكم به ~~وتبعتم ما لا يتحقق به فقد دخلتم فيما نقمتم منا قلنا لا يلزم ما قلتم لأن ~~الأصل أنه لا يلزمنا حكم إلا حجة والحجة لا تثبت إلا من ناحية العلم وعلمنا ~~بصدق المرسل عنه معدوم فنحن متمسكون بهذا الأصل ما لم ينقلنا دليل يصح به ~~الحجة الشرعية فى الخبر والحجة الشرعية إنما تثبت بالخبر عند معرفة صدق ~~الراوى وعدالته فتبين بهذا أنا برد المرسل لم نكن قابلين متبعين لما لا علم ~~لنا به والمعتمد من الدليل أن سكوت الراوى عن تسمية من سمع منه يوهم ضعفه ~~وعدم عدالته فيمتنع به قبول روايته وإنما قلنا ذلك لأنه قد جرت عادة الرواة ~~بإظهار اسم من يروون عنه ليتصل السند إلى النبى صلى الله عليه وسلم ولا ~~ينقطع بعض الرواة عن البعض فيذهب روا الخبر وبهاؤه وطلاوته وحلاوته. # ببينة أن ms333 رواية الحديث بالإسناد أحد محاسن هذه الأمة وقيل أنه لم يعط هذا ~~غير هذه الأمة ولهذا ما زال سلف هذه الأمة يطلبون الأسانيد وكانوا يسمون ~~الأحاديث التى تعرت عن الأسانيد بترا وعن عتبة بن أبى حكيم قال كنت عند ~~إسحاق بن أبى فروة وعنده الزهرى فجعل إسحاق يقول قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الزهرى قاتلك الله يابن ~~أبى فروة ما أجرأك على الله إلا تسند حديثك تحدثنا بأحاديث ليست لها خطم ~~ولا أزمة وجريان عادة السلف بتسمية من يروون عنه شىء لا ينكره أحد فهذا ~~الراوى حين سكت عن تسمية من روى عنه الخبر ولم يكن مقصوده الاقتصار على ما ~~يعتاده الفقهاء فى الحجاج وإنما كان مقصوده محض الرواية وأداء العلم ~~وتبليغه والائتمار لما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم من قوله: "نضر الله ~~أمرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها" 1. PageV01P380 # فصان سكوته فى هذه الصورة عن تسمية من يروى عنه اتهاما عظيما قادنا ما ~~يقال فى هذا الباب أنه يقال يجوز أن يكون تركه اسمه لثقته بعدالته فاستغنى ~~بها عن تسميته ويجوز أن يكون لجليل علمه منه لم يحب الكشف عنه وإذا احتمل ~~هذا واحتمل الأول يصير كما لو قال حدثنى من لا أعرفه بعدالة ولا تصديقا بل ~~من نظر فى المقدمة التى ذكرناها عرف أن الظاهر من الستر وطى الاسم ما قلناه ~~من الوجه الثانى خصوصا إذا طرد الإرسال طردا ولم يبين من سمع منه الحديث فى ~~شىء من تارات روايته لهذا الحديث فإن سألوا على هذا بما ذكرنا من كلامهم من ~~قبل وهو أنه إنما سكت عنه لثقته بعدالته قالوا: وهذا هو الأولى والأليق ~~بأمر المرسل أنه عمن لا يتهمه بالكذب والراوى ثقة ولا يروى عن ثقة كيف وقد ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم: "من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد ~~الكذابين" وربما يقولون أن الأصل فى المسلمين العدالة فلا يحمل حال المروى ms334 ~~عنه على عدم العدالة إلا بدليل يقوم عليه الجواب إنما نبين أولا قاعدة ~~الإخبار ليتبين الجواب وهو أن الأخبار كلها متضمنة أمور الدين أما العلمية ~~وأما العملية وما كان بهذا السبيل لا يجوز قبوله من كل أحد ولهذا لا تقبل ~~الفتوى من كل أحد ولا بد أن يكون صادرا من أهل الفتوى وكذلك أمر الشهادة ~~وهذا معنى قول ابن سيرين أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه وإذا كان ~~الأمر على هذا السبيل فى الإخبار لم يجز قبولها إلا عن عدل ثم يعتبر أن ~~يكون عدلا عند المروى له لأن الرواية إذا شرع إليه كإلزام يتصل به وهو ~~كالشهادة فإنه يعتبر عدالة الشهود عند الحاكم لأنهم يؤدون إليه الشهادة ولا ~~تثبت عدالته عند المروى له إلا بعد معرفته بعينه فى صفته فإذا لم يعرفه ~~أصلا كيف يحكم بعدالته عنده وقولهم أن روايتهم تعديل للمروى عنه قلنا ~~للعدالة شرائط وأوصاف لا تحصل بمجرد الرواية وأيضا فإن الراوى قد يروى عمن ~~عنده مقبول وعند غيره مجروح فلو قبلنا الرواية عنه من غير كشف عنه لكنا قد ~~قبلناه تقليدا لا علما وأما قولهم أن الأئمة والعلماء لا يروون إلا عن ثقة ~~قلنا هذا مجرد حسن الظن ونحن أيضا نحسن الظن بهم ولكنا مع هذا نجوز عليهم ~~السهو والغلط وهذا سكوت عن اسم المروى عنه أمر محتمل فيجوز أنه سكت عنه ~~لأنه نسى اسمه ويجوز أنه سكت عنه لأنه جهل حاله فلم يحب أن يذكره بجهله ~~بحاله ويجوز أنه سكت عنه لأنه لم يحمد أمره فلم يحب أن يهتك ستره ويكشف ~~حاله ويجوز أنه سكت لما قالوا: وأولى هذه الوجوه أن يكون سكت لضعفه وريبته ~~فى أمره لما بينا أنه قد كان المعتاد منهم ذكر من. # PageV01P381 # يروى عنه وقد كان يجوز أن يذكر مرة ويترك مرة فأما السكوت عن تسميته فى ~~جميع تارات الرواية فهو موضوع ريبة عظيمة وقد كتبوا حديثا وقديما عمن لم ~~يحمدوا فى الرواية أمره مرة قال الشعبى حدثنى الحارث وكان ms335 كذابا وروى شعبة ~~وسفيان عن جابر الجعفى مع ظهور أمره فى الكذب وروى عنه أبو حنيفة وقال ما ~~رأيت أكذب من جابر وروى الشعبى عن إبراهيم بن أبى الحسن وكان قدريا رافضيا ~~ورمى بالكذب أيضا وقد كان جماعة من السلف لشغفهم بالحديث لا يسألون عمن ~~أخذوا وكانوا ينتقدون ويميزون أن سئلوا عن ذلك وقال ابن سيرين حدثوا عمن ~~شئتم إلا عن أبى الحسن وأبى العالية فإنهما لا يباليان عمن أخذا الأحاديث ~~وأرسل الزهرى حديثا ثم سئل فقيل له من حدثك فقال رجل على باب عبد الملك بن ~~مروان وأكثر المراسيل عن الحسن والنخعى وعطاء ومكحول وابن المسيب وسعيد ~~وأبى هلال والشعبى والزهرى فى بعض الأحاديث وقد رووا عامة هؤلاء عن قوم ~~مجاهيل وهذا لا يشكل عن أهل صنعة الحديث فكيف يمكن أن يقال أن المرسل إذا ~~أرسل حديثا فيصير كأنه سمى من روى عنه وعدله والأمر على هذا الوجه وقد قلنا ~~أنه لو جعل هكذا على البعد فيجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ومجروحا ~~عند آخر والمعتبر عدالته عند المروى له فأما إذا صرح فقال حدثنى فلان وهو ~~عدل فالذى ذكرناه يوجب قطع الشبه بين هذه الصورة وبين ما إذا أطلق ولم يذكر ~~وعلى أنا قلنا أن الاعتبار بجانب المروى له فينظر المروى له الحديث فإن ~~سكنت نفسه إلى قوله فقبله وتقوم الحجة عليه وأن لم تسكن نفسه إلى قوله ~~ويجوز أن يكون مجروحا فلا بد من البحث والتفحص فإن قيل قد اعتمدتم فى هذا ~~كله على حرف واحد وهو أن السلف كانوا يروون عمن ليس بثقة وإنه إنما ترك ~~اسمه لقدح عرفه فيه وهو الذى ذكرتم ليس بصحيح لأن من أشكل عمن ليس بثقة وأن ~~كان عرف أنه غير ثقة فذلك يقدح فى عدالته كما أنه إذا ذكر وقال هو ثقة عندى ~~وعلمنا أنه ليس عنده ثقة وكما أن الغالب أنه لا يزكى غير مزكى كذلك الغالب ~~أنه لا يروى عمن ليس بثقة وأن كان يظن أنه ثقة ms336 وليس بثقة وهذا لا يقدح أيضا ~~كما لو قال هو ثقة فإنه تجوز روايته وأن كان يجوز أنه قال عمن ظن أنه ثقة ~~وليس بثقة والجواب أن روايته عمن ليس بثقة لا توجب قدحا فى الراوى لما بينا ~~أنهم كانوا يفعلون وإذا سألوا بينوا وعلى أنا قد ذكرنا عن صاحبهم وعن جماعة ~~من السلف أنهم رووا عن قوم وليسوا بثقات ولم يوجب ذلك قدحا فيهم فيجوز أنهم ~~نقلوا لحسن ظن منهم فى. # PageV01P382 # ذلك الحديث الواحد أو نقلوا وأرادوا بعد ذلك أن يفتشوا عن حال الراوى عنه ~~وعن حال الحديث أنه رواه غيره ممن يوثق بحديثه أو لا فإذا جازت هذه الوجوه ~~لم يجز أن يجعل روايته قدحا فى الراوى مع علمنا بثقته وعدله وهو دليل استدل ~~به الشافعى رحمة الله عليه والدليل على اعتبار الرواية فنقول أجمعنا على أن ~~الشهادة المرسلة لا تقبل وهو إذا لم يذكر من شهد على شهادته فكذلك الرواية ~~المرسلة ثم وجه التقرير فى إلزام الشهادة وهو أن الشاهدين إذا كانا عدلين ~~لم يجز أن يشهدا على شهادة شاهدين يخفيان ذكرهما وهما عدلان مثل الرواية ~~سواء ومع ذلك لا يصير تركهما ذكرهما دليلا على تعديلهما بل لا بد من ذكرهما ~~مع الشهادة على شهادتهما كذلك لا بد فى الرواية من ذكر المروى عنه مع ~~الرواية عنه وقد ذكروا مسائل فرقوا فيها بين الشهادة والرواية ونحن نقول لا ~~ننكر وجود الفرق بين الرواية والشهادة فى مواضع كثيرة ولكن لا فرق بين ~~الموضعين فى شرط العدالة والخلاف فى قبول المراسيل وعدم قبولها راجع إلى ~~العدالة على ما سبق بيانه وقولهم أن فى الشهادة لو شهد على شهادة إنسان ~~وقال هو عدل لم يثبت عدالته وفى الرواية يثبت قلنا لا نسلم فى الرواية على ~~ما سبق ويجوز أن يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند آخر إلا ~~ترى أن عليا رضى الله عنه لم يقبل رواية من يروى خبر بروع بنت واشق وقبله ~~ابن مسعود وهذا لأن ms337 العدالة تعرف بالاجتهاد والناس يختلفون فى الاجتهاد ~~وقال أبو عبد الله البصرى أن القياس يمنع من الحكم بالشهادة على الشهادة ~~فلم يجز قياس المراسيل على ذلك لأنه لا يجوز القياس على المخصوص من القياس ~~ويجاب عن هذا فيقال لا نسلم أن قبول الشهادة على الشهادة بخلاف قياس الأصول ~~ولا نسلم أنه لا يجوز القياس على المخصوص بالقياس وسنبين هذا وعلى أنا نقيس ~~المرسل على الشهادة فى المنع لا فى الجواز فلم يكن هذا قياسا من الوجه الذى ~~يمنع منه القياس فإن قالوا: أن الحاكم فى الشهادة يحكم بشهادة شهود الأصل ~~فلهذا وجب ذكرهم قلنا والحكم بلزوم العبادة إنما يقع بخبر الأول فوجب ذكره ~~وقال بعضهم فى الفرق بين الموضعين أن شهود الفرع فى كلا شهود الأصل لأنه لا ~~يجوز أن يشهدوا على شهادتهم إذا سمعوهم يشهدون حتى يحملوهم الشهادة كما لا ~~يجوز للوكيل التصرف إلا بعد أن يوكله الموكل فلهذا اشترط ذكر شاهد الأصل ~~كما اشترط ذكر الموكل ونحن نقول هذا الفرق غير مؤثر لأنا جمعنا بين الرواية ~~والشهادة فى العلة التى ذكرها المخالف فى المراسيل وهى أن عدالة الراوى. # PageV01P383 # تقتضى إنما أرسل الحديث إلا وهو على غاية الثقة بعدالة من روى عنه وهذه ~~العلة موجودة قائمة فى الشهادة على ما بيناه. # دليل ثالث وهو أنه لو جاز العمل بالمراسيل وجعلت كالمسانيد لم يكن لذكر ~~أسماء الرواة فى الأخبار وفحص الأئمة عن عدالتهم معنى لأن الإرسال سهل ~~والحوالة فى العدالة على ما ذكروه أمر هين فإذا حصل المراد من هذا الوجه ~~فلأى معنى وجب تحمل المشقة وذكر أسماء الرواة ومعناه الفحص عن عدالتهم وهل ~~هذا إلا تحمل متاعب ومشاق أغنى الله العباد عنها فيكونون قد شددوا على ~~أنفسهم فيما سهله الله عليهم فيعتبرون بمنزلة بنى إسرائيل فى أمر الله ~~تعالى إياهم بذبح البقرة وإلحاحهم فى طلب أوصافها وكان ينبغى أن يقتصروا ~~ويقولوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويتورعوا ويترفهوا وقد ms338 لقوا المؤنة وطرح عنهم التعب وقد ذم الشرع ~~من دخل فى أمر لا يعنيه فكيف بمن دخل فى أمثال هذا. # فإن قيل لطلب اسم الراوى معنى صحيح من وجهين أحدهما أنه إذا ذكر المحدث ~~اسم من روى عنه أمكن السامع أن يتفحص عن عدالته فيكون ظنه بعدالته فى هذه ~~الصورة أقوى من ظنه بعدالته عند إرسال المراسيل لأن طمأنينة الإنسان إلى ~~فحصه وبحثه أكثر من طمأنينته إلى خبر غيره والثانى هو أن الراوى للحديث قد ~~نسبه عليه حال من أخبره به فلا يقدم على جرحه وتزكيته فيذكره ليزكيه غيره ~~ويجرحه غيره. # الجواب أما الأول قلنا فقد تبين أن إرساله غير مغنى عن طلب العدالة وعلى ~~أنا قد ذكرنا أن الاجتهاد والاجتهاد قد يختلف فلا بد من ذكره لتوهم اختلاف ~~الاجتهاد فى جرحه وتعديله وأما قوله يذكره ليزكيه غيره ويجرحه غيره ويكون ~~قد اشتبه علينا قلنا قد جرت عادتهم بذكر أسماء الرواة على الإطلاق وجرت ~~عادة طلب الحديث بطلب ذكرهم وجرت العادة بالبحث عن عدالة الرواة وإذا عرف ~~هذا من حالهم سقط السؤال الذى قالوه والاعتماد على الدليل الأول من حيث ~~التحقيق وعلى الثانى من حيث التعلق بالحكم والدليل الثالث لإيضاح الكلام ~~والاستبيان به أما الجواب عن كلامهم الأول فقد دخل جوابه فيما ذكرناه. # والحرف الوجيز أن روايته عنه إنما تدل على عدالته إذا لم يتوهم فى السكوت ~~عنه غير هذا فأما إذا توهمنا غيره فلا وأما إذا قال هو عدل فقد قيل هذا ~~الإطلاق لا يقبل وأن قلنا يقبل على ظاهر المذهب فيقول: فلان عدل لا يحتمل ~~غير ما وضع له اللفظ. # PageV01P384 # وأما السكوت عن اسم الراوى يحتمل ما قالوا: ويحتمل غيره وأما قولهم أنه ~~تقبل الرواية بالعنعنة قلنا نحن لا نقبل إلا أن تعلمه أو يغلب على الظن أنه ~~غير مرسل وهو أن يقول: حدثنا فلان أو سمعت فلانا أو يقول عن فلان ويكون قد ~~أطال صحبته لأن ذلك أمارة تدل على أنه سمعه منه فأما بغير هذا فلا ms339 يقبل ~~حديثه وأما مراسيل الصحابة قلنا جميع الصحابة عدول وليس لنا الاجتهاد فى ~~تعديلهم وقد عدلهم الله تعالى بقوله تعالى: {أولئك هم الصديقون والشهداء ~~عند ربهم} [الحديد: 19] وقال عليه السلام: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" 1 وأما من بعدهم فإن موضع الاجتهاد فى تعديلهم باق فلم يجز العمل ~~إلا بخبر من علمنا عدالته منهم أما تعلقهم بمراسيل ابن المسيب قلنا أما نقل ~~هذا عن الشافعى فى كتبه القديمة ولم يرد بذلك تخصيص ابن المسيب دون غيره ~~ممن مذهبه مذهب ابن المسيب فى ذلك لكن ظهر للشافعى من مذهب ابن المسيب أنه ~~لا يرسل حديثا ليس له أصل فى المتصل ولم يظهر له مثل هذا فى غيره فإن عرف ~~مثل هذا فى مراسيل عطاء والحسن والنخعى ومكحول فتكون مرسلاتهم مثل مرسلات ~~ابن المسيب. # واعلم أن الشافعى إنما رد المرسل من الحديث لدخول التهمة فيه فإن اقترن ~~بالمرسل ما يزيل التهمة فإنه يقبله وذلك أن وافق مرسله مسند غيره من الرواة ~~ومثل أن يتلقى الأئمة المرسل بالقبول ويعملوا به فيكون قبولهم وعملهم مزيلا ~~للتهمة وكذلك أن انتشر فى الناس ولا يظهر له منكر وحكى بعضهم أن من جملة ما ~~يقوى به المرسل فيصير حجة أن يشترك فى إرساله عدلان ثقتان من أهل العلم أو ~~أكثر فيقوى حال المرسل ويكون المرسل موافقا للقياس أو يكون المرسل كثير ~~التحرز شديد التحفظ مشهور الرجال بالرضى كالذى قاله الشافعى فى القديم فى ~~ابن المسيب رحمة الله عليهما فقال مرسل ابن المسيب خمس فى تحريم بيع اللحم ~~بالحيوان وقد قال بعض أصحابنا أن مرسل ابن المسيب لا يكون حجة أيضا مع ما ~~قاله الشافعى رحمة الله عليه كما لا يكون مرسل غيره حجة إنما قول الشافعى ~~فى ابن المسيب يدل على أن إرساله يكون ترجيحا للدليل الموجب للحكم لا أنه ~~يكون موجبا للحكم واعلم أن ما حكيناه أولا من موافقة مرسل المرسل مسند غيره ~~أو تلقى الأئمة إياه بالقبول أو انتشار المرسل فى الأمة من غير منكر ms340 أسباب ~~مخيلة فى قبل المرسل إلا أن الحجة تكون فى المسند أو تكون فى. PageV01P385 # إجماع الناس على العمل بالحكم الذى تضمنه المرسل فأما البواقى التى ~~ذكروها فعندى أنه ليس فى شىء من ذلك دليل على قبول المرسل فالأولى هو ~~الإعراض عنها والاقتصار على ما قلناه والله أعلم هذا الذى ذكرناه حكم ~~المرسل. # فأما المنقطع فقال بعضهم أن المرسل والمنقطع معنى واحد ومنهم من فرق ~~بينهما1. # وقال المرسل ما ذكرناه والمنقطع هو أن يكون بين الروايتين رجل لم يذكر ~~فمن منع من قبول المراسيل كان من قبول هذا أمنع ومن جوز قبول المراسيل ~~اختلفوا فى المنقطع الذى ذكرناه فقبله بعضهم كالمرسل ومنع منه بعضهم وأن ~~عمل بالمرسل والفرق صعب جدا لمن يرون الفرق اللهم إلا أن يقول: أن الإرسال ~~على الوجه الذى قلناه معتاد متعارف وهو من حسب المتعارف دليل على تعديل من ~~روى عنه فى الصورة التى بيناها ببينة أن الإخلال يذكر هذا الراوى الواحد مع ~~ذكر الراوى قبله دليل على ضعفه وقال أصحاب الحديث مرسل ومنقطع ومعضل ~~فالمرسل ما ذكرنا والمنقطع أن يسقط واحد من الوسط والمعضل أن يسقط أكثر من ~~واحد واعلم أن الثقة إذا روى عن المجهول لم تدل روايته عنه على عدالته ومن ~~أصحابنا من قال يدل ذلك على عدالته ومن ذهب إلى هذا أن هذا المجهول لو كان ~~غير ثقة لبين العدل ذلك فى روايته حتى لا يغتر بروايته وحين لم يبين العدل ~~ذلك دل أن روايته تعديل له والأصح أنه لا يدل على تعديله لأن شهادة شاهد ~~الفرع لا تدل على تعديل شاهد الأصل فكذلك الرواية لأنا بينا أنهم كانوا ~~يروون عن غير الثقة فلا تدل الرواية على التعديل وهذه المسألة فيما إذا سمى ~~من روى عنه إلا أنه مجهول الحال فأما إذا لم يسمه فقد بينا من قبل وأما إذا ~~أسند الرواة الحديث وأرسله غيره فلا شبهة أن من يقبل المراسيل فهو يقبل هذا ~~وأما من لا يقبل المراسيل فينبغى فى هذا الموضع ms341 أن يقبل رواية من يسند ~~الخبر لأن عدالة المسند تقتضى قبول الخبر وليس فى إرسال من يرسله ما يقتضى ~~أن لا يقبل إسناد من يسنده لأنه يجوز أن يكون من أرسله سمعه مرسلا ومن ~~أسنده سمعه مسندا فليس يقدح إرسال من يرسله فى إسناد الآخر ويحتمل أيضا أن ~~هذا المرسل سمع الحديث مسندا إلا أنه نسى من يروى عنه وعلم ثقته فى الجملة ~~فأرسله لهذا المعنى وأما إذا أرسله فى وقت وقد أسنده فى وقت فإن إرساله لا ~~يمنع أيضا من كونه مسندا لأن إرساله يجوز أن يكون لما بيناه فلا يقدح ذلك ~~فى إسناده وأما إذا وصل الراوى الحديث بالنبى صلى الله عليه وسلم مرة وجعله ~~موقوفا على بعض الصحابة فإنه يكون أيضا متصلا بالنبى صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P386 # لجواز أن يكون سمعه من الصحابى تارة يذكره عن نفسه على طريق الفتوى وتارة ~~يذكره عن النبى صلى الله عليه وسلم وليس فى الأول ما يقدح عن الثانى وحين ~~وصلنا إلى هذا الموضع نذكر شروط صحة الإسناد إلى النبى صلى الله عليه وسلم ~~أنا بينا من قبل تنوع الأخبار وانقسامها إلى مسند ومرسل وقد بينا المرسل. # فأما المسند فهو الخبر المتصل بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حيث ~~النقل1 واتصاله معتبر بثلاثة شروط. # أحدها أن يرويه ناقل عن ناقل حتى ينتهى إلى صحابى يصله بالنبى صلى الله ~~عليه وسلم فإن اختل اتصال النقل فى وسط أو طرف بطل الاتصال. # والثانى أن يسمى كل واحد من ناقلى الحديث بما هو مشهور به مما سمى به ~~وسمى به عن غيره حتى لا يقع التدليس فى اسمه فيمكن الكشف عن حاله فإن لم ~~يسمه وقال أخبرنى الثقة أو من لا أتهمه لم يكن حجة فى النقل وقبول الرواية ~~فإن قيل أليس أن الشافعى ذكر مثل هذا فى أحاديث رواها قيل له بلى ذكر ~~الشافعى مثل ما قلتم ولكن قد اشتهر من عناه فقالوا: أراد بمن يثق به ~~إبراهيم بن إسماعيل وبمن ms342 لا يتهمه يحيى بن حسان فصارت الكناية كالتسمية ~~وقيل أن الشافعى قال ذلك احتجاجا لنفسه ولم يقله احتجاجا على خصمه وله فى ~~حق نفسه أن يعمل بما يثق بصحته وأن لم يكن له فى حق غيره. # الشرط الثالث وهو أن يكون كل واحد من جماعة الرواة على الصفة التى تقبل ~~خبره من الضبط والعدالة فإن اختلت هذه الصفة فى حق أحدهم وكملت فيمن سواه ~~رد الخبر ويعتبر فى حق كل واحد من الرواة أن يكون معلوم الاسم والنسب معلوم ~~الصفة من العدالة فإن اختل شىء من ذلك اختلت الرواية عند اجتماع الشرائط ~~التى ذكرنا يكون الخبر مسندا. # فإن قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا يكون مسندا ~~ويكون حجة وقال أبو بكر الصيرفى لا يكون مسندا ولا يكون حجة وهو قول الكرخى ~~من أصحابى أبى حنيفة وقد ذكرنا طرفا من هذا من قبل فهم يقولون قد تطلق ~~السنة ويراد بها سنة النبى صلى الله عليه وسلم وقد تطلق السنة ويراد بها ~~غيره والدليل عليه أن عليا رضى الله عنه قال فى جلد شارب الخمر جلد النبى ~~صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر رضى الله عنه. PageV01P387 # أربعين وجلد عمر رضى الله عنه أربعين وكل سنة1 فقد أطلق السنة على ما ~~فعله عمر رضى الله عنه كما أطلق على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وفى ~~الخبر: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" 2 وقال عليه السلام: ~~"من سن سنة" 3 وأما دليلنا فنقول قول الصحابى فى الأمر والنهى أمرنا بكذا ~~أو نهينا عن كذا مطلقا يرجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم لأن الأصل أنه ~~الأمر فى الشرائع خصوصا إذا كان الصحابى قال هذا القول للنبى صلى الله عليه ~~وسلم وعلى هذا قول أنس رضى الله عنه أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ~~ولهذا لو قال الصحابى رخص لنا أن نفعل كذا ينصرف إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم بالاتفاق فكذلك ms343 قول الصحابى من السنة كذا فمطلق السنة منصرف إلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم ولهذا يقال كتاب الله تعالى وسنة النبى صلى الله عليه ~~وسلم وإذا قيل الكتاب والسنة وإنما يفهم من السنة سنة النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولأن السنة هى الطريقة المتبعة لأهل الدين والطريقة المتبعة لأهل ~~الدين هى المشروعة فى الدين والمشروع فى الدين إنما يكون من الله تعالى أو ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فأما من غير الله ورسوله فلا يدل عليه أن من ~~التزم طاعته وبين فإذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فإنه يفهم منه من ~~يلتزم طاعته ولا يتعدى أمره إلا ترى أن الرجل من أولياء السلطان إذا قال فى ~~دار السلطان أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فهم منه أن السلطان أمر ونهى عما ~~ذكروه وأيضا فإن غرض الصحابى من هذا القول أن يعلمنا الشرع أو يفيدنا الحكم ~~صحب كمال ذلك عمن يصدر الشرع منه دون الأئمة والولاة لأن أمرهم غير مؤثر فى ~~الشرع وهذا راجع إلى الدليل الذى قدمناه فيكون تقريرا له وأما قول على رضى ~~الله عنه فالمراد بالسنة سنة النبى صلى الله عليه وسلم لأن الزيادة على ~~الأربعين مفعولة عندنا تعزيرا والتعزير من سنة النبى صلى الله عليه وسلم ~~وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "سنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"4 فتلك ~~السنة. PageV01P388 # المذكورة فى الخبر سنة مقيدة والكلام فى السنة المقيدة. # وإذا قال الصحابى كنا نفعل كذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~بمنزلة المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعض أصحاب أبى حنيفة ~~لا يكون بمنزلة المسند وعلى هذا الخلاف إذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا ~~على عهد النبى صلى الله عليه وسلم وذهب من قال أنه لا يكون مسندا إلى أنهم ~~كانوا يفعلون شيئا ولا يسندون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~ترى أنهم لما اختلفوا فى "الماء من الماء" ومن التقاء الختانين وزعم بعضهم ~~أنهم ms344 كانوا يفعلون ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى أنهم لا ~~يغتسلون إلا من الماء1 قال عمر رضى الله عنه أو علمه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأقركم على ذلك قالوا: لا قال فلا إذا وإنما نحن نقول أن الظاهر ~~من أمر الصحابة أنهم كانوا لا يقدمون على شىء من أمور الدين والنبى صلى ~~الله عليه وسلم بين أظهرهم إلا عن أمره وإذنه فصار قولهم كنا نفعل كذا فى ~~زمان النبى صلى الله عليه وسلم بمنزلة المسند لهذا الظاهر والظاهر حجة ولأن ~~الصحابة إنما تضيف مثل هذا القول إلى زمان النبى صلى الله عليه وسلم لفائدة ~~وهو أن يبين أن النبى صلى الله عليه وسلم علم ذلك ولم ينكره ولا فائدة لهذه ~~الإضافة سوى هذا ولو عرف هذا كان هذا القول بمنزلة الخبر المسند كذلك هاهنا ~~وأن شئت عبرت عن هذا فقلت: إذا قال الصحابى كنا نفعل كذا فالظاهر منه أنه ~~قصد بهذا الكلام أن يعلمنا حكما ويفيدنا شرعا ولن يكون كذلك إلا إذا كانوا ~~يفعلونه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه يظهر له ذلك ولا ~~ينكره وأما الذى ذكروه من اختلاف الصحابة فى الماء من الماء أو من التقاء ~~الختانين فقد كان لا يجب الغسل بالتقاء الختانين فى ابتداء الإسلام ثم نسخ ~~وأوجب به فلما نسخ لم يعلم بعضهم بالنسخ واستمر على ما كان عليه من قبل ~~وقال الاستمرار والاستدامة يجوز أن يخفى أمره فأما الإقدام على ابتداء ~~النهى فلا يفعل ذلك إلا عن إذن النبى صلى الله عليه وسلم. # وأما إذا قال الصحابى قولا لا مجال للاجتهاد فيه فإنه لا يجعل ذلك مسندا ~~إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال طائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه يجعل ~~بمنزلة المسند. # وحرفهم فيما ذهبوا إليه هو أن حسن الظن بالصحابة واجب فإذا قال قولا يحسن ~~الظن أنه لم ينقله جزافا وإنما قاله عن طريق فإذا لم يكن للاجتهاد فيه مجال ~~فليس ms345 إلا أنه سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم ونحن نقول أن إثبات الإسناد ~~بهذا لا يمكن لأنهم لم يكونوا. PageV01P389 # يكتمون الأخبار ولا كان ذلك من عادتهم وبعد أن يقول الصحابى قولا ويستمر ~~الزمان به ولقوله حجة من قول النبى صلى الله عليه وسلم ولا ينكر. # ببينة: أنه كان من عادتهم الرواية عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما يعين ~~به من الحوادث إلا ترى أن الأخبار التى ذكرناها من قبل فإنهم رووها عن وقوع ~~الحوادث فلما كانوا يظهرون الأحاديث ويروونها لأقوال غيرهم فكيف كانوا ~~يكتمونها وهى حجة لأقوالهم أما قولهم أن حسن الظن بهم واجب قلنا نعم يجب ~~علينا إحسان الظن بهم ويجب علينا أيضا أن لا نضيف إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قولا وفعلا إلا عن تثبت ولا ثبت فى هذا الخبر الذى تظنون ثبوته ~~وعلى أنهم لم يكونوا معصومين عن السهو والغلط فإن نقل عن واحد منهم شىء ~~بخلاف القياس يجوز أن يكون قال عن قياس فاسد أو ظن ظنه ولم يكن صحيحا أو ~~وقع له غلط فيما قاله وزلة فيما صار إليه فعرفنا أنه لا وجه لإثبات الخبر ~~بمجرد ما قالوه وحين ذكرنا ما يكون مسندا أو ما لا يكون مسندا فنذكر بعد ~~هذا ما يتعلق بمعرفة الصحابة ومعرفة طباقتهم بعون الله تعالى. # PageV01P390 ### | فصل: طبقات الصحابة # ... # [فصل] 1 اعلم أن الصحابة على طبقات. # فأعلاهم رتبة: العشرة الذين شهد النبى صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة ~~وأربعة منهم الخلفاء الراشدون2 وقد ضم إليهم عمر بن عبد العزيز وأول من ~~أسلم من الرجال أبو بكر ومن الصبيان على ومن النساء خديجة ومن العبيد بلال ~~رضى الله عنهم أجمعين قال أبو عبد الله الحاكم ولا أعلم من أهل التواريخ ~~خلافا فى أنه أول من أسلم على وهذا خطأ من أبى عبد الله الحاكم وللعلماء فى ~~هذا الباب اختلاف ظاهر عندى وذهب جماعة كثيرة إلى أن أبا بكر رضى الله عنه ~~أول من أسلم واستدلوا بشعر حسان بن ms346 ثابت وهو # إذا تذكرت نجوى من أحيى نعيه ... فاذكر أخاك أبا بكر مما فعلا # الثانى التالى المحمود سيرته ... وأول الناس منهم صدق الرسلا # وثبت حديث ابن عتبة أنه قدم على النبى صلى الله عليه وسلم فقال من تبعك ~~على هذا الأمر، فقال: "حر وعبد" 3 يعنى بالحر أبا بكر وبالعبد بلال وقد قال ~~زيد بن أرقم من الصحابة أن عليا رضى الله عنه أول من أسلم وقال إبراهيم ~~النخعى معارضا لقول. PageV01P390 # زيد بن أرقم حين ذكر له قوله قال لا بل أبو بكر رضى الله عنه أول من أسلم ~~وقد أجمل أهل العلم الكلام إجمالا وقالوا: على ما قدمنا. # والطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة وذلك أن عمر لما أسلم حمل النبى صلى ~~الله عليه وسلم إلى دار الندوة مع جماعة كثيرة من أصحابه قال أبو عبد الله ~~الحافظ وهذا أيضا فيه نظر لأن النبى صلى الله عليه وسلم مختفيا فى دار بين ~~الصفا والمروة وهى تعرف بدار الأرقم وهذه الدار معروفة اليوم وجاء عمر رضى ~~الله عنه فأسلم وقصته معروفة فأما الحمل إلى دار الندوة ومعه جماعة من أهل ~~مكة على ما قاله أبو عبد الله الحافظ فلا يعرف. # وأما الطبقة الثالثة: طائفة هاجروا إلى الحبشة وهى الهجرة الأولى منهم ~~عثمان وجعفر ابن أبى طالب وابن مسعود وجماعة وذكر فيهم حمزة وفيه نظر ~~وجماعة. # والطبقة الرابعة: هم الذين بايعوا النبى صلى الله عليه وسلم عند العقبة ~~وهؤلاء كانوا من الأنصار ويقال للواحد منهم عقبى. # والطبقة الخامسة: هم أصحاب العقبة الثانية قال وأكثرهم من الأنصار وأقول ~~لا بل كلهم من الأنصار وكان الذى أخذ عليه العهد العباس بن عبد المطلب. # والطبقة السادسة: المهاجرون الأولون وهم الذين وصلوا إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم نقبا أن يدخلوا المدينة. # والطبقة السابعة: أهل بدر. # والطبقة الثامنة: المهاجرون بين بدر والحديبية. # والطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان بالحديبية وفيهم نزل قوله تعالى: {لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} . # والطبقة العاشرة: المهاجرون بين الحديبية ms347 والفتح منهم خالد بن الوليد ~~وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم فيما روى ~~حين هاجر: "لقد ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها" وأبو هريرة الدوسى. # والطبقة الحادية عشر: قوم أسلموا يوم الفتح منهم أبو سفيان وسهيل بن عمرو ~~وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية وقد تآخر إسلام بعض هؤلاء ~~النفر إلى أن فرغ النبى صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين وفى هذه الطبقة ~~أسلم بعد يوم الفتح إلى وفاة النبى صلى الله عليه وسلم وقد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد1 الفتح ولكن جهاد ونية". PageV01P391 # والطبقة الثانية عشر صبيان رأوا مدة النبى صلى الله عليه وسلم وأطفال ~~حملوا إليه كالسائب بن زيد وعبد الله بن ثعلبة بن أبى سعد وعأمر بن واثلة ~~بن أبى الطفيل وابن أبى جحيفة وغيرهم وفى هذا علم كثير يطول ذكره. # وأما الصحابة الذين تآخر موتهم قال الواقدى آخر من مات بالمدينة من ~~الصحابة سهل بن سعد وكان ابن مائة سنة يوم مات توفى سنة إحدى وتسعين وآخر ~~من مات بالكوفة من الصحابة عبد الله بن أبى أوفى مات سنة ست وثمانين وآخر ~~من مات بالبصرة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مات سنة ~~إحدى وتسعين وقيل سنة ثلاثة وتسعين وآخر من مات بالشام عبد الله بن بشر سنة ~~ثمان وثمانين وقيل آخر من مات بمكة عبد الله بن عمر سنة ثلاث وسبعين وآخر ~~من مات من روى أبو الطفيل عأمر بن واثلة الكنانى مات من سنة مائة من ~~الهجرة. # وأما اسم الصحابى فهو من حيث اللغة والظاهر يقع على من طالت صحبته مع ~~النبى صلى الله عليه وسلم وكثرة مجالسته وينبغى أن يطيل المكث معه على ~~طريقة السمع له والأخذ عنه ولهذا يوصف من أطال مجالسته العالم من أصحابه ~~إذا لم يكن على طريق التبع له والأخذ عنه ثم إنما يعلم صحبة النبى صلى الله ~~عليه وسلم ms348 أما بطريق موجب للعلم وهو خبر التواتر أو بطريق يقتضى غلبة الظن ~~وهو إخبار الثقة وهذا الذى ذكرناه طريق الأصوليين وأما عند أصحاب الحديث ~~فيطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون ~~من رآه رؤية من الصحابة1 وهذا لشرف منزلة النبى صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P392 # أعطوا الكل ممن يراه حكم الصحبة ولأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ~~"طوبى لمن رآنى ولمن رأى من رآنى" فالأول هم الصحابة والثانى هم التابعون ~~ولأنه عليه السلام قال: "خير الناس قرنى الذى بعثت فيهم" وأراد بهم الصحابة ~~فكل من روى عنه أو رآه فهو قرنه الذى بعث فيه إلا أنه مع هذا لا بد من رؤية ~~أو رواية للإجماع. # وأما التابعون فعلى طبقات فالطبقة الأولى منهم قوم لحقوا العشرة أو ~~أكثرهم كسعيد ابن المسيب هكذا قال أبو عبد الله الحاكم وحكاه الأستاذ أبو ~~منصور البغدادى وتبعه وهذا خطأ لأن سعيد بن المسيب لا يصح له رواية عن أحد ~~من العشرة إلا عن سعد بن أبى وقاص وولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضى الله ~~عنه وتوفى سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثلاث وتسعين نعم قد قيل أن سعيد بن ~~المسيب أفقه أهل الحجاز فى زمانه ويقال أنه أعلم التابعين بقضاء عمر وأما ~~الذين أدركوا العشرة أو أكثر العشرة فجماعة من التابعين من أهل الكوفة ~~والبصرة مثل قيس بن أبى حازم ومسروق بن الأجدع وأبى عمرو الشيبانى وعمرو بن ~~ميمون وعلقمة بن قيس وأبى وائل شقيق بن سلمة وأبى رجاء العطاردى وأبى عثمان ~~النهدى وأبى شاشان حصين بن المنذر الرقاشى وغيرهم وقد خرج التابعون على ~~خمسة عشر طبقة آخرهم من لقى أنس بن مالك والسائب بن يزيد وأبا أمامة ~~الباهلى وواثلة بن الأسقع وغيرهم وهذا علم كبير وذكره يطول وقد. ~~PageV01P393 # صنف فيه ابن المدينى ومسلم بن الحجاج وغيرهم وأما الفقهاء السبعة من أهل ~~المدينة فسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر وعروة بن الزبير ~~وخارجة بن ms349 زيد بن ثابت وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة وسليمان بن يسار وقد أبدل بعضهم بأبى سلمة وخارجة سالم بن عبد الله بن ~~عمر وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وفى المتقدمين من التابعين ~~قوم أدركوا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا من بعده وأسلموا فى ~~زمانه ولم يروه مثل الأحنف بن قيس وسويد بن غفلة وعمرو بن ميمون وأبى وائل ~~وأبى عثمان النهدى وغيرهم والأئمة المرجوع إليهم فى علم الحديث مالك بن أنس ~~بالحجاز وسفيان الثورى بالعراق والأوزاعى بالشام والليث بن سعد بمصر وعبد ~~الله بن المبارك بخراسان وكانت أعصارهم متقاربة وقد أجمعوا الرواية ~~والدراية ولم يقابلهم أحد فى زمانهم وقيل أن الذين نشروا علم الحديث فى ~~العالم قبل هؤلاء ستة نفر اثنان بالحجاز واثنان بالكوفة واثنان بالبصرة ~~فاللذان بالحجاز الزهرى وعمرو ابن دينار واللذان بالكوفة أبو إسحاق السبيعى ~~والأعمش واللذان بالبصرة قتادة ويحيى بن أبى كثير فمن هؤلاء الستة انتشر ~~أكثر علم الحديث فى الدنيا وقد ذكرنا من قبل من يرجع إليهم فى الجرح ~~والتعديل وفيهم كثرة وقد اقتصرنا على ما قدمنا. # وأما الكتب التى تعتمد فى الحديث فأول ذلك الجامع الصحيح عن البخارى ثم ~~الصحيح عن مسلم بن الحجاج القشيرى وكتاب السنة عن أبى داود والجامع عن أبى ~~عيسى الترمذى وكتاب ابن أبى عوانة وكتاب أبو عبد الرحمن النسائى وكتاب ~~الصحيح عن أبى العباس الدعولى وقد صنف أبو حاتم بن حبان كتابا سماه الصحيح ~~جمع فيه الكثير وليس فى الصحة والتثبت مثل هذه الكتب وأولى هذه الكتب ~~بالاعتماد صحيح البخارى وقد قيل أن ما فيه مقطوع بصحته عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقد اختلف أن الحديث فى أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ~~وقال أبو بكر بن أبى شيبة أصح الأسانيد الزهرى عن على بن الحسين عن أبيه عن ~~على وقال آخرون أصح الأسانيد سفيان الثورى عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ms350 ~~عبد الله وقيل أصحها ابن سيرين عن عبيد عن على وقيل أصحها الزهرى عن سالم ~~عن أبيه واعلم أن أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على ~~أن كان الراوى عن جعفر ثقة وأصح أسانيد أبى بكر الصديق رضى الله عنه ~~إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر رضى الله عنه وأصح ~~أسانيد عمر رضى الله عنه عن الزهرى عن سالم عن. # PageV01P394 # أبيه عن عمر وأصح أسانيد ابن مسعود إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش ~~عن أبى وائل عن عبد الله وأصح أسانيد أبى هريرة رضى الله عنه الزهرى عن ابن ~~المسيب عن أبى هريرة وقيل أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة رضى الله عنه ~~ولعبد الله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ~~ابن عمر ولعائشة رضى الله عنها هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعبيد الله ~~بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ويقال لهذا ترجمة ~~مشتبكة بالذهب وكذلك الزهرى عن عروة عن عائشة ولجابر سفيان بن عيينة عن ~~عمرو بن دينار عن جابر وجعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ولأنس شعبة عن قتادة ~~عن أنس ومالك عن الزهرى عن أنس وأصح أسانيد المكيين سفيان بن عيينة عن عمرو ~~بن دينار عن جابر وابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وأصح أسانيد المدنيين ما ~~ذكرنا مالك عن نافع عن ابن عمر وأبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة والزهرى ~~عن سالم عن أبيه والزهرى عن عروة عن عائشة وأصح أسانيد الكوفيين سفيان عن ~~منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله والأعمش عن أبى وائل عن عبد الله ~~وأصح أسانيد البصريين شعبة عن قتادة عن أنس وابن عون عن ابن سيرين عن أبى ~~هريرة وأصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبى هريرة وأصح أسانيد ~~المصريين الليث بن سعد ms351 عن يزيد ابن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عأمر ~~وأصح أسانيد الخراسانيين الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ~~وهؤلاء مراوزة وعلى هذا الترتيب أوهى أسانيد الصديق صدقه بن موسى عن فرقد ~~السبخى عن مرة الطبيب عن أبى بكر وأوهى أسانيد العمريين محمد بن القاسم عن ~~عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده وأوهى أسانيد أبى هريرة ~~المسرى بن إسماعيل عن داود بن زيد الأودلى عن أبيه عن أبى هريرة وأوهى ~~أسانيد ابن مسعود شريك عن أبى زرارة عن أبى زيد والحمل فيه على أبى زيد ~~وأما أبو زرارة راشد بن كيسان ثقة قال الحاكم وأوهى أسانيد أنس داود بن ~~المحبر عن أبيه عن أبان عن أبي عياش عن أنس وأوهى أسانيد المكيين عبد الله ~~بن ميمون القداح عن شهاب بن جابر عن إبراهيم بن يزيد الخودى عن عكرمة عن ~~ابن عباس وأوهى أسانيد اليمانيين حفص بن عمر العدنى عن الحكم بن أبان عن ~~عكرمة عن ابن عباس وأوهى أسانيد الشاميين محمد بن قيس المصلوب عن عبد الله ~~ابن رخو عن القاسم عن أبى أمامة وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن الحجاج بن ~~رشدين. # PageV01P395 # ابن سعد عن أبيه عن جده عن مرة بن عبد الرحمن عن كل من روى عنه وأوهى ~~أسانيد الخراسانيين عبد الله بن عبد الرحمن بن مليحة عن نهشل بن سعيد عن ~~الضحاك عن ابن عباس نقلت على ما أورده الحاكم أبو عبد الله فى كتاب علوم ~~الحديث. # PageV01P396 ### | فصل: أقسام الصحيح من الأخبار # ... # فصل وذكر أبو زيد فصل فى أقسام الصحيح من الأخبار وقال: # الأخبار التى يعمل بها ضربان مشهور وغريب قال: # والمشهور ضربان. # أحدهما ما اشتهر وبلغ حد التواتر. # والآخر ما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر. # والغريب نوعان. # أحدهما ما لم يشتهر ولكن لم يبلغ حد الاستنكار. # والآخر ما بلغ حد الاستنكار. # ثم قال أما المتواتر فحده ما اتصل بك عن المخبر اتصالا لا يبقى لك ms352 فيه ~~شبهة كما يتصل تعليل من طريق السماع من المخبر عنه ثم قال وقد قال بعض ~~الناس أن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين وإنما يوجب علم طمأنينة. # وذكر ما نقله اليهود أن عيسى عليه السلام قد قتل وقد ذكرنا من قبل الكلام ~~فى هذا وذكرنا أن المتواتر من الأخبار يوجب علم الضرورة وأجبنا عن ما قاله ~~اليهود. # وأما المشهور فحده ما كان أوسطه وآخره على حد التواتر وأوله على حد الخبر ~~الواحد وذكر عن أبى بكر الرازى أن هذا أحد قسمى التواتر لأنا نجد العلم فى ~~أنفسنا بكل واحد منهما بلا اضطراب أنفسنا فى ذلك إلا أن العلم الأول يقع ~~على اضطراره ولا مرد له فى النفوس والثانى يقع عن استدلال كما يكون مثله عن ~~العقليات الموجبة للعلم فإن العلم بالمحسوسات عن اضطراب والعلم بالصانع عن ~~الاستدلال قال عيسى بن أبان الخبر على ثلاثة أقسام قسم يضل جاحده كخبر ~~الرجم وقسم يخشى المأثم على جاحده ولا يضله كخبر المسح على الخفين وقسم لا ~~يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التى رويت فى مسائل الخلاف التى اختلفت ~~العلماء فيها فلم يكف عيسى بن أبان من جحد المشهور ثم جعل المشهور بعضه فوق ~~بعض فى المرتبة وهو الصحيح عندنا ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين ~~وعن الخبر المشهور علم طمأنينة. # PageV01P396 # وعن الخبر الغريب علم يغالب الرأى وعن الغريب المستند علم ظن فهذه أربع ~~مراتب تثبت الأخبار. # والدليل على هذا أن المشهور لما لم يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على وجه التواتر ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة بالاتصال إلا أنها لما اشتهرت ~~فى السلف وتواترت ولم يظهر رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعلم والعمل بها. # قال والمشهور على هذا الوجه حجة يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى ~~ويجوز نسخ الآية بها لأن السلف كانوا أئمة الدين وإجماعهم حجة ولم يكن فيهم ~~تهمة ما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى ~~زدنا على ms353 كتاب الله الرجم وزدنا تحريم العمة على ابنة الأخ وابنة الأخت على ~~العمة وكذا فى الخالة وابنة الأخت على كتاب الله تعالى وزدنا على أعضاء ~~الوضوء الخف بالسنة والشائع على صوم كفارة اليمين والزيادة عندنا تجرى مجرى ~~النسخ إلا أنا نفينا مع هذا شبهة الآحاد فلم نكفر جاحده وحططنا رتبته عن ~~رتبة المتواتر فصار المتواتر علما يقينا من طريق الضرورة والمشهور يوجب علم ~~اليقين أيضا إلا أن السامع متى تأمله حق تأمله وجد فى أوله ما يوجب ضرب ~~شبهة فى آخره وكان دون العلم الواقع بالتواتر. # قال وأما الغريب المقبول فما اختلفت الفقهاء خلفا وسلفا فى أحكام الحوادث ~~على ما ورد أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا ~~تضليل وهو حسب اختلافهم فى المقاييس المتعارضة. # وأما الغريب المستنكر فنحو ما ذكرناه من الوجوه التى رد السلف بها ~~الأخبار وربما يخشى الإثم على العامل به كما خشينا الإثم على تارك المشهور ~~لأنه قرب من اليقين وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحرى الحق ~~كالذى تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة على تحرى فلبه بلا دليل فهذا كلامه ~~ذكرته على الاختصار وتركت كثيرا مما قاله لأنه لم يكن فيه شىء يستفاد. # واعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته والذى قال من ~~المشهور والغريب فلا ننكر أن فى الأخبار ما هو غريب ومنها ما هو مشهور ولكن ~~لا يعرف المشهور من الغريب بإشهاره عند الفقهاء وعدم اشتهاره عندهم لأنه رب ~~خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته وهو مثل ما يروون: "لا ~~وصية لوارث" 1. PageV01P397 # ويروون: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" 1 ويروون: "أنت ومالك لأبيك" 2 ~~ويروون: "لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد" 3 ويروون: "المكاتب عبد ما ~~بقى عليه درهم" 4 وهذه أخبار لم يحكم أهل الحديث بصحة شىء منها ورب خبر كان ~~غريبا عند الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته وأما الذى قال أن الخبر الذى ~~تلقته الأئمة ms354 بالقبول فهو موجب للعلم فقد ذكرنا من قبل والذى قال أن العلم ~~الواقع به علم طمأنينة والعلم الواقع بخبر التواتر علم ضرورة هذا تفريق ولا ~~علم فوق علم يطمئن به القلب نعم يجوز أن يقال فى الجملة للمتواتر رتبة ~~زائدة على الخبر الذى ليس بمتواتر لكن تلقته الأئمة بالقبول كما أن للعيان ~~رتبة زائدة على ما نعلم بالخبر وأن تواتر الخبر لكن عدا التفاوت يعرف فى ~~ابتداء البداهة فإن لبداهة العيان ما ليس للخبر وأن وقع به العلم إلا ترى ~~أن موسى عليه السلام لما رأى قومه قد طافوا بالعجل يعبدونه ألقى الألواح ~~وأخذ برأس أخيه يجره إليه وقد كان الله تعالى أخبره بأنهم اتخذوا العجل ~~إلها ولم يتغير فى تلك الحالة وأن كان وقع له العلم الضرورى بخبر الله ~~تعالى له بذلك ولكن للعيان من التأثير والتمكن فى القلب ما ليس فى الخبر ~~وهذا معنى قوله عليه السلام ليس الخبر كالمعاينة كذلك يجوز أن يكون الخبر ~~المتواتر الذى يسمعه فى الابتداء عن الجمع العظيم من التمكن فى القلب ما لا ~~يكون للخبر الواحد وأن اتفقت الأمة على قبوله فإن أراد بالتفاوت هذا القدر ~~فهو صحيح والذى قال من الترتيب فى قوله أن الخبر كذا يضل بتركه وخبر كذا ~~يخشى أن يأثم بتركه وفى الخبر الثالث لا يخشى فالأصوليون لا يعرفون واسطة ~~ثالثة بين الخبر الموجب للعلم والخبر الذى لا يوجب العلم فإن قال قائل شيئا ~~ودل عليه الدليل يقبل وما لا يدل عليه الدليل فهو. PageV01P398 # مردود وأما الغريب الذى لا يستنكر والغريب الذى يستنكر فهو أيضا إلى أهل ~~الصنعة. # وأنا أعلم قطعا أنه لم يكن فى هذا العلم حظ أعنى العلم بصحيح الأخبار ~~وسقيمها ومشهور الأخبار وغريبها ومنكراتها وغير منكراتها لأن هذا أمر يدور ~~على معرفة الرواة ولا يمكن أن يقترب من مثل هذا بالذكاء والفطنة فكان ~~الأولى به عفا الله عنه أن يترك الخوض فى هذا الفن ويحيله على أهله فإن من ~~خاض فيما ليس من شأنه فأقل ms355 ما يصيبه افتضاحه عند أهله وليست العبرة بقبول ~~الجهلة وأن لكل ساقطة لاقطة ولكن ضالة ناشد ولكن العبرة فى كل علم بأهله ~~إلا ذهن ولكل عمل رجال فينبغى أن يسلم لهم ذلك. # فإن قال قائل فما حد الخبر الصحيح عندكم قلنا قد ذكرنا من قبل رجاله ~~وكتبه فالأمر بالتصحيح والتمريض إليهم وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ ~~فى كتاب علوم الحديث أن صفة الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صحابى مشهور بالصحبة ويروى عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث ~~بالقبول إلى وقتنا هذا وقد قالوا: أن الصحيح لا يعرف بالرواية من الثقات ~~فقط وإنما بالفهم والحفظ وكثرة السماع وليس للمعرفة به معين مثل المذاكرة ~~مع أهل العلم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث واعلم أن الشرط الذى ~~شرطوه وهو أن يرويه اثنان من التابعين لا يعرفه الفقهاء لأن عند الفقهاء أن ~~رواية الواحد مقبولة وإذا كان ثقة فحكم بصحة الخبر وقد ذهب بعض المتكلمين ~~إلى شرط العدد وليس بشىء لما ذكرنا من إجماع الصحابة على رواية الراوى ~~الواحد فأما أهل الحديث شرطوا هذا العدد لأنه شرط فى الصحة إلا أنهم يسمون ~~ما نقله الواحد من الواحد الصحيح الغريب ويجعلون ما نقله الاثنان فما زاد ~~وتداوله أهل الرواية بالقبول على ما مضى من القرون الصحيح المطلق أو الصحيح ~~المشهور ولهم أسامى فى هذا الباب وألفاظ تواضعوا عليها لمعانى يحتاجون ~~إليها وذكر ذلك يطول ويمل منه الناس فاقتصرنا على هذا والله أعلم. # مسألة الزيادة إذا انفرد بها الراوى الثقة: # يقبل عند آخر وكذلك فى قبول عامة الفقهاء1 وكذلك إذا رفع إلى الرجل ~~الثقة. PageV01P399 # حديثا ووقفه غيره فالقول قول من رفع وكان حجة مقبولة على قول من ذكرناهم ~~وذهب جماعة من أصحاب الحديث إلى أن الواحد إذا كان انفرد بزيادة من بين ~~جملة الرواة حمل الأمر فى هذه الزيادة على الغلط وكذلك إذا رفع الواحد ~~حديثا ووقفه أصحابه يتوقف فى الحديث واحتج من رد رواية المنفرد ms356 وقال أن ضبط ~~الراوى إنما يعرف بموافقة المعروفين بالضبط فإذا لم يوافقوه فى الرواية لم ~~يعرف ضبطه وأيضا فإن الجماعة لو. PageV01P400 # كانوا فى مجلس فنقلوا عن واحد كلاما وانفرد واحد بزيادة على الباقين مع ~~كثرتهم وشدة عنايتهم بما سمعوه وطرحوه لأطرح السامعون تلك الرواية ولم ~~يقبلوها وأيضا فإن الجماعة لو وافقوا هذا الراوى الواحد يقوى بموافقتهم ~~خبره إلا إذا خالفوه أن يضعف خبره وأما دليلنا فنقول الراوى للزيادة ممن ~~يجب قبول خبره ولا معارض لروايته فيجب قبولها كما لو انفرد برواية الحديث ~~ولم يروه غيره معه وإنما قلنا أن من يقبل خبره لأنه اجتمع فيه العدالة ~~والضبط وجميع الصفات المطلوبة وإنما قلنا لا معارض لروايته لأن التارك ~~لرواية الزيادة لم ينفها ولا معنى. # أما قولنا لم ينفها لفظا فبين وأما قولنا لم ينفها معنى فلأنه لبس ألا ~~ترى أنه لم يرو هذه الزيادة وتركه رواية هذه الزيادة لبس يجب فيه أن يكون ~~لنفيه إياها بل يجوز أنه لم يروها لسهو اعتراه حين تكلم به النبى صلى الله ~~عليه وسلم أو لشغل قلب أو تشاغل بعطاس أو أصغى إلى كلام آخر فإذا جاز كل ~~هذا بطل قول من قال أن التارك للزيادة نفاها معنى واعلم أن على موجب هذه ~~الدلالة ينبغى أن يقال أن الذى ترك رواية الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز ~~عليهم أن يغفلوا بجماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا أن لا يقبل ~~رواية راوى الزيادة فإن قيل نعم تجوز هذه الوجوه التى ذكرتها ويجوز أيضا أن ~~يكون هذا الراوى الواحد غلط فى السماع فتوهم أنه سمع تلك الزيادة من النبى ~~صلى الله عليه وسلم ولم يكن سمعها قيل له سهو الإنسان عما سمعه وتشاغله عن ~~سماع ما جرى بمشهد منه يكثر وأما توهم الإنسان أنه سمع شيئا ولم يكن سمعه ~~وأن كان يجوز ولكن يندر جدا لا يلتفت إليه وقد قال الأصحاب أن الزيادة التى ~~ينفرد بها الثقة بمنزلة الخبر الذى ينفرد الثقة بروايته فإن لم تقبل ms357 روايته ~~لهذه الزيادة وجب إلا يقبل روايته لخبر ينفرد بروايته فإن قيل قول من يثبت ~~الزيادة يعارض قول من ينفيها قلنا قد أجبنا عن هذا وهذا لأن القول لا يعارض ~~بالسكوت وإنما سبيل المحدثين إذا زاد أحدهما سبيل شهود شهد بعضهم على رجل ~~أنه أقر له فى مجلس بدرهم وشهد آخرون أنه اقر فى ذلك المجلس بدرهم ودينار ~~فالشهادتان جميعا مقبولتان وثبت الدينار مع الدرهم ولا خلاف فى هذا بين ~~الفقهاء وكذلك لم يختلف الفقهاء أن الشاهدين لو شهدوا على رجل أنه طلق ~~امرأته فى مجلس وشهد جماعة أنهم كانوا حاضرين ولم يسمعوا طلاقها أن شهادة ~~الشاهدين بالطلاق مقبولة ويثبت ما شهدوا عليه واعلم أن هذا الدليل يقتضى أن ~~الراوى الواحد إذا كان ثقة وروى الزيادة وقد كان فى المجلس جماعة لم يرووها ~~أن يقبل رواية من. # PageV01P401 # روى الزيادة ومن حيث المعنى الأول أولى قال الشافعى رحمة الله عليه من ~~قبل القراءة الشاذة فى كتاب الله تعالى مع أن طريق ثبوته التواتر ورد ~~الزيادة فى الحديث إذا انفرد الثقة العدل بها فقد ناقض فأما الذين قالوا: ~~أن ترك ضابط آخر رواية هذه الزيادة يدل على غلط الأول قلنا هذا لا يصح لأنه ~~لو لم يثبت ضبط الإنسان إلا بموافقته ضابط آخر أدى إلى ما لا نهاية له ولم ~~يعرف أحد وأما الثانى الذى قالوه قلنا قد بينا أن الذى ترك الرواية لو ~~كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغى أن لا يقبل رواية هذا الواحد ذلك ~~فينبغى أن يقول الجماعة إنهم لم يسمعوه فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم ~~رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم وأما قولهم أن الضابط لو وافق ~~هذا الراوى أوجبت القوة فإذا لم يوافق أوجب الضعف قلنا ولم هذا لأنه ~~بإمساكه رواية الزيادة ليس بمخالف لأنه ليس نافى لها على ما سبق ويقال لهم ~~أيضا لم إذا كانت مشاركة الرواة له فى الزيادة موجب قوة خبره وجب إذا لم ~~يشاركوه ينتقض تلك القوة ms358 إلى ضعف موجب إسقاط الرواية إلا ترى أن الراوى ~~الواحد لو شارك جماعة فى رواية خبره أوجب ذلك قوة فى خبره ثم إذا لم ~~يشاركوه فى الرواية لم يوجب ضعفا فى خبره يوجب إسقاط روايته واعلم أنه لا ~~فرق فى هذه المسألة بين أن يسند الراوى الزيادة والتارك للزيادة ما رواه ~~إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين أو مطلقا إطلاقا ففى هذه الصورة كلها يقبل إلا ~~فى الصورة التى ذكرنا فى أثناء المسألة ونذكر صورا من هذه الأخبار التى ~~تفرد الراوي الواحد فيها بزيادة فمن ذلك حديث مالك بن مغول عن الوليد بن ~~العيزار عن أبى عمرو الشيبانى عن عبد الله بن مسعود قال سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أى الأعمال أفضل قال: "الصلاة لوقتها" 1 ثم روى الحسن بن ~~مكرم وبندار عن عثمان بن عمرو بندار عن غيره عن مالك بن مغول هذا الخبر ~~وذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة لأول وقتها" 2 وكانت هذه ~~الزيادة مقبولة لأن الحسن بن مكرم وبندارا ثقتان ومثال ذلك أيضا ما حدث ابن ~~عمر فى صدقة الفطر رواه جماعة من الثقات أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن نخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر3. PageV01P402 # ثم روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ~~وزاد صاعا من قمح ومثال ذلك أيضا حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من شرب من إناء ذهب أو فضة فإنما يجرجر فى بطنه نار جهنم" 1 ثم روى ~~يحيى بن محمد الحارثى حديث زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه ~~عن جده عن ابن عمر هذا الخبر وزاد فيه: "أو إناء فيه شىء كتلك" ومثال ذلك ~~أيضا حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله: "قسمت الصلاة ~~بينى وبين عبدى فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى ~~حمدنى ms359 عبدى" وهو خبر صحيح ثم روى عبد الله بن زياد ابن سمعان عن العلاء بن ~~عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة الخبر وذكر فيه "فإذا قال العبد بسم الله ~~الرحمن الرحيم قال الله تعالى ذكرنى عبدى" 2 وقد تفرد بهذه الزيادة عبد ~~الله بن زياد وفيه مقال ومثال ما ذكرنا أيضا حديث ابن جريج عن سليمان بن ~~موسى عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى الله عنها وعن أبيها أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها" 3 الخبر ثم روى ~~إسحاق بن أحمد بن إسحاق الرقى حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد بن الحجاج الرقى ~~حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ابن جريج الخبر وزاد فيه: "أيما امرأة نكحت بغير ~~إذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها باطل" 4 والخبر محفوظ وهذه الزيادة بهذا ~~الإسناد والله أعلم بها فإن قيل أليس الشافعى قد وهن حديث السقاية لانفراد ~~سعيد بن أبى عروبة بها ومخالفة أصحابه إياه فى هذه اللفظة قلنا هذا لا يشبه ~~ما ضربنا من الأمثلة لأن سعيد بن أبى عروبة روى مطلقا وغيره روى الخبر وقال ~~قال قتادة يستسعى غير مشقوق عليه غير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قول قتادة فيكون هذا الراوى قد ضبط ما خفى على الآخر فلا يكون هذا شبيها ~~بمسألتنا بل قد جرد ما قلنا واستمر وتكون هذه الرواية على وفق ما سمعناه ~~والله أعلم. PageV01P403 ### | فصل: فى معرفة الترجيح بين الأخبار المتعارضة # اعلم أنه إذا تعارض خبران فلا يخلوا أما أن يمكن الجمع بينهما أو يمكن ~~ترتيب أحدهما على الآخر فى الاستعمال فإنه يفعل أيضا فإن لم يمكن وأمكن نسخ ~~أحدهما بالآخر فإنه يفعل فإن لم يمكن رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه ~~الترجيح ومثال الخبرين المتعارضين الذى يمكن استعمالهما ما روى أن النبى ~~صلى الله عليه وسلم قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 1 وقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا ms360 عصب" 2 فيحمل الحظر على ما قبل ~~الدباغ والإباحة على ما بعد الدباغ فيستعمل السنتان على الوجه الممكن ولأنه ~~يطرح أحدهما بالآخر. # وأما ترتيب أحد الخبرين على الآخر فهو مثل الخاص والعام إذا تعارضا يرتب ~~العام على الخاص وقد ذكرنا هذه المسألة. # وأما الناسخ والمنسوخ فكثير وسيأتى بيانه. # وأما الترجيح لأحد خبرين على الآخر فيدخل من جهة الإسناد ويدخل من جهة ~~المتن. # فأما الترجيح من جهة الإسناد فمن وجوه. # أحدها أن يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا3 فنقدم رواية الكبير لأنه ~~يكون أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته على رواية أنس فى إفراد الحج وقرانه مع ~~العمرة فقال أن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن منكشفات وأنا أخذ ~~بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P404 # فيسيل على لعابها. # والثانى: أن يكون أفقه فتقدم روايته على من دونه فى الفقه لأنه أعرف بما ~~سمع1. # والثالث: أن يكون أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون أولى لأنه ~~يكون أوعى لما سمعه. # والرابع: أن يكون أحدهما باشر القصة أو تعلق القصة به2 فيقدم روايته لأنه ~~أعرف بالقصة من الأجنبى عنه ومثال هذا فى مسألة نكاح المحرم ورواية أبى ~~نافع أن النبى صلى الله عليه وسلم كان حلالا3 وكذلك رواية ميمونة4 فيكون ~~أولى من رواية ابن عباس أنه كان محرما5. # والخامس: أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فتقدم على الخبر الذى يكون أقل ~~رواة ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا يقدم الشهادة بكثرة العدد6 وكذلك ~~لا يقدم أحد الفتويين بكثرة المفتين والأول أصح لأن الترجيح يكون بوجود قوة ~~فى أحد الخبرين لا يوجد فى الآخر ومعلوم أن كثرة الرواة نوع قوة فى أحد ~~الخبرين لا يوجد فى الآخر لأن قول الجماعة أقوى فى الظن وأبعد من السهو من ~~قول الواحد وأيضا أقرب إلى إفادة العلم وهو إذا بلغ عددا يقع به تواتر ~~الخبر وأما الشهادة والفتوى فقد منعوا والمذهب التسليم والفرق بين الرواية ~~والشهادة مقدرة فى الشرع بعدد ms361 معلوم فكفينا الاجتهاد فيها وأما الرواية فقد ~~بنى أمرها على الاجتهاد وفى الرواة يوجد إذا كثروا ما لا يوجد إذا قلوا وهو ~~سكون النفس من طمأنينتها فإنه يوجد عند كثرة الرواة ما لا يوجد عند قلتهم. ~~PageV01P405 # والسادس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة فتكون روايته أولى لأنه يكون ~~أعرف بما داوم عليه الرسول من السنن1. # والسابع: أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم خبره لأنه كان أحسن ~~عناية بالخبر من الآخر فلهذا قدمنا جابر فى إفراد الحج. # والثامن: أن يكون أحدهما متآخر الإسلام فتقدم روايته لأنه يحفظ أحد ~~الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك إذا كان أحدهما متآخر ~~الصحبة فيدل ذلك على تآخر سماعه وهذا والأول واحد وقد قال أصحاب أبى حنيفة ~~لا يقدم بهذا2 لأن المتقدم قد دامت صحبته إلى حال وفاة النبى صلى الله عليه ~~وسلم فلا يكون للمتآخر ترجيح عليه والذى قلناه أولا أولى لأن سماع المتآخر ~~متحقق لغيره وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتآخر فما تآخر سماعه يتبين يكون ~~أولى ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أوامر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومثال ذلك ما فعله الشافعى من تقديم رواية ابن عباس فى ~~التشهد على رواية ابن مسعود. # والتاسع أن يكون أحد الراويين أورع وأشد احتياطا فيما يروى فتقدم روايته ~~لاحتياطه فى النقل. # والعاشر أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب لفظه فيكون الذى ~~لم يضطرب لفظه أولى3. # والحادى عشر أن يكون أحد الخبرين رواه أهل المدينة والخبر الآخر رواه ~~غيرهم4 فيكون الأول أولى لأنهم يروون أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنته التى مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم. # والثانى عشر أن يكون أحد الروايين اختلفت عنه الرواية والآخر لم تختلف ~~عنه الرواية فمن أصحابنا من قال بتعارض الروايتان اللتان اختلفتا وينفى ~~رواية من لم. PageV01P406 # تختلف عنه الرواية ومنهم من قال يرجح رواية من لم تختلف عنه الرواية ~~لمكان الاختلاف وعدم الاختلاف. # وأما ترجيح المتن ms362 فمن وجوه. # أحدها: [أن يكون أحد] 1 الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس ~~فيقدم على الخبر الآخر الذى لا يوجد له هذه القوة2. # والثانى: أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فيكون أولى لأن عملهم به يدل ~~على أنه أحد الأمرين3 وكذلك إذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فيكون أولى ~~لأن عملهم يدل على أن الشرع استقر عليه ويدل أنهم دونوه عن سلفهم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قدمنا رواية الإفراد على رواية التثنية فى ~~الإقامة. # والثالث: أن يكون أحدهما مجمع النطق والدليل فيكون أولى ما وجد فيه ~~أحدهما لأنه يكون أبين. # والرابع: أن يكون أحدهما نطقا والآخر دليلا فيكون النطق أولى من الدليل4 ~~لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه ومعنى هذا الدليل دليل الخطاب. # والخامس: أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدثهما فالذى يجمع القول ~~والفعل أولى لأنه أقوى من حيث تظاهر الدليلين وأن كان أحدهما قولا والآخر ~~فعلا ففيه أوجه وقد سبق فى باب الأفعال. # والسادس: أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب والذى ورد ~~على غير سبب أولى لأنه يكون متفقا على عمومه والوارد على سبب مختلف فى ~~عمومه. # والسابع: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا فيقدم الإثبات لأن مع المثبت ~~زيادة علم والأخذ بروايته أولى. # والثامن: أن يكون أحدهما ناقلا والآخر منفيا على الأصل فيكون الناقل عن ~~الأصل. PageV01P407 # أولى لأنه يفيد حكما شرعيا ليس فى الآخر1. # والتاسع: أن يكون فى أحدهما احتياط لا يوجد فى الآخر فيكون الأحوط أولى ~~لأن الأحوط أسلم للدين. # والعاشر: أن يكون أحدهما يقتضى الحظر والآخر يقتضى الإباحة ففيه وجهان. # أحدهما: أنهما سواء لأنهما حكمان شرعيان. # والوجه الآخر: وهو الأصح أن الذى يقتضى الحظر أولى لأنه أحوط2. # وقيل فى القسم الأول إذا تعارض خبران من روايتين ورويا من واحد وأحدهما ~~أعلم ممن يروى عنه فيكون أولى كالرواية فى زوج بريرة فالذى روى أنه كان ~~عبدا القاسم بن محمد وعروة بن ms363 الزبير عن عائشة والذى روى أن زوج بريرة كان ~~حرا الأسود عن عائشة وعروة والقاسم أعلم بعائشة رضى الله عنها من الأسود ~~لأنهما قريباها والأسود أجنبى منها وقيل أيضا إذا تعارض الخبران أن يجوز أن ~~يرجح أحدهما على الآخر لأن الصحابة تلقته بالقبول وأن لم يعرف من الصحابة ~~فى ذلك شىء فإن كان عوام أهل الحديث عملوا بأحدهما يقدم على الآخر وقيل أنه ~~يرجح أحد الخبرين على الآخر بأن يكون أحدهما أشبه بمعانى الكتاب والثانى ~~أشبه بمعانى السنة وهذا قد بينا فإن لم يوجد فى واحد من الخبرين ترجيح بوجه ~~ما وعدم الكل طرحا ويرجع إلى ما كان عليه الإفراد أولا اعلم أن الذى تضمنه ~~الخبر أن ليس من دين الله إذ لو كان من دين الله لم يقع بينهما التنافى أو ~~كان أحدهما من دين الله لم يخل من دليل يدل عليه فإذا لم يدل الدليل على ~~واحد منهما من الوجوه التى قدمناها علمنا أنه ليس من عند الله تعالى وتقدس ~~فأسقطناهما جميعا وقد رجح عيسى بن أبان المرسل على المسند لأن الراوى قال ~~قال النبى صلى الله عليه وسلم وكأنه قطع به والآخر إحالة على غيره ونحن قد ~~بينا أن المرسل ليس بحجة فكيف يرجح بهذا الوصف قال القاضى عبد الجبار هذا ~~الكلام الذى قاله عيسى بن أبان وهو أن الراوى لا يقول قال النبى صلى الله ~~عليه وسلم إلا وقد وثق أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله إنما. PageV01P408 # يصح إذا قال قال النبى صلى الله عليه وسلم فأما إذا قال عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم فلا يتأتى هذا الكلام وأيضا فإن قول الراوى قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم يحسن مع الظن لكونه قائلا لذلك كما يحسن مع العلم فمن أين ~~أنه لم يقل قال النبى صلى الله عليه وسلم إلا وقد روى له جماعة وظنه أكثر ~~من الظن الحأصل برواية المسند المعارض له فإن قالوا: أن الذى يرسل لا يقول ~~قال النبى صلى الله ms364 عليه وسلم إلا وقد روى له جماعة قلنا هذا لا يعرف وقد ~~بينا أن السكوت عن اسم المروى عنه محتمل لوجوه كثيرة وقد رجح قوم الخبر ~~بالذكورة والحرية أما الحرية فلا تأثير لها فى قوة الظن وأما الذكورة فيجوز ~~أن يقال أن الضبط معها أشد وظاهر المذهب أن لا يرجح بهما وقد قال قوم أن ~~أحد الخبرين إذا كان يقتضى إيجاب حد والآخر يقتضى نفيه فالنفى أولى لأن ~~الحد يسقط بالشبهة وقد قيل إنهما حسان لأن الحد إنما يسقط عن الأعيان ~~بالشبه فأما إثباته فى الجملة فمساو لإثبات سائر الشرعيات وفى تعارض ~~الخبرين فى إثبات الشىء ونفيه كلام كثير وقد ذكر قوم موافقته دليل العقل فى ~~النفى لأنه الأصل فيكون أولى ويمكن أن يعارض فيقال أن الشرع ناقل كما كان ~~عليه فى الأصل فيكون الخبر الذى يتضمن النقل أولى من الذى يتضمن نفيه الشىء ~~على ما كان عليه فى الأصل وأما إذا تضمن أحد الخبرين الحرية والآخر الرق ~~فقد قال بعضهم أن المثبت للحرية أولى وقال بعضهم هما سيان لأنهما حكمان ~~شرعيان يتقابلان ويتماثلان والأول أحسن وهو أن الحرية أولى لأن الحرية لا ~~يعترضها من الأسباب المبطلة لها ما يعترض الرق والحرية لا يبطلها شىء بعد ~~ثبوتها بخلاف الرق ومثل أيضا فيما لو تعارض خبران أحدهما على قضية العقل ~~والآخر على قضية الشرع أن الذى على قضية الشرع أولى لأنه ناقل على ما سبق ~~وقال بعضهم إذا تعارض خبران أحدهما معلل فيكون أولى وفى الباب كلام كثير ~~اقتصرنا على هذا والله أعلم. # [فصل] 1 اعلم أنا قد فرغنا من القول فى الأخبار وقد شرحنا الكلام فيها ~~على حسب ما أذن الله تعالى فى ذلك وأرجو أن يكون قد وقع به الغنية عن كثير ~~من تطويلات الأصوليين وقد رأيت بعض المتأخرين من أصحابنا ضم إلى أبواب ~~الأصول المعروفة بابا فى تأويل الأخبار وسمى الباب باب التأويل وذكر أن ~~التأويل هو رد الظاهر إلى الله تعالى فى دعوى المسئول وذكر أن الذى ms365 يطرق ~~إليه التأويل وهو الظاهر قال وظهوره أن يكون اللفظ فى معناه مظنونا غير ~~مقطوع وأما النصوص فلا يتطرق إليها. PageV01P409 # تأويل قال ولا يجوز الاستدلال بالظواهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور ~~معناه غير مقطوع فلا يسوغ الاستدلال به فى الأمر المقطوع وأما فى أحكام ~~الشرع فيسوغ الاستدلال بالظواهر وقد كانت الصحابة يتعلقون فى تفاصيل الشرع ~~بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون فى استدلالهم على النصوص ومن استراب ~~فى تعلقهم بالقياس فلا يستريب فى تعلقهم بالظواهر وعلى القطع نعلم أن ~~الظاهر فى إفادة غلبة الظن فوق الأقيسة فإذا جاز التعلق بالقياس جاز التعلق ~~بالظواهر ودليل كون الظاهر حجة فى العمليات هو الإجماع مثل ما هو الحجة فى ~~أخبار الآحاد سواء كانت ظواهر أو نصوصا ثم تأويل الظواهر فى الجملة سائغ ~~إذا قام الدليل عليه ولا بد من دليل يقوم عليه لأن التحكم بالتأويل معتضل ~~عليه من غير أن يعضد شىء لا يجوز لأنه لو جاز ذلك لبطل التمسك بالظواهر ~~أصلا فصار التحكم بالتأويل مردودا وأصل التأويل مقبولا إذا لم يكن على وجه ~~التحكم بل كان مستندا إلى دليل وقد ذكر كلاما طويلا فى المقدمة اختصرنا ما ~~نحتاج إليه ثم ذكر أخبارا رويت فى مسائل من الخلافيات التى تثار بين أصحاب ~~أبى حنيفة وذكر تأويل المخالفين لها وبدأ بمسألة النكاح بلا ولى وذكر الخبر ~~الذى روى فى الباب من قوله عليه السلام: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل باطل باطل"1 ورد تأويلهم للخبر من حملهم على الصغيرة ~~والمكاتبة ورد تأويلهم بالكلام المعهود وعلى ما عرف فى مسائل الخلاف واعتمد ~~فى رد كثير من تأويلات الخصوم بحرف واحد وهو أن الشارع صلوات الله عليه إذا ~~ذكر أبلغ الصيغ فى العموم لا يجوز أن يحمل على موضوع نادر في الوجود قال ~~ويستحيل أن يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم أعم الصيغ وهو قوله أيما امرأة ~~نكحت فإن أعم الصيغ كل وأى وما فيذكر أعم الأدوات ويكون قصده تأسيس شرع ثم ~~زيد ms366 والحالة هذه مكاتبة أو صغيرة دون الحرائر البالغات اللاتى هن الغالبات ~~المقصودات ومن ظن هذا التخصيص فى مثل هذا العموم فقد ظن محالا وما كان إلا ~~كمن يقول لبوابه لا تدخل على أحد فلو دخل البواب كل مبرم ثقيل ولم يدخل ~~قوما مخصوصين زاعما إنى حملت لفظك على الذين منعتهم لم يقبل هذا الكلام من ~~البواب وكان حريا أن يؤدب ويصفع وقد ذكر من هذا النوع لرد هذا التأويل ~~وأمثاله كلاما طويلا وذكر عن أبى بكر محمد بن الطيب أنه قال وأنا أعلم على ~~الضرورة والبديهة أن الرسول صلوات الله عليه لم يعن بقوله أيما امرأة نكحت ~~بغير إذن وليها المكاتبة دون غيرها أو الصغيرة دون المبالغة ثم قال وقد سلم ~~الرسول. PageV01P410 # صلى الله عليه وسلم الموافق والمخالف أنه كان على الغاية القصوى من ~~الفصاحة وحمل كلامه على مثل هذه المحامل يحط كلامه عن رتبة الفصاحة ~~والجزالة ويكون التكلم بمثل هذا الكلام وهو قول أيما امرأة نكحت ثم يريد ~~المكاتبة والصغيرة حظرا وعيا وما هذا إلا كمن يقول: رأيت جمعا من العلماء ~~ثم إذا روجع يفسره بقطيع من الغنم ذهابا منه إلى أنهما على علوم يتعلق ~~بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك إذا فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم ~~أنهم من العلماء فى كثير من الأشياء لم يقبل ذلك منه وعد هازلا لاعبا قال ~~فإن قال قائل أن الصغائر والمكاتبات داخلات تحت قوله أيما امرأة فإذا دخلت ~~تحت ظاهر اللفظ ولم يبعد تنزيل لفظ العموم عليهن تخصيصا يدل عليه أن ~~التخصيص فى اللفظ العام يجرى مجرى الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه ~~باستثناء شاذ نادر فليكن الأمر فى التخصيص كذلك والجواب أن التأويل ليس ~~يسوغ بما قلتم وإنما يقبل التأويل إذا سوغه الفصحاء وأهل اللسان وإذا سمعوا ~~أن يستنكروا ذلك والتخصيص فى الجملة للعموم غير مستنكر وإنما المستنكر ~~إرادة الأخص والأخص باللفظ الأعم الأشمل وأما الاستثناء فنقول ليس يساغ ~~التأويل بالقياس حتى يحمل التخصيص على الاستثناء وإنما يساغ التأويل بالوجه ms367 ~~الذى قدمنا وهو أن لا يكون اللفظ متباينا له وذكر أبلغ العموم فى سياق ~~الشرعيات وبنائها وتأسيسها متأتى لحمله على أخص الخصوص وقد منع القاضى أبو ~~بكر جواز مثل هذا فى الاستثناء أيضا وإذا صدر من الرسول وغير الرسول صلوات ~~الله عليه إنما يجوز فى صيغة ركيكة والرسول صلى الله عليه وسلم مبرأ من مثل ~~ذلك وذكر بعد هذا تأويلهم فى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم ~~يبيت الصيام من الليل" 1 وعلى هذا اللفظ أورد فى أكثر التعاليق والمعروف ~~قوله: "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له" 2 وقال قد أولوا هذا على ~~النذر المطلق أو القضاء وقال وهذا تأويل يسبه تأويلهم فى المسألة الأولى ~~فإن هذا الكلام كلام بالغ فى اقتضاء العموم فإذا قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم ابتداءا الإنباء على سؤال ولا تنسيقا للكلام على حال فإذا ظن ظان أن ~~الصوم الذى هو ركن للإسلام وهو القاعدة الأصلية لم يعيبه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرضا للفرائض. PageV01P411 # الشرعية كالمنذور أو فرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد كل الإبعاد وانصرف عن ~~مأخذ الكلام وذكر تأويلهم الآخر لهذا الخبر وهو أنه أراد إذا نوى اليوم أن ~~يصوم غدا قال وهذا أيضا صورة شاذة نادرة تجرى فى أدراج الوساوس ومن يفعل ~~مثل هذا وربما لا يقع فى الدهور الكثيرة مرة واحدة وحمل كلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على الشاذ النادر باطل يدخل عليه أن مثل هذا اللفظ إنما ~~يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحسانا على تقديم التبييت وهذا ~~يعلم بأول البديهة ولا ينكره محصل فإذا حمل حامل ذلك على النهى عن التقديم ~~على الليل كان ذلك يقتضى مقصود الخطاب وذكر تأويلهم فى حمل اللفظ على نفى ~~الكمال وأجاب عنه بأن حمل اللفظ على نفى الكمال غير ممكن فى القضاء والنذور ~~وهما من متضمنات الحديث فإذا تعين حمل اللفظ على حقيقتها فى بعض المسميات ~~تعين ذلك ms368 فى سائرها لأن الإنسان الفصيح لا يرسل لفظه وهو يريد حقيقته من ~~وجه ومجازه من وجه وعلى الجملة أقول قوله لا صيام حقيقة لنفى أصل للصوم ~~كقوله لا رجل فى الدار نفى أصله فحمله على نفى وصف من الصوم مع تبقية أصله ~~مجاز ولا بد فيه من دليل ثم ذكر مسألة نكاح المشركات وإسلام الرجل والعدد ~~أكثر من الأربع والأخبار المروية فى الباب وتأويل الخصوم لذلك وبين وجه ~~بطلانه وهو وجه بين وفساده ظاهر ولا يحتاج فيه إلى كثير إطناب وقد بينا فى ~~الخلافيات للفروع فلا معنى لذكر ذلك هاهنا ثم ذكر التأويل الذى ذكره ~~الأصحاب وقوله: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} وحمل الكثير على ~~الجواز كقولهم جحر ضب وكقول الشاعر: # كبير أناس فى نجاد مزمل # وزيف هذا التأويل بكلمات قالها وذكر وجها آخر فى الكلام على هذه القراءة ~~والصحيح إيجاب الغسل ثم ذكر أن قراءة النصب أمثل وهذا التزييف لا ينبغى أن ~~يسلم لهذا القائل وقد ذكر أهل اللغة فى كتبهم والقراءتان معروفتان والغسل ~~واجب فى الرجلين بلا ريب وترا وقد صنف القاضى أبو الطيب الطبرى رحمه الله ~~فى هذه المسألة تصنيفا حسنا وبلغ الغاية ولم يحتمل هذا الكتاب إيراد ما ~~أورده ومن طلب ذلك أو طلب تصحيح ما قاله الأصحاب لم يعدم الدليل عليه قال ~~أبو الحسين بن فارس فى كتاب حلية الفقهاء فأما غسل الرجلين فواجب ولا صلاة ~~إلا بغسلهما والدليل على ذلك قوله عز وجل: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} ~~[المائدة: 6] لأنه رده إلى قوله: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6] ~~فإن قال قائل فقد قرئت بالخفض قيل له قد يعطف الاسم على الاسم # PageV01P412 # ومعناهما مختلف إلا أنه عطف هذا عليه لقربه منه فإن الله تعالى قال: ~~{يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين} [الواقعة: 17, 18] ~~ثم قال: {وحور عين} [الواقعة:22] وهؤلاء يطاف بهن على أزواجهن وقد قال شاعر ~~العرب. # ورأيت زوجك فى الوغا ... متقلدا سيفا ورمحا # والرمح لا يتقلد فى نظرنا فوجدنا الغاسل ماسحا غاسلا فقد جمع الأمرين ms369 ~~فوجدنا الماسح لا يأتى إلا بأحد الشيئين فأخذنا بالغسل ويمكن أن يقال أيضا ~~أن الله تعالى قال فى اليدين: {وأيديكم إلى المرافق} وقال فى الرجلين: ~~{وأرجلكم إلى الكعبين} فقد ربط منتهى الفرض فى الرجلين بالكعبين وربط واجب ~~اليدين بالمرفقين ومن يكتفى بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده ثم ذكر أن ~~المخالفين قالوا: يجوز صرف الصدقة إلى بعض هؤلاء الأصناف لأن المرعى هو ~~الحاجة قال وهذا تأسيس معنى يعطل تقييدا من الله تعالى فى الآية بذكر ~~الأصناف الثمانية ولو كانت الحاجة هى المرغبة لكان ذكرها أولى وأحسن وأشمل ~~فلما نص الرب عز اسمه على الأصناف الثمانية كان التأويل باعتبار الحاجة ~~تعطيلا لا تأويلا فإن الحاجة قد لا تستمر فى بعض الأصناف كالعاملين وبعض ~~الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة الثائرة والفتن الثائرة وقد ذكرنا ~~وجه كلامهم على هذه الآية وانفصالنا عما قالوه فى كتاب الاصطلام فتركنا ~~ذكره هاهنا وأوردنا ما ذكره القائل على كلام مشائخهم ثم ذكر الآية الواردة ~~فى خمس الغنيمة وذكر عن أبى حنيفة أنه اعتبر الحاجة لا القرابة قال والذى ~~ذكره مضادة ومحادة وقد ذكرنا وجه كلامهم أيضا فى كتاب المسمى علم الآية ~~وانفصلنا عنه فاستغنينا عن ذكر ذلك هاهنا وقد ذكرنا أنهم لا يعتبرون مجرد ~~الحاجة ثم ذكر قوله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] وقبول الخصم ~~من وساوس أن معناه فإطعام ستين مسكينا وزيف هذا الكلام بوجه من العربية ~~ونحن قد ذكرنا بطلانه فى المسائل قال ومن الظواهر أيضا قوله عليه السلام فى ~~بيع الرطب بالتمر أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا قال وأن لم يكن هذا ~~أيضا فى وضع اللسان للتعليل لكنه ظاهر فيه فمن أراد أن يزيل هذا الظاهر ~~بقياس كان مردودا لأن ما يظهر من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فى ~~التعليل مقدم على ما يظهر فى ظن المستنبط وهذا لأن القياس تعلق بمسلك من ~~الظن فيكون ما ظهر من كلام الرسول صلوات الله عليه فى التعليل أولى منه ~~وهذا الكلام يوجب ms370 أن لا يصح تخصيص العموم بالقياس ونحن قد بينا جوازه على ~~أصلنا فى هذه المسألة قوله عليه السلام فلا إذا نص. # PageV01P413 # فى فساد البيع وليس مما يتطرق إليه تأويل حتى يقال أنه يعضد بالقياس ~~ويؤيد به وذكر مسألة الشغار ومسائل تشبهها وحمل الخصوم النهى فيها على ~~الكراهة ثم قال وقد ثبت من عادات السلف الماضيين حمل أمثال هذا على الفساد ~~والامتناع عنه بالكلية فمن أراد مخالفة ما ظهر لنا منهم كان فى حكم المخالف ~~لهم قال وهذا لا يبلغ فى السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات واعلم أنه لم ~~يكن غرضنا ذكر هذه التأويلات لأن هذا الكتاب يشتمل على ذكر أصول الفقه وليس ~~هذا من أصول الفقه فى شىء إنما هذا الكلام يورد فى الخلافيات وفى التعاليق ~~غير أنا ذكرنا طرفا من ذلك ولا يعدم الناظر فيه نوع فائدة وعلى الجملة لا ~~يجوز حمل الخاطر على استخراج التأويلات المستكرهة للأخبار وينبغى للعالم ~~الورع أن يتجنب ذلك ويحترز عنه غاية الاحتراز لأن الكلام على كلام الشارع ~~صعب والزلل فيه يكثر وقد ورد فى الخبر يحمل هذا العلم من كل خلف عدولهم ~~وقال فى وصفهم ينفون عنه تأويل الجاهلين والله العاصم بمنه والمرشد إلى ~~الصواب بفضله وعونه ونسأله تعالى أن لا يجعلنا من هؤلاء القوم فقد بين ~~النبى صلى الله عليه وسلم أن الجهل يحمل الإنسان على التأويلات المستكرهة ~~وذكر أن العدول من علماء الأمة ينفون ذلك وذكر أيضا أنهم ينفون تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين وإلى الله الملاذ وبه المعاذ من وساوس النفس ~~وخواطر السوء فما ضل من ضل ولا هلك من هلك إلا بأمثال ذلك والله المستعان. # مسألة1 هذه مسألة تتصل بالأخبار وهى ما يشتمل على القراءة الشاذة من ~~الحكم هل تكون القراءة الشاذة حجة فيه. # اعلم أن ظاهر مذهب الشافعى رحمه الله أن القراءة الشاذة2 التى لم تنقل ~~تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزل الخبر الواحد ولهذا نقول أن ~~التتابع لا يجب فى صيام الكفارة وأن كان قد ms371 وجد فى القراءة الشاذة المنسوبة ~~إلى ابن مسعود رضى الله عنه فصيام ثلاثة أيام متتابعات وأما أصحاب أبى ~~حنيفة يعلقوا هذه القراءة الشاذة. PageV01P414 # فزعموا أن هذه القراءة وأن كان النقل قد انقطع فيها فلا يكون دون الخبر ~~الواحد فلا بد أن يكون حجة. # قالوا: وقد كانت قراءة ابن مسعود مستفيضة فى الأتباع وأتباع الأتباع ثم ~~انقطع النقل فبقيت بطريقة الآحاد فجعلنا مواجبها بمنزلة مواجب أخبار الآحاد ~~وتعلقوا أيضا بما نقل فى قراءته فى آية السرقة والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيمانهما وفى مسألة نفقة المبتوتة بما وجد فى قراءة ابن مسعود فى صورة ~~الطلاق أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وأن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وإذا وضعن حملهن فإن أرضعن لكم ~~فآتوهن أجورهن هكذا قراءته فى المصحف المنسوب إلى عبد الله بن مسعود رضى ~~الله عنه فظاهرها يقتضى وجوب النفقة على الإطلاق ويقتضى أن ذكر مدة الحمل ~~ليس لأن النفقة واجبة وأن طالت مدة الحمل وقد حملوا القراءة المعروفة على ~~هذا وأثبتوا فيها تقديما وتأخيرا ذكر ذلك أبو زيد فى الأسرار. # ونحن نقول أن الاحتجاج بالقراءة الشاذة ساقط والدليل عليه شيئان أحدهما ~~القرآن قاعدة الإسلام ومنبع الشرائع وإليه الرجوع فى جميع الأصول ولا أمر ~~فى الدين أهم منه والأصل أن كل ما جل خطره وعظم موقعه فى أمر الدين فأهل ~~الأديان يتواطئون ويتفقون على نقله وحفظه وتتوفر دواعيهم على ذلك فلو كانت ~~هذه القراءة من القرآن الذى أنزله الله تعالى لنقل نقلا مستفيضا ولشاع ذلك ~~فى أهل الإسلام وحين لم ينقل دل أنه ليس بقرآن وإذا لم يكن من القرآن الذى ~~أنزله الله تعالى لم يقم به حجة لأنه لو كان حجة لكان حجة من هذه الجهة. # ببينة: أن لا خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم فيما أعدوه من الأحكام لا ~~من جهة التواتر ولا من جهة الآحاد وكونه موجودا فى بعض المصاحف لم يثبت أنه ~~قرآن فمن أى وجه يدعون قيام الحجة ms372 به وقولهم أن القراءة الشاذة تنزل منزلة ~~الخبر الواحد هذا دعوى ولا يعرف هذا وبأى دليل تنزل منزلة الخبر الواحد ~~ونحن نعلم أنه لا نقل فى هذه القراءات لا من قبل التواتر ولا من قبل الآحاد ~~ويقول أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أجمعوا فى زمن أمير المؤمنين عثمان ~~بن عفان رضى الله عنه على هذا المصحف الذى يدعى الإمام وهو الذى بين أظهرنا ~~وأطرحوا ما عداه وروى أنهم حرقوا الباقى وقيل أنه دفن وقد نقل اضطراب ابن ~~مسعود فى ذلك غير أن الصحابة لم يلتفتوا إلى اضطرابه واتفقوا على ما. # PageV01P415 # اتفقوا عليه ويروى أنه ناله تأديب عمر ولم ينكر على عثمان فى ذلك منكر ~~يدل عليه أنه لما تجمعت عليه الطائفة المعروفة من الكوفة والبصرة وادعوا ~~أشياء عليه وزعموا أنه غير وبدل لم يرو أنه ذكر أحد منهم أمر المصحف ولو ~~كان ذلك أمرا ينكر لكان الأهم فى ذلك أن يخصوه بالذكر ولا يدعوه جانبا ~~وذكروا أشياء لا تدانى هذا فثبت أن القرآن ما يحويه المصحف للمهام واعلم أن ~~الأولى عندى أن لا يتعرض لتلك القراءة وأشباهها أصلا ولا يذكر أنه قرآن أو ~~ليس بقرآن لأنه فى كلا الأمرين خطأ وقد اشتمل الصحاح على أشياء لا توجد إلا ~~فى قراءة ابن مسعود ولكن مع هذا نقول لا يقوم بما فيه حجة لعدم النقل ولأنه ~~لو كانت تشتمل تلك القراءة على أحكام لا توجد فى القراءة المعروفة لم يعرض ~~عنها الأئمة ولنقلوا ذلك أما بتواتر أو بآحاد حتى لا تضيع ولا تتعطل تلك ~~الأحكام فهذا وجه الكلام فى هذا والله أعلم. # وأما الإعراب الذى اختلف فيه القراء فليس كذلك مخالف المصحف الإمام وقد ~~ادعى أهل القراءة أن ذلك منقول بطريق يوجب العلم ولولا ذلك لم يقروا بها ~~حين انتهى الكلام فى الأخبار وما يتصل بها بعون الله وتوفيقه نذكر. # PageV01P416 ### | القول فى الناسخ والمنسوخ ### | مدخل # ... # القول فى الناسخ والمنسوخ. # ونبتدىء بمعنى النسخ فى اللغة والشرع أما من حيث اللغة فاعلم أن ms373 معنى ~~النسخ فى اللغة نقل الشىء وإزالته بعد ثبوته من قولك نسخت الشمس الظل إذا ~~أزالته ونسخت الرياح الآثار إذا محتها ويقال أيضا نسخت الكتاب وهو بمعنى ~~نقل المكتوب من مكان إلى مكان آخر وقيل أن الأشبه أن يكون حقيقة بمعنى ~~الإزالة فحسب وأما بمعنى النقل فيكون مجازا لأن ما فى الكتاب لا ينقل حقيقة ~~إلا ترى أنه ثابت فيه على ما كان من قبل وإذا كان مجازا فى النقل كما ذكرنا ~~لم يبق إلا أن يكون حقيقته فى الإزالة ويجوز أن يقال أنه حقيقة فى النقل ~~أيضا لأنه إذا نسخ الكتاب فقد حصل المكتوب الذى كان فى هذا الموضع فى موضع ~~آخر فصار شبه النقل أن لم يكن نقلا حقيقة فدلنا هذا أن اسم النسخ موضوع ~~للنقل حيث تجوزوا به فيما يشبه النقل وأما نسخ الكتاب بإزالة وهو لا شبه ~~الإزالة وقد قيل أن ما قالوه لا يدل على أنه ليس بحقيقة فى الإزالة لأنا ~~بينا من حيث اللغة أنهم عرفوا النسخ بمعنى الإزالة ويمكن أن يقال أن النقل ~~بمعنى الإزالة سمى نسخا لأن النقل يزيل المنقول من مكانه الأول1. # والأولى فى الشرع أن يكون بمعنى الإزالة وحده لأنه خطاب دال على ارتفاع ~~الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان لازما مع تراخيه عنه ولا ~~يلزم على هذا ما سقط عن الإنسان بالموت حيث لا يكون ذلك لأنا قلنا خطاب دال ~~وذلك ليس بخطاب ولا يلزم ما وقع مما كانوا عليه من شرب الخمر وغيره لأن ذلك ~~ليس بنسخ من حيث أن ما كانوا عليه لم يثبت بخطاب ولا يلزم ما أسقط بكلام ~~متصل كالاستثناء والغاية مثل قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~[البقرة: 187] حيث لا يكون نسخا لأنه غير متراخى عنه وقيل أن اللفظ الدال ~~على انتهاء الحكم الشرعى مع التآخر عن مورده وهذا جد حسن وهو أوجه من ~~الأول. # واعلم أنه لا يجوز أن يقتصر على قول من قال أنه بيان انقضاء زمان العبادة ~~لأنه ms374 يدخل الموت على هذا فإنه ينتفى زمان العبادة به ولا يكون نسخا ويقال ~~أنه رفع الحكم. PageV01P417 # المأمور به بالنهى عنه ويقال إزالة الحكم بعد استقراره والأولى1 ما سبق. # واعلم أن التناسخ يقع على أشياء فالناصب للدلالة الناسخة يوصف بأنه ناسخ ~~فالله تعالى ناسخ لأنه ينصب الدلالة الناسخة ولهذا يقال أن الله تعالى نسخ ~~التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة ويوصف الحكم بأنه ناسخ فيقال ~~وجوب صوم شهر رمضان ناسخ صوم عاشوراء ويوصف المعتقد لنسخ الحكم بأنه ناسخ ~~فيقال فلان ينسخ الكتاب بالسنة أى يعتقد ذلك ويوصف الطريق بأنه ناسخ فيقال ~~القرآن ناسخ للسنة وخبر كذا ناسخ لخبر كذا فى الحد الذى ذكرناه فى الطريق ~~الناسخ وقد اشتمل الحد الذى ذكرناه على شرائط النسخ وتفصيل ذلك وهو أنه لا ~~بد أن يكون الحكمان أعنى الناسخ والمنسوخ شرعيين2 لأن العجز يزيل التعبد ~~الشرعى ولا يقال أن الناسخ من شرائطه أيضا أن يكون الناسخ منفصلا عن ~~المنسوخ3 لأنه إذا كان متصلا به فإما أن يسمى استثناء أو يسمى غاية ولا ~~يسمى نسخا بحال ألا ترى إلى قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين ~~عاما} [العنكبوت: 14] وإلى قوله تعالى: {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] وقد دل الدليل المنفصل عن ~~الدليل الأول ببيان السبيل وهو الرجم أو الجلد على ما عرف فكان الإمساك ~~منسوخا والرجم والجلد ناسخا ومن شرط صحة النسخ أيضا أن يكون إزالة لحكم ~~الفعل لا لنفس الفعل وصورته لأن صورة الصلاة إلى بيت المقدس لا يصح إزالتها ~~وإنما الأدلة الشرعية دلت على زوال وجوب التوجه إليها أو دلت على جواز ~~الصلاة إليها وقد قال بعضهم إن. PageV01P418 # من شرط حسن النسخ أيضا أن يكون إزالة لنفس ما تناوله التعبد على الوجه ~~الذى تناوله بل أن يكون النسخ فى التعبد بمثله فى وقت آخر وهذا فيه نظر ~~لأنا نجوز نسخ الشىء قبل وقت فعله وسيأتى ذلك من بعد ونبتدىء بالقول فى ~~جواز النسخ. # مسألة النسخ ms375 جائز فى الشرعيات. # وقالت اليهود لا يجوز ذلك وكذلك قال شرذمة من المسلمين1 وقد نسب ذلك إلى ~~بعض الروافض من اليهود وطائفة يجوزون النسخ وتعلق من لم يجوز النسخ بأن ~~جواز النسخ يؤدى إلى جواز البداء على الله تعالى لأنه أداء نهى عن صورة ما ~~أمر به أو أمر بصورة ما نهى عنه يكون قد ظهر له شىء كان خاصا عليه حتى نهى ~~عن غير ما أمر به أو أمر بغير ما نهى عنه وهذا لا يجوز على الله تعالى ~~فيكون النسخ محض البداء وهو من صفات البشر ولا يجوز على الله تعالى قالوا: ~~ولأن الأمر بالفعل يقتضى الفعل أبدا فإن تعلق الأمر يقتضى أن الأمر أراد ~~ذلك فإذا لم يرد الفعل أبدا من اقتضاء الظاهر إياه كان ملبسا وإذا اقتضى ~~الأمر الفعل أبدا فإذا نهى فى المستقبل عنه يدل نهيه أن ظهر له شىء كان ~~خافيا عنه أو خفى عنه شىء كان ظاهرا له وهذا لا يجوز على الله تعالى وهذا ~~الدليل قريب من الأول. # وقد قال بعضهم أن الأمر بالشىء يدل على حسنه والنهى عنه. PageV01P419 # يدل على قبحه فيؤدى النسخ إلى أن يكون الشىء الواحد حسنا قبيحا وهذا لا ~~يجوز وقد نقل اليهود عن موسى عليه السلام أن السبت لا ينسخ أبدا وربما ~~قالوا: أنه قال شريعتي لا تنسخ أبدا وأما دليلنا فى جواز النسخ فنقول على ~~من خالفنا ممن يدعى الإسلام قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} [البقرة: 106] وقال تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} ~~[النحل: 101] ويدل عليه أن نكاح الأخوات كان جائزا فى شريعة آدم صلوات الله ~~عليه وقد نسخ والأولى أن يدل بالدليل النقلى فإن هذا الخلاف مع اليهود فأما ~~المسلمون فعندى أنهم مجمعون على الجواز والدليل العقلى أن الشىء يجوز أن ~~يكون حسنا فى وقت قبيحا فى وقت ألا ترى أنه يحسن أن يقول السيد لعبده افعل ~~كذا فى وقت كذا ولا تفعله فى وقت كذا ويحسن ms376 أن يقول الله تعالى تمسكوا ~~بالسبت ما عشتم إلا السبت الفلانى وهذا لأنه يجوز أن يكون التمسك بالسبت ~~مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت آخر كما يجوز أن يكون الرفق مصلحة لإنسان مفسدة ~~لآخر وكذلك يجوز أن يكون مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت وهذا كما يجوز كون ~~الصحة والمرض والغنى والفقر مصلحة فى وقت دون وقت وكذلك السبت يجوز أن يكون ~~مصلحة فى وقت دون وقت ولا فرق فى العقل بين هذه الأشياء وهذا على قول من ~~يعتبر المصالح ومن هذا الجنس نقلت الأحوال بالإنسان من الطفولية والبلوغ ~~والشباب والكهولة والشيخوخة وما هذا إلا تصريف الأمور على توجيه الحكمة ~~وتدعو إليه المصلحة وابتلاء العباد وامتحان طاعتهم وقتا بعد وقت بالوجه ~~الذى هو خير لهم وأدعى إلى صلاحهم وإن قلنا أن الله عز وجل يكلف عباده ما ~~بينا ولم نعتبر وجوه المصالح فعلى هذا الطريق يجوز النسخ أيضا لأنه لا يجوز ~~أن يكلفهم شيئا فى وقت ويكلفهم فى وقت آخر غيره على ما يشاء ويريد بين ذلك ~~أنه إذا جاز أن يطلق الأمر والمراد إلى أن يعجز عنه لمرض أو غيره جاز أيضا ~~أن ينسخه برهة من الزمان وأما الذى تعلقوا به من فصل البداء وإلحاق النسخ ~~به فليس للقوم إلا ذلك وإذا بينا الفرق بين البداء والنسخ سقط كلامهم جملة. # فنقول البداء فى اللغة أصله بداء الشىء يبدو إذا ظهر بعد خفاء ويقال بدا ~~لنا سور المدينة إذا ظهر من النسخ نقل وتغيير على ما سبق بيانه فلم يتفقا ~~من مأخذ اللغة ولسان العرب فلم يجز أن يجعلا كشىء واحد وهذا لأنه إذا كان ~~البداء من الظهور ويدل على أن بدا له شىء فقد ظهر ما كان خافيا عليه لم يجز ~~على الله تعالى لأنه تعالى لا # PageV01P420 # يخفى عليه خافية ولا تستتر عليه غائبة بل الأشياء كلها له بادية أحاط بكل ~~شىء علما وأحصى كل شىء عددا لا يعزب عنه مثقال ذرة فلهذا لم يجز البداء ~~عليه ولم يتصور ms377 ذلك فى حقه وأما النسخ إزالة حكم بحكم وتبديل حال ويقال ~~تناهى مدة العبادة وليس فى هذا قصور علم ولا لزوم جهل بل تصريف العباد على ~~ما يشاء ويريد أو على ما يعلم من مصالحهم يدل عليه أن البداء الذى توهموا ~~إنما يلزم أن لو كان الله تعالى نهانا عن نفس ما أمرنا به1 وذلك أن يقول: ~~افعلوا كذا فى وقت كذا على وجه كذا ثم يقول: لا تفعلوا ويذكر ذلك الوقت ~~وذلك الوجه أو يقول: افعلوا كذا أبدا ولا تنتقلوا عنه ثم ينقلنا عنه فأما ~~إذا أمرنا بأمر مرسل ويريد أن ينقلنا عنه بعد زمان ونقلنا حين جاء ذلك ~~الزمان فليس بمنكر ولا مستحيل ولا فيه معنى البدل إلا ترى أنه لو قال صلوا ~~إلى بيت المقدس إلى الزمان الذى أنقلكم عنه إلى الكعبة وجاء الشرع بصريح ~~هذا كان جائزا سائغا كذلك إذا أطلق وأراد أن يفعل كذلك أو الجملة أنه يجوز ~~أن يكون الشىء حسنا فى وقت قبيحا فى وقت مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت ولو كان ~~الشىء ووصفه واحد فى جميع الأوقات لكان حكم نكاح الأخوات واحد فى الأوقات ~~كلها ومعلوم أنه ما كان نكاح الأخوات محظورا فى زمن آدم عليه السلام وقد ~~صار فى زمن موسى عليه السلام وإذا جاز وفى هذه الصورة الواحدة جاز فى سائر ~~الصور وهذا قاطع لا يتأتى عليه كلام وأما الكلام الثانى الذى قالوه أن ظاهر ~~إطلاق الأمر هو الأمر بالفعل أبدا قلنا هذا ليس كذلك لأن الأمر المطلق لا ~~يفيد التكرار وإنما يفيد الفعل مرة واحدة وقد سبق بيان هذا وأن قلنا يوجب ~~التكرار فلا نقدم على اعتقاد التأبيد لجواز أن يرد نسخ من الله تعالى وهذا ~~صحيح من شرائع من قبلنا لأنه قد أشعرهم بورود نبى بعد نبيهم فأما فى شرعنا ~~فقد انحسم الباب كلية ولا بد من اعتقاد بوجوب على التأبيد اللهم إلا أن ~~يقدر الأمر فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يجوز ورود ms378 النسخ وقد ~~ذكر عبد الجبار الهمدانى فى العمد أنه لو قال افعل كذا أبدا لا يقتضى ~~الدوام أيضا قال ولهذا لا يفهم من قول القائل لغيره الزم فلانا أبدا واحبسه ~~أبدا الدوام وقولهم أن فى تأخير بيان النسخ إلباسا قلنا الإلباس إنما ثبت ~~إذا لم يبين الحكيم ما يجب لبيانه مما يحتاج المكلف إليه فأما ما لا يحتاج ~~إليه فلا يجب بيانه ولا إلباس فى ترك بيانه وهل ترك بيان النسخ إلا جهل ~~العبد بوقت ارتفاع العبادة وأما الذى ادعوه من قول موسى. PageV01P421 # فقد قالوا: أنه كذب عليه وإنما لقنهم ذلك ابن الروندى والدليل على ذلك ~~أنه لو كان لهذا أصل صحيح لاحتج به أحبار اليهود على النبى صلى الله عليه ~~وسلم ولو فعلوا ذلك لنقل عنهم ولاشتهر وعرفناه كما عرفنا سائر أمورهم ~~فعلمنا من هذا أن هذا كذب صريح على موسى صلوات الله عليه. # واعلم أن الأصوليين قد ذكروا الخلاف فى هذا مع طائفة من اليهود وشرذمة من ~~المسلمين ونسبه الشيخ أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله فى كتابه إلى أبى مسلم ~~محمد بن بحر الأصبهانى وهذا رجل معروف بالعلم وأن كان قد انتسب إلى ~~المعتزلة وبعد عنهم وله كتاب كبير من التفسير وكتب كثيرة فلا أدرى كيف وقع ~~هذا الخلاف منه ومن خالف فى هذا من أهل الإسلام فالكلام معه أن يريه وجود ~~النسخ وذلك مثل نسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته بالاثنين ونسخ التوجه إلى ~~بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة ونسخ صوم عاشوراء برمضان إلى غير ذلك فإن ~~لم يعرف مدة الأشياء كان هذا تعنتا أو ظنا ولزوم أن ترفع شريعة من قبلنا ~~بشرعنا لا يكون نسخا أيضا وهذا لا يقوله مسلم وقد قال بعض الرافضة يجوز ~~البداء على الله تعالى وهذا باطل لأنهم أن أرادوا إثبات ما قلناه أنه يظهر ~~ما كان خافيا عنه فهو كقوله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وأن أرادوا تبديل ~~العبادة والفروض فهذا لا ننكره وليس من البداء فى شىء. # ومما ms379 يتصل بهذه المسألة فصلان. # أحدهما: أنه يجوز النسخ وأن اقترن بالمنسوخ ذكر التأبيد وعند بعض ~~المتكلمين لا يجوز النسخ إلا فى خطاب مطلق وأما إذا قيد فلا يجوز نسخه1 ~~وزعموا أن ذلك لا يؤدى إلى البداء الذى ذكرناه وعندنا يجوز النسخ فى هذه ~~الصورة أيضا ولا يكون البداء وقد ذكرنا طرفا منه فى المسألة الأولى. # ببينة: أنه إذا جاز أن يقال لازم غريمك أبدا ويريد إلى وقت القضاء جاز أن ~~يقال فعل كذا أبدا ويراد إلى وقت النسخ يدل عليه أنه إذا جاز ذكر الكل ~~والجميع فى الأعيان ولا يمنع ذلك التخصيص جاز أن يذكر أبدا فى الزمان ولا ~~يمنع ذلك النسخ ولأنه إذا جاز أن يفيد الخطاب بالتأبيد ثم يكون معناه ما لم ~~يعجز المخاطب عن الفعل لمرض وغيره جاز أن يفيد التأبيد ويكون معناه افعلوا ~~أبدا ما لم أنسخه عنكم. PageV01P422 # والفصل الثانى: وهو أن النسخ جائز وأن لم يشعر عند التكليف بالنسخ وقال ~~المتكلمين لا يجوز ما لم يشعر عند الخطاب بالنسخ وزعموا أنه إذا لم يشعر ~~بالنسخ يؤدى إلى الإلباس وعندنا هذا ليس بشرط وترك الإشعار لا يؤدى إلى ما ~~ذكروه والدليل عليه أن عامة ما وجد من الناسخ والمنسوخ فى شريعتنا لم يعرف ~~فى ذلك إشعار ومن ادعى معرفة ذلك للصحابة ابتداء التكليف يكون مباهتا قطعا ~~ولأن الإشعار بالنسخ لأى معنى يجب وأى حاجة وقعت إلى ذلك وإذا اعتقد ~~المخاطب أن الله تعالى يأمر بما شاء واعتقد أنه يجوز أن يكون فعله للشىء ~~مصلحة فى وقت مفسدة فى وقت فكيف يقع له الحاجة إلى الإشعار الذى ذكروه يدل ~~عليه أنه لو وجب الإشعار بما يزيل الأمر من النسخ لوجب الإشعار بما يحدث من ~~الأمراض المسقطة للأمر وحين لم يجب الإشعار فى تلك الصورة كذلك فى النسخ ~~لأنها فى المعنى واحد وقد ظهر الجواب عما قالوه من فصل الإلباس فيما قلناه ~~والله أعلم. # PageV01P423 ### | فصل: ما يجوز نسخه وما لا يجوز # ... # فصل: إذا عرفنا معنى النسخ وجوازه سنذكر ms380 ما يجوز نسخه وما لا يجوز فنقول: # أن النسخ لا يجوز إلا فيما يجوز وقوعه على وجهين كالصلاة والصوم ~~والعبادات الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد ~~وصفات الله عز وجل فلا يصح فيه النسخ وعبر بعضهم عن هذا فقال أن النسخ لا ~~يقع فى موجبات العقول وإنما يقع فى مجوزات العقول1 ولذلك قال النبى صلى ~~الله عليه وسلم: "أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت" 2 وذلك أن الحياء غريزة فى الإنسان محمودة حسنة فى العقول ~~وهو قائم بعينه ونفسه فلم يجز أن يتناسخه الأديان والشرائع فكان ذلك مستمر ~~فى الشرائع على وجه واحد باقيا ما بقى التكليف وفى هذا كلام كثير ومرجعه ~~إلى الكلام ولا حاجة بنا إليه ومما لا يجوز النسخ فيه ما أخبر الله تعالى ~~من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة وكذلك ما أخبر من الكوائن فى ~~المستقبل من خروج الدجال وغير ذلك لا يجوز فيه النسخ وجوز بعض الأشعرية نسخ ~~الخبر فى المستقبل ويمنع من ذلك فى الماضى وأجاز قوم نسخ الأخبار فى الماضى ~~والمستقبل جميعا3. PageV01P423 # والصحيح أنه لا يجوز النسخ فى الأخبار بوجه ما لأنه يؤدى إلى دخول الكذب ~~فى أخبار الله تعالى وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لا يجوز فإن ~~قال قائل ما قولكم فى الأخبار الواردة فى الوعيد لمرتكبى الكبائر قلنا يجوز ~~العفو عنها قالوا: فهذا نسخ قلنا هذا ليس بنسخ إنما هو من باب التكرم ~~والعدول عن المتوعد بالفضل وقد يتكلم المتكلم بالوعيد وهو لا يريد إمضاءه ~~ولا يعد ذلك خلفا بل يعد عفوا وكرما وقال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد ~~حين تكلما فى هذا إنك رجل أعجمى القلب أن العرب تعد الانصراف عن الوعيد ~~كرما والانصراف عن الوعد لؤما وأنشد: # وإنى إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادى ومنجز موعدى # وقال الأصمعى ما سمعت أعرابيا يقول: سبحان من إذا وعد وفى وإذا أوعد عفى ms381 ~~وقال بعض أصحابنا أن وقوع العفو عن المذنبين مع أن الوعيد إنما جاء من ~~ترتيب الخطاب بعضه على بعض فإن الله تعالى قال ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم وقال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها} وقال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم} [لأنفال: 16] إلى أمثال هذا ~~وقال تعالى: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} [الرعد: 6] وقال فى موضع ~~آخر: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 116] وأمثال ذلك فكانت الآيات ~~المتقدمة مرتبة على هذا والآيات المشتبه فيها مضمرة وإذا ورد الأمر بلفظ ~~الخبر مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: ~~228] فنسخه جائز فى قول الأكثرين ومنع منه من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق ~~فعلق الحكم بالخبر على معنى الأمر وهذا فاسد لأن الأمر بلفظ الخبر يجرى على ~~حكم الأمر من وجهين. # أحدهما: اختصاص الأمر بالإلزام والخبر بالإعلام. # والثانى: اختصاص الخبر بالماضى والأمر بالمستقبل فلما تعلق بما ورد من ~~الأمر بلفظ الخبر حكم الأمر دون الخبر من هذين الوجهين كذلك حكم النسخ ~~ولأنه أمر وضح نسخه كسائر الأوامر وما لا يجوز نسخه بالإجماع لأن الإجماع ~~لا يكون إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسخ لا يجوز بعد موته ~~صلى الله عليه وسلم وكما لا يجوز الإجماع بنسخه فلا يكون ناسخا أيضا1 لأن ~~الإجماع لما كان ينعقد بعد زمان النبى صلى الله عليه وسلم لم يتصور أن ينسخ ~~ما. PageV01P424 # كان من الشرعيات في زمانه ولأن الأمة لا تجتمع على مثل هذا لأنه يكون ~~اجتماع على ضلاله وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يجتمعون على ~~الضلالة. # فان قيل قد نسختم خبر الواحد بالإجماع وهو الخبر الذي روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "من غسل ميتا فليغتسل ومن مسه فليتوضأ" 1. # قلنا إنما استدل من مخالفة الإجماع له على تقدم نسخه فصار منسوخا بغير ms382 ~~الإجماع لا بالإجماع فصار الإجماع في هذا الموضع دليلا عن النسخ ولم يقع به ~~النسخ وأما نسخ الإجماع با لأجماع فمثل أن يجمع الصحابة في حكم على قولين ~~ثم يجمع التابعون بعدهم على قول واحد منهما فيكون الصحابة مجمعة على جواز ~~الاجتهاد فيها والتابعون مجمعون على نسخ الاجتهاد فيها. # وفي هذه المسألة قولان للشافعي على ما سنبينه في مسائل الإجماع وعلى ~~القول الذي يجوز صحة الإجماع لا يكون نسخا كما تقدم لأن الصحابة وأن سوغوا ~~الاجتهاد ولكن إنما سوغوا إذا لم يمنع منه مانع كما سوغوا الاجتهاد من ~~صحابي عن حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان منع الاجتهاد في إجماع ~~التابعين لهذه العلة لا أنه منسوخ. # واما دليل الخطاب فيجوز نسخ موجبة ولا يجوز النسخ بموجبه لأن النسخ أقوى ~~من دليله. # واما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز لأنه مثل النطق وأقوى منه2 وقد جعل ~~الشافعي فحوى الخطاب في قوله عز وجل: {فلا تقل لهما أف} مع تحريم الضرب ~~قياسا على التأفيف فعلى قوله لا يصح النسخ به لأن القياس لا يجوز به نسخ ~~النص. # وأما نسخ الفحوى فإنه توجه النسخ إلى النطق كان نسخا له ولفحواه ولمفهومه ~~وأن توجه النسخ إلى الفحوى والمفهوم فقد اختلفوا في جوازه مع إبقاء نطفه ~~فجوزه أكثر المتكلمين كالنصين يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر ويمنع من ذلك ~~أكثر الفقهاء لأن. PageV01P425 # ثبوت نطفه موجب لفحواه ومفهومه فلم يجز نسخ الفحوى والمفهوم مع بقاء ~~موجبة1 كما لا يجوز نسخ القياس مع بقاء أصله. # وأما الحكم الذي ثبت بالقياس فنسخ أصله يوجب نسخه في قول الشافعي وجمهور ~~الفقهاء وقال بعض أصحاب أبي حنيفه يكون حكم القياس بعد نسخ أصله ثابتا في ~~فروعه وهذا لا يصح لأن زوال الموجب يقتضي زوال الموجب ولأنه ما ثبت تابعا ~~لغيره يزول بزواله لآن المتبوع أصل والتابع فرع ولا يصح بقاء الفرع مع زوال ~~أصله لأنه إذا بقى لا يكون فرعا. # وأما نسخ القياس مع بقاء أصله فعلى وجهين وهو مثل ms383 ما إذا نسخ الأصل هل ~~يكون ذلك نسخا للقياس وعلى وجهين أيضا وصورته وهو أن ثبت الحكم في عين بعلة ~~وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم فى تلك العين المقيس عليها والأصح أن يبطل ~~الحكم في الفروع لأن الفرع تابع للأصل فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في ~~الفرع. # وأما النسخ بالقياس فلا يجوز لأن القياس مستعمل مع عدم النص فلا يجوز أن ~~ينسخ النص وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز النسخ بالقياس الجاري في ~~أخبار الآحاد2 والأصح هو الأول لما ذكرنا ولأن القياس إنما يصح إذا لم ~~يعارضه نص فإذا كان نص يخالف القياس لم يكن للقياس حكم فلا يجوز النسخ به. ~~PageV01P426 ### | فصل: وجوه النسخ # ... # فصل: قد ذكرنا بعض ما يجوز النسخ به وسنبين الباقي بعد ذلك وفيه كلام ~~كثير ومسائل من الخلاف كبار ونذكر الآن وجوه النسخ فنقول: # الناسخ والمنسوخ يشتمل على ستة أقسام. # أحدها: ما نسخ حكمه وبقي رسمه كنسخ أية الوصية في الوالدين والأقربين ~~بآية المواريث: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] الآية ونسخ العدة ~~حولا بأربعة أشهر. # PageV01P426 # وعشرا فالمنسوخ ثابت التلاوة مرفوع الحكم والناسخ ثابت التلاوة ثابت ~~الحكم. # والقسم الثاني: ما نسخ حكمه ورسمه وثبت حكم الناسخ ورسمه كنسخ استقبال ~~بيت المقدس باستقبال الكعبة ونسخ صيام عاشورا بشهر رمضان فالمنسوخ مرفوع ~~الرسم والحكم والناسخ ثابت الرسم والحكم. # والقسم الثالث: ما نسخ حكمه وبقي رسمه ورفع رسم الناسخ وبقي حكمه كقوله ~~تعالى: {فأمسكوهن في البيوت} لأنه نسخ بقوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة نكالا من الله وقال عمر رضى الله عنه كنا نقرؤها على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا أن يقال زاد عمر في كتاب الله لأثبتها ~~فيه والمنسوخ باقي التلاوة مرفوع الحكم والناسخ مرفوع التلاوة ثابت الحكم. # والقسم الرابع: ما نسخ حكمه ورسمة ونسخ رسم الناسخ وبقى حكمه كالمروى عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن عشر رضعات ~~معلومات فنسخن بخمس رضعات معلومات ms384 فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~ما يتلى في القرآن1 يعني أنه يتلى حكمه دون لفظه وكان المنسوخ مرفوع ~~التلاوة والحكم والناسخ مرفوع التلاوة باقى الحكم ومنع قوم من نسخ اللفظ مع ~~بقاء حكمه ومن نسخ الحكم مع بقاء لفظه2 لأنه يؤدي أحدهما إلى أن ينفي ~~الدليل ولا مدلول والآخر يؤدي إلى أن يرتفع الأصل ويبقى التابع والصحيح هو ~~الجواز لأن التلاوة والحكم في الحقيقة شيئان مختلفان فجاز نسخ أحدهما ~~وتبقيه الآخر كالعبادتين يجوز أن ينسخ أحدهما ويبقي الآخر. # والقسم الخامس: ما نسخ رسمه أو حكمه ولا يعلم الذي نسخه كالمروي أنه كان ~~في القرآن لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ~~أبن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب كما رواه أنس في أصحاب ببئر ~~معونة وهم القراء الذين قتلوا بئر معونة قال أنس كنا نقرأ بلغوا إخواننا ~~أنا لقينا ربنا فرضى علينا. PageV01P427 # وأرضانا1. # وهذا القسم في معنى النسخ وليس بنسخ حقيقة ولا يدخل في حد النسخ. # وقد روى أن رجلا قام في الليل ليقرأ سورة فلم يقدر عليها فسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رفعت البارحة وقيل أن سورة الأحزاب كانت مثل سورة ~~البقرة فسخ منها ما زاد على الموجود. # والقسم السادس ناسخ صار منسوخا وليس منهما لفظ متلو كالتوارث بالحلف ~~والنصرة نسخ بالتوارث بالإسلام والهجرة ثم نسخ التوارث بالهجرة وهذا داخل ~~في أقسام النسخ أيضا من وجه ذكر هذه الأقسام الستة القاضي الماوردى وعندي ~~أن القسمين الآخرين تكلف وليس بتحقق فيهما النسخ. PageV01P428 ### | فصل آخر في بيان وجوه النسخ. # وهو معرفة حكمه فنقول أحكامه مشتملة على ستة أضرب. # أحدها: أن ينسخ الحكم بمثله في التخفيف والتغليظ2 مثل نسخ استقبال بيت ~~المقدس بالكعبة. # والضرب الثاني: نسخ الحكم إلى ما هو أخف منه مثل نسخ العدة حولا كاملا ~~بالعدة أربعة أشهر وعشرا. # والضرب الثالث: من النسخ أن ينسخ الحكم بما هو أغلظ منه فقد منع منه قوم ~~أهل الظاهر ms385 وذكره ابن داود وصار إليه فقال بعضهم منع بالعقل لما فيه من ~~التنفير وقال بعضهم منع منه بالشرع لقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} [البقرة: 185] واحتج محمد بن داود بقوله تعالى: {ما ننسخ ~~من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] ونح ندل على جوازه ~~بالعقل والشرع جميعا أما من حيث العقل فإن الناس في أصل التكليف على قولين ~~منهم من بناه على مشيئة الله تعالى. PageV01P428 # وعلى هذا لا يمتنع نسخ الأخف بالأثقل كما لا يمتنع نسخ الأثقل بالأخف ~~ومنهم من اعتبر فيه الأصلح وعلى هذا لا يمتنع أن يكون من المصلحة نسخه ~~بالأخف تارة وبالأثقل أخرى وأما الشرع فنقول نسخ الأخف بالأثقل قد وحد في ~~الشرع إلا ترى أن الله وضع القتال في أول الإسلام ثم نسخه بفرض القتال ونسخ ~~الإمساك في الزنا بالجلد وصوم عاشورا بصوم رمضان لأن الأثقل يكون أكثر ~~ثوابا على ما قاله عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: "إنما أجرك على قدر ~~تعبك" 1 فيكون نسخ الأخف با لأغلظ تعريض المكلف للثواب الكبير وهذا لا يمنع ~~منه اشرع ولا عقل وأما قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} فمعنى ذلك نأت بما ~~هو أنفع لكم وأعود عليكم وقد تكون الفائدة فيما هو الأثقل واستقام معنى ~~الآية على هذا. # والضرب الرابع: أن ينسخ التخيير بين أمرين بانختام أحدهما كالذي في صدر ~~الإسلام من التخيير في صيام رمضان بعد الفدية والصيام بقولة: {وعلى الذين ~~يطيقونه فدية} [البقرة: 184] الآية ثم نسخ التخيير بأنختام الصيام بقوله ~~تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وفي هذا دليل أيضا على ~~جواز نسخ الأخف بالأغلظ لأن انختام الصوم أغلظ من التخيير. # والضرب الخامس: نسخ الوجوب بالإباحة والإباحة بالوجوب كنسخ تحريم الأكل ~~والمباشرة بعد النوم في ليل الصيام بإباحته بقوله تعالى: {أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] وأما نسخ الإباحة بالوجوب كنسخ ~~النهى عن القتال بإباحته ثم إباحته بوجوبه وقد نسخ الواجب إلى الندب مثل ~~قيام ms386 الليل نسخ إيجابه إلى الندب. # والضرب السادس: أن يكون النسخ إلى غير بدل وهو جائز عند الجمهور ومنعت ~~منه طائفة من أهل الظاهر2 لقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} [البقرة: 106] والدليل على جواز ذلك السمع والمعقول أما ~~السمع فلو جود ذلك. # ألا ترى أن نسخ إيجاب الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~غير بدل ونسخ تحريم إدخار لحوم الأضاحي إلى غير بدل ومن حيث المعقول فلأنه ~~أن كان بالمشيئة فيجوز أن يشاء نسخه إلى بدل ويجوز أن يشاء نسخه لا إلى بدل ~~وأن كان الاعتبار. PageV01P429 # بالمصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في نسخ الشيء إلى بدل ورفع الواجب لا إلى ~~بدل ولأنه إذا جاز أن يسقط بالعذر إلى بدل وغير بدل جاز أن يسقط بالنسخ إلى ~~بدل وغير بدل وأما الآية قلنا الآية محمولة على النسخ إلى بدل ثم وصفه أن ~~يكون مثل الأول أو خيرا منه فهذا إتمام هذه الأضرب فإن نسخت صفه من صفات ~~العبادات كالصلاة ينسخ منها استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة فقد ~~اختلفوا أنه هل يكون نسخا بجميع العبادة فجعله أهل العراق نسخا بجميعها ~~وجعلوا فرضها مبتدأ بالأمر الثاني دون الأول لارتفاع الأول بزوال شرطه ~~فتكون الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة بالصلاة إلى الكعبة والصحيح وهو الذي ~~عليه جمهور أصحاب الشافعي بأن فرضها باق دون نسخ صفتها ولأن النسخ يكون ~~مقصورا على الصفة ولا يتعدى إلى الأصل لأن النسخ لا يتعدى من محله إلى غير ~~محلة فعلى هذا تكون الصلاة إلى بيت المقدس محولة إلى الكعبة ومن حيث التوجه ~~فحسب وأما جواز أصل الصلاة بعد تحويلها إلى الكعبة إنما هو بالخطاب الثابت ~~قبل النسخ. # PageV01P430 ### | فصل: في أوقات النسخ # ... # فصل ونتكلم الآن في أوقات النسخ. # فنقول أوقات النسخ على ثلاث أضرب ضرب يجوز فيه النسخ وضرب لا يجوز فيه ~~النسخ وضرب اختلفوا فيه. # أما الضرب الأول: وهو الذي يجوز به النسخ وهو بعد العلم بالمنسوخ وبعد ~~العمل به ms387 فيجوز نسخه سواء عمل به جميع الأمة أو بعض الأمة فالأول مثل ~~استقبال القبلة والثاني مثل فرض الصدقة في مناجاة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فإنه روى أنه عمل به على أبن أبي طالب رضي الله عنه وحدة. # وأما الضرب الثاني: فهو النسخ قبل العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه فلا يجوز ~~نسخه لأن النسخ يكون فيما استقر فرضه ليخرج به عن البداء والنسخ قبل العلم ~~بالمنسوخ يؤدي إلى البداء لأنه يصير كما لو قال افعل ولا تفعل وهذا يقبح ~~إلا ترى أنه إذا كان متصلا يقبح فإذا كان منفصلا يقبح أيضا فإن قيل أليس ~~روى أن الله تعالى فرض خمسين صلاة ليلة المعراج ثم أنه نسخه قبل أن تعمل به ~~الأمة والقصة ثانية في تردد النبي صلى الله عليه وسلم ومسألة التخفيف وحث ~~موسى إياه على ذلك قلنا قد كان الرسول صلى الله عليه وسلم عالما بذلك ~~واعتقد وجوبه فقد نسخ بعد العلم بوجوبه واعتقاده. # PageV01P430 # والضرب الثالث وهو النسخ بعد العلم به واعتقاد وجوبه قبل العمل به وقبل ~~وقت عمله فقد اختلفوا في ذلك على ما سنبين. # مسألة يجوز عندنا نسخ الشيء قبل وقت فعله. # وقال أبو بكر الصيرفي لا يجوز وهو قول المعتزلة ولأصحاب أبي حنيفة في ذلك ~~خلاف وذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز وذهب بعضهم إلى جوازه1 والمسألة تدور على ~~أنهم يقولون مثل هذا النسخ يدل على البداء وعندنا لا يدل على ذلك وأما ~~أكثرهم فقد تعلقوا بهذا الحرف وقالوا: نسخ الشيء قبل وقت فعله يؤدي إلى ~~البداء والبداء لا يجوز على الله تعالى والدليل على أنه يؤدي إلى البداء أن ~~الله عز وجل إذا قال لنا في صبيحة بوم صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة ~~ثم قال عند الظهر لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة كان الأمر والنهي ~~متناولا فعلا واحدا على وجه واحد في وقت واحد وقد صدر من مكلف واحد إلى ~~مكلف واحد وفي تناول النهي لما تناوله الأمر على الحد الذي تناوله من ms388 غير ~~انفصال دليل أما على البداء وأما على القصد إلى الأمر القبيح والنهي عن ~~الحسن وهذا لأن أمر الحكيم يدل على حسن المأمور به ونهيه يدل على قبح ~~المنهي عنه فأما إذا أمر بفعل في وقت من الأوقات دل ذلك على حسنه فإذا ~~نهانا عنه نهيا عما هو حسن والنهي عن الحسن قبيح كما أن الأمر بالقبيح قبيح ~~وذلك لا يجوز توهمه على الله سبحانه وتعالى وهذا دليل المتكلمين ولأن الأمر ~~لا بد له من فائدة وإذا جوزنا النسخ على ما قلتم سقطت فائدة الأمر قالوا: ~~فلا يجوز أن يقال قد أفاد اعتقاد الوجوب والعزيمة على الفعل وإذا أفاد هذا ~~سقط صفة البداء عن النسخ لأن المسألة مصورة فيما إذا كان النهي يتناول غير ~~ما أمر به والأمر طلب الفعل وإذا جوزنا نسخه قبل وقت الفعل لم يبق للأمر ~~فائدة فيما وضع الأمر له فأما اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل فليس الأمر ~~بموضوع لهما. # ببينة: أنه على ما قلتم يصير كأن الله تعالى قال اعزموا واعتقدوا وقوله ~~افعلوا ليس بعبادة عنه لا لغة ولا شرعا ولا حقيقة ولا مجازا فصار الأمر ~~أمرا بالفعل لا بغيره. PageV01P431 # فقيل وقت الفعل إذا نسخ يؤدي إلى ما ذكرناه ويؤدي إلى سقوط الفائدة عن ~~الأمر وأيضا فانه لا بد أن يكون في الأمر بالعزم والأمر بالاعتقاد فائدة ~~ولا فائدة في ذلك إذا لم يجب العزوم عليه أو سقط عنه وحله قبل وقته فإن ~~قلتم أن الفائدة اختيار المكلف فهذا لا يصح لأن حقيقة الأخبار إنما يجوز ~~على من لا يعرف العاقبة دون من يعرف العاقبة وأيضا فإيجاب العزم والاعتقاد ~~على الإطلاق لا يحسن والمعزوم عليه غير واجب لأنه لا يحسن اعتقاد وجوب ما ~~ليس بواجب. # دليل آخر لهم وهو أن المراد من الأمر هو الابتلاء بالامتثال والابتلاء ~~بالفعل إنما يوجد عند أدراك وقت الفعل وأما قبل أدراك وقت الفعل فكيف يتصور ~~الابتلاء بالفعل فإن قلتم أن الابتلاء باعتقاد الوجوب فقد ذكرنا أن الأمر ~~بالفعل لا ms389 باعتقاد الفعل وقبوله والدليل عليه أن في أوامر العباد يكون ~~المراد بها تحصيل للفعل كذلك في أوامر الشرع يدل عليه أن بمجرد الأمر يجب ~~تحصيل الفعل بغير بيان يقترن به ولو كان يحتمل الفعل ويحتمل اعتقاد الفعل ~~لما وجب تحصيل الفعل من غير بيان لأن المحتمل لا يوجب شيئا وهذا استدلال ~~القاضي أبي زيد لهم والمعتمد هو الأول وأما دلائلنا في المسألة نستدل أولا ~~بالوجود والدليل على وجود مثل هذا النسخ قصة إبراهيم عليه السلام فانه أمر ~~بذبح أبنه بدليل قوله تعالى: {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ~~قال يا أبت افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] وقوله: {ما تؤمر} دليل على أنه ~~كان مأمورا بذبح الولد ثم نسخه قبل أن يفعله وفداه بذبح عظيم فإن قيل أن ~~إبرهيم عليه السلام لم يؤمر بذبح الولد الذي هو قطع الحلقوم وفرى الأوداج ~~وإنما أمر بمعالجة الفعل الذي هو حكاية الذبح فانه روى أنه كان يقطع ويلتئم ~~بقدرة الله تعالى بدليل أن الله تعالى قال: {قد صدقت الرؤيا} [الصافات: ~~105] ومنهم من قال كان مأمورا بمقدمات الذبح لا بنفس الذبح قالوا: على ~~الجملة لم يكن مأمورا بأكثر مما فعل بدليل ما تلونا من قوله تعالى: {قد ~~صدقت الرؤيا} [الصافات: 105] قلنا هذا التأويل الذي قلتم خلاف ما يقتضيه ~~لفظ الكتاب حقيقة لأن الذبح في اللغة هو الشق قال الشاعر: # كان بين فكها والفك ... فارة ممسك ذبحت في شك # أى شقت فدل أن الأمر تناول الفعل الذي هو شق الذبح يدل عليه لو كان الأمر ~~على ما زعموه لم يكن لقوله: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات:107] معنى لأن ~~الفداء لا معنى له من حصول الفعل المأمور به فإن الفداء اسم للذي أقيم مقام ~~الشيء المفدى ولم. # PageV01P432 # يمكن أيضا لقوله: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} [الصافات: 102] ولا ~~لقوله: {إن هذا لهو البلاء المبين} [الصافات:106] وجه لأن معالجته مقدمات ~~الذبح مع علمه بالسلامة لا يبلغ المبلغ الذي يقتضي هذا القول في عظم ~~الامتحان فدل أن الله ms390 تعالى أمره بحقيقة الذبح ثم من عليه ونسخه قبل أن ~~يفعل وأما قوله: {قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 105] فمعناه والله أعلم أزمعت ~~التصديق واعتقدت الفعل وأردت فعله إلا أن الله تبارك وتعالى أعفاك عنه ~~وأبقى عليك ولدك انعاما ومنه يدل عليه قصة المعراج وفرض الرب عز اسمه خمسين ~~صلاة ونسخها بخمس صلوات قبل الفعل فان قالوا: أن هذا الخبر واحد قلنا قد ~~تلقته الأمة بالقبول وهو من قبيل التواتر على ما سبق وقد ذكرنا كلامهم على ~~هذا وأجبنا عنه وعلى ذلك الجواب نستقيم الحجة في هذه المسألة وأيضا فإن ~~الله تعالى أمر بالصدقة قدام نجوى النبي صلى الله عليه وسلم ونسخه قبل فعله ~~وهم يقولون أن وقت الفعل قد كان حضر بدليل ما روى أن عليا رضي الله عنه ~~استعمله ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشا عام الحديبية ~~وكان فيما شرطوه في الصلح أن يرد عليهم من جاء من المسلمين فيهم رجلا كان ~~أو امرأة1 ثم نسخ الله تعالى ذلك فى النساء بقوله تعالى: {فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: ~~10] ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى فتح مكة: " وإنما أحلت ~~لى ساعة من نهار" 2 يعنى أحل القتال بمكة ثم قد اشتهرت الأخبار أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم منع من القتال فيها وكان ذلك قبل وقت الفعل والمعتمد هو ~~خير إبراهيم عليه السلام3 وخبر المعراج على الوجه الذي قدمناه ويمكن أن ~~يتعلق بظاهر قوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ~~[الرعد:39] وأما دليلنا من جهة المعقول هو أن الدليل لما قام على حسن النسخ ~~على الجملة فلا فرق بين أن ينسخ قبل وقت الفعل أو بعد وقت الفعل لأنه يجوز ~~أن يكون المراد بالأمر هو اعتقاد الوجوب والعزم على الفعل إذا حضر وقته ~~وبكون الله تعالى قد ابتلى عباده بهذا القدر وهو ابتلاء صحيح لآن الإيمان ~~رأس. PageV01P433 # الطاعات فيجوز ms391 أن يكون الله تعالى ابتلى عباده بقبول هذه العبادة ايمانا. # ببينة أن الاعتقاد أحد موجبي الأمر فيجوز أن يقع القصد إليه في الأمر ألا ~~ترى أنه لو قال لنا صلوا ركعتين إذا زالت الشمس أن لم أرفع الأمر عنكم قبله ~~كان هذا سائغا في العقول غير مستحيل كذلك إذا أبهم وأراد ذلك ورفعة قبل وقت ~~فعله كان مستحيلا أيضا يدل عليه أن الأمر كما يسقط عن المأمور بنسخه عنه ~~بموته وعجزه عن الفعل ثم إذا لم يكن مستحيلا أن يؤمر بالشيء ثم لا يصل إلى ~~فعلة بموت لا يقطعه عنه أو عجز يحول بينه وبينه وقد يؤمر قلنا إذا اعتبرتم ~~هذا فقولوا لا يجوز النسخ أصلا لأنه إذا كان المأمور به صلاح العباد فلا ~~يجوز أن ينهي عما يصلحهم ولكن قيل لما نسخه تبين أن الصلاح كان إلى هذه ~~الغاية كذلك هاهنا إذا نسخ دل النسخ أن الصلاح كان هذا القدر وهو إلزام ~~القبول وإيجاب اعتقاد الوجوب. # ببينة:أنه غير مستبعد في قضايا العقول أن يكون صلاح عبده في أمره بشيء ثم ~~إذا علم واعتقد الوجوب يرى أن صلاحه في غيرة. # وأما قولهم أنه لا يحسن أن يصل النهي بالأمر فيقول: افعلوا لا تفعلوا ~~قلنا إنما كان كذلك لأنه إذا وصل به لا يفيد الأمر فائدة وأما هاهنا قد ~~أفاد الأمر فائدة على ما سبق فصح النسخ كما بعد الفعل والله أعلم. # [مسألة] 1 أعلم أن المسلم يقتل الكافر فيتوجه إليه بسيفه ثم يقتل قبل أن ~~بصل إليه أو تصيبه آفة تحول دون قصده فإذا جازت مثل هذه الصورة وهذه ~~العوارض المانعة من الفعل جاز أيضا عارض النسخ يدل عليه أن الخصوم في هذه ~~المسألة وافقونا أنه يجوز أن يأمر الله تعالى بموأصلة الفعل سنة ثم ينسخه ~~عنا بعد أشهر فكذلك يجوز أن ينسخه أيضا قبل ابتداء شئ من الفعل لأن جميع ~~ذلك نسخ قبل وقت الفعل فإن قيل بالنسخ تبين أنه لم يعني بالسنة جميعها وأن ~~لم يكن أراد الفعل ms392 إلا فى بعض السنة وكان النسخ بيانا للمراد بالخطاب وصار ~~النهي متناولا غير ما يتناوله الأمر ويجاب عنه فيقال يقيد الأمر بالفعل ~~بالسنة والسنة وقت معلوم الأول والآخر يمنع أن يكون المراد بعض السنة أما ~~الجواب عن كلامهم أما الأول قولهم أن هذا يؤدى إلى البداء لأن البداء أن ~~يظهر له شئ كان خافيا عليه وفي هذا الموضع لا يوجد هذا إنما أمر الله تعالى ~~ليبتلى بالقبول واعتقاد الوجوب ثم نسخه عنهم وهذا لأن القبول واعتقاد الفعل ~~مقصود لا محالة والابتلاء به. PageV01P434 # صحيح وقد قلنا أنه أحد موجبي الأمر لأن قبول الأمر واعتقاد وجوب الأمر ~~كان بالأمر قطعا فأما قولهم أن الأمر طلب الفعل قلنا صحيح في أوامر العباد ~~فإنه لا يتناول إلا طلب الفعل فأما في أوامر الله تعالى فإن الإيمان ~~والقبول رأس العبادات ولا بد أن ذلك موجبا للأمر بدليل أنه لو فعل الشيء ~~ولم يعتقد وجوبه لا يصح وهذا لأن أمر العباد لا يكون بطريق الابتلاء إنما ~~يكون بجر النفع والنفع يحصل بالفعل لا بالقبول فأما أوامر الله تعالى ~~للابتلاء وليس بحر النفع لأن الله تعالى غني على الحقيقة عن الخليقة فإن ~~قالوا: كلاهما مقصودان قلنا بلى من حيث الظاهر هما مقصودان ولكن بالنسخ ~~تبين لنا أن المراد كان من الأمر هو الابتلاء بالقبول والاعتقاد أنه إذا ~~نسخ بعد الفعل مرة وقد كان الأمر مطلقا يتبين أن الابتلاء كان بالفعل مرة ~~أو مدة الحكم كانت مقصورة على هذا الزمان وأن كان مطلق الأمر بتناول ~~الأزمنة كلها حتى لو لم يرد النسخ وجب الفعل في الأزمنة بقضية الأمر وقد ~~ظهر بما ذكرنا الجواب عن كلامهم الثاني. # وأما قولهم أن الأمر يدل على حسن المأمور والنهي على قبحه فجواز مثل هذا ~~النسخ يدل على التناقض أو يودي إلى أن ينهي عما هو حسن أو يأمر بما هو قبيح ~~وربما يزيدون على هذا فيقولون أن الله تبارك وتعالى لا يأمر إلا بما هو ~~صلاح للعباد فالأمر من الله تعالى يدل ms393 على أن المأمور به صلاح المأمورين ~~وإذا كان صلاحا لهم لم يجز أن ينهاهم عنه ويمنعهم منه. # والجواب أن عندنا الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع فإذا أمرنا ~~بالشيء فبالأمر عرفنا حسنه وإذا نهانا عنه زال المقيد لحسنه فزال حسنه ~~وكذلك النهي يدل على قبح الشيء فإذا أرتفع النهي أرتفع قبحه فعلى هذا لا ~~تناقض ولم يوجد النهي عن الحسن ولا الأمر بالقبيح وأما الذي ذكروا أن الله ~~تعالى يأمر بمصالح العباد قلنا إذا اعتبرتم هذا فقولوا لا يجوز النسخ أصلا ~~لأنه إذا كان المأمور به صلاح العباد فلا يجوز أن ينهي عما بصلحهم ولكن قيل ~~لما نسخه تبين أن الصلاح كان إلى هذه الغاية كذلك هاهنا إذا نسخ دل النسخ ~~أن الصلاح كان هذا القدر وهوا إلزام القبول وإيجاب اعتقاد الوجوب. # ببينه: أنه غير مستبعد في قضايا العقول أن يكون صلاح عبده في أمره بشيء ~~ثم إذا علم واعتقد الوجوب يرى أن صلاحه في غيره وإنما قولهم أنه لا يحسن أن ~~يصل النهي بالأمر فيقول: افعلوا لا تفعلوا قلنا إنما كان كذلك لأنه إذا وصل ~~به لا يفيد الأمر. # PageV01P435 # فائدة وأما هاهنا قد أفاد الأمر فائدة على ما سبق فصح النسخ كما يعد ~~الفعل والله أعلم. # PageV01P436 ### | فصل: دلائل النسخ # ... # فصل: اعلم أن هذا الفصل يشتمل على دلائل النسخ فنقول: # إذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان فلا يخلو أما أن يمكن استعمالهما ~~ولا يتنافى اجتماعهما وذلك أن يكون أحدهما الأعم من الآخر والآخر أخص فيقضي ~~بالأخص على الأعم فيستثنى منه كقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221] لما قابل عموم هذه الآية خصوص ~~قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 5 قضى بخصوص ~~هذه الآية على عموم تلك الآية فصار كقوله ولا تنكحوا المشركات إلا ~~الكتابيات وفي هذا النوع أن تساوي الآيتان في العموم والخصوص ويمكن أن نخص ~~كل واحدة من الآيتين بالأخرى ومثال ذلك قوله تعالى: {وأن ms394 تجمعوا بين ~~الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] وقد قابلها قوله تعالى: {والذين هم ~~لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] ويجوز ~~أن تكون كل واحدة من الآيتين مخصوصة بالأخرى فيحرم الجمع بين الأختين إلا ~~بملك اليمين ويحل ملك اليمين إلا الجمع بين الأختين فتتكافأ الآيتين في ~~الجواز ووجب الرجوع إلى دليل موجب تخصيص أحداهما بالأخرى ولذلك قال عثمان ~~رضي الله عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى والجملة في هذا الضرب ~~من التعارض أنه إذا أمكن استعمال الآيتين أو تخصيص أحداهما بالأخرى يصار ~~إلى الاستعمال والتخصيص إلا أن يقوم دليل على النسخ فيعدل بالتعليل عن ~~التخصيص إلى النسخ وهذا كآية الوصايا وآية المواريث قد كان يمكن استعمالهما ~~من غير نسخ لكن قد روى عن الصحابة أنهم قالوا: قد نسخت آية المواريث آية ~~الوصية وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أن الله عز وجل قد ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيه لوارث" 1 فعدل بالدليل عن التخصص إلى النسخ ~~وكان طاوس من بين التابعين بجمع بين الآيتين ولا يثبت النسخ هكذا أورده بعض ~~أصحابنا وفيه نظر وتأمل. PageV01P436 # وأما لوجه الثاني من تقابل الدليلين واجتماع الحكمين فهو أن لا يمكن ~~استعمالهما ويكون بينهما تناقض فنعلم أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ فيرجع ~~إلى دلائل النسخ فيستدل بها على الناسخ في أثباته وعلى المنسوخ في نفيه ~~واحد دلائله أن يعرف تقدم احد الحكمين على الآخر فيكون المتقدم منسوخا ~~والمتآخر ناسخا والمراد منه أن يكون متقدما في التنزيل دون التلاوة1 فإن ~~قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] ناسخ لقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} ~~[البقرة: 240] وهو متقدم عليه في التلاوة ومتآخر عنه في التنزيل وقد عدل في ~~كثير من القرآن بترتيب التلاوة عن ترتيب التنزيل بل بحسب ما أمر الله عز ~~وجل لمصلحة استأثر بعلمها. # وقد قيل أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه ms395 ~~إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة:281] وهذه الآية ~~متلوة في سورة البقرة وهي مقدمه على جميع سور القرآن سوى الفاتحة وأول سورة ~~نزلت اقرأ باسم ربك وهى في أوآخر ما يتلى في القرآن. # ودلائل النسخ مع التقدم والتآخر في التنزيل من أوجه كثيرة. # أحدها أن يكون في نظم التلاوة لفظ يدل على النسخ وهذا مثل النسخ الثابت ~~في آية المصابرة على الجهاد وقال الله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] ثم نسخ هذا وقال: {الآن خفف الله عنكم} ~~[الأنفال: 66] نص في أن المراد بالآية تخفيف ما تقدم من تغليظه. # والوجه الثاني: أن يرد لفظ يتضمن التنبيه على النسخ وذلك كما نسخ الله ~~تعالى ونقد من الإمساك في البيوت لحد الزنا في قوله تعالى: {فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] بجلد ~~المائة في قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~[النور: 2] لأن قوله تعالى: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] تنبيه ~~على عدم الاستدامة في الإمساك ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV01P437 # "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا" 1 الخبر. # والوجه الثالث: من دليل النسخ نص يرد من الرسول صلى الله عليه وسلم يصرح ~~بثبوت النسخ2 مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "كنت نهيتكم عن إدخار لحوم ~~الأضاحي وكلوا واشتروا" و" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا ~~هجرا" 3. # والوجه الرابع: من دلائل النسخ إجماع الصحابة4. # واجماعهم ضربان إجماع قول واجماع فعل. # أما إجماعهم على القول مثل قولهم نسخ صوم رمضان صوم عاشوراء ومثل قولهم ~~نسخت الزكاة سائر الحقوق في المال. # وأما إجماعهم على الفعل مثل صلاتهم إلى الكعبة بعد صلاتهم إلى بيت ~~المقدس. # والوجه الخامس: من دلائل النسخ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل ~~الصحابة وفعل الأمة أما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مثل فعله في حد ~~الزنا فانه صلى الله عليه وسلم رجم ماعز ms396 ولم يجلده5 وكذلك رجم الغامدية ولم ~~يجلدها6 فعلم بهذا أن قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب بالثيب جلد مائة ~~ورجم بالحجارة" 7 منسوخ. # وقد قالوا: أن الفعل لا ينسخ القول في قول الأكثرين من الأصوليين وإنما ~~يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول فيكون القول منسوخا بمثله من القول لكن ~~فعل الرسول صلى الله عليه وسلم دليل على القول. # وأما فعل الصحابة فيوجد في قوله صلى الله عليه وسلم: "من تصدق على صدقة ~~فإنا أخذوها وشطر PageV01P438 # ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لمحمد ولا لآل محمد منها شيء" 1. # وأجتمعت الصحابة على ترك استعمال هذا فدل عدولهم عن استعماله على نسخه. # وأما فعل الأمة فقد سبق ذكره. # والوجه السادس: من دلائل النسخ نقل الراوي تقدم أحد الحكمين وتآخر الآخر ~~وذلك أن يروي أن أحدهما شرع بمكة والآخر بالمدينة أو يروي أن أجدهما شرع ~~عام بدر والآخر شرع عام الفتح أو غير ذلك من الأعوام بعد بدر فإن وجد هذا ~~فلا بد أن يكون المتآخر ناسخا للمتقدم كما روى عن بعض الرواة أنه قال كان ~~آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء ما مست النار2 ~~وهذا وأن لم يكن على مثال ما قلناه عام كذا وعام كذا فهو على مثال ما قلناه ~~أنه يروى تقدم أحدهما وتآخر الآخر وقد روى أيضا من إباحة المتعة ونسخها على ~~ترتيب قد ذكر في الأخبار وأن كان راوي المتقدم غير راوي المتآخر ينظر فإن ~~كان المتقدم من أخبار الآحاد والمتآخر من المتواتر كان المتآخر ناسخا ~~للمتقدم وأن كان المتقدم من أخبار التواتر فلا يصير منسوخا بالخبر الواحد ~~المتآخر وأن كانا متواترين أو كانا جميعا من جملة الآحاد فإنه يصير المتآخر ~~ناسخا للمتقدم ثم الراوي للنسخ لا يخلو أما أن يذكر دليل النسخ أو يرسل ~~للنسخ إرسالا ولا يذكر دليله أما إذا ذكر دليل النسخ فلا إشكال أنه يثبت ~~النسخ وأما إذا لم يكن ذكر دليل النسخ ولم يرو عن النبي صلى الله عليه ms397 وسلم ~~لكن أرسل النسخ إرسالا ففيه وجهان. # أحدهما: يقبل قوله في النسخ وبه قال الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة ~~وتعلق من قال هذا بما ينقله من الشرع ووجه ذلك أن الصحابي لا يرسل قوله إلا ~~عن دليل موجب للنسخ. # والوجه الثاني: وهو الأظهر أن لا يقبل قوله في النسخ ما لم يذكر دليل ~~النسخ لجواز أن يعتقد النسخ بما ليس بنسخ كما روى عن بعض أصحابنا أن مسح ~~الخفين نسخ غسل الرجلين وعندى أن هذا أثر منكر ولا يعرف ثبوته عن أحد من ~~الصحابة. PageV01P439 # وأما إذا كان راوى أحد الخبرين متقدم الصحبة والراوي الآخر متآخر الصحبة ~~فهو على ضربين. # أحدهما أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني فيكون الحكم الذي رواه ~~الثاني ناسخا لما رواه الآخر فيكون الحكم الذي رواه الآخر ناسخا عند صحبة ~~الثاني فيكون على الحكم الذي رواه ناسخا لما رواه الآخر كالذي رواه قيس بن ~~طلق عن أبيه طلق بن على قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يؤسس مسجد ~~قباء فسألته عن مس الذكر فقال: "هل هو إلا بضعة منك" 1 وروى أبو هريرة وجوب ~~الوضوء لمن مس الذكر2 وقد أسلم وهاجر عام خيبر بعد بناء مسجد قباء بست سنين ~~فكان حديث أبي هريرة ناسخا لحديث طلق. # والضرب الثاني أن لا تنقضي صحبة المتقدم عند صحبة المتآخر فلا يكون رواية ~~المتآخر الصحبة ناسخا لرواية المتقدم الصحبة لجواز أن يكون المتقدم راويا ~~لما تآخر كما يجوز أن يكون راويا لما تقدم وإنما إثبات النسخ بمجرد ~~الاحتمال لا يجوز وهذا مثل رواية أبن عباس لما يرويه من التشهد وبرواية أبن ~~مسعود لما يرويه من التشهد ولا تكون رواية ابن عباس ناسخة لرواية ابن مسعود ~~ولكن بطل الترجيح بدليل آخر وحين ذكرنا دلائل النص نذكر الآن أن الزيادة ~~على النص ليست من دلائل النسخ. # مسألة الزيادة على النص لا تكون نسخا بحال. # وهو قول جماعة كثيرة من المتكلمين وذهب إليه أبو على وأبو هاشم قال أبو ~~الحسن ms398 الماوردي وهو قول أكثر الأشعرية وأكثر المعتزلة قال ولا فرق بين أن ~~تكون هذه الزيادة مانعة من اجزاء المزيد علية أو غير مانعة وذهب أصحابنا ~~إلى أن الزيادة لو غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا حتى صار المزيد علية لو ~~فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان. PageV01P440 # يفعل قبلها لم يجز ووجب استيفائه فإن الزيادة في هذه الصورة تكون نسخا ~~وذلك نحو زيادة ركعة على ركعتين وأن كان المزيد عليه فعل على حد ما كان ~~يفعل قبل الزيادة صح فعله واعتد بفعله ولم يلزم استيفائه لم تكن الزيادة ~~نسخا نحو زيادة التغريب على الحد وزيادة العشرين على حد القاذف واختار هذا ~~عبد الجبار الهمذاني. # وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقد قالوا: أن الزيادة على النص بعد استقرار ~~حكمه يوجب النسخ حكاه الضميري عن أصحابه على الاطلاق وعن أبي الحسن الكرخي ~~وأبي عبد الله البصري أنهما قالا أن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في ~~المستقبل كانت نسخا وأن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنه له لم يكن ~~نسخا وأما زيادة التغريب على حد الزاني في المستقبل يكون ناسخا وكذلك لو ~~زيد في حد القاذف عشرون. # قالا وأما إذا وجب ستر الفخذ فوجب بعد ذلك ستر بعض الركبة لا يكون ذلك ~~نسخا وكذلك إيجاب صلاة أخرى أو فرض آخر على الفرائض المعلومة1. PageV01P441 # واحتج من قال أن الزيادة على النص نسخ بوجوه من الكلام أكثرها يرجع إلى ~~معنى واحد وهو أن النسخ مأخوذ من الإزالة على ما سبق بيانه والزيادة فيه قد ~~تضمنت الإزالة لأن الجلد قبل الزيادة قد كان كمال الحد فصار بعدها بعض ~~الجلد فقد أزالت الزيادة كون الجلد بعدها كمال الحد وإذا تحقق معنى النسخ ~~ثبت النسخ وقالوا: أيضا أن الجلد قد كان مجزيا وحدة ومن بعد التغريب صار ~~غير مجزي وحده وقد أزالت الزيادة كون الجلد مجزيا وحده وهذا قريب من الأول ~~قالوا: أيضا أن الجلد وحدة كان يتعلق به رد الشهادة فلما زيد التغريب صار ~~لا ms399 يتعلق به وحدة ويصير هذا كما لو صرح الخطاب يكون الجلد كل الحد ثم غير ~~يكون نسخا إجماعا كذلك هاهنا يدل علية أن زيادة ركعة على ركعتين يكون نسخا ~~فكذلك بزيادة التغريب على الجلد يكون نسخا وأن منعتم ندل على ذلك فنقول أن ~~هذه الزيادة جعلت وجود الركعتين وحدهما لعدمهما وأوجبت الاستئناف وأزالت ~~الآخر ومن قبل هذا الزيادة لم تكن الركعتان كذلك وهذا هو معنى النسخ. # وأما أبو زيد فال في هذه المسألة أن الزيادة تنسخ معنى لأن الآية جعلت ~~الجلد مائة حد الزنا ومتى كان الجلد حدا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب ~~حدا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من العقوبة أو العبادة أو الكفارة لا يتجزيء ~~وجوبها ولا أداؤها ومتى عدم شئ منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال كالركعة ~~من الفجر والركعتين من الظهر إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرا ولا بعضة ولهذا ~~لو صام شهرا عن كفارة القتل ثم مرض فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز لأن ~~المشروع فيه كفارة صوم شهرين فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقى ~~حكم أداء الواجب بحال وإذا ثبت أن بزيادة التغريب لا يبقى الجلد بنفسه حدا ~~ثبت أنه نسخ وكذلك كفارة اليمين حين جعلت الكفارة رقبة. PageV01P442 # مؤمنة لم يبق الرقبة المطلقة بغير هذا الوصف كفارة بوجه وكذلك إذا جعلنا ~~ركن القراءة في الصلاة الفاتحة لم تبقى قراءة القرآن مطلقة ركنا والله ~~تعالى أوجب قراءة القرآن قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الزيادة تخصيص لأن ~~العموم إذا خص في الحكم فيما لم يخص بخطابة العام نفسه لا بشيء آخر فلم يكن ~~نسخا لحكم بل يفرض بالتخصيص ما بقى على ما كان وأما في الزيادة فانه لا ~~يبقى للخطاب الأول حكم لأن قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} جعل الجلد حدا ولا يبقى حدا بنفسه بعد ثبوت التغريب حدا ~~معه وكذلك آية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الأيمان كفارة إذ ليس في الآية ~~إلا ms400 الرقبة ولا تبقى الرقبة كفارة بعد أن قيدت الرقبة بقيد الأيمان بل تكون ~~الكفارة رقبه مؤمنة لا رقبة على ما قال الله تعالى وهذا لأن الكفارة إذا ~~خرجت من الآية جازت المؤمنة لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى بل للصفه ~~الزائدة التي ليست في الكتاب وبدون هذه الصفة لا تكون الرقبة كفارة عندكم ~~والزيادة نسخ معنى وبيان صورة هذا كلام أبي زيد ذكره في تقويم الأدلة ثم ~~استدل بأنه ليس بيان معنى وذلك لأن البيان أسم لما يحمله اللفظ ولما ينتظم ~~على الأوصاف والجلد مائة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزوائد بيانا ~~بل يكون رفعا للحكم عن القدر المذكور وتعليقا بالزوائد قال وهذا كالإعتاق ~~المطلق إذا علق بشرط تبدل المطلق وصار شيئا آخر يعني على ما عرف في مسألة ~~تعليق الطلاق والعتاق بالملك وهو أيضا بمنزلة العلة يزاد عليها وصف فإن ما ~~قبل ذلك لا يكون علة ولا بعض للعلة بل يسقط حكم العلة أصلا إلى أن يوجد ~~الوصف الآخر فيصير جملته علة وقد ادعى بعضهم ثبوت نسخ قوله تعالى: {فإن لم ~~يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] بإثبات الشاهد واليمين ووجه ~~النسخ أن الله تعالى قال ذاك: {وأدنى ألا ترتابوا} فجعل المرأتين أدنى ~~الحجة الشرعية وإذا جعلنا الشاهد واليمين حجة لم يكن أدنى فثبت تغيير ما ~~اقتضته الآية وكان نسخا. # ببينه: أنه خير بين شيئين أعنى رجلين أو رجلا وامرأتين فإن ضممنا الشاهد ~~واليمين في الحجة إليهما صار مخيرا بين ثلاثة أشياء بعد أن كان مخيرا بين ~~شيئين. # وأما دليلنا أن النسخ إزالة الحكم وتغييره وزيادة التغريب لا يوجب إزالة ~~الحكم ولا تغييره في المائة لأنها واجبة بعد إيجاب التغريب كما كانت واجبة ~~من قبل وإنما أيجاب التغريب ضم حكم إلى حكم وضم الحكم إلى الحكم لا يؤدي ~~معنى النسخ بحال. # PageV01P443 # ببينه: أن النسخ تبديل الحكم إلى غيره وأبطاله بالثاني تقول العرب نسخت ~~الشمس الظل أي أبطلته ونسخت الرياح الآثار أي أبطلت أعلامها ونسخت الرسوم ~~إذا ms401 بدلت ومنه مذهب التناسخ وهو تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأولى. # وأذا ثبت أن النسخ تبديل وتغير وأبطال في الشهادة تقرير لما كان ثابتا ~~وضم شيء إلى شيء آخر نحو آية الزنا أثبتت الجلد مائة والسنة أثبتت التغريب ~~معه وكذلك الظهار واليمين أوجبت الرقبة مطلقة والآية المقيدة بالإيمان ~~أثبتت زيادة الأيمان علية فثبت أن الزيادة موجبة تقرير ما سبق بل الحكم وضم ~~حكم آخر إليه فلم يكن نسخا بوجه ما. # ويدل عليه أن الزيادة على النص لو كانت نسخا لكان القياس باطلا لأن ~~القياس هو أخذ المعنى من الأصل الثابت بالنص والحاق غيره به ما لا يتناوله ~~النص فلو كانت الزيادة على أصل النص نسخا سقط القياس أصلا لاثبات زيادة على ~~النص وحين كان القياس دليلا شرعيا جائزا استعماله في أحكام الحوادث سقط ما ~~قالوه هذا هو ما قاله الأصوليون من الأصحاب وغيرهم ونحن نقرر الكلام على ~~وجه لا تبقى معه شبهة الخصم وينزاح الأشكال فنقول أن الزيادة لو كانت نسخا ~~لكانت نسخا من حيث أنها تضمن تغير الحكم الثابت من قبل ولا تغير بلا نسخ ~~والدليل على أنه لم يوجد تغيير للحكم الثابت من قبل أن قوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] لا يتضمن ~~إلا إيجاب جلد المائة فحسب وإيجاب التغريب لا يغير حكم الجلد لأن حكم الجلد ~~وجوب إقامته والتغريب لا يزيل وجوب اقامة المائة إنما يزيل نفي وجوب ما زاد ~~عن المائة والآية لم تتعرض لما زاد على المائة لا بنفي ولا إيجاب نعم لو لم ~~يرد وجوب التغريب كنا نقول أن الجلد كمال الحد لا تقتضيه الآية لكن لعدم ~~قيام الدليل على وجوب شيء آخر مع الجلد ثم إذا لم يقم دليل على وجوب شيء ~~آخر حكمنا أن الجلد كمال الحد ضرورة لا من حيث أن نص الكتاب دل عليه يدل ~~عليه أن نفى وجوب ما زاد على المائة لم يكن معلوما بدليل شرعي حتى تسمي ~~إزالته نسخا وإنما قلنا لم ms402 يكن بدليل شرعي لما بينا أن إيجاب المائة لم ~~يتعرض لما زاد عليها بنفي ولا إثبات فإن انتفى إنما ينتفي الدليل العقلي ~~لأن الفعل يقتضي أنتفاء وجوبه ولم ينقلها عن الدليل العقلي دليل شرعي وإذا ~~كان حكما عقليا جاز قبول خبر الواحد والقياس في النقل عنه كما يجوز في كل ~~حكم عملي يجب بخبر الواحد والقياس والعقل ينفي وجوبه والأول الذي ذكرناه ~~أقرب إلى طريقة الفقهاء وهو في نهاية الوضوح. # PageV01P444 # ونقول في تقيد الرقبة بالإيمان هو تخصيص لأن الرقبة عامة في كل ما يسمى ~~رقبة فإذا أخرجنا عتق الكافرة من الخطاب كان تخصيصا محضا وإذا عرف وجه ~~الكلام في هاتين الصورتين ظهر في سائر الصور ولم يثبت النسخ الذي ادعوه في ~~صورة ما وإنما نهاية ما في الباب أن يكون ضم حكمه إلى حكم في بعض المواضع ~~مثل التغريب مع الجلد وزيادة العشرين على الثمانين في حد القذف لو قدر1 ~~ورود الشرع بها وكذلك إيجاب النية في الوضوء وإيجاب الترتيب وأثبات الحجة ~~بالشاهد واليمين وكذلك إيجاب قراءة الفاتحة والأولى أن يقال أن خبر الفاتحة ~~بيان لقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] أو يكون تخصيصا ~~للعموم مثل تقييد الرقبة بوصف الإيمان في كفارة الظهار وكفارة اليمين ويمكن ~~دعوى التخصيص أيضا بإثبات النية والترتيب فإن ظاهر الآية يقتضي جواز الوضوء ~~بالنية وغير النية فيكون إفساده بعدم النية بدليل يقوم عليه تخصيصا وأما ~~الترتيب فعندنا أن ظاهر الكتاب دل عليه على ما بينا في الخلافيات الفروع ~~أما الجواب عن كلامهم قولهم أن الجلد كان قبل التغريب كمال الحد وقد صار ~~بعض الحد قلنا نقول أولا أن قولنا أن الجلد جميع الحد الواجب معناه أنه لا ~~يلزم أن يضم إليه غيره وقولهم قد صار بعض الحد الواجب معناه أنه وجب أن يضم ~~إليه غيره قولهم أن هذه الزيادة نسخ لأنها صيرت الجلد بعض الحد الواجب ~~معناه أن هذه الزيادة إنما كانت نسخا لأنها زيادة ومعنى العبارتين واحد ~~وهذا باطل لأنه تعليل الشيء بنفسه ms403 ونقول أيضا أن الكل والبعض من قضايا ~~العقول دون الشرع فلم يفد النسخ وهم يقولون على هذا نعم أن الكل والبعض ~~يعرفان بالعقل لكن كون الشيء كل الحكم الشرعي أو بعضه إنما يعلم بالشرع ~~وطريق الجواب تحقيقا ما سبق من قولنا أن إيجاب التغريب وإيجاب وصف المؤمنة ~~ليس يتضمن تغيير قضية الآية بوجه لما لأنه ليس من قضية الآية الإيجاب جلد ~~المائة فحسب فأما كونه كل الحد أو بعض الحد فليس يعرف بالآية بحال وإنما ~~يعرف بدليل آخر على ما سبق بيانه كذلك الجواب عن كلامهم الثاني وكلامهم ~~الثالث من قولهم أن رد الشهادة تعلق بالجلد لا نسلم وإنما هذا شيء قالوه ~~على أصولهم وعلى أن إثبات النسخ بمثل هذا لا يمكن ألا ترى أن فرائض الصلاة ~~إذا كانت خمسا وقف جواز الشهادة على أدائها ولو زيد في الخمس صلاة سادسة ~~وقف قبول الشهادة على قبول السادسة وفعلها وهذا لا يوجب نسخا في أمر ~~الشهادة ومن. PageV01P445 # قال أن إيجاب صلاة سادسة نسخ للصلاة الخمس يلزمه أن يقول: أن الفرائض ~~الشرعية كلها أوجبت فيها شيء يتضمن نسخ ما سبق وهذا لا يقوله أحد وأما إذا ~~صرح الخطاب يكون الجلد كمال الحد فنقول أنه إذا وقع التصريح بذلك يكون ~~أجزاء الجلد وحده حكما شرعيا فكانت إزالته نسخا وأما إذا لم يصرح بذلك بل ~~أوجب الجلد مطلقا فإيجاب الجلد مطلقا لا يتعرض للتغريب بنفي ولا إثبات ~~وإنما يعلم نفيه على ما ذكرنا وهو أن الأصل أن لا وجوب وإزالة حكم الأصل لا ~~يكون نسخا وأما تعلقهم بزيادة ركعة على ركعتين أو زيادة ركعتين على الأربع ~~فقد منع ذلك أصحابنا وزعموا أن ذلك لا يكون نسخا مثل مسألتنا وأن سلمنا ~~فالفرق ظاهر وهو أن زيادة الركعة قد يتضمن تغير حكم الآية بوجه ما لأنه آخر ~~الصلاة على ما ذكروا وأما هاهنا فإن إيجاب التغريب لا يتضمن تغيير حكم ~~الآية بوجه ما لأن أجزاء الجلد باق من الحد مع إيجاب التغريب ولو قدرنا أنه ~~وجب ms404 الجلد والتغريب إجماعا ثم جلد من غير تغريب وقع مجزيا عن الحد وإنما لا ~~يكون حدا كاملا وقد بينا أن الآية لا تدل على الكمال ولا على النقصان ولا ~~على البعض ولا على الكل وأيضا فإن زيادة الركعة على الركعتين أو الركعتين ~~على الأربع يوجب نسخ وجوب الجلوس عقب الركعة الثانية وهم يقولون على هذا ~~الجلوس الواجب موضعه آخر الصلاة وهذا إنما يتغير لو تغير آخر الصلاة ونحن ~~نقول قد تغير آخر الصلاة والأولى ما سبق من قبل وأما طريقة أبي زيد فنقول ~~من عرف ما ذكرناه سهل عليه الجواب عن طريقته لأن معتمد أن التغريب إذا أوجب ~~لم يكن الجلد حدا بنفسه وقد بينا أن الآية لا تدل على كونه حدا فحسب فأما ~~قوله بنفسه فليس معناه إلا أنه يقتضي الاتيان يكون حدا كاملا أو مجزيا وحدة ~~وقد أجبنا عن هذا وقلنا أن الآية لا تدل على شيء من هذا والذي قال أن ~~العقوبة والعبادة والكفارة لا تتجزأ وجوبا وفعلا قلنا كون الجلد مجزيا عن ~~الحد ليس بمتعلق بكونه حدا كاملا بنفسه بلا جزاؤه يتناول الإيجاب إياه ~~والشرع قد أوجب الجلد فإذا فعل بنية امتثال أمره لا بد أن يقع مجزيا وهذا ~~كنفس المائة فانه لو ضرب الجلاد خمسين وترك فانه يكون المفعول من الواجب ~~عليه ويكون حدا إلا أنه لا يكون حدا كاملا بل يكون بعضه وأن قالوا: لا يكون ~~حدا أصلا حتى يكمله مائة فهذا محال بل مباشرة بعض الواجب وترك البعض متصور ~~معقولا فلا يكون ترك مباشرة البعض من الواجب كاملا فيما باشره ونضير حقوق ~~العباد واستيفاؤها قالوا: هذا في حقوق العباد مسلم فأما في حقوق الله ~~تعالى. # PageV01P446 # فلا لأنها لا تتجزأ ثبوتا وأداء بل يصير ما كان مع الزيادة شيئا واحدا ~~فإن كان هذا في الأحكام يصير حكما واحدا وأن كان في العلل يصير علة واحدة ~~وإذا صار شيئا واحدا والاسم تعلق به وبما زيد عليه ذهب فيما دونه. # قالو ولهذا قلنا إذا وجد من ms405 الماء ما لا يكفيه لوضوئه سقط استعماله ويباح ~~له التيمم لأن الماء لم يجب استعماله لنفسه بل لحكمه وهو إباحة الصلاة ~~والأباحه حكم علق بما يكفي الأعضاء كلها فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال ~~وهذا كنكاح الأربع علة لتحريم النكاح عليهن فلا يكون للواحدة من الأربع حفظ ~~في التحريم وكذلك البيع علة في إيجاب الملك فلا يكون لأحد شطريه أثر في ~~الإيجاب. # قيل في الجواب عنه أن هذا شيء بقوله على أصله ونحن قد رجعنا إلى دليل ~~عقلي قطعي في الباب وهو أن من أمر بحمل شيء فإذا باشر المأمور بعضة بنية ~~امتثال أمره يكون فاعلا لما أمره ويقع موقعة إلا أن يكون بعضه مرتبطا ببعض ~~ينعقد تحريمه شرعية مثل الصلاة والحج وما أشبه ذلك فأما ما كانت مباشرته من ~~الحسيات من إقامة جلد بعدد معلوم فهو مثل ما إذا قال بعدد معلوم وسواء كان ~~حق الله تعالى أو حق العباد فانه لو وجب عليه خمسة دراهم زكاة وهي أقل ما ~~يجب فأدى بعضها وحبس الباقي يكون مؤديا بذلك القدر الذي أداه ما عليه لا ~~يذهب الأجزاء عن المؤدي بتركه إذا ما بقي عليه. # والحرف أن عندنا بعض الحد حدا وبعض الوضوء وضوء وبعض الشيء أداء ولا فرق ~~بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدمي في ذلك والتعلق بما ذكرناه من الدليل. # وأما إيجاب صفة الإيمان في الرقبة الواجبة في الظهار واليمين فليس بنسخ ~~بل هو تخصيص وقد سبق بيان هذا وقولهم أنا إذا قيدنا الرقبة بصفة الإيمان ~~يكون جواز الكفارة بصفة الإيمان لا بكونه رقبة قلنا وأن كان الجواز ثابتا ~~بصفة الإيمان للرقبة لكن الرقبة المطلقة تتناول بإطلاقها المؤمنة والكافرة ~~جميعا لأن الكل رقبة وهي وأن كانت نكرة من الإثبات لكن تتناول كل رقبة على ~~البدل على معنى أن ما من رقبة إلا ويجوز أن تكون هي المراد من رقبة غيرها ~~كقولك رأيت رجلا في الدار فانه ما من رجل إلا ويجوز أن يكون هو الذي رآه ~~فثبت بما ms406 ذكرنا أن التقييد بصفة الإيمان هو إخراج الكافرة من مطلق الآية ~~فيكون تخصيصا ولا يكون زيادة وعلى أنه وأن كان زيادة فلا يكون نسخا لأن ~~الرقبة وجبت بالآية وصفة الإيمان وجبت في الرقبة بدليل القياس وكان ضم. # PageV01P447 # واجب إلى واجب وهو تقرير ما سبق من إيجاب اعتقاق الرقبة وزيادة واحب علية ~~وبإيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة لا يخرج من أن يكون إعتاق الرقبة واجبا عليه ~~لأن فى إيجاب إعتاق الرقبة المؤمنة إيجاب إعتاق الرقبة وإيجاب اعتبار صفة ~~الإيمان في الرقبة واعتبار هذا لا ينفي إيجاب الرقبة فثبت أن لا تغيير ~~والأول من ادعى التخصيص أحسن وأحرى ونظير ما ذكرنا من أدعى التخصيص قوله ~~تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] فإن النص وجد على ~~المشرك ثم قد ضم صفة الذكورة إلى صفة الشرك ولم يكن زيادة بل كان تخصيصا ~~كذلك هاهنا وأما قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان} فليس في جعل اليمين والشاهد حجة دليل على النسخ في ~~هذه الآية لأن الآية ما تعرضت لما سوى المذكور بنفي ولا إثبات وهذا لأن ~~التخيير بين الشيئين لا يتعرض لما عداهما بتحريم ولا إيجاب فانتفاء الغالب ~~ليس بحكم الآية بل بحكم أن الأصل فيه الانتقاء والنقل من الأصل لا يكون ~~نسخا والعجب أنهم لا يجعلون إيجاب الوضوء بالتقييد نسخا لآية الوضوء ثم ~~هاهنا جعلوا إيجاب القضاء بالشاهد واليمين نسخا ولئن لزم أحدهما لزم الآخر ~~وأما قوله تعالى: {وأدنى ألا ترتابوا} [البقرة: 282] فقد أجبنا عنه في ~~الخلافيات وقد زعم بعض أصحابنا أن الزيادة على النص نسخ وادعاه مذهب ~~الشافعي واحتج بأنه علية السلام قال: "الماء من الماء" 1 ثم صار منسوخا ~~بقول عليه السلام: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" 2 وإنما صار نسخا ~~بالزيادة على الأصل وهذا من قائله غلط لأن قوله عليه السلام الماء من الماء ~~إنما دل من حيث الخطاب أن الماء إذا لم يوجد لا يجب الغسل فقوله إذا التقى ~~الخناتان فقد وجب الغسل هو ms407 نسخ دليل النص بنص وليس النسخ من حيث الزيادة. ~~PageV01P448 ### | فصل: الزيادة على النص لا تكون ناسخا # ... # فصل وإذا ثبت أن الزيادة على النص لا تكون نسخا فالنقصان من النسخ لا ~~يكون نسخا أيضا. # وذهب بعض المتكلمين إلى أن النقصان من العبادة نسخ الباقي وقال بعضهم إذا ~~كان نسخا منفصلا عن الجملة لم يكن ذلك نسخا للجملة وأن كان نسخ بعض الجملة ~~كالقيام والركوع والسجود في الصلاة يكون نسخا للعبادة1 ودللنا على ما ~~ذكرناه في المسألة الأولى وهو أن الباقي من الجملة على ما كان عليه لم يزل ~~فلم يجز أن يحكم بنسخه كما لو أمر بصوم وصلاة ثم نسخ أحدهما لا يكون نسخا ~~للثاني والكلام في هذه المسألة من الجانبين يقرب من الكلام في المسألة ~~الأولى وصورة المسألة فيما لو قدرنا نسخ الوضوء ونسخ استقبال القبلة وفي ~~هذا الموضع وأمثاله يكون الكلام ظاهرا في أنه لا يكون نسخا للصلاة فأما إذا ~~قدرنا إسقاط ركوع أو سجود أو قيام فينبغي أن يكون هذا على ما ذكرناه فيما ~~إذا زيدت ركعة على ركعتين أو ركعتان على أربع الظهر وقد بينا فيما سبق. ~~PageV01P449 ### | فصل: ما يجوز به النسخ وما لا يجوز # ... # فصل # وقد ذكرنا من قبل وجوه ما يقع بها النسخ وقد بقيت منها بقية فيما يجوز به ~~النسخ وما لا يجوز نذكره في هذا الموضع لا خلاف بين العلماء أن نسخ القرآن ~~بالقرآن جائز2 كما نسخ بالقرآن صدقة المناجاة الواجبة بالقرآن وكما نسخ ~~العشرون بمصابرة الاثنين في الجهاد ونسخ الاعتدال بالحول بالاعتداد أربعة ~~أشهر وعشرا ولأن جميع القرآن موجب للعمل والعلم فساوى بعضه بعضا فجاز أن ~~ينسخ بعضه بعضا وكذلك نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة3 لقوة الناسخ ~~وضعف المنسوخ ولا يجوز نسخ المتواتر. PageV01P449 # بالآحاد1 لضعف الناسخ وقوة المنسوخ وقد ذكرنا طرفا من هذا فأما نسخ ~~القرآن بالسنة فإن كانت السنة أخبار آحاد لم يجز النسخ بها اتفاقا2 أما إذا ~~كانت السنة ثبوتها بطريق التواتر فقد اختلف العلماء في ذلك على ما سنبين. ms408 # مسألة: نص الشافعي رحمة الله عليه في عامة كتبه أنه لا يجوز نسخ القرآن ~~بالسنة بحال وأن كانت السنة متواترة ثم اختلف الوجه على مذهب الشافعي أنه ~~يمنع منه العقل أو الشرع فالظاهر من مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعا ~~والوجه الثاني أنه منع منها الشرع دون العقل ثم اختلف من قال بهذا فقال ابن ~~شريح أن الذي يمنع منه أن الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وهذا أصح ~~وقال أبو حامد الإسفرائيني الشرع منع منه ولم يكن مجوزا فيه وأما مذهب ~~أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو قول عامة المتكلمين وقيل ~~أنه اختيار ابن شريح3 واحتج من جوز بالعقل أنه لو لم يجز لكان لنا أن لا ~~نجوز في القدرة أو في الحكمة والأول لا يجوز لأنه معلوم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقدر على أنواع الكلام ولو أتى بكلام موضوع لدفع حكم من ~~أحكام الكتاب صح ذلك ودل على ما هو موضوع له والثاني لا يجوز أيضا لأنه لو ~~امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون مسفرا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وموهما أنه صلى الله عليه وسلم يأتي بالكلام من قبل نفسه وهذا لو نفر ~~عنه من حيث أن أزال حكما. PageV01P450 # شرعيا وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن ونسخ ~~السنة بالسنة فإن قلتم أن القرآن معجز فاتصل به دليل يدل أنه جاء من الله ~~تعالى فهذا لا يسقط هذا الدليل أن نسخ القرآن بالقرآن جائز وأن كان النسخ ~~بما لا يظهر فيه صفة الإعجاز ثم النسخ هو رفع الحكم وإزالته وذلك موقوف على ~~أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزا ألا ترى أن السنة ~~تنسخ بالسنة وأن لم يكن فيها دليل على الإعجاز يدل عليه أن الحكم إذا كان ~~قابلا للنسخ والدليل محتملا لأن يقع به النسخ لم يكن لمنع الجواز معنى ~~الدليل على أن الحكم ms409 الثابت بالقرآن يحتمل النسخ بالسنة أنه لا دليل في أن ~~يكون نسخه بالكتاب فحسب لأن السنة كافية في النسخ بها وليس في أنه يجب أن ~~يكون النسخ بالكتاب دليل يدل عليه قالوا: ولأن النسخ إسقاط الحكم في بعض ~~الأوقات التي يتناولها العموم فأشبه التخصيص فإن إسقاط الحكم في بعض ~~الأشخاص الذين يتناولهم العموم ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة فكذا النسخ ~~واحتج أبو زيد في هذه المسألة فقال النسخ بيان انتهاء مدة الحكم قال وكتاب ~~الله حجة وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حجة يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء ~~الحكم الثابت بالكتاب فكذلك يجوز أيضا أن يتولى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب وقال فإن قال قائل هذا يوهم الاختلاف ~~فهذا غلط لأنه أن كان هذا يوهم الاختلاف فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف ~~بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير ~~إضافة إلى الله عز وجل وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد قال ~~والذي يوضح هذا أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب ونسخ التلاوة ~~يمحو الحفظ من القلوب أما رفعا وأما بانقراض الذين علموه من غير خلف وإذا ~~جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي الله تعالى ~~إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب دليل آخر لهم من حيث الشرع ~~قالوا: يدل على أن نسخ القرآن بالسنة قد وقع والدليل على ذلك أنه كان الوجب ~~على الزائد الحبس في البيوت بقوله: {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت} ~~[النساء: 15] ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم قالوا: وقال الله تعالى: {كتب ~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} ~~[البقرة: 180] ثم نسخ ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" وقال ~~الله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} [الممتحنة: 11] وهذا الحكم منسوخ اليوم ms410 ~~بالإجماع. # PageV01P451 # ولم يعرف نسخه بالكتاب فقد نسخ بغير الكتاب وقال الله تعالى: {ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام} [البقرة: 191] وقد نسخ ذلك بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "اقتلوا ابن خطل وأن كان متعلقا بأستار الكعبة" 1 وقال الله ~~تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] وقد ينسخ هذا بما روى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير2 وأما دليلنا قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} [البقرة: 106] والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرا منه فوجب أن لا ~~يجوز النسخ بها وأيضا فإنه تعالى قال: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: ~~106] فهذا يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان بخير من الآية وذلك لا يكون إلا ~~[نسخا] 3 والناسخ قرآن وأيضا فإنه تعالى قال: {نأت بخير منها} [البقرة: ~~106] وقوله: {منها} يفيد أنه يأت من جنسه وجنس القرآن قرآن والاستدلال ~~بالآية معتمد يدل عليه أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: {ألم تعلم أن الله ~~على كل شيء قدير} وهذا يدل أن غيره يعجز عنه فإن قيل المراد من الآية نأت ~~بخير منها أو مثلها في الثواب وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في ~~الثواب وربما يعبرون عن هذا فيقولون معنى الآية نأت بخير منها أو مثلها في ~~النفع وأما قولكم أنه قال نأت فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه قلنا إذا ~~دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة فالذي أتى بذلك هو الله عز وجل ألا ترى أن ~~الله هو الناسخ على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كما أنه هو المثبت لسائر ~~الشرائع على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قالوا: وعلى هذا سقط تعلقكم ~~بقوله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} أن الله تعالى إذا كان هو ~~الناسخ في الحقيقة على لسان ms411 نبيه صلى الله عليه وسلم فالقدرة في ذلك له دون ~~غيره وأما قولهم أن قوله: {نأت بخير منها} [البقرة: 106] يقتضي أن يكون ما ~~يأتي من جنسه قال هذا لا يفيد ما قلتم فإن الإنسان إذا قال ما أخذت منك من ~~ثوب آتيك بما هو خير منه احتمل أن يأتيك بثوب ويحتمل أن يأتيك بشيء آخر ~~وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبا أو غيره. PageV01P452 # فقد صدق في قوله ووعده. # ثم ذكروا سؤالا آخر حكوه عن أبي هاشم ثم المتكلم وهو أن قوله: {نأت بخير ~~منها أو مثلها} [البقرة: 106] ليس فيه أنه يأتي بخير منها ناسخا بل لا ~~يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها أنه في حكم آخر بعد نسخ الآية ~~ويكون الناسخ غير الآية الجواب أن الاستدلال بالآية قائم ونقول على سؤالهم ~~الأول أن قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} يقتضي أن الذي يأتي به خير من ~~الآية المنسوخة على الإطلاق وهذا لا يوحي الله تعالى إليه ما يوجد إلا في ~~نسخ القرآن بالقرآن فأما في نسخ القرآن بالسنة لا يوجد لأنه لا تكون السنة ~~خيرا من القرآن على الإطلاق بحال بل يجوز أن يكون خيرا في الثواب أو أنفع ~~منه وهذا لا يقتضي أن يكون خيرا على الإطلاق بل الخير على الإطلاق أن يكون ~~خيرا من كل وجه فإن قيل إذا دخلتم في أمثال هذا فلا يتصور أن يأتي بخير من ~~الأول بحال وأن نسخ القرآن بالقرآن لأن القرآن لا تكون بعض آياته خيرا من ~~البعض قلنا يجوز أن يكون في الثواب أو في إظهار الإعجاز أمثل بتوقي الإخلاص ~~والإخلاص أكثر في الثواب من غيره وقوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا ~~سماء أقلعي} [هود: 44] أبلغ في الإعجاز من غيره فإذا نسخ القرآن بالقرآن ~~يجوز أن يظهر الخيرية المطلقة فأما إذا نسخ القرآن بالسنة فلا يظهر الخيرية ~~المطلقة لأنه أن كان خيرا في الثواب فالقرآن خير منه في نفسه في الإعجاز ms412 ~~فإنه كلام الله عز وجل وإنه ينال الثواب بقراءته إلى غير ذلك قال الخطابي ~~أن الشيء إذا أطلق أنه خير من الشيء فلا يجوز أن يكون دونه على وجه من ~~الوجوه أما قولهم إنا إذا نسخنا القرآن بالسنة فيكون الذي يأتي بالناسخ هو ~~الله عز وجل أيضا قلنا لا ننكر هذا لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق ~~الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه في كتابه وافترضه نصا فيه وأما الذي ثبت ~~بالسنة فهو وأن كان صدوره عمن لا ينطق عن الهوى لكن على إطلاقه يضاف إلى ~~الرسول وإلى سنته هذا كما أن الوحي يختلف فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون ~~إلهاما ونفثا في الروح ووحي الكتاب مخالف لكل هذا إذ هو الأعلى والمتقدم ~~على سائر أنواعه كذلك ها هنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابت على وجوه ما ~~يثبت به أما قولهم على قولنا أن قوله: {بخير منها} يقتضي أن يكون من جنسه ~~أنه يجوز أن يكون من جنسه ويجوز أن يكون من غير جنسه والاستشهاد الذي قالوه ~~قلنا لا بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول وهذا الذي يفهم عند ~~إطلاق ذلك اللفظ فأما قول القائل ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه. # PageV01P453 # إنما يفيد ما ذكرتم لأنه ذكر لفظ ما وهذا اللفظ يقع على الثواب وعلى غيره ~~وليس كذلك الآية لأن الله تعالى لم يقل بما هو خير منها وإنما قال: {نأت ~~بخير منها} [البقرة: 106] فنظير قول القائل ما أخذ منك من ثوبا آتيك بخير ~~منه وهو مفيد ثوبا خير من الثواب الأول وأما الذي نسبوه إلى أبي هاشم من ~~السؤال فليس بشيء لأنه خلاف قول المفسرين بل خلاف قول جميع الأمة وقد قال ~~كل من تكلم في هذه الآية من العلماء أن الآية التي تأتي ها هنا هي الناسخة ~~والأخرى هي المنسوخة وهذا السؤال من أبي هاشم سؤال جدلي لا يجوز أن يعترض ~~به على إجماع المفسرين ونقول أيضا على ms413 قولهم أن ما يثبت بالسنة قد يكون ~~أنفع وأفضل في الثواب قلنا هذا محال لأن الثابت بالسنة أن كان أنفع عملا ~~فيبقى أن الكتاب أنفع لاستحقاقه الثواب بتلاوته وهذا لا يوجد في السنة ~~والاعتماد في المسألة على هذه الآية وقد تأيد الاستدلال بهذه الآية بقوله ~~تعالى: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون ~~لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [يونس: 15] فأخبر أن ~~تبديل القرآن ونسخه يكون من عند الله عز وجل لا من عند نفسه وسؤالهم على ~~هذا بما قالوا: أنه وأن كان من عند الرسول صلى الله عليه وسلم بصورة ولكنه ~~من عند الله حقيقة وقد أجبنا عن هذا وهذا لأنه إنما يضاف إلى الله عز وجل ~~ما اختص به ويضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما اختص به ولو كانا مضافين ~~إلى الله عز وجل لم يجز إضافة أحدهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # واعلم أن المسألة مشكلة جدا وقد ذهب كثير من أصحابنا إلى اختيار مذهبهم ~~في المسألة والذي يمكن الاعتماد عليه هو ما ذكرنا ولا ينبغي أن يستدل في ~~هذه المسألة من حيث المعنى لأن نهاية ما قالوه هو أن الكتاب أفضل من السنة ~~فلا يجوز نسخ الشيء بما هو دونه في المرتبة كما أنه لا يجوز نسخ المتواتر ~~بخبر الواحد والكلام على هذا يسهل فإنهم يقولون كل واحد من الكتاب والخبر ~~المتواتر دليل مقطوع به والجواز عقلا موجود فلا سبيل إلى امتناعه ونحن نقول ~~إنما لم يمتنع ذلك عقلا فعلى هذا سقط جميع ما ذكروه من حيث المعقول في ~~الدليل على جوازه وبقي الدليل الشرعي الذي أقمناه في المنع منه وأما تعلقهم ~~بالمواضع التي استدلوا بها في وجوب نسخ الكتاب بالسنة فهي دلائل ضعيفة ~~وسنبين الكلام على واحد واحد من ذلك أما آية الإمساك في البيوت قلنا قد ~~قالوا: أن الآية الواردة في الأذى والحبس في البيوت وآية الجلد كل ms414 ذلك في ~~الأبكار دون المحصنين وفي ذلك نسخ الكتاب بالكتاب وأما الرجم الذي هو حد. # PageV01P454 # المحصنين ثبت بالسنة ابتداء وهذا جواب ابن شريح وهو حسن جدا فإن قالوا: ~~لا بد على هذا من دليل قلنا لأن الرجم حد المحصن وليس في هذا الموضع ذكر ~~الإحصان ولا ذكر ما يدل عليه الإحصان. # جواب آخر أن سلمنا أن المحصنين والأبكار قد دخلوا في حكم الكتاب لكن بنسخ ~~الحبس والأذى بآية الجلد ثم آية الجلد نسخه في المحصن بقوله الشيخ والشيخة ~~إذا زنيا فارجموهما البتة وقد كان ذلك قرآنا يتلى في زمان النسخ وأن رفعت ~~تلاوته من بعد وكان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة. # ووجه ثالث وهو أن حكم الرجم مبني على قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم} إلى قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] أن الله تعالى ~~جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس فقد تضمنت الآية أن حكم الحبس إلى ~~أن يجعل الله لهن سبيلا وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو ~~الرجم الثابت بالسنة وكأن الله تعالى قال وأمسكوهن في البيوت حتى يتبين ~~فيهن سنة ثم قد ثبت ببينة الرجم فانقضى زمان حكم الحبس مثل ما ينقضي زمان ~~الصوم بدخول الليل وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب ~~فحين وجد وقته ارتفع وأما نسخ الوصية للوالدين والإرث ثبت بآية المواريث ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" 1 بيان أن آية المواريث ناسخة ~~لآية الوصية فإن الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أن الله أعطى كل ~~ذي حق حقه فلا وصية لوارث" والفاء تدل على تقدم المسبب كقولك قمت إلى فلان ~~فضربته دل أن القيام سبب لضربه فيكون على هذا الخبر الوارد مثبتا للكتاب لا ~~ناسخا له ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه وسائر ما قالوه من بعد إنما ~~هي عمومات دخلها التخصيص وكذلك أن أوردوا قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} [النساء: ms415 24] وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها ~~ولا على خالتها" 2 فهذا وأمثاله ليس بنسخ وإنما هو عموم خص ونحن نجوز تخصيص ~~الكتاب بالسنة وإنما الكلام فى النسخ وقد منع الشرع من النسخ ولم يمنع من ~~التخصيص وسنبين الفرق بين النسخ والتخصيص من بعد. # ببينه: أن التخصيص جائز للكتاب بخبر الواحد وأجمعوا أن النسخ لا يجوز ~~بخبر الواحد. PageV01P455 # وأما قولهم يجوز نسخ التلاوة ونسخ التلاوة يمحو حفظه عن القلوب إلى غير ~~كتاب. # قلنا نحن إنما منعنا بالشرع والشرع إنما منع نسخ الكتاب إذا أتى بشيء آخر ~~أن ينسخه إلا أن يكون الذي يأتي به خير منه وهذا لا يوجد في الموضع الذي ~~صوره وإنما يوجد في موضع الخلاف لأن نسخ الكتاب وإثبات السنة التي هي دونه ~~والشرع قد رفع هذا وأباه نصا على ما سبق ذكره والله أعلم. # مسألة فأما نسخ السنة بالقرآن. # فمن جوز نسخ القرآن بالسنة فأولى أن يجوز نسخ السنة بالقرآن فأما إذا ~~منعنا نسخ القرآن بالسنة فقد اختلف في هذه الصورة الثانية وذكر الشافعي ~~رضوان الله عليه في كتاب الرسالة القديمة والجديدة ما يدل على أن نسخ السنة ~~بالقرآن لا يجوز ولعله صرح بذلك ولوح فى موضع آخر بما يدل على جوازه فخرجه ~~أكثر أصحابنا على قولين أحدهما لا يجوز وهو الأظهر من مذهبه. # والآخر يجوز1 وهو الأولى بالحق. # واستدل من تعلق بالقول الأول بقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] فلما جعل السنة مبينة للكتاب لم يحتج ~~المبين إلى بيان أو يقال إذا كانت السنة مبينة للكتاب فلا يكون الكتاب ~~مبينا للسنة لأن الشيء الواحد لا يكون مبينا ومبينا ولأنه نسخ للشيء بغير ~~جنسه فلم يجز كما لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة على ما بينا. # واعلم أن الأولى والأصح أنه جائز والدليل على جوازه وجود ذلك فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صالح المشركين عام الحديبية2 وكان مما شرط في الصلح أن ~~جاء من المشركات مسلمة إلى النبي ms416 صلى الله عليه وسلم ردها إليهم ثم نسخها ~~الله تعالى ونقض الصلح في ذلك على الخصوص بقوله عز وجل: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] . PageV01P456 # وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الصلوات يوم الخندق حتى مضى هوى ~~من الليل ثم صلاها على ترتيب ما فاتت1 ثم أن الله تعالى نسخ ذلك بقوله ~~تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم} [النساء: 102] الآية وأيضا قال النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~متعبدا في الابتداء بالتوجه إلى بيت المقدس ولم يكن ثبوت ذلك بالكتاب لأنه ~~ليس في القرآن دليل عليه ولم يكن ذلك أيضا لاتباعه شريعة من قبله لأنه لم ~~يقم دليل على أنه يلزمنا اتباع شريعة من قبلنا فقد كان ذلك بمحض السنة ثم ~~نسخ بالكتاب فثبت بما بينا وجود نسخ السنة بالكتاب وإذا وجد صار شرعا ~~جائزا. # وأما الدليل من حيث المعقول فلأنه لا مانع من جوازه لا من حيث القدرة ولا ~~من حيث الحكمة وقد سبق بيان هذا في المسألة المتقدمة ولا يجوز أن يقال أن ~~نسخ السنة بالكتاب يوجب التنفير عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يوهم ~~أنه لا يرضى بما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقد لا يصح لأن النسخ يرفع ~~الحكم بعد استقراره واستقراره يمنع من هذا التوهم لأنه لم يرض بما سنه لم ~~يقر عليه أصلا وعلى أن ذلك لو نفر عنه لنفر عنه أيضا نسخ السنة بالسنة لأن ~~الناسخة إنما صدرت عنه لأجل الوحي فجرى مجرى كلام ينزله الله تعالى ولأن ~~الكتاب أقوى والسنة أضعف ويجوز نسخ الأضعف بالأقوى والمعتمد أنا إنما منعنا ~~نسخ القرآن بالسنة للشرع منع من ذلك ولا يوجد مثل ذلك في هذا الجانب هو نسخ ~~السنة الكتاب لأن نسخ السنة بالكتاب ونسخ الشيء بما هو خير منه ولا دليل في ~~العقل يمنع منه فجاز النسخ إذا لم ms417 يكن منه مانع وأما تعلقهم بقوله تعالى ~~وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم النحل 44 قلنا ليس في قوله ~~لتبين للناس ما نزل إليهم دليل على أن لا يتكلم إلا بالبيان كما أنك إذا ~~قلت: دخلت الدار لأسلم على زيد ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر على أنه ليس ~~في كون كلامه بينا للكتاب ما يمنع من نسخه للكتاب إذا قام الدليل عليه كما ~~لا يمنع ذلك من نسخ قوله بقوله وكما لا يمنع أن ينسخ الكتاب بالكتاب وأن ~~كان بعضه يكون بيانا لبعض وأما قولهم أنه ينبغي أن يكون نسخ الشيء بجنسه ~~دعوى لا دليل عليه فسقط والله أعلم. PageV01P457 # مسألة: وقوله اشتبه الفرق تحقيقا بين النسخ والتخصيص على كثير من الفقهاء ~~لا بد من معرفة الفرق بينهما وهما متقاربان لأنهما يجتمعان من وجه ويفترقان ~~من وجه فلتقاربهما اجتمعا في بعض الأحكام ولاختلافهما افترقا في بعض ~~الأحكام والنسخ يختص بالأزمان والتخصيص يختص بالأعيان ويرفع النسخ بعض ~~الأزمان ويرفع التخصيص بعض الأعيان وهذا الرفع في التحقيق متوجه إلى أحكام ~~الأفعال في الأزمان والأعيان وإنما يرسل القول رفع الأزمان والأعيان على ~~وجه المجاز لأن وجود الأعيان والأزمان في الحالين على سواء وإنما تتغير ~~أحكام الأفعال فيهما ثم يجتمعان وأن كل واحد منهما أعني النسخ والتخصيص ~~بيان ما لم يرد باللفظ فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم والمراد بالنسخ ~~غير مراد من الخطاب. # ثم اعلم أن النسخ والتخصيص يفترقا من وجوه كثيرة. # أما التفريق بينهما في الحد فقيل أن التخصيص بيان المراد باللفظ العام ~~والنسخ رفع الحكم بعد ثبوته ثم قد ذكر الأصحاب وجوها من التفريق بينهما. # أحدها: أن النسخ لا يكون إلا بمنفصل عن المنسوخ والتخصيص يصح ويكون ~~بالمنفصل والمتصل. # والثاني: أن نسخ المقطوع به لا يكون إلا بالمقطوع به وهو على قول الشافعي ~~رحمه الله لا يكون إلا بجنسه فلا ينسخ الكتاب إلا بالكتاب ولا السنة إلا ~~بالسنة على أحد القولين أما تخصيص العموم يجوز للشيء المقطوع به ms418 وأن كان ~~العموم مقطوعا به وبغير جنسه. # الثالث: أن النسخ لا يكون إلا قولا وخطابا والتخصيص يجوز بجميع أدلة ~~الشرع والعقل. # والفرق الرابع: قد يصح النسخ فيما علم بالدليل أنه مراد وأن لم يتناوله ~~اللفظ والتخصيص لا يصح إلا فيما يتناوله باللفظ. # والخامس: أن النسخ يختص بالأحكام ولا يصح في الأخبار والتخصيص يجوز ~~فيهما. # والسادس: أن النسخ رافع لجميع الحكم والتخصيص يثبت لبعض الحكم وكذلك يجوز ~~أن يعود النسخ إلى الشيء الواحد ولم يجز أن يعود التخصيص إلا إلى عدد أقله ~~اثنان. # PageV01P458 # والسابع: أن النسخ يختص بعموم الأزمان والتخصيص يختص بعموم الأعيان وبهذا ~~المعنى فرق أصحابنا بين التخصيص والنسخ فقالوا: النسخ تبديل والتخصيص ~~تقليل1. # وهذه الوجوه كلها ذكرها الأصحاب في الفرق وشرح ذلك يعرف في مسائل متفرقة ~~وقد مضى أكثر ذلك. # مسألة: إذا نزل النسخ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت النسخ في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وفي حق الأمة. # على قول بعض أصحابنا وقال بعضهم لا يثبت ذلك في حق الأمة2 حتى يتصل بهم ~~وتعلق من قال بالوجه الثاني بقصة أهل قباء فإن أهل قباء لما بلغهم نسخ ~~القبلة وقد صلوا بعض صلواتهم فاستداروا كما هم إلى القبلة ومعلوم أنهم ~~كانوا قد فعلوا بعض الصلاة بعد النسخ قبل أن يتصل بهم الخبر ومع ذلك لم ~~يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة ولأن الله تبارك وتعالى لا يكلف ~~إلا ما يكون في وسع العبد وإذا كلف العبد الشيء قبل أن يعلمه يكون قد كلف ~~ما ليس في وسعه وهو باطل ولهذا المعنى لا يأثم بالتأخير إلى أن يعلم ولو ~~كان الخطاب قد توجه عليه لكان يأثم وحين لم يأثم ثبت ما قلنا. # وأما دليل الوجه الأول أن النسخ محض إسقاط فلا يعتبر فيه علم من سقط عنه ~~كالطلاق والعتاق وهذا لأن دليل النسخ قد قام ولا دليل على اعتبار علم من ~~يعمل النسخ في حقه فإذا لم يكن دليل ثبت النسخ على العموم وهذا لأن ms419 الخطاب ~~بالشرعيات ثبت بإثبات الله تعالى فإذا كان الله تعالى رفعه فكيف يبقى ثابتا ~~ولأن النسخ يكون بإباحة محظور والإباحة تكون من الله تعالى ويكون من قبل ~~الله تعالى العبد ثم الإباحة من قبل العبد يثبت حكمها قبل علم العبد ~~بالإباحة مثل أن نقول أبحث ثمرة بستاني لبنى فلان ولم يعلموا بإباحته لهم ~~فتناوله واحد منهم قبل العلم لم يجب الضمان. PageV01P459 # بالإجماع فكذلك الإباحة من قبل الله تعالى جاز أن تثبت على هذا الوجه ~~وأما حديث أهل قباء قلنا استقبال القبلة يسقط بأعذار كثيرة إلا ترى أنه ~~يسقط في النوافل لعذر السفر فكذلك يجوز أن يسقط عنهم بعذر الجهل وأن كانوا ~~توجه الخطاب عليهم وأما قولهم أنه يؤدي إلى تكليف العبد ما ليس في وسعه ثم ~~يجوز أن لا يأثم والخطاب متوجه إلا ترى أنه لو نسي الخطاب أو نام عن ~~المأمور لم يلحقه الإثم والخطاب متوجه في حقه ولعل هذه المسألة تأتي من بعد ~~بأشرح وأبسط مما ذكرناه أن شاء الله انتهى باب الناسخ والمنسوخ والقول في ~~ذلك ونذكر الإجماع. # PageV01P460 ### | القول في الإجماع وما يتصل بذلك ### | مدخل # ... # القول في الإجماع وما يتصل بذلك. # اعلم أن الإجماع هو اتفاق أهل العصر على حكم النازلة ويقال اتفاق علماء ~~العصر على حكم الحادثة1 هذا الحد أحسن واختلفوا في معنى تسميته بالإجماع ~~فقال قوم هو مأخوذ من اجتماع الأقوال عليه فصار بالاجتماع إجماعا وقال ~~آخرون بل هو مأخوذ من الجمع الذي هو العزم من قولهم قد أجمع فلان على كذا ~~إذا عزم عليه ومنه قوله تعالى: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} أي اعزموا عليه ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" أي ~~يعزم عليه وينويه وهذا المعنى باللغة والأول بالشرع أشبه وعلى المعنى ~~الثاني يصح الإجماع من الواحد وعلى المعنى الأول لا يصح إلا من جماعة ~~والإجماع إذا أطلق في اللغة قد يفهم منه العزم على الشيء والإجماع على ~~الشيء من اثنين فصاعدا وأما في الشرع فإن الإجماع ms420 إذا أطلق لا يتناول إلا ~~اجتماع الأمة على الحق ثم اعلم بعد هذا أن الإجماع ممكن وانعقاده متصور ~~وقال قوم انعقاد الإجماع غير متصور وغير ممكن وهذا باطل لأنه لما كان ~~الإجماع في الأخبار المستفيضة ممكنا وجب أن يكون الإجماع باعتقاد الأحكام ~~ممكنا لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم على الأخبار المستفيضة يوجد أيضا ~~سبب يدعو إلى إجماعهم باعتقاد الأحكام يدل عليه أن من تبين بشرع فإنه لا ~~يستجيز كتمانه إلا عن تقية في بعض المواضع فأما إذا لم يكن هناك تقية ولا ~~خوف فإنه لا يستجيز كتمانه وإخفاءه وإذا ثبت هذا إذا اجتمعت الجماعة على ~~اعتقاد أو حكم واستفاض ذلك فيما بينهم أو لم ينكر أحد منهم ذلك لو خلو ~~اعتقد أحد منهم خلاف ذلك لأنكره أما صريحا أو تعريضا فصار. PageV01P461 # عدم الخلاف منهم دليلا على وجود الإجماع وسيأتي الكلام في هذا بأكثر من ~~هذا الذي ذكرناه وإذا ثبت وجود الإجماع فأول مسألة تذكر من ذلك كونه حجة. # مسألة: الإجماع حجة من حجج الشرع ودليل من دلائل الله تعالى على الأحكام ~~وهو حجة مقطوع بها. # وقال النظام ليس بحجة وقالت الإمامية ليس بحجة من حيث الإجماع لكن الحجة ~~في أن الإمام داخل فيهم وقوله مقطوع على صحته وذهب بعض من دفع الإجماع إلى ~~أنه لا يتصور وجود الإجماع. # واعلم أن من يدفع الإجماع فإنه يسلك أحد مسالك ثلاثة: # أحدها: أن يحيل وقوع الإجماع. # والثاني: أن يحيل ثبوت الطريق إليه. # والثالث: أن يقول: ليس في الشرع ولا في العقل دليل على أن الإجماع حجة1. # أما الأول قالوا: أنه لا يمكن ضبط أقاويل العلماء على كثرتهم تباعد ~~ديارهم ألا ترى أن أهل بغداد لا يعرفون أهل العلم بالمغرب فضلا أن يعرفوا ~~أقاويلهم في الحوادث وكذلك من بالمشرق فدل أن معرفة قول الأمة بأجمعهم في ~~الحوادث متعذرة لا سبيل إليها ثم قالوا: كيف يتصور اتفاق آرائهم في الحادثة ~~مع تفاوت الفطن والقرايح وتباين المذاهب وتفنن المطالب وأخذ كل قوم صوبا من ms421 ~~أساليب الظنون فيكون تصوير إجماعهم في الحكم المظنون بمثابة تصور إجماع ~~العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود أو أكل نوع من الطعام وأيضا لو ~~تصور إجماعهم كيف يتصور النقل عنهم على التواتر والحكم في المسألة الواحدة ~~ليس مما يتوفر الدواعي إلى نقله فنثبت أن تصور الإجماع بأنه متسلل وأيضا ~~فإن الرجوع من كل واحد منهم موهوم ومع هذا الذي قلناه لا يتصور انعقاد ~~الإجماع على وجه يؤمن معه الخطأ لأنه يستحيل أن يجوز على كل واحد من الأمة ~~الخطأ ثم لا يجوز على جماعتهم كما يستحيل أن يكون كل واحد منهم مصيبا ~~وجماعتهم غير مصيبين وأن يكون كل واحد منهم أسود وجماعتهم غير سود. # وأما المسلك الثاني وهو أنه لا طريق إليه لأنه لو انعقد الإجماع لكان لا ~~بد أن يكون. PageV01P462 # إجماعهم صادرا عن أصل فإن انعقد عن نص وجب نقله والاستغناء به وأن انعقد ~~عن اجتهاد وأمارة مظنونة فلا يجوز ذلك لأنهم مع كثرتهم واختلاف هممهم لا ~~يجوز أن يوجد إجماعهم عن الأمارات المظنونة يدل عليه أنكم جعلتم الإجماع ~~حجة وإذا انعقد عن دلالة فتكون الدلالة هي الحجة لا الإجماع قالوا: ولا ~~يجوز أن يقال ينعقد إجماعهم لا عن دلالة لأن الذين ينعقد بهم الإجماع ليسوا ~~بآكد حالا وأعلى مرتبة من النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يقول: ما يقوله إلا عن وحي فالأمة أولى أن يقولوا ما ~~يقولونه إلا عن دليل ولأنه إذا جاز لهم أن يقولوا إلا عن دليل جاز لكل واحد ~~منهم أن يقول أيضا بغير دليل لأنهم إنما يجتمعون على القول بأن يقول: كل ~~واحد منهم ونحن نعلم قطعا أنه لا يجوز لكل واحد منهم أن يقول بغير دليل ~~وإذا لم يجز لآحادهم لا يجوز لجماعتهم وإذا ثبت أنه لا بد من دليل فتكون ~~الحجة هي الدليل لا الإجماع. # وأما المسلك الثاني فيطالبون بإقامة الدليل قالوا: ولا دليل عليه لا من ~~حيث العقل ولا من حيث ms422 السمع وقد تعلق بعضهم بالأمم السالفة وقالوا: لما لم ~~يكن إجماعهم حجة فكذلك اتفاق هذه الأمة وتمسكوا بظواهر منها قوله تعالى: ~~{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] ولم يذكر ~~الإجماع ولو كان حجة لذكره ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث ~~معاذا إلى اليمن قال بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله ~~تعالى قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فإن لم تجد في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم" قال أجتهد رأيي1 ولم يذكر الإجماع ويدل عليه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ~~2 وهذا يدل على جواز الضلالة على الأمة وإذا جازت الضلالة عليهم لم يكن ~~إجماعهم حجة. # وأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب وهو قوله سبحانه وتعالى: {وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] والوسط من كل شيء خياره ~~وقيل الوسط من يرضى قوله وقيل هو العدل والمعاني متقاربة وقال الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... وإذا نزلت إحدى الليالي بمعظم # وأيضا فإن الله تعالى قال: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] ~~والشاهد أتم لمن. PageV01P463 # يكون قوله حجة فقد وصف الله تعالى الأمة بالعدالة والشهادة فدل أن قبول ~~قولهم واجب لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس ثم لا ~~يقبل قولهم ولا يجعله حجة. # ببينة: أن الحكيم لا يصف بخيرية قوما ليشهدوا وهو عالم بأنهم كلهم يقدمون ~~على الكذب فيما يريدون فدل أنه تعالى علم أنهم لا يقدمون إلا على الحق حيث ~~وصفهم بما وصفهم فإن قيل المراد بالآية هو شهادتهم في الآخرة على الأمم بأن ~~الأنبياء بلغت إليهم الرسالة وهذا يقتضي أن يكونوا عدولا في الآخرة لا في ~~الدنيا والجواب أن هذا لو كان هو المراد لقال نجعلكم أمة وسطا فلما قال: ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] دل أن هذا الوصف متحقق فيهم في ~~الحال وعلى أن الآية عامة في ms423 الدنيا والآخرة فإن قيل قوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم} [البقرة: 143] أن كان المراد بهذا جميع من صدق النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى يوم القيامة فلا يتصور إحاطة علمنا بإجماع كل من صدق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأن أريد بذلك من وجد في زمان نزول الآية فينبغي أن لا ~~يكون الإجماع في موضع ما حجة حتى يعلم أن جميع من كان حاضرا حين نزلت الآية ~~قال بذلك القول والجواب أن الله تبارك وتعالى لما وصفهم بالعدالة والشهادة ~~فقد أوجب علينا قبول قولهم في ذلك فلا يجوز أن يقسم تقسيما يؤدي إلى سد باب ~~الوصول إلى شهادتهم فيكون المراد بالآية أهل العصر الصحابة بعد موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو أهل كل عصر يأتي وقد تأيد هذا الاستدلال بقوله ~~سبحانه وتعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} [آل عمران: 110] فدل أنهم ينهون عن كل منكر لأن لام الجنس مستغرق ~~الجنس فلو جاز إجماعهم على مذهب منكر لما كانوا ناهين بل كانوا آمرين بذلك ~~وقد قيل أن معنى قوله كنتم صرتم ويحتمل وجدتم ويحتمل أنتم خير أمة ذلك ~~معتمد قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء:115] فقد جمع ~~بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير ~~سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور في الوعيد إلا ترى أنه لا ~~يحسن أن يقول الحكيم لغيره أن تبت وشربت الماء عاقبتك وإذا قبح غير سبيل ~~المؤمنين وجب تجنبه وليس يمكن تجنبه إلا باتباع سبيلهم لأنه لا واسطة بين ~~اتباع سبيلهم واتباع غير سبيلهم وقد تبين بهذا الجواب عن السؤال الذي ~~يقولونه وهو أن الله تعالى علق الوعيد بمخالفة الرسول. # PageV01P464 # وترك اتباع غير سبيل المؤمنين قد بينا أنه لا يصح الجمع بين شيئين في ~~الوعيد إلا وأن يكون كل واحد منهما يستحق عليه الوعيد يدل عليه أنه لا ms424 خلاف ~~أنه يستحق الوعيد بمشاقة الرسول على الانفراد فكذلك استحق الوعيد بترك ~~متابعة سبيل المؤمنين على الانفراد فإن قيل المراد بترك متابعة سبيل ~~المؤمنين في مشاقة الرسول قلنا فيكون لا فائدة في قوله ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين لأن استحقاق الوعيد عرف بقوله: {ومن يشاقق الرسول} [النساء:115] ~~فيجب أن يكون الوعيد بترك اتباع سبيل المؤمنين متعلقا بمعنى آخر غير ما سبق ~~يفيد فائدة وأيضا فإن هذا السؤال يقتضي أن لا يكون مشاقة الرسول بانفراده ~~معصية فإن قيل قد شرط الله عز وجل في لحوق الوعيد أن يكون اتباعه غير سبيل ~~المؤمنين بعد أن تبين له الهدى والألف واللام لاستغراق الجنس فاقتضى ~~استيعاب الهدى وكان معنى الآية من تبين جميع الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ~~لحقه الوعيد فيدخل ما أجمعوا عليه في جملة الهدى فعلى هذا يجب أن يكون ~~الهدى بدليل سوى قول الأمة تم إذا تبين يتبعون فيه كما أن الإنسان إذا قال ~~لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه اقتضى أن يكون تبين صدقه بشيء سوى قوله. # والجواب أنه قد قيل أن تبين الهدى شرط في لحوق الوعيد المذكور بمشاقة ~~الرسول فقط لا في اتباع غير سبيل المؤمنين لأن الإنسان إنما يكون مشاقا ~~معاندا إذا تبين الحق وعرفه وكان هذا الشرط مقصورا على المشاقة فقط وأيضا ~~فإن الذي قالوه لو كان على ما زعموا لبطل فائدة تخصيص المؤمنين مع علمنا ~~أنه خرج الكلام مخرج تمييز المؤمنين والإعظام لهم ألا ترى أن غير المؤمنين ~~إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول مثل قولهم كما ~~يلزمنا مثل ذلك في المؤمنين يدل عليه أن اتباع المؤمنين هو الرجوع إلى ~~قولهم لأنهم قالوه وليس اتباعهم هو مشاركتهم في قولهم لأن دليلا دل عليه ~~ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود في إثبات الصانع جل شأنه وفي نبوة موسى ~~عليه السلام وأن شاركناهم في اعتقاد ذلك لما لم نصر إلى ذلك لأجل قولهم فإن ~~قيل هذا الاستدلال بدليل الخطاب لأنكم قلتم ms425 لما ذكر في الآية إلحاق الوعيد ~~بمن اتبع غير سبيل المؤمنين دل أن اتباع سبيل المؤمنين واجب وهذا تعلق بمحض ~~دليل الخطاب لأنه ليس في الآية الأمر باتباع سبيل المؤمنين. # قالوا: والاستدلال في مثل هذه المسألة بدليل الخطاب لا يجوز. # الجواب أن مطلق الآية تدل على ما قلناه لأن الله تعالى نص على إلحاق ~~الوعيد. # PageV01P465 # باتباع غير سبيل المؤمنين وعند المخالف لا يلحق الوعيد باتباع غير سبيل ~~المؤمنين بحال وعلى أن الاستدلال بالآية تقسيم عقلي لا يتصور خلافه وهو أنه ~~أما أن يوجد اتباع سبيل المؤمنين أو يوجد اتباع غير سبيل المؤمنين ولا ثالث ~~لهذين فإذا حرم اتباع غير سبيل المؤمنين قطعنا بوجوب اتباع سبيل المؤمنين ~~فإن قيل وقد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين فظاهره يقتضي أن يتبع غير سبيلهم ~~فيما صاروا به مؤمنين وعندنا إذا اتبع غير سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين ~~يلحقهم الوعيد. # والجواب أنه ليس كما زعموه لأن ظاهره يقتضي لحوق الوعيد عند ترك اتباع ~~سبيلهم فيما صاروا به مؤمنين وفيما لم يصيروا به مؤمنين. # ألا ترى أنه لو قال القائل اتبع سبيل العلماء يقتضي أن يتبع سبيلهم فيما ~~صاروا به علماء وفيما لم يصيروا به علماء وأيضا فإن الآية تقتضي لحوق ~~الوعيد في هذا الفعل بترك اتباع سبيل المؤمنين وعلى هذا السؤال لا يكون ~~بترك اتباع سبيل المؤمنين وإنما يكون الوعيد بترك الإيمان والتوحيد وما ~~يتصل بذلك لا بترك اتباع سبيل المؤمنين فسقط السؤال بهذا الوجه. # فإن قيل قد قال ويتبع غير سبيل المؤمنين وهذا يقتضي سبيلا واحدا فلا ~~يقتضي كل سبيل يوجد. # والجواب أنكم إذا سلمتم أنه إذا ترك اتباع واحد يستحق الوعيد فثبت أنه ~~إذا ترك اتباع كل سبيل هو سبيل المؤمنين يستحق الوعيد أيضا وعلى أن السبيل ~~قد صار معرفا بالإضافة إلى المؤمنين وإذا صار معرفا بهذا الوجه فلا فرق بين ~~أن يعرف الألف واللام أو يعرف بالإضافة وإذا ثبت أن السبيل معرف اقتضى كل ~~سبيل هو سبيل المؤمنين وإذا ترك ذلك استحق ms426 الوعيد والاستدلال بهذه الآية في ~~نهاية الاعتماد وقد احتج الشافعي رحمة الله عليه بهذه الآية. # دليل آخر في أن الإجماع حجة: # وهذا الدليل من السنة وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"لا تجتمع أمتي على الضلالة" 1. # وفي رواية: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" 2 وقال صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~الله PageV01P466 # ليجمع هذه الأمة على الخطأ وقال: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ~~وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح" 1 وقال: "من فارق الجماعة قيد ~~شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" 2 وقال: "من فارق الجماعة فمات ميتة ~~جاهلية" 3 وقال: "عليكم بالجماعة" 4 و "يد الله مع الجماعة" 5 و "من شذ شذ ~~في النار" 6 وقال: "عليكم بالسواد الأعظم" 7 وقال: "من فارق الجماعة ~~فاقتلوه" 8 وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم ~~الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" 9 وقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ~~فإن دعوتهم تحيط من ورائهم والنصح لأولي الأمر" 10 وقال صلى الله عليه وسلم ~~ستكون بعدي هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جمع فاضربوا عنقه ~~كائنا من كان11. PageV01P467 # والأخبار في معنى هذا كثيرة وإذا أمر في هذه الأخبار بالكون مع الجماعة ~~ونهى عنه الشذوذ ونفى الخطأ والضلالة عنهم دل ذلك أن إجماعهم حجة وصواب وحق ~~يدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم لما قال: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" فما ~~أجمعوا عليه أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه فيجب كون ذلك صوابا غير خطأ ~~فإن قالوا: هذه الأخبار آحاد فلا يصح إثبات الإجماع بها وهي من مسائل ~~الأصول قيل هي متواترة من طريق المعنى فإن ألفاظها وأن اختلفت فقد اتفق ~~الكل على معنى واحد وهو وجوب التمسك بالإجماع وتحريم المخالفة وعصمة الأمة ~~من الاجتماع على الخطأ والضلالة وقد ms427 بينا أن مثل هذا الطريق يفيد العلم فإن ~~قيل قوله لا تجتمع أمتي على الضلالة يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد ~~بالضلالة الكفر دون غيره وكذا نقول أن هذه الأمة لا تجتمع على الكفر فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" ~~قيل له كل معصية ضلالة لأنه قد عدل بها عن الحق ومنه قوله تعالى: {قال ~~فعلتها إذا وأنا من الضالين} فينبغي أن لا يجوز اجتماعهم على خلاف الحق ~~بحال لأنا قد ذكرنا أن كل ما عدل به عن الحق ضلال وعلى أنه قد قال صلى الله ~~عليه وسلم: "لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على الخطأ" وهذا لا ينفي أنواع ~~الخطأ لأن الكلام خرج مخرج بيان كرامة هذه الأمة على الله عز وجل وكرامتهم ~~على الله عز وجل تنفي أن يجتمعوا على كل ما هو خطأ وعدول عن الحق فإن قيل ~~قوله أمتي يتناول جميع أمته من وقته إلى قيام الساعة ولا يتصور اجتماع كلهم ~~على الخطأ وأيضا فإن إجماعهم لا يتصور أن يكون حجة لأنه إذا كان يتناول ~~جميع من صدقه إلى انقطاع التكليف فلا يوجد بعد ذلك تكليف حتى يكون اجتماع ~~هؤلاء حجة وقد ذكرنا الجواب عن هذا السؤال فيما سبق وبينا أن المراد بهذا ~~أهل كل عصر. # ببينة: أن عند المخالفين يتصور اجتماع أهل كل عصر على الخطأ والضلالة ~~فإذا تصور ذلك عندهم في أهل كل عصر إلى أن ينقطع التكليف فقد تصور اجتماع ~~الكل على الضلالة وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فإن قيل ولم قلتم ~~إذا كان لا يجوز اجتماعهم على الخطأ والضلالة يجب أن يكون اجتماعهم حجة ولا ~~يجوز مخالفته قيل له قد اجتمعت الأمة أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا عليه ~~ونعني بهذا إجماع من يقول: أن الأمة لا تجتمع على الخطأ دون غيرهم فكل من ~~قال أن الأمة لا تجتمع على الخطأ فقد قال أن إجماعهم حجة لأنه لم ms428 يجوز لأحد ~~منهم مخالفتهم على ما ورد به النص وإذا # PageV01P468 # أجمعوا أنه لا يجوز المخالفة فقد أجمعوا أنه يكون حجة. # ببينة: إذا تعرفنا حال الأمة وجدناهم متفقين على تضليل من يخالف الإجماع ~~وتخطئته ولم تزل الأمة ينسبون المخالفين للإجماع إلى المروق وشق العصا ~~ومحادة المسلمين ومشاقتهم ولا يعدون ذلك من الأمور الهينة بل يعدون ذلك من ~~عظام الأمور وقبيح الارتكابات فدل أنهم عدوا إجماع المسلمين حجة يحرم ~~مخالفتها وفي المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب وأوردها المتكلمون والقدر ~~الذي قلناه كاف وهو المعتمد. # وأما الجواب عن الذي قالوه أما الأول قوله أنه يستحيل وجود الإجماع قلنا ~~لا يستحيل على ما سبق بيانه أما قولهم أنه مع كثرتهم وتباعد ديارهم يمتنع ~~ويتعذر الوقوف على إجماعهم قلنا نقول: أولا كيف يدعى استحالة هذا ونحن نرى ~~خيلا من الكفار يرمى عددهم على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك ~~بطلانها بأدنى ذكر فإذا لم يمتنع ذلك إجماع أهل الدين على حكم من أحكام ~~الدين وأيضا فإنا نعلم إجماع العلماء من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة ~~رحمهم الله على مذهب كل واحد منهما في مسائل الفروع مع تباعد الديار ~~وانقطاع المزاد فدل أن الذي ادعوه من الاستحالة باطل هذا جواب القاضي أبي ~~بكر ثم نقول أن الوقوف على الإجماع غير ممتنع بسماع أقاويل الحاضرين والنقل ~~من الجانبين كما يمكن معرفة اتفاق المسلمين على الصلوات الخمس وصوم شهر ~~رمضان واعتقاد أداء الزكاة والحج وغير ذلك مع كثرة المسلمين وتباعد الذكر ~~بهم لأن الاعتبار بعلماء العصر وأهل الاجتهاد وهم كالأعلام في كل عصر لا ~~تجلى مواضعهم ولا وأقوالهم. # ببينة: أن من عاصر الصحابة يمكنه أن يكتفي بكل واحد من المجتهدين أو ~~ببعضهم فيعرف قوله ويتعرف قول الناس لأن أهل الاجتهاد من ذلك الوقت كانوا ~~محصورين وكذلك التابعون فأمكن التوصل إلى معرفة قولهم بالطريق الذي قدمنا ~~وأيضا فإن القول المنتشر في أهل العصر من غير مخالف دليل على الإجماع وهذا ~~يمكن معرفته وهذا لأن الدليل الذي دل على ms429 أن الإجماع حجة يوجب أن يكون سبيل ~~من الوصول إليه ولا وصول إلا بالقول المنتشر في الأمة وعدم المخالف لذلك ~~لأن معرفة قول كل واحد من علماء العصر لا سبيل إليه في العالم ولا يجوز أن ~~يوجب علينا ما لا سبيل إلى الوصول إليه فإذا لم يمكن إلا هذا القدر علمنا ~~أن ذلك حجة وأنه المعنى بالإجماع الذي أوجب علينا اتباعه وأما قولهم أنه ~~يستحيل أن يجوز الخطأ على كل واحد منهم. # PageV01P469 # ثم إذا اجتمعوا لا يجوز قلنا المستحيل أن يقال أن كل واحد من الأمة يجوز ~~كونه مخطئا في القول الذي اتفقوا عليه وجماعتهم غير مخطئين فيه ونحن لم نقل ~~هذا وإنما نقول أن كل واحد منهم يجوز أن يكون قوله خطأ إذا انفرد وإذا ~~اجتمع مع الكافة لم يكن قوله خطأ وليس نمنع أن يفارق الواحد الجماعة في هذا ~~ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يأكل اليوم مأكلا مخصوصا ولا يجوز أن ~~تجتمعوا على أكلة مخصوصة في هذا اليوم وأما قولهم أنه لا بد أن ينعقد ~~الإجماع على دليل قلنا لا نمنع أن يكون إجماعهم عن نص لم ينقلوه واكتفوا ~~بالإجماع عن النقل ويجوز أيضا أن يجتمعوا عن أمارة فطرية وسنبين ذلك من بعد ~~وأما قولهم أن الإجماع لا يكون إلا عن دلالة فتكون تلك الدلالة حجة لا ~~الإجماع قلنا هذا يبطل بقول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه حجة ومع ذلك لا ~~نقول ما يقوله إلا عن دلالة وعلى أنه لا يمتنع أن يكون الإجماع حجة ما صدر ~~عنه الإجماع حجة أيضا فيكون فى المسألة حجتان وأيضا فإن الإجماع وأن كان عن ~~دليل هو حجة ولكن في الاجماع فائدة وهي أن يسقط عنا البحث عن الحجة ويسقط ~~هنا نقلها ويحرم علينا الخلاف الذي كان سابقا في مسائل الاجتهاد وقد قال ~~بعضهم إنا وجدنا إجماعا منعقدا من غير دليل نحو إجماعهم على بيع المراضاة ~~من غير عقد والإستبضاع وأجرة الحمام وقطعة الشارب وأخذ الزكاة من الخيل ms430 ~~تبرعا وأخذ الخراج أورد هذه المسائل أبو الحسين البصري في أصوله1. # الجواب أن هذه المسائل لم يقع على كلها الإجماع فإن البيع بالتراضي لا ~~يكون بيعا ولا بد عندنا من الإيجاب والقبول2 حتى لا يكون ما أخذاه حراما ~~أما البيع فلا يقول: أنه بالتعاطي المجرد ينعقد البيع بحال3 وأما الاستبضاع ~~فهو على مذهب أبي حنيفة والباقي من المسائل يجوز أن يسلم لكنا نقول أن ~~الإجماع لا يقع إلا عن دليل غير أنه. PageV01P470 # يجوز أن يقع الاكتفاء عن نقل الدليل بوقوع الإجماع وأما الذي تعلقوا به ~~من الظواهر قلنا أما الآية وهي قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] نقول لهم أن الآية دليلنا لأنه تعالى شرط في الرد إلى الكتاب ~~والسنة وجود التنازع فدل أن دليل الحكم عند عدم التنازع هو الإجماع إذ لا ~~بد للحكم من دلالة وعلى أن يرد الحكم إلى الإجماع رد إلى الكتاب والسنة وقد ~~ذكرنا ذلك وأما حديث معاذ قلنا قد كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والإجماع يكون بعد زمانه وأما قوله عليه السلام: "لا ترجعوا بعدى كفارا ~~يضرب بعضكم رقاب بعض" 1 قلنا يجوز أن يكون قال ذلك لأقوام بأعيانهم ويجوز ~~الخطأ والضلالة على أقوام بأعيانهم وأن تعلقوا بإجماع سائر الأمم قلنا قد ~~قال بعض أصحابنا أن إجماع هذه الأمة وسائر الأمم سواء في كونه حجة وهو ~~اختيار أبي إسحاق الإسفراينى وإن سلمنا فالفرق بين هذه الأمة وسائر الأمم ~~هو أن عصمة الأمة طريقها الشرع ولم يرد الشرع بعصمة سائر الأمم وقد ورد ~~بعصمة هذه الأمة ونفى الخطأ عنهم على ما سبق بيانه فافترقا لهذا المعنى ~~ولأن اعتراض النسخ في دين سائر الأمم جائز. # ألا ترى كيف اعترض ونسخ الكل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان ~~النسخ جائز لم يقع الحاجة فيها إلى عصمة الأمة وأما في شريعتنا فلا يجوز ~~النسخ بل هذه شريعة مؤيدة فعصمت أمتها ليرجع إليها عند الخطأ والنسيان ~~وليبقى الشرع بإجماع الأمة محفوظا. # فإن ms431 قيل أليس قال الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} إلى ~~قوله: {وأنتم شهداء} [آل عمران: 99] فقد جعلهم كما جعل هذه الأمة شهداء ~~فيجب أن يكون إجماعهم حجة أورد هذا السؤال أبو زيد في أصوله وأجاب وقال ~~يحتمل أن إجماعهم كان حجة ما كانوا متمسكين بالكتاب وإنما لم يجعل اليوم ~~إجماعهم حجة لأنهم كفروا بالكتاب وإنما ينتسبون إلى الكتاب بدعوتهم ولأن ~~تأويل الآية وأنتم شهداء بما فيه قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلم لا ~~يشهدون الحق ألا ترى أنه قد سبقت هذه الآية أنه أخذ الميثاق بالبيان قال ~~الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} [آل ~~عمران: 187] فدل أن المراد ما ذكرنا وأعلم أنا لما حققنا الإجماع حجة من ~~جهة الشرع خاصة فقد قال بعضهم أنه حجة من جهة الشرع والعقل جميعا والصحيح ~~هو الأول لأن العقل لا يمنع اجتماع الخلق الكثير على الخطأ ولهذا اجتمع ~~اليهود. PageV01P471 # والنصارى مع كثرتهم على ما هم عليه من الضلالة وإذا جعلناه حجة في الشرع ~~فإنما وجد ذلك في هذه الأمة على ما سبق. # PageV01P472 ### | فصل: الإجماع على ضربين # ... # فصل إذا ثبت أن الإجماع حجة يجب التزامها ولا يجوز مخالفتها. # فهو على ضربين. # أحدهما: ما يكفر مخالفه متعمدا وهو الإجماع على الشيء الذي يشترك الخاصة ~~والعامة في معرفته مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما ~~ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة والربا اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما ~~انعقد عليه الإجماع فهو كافر1 لأنه صار بخلافه جاحدا كافرا لما قطع به من ~~دين الرسول صلوات الله عليه كالجاحد لصدق الرسول صلوات الله عليه. # والضرب الثاني: ما يضل مخالفه إذا تعمد ولا يصير كافرا وهذا إجماع الأمة ~~الخاصة وذلك مما ينفرد بمعرفته العلماء كتحريم المرأة على عمتها وخالتها2 ~~وإفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة3 وتوريث الجدة السدس4 وحجب بني الأم ~~مع الجد5 ومنع توريث القاتل6 ومنع وصية الوارث7 فإذا اعتقد المعتقد في شيء ~~من هذا ms432 خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفر لكن يحكم بضلالته وخطئه8. # ثم إعلم أن الكلام في الإجماع بعد أن عرفنا أنه حجة يشتمل على خمسة فصول: # أحدها: معرفة ما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة. PageV01P472 # والثاني: فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة. # والثالث: ما ينعقد فيه الإجماع من الأحكام. # والرابع: ما ينعقد به الإجماع من الشروط. # والخامس: معرفة ما يتخالط [مما] 1 يتعارض فيه الإجماع والاختلاف. # ولا بد لكل واحد من هذه الفصول الخمسة من إيراده بما يشتمل عليه ليصير ~~الإجماع مستوفي في أحكامه وما يتصل به. PageV01P473 ### | فصل: فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة # ... # فصل أما الكلام فيما ينعقد عنه الإجماع من الأدلة. # أعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل يوجب ذلك2 لأن اختلاف الآراء أو ~~الهمم يمنع من الاتفاق على شيء إلا عن سبب يوجب ذلك وهذا مثل اتفاق الناس ~~على أكلهم عند الجوع وشربهم عند العطش ولبسهم عند العرى كان عن سبب وهذه ~~أمور طبيعية كانت عن سبب طبيعي وكذلك الأمور الدينية لا تكون إلا عن سبب ~~ديني وذلك مثل اتفاقهم على المعتقد الديني واتفاقهم على صلاة الجمعة وصلاة ~~العيدين وعلى فعل الصلوات الخمس وصوم رمضان فإنه لا يكون ذلك إلا عن سبب ~~ديني قادهم إليه ويجوز أن يتفقوا عن دليل على حكم الحادثة وتكون على الحكم ~~دلائل سواه ويجوز أن يختلفوا في الأدلة مع إتفاقهم على الحكم فلا يكون ~~اختلافهم في الأدلة مانعا من إجماعهم على الحكم وقد أجاز قوم انعقاد ~~الإجماع عن توفيق من الله تعالى من غير دليل شرعي دلهم على ذلك. # وذلك بأن يوفقهم الله تعالى للصواب من غير أن يكون لهم عليه دلالة وأمارة ~~وهذا ليس بصحيح لأنه لو جاز لجماعة الأمة أن يقولوا من غير دليل لكان يجوز ~~لكل واحد منهم أن يقول من غير دليل وحين لم يجز لآحادهم كذلك لا يجوز ~~لجماعتهم ولأن الدليل هو الموصل إلى الحق فإذا فقد الدليل. PageV01P473 # فقد الوصول وقد بينا أن حال الأمة لا يكون ms433 أعلى من حال نبي الأمة ومعلوم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول ما يقول إلا عن دليل فالأمة لأن لا ~~يقولوا ما يقولونه إلا عن دليل أولى وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن ~~دليل فلا خلاف أنه ينعقد الإجماع عن الكتاب والسنة ثم إذا كان الإجماع عن ~~نص غير محتمل من كتاب أو خبر متواتر كان الحكم والقطع بصحته ما يتبين بالنص ~~فلم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهما وأن كان النص خبر واحد وأجمعوا به كان ~~الحكم ثابتا بالظاهر وكان نفى الاحتمال من الظاهر والقطع بصحة الحكم ثابتين ~~بالإجماع واختلفوا في انعقاد الإجماع عن القياس. # مسألة: ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجوز بانعقاد الإجماع عن ~~القياس وقالوا: لا فرق بين القياس الجلي والخفي في ذلك وقال قوم أنه لا ~~يجوز انعقاد الإجماع عن القياس بحال سواء كان خفيا أو جليا واختاره محمد بن ~~جرير الطبري وذهب قوم إلى جواز انعقاده بالجلي دون الخفي وأما نفاة القياس ~~منعوا انعقاد الإجماع بالقياس لأنه ليس بدليل عندهم1 والكلام مع نفاة ~~القياس يأتى من بعد. # وأما حجة من نفى انعقاد الإجماع بالقياس قال في ذلك لأن الخطأ موهوم في ~~القياس والإجماع يوجب العلم القطعي فلا يجوز أن يقع بالقياس لأن ذلك يوجب ~~أن يكون فروع الشيء أقوى من أصله. # ببينة: أن القياس فرع الاجماع. # ألا ترى أن الإجماع يستخرج منه المعنى فيقاس عليه مثل ما يستخرج من ~~الكتاب والسنة فإذا كان القياس فرعا للإجماع فلا يجوز أن يصير الإجماع فرعا ~~لأنه يؤدي إلى أن ينقلب الأصل فرعا والفرع أصلا وهذا لا يجوز. # ببينة: أن الحكم الصادر عن القياس لا يفسق مخالفه بل يجوز مخالفته ولا ~~يجعل. PageV01P474 # أصلا في نفسه بل هو فرع لغيره ولا يقطع عليه بثبوته ولا على تعلقه ~~بالأمارة وأما الحكم المجمع عليه لا يجوز مخالفته ويفسق مخالفه ويجعل أصلا ~~ويقطع عليه وعلى تعلقه بطريقة فإذا صدر هذا الإجماع عن الاجتهاد اجتمع فيه ~~هذه الأحكام مع تنافيها ms434 وتضادها وهذه الحقيقة وهي أن الأمارة دلالة خافية ~~فلا يجوز أن يقال أن الأمة على كثرتها واختلاف هممها وأغراضها يجمعها ~~الأمارة مع خفائها يدل عليه أن الإجماع لا يكون إلا باتفاق أهل العصر ولا ~~عصر إلا وفيه من ينفى القياس أصلا فلم يجز وقوع الإجماع وانعقاده والذي ~~ينعقد به الإجماع معدوم. # وأما حجة من جوز انعقاد الإجماع عن القياس فنبين أولا وجود ذلك ثم نبين ~~جواز ذلك من حيث المعنى والدليل على وجود ذلك ووقعه إجماع الصحابة على قتال ~~أهل الردة وقد كان ذلك من طريق الاجتهاد قال أبو بكر رضوان الله تعالى عليه ~~قال لا أفرق بين ما جمع الله بينهما فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال ~~المخل بها ولو كان معهم في قتال مانعي الزكاة على نص لنقلوه. # واتفق الصحابة أيضا على إمامة أبى بكر وقد كان ذلك بطريق الاجتهاد فإنهم ~~استدلوا في إمامة أبي بكر رضي الله عنه بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياه في الصلاة وقالوا: اختاره صلى الله عليه وسلم لديننا فاخترناه ~~لدنيانا. # وقد أجمع الصحابة أيضا على توريث الجدتين السدس فإن اجتمعا فهو لكما ~~وأيتكما تفردت به فهو لها1 وقد أجمعت الأمة على هذا الحكم وكان ذلك عن ~~الاجتهاد. # وأجمعت الأمة أيضا على أن حد العبد على النصف من حد الحر وإنما اتفقوا ~~عليه بقياس العبد على الأمة فإن في الكتاب حد تنصيف الإماء وليس فيه ذكر حد ~~العبيد. # وأجمعت الأمة أيضا على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وأجمعوا على ~~تقديم الأمة في العتق قياسا على العبد. # وأجمعوا على إراقة الشيرج إذا وقعت فيه الفأرة وكان مائعا وإلقائها وما ~~حولها إذا كان جامدا قياسا على السمن2. PageV01P475 # وهم يقولون على هذه الدلائل أن إجماعهم لم يكن عن قياس بل كان عن دليل ~~آخر في مسألة قتال مانعي الزكاة وإمامة أبى بكر الصديق رضي الله عنه وفي ~~مسألة الجدتين كان إجماعهم عن خبر المغيرة وقالوا: في سائر المسائل إنما ~~كان الإجماع لأن النص ms435 على تنصيف الحد في الأمة نص في العبد وكذلك النص على ~~تحريم لحم الخنزير نص على تحريم شحمه والنص في السمن نص في الشيرج. # والجواب أن هذه الدعاوى بلا دليل وقد نقلنا في قتال مانعي الزكاة وتقديم ~~أبي بكر رضي الله عنه في الإمامة على الصحابة أنهم ذكروا الاجتهاد فيما ~~صاروا إليه وأما ميراث الجدتين فلازم قولهم أن إجماعهم كان عن خبر المغيرة ~~فخبر المغيرة كان في الجدة الواحدة والإلزام في الجدتين وأما سائر المسائل ~~فلازمة أيضا وقولهم أن النص في كذا نص في كذا مجرد دعوى لا دليل عليها ~~وسيأتي في باب القياس أن طريق إثبات هذه الأحكام فى الصور التى لم يقع النص ~~عليها لم يكن إلا بالقياس إلا أنه بالقياس الجلي فإن قال بعض من يخالف هذه ~~المسألة أن عندي يجوز انعقاد الإجماع بالقياس الجلي ولا يجوز بالخفي قلنا ~~إذا ثبت جواز انعقاده بأحدهما ثبت بالآخر وهذا لأن القياس دليل من دلائل ~~الشرع وطريق موصل إلى الحكم ولا مانع من انعقاد الإجماع عنه فينعقد عند ~~الإجماع دليل الكتاب والسنة. # فإن قالوا: قد بينا أن الإجماع لا يقع عن الاجتهاد وقلنا قد قلتم أن كثرة ~~عدد الأمة واختلاف هممها وأغراضها يمنع من اجتماعهم بطريق الاجتهاد ~~والأمارة وهذا دعوى وليس يمتنع أن تجمعهم الأمارة الواحدة والأمارات ~~الكثيرة على الحكم الواحد فإن اختلفت الأغراض وكثر العدد لأنهم مع كثرتهم ~~واختلاف أغراضهم قد اتفقوا على وجوب المصير إلى الأمارة فإذا ظهرت الأمارة ~~لجماعتهم لم يمتنع اتفاق جميعهم على الحكم الذي دلت عليه الأمارة يدل عليه ~~أن اليهود والنصارى وهم الجم الغفير قد اجتمعوا على اعتقاد واحد فإذا جاز ~~اتفاقهم مع كثرتهم وتباين هممهم وأغراضهم من جهة شبهة دخلت عليهم فلأن يجوز ~~اتفاق الجماعة من جهة الأمارة المستندة إلى أصل. PageV01P476 # هو حق أولى وليس هذا كاتفاقهم على الكذب في شيء معين حيث لا يجوز وقوع ~~ذلك لأنه لا داعي لجميعهم على ذلك وقد بينا وجود الداعي ها هنا وعلى هذا ~~خرج اتفاقهم ms436 على مأكل واحد وصناعة واحدة حيث لا يجوز وقوع ذلك لأنه لا داعي ~~لجميعهم على ذلك وهذا لأن اتفاقهم على مأكول واحد تابع لتساوي شهواتهم ~~وأماكن شهواتهم ونحن نقطع أن الناس يختلفون في الشهوات وأماكن نيل الشهوات ~~فمنهم من يشتهي ما ينفر طبع الآخرين ومنهم من تنقص شهوته لما تقوى شهوة ~~الآخر فتدعوه قوة شهوته إلى تناوله دون الآخر وقد يتفق الاثنان في شهوة حتى ~~يقدر أحدهما على تحصيلها بعجز الآخر عنه وأما الذي قالوه أولا من أن الخطأ ~~موهوم في القياس والإجماع يوجب علما قطعيا قلنا هذا يبطل بخبر الواحد فإن ~~الإجماع ينعقد عنه مع وجود ما قالوه ولأن العبرة بحسب ما يدل عليه الدليل ~~وقد دل الدليل أن الإجماع يفيد العلم القطعي وأن القياس لا يفيد إلا غلبة ~~الظن وأما قولهم أن القياس فرع والإجماع أصل ولا يجوز أن يكون الفرع أقوى ~~من الأصل قلنا الأدلة قد يتقوى بعضها ببعض وقد تتعاضد وتتظاهر الدلائل فيتم ~~عند الاجتماع بما لا يتم عند الانفراد ألا ترى أن أصل التواتر آحاد يجوز ~~عليها الخطأ ثم إذا اجتمعت تعاضدت وتقوى بعضها ببعض أفادت العلم القطعي. # كذلك القياس إذا اجتمعت الآراء صار دليلا قطعيا على صحة الحكم به وانتفاء ~~الخطأ عنه وبهذا الوجه جعلنا الإجماع الصادر عن الخبر الواحد والعمود دليلا ~~قطعيا وأن لم يكن الخبر الواحد والعمود في جميع مسمياته كذلك وأما قولهم أن ~~القياس لا يفيد كذا وكذا وما بينوا من المخالفة بين القياس والإجماع فليس ~~يدخل على ما قلناه وذلك لأن ما قالوه حكم لاجتهاد إذا انفرد عن الإجماع ~~فإذا اقترن به الإجماع صار دليلا مقطوعا به ويجوز مثل هذا القول ألا ترى أن ~~القول عن الأمارة إذا اقترن به تصويب النبي صلى الله عليه وسلم أفاد العلم ~~المقطوع به وإذا لم يقترن به أفاد الظن. # وأما قولهم أنه ما من عصر إلا ويوجد فيه من ينفى القياس قلنا ليس الأمر ~~على ما زعمتم والأصل في الإجماع إجماع الصحابة رضي ms437 الله عنهم أجمعين ولسنا ~~نعلم أن أحدا منهم أنكر القياس والاجتهاد. # ببينة: أنه كما وجد في الأمة من ينفى القياس قد وجد فيهم أيضا من ينفى ~~أخبار الآحاد ومن ينفى القول بالعموم ثم أجمعوا أن الإجماع يجوز أن ينعقد ~~بهما ولم. # PageV01P477 # نعتبر خلاف من خالف ونظر إلى ما كان الأمر عليه في عصر الصحابة رضي الله ~~عنهم كذلك ها هنا والله أعلم. # وقد حكى عبد الجبار عن الحاكم صاحب المختصر قال إذا انعقد الإجماع لأهل ~~العصر عن اجتهاد جاز لمن بعدهم أن يخالفهم لأنه قول صادر عن اجتهاد فيجوز ~~خلافه وهذا لا يصح لأن الإجماع إذا وجد بأي دليل كان صار حجة وحرم خلافه ~~وقد ذكرنا وجه ذلك وأن كان من اجتهاد ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تجتمع أمتي على الضلالة" وما اتفقوا عليه أنهم إذا اتفقوا لا يجوز ~~مخالفتهم على ما ذكرناه من قبل. # فصل. # وأما الاجتهاد عن غير أصل كالاجتهاد في جزاء العبد وجهات القبلة وأروش ~~الجنايات وقيم المتلفات فمن يمنع انعقاد الإجماع بالقياس كان من هذا أمنع ~~وأما من جوز القياس فقد ذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز انعقاد الإجماع عن مثل ~~هذا الاجتهاد1 والصحيح جوازه والذي ذكرناه دليلا في المسألة المتقدمة يصلح ~~دليلا في هذه المسألة وفي هذا الموضع. # وقد قال بعض أصحابنا أن. # دلائل الاجتهاد التي ينعقد بها الإجماع من أوجه. # أحدها: أن ينعقد عن تنبيه من كتاب أو سنة. # فالتنبيه من الكتاب كإجماعهم على أن ابن الابن في الميراث كالابن2. # والتنبيه من السنة كإجماعهم على أن موت العصفور فى السمن كموت الفأرة. # والوجه الثاني: أن ينعقد عن استنباط من كتاب أو سنة فالاستنباط من الكتاب ~~كإجماعهم على تحريم نكاح خالات الآباء وعماتهم وخالات الأمهات وعماتهن مثل ~~تحريم الخالات والعمات والاستنباط من السنة كإجماعهم على توريث كل واحدة من ~~الجدتين السدس والجدتان أم الأم وأم الأب وأن حجب أم الأم لأم أم الأم كحجب ~~الأم لأم الأم. PageV01P478 # والوجه الثالث: أن ينعقد عن ms438 المناظرة والجدال كإجماعهم على قتال مانعي ~~الزكاة وأن في المرهونة إذا أجهضت دية الجنين. # والوجه الرابع: أن ينعقد عن استدلال بقياس كإجماعهم على أن حد العبيد في ~~الزنا كالأمة وأن الجواميس في الزكاة كالبقر. # والوجه الخامس: أن ينعقد عن استدلال باجتهاد كإجماعهم على جهة القبلة وقد ~~ذكر غير هذا وعندي أن هذا تكلف شديد وإذا ذكرنا جواز الإجماع عن الاجتهاد ~~دخل فيه وجوه الاجتهاد جليها وخفيها. # وإذا علمنا أن الإجماع ينعقد عن أحد هذه الوجود فاختلفوا أن الإجماع إذا ~~انعقد يأخذ هذه الدلائل يكون منعقدا على الحكم الثابت بالدليل أو يكون ~~منعقدا على الدليل الموجب للحكم وذهب بعض المتكلمين من الأشعرية إلى أنه ~~منعقد على الدليل الموجب وذكر أكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أنه معقد على ~~الحكم المستخرج من الدليل وهو الصحيح لأن الحكم هو المطلوب من الدليل ~~ولأجله انعقد الإجماع فعليه انعقد الإجماع ونبني على هذا مسألة وهي أن ~~الإجماع الواقع على موجب خبر من الأخبار هل يكون دليلا على صحة الخبر فمنهم ~~من قال يدل على ذلك إذا علم أنهم اجمعوا لأجله ومنهم من قال أن إجماعهم يدل ~~على صحة الحكم ولا يدل على صحة الخبر وهذا أولى القولين لأنه يجوز أن ~~يكونوا اتفقوا على العمل به لأن التعبد ثابت بخبر الواحد وهذا التعبد ثبت ~~في حق الكافة ولأجل التعبد الثابت أجمعوا على موجب الخبر وصار الحكم مقطوعا ~~به لأجل إجماعهم وأما صحة الخبر على طريق أنه يكون مقطوعا به فله طريق ~~مخصوص في الشرع على ما قلنا في باب الأخبار فبطلت صحة الخبر وعدم صحته أو ~~كونه خبرا واحدا أو خبر يقطع بثبوته ويوجب العلم بموجبه من ذلك الطريق فإن ~~ظهر الإجماع ولم يعلم الدليل الذي انعقد به الإجماع فقد بينا أنه لا يجوز ~~أن ينعقد إلا عن دليل فيكون انعقاده دليلا على أنه انعقد عن دليل موجب له ~~إلا أنه استغنوا بالإجماع عن نقل الدليل واكتفوا به عنه وقد ذكرنا هذا من ~~قبل والله أعلم بالصواب. # PageV01P479 ### | فصل: ms439 فيمن ينعقد به الإجماع من الأمة ### | مدخل # ... # فصل: ولما عرفنا ما ينعقد به الإجماع من الأدلة فنتكلم الآن فيمن ينعقد ~~به الإجماع من الأمة # أما إجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة فليست بحجة وقد بينا ثم اعلم أنه لا ~~اعتبار بالكافرين في الإجماع لأن الإجماع إنما صار دليلا بالسمع والأدلة ~~السمعية التي # PageV01P479 # ذكرنا لم تتناول الكافرين1 وإنما تتناول المؤمنين على الخصوص ولأن ~~الإجماع حجة بمعرفة الأحكام الشرعية والكفار لا يمكنهم معرفة الأحكام ~~الشرعية فلا يجوز اعتبارهم في حجة الأحكام الشرعية والاعتبار أيضا في ~~الإجماع بكل المؤمنين إلى انقضاء التكليف ولأنا لو اعتبرنا جميع المكلفين ~~إلى انقضاء التكليف خرج الإجماع أن يكون حجة لأنه لا يكون بعدهم تكليف حتى ~~يكون إجماعهم حجة فيه ولأنا قد دللنا أن إجماع أهل كل عصر حجة والدلائل دلت ~~أن الإجماع حجة فدلت على هذا كما سبق بيانه ولا اعتبار أيضا بمن ليس من أهل ~~الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين الذين يدعون علم الأصول وقال بعض ~~المتكلمين اتفاق العامة مع العلماء شرط في صحة الإجماع وهو قول القاضي أبي ~~بكر وقال بعضهم يعتبر اتفاق الأصوليين والمتكلمين2 وتعلق من هذا اعتبر غير ~~الفقهاء بقوله عليه السلام لا تجتمع أمتي على الضلالة وهذا يتناول الكل ~~وهذا لأنه إنما كان قول الأمة حجة لأنهم عصموا عن الخطأ وليس يمتنع أن يكون ~~جماعتهم العامة والخاصة معصومة عن الخطأ وإذا لم يمتنع ذلك وكانت الظواهر ~~هي الراجحة على أن الإجماع حجة عامة في الخاصة والعامة اعتبر جماع الكل ~~لكونه حجة ولأن الله تعالى قال: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ~~وهذا سينال الفقهاء والعامة والصحيح ما قدنا لأن العامة لا يعرفون طرق ~~الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون فلا يعرفون طرق الأحكام وأن عرفوا ~~البعض لا يعرفون جميعها فصاروا كالفقهاء الذين لا يعرفون طرق أصول الفقه ~~والذي استدلوا به فأكثر ما فيه أنه عام فنخصه ونحمله على الفقهاء الذين ~~يعرفون طرق الأحكام ونقول أيضا أن الأمة إنما كان قولها حجة إذا قالوه عن ms440 ~~استدلال وهي إنما عصمة عن الخطأ في استدلالها والعامة ليست من أهل النظر ~~والاستدلال حتى تعصم عن الخطأ فصار وجودهم وعدمهم بمنزلة يدل عليه أن ~~العامة يلزمهم المصير إلى قول العلماء فصار العلماء كأنهم المتصرفون فيهم ~~فيسقط اعتبار قولهم وقد ظهر بهذا الجواب عن المعنى الذي قالوه وقد روى أن ~~أبا طلحة. PageV01P480 # الأنصاري رحمة الله عليه كان يستبيح أكل البرد في الصوم ويقول: أنه لا ~~يفطر ولم يعد خلافه خلافا لأنه لم يكن من فقهاء الصحابة رضي الله عنهم. # وقد قال بعض أصحابنا إنما يشترك الخاصة والعامة في معرفته فلا بد من ~~إجماع الكل في الشيء لينعقد عليه الإجماع وقد ذهب إليه بعض المتكلمين وعندي ~~أن هذا باطل ولا يعتبر قول العامة في شيء من الأحكام سوى أن كان من الأحكام ~~الظاهرة التي يعرفونها أو من الأحكام التي لا يقفون عليها وما ذكرنا من ~~الدليل يعم الكل فيوجب إخراج العامة وإطراح قولهم في الأحكام اجمع وعلى هذا ~~نقول أن العلماء في النحو والعربية واللغة لا نعتبر قولهم أيضا في انعقاد ~~الإجماع عن الأحكام وكذلك العلماء الذين لا يعرفون إلا التفسير وإنما يرجع ~~إليهم في الوقوف على أقوال المفسرين من السلف وكذلك أمر المحدثين الذين لا ~~يعرفون إلا الرواية فيرجع إليهم فيما يصح من الأخبار وما لا يصح. # وأما الفقهاء الذين يرجع إلى قولهم في انعقاد الإجماع فهم المجتهدون ~~وسنذكر شرائط الاجتهاد من بعد. # وأما الذين يتكلمون في الجواهر والأغراض وعرفوا بمحض الكلام ولا يعرفون ~~دلائل الفقه فلا عبرة بقولهم في الإجماع وهم بمنزلة العوام. # وأما المتفردون بأصول الفقه فإن وافقوا الفقهاء في ترتيب الأصول وطرق ~~الأدلة كان خلافهم مؤثرا يمنع من انعقاد الإجماع وأن خالفوهم فيما يقتضيه ~~استنباط المعاني وعلل الأحكام وغلبة الأشباه لم يؤثر خلافهم وانعقد الإجماع ~~بدونهم والله أعلم. # وعلى الجملة إذا أجمع المفتون على المسألة وبقى قوم لا يستقلون بأنفسهم ~~في معرفة حكم حادثة تقع لهم ويتعين عليهم في ذلك تقليد غيرهم فوجوب ~~مراجعتهم في المسألة التي ms441 اتفق عليها الفقهاء المجتهدون محال. # ونقول في تقسيم الفقهاء أن من يعرف الفروع والأحكام ولا يعرف دلائلها ~~وعللها فهذا ناقل يرجع إلى حفظه ولا يعول على اجتهاده ولا يرتفع الإجماع ~~بخلافه. # وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها مشرفا على الأصول في ~~ترتيبها ولوازمها عارفا شبهها وأدلتها وعللها فهذا أكمل الفقهاء علما ~~وأصحهم فيه اجتهادا وهذه الطبقة هم الذين يرجع إليهم في الإجماع والاختلاف. # وأما من يكون حافظا للأحكام والفروع بدلائلها وعللها غير عارف بالأصول ~~وترتيبها. # PageV01P481 # ولوازمها فيصح اجتهاده فيما يقتضيه التعليل والسنة ولا يصح اجتهاده فيما ~~يقتضيه دلائل الأصول فيما يصح اجتهاده فيه ويقع الإجماع بخلاف ما لا يصح ~~اجتهاده لم يرتفع الإجماع بخلافه وهذا التقسيم ذكره المعرف بأقضى القضاء ~~أبو الحسن الماوردي. # وأما الكلام في اعتبار الورع فقد ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر ~~في أهل الإجماع وقالوا: أن الفسقة وأن كانوا بالغين في العلم مبلغ ~~المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم لأنهم بفسقهم خارجون عن محل الفتوى ~~والفاسق غير مصدق فيما يقوله وافق أو خالف وقد قال بعض أصحابنا يعتبر قوله ~~ولا ينعقد الإجماع بدونه لأن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره بل يتبع ~~فيما يقع له يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلده غيره فكيف ينعقد الإجماع ~~عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه ويجوز أن يقال أنه عالم في حق ~~نفسه مصدق على نفسه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره وغير ممتنع هذا ~~الانقسام وقد قال بعض أصحابنا أن الفاسق يدخل في الإجماع من وجه ويخرج من ~~وجه1 وبيان ذلك أن المجتهد الفاسق إذا أظهر خلافه فسئل عن دليله فلجواز أنه ~~يحمله فسقه على اعتقاده خرج بغير دليل فإذا ظهر من استدلاله على خلاف ما ~~يجوز أن يكون محتملا يرتفع الإجماع بخلافه وصار داخلا في جملة أهل الإجماع ~~وأن كان فاسقا لأنه من أهل الاجتهاد وأن لم يظهر من استدلاله محتملا لم ~~يقيد لخلافه قال هذا القائل وفي هذا ms442 يفارق العدل الفاسق لأن العدل إذا أظهر ~~خلافه جاز الإمساك عن استعلام دليله لأن عدالته تمنعه من اعتقاد شرع بغير ~~دليل وهذا التقسيم لا بأس به وهذا كلام يقرب من مأخذ أهل العلم فليعول ~~عليه. # قال ورأيت في كتاب الشيخ أبي إسحاق الشيزاري رحمه الله أن كل من كان من ~~أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا ~~أو فاسقا متهتكا يعتد بخلافه لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور ~~كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك والأحسن هو الأول وأما الفسق بتأويل فلا ~~يمنع من اعتبار من يعتد به في الإجماع والاختلاف وقد نص الشافعي رحمه الله ~~على قبول شهادة أهل الأهواء وهذا ينبغي أن يكون في اعتقاده بدعة لا تؤديه ~~إلى التكفير فأما إذا كان يؤديه إلى. PageV01P482 # التكفير فلا يعتد بخلافه ووفاقه وأما الكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به ~~طويل الذيل ضيق المجال وقد أكثر العلماء الكلام في ذلك وليس هو بأمر هين ~~لأن تكفير الناس لا يجوز بما يجازف فيه وأسرع الناس إلى تكفير الناس ~~الخوارج ثم المعتزلة وقد يطلق بعضهم فيقول: من خالف الإجماع يكفر وهذا أيضا ~~فيه نظر وقد بينا طرفا من ذلك والكلام فيما يكفر به وما لا يكفر به ليس هذا ~~موضعه فنتجاوز عنه وقد ذكر الأصحاب طرف ذلك في كتاب الشهادات ونذكر ذلك في ~~التعليق وقد ذكر في كتاب منهاج أهل السنة ما نقل عن بعض السلف الصالح ~~والأئمة المقتدى بهم ونصصت على المواضع التي طلب الكفر فيها المتواطئ ~~واتباعهم أسلم والله المرشد والموفق بمنه. # PageV01P483 ### | فصل: في عدد المجمعين # ... # فصل وأما الكلام في عدد المجمعين. # فإن بلغ علماء العصر مبلغا لا يتوقع فيهم التواطؤ على الكذب وهم الذين ~~اعتبروا في عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع باتفاقهم واما إذا لم ~~يبلغوا هذا العدد فذهب بعض علماء الأصوليين إلى أن لا يجوز الخطأ عدد علماء ~~العصر عن مبلغ التواتر لأنهم ورثة الملة وحفظة الشريعة وقد ضمن الله ms443 تعالى ~~قيامها ودوامها إلى قيام الساعة فإذا عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم ~~التواطؤ فربما يفقد منهم الاستقلال بحفظ الشريعة فلا يكون إليه حفظ الملة ~~على الكمال. # وقد قال بعضهم يجوز أن ينحطوا عن عدد التواتر وإذا انحطوا وأجمعوا يكون ~~إجماعهم حجة1 وقال الأستاذ أبو إسحاق لم يبق في الدهر إلا مفتى واحد واتفق ~~ذلك لقوله حجة ويصير ذلك بمنزلة إجماع الأمة. # أما الأول فبعيد لأنه يستحيل أن ينقص عدد العلماء في عصر من الأعصار عن ~~عدد التواتر خصوصا وقد ورد الخبر في ذهاب العلم في آخر الزمان. # وأما الثاني فالإشكال فيه أن العلم الضروري هل يحصل بخبر الواحد أم بخبر ~~جماعة ينقص عددهم عن عدد التواتر وقال بعضهم أن الله تعالى يحدث في هذا ~~العدد من الأمارات الدالة على صدقهم ما يوجد ذلك عنده وجود عدد التواتر ~~والأولى أن يقال أنه يعلم صدقهم ضرورة لا بخبرهم لكن بخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تزال طائفة من PageV01P483 # أمتي على الحق لا يضرهم في من خذلهم حتى يأتي أمر الله عز وجل" 1. # وقد قيل أنه إذا لم يبلغ عدد المجمعين عددا يقع العلم بصدقهم ضرورة يجب ~~اتباعهم على قولهم فإن لم يقطع بأن الحق في إجماعهم كما يلزم العمل ~~بالاجتهاد وأن لم يقطع بأن الحق فيه ذهب أكثر العلماء إلى أن إجماع كل عصر ~~حجة وذهب أهل الظاهر إلى أن إجماع الصحابة هو الحجة دون إجماع أهل سائر ~~الأعصار2 وذهبوا في ذلك إلى أن الإجماع إنما صار حجة بالسمع دون غيره ~~والأدلة السمعية اختصت بالصحابة رضي الله عنهم دون غيرهم ولك الأدلة قوله ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وهذا خطاب مواجهة فيتناول الحاضرين دون ~~غيرهم ولنا قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" 3 فلا يمنع أن يكون الله عز ~~وجل عنى الصحابة بالخطاب وحده ليميزهم بهذه الكرامة عن ms444 غيرهم والرسول صلى ~~الله عليه وسلم أيضا عنى الصحابة رضي الله عنهم على الانفراد لتكون هذه ~~المنحة لهم وهذا لأن الخطاب صالح أن يتناول الصحابة على الانفراد ولا يصلح ~~أن يتناول التابعين على الانفراد بل إنما يصلح تناولهم مع من تقدمهم لأنهم ~~الذين كانوا موجودين زمان الخطاب وأما التابعون فلم يكونوا موجودين زمان ~~الخاطب فتبين أن الأصل في هذا هم الصحابة دون من بعدهم فيكون إجماعهم حجة ~~دون من بعدهم. # قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم" 4 وإنما حكم بالاهتداء بالاقتداء بالصحابة دل أن غيرهم لا ~~يكون بمثابتهم ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد اختصوا بمشاهدة النبي صلى ~~الله عليه وسلم والحضور عند الوحي وكان ذلك مزية لهم لا توجد لمن بعدهم. ~~PageV01P484 # وأما دليلنا نقول أن الأدلة للإجماع ولا تخص عصرا دون عصر فإن قوله عز ~~وجل: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] لا يختص بعصر الصحابة رضي ~~الله عنهم لأن التابعين من المؤمنين وكذلك أهل كل عصر وكذلك قوله تعالى: ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ~~[آل عمران: 110] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ~~الضلالة" 1 ليس لشيء من هذا اختصاص بعصر دون عصر ولأنه لما كان نقل أهل كل ~~عصر الأخبار كنقل الصحابة في أحكام التواتر والآحاد وجب أن يكون في الإجماع ~~بمثابته ليكون كل خلف محجوبا بسلفهم وليكون الشرع محفوظا من الخطأ والغلط. # ببينة: أن أهل كل عصر حجة على من بعدهم في البلاغ فكذلك وجب أن يكونوا ~~حجة في الإجماع. # وأما الجواب عن تعلقهم قلنا قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ~~[البقرة: 143] وقوله: {كنتم خير أمة} [آل عمران: 110] خطاب لجميع الأمة ~~بإجماع الأمة. # ببينة: أنه وصفهم بما وصفهم في الآيتين لانتسابهم إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكونهم من أمته ولأنهم قد دانوا لشريعته وهم أتباعه في الأقوال ~~والأفعال وهذا المعنى موجود في أهل جميع الأعصار إلى قيام الساعة ولهذا ~~المعنى ms445 لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنه حمل الآية على أهل عصر الصحابة ~~دون من بعدهم وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" 2 فمعنى ذلك من أحد وجهين أما أنه ورد ليبين أن قول كل واحد منهم ~~حجة وهذا صحيح على قول الشافعي رحمه الله وهو محمول على أن لمن بعد الصحابة ~~أن يرجعوا إلى قول كل واحد من الصحابة فيما يرويه عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والدليل على أن معنى هذا الخبر ليس الإجماع أنه قال: "بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" 3 وقوله بأيهم يتناول الآحاد ولا يتناول جماعتهم وأما قولهم أن ~~الصحابة اختصوا بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم ومشاهدته قلنا ولم ينبغي ~~أنهم إذا كانوا كذلك وجب لأن يختصوا بكون إجماعهم حجة دون من بعدهم إذ ليس ~~في اختصاصهم بما اختصوا به ما يدل على اختصاصهم بكون إجماعهم حجة دون من ~~سواهم والله أعلم. PageV01P485 ### | فصل: الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع ### | مدخل # ... # فصل. أما الفصل الثالث وهو بيان ما ينعقد فيه الإجماع. # اعلم أن الإجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات ~~وأحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام وكل ما هو من الأحكام ~~الشرعية. # وأما الأحكام العقلية فعلى ضربين. # أحدهما [ما] 1 يجب تقديم العمل به على العلم بصحة السمع كحدث العالم ~~وإثبات الصانع وإثبات صفاته وإثبات النبوة وما أشبه ذلك فلا يكون الإجماع ~~في هذا حجة لأنا بينا أن الإجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يكون ~~حجة ولا أن يثبت حكما قبل السمع كما يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب ~~يجب العمل به قبل السنة. # والضرب الثاني: ما لا يجب تقدم العلم به على السمع وذلك مثل جواز الرؤية ~~وغفران المذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد السمع والإجماع حجة في هذا ~~الضرب لأنه لما كان يجوز أن يعلم بعد الشرع والإجماع من أدلة الشرع جاز ~~إثبات ذلك به. # وأما أمور الدنيا كتجهيز الجيوش وتدبير ms446 الحروب والعماره والزراعة وغيرها ~~من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها2 لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن قوله صلى الله عليه وسلم إنما ~~هو حجة في أحكام الشرع دون مصالح الدنيا وكذلك الإجماع ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم وأنا أعلم بأمور دينكم" 3 وقد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رأيا في الحرب راجع الصحابة في ذلك وربما ~~ترك رأيه برأيهم وقد ورد مثل هذا في حرب بدر وحرب الخندق وغير ذلك ولم يكن ~~أحد يراجعه فيما يكون من أمر الدين وقد ذكر بعض المتكلمين أن الإجماع ينعقد ~~في أمر الدنيا أيضا وإذا رأى أهل العصر شيئا واتفقوا عليه لا يجوز مخالفته ~~سواء كان في أمر الدين أو في أمر الدنيا لأن أدلة الإجماع منعت من الخلاف ~~على الأمة ولم يفصل ولم يفصل بين أن يكون اتفقوا على أمر ديني أو دنيوي ~~والصحيح الأول كما سبق. PageV01P486 ### | فصل إذا اجتمعت الأمة على الجمع بين مسألتين # في حكم مخصوص فإنه لا فرق بينهما فيه. # مثل الإجماع على أن لا فرق بين الصلاة والصيام في وجوب النية وأن لا فرق ~~بين الأكل والجماع في إفساد الصوم لم يجز التفرقة بينهما كما نعتاد الإجماع ~~على اجتماعهما وذهب بعض أهل العلم إلى جواز التفرقة بينهما بالدليل الموجب ~~لافتراقهما لأنه إجماع منهم لم يتعين في حكم والإجماع إنما ينعقد في ~~الأحكام المتعينة1 وقيل أنه مذهب سفيان الثوري فإنه أفسد الصيام بجماع ~~الناسي ولم يفسد بأكل الناسي وهذا ليس بصحيح لأن الإجماع على استوائها في ~~الحكم إجماع على حكم فلما لم يجز مخالفة الإجماع في أعيان الأحكام لم يجز ~~مخالفته في تساوي الأحكام فإذا وجب بالدليل ثبوت الحكم في أحد المسألتين ~~أوجب الإجماع ثبوته في الأخرى فيكون ثبوته في الأول بدليله وثبوته في ~~الثاني بالإجماع وأن وجب الدليل نفى الحكم عن إحداهما وجب نفيه عن الآخر ~~فيكون نفيه عن ms447 الأول بالدليل وعن الثاني بالإجماع وإذا قام الدليل على فساد ~~الصيام بجماع الناسي أوجب الإجماع فساده بأكل الناسي وإذا قام الدليل على ~~صحة الصيام مع أكل الناسي أوجب الإجماع صحته مع جماع الناسي وإذا اجتمعت ~~الأمة على الفرق بين مسألتين في حكم مخصوص لم يجز الجمع بينهما في ذلك ~~الحكم وجوز الجمع بين المفترقين من وجوب الفرق بين المجتمعين وهو فاسد بما ~~قلناه فإذا أوجب الدليل ثبوت الحكم في إحدى المسألتين أوجب الإجماع نفيه عن ~~الأخرى وإذا أوجب الدليل نفيه عن إحدى المسألتين أوجب الإجماع ثبوته في ~~الأخرى. # وإذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيهما ~~وجوزه. PageV01P487 # بعض أهل الظاهر وقال بعض المتكلمين وبعض أصحاب أبي حنيفة أن اختلافهم على ~~قولين يوجب تسويغ الاجتهاد فجاز إحداث قول ثالث كما لو يستقر الخلاف1. # وأيضا فإن الصحابة اختلفوا في زوج وأبوين وامرأة وأبوين على قولين فجاء ~~ابن سيرين وأحدث قولا ثالثا فقال في امرأة وأبوين بقول ابن عباس وفي زوج ~~وأبوين بقول سائر الصحابة وأقره سائر العلماء على هذا فلم ينكروا عليه ~~مخالفة الإجماع. # والصحيح ما قدمنا من تحريم إحداث قول ثالث لأن إجماعهم على قولين إجماع ~~على تحريم ما عداهما فلما لم نجز خلاف الإجماع في القول الواحد لأنه يتضمن ~~تحريم ما عداه فكذلك لا يجوز خلاف إجماعهم على القولين لإجماعهم على تحريم ~~ما عداه يدل عليه أنه قد ثبت أن الحق لا يخرج عن الإجماع فلو جاز إحداث قول ~~ثالث لم يعتقدوه يخرج الحق عن أقوالهم لأنا إنما جوزنا ذلك فيجوز أن يكون ~~الحق في القول الثالث وفي هذا إبطال الإجماع. # وأما قولهم أن اختلاف الصحابة على قولين يوجب جواز الاجتهاد. # قلنا يوجب جواز الاجتهاد في طلب الحق من القولين فأما في قول ثالث فلا ~~لما بينا أن في إثبات قول ثالث إبطال إجماعهم. # وأما الذي حكوه عن ابن سيرين. # قلنا هو لم يخالف الصحابة بل أخذ بكل واحد من القولين في إحدى المسألتين ~~فصار ms448 قوله داخلا في القولين غير خارج منهما وعلى أن ابن سيرين قد عاصر ~~الصحابة وأفتى معهم فاعتد بخلافه فيهم. # ومثال هذه المسألة مسألة الحرام وهي إذا قال لزوجته أنت علي حرام فإن ~~الصحابة اختلفوا في هذه المسألة على خمسة أقاويل وأحدث مسروق قولا سادسا ~~وقال. PageV01P488 # لا أبالي أحرم امرأتي أم قصعة من ثريد يعني أنه ليس بشيء فقال الأصحاب أن ~~مسروقا عاصر الصحابة فاعتد بخلافه فيهم وأنا أقول هذا في مسروق صحيح وأما ~~في ابن سيرين فبعيد لأنه وأن أدرك عصر الصحابة رضي الله عنهم فلم يكن في ~~ذلك الوقت في عداد من يعتد بقوله يتبع قولهم بخلاف مسروق فإنه من متقدمي ~~التابعين وأدرك زمان عمر رضي الله عنه وما بعده كان من الفقهاء المتقدمين ~~في عصر الصحابة وقد قال بعض أصحابنا أن ابن سيرين محجوج بقول الصحابة رضوان ~~الله عليهم وقول من قال أنه لا ينكر عليه فلعله لم يظهر في ذلك الزمان ~~فلهذا لم يروا الإنكار عليه ونحن ننكره ونقول قد خالف إجماع الصحابة في هذه ~~المسألة. # وإذا أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على دليل في حكم لم يتعد وهو ~~في المجلدة الثانية. # تم المجلد الأول بحمد الله وعونه والحمد لله رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # يتلوه الثاني أن شاء الله تعالى. # PageV01P489 ### | المجلد الثاني ### | (تابع) القول في الإجماع وما يتصل به ### | تابع الفصل الثالث: في بيان ما ينعقد فيه الإجماع ### | فصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد # ... # فصل وإذا أجمعت الصحابة على دليل في حكم لم يتعد # ويجوز للتابعين أن يستدلوا على ذلك الحكم بغيره من الأدلة1 وهذا بخلاف ما ~~إذا أجمعوا على حكم لم يجز خلافهم. # والفرق بينهما أن المفروض عليهم إظهار الحكم ببعض أدلته لا بجميعها فأما ~~في الحكم فالمفروض عليهم إظهار جميع الحكم فلو كان للحادثة حكم آخر لما ~~أظهروه وإن أجمعوا على علة في حكم يكون إجماعا على الحكم لأن العلل إنما ~~تنصب للأحكام فيكون ms449 الإجماع على العلة إجماعا على الحكم وقال بعضهم: إنه ~~يكون إجماعا على الدليل لا على الحكم والأصح: هو الأول لما بينا أن المقصود ~~من العلل: أحكامها لا أعيانها. والله أعلم بالصواب. PageV02P003 ### | الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط ### | مدخل # ... # فصل: الفصل الرابع: في معرفة ما ينعقد به الإجماع من الشروط: # اعلم أن من شروط الإجماع: ظهوره في أهل العصر حتى يعلم به أهل العصر ~~الثاني وقد يكون ظهوره بالقول وقد يكون بالفعل وقد يكون بالقول والفعل ~~جميعا فأما ظهوره بالقول إذا وجد يصح انعقاد الإجماع به وذهب بعض أهل العلم ~~إلى أنه # PageV02P003 # لا ينعقد بالقول حتى يقترن به الفعل ليكمل في نفسه وهذا ليس بصحيح لأن ~~حجج الأقوال أكثر من حجج الأفعال وإن كان كل واحد منهما إذا انفرد يكون حجة ~~فلا يجب اجتماعهما كما لا يلزم الجمع في الحكم بين دليل الكتاب والسنة وإذا ~~ثبت أن الإجماع على القول يكون حجة فقد يكون الإجماع على القول بوجوده من ~~جميع أهل الإجماع وقد يكون بوجوده من البعض وسكوت الباقين بعد انتشاره فيهم ~~وهذه المسألة اختلف أهل العلم فيها. # مسألة: إذا قال الصحابي قولا وظهر في الصحابة وانتشر ولم يعرف له مخالف ~~كان ذلك إجماعا مقطوعا به. # ومن أصحابنا من قال: إنه حجة وليس بإجماع قاله أبو بكر الصيرفي وقيل: إن ~~هذا مذهب الشافعي لأنه قال من نسب إلى ساكت قولا فقد افترى عليه وبهذا قال ~~الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة قاله أبو هاشم وقال القاضي أبو ~~بكر ليس بحجة أصلا وهو مذهب داود وبه قال بعض المعتزلة واختاره أبو عبد ~~الله البصري وقال أبو علي بن أبي هريره: إن كان وجد حكما من بعض الصحابة ~~وانتشر من الباقين لم يعرف له مخالف لا يكون إجماعا وأن كان فتوى وانتشر ~~ولم يعرف له مخالف يكون إجماعا وعكس هذا أبو إسحاق المروزى وقال يكون ~~إجماعا إن كان حكما ولا يكون إجماعا إن كان فتيا1 والأصح هو القول ms450 الأول ~~وأما من قال ليس بحجة أصلا PageV02P004 # فاحتج في ذلك وقال: لا يمتنع أن يكون سكوت من سكت لتقية أو هيبة كما روى ~~عن ابن عباس أنه لما أظهر قوله في مسألة العول قيل له: هلا قلت في زمان عمر ~~رضي الله عنه قال: إنه كان رجلا مهيبا وروى أنه قال "هيبة"1. وأيضا يجوز أن ~~يكون سكت لأنه لم يتفكر في المسألة لتشاغله بغير ذلك من الاشتغال إن كان ~~فقيها فلعله اشتغل بالفكر في غيره من المسائل لأنها كانت أهم عنده وإن كان ~~إماما فاشتغل بالجهاد وسياسة الناس فلم يوجد في هذه المسألة إلا قول بعض ~~الصحابة ويقول بعضهم لا ينعقد الإجماع وأما من قال: إنه ليس بإجماع لكنه مع ~~ذلك حجة لأن الإمساك عن القول في الحادثة من الممسك يحتمل أن يكون ذلك ~~للارتياب في النظر والاستدلال فلم يجز أن يجعل اعتقاد للساكت فيه إلا أنه ~~مع ذلك حجة لأن الفقهاء في كل عصر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم ~~يظهر مخالف منهم فدل أنهم اعتقدوه حجة وأما علي بن أبي هريرة قال: إذا كان ~~الموجود قضاء من بعض القضاة والحكام فلا يدل السكوت من الباقين على الرضا ~~منهم لأن في الإنكار افتياتا عليه وقال ابن أبي هريرة: ونحن نحضر مجالس بعض ~~الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ينكر ذلك عليهم فلا يكون سكوتنا رضا ~~منا بذلك وأما أبو إسحاق المروزى فقال: إن الأغلب أن الصادر عن الحاكم يكون ~~عن مشورة والصادر عن فتوى يكون عن استبداد ولا يدل ذلك على الإجماع وأما ~~دليلينا فيما اخترناه وهو أن يكون حجة وإجماعا. فنقول أولا: إن قول بعض أهل ~~العصر إذا انتشر في جميعهم وسكت الباقون ولم يظهروا خلافا فإما أن يعلم أن ~~سكوتهم سكون راض أو لا يعلم ذلك فإن علم أن سكوتهم عن رضى بدليل يدل عليه ~~فإنه يكون ذلك إجماعا كما لو قالوا: صريحا رضينا بهذا القول وللرضا أمارات ~~كثيرة بالقول وقد جوز بعضهم وجود العلم بالمذاهب ms451 اضطررا فيكون على هذا ~~القول معرفة الرضى أحكم وآكد وأما إذا لم يعلم رضاهم بقوله فإن كان مسألة ~~لا تكليف فيها وليس مما يلزم بالنظر فيه وإنكاره إذا علموا أنه منكر مثل ~~قول القائل: إن عمارا أفضل من حذيفة وأمثال هذا وقول القائل إن زيدا في ~~الدار وعمرو خرج إلى الصحراء فالسكوت من الباقين PageV02P005 # في أمثال هذا لا يكون إجماعا وأما إذا كان على الناس من ذلك تكليف وظهر ~~من بعضهم القول في ذلك وانتشر وسكت الباقون يكون ذلك إجماعا واحتج من قال ~~بذلك بأن العادة جرت أن النازلة إذا نزلت فزع أهل العلم إلى الاجتهاد وطلب ~~الحكم فيها وإظهار ما عندهم في ذلك فلما وقعت الحادثة وظهر قول من المجتهد ~~في ذلك وانتشر قوله ولم يظهر خلاف ذلك مع طول الزمان وارتفاع الواقع دل ~~أنهم راضون بذلك وصار رضاهم بهذا الطريق بمنزلة ما لو أظهروا رضاهم بالقول ~~والفعل. # ببينة: أن أهل الإجماع معصومون من الخطأ والعصمة واجبة لهم كما تجب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم مكلفا يقول قولا ~~في أحكام الشرع فسكت عنه كان سكوته تقريرا منه إياه على ذلك ونزل ذلك منزلة ~~التصريح بالتصديق في إبداء ذلك كذلك هاهنا يكون كذلك في حق أهل الإجماع ~~وينزل سكوتهم منزلة التصريح بالموافقة فإن قيل: ولم إذا صار السكوت من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تقريرا يكون من أهل الإجماع تقريرا وهذا لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتلقى ما تلقاه من الوحي ولا عذر له في السكوت ~~إذا كان المفعول متكررا وأما أهل الإجماع فلعلهم سكتوا لأنهم وجدوا ~~الاجتهاد مساغا ومضطربا فكان سكوتهم محمولا على تسويغ ذلك. # والجواب: أما الأول: قلنا قد بينا وجه الجمع بين سكوت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبين سكوت أهل الإجماع وأما الفرق الذي قالوه فليس بصحيح لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان يتلقى ما يتلقاه من الوحي وأهل الإجماع ~~يقولون ما يقولون عن مدارج ms452 الظنون لكن إذا لم يوجد من أهل الإجماع إنكار ~~لما ظهر من القول دل أنه عندهم صواب وحق لأنه لو كان خطأ لكانوا قد تطابقوا ~~له على ترك ما يجب من إنكار المنكر وهذا لا يجوز لأن أهل الإجماع قد عصموا ~~عن الخطأ ومن عصم عن الخطأ يكون معصوما أيضا عن التقرير على الخطأ كالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت بهذا الطريق أن ذلك القول صواب ثبت أن ما سواه ~~خطأ فإن قالوا إنما سكتوا لأنه من ومسائل الاجتهاد. # قلنا: إذا اعتقدوا أنه خطأ لا يجوز أن يجمعوا على التقرير عليه على ما ~~سبق فإن قيل أليس لو اجتمع العلماء في المجلس وقام سائل إلى واحد من ~~الحنفيين وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفى بما ~~يوافق مذهبه وسكت الحاضرون على سائر المذاهب يحمل سكوتهم على أنهم سكتوا ~~لأنه قال ما قال في محل الاجتهاد. # PageV02P006 # والجواب: إن هذا يمكن دعواه في مثل هذه الصورة لأن مذاهب الكل معلومة فلا ~~يكون السكوت للتقرير وإبداء الموافقة وليس مسألتنا في مثل هذه الصورة وإنما ~~مسألتنا في الحادثة تقع بين أهل الاجتهاد ويذكر كل واحد منهم قولا فيه ~~ويظهر في الباقين من علماء الوقت وينتشر ذلك بينهم ولا يظهر إنكارا وكان ~~الفرق بين الصورتين أن في الصورة الأولى إذا كان المذهب معلوما فالإنكار من ~~الباقين كذلك معلوم وإن لم يظهره في ذلك الوقت فكان سكوتهم على ما عرف من ~~قبل لا على إبداء الموافقة أما هنا فلا يمكن حمل السكوت على مثل هذا لأنه ~~لم يعرف من قبل خلاف منهم لذلك والسكوت على مثل هذا بعد أن علموا أنه خطأ ~~لا يجوز فدل أن سكوتهم كان محض الموافقة وعلى أن بعض أهل العلم قد اشترط في ~~هذا شرطا وهو اعتراض من العصر على ذلك يعنى أنه ظهر قوله وانتشر ولم يوجد ~~منكرا واعترض العصر على ذلك وقال من اعتبر هذا الشرط: إن اتجه في حكم ~~العادة سكوت العلماء على قول ms453 مجتهد في مسألة ظنه فاستمرارهم على السكوت ~~الزمن المتطاول يبعد بخلاف العادة قطعا لأنه إذا كان يتكرر تذكار الواقعة ~~والخوض فيها فلا يتصور دوام السكوت من كل المجتهدين مع تكرار الواقعة في ~~حكم العادة ولهذا أن ابن عباس أظهر خلافه من بعد في مسألة العول والذين ~~يقولون لعل السكوت لتقية أو هيبة. # قلنا: ليس هذا مما يدوم على الدهر ولأن المسألة مصورة فيما إذا لم يكن ~~تقية ولا هيبة وفى هذه الصورة يظهر الكلام جدا ولعله يصير من القواطع وأما ~~على الصورة الأولى فالدليل الذي قدمناه دليل مستحكم يستمر على منهاج الأصول ~~ولكنى أقول: إنه لابد من وجود نوع شبهة في هذا الإجماع بالوجوه التي قالها ~~الخصوم فيكون إجماعا مستدلا عليه ويكون دون القواطع من وجوه الإجماع في ~~المسائل التي قدمناها إلا أنه مع هذا لابد من تقديم هذا على القياس فإن قال ~~قائل: قد انتشر قضاء عثمان في ميراث المبتوتة وهو قصة عبد الرحمن بن عوف ~~بطلاقه امرأته آخر تطليقاتها الثلاث وكذلك قتل الحسين بن على ابن ملجم ~~قصاصا مع وجود الورثة الصغار وانتشر كلا الأمرين في الصحابة ولم يكن مخالف ~~ومع ذلك لم يقدموا ذلك على القياس. # قلنا: أما ميراث المبتوتة فقد ذكرنا أن عبد الرحمن بن عوف مخالف وقد ~~نقلنا قولا عنه يدل على ذلك وأيضا فإن ابن الزبير قد خالف ولم يكن انقرض ~~عصر # PageV02P007 # الصحابة وأما قتل الحسين بن على ابن ملجم فإنه على أى جهة قتله كلام كبير ~~وأيضا فإن الصحابة قد كانوا في هذا الوقت تفرقوا تفرقا عظيما واعتزل جماعة ~~من وجوههم وكفوا قولهم وفعلهم والحادثة وقعت بالكوفة وأكثر الصحابة بالحجاز ~~ومما يضم إلى هذا أن الحكم الصادر من الأئمة لا يماثل الفتوى الصادرة من ~~المفتين وحفظ الأدب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس للعلماء إذا جرى ~~قضاء من قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه نفوذ قضائه وقد ذكرنا عن ابن أبي ~~هريرة ما ذكرناه في الفرق بين الحاكم والمفتى وهو تفريق حسن ms454 فلا بأس به في ~~هذا المكان وهو نافع جدا في صورتى الإيراد في مسألة المبتوتة ومسألة ~~استيفاء القصاص مع وجود الصغار في الورثة وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا ~~الإجماع فيما إذا وجد القول المنتشر من أحد الصحابة في سائر الصحابة فأما ~~في التابعين ومن بعدهم فلا ولا يعرف فرق صحيح بين الموضعين والأولى التسوية ~~بين الجميع وقال بعض أصحابنا: إن إمساك الناس من إظهار الخلاف إنما يدل على ~~الإجماع إذا كان في شئ يفوت استدراكه من إراقة دم واستباحة فرج فيدل سكوتهم ~~على أن القول صواب وحق لأنهم لو اعتقدوا خلافه لما جاز لهم السكوت عليه وهو ~~منكر لا يمكن استدراكه وأما الذى يمكن استدراكه فلا يكون سكوت الباقين ~~دليلا على الإجماع والأولى أن لا يشتغل بهذا التفريق لأنه ليس فيه كثير ~~معنى والمسألة في غاية الإشكال من الجانبين وقد ذكر القاضي أبو الطيب في ~~كتاب الإجماع في هذه المسألة ترتيبا في الاستدلال استحسنته فأوردته ويدخل ~~فيه الجواب على خلافهم قال: الدليل على ثبوت الإجماع مبنى على أصلين ~~أحدهما: أن أهل العصر لا يجوز إجماعهم على الخطأ والثاني: أن الحق واحد وما ~~عداه باطل وإذا ثبت هذان الأصلان فلا يخلوا القول الذي ظهر من أن يكون حقا ~~أو باطلا فإن كان حقا وجب اتباعه والعمل به وإن كان باطلا فلا يخلو سائر ~~العلماء من أربعة أحوال: إما أن لا يكونوا اجتهدوا أو اجتهدوا فلم يؤد ~~اجتهادهم إلى شئ يجب اعتقاده أو أدى إلى صحة الذي ظهر أو خلافه ولا يجوز أن ~~لا يكونوا اجتهدوا لأن العادة مخالفة لهذا لأن النازلة إذا نزلت فالعادة أن ~~كان أهل الاجتهاد يرجعون إلى النظر والاجتهاد ولأن هذا يؤدى إلى خروج الحق ~~عن أهل العصر بعضهم بترك الاجتهاد وبعضهم بالعدول عن طريق الصواب وهذا لا ~~يجوز لأنهم لا يجتمعوا على الخطأ ولا يجوز أن يقال: أنهم اجتهدوا فلم يؤد ~~اجتهادهم إلى شئ # PageV02P008 # يجب اعتقاده لأن ذلك يؤدى إلى خفاء الحق على جميع الأمة وهذا ms455 محال ولأن ~~طريق الحق ظاهر فلا يجوز أن تخفى على جميع الأمة فإن قالوا: إنهم كانوا في ~~مهلة النظر. قلنا: هذا ظن يحيد بكل أهل الإجماع وعلى ذلك لا يتصور امتداده ~~إلى أن ينقرض العصر ولا يجوز أن يقال: إنهم اجتهدوا فأدى اجتهادهم إلى ~~خلافه إلا أنهم كتموا لأن إظهار الحق واجب لا سيما مع ظهور قول هو باطل ~~عندهم والتعلق بالتقية والهيبة تعلق باطل لأنهم كانوا يظهرون الحق ولا ~~يهابون أحدا ولهذا ردت امرأة على عمر بن الخطاب رضى الله عنه في المغالاة ~~في الصداق حتى قال عمر: امرأة خاصمت رجلا فخصمته1 وقال عبيده السلماني: ~~رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة فقد كانوا يحتشمون من إظهار ~~الخلاف لأنهم كانوا يعتقدون منهم فيقولون الحق وأما ابن عباس فقد كان صغيرا ~~في زمانهم فلعله احتشم لصغره وعلى أنه قد أظهر من بعده. قال القاضي أبو ~~الطيب: وإذا بطلت2 هذه الوجوه دل أنهم إنما سكتوا لرضاهم بما ظهر من القول ~~فصار كالنطق فإن قال قائل: إنما سكتوا لأنهم اعتقدوا أن كل مجتهد مصيب قلنا ~~لم يكن من الصحابة من يعتقد ذلك وسنبين إن شاء الله تعالى. # مسألة: قد ذكرنا حكم القول المنتشر فإما القول الواحد من الصحابة إذا لم ~~ينتشر إلا أنه لم يعرف له مخالف فلا يكون إجماعا لأنهم لم يعرفونه فيعتبر ~~قوله أو ينكرونه3 وأما الكلام في كونه حجة فإن كان موافقا للقياس فهو حجة ~~إلا أن الأصحاب اختلفوا فقال بعضهم: إن الحجة في القياس وقال بعضهم: إن ~~الحجة في قوله وأما إذا كان بخلاف القياس أو كان مع الصحابى قياس خفى ~~والجلى بخلاف قوله: فقد اختلف قول الشافعي في هذا. قال في القديم: قول ~~الصحابي أولى من القياس وهو قول أبى حنيفه وأحمد وجماعة وقال في الجديد ~~القياس أولى4 PageV02P009 # واحتج من قال بالأول بقوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم"1 فقد جعل المقتدى بالصحابة مهتديا ولا يجوز العدول عن ~~الاهتداء ولأن الصحابي إنما ms456 يحكم في شئ خبرا كان أو قياسا فإن كان عن خبر ~~فالقياس متروك له وإن كان قياسا فإن الذي بان به من الفضيلة عن غيره وتميز ~~عن من سواه من مشاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم وحضوره نزول الوحى عليه ~~ومعرفة مخارج كلامه يرجح قياسه على غيره فكان قوله أولى من القياس المجرد ~~أما وجه القول الجديد هو أن القياس أصل من أصول الدين ودليل من أدلة الشرع ~~والعمل به عند عدم النص واجب والدليل عليه خبر معاذ رضى الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال له: "فإن لم تجد في كتاب الله عز وجل وسنة ~~رسوله" قال: أجتهد رأيى"2 والصحابي غير مأمون من الخطأ فيما يقوله فلو كان ~~عنده خبر من الرسول لأظهره لأنه كان مأمورا بالتبليغ فلما لم ينسب القول ~~مما حكم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم دل أنه إنما قال استنباطا وقد ~~بينا أنه غير معصوم من الخطأ فيلحقه في الاجتهاد ما يلحق غيره من السهو ~~والغلط وقد كانوا يرون في الحوادث آراء ثم يرجعون عنها لدليل يلوح لهم هو ~~أقوى من الأول وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم يكن مجرد قول الصحابي حجة ~~إلا أن الحادثة إذا تنازعها أصلان جاز أن يغلب أحدهما بموافقة قول الواحد ~~من الصحابة كما قد يغلب أحد القياسين على الآخر بكثرة الأشباه وأيضا فقد ~~قال الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] ~~فالمراد به رد الحكم إلى الكتاب والسنة وهو رد إلى الله وإلى رسوله وأما ~~PageV02P010 # تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم" 1 "قلنا: هذا أمر من لم يكن في زمن الصحابة من أهل الاجتهاد ~~بتقليد الصحابة لأن من كان من أهل الاجتهاد في الصحابة لا يجوز أن يأمره ~~بتقليد مثله وأيضا فإن الاقتداء بهم هو الرجوع إلى المعاني المستنبطة من ~~كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأما الذي قالوه من بعد ms457 ~~قلنا: أما دعوى التوقيف وأن الصحابى قال ما قال عنه بعيد لما بيناه وأما ~~قوله إن اجتهاده يكون أقوى فلا يصح لأنه يجوز أن يسمع هو من النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويكون غيره أعلم بمعناه وقصده ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " نضر الله امرأ سمع مقالتى فبلغها غيره فرب مبلغ أوعى من سامع ~~ورب حامل فقه إلى من هو أفقه" 2 "ولأنه لو كان ما قالوه صحيحا وجب على من ~~لم تطل صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقلد من طالت صحبته لأنه يكون من ~~طالت صحبته أبصر بمعانى كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومقاصده لطول صحبته ~~له واستبراء أحواله وكثرة اهتدائه إلى معانيه في أقواله وأفعاله ما لم يهتد ~~من قلت صحبته وربما رآه رؤية أو سمع حديثا من أحاديثه وحين لم يقل أحد ما ~~ألزمناهم عرفنا أن ما قالوه ساقط وقد قال بعض أصحاب أبى حنيفة: أنه إذا قال ~~الصحابي قولا يخالف القياس يحمل على أنه قاله عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~لأن الظاهر أنه لم يعدل عن القياس مع النفوذ في معرفة القياس وطريقه إلا ~~بسنة عرفها عن النبي صلى الله عليه وسلم # والجواب: إن يكن حسبان فاسد وظن بعيد لأنا بينا أنه لو كان عنده خبر ~~لرواه وما كان من عاداتهم الكتمان. بل كان طريقهم التبليغ على ما أمروا به ~~فأما الذي قالوه قلنا إنما يجب علينا أن نحمل قولهم على أنهم قالوه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لا يجوز عليه الخطأ فأما إذا جاز عليهم ~~الخطأ فلا يجب علينا أن نثبت خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم بالشك ولو ~~جاز هذا في الصحابة جاز في التابعى. أيضا وسائر الأمة فيقال: إذا ذهب ~~الواحد منهم إلى خلاف القياس يحمل أمره على أنه قال ذلك لأنه سمع خبرا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يظهره وكل ما يمكن أن يكون في الصحابى ms458 ~~يمكن أن يقال في التابعى أيضا فدل أن ما ظنوه باطل والله أعلم # فصل PageV02P011 ### | فصل: وأما انعقاد الإجماع بالفعل فكل فعل لم يخرج مخرج الحكم والبيان لا ينعقد به الاجماع # كما أن ما لم يخرج من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم مخرج الشرع لم ~~يثبت به الشرع وأما الذي خرج من الأفعال مخرج الحكم والبيان يصح أن ينعقد ~~به الإجماع لأن الشرع يوجد من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم كما يوجد من ~~قوله فإن اجتمع القول والفعل فلا شك في انعقاد الإجماع لأنه إذا انعقد ~~الإجماع فكل واحد منهما على الانفراد منهما أولى. # مسألة: اتفاق أهل الإجماع شرط في انعقاد الإجماع وإن خالف واحد أو اثنان ~~ينعقد الإجماع. # وقال محمد بن جرير الطبرى: ينعقد ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين. وقيل: ~~إنه قول أحمد بن حنبل رضى الله عنه وهو قول بعض المعتزلة ويقال: إنه قول ~~أبى الحسين الخياط أستاذ الكعبى1 واستدل من قال بقوله تعالى: {ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين} [النساء: 115] وقوله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: ~~143] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" 2 "قالوا: ~~وهذه الأشياء حقيقة تتناول جميع المسلمين وجماعة الأمة وإن شذ منهم الواحد ~~فخرج منهم كما أن الإنسان يقول رأيت بقرة سوداء [وإن] 3 كان فيها شعيرات ~~بيض ويقول أكلت منها رمانة وإن سقطت منها حبة وتعلقوا بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "عليكم بالسواد الأعظم"4 وأهل العصر كلهم إلا الواحد والاثنين ~~PageV02P012 # هم السواد الأعظم فلأن الواحد من أهل العصر إذا خالف من سواه من أهل ~~العصر يوصف بالشذوذ وذلك اسم ذم فلو كان يعتد بخلافه معهم لم يوصفوا باسم ~~الذم ولهذا أنكرت الصحابة على ابن عباس رضى الله عنه مقالته في الربا ~~قالوا: ولأن الناس يقولوا في خلافة أبى بكر رضى الله عنه على الإجماع وقد ~~خالف في ذلك جماعة منهم سعد بن عبادة. # وقال سلمان: كردن ونقلوا عن على رضى الله عنه أنه وقف عن البيعة مدة ومع ~~ذلك لم ms459 يعتد بخلاف هؤلاء ولأن خبر الجماعة مقدم على خبر الواحد وكذلك قول ~~الجماعة مقدم على قول الواحد وأما دليلنا أن الإجماع هو الحجة بالدلائل ~~السمعية على ما سبق وإذا خالف الواحد أو الاثنان فقد فقد الإجماع ففقدت ~~الجماعة والدليل على أن الإجماع قد فقد بخلاف الواحد والاثنين لأن دليل ~~الإجماع قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] والألف ~~واللام لاستغراق الجنس فظاهر الآية اقتضى جميع المؤمنين وكذلك قوله تعالى: ~~{وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] فتناول ~~جميع الأمة وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم "لا تجتمع أمتى على الضلالة" 1 ~~تتناول جميعهم وإذا خالف مخالف وأن كان قليلا فقد فقد اجتماع الأمة وصار ~~القول من بعض الصحابة دون البعض. # ببينة: أنه إذا كثر المخالف امتنع انعقاد الإجماع فكذلك إذا قل المخالف ~~يمتنع أيضا بعد أن يكون من أهل الاجتهاد وهذا لأن القلة لا تمنع من الإصابة ~~ويجوز أن يصيب القليل ويخطئ الكثير قال الله تعالى {وقليل من عبادي الشكور} ~~[سبأ: 13] وقال تعالى أيضا: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} ~~[البقرة: 249] وقال تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون} [الحجرات: 4] وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين} [سبأ: 20] فثبت بما قلنا: أن قلة العدد لا تمنع من ~~إصابة الصواب وكثرة العدد لا تؤمن من الخطأ يدل عليه أن الإجماع لو انعقد ~~مع خلاف الآحاد لوجب على المجمعين أن ينكروا على من خالفهم من الآحاد كيلا ~~يتبعوا غير سبيل المؤمنين وقد أقرت الصحابة على خلافهم كما أقروا ابن عباس ~~وإن كان قد تفرد بالخلاف في القول وقد تفرد هو أيضا بمسائل في الفرائض خالف ~~سائر الصحابة وكذا ابن مسعود وقد أقر على ذلك ولأن أبا بكر قد PageV02P013 # كان يخالف جميع الصحابة في قتال مانعى الزكاة وقد كانوا يشيرون ببعض ~~المفارقة ثم إنه يبين لهم أن الحق معه واتفقوا على قتالهم فإن قيل: قد تفرد ~~قوم من الصحابة بأشياء ms460 لم يعتدوا بذلك. وأثبتم الإجماع مع وجود ذلك الخلاف ~~مثل خلاف حذيفة في وقت السحور وخلاف ابن أبى طلحة في أكل البرد في حال ~~الصوم1. وقوله: إنه لا يفسده وكذلك خلاف ابن عباس في جواز ربا الفضل2 قلنا ~~نحن إنما نعتد بخلاف الواحد إذا لم يكن على خلاف النص فأما إذا كان بخلاف ~~النص فلا يعتد بخلافه ويحكم بانعقاد الإجماع معه وعلى هذا خلاف حذيفة فإنه ~~مخالف النص وهو قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر} [البقرة: 187] وكذلك خلاف ابن أبى طلحة لأن الله تعالى قال: {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] والصيام هو الإمساك ولا يوجد ~~الإمساك مع أكل البرد وعلى هذا خلاف ابن مسعود جميع الصحابة رضوان الله ~~عليهم في الفاتحة والمعوذتين في ترك إثباتهن في المصحف3 وخلاف أبى بن كعب ~~في إثبات سورتى القنوت4 وقد أنكر عليهما سائر الصحابة ذلك وكذلك خلاف ابن ~~عباس في الربا وليس ما اختلفنا من جملة ذلك أما الجواب عن كلماتهم أما ~~الكلام الأول: قلنا أما أسماء الجمل والعموم لا يتناول الأكثر إلا مجازا ~~ألا ترى أنه يجوز أن يقال في الأمة إلا الواحد: ليس هؤلاء كل المؤمنين ولا ~~كل الأمة فعلمنا أن اسم الكل لا يتناول إلا الجميع والذي قالوا من اسم ~~البقرة السوداء وقولهم أكلت الرمانة فليس ذلك بحقيقة وإنما هو على طريق ~~المجاز ويجوز أن يقال إنما حسن أن يقول: "أكلت الرمانة" وإن سقطت منها حبات ~~أو يقول: رأيت بقرة سوداء وإن كان فيها شعيرات بيض لأجل العادة فإنه في ~~العرف يقال: أكلت PageV02P014 # الرمانة وإن سقطت منها حبات ويقال في العرف: رأيت بقرة سوداء وإن كان ~~فيها شعيرات بيض فخرج الأقل من الكلام بالعرف وليس إذا نقل العرف من ذلك ~~يجب أن ينقل غيره من الأسماء وأما تعلقهم بقوله صلى الله عليه وسلم "عليكم ~~بالسواد الأعظم"1 قلنا السواد الأعظم جميع أهل العصر ولو كان المراد منه ~~الأكثر لدخل تحته النصف من أهل العصر إذا ms461 نادوا على النصف الآخر بواحد أو ~~اثنين أو ثلاثة وأما قوله: يوصف الواحد إذا خالف بالشذوذ قلنا لا نسلم أنه ~~يطلق عليه هذا الاسم إلا إذا خالف بعد ما وافق. وأما قولهم: إنهم أنكروا ~~على ابن عباس خلافه في الربا قلنا إنما أنكروا عليه لأجل خبر أبى سعيد لا ~~لأجل مخالفته بقية الصحابة. وأما بيعة أبى بكر قلنا لا يثبت خلاف أحد أما ~~سعد بن عبادة قد كان يظن أن للأنصار حقا في الخلافة وكذلك جماعة من الأنصار ~~كانوا على هذا فلما روى أبو بكر رضى الله عنه ما روى رجعوا عنه وقول سلمان ~~هو من حكاية الروافض فلا يثبت إليه وأما قولهم إن عليا امتنع من بيعة أبى ~~بكر رضى الله عنهما إلى مدة قلنا الأصح أنه بايع وقد روى ذلك في بعض ~~الروايات الصحيحة وعلى أنه إن روى ما قالوه من تأخير البيعة فرواية المثبت ~~أولى من رواية النافى وأما استدلالهم بالخبر المتواتر ففيه جوابان: أحدهما: ~~أن التواتر يقتضى القطع بالصدق ولا يقتضى القطع بالحق وأما الإجماع يقتضى ~~القطع بالحق فمن أين أنه إذا أخبر جماعة يقتضى القطع بالصدق ما يوجب أن ~~يكون قولهم يقتضى القطع بالحق لأن أخبار التواتر توجب العلم الضرورى على ما ~~سبق وذلك علم يمكن للإنسان دفعه عن نفسه بخلاف خبر الواحد لأنه لا يوجب ~~العلم الضرورى: ألا ترى أنه يمكن للإنسان دفعه عن نفسه وأما ها هنا فهو ~~اجتهاد وغير يمتنع إصابة الأقل للصواب وأخطأ الأكثر لأن الإصابة ها هنا ~~بالتوفيق ولا يمتنع أن يوفق الله الأقل ويحرم الأكثر قال الله تعالى: {يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب} [البقرة: 269] . PageV02P015 ### | فصل: ومن شروط الإجماع أن يقيم أهل الإجماع على ما أجمعوا عليه ولا يرجعوا عنه # فإن ظهر فيهم رجوع عما أجمعوا عليه فقد قال بعضهم: يجوز أن يرجع عنه ~~بعضهم ولا يجوز أن يرجع عنه جميعهم لأن رجوع جميعهم يمنع أن يكون الحق فيما ms462 ~~أجمعوا عليه ومنهم من قال: لا يجوز أن يرجع لا جميعهم ولا بعضهم لأن ~~إجماعهم قد تبين الحق فيما أجمعوا عليه وانتفى عنه الخطأ وإذا تعين لم يجز ~~الرجوع لأنه إذا جاز الرجوع تبين أن الإجماع انعقد على الخطأ ومنهم من قال: ~~يجوز أن يرجع عن جميعهم ويجوز أن يرجع عن بعضهم وهذا صحيح على قول من يجعل ~~انقراض العصر شرطا في انعقاد الإجماع1 وسنبين ذلك والأصح أنه لا يجوز ~~الرجوع عنه بحال لما سبق بيانه والله أعلم. # مسألة: انقراض العصر ليس بشرط في صحة انعقاد الإجماع في أصح المذاهب ~~لأصحاب الشافعي. # ومن أصحابنا من قال: إن انقراض العصر شرط ومنهم من قال: إن كان قولا من ~~الجميع لم يشترط انقراض العصر وإن كان قولا من بعضهم وسكوتا من الباقين ~~اشترط فيهم انقراض العصر وقال بهذا أبو إسحاق الإسفراينى ولأصحاب أبى حنيفة ~~فيه اختلاف أيضا وقال بعض أصحاب الشافعي أيضا: إنه ينعقد قبل انقراض عصره ~~فيما لا مهلة له فلا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج ولا ينعقد ~~فيما اتسعت له المهلة وأمكن استدراكه إلا بانقراض العصر2 واحتج من قال: إن ~~انقراض PageV02P016 # العصر شرط بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يرى التسوية في القسم ولم ~~يخالفه أحد من الصحابة ثم خالفه عمر لما صار الأمر إليه وفضل في القسم وصحت ~~هذه المخالفة لأن العصر كان لم ينقرض على الأول وكذلك رأى عمر أن لا تباع ~~أمهات الأولاد1 ووافقه عليه الصحابة. ثم إن عليا رضي الله عنه2 خالفه من ~~بعد وهذا لأن الإجماع لا يستقر قبل انقراض العصر لأن الناس يكونون في حال ~~تأمل وتفحص فوجب وقوفه على انقراض العصر ليستقر. وأما دليل من قال: إنه ليس ~~بشرط قول الله عز وجل: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] وقوله ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وقوله تعالى {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع ~~أمتى على الضلالة " 3 وكل هذه ms463 الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع فإذا وجد ~~الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل. # ببينة: أن هذه الدلائل توجب الرجوع إلى مجرد الإجماع لأنه لم تدل هذه ~~الدلائل على غيره فإذا وجد وجب أن يحكم بكونه حجة ثم نقول: لا يخلو إما أن ~~يكون الدليل هو انقراض العصر أو الاتفاق بشرط انقراض العصر أو مجرد الاتفاق ~~والأول باطل لأنه يقتضى أن العصر إذا انقرض بدونه أن يسبقه اتفاق أن يكون ~~حجة وهذا لا يقول به أحد وأما الثانى فباطل أيضا لأنه يقتضى أن يكون لموتهم ~~تأثير في كون قولهم حجة وذلك لا يجوز أيضا كما لا يكون لموت النبي صلى الله ~~عليه وسلم تأثير في كون PageV02P017 # قوله حجة وإذا بطل الوجهان ثبت الثالث. # ودليل آخر أنا لو اعتبرنا انقراض العصر لم ينعقد إجماع ما لأنه قد حدث ~~قوم من التابعين في زمان الصحابة كانوا من أهل الاجتهاد وشرط انقراض العصر ~~يجوز مخالفتهم لهم لأن العصر ما انقرض ويجب على هذا انقراض عصر التابعين ~~ومعلوم أنه لا ينقرض عصرهم إلا من بعد أن يحدث من تابعهم من هو من أهل ~~الاجتهاد ويجوز لهم أن يخالفوا التابعين ثم يعتبر انقراض عصر تابعى ~~التابعين ثم كذلك القول في كل عصر إلى قيام الساعة فلم يتصور على هذا ~~انعقاد الإجماع في عصر ما وهذا باطل فيكون شرطا ما يؤدى إليه باطلا ولقائل ~~أن يقول على هذا إنه لا يمتنع أن يكون المعتبر هو انقراض عصر من كان مجتهدا ~~عند حدوث الحادثة لا من يتجدد بعد ذلك فلا يلزم اعتبار عصر التابعين إن ~~أحدث منهم مجتهد بعد حدوث الحادثة والمعتمد أن الدليل قد قام أن الإجماع ~~حجة وقد وجد الإجماع فوجب الحكم لقيام الحجة من غيره اعتبار انتظار لا ~~انقراض العصر أو غير ذلك. # ببينة: أنا لو اعتبرنا انقراض العصر جوزنا أن يكون الأمة حين أجمعت على ~~الخطأ وقد دللنا على أن هذا لا يجوز. # وأما الجواب عما تعلقوا به. أما الأول: قلنا ms464 قد كان عمر خالف أبا بكر رضى ~~الله عنه في زمانه وناظره وقال: أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه ~~كمن دخل في الإسلام كرها. فقال أبو بكر رضى الله عنه إنما عملوا لله فأجرهم ~~على الله وإنما الدنيا بلاغ ولم يروا أن عمر رضى الله عنه رجع إلى قول أبى ~~بكر رضى الله عنه فالظاهر أنه كان يرى التفضيل في زمان أبى بكر فلما صار ~~الأمر إليه فضل على ن كان يعتقده وأما الذى تعلقوا به من فضل أمهات الأولاد ~~قلنا قد روى عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يرون بيع أمهات الأولاد ومنهم ~~جابر بن عبد الله وغيره1 فلم يكن وجد الاتفاق في زمان عمر رضى الله عنه ~~وأما قول عبيدة السلمانى: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك ليس فيه ~~دليل على أنه قد كان وجد الإجماع بل يدل على أنه قد كان على قول عمر رضى ~~الله عنه جماعة وليس كل جماعة يكون إجماعا وإنما اختار عبيدة أن ينضم قول ~~على إلى قول عمر رضى الله عنهما لأنه يرجح قول PageV02P018 # الأكثر على قول الأقل وأما قولهم إن الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر ~~قلنا إن أرادوا بنفى الاستقرار نفى كونه حجة فذلك نفس المسألة وإن أرادوا ~~أنه لا ينعقد إلا بعد انقراض العصر فليس بشئ لأن الانعقاد إنما يكون باتفاق ~~الأمة من غير خلاف وإنما اختلفوا أنه مع وجود هذا الانعقاد هل يكون حجة أم ~~لا وأما الذى قالوه أنه حال تأمل وتفحص قلنا المسألة فيما إذا قطعت الأمة ~~على الاتفاق إلا أن أهل العصر لم ينقرضوا عليه والناظر المتأمل غير والقاطع ~~على الشئ غير والإنسان إذا أخبر عن نفسه أنه يعتقد فهو بخلاف ما إذا أخبر ~~عن نفسه أنه متأمل متوقف وقد قال بعض أصحابنا رحمهم الله إنهم إن أسندوا ~~الإجمع إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم ما لم يتطاول الزمان بذلك وإن ~~كان اتفاقهم لا عن اجتهاد بل عن أصل مقطوع ms465 به فإنه يتم الإجماع في الحال ~~وهذا الفرق لا يصح لأنه لا يعرف إلى أى شئ أسندوا الإجماع ولو عرف أنهم ~~أسندوا اتفاقهم إلى دليل مقطوع به فيكون حجة ذلك الدليل لا غير والأصح ما ~~قدمناه بالدليل الذى اعتمدنا عليه. # مسألة: إذا أدرك التابعى عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه في ~~صحة الإجماع. # ومن اصحابنا من قال: لا يعتبر1 واعلم أن هذا الخلاف فيما إذا بلغ التابعى ~~رتبة الاجتهاد ثم أجمعوا على حكم خالفهم فيه التابعى فأما إذا تقدم الإجماع ~~على قول التابعى فإنه يكون التابعى محجوجا بذلك الإجماع وأما الذين قالوا: ~~إنه لا يعتد بخلاف التابعى مع الصحابة تعلقوا من ذلك بأن الصحابة قد اختصوا ~~بلقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة التأويل والتنزيل والعلم بسبق ~~الدين ووجوه الدلالة وطريق الاجتهاد فصار غيرهم من التابعين إذا أجتمعوا ~~معهم بمنزلة العامة مع علماء الدين لا يعتد بخلافهم وقد أنكرت عائشة على ~~أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخوله فيما بين الصحابة ومنازعته عبد الله ~~بن عباس وقالت: أراك كالفروخ يصيح مع الديكة2 وعن PageV02P019 # على: أنه نقض الحكم على شريح1 حين قضى بين ابنى عم أحدهما الأخ لأمه وكان ~~جعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم فنقض عليه وأما دليلنا فلأنه من ~~أهل الاجتهاد وقت وقوع الحادثة فيعتبر خلافه ولا ينعقد الإجماع دون قوله: ~~دليله إذا كان صحابيا وهذا لأن العبرة بالعلم دون الصحبة بدليل أن من كان ~~من الصحابة غير مجتهد لا يعتبر اتفاقه لانعقاد الإجماع ولأن الصحابة أقروا ~~التابعين على الفتوى في زمانهم وقد كان على رضى الله عنه قلد شريحا قضاء ~~الكوفة فقضى برأيه وعلى بها لا ينكر وكان سعيد بن المسيب يفتى بالمدينة زمن ~~الصحابة وعطاء بن أبى رباح بمكة وأصحاب ابن مسعود كانوا يفتون بالكوفة في ~~زمن الصحابة وكذلك الحسن البصرى وجابر بن زيد كانا يفتيان بالبصرة زمن ~~الصحابة وروى أن ابن عباس رضى الله عنه وأبا سلمة بن عبد الرحمن ms466 اختلفا في ~~عدة المبتوته عنها زوجها إذا كانت حبلى فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين ~~وقال أبو سلمة: إذا وضعت حملها حلت فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخى2 يعنى ~~أبا سلمة ولم ينكر أحد قول أبى سلمة [وهو] 3 خلاف لابن عباس وقد قال أبو ~~هريرة: أنا معه وأما الذي ذكره من قول عائشة رضى الله عنها في هذه القصة ~~قلنا قد نقلنا عن أبى هريرة تصويبه وعلى أنه ليس في قول عائشة ما يدل على ~~أن خلاف التابعين لا يعتد به مع الصحابة ويجوز أنه كان رفع صوته على ابن ~~عباس وادعى منزلته وطلب مساواته فانكرت عائشة ذلك وأما خبر على في نقضه ~~قضاء شريح قلنا: هذا لا يعرف وكيف؟ وقد كان ولاه قضاء الكوفة وكان يقضى ~~برأيه وعلى بها وعلى أنه يحتمل أن يثبت ذلك أنه إنما كان يقضى لأنه كان ~~سبقه الإجماع في المسائل قبل أم يدرك شريح زمان الاجتهاد وأما قولهم إن ~~الصحابة يكونون أعلم بالاحكام قلنا قد يكون أعلم وقد لا يكون والدليل على ~~هذا أن أنسا كان يحيل بالمسائل على الحسن البصرى وكان عمر بن يحيل على ابن ~~المسيب وقد قال صلى الله عليه وسلم: "رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه" 4 PageV02P020 # وعلى أن ما ذكره من الترجيح لا يمنع من مساواة الناس بعين لهم في ~~الاجتهاد. ألا ترى أن من طالت صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم من أكابر ~~الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول الصحبة وقوة الأنس بكلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهذا ليس لصغارها ولمتأخريها ثم الجميع في الاجتهاد ~~واحد فبطل ما قالوه ولأن هذا الترجيح إن كان قائما يكون فيما يوجد من ~~التنبيه فأما فيما يوجد من الكتاب وسائر الأصوليين فلا يكون لمن شهد مع ~~النبى صلى الله عليه وسلم مزية على غيره فإن قال قائل: إنكم قد قلتم: من ~~قبل إن انقراض العصر ليس شرط من انعقاد الإجماع وإذا ms467 لم يكن شرطا وقد انعقد ~~الإجماع فكيف يعتبر خلاف التابعي؟ والجواب: أنا قد قلنا في أول المسألة ما ~~يبطل هذا السؤال لأنا قد بينا أن موضع الخلاف إذا لم تقع الحادثة حتى أدرك ~~التابعى حال الاجتهاد فأما إذا سبق الاتفاق فلا إشكال أن أنعقاده وكونه حجة ~~لا يقف على إدراك التابعى وموافقته لذلك وقد اعتبر ذلك من يشترط انقراض ~~العصر وقد بينا أن هذا الاعتبار يؤدى إلى أن لا ينعقد إجماع. # PageV02P021 ### | "فصل": قد بينا من قبل أن من شرط الإجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم لم يكن إجماعا # وقد سبق بيان هذا ومما يتصل بهذا أن من الناس من قال: إذا أجمع أهل ~~الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين الكوفة والبصرة لم يعتد بخلاف غيرهم1 ~~وما ذكرنا من قبل يدل على بطلان قول من زعم هذا. وقال بعضهم: إذا أجمع ~~الخلفاء الاربعة لم يعتد بغيرهم وذهب إلى هذا القاضي أبو حازم من أصحاب أبى ~~حنيفة وحكاه الضميرى عنه2. وقالت الرافضة: إذا قال على كرم الله وجهه شيئا ~~لم يعتد بخلاف PageV02P021 # غيره وقال بعض الرافضة: إذا اتفق أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على شئ كان حجة مقطوعا بها ولم ينظر إلى خلاف غيرهم1 وقد تعلق من قال ~~بالقول الاول بقوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي" 2 وتعلق من قال بالقول الثاني بقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"أنا من على وعلى مني" 3 وقال: "أنا مدينة العلم وعلى بابها" 4 وقال حين ~~بعث عليا خلف أبى بكر في الحجة التي استخلف أبا بكر عليها ليقرأ أوائل سورة ~~براءة على الناس في الموسم: " لا يبلغ عنى إلا رجل من أهل بيتى" 5 وتعلق من ~~قال بالقول الثالث بقوله صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم شيئين إن تمسكتم ~~بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله عز وجل وأهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على ~~الحوض" 6 وقال صلى الله عليه وسلم: "مثل أهل ms468 بيتى مثل سفينة نوح من ركبها ~~نجا" 7 وتعلقوا بخبر الكسائى وهو أنه لما نزل قوله تعالى: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب: 33] دعا عليا وفاطمة PageV02P022 # والحسن والحسين رضى الله عنهم وأدار عليهم كساء وقال: " هؤلاء أهل بيتى" ~~1. # وأما الدليل على تصحيح ما قلنا: أن الشرط اتفاق جميع الصحابة في عصرهم ~~لينعقد الإجماع ويصير حجة لقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: ~~115] فتعلق الوعيد بترك سبيل المؤمنين دل أنه لا يتعلق بترك سبيل بعضهم ~~وقال النبى صلى الله عليه وسلم: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" 2 ~~ولأن الدليل على أن الإجماع حجة ليس من طريق العقل إنما هو من طريق السمع ~~وإنما ورد السمع بعصمة جميع الأمة لأنه عليه السلام قال: "لا تجتمع أمتى ~~على الضلالة" 3 يدل على أن الخطأ يجوز على بعضهم وإنما لا يجوز على جماعتهم ~~وأما الأخبار التي رووها فيما ادعوه4 فتلك الأخبار تدل على اختصاص هؤلاء ~~القوم بفضائل من بين سائر الصحابة وتدل على نوع يميز لهم من غيرهم ولا تدل ~~على أن قولهم حجة مقطوع بها. # وقد ورد في غيرهم من الصحابة أخبار ورويت لهم فضائل عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم لو تتبعناها وعلقنا معانيها دل أيضا أن أقوالهم حجة وأنه يجب ~~علينا أن نتبعهم ونترك قول غيرهم منها ما ورى في أبي بكر وعمر رضى الله ~~عنهما أنه قال صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر" ~~5 وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الحق لينطق على لسان عمر" 6 وفى رواية أنه ~~قال صلى الله عليه وسلم: "السكينة" 7 بدل لفظة "الحق" وقال: "لو كان بعدى ~~نبي لكان عمر" 8 وقال: " اهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن PageV02P023 # مسعود" 1 وقال: "رضيت لأمتى ما رضى لها ابن أم عبد" 2 يعنى ابن مسعود ~~وقال صلى الله عليه وسلم "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ وأقرأكم أبى"3 وقال: ~~"إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ms469 4 وهذا يوجب ~~الرجوع إلية لاختصاصه بالأمانة ولكل ما ذكروه معنى وتأويل ذكره أهل العلم ~~في كتبهم ولا يحتاج إلى ذكره في هذا الموضوع واقتصرنا على هذا القدر ورفعنا ~~بهذه المعارضة كلامهم والله المعين على التمسك بالحق والمرشد إليه. # مسألة: إجماع أهل المدينة على انفرادهم لا يكون حجة عندنا. # وقال مالك: إذا أجمع أهل المدينة على شئ لم يعتد بخلاف غيرهم5. وقال ~~الأبهرى من أصحابنا: إنما أراد بهذا فيما طريقه الإخبار. وقال بعضهم: أراد ~~به ترجيح قولهم6 وقد أشار الشافعى رضى الله عنه في هذا في القديم ورجح ~~رواية أهل المدينة على رواية غيرهم وقال بعضهم: أراد بذلك في زمان الصحابة ~~والتابعين وتابعى التابعين فأما من نصر قول مالك على الإطلاق تعلق بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " المدينة طيبة وأنها ينفى خبثها كما ينفى الكير خبث ~~الحديد" 7 قال: والخطأ من الخبث فكان منتفيا عن أهل المدينة. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها" 8 ~~PageV02P024 # والأخبار في فضل المدينة تكثر ولأن الممدينة منزلة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن قبض ومهبط الوحى حتى انقطع ودار الهجرة ومنها ظهر العلم ومنها ~~صدر وهى منازل الصحابة ومستقر الإسلام ومتبوأ الأيمان مجموع هذا يدل أن ~~الحق معهم وأنه لا يعدوهم وأما من قال: إن روايتهم أولى فلأنهم أعرف بأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان بينهم من أفقه أهل كل بلد يكونون ~~أخبر وأعرف مما يجرى فيه من غيرهم وأما دليلنا فظاهر وذلك لأن الإجماع إنما ~~كان حجة بالأدلة السمعية التي بيناها وتلك الدلائل تتناول أهل المدينة كما ~~تتناول أهل غيرها من البلاد على الانفراد ولأن الأماكن غير مؤثرة في كون ~~الأقوال حجة دليله الحرم والمسجد الحرام ويقال لأصحاب مالك: ما الذى أوجب ~~قصر الإجماع على أهل المدينة؟ فإن قالوا: لأنهم مخصوصون بالعصمة فهذا كلام ~~باطل بالإجماع ونحن نعلم قطعا أنه يجرى بالمدينة من الفضائح والكبائر مثل ~~ما يجرى في سائر البلاد ms470 وإن قالوا: لأنها مهبط الوحى ومنزل النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأهلها يتوارثون السنة قرنا فقرن فهذه أمور لا توجب قصر الإجماع ~~على أهلها وتخصيصهم به دون أهل سائر البلدان لأن المجتمعين على الحكم إنما ~~يجمعهم عليه دليل يوجب اتفاقهم عليه والدليل إما بتوقيف أو إجتهاد وأهل ~~العلم حيث كانوا من بقاع الأرض وأقطارها المشاركون لأهل المدينة في أنواع ~~الأدلة ووجوه الاستدلال وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل الوحى عليه ~~بالمدينة وهو مقيم بها وفى أسفاره وهو طاعن عنها وقد نزل عليه بمكة قرآن ~~كثير ولعله يبلغ شطر القرآن فثبت أن أهل المدينة وأهل سائر البلاد في الشرع ~~سواء وثبت أن أدلة الإجماع في الكل سواء وليس لها تخصيص بأهل المدينة دون ~~غيرهم. # ببينة: أن المناسك بينها النبى صلى الله عليه وسلم بمكة. وقال: "خذوا عنى ~~مناسككم" 1 ثم لم يقل أحد: إن أهل مكة إذا أجمعوا على شئ من المناسك يكون ~~إجماعهم حجة وأنهم يمتازون بهذا عن سائر البلاد. ثم نقول: إن كثيرا من ~~الصحابة قد تفرقوا عن المدينة ورحلوا عنها إلى العراق والشام ومصر وسائر ~~البلدان وإنما رحل كل واحد منهم بما معه من السنة فبينه في أهل تلك البلاد ~~التي أقام فيها وقد أقام بالشام جماعة منهم أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن ~~جبل وعبادة بن الصامت وغيرهم وانتقل على PageV02P025 # بالكوفة وهو أحد الخلفاء الأربعة وأقام بها إلى أن توفاه الله عز وجل ~~وكان بها ابن مسعود وحذيفه وسعد بن أبى وقاص وسلمان وغيرهم وحين بعث عمر ~~ابن مسعود إلى الكوفة كتب إليهم بعبد الله على نفسى وورد البصرة من الصحابة ~~طلحة والزبير وعائشة فمن كان معهم من الصحابه فأقام بهها ابن عباس مدة وكان ~~بها أبو موسى الأشعرى وعمران بن حصين وأنس وغيرهم وهؤلاء من أعيان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مع كل واحد منهم طائفة من أمر الدين ~~وقطعة من السنة وقد تلقاها عنهم أهل هذه البقاع وحصلوها عندهم فكيف ms471 يجوز أن ~~يختزلوا دون الإجماع ويفتات عليه في ذلك ولا يكون لهم منه حظ ولا يعتبر ~~منهم خلاف هذا أمر قبيح وخطة مستشنعة ثم نقول إن المدينة كما أنها كانت ~~مجمع الصحابة ومهبط الوحى فقد كانت أيضا دار المنافقين ومجمع أعداء الدين ~~منهم عبد الله بن أبى ابن سلول وحلاس بن سويد ويجمع بن حارثة الثقفى وطعمه ~~بن أبيرق غيرهم وكان من رؤسهم أبو عامر الراهب وله بنوا مسجد الضرار وهو ~~أبو حنظلة غسيل الملائكة وفى المدينة قال القائلون المنافقون: {لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله حتى ينفضوا} [المنافقون: 7] وقالوا: {لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] وفيها الماردون على ~~النفاق الذين نزل فيهم قوله تعالى: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} ~~[التوبة: 101] وفيها طعن عمر وحوصر عثمان حتى قتل وعلى أهلها كانت وقعة ~~الحرة أيام يزيد بن معاوية ففنى الخلق وهلك عامة أهل الفضل ثم انجلى عنها ~~أكثر من بقى منهم وبها غيرت السنن زمن مروان بن الحكم حين كان أميرها من ~~قبل معاوية رضى الله عنه وقدم خطبتى العيد على الصلاة وأقام الحرس حتى ~~منعوا الناس عن تحية المسجد حين كان يخطب وأخرج المنبر يوم العيد وغير ذلك ~~مما يكثر والخطب جسيم والداء دوى والشر قد تم وجرى منذ قتل عثمان بالمدينة ~~سنة خمس وثلاثين من الهجرة إلى بعد المائة من الهجرة بالمدينة ومكة ~~والعراق1 وغيرها من بلدان الإسلام ما ترتاع النفوس سماعها وتقشعر القلوب من ~~هولها وشدتها وظهر من الجرأة على الله تعالى وهتك جهات الدين والتهاون ~~بشعائره وتغيير رسومه وسننه ونقض عرى الإسلام وسفك الدماء المحترمة وانتهاك ~~المحارم والإقدام على العظائم التي لا يقدر قدرها ما لو حكى عشر ذلك بل أقل ~~القليل منه بنى إسرائيل لتعاظمه هذه الأمة فكيف وهم PageV02P026 # الفاعلون لذلك المقدمون عليه ولله أمر بالغه وهو لعباده وهو بالمرصاد ~~ونسأل الله تعالى العصمة وهذا الذى قلنا فيما سوى سيئات سليمان بن عبد ~~الملك وعمر بن عبد العزيز أما سليمان فقد ms472 قيل: إنه فتح بخير وختم بخير أما ~~افتتاحه بخير فهو هلاك الحجاج واختتامه بخير استخلافه عمر بن عبد العزيز ~~وأما عمر فقد ضم إلى الخلفاء الراشدين وحسبك بهذا شرفا ونقول في مجموع ذلك ~~ما قاله بعض سلفه: وهو أنه سئل عن الأمور التي جرت بين الصحابة ومن بعدهم ~~وقرأ قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون ~~عما كانوا يعملون} البقرة: 286] وأما رواية أحدهم تقديم أهل المدينة فقد ~~قاله بعض أصحابنا على ما قدمناه والأصح أن روايتهم ورواية غيرهم سواء وذلك ~~أن ما يوجب قبول الأخبار يستوى القولفيه أهل المدينة وأهل سائر البلدان ~~ولأن شهادة أهل المدينة وشهادة غيرهم واحد وكذلك الرواية ولأنا قد بينا أنه ~~لا يقدم في المناسك رواية أهل مكة وإن اختصوا بها على معنى أن الكعبة عندهم ~~والمشاعر في بلدهم واختصاصهم بمناسك الحج [أخص] 1 من أهل المدينة بالسنن ~~فأهل المدينة وغير أهل المدينة في السنن والشرع سواء وقد حكى بعضهم عن مالك ~~أنه قال: "يخرج العلم من عندنا شبرا ويرجع ذراعا" يعنى أنه يزاد فيه ولا ~~يمكن إطلاق هذا القول وفيه أن الظن بنقلة الأخبار وقد قال بعض أهل المدينة ~~لبعض أهل العراق. وعندي أن من عندنا خرج العلم فقال: بلى ولكن لم يعد إليكم ~~وأيضا يجوز أن يصير ذراعا [وذلك] 2 بالمدينة أيضا بأن يزيد فيه بعض الفسقة ~~ويجوز أن يكون في الخير زيادة ثابته يقع الزيادة عند بعض العلماء من غير ~~أهل المدينة والأولى هو التسوية [بين] 3 أهل المدينة وغير أهل المدينة في ~~الرواية وفي الاجتهاد وفى مسألة الإجماع على ما سبق هذا مع اعترافنا ~~للمدينة بالفضل الذي خصها الله تعالى به على ما نقل في الأخبار مثل ما ~~نعترف لمكة بالفضل الذى خصها الله به على ما ورد في الأخبار ومن الله ~~العصمة ونسأله أن لا يكلنا إلى أنفسنا وحولنا وقوتنا بمنه وجوده. ~~PageV02P027 ### | الفصل الخامس: وهو يشتمل على معارضة الاختلاف والإجماع ### | تعارض الاختلاف والاجماع # ... # فصل ms473 # هذا الفصل هو الفصل الخامس وهو يشتمل على: معارضة الاختلاف والإجماع ~~ويشتمل تعارضها على أربعة أضرب: # فالضرب الأول: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصر واحد1 كاختلاف ~~الصحابة ثم إجماعهم بعد خلافهم فيصير الإجماع بهم منعقد وما تقدم من خلافهم ~~ساقطا لأن العمل يكون بما استقرت عليه أقاويلهم وقد استقرت على الإجماع [و] ~~2 زال به الخلاف وقد وجد في الصحابة من ذلك خلافهم في الصحبة حيث قالت ~~الأنصار: منا أمير ومنكم أمير ثم أن أبا بكر رضى الله عنه لما حاججهم وأخبر ~~أن الخلافة لا تصلح إلا في هذا الحى من قريش رجعوا إلى قوله وزال الخلاف ~~ومن ذلك أيضا خلافهم على أبى بكر في قتال أهل الردة ثم رجعوا إلى قوله ~~وأجمعوا عليه ومن ذلك خلاف ابن عباس وزيد بن أرقم لسائر الصحابة رضى الله ~~عنهم في أن الربا لا يجرى إلا في النساء [رجعا] 3 عن ذلك ووافقا سائر ~~الصحابة ومن ذلك أيضا خلاف عمر وابن PageV02P028 # مسعود لسائر الصحابة في أن الجنب لا يجوز له التيمم ثم [رجعا] 1 عن ذلك ~~ووافقا سائر الصحابة2. وعندي أن ثبوت الرجوع في هذه المسألة والمسألة التي ~~قبلها نظر ومن هذا الباب خلاف ابن عباس لجماعة الصحابة في تحريم المتعة فإن ~~ابن عباس أحلها3. ونقل ذلك عن ابن مسعود ثم أن ابن عباس رجع عن ذلك4. وعندي ~~أن في الرجوع عما كان يقوله نظر والفقهاء ينقلون عن جابر بن زيد أن ابن ~~عباس رضى الله عنه لم يلبث حتى رجع عن قوله في الصرف وأما قول ابن مسعود في ~~تحليل المتعة فليس بمعروف وقد أورده بعص أصحابنا وقد قال أبو سعيد ~~الاصطخرى: إن المتعة محرمة بالإجماع وجعل مرتكبها زانيا وأوجب الحد عليه ~~وأما سائر أصحابنا وكذلك عامة الفقهاء قد أبوا عن هذا وجعلوا حكم الخلاف ~~باقيا ولم يوجبوا الحد بارتكابها5 ولا وسموا مرتكبها بسمة الزنا وفى تفسيقه ~~وجهان. # والضرب الثاني: أن يحدث الخلاف بعد تقدم الإجماع في عصر واحد فهو ms474 على ~~ضربين أحدهما: أن يكون المخالف لم يوافق المجمعين قبل خلافه فيصح خلافه ولا ~~ينعقد مع خلافه الإجماع كما خالف ابن عباس في القول مع إجماع غيره عليه. # والضرب الثالث: أن يكون وافقهم ثم خالفهم كخلاف على في بيع أمهات الأولاد ~~مع اتفاقه مع عمر وسائر الصحابة في تحريم بيعهن فمن جعل انقراض العصر شرطا ~~في انعقاد الإجماع بخلافه لحدوثه قبل استقراره ومن لم يجعله شرطا أبطل ~~خلافه مع إجماعه. # والضرب الرابع: أن يحدث الإجماع بعد تقدم الخلاف في عصرين وذلك مثل ~~اختلاف الصحابة على قولين وإجماع التابعين على أحد القولين فهذه مسألة ~~معروفة وسنذكرها. PageV02P029 # مسألة: إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعت التابعون على أحد القولين: # فمذهب الأكثرين من أصحاب الشافعى رضى الله عنه أن خلاف الصحابة ثابت ولا ~~يرتفع بإجماع التابعين. من بعدهم والمسألة لا تصير إجماعا وهو قول بعض ~~أصحاب أبى حنيفه وبعض المتكلمين وقال الأكثرين من أصحاب أبى حنيفه أنه ~~يرتفع الخلاف المتقدم ولا ينعقد الإجماع من التابعين على المسألة وبه قال ~~الإصطخرى وابن خيران والقفال من أصحاب الشافعى رحمه الله عليهم وقد نص عليه ~~الكرخى وصار إليه وكذلك كل من تبعه وذهب إليه أيضا أكثر المعتزلة وحكى بعض ~~أصحاب أبي حنيفة في المسألة روايتين عن أبى حنيفة وحكى عن أببى يوسف أيضا ~~أنه ينعقد الإجماع1 ويرتفع الخلاف المتقدم واحتج من قال بالقول الثانى ~~بقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] . # وبقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وقد بينا أن ذلك ~~يتناول أهل كل عصر ولم يفصل في اتباع غير سبيل المؤمنين بين أن يكون تقدم ~~خلاف أو لم يتقدم خلاف واستدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع ~~أمتى على الضلالة" 2 وفى رواية "على خطأ" فيجب أن يكون ما اتفق عليه أهل ~~العصر الثاني غير خطأ ولأن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك الإجماع ~~بعد الاختلاف وجب أن لا يجوز خلافه لأن الإجماعين واحد وحرفهم أن الإجماع ~~قد وجد فينعقد ويكون حجة ms475 كما لو لم يتقدمه خلاف. # ببينة: أن الصحابة لو اختلفوا ثم أجمعوا فإنه يسقط الخلاف المتقدم ~~بالإجماع المتأخر فكذلك يسقط الخلاف المتقدم في مسألتنا لأن الحجة في إجماع ~~التابعين مثل الحجة في إجماع الصحابة فلما سقط اختلاف الصحابة بإجماعهم ~~فيسقط أيضا بإجماع التابعين وأما حجة من ذهب إلى المذهب الأول وهو الأصح ~~تعلقوا بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: ~~59] "فأمر عند وقوع التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة وأهل العصر الأول قد ~~ردوا الحادثة إلى الكتاب والسنة فوجدوا الحادثة مجتهدا فيها وقد ~~PageV02P030 # انقرض عصرهم على هذا وقد أثنى الله على التابعين بحسن المتابعة فإذا ~~اعترضوا عليهم قطعوا الاجتهاد عن الحادثة لم يكونوا متبعين فدل أن الحادثة ~~على ما رآه أهل العصر الأول فيها وأنها مستمرة على ذلك وهذا الحقيقة وهي أن ~~علماء العصر إذا اختلفوا في الحادثة على مذهبين وذلك مثلا في تحليل وتحريم ~~فقد تضمن ذلك إجماعهم من كافتهم على أن الخلاف سائغ من الحادثة فحصل في ضمن ~~الخلاف الإجماع على جواز الخلاف فإذا صورنا الرجوع إلى أحد القولين من ~~التابعين لم يجز لأنه مسبوق بالإجماع على جواز الخلاف فنقول: ما أجمعت ~~الصحابة عليه لم يجز للتابعين إبطاله كما لو أجمعوا على قول وليس يلزم على ~~هذا إذا اختلف الصحابة على قولين ثم أجمعوا على أحد القولين لأنا إن قلنا: ~~إن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع لم يسلم لوجود الإجماع على تسويغ ~~الخلاف وأن قلنا إن انقراض العصر ليس بشرط وهو الأولى على ما سبق لم يسلم ~~جواز الاتفاق على أحد القولين بعد هذا الاختلاف وقد حكى عن القاضى أبى بكر ~~أنه جعل حكم الصورتين واحد وقال كما لا يجوز لأهل العصر الثانى أن يتفقوا ~~على أحد القولين ويبطلوا به الخلاف المتقدم كذلك في أهل العصر الواحد أيضا ~~لا يجوز أن يختلفوا على قولين ثم يتفقوا على أحد القولين فإن قيل لا يمتنع ~~أن يتفقوا على تسويغ الاجتهاد بشرط أن لا يظهر إجماع فإذا ms476 ظهر الإجماع يسقط ~~ذلك الاتفاق كما أنهم اتفقوا أن فرض العادم للماء التيمم ما لم يجد فإذا ~~وجد الماء زال ذلك الاتفاق. # والجواب: أن دعوى هذا الشرط ليس عليها دليل بل حصل احتلافهم وجود الإجماع ~~على تسويغ الاجتهاد وهذا الإجماع لا يجوز إبطاله بإجماع يوجد من بعد وأما ~~مسألة التيمم فبعيدة عن هذا لأن النص قد دل على أن جواز التيمم مشروط بعدم ~~الماء فإذا وجد الماء زال الشرط وأما ها هنا فإن أهل العصر الأول قد أجمعوا ~~على تسويغ النظر على الإطلاق من غير شرط فهو بمنزلة إجماعهم على شرط واحد ~~فلا يجوز أن يزول ذلك بإجماع يوجد بعده يدل على ما ذكرنا: أن الإجماع إذا ~~حصل واستقر لم يجز أن يتغير بالاختلاف من بعد فكذلك إذا حصل الاختلاف ~~واستقر لم يجز أن يتغير بالإجماع من بعد والاعتماد على الكلام الأول وقد ~~قال بعض أصحابنا: إن القول إذا صدر عمن له في الدين تحمل لم يجز أن ينقطع ~~حكمه بموته بدليل النبى صلى الله عليه وسلم فإن قيل: قد ورد خلاف ما صرتم ~~إليه من الصحابة فإن أبا بكر كان يرى سبى المرتدات ثم اتفقوا # PageV02P031 # على المنع زمن عمر رضى الله عنه وأجرى الأثر على ذلك وكذلك كانت الصحابة ~~تقرأ بالحروف المختلفة في زمان أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ثم اجتمعوا في ~~زمان عمر رضى الله عنه على [أن] 1 ما بين الدفتين كلام الله فدل أن الوفاق ~~الثاني يدفع الخلاف الأول قيل له هذا لا يشبه مسألتنا لأن عصر الصحابة كله ~~عصر واحد فقد يمتد زمان النظر وتنفسخ مدة الرؤية وقد كانوا ينظرون ثم ~~يعيدون النظر كرة بعد أولى على حسب ما يحتاج إليه لدقة الأمر وغموضه إلى أن ~~يتبين لهم الأمر غاية البيان ويزول الإشكال فلم يكن الإجماع يستقر بأول ~~وهلة والكلام فيما إذا استقر الأمر من الصحابة على شئ وانقرضوا على ذلك ثم ~~حدث من بعد ما يوجب إزالة ما انقرضوا عليه ورفعه وقد قال ms477 بعض أصحابنا: إن ~~قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للخلاف المتقدم وهو نازل ~~منزلة تردد من ناظره ثم استقراره أخيرا وأما إذا تمادى الخلاف في زمان ~~فتطاول بحيث يعلم أنه لو كان ينقدح وجهه في سقوط أحد القولين ليظهر ذلك في ~~الزمان الطويل فإذا بلغ الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق مع أحد ~~القولين والأمر باق على الخلاف السابق لما بينا أن في اختلافهم وفاقا ضمنيا ~~على أن الخلاف في هذا المجال سائغ وهذا لا بأس به والأول هو المنقول عن ~~أئمة المذاهب وأما الجواب عن كل ما تعلقوا به من الظواهر فقد بينا أن ~~اختلافهم يثبت وفاقا ضمنيا فلا يجوز رفعه من بعد وعلى هذا صارت هذه الظواهر ~~حجة على المخالفين لأن سبيل المؤمنين في العصر الأول لما كان هو تسويغ ~~الاجتهاد فلا يجوز اتباع غير سبيلهم وكذلك لما اجتمعوا على ما ذكرناه كان ~~خلافه ضلالة وخطأ وأما الذى قالوا أن الإجماع المبتدأ لا يجوز خلافه فكذلك ~~الإجماع بعد الخلاف قلنا: ولما قلتم هذا ثم الإجماع المبتدأ لم يتضمن رفع ~~إجماع سبق وقوعه وأما ها هنا فإن الإجماع الذى يوجد من بعد من أهل العصر ~~الثانى يتضمن رفع إجماع سبق وقوعه وهو ما سبق ذكره وأما تعلقهم بما إذا ~~اختلف أهل العصر ثم أجمعوا عليه فقد أجبنا عنه وعلى أنا قد ذكرنا من قبل أن ~~بعض أصحابنا ذهب إلى أن انقراض العصر شرط انعقاد الإجماع وعلى هذا القول لا ~~يرد هذا الفصل أصلا وإن جربنا على ما اخترنا في أن انقراض العصر ليس بشرط ~~فليس وجه الجواب عنه إلا أن يمنع ويقال إذا لم يختلفوا لم يجز أن يجمعوا ~~على أحد القولين وإن تمسكوا بالصور PageV02P032 # التي قلناها فنقول إنهم كانوا في طلب الدليل ومهلة النظر ولم يكن استقرار ~~الأمر على نفى من اختلاف أو اتفاق ويمكن أن يقال: لا نسلم أن أبا بكر كان ~~يرى سبى المرتدات ولم ينقل عنه رضى الله عنه نص على ms478 ذلك يحتمل أن من سبى من ~~النساء كن من الكافرات الأصليات ولم يكن أسلمن أصلا وأما اتفاق الصحابة على ~~حرف واحد بعد أن كانوا يقرءون ثم بالحروف المختلفة فذلك نوع مصلحة رأوها ~~لما وقع الاختلاف والتنازع وخافوا المفسدة العظيمة والكلام فيما يرجع إلى ~~الأحكام الشرعية وليس هذا مما نحن فيه. # واعلم أن هذا الذي قلناه كله من الإجماع بعد الاختلاف فأما الاختلاف بعد ~~الإجماع في عصر واحد فهو نبأ على أن انقراض العصر هل هو شرط في انعقاد ~~الإجماع أو لا فإن قلنا شرط فيجوز الاختلاف لأن الإجماع لم ينعقد بعد وإن ~~قلنا: ليس بشرط فلا يجوز وأما في العصرين وذلك بأن يجمع الصحابة على شئ ثم ~~يختلف التابعون فلا يجوز ذلك ويكون اختلاف معاندة ومكابرة والله أعلم. # PageV02P033 ### | فصل: إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين # ذهبت طائفة منهم إلى حكم وصرحت بالتسوية بينهما وذهبت طائفة أخرى إلى حكم ~~آخر وصرحت بالتسوية فهل يجوز لمن بعدهم أن يأخذ بقول إحدى الطائفتين في ~~إحدى المسألتين ويأخذ بقول الطائفة الأخرى في المسألة الأخرى؟. # ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجوز والآخر لا يجوز ووجه الجواز أنهم لم يجمعوا ~~على التسوية بين المسألتين في حكم واحد1 وإنما سووا في حكمين مختلفين فجاز ~~لمن بعدهم الأخذ بالتفصيل وأما وجه عدم الجواز وهو أن جميعهم أجمعوا على ~~التسوية بينهما وهذا التفصيل يمنع من التسوية فصار كما لو أجمعوا على قول ~~واحد فإنه لا يجوز إحداث قول ثاني وهذا الوجه أشبه وأصح. PageV02P033 ### | فصل: ولا يجوز أن يتفق أهل عصر على الجهل بحكم حادثة حدثت في عصرهم # لأنه لا يخلوا من حكم الله تعالى فيها لما نصب من الأدلة عليه فصار الجهل ~~بحكمها إجماعا على الخطأ وقد دللنا أن ذلك لا يجوز ولأن في الإمسال عنها ~~إعراضا عن الأدلة التي توصل إلى الحكم في الحادثة وهذه معصية لا يجوز أن ~~ينعقد عليها الإجماع من الأمة وحين وصلنا إلى هذا الموضع انتهى القول في ~~الإجماع بعون الله تعالى وحسن تأييده ms479 وتيسيره ولما فرغنا من باب الإجماع ~~ووصلنا إلى باب القياس فقد بقيت علينا مسائل شذت عن الأبواب المتقدمة وليس ~~بعض هذه الإبواب المتقدمة بأولى بها من البعض فنذكر اولا تلك المسائل ثم ~~نتكلم في التقليد ثم نشرع في باب القياس حسب ما يأذن الله تيسيره وتسهيله. # اعلم أنا وصلنا إلى باب القياس والاجتهاد وما يتصل بذلك غير أنه قد بقيت ~~مسائل شذت عن الأبواب التي قدمناها ولم تدخل في أبواب القياس ولابد من ~~ذكرها فوجدنا ذكرها أليق بهذا الموضع خصوصا مسألة استصحاب الحال وهل هو حجة ~~أم لا فإن هذه المسائل يصلح أن تكون من توابع الإجماع فنقدم هذه المسألة ثم ~~نذكر سائر المسأئل بعون الله وتوفيقه. # PageV02P034 ### | مسائل تابعة للإجماع ### | مسألة استصحاب الحال # ... # [مسألة استصحاب الحال] # مسألة: استصحاب حكم الإجماع أو غيره من الدلائل إن أمكن في موضع الخلاف ~~أو عند تغيير الحال: # ليس بدليل على الصحيح من المذهب وقال أبو ثور وأبو داود وهو دليل وبه قال ~~المزنى والصيرفى وابن سريج وابن خيران من أصحابنا1. وقال بعض أصحابنا في ~~تفسير استصحاب الحال: أنه استصحاب حكم العموم فيما ورد به وحمله على جميع ~~الأزمان والأوقات مثل أن يقول: صلوا أو صوموا فيحمل ذلك على حكم الصلاة ~~والصوم في عموم الأوقات على الدوام والاتصال فيستصحب حكمه إلى أن يدل الدال ~~على رفعة ونسخه وهذا التفسير ليس بصحيح وهذا الموضع نتفق عليه ولا يجوز أن ~~يسمى هذا استصحاب الحال لأن لفظ العموم دل على استغراقه جميع ما يتناوله ~~اللفظ في أصل الوضع في الأعيان وفى الأزمان فأى عين وجدت ثبت الحكم فيها ~~وأى زمان وجد ثبت الحكم فيه يكون اللفظ دال عليه وتناوله بعمومه فيكون ثبوت ~~الحكم في هذه الصورة من ناحية العموم [لا] 2 من ناحية استصحاب الحال وإنما ~~استصحاب الحال أن يدل الدليل في اثبات حكم ثم يستصحب حكم ذلك الدليل في ~~موضع من غير أن يكون لفظ الدليل تناوله ودل عليه ويقال: تفسيرا استصحاب ~~الحال هو أن يثبت حكم ms480 في حالة من الحالات فيتغير الحال فيستصحب المستدل ذلك ~~الحكم بعينه في الحالة المتغيرة ونقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ~~ومثال ذلك في المتيمم إذا رأى الماء قبل الصلاة وجب عليه التوضؤ فيستصحب ~~هذا الحكم بعد الدخول في الصلاة ويقول من ادعى تغيير الحكم فعليه الدليل ~~وقد يكون ذلك في الدليل العقلى أيضا وذلك مثل ما اختلف الناس في أن الأشياء ~~قبل ورود الشرع على الحظرأو الإباحة أو الوقف وكل قول من هذه الأقوال قد ~~انتحله فريق وزعم أن العقل يدل عليه فالاستصحاب أن تستصحب PageV02P035 # حكم ذلك في موضع على ما كان عليه من إباحة أو حظر أو وقف إلى أن يقوم ~~الدليل الشرعى على خلاف ذلك الحكم فينقله عن حكمه وقد قال الأصحاب: إنه لا ~~خلاف في هذا الموضع أيضا ويجوز الاستدلال بما ذكرناه حتى يقوم الدليل ~~الشرعى على خلافه وإنما الخلاف في الحكم إذا ثبت بدليل وقع الخلاف في ~~استدامته بحادث يحدث مثل ما ذكرنا في المتيمم ومثل المكفر يدخل في الصوم ~~عند عدم القدرة على العتق ثم يجد الرقبة فقال قوم: يخرج من الصوم بالعتق ~~وقال قوم: يمضى فيه ومثل الحائض ثبت في حقها أحكام الحيض قبل العشر فإذا ~~جاوزت العشر لم تستصحب تلك الأحكام ولا يحكم بانقطاعها واستدل من تعلق ~~باستصحاب الحال بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشيطان ~~يأتي أحدكم فينفخ بين أليته فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو ~~يجد ريحا" 1 فقد قضى استدامة الحكم وهو استصحاب الحال ويدل عليه أنه لا ~~خلاف أنه إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة أو تيقين الطهارة وشك في الحدث ~~فإنه يأخذ باليقين ويطرح الشك فكذلك إذا عرض الشك لوقوع الاختلاف في ~~الحادثة لم يجز أن يرفع ما تقدم من اليقين فيها واستدل أبو بكر الصيرفى ~~وقال: إن ابتداء الحكم ثبت بقيام الدليل عليه وفى موضع الخلاف لا يحكم ~~بانتفاء الحكم لعدم قيام الدليل على نفيه وبيان هذا أن ms481 المتيمم إذ دخل في ~~الصلاة فقد حكم الإجماع بصحة صلاته فإذا رأى الماء في خلال صلاته اختلفنا ~~في حكمه فقال بعض الناس: يخرج منها وقال بعضهم: يمضى فيها والخروج حكم ~~والمضى حكم وكل واحد منهما يحتاج إلى دليل فإذا عدم الدليل على وجوب الخروج ~~وعدم الدليل على المضى تقابل الأمران وتساويا ولا يجوز أن يحكم بأحدهما ~~ووجب [إبقاء] 2 الحال على ما كانت عليه وإذا ثبت أن الخروج لا يجب وأن ~~الحال باقية على ما كانت عليه ثبت أن المضى في الصلاة وإتمامهاواجب وقال ~~الصيرفى ولست أقول إن الإجماع مستصحب ودل على بقاء الصلاة ووجوب المضى فيها ~~لأن الإجماع قد زال [عند] 3 رؤية الماء فلا يستصحب حكمه لكني أقول: لا يجب ~~الخروج أو لا يخرج لعدم الدليل عليه ووجب تبقية الحال على ما PageV02P036 # كانت عليه فقالوا: ولأن ما ثبت بالعقل من براءة الذمم يجب استصحابه في ~~مواضع الخلاف فكذلك ما ثبت بالإجماع وجب وأن يكون كذلك هذا لأن الحكم إذا ~~ثبت بدليل من دلائل الشرع لا يجب استدامة الدليل لبقاء الحكم بل يبقى الحكم ~~ويدوم إلى أن يقوم الدليل على قاطع يقطعه ومسقط يسقطة فإذا لم يقم الدليل ~~على سقوطه بقى ثابتا على ما كان من قبل ومن ادعى سقوطه فعليه الدليل ألا ~~ترى: أن من ادعى النبوة وأقام المعجز على ثبوته فإن تجدد إنكار منكر لنبوته ~~لا يجب عليه إقامة المعجز ثانيا بل النبوة على ثباتها بالدليل الذي أقامه ~~من قبل فيستمر الثبوت ولا يلتفت إلى قول المنكر ولا حجة على المنكر في هذه ~~الصورة إلا من جهة استصحاب الحال وعلى هذا إذا عرفنا فراغ ذمة الإنسان يحكم ~~أن الأصل فراغه فلو ادعى عليه إنسان حقا فإن القول قول المنكر لأن الأصل ~~فراغ ذمته فصار استصحاب الأصل الذى عرفناه دليلا في دفع دعوى المدعى عنه ~~وكذلك إذا ثبت الملك لإنسان فنازعه منازع يكون القول قول من في يده وإنما ~~جعلنا القول قوله باستصحاب الحال التي تقدمت فدل أن ms482 استصحاب الحال حجة في ~~الأحكام معمول بها وعلى هذا نقول من اشترى أخاه أو عمه لم يعتقه عليه لأن ~~الأصل بقاء ملكه الثابت بالشراء فمن ادعى زواله فعليه الدليل. # فأما الدليل على أن استصحاب الحال ليس بحجة هو أن المستصحب ليس له في ~~موضع الخلاف دليل لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع فلا يجوز له إثبات ~~الحكم فيه. دليله: ما إذا لم يتقدم موضع الخلاف إجماع وإنما قلنا لا دليل ~~له لأن دلائل الشرع معلومة من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ولم ~~يؤخذ شيء من هذا في هذه الصورة أما الكتاب والسنة فلا شك في انعدامها ها ~~هنا وكذلك القياس وأما الإجماع فقد كان ثابتا لكنه قد زال وإذا انعدمت ~~الدلائل فما قالوه إثبات حكم بلا دليل وقد نذكر صورة حتى يتبين الكلام ~~فنقول: المستدل باستصحاب الحال في مسألة التيمم إذا رأى الماء في الصلاة لا ~~يخلو إما أن يشترك بين الحالتين في وجوب الوضوء لاشتراكهما فيما يدل على ~~وجوب الوضوء فإن قال ذلك فليس هذا بدليل بل ينبغي أن يتبين للخصم اشتراك ~~الموضعين فيما يدل على وجوب الوضوء وإما أن يشترك بينهما في الحكم ~~لاشتراكهما في علته وهذا قياس وإما أن يشترك بينهما بغير دلالة ولا علة ~~فليس هو بأن يجمع بينهما بأولى بأن لا يجمع بينهما وهذا لأن عدم الدليل لا ~~يكون حجة فإن قالوا: إن حدوث الحادث لا يغير الأحكام فحدوث الصلاة لا يغير ~~حكم وجوب الوضوء قيل له: لا # PageV02P037 # يمتنع أن يختلف الشرع بحدوث الحوادث ولهذا يجوز أن يرد نص بإسقاط الوضوء ~~عن الرائى للماء في الصلاة مع وجوبه على من رآه قبل الصلاة واستدل أبو زيد ~~في هذه المسألة وقال: إن ثبوت الشئ أو عدم الشئ غير موجب ثبوته ولا عدمه ~~يعنى في المستقبل ويجوز حال العدم ثبوت حالة موحدة ويجوز في حال ثبوت وجود ~~علة معدمة ألا ترى أن عدم الشراء لا يمنع وجود الشراء وكذلك لا يمنع وجود ~~سائر ms483 الأسباب وهذا لأن العدم ليس بشئ فيستحيل أن يكون مانعا حدوث شئ وكذلك ~~وجود الشئ ليس بعلة لبقائة بل يبقى لعدم ما يزيله كالملك في باب البيع ~~والحل في باب النكاح وعلى هذا حياة الانسان لا يوجب بقائها ولا يمنع نزيان ~~الموت قال: وإذا ثبت هذا فمن أراد إثبات إدامة الحالة الماضية في المستقبل ~~ثبوته في الماضي وثبوته لا يوجب بقائة كان محتجا بلا دليل يدل عليه أن ~~الثابت لا يزول إلا بدليل بالإجماع فإن كان الاختلاف في الزوال اختلافا في ~~دليله فالذي يدعى الزوال يدعى دليلا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على ~~غيره كما أن دعوى هذا لا يكون دليلا عليه فثبت أن مستصحب الحال متشبث ~~بإنكاره الدليل بلا دليل فإن قيل: الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح وثبوت ~~النص حجة لا توجب البقاء أيضا فلا يمنع الانتساخ بنص آخر ومع ذلك بقى الحكم ~~قلنا: أما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتمل الحكم الانتساخ قطعا ~~وإذا لم يتصور النسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ثبوته دليل ~~بقائه وإن تصور دعوى ناسخ له فلا يكون ثبوته من قبل بلا ناسخ دليلا عليه ~~قالوا: ومستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب ~~بقاؤه انتهى كلام أبو زيد وقال بعض أصحابنا: إن الاحتجاج باستصحاب الحال ~~يؤدى إلى التعارض والتكافؤ في الأدلة لأنه ما من أحد يستصحب حال الإجماع ~~موضع الخلاف في صحة فعل أو سقوط فرض إلا ولخصمه أن يستصحب حالة الإجماع في ~~مقابلته وبيان ذلك أنه متى قال في التيمم إذا رأى الماء في صلاته إن صلاته ~~لا تبطل لأنا أجمعنا على صحة صلاته وانعقاد إحرامه ولا يجوز إبطال ما ~~أجمعوا عليه لا بدليل تعارض الخصم فنقول: أجمعنا على اشتغال ذمته بفرض ~~الإسلام فلا يجوز إسقاط ما أجمعوا عليه إلا بدليل فلا يكون التعلق بأحد ~~الإجماعين بأولى من التعلق بالآخر وما أدى إلى مثل هذا يكون باطلا وأما ~~الجواب عن الخبر ms484 قلنا نحن لا نمنع من تعدى الحكم من حالة إلى حالة بدلالة ~~وإنما نمنع لا بدلالة وقول النبي صلى الله عليه وسلم دلالة # PageV02P038 # وأما مسألة الطهارة: فهناك يقين الدلالة أو يقين الحدث ما زال وها هنا ~~الإجماع قد زال والأولى أن نقول إنه في موضع يقين الطهارة وشك الحدث إنما ~~أخذنا باليقين لأجل الخبر وأما في موضع يقين الحدث والشك في الطهارة كان ~~الأخذ باليقين قياسا على الصورة الأولى وأما الذي استدل به الصيرفى فليس ~~بشئ لأن نهاية ما في الباب أنه يقابل الاحتمالان على ما ذكر لكن لا دليل ~~على بقاء الصلاة فإن قالوا: إذا ثبت يبقى قلنا: قد ذكرنا أن ثبوته لا يكون ~~دليل بقائه فبقى أنه يقول: انعدام الدليل المبطل للصلاة وعدم الدليل لا ~~يكون دليلا فإن قالوا: إذا لم يقم دليل يوجب بطلان الصلاة فهنا قيل له من ~~ادعى البقاء وهناك منازع يمنع البقاء فلابد له من دليل يقيمه عليه ولا دليل ~~له على ما سبق فأما إذا عدم المنازع بقى على ما كان أما عند وجود المنازع ~~لابد من دليل يكون حجة عليه ولم يوجد فإن رجعوا إلى قولهم أن الأصل ثبات ~~الأحكام ودوامها قلنا بلى ولكن ما لم تحدث هذه الحادثة فإما عند حدوث ~~الحوادث فلم قلت هذا وعلى أن قلنا: إن البقاء الذي وقع التنازع فيه لابد من ~~دليل يقام عليه ولم يوجد فأما قولهم إن دليل العقل في براءة الذمم يجعل ~~دليلا وحجة فكذلك دليل الشرع قلنا إنما وجب استصحاب براءة الذمم لأن دليل ~~العقل في براءة الذمة قائم في موضع الخلاف فوجب الحكم به وأما ها هنا ~~فالإجماع الذي كان دليلا على الحكم قد زال في موضع الخلاف فوجب طلب دليل ~~آخر. # والجواب: المعتمد أنا لا نقول تثبت براءة ذمته باستصحاب الحال ولا يحكم ~~بكون الشئ له باستصحاب الحال لكن يطلب من المدعى حجة يقيمها على ما ادعاه ~~فإذا لم تقم بقى الأمر على ما كان من غير أن يحكم بثبوت ms485 شئ والخلاف واقع في ~~ثبوت الحكم باستصحاب الحال وهذا لا نقوله في موضع ما وقد قال أبو زيد: إن ~~استصحاب الحال يصلح دليلا. لتبقيه حكم قد كان ثابتا ولا يصلح دليلا لإثبات ~~حكم لم يكن ثابتا وربما نقول: هو حجة دافعة ولا يكون حجة مثبته وهذه العلة ~~تنقض ما سبق من كلامه من قبل والأصح على مذهبنا أن استصحاب الحال لا يكون ~~حجة في شئ ما وسائر ما ذكروه من الاستشهاد خارج على ما بيناه وأما الذي ~~تعلقوا به من النبى إذا أقام المعجزة قلنا إذا ما أقام المعجزة ثبت كونه ~~نبيا فيجب على كل أحد الإيمان به فكان سقوط إمكان من ينكر ثبوته من هذا ~~الوجه لا من قبل دليل استصحاب الحال والله أعلم. # PageV02P039 ### | مسألة: النافي للحكم يجب عليه الدليل المثبت # وقال أصحاب الظاهر: لا دليل عليه1 واستدل من قال: أنه لا دليل عليه بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" 2 والبينة ~~حجة وقد جعلها على مدعى الثبوت لا على مدعى النفى فثبت أن النافي لا دليل ~~عليه. # ببينة: أن أهل العلم اتفقوا على قولهم: إن القول في الدعاوي قول المدعى ~~عليه ومعنى قولهم إن القول قوله أنه لا دليل عليه ومعنى قولهم أنه لا يقبل ~~دعوى المدعى أن الدليل عليه وكذلك أجمعوا أن من أنكر النبوة لا دليل عليه ~~وإنما الدليل على من ادعى النبوة. # ببينة: أن أقوى الخصومات في البينات والنبي صلى الله عليه وسلم: كان ~~مثبتا والقوم كانوا نفاة وما كان لهم حجة سوى أنه لا دليل على النبوة وإذا ~~كان الأمر على ما قلنا في النبوة وسائر الدعاوي كذلك ها هنا يجب أن تكون ~~الحجة على من أثبت الحكم لا على من نفاه قالوا: ولأن معنى قولنا لا دليل ~~على النافى هو أنه لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشئ والدليل ~~يحتاج إليه لشئ هو مدلول عليه فإذا لم يكن العدم شيئا لم يحتج المتمسك به ~~إلى ms486 دليل حتى يدل عليه وأما دليلنا هو أن النفى لكون الشئ حلالا وحراما حكم ~~من أحكام الدين كالإثبات والأحكام لا تثبت إلا PageV02P040 # بأدلتها وكل من ادعى في شئ من الأشياء حكما من إثبات أو نفي فعليه إقامة ~~الدليل عليه بظاهر قوله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: ~~64] ثم الدليل على ما قلناه من جهة التحقيق هو أن النافى فيما نفاه لا يخلو ~~من أحد الأمرين إما أن يدعى العلم بنفى ما نفاه أو لا يدعى العلم بانتفائه ~~بل إنما يخبر عن جهله وشكه فإن كان يخبر عن جهله وشكه1 فالدليل عنه ساقط ~~لأن أهل النظر قاطبة لا يوجبون على من يدعى الشك والجهل دليلا ولا يقال لمن ~~جهل أو شك: لما جهلت أو شككت ولو رام المدعى لذلك إقامة دليل عليه لم يمكنه ~~ذلك إن كان النافى يدعى العلم بصحة ما نفاه فقال: من أين علمت نفى ما نفيته ~~باضطرار أو باستدلال؛ ولا يمكنه دعوى الضرورة لأنه لو كان ضرورة لشاركناه ~~في ذلك وإن قال: بدليل علمت نفى ما نفيته سئل عن ذلك هل هو حجة عقل أو سمع؟ ~~فإن قال: سمع قلنا له: بين ذلك فإن قال: بعقل قلنا له: بين ذلك فدل أنه ~~لابد من دليل يقيمه واعلم أنه لا خلاص لهم من هذه المطالبة إلا بدعوى علم ~~الضرورة وهذا باطل أو بدعوى جهله بانتفاء ما نفاه فتزول عنه المطالبة أيضا ~~لأنه لا مطالبة على الجهلة فأما تمنى زوال الحجة مع دعوى وجود العلم ~~بانتفاء المنتفى غير متصور قال أبو زيد: قول القائل لا دليل لا يكون دليلا ~~كما أن قوله لا حجة ولا يكون حجة مثل قول الإنسان لا زيد ولا عمرو ولا يكون ~~زيد ولا عمرو فصار المتمسك بالنفى متمسكا بعدم الدليل وعدم الدليل لا يكون ~~دليلا يدل عليه إن دعوى خصه أنه وجد الدليل يعارض قوله إنه عدم الدليل فلا ~~يكون قوله حجة على خصمه كما لا يكون قول خصمه حجة عليه قالوا ms487 إن النافى ~~متمسك بالعدم والعدم غير محتاج إلى الدليل فإن الشئ الذي هو مدلول يحتاج له ~~إلى الدليل فأما العدم فليس بشئ فلا يحتاج إلى الدليل وهذا السؤال يفسد بما ~~قلناه من قبل وهو أن النافى يدعى العلم بانتفاء الشئ ودعوى العلم بانتفاء ~~الشئ لا يجوز إلا أن يكون عن دليل نعم دعوى الجهل لا يحتاج إلى الدليل فأما ~~دعوى العلم فلا يستغنى عن الدليل بحال وأما دليلهم قلنا: إن لا دل فهو خارج ~~على ما قلنا لأنا لا نقول إن المدعى عليه إذا ادعى أنه لا شئ عليه أنه ~~ينتفى عنه الحق بإنكاره ونفيه. بل نقول: لا دليل على ثبوت الحق عليه فلا ~~يحكم بالثبوت ومعنى قولنا: إن القول قوله هو أنه لا يقبل دعوى المدعى ~~PageV02P041 # عليه ويترك الأمر على ما كان عليه من قبل ثم يمينه تكون حجة لقطع الخصومة ~~وعلى أنه يمكن أن يقال: إن حجته في إنكاره ونفيه الوجوب عن نفسه يمينه فإن ~~سقطت البينة عنه لم يسقط عنه اليمين التي تقوم مقامها في هذا الجانب فالله ~~تعالى جعل اليمين حجة في جانب المدعى عليه كما أن البينة حجة في جانب ~~المدعي وفى دعوى الأعيان يجوز أن يقال: إن اليد للمدعى عليه حجة فيما يدعيه ~~من كون الشئ ملكا له والحجة مختلفة فيجوز أن تكون اليد حجة ويجوز أن تكون ~~البينة حجة وأحسن الأجوبة هو الجواب الأول وأما تعلقهم بمنكر النبوة قلنا: ~~من ينكر النبوة إذا قطع بالنفى وقال: لست بنبى فإنه يجب عليه إقامة الدليل ~~على نفيه وهو أنه يقول لو كنت نبيا مبعوثا لكان معك دليل يدل على صدقك لأن ~~الله عز وجل لا يبعث رسولا إلا ومعه دليل يدل على صدقه ومهما لم أر معك ~~دليلا دلنى ذلك أنك لست بنبى وإن لم يقطع بالنفى وقال: لا أعلم أنك نبى أو ~~لست بنبى فهذا لا دليل عليه لأنه شاك والشاك لا دليل عليه وأما في مسألتنا ~~فصورة الخلاف في موضع يقطع بالنفى ولا ms488 يجوز أن يقطع بالنفى إلا عن دليل ~~يقتضيه ويوجبه فإن قيل: أليس لو نفى صلاة سادسة لا يكون عليه دليل. قلنا: ~~لابد في نفيها من دليل يقيمه عليه وهو أن يقول إن الله تعالى لا يقيد خلقه ~~بفرض إلا وأن يجعل إلى معرفته طريقا من جهة الدليل ولما لم نجد ما يدلنا ~~على الوجوب دلنا ذلك على أنه لا واجب وقد قال: بعض أصحابنا يقال: لمن زعم ~~أنه ليس على النافى دليل قلت هذا بدليل أو بغير دليل فإن قال قلته بدليل ~~فقد اعترف للنافى عليه دليل وإن قال: قلته بلا دليل يقال: له مم يتفضل عمن ~~يقول أنا أنفى صحة ما تعتقده من هذا القول وأتمسك بأن النافى لا دليل عليه ~~وهذا فصل يعتمد في إظهار المناقضة عليهم في قولهم وسئل أبو زيد سؤالا وأجاب ~~عنه وهو فإن قيل: أليس أن ما يثبت بالدليل وهو مما ينفى بلا دليل فقد أثبتم ~~البقاء في هذه الصورة بلا دليل؟ والجواب: أنه يبقى على ما قلته لكن بقاء ~~يحتمل الارتفاع والمحتمل لا يكون حجة في إثبات ما ليس ثابت والحكم في حق ~~الخصم غير ثابت فاحتيج إلى إثباته فما يكون محمتلا لا يكون حجة في حقه ثم ~~قال: على هذا مسائل منها الصلح على الإنكار فإنه جائز عندنا غير جائز عند ~~الشافعي رحمة الله عليه لأن الله تعالى خلق الذمم بريئة عن الحقوق فثبت ~~براءة ذمة المنكر بالدليل الأصلي في براءة الذمم ولم يقم دليل على شغل ذمته ~~قال: وعدم الدليل حجة في # PageV02P042 # إبقاء ما يثبت بالدليل عند الشافعى رحمة الله عليه فلم يجز شغل ذمته ~~بالدين فلم يصح الصلح. قال: وعندنا الصلح على الإنكار جائز ونقول: قول ~~المنكر ليس بحجة على المدعي كقوله المدعي ليس بحجة على المنكر وعدم الدليل ~~على شغل الذمة لا يكون حجة للمنكر على المدعى كقول المدعي: إن المال ثابت ~~لم يكن حجة على المنكر وربما عبر عن هذا فقال: عدم الدليل ليس بحجة لإبقاء ~~ما ثبت ms489 بالدليل فيجوز شغل ذمته بالدين على معنى أن المال يكون ثابتا في حق ~~المدعي في ذمة المنكر وأما البراءة تكون ثابته في حق المنكر خاصة وهذا لأن ~~خبر كل واحد منهما يكون حجة في حق نفسه دون خصمه ولما كان المال في حقه ~~ثابتا يكون خبره حجة شرعا مع اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر لأن تلك ~~المعارضة ليس بحجة في حق المدعي فيبقى الأمر على ما كان قبل المعارضة وهذا ~~كما صح شراء من شهد بالعتق ثم اشترى وإن كان العتق ثابتا في حقه وهذا يؤاخذ ~~به بعد الملك لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيع البائع واعتياضه عن عبد ~~كان ملكا له بخبر هو حجة في حقه لا غير وإن عارضه لخبر المشتري لأنه ليس ~~بحجة عليه وهذا لأنه لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل فذلك الدليل ~~الذي أوجب ثبوته لا يوجب بقاؤه بل البقاء لاستغنائه عن الدليل غير أنه لما ~~لم يكن واجب البقاء وكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتى ~~طرفان ما يزيله فيصير قول القائل وقد طرأ ما يزيله محتملا للصدق كقوله لم ~~يقم الدليل فلا يصير حجة على جاحد منهما قال: ولأن الذي اعتمد عدم الدليل ~~لبقاء ما ثبت بدليله اعتمد معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة ~~عليه وإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم ~~بالأدلة ويجوز أن يعلم خصمه دليلا ثم يبلغه ومن ادعى أنه علم كل شئ لا ~~يناظره ويكون متعنتا جاهلا وهذا كما كان يجوز في زمن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقواما دون أقوام ~~فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورا في العلم بالمنسوخ ولا يكون جهله بالناسخ ~~حجة على من بلغه الناسخ فكذلك الحجج اليوم يجوز أن يبلغه حجة منها شخصا دون ~~شخص فلا يكون قوله دليل حجة على خصمه قال: ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج ~~بعد ms490 التحريم في إثبات الحل في قوله عز وجل: {قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] لأن الله تعالى هو المحرم ولا يخفى ~~عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود فثبت العدم على التابعين أجمع بقول ~~الله تعالى # PageV02P043 # فيلزمهم البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله أعنى الحل هذا كلام أبى ~~زيد ذكره في أصوله الذي سماه: "تقويم الأدلة" وهذا الذي قاله تكلف شديد ~~وبنى على هذا الأصل مسائل أخر وطول الكلام تطويلا كثيرا ولم أر كثير فائدة ~~فيه وفى ذكره ونحن نقول: إن عدم الدليل ليس بحجة في موضع ما والذي ادعاه ~~حكى الشافعى رحمه الله عليه من مذهبه فيما قاله لا ندرى كيف وقع له ذلك ~~والمنقول عن الأصحاب ما قدمناه. # وأما مسألة الصلح على الإنكار: فقد بينا وجه فساده في مسائل الخلافيات ~~وكم من أصول ذكروا لنا بنوا عليها مسائل من الخلاف ولا نعلم صحة تلك الأصول ~~على مذهب الشافعى رحمة الله عليه وذكر أيضا مسألة الشفعة على هذا الأصل أو ~~كان جارا على أصلهم فأنكر المشترى أن يكون الشقص ملكا له قال: عند الشافعى ~~رحمة الله عليه لا يلتفت إلى إنكاره ويثبت له حق الأخذ بالشفعة بظاهر ملكه ~~قال: وعندنا ليس له حق الشفعة حتى يقيم البينة أن الشقص ملكه والله أعلم. # "فصل" # وقد ذكر بعض أصحابنا في الحكم بأقل ما قيل وذلك أن يختلف المختلفون في ~~مقدر بالاجتهاد على أقاويل فيؤخذ بأقلها عند إعواز الدليل وهذا على ضربين: # أحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة فإن كان الاختلاف في وجوب الحق ~~وسقوطه كان سقوطه أولى من وجوبه لموافقته براءة الذمة الإ أن يقوم دليل على ~~ثبوت الوجوب فيحكم بوجوبه بدليل وإن كان الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على ~~وجوبه كدية الذمى إذا وجبت على قاتله فقد اختلفت الفقهاء في قدرها فقال ~~بعضهم هى كدية المسلم. وقال بعضهم: نصف دية المسلم وقال بعضهم: ثلث دية ~~المسلم وهذا مذهب الشافعي رحمة الله عليه وهل ms491 يكون الأخذ بالأقل دليلا حتى ~~ينقل عنه اختلف فيه أصحاب الشافعى رحمة الله على وجهين أحدهما يكون دليلا ~~والآخر لا يكون دليلا. # والضرب الثاني: أن يكون فيما هو ثابت في الذمة كالجمعة الفائت فرضها ~~اختلف العلماء في عدد انعقادها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة ~~بها فلا تبرأ الذمة بالشك. # PageV02P044 # وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا؟!! على وجهين: # أحدهما: يكون دليلا ولا ينقل عنه إلا بدليل لأن الذمة تبرأ بالأكثر ~~إجماعا وبالأقل خلافا وجعلها الشافعى رحمة الله عليه منعقدة بالأربعين لأن ~~هذا العدد أكثر ما قيل. # والوجه الثاني: لا يكون الأخذ بالأكثر دليلا لأنه لا ينعقد من الاختلاف ~~دليل والشافعى رحمة الله عليه إنما اعتبر عدد الأربعين بدليل آخر1 ولست أرى ~~في هذه الكلمات كثير معنى لكنى نقلت على ما ذكر والله تبارك وتعالى أعلم. ~~PageV02P045 # مسألة: فهذه ### | مسألة الحظر والإباحة # أوردنا في هذا الموضع لما بينا من شذوذها عن الأبواب المتقدمة وعدم ~~دخولها في باب القياس ومعرفة هذه المسألة أصل كبير في مسائل كثيرة ولابد من ~~تقديم مقدمة ينبنى عليها ما يتلوها وهى أن الحظر والإباحة والحسن والقبيح. ~~ثم يعرف فاعلم أن الذي ذهب إليه أكثر أصحاب الشافعى رحمة الله عليه أن ~~التكليف يختص بالسمع دون العقل وأن العقل بذاته ليس بدليل على تحسين شئ ولا ~~بتقبيحه ولا حظره ولا إباحته ولا يعرف حسن الشئ وقبحه ولا حظره ولا تحريمه ~~حتى يرد السمع بذلك وإنما العقل آلة يدرك بها الأشياء فيدرك به ما حسن وقبح ~~وأبيح وحرم بعد أن يثبت ذلك بالسمع وقد ذهب إلى هذا المذهب من المتكلمين ~~جماعة كثيرة وهم الذين امتازوا عن متكلمى المعتزلة وذهب إلى هذا أيضا جماعة ~~من أصحاب أبى حنيفه وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن العقل مدخلا في التكليف ~~وأن الحسن والقبح ضربان ضرب علم بالعقل وضرب علم بالسمع وأما المعلوم حسنه ~~بالعقل فهو العدل والصدق وشكر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم قبحه بالعقل ~~فنحو الظلم والكذب وكفر النعمة وغير ذلك وأما المعلوم ms492 حسنه بالشرع فنحو ~~الصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه ذلك وأما المعلوم قبحه بالشرع فنحو ~~الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك قالوا وسبيل السمع إذا ورد بموجب العقل أن ~~يكون وروده مؤكدا لما في العقل إيجابه وقضيته وزعموا أن الاستدلال على ~~معرفة الصانع واجب بمجرد # PageV02P045 # العقل قبل ورود الشرع ودعا الشرع إليه وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم والذي ~~ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشى والصيرفى وأبو بكر الفارسي ~~والقاضى أبو حامد وغيرهم وذهب # الحليمى أيضا من المتأخرين وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبي حنيفة1 خصوصا ~~العراقيون منهم واستدلوا في ذلك. وقالوا: إن الله تعالى وبخ الكفار على ~~تركهم الاستدلال بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه في أنفسهم ~~وغيرهم من الخليقة وأصنافها من الآيات والعلامات فقال: {لآيات لأولي ~~الألباب} [آل عمران: 19] وقال: {لأولي النهى} [طه: 54] وقال: {أفلا تعقلون} ~~[البقرة: 76] وقال: {لقوم يعقلون} [العنكبوت: 35] وقال تعالى: {إن في ذلك ~~لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37] أي عقل وقال تعالى حاكيا عن أهل النار: ~~{وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] والآيات ~~على هذا المعنى تكثر في القرآن فلو كان العقل لا يدلهم على وجوب ذلك إذا ~~رجعوا إليه لم يوبخوا على ترك الاستدلال بها. # ببينة: أن الله تعالى لم يخل شيئا من العالم عن دلالة على وحدانيته ولم ~~يترك خلقه سدى مع إكمال عقولهم وإزاحة العلل عنهم وتمهيد الأسباب التي يصح ~~بها معارفهم فلو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر في هذه الأشياء ~~لخرج الأمر في ذلك عن وجه الحكمة ولبطلت فائدة العقول التي أعطاهم وصاروا ~~بمنزلة البهائم التي لا تحتاج إلى تكليف وحين لم تعط آلته ولم يجعل لها ~~استطاعة وهم في هذا الكلام كثيرا ثبوتا إلى طرف من ذلك واقتصرنا عليه لأن ~~المسألة من باب الكلام أما الدليل على القول الأول وهو الصحيح وإياه نختار ~~ونزعم أنه شعار أهل السنة قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ~~[الإسراء: 15] ولم يقل حتى نركب ms493 فيهم عقولا فلما كان العذاب غير واقع إلا ~~بالخطاب دل أن الإيجاب غير واقع إلا به وقال تعالى حكاية عن الملائكة في ~~خطابهم مع أهل النار: {ألم يأتكم رسل منكم} [الزمر: 71] وقال: {ألم يأتكم ~~نذير} [الملك: 8] في آى غير هذا مما هو في معناه فدل أن الحاجة إنما لزمتهم ~~بالسمع دون العقل وقد ورد نص القرآن بهذا وهو قوله تعالى: {رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] فدل أنه لا ~~حجة PageV02P046 # بمجرد العقل بحال. وقال تعالى: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد ~~جاءكم بشير ونذير} [المائدة: 19] ونحن نعلم قطعا أن الكفار كانت لهم عقول ~~ولهذا توجه التكليف عليهم فلو كانت الحجة توجهت عليهم بعقولهم لم يكن لهذه ~~الآيات معنى أصلا فإن قالوا: ورد الشرع بما ورد به مؤيدا لما في العقل وذلك ~~لأن العقل لايدل على من آمن وجبت له الجنة خالدا مخلدا أبدا ولا يدل أن من ~~كفر وجبت له النار خالدا مخلدا فإن هذا مما لا يهتدى إليه العقل وإذا كان ~~الوعد والوعيد على هذا الوجه ثبت بالسمع فلهذا في هذه الآيات التي ذكرتم ~~أضاف ما أضاف إلى السمع وإلى ما أراد به الرسل. # والجواب: أنه ليس فيما قلت انفصال عمن ذكرناه لأن الله تعالى بين أن ~~الحجة لا تتوجه إلا بالرسل وبين أن التوبيخ لحقهم في النار لبعث الرسل وبين ~~أن عذرهم انقطع بالرسل وهذا في قوله تعالى: {فقد جاءكم بشير} [المائدة: 19] ~~وعندهم أن الحجة متوجهة في الإيمان بالله بمجرد العقل والتوبيخ لاحق إياهم ~~بغير رسول والعذر منقطع بغير نذير ولا بشير وأما الآيات اللاتى ذكروها فنحن ~~نقول: إن العقل آلة التمييز وبه تدرك الأشياء ويتوصل إلى الحجج وإنما ~~الكلام في أنه بداية هل يستقل بإيجاب حله وتحريمه وأما قولهم: إنه لا يجوز ~~في الحكمة خلق الإنسان تكميل عقله وتركه سدى وعندنا أن عدم جواز هذا لا ~~يعرف بالعقل أيضا ثم نقول ومن يوافقكم أن الإنسان إذا خلقه الله ms494 تعالى وركب ~~فيه العقل فإذا لم يلزمه الاستدلال به تركناه سدى وعطلنا فائدة العقل فإن ~~الله تعالى إنما أعطاه العقل ليستدل به في الأمر والنهى إذا خوطب يميز به ~~بين الحسن والقبيح إذا ورد بالسمع بهما فإذا كان كذلك فلم يخلق سدى لأن ~~السمع قد ورد بالتكليف وإدراك ذلك بالعقل فقد وصلت فائدته وثمرته فبطل ما ~~قالوه فإن قيل لو كان الاستدلال على التوحيد لا يجب بمجرد العقل لكان يجوز ~~ورود الشرع بإسقاطه وإباحة الكفر وإيجابه وحين لم يجز هذا عرفنا أن الوجوب ~~كان بالعقل قيل له: قد وردالشرع بإباحة الفاظ عند الضرر إذا قالها الإنسان ~~باختيار منه يكون كفرا ألا ترى أنه إذا كان مكرها فإنه يرخص له في أنه ~~يقولها إذا كان لا يعتقدها بقلبه ولا يكون قوله ذلك كفرا. وكذلك يرد مثل ~~هذا في الأفعال وذلك مثل السجود للصنم وعباده الشمس والقمر وغير ذلك فإنه ~~إذا فعل هذه الأشياء تقية من عقوبة الكفار وكان مع ذلك مطمئن بالإيمان لم ~~يكفر فإن قيل: إنما يلزمكم # PageV02P047 # ورود الشرع بأن يعتقد فيه الإنسان ما هو من خلاف أوصافه قلنا لا يجوز ~~لاستحالته في نفسه وبيان ذلك أن الأمر لا يلزم إلا بمعرفة الأمر على أوصافه ~~فإذا أمرنا لاعتقاد فيه على خلاف ما هو به كان قد وجب الاعتقاد فيه على ما ~~هو به ويستحيل وجود أمر بمأمور هذا وصفه ويكون متناقضا ولا يمكن اعتقاد ~~المتناقض ونحن وإن قلنا: إن العقل لا يوجب شيئا ولا يحرمه ولكن نقول إنه ~~آلة الدرك والتمييز والمستحيل لا يدرك فسقط عنه الدرك والأولى أن نقول: ~~إنما عرفنا أن الله عز وجل لا يكلفنا بما قلتم من اعتقاد الكفر ومعرفته على ~~خلاف ما هو به الشرع قال الله تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} وأفحش ~~الفواحش الكفر وقال تعالى: {ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له كن فيكون} [مريم: 35] . وهذه مسألة كلامية فالأولى هو ~~الاقتصار على هذا القدر والمبالغة ms495 في مثل هذا النوع لا يؤمن فيه من ~~المعفوات وأن يقال على الله تعالى ما لا يجوز وإنما ذكرنا القدر الذي ~~ذكرناه لأنه كان من مسألة عظيمة في أصول الفقه ولأن مرجع ما يصير أليه أهل ~~السنة في هذه المسألة إلى الآيات التي ذكرناها. وهو أيضا أصل كبير ولعله ~~يحتاج إليه في مسائل من الفقه فذكرنا هذا القدر لئلا يكون الفقيه أجنبيا ~~عنه ويعرف طرفا منه والله تعالى يهدى ويرشد ويوفق بمنه. # مسألة: إذا عرفنا الأصل الذي قد بيانه رجعنا إلى المسألة المقصودة ~~المختصة بأصول الفقه فنقول: اختلف العلماء في الأعيان المنتفع بها ما حكمها ~~قبل ورود الشرع قال كثير من أصحابنا: إنها على الوقف لا نقول إنها مباحة ~~ولا محظورة وهو قول الصيرفى وأبو بكر الفارسي وأبى على الطبرى وبه قال أبو ~~الحسن الأشعرى ومن ينتمى إليه من المتكلمين وقال بعض أصحابنا إنه على الحظر ~~إلا أن يرد الشرع بإباحتها وهو قول بعض البغداديين من المعتزلة وقال القاضى ~~أبو حامد المروزى وأبو إسحاق المروزى وحكى ذلك أيضا عن ابن سريج أنها على ~~الإباحة أيضا وهو قول أصحاب أبى حنيفه وإليه ذهب أكثر المعتزلة1. واحتج من ~~ذهب إلى الإباحة بقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] وهذا لتحريم الإباحة دل PageV02P048 # أن الله تعالى خلق الأشياء على الإباحة حيث أنكر على من يعتقد التحريم ~~واستدلوا من حيث المعقول وهو أن الانتفاع بالعين أكلا في المأكول وشربا في ~~المشروب وركوبا في المركوب ولبسا في الملبوس منفعة ليس فيها وجه من وجوه ~~القبح فكان حسنا والعقل يجوز فعل المستحسنات وإنما قلنا: إنه منفعة لأنا ~~نعلم قطعا أن أكل الفاكهة منفعة وشرب الماء كذلك وكذلك كل ما أشبهه وأما ~~قولنا: إنه انتفى عند وجوه القبح لأنه انتفى عنه اتصال مضرة يأخذ وهذا ~~النوع من الفعل لو كان قبيحا لكان وجه قبحه اتصال ضرر منه بغيره لأنه ليس ~~في نفسه بكذب ولا جهل ولا كفر لمنعم إنما يبقى ms496 وجه قبحه أن يظلم به غيره ~~ويتصل منه ضرر بذلك الغير ولا شك أن هذا منتف فثبت حسنه من هذا الوجه ~~قالوا: ولا يجوز أن يقال: إنه يجوز أن يكون قبيحا فإذا لم نأمن كونه قبيحا ~~لم يجز فعله وذلك لو كان قبيحا ومفسدة لوجب في الحكمة تعريفنا كونه مفسدة ~~أو نصب أمارة عليه فلما لم يوجد ذلك علمنا أنه ليس فيه مفسدة ولا قبح أصلا. # ببينة: أنا إذا لم نعلم وجه قبح جاز لنا هذا الانتفاع كالتنفس في الهواء ~~لما لم يعلم قبحه جاز لنا ذلك وقرروا هذا الكلام من وجه آخر وهو أن النفع ~~بالعين يدعو إلى الفعل فإذا خلا من وجوه القبح وخلا من أمارة الضرر ~~والمفسدة حكم بحسنه وعلى هذا التقرير يقولون: إن المعتبر هو الأمارة ~~والدليل وعلى أن المعتبر هو أمارة الضرر والمفسدة أن العقلاء لا يلومون من ~~امتنع من الفعل لتجويز الضرر إذا كان هناك أمارة ويلومون من امتنع لمجرد ~~التجويز إذا لم يكن عليه أمارة الا ترى أنهم يلومون من امتنع من أكل طعام ~~شهى لتجويز كونه مفسدة إذا لم يكن عليه أمارة بأن يقول هو مسموم ولا ~~يلومونه إذا امتنع من أكله إذا كانت هناك أمارة تدل على ما قاله وكذلك ~~يلومون من امتنع من القيام بجنب حائظ لخوف سقوطه إذا لم يكن هناك أمارة ولا ~~يلومون إذا امتنع وهناك أمارة من ميل أو فساد أساس وما أشبه ذلك فثبت أن ~~المعتبر وجود الأمارة على كونه مفسدة أو مضرة ولم يوجد ها هنا فقضى بحسن ~~الفعل بدليل ما بينا يدل عليه أنه لو قبح الإقدام على المنفعة لجواز كونها ~~مفسدة لقبح الإحجام عنه أيضا لجواز كونه مصلحة وفى هذا إيجاب الانفكاك ~~منهما وهو إيجاب لما ليس في طوق الإنسان ووسعة قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن ~~القبح إنما كان لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن فلم قلتم: إن هذا قبيح فإن ~~قاسوه على تصرف بعضنا في ملك بعض فهذا # PageV02P049 # قياس باطل ms497 لأن معنى الملك فينا وفى الله مختلف فالجمع بين ملكنا وملك ~~الله لا يجوز وإنما قلنا: إنه يختلف لأنه معنى كوننا مالكين للشئ هو أنا ~~أحق بالانتفاع به من غيرنا على الإطلاق وذلك مستحيل على الله عز وجل ومعنى ~~كونه مالكا للشئ أنه قادر على إفنائه وإيجاده. # ببينة: أن في الامتناع من الانتفاع إضرار بالنفس وليس في الانتفاع إضرارا ~~بملك الله تعالى فصار الأولى إطلاق الانتفاع ثم نقول إنما قبح تصرفنا في ~~ملك غيرنا لأنه يضره لا لأنه مالكه فقط ألا ترى أنه يحسن منا الاستظلال ~~بحائط غيرنا والاستضاءة بنار غيرنا وكذلك النظر في مرآة الغير والتقاط ما ~~تناثر من حب غلته بغير إذنه لما لم يضره ذلك والانتفاع والضرر يستحيلان على ~~الله عز وجل فصارت الإباحة متعينة. # دليل آخر: وهو أن الله تبارك وتعالى خلق هذه الأعيان وأوجدها وركب فيها ~~المنفعة فلا يخلو من أن يكون خلقها لغير غرض أو لغرض ولا يجوز أن يكون لغير ~~غرض لأنه يكون عبثا ولا يجوز أن يكون الله تعالى عابثا في أفعاله فوجب أن ~~يكون خلقها لغرض ولا يخلو عند ذلك إنما يكون خلقها ليضر بها أو لينتفع بها ~~ولا يجوز أن يقال خلقها ليضر بها لأنه حكيم لا يبتدئ بالضرر ولأن الإضرار ~~بمن لا يستحق الإضرار سفه فدل أنه خلقها لينتفع بها وإذا خلقها لينتفع بها ~~فلا يخلو أما أن يكون خلقها لينتفع بها نفسه أو ينتفع غيره وهو العباد ولا ~~يجوز أن يكون لينفع نفسه لأنه غنى عن المنافع ولا يتصور أن يصل إليه نفع ~~فدل أنه خلقها لينفع بها عباده وإذا خلقها لينفع بها عباده فيكون خلقها إذا ~~لهم في الانتفاع بها فإن قلتم خلقها ليستدل بها نقول إنما يصح الاستدلال ~~بها إذا عرفت والمعرفة بها موقوفة على إدراكها وإن قلتم: خلقها ليجتنب ~~العبد عنها ويصير العبد يبتلى بذلك فإذا اجتنب يستحق الثواب نقول في هذا ~~إباحة الإدراك1 أيضا لأنه إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت النفس إلى ~~إدراكها ms498 ولابد في ذلك من تقدم إدراكها حتى إذا أدركها وصارت النفس داعية ~~إليها حينئذ إذا اجتنب استحق الثواب فثبت أنه كيفما كان الأمر لا فائدة في ~~خلقها وتركبت المنفعة فيها إلا الإباحى للانتفاع بها دليل آخر وهو أنه يحسن ~~من العقلاء التنفس في الهواء والاستنشاق من النسيم ويجوز أن يفعلوا منه ~~أكثر ما يحتاج إليه للحياة ومن رام أن يقدر على نفسه ذلك فلا يزيد على قدر ~~ما يحتاج إليه للحياة عده العقلاء من المجانين والعلة في جواز PageV02P050 # ذلك أنه انتفاع لا يعلم فيه مفسدة ولا مضرة وهذا موجود في كل ما ينتفع به ~~ولا يجوز أن يقال: إن علة حسن ذلك بقاء الحياة به وفى تركه إهلاك النفس ~~لأنا إنما عينا الإلزام في موضع يفعل منه ما يبقى الحياة بدنه وعلى أن الكف ~~عن التنفس وإن أدى إلى إتلاف الحياة فلم يجب أن يقبح ولا يجوز ذلك قالوا: ~~وإذا ثبت بهذه الدلائل حسن الانتفاع بهذه الأعيان وإن الخلق وقع لذلك بطل ~~القول بالحظرية وبطل القول بالوقف. # ببينة: أنه إذا اعتقد الوقف فلا يكون وقفا لأن الاعتقاد إذا وجب بطل ~~الوقف واستدل أبو زيد بقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~[البقرة: 29] وبقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه} [الجاثية: 13] قال: وإن الله تعالى ما حرم شيئا من المتناولات ~~والانتفاعات وما سوى ذلك إلا لمصالح تعود إلى العباد في الحرمة فحرم الزنا1 ~~لما فيه من ضياع النسب وحرم الإسراف في الأكل لما فيه من الضرر وحرم تضييع ~~المال لما فيه من السفه وحرم الخمر لما فيها من نقص العقول والصد عن ذكر ~~الله تعالى وحرم القمار لما فيه من البغضاء والعداوة ولما فيه من السفه ~~بتضييع المال وحرم الخنزير2 لما في أكله من عدوى طبعه إلى الآكل وكذلك سائر ~~السباع العادية3 وحرم علينا الخبائث حتى لا يعدوا إلينا الخبث الذي منها ~~وأباح عند الضرورة لأن ضرر الهلاك فوق عدوى الخبث. فثبت أن ms499 التحريم كله ~~مصالح للعباد فكان النهى من الله تعالى على سبيل نهى الطبيب المريض عن بعض ~~الأغذية لصلاح المريض ثم أنه يمنحه له إذا صار الصلاح في التناول وكذلك نهى ~~عن شرب الدواء في بعض الأحوال ويأمر بذلك في بعض الأموال من غير تبدل حال ~~المشروب في نفسه بل تبدل حال الشارب وقد يبيح الطبيب شيئا لإنسان دون أنسان ~~مع اتفاق حالهما لاختلاف مصالحهما فثبت أن الحرمة لا تكون إلا لمصلحة تعود ~~الينا فإذا لم يعرف في التحريم مصلحة بوجه وبما تعين التحليل وثبت أن الأصل ~~هو الإباحة وأن التحريم يكون يعارض دليل قال والدليل على هذا أن الله تعالى ~~[قال] : {قل لا أجد PageV02P051 # في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} الآية. فيما أوحى إلى محرما على ~~طاعم يطعمه "الآية فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاحتجاج بلا دليل ~~على التحليل من طريق الشرع وعدم الدليل لا يكون حجة على الإباحة فعلم أن ~~الإباحة في الأعيان المنتفعة بها اصل ثابت بدليل العقل لأنه حجة يجب العمل ~~بها حتى يتبين في الشرع إن الحق بخلاف ذلك فيصير الدليل الشرعى كالمخصص ~~بدليل العقل فيكون حكم ذلك الخاص يرد على العام فيبقى العام حجة فيما لم ~~يرد الخصوص فيه هذا طريقته. # وقال بعضهم: إن الله تعالى غنى على الحقيقة جواد على الحقيقة وبهذا الوصف ~~يعرف الله من عرف الله والغنى الجواد لا يتصور منه منع ماله عن عباده إلا ~~ما كان فيه ضرر. فتكون الإباحة [هي] 1 الأصل باعتبار جوده وغناه والحرمة ~~تعارض ولا عارض يوجب الحرمة فتثبت الإباحة وأما من قال بالحظر. قال: وذلك ~~لآن الشئ إذا لم يكن له من الظاهر أصل يستدل به على حكمه استشهد له ~~بالنظائر والأمثلة والأشباه وألحق حكمه بهذا وقد علمنا أن الأشياء كلها ملك ~~الله تعالى وله الخلق والأمر وملك الغير لا يجوز تناوله إلا بإذنه فوجب أن ~~تكون الأشياء كلها على الحظر وينبغى أن تبقى الأشياء على ملك مالكها ولا ~~يتعرض لشئ ms500 منها إلا بإذنه وأمره ولأن الملك علة الحرمة على غير المالك ~~بدليل سائر الأملاك. فإذا وجدت علة الحرمة ولم توجد علة الإباحة كان الشئ ~~على الحرمة هذا مجموع كلام المخالفين. وأما دلائلنا أعلم أولا أنه ليس معنى ~~الوقف هو أنه يحكم به لأن الوقف حكم مثل الحظر والإباحة والدليل الذي يمنع ~~من القول بالحظر والإباحة يمنع من القول بالوقف وإنما يعنى الوقف أنه لا ~~يحكم للشئ بحظر ولا إباحة لكن يتوقف في الحكم بشئ إلى أن يرد به الشرع وإذا ~~عرف هذا. فنقول: هذه المسألة بناء على أن يعمل مجرد ما لا يدل على حسن شئ ~~ولا قبحه ولا على حظره ولا تحريمه وإنما كل ذلك موكول إلى الشرع فنقول ~~المباح ما أباحة الشرع والمحظور ما حظره الشرع فإذا لم يرد الشرع بواحد ~~منهما لم يبق إلا التوقيف إلى أن يرد السمع فيحكم به وقد دللنا بنص من ~~القرآن أن الحجة لا تقوم على الآدمى بالعقل مجردة بحال # ببينة: أنه ليس من الحكمة تخلية الإنسان وعقله؛ لأن عقول عامة الناس ~~معمورة بالهوى مكفوفة عن بلوغ المقالة بالميل الطبعى إلى خلاف ما يهتدى ~~إليه ولهذا النظر PageV02P052 # أكثر العقلاء في مهاوى الحيرة ولحقهم من الدهش والتردد ما ليس وراءه غاية ~~والدليل على هذا أنا لا نجد أحدا خلاه الله وعقله بل بعث الرسل وأنزل الكتب ~~ولو كان العقل يستقل بشئ ما لجاز أن يوجد عبد خلى وعقله من غير أن يدخل تحت ~~رتبة أحد من الأنبياء إلى صانعه وهؤلاء الفلاسفة الذين اتبعوا العقول ولم ~~ينقادوا لأحد من الأنبياء فيما يعرف أو أرادوا إدراك الحق بالعقل المحض إما ~~يرآهم المعتبر ارتكسوا وانتكسوا ولادته في النظر العقلى إلا وهو دون دقة ~~نظرهم فإنهم بلغوا من هذا الباب إلى ما يجاز دونه الوهم ويضل عن إدراكه ~~الفهم هذا بعد قيامهم على أخلاقهم بتهذيبها وعلى طبائعهم بتأديبها ورضى ~~أكثرهم من الدنيا بالقوت اليسير وعزوف أنفسهم عن الملاذ والشهوات فلما ~~تخلوا وعقولهم وطلبوا الحق من جهته ولم ms501 يصلوا إليه بتأييد سماوى وبرهان ~~إلهى ووحى غيبي ترددوا وسلكوا واعتقدوا العقل الفعال والنفس الكلى وعلة ~~العلل والهيولى وغير ذلك من ألفاظ مهولة وضعوها على وفق مذاهبهم وقد كان ~~قصدهم طلب الصانع ولكنهم لما تخلوا بعقلهم وخلوا وعقلهم فليعتبر معتبر ~~ولينظر ناظر إلى أي شئ صار أمرهم وأى شئ. فإنهم على وفق ما ذهبوا إليه لا ~~يتصور اعتقاد وحدانية الصانع وكثير منهم اعتقد خمسة قدماء وكثير منهم اعتقد ~~قديمين اثنين إلى غير ذلك مما لا يخفى على العلماء والسعيد من وعظ بغيره ~~فليبق امرؤ وزنه وليبق على نفسه ولا يدخل في دينه ما ليس منه وليتبع الوحى ~~الشرعى والتمس التأييد الإلهي ولا يعتبر بزخارف من القول وأباطيل من البهت ~~فإنها خدع الشيطان وتسويلات النفوس وخذلان من الله عز وجل يلحق العبد ولا ~~عقوبة من الله تعالى أعظم من أن يكل العبد إلى نفسه وحوله وقوته ويخليه ~~ورأيه ومعقوله ويحول وجهه إلى الطاغوت الأعظم والصنم الأكبر وقد جعل التبرى ~~من حول الله وقوته إلى حول نفسه وقوته من المهلكات التي لا تلبث ولا تربث ~~فأنشد الله عبدا وقف على هذا أن يجعل كده ووكده وسعيه وجهده ليتخلص من هذه ~~المذلة العظيمة والورطة الهائلة فكم من هالك فيها لا نجاة له ووقع في هذه ~~المهواة لا نهوض به مستعينا بالله مستغيثا به ملتجئا إليه مستعيذا به. ~~ذكرنا أكثر من هذا في كتاب "الانتصار" فمن يرغب فليرجع إليه وقد قال ~~أصحابنا في هذا أن هذه الأعيان ملك لله عز وجل له أن يمنع من الانتفاع بها ~~وله أن يبيح الانتفاع بها وله الانتفاع بها وقبل أن يرد الشرع لا مزية لأحد ~~لهذه الوجوه على # PageV02P053 # الباقي. فوجب التوقف. # فإن قالوا: بل إن الإباحة عندنا من قبل الله تعالى لكن بدليل العقل. ~~قلنا: قد بينا أن العقل لا يستقل بإثبات شئ أو نفيه وأما الدليل الذي ~~اعتمدوا عليه فسنجيب عنه ثم. # فنقول في إبطال الحظر والإباحة: إن القول بذلك يؤدى إلى القول ~~بالمتنافيين المتضادين وهذا ms502 لا يجوز. وبيان ذلك: أن من قال بالإباحة. ~~فليزمه أن يقبح اعتقاد من خالفه في ذلك بحظره عليه لأن القول به داخل في ~~جملة الأشياء التي يقتضى قوله إباحتها وكذلك من قال أنها على الحظر وهذا ~~داخل في جملتها فدل أن المعتقد لواحد من المذهبين يلزمه القول بالمتنافيين ~~وعندي أن هذا ضعيف عند المتأمل والأولى ما سبق واستدل الأصحاب أيضا بقوله ~~تعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ~~آلله أذن لكم أم على الله تفترون} . # فاعلم أن من ادعى تحليل شئ أو تحريمه بغير إذنه. فقد افترى عليه. فإن ~~قالوا: قد أذن الله تعالى في ذلك بدليل العقل قلنا بينا أن دليل العقل ساقط # وأما الجواب: أما تعلقهم بقوله سبحانه وتعالى: {قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده} . قلنا: نحن لا نحرم ذلك وهذا يلزم أن لزم على من يعتقد ~~الحظر. فأما من لا [يقول] 1 بحظر ولا [أباحة] 2 فلا يلزمه ذلك وعلى أن ~~الآيه وردت في قوم الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة وكانوا يعتقدون ذلك قربة ~~إلى الله عز وجل. ويقولون: لا نطوف في ثوب عصينا الله تعالى فيه وكانوا ~~يحرمون البحيرة3 والوصيلة4 PageV02P054 # والسائبة1 والحام2 وكان قوم يقال لهم: الحمرة وكانوا ابتدعوا أشياء منها: ~~أنهم لا يسلئون3 السمن لانه قطوان الأقط ولا يدخلون البيوت من أبواب البيوت ~~وغير ذلك فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وأنزل فيهم أيضا قوله: {وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} الآية. وأما قولهم: إن الانتفاع بما فعل ~~في هذا المحل فليس فيه وجوه من وجوه القبح. قلنا: هذه طريقة منصوبة لبيان ~~أن الانتفاع بالمحل أكل مباح في العقل ونحن قد بينا أن العقل لا يجوز أن ~~يفيد بنفسه حسن شئ ولا قبحه. ثم قد قيل: على هذا إما لا نسلم أنه انتفى عنه ~~وجوه القبح بكل حال لأن جواز كونه مفسده قائم وجواز كونه مفسدة يكنى في ~~إظهار وجه القبح كالخبر إذا جاز أن ms503 يكون كذبا قبح من ذلك. # ونعني بقولنا: أنه يجوز أن يكون مفسدة هو أنه لا يجوز أن لا يبيح الله ~~تعالى هذا الشئ إذا لم يبح يكون الإقدام عليه قبحا أو مفسدة وأيضا يجوز أن ~~لا يكون الإقدام على هذا مصلحة فإن إمكان الانتفاع بالشئ لا يوجب كونه ~~مصلحة. لجواز أن يكون المحل منتفعا به ولا يكون الانتفاع به مصلحة عند الله ~~تعالى. فإن قالوا إن الغالب فيما هذا سبيله. أن لا يكون فيه وجه قبح. قلنا: ~~لم زعمتم أن الغالب ما ذكرتم ولم إذا كان الغالب ذلك لا يكون تجويز وجه ~~القبيح كافيا بالقبح فأما قولهم إنما يحسن الإحجام أذا كان على المفسدة ~~أمارة قلنا: قد يكون أمارة وقد لا يكون أمارة وتجويز المفسدة في الموضعين ~~يوجب وجه القبح لأن العقل مانع من الإقدام على القبيح وعلى ما يجوز أن يكون ~~قبيحا وكم من أشياء مجوزة لا أمارة عليها. يدل عليه أنا لما رأينا عند ~~استقرار الشرع كثيرا من الأشياء التي ينتفع بها محرمة ورأينا كثيرا من ~~الأشياء PageV02P055 # مباحة مطلقة. فمن أين وقع الأمان لنا. إن هذه الأفعال ليست قبيحة وقد جاز ~~كونها حسنة وكونها قبيحة فأما الامتناع من تناول الطعام لجواز كونه مسموما. ~~فليس أمارة إنما لم يحسن لأنه يرى من تقدم عليه ولا مفسدة في حقه وكذا في ~~الحائط المستقيم يرى من يقوم تحته ولا مفسدة عليه. أما ها هنا فلا أمان أن ~~يكون التناول مفسدة عند الله تعالى ولا مثال يوجب الأمان. فلم يحسن خوفه ~~وامتناعه. وأما قولهم: لو قبح الإقدام لجواز كونه مفسدة أيضا. قلنا: نحن ~~نقول: إن العقل لا يوجب إقداما ولا إحجاما وإنما علينا الكف فإن قالوا ربما ~~يكون الكف مفسدة. # قلنا: الكلام في جواز الإقدام لا في وجوب الإقدام ومن يجوز له الإقدام ~~على شئ من غير أن يوجب عليه لا يكون ترك ذلك مفدسة. فأما مع تجويز الحظر ~~يجوز أن يقال إن الإقدام يكون مفسدة وعلى أنا نقول: إذا جوزنا وجود ms504 المفسدة ~~في الإقدام والإحجام جميعا. فلا جرم لم ينفك فعل من هذه الأفعال عن سمع ~~يطلق الإقدام أو يوجب الإحجام وإنما كلامنا على تقدير عدم السمع أو يكون ~~الكلام في أن السمع الوارد بالإباحة ورد مقدرا للإباحة أو مثبتا للإباحة ~~ابتداء فعندنا هو مثبت للإباحة ابتداء. وعندكم هو مقرر للإباحة مؤكد لما ~~ثبت في العقل منها. # وأما قولهم: أنه لابد من أن يكون خلو المعنى. قلنا: تعليل أفعال الله ~~تعالى لا يجوز ويكون باطلا عندنا وإنما يخلق ما يشاء ويفعل ما يرد من غير ~~أن يكون لذلك علة بوجه ما وعلى أنه يجوز أن يكون خلق هذه الأشياء ليعتبر ~~بها فيعرف قدرة الله تعالى ويتأمل حكمته فيها وألغيت فعل ما ليس له وجه في ~~الحكمة. # ببينة: أنه يجوز أن يعبد الله تعالى بأن لا يأكل هذا المأكول ولا يشرب ~~هذا المشروب كما يتعبده بما يؤلمه ويؤذيه ويؤدى إلى تلفه كما تعبدنا ~~بالجهاد والختان وكما تعبد بنى اسرائيل بأن يقتل بعضهم بعضا. # وقوله: إنه لا يتحقق الابتلاء وتعريضه للثواب إلا بعد أن يثبت على حقيقته ~~ويعرف ويحسن بميل طبيعته إليه. ثم يكلف الاجتناب عنه. قلنا إذا عرف أنه ~~مأكول أو مشروب ونفسه متشوقة إلى المأكول والمشروب طبعا. ثم أمر بالاجتناب ~~عنه بتحقيق الابتلاء وتعريضه للثواب. # وقولهم: إنه إنما يقبح التصرف في ملك الغير بكذا وكذا. # قلنا: الملك سبب التصرف فإذا فات سبب الملك قبح التصرف ولأنه يجوز أن # PageV02P056 # يكون في التصرف السخط من المالك. فإن قالوا: ويجوز أن يكون في ترك التصرف ~~السخط في المالك. قلنا: قد أجبنا عن هذا وأما كلامهم وتعلقهم بالتنفس في ~~الهواء والاستنشاق من النسيم. قلنا: بينا أن الإذن في الشريعة من وجهين: # أحدهما: من طريق اللفظ ومعناه. # والآخر: من طريق الضرورة الداعية إليه فكل شئ اضطراه الله إليه فقد أذن ~~له فيه ورفع الحرج عنه وإذا كان كذلك لم يخل هذا النوع من دليل الإباحة ~~ويمكن أن يقال: إنما يحسن من الإنسان أن يتنفس ليطفى عن ms505 قلبه الحرارة وذلك ~~يحتاج إليه في الحياة ويضطر إلى فعله وما زاد عليه فلا يحسن وهذا هو الجواب ~~عن قولهم: إنه يحسن منه هذا الفعل. بأن زاد على قدر الحياة. # واعلم أن هذه الكلمات يمكن تمشيتها في الجملة لكن الأولى عندي أن يقتصر ~~على الأول وهو منع ثبوت شئ مما يعتقدونه بمجرد العقل وأما طريقة أبى زيد. ~~قلنا: أما تعلقهم بقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} . ~~فإنما هو والله أعلم على معنى أنه لم يخلقها ليتكثر بها أو لينتفع بها ~~وإنما خلقها ليعتبر الخلق بها ويتأملوا قدرة الله تعالى وحكمته فيها وقد ~~يكون أيضا على سبيل الاعتداد والامتنان بها عليهم وتعريفهم موضع النعم فيها ~~وليس في ذلك دلالة على أنهم يستبيحونها كما شاءوا أو يتناولونها من غير إذن ~~منه فيها وتقدير وترتيب لها فموضع الحظر إذا تعد باق وهذا كما يقول الرجل ~~لولده إنما أجمع المال لك وأسعى والكدح بسببك وكما يقول الأمير لجنده وخدمه ~~إنما أجمع الأموال لكم وأدخرها من أجلكم ومعلوم أنه لا يريد بهذا القول ~~تمليكها بينهم وإطلاق تصرفهم فيها من قبل أن يخرجها إليهم على الوجه الذي ~~يسنح له من الرأى في قسمتها بينهم وإيصال ذلك إليهم في الوقت الذي يختاره ~~لا في الوقت الذي يختارونه وإنما قال ما قال ليلزمهم به المنتبه1 ويعرفهم ~~موضع النعمة ثم يكون إطلاق ما يطلقه لهم منها في أوقات مؤقته على مقادير ~~معلومة على حسب ما تدعو إليه الحاجة ويعلم فيه المصلحة. # وأما قوله: إن الحرمة الثابتة للأشياء على وجه المصالح على ما ذكرنا قلنا ~~أولا: إن القول بالمصالح باطل ونحن نعلم قطعا أن الله تعالى يفعل بالخلق ما ~~هو الأصلح لهم وأيضا فإنه لا يجوز أن يقال: إنه قصد لطفه في فعل الأصلح بهم ~~بل ما من أصلح إلا PageV02P057 # ووراءه أصلح منه وما هو لطف يوصله إليهم إلا ووراءه ما هو ألطف منه ولو ~~وجب فعل ما هو صلاح لهم لوجب فعل ما هو أصلح ms506 لهم وقد عرفنا أن الأصلح ليس ~~له نهاية في قدرة الله تعالى وعلمه وإن حكموا بنفاده وانتهائه فهذا قول ~~يؤدى إلا تناهي القدرة وهذا لا يقول به أحد. ثم نقول كما أنه يحرم ما يحرمه ~~للمصلحة فكذلك يبيح ما يبيحه للمصلحة فبأى طريق عرفتم وجه المصلحة في ~~الإباحة؟ بل يجوز أن يكون مفسدة على ما سبق وينبغى إذا كانت الإباحة عقلية ~~أن لا يجوز ورود الحظر وقد أجمعت الأمة على جواز الحظر وأجمعوا أيضا أنه قد ~~[ورد] 1 الحظر في مواضع ليس فيه إلا مجرد التكليف أو مجرد الابتلاء وأيضا ~~فإن ما ذهبتم إليه مفسدة وسنبين ذلك وهو أن الأشياء لو كان أصلها على ~~الإباحة حتى يكون لكل واحد من الناس تناولها والتبسط فيها أدى ذلك إلى أن ~~لا يصلوا إلى حاجتهم منها وإلى أن تتعطل منافعهم لأن في طباع الناس من ~~الحرص والشدة والاستكبار من الشئ ما لا يخفى على ذى لب فيدعوهم طباعهم إلى ~~الازدياد والاستكبار عن كل شئ أبيح لهم فيقع بينهم التزاحم والتغالب وربما ~~يؤدى إلى التجاذب المفضى إلى التنازع والمؤدى إلى القتال والمحاربة فينقلب ~~الشئ الذي قدروها مصلحة مفسدة ويتبين خطأ ظنونهم وغلط مقاديرهم من عقولهم ~~وليس يدخل في هذا إباحة الحطب عقولهم والحشيش والماء لأن هذه الأشياء ليست ~~مما يقع فيها التنافس ولا تميل إليها الطباع من الاستكبار عنها وطلب الثروة ~~من جمعها وأما المباحات من الذهب والفضة والجواهر فهى ما لا يوصل إليها بكد ~~عظيم وتعب شديد فليس مما يرغب في ذلك كل إنسان ويسمح بتعب ذلك وتحمله كل ~~نفس فلا يؤدى إثبات الإباحة لكل أحد إلى المفسدة التي بيناها وأما إثبات ~~الإباحة في الأشياء كلها على العموم لكل احد فيؤدى إلى المفسدة التي ~~ذكرناها. فوجب الاحتراز عليها لأن الاحتراز عن كل ما يجوز أن يفضى إلى ~~المفسدة واجب على أصلهم وفيما قالوه يؤدى إلى المفسدة فهذه جملة ما قصدنا ~~إيراده في هذه المسألة. PageV02P058 ### | فصل في أقسام ما يرجع إلى العقل # ... # "فصل" # وقد ms507 ذكر أبو زيد أقساما فيما يرجع إلى العقل فذكر أولا موجبات العقل. ~~قال: ونعنى بالوجوب. الوجوب في الذمة حقا لله تعالى بوقوعه علينا لا وجوب ~~الأداء والتسليم إلى الله تعالى فإن الأداء لا يجب قبل الشرع. قال: وهذه ~~الواجبات أربعة معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله بالألوهية ومعرفة العبيد ~~الابتداء إلى حين الموت بطاعة الله على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق ~~خالدين ومعرفة الدنيا وما فيها بضرب يقع يعود إليهم منها. وقال: ونعى بموجب ~~العقل ما دل عليه العقل قطعا إذا استدل به العبد إلا أن يكون دينا يجب فعله ~~لله تعالى لأنه يبتلى به وما يجب للحياة الدنيا لا نصفه بالوجوب عليه لحق ~~الدنيا وإنما نصفه بالوجوب لحق الدين ويجب الأكل والشرب عليه دنيا وكذلك ~~التنفس والتحصن من شر الأعداء ودفع الحر والبرد ولو ترك هذه الأشياء أثم ~~وإنما جعلنا الوجوب دينا لأن ما كان لحق الدنيا فالآدمى فيه بمنزلة البهائم ~~فلا يوصف بالوجوب وأما الجماع فحظ الدين فيه بقاء الجنس إلى قيام الساعة ~~لأن الله تعالى حكم ببقائه إلى تلك المدة وعليه بالجماع وفرض عليه دينا ~~للمبتغى لإقامة حكم الله تعالى لأنه لا تبديل لحكمه غير أن هذا الحكم يتأدى ~~بجماع البعض فلم يجب على كل واحد بخلاف الأكل فإن الله حكم ببقاء كل شخص ~~إلى خير وعلق بأكله لا بأكل غيره فتعين كل شخص بوجوب الأكل عليه دينا ~~وطبعا. ثم إنا قلنا: إن هذه الأحكام الأربعة واجبه بالعقل دينا اله تعالى ~~أما معرفة نفسه بالعبودية لأن قوامه باجتماع أجزاء والاجتماع عرض يضاد ~~القدم فيلزمه الحكم على نفسه بالحدث ويعرف أنه مملوك لأن المملوك لغة ما ~~قهر بيد الاستيلاء والآدمى مقهور بالتكوين والأشياء مقدور عليه مركب من ~~طبائع مختلفة وأمشاج متباينة يجرى أمره على مقتضى اختلاف طبائعه وتباينها ~~وإذا عرف أنه مملوك عرف أنه عبد لأن العبد اسم خاص للملوك من العقلاء ~~الصالحين لفعل العبادة فإذا عرف نفسه بهذه الصفات عرف ربه ضرورة لأن كونه ~~محدثا لا يخلو من محدث ms508 وكونه مقدورا عليه لا ينفك عن قادر وكونه مملوكا لا ~~ينفك عن مالك وكونه عبدا لا يخلوا من إله. فإن العبد اسم لمن خلق للعبادة ~~ولابد للعبادة من معبود والإله اسم لمن يستحق العبادة فيعرف بضرورة هذه ~~الصفات التي ظهرت عليه من حيث لا شك فيه أن له إلها مالكا # PageV02P059 # قادرا محدثا. قال: ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من عرف نفسه عرف ~~ربه"1. قلت: وهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو لفظ محكى ~~عن يحيى بن معاذ الرازى وهذا نتيجة الجهل بأخبار النبى صلى الله عليه وسلم ~~والواجب على الإنسان أن يحكم ما قال الله أولا وما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ثم ينصب نفسه منصف المتصرفين ويستشهد على تصرفه بما نطق به ~~الكتاب وبما نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم ونستعيذ بالله من غلبة الجهل ~~وفرط الهوى وطغيان العقل وهو العاصم بمنه رجعنا إلى حكاية قوله: وإذا عرف ~~أنه خلق لعبادة ربه ولا يجوز في الحكمة خلق الصنع عن عاقبة حميدة وعاقبة ~~الصنع عن العقلاء أحد أمرين: فإنه يعود من حدث نفع أو دفع ضر أو ظهور ~~الفاعل بجلاله وعظمته وكرمه وصفاته الحسنى بذلك الصنع كذا غيره والله ~~يتعالى عن المعنى الأول فيتعين الآخر وهو ظهور عظمته وجلاله وكرمه وحكمته ~~وسائر صفاته ولما ظهر بهذه الصفات طلب من الحق الثناء والحمد له بإحسانه ~~إليهم شكرا له على ذلك فكان خلق الناس من الله تعالى لهذه الحكمة وهو أن ~~يعرفوه ويشكروه ثم وجدنا الناس بين شاكر وكافر قال: فقد خلق الله العباد ~~ليعبدوه بأمره لهم لا يجبرهم عليه وقد جعلهم مختارين في الإجابة مبتلين ~~بشهوات معلومة تصدهم عن الإجابة قال: والدليل على أنهم مختارون أن العقلاء ~~يجدون من أنفسهم وفى أفعالهم حد الاختيار ضرورة ويحسبون ذلك قطعا ويجدون في ~~انفسهم ما يصدهم عن طاعة الله تعالى وما يدعوهم إلى خلافها وفى ذلك فوات ~~عاقبة الصنع وفوات عاقبة الصنع دليل عجز الصانع تعالى ms509 الله عن ذلك فعلمنا ~~أن وجود تعليق وجود الطاعة بالإختيار من العبيد مع وجود الهوى والشهوات ~~الصادة عن طاعة الله تعالى وعن الإجابة كان لحكمه أخرى هي فوق حصول الطاعة ~~بلا فوت وذلك هو أن الله تعالى خلقهم وأمرهم بهذه الإعمال ليجازيهم عليها ~~بوفاق أعمالهم الإحسان بالإحسان والسيئة بالسيئة PageV02P060 # ثم لما وجب القول بدار الجزاء على هذه الأعمال وجب القول بالخلود والبقاء ~~لآنا أوجبنا هذا الترتيب لبيان حكمة الله تعالى فيجب أن لا تفوت هذه الحكمة ~~لأنها إذا فاتت صار فعله عبثا فكما لا يفوت العاقبة المطلوبة من الصنع عن ~~الصانع ابتداء لا يعجزه فكذلك لا يفوت بعد الوجود إلا بعجزه وتعالى الله عن ~~ذلك وبهذا نطق الكتاب قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} ~~[الذاريات: 56] {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} ~~[المؤمنون: 115] أى حسبتم أنا عبثنا بخلقكم ثم نفى صفة العبث بحكم الرجوع ~~إليه فيبين أنه لا يجوز أن تكون الدنيا دار ابتلاء بلا جزاء وقال تعالى: ~~{إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} [الأحزاب: 72] الآية فأخبر أن ~~الآدمى حملها عن اختيار لعاقبة تعذيب المشركين ومغفرة للمؤمنين وقال تعالى: ~~{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] وقال تعالى: ~~{وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} [آل عمران: 154] ولما ثبت ~~أن الصنع من الله تعالى لا يجوز إلا لعاقبة الاستعباد للجزاء وما سوى ~~الإنسان من المحسوسات لا يصلحون للعبادة ولم يخاطبوا بها علم أنهم خلقوا ~~لفائدة تجلب منهم أو لضر يدفع بهم وتعالى عن ذلك فعلم أنه خلقها لعود هذه ~~الفائدة إلى عبده المبتلى بعبادته فإنه يحسن في الشاهد فعل شئ لفائدة تعود ~~إليه أو إلى غيره بهذا نطق اكتاب قال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما ~~في الأرض جميعا} [الجاثية: 13] وقال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا} [البقرة: 29] وأيات في هذه المعنى كثيرة ثم ذكر محرمات العقل قطعا ~~للدنيا وهذه المحرمات أربعة: الجهل والظلم والعبث والسفه أما الجهل ms510 فيكون ~~بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه العقل إلا ليقف به على مصالح ~~غائبة لا تنال بالحواس وبه غلب ما في البر والبحر وسخرها وادعى لنفسه كل شئ ~~منها فمتى لم يستدل بنور عقله لم ينل شيئا مما تمنى لنفسه من هذه المطالب ~~فيحرم عليه بالعقل ما يفوت به أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذي هو ~~سبب حياته وكما يحرم بالعقل ترك النظر بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع ~~يحتاج إليه ويحرم أيضا إطفاء السراج ليلا مع إرادة السلوك في المضائق لا ~~يهتدى فيها إلا بسراج ولما حرم الجهل قطعا حرم الظلم من طريق الأولى لأن ~~تفسيره وضع الشئ في غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله فالأول ~~نزل كالذي لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر يقبح منه ذلك والثانى كالذي فتح ~~عينيه ورأى البئر ثم # PageV02P061 # أوقع نفسه فيها فهذا الفعل منه أقبح ومثاله من باب الشرع من بلغته الدعوة ~~والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذي تأمل وعرف ورد تعنتا كان فعله ~~أقبح وأما العبث فحرام عقلا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل ~~وإن قل لا يخلو عن أدنى تعب فلا يحتمل هذا التعب عقلا إلا لفائدة أولى منه ~~وأما السفه فحرام أيضا لأن فيه مع خلو الفائدة مضرة فكان أقبح من الأول ~~لوجود معنى الأول فيه من فوت الفائدة وزيادة ضرر فكان السفه من العبث ~~بمنزلة الظلم من الجهل ثم ذكر محرمات العقل للدين قال: وهذه المحرمات ~~أربعة: الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا واقتضاء الشهوات فيها ~~والإنكار بالصانع جل جلاله والإنكار بالبعث للجزاء أما الإيمان بالطاغوت ~~اسم لما عبد من دون الله أو سمى قديما دونه على حسب اختلاف المشركين ~~والملحدين لان ما دون الله لا يخلو عن صفات الحدث كما أن الإنسان بنفسه لا ~~يخلو عنه فلم حرم عليه القول بأنه الإله المعبود فليحرم القول بغيره بطريق ~~الأولى وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: {إن الذين ms511 تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم} [الأعراف: 194] يعني من حيث إنها مخلوقة. وأما القول بأن الدنيا ~~مخلوقة لاقتضاء الشهوات فحرام لأنك كما لا تجد نفسك وكل من دون الله إلا ~~وأمارات الحدث فيه ظاهرة كذلك لا تجد شهوة إلا مشوبة بما لا يشتهي فإن ~~الحياة رأس مال الحى وقد ابتلى الحى بالموت والشهوة شهوتان شهوة بطن وشهوة ~~فرج وما سواهما اتباع في حق الحياة وشهوة البطن الأكل والاكل لا ينال اصله ~~إلا بضرب كسب ويحتاج بعده إلى قضاء الحاجة الذي إذا عرف العاقل قبحه لم ~~يباشر سببه مع الإمكان بدونه ألا ترى أن الأكل في الآخرة كيف يخلو عن الكسب ~~وقضاء الحاجة لما كانت الدار لاقتضاء الشهوة وأما الجماع لا ينال إلا بطلب ~~وشبق ثم لا يقضى إلا بذهاب القوة فحرم القول أنه خلق لاقتضاء الشهوة حيث لا ~~ينال ما يشتهي إلا بماء لا يشتهى وأما الكفر بالله فحرام لأنه من حيث عرف ~~نفسه مخلوقا يعرف خالقه والمنعم عليه والكفر بمن أنعم عليه حرام لأنه ~~بمنزلة من ذم من أحسن إليه فيكون كذبا وظلما وسفها فقد وضع الشيء في غير ~~موضعه ولما حرم الكفر بالله تعالى حرم إنكار البعث للجزاء لأن خلق الدنيا ~~بدون البعث للجزاء عبث من الله تعالى ووصف الله تعالى بالعبث كذب عليه ~~كالكفر كذب على الله فكان بابا واحد وبالله التوفيق ثم ذكر المباحات التي ~~تجوز عقلا للدنيا قال: وهذه أربعة أقسام قال: وأعنى بالجوز أنه يجوز أن ~~يكون مباحا عقلا وهذه الأقسام نحو مباشرة # PageV02P062 # أسباب البقاء فوق ما يندفع به الضرورة وجميع المال فوق الحاجة والتزين ~~بأنواع ما يتجمل به على وجه لا يتعلق به القوام والجماع إلا لطلب الولد ~~وفوق ما يكتفى به الولد فهذه إباحات غير واجبة بالعقول ولهذا جاء الشرع ~~فيها بالإباحة مرة والتحريم أخرى وأما موجبات العقول لا يرد الشرع بخلافها ~~لأن الشرع والعقل حجتان لله سبحانه وتعالى على عباده يتأيد أحدهما بالآخر ~~ولا يتناقص فمجئ الشرع بالتحريم دليل أن العقل ms512 يجوز تحريمه وذكر من هذا ~~الجنس كلاما طويلا ذكرنا المقصود من كلامه واعلم أن هذا الكلام كله بناء ~~على أن العقل موجب بنفسه وعندنا أن هذا المذهب خلاف مذهب أهل السنة ~~والجماعة والنص من الكتاب قاطع على خلافه وقد سبق بيانه فلا معنى للاشتغال ~~بالزيادة عليه فإن قيل المسألة التي ذكرتم أن الأشياء كانت على الإباحة أو ~~لا وقد أطنبتم الكلام فيها وهى لا تفيد في الفقه شيئا وإنما الكلام فيما ~~يقتضيه العقل فلا معنى لإيرادها لأن أصول الفقه لا ينبغى أن تشتمل على ما ~~يفيد في الفقه والجواب أن لها فائدة في الفقه وهو أن من حرم شيئا أو أباحة ~~فقال طلبت دليل الشرع فلم أجد فبقيت على حكم العقل من تحريم أو إباحة هل ~~يصح ذلك أم لا؟ وهل هذا دليل يلزم خصمه أم لا؟ وهذا أمر يحتاج الفقيه إلى ~~معرفته للوقوف على حقيقته. قال القاضي أبو الطيب: سمعت بعض أصحاب داود احتج ~~في إباحة استعمال أوانى الذهب1 في غير الشرب فقال: الأصل في [الأشياء] 2 ~~الإباحة وقد ورد الشرع بتحريم الشرب فوجب أن يبقى ما عداه على الإباحة فقال ~~أهل العلم لهذا المحتج مذهب داود أن هذه الأشياء على الوقف في العمل عما ~~يرد به الشرع فإذا كان كذلك لم يجز إثبات إباحتها بهذا الطريق فلا يكون ~~إباحتها بعدم دليل شرعي بأولى من حظرها وبطلت حجة هذا المحتج فظهر أن ~~المسألة يفيد ذكرها. PageV02P063 ### | فصل: مجرد السكوت لا يدل عندنا على سقوط ما عدا المذكور # كما يدل عند من يذهب إلى أن الأشياء أصلها على الإباحة إنما هو بحسب ~~الحال وقيام الدليل عليه وذلك على ضروب أما سكوت النبى صلى الله عليه وسلم ~~عن الشئ يفعل بحضرته ولا يغيره ولا ينهى عنه فإنه دليل الجواز وقد سبق هذا ~~ولأن الله تعالى وصفه بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإذا رأى الشئ ~~وسكت عنه ولم يغيره دل أنه غير منكر وكذلك هذا فيما كان يبلغه عنهم ويعلمه ~~ظاهر من ms513 حالهم أو بتقرير عنه من عاداتهم مما سبيله الاعتبار والاستشارة فلا ~~يعرض لهم بنكير ولا يعتبر كنوم أصحابه قعودا ينتظرون الصلاة فلا يأمرهم ~~بتجديد الطهارة وكعلمه أن أهل الكتاب يتعاملون بالربا ويشربون الخمور فلا ~~يتعرض لهم ويتصل بهذا ما استدل أصحابنا به من سقوط الزكاة في أشياء سكت ~~النبى صلى الله عليه وسلم عنها من الزيتون1 والرمان2 ونحوهما وذلك أنه كان ~~لا يخفى عليه أن الناس يتخذونها كما يتخذون الكروم والنخيل وكان الأمر في ~~إرساله المصدقين والسعاة في أقطار الأرض ظاهرا بينا وكان إذا بعثهم كتب لهم ~~الكتب فيقرءوها بحضرته ويشهد عليها ولو كان يجب فيها شئ لأمر بأخذه ولو أمر ~~لظهر كما ظهر غيره من الأشياء التي انتظمها الوجوب والإباحة فلما لم يكن ~~كذلك دل على سقوط الزكاة عنها. وأما قول من روى أنهم كانوا يبيعون أمهات ~~الأولاد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما لم يجر هذا المجرى في ~~الدلالة على جواز بيعهن لأنه لا يعلم إن كان يبلغه هذ الفعل عنهم أو يظهر ~~له ذلك من صنيعهم وقد قام الدليل على فساد بيعهن من وجوه فلم يجز أن يعترض ~~بهذا على مثل تلك الدلائل وأما الشئ إذا كان له أصل في الوجوب والسقوط فإن ~~السكوت قد يقع عنه في بعض الأحوال استغناء بما يقدم من PageV02P064 # البيان فيه وليس تكرر البيان واجبا في كل حال ومراتب الاستدلال بالسكوت ~~تختلف فأقوى ما يكون منه إذا كان صاحب الحادثة جاهلا بأصل الحكم في الشئ ~~ولم يكن من أهل الاستدلال كالأعرابى الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~[وقد أحرم وعليه الجبة فقال: "انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة"] 1 وسكت عن ~~الكفارة فدل ذلك أنها ساقطة عن الجاهل والناسى ولو كانت واجبة لذكره إذ لم ~~يكن يجوز إهمال ذكرها قولا على معرفته بالحكم فيها مع العلم بمكانه في ~~الجهالة والغباوة وذلك إن علم تحريم اللباس علم عام عند العرب في جاهليتها ~~وابتلائها حتى أنهم كانوا لا يطوفون ms514 بالبيت إلا عراة ويخلفهم نساؤهم وكذلك ~~نهى النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا يطوف بالبيت عريان وأمر فنودى به" 2 ~~فحين أمر النبى صلى الله عليه وسلم بنزع الجبة مع أن الحال هذا ولم يتعرض ~~للكفارة علمنا أنها غير واجبة ومن هذا الباب وإن كان دونه في المرتبة خبر ~~الأعرابي المجامع في شهر رمضان حين قال: هلكت وإنما جاء يعرف حكم الله ~~تعالى فيما فعله ويتوهم أن يلزمه حد وضرب من ضروب العقوبات فلما قيل: له ~~أعتق رقبة دل ظهره أنه جواب عن هلاكه وإهلاكه وهو إفطاره وإفطار زوجته ~~وكانت أمراته إنما تصل إلى العلم بما يلزمه من جهته لغيبتها عن حضرة النبى ~~صلى الله عليه وسلم وكان قوله: افعل كذا محمولا على أنه يجزئ عنها وعنه ~~وإنما صارت دلالة هذا أضعف من دلالة الخبر الأول لأن السائل في هذا الخبر ~~قد أنبأ عن علمه بأنه ارتكب معصية الا ترى أنه قال: هلكت وأهلكت وإذا كان ~~المبتلى بالحادثة من أهل الاستدلال كان دليل الشك معه أوهى وأضعف وأما قول ~~الشافعى رحمة الله عليه فيما يخرج من غير السبيلين ذكر الله الأحداث في ~~كتابه ولم يذكر هذا {وما كان ربك نسيا} فإن قوما من أصحابنا تعلقوا به ~~وقالوا: إنما رده إلى أصل سكوت التكليف إلا بدليل وليس الأمر كذلك عند عامة ~~أصحابنا وإنما وجهه ومعناه أن المتطهر على طهارته ولا ينتقض وضوءه إلا بحدث ~~وما لم يقم دلالة على الحدث فأصل الطهر كاف فيه وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا"3. ومن PageV02P065 # احتج من هذه الطائفة بقوله وما سكت عنه فهو عفو1 فليعلم أنه ليس بعام في ~~جميع أنواع السكت لكنه خاص في محل مل لأنه لا يمكن إجراؤه على عمومه. ~~PageV02P066 ### | فصل: اعلم أن العادة غير موجبه شيئا بنفسها بحال وإنما هى قرينه للواجبات أو منبئة عن المقاصد فيها # كالغسل فإن الله تعالى قال: {فاغسلوا وجوهكم..} [المائدة: 6] وكانت ~~العادة جارية بأن يكون الغسل بالماء ms515 صرف الأمر إلى ذلك وحمل عليه وإن لم ~~يجر له ذكر لأن العادة جرت بذلك ألا ترى أن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~ولغ الكلب في إناء أحكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب" 2 ذكر الغسل ~~وكانت دلالته أنه بالماء لما جرت به العادة ولما كانت الثامنة أو السابعة ~~بالتراب احيتج إلى ذكره لأن العادة في ذلك مفقودة فلم يكن بد من النص عليه ~~وكذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب بدرهم كان الدرهم مستحقا على عادة نقد البلد ~~وإن كانت الدراهصم مختلفة السك والجوهر متفاوته في الجودة والرداءة وقد ~~يعتبر بعض العادات في الأيمان يرجع إليها فة مطلق الأيمان ولهذا قال ~~الشافعى رحمة الله عليه: فمن حلف لا يأكل الرءوس فأل رءوس الحيتان لا يحنث3 ~~لأن عادة المتكلمين بهذا الكلام قد جرت أنه يريد بهذا الرءوس التي تبان من ~~أجساد الحيوان وتقصد بالأكل دون ما كان منها تبعا لأبدانها ولا يكاد القائل ~~يقول أكلت الرءوس وهو يريد رءوس الحيتان وإنما يقال هذا ويراد به رءوس ~~الغنم وما يشبهها من الحيوان ومن هذا الباب أن يوصى الإنسان بدابة من روابه ~~فيعطى بعض أجناس الدواب التي جرت العادة بركوبها ويعتبر في ذلك عادة أهل ~~البلد الذي فيه الحالف ولغتهم في التسمية وقد قيل: إنه يدخل في هذا الباب ~~ما يعطيه الإنسان خادم الحمام والشارب للماء عند PageV02P066 # الاستقساء وإن لم يتقدم في ذلك شرط ولم يسلم له عوض لكن العرف القائم ~~والعادة الجارية نيوبان عن التسمية وكذلك هذا فيمن استعمل إنسانا بالزور ~~جار ونحوه فإنه قد يستحق عليه أجر المثل وإن لم يتقدم في ذلك شرط وليس هذا ~~من باب الاستحسان لكنه من باب العادات التي صدرها عن الأصول الصحيحة ~~المشروعة وقد يرد هذا برفع العادة في بعض الأحوال لمعنى من المعانى ولدليل ~~أقوى من اعتبار العادة وهذا القدر الذي قلناه كاف في هذا الفصل وليس بشئ ~~مطرد حتى يطرد في جميع المواضع والله أعلم انتهى ما قلناه وقصدناه وقد كنا ~~وعدنا ms516 ذكر باب التقليد في هذا الموضع لكنا رأينا بعد ذلك أن الأولى أن ~~نذكره عند وصولنا إلى الفصول المذكورة في الاجتهاد وبيان أحكامه وتفسير ~~المجتهد وذكر الأصوب من الأقوال فأخرناه إلى ذلك الموضع إلى أن نصل إليه إن ~~شاء الله تعالى. # PageV02P067 ### | القول في القياس وما يتصل به ### | مدخل # ... # القول في القياس وما يتصل به # اعلم أن أحكام الشرع مأخوذة من وجهين: وجه سمع ووجه معقول. # فأما السمع فعلى ثلاثة أضرب كتاب وسنة وإجماع وقد استقصينا شرح أقسامها ~~وأحكامها. # وأما المعقول فالقياس وقد قيل: إن القياس على ضربين عقلى وشرعى. # فالقياس العقلى ما استعمل في أصول الديانات # والقياس الشرعى ما استعمل في فروع الديانات ومعنى ذلك ما ورد التعبد من ~~الأحكام. # وقد ذكر كثير من أصحابنا في ابتداء الكلام في القياس مسألة في القياس ~~العقلى وذكروا الخلاف في هذه المسألة بين الأصوليين وبين عامة المجتهدين ~~أهل الرواية وأهل السلامة من الفقهاء فالأصوليين من المتكلمين وسائر من ~~تبعهم أثبتوا القياس العقلي وأمروا به وزعموا أنه معرفة أهم الأشياء وزعموا ~~في حده أنه رد غائب إلى شاهد ليستدل به عليه وأما أهل الرواية وعامة أئمة ~~الحديث وكثير من الفقهاء اختاروا السلامة في هذا الباب وسلكوا طريقة ~~السلامة ونهوا عن ملابسة الكلام وطلبوا الحق بطريقة وزعموا له علم يحدث وفن ~~يخترع بعد انصرام زمن الصحابة والتابعين وأنكروا قول أهل الكلام في أن أول ~~ما يجب على الإنسان النظر. وقالوا: إن أول ما يجب على الإنسان هو معرفة ~~الله تعالى على ما ورد به الإخبار ولو قال الكافر: أمهلونى لأنظر وأبحث ~~فإنه لا يمهل ولا ينظر ولكن يقال له أسلم في الحال وإلا فأنت معروض على ~~السيف ولا أعرف في هذا خلافا بين الفقهاء ونص عليه ابن سريج وقد ذكرنا في ~~كتاب الانتصار لأصحاب الحديث واخترنا طريقة السلف وما كانوا عليه في هذا ~~الباب ونقلنا عن عامة الأئمة ما يوافق ما اخترناه وذكرناه أيضا أنا لا ننكر ~~من النظر بقدر ما أذن فيه الشرع على ms517 ما يوافق الكتاب والسنة وهذا الكتاب ~~إنما قصرناه على محض أصول الفقه وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه فلا ~~معنى لذكرها فيها رجعنا إلى الكلام في القياس الشرعى فنقول قبل أن نشرع في ~~إثباته: ان اثبات الشئ إنما يكون بعد معرفة معناه نذكر أولا الكلام فيما ~~أخذ منه القياس من حيث اللغة ثم نذكر حده أما الكلام # PageV02P068 # فيما أخذ منه القياس فنقول في اللغة وفى قول بعضهم: مأخوذة من الإصابة من ~~قولهم: قست الشئ إذا أصبته فسمى القياس قياسا لأن القائس يصيب به الحكم ~~وقال بعضهم: إنه مأخوذ في اللغة من المماثلة من قولهم: هذا قياس هذا أي ~~ومثله وسمى القياس قياسا لأنه الجمع بين المتماثلين في الحكم1. # وأما حد القياس فقال بعضهم: هو حمل معلوم على معلوم في أيجاب بعض أحكامه ~~بأمر يجمع بينهما وقال بعضهم: حمل شىء على شيء في بعض أحكامه بوجه ~~PageV02P069 # من الشبه1 وهذان منقولان عن المتكلمين والفقهاء قالوا: حمل فرع على أصل ~~في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقد بسط بعضهم هذا الحد فقال: القياس طلب ~~أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوص عليها بالعلل المستنبطة من ~~معانيها ليلحق كل فرع بأصله حتى يشركه في حكمه لاستوائهما في المعنى والجمع ~~بينهما بالعلة ذكره على هذا الوجه القاضي أبو الحسن الماوردى. # وقال بعض المتقدمين: هو اعتبار الشئ بغيره2. # وقال بعضهم هو موازنة الشئ بالشيء3. # وحكوا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما سئل عن ميقات أهل المشرق ~~فقال ما حاذاه من المواقيت؟ قالوا: قرن. فقال: قيسوا به4. يعني اعتبروا به ~~وهذان الحدان فيهما إجمال لأنهما لا يعبران عن صفة القياس في أحكام الشريعة ~~والمقصود ها هنا هو PageV02P070 # العبارة عن القياس في الأحكام الشرعية1 وهو على التفسير الذي ذكرناه. وقد ~~يقول القائل: قست الأرض معناه ذرعتها بمقياس مهيئ للذرع وبينى وبين فلان ~~قيس رمح أى قدر معتبر بقدر رمح الحد الصحيح ما ذكرناه فيما سبق وقد قال ~~بعضهم: إن القياس فعل القائس وليس هذا ms518 بشيء لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن ~~يقال: كل فعل يفعله القائس من القيام والقعود والمشي قياس وهذا لا يقوله ~~أحد. فإن قال قائل: ما قولكم في الاجتهاد وهل هو والقياس واحد؟ قيل: نقول ~~أولا: إن الاجتهاد مأخوذ من إجهاد النفس وكدها في طلب الزاد كما أخذ جهاد ~~العدو من إجهاد النفس في قهره وهل هو والقياس واحد وهما مختلفان اختلفوا ~~فيه فقال أبو علي بن أبى هريرة إن الاجتهاد والقياس واحد ونسبة إلى الشافعي ~~وقال أشار إليه في كتاب الرسالة وأما الذي عليه جمهور الفقهاء هو أن ~~الاجتهاد غير القياس وهو أعم لأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد وهو من مقدماته ~~وليس الاجتهاد يفتقر إلى القياس واختلفوا في حده فقال بعضهم: هو بذل ~~المجهود في طلب الحق بقياس وغيره قالوا: والقياس ضرب من ضروب الاجتهاد وهو ~~أخص منه وقال بعضهم: الاجتهاد وهو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه ~~والقياس هو الجمع بين الفرع والأصل والحد الأول حسن جدا وقيل إنه يدخل في ~~باب الاجتهاد حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وأمثال ذلك ~~وليس بشئ من هذا بقياس فإن قال قائل ما قولكم فلا الاستدلال هل هو قياس أم ~~لا قلنا: الاستدلال طلب الحق بدليل معانى النصوص وقيل استخراج الحق وتمييزه ~~من الباطل وقيل كل ما استخرج به الحق حتى يمتاز به عن الباطل وقد حكى عن ~~الشافعى رحمة الله عليه أنه سمى القياس استدلالا لأنه فحص ونظر فإن قال ~~قائل ما قولكم في الأمارة هل هي قياس؟ قيل له: الأمارة من حيث اللغة هى ~~العلامة وقال بعضهم: الأمارة هى التي النظر الصحيح فيها2 يؤدى إلى الظن ~~واعلم أن الأمارة قد تكون قياسا وقد تكون غير قياس وللأمارة تقسيمات وستأتى ~~من بعد وحين عرفنا القياس وحده فنتكلم الآن في بيان كونه دليلا. ~~PageV02P071 # مسألة: ذهب كافة الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء إلى أن ~~القياس الشرعى أصل من أصول الشرع: # ويستدل به [على] 1 الأحكام التي لم يرد بها السمع ms519 وذهب طائفة إلى إبطال ~~القياس وقالوا: لا يجوز أن يستدل به على حكم في فرع وهذا قول إبراهيم ~~النظام ومن تبعه وهو قول داود بن على ومن تبعه من أهل الظاهر والقاشانى ~~والمغربى والقيروانى وهو قول الشيعة أيضا واختلف هؤلاء في طريق نفيه فقال ~~بعضهم إن التعبد بالقياس قبيح من حيث الفعل وإنما بطل القياس لأن العقل ~~مانع منه ولو لم يمنع منه جاز أن يرد الشرع به وقال بعضهم: لا يقبح من حيث ~~العقل ولكن الشرع منع منه ولو لم يمنع كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل لأن ~~الشرع لم يرد به ولو ورد به كان جائزا وقال بعضهم: إنما بطل القياس لضعف ~~البيان الحاصل به وقال بعضهم إنما بطل لأن [الشرعيات] 2 مصالح والمصالح لا ~~يعلمها إلا الله عز وجل وهذا قول النظام. وقال بعضهم: إنما بطل لأنه كان ~~حجة ضرورة ولا ضرورة في كون القياس حجة3. PageV02P072 # وإذا عرف هذا فنقدم أولا: # مسألة: بيان حسن التعبد بالقياس عقلا: # ولأنه لا مانع من حيث العقل ثم نذكر ورود التعبد من حيث السمع ونقدم ~~شبههم في الفصلين. # احتج من قال: إن التعبد بالقياس يجوز من حيث العقل قال: لأن الشرعيات ~~مصالح والمصالح لا تعلم إلا بالنصوص فأما بالأمارات المفيدة للظنون لا تعرف ~~لأنها ربما أخطأت وربما أصابت ولا يجوز أن نتعبد الحكيم في المصالح بما ~~يجوز أن يخطئ المصالح وأيضا فإن القياس فعلنا ولا يجوز أن نتوصل إلى ~~المصالح بفعلنا. # ببينة: أنه لو جاز الحكم في الشرعيات بالظنون عن أمارات لجاز أن نخبر أن ~~زيدا في الدار إذا دلت الأمارة على كونه فيها وحين لم نخبر دلت أن القول ~~بالظن باطل قالوا: ولأن جلى الأحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص فلم يجز ~~إثبات خفيها إلا بالنص أيضا لأن ما علم جليه بطريق فخفيه لا يعلم إلا بذلك ~~الطريق كالمدركات لا نعلم جليها وخفيها إلا بإدراك قالوا: ولأنه لو كان ~~للشرعيات علل لكانت كالعلل العقلية في استحالة انفكاكها من أحكامها في ms520 كل ~~حال إلا ترى أن الحركة لما كانت علة تحرك الجسم استحال وجود الحركة وليس ~~الجسم المتحرك وإذا لم ينفك من أحكامها كان في ذلك ثبوت الأحكام الشرعية ~~قبل الشرع وقالوا ولأن العقل كالنص في أنه يدل على حكم الحادثة فكما لا ~~يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بالقياس المخالف للنص المعين لا يجوز أن ~~يتعبدنا بالقياس المخالف حكم العقل وكل حادثة فلها حكم في العقل فإذا لا ~~يجوز التعبد فيها بالقياس قالوا: ولأن القياس لو كان صحيحا لكان حجة مع ~~النص كالخبر حجة مع الكتاب وحين لم يكن حجة مع النص دل أنه ليس بحجة أصلا ~~قالوا: ولأن أحكام الشرع لو كانت معلومة وجب أن يكون جميعها معلولة كما كان ~~جميعها حجة مشروعة ولما خرج بعضها من التعليل إجماعا دل أن كلها خارج لأن ~~صنعه السمع في جميعها على السواء هذا بعض شبههم من حيث المعقول وسنبين ما ~~يدعون من السمع # PageV02P073 # المانع منه ويدخل في ذلك تقرير بعض ما ذكرنا من قبل وتعلقوا بقوله تعالى: ~~{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب} [العنكبوت: 51] فأخبر الله تعالى أن ~~الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف وقال تعالى: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] والقياس الذى نستنبطه نحن ~~من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا وإنما المنزل ~~كتاب الله وسنة رسوله فإنه ما كان ينطق عن الهوى إنما ما كان ينطق عن الوحى ~~وقال سبحانه وتعالى في صفة كتابه: {تبيانا لكل شيء} وقال: {ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين} فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله عز وجل إما في ~~نصه أو في إشارته أو أقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد فالابقاء على الأصل ~~الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى قال الله تعالى: {قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 149] الآية فالله ~~تعالى أمر بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في ms521 كتاب الله تعالى لثبوت الإباحة ~~كالأصلية وقد ذكرنا هذا من قبل فيصير على هذا كل تاأحكام من رطب ويابس ~~بيانه موجودا في كتاب الله تعالى فيبقى الرأى مستعملا لتعرف الحكمة التي ~~فيها علم المصلحة عاقبة وهى مما لا توقف عليها بالرأى والإجماع لأن المصلحة ~~في كل ما شرع الله تعالى من الأحكام التي هى النجاة في الآخرة وبالآراء لا ~~تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك به المصالح العاجلة التي يوقف عليها بالحواس ~~والتجارب. فتعرف نظائرها بالقياس وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم} وقال: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} والقياس لا يفيد ~~العلم فيكون قولا باطلا وأما خبر الواحد فأصله كلام النبى صلى الله عليه ~~وسلم وهو يوجب العلم يقينا وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال الينا فلا ~~يبطل أصل الخبر بهذا الاحتمال وكان هذا بمنزلة النص المأول بالرأى من كتاب ~~الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب فإنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في ~~أصله موجب وأما القياس في الأصل محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال. قالوا: ~~وليس يدخل على هذا تعرف جهة القبلة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك حيث ~~تعرف1 هذه الأشياء بالرأى لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا ومما ~~يوقف عليه بالحواس وكذلك قيمة الشئ تعرف بمعرفة النظائر وطريق العلم بها حس ~~البصر وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك كثير ممن مضى من الأمم وأمرنا ~~بالاعتبار بها وذلك يكون PageV02P074 # بالرأى لأن المقصود من ذلك معرفة هلاك مثله بمثل ذنبه وتلك المعرفة إما ~~بحس العين أو بحس الأذن وكان الاحتراز من مثل سببه من مصالح الدنيا وحل ذلك ~~محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على تلف مثله يتناوله ومثل ~~الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعته. فلم تكن معرفة هذه الأشياء من ~~أحكام الشرع. قالوا: فالله تعالى قد أكرم الآدمى بالرأى لكن ليستدرك به ~~مصالح عاجلة ليبقى إلى جنبه المضروب له بتدبيره وجعل طريق استدراكه للوقوف ~~على نظير ms522 ما عمله سببا من خير أو سوء وكان الرأى حجة للآدمى في أمثال هذا. ~~فأما الشريعة فما شرعت إلا الآخرة وتلك المصالح تثبت على خلاف مصالح الدنيا ~~فلا يكون الرأي فيها حجة ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا وهى ~~طريق العلم لنا في الأصل لم نقف على نظائرها بالرأى يلزمنا وجوب التأمل في ~~معانى النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا وهى مما يوقف عليها بحاسة ~~السماع من أهلها ولم يكن هذا من الشريعة في شئ فإن قيل: فإنها كانت قبل ~~الشرع وإنما أنكر استنباط المعنى الذي يتعلق به حكم الشرع فإنه من أمور ~~الآخرة فثبوت الحكم على ما ثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى وليس هو من ~~معانى اللسان في شيء. قالوا: فتحمل الآيات الوارده بالأمر بالتفكر ~~والاعتبار على هذا القبيل وتحمل النصوص التي نهت عن العمل بالرأى وألزمت ~~اتباع الوحى على أحكام الشرع وعلى هذا تحمل مشاورة النبى صلى الله عليه ~~[وسلم] 1 أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وقد شاورهم فيها ~~والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا وما هو بحكم شرعى والنبى صلى الله ~~عليه [وسلم] 2 ما شاور أحدأ في حكم من أحكام الشرع بحال. هذه الكلمات من ~~الآية المذكورة كلمات ذكرها القاضى أبو زيد في كتابه حجة لهم. رجعنا إلى ما ~~ذكرناه آية الأصوليين لبقاء القياس من الدلائل الشرعية في المنع منه ~~وتعلقوا من الكتاب سوى ما ذكرناه بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول} [النساء: 59] ولم يقل إلى القياس فتضمنت الآية نفيه وقال ~~سبحانه وتعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116] والقياس مفترى وقال تعالى: {قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا PageV02P075 # قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59] والقياس يحل ويحرم فصار ~~مفتريا على الله تعالى وتعلقوا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين ms523 يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] والقول بالقياس تقديم بين يدى ~~الله ورسوله وتعلقوا بالأخبار ومنها ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينزعه من الناس ولكن بقبض العلم بقض العلماء فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس ~~رءوسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" 1 والفتوى بالرأي فتوى بغير علم ~~لأن الظن لا يكون علما بحال وروى واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه ~~[وسلم] 2 قال: "لم يزل أمر بنى إسرائيل مستقيما حتى حدث فيهم أبناء السبايا ~~فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا" 3. # وروى أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "تعمل هذه الأمة برهة ~~بكتاب الله وبرهة بسنة رسول الله وبرهة بالرأى فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا" 4. # وروى عوف بن مالك الأشجعى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تفترق ~~أمتى على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتى يقيمون الأمور بآرائهم فيحللون ~~الحرام ويحرمون الحلال" 5. # وروى أبو الدرداء رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الحلال ~~ما أحل الله والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عفو" 6. # وأما الآثار عن الصحابة تعلقوا بما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه ~~أنه قال: أي سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت في كتاب الله برأيى. ~~PageV02P076 # وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن ~~أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وثقلت عليهم السنن أن يعوها فقالوا برأيهم ~~فضلوا وأضلوا1. # وعن علي رضى الله عنه [قال] 2: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أحق ~~بالمسح من ظاهره3. # وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال: اتهموا الرأى على الدين فإن الرأى منا ~~تكلف وظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا. # وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: إن عملتم في دينكم بالقياس أحللتم ~~كثيرا مما حرم الله تعالى وحرمتم كثيرا مما أحل الله. # وأما الآثار ms524 عن التابعين روى عن ابن سيرين أنه قال: أول من قاس إبليس وما ~~عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس4. # وقال الشعبى ما حدثوك عن أصحاب محمد صلى الله عليه [وسلم] 5 فأخبره وما ~~أخبروك به عن رأيهم فألقه في الحش وفى رواية: فبل عليه6. # وعن مسروق: لا أقيس شيئا إنما أخاف الله تعالى أن تزل قدم بعد ثبوتها7 ~~وفى هذا المعنى عن التابعين ومن بعدهم كثير. # وذكرنا أكثر من ذلك في كتاب الانتصار واستدل النظام فقال: إن الله تعالى ~~دلنا بموضع الشريعة على أنه منعنا من القياس فإنه تعالى فرق بين المتفقين ~~وجمع بين المتفرقين فأباح النظر إلى الأمة وحرم النظر إلى شعر الحرة وإن ~~كانت شوهاء وأيضا PageV02P077 # أباح النظر إلى وجه الحرة وحرم النظر إلى شعرها مع اتفاقهما في معنى ~~الشهوة وربما يكون هيج الشهوة عن النظر إلى الوجه أكثر منه عند النظر إلى ~~الشعر وأوجب الغسل من المنى1 دون البول وحرم الصلاة بالحيض2 دون الاستحاضة3 ~~وأوجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة4. # ببينة: أن القياس ليس إلا تشبيه الشئ بالشيء. # وقد زعمتم أن التفريق بين المتشابهين5 لا يجوز وقد وجد التفريق بينهما في ~~غير موضع من أحكام الشرع بدليل هذه الصورة. بل قد ترك الشرع الأولى عند ~~النظر في المعانى بدليل أن المني نجاسته دون نجاسة البول وأوجب بخروجه ~~الغسل وأوجب بخروج البول الوضوء خاصة وأيضا فإن الله تعالى أوجب الحد على ~~من رمى محصنا بالزنا6 ولم يوجب على من رمى إنسانا بالكفر والشرك شيئا7 ~~والكفر فوق الزنا. # ببينة: أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات ~~والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل ~~للرأي فيه. # قالوا: ولأنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين متضادي الحكم وذلك يقتضى ثبوت ~~حكمين في محل واحد على وفق الشبه وهذا باطل فإذا القول بالشبه باطل. # قالوا: ولأن الإنسان لو قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسودا أو بريعا ~~لأنه أبيض لم يجز أن يعتق في الأول ms525 كل عبد له أسود ولا في الثانى كل عبد له ~~أبيض. # واحتج أبو زيد لهم أيضا فقال: إن أصل الشرع من أحكام الله تعالى في ~~الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم وهى كلها خالص حق الله تعالى لأنها ~~حدود دينية وحق الله تعالى لا ينبغى أن يثبت إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم ~~قطعا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأى لا يوصلنا إلى ما عند الله ~~تعالى. PageV02P078 # قال: وأما أخبار الرسول صلى الله عليه [وسلم] 1 فهى غير مختلفة وهى في ~~أصلها موجبة للعلم وأنما اختلفت الرواية على ما سبق. قالوا: ولأن في منعنا2 ~~من القياس أمرين بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين فإنا متى حجرنا عن القياس ~~يلزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معانى اللسان وفى المحافظة على ~~النصص إظهار قالب3 الشريعة كما شرعه وفى التبحر في معاني اللسان إثبات حياة ~~القالب فتموت البدع بظهور القالب ويسقط الهوى عند حياة القالب وهذا لأن ~~القالب لا يحيا إلا باستعمال الفكر في معانى النصوص ومعانيها جمة وافرة لا ~~تنزف بأول الرأى وأول الفكر وقد تفنى الأعمار ومعانى النصوص تبقى غير ~~مستدركة فثبت أن في ترك القياس موت البدع وسقوط الهوى فتموت البدع تماما من ~~الدين وبسقوط الهوى استقامة العمل وفيها الفوز والنجاة للناس فهذا الذي ~~ذكرناه احتجاج نفاة القياس وسنجيب بعون الله تعالى ونبتدئ بإثبات كونه ~~دليلا لله تعالى في أحكام الشرع من حيث المعقول ومن حيث السمع وإنما نذكر ~~من حيث العقل على طريق الرد عليهم والمعتمد هو السمع وأما دلائلنا في إثبات ~~القياس. قال أولا: ونبين أن العقل يدل على التعبد به. فنقول: إن مرادنا ~~بقولنا: إن العقل يدل على ذلك هو أنا إذا غلب على ظننا بأمارة شرعية علة ~~حكم الأصل. ثم علمنا بالعقل أو بالحس ثبوتها في شئ آخر فإن العقل يدل على ~~قياس ذلك الشئ على ذلك الأصل بتلك العلة أما جواز قيام أمارة شرعية على علة ~~حكم الأصل فهو أنا إذا علمنا أن قبح شرب الخمر تحصل ms526 عندشدتها وينتفي عند ~~انتفاء شدتها كان ذلك يقتضى الظن بكون شدتها علة تحريمها ومعلوم أن الشدة ~~ثابته في النبيذ وإنما قلنا: إن العقل يدل على قياس النبيذ على الخمر لأن ~~العقل يدل على قبح ما ظننا فيه أمارة الضرر وأمارة الضرر التحريم الا ترى ~~أن العقل يقتضى قبح الجلوس تحت حائط مائل لعلمنا بثبوت أمارة المضرة فإن ~~قيل: كيف يجوز القطع على قبح ما وجدت فيه أمارة التحريم والمضرة مع أن ~~الأمارة تخطئ وتصيب قيل له: كما يجب مثله في أمارة المضرة الحاصلة في ~~القيام تحت حائط مائل فإن قيل: العقل إذا انفرد يقتضى إباحة شرب النبيذ فلم ~~يجز الانصراف عنه PageV02P079 # لأمارة. قيل له: هذا موجود في الجلوس تحت حائط مائل لأن العقل يقتضى ~~إباحة الجلوس في الأصل فيجب أن لا ينتقل عن هذه الإباحة لأمارة تجوز أن ~~تخطى وتصيب فإن قيل: إنما حسن الجلوس بشرط أن لا يكون فيه أمارة التحريم ~~والمضرة فلا فرق بينهما هذا دليل المتكلمين من المعتزلة ذكرناه على ما ~~أورده أبو الحسين البصرى والأولى أن نذكر دليل العقل على وجه لا يؤدى إلى ~~مذهب من مذاهبهم فنقول قد ثبت القول بحجج العقول في مواضعها فعلى هذا نقول: ~~إن من قضية العقل أن كل شيئين مشتبهين فحكمهما من حيث أشتبها واحد ولولا أن ~~الأمر في العقول كذلك لم يكن لنا سبيل إلى التمييز بين المتضادين ولا عرفنا ~~صادقا من كاذب ولا محقا من مبطل ولا كاملا من ناقص ولا قصيرا من طويل ولذهب ~~علم الحواس وبطلت فائدته وذكر الله الأمثال في كتابه وضرب الشبه بين المثال ~~والممثل به وجرت عادة أهل العقل باستعمالها في كلامهم وابتذالها في ~~مخاطبتهم وجمعوا بالمعنى بين الشئ وغيره وألحقوا حكمه بحكمه وهو كقول ~~القائل إينما أتوجه ألقى سعدا وهو مثل مشهور من أمثال العرب وهو لرجل من ~~بنى سعد رأى من قومه هذه الحكمة وسوء جوار فرحل عنهم وانتقل إلى قوم آخرين ~~فرأى منهم مثل ذلك فأرسل هذه الكلمة مثلا وذلك ms527 أن القوم الذين صار إليهم ~~لما كان معناهم في جواره معنى بنى سعد جعله منهم وألحقة في الحكم بهم وأجرى ~~سنته عليهم وهو معنى قوله كل وبنو سعد وينو سعد قومى وعلى هذا يقا: خزيم ~~الناعم: إذا وصفوه بالترفة والنعمة وما فلان إلا سخيا [وهو كما يقال] 1 هو ~~الأمير إياد وصفوة بالبيان والفصاحة. ويقال: ما فلان إلا كليب [بن واسق إذا ~~وصفوه] 2 بالعز والمتعة والسلطان3 إلا قارون إذا وصفوه بالثروة وأمثال هذا ~~تكثر وعلى هذا المعنى. قيل للرجل الشجاع: أسد وللبليد حمار وللذمى كلب وكان ~~متمم بن نويرة بعد ما نجع بأخيه مالك بن نويرة وهذا الذي قتله خالد بن ~~الوليد لا يرى قبرا إلا بكى فعوتب على صنيعه. فقال: # وقالوا أتبكى كل قبر رأيته ... لقبرثوى بين اللوى والدكادك4 PageV02P080 # فقلت لهم أن الأسى يبعث الأسى ... دعونى فهذا كله قبر مالك # فهذا أعرابى من بنى يربوع لا يعرف مذاهب الفقهاء في القياس ولا طريقهم في ~~الاعتبار وإنما جرى ذلك على حكم أرشده إليه عقله وسجية هداه اليها طبعه حين ~~رأى الشبه بين الكل في معنى واحد وأمثال هذا تكثر فثبت أن الأمر في العقول ~~الصحيحة على ما قلناه من أن كل مشتبهين فحكمهما من حيث اشتبها واحد وصح أن ~~المعانى أدلة وأنها متى وجدت متفقة أو حيث اتفاق الحكم ومهما كانت مختلفة ~~أوجبت اختلافه. # ببينة: أنه إذا كان النظام ومن تبعه يتبعون أدلة العقل في العقليات وبه ~~يستدلون على إثبات الصانع وعلى حدث العالم إلى سائر ما هو معروف فوجب ألا ~~يمتنعوا من ذلك في أحكام الشرع وفى فروع السمعيات فإنه إذا استقل شئ بأعظم ~~الأمرين كان قمنا1 أن يستقل بأيسرها وإذا جاز أن يتعبدنا الله به في أصول ~~الدين جاز أن يتعبدنا ويجعله دليلا في فروعه. فإن قيل: القياس في العقليات ~~لا يتغير ولا يوجد فيه التفريق بين المشتبهات وقد وجد ذلك في السمعيات على ~~ما سبق بيانه. # والجواب: أن الأصول التي يقع إليها رد الفروع في الشرعيات ms528 لا يتغير أيضا ~~لأن الله تعالى قد أكمل الدين وبين الناسخ والمنسوخ واستقرت الشرعية قرارها ~~فالسمعى والعقلى فيما تنازعنا فيه بمثابة واحدة وأما التفريق بين المشتبهات ~~فغير جائز عندنا أن يقع التفريق بينهما من الوجه الذي يتعلق به الحكم فيهما ~~وإن جاز أن يقع ذلك من سائر الوجوه وإنما المعتبر في الجمع والفرق على ~~النكتة التي هي مناط الحكم ورباطه دون ما سواه وأما المسائل التي ذكروها من ~~التفريق الموجود بين المشتبهين فالنص فرق بين المنى والبول والحيض ~~والاستحاضة والحرة والأمة وقد يمكن أن يوجد معنى الوفاق بين المنى والبول ~~من وجه وموضع الخلاف من وجه وذلك أن المنى والبول من حيث كانا خارجين من ~~مخرج واحد جاءت الشريعة فيهما بإيجاب الطهارة فوجب التسوية بينهما في نوع ~~الواجب ولم يقع التفريق بينهما في أن يجعل في أحدهما الطهارة بالماء وفي ~~الآخر الطهارة [بالماء] 2 وأما موضع الافتراق فهو أن أحدهما وهوالبول من ~~حيث كان يكثر خروجه من بدن الإنسان وتدوم البلوى والمحنة فيه ورد ~~PageV02P081 # الشرع بتخفيف الطهارة عن صاحبه لئلا يشق عليه ولا يلحقه الضرر المجحف ~~وأما المنى فإن خروجه من بدن الإنسان نادر وأنما هو في الفرط والحين فلما ~~لم تكثر البلوى فيه وكان خروجه في العادة بالشهوة واللذة التي تشيع في جميع ~~البدن ولم يكن في إيجاب الاغتسال ضرر قادح ورد الشرع بأعم الطهارتين ~~وأسبغهما وأما الأمر في وجه المرأة وشعرها. قلنا: الأصل أن بدن المرأة كله ~~عورة وأن عليها الستر وترك التبرج إلا أن موضع الوجه منها موضع الحاجة ~~والضرورة لأن إثبات عينها والمعرفة بها عند المعاملات لا يقع إلا برؤية ~~الوجه وأيضا فإن مصلحتها في أسباب معاملتها لا يكمل إلا بذلك وأما الشعر ~~فلا ضرورة في إبرازه بحال فصار كسائر بدنها وإن تعلقوا بالحرة والأمة في ~~الشعر وصورة الحرة الشوهاء والأمة الحسناء. فيقال لهم: إن القياس يقتضى ~~الجمع بين الشيئين في الحكم واختلافهما إذا اشتركا وافترقا في علته لا في ~~صورته فبينوا أولآ أن شعر الأمة ms529 والحرة اشتركا في علة التحريم والإباحة حتى ~~يكون ورود الشرع بالتفرقة بينهما ورودا بما يمنع القياس. قال النظام: غرضي ~~بما أوردته الإبانة عن أن الشريعة قد شهدت بإبطال أماراتكم لأن الشريعة لو ~~حرمت النظر إلى شعر الحرة ولم تذكر الأمة قلتم إنما حرم ذلك خوف الفتنة ~~وذلك قائم في شعر الأمة الحسناء فوجب أن يحرم النظر إليه وهذا من أقوى ~~أماراتكم في القياس فإذا شهدت الشريعة بإبطاله صح قولنا: إن وضع الشرع مانع ~~من القياس. قال النظام: ونبين هذا الفرق بين القياس العقلى والقياس الشرعي ~~فإن الأحكام العقلية لا تتفق مع التباين في العللل العقلية ولا تختلف مع ~~الاتفاق في العلل ونحن نقول: إن شعر الأمة وشعر الحرة خارج على ما قلناه من ~~اعتبار الحاجة. فإن الجارية سلعة تباع وتشترى وبالناس حاجة إلى النظر إلى ~~وجهها وشعرها عند المعاملات فأعرض الشرع عن خوف الفتنة لوقوع الحاجة بخلاف ~~الحرة فإن الأصل أنها عورة فالشرع حرم النظر سواء كانت شوهاء أو حسناء حسما ~~للباب وسدا له وزيادة احتياط للأمور وأما وجوب قضاء الصوم على الحائض وسقوط ~~قضاء الصلاة ففيه إجماع وعلى أنه ليس بمستنكر وقوع الفرقان بين الصلاة ~~والصوم. ألا ترى أن االمسافر يدع الصوم أصلا ولا يجوز تركه الصلاة وإنما ~~السفر تأثيره في إثبات القصر ثم نقول إن الصوم ليس مما يتكرر في دوام ~~الأوقات كالصلاة وإنما هو في السنة شهر واحد وربما يمر عليها الشهر كله ولا ~~تحيض فيه فلم يكن في إلزامها الصوم كبير مشقة ولا كبير مضرة أما الصلاة لو # PageV02P082 # كلفت قضاءها لأيام حيضها لحقها حرج ظاهر ومشقة شديدة فرفع الله تعالى ~~القضاء عنها رفقا بها وتخفيفا عنها وأما القذف بالزنا والقذف بالكفر فالفرق ~~بينهما ظاهر لأن المقصود من إيجاب الحد نفى العار عن المقذوف والكفر قد ~~ينتفى عنه بقول يبديه فيسلم من عاره والزنا لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه ~~بالقول فلم يكن بد من إيجاب الحد لينتفى منه عاره وشينه. # ببينة: أن الكافر يفعل الكفر تدينا ms530 فلا يتعير به بخلاف الزنا فإن المرء ~~يفعله مستقبحا له فيلزمه العار العظيم من النسبة إليه ويمكن الجواب عن هذه ~~الشبهة بجواب جدلى يدفع السؤال من أصله فيقال إنه ليس فيما قاله سوى أنه ~~أرانا أمثال أماراتنا وقد نفت الشريعة أحكامها وذلك لا يمنع من كونها أمارة ~~لأنه ليس من شرط الأمارة أن تدل هى وأمثالها على حكمها على كل حال. بل قد ~~تنجزم دلالتها ولا تخرج عن كونها أمارة. # ألا ترى أن الغيم الرطب أمارة في الشتاء على المطر. ثم قد نجد غيما أرطب ~~من كل غيم في صميم الشتاء وتخلف المطر ولا يدل ذلك على خروج الغيم الرطب عن ~~كونه أمارة وكذلك وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة على كونه عند ~~الأمير ثم قد يوجد مركب القاضى على باب الأمير وليس القاضي هناك ولا يدل ~~ذلك على خروج ما ذكرناه عن كونه أمارة ونقول قولكم الشرع جمع بين المختلفين ~~وفرق بين المتفقين كلام باطل لأن ذلك يوجب إحالة القياس في العقليات لأن ~~العقل جمع بين المتضادين في حكم واحد كاجتماع السواد والبياض في الحاجة إلى ~~محل وجمع بين مختلفين غير متضادين في الحكم كاجتماع الأعراض والأجسام ففى ~~الافتقار إلى محدث وأمثال هذا تكثر وإذا كان مثل هذا يوجد فلا تخرج ~~أماراتنا على الأحكام من كونها أمارات لها لوجودنا أماراتها والأحكام ~~مختلفة عنها وهذا لأنه يجوز أن يفرق الله بين الأصول في الأحكام فيجعل ~~بعضها عقيما لا يثمر فرعا وبعضها مثمرا يستدل بمعانيها على فروعها وثمارها ~~وعلى أنا نزيد لما ذكرنا من أصل الطريقة تقريرا لنبين به الكلام زيادة بيان ~~وهو أنه لو لم يكن لأحكام الشرع معان تجري في جميع ما وجدت فيه تلك المعاني ~~لم تكن تتعدى مواضعها التي وقعت فيها والأعيان التي خرجت عليها ولم يجز أن ~~يشارك عمرو الذي لم يحكم له أو عليه بها زيدا الذي حكم له أو عليه ولما ~~اتفقوا على أن في رجم ماعزا دليلا على رجم غيره إذا زنى ms531 وفى بيع عبد مدبر # PageV02P083 # دليل على جواز بيع مدبر غيره وفى قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبى ~~حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي" 1 دليل على ~~أن غيرها من النساء يكن أمثالها في هذا الحكم وفي قوله صلى الله عليه وسلم ~~لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 2 دليل على غيرها وفى قوله صلى الله ~~عليه وسلم للأعرابى حين قال له: هل على غيرهن قال: "لا إلا أن تطوع" 3. ~~دليل على سقوط ما وراءها عن كافة الناس وقد روى عن النبي صلى الله عليه ~~[وسلم] 4: أنه خرج مرة وفى يده ذهب وحرير. فقال: "هذان حلال لإناث أمتى ~~حرام عل ذكورهم" 5 وإنما وقعت الإشارة منه في ذلك القول إلى ما في يده ~~منهما ثم كان الحكم متعديا إلى جميع الجنس فيهما فثبت أن المعانى في ~~الأحكام معتبرة وأنها إلى كل عين وجدت فيها متعدية. وهم يقولون: إنما ~~أثبتنا هذه الأحكام التي ذكرتموها في حق غير من ورد فيهم بدليل آخر فيجوز ~~أن يكون ذلك الدليل هو الإجماع ويجوز أن يكون ذلك الدليل قوله صلى الله ~~عليه [وسلم] 6: "خطابي للواحد خطابي للجماعة". وقالوا أيضا: الكلام في ~~العلل الظنية وكون الزنا مع الإحصان علة الرجم علة مقطوع بها وكذا في سائر ~~ما قلتم والاعتماد على ما سبق # طريقة ثانية في إثبات القياس # نقول: الضرورة داعية إلى وجوب القياس لأن النصوص متناهية والحوادث غير ~~متناهية ولابد أن يكون لله تعالى في كل حادثة حكم إما بتحريم أو تحليل فإذا ~~كانت النصوص قاصرة عن تناول جميع الحوادث وكان التكليف واقعا بمعرفة ~~الأحكام لم يكن لنا طريق نتوصل به إلى معرفتها إلا القياس. ألا ترى: أنا ~~إذا تركنا القياس تعطلت PageV02P084 # أحكام الحوادث فصح قولنا: إن الضرورة داعية إلى استعمال القياس والأصل أن ~~الأسباب والمعاون التي بها يتوصل إلى الشئ المأمور به في معنى المأمور به ~~والمنطوق بذكره فيكون الأمر الوارد بالجملة منطويا عليها وإنما يقع السكوت ~~عنها اختصارا للكلام ms532 واعتمادا على فهم المخاطب وهذا كالقبلة أمرنا ~~باستقبالها في حال الغيبة كان الاستدلال بالعلامات الموصلة إليها لازما لنا ~~ومعلوم أن من استؤجر لإيصال كتاب إلى موضع كان عليه فعل ما يوصله إليه من ~~سير وقطع مسافة ومن استأجر أجيرا ليخبز له خبزا فقد انتظم ذلك إيقاد النار ~~وتسجير التنور وإن لم يجر ذكره في لفظ الإجارة وكذلك ها هنا إذا لم يصل إلى ~~معرفة أحكام الحوادث إلا بالقياس وجب عليه استعمال القياس كما لزمنا حكم ~~الحادثة يدل عليه أنا إذا سلكنا هذا الطريق وصلنا به إلى الائتمار وإذا ~~عدلنا عنه لم نصل إليه بعلمنا أنه الواجب وقد أمرنا بنفقة الزوجات وتقويم ~~المتلفات وأورش الجنايات ولم يرد بتقديرها توقيف ولا يجوز أن يكلف معرفته ~~ما لا سبيل لنا إلى معرفة فعلم أن طريقها الاجتهاد واستعمال أسبابه الموصلة ~~إليها. فإن قيل: لا ضرورة لأن العلة قد ارتجت بما يدل عليها قضايا العقول ~~في الحوادث على مما ذكروا في حجتهم قد بينا من قبل أن العقل لا يدل على شئ ~~بنفسه لا تقبيح ولا تحسين ولا إيجاب ولا حظر وقد ذكرنا في هذا الباب ما فيه ~~غنية وعلى أن الدليل من حيث [إن] 1 العقول متعارضة لأن قول من يزعم أن ~~العقل يدل على إباحة الأشياء في الأصل يعارضه قول من يزعم أنه يدل على ~~الحظر وبإزائها من يقول بالتوقف فإذا تعارضت هذه الأقوال فعلى أيها يعتمد. ~~ثم يقال لهم: ما ذهبتم إليه من الرجوع إلا دلائل العقول مخالف لفعل النبى ~~صلى الله عليه [وسلم] 2 فإنه صلى الله عليه وسلم كان يقف في الأمور التي لا ~~يجد فيها نصا ولا يردها إلى الإباحة بقضية العقل وكذلك الصحابة كانوا ~~يقيسون الأحكام بأدلة الشرع. ويقال لهم: أيضا إنا قد وجدنا في الشرع مسائلا ~~وأحكاما لا يتصور الحكم فيها على قضايا العقول لأن ما قاله إنما يتصور في ~~الاشياء التي اختلفوا في تحليلها وتحريمها. فنقول: احملها على قضية العقل ~~في إثبات الإباحة وإذا وقع التنازع ms533 ففى أمر العقود والفسوخ وإلزام كل واحد ~~من المتعاقدين تسليم ما يلزم منها وإسقاط ما يسقط كيف يحمل أمثال هذا على ~~قضية PageV02P085 # العقل وكذلك في باب الأنكحة فلا يدرى كيف يتمشى هذا الأصل الذي زعموه. ~~فإن قالوا: يستصحب الحال فيما لا دليل فيه. قلنا: استصحاب الحال في العقود ~~مع الاختلاف متعذر متناقض لأنه ما من حكم يتسصحب فيه حالة لإثباته إلا ~~ويعارضه ما يوجب نفيه. أنه إذا وقع الاختلاف في فسخ النكاح بالعيب. ألا ~~ترى: فالاستصحاب من أحد الجانبين يوجب الفسخ والاستصحاب من الجانب الآخر ~~يمنع الفسخ وكذلك إذا اشترى جارية ثيبة ووطئها. ثم اطلع على عيب بها وأراد ~~ردها فإن الاستصحاب في أحد الجانبين يوجب الرد وفى الجانب الآخر يمنع الرد ~~فثبت أن الضرورة التي ادعيناها متحققة قطعا والذي قالوه خيرا من كلامهم أن ~~الفكر في معاني النصوص وأشارتها وقضاياها تغنى عن القياس مجرد دعوى ونحن ~~نعلم بطريق القطع وجود حوادث لا تدل عليها النصوص بوجه ألا ترى أنا وجدنا ~~حوادث اختلف الصحابة فيها وقال كل أحد بخلاف ما قال صاحبه ولم يحتج أحد ~~منهم على الآخر بنص ولا بمعنى نص ولو كانت النصوص تتناول جميع الحوادث ~~لاحتجوا بها وإن رجعوا إلى قضية العقل فقد سبق إبطاله وعلى أن تناول العقل ~~حكم الحادثة إنما يقتضى إثبات حكمة فيها ويغنى عمن سواه إذا لم ينقل عن ~~العقل دليل شرعى فعليهم أن يثبتوا أن القياس ليس بدليل شرعى يوجب الانتقال ~~عن قضية العقل هذا إذا كان القياس غير مطابق لحكم العقل وأما إذا كان ~~مطابقا له فما المانع أن يدل هو على الحكم إيجاد مع العقل كما يدل العقل ~~على الحادثة مع خبر الواحد فبطل ما قالوه من كل وجه. # طريقة ثالثة في إثبات القياس: # فهو التمسك بإجماع الصحابة وذلك أنهم اختلفوا في أمر من أمور الدين فصار ~~كل واحد منهم إلى نوع من القياس فلم ينكر صاحبه ذلك منه مع إنكاره عليه ~~قضية حكمه كمسألة الجد1 والمشتركة وميراث ذوي الأرحام ms534 فإن الاختلاف بينهم ~~في هذه PageV02P086 # المسائل مشهور واحتجاجهم فيها من طريق القياس مذكور كقول ابن عباس لزيد: ~~أتجعل ابن الابن ابنا ولا تجعل أب الأب أبا وتشبيه زيد مثالا بالرأى في ~~مسألة الأخوة مع الجد وذلك مثال غصن الشجرة وجدول النهر وروى قريب في هذه ~~المسألة عن على وكقول من حاج عمر في توريث الأخ للأب والأم مع الأخوة للأم ~~في مسألة المشتركة1 هب أن أبانا كان حمارا ألسنا بنى أم واحدة فرجع عمر إلى ~~التشريك2 لما نبهه هذا الرجل على موضع المساواة في السبب الذي يستحق به ~~الإرث وروي أن أبابكر رضى الله عنه ورث أم الأم ولم يورث أم الأب. فقال له ~~عبد الرحمن بن سهل لرجل من الأنصار وقد شهد بدرا: لقد ورثت امرأة لو كانت ~~هي الميتة لم يرثها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورثها. فأشرك عند ذلك ~~أبو بكر رضي الله عنه بينهما PageV02P087 # بالسدس1 واتفقت الصحابة على الزيادة في حد الشارب2. وقالوا: إذا شرب سكر ~~وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون3. ثم قالوا: هو رأى رأيناه ~~بعد رسول الله صلى الله عليه [وسلم] 4 وأوجبوا فيه الدية إذا أتلف بالضرب ~~واختلفوا في أم الولد: فقال علي: اجتمع رأيى ورأي عمر أن لا يبعن ثم رأيت ~~بيعهن وكتب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى كتابا في تعليم القضاء ~~[فقال فيه] 5: الفهم الفهم فيما يتحالج في صدرك مما ليس في الكتاب والسنة ~~أعرف الأشباه والأمثال. ثم قس الأمور وراجع الحق إذا علمته فإن الرجوع إلى ~~الحق أولى من التمادي في الباطل6. # وعن ابن مسعود رضى الله عنه في قصة بروع بن واشق: أقول فيها برأيى فإن ~~كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان: لها مهر بمثل نسائها لا ~~وكس ولا شطط7 وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: إنى رأيت في الجد رأيا ~~فاتبعونى وقال له مسروق أو غيره إن تتبع رأيك فرأيك رشد وأن تتبع رأى من ms535 ~~قبلك فنعم ذا الرأى8 يعنى أبا بكر رضى الله عنه أو غيره كان وقال رضى الله ~~عنه في قصة بروع بالرأى حسبها الميراث لا مهر لها9. وقال ابن مسعود في دم ~~بين اثنين عفا أحدهما أرى هذا أحيا بعض النفس قال عمر: وأنا أرى ذلك ~~واختلفوا أيضا في مسألة الحرام. PageV02P088 # فقال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما: هو يمين1 وقال على كرم الله وجهه: هو ~~طلاق [ثلاث] 2. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: طلقة واحدة3. # وقال ابن عباس رحمة الله عليه: هو ظهار. # واختلفوا أيضا في مسألة المخيرة وخلافهم في ذلك معروف في اختيارها نفسها4 ~~أو اختيارها زوجها5. قال زاذان عن على رضى الله عنه: سألنى عمر رضى الله ~~عنه عن المخيرة. فقلت: إن اختارت زوجها فهى واحدة وزوجها أحق بها وإن ~~اختارت نفسها فهي واحدة بائنة. فقال: ليس كذلك ولكن إن اختارت نفسها فهي ~~واحدة وهو أحق بها وإن اختارت زوجها فلا شيء فتابعته على ذلك فلما خلص ~~الأمر إلى عدت إلى ما كنت أرى. فقلنا له: لأمر جامعت فيه أمير المؤمنين عمر ~~رضي الله عنه وتركت له رأيك أحب إلينا من رأى انفردت به فضحك. وقال: أما ~~أنه أرسل إلى ازيد بن ثابت فخافني وإياه. وقال: إن اختارت زوجها فهى واحدة ~~وهو أحق بها وإن اختارت نفسها فهي [ثلاث6] 7 وهم في هذه المسائل رجعوا إلى ~~مجرد الرأى لأنهم لابد أن يكونوا قالوا: عن طريق إذ لا يجوز أن يكونوا ~~قالوا ما قالوا جزافا PageV02P089 # ونحن نعلم أنهم يقولون عن نص فدل أنهم قالوا عن قياس وتتبع هذا يطول ~~والأمر في هذا أشهر من أن يحتاج معه إلى إكثار على هذا المنهاج كان أمر ~~التابعين في المحاجة والمقايسة ولم يصح عن أحد منهم في ذلك إنكار وخلاف وهو ~~ميراث الأمة إلى زماننا فإن قالوا: يحتمل أنهم قالوا ما قالوا عن نص. ثم ~~يقولون: تعلقتم فيما صرتم إليه بالإجماع وأنتم لا تنقلون فيه لفظا جامعا ~~مانعا حتى يكون مرجوعكم إليه ms536 فيما تأتون وتدرون وتصححون وتبطلون والأقاصيص ~~المتفرقة لا ضبط لها فكيف انضبط لكم ما يفسد منها؟ وما يصح ذكر هذا السؤال ~~الشيخ أبو المعالى على هذا اللفظ وذكر أن هذا سؤال مشكل. # والجواب: أن دعوى النص محال لأنه لا يتصور من جهة العادات في عدد كبير ~~يهتمون بنقل كلام من يعظمونه حتى ينقلوا ما لا يتعلق به حكم شرعى أن يعملوا ~~إظهار ما اشتدت إليه الحاجة مما يتعلق به حكم شرعى ووقع فيه الاختلاف ~~ويفارق هذا ترك نقل ما اجتمعوا عليه لأجله فإنه يجوز لأن الإجماع حجة وقد ~~أغنى عن الخبر وليس كذلك إذا وقع الاختلاف ووقعت الحاجة إلى المحاجة بالنص ~~فلا يتصور أن يكتموا الخبر إن كان هناك خبر. # وأما كلامهم الثاني: فقد حكم المورد له أنه سؤال كل ولا أدرى وجه الإشكال ~~في هذا السؤال وهذه الآثار صرحت المصير إلى الرأى من الصحابة بالانضباط ~~فيما اتفقوا عليه وقد دلت هذه الآثار أنهم قالوا ما قالوه عن الرأى فإن ~~قالوا: لم يحك عنهم الاختلاف في الأقوال في هذه المسألة ولم ينقل عنهم ~~تصريح بعلة. قلنا: قد ذكرنا ونقلنا محاجتهم بضرب الأمثلة وعلى أن التنبيه ~~منهم على العلة والقياس قد وجد وتعين مسألة واحدة. فنقول في مسألة الحرام: ~~من قال منهم: إنه طلاق ثلاث1. فقال: مطلق التحريم يقتضى غاية التحريم ومن ~~جعله طلقة واحدة2 اعتبر أقل ما ثبت ومن جعله إيلاء اعتبر أن الزوج قد منع ~~نفسه بهذا القول عن وطئها ومن جعله ظهارا3 أجراه مجرى ذلك من قبل تقييد ~~التحريم بلفظ ليس بلفظ طلاق ولا إيلاء PageV02P090 # وإذا كان هذا الذى ذكرناه ممكنا ولم يكن ذكر نص ولأنهم قالوا بغير طريق ~~وجب القطع على أنهم أرادوا ما ذكرناه أو ما يجرى مجراه وأيضا فإن الناس قد ~~يقتصرون على الفتوى في كلامهم ويعلم السامع الوجه الدال على الفتوى من نفس ~~الفتوى وقال بعضهم: إنهم قالوا في مسائل المواريث ما قالوه بالصلح أو بأقل ~~ما يجب وهذا ليس بشئ لأن المنقول في ms537 مسألة المواريث إثبات الإرث ونفيه ~~وتقديره في بعض المواضع فكيف يتصور الصلح على هذا؟ وقولهم: إنهم أوجبوا أقل ~~ما قيل باطل لأنه لم يتقدم اختلافهم [في] 1 أقوال هم قالوا بأقلها ولا ~~اتفوا على قول حتى يقال: إنه أقل ما قيل بل قالوا أقاويل متباينة بعضها ~~يخالف البعض وثبت ها هنا عما نقلوه عن الصحابة والتابعين من ذم الرأى قلنا ~~إنما قالوه في الرأى الفاسد الذي لا [تعلق] 2 له بأصل من الأصول أو قالوا ~~ذلك في القياس قياس الذي بخلاف النص ألا ترى أن عليا رضى الله عنه قال حين ~~قال: لو كان الدين بالرأى ولكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ~~على ظاهر قدميه3 والدليل على أن المراد منهم بما قالوا أحد هذين الوجهين ~~أنه ثبت عنهم القول بالقياس واعتبار الأشباه والأمثال على ما ذكرناه وعلى ~~ما ذكرنا بأول قول التابعين. ألا ترى: أن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس4 ~~وإنما أراد به القياس الفاسد دون الصحيح. # ببينة: أن إبليس كان قد اعترض بالقياس على النص وما كان من القياس كذلك ~~فإنا لا نجوزه ولا نعمل به وكذلك قوله: ماعبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس ~~يرد به المقاييس الفاسدة وقد ورد النهى الصريح في الكتاب عن السجود لها ~~وذلك قوله عز وجل: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن ~~كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] وكذلك الذي حكوه عن الشعبى إنما هو في القياس ~~الخالى عن أداة الأصول وقد كان ظهر في آخر زمان التابعين قوم يقدمون الرأى ~~على السنن فإنما أراد ذلك وكل ما نقل من أمثال هذا يكثر وقد حمل جميع ما ~~نقل من ذم الرأى من الصحابة والتابعين على الرأي قبل طلب السنن وعندنا يجب ~~طلب حكم الحادثة من PageV02P091 # السنة أولا ثم يصير إلى القياس وكذلك الجواب عن الأخبار التي تعلقوا بها ~~عن النبى صلى الله عليه [وسلم] 1 وعلى أنه ليس في تلك الأخبار خبر ثابت غير ~~خبر عبد الله ابن ms538 عمرو في قبض العلم2 فإما سائر الأخبار فلا تعرف ولا نقل ~~في كتاب يوثق به فلا يجوز التعويل عليها. فإن قالوا: اعتمدتم على إجماع ~~الصحابة ولم يوجد إجماع الصحابة لأنكم نقلتم ما نقلتكم عن نفر يسير فأين ~~الإجماع؟ قلنا: نقلنا عن وجوههم ولم ينقل عن واحد منهم خلاف ذلك وقد بينا ~~أن القول المنتشر إذا لم يظهر له مخالف يكون إجماعا فكيف في هذه الأقوال ~~المنتشرة؟ فإن قالوا: إنما تركوا إنكاره لأنه كان صغيرة وإنما تنكر ~~الكبائر. قلنا: كما يجب إنكار الكبائر يجب إنكار الصغائر وعلى أنا بينا أنه ~~لم تجر العادة فيما هذا سبيله أن يظهر الخلاف من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه [وسلم] 3 على شئ ونعلم أنهم قالوا ما قالوا عن الرأى فيكون منكراثم ~~تطبق الجماعة على ترك إنكاره. ألا ترى: أنه لما ظهر بينهم الاختلاف ~~والتنازع كيف أنكر بعضهم على بعض حتى صاروا إلى التجاذب والتقاتل واعلم أن ~~الاحتجاج بإجماع الصحابة دليل في نهاية الاعتماد وهو مما يقطع العذر ويزيح ~~الشبهة فليكن به التمسك. # طريقة رابعة: وهى الاستدلال بالكتاب والسنة: # قال الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] وقال تعالى: {ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ~~[النساء: 83] فأمر بالاعتبار والإستباط والاعتبار اعتبار الشئ بغيره وأجرى ~~حكمه عليه يقال: اعتبر هذا بمقداره وقال ابن عباس رضى الله عنه في الأسنان: ~~اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية4 وقولهم: إن في هذه العبرة مغناة ~~أن فيه ما يقتضى حمل غيره عليه وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من ~~النص حتى يبرز ويظهر فإن قيل: PageV02P092 # الاعتبار الاتعاظ والانزجار وليس بمعنى القياس الذي يدعونه وقيل: إن ~~الاعتبار لا يدل على معرفة الشئ بغيره إنما هو تبيين الشئ نفسه. # ببينة: أنه يقال للقائس معتبر لا لسانا ولا عادة وإنما الذي يعرف معنى ~~المعتبر هو الاتعاظ والتفكر في نفس الشئ والجواب: أن وزن الاعتبار افتعال ~~من العبرة والعبرة أصلها في اللغة المثال ومنها يقال: أخذ ms539 السلطان العشر ~~على عبرة العام الماضي أى على مثاله ومن هذا تعبير الموازين والمكاييل إنما ~~هو تمثيل بعضها ببعض وتسويتها على مثال واحد ومنه تعبير الرؤيا وهو تمثيلها ~~بأمور تطابق معانيها معاني الرؤيا وقيل هو تعديتها ونقلها من ظواهرها إلى ~~مواطن معانيها من قولك عبرت النهر أى صرت من أحد العبرين إلى الآخر والعبر ~~الشاطئ فثبت بما قلناه أن الاعتبار هو إجزاء الشيء على مثال غيره وبطل بهذا ~~ما زعموه أنه معرفة الشئ نفسه والتفكير فيه وأما حملهم على الاتعاظ ~~والانزجار غاية الاعتبار فعلمنا أن معناهما مختلف وقد قال الشاعر في ~~الاعتبار: # واعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب # وظهر بهذا أن الاعتبار هو ما قدمناه من اعتبار الشئ بغيره وأجرى حكمه ~~عليه فإن قيل: لو كان المراد ما ذكرتم من الأمر بالقياس لحسن التصريح به ~~وهو أن يقول: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} [الحشر: 2] فقلبوا ~~الأرز على البر وهذا التصريح يكون فاسدا عند كل عاقل فدل أنه ليس هو ~~المراد. قالوا: وأما الاستنباط المذكور في القرآن فهو استخراج الشئ من كونه ~~باطنا ليظهر فتحمله على الاستدلال بمعانى النصوص وقد يقال لمن استدل على ~~الشيء بما يخفى في النصوص: قد يستنبط هذا الحكم من هذا النص. # والجواب: أما الأول: فإنما لا يجوز ما قالوه لأنه اقتصار على ما تعلق له ~~بالكلام في ظاهره فلم يحسن لهذا لكن حسن مع هذا قوله: "فاعتبروا" لإن اشتمل ~~على ما يتعلق بالكلام الأول وعلى ما لا يتعلق به. ألا ترى: أن النبى صلى ~~الله عليه وسلم لو سئل عمن ابتلع حصاة في شهر رمضان لم يحسن أن يقول: من ~~جامع فعليه الكفارة ويحسن أن يقول: من أفطر فعليه الكفارة وإذا قال ذلك دخل ~~فيه من جامع ومن بلع الحصاة وقد اعترض على الآية. فقيل: إن قوله: ~~"فاعتبروا" ليس على العموم لأنه لا يجب ما قلتموه في كل موضع وإذا لم يجب ~~في كل موضع فنحن نقول: نوجب الاعتبار # PageV02P093 # بالتفكر في معاني النصوص فهذا رجوع إلى ms540 ما سبق والجواب بما قدمنا. # وأما الاستنباط فالاستدلال به أيضا صحيح والذي قالوه من حمله على ~~الاستدلال بمعانى النصوص. قلنا: الذي قلتموه استنباط والقياس الذي اختلفنا ~~فيه من وجوه الاستنباط أيضا فيكون الاستنباط المذكور مشتملا على الكل وفى ~~الباب آيات كثيرة وأحسن ما يستدل به هاتان الآيتان وأما السنة فحديث معاذ ~~أن النبى صلى الله عليه [وسلم] 1 لما بعثه إلى اليمن قاضيا قال له: "بم ~~تحكم؟ " قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول ~~الله قال: "فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ " قال: أجتهد رأيى ولا آلو. قال: ~~"الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى الله ورسوله" 2 وهذا نص [ثابت] 3 ~~وهم يقولون هذا خبر واحد لا يثبت به مثل هذا الأصل وقد قالت الأصحاب: هو ~~خبر واحد ولكن تلقته الأمة بالقبول فصار دليلا مقطوعا به وتعلقوا أيضا بما ~~روى أن النبى صلى الله عليه [وسلم] 4 قال لعمر حين سأله عن قبلة الصائم: ~~"أرأيت لو تمضمضت كان يضرك؟ " قال: لا قال: "ففيم" 5 إذا فجعل القبلة بغير ~~إنزال قياسا على المضمضة بغير ازدراد والخبر أيضا خبر واحد مثل الأول ويدل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين ~~فقضيتيه أكان يقبل منك" قالت: بلى قال: "فدين الله أحق أن يقضى" 6. # وقال النبى صلى الله عليه [وسلم] 7 في الهرة: "إنها ليست بنجسة إنها من ~~الطوافين عليكم والطوافات" 8 فقد علل بعلة مؤثرة وهى التطواف علينا والعلة ~~PageV02P094 # ضرورة الطواف وتعذر الاحتراز وقال صلى الله عليه [وسلم] 1 في دم ~~الاستحاضة: "إنها دم عرق" 2 ولهذا الذي ذكرناه أمثال سواه فاقتصرنا على هذا ~~القدر وفيما نقلناه من الأخبار [في] 3 تعليم استعمال القياس وقد تعلق ~~الأصحاب أيضا بالاجتهاد في القبلة. وقالوا: تعبدنا الله تعالى بالاستدلال ~~بالأمارات على جهة القبلة إذا اشتبه علينا أمرها ونصلى إلى الجهة التي ظننا ~~أن القبلة فيها وهذا تعبد بالاستدلال بالأمارات فدل ذلك ms541 على حسنها واعترضوا ~~على هذا وقالوا من الناس من لا يجوز الاجتهاد في طلب القبلة ومن اشتبهت ~~عليه القبلة صلى إلى الجهات كلها. قلنا: لا نسلم وإن سلمنا فالأمارات ~~الدالة على القبلة أمارات عقلية لا سمعية ونحن إنما منعنا الأمارات ~~المظنونة في الحوادث الشرعية ولسنا نمنع العمل بالأمارات العقلية وفى ~~المسألة دلائل كثيرة ذكرها الأصحاب أو غيرهم لكن الاعتماد على الدلائل ~~الأول والثانى والثالث وأمثلها وأحسنها إجماع الصحابة وأما التعلق بما ~~ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة فلا بأس بها لتكثر الدلائل فأما الاعتماد ~~عليها ابتداء فلا يصح لأن الأخبار آحاد وليس في نص القرآن ما يدل على جواز ~~القياس ولكن إن وجد يوجد من طريق الاستدلال ولابد من دليل قطعى في إثبات ~~القياس والظاهر المحتمل لا يحتج به في القطعيات فالأولى ما ذكرنا. فأما ~~الجواب عن كلماتهم أما قولهم إن الشرعيات مصالح. قلنا: قد أجبنا عن هذا في ~~مواضع وبينا أن القول بالصلاح والأصلح قول باطل وزعم لا يمكن تمشيته ثم ~~يقال لهم ولم لا يجوز معرفة المصالح بالظنون ويجوز أن يكون الفعل مصلحة إذا ~~فعلناه ونحن على صفة وإذا فعلناه على غير تلك الصفة لا يكون مصلحة لنا فلا ~~يمتنع أن يكون فعلنا الفعل ونحن نظن شبه الفرع بالأصل هو المصلحة وإذا لم ~~ينظر حتى نظن شبهة به أو بغيره فاتتنا المصلحة يدل عليه أنا إذا دللنا على ~~أن الله تعالى قد تعبدنا بالقياس فإذا تعبدنا الله تعالى بذلك علمنا بتعبده ~~أن المصلحة أن يفعل بحسب ظننا. وقولهم: إن المصالح لا PageV02P095 # يتوصل إليها بالآراء والأمارات. قلنا: ولم هذا؟ لأن الأمارات التي تستند ~~إلى النصوص لنستدرك بها المصالح لأنها بمنزلة النصوص ومن قال لا التي ~~يستدرك بقول ليس بيدك إلا مجرد الدعوى ويقال لهم أيضا إن المصالح تستدرك ~~بالنصوص لكن منها ما يستدرك بنص ظاهر جلى وبعضها يستدرك بنص خفى فيفتقر إلى ~~الاستدلال حتى يعلم المراد به والقياس من هذا القبيل وهذا لما قلنا: إن ~~الأقيسة لما استندت إلى النصوص ms542 صارت بمنزلة النصوص. # فأما قولهم: إن الجلى من أحكام الشرعية لا يعرف إلا بنص فكذلك الخفى ~~منها. قلنا: ولم ينبغى أن يكون كذلك أليس ما عدا الشرعيات يعلم حكمه ~~بالإدراك والضرورة؟ ويعلم خفيه بالاستدلال دون الإدراك وجلى الشرعيات يعلم ~~بالنصوص الظاهرة وخفيها يعلم بنص خفى وكثير الزعفران الواقع في الماء يعلم ~~بالإدراك وخفيه يعلم بخبر من شاهد وقوعه فيه. فإن قالوا: إن ذلك يستند إلى ~~المشاهدة. قلنا وكذلك أحكام الفروع استندت إلى الأحكام الثابته بالنصوص. # جواب آخر: إن جميع الشرعيات [تعلم] 1 عندنا بالنص ولكن بعضها يعلم بظاهر ~~وبعضها يعلم بالاستدلال بالنص وما علم بالقياس هو مثل ما علم بطريق ~~الاستدلال. # وأما قولهم: إن هذه العلل توجد وهى غير موجبة وهى قبل الشرع فلو كانت ~~موجبة لم ينقل عن موجبها كالعلل العقلية. # قلنا: العلل العقلية موجبة لأعيانها وكانت لازمة لمعلولها والعلل الشرعية ~~موجبة بالشرع فصارت طائرة على معلولها فلهذا افترقا وهذا لأن الشرائع مصالح ~~ويجوز أن يكون الشئ مصلحة في زمان دون زمان ولهذا اختلف شرائع الأنبياء وصح ~~نسخها فيجوز أن لا تكون هذه العلة موجبة قبل الشرع لأنه لا يكون مصلحة قبل ~~الشرع وأما بعد الشرع تكون موجبة لأنها مصلحة بعد الشرع هذا جواب المتكلمين ~~والأولى أن نقول إنا قد بينا أن العقل بعينه لا يوجب شيئا فلا يتصور هذا ~~السؤال على هذا القول وإن تمسكوا بالحسيات. # قلنا: لم جمعتم بين الحسية والشرعية من غير جامع وأيضا فإن عنوان الحركة ~~تحرك الجسم وذلك إنما وجب أن يكون الجسم معه متحركا لأن كون الجسم إذا تحرك ~~هو معنى كونه متحركا. فالقول: إن فيه حركة وليس بمتحرك مناقضة. PageV02P096 # وأما قولهم: إن الحليم لا يقتصر على أدنى البيانين مع قدرته على إعلامها. ~~قلنا: في هذا الكلام تسليم أن القياس بيان ولا يمتنع أن يكون فيه مصلحة ~~زائدة وإن كان أدون بيانا من غيره ولو وجب التعبد بأعلى وجوه البيان لوجب ~~تعريفنا الأحكام كلها بالكتاب أو بالضرورة أو كان ينبغى أن يقع الاقتصار ms543 ~~على النصوص الجلية المتواترة دون الآحاد لأنها أعلى بيانا من الخفية. # وأما قولهم: لو كان القياس حجة لكانت مع النص. # قلنا: ولم وما قلتم دعوى وعلى أنهم إن قالوا إنه يكون حجة مع النص على ~~حكم الأصل فكذلك نقول يكون الخبر دلالة والقياس أيضا دلالة مطابقة له فإن ~~قالوا مع النص على خلاف حكمه في الفرع فقد بينا ذلك في الخبر الوادد بخلاف ~~قياس الأصول وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حجة إذا انفرد وإذا عارضه النص كان ~~النص أولى منه كما أن خبر الواحد حجة إذا انفرد وإذا اجتمع مع الخبر ~~المتواتر أو مع نص القرآن كان أولى منه وأما تعلقهم بالآيات التي ذكروها ~~فليس في شئ منها دليل على ما قالوه. # ويقال لهم: لم قلتم: إن الحكم بالقياس حكم بخلاف ما أنزل الله تعالى أو ~~تقديم بين يدى الله ورسوله أو فيه آتباع ما ليس لنا علم به فإن الدلائل ~~القطعية قد قامت على صحة القياس وهو في الحقيقة رد الفرع إلى أصله من ~~الكتاب والسنة والحكم به حكم بما أنزل الله عز وجل ورد إلى الله والرسول ~~واتباع ما لنا به علم. وقوله تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} ~~[الأنعام: 59] معناه إما على الجملة أو التفصيل وليس المراد منه على ~~التفصيل لأن كثيرا من الأشياء التي لا تعد لم نجد تناولها الكتاب على ~~التفصيل فدل أن المراد من تلك إما على هذه الجهة أو على تلك الجهة والكتاب ~~والسنة وإن لم [يشتملا] 1 على بيان القياس على التفصيل فقد اشتملا على ~~بيانه بالأجمل # ببينة: أنه قد وجدت أشياء كثيرة صارت ببينة بالسنة وليس لها في الكتاب ~~ذكر ولكن لما دل الكتاب على الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه [وسلم] 2 ودل ~~أنه لا ينطق عن الهوى جعل كأن بيانه كان بالكتاب كذلك هاهنا لما دل الكتاب ~~والسنة على أن PageV02P097 # القياس دليل الله وكان رد القياس إلى أصول ثبتت1 بالكتاب والسنة صار بما ~~دل عليه ms544 القياس كما أن2 الكتاب والسنة دلا عليه. # فإن قيل: إن استقام هذا لكم في سائر ما أوردناه فما قولكم في قوله تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ومعلوم أن القياس دليل ظنى فإن ~~قلتم إن وجوب العمل به كان بدليل قطعى فهذا لا يزيل الإشكال لأن القياس لما ~~كان ظنا فيستحيل أن ينتج الظن علما قطعيا وقولكم: إن القياس يفيد العلم ~~بوجوب العمل طبع محال. قلنا: الأقيسه لا تفيد [العلم] 3 بوجوب العمل ~~بأعيانها وإنما يقع العلم بوجوب العلم بالدلائل القطعية التي أقمناها عند ~~وجود الأقيسة وإذا قررنا على هذا الوجه سقط هذا السؤال وعلى أن الشرع قد ~~ورد باتباع كثير من الظنيات بدليل أن الحكام إنما يفصلون الأحكام بالشهادات ~~المقامة في مجالسهم وهى دلائل ظنية لا قطعية وكذلك الأمارات المرجوع إليها ~~في القبلة ظنية لا قطعية وكذلك في تقويم المتلفات وأروش الجنايات وكذلك ~~التدابير في الحروب يجوز الرجوع إليها والاعتماد عليها ومعلوم أن الرأى في ~~الحروب والتدابير التي تقع بين الناس ليس تفيد علما قطعيا وما زال الناس من ~~قديم الدهر إلى حديثه ومن أولهم إلى آخرهم ومن سلفهم إلى خلفهم يرجعون إلى ~~غالب الظنون ويعتمدون عليها وإذا حصرنا الأمور في المنتفيات وحملنا الناس ~~على ما يفيدهم العلم الحقيقى بالأشياء فسد ما به قيام أمورهم وانسد ما به ~~تقوم أكثر مصالحهم والإنسان يبعث الواحد في أمر ما [ويرسل] 4 رسولا في شئ ~~فيعتمد على تبليغه وفعله لما أرسله فيه ويسمع من الإنسان بالخبر في إباحة ~~شئ أو في تحريمه أو طهارته أو نجاسته فيؤمر بالأخذ بقوله وقد كان النبى صلى ~~الله عليه وسلم يبعث الواحد في الأمور ويعتمد على ما يخبره به وكان ذلك ~~رجوعا إلى غالب الظن وأمثال هذا وقد ذكرنا في مسألة الخبر الوحد فالقياس ~~عندنا بمثابة ذلك. # وقولهم: إن الاحتمال في الأخبار في طرقها لا في الأقوال المنقولة بل ~~الأقوال PageV02P098 # المنقولة نص في المعانى التي اشتملت عليها. # قلنا إذا يمكن الاحتمال في الطريق ms545 لم يقع لنا العلم بصدد ذلك القول عن ~~النبى صلى الله عليه [وسلم] 1. بل كانت نهاية ما في الباب وجود غلبة ظنه ~~ومع ذلك وجب الاعتماد عليه والرجوع إليه فكذلك أمر القياس يكون كذلك يدل ~~عليه أن الله تعالى سمى هذا الدين شرعا وشرحا للصدور. فقال تعالى: {أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] ومعلوم أن القلب ~~بصره بالغائب كبصيرة العين بالحاضر ومعقول القلب بالرأى كمرئى العين بالبصر ~~فإنا نعلم أن الإنسان يكون حرجا صدره في حكم من الأحكام فإذا تأمل فيه وعرف ~~معناه ينشرح صدره بمعرفة معناه ويطمئن إليه قلبه ويدخله النور والضياء ~~والفسحة وهذا لأن الإنسان إذا قلد الحاكى في شئ وإن كان الحاكى صادقا فألقى ~~في قلبه بعض الحرج ولم ينشرح صدره كل الانشراح فإذا عقل معنى الحكم تم ~~انشراح صدره وانفساحه والجملة أن في قبول فعل صاحب الشرع على ما جاء به حسن ~~الطاعة والانقياد لله عز وجل وفى المصير إلى القياس وطلب المعاني من الأصول ~~الواردة طمأنينة القلب وانشراحها لوقوعها على حجتها ومعانيها المعقولة وما ~~زال طلب طمأنينة القلوب حسنا منذ قال إبراهيم عليه السلام مجيبا لقوله صلى ~~الله عليه وسلم ولقوله تعالى: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} ~~[البقرة: 260] ولهذا لهج الناس بطلب المعاني في الأشياء وسلكوا طريق ذلك في ~~مصالح دنياهم كذلك صح ذلك أيضا في مصالح دينهم والذين فرقوا بين ما يرجع ~~إلى مصالح الدنيا ومصالح الدين ففرق باطل والرجوع إلى الرأى وغالب الظن في ~~الموضعين. وهذا لأن الفوز والنجاة جائز للعبد من الله تعالى وناجيا به غير ~~أن هذه الطاعات والشرائع المشروعة أمارات وعلامات لنيل تلك السعادة ويجوز ~~أن يجعل معنى يغلب عليه الظن علامة لنيل الفوز والسعادة وليس هذا بمستنكر ~~في عقل ولا شرع. # وأما قولهم: إن أحكام الشرع مختلفة فدل اختلافها أنها غير معلولة قلنا من ~~الأحكام ما يعقل معانيها ومنها ما لا يعقل معانيها. ونحن إنما نستجيز ~~القياس فيما نعقل معانيها ولا نستجيز ms546 فيما لا يعقل معانيها ووجه انقسام ~~الشرع إلى هذين القسمين هو أن بعضها لا يعقل معانيه ليتحقق الإسلام لأمر ~~الله عز وجل وبعضها ما يعقل معناه ليتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل معناه. ~~PageV02P099 # وأما قولهم: إن حجج الله تعالى تكون موجبة قطعا. قلنا: هذا الأصل غير ~~مسلم في العمليات فإن الواحد حجة في العمل وهو حجة من حجج الله تعالى من ~~حيث العمل به وإن لم يكن مقتضيا موجبه على وجه القطع والثبات ولا فرق بين ~~الخبر والعلة لأنه كما يحتمل تعليل المعلل للغلط كذلك الرواية تحتمل الغلط ~~وأما قولهم: إنه ما من فرع إلا ويشبه أصلين مختلفين. قلنا: هذا ممنوع ومن ~~أين قلتم إن كل فرع يشبه أصلين متضادى الحكم. ثم ولئن سلمنا أنه يوجد الفرع ~~الذي له شبه بأصلين متضادى الحكم لكن الله تعالى قد جعل لنا طريقا إلى قوة ~~شبهه بأحد الأصلين فينبغى أن يراجع المجتهد النظر أو يبالغ في النظر ابتداء ~~حتى يظهر له ذلك وقد قال بعض القياسين: إنه يجوز أن يكون حكم الله في الفرع ~~هو التخيير فإذا اعتدل الشبهات عند المجتهد فيكون المجتهد مخيرا يلحقه باى ~~الأصلين شاء فأما كلامهم الأخير. قلنا: نحن إنما نجوز المصير إلى الاجتهاد ~~بعد طلب الحكم في الكتاب والسنة فإذا أعوزه ذلك حينئذ يصير إلى القياس ~~والذى قالوا: إن حصر أحكام الحوادث على معاني النصوص يتضمن الاستحثاث على ~~الإكثار من الأخبار والفكر في معانيها وفى ذلك إماته البدع وإسقاط الهوى. # قلنا: نحن إنما نأمره أولا بطلب أحكام الحوادث في النصوص فإذا لم يجد ~~فيها حينئذ ينتقل إلى المعنى وعلى أنا قدمنا أن في الأمر بطلب المعانى ~~[انشراح] 1 الصدر وانفساحه وطمأنينة القلب وإصابة زيادة النور الداخل عليه ~~من قبول أحكام الله تعالى على طمأنينة القلب مع قبوله على الطوع والانقياد ~~وقد أبتلى الله تعالى عباده بطلب المعانى مرة لتنشرح صدورهم وتضىء قلوبهم ~~ويتجرد القبول والاستسلام مرة ليظهر عطاؤهم المقادة واستسلامهم لأمر خالقهم ~~وبارئهم فيستعمل عقله مرة بطلب المعنى ms547 ليظهر له قدر نعمة الله تعالى بما ~~أعطاه من النفاذ في الأمور ومعرفة الله وحكم الله ومعانيه الغامضة التي هى ~~أمارات أحكامه وشرعه فيقابلها بالشكر وينقاد ويستسلم مرة ويحبس عقله من ~~توثبة على الأمور ويصرفه عن عتوه وتجاوزه عن حده المحدود له ليظهر حسن ~~عبوديته وخضوعه وانقياده لمعبوده وهذا باب عظيم وحكمة بالغة وتصريف من الرب ~~للعباد وابتلاء منه لهم ليظهر خفى أمرهم ومكنون سرهم ويتميز الخبيث من ~~الطيب فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة والله PageV02P100 # تعالى للعباد بالمرصاد وهو المستعان. # فإن قيل: أليس لو قال الإنسان لغيره: أعتق سالما عبدى لأنه أسود لم يجز ~~أن يعتق كل عبد له أسود. # الجواب: أنا نقول أولا: لو رودع بمثل هذا. فقال: أعتقوا فلانا لأنه أسود ~~وجب إعتاق كل عبد أسود # فأما في أمر العباد قلنا: هذا دليل عليكم لأن الإنسان إذا قال: أعتقت ~~عبدى لأنه أسود فإن كل عاقل يناقضه إذا لم يعتق غيره من عبيده السود إلا أن ~~يكون قد عرف من قصده أنه أعتقه لأنه أسود مع شرط آخر لا يوجد في غيره وكذلك ~~إذا قال لوكيله: أعتق عبدى سالما لأنه أسود قال له العقلاء فعبدك الآخر ~~أسود فلم خصصت هذا بالعتق إلا أنه لا يجوز لوكيله الإقدام على إعتاق كل عبد ~~أسود لأن الشرع منع من ذلك إلا بصريح القول ولأن الموكل لما جاز عليه ~~البدوات والمناقضات لم يجز الإقدام على إتلاف ماله إلا بصريح القول. # ألا ترى: أن الموكل لو قال هذا القول وأمر وكيله بالقياس لم يكن للوكيل ~~أيضا إعتاق كل عبيده السود وخرج على هذا أمر الشارع لأنه لا يجوز عليه ~~البدوات والمناقضات ولأنه لو أمر بالقياس صريحا أجمعوا على أنه يجوز ~~للمخاطب القياس فثبت الفرق بينهما من كل وجه فهذا وجه الكلام في هذه ~~المسألة وقد طالت جدا لكن هذه المسألة أصل عظيم فلم يكن بد من الكلام فيها ~~على الإشباع والاستقصاء لئلا يدخلها وهم كاذب من الإزراء بالقائسين ~~والراجعين ms548 إلى الظنون والله الموفق للصواب والمرشد إلى الحق بمنه وفضله. # وإذا عرفنا جواز القياس في الفروع وتعرف الأحكام من قبله فأول ما نبدأ به ~~بعد ثبوت جواز القياس الكلام فيمن يجوز له الاجتهاد والقياس وإنما يقع ~~الكلام في النبى صلى الله عليه [وسلم] 1 وفى الصحابة إذا اجتهدوا بحضرته ~~PageV02P101 # مسألة: ذكر أصحابنا أنه كان يجوز للنبى صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في ~~الحوادث1 ويستعمل القياس ويحكم به # وكذلك ذكروا أنه يجوز الاجتهاد من الصحابة بحضرة النبى صلى الله عليه ~~وسلم ومن أصحابنا من قال لما كان يجوز للنبى صلى الله عليه وسلم ذلك ولا ~~كان يجوز ذلك لأحد من الصحابة بحضرته2 وعلى هذين القولين اختلف أصحاب أبى ~~حنيفة أيضا. قال أبو زيد: والقصد عندنا أنه لم يكن له العلم بالرأى ابتداء ~~حتى ينقطع طمعه عن الوحى فيما ابتلى به وكان له العمل برأيه بعد ذلك واستدل ~~من أبى جواز ذلك بقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} ~~[النجم: 3, 4] فدل أنه لا يحكم إلا على وحى ويدل عليه قوله تعالى: {قل ما ~~يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} [يونس: 15] لأنه كان صلى الله عليه وسلم ~~يسأل عن أشياء ويتوقف فيها إلى أن يرد النص كالظهار واللعان وغير ذلك ولو ~~جاز الاجتهاد ولم يكن للانتظار معنى والمعتمد لهم أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم إذا أثبت الحكم بالاجتهاد كان للعالم أن يخالفه ثم إذا خالفه فيكون ~~للعامى التخيير في الاستفتاء وهذا أمر قبيح لا PageV02P102 # يقول لديه أحد وأيضا لو جوزنا له الاجتهاد لوجب القطع على أن العلة التي ~~استخرجها هى علة الحكم ولا قطع مع الاجتهاد وإذا لم يقطع جازت مخالفته. # ببينة: أن الأمة أجمعت على أن من استحل مخالفة النبى صلى الله عليه وسلم ~~يصير كافرا فإذا جوزنا له الاجتهاد لم يكن تكفير مخالفه في الحكم لأن ~~الاجتهاد طريقه الظن فلا يجوز أن يكفر من يخالفه فيه فثبت أن الاجتهاد ~~ممتنع أصلا وهذا لأن المجتهد ms549 لا يؤمن عليه الغلط فكيف يحرم مخالفة من لا ~~يؤمن عليه الغلط ألا ترى أن الرأى في الحروب لما لم يؤمن عليه الغلط كيف ~~جاز مخالفته فإن النبى صلى الله عليه وسلم أراد النزول في منزل يوم بدر ~~فقال له الحباب بن المنذر: أرأى رأيته أم وحى؟ فقال: "بل رأى رأيته" فقال: ~~بل الرأى أن ننزل في موضع كذا أو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى ~~يوم الأحزاب قوما من الكفار شطر ثمار المدينة لينصرفوا فقال الأنصار: أرأي ~~رأيته أم وحى فقال: "بل رأى رأيته" فقالوا: لا نعطيهم إلا السيف والله ما ~~كانوا يطعمون ذلك في الجاهلية إلا بشرى أو بقرى فكيف وقد أعزنا الله تعالى ~~بالإسلام ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسد ثمارها ذلك العام ~~فأمرهم بالتأبير وقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم" 1 ~~قالوا: ولأنه لا ضرورة له صلى الله عليه وسلم إلى الرأى لأن الوحى له متوقع ~~واستعمال الرأى لا يجوز إلا عن ضرورة # ببينة: أن الدين في الأصل لله تعالى فلا يجوز شرعه برأى لا يؤمننا عن ~~الغلط إلا عن ضررورة ولا ضرورة لصاحب الوحى وهذا كتحرى القبلة لا يجوز إلا ~~لمن بعد عن الكعبة فأما من قرب فلا ضرورة له كذلك ها هنا يكون الأمر كذلك ~~قالوا: وأما الأمر بالمشاورة فكان من أمور الدنيا ونحن إنما نجوز الاجتهاد ~~في أمور الدين فأما في أمور الدنيا فهو جائز وعلى أنه صلى الله عليه وسلم ~~أمر بمشاورتهم تطييبا لنفوسهم لأخذ برأيهم واستدل من قال: إنه لا يجوز ~~للصحابة أن يجتهدوا بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم هو أن الحكم بالاجتهاد ~~حكم يغالب الظن فلا يجوز مع إمكان الرجوع إلى النص وقد كان يمكنهم الرجوع ~~إلى نص النبى صلى الله عليه وسلم فصار اجتهادهم في هذا الموضع كاجتهاد ~~علماء الأمة في موضع النص وأما دليلنا فيتعلق أولا بقوله تعالى: {فاعتبروا ~~يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] وهذا على العموم ويدل عليه قوله تعالى: ms550 ~~{وشاورهم في الأمر} فلو لم يجز لهم الحكم بالرأى لم يؤمر بالمشاورة لأن ~~الذي ينال بالمشاورة محض الرأي. وقولهم: إنه PageV02P103 # أراد بذلك في أمور الدنيا. قلنا: قد كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~يشاورهم في أمور الدين بدليل المفاداة يوم بدر والمفاداة حكم شرعى وقد ~~شاورهم في ذلك واختلاف أبى بكر وعمر رضى الله عنهما في ذلك معروف مشهور وقد ~~روى أن خولة سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن ظهار زوجها منها فقال: "ما ~~أراك إلا وقد حرمت عليه" فقالت: أشتكى إلى الله عز وجل فأنزل الله تعالى ~~آية الظهار1 ويدل عليه أن النبى صلى الله عليه وسلم شاور الصحابة في أمر ~~الأذان فاختلفوا عليه ثم إن عبد الله بن زيد رأى الرؤيا على ما عرف وقد ~~روينا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضى الله عنه حين سأله القبلة ~~للصائم: "أرأيت لو تمضمضت" 2 وفي حديث الخثعمية "أرأيت لو كان على أمك دين؟ ~~" 3 قال تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] وقد كان أذن لهم ~~بالرأى ويدل على ما ذكرناه قصة داود وسليمان صلوات الله عليهما على ما ذكر ~~الله عز وجل وهو قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} ~~[الأنبياء: 78] الآية وقال تعالى: {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] وكانا ~~حكما بالاجتهاد وهذا كله بمعنى وهو أنه كما يجوز في العقول أن يكون مصلحتنا ~~أن نعمل بالاجتهاد بالأمارة تددل عليه مرة ونعمل بالنص مرة إذا وجد كذلك ~~جاز مثله في النبى صلى الله عليه وسلم وليس يحيل العقل ذلك في النبى صلى ~~الله عليه وسلم ويصححه فينا كما لا يصححه في زيد ويمنع منه في عمرو لهذا ~~يجب عليه وعلينا أن نعمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها وإذا ثبت أن ~~العقل ايمنع من التسوية بيننا وبين النبى صلى الله عليه وسلم وبين الأمة ~~ولم يرد شرع يفرق بينه صلى الله عليه وسلم وبيننا صارت الدلائل مستمرة على ~~عمومها واستدل من جوز الاجتهاد للصحابة بمحضر النبى ms551 صلى الله عليه وسلم بما ~~روى أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر سعدا أن يحكم في أمر بنى قريظة4 ~~والرسول صلى الله عليه وسلم حاضرا وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~عمرو بن العاص أن يحكم بين نفسين على أنه إن أصاب فله عشر حسنات. فقال: يا ~~رسول الله أجتهد وأنت حاضر؟ قال: "نعم" ولأنه إذا جاز الاجتهاد في غيبة ~~النبى صلى الله عليه وسلم وخطأه لا يستدرك فلا يجوز بحضرة النبى صلى الله ~~عليه وسلم ولو أخطأ يستدركه النبى صلى الله عليه وسلم أولى وأحرى. ~~PageV02P104 # وأما الجواب عما ذكروه. قلنا: أما قوله تعالى {وما ينطق عن الهوى، إن هو ~~إلا وحي يوحى} [النجم: 3, 4] فلا دليل من هذه الآية في موضع الخلاف لأن ~~الآية نزلت في شأن القرآن ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن ~~الرأى الصواب عن عقل ونظر في أصول الشرع أما قولهم إن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قد توقف في أشياء قلنا: إن كان قد توقف في مواضع فقد اجتهد في مواضع ~~على ما سبق وعلى أنه كان يجوز له أن يجتهد فيما له أصل من الكتاب فيحمل ~~غيره عليه فأما ما لا أصل له فلا سبيل إلى الاجتهاد فيه. # فأما الذى اعتمدوه من قولهم إنه لو جاز الاجتهاد له لجاز لغيره مخالفته ~~قلنا: نحن نقول: يجوز له صلى الله عليه وسلم الاجتهاد وأما مخالفة غيره له ~~حرام فإن قيل: كيف يحرم مخالفة قول صدر عن اجتهاد؟ ويمنع مجتهد آخر عن ~~الاجتهاد فيه. # ببينة: أنه لا يتصور أن يحرم على غيره المخالفة إلا بعد أن يكون الدليل ~~قطعيا وإذا لم يكن للنبى صلى الله عليه وسلم في نفسه قطعيا كيف يكون في ~~غيره قطعيا. قلنا: بلى قد يجوز صدور1 القول عن اجتهاد لكن يحرم على غيره ~~المخالفة لكونه نبيا في نفسه وإنما حرم المخالفة وإن صدر عن الإجتهاد لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن الخطأ في الأحكام فإذا كان ms552 معصوما عن ~~الخطأ محروسا عن الزلل كان مصدورا منه محكوما بصحته مقطوعا بذلك فلذلك حرمت ~~المخالفة ومن استحل كفر ويجوز أن يصدر الحكم عن الاجتهاد ثم ينضم إليه ما ~~يوجب القطع بالصحة ويتضمن تحريم المخالفة بدليل الإجماع الصادر عن ~~الاجتهاد. # وأما قولهم: هل يقطع على العلة التي استخرجها أنها علة الحكم قلنا نحن ~~نقطع بذلك لأنه واجب علينا اتباعه وهو لا يقطع بذلك لأنه مجتهد ولأنا نعلم ~~أنها علة الحكم قطعا لما قام لنا من الدليل أنه معصوم عن الخطأ. # وأما قولهم: إن الاجتهاد بحضرته حكم بالظن مع إمكان التوصل إلى العلم ~~قلنا: إذا اجتهد وأقر هو صلى الله عليه وسلم على ذلك فقد وقع لنا بحضرته ~~العلم بذلك ولأنه إن أخطأ يمنعه منه على أنه يجوز الحكم بالظن مع أمكان ~~العلم بدليل أنه لا يجوز الحكم بخبر الواحد من إمكان الرجوع إلى قول جماعة ~~يقع الخبر بخبرهم والله أعلم. # وقد بينا اختلافهم في جواز الاجتهاد بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم وقد ~~قال: بعضهم إذا أذن PageV02P105 # النبى صلى الله عليه وسلم في ذلك والأولى أن يقال: إنه لا يجوز لمن حضر ~~النبى صلى الله عليه وسلم أن يجتهد قبل سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما لا يجوز لأن للمجتهد أن يجتهد قبل طلب النص كما لا يجوز لسالك1 في برية ~~مخوفة أن يعمل على رأيه مع تمكنه من سؤال من يخبره عن الطريق عن علم وإذا ~~سأل النبى يجوز أن يكله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اجتهاده ليس من ذلك ~~مانع لا من حيث العقل ولا من حيث الشرع. PageV02P106 ### | فصل: وإذا عرفنا من يجوز له القياس فالكلام بعد ذلك فيما يجوز فيه استعماله # اعلم أن التعبد في جميع الشرعيات بالنصوص جائز ومن الممكن أن ينص الله ~~تعالى على صفات المسائل في الجملة فيدخل تفاصيلها وهى فيها بالنص على صفات ~~المسائل يجوز أن ينص على جريان الربا كل مطعوم فيدخل في ذلك أنواع ~~المطعومات وينص على تحريم ms553 كل مسكر فيدخل فيه الخمر والنبيذ وكل ما يشبهه ~~فأما التعبد في جميعها بالقياس فلا يصح لأن القياس حمل فرع على أصل بنوع ~~شبه بينهما فإذا لم يكن أصل فكيف يتصور القياس. # ببينة: أنه قياس الشيء على نفسه وهذا لا يجوز وإذا علم أنه لا يجوز إثبات ~~جميع الأحكام الشرعية بالقياس. # فنقول: ليس القياس تتخصيص شئ دون شئ من الأحكام بعد أن لا يكون جميعها ~~ثابت بالقياس فعلى هذا قال الأصحاب: تثبت جميع الأحكام الشرعية بالقياس على ~~معنى أن لا يتخصص بشئ دون شئ بل يجوز أن يستعمل القياس في كل حكم من أحكام ~~الشرع. # ويتفرع على هذه المسألة المعروفة مع أصحاب أبى حنيفة وهى مسألة استعمال ~~القياس في الحدود والكفارات وفى المقادير كلام على ما سنبين إن شاء الله ~~تعالى. # PageV02P106 # مسألة: يجوز أثبات الكفارات والحدود بالقياس على مذهب الشافعى رحمة الله ~~عليه. # وعند أصحاب أبي حنيفه لا يجوز1. وقال أبو الحسن الكرخى: لا يجوز تعليل ~~الحدود ولا الكفارات ولا العبادات ولهذا منع من قطع القياس بالقياس ومنع من ~~إيجاب الحد على اللوطى بالقياس ومنع من الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس ومنع ~~من إيجاب الكفارة من قتل العمد بالقياس قال ولا فرق بين الكفارات الجارية ~~مجرى العقوبات وبين ما لايجرى مجرى العقوبات ومنع أيضا من إثبات النصب ~~بالقياس ولهذا الأصل لم يوجب الزكاة في الفصلان وصغار الغنم وقد منعوا أيضا ~~ثبوت كثير من هذا بخبر الواحد ومنعوا أيضا من استعمال القياس في المقادير ~~والأصح على مذهبنا جواز القياس في المقادير أيضا ومنع أبو الحسن الكرخى ~~أيضا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة كأجرة الحجام وقص الشارب والاستصناع ~~فيما جرت [به] 2 العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك وقد تتبع الشافعى ~~رحمة الله عليه مذاهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشئ مما ذكروه ونورد كلام ~~الشافعى رحمة الله عليه على وجهه. قال الشافعى رحمة الله عليه: أما الحدود ~~فقد كثرت أقيستكم فيها حتى تعديتموها إلى الاستحسان وهو في مسألة شهود ~~الزنا فإنهم ms554 أوجبوا الحد في تلك المسألة وقضوا PageV02P107 # أنه استحسان وأما الكفارات فقد قاسوا الإفطار بالأكل فيها على الإفطار ~~بالوقاع وقد قاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في ~~قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: ~~95] وأما المقدورات فقد قاسوا فيها ومما أفحشوا في ذلك عدد الدلاء عند وقوع ~~الفأرة في البئر ثم أدخلوا تقديرا على تقدير فقدروا للحمامة غير تقدير ~~العصفور والفأرة وقدروا للدجاجة غير تقدير الحمامة وقدروا الحوض بالعشر في ~~العشر وأما الرخص فقد قاسوا فيها وتناهوا في البعد فإن الاقتصار على ~~الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة أو ~~معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النجو فانتهوا في ذلك إلى نفى إيجاب ~~استعمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فهموا هذا التخفيف منه في هذا الموضع المخصوص لشدة البلوى فيه وكانوا ~~على تحرزهم في سائر النجاسات على الثياب والأبدان ثم قال الشافعى رحمة الله ~~عليه: من شنيع ما ذكروه في الرخص إثباتهم لها على خلاف وضع الشرع فيها ~~فإنها مثبته تخفيفا وإعانة على ما يعانية المرء في سفره من كثرة أشغاله ~~فأثبتوها في سفر المعصية فهذا الذي ذكروه يزيدونه على القياس إذ القياس ~~تقرير المنصوص عليه قراره وإلحاق غيره به وهذا قلب لوضع المنصوص في الرخص ~~بالكلية قال الإمام رحمة الله عليه والمناقضات للقوم طبيعة لا يمكن نزعها ~~منهم بحيلة وما من أصل لهم في الأصول وفي الفروع إلا ولهم في ذلك من أصولهم ~~لفروعهم مناقض وهذا لأن القوم لم يبنوا فروعهم على أصول صحيحة وإنما وضعوا ~~المسائل على أشياء تراءت لهم ثم تراءت لهم غيرها في مسائل أمثال المسائل ~~الأولة فحكمها بغير تلك الأحكام وراموا الفروق بالخيالات وهيهات ثم هيهات ~~ما أبعدهم عن ذلك فإن الآراء مستعصية على ما لم يسندها إلى أصول صحيحه ومن ~~أراد عد مناقضاتهم جاوز الألوف وبلغ مبلغا ينتهى دونه الحد ms555 والعد ولولا أنا ~~آثرنا إثبات المسائل في الأصول والفروع والمعانى وإلا جمعنا من ذلك ما ~~يتحير معه الناظر وتعجب منه المناظر ولو صرفنا إليه طرفا من العناية لم ~~يعدمه طالبه رجعنا إلى الكلام في أصل المسألة وحجة من أبى ذلك من أطلقه ~~احتج من منع دخول القياس في الحدود والكفارات وقال الحد شرع للردع والزجير ~~عن العاصي والكفارة وضعت لتكفير الإثم وما يقع به الردع عن المعاصى ويتعلق ~~به التكفير عن المآثم إلا الله عز وجل لأن الإنسان يردع بالقليل من العقوبة ~~وقد لا يرتدع بالكبير فمقدار ما يقع # PageV02P108 # به الردع لا يتصور أن يعلمه إلا الله عز وجل وكذلك ما يكفر الإثم لا ~~يعلمه إلا الله تعالى وربما عبروا عن هذا وقالوا إن وجوب الحدود مصالح ~~للعباد والمصلحة لا تثبت بالقياس وأيضا فإن الحدود والكفارات تختلف بحسب ~~المآثم والمآثم لا تعرف بالقياس وكذلك المقادير مشروعة على مقادير معلومة ~~لمصلحة العباد وقد بينا أنه لا مدخل للقياس في معرفة المصالح قالوا ولأن ~~القياس موضع شبهة لآنه إلحاق فرع بأشبه الأصلين فيبقى الأصل الآخر شبه ~~والحدود تسقط بالشبهات فلا يجوز إيجابها بدليل لا يخلو عن الشبة وأما ~~دليلنا وهو أن القياس دليل الله تعالى ودليل الله تعالى يجوز أن يثبت به ~~الحدود والكفارات دليله الكتاب والسنة ويقال أيضا إثبات حكم شرعى بدليل من ~~دلائل الله تعالى فجائز كما لو كان الحكم سوى الحدود والكفارات والقياس على ~~خبر الواحد قياس معتمد لأن كل واحد من الدليلين لا يفيد إلا قوة الظن فإذا ~~جاز إثبات هذه الأحكام بخبر الواحد جاز بالقياس والحرف المعتمد أن الدلائل ~~التي قامت على صحة القياس قد قامت على الإطلاق من غير تخصيص موضع دون موضع ~~فصار القياس صحيحا استعماله في كل موضع إلا أن يمنع منه مانع ولا مانع في ~~الحدود والكفارات فإن قبل وجد مانع قلنا: بينوا فإن تعلقوا بالشبهة التي ~~ذكرناها أخيرا في كلامهم وزعموا أن ما سقط بالشبهة لا يجوز إثباته بدليل ~~مطلوب لأن الظان ms556 معترف ببقاء إمكان ما وراء ظنه فوجب أن يحصل الدرأ بذلك ~~الإمكان فنقول على هذا أن خبر الواحد داخل على هذا فإنه لا يفيد إلا الظن ~~ومع ذلك يجوز إثبات الحدود والكفارات به وأيضا فإنهم لم يمنعوا من استعمال ~~القياس في القصاص والقصاص يندرئ بالشبهات قطعا ويدل عليه أن الحدود تثبت ~~بالشهود عند الحكام وشهاداتهم لا تفيد إلا الظن ومع ذلك جاز إيجاب الحد ~~بهما وكذلك الكفارة فسقط ما قالوه ثم المعتمد من الجواب هو أن وجوب العمل ~~بالقياس ليس بمظنون وقد ذكرنا هذا من قبل ونعنى بهذا أنا جعلنا القياس حجة ~~بالدلائل القطعية لا بدلائل مظنونة وأما تعلقهم بقولهم إن الحد للزجر عن ~~المعصية والكفارة لتغطية المأثم وهذا لا يهدى إليه القياس قلنا: ولم قلتم: ~~إنه لا يهتدى إليه بالقياس1 بل القياس يهتدى إلى كل ما يمكن استخراج معنى ~~مؤثر منه ومسألتنا من هذا الباب لأن المسألة مصورة في مثل هذا الموضع ~~ونظيره أن تستخرج معنى من الزنا إيجاب الحد فقياس اللواط وأيضا PageV02P109 # يستخرج معنى من السارق فقياس عليه النباش وكذلك في الكفارات بقياس العمد ~~على الخطأ في القتل ويقاس الغموس على اليمين في المستقبل في إيجاب الكفارة ~~وكذلك تقاس كفارة الظهار على كفارة القتل في شرط الإيمان وإنما صح القياس ~~في هذه المواضع لأنا علمنا معانى صحيحة في هذه الأصول فصح قياس الفروع ~~عليها بتلك المعانى وقد علموا هم بمثل هذا في القياس الأكل على الوطء إيجاب ~~كفارة الفطر فإن قيل: هل يصح إثبات حد مبتدأ بالقياس أو كفارة مبتدأه قلنا: ~~لا طريق يوصل القياس إلى إثبات حد مبتدأ وكذلك لا طريق يوصل إلى إثبات ~~كفارة مبتدأه بالقياس ولو كان الطريق يصح إثباته من جهته لصح إثباته وأما ~~في المسائل التي ذكرناها بالقياس يمكن فوجب استعماله وعلى هذا القول في ~~المقدير إذا عرف معناها وثبت تأثيرها يجوز القياس عليها وعلى أنا قد بينا ~~أن كثيرا من أصحابنا قالوا: إن أثبات الأسامى التي يبتني عليها الأحكام في ~~الشرع يجوز ms557 بالقياس وقد بينا هذا من قبل وقد ذكر أبو زيد فصلا يرجع إلى هذا ~~الأصل. قال: وأما تعدى الحكم ففصل عظيم الفقة عزيز الوجود وقاله فيما قال ~~الشافعى رحمة الله عليه: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسا على المعقود ~~لأنه يمين الله تعالى مقصودة قال: وهذا التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة ~~إليها بل لتعديه اسم اليمين الثابت لغة وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة ~~اليمين لا تجب بغير اليمين واختلفنا في يمين الغموس أنها يمين حقيقة أو ~~يمين تسمية مجاز كبيع الحر وغيره فقلنا إنها ليست بيمين حقيقة بل إنما تسمى ~~يمينا على طريق المجاز ولا تجب كفارة اليمين بما ليست بيمين. وقال: ولا ~~يجوز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوى بالقياس الشرعى بل يجب تعرفه من طريق ~~لسان العرب. فيقال: إن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعا وشرعا ~~فلا يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق فإنها ما لا يحتمل الصدق بحال فلا ~~يكون محلا لليمين كالبيع شرع لتمليك المال فما ليس بمال لا يكون محلا له. ~~قال: ولذلك أبطل أبو حنيفه قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد1 لأن حد ~~الزنا لا يجب إلا بالزنا فيكون التعليل واقعا لإثبات الاسم اللغوى بالقياس. ~~قال: وكذلك لا يجوز تحريم الثلث الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات ~~اسم الخمر له بالقياس لأن الخمر اسم لغوى. قال: وليس إيجاب الكفارة ~~PageV02P110 # بالأكل إلحاقا بالجماع بالقياس والكفارة ليست بكفارة جماع إنما هى كفارة ~~إفطار والأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن ~~الكفارة أنما تتأدى بالكف عن اقتضاء بالشهوتين والفطر بالاقتضاء يقع من حيث ~~انعدامم الكف بفعل منه فكان الباب واحدا وأنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر ~~كالقتل بأى آلة قتل به المقتول إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلا ~~قال: وأما إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه ليس هذا ~~الفعل والأفعال التي ذكرناها من باب اقتضاء الشهوة واحد لأن المحل غير ~~مشتهى ms558 طبعا وكان بمنزلة الاستمتاع بالكف أو الإدخال في شق جدار أو في شق ~~إليه وإنما سمى هذا الفعل جماعا مجازا لأجل ما يشبه الجماع صورة وإذا ثبت ~~أنه ليس هذا الفصل وطء البهيمة بابا واحدا فلو وجب الحد بوطء البهيمة أو ~~الميتة لوجب بالقياس وقد بينا أن اسم الجماع في هذا الفعل ساقط وإثبات ~~الاسم اللغوي بالقياس ساقط قال: كذلك قلنا: لا يجب القطع على النباش لأن ~~القطع في السرقة حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم في النباش لأن السرقة ~~اسم للأخذ مسارقا عن صاحبه وهذا لا يتصور في الكفن لأن صاحبه ميت وقد سقط ~~القياس الشرعى لإثبات الاسم ولا قطع بالاجماع بدون اسم السرقة وهذا لأن ~~الأسماء ضربان حقيقة ومجاز وسبب الحقيقة وضع الواضع وهذا لا يعرف إلا ~~بالسماع وسبب المجاز استعارة العرب لاسم آخر بطريق لا يعرف طريق استعمالهم ~~اللغة الشرعية والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب قال: ومن هذه ~~الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتق أو لا؟ ولفظ ~~التمليك حل يصلح كناية عن النكاح أم لا؟ قال: ومن هذه الجملة تعليلهم ~~الرقبة الواجبة في القتل وقياسهم الظهار عليها بعلة أنه يجب في تكفير وإنما ~~لم يجز القياس في هذه الصورة لأن زيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر فصار ~~تعريفنا للحكم الثابت نصا فامتنع ألا ترى أنه لا يجوز الزيادة على صوم ستين ~~يوما ولا إطعام ستين مسكينا قال: وعلى هذا تخرج مسألة رد شهادة القاذف إذا ~~تاب فإنا نقول إن هذا حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وقد دل نص الآية على ~~هذا فإذا عللتم لإخراج رد الشهادة من كونه حدا وتعلقتم بالفسق فقد تعرضتم ~~للحكم الثابت أيضا بالتنقيص وهو تنقيض حد القذف عما أوجبه النص فلم يجز ~~إثباته بالقياس قال: وعلى هذا لا يقبل القياس في إيجاب التمليك في الإطعام ~~للكفارة لأن الخلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير فقلنا: إنه الإطعام بلا ~~قيد التمليك وقلتم: # PageV02P111 # إنه واجب بهذا ms559 القيد فصار هذا مثل زيادة الإيمان في الرقبة المطلقة في ~~الظهار. قال: وعلى هذا قول من قال: إن الحرمة بين المتلاعنين بلعان الزوج ~~من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمى بنص الله تعالى وهى شهادات مؤكدة ~~بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للإجماع بعد التلاعن منها بالسنة وهى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدا" 1. وكان إيجاب الحرمة ~~بلعان الزوج وحده زيادة في الحكم قال: والحرف في هذه المسائل كلها أن ~~التعليل لتعديه حكم النص إلى الفرع من غير تعرض للحكم نصا بوجه ما حتى لا ~~يؤدى إلى تغييره بإثبات زيادة فيه أو نقصان منه قال: ومن جنس ما ذكرنا أن ~~المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدنا في الفرع نصا يمكننا العمل به ~~من غير أن نقيسه على أصل آخر يكون قياس ذلك الفرع على غيره فاسد على هذا لا ~~يجوز قياس قتل العمد على قتل الخطأ في الكفارة لا يجوز أيضا قياس قتل ~~المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلمين في درانا في إيجاب ~~الضمان وكذلك لا يجوز قياس المحصر على الممتنع في إيجاب الصوم بدلا عن ~~الهدى عند العدم وكذلك لا يجوز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي ~~طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر إيجاب المتعه لأن هذه الحوادث كلها منصوص ~~عليها فلم يجز قياس بعضها على بعض PageV02P112 ### | فصل: في شروط القياس # ... # فصل: وقد قال أبو زيد: إن شرط القياس أربعة: # إحداها: أن لا يكون الاصل مخصوصا بحكمة آخر. # والثانى: أن لا يكون معدولا به عن القياس. # والثالث: أن يتعدى الحكم الشرعى بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص ~~فيه. # والرابع: أن يبقى الحكم في الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل ~~التعليل. # أما الأول فلأنه عنى متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية ~~الثابته بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة معارضة للنص. # وأما الثانى فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ms560 ترك ~~لمعارضة النص أياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا ~~جاء نافيا للحكم لم يجز إثباته به. # PageV02P112 # وأما الثالث فلأن المقايسة هى المحاداة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في ~~شئ واحد ومتى لم يتعد الحكم إلى الفرع بقى الأصل وحده فلا يكون النظر ~~لإثبات الحكم فيه مقايسة ويتبين أن محل المقايسة حادثتان سوى بينهما ~~بالمقايسة. # وأما الرابع فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس ليغير حكمه ~~بوجه ولأن الرأى مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث يثبت فيه النص. # قال ومثال الأول أن الله تبارك وتعالى شرط العدد في جميع الشهادات وثبت ~~بالنص قبول شهادة خزيمة بن ثابت وحدة وكان مخصوصا بذلك وقد اشتهر من ~~الصحابة بهذه الفضيلة فلا يجوز إبطال هذا التخصيص بالتعليل وكذلك حل للنبي ~~صلى الله عليه وسلم تسع نسوة إكراما له فلا يجوز تعليله ولهذا ثبت بالنص أن ~~البيع يقتضى محلا مملوكا معلوما مقدورا على تسليمه وجوز التسليم في الدين ~~بالنص وجاء النص بشرطه بالأجل فلا يجوز إبطال التخصيص بالتعليل ثم قال: وقد ~~قال الشافعى رحمة الله عليه: لما صح نكاح النبى صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~الهبة على سبيل الخصوص بقوله: {خالصة لك} [الأحزاب: 50] بطل التعليل قال ~~وقلنا بل التخصيص في سلامة البضع بغير عوض وفى اختصاصه في المرأة بألا تحل ~~لأحد بعده وهذا مما يكون على طريقة الكرامة فأما الاختصاص بلفظ الهبة مع ~~سهولة ذكر لفظ النكاح فلا كرامة فيه وكذلك المنافع جعلت أموالا كالأعيان في ~~التجارات ولم يجعل كذلك عندنا في الاتلاف والغصب فصار كون مال المنافع ~~معادلة مالية الأعيان مخصوصة بالتجارات وعندنا لأن الأصل فيها أن ماليتها ~~دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أغراض لا تنفى زمانين والأعيات جواهر ~~تتبقى أزمنة وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى وكذلك ما يبقى وما ~~لا يبقى إلا أن الشرع سوى فيهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب ~~حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح ويتعذر وصول المحتاج إلى ms561 المنافع إلا ~~بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلاف لأنه منتهى عنها والسبيل في ~~ذلك أن لا يوجد فلم تلتحق المنافع في حق الإتلاف بالأعيان قال: وكذلك جواز ~~بيع المنفعة قبل الوجود والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن ~~بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان فصار حكمها مخصوصا ~~بموضع الضرورة فهذه أمثلة الشرط الأول قال: وأما أمثلة الشرط الثانى هو مما ~~كان معدولا به عن القياس فهو كأكل الناسى في الصوم فإنه معدول به عن القياس ~~وذلك لأن فيه بقاء القربة مع وجود ما يضاد فإن ركنه الكف والأكل سواء كان ~~ناسيا # PageV02P113 # أو عامدا يضاد ركنه فصار الحكم بأنه يؤدى صومه مع عدم الركن وهو الكف ~~معدولا به عن القياس فلم يجز قياس المكره والمخطئ عليه ولا قياس الصلاة ~~والحج على الصوم وأما بقاء الصوم مع الجماع ناسيا ولا نص فيه أنما كان لأن ~~الجماع من جنس الأكل من حيث تفويت الأداء والصوم تأدية بالكف عن قضاء شهوتى ~~بطنه وفرجه وذهاب الصوم عن استيفائهما بطريق الأداء الذى هو ركن العبادة ~~وكانا جنسا واحدا وإن اختلف الاسمان فالأكل والشرب واحد في حق الإفطار. # PageV02P114 ### | فصل: واعلم أن هذا الذي ذكرنا اشتمل على مسائل من الأصول معروفة # منها أن العلة التي لا تتعدى هل تكون صحيحة أم لا؟ وهل التعدية شرط صحة ~~العلة أو لا؟ # ومنها: أن الأصل الثابت بخلاف قياس الأصول هل يجوز القياس عليها أو لا؟. # ومنها: أن تعليل الأصل هل يوجب أن يكون الحكم ثابتا في الأصل بالنص ~~والعلة جميعا وهل يدل ثبوت الحكم في موضع لا توجد فيه العلة على فساد العلة ~~أو لا؟ وإذا عرفنا من هذه المسائل يشير إلى طرف من الجواب عما قاله وقبل ~~الشروع في هذه المسألة نقول إنا وإن ذكرنا أن استعمال القياس في الحدود ~~والكفارات والمقادير جائز خلاف ما يقول الخصم ولكن مع هذا لا ننكر أن يوجد ~~في الشرع ما لا يتعلل ويلتحق بمحض التعبد ms562 الذي ينحسم سلوك سبيل القياس فيه ~~وعلى هذا فلا بد من علامة وأمارة تعرف بها القسم الذي يجرى فيه التعليل من ~~القسم الذى لا يجرى فيه التعليل وهذا عويص عسر لكن مع هذا نقول كل حكم يمكن ~~أن يستنبط منه معنى مخيل من كتاب أو نص سنة أو إجماع فإنه يعلل وما لا يصح ~~فيه مثل هذا فإنه لا يعلل سواء إن كان من الحدود أو الكفارات أو المقادير ~~أو الرخص ثم قد تنقسم العلل أقساما فقسم يعلل جملته وتفصيله وهو كل ما يمكن ~~أبدا معنى في أصله وفرعه وقسم يعلل بجملته ولا يعلل تفاصيله لعدم المراد ~~التعليل في التفاصيل. # ومنها قسم آخر: لا يعلل جملته لكن بعد ثبوت جملته يعلل تفاصيله كالكتابة ~~والإجارة وفروع تجمل الغافلة وقد يوجد قسم لا يجرى التعليل في جملته ولا ~~تفاصيله مثل الصلاة وما تشتمل عليه من القيام والتعوذ والركوع والسجود وغير ~~ذلك وربما # PageV02P114 # يدخل في هذا القسم الزكاة ومقادير الأنصبة والأوقاص وقد قيل أيضا: إنه لا ~~محال القياس في الأحداث وتفاصيلها والوضوء وتفاصيله بل يتبع محض النص وقد ~~قيل: إن الوضوء معقول المعنى فإنه مشعر بالتنظيف والتنقية وقيل إن الصلاة ~~يعقل منها الخشوع والاستكانة والابتهال للمعبود وأما الشهادة فقد قالوا: ~~أصلها معقول المعنى وهو الثقة وحصول غلبة الظن والمقصود من مزيد العدد ~~زيادة الثقة ومما يعقل في الشهادة أيضا أن شهادة النساء لا تقبل لما غلب ~~عليه من الذهول والغفلة ونقصان العقل فأصول هذه المعانى معلومة ولكن لا ~~سبيل إلى طرد التعليل في التفصيلات وأما أصل عقود المعاملات معقولة المعنى ~~إلا أن الشرع أثبت فيها أنواعا من التعبدات يلزم اتباعها ولا يجوز تجاوزها ~~وتعديها ولهذا تقول من اشترى شاة من قطيع من الغنم على أنه بالخيار يأخذ ~~أيها شاء والبائع بالخيار يعطى أيها شاء لا يجوز1 وإن كنا لا نعقل فيه معنى ~~فاسد وبهذا يتبين أن المعنى الذى اعتمده أصحاب أبى حنيفة في أن الجهالة ~~إنما تفسد العقل لأنها مؤدية إلى المنازعة باطل ms563 فإن هذه الجهالة لا تؤدى ~~إلى هذا ومع هذا لم يجز العقد وكذلك إذا قال: بعتك عبدى بما باع به فلان ~~أمس وكانا جاهلين بمبلغ الثمن فإنه يكون باطلا كذلك إذا قال: بعتك هذا ~~الثوب بزنة هذه السنجة أشار إلى سنجة مجهولة القدر بطل البيع ولا منازعة في ~~مثل هذا العقد وللشارع تعبدات يلزم اتباعها في المعاملات كما يلزم في ~~العبادات فلا تسقط تلك التعبدات بإسقاط العباد ذلك فإن كانت المعاملات ~~أصلها جاريا في حقوق العباد لأن المعاملات وإن كانت من حقوق العباد لكن ~~يلزمهم اتباع الأوامر فيها لأن الله تعالى أعلم بمصالحهم لأن أوامره كلها ~~من حدود الدين ولا يجوز الإخلال بها بوجه ما وأن وجدت الأوامر والتكليفات ~~صارت حدود الدين وكانت متبعة لا يجوز تركها ومن جنس ما ذكرنا التذكية فإن ~~الذبح معقول المعنى لما فيه من تطيب اللحم وإزالة الخبيث من الطيب ورفع ~~الخبث من المحل ثم اختص بذابح مخصوص ومحل مخصوص تعبدا وكذا التضحية اختصت ~~بأجناس مخصوصة ووقت مخصوص والتفريعات على ما قلناه في المسائل تكثر وقد ذكر ~~الأصحاب أمثلتها في الخلافيات وربما يأتى بعض ذلك من بعد وأما المسائل التي ~~وعدنا ذكرها فنبتدى بمسألة العلة إذا كانت غير متعدية. PageV02P115 # مسألة: يجوز تعليل الأصل بعلة لا تتعداه عندنا وتكون علة صحيحة1. # وقال أصحاب أبى حنيفة: هى باطلة وقد ذهب إليه بعض أصحابنا وبين المتكلمين ~~في ذلك خلاف مذهب أبو عبد الله البصرى إلى ابطالها وأما عبد الجبار بن أحمد ~~وحزبه يصححونها واستدل من قال ببطلانها ذلك لأن هذا تعليل غير مفيد فيكون ~~باطلا وإنما قلنا غير مفيد لأن فائدة التعليل ليس إلا التعدية فإن حكم ~~الأصل ثابت بالنص فصار تعليل الأصل بحكم الأصل مستغنى عنه بالنص فلا فائدة ~~للتعليل في الأصل ولا فرع له حتى تظهر فائدته فيه فثبت أن هذا تعليل غير ~~مفيد وما لا فائدة فيه يكون عبثا والعبث حرام يدل عليه أن ما لا فائدة فيه ~~لا يجوز أن ينصب الله عليه أمارة ms564 فإذا كانت العلة قاصرة علمنا أن الله ~~تعالى لم ينصب عليها أمارة وما لا أمارة عليه لا يجوز أن يكون علة هذا حجة ~~أبى عبد الله البصرى وقد قال أيضا: إن الصلة الشرعية أمارة ولا أمارة ~~كالدلالة في أنها كاشفة عن شئ ولا يتصور دلالة ولا إمارة ولا يكشف عن شئ ~~والتعليل عن الأحكام والعلة القاصرة لا يكشف عن حكمه في أصل ولا فرع فلم ~~يكن أمارة ولا علة واحتج أبو زيد في هذه المسألة بأن التعليل إنما يصار ~~إليه بكونه حجة زائدة بعد النص وحجج الله تعالى إنما تكون حججا لإيجاب ~~العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأى لا يكون موجبا علما وإنما صير إليه ~~لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد علما فيما لم يتناوله النص ولا فيما ~~تناوله النص أما فيما لم يتناوله النص فلأنه لا فرع له وأما فيما تناوله ~~النص فلأن النص فوق التعليل PageV02P116 # وإذا ثبت بالنص لم يثبت بالتعليل. فإن قلتم: يثبت بالنص والعلة جميعا لم ~~يصح لأن التعليل لا يصح لتغير حكم النص فكيف يصح لإبطاله؟ وهذا الذي قلتم ~~يتضمن إبطال حكم النص لأن الحكم كان ثابتا بالنص على الاستقلال فبطل ثبوته ~~على هذا الوجه حيث صار ثابتا به وبغيره. قالوا: وإذا لم يتضمن الإبطال ~~فلابد أنه يتضمن التغيير ولا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته وإذا لم ~~يتغير بقى الأول بعيينه وهو ثبوت الحكم بالنص وقصره عليه قال: وهذه الفائدة ~~حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعينه ولأن هذا التعليل لا يوجب الحصر ~~لأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بأخرى عامة كما يجوز التعليل ~~بعلتين إحديهما أكثر تعديا من الأخرى يدل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم ~~حكمها على ما سنبين فإذا لم يوجب قصر الحكم على النص قالوا: ولا يجوز أن ~~يقال: فائدته معرفة الحكمة من المشروع لأن معرفة الحكمة لا تفيد عملا وقد ~~بينا أن التعليل للعمل ولأن الحكمة لا تكون بسبب الحكم وأما حجتنا نقول إن ms565 ~~الدليل الذى دل على صحة العلة لم يخص موضعا دون موضع والأصل إنما يمكن ~~تعليله صح تعليله ولأن الدليل قام على العلة والتعدى نافى صحة العلة لأن ~~صحة العلة بدليلها وقد وجد الدليل من التأثير على ما عرف في مسألة تعليل ~~الربا في الدراهم والدنانير بالثمنية وهذا لأن المسألة متصورة في علة تكون ~~على هذا الوجه وقد عبر بعضهم عن هذا وقال: العلة مستجمعة لشرائطها إخالة1 ~~ومقايسة وسلامة عن الاعتراضات في معارضات النصوص وهى على مساق العلل ~~الصحيحة وليس فيها إلا اقتصارها وانحصارها على محل النص وحقيقة هذا تئول ~~إلى أن النص يوافق مضمون العلة ويطابقها وهذا بأن يؤكد العلة ويشهد على ~~صحتها أولى من أن يدل على فسادها وقد استدل عبد الجبار في هذه المسألة. ~~وقال: إن العة إذا دلت عليها الأمارة غلب على ظننا وجه المصلحة وإن لم يتعد ~~لأن وجوه المصلحة قد تخص نوعا واحدا وقد يتعداه كما تقول في وجه القبح ~~والحسن كلها. يدل عليه: أن حقيقة كلام الخصم هو أن صحة العلة موقوفة على أن ~~يجتاز الإنسان إلى الخلاف في الفرع حتى يتعدى إليه فيعمل بهذا أمر مستشنع ~~مستقبح فأما دلائلهم فمجموع كلامهم يئول إلى أن هذا التعليل لا يفيد ~~PageV02P117 # قلنا: نقول: أولا إن المستنبط للعلة طالب لها وهو في حال الاستنباط لا ~~يدرى ما علة الحكم وهل هى متعدية أو لا؟ حتى يقال له: لا تتكلف هذا البحث ~~والطلب وإنما تعلم أن العلة التي بحث عنها إلا بتعدى بعد استيفاء الطلب ~~ونقول أجمعنا على أن النص لو ورد بمثل هذه العلة تكون صحيحة ولو جاز أن ~~يكون الطلب لها عبثا لأنها ليست بطريق إلى الحكم لا في أصل ولا في فرع لكان ~~النص عليها عبثا وقوله إن النص يغنى عن القياس قلنا: وقوع الغنى عن الشئ لا ~~يفسده ألا ترى أنا قد نستغنى بالقرآن في بعض الأحكام عن أخبار الآحاد وعن ~~القياس ولا يوجب ذلك فسادهما فإن قيل: خبر الواحد يمكن أن يكون طريقا ms566 إلى ~~الحكم الذى دل عليه القرآن ولا يمكن أن تكون العلة القاصرة طريقا إلى الحكم ~~أصلا قلنا: أنما تكلمنا بهذا على قولكم إن النص مغنى عن التعليل فيفسد وهذا ~~الكلام الذي ذكرتم الآن هو الرجوع إلى ما قلتم أنه غير مفيد وقد أجبنا عن ~~هذا ويجب بجواب آخر وهو أن العلم بعلة الحكم فائدة لأنا إذا علمنا ذلك لو ~~ظننا صرنا عالمين أو ظانين بما لم نكن عالمين به مما تتشوف النفس إلى ~~معرفته ولا يمتنع أن يكون لنا في ظن ذلك مصلحة وفائدة أخرى وهى أن يمتنع من ~~قياس فرع على هذا الأصل وقولهم إن هذا يوجد بمجرد النص قلنا: لا وذلك لأن ~~مجرد النص لا يمتنع من القياس عليه لأنه يجوز أن يعلل بوصف آخر متعدى فيقاس ~~به فرع من الفروع عليه فإذا علمنا أن ما لا يتعدى هو العلة لأن الدليل دل ~~عليه رفضنا ما عدا ذلك الوصف فلم نقس على ذلك الأصل شيئا وأما قولهم إن عدم ~~العلة لا يوجب عدم حكمها. قلنا: هذا لا يرد على ما قلنا: لأن صورة الخلاف ~~في تعليل الدراهم والدنانير بالثمنية1 ولم يكن له فرع فلابد أن ينحصر الحكم ~~في محل النص ولا يجرى في غيره فيفيد التعليل على ما سبق وأما قولهم إن ~~العلة لابد أن تكون كاشفة عن شئ قلنا: نبطله بالعلة المنصوصة إذا كانت ~~قاصرة تكون علة صحيحة ولا تكشف عن شئ وعلى أن قولهم إن شرط صحة العلة أن ~~تكون كاشفة عن شيء. قلنا: إن عنيتم أنها تكشف عن الحكم فهو نفس الخلاف وأن ~~قلتم تكشف عن معنى الحكم وعلته فقد كشفت ويجوز أن يتعلق به مصلحة وأما ~~قولهم إن العلة دليل عامل فلابد له من عمل. قلنا: هذا هو الكلام الأول وهو ~~أنا هذا تعليل غير مفيد وعلى أنا قد بينا فائدة هذا التعليل وإذا ثبت فائدة ~~عمله ويجوز أن يقال: إن الحكم ثبت بالنص والعلة PageV02P118 # جميعا وقولهم: إن هذا تغيير حكم النص قلنا: ليس ms567 فيه تغيير أصلا لأن الحكم ~~على ما سبق من غير تغيير وتبديل وقولهم إنه لا يضاف إلى النص قلنا: يضاف ~~فيقال النص مقيد لهذا الحكم والعلة مقيدة له ويجوز أن يتوالى دليلان على ~~حكم واحد ولا تغيير لأن النص يدل على ما يتعلق الحكم بالنص ولا يدل على عدم ~~تعلقه بدليل آخر وهذا كالحكم يثبت بالكتاب وبخبر الواحد فإنه يجوز ولا ~~يقال: إن ثبوته بخبر الواحد يغير حكم الكتاب بل لا يعرف تغيير بهذا. # مسألة: يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ~~ورد به الشرع ودل عليه الدليل. # والمحكى عن أصحاب أبى حنيفه أنهم لم يجوزا هذا القياس وقد [ذكره] الكرخى ~~ومنع من جوازه إلا بإحدى خلال ثلاث1: # إحداهما: أن يكون ما ورد به بخلاف الأصول قد نص على علته نحو ما روى عن ~~النبى صلى الله عليه وسلم أنه علل طهارة سؤر الهرة أنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات2. وقال: لأن النص على العلة كالتصريح بوجوب القياس عنه. # والثاني: أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في ~~عليته. # والثالث: أن يكون الحكم الذى ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول ~~وإن كان مخالفا للقياس3 على بعض الأصول كالخبر الواحد بالتحالف في ~~المتبايعين إذا تبايعا PageV02P119 # فإنه يخالف قياس الأصول ويقاس عليه الإجارات لأنه يوافق بعض الأصول وهو ~~أن ما يملك على الغير فالقول قوله فيه في أنه أى شئ ملك عليه وقالوا: إذا ~~كان في الشرع أصل يبيح القياس وأصل يحظره وكان الأصل جواز القياس وجب ~~القياس وقالوا أيضا يجوز القياس على الأصل المخصوص إذا كان أحد لم يفصل ~~بينه وبين المخصوص فيكون حكمه على ما خص من جملة القياس مثل جماع الناسى ~~وأكل الناسى وقال محمد بن شجاع البلخى من أصحابهم: إذا كان الخبر الواحد ~~بخلاف قياس الأصول غير مقطوع به لم يجز القياس عليه فاقتضى قوله هذا أنه ~~إذا كان الخبر مقطوعا به جاز القياس عليه وقد ms568 قال أصحاب أبى حنيفة: إن مثال ~~الذي يمنع من القياس عليه انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة1 وجواز التوضؤ ~~بنبيذ التمر2 وجواز الثبات على الصلاة فيما إذا سبقه الحدث3 وذكروا أمثلة ~~سوى هذا وذهبوا في تصحيح ما صاروا إليه إلى إثبات الشئ لا يصح مع وجود ما ~~ينافيه. # ببينة: أنه إذا جاز القياس على هذا الأصل لم يكن فرق بين هذا الأصل وبين ~~سائر الأصول فكان يخرج حينئذ من كونه مخصوصا من جملة القياس قالوا وليس كما ~~إذا ورد النص معللا لأنه إذا كان معللا يصير كل ما وجدت فيه تلك العلة ~~كالمنصوص عليه وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد أمرنا أن نقيس عليه كل ما ~~شاركه في العلة فصار نصه عليه من قياس الأصول وكذلك إذا كان شيئا لا يفصل ~~أحد بينه وبين المخصوص فإن الحكم في أحدهما يكون حكما في الآخر واحتج أبو ~~بكر الرازى لهم وقال: إن القياس لما وجب القول به وجب أن يكون حكما ثابتا ~~في جميع الأحوال حتى يخصه دليل يسقط حينئذ حكم القياس في الموضوع المخصوص ~~ويبقى حكمه فيما عدا المخصوص على ما كان عليه وهذا معنى قول فقهائهم: إن ~~القياس على الأصل المخصوص من القياس لا ينفك PageV02P120 # عن أصل يعارضه يكون ساقطا لأن من شرطه انفكاكه عن المعارض لأن معارضة ~~الدليل بالدليل توجب توقفه عن العمل قال أبو زيد في هذه المسألة حكم النص ~~إذا ثبت على وجه يرده القياس الشرعى لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه ~~بخلافه لم يجز إثبات ذلك الحكم في فرع بالقياس عليه لأن القياس جاء نافيا ~~لهذا الحكم فلم يجز إثباته كالنص إذا جاء نافيا لحكم لم يجز إثباته به وأما ~~دليلنا هو أن ما ورد به الخبر أصل يجب العمل به فجاز أن يستنبط منه معنى ~~ويقاس عليه دليله إذا لم يكن مخالفا للأصول والمعتمد أن ما ورد به الخبر ~~صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول فقد تعارض ~~قياسان قياس على هذا ms569 الأصل وقياس على سائر الأصول فكما يجوز أحدهما يجوز ~~الآخر ثم على المجتهد أن يرجح أحد القياسين على صاحبة ويجوز أن يرجح القياس ~~على سائر الأصول على القياس على هذا الأصل إذا كان هذا الأصل ثبت لا بدليل ~~مقطوع به لأن القياس على ما طريقه يفيد العلم أولى من القياس على ما يفيد ~~الظن فأما إذا كان هذا الأصل فقد صح القياس عليه ولا ترجيح بما قلنا: لأن ~~الكل ثبت بدليل يفيد العلم فنطلب الترجيح بدليل آخر وهذا لأن أصول الشرع ~~كلها سمعية فعلى هذا لا فرق بين هذا الأصل وبين سائر الأصول ويكون القياس ~~على الكل واحد وقد قال الشافعى رحمة الله عليه: في بعض كتبه ملزما إياهم ~~على هذا الأصل الذى ذكروه وهو أن المعدول من القياس لا يقاس عليه غيره قال: ~~قد زعمتم أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء واعتقدتم أن هذا معدول به عن ~~القياس ثم زعمتم أنها تبطل صلاته ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولا ~~ينقدح لكم فرق معنوى ولكنكم اعتمدتم قصة جرت في صلاة من الصلوات الخمس ~~ورأيتم أن تقتصروا على مورد النص. ثم قلتم: إن القهقهه تبطل صلاة النفل وإن ~~لم تجز القصة في النفل فليت شعرى ما الذى عن لكم من التخصيص من وجه ~~والإلحاق من وجه وقال أيضا في مساق هذا الكلام اعتقدتم في التوضؤ بنبيذ ~~التمر مع اشتمال كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لو صح الحديث على ~~التنبيه على ذلك فإن صلى الله عليه وسلم قال: "ثمرة طيبة وماء طهور" 1. ~~وهذا في الزبيب يوجد فيقال: زبيب طيب وماء طهور وقد قال: بعضهم محتجا لنا ~~في PageV02P121 # هذه المسألة: إنه إذا كان عموم الكتاب لا يمنع من قياس في تخصيص فبأن ~~يكون القياس على العموم لا يمنع من القياس على أصل مخالف للعموم أولى لأن ~~العموم أقوى من القياس عليه فإذا كان العموم نفسه لا يمنع من قياس على أصل ~~فإن أدى إلى تخصيصه فوجود القياس على ما ms570 يثبت بالعموم أو بأصل من الأصول ~~كيف يمنع من القياس على أصل آخر فإنه أدى إلى تخصيص الأصول أما الجواب عن ~~دلائلهم قوله إنه إثبات الشئ مع وجود ما ينافيه قلنا: ولم؟ قالوا: لأن ~~القياس على الأصول يمانع القياس على ما ورد بخلاف الأصول. قلنا: هلا كان ~~القياس على ما ورد بخلاف قياس الأصول يمانع القياس على الأصول. قالوا: إذا ~~كان القياس على ما يخالف الأصول يمنع أن يدل أمارة على علة الحكم. قلنا: ~~هذا دعوى لا دليل عليها وإذا جاز أن يدل على علة هذا القياس النص جاز أن ~~يدل عليه دلالة غير النص فإن قيل: ما ورد بخلاف قياس الأصول وإن كان ورد ~~بطريق يفيد العلم وصار أصلا لكن لا يجوز أن يكون في القوة بمثل القياس على ~~سائر الأصول قلنا: وهذا دعوى أيضا وما أنكرتم أن يكون الخبر الوارد بخلاف ~~قياس الأصول قد غير الحكم عما كان عليه من قبل لأنه لما كان ثبت بطريق ~~معلوم صار أصلا في نفسه فلا يمتنع أن يقع التنبيه على علة ويكون التنبيه ~~على علة أقوى من التنبيه على علة مطلوبة من سائر الأصول ثم يقال: لهم أليس ~~قد جاز أن يدل عليها النص وهو أقوى وأظهر من علة الأصول فلم لا يجوز أن يدل ~~عليهما دليل آخر ويكون أقوى من دليل علة الأصول وأما قولهم إن القياس إذا ~~كان دليل الله وجب أن يثبت حكمه في جميع الأحوال حتى يخصه دليل قلنا: إذا ~~كان القياس دليل الله عز وجل فالقياس الذى وجد على الأصل المخصوص قياس أيضا ~~وجب أن يكون دليل الله تعالى فإن رجعوا وقالوا إن القياس على سائر الأصول ~~يمنع من هذا القياس فقد أجبنا عن هذا وقلنا إنه ليس هذا القول باولى من قول ~~من يقول إن القياس على هذا الأصل يمنع من القياس على سائر الأصول وقولهم إن ~~القياس على المخصوص لا ينفك عن أصل يعارضه قلنا: هذا قول المتفقهة الذين لا ~~تمييز لهم فليس لهم ms571 من الدرك ما يعرفون به الصحيح من السقيم ويميزون به ~~الخبيث من الطيب وإلا فوجود المعارض لا يمنع صحة القياس لكن يقال: للمستدل ~~سيره إلى الترجيح وإلى تقديم أحد العلتين على الأخرى بنوع دليل وأما الذى ~~قاله أبو زيد فليس بشئ لأن القياس على سائر الأصول ليس يمنع من القياس على ~~هذا الأصل لكن يعارضه ثم لابد # PageV02P122 # من طلب الترجيح على ما سبق وليس إثبات هذا الفرع بالقياس إثبات شئ ~~بالقياس يمنعه القياس بل الدليل الذى دل على كون القياس صحيحا مطلق لهذا ~~القياس مصحح إياه ذلك الدليل لم يخص أصلا دون أصل ولا مانع فجاز القياس من ~~غير تخصيص وما ينحسم به القول في هذه المسألة أن التعليل قد يمنع بنص ~~الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص لأمكن التعليل وهو كقوله ~~تعالى: {إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: ~~50] وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها ~~كيوم خلق الله السموات والارض"1. # وقال لأبى بردة بن يسار وقد جاء بجذع من شعر "يجزيك ولا يجزئ عن احد ~~بعدك" فمهما منعنا نص عن القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو ~~وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر فإذا لم يكن ~~منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس أمكنا به على الشرائط التي ذكرنا ~~من قبل والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأبيه وقد قال الشافعى رضي الله عنه ~~في بعض كتبه: ولا يقاس على المخصوص ويجوز أن يؤول فيقال أنه أراد هذا في ~~الموضع الذى لا يمكن القياس عليه والأصل فيما يجوز القياس عليه وما لا يجوز ~~أن ينظر إلى المخصوص ويمتحن فإن كان يتعدى معناه قيس عليه غيره كقياس ~~الخنزير على الكلب في حكم الولوغ وقياس خف الحديد والخشب على خف الأدم على ~~المسح عليه وإن لم يوجد في المخصوص وجه يمكن القياس عليه كالجنين لا يقاس ~~عليه الشخص الملفوف ms572 في الثوب لأنه لا يعرف معنى في الجنين فقياس به الملفوف ~~عليه والله أعلم. # فصل # واعلم أن الفصل الآخر الذى أشار إليه مما مرجوعه إلى مسألة إزالة النجاسة ~~بغير الماء من المائعات وهو قوله: إن الأصل إذا علل ثبت الحكم في الفرع ~~بالعلة وفي الأصل بالنص وقوله إن الأصل لا يتغير عما كان عليه والتعليل لا ~~يتعرض له أصلا فهذا فصل لم أر أحدا من أصحابنا أورده ويجوز أن نسلم له ذلك ~~ويجوز أن نخالف فيقال: إن التعديه بالعلة لا يتصور إلا بعد ثبوت العلة في ~~الأصل المنصوص عليه وتحققها فيه ألا PageV02P123 # ترى أن الأشياء الستة لما عللت لم يكن بد من ثبوت الطعم عندنا والكيل ~~عندكم في الأصل. ثم تعدية كل واحد على اختلاف المذهبين في الفروع وأقل ما ~~في العلل أنها أمارات على الأحكام فإذا علل الأصل فلابد أن يصير أمارة عليه ~~ثم يتعدى فيصير أمارة على الأحكام في الفروع وإذا ثبت أن الوجود لابد منه ~~في الأصل فنقول بعد هذا يجوز أن يقال: على ما زعموا ويجوز أن يقال: إن ~~الحكم في الأصل يثبت بالنص للمعنى الذى تناوله التعليل وتصير العلة ~~كالمنصوص عليها وقد ورد النص في مواضع دالا على الحكم مع ذكر المعنى فأما ~~في الفرع يكون ثبوته بمحض المعنى وهذا جائز وروده مستقيم وجهه. # وأما في مسألة إزالة النجاسة فعندنا إنما يعلل التعليل في تلك المسألة ~~لأنا بينا أنه لابد من وجود العلة في الأصل: ثم التعدية وإذا عللنا للطهارة ~~بالأدلة فلا شك أن طهارة الحدث تناولها النص ولم يوجد فيها الإزالة لأنه لا ~~شئ يزال فبطل التعليل بالإزالة وإذا بطل لم يقبل التعدية وقد ذكر بعض ~~أصحابنا فصلا في هذه المسألة أعنى مسألة النجاسة وأودعه أصول الفقه الذى ~~صنفه. فقال: الذي ذهب إليه جماهير العلماء مع التزام القياس والقول به أن ~~طهارة الحدث ليست بمعقولة المعنى. وذهب أبو حنيفه ومتبعوه إلى أن إزالة ~~النجاسة معقولة المعنى1. وبنوا على هذا الفرق بين طهارة الحدث إذا ms573 تعين ~~الماء لها وبين إزالة النجاسة فإن الغرض منها رفع عينها واستئصال أثرها ~~فإذا رفع ذلك بأى مائع كان وقع موقعه قال واضطرب متبعوا الشافعى في ذلك ~~فمذهب المتأخرين إلى أن طهارة الحدث مقعولة المعنى والغرض منها النظافة ~~والتنقى عن الأدران والأوساخ وأوضحوا ذلك بتخييل يبتدره من يكتفى بظواهر ~~الأمور فقالوا الأعضاء الظاهرة وهى الوجه واليدان إلى المرفقين والقدمان ~~وبعض الساق في المهن والتصرفات تبدو وتظهر ويصادفها الغبرات وغيرها فورود ~~الشرع بغسل هذه الأعضاء في مظان مخصوصة ومواقيت معلومة ومحاسن الشريعة تؤل ~~في نهاياتها إلى أمثال ذلك والرأس مستورا بالعمامة غالبا وقد تبدو الناصية ~~والمقاديم من المستروح إلى تحتية عمامته إلى هامته فلما كان ذلك أبعد اكتفى ~~بالمسح فيه وعضد هؤلاء ما ذكروه بقوله تعالى: في سياق آية الوضوء {ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6] ولا مسلك في نصب ~~المظنونات إلى إثبات العلل أوقع وانجع من إيماء الشارع إلى PageV02P124 # التعليل وقوله تعالى: {ليطهركم} ظاهر في التعليل1 بما ذكرناه وأورد هؤلاء ~~في هذا المعنى على أنفسهم التيمم وأجابوا عنه وقالوا: إن التيمم أقيم بدلا ~~غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين له أن الغرض في إقامة ~~التيمم مقام الوضوء إدامة الدربة في إقامة [وظيفة] 2 الطهارة فإن الأسفار ~~كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعوازا لها فيه ليس بالنادر فلو أقام الرجل ~~الصلاة من غير طهارة ولا بدل عنها مرنت نفسه على إقامة الصلوات من غير ~~طهارات والنفس ما عودتها تتعود فقد تفضى النفس إلى ركونها إلى هواها ~~وانصرافها عن سراسم التكليف ومغزاه. # ويسأل عن هذا فيقال: لو كان المعنى هذا وجب أن يقال: إذا توضأ وأسبغ ~~وضوءه ثم عمد إلى تراب فيعفر به أو تطلى بالطين وجب أن بنتقض وضوءه فإنه ~~إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فلأن يجب بتحقيقه أولى. # وقد أجابوا عن هذا وقالوا: إن الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على ~~حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يندر ويشذ ms574 ويقل في الناس من يتطلى ~~وينتضح بالقاذورات فلا يعتبر هذا النادر الفارد3. # فإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص بوقوع الحدث وقد أجمع العلماء في الشرع ~~أن الأحداث موجبة للوضوء وليست ملطخة لأعضاء الوضوء وقد أجابوا عن هذا ~~فقالوا غاية هذا السؤال خروج وقت الوضوء عن كونه معقول المعنى وهذا لا ~~ينافى كون أصله معقولا قال الإمام جمال الإسلام رحمه الله: وعندي أن هذا ~~التعليل وتكلف الأسئلة ثم تكلف الجواب عنها شئ عظيم والأصح أنه لا يتمشى ~~تعليل صحيح في إيجاب الوضوء بل الأصح أنه تعبد محض وتكليف من الله عز وجل ~~لعباده من غير أن يتطرق إليه تعليل ولئن أمكن على التعبد وجه من المعنى ~~فإذا لم يمكن تمشيته وطرده على المعنى المذكور فالأولى الإعراض عنه والنظر ~~فيما سواه. PageV02P125 ### | فصل: في ضروب القياس # ... # فصل # إذا عرفنا من يجوز له القياس وما يجوز فيه القياس فنقول لا شك أن القياس ~~نظر شرعى لإثبات حكم شرعى إذا عرف أن النظر الشرعى أقساما فنقول: # القياس على ضروب وقد جعلها ابن سريج ثمانية أقسام ومن أصحابنا من زاد على ~~ذلك ومجموع ذلك وجهان على ظاهر جلى وخفى غامض فالجلي الواضح ما يعلم من غير ~~معاناة فكر1 والخفى الغامض ما لا يتبين إلا بإعمال الفكر والروية2. # والجلى الواضح على ضربين: # المتناهى في الجلاء حتى لا يجوز ورود الشرع في الفرع بخلافه مثل قوله ~~تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] وكقوله تعالى: {ما ~~يملكون من قطمير} [فاطر: 13] وقوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} [آل عمران: 75] ~~وكقوله تعالى: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] ونحو هذا فإنه لا ~~يجوز في المعقول أن يرد الشرع بتحريم التأفيف للوالدين وإباحة شتمهما ~~وضربهما في تجويز تجويز ذلك إبطال النص من أصله وغير جائز أن لا يملكون من ~~قطمير ويملكون ما فوق ذلك ولا أن يوفوا ثواب الذرة ويحرموا ما فوق ذلك # والضرب الثانى ms575 من القياس الجلى دون هذا في الوضوح والجلاء وكان بحيث يجوز ~~PageV02P126 # ورود الشرع في الفرع بخلاف ما في الأصل ومثال ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يقضى القاضي وهوغضبان" 1 ومعلوم بأوائل النظر أن ما يتأوى الغضب ~~من جوع مفرط وألم مزعج ونوم مذهل بمنزلة الغضب في المنع من القضاء وأبعد من ~~هذه تعليل ما كان من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا له في عبد ~~فإن كان موسرا قوم عليه العبد" 2 قيمة عدل يعلم أن الجارية بمنزلة العبد ~~لتساويهما في الرق وجاز مع ذلك أن يرد الشرع بالمخالفة بين الغضب والآلام ~~في القضاء بين العبد والجارية في التقويم ومن الناس من زعم أن هذا ليس ~~بقياس ولكنه من معقول الكلام ومجرى الخطاب وإلى هذا ذهب الكرخى ومن يتبعه ~~من أصحاب أبى حنيفة وذكر عبد الجبار الهمذانى قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن ~~القياس لا يدركه من ليس بقائس وهذا يستدركه من ليس بقائس ويشترك في ~~استدراكه الخاص والعام ولو كان قياسا لاختص به أهل النظر والاجتهاد ولأنه ~~لو كان ما ذكروه من هذا قياسا لاحتاج إلى أصل وفرع وعلة ولما جاز أن يكون ~~الفرع أقوى من أصله وقد علم كل أحد أن المعقول من قوله: {فلا تقل لهما أف} ~~أن الضرب والشتم أشد في المنع والتحريم من التأفيف والاصح أن ذلك ثابت من ~~جهة القياس لأن غير المذكور لما علم بالمذكور على طريق الاعتبار فقد حصل ~~معنى القياس وهذا لأن تحريم الشتم والضرب غير معقول من اللفظ لأنه لو عقل ~~باللفظ لكان اللفظ موضوعا للمنع من الضرب والشتم إما في اللغة أو في العرف ~~ومن البين أنه غير موضوع للمنع من الضرب والشتم في اللغة وكذلك في العرف ~~لأن الناس لا يتعارفون هذا الاسم كذلك المعين فصار المنع من الضرب والشتم ~~باعتبارهم بالتأفيف المنصوص عليه وبيان هذا أن الإنسان إذا سمع قول الله عز ~~وجل: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] {وقل لهما قولا كريما} [الإسراء: ms576 23] ~~علم أن هذا الكلام خرج مخرج الأمر بالإعظام لهما مع ما تقرر في الشرع من ~~وجوب تعظيمهما وإذا علم هذا علم أن الله تعالى إنما نهى عن التأفيف لأنه ~~ينافي التعظيم ولأنه إنما يفعل هذا القصد إلا استخفافا3 فعلم أنه ~~PageV02P127 # إنما نهى عن التأفيف لكونه أذى ويعلم أن الحكيم لا ينهى عن الشئ لعلة ~~ويرخص ما فيه تلك العلة وزيادة بل يكون ذلك بالحظر والتحريم أولى فثبت ما ~~قلنا وهو أن هذا من باب علم غير المذكور من المذكور بطريق الاعتبار فيكون ~~بطريق القياس ولا ينكر سهولة مأخذ وقرب مسلك لهذا لأن هذا لا يخرجه عن كونه ~~على طريق القياس لأن مراتب القياس قد تتفاوت في الجلاء والخفاء كما تتفاوت ~~مراتب النصوص فمن ذلك ما يدرك بأول ما يفرع السمع ومن ذلك ما يحتاج إلى ~~تأمل وتفكر وهذا الاختلاف لا يخرج ذلك عن كونه نصا وإنما يتميز النص من غير ~~النص بما كان مذكورا في اسمه والقياس ما لا حظ له في الاسم وإنما أدرك ~~معناه وأما الذى قالوه إن هذا لو كان قياسا لكان يحتاج إلى فرع وأصل وعلة ~~وقد وجدها هنا لأن التأفيف أصل والضرب والشتم فرع والأذى علة وأما قوله إن ~~غير القياس يعرف ذلك أو هذا مما يشترك في معرفته الخاص والعام قلنا: قد ~~حققنا معنى القياس على ما سبق وهذا لأن هذا القياس في نهاية الجلاء ~~والانكشاف فلأجل هذا اشترك في معرفته الخاص والعام ونقول إنه لا يعلم تحريم ~~الشتم والضرب بهذا الخطاب إلا بالمقدمات التي قلناها إلا أن هذه المقدمات ~~لا تحتاج إلى غامض محض فإن كثيرا من ذلك يعمله المكلف قبل الخطاب مثل ~~قولنا: إن الحكيم لا يرخص فيما فيه علة المنع وزيادة ومثل قولنا: إن ~~التعظيم مناف للأذى والاستخفاف وبعض ما قلناه إنما يعلم الإنسان مقترنا ~~بالخطاب وذلك قولنا: إن هذا الخطاب خرج مخرج التعظيم فإذا كملت هذه المعانى ~~لكل أحد جاز أن يسمى كل أحد قائسا لأن كونه قائسا يمنع هذه ms577 الأشياء فإذا ~~وجدت كان قائسا كان عالما كان غير عالم # وأما قولهم إن الفرع لا يجوز أن يريد بيانه على الأصل قلنا: الأغلب هذا ~~الذى قلتم وغير ممتنع أن يوجد في بعض المواضع بخلاف هذا كما نقول الروم ~~أعقل من الزنج والترك أشد بأسا من الهند وقد يوجد الواحد من الزنج أعقل وقد ~~يوجد الواحد من الهند أشد بأسا وإنما يطرد الأمر على ما قالوه إذا كانت ~~الدلالة واضحة بالأكثر على الأقل فأما إذا وقعت بالأقل على الأكثر فإن ~~الفرع يصير في التقدير أقوى من الأصل وهذا كما نقول في الكفارة في القتل ~~العمد فإنه أقوى في الوجوب من الكفارة في القتل الخطأ وإن كان الخطأ هو ~~الأصل لأن النص تناوله وكما أن من يخرج الحنطة في صدقه الفطر وقوته الشعير ~~فإنه يكون ذلك أقوى في وجه الجواز من إخراج الشعير وإن كان الأصل هو الشعير ~~لمن قوته الشعير فإن قيل: لو علم ما قلتم بالقياس الجلى يجوز أن لا # PageV02P128 # يعلم ذلك العاقل إذا منعه الله تعالى من القياس الشرعى قلنا لو منعنا ~~الشرع النظر في المعانى أصلا لم يعلم ذلك فإن قيل قوله تعالى {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] فإن ما اقتضاه اللفظ من الذرتين فما ~~فوقهما إنما هو قضية الاسم لا قضية المعنى لأنه ذرة وذرة إلى أكثر من ذلك ~~قلنا: قد يكون ذرة ونصف ذرة فلا يمكن التعلق بالاسم وهذا الذى قلناه غاية ~~ما يمكن أن يقال: في هذه المسألة لكن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظى وليس ~~فيها فائدة معنوية وبعد أن وافقونا في المعنى الذى قلناه فلا نبالى أن يسمى ~~ذلك قياسا او لا يسمى وإنما بالغنا في إثبات الذى ادعيناه مع أنه ليس ~~للخلاف فيه فائدة معنوية نصرة للشافعي فإنه قد نص في موضع أنه قياس مع وصفه ~~بالجلاء والظهور # وقد قيل: إن القياس الجلى ثلاثة أقسام: # أولها: ما عرف من ظاهر النص بعد استدلال ولا يجوز إيراد التعبد به بخلاف ~~أصله ms578 وقد بينا مثال ذلك. # والقسم الثاني: ما عرف معناه بظاهر النص من غير استدلال لكن يجوز إن يرد ~~التعبد فيه بخلاف أصله مثل النهى عن التضحية بالعوراء البين عورها والعرجاء ~~البين عرجها فكانت العمياء قياسا على العوراء والقطعاء قياسا على العرجاء ~~وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم العوراء أو العرجاء وإباحة العمياء والقطعاء ~~ومثل هذا أيضا نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسه الورس والزعفران فكان الكافور ~~والمسك على الزعفران والورس وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم الورس والزعفران ~~وإباحة المسك والكافور. # والقسم الثالث: ما عرف معناه من ظاهر نص باستدلال ظاهر فعرف بمبادئ النظر ~~مثل قوله تعالى في زنا الإماء: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] فجعل حدهن نصف حد الحرائر ولم يكن المعنى ~~إلا نقصهن بالرق وكان العبد قياسا عليهن في تنصيف الحد إذا زنوا لنقصهم ~~بالرق ومثاله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا له في عبد" 1 ~~كما بينا ومثاله أيضا قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] وكان معنى نهيه تعالى عن البيع أنه ~~شاغل عن الجمعة فصار عقود المناكح والإجارات وسائر المعاملات والصنائع نهيا ~~عنها قياسا على البيع لأنه شاغله عن حضور الجمعة. PageV02P129 # وأما القياس الخفى: فهو ما خفى معناه فلم يعرف إلا بالاستدلال. # وهو على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما كان معناه لا يجاء باستدلال متفق عليه مثل قوله تعالى: {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم} وكانت عمات الآباء والأمهات محرما ~~قياسا على الخالات لاشتراكهن في الرحم والمحرم ومثل قوله تعالى: في نفقة ~~الولد في صغره {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] . وكانت نفقة ~~الولد في عجزه عند كبره قياسا على نفقة الولد لعجز لصغره لاشتراكهما في ~~البعضية والمعنى في هذا لائح لتردده بين الجلى والخفى وهو في أقسام الخفى ~~بمنزلة القسم الأول من أقسام الجلي. # والقسم الثاني: ما كان معناه غامضا لتقابل المعنيين أو لتقابل المعانى ~~مثل تعليل الربا ms579 في البر المنصوص عليه إما بالطعم أو بالكيل أو القوت ولابد ~~من ترجيح أحد هذه المعانى على الآخر من طريق المعنى الذى يكون دالا على ~~التحريم. # والقسم الثالث: ما كان سببها لحاح يضمنه ومعناه إلى الاستدلال ومثاله ما ~~روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج1 بالضمان فعلم بالاستدلال ~~أن الخراج هو المنفعة فإن الضمان هو ضمان المبيع بالثمن ثم الكلام في تلك ~~المنفعة أنها عبارة عن ماذا يعرف في مسائل الفقه وهذه ثلاثة أقسام من أقسام ~~القياس الخفى واعلم أنا إنما ذكرنا قياس المعنى فأما قياس الشبه فله باب ~~يذكر فيه ولابد من زيادة شرح ليحصل معرفة الصحيح من ذلك والفاسد وسيأتى ~~بمشيئة الله تعالى. PageV02P130 ### | فصل في أقسام طريق العلل الشرعية # اعلم أن للعلل الشرعية طرقا كثيرة في الشرع وقد يكون ذلك من جهه اللفظ ~~وقد يكون من جهه الاستنباط فأما الطريق من جهه اللفظ وقد يكون من جهه ~~الصريح وقد يكون من جهة التنبييه فإما الصريح مثل قول القائل: أوجبت عليك ~~كذا لعلة كذا ومثل قوله أوجبت عليك كذا لأنه كذا أو لأجل كذا أو لكى يكون ~~كذا وها دون الأول في # PageV02P130 # التصريح وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما نهيتك لأجل ~~الرأفة" 1وقال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7] وأما ~~الألفاظ المنبهة على العلة فضروب: منها: فوله صلى الله عليه وسلم في المحرم ~~الذي وقصت به ناقته "لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القايمه ~~ملبيا" 2 وهذا من باب تعليق الحكم على علته بلفظ الفاء وقد تدخل الفاء على ~~العلة والحكم متقدم وقد تدخل الفاء على الحكم والعلة متقدمة مثل قوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] "ومثله قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق} [المائدة: 6] "وقال الله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق ~~سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] ~~فهذا ms580 دليل على أن العلة في قيام وليه بالإملاء هو أنه لا يتطيع أيمل هو ومن ~~هذا الضرب ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم سهى وسجد3 وزنا ماعز فرجمه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم4 ومن ضروب التنبيه أن يسأل النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن حكم شئ ويذكر السائل صفة ذلك الشئ: مما يجوز كونها علة مؤثرة ~~في ذلك الحكم فيجيب النبى صلى الله عليه وسلم عند سماع تلك الصفة يدل أن ~~العلة تلك الصفة ومثال هذا قول القائل للنبى صلى الله عليه وسلم واقعت أهلى ~~في نهار رمضان وقول النبى صلى الله عليه وسلم في الجواب: "أعتق رقبة" 5 وقد ~~يكون هذا في لفط الإفطار أن يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم. # ومن ضروب التنبيه: أن لا يكون لذكر الوصف فائدة لو لم يكن ععلة فمن ذلك ~~أن يكون الوصف مذكورا بلفظ أن كما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم امتنع ~~من الدخول على قوم عندهم كلب. # فقيل له: إنك تدخل على آل فلان وعندهم هرة. فقال: "إنها ليست نجسة إنها ~~من الطوافين عليكم والطوافات" 6. فلو لك يكن لكونها من الطرفين تأثير في ~~PageV02P131 # طهارتها لم يكن لذكره عقيب حكمه بطهارته فائدة. # ومن ذلك: أن يوصف المحكم فيه بصفة قد كان يمكن الإخلال بتركها فعلم أنها ~~ما ذكرت إلا لأنها علة وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "تمرة طيبة وماء ~~طهور" 1 ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله عليه وسلم حسن سئل عن بيع الرطب ~~بالتمر قال: "أينقص الرطب إذا جف؟ " قيل: نعم قال: "فلا إذا" 2 فلو لم يكن ~~نقصانه عند اليبس علة للمنع من البيع لم يكن لذكره معنى. # ومن التنبية أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه وقد سأله عن ~~قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" 3. فعلم أنه إنما لم يفسد ~~الصوم بالقبلة والمضمضة لآنه لم يحل ما يتبعها من الإنزال والإزدراء. # ومن ضروب التنبيه قوله صلى ms581 الله عليه وسلم: "لايرث القاتل" 4 وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " لايقضى القاضي" 5 الخبر ووجه التنبيه: أنه لما تقدم بيان ~~إرث الورثة فلما قال: "لا يرث القاتل" مفرقا بينه وبين جميع الورثة على أن ~~القتل علة في منع الإرث وكذلك في اللفظ الثانى لما تقدم أمر القاضي بأن ~~يقضى فإذا منع من أن يقضى وهو غضبان علم أن الغضب علة في المنع منه. # ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا ~~كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد" 6 فلما قال هذا البعد نهيه عن بيع البر ~~متفاضلا دل أن اختلاف الجنس العلة في أن يجوز7 البيع. # ومن ذلك قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~PageV02P132 # بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] فدل أن تعقيد اليمين علة المؤاخذة. # ومن ضروب التنبيه قوله صلى الله عليه وسلم: "للفارس ثلاثة أسهم وللراجل ~~سهم" 1 فإذا استأنف أحد السببين بذكر صفة من الصفات فقد ذكر الآخر وتلك ~~الصفة يجوز أن تؤثر في الحكم دل أنه علة. # ومن ضروب التنبيه قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ~~[الجمعة: 9] لما أوجب علينا السعى ثم نهى عن البيع المانع من السعى علمنا ~~أنه إنما نهانا لأنه مانع من الواجب. # واعلم: أن هذه الوجوه ذكرها المتكلمون من الأصوليين والكلام على مجال ~~ونحن إذا بينا العلل الصحيحة ووجوه تأثيرها في الأحكام عرف عند ذلك صحيح ~~العلل من فاسدها وعلى الجملة لا بأس بذكر هذه الضروب لأن هذه العلل علل من ~~النصوص وطلب الفوائد من النصوص واجب فإذا أمكن استفادة علة من نص صاحب ~~الشرع فلا مترك لها كما أنه إذا أمكن استفادة حكم منه فلا معرض عنه وقد ~~ذكرنا في مسألة علة الربا أنا عللنا كون الطعم علة بالنص وجعلنا ذلك أحد ~~فوائد النص وذكرنا أن بيان التأثير غير واجب علمنا بعد أن ثبت لنا كونه علة ~~أحد فوائد النص لأن طلب الفوائد لما وجب وكان كون الطعم علة إحدى فوائده ms582 ~~سقط عنا بيان تأثيره وهذه طرقة حسنة ذكرناها في الخلافيات ولا بأس ~~بالاعتماد عليها وإن اخترنا بيان التأثير فقد ذكرنا أن التأثير في الطعم ~~وبلغنا غاية الإمكان وكلتا الطريقتين حسنتان معتمدتان ومن الله العون. ~~PageV02P133 ### | فصل: ما يشتمل عليه القياس # ... # "فصل" # إذا عرفنا أقسام القياس رجعنا إلى بيان ما يشتمل عليه القياس فنقول: # إن القياس يشتمل على أربعة أشياء على الأصل والفرع والعلة والحكم. # ونمثل مثالا لنعرف هذه الأشياء الأربعة فنقول إذا قسنا الأرز على البر في ~~جريان الربا والنبيذ على الخمر في التحريم فالأصل هو البر أو الخمر والفرع ~~هو الأرز أو النبيذ والعلة الطعم أو الشدة والحكم جريان الربا ويقال حرمة ~~الفضل في الأول # PageV02P133 # وحرمة الشرب في الثاني. # قال أبو زيد: لابد للقياس من أصول [بل] 1 وهم شهود الله تعالى على أحكامه ~~فيما لا نص فيها ولابد من وصف جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة ولابد من ~~قائس وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه فشهادة الجامع بين الأصل والفرع ~~ولابد من حكم يثبت لديه ليحكم به وهو القلب ولابد من شهود وهو الحكم ~~المطلوب ولابد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات صلاحهم ~~للشهادة بالحرية والعقل والبلوغ2 كذلك الأصل يجب أن يكون صالحا للتعليل ~~ولابد من اعتبار الوصف صالحاكما يعتبر لفظ الشاهد ولابد من اعتبار العدالة ~~كما في الشاهد والعدالة ها هنا هو التأثير ولابد من مشهود عليه وهو البدن ~~واللسان فاللسان يلزم الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به وهذا ~~إذا حاج نفسه فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثل المتخاصمين في حقوق ~~الناس بالمجيب حقوق الناس بمنزلة المدعي والسائل بمنزلة المنكر والقياس ~~شهادة والأصل شاهد والمجيب مستشهد والحكم مشهود به والسائل بلسانه وبدنه ~~مشهود عليه والقلب منه حاكم عليه وتأثير الوصف عدالة ظاهرة وهذا الذى ذكره ~~هذا الرجل تكلف شديد وليس يليق بالمحققين وقد دخل في أثناء هذه التفاصيل ما ~~لا يمكن تحقيق معناه على انفراده وقد نقلته على ما أورده. # قال وقد خالفنا ms583 الشافعى رحمة الله عليه في بعض ما ذكرنا على ما نذكر في ~~تفاصيل هذه الحملة وما ذكرناه من الأشياء الأربعة كاف في معرفة ما يشتمل ~~عليه القياس لأن القياس إلحاق فرع مجهول بأصل معلوم لحكم مطلوب بعلة جامعة ~~والمثال ما بينا أن البر أصل والأرز فرع والطعم علة والربا حكم ولابد أن ~~نفرد لهذه الأشياء الأربعة لكل منها فصلا. PageV02P134 # أما ### | فصل: الأصل # فنقول: أعلم أن الأصل يستعمله الفقهاء في أمرين: في أصول الأدلة من ~~الكتاب والسنة والإجماع فيقولون: هى الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل ~~الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل ويستعملون اسم الأصل في الشئ الذي يقاس ~~عليه كالخمر أصل النبيذ والبر أصل الأرز. # وحد الأصل: ما عرف حكمه بنفسه أو ما عرف به حكم غيره ومن مثبتى القياس من ~~جوز أن يكون القياس بغير أصل وهذا قول من خلط الاجتهاد بالقياس. # والصحيح: أنه لابد له من أصل لأن الفرع لا يتفرع إلا عن أصول لوقوع الفرق ~~بين الأصول والفروع. # والأصل: ضربان معلول وغير معلول. # فأما غير المعلول فما لم يعقل معناه كأعداد الركعات واختصاص الصيام بشهر ~~رمضان وغير ذلك وقد سبق بيان هذه القصة وأما المعلول فهو ما عقل معناه وهو ~~ضربان متعد وغير متعد. # فأما غير المتعد فهو ما عدم معناه في غيره فوقف حكمه على نصه كتعلل الذهب ~~والفضة أنهما أسمان فهذا لا يوجد معناها في غيرهما فوقف الحكم عليها وعند ~~أبى حنيفة وأصحابه لا يكون غير المتعدية علة بحال وقد سبق الكلام في هذا ~~الفصل. # وقد قال أبو زيد: في تقويم الأدلة في العبادة عن الخلاف في هذه المسألة ~~قال علماؤنا حكم العلة تعدية النص المعلل إلى فرع لا نص فيه وقال أصحاب ~~الشافعى حكم العلة تعلق حكم النص بالوصف الذى يتبين علة. # قال: فعلى هذا العلة إذا لم تكن متعدية كانت فاسدة. قال: فإما الذين ~~قالوا إن حكم العلة هو تعلق الحكمية فقد شبهوا هذه العلل بالعلة العقلية ~~فإنها لا تعرف عللا إلا بتعلق ms584 أحكامها بها فكذلك العلل الشرعية إذا كانت ~~منقولة عن الشارع قال والجواب عن هذا وهو الطريق في المسألة أن النص لا ~~يجوز تعليله بعلة تغير حكم النص بنفسه وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد ~~التعليل على ما كان قبل التعليل وهو أن يكون وجوبه مضافا إلى النص دون ~~العلة فإنك متى قصدت الإضافة إلى العلة كنت قد غيرت حكم النص عما كان قبل ~~التعليل ولأن العلة لما لم تشرع حجة إلا بعد النص # PageV02P135 # صارت لغوا مع النص وإذا صارت لغوا لم يجز تعليق الحكم بها وإذا ثبتتا ~~بهذا تبين بهذا أن حكم العلة التعدية لا غير ونظيره من العقود الحوالة ما ~~لها حاكم سوى التحويل من ذمة إلى ذمة ونحن قد أجبنا عن هذا وبينا صحة مثل ~~هذه العلة وذكرنا فائدتها فلا معنى للإعادة. # والحرف لنا: أن التعليل عندنا إذا أفاد حكم بصحته فيكون لتعدية الحكم ~~تارة ويكون لقصر الحكم على المنصوص عليه تارة وقد سبق بيان هذا رجعنا إلى ~~ما كنا فيه. # وأما التعليل المتعدى فوجود ومعناه في غيره كتعليل غير البر والشعير في ~~الطعم والكيل الموجود في البر والشعير فهو أصل في نفسه وأصل لغيره فيجوز ~~مثل هذا أن يكون أصلا للقياس وسواء أجمع القائسون على تعليله وهذا فاسد من ~~وجهين: # أحدهما: أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لبطل القياس لأن نفاة ~~القياس ممتنعون من تعليل الأحكام. # والثاني: أنه لو روعى انعقاد الإجماع على تعليله لروعى انعقاد الإجماع ~~على علته ولو روعي هذ لما استقر قياس إلا بالإجماع وهذا مدفوع بالإجماع. # والجملة أن عندنا كل أصل يوجدد معناه في غيره جاز القياس عليه سواء كان ~~ما ورد به النص مجمعا على تعليله أو مختلفا فيه وكذلك سواء كان موافقا ~~لقياس الأصول أو مخالفا وكلا الأصلين قد سبق وهذا الذى قلناه في الأصل الذى ~~عرف بالنص فأما ما عرف بالإجماع فحكمه حكم ثابت بالنص في جواز القياس عليه ~~على التفصيل الذى قلناه في النص. # ومن أصحابنا ms585 من قال: لا يجوز القياس عليه ما لم يعرف النص الذى أجمعوا ~~لأجله وهذا غير صحيح لأن الإجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز ~~القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع وأما ما ثبت بالقياس على ~~غيره فهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذى قيس به على غيره ويقاس ~~عليه غيره اختلف أصحابنا في ذلك: والصحيح أنه لايجوز لأنه إثبات حكم في ~~الفرع بغير علة للأصل وذلك لا يجوز. # ومثال هذا: أنا نقيس الأرز على البر بعلة الطعم فلو استخرج من الأرز معنى ~~لا يوجد في البر وقيس عليه غيره في الربا فهذا محال لأختلاف الأصحاب وقد ~~ذكرنا أن الصحيح أنه لا يجوز لأن علة جريان الربا في الأرز الطعم فلو ~~استخرج منه معنى سوى # PageV02P136 # الطعم وقيس عليه غيره أدى إلى ما ذكرنا وهو إثبات الحكم في الفرع بغير ~~علة الأصل وهذا لأن الفرع ما شارك أصله في علة حكمه فإذا لم يشارك لم يكن ~~فرعا وأما إذا قاس الأرز على البر بعلة الطعم ثم قاس الذرة على الأرز بعلة ~~الطعم فهذا لا معنى له لأن الذرة والأرز جميعا فرعان للبر فإذا جعل الذرة ~~فرعا للأرز لم يكن هذا أولى بأن يجعل الأرز فرعا للذرة وإذا لم يكن أحدهما ~~أولى من الآخر وجب أن يكونا جميعا فرعين للبر. # فإن قال قائل: ما قولكم في الأصل في حكم الربا أهو النص أم البر؟ قلنا: ~~قد اختلفت الفقهاء والمتكلمين في هذا: # قال بعضهم: الخبر هو الأصل للبر ولكل مطعوم ومكيل لأن الحكم مأخوذ منه ~~فصار أصل الكيل هو الخبر. # وقال بعضهم: الأصل هو الحكم المعلل لثبوت الربا لأنه المطلوب في الفرع ~~فكان هو الأصل في الفرع. # والصحيح: هو المذهب الثانى وتمامه أن الخبر أصل للبر والبر أصل لكل ما ~~يقاس عليه وهذا ظاهر حسن فليعتمد عليه إذا عرفنا هذه الأصول التي يقاس ~~عليها فنقول ما لا يثبت من الأصول مأخذ هذه الطرق أو كان يثبت ثم ms586 نسخ فلا ~~يجوز القياس عليه لأن الفرع إنما يجعل فرعا لأصل ثابت فإذا كان الأصل غير ~~ثابت لم يجز إثبات الفرع من جهته. # وقال أبو زيد في هذا الفصل: مذهب علمائنا أن الأصول كلها معلولة ولا يجب ~~العمل مما جعل علة أوصاف الأصل إلا بدليل يميز به بين علته وبين غيره من ~~الأوصاف ومع وجود هذا أيضا لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل ~~شاهدا للحال. # وحكى عن الشافعى رضي الله عنه أن الأول يجب وهو الذى يميز الوصف الذى هو ~~علة من غيره ولا يجب أكثر من هذا. # واستدل فيما اختاره وفسره وقال: مع هذا الذى ذكره الشافعى يحتاج إلى دليل ~~يدل على كون الأصل شاهدا يعمل بشهادته لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل ~~بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحدا بعينه من بين الجملة أن لا يكون ~~معلولا وقد وجد بالإجماع نصوص غير معلولة فلا يكون حجة على الفرع مع قيام ~~هذا الاحتمال # PageV02P137 # حتتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدا للحال. كالرجل المجهول الحال إذا شهد ~~قبلت شهادته وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه لكونه حرا في الأصل ~~إلا بدليل يوجب حريته في الحال لأن حرية الأصل تحتمل التغيير بعارض فلم يكن ~~حجة على غيره بحال. # فإن قيل: أليس النبى صلى الله عليه وسلم قدوة أمته فما كان له وعليه وقد ~~احتمل أن يكون مخصوصا ومع ذلك صار فعله حجة عل غيره أجاب وقال: إن الحجة في ~~الابتداء فيه كونه نبيا وما اختلف الحال في كونه مقتدى به على كل حال ~~والخصوص ثبت بدليله في بعض أحواله وأفعاله فبقى الباقى على عمومه كالنص إذا ~~خص منه شئ فإن الباقى يبقى على عمومه وأما هاهنا فإن النص المعلول هو ~~الشاهد بعلته وقد احتمل في نفسه أن لا يكون معلولا بعارض كالشاهد هو حجة ~~بشهادته واحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق أو غيره وإذا احتمل على هذا الوجه ~~فلابد من دليل. # قال: ومثال ms587 هذا أنا متى عللنا حرمة الفضل في الذهب بالذهب بكونه موزونا ~~احتجنا إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل يوجب له غير الدلائل المصححة ~~للقياس وذكر في هذا فصلا طويلا اقتصرنا على هذا القدر. # واعلم: أن هذا الذى ذكره ليس بشرط بعد أن يظهر تأثير الوصف فمتى ظهر ~~التأثير للوصف الذى جعل علة وامتاز بالتأثير عن غيره من الأوصاف وقع ~~الاكتفاء بذلك وأما قولهم إنه يحتمل ألا يكون هذا الأصل معللا ويحتمل أن ~~يكون معللا قلنا ما استوى الاحتمالان لأن الأصل الذى نعرفه في الشرع أن كل ~~أصل أمكن تعليله جاز ألا يمنع مانع من تعطيله يدل عليه أن الدلائل التي دلت ~~على صحة التعليل دلت على تعليل كل أصل لأن الدلائل لا تخصيص فيها فإن عرض ~~عارض دليل أنه لا يعلل أصل من الأصول لا يجب التوقف في سائر الأصول ألا ترى ~~أن العموم حجة وقد خص بعض العمومات ثم بأن خص بعض العمومات لا يدل على أنه ~~يجب التوقف في كل عموم حتى يدل الدليل أنه غير مخصوص وأظهر من هذا أمر ~~النبى صلى الله عليه وسلم فإن الخصوصية في حقه محتملة ومع ذلك لا يعتبر هذا ~~الاحتمال بل اعتبر الأصل المعهود وهو أنه قدوة إلا أن يقوم الدليل على ~~خلافه في موضع وقولهم إنه لا خلاف في كونه مقتدى به وهذا الوصف منه لا ~~يحتمل غيره وفى مسألتنا وجد الاحتمال في هذا الأصل أنه غير معلول قلنا نعم ~~لا اختلاف أنه مقتدى به في الجملة وكذلك الاحتمال عن إطلاق كونه قدوة # PageV02P138 # فأما في كل شئ بعينه فيحتمل أنه مخصوص به ويحتمل أنه غير مخصوص به فلا ~~فرق بين الفصلين بوجه ومن هذا الأصل نقول: إن تحريم الخمر معلول وهم ~~يقولون: ليس بمعلول ويطالبون بإقامة الدليل أنه معلول ونحن نقول الدلائل ~~التي دلت على صحة القياس لم تخص محلا دون محل وكل أصل أمكن تعليله بعلة ~~مؤثرة وجب تعليله والتأثير في تعليل الخمر بالشدة في نهاية القوة يدل ms588 أنها ~~المحرمة وإذا عرفنا وفرغنا عن هذا الأصل بذكر الفصل الثانى وهو الكلام في ~~فروع القياس فالفرع في القياس ما ألحق بأصل أخذ حكمه منه وقد يكون الفرع ~~على نوعين فرع معنى معلول وفرع شبه متماثل وقد أنكر بعض القائسين بأن يكون ~~المشبه لأصله فرعا في حكمه فابطل فرع الشبه وأثبت فرع المعنى ولم يجعل ~~الفروع إلا ما شاركت الأصل في المعانى دون الأشباه وعكس هذا آخرون وأثبتوا ~~فرع الشبه وأنكروا فرع المعنى وذهب الأكثرون إلى تصحيح كليهما وأثبتوا فرع ~~المعنى وفرع الشبه وسنبين الصحيح من ذلك واعلم أن الذى يلزم في فرع المعنى ~~أن يكون مشاركا لأصله في المعنى الذى جعل علة الحكم. # وأما اختلافهما فيما عدا ذلك من المعاني لا يؤثر فقد تكون الصلاة أصلا ~~للحج في أحكام وورد النص عليها في الصلاة لاشتركهما في معانى تلك الأحكام ~~وإن اختلفا فيما عدا ذلك من المعانى وكذا الحج مع الصلاة والذى يلزم من فرع ~~الشبه أن يجتمع الأصل والفرع في أكثر الأشباه وأغلبها وأقواها ولا يلزم أن ~~يجتمعا في جميع الشبه لأنه يكون هو ولا يكون بينهما فرع ولا أصل وقد ذكر. # ومثال ذلك: إلحاق العبد بالحر في وجوب القصاص في النفس والأطراف ووجوب ~~الكفارة وكذلك إلحاق العبد بالأمة في تنصيف الحد وإلحاق الجواميس بالبقر في ~~الزكاة وقد يكون الشبه في صورة الذات وقد يكون الشبه في حكم الذات والأمثلة ~~التي قلناها في العبيد والأحرار والبقر والجواميس لبيان الشبه في صورة ~~الذات. # وأما الأمثلة للشبه في حكم الذات كإلحاق الوطء بالشبهة بالوطء في النكاح ~~لاشتباههما في الأحكام وكذلك إلحاق المكاتب بالحر وأما العبد في تمليك ~~المال فإن ألحق بالحر في ثبوت ملكه فبقياس الشبه في حكم الذات وليس يمتنع ~~أن نجمع بين الشبهين في الصورة والحكم فيحكم بكل واحد منهما في موضعه بما ~~يقتضيه ثم إذا عرف معنى فرع المعنى وفرع الشبه يكونان متشاركين لأصلهما في ~~صفة الحكم المطلوب بهما من وجوب وإسقاط وتحليل وتحريم وإن اختلفا في طريق ms589 ~~الحكم بالمعنى والشبه # PageV02P139 # فيكون في الأصل معلوما وفى الفرع مظنونا وسيأتى في ذلك فرع المعنى وفرع ~~الشبه وحين فرغنا من هذا الأصل وهو بيان الفرع فنذكره بعده. # PageV02P140 ### | فصل: القول في علة القياس # ... # الفصل الثالث: وهو القول في علة القياس # وفيه الكلام الكثير وقد وقع فيه الخبط العظيم ولابد أن نعتبر في ذلك ~~زيادة اعتناء ليظهر ما هو الحق من ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه. # واعلم أن العلة1 مأخوذة في اللغة من العلة التي هى المرض لأن لهذه العلة ~~تأثير بيان الحكم كتأثير العلة في ذات المريض وقيل: سميت العلة علة لأنها ~~ناقلة بحكم الأصل إلى الفرع كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض. # والأول أحسن لأنا بينا أن غير المتعدية من العلة تكون علة وقيل إن العلة ~~مأخوذة من العلل بعد النهل وهو معاودة شرب الماء مرة بعد مرة لأن المجتهد ~~في استخراجها يعاود النظر بعد النظر. # وأما حد العلة: فقد قالوا: إنها الصفة الجالبة للحكم. # وقيل: إنها المعنى المثير للحكم2. # واعلم: أن علة الحكم شرط في صحة القياس ليجمع بها بين الأصل والفرع وذهب ~~بعض القائسين من أصحاب أبى حنيفه وغيرهم إلى أن القياس يصح بغير علة إذا ~~لاح بعض الشبه احتجاجا بأن الصحابة حين قاسوا لم يعللوا وإنما شبهوا فجمعوا ~~بين الشئ والشئ لمجرد التشبيه من غير تعليل مثلما فعلوا بالجد والإخوة وغير ~~ذلك. # وذهب جمهور القائسين من الفقهاء والمتكلمين إلى أن العلة لابد منها في ~~القياس وهو ركن القياس ولا يقوم القياس إلا بها والدليل على ذلك أنه لا ~~يخلو إما أن يرد الفرع إلى الأصل بسبب جامع بينهما أو بغير سبب ولا يجوز أن ~~يكون بغير سبب لأنه لا PageV02P140 # يكون رده إلى أصل بأولى من رده إلى غيره فلا يتعين الأصل وإن كان بسبب ~~فلابد أن يكون ذلك السبب متعينا لأن السبب المجهول لا يكون شيئا فلم يبق ~~إلا أن يكون بسبب معين ثم ذلك السبب المعين عندنا في الجمع هو العلة فإن ~~سموه علة فقد وقع ms590 الاتفاق وإن لم يسموه علة فقد وقع الاتفاق في أنه لابد من ~~جامع فالنزاع في الاسم مع الاتفاق في المعنى مصرح وأما الصحابة فقد عللوا ~~تارة وأرسلوا الشبه أخرى قال على رضى الله عنه في حد الخمر: إنه إذا شرب ~~سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترى ثمانون1. فقد ذكر التعليل. # وقالت الصحابة لأبى بكر -رضى الله عنهم-: "رضيك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لدينا فرضيناك لدينانا" وأما إذا أرسلوا إرسالا فهو تنبيه على القائس ~~وليس بقياس وإذا ثبت أنه لابد من العلة في صحة القياس فتقدم مسألة الطرد ~~وكلام الفقهاء في ذلك. # مسألة: أعلم أن الطرد ليس بحجة والتمسك به باطل: # وهو الذى لا يناسب الحكم ولا يشعر به2 وكذلك الاطراد لا يكون دليل صحة ~~العلة وبالغ القاضى أبو بكر محمد بن الطيب في التغليظ على من يعتقد ربط حكم ~~الله تعالى به وقال بعض أصحابنا وطائفة من أصحاب أبى حنيفة أنه حجة3 ذكره ~~الشيخ أبو إسحاق في التبصرة عن أبى بكر الصيرفى وسمى أبو زيد الذين يجعلون ~~الطرد حجة والاطراد دليلا على صحة العلة حشوية أهل القياس قال: ولا يعد ~~هؤلاء من جملة الفقهاء واحتج من قال: إن الطرد حجة بالأدلة التي دلت على أن ~~القياس حجة وقالوا إنها لم تخص وصفا دون وصف وهذا لأن علل الشرع أمارات على ~~الأحكام وليست PageV02P141 # من قبل العلل العقلية فصح تعليقها بالصور وتصير تلك الصور أمارات على ~~الأحكام كالنصوص التي ترد في أحكام ولا يعقل معانيها فهذه العلل مثل تلك ~~النصوص في الأحكام. # واستدل من قال: إن الإطراد دليل صحة العلة قال: لأن عدم الإطراد دليل على ~~فساد العلة فالإطراد دليل صحة العلة ولأن الإطراد والجريان هو الاستمرار ~~على الأصول من غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل ~~وهذا شهادة من الأصول في غير أن يردها أصل وهذا شهادة من الأصول لها بالصحة ~~فوجب أن نحكم بصحتها. # ببينة: أنها إذا أطردت فقد ms591 عدم ما يوجب فسادها فوجب أن نحكم بصحتها لأنه ~~ليس بين الصحة والفساد واسطة. # وأما دليلنا في أن الطرد ليس بحجة هو أنا اتفقنا على أن الاحتكام على ~~الشرع باطل ألا ترى أنه لو أحتكم المحتكم من غير ذكر علة أصلا فيكون قوله ~~باطلا وصفه المحتكم على الشرع أن لا يكون لقوله الذي يقوله طريق معلوم ولا ~~مظنون ونحن نعلم قطعا أن أحكام الشرع مرتبطة إما بطريق علمى أو ظنى ويستند ~~إلى سبب وإذا خلا عن هذين الطريقين يصير مجرد احتكام على الشرع من قائله ~~والدليل على أن الظن لابد من إشارة إلى سبب حتى يعمل به أن العلميات في ~~الشرع لابد من استنادها إلى طريق يوجب العلم فالظنيات لابد من استنادها إلى ~~سبب يفيد الظن ولأن من ادعى يظن أن وراء هذا الجبل المطل علينا جيشا عظيما ~~أو بحرا أو سباعا أو غير ذلك من الأشياء فإنه لابد من استنادها إلى أسباب ~~فإنه إذا لم يربط بسبب كان مما ظنه مهموسا وفى قوله هاذيا ثبت أن الظن لابد ~~له من سبب ليعمل عليه والطرد لا يفيد علما ولا ظنا لأن الحكم الذى ربط به ~~إثباتا لو ربط به نفيا لم يترجح في مسلك الظن احدهما على صاحبة فبطل التعلق ~~به. فإن قيل: سلامته عن النقض يفيد علية الظن كونه علما على الحكم قلنا هذا ~~الذى قلت هو طرد الطارد وهذا الطارد مطالب بتصحيح علة وطرده لعلته لا يكون ~~دليلا على صحة علته فإن فعله لا يكون دليل صحة قوله ثم هذا المعترض يقول إن ~~الإطراد في محل النزاع وعندي أنه لا إطراد. فإن قال: المعلل قد طرد في غير ~~محل النزاع يقال له: جريانه في غير محل النزاع لا يوجب إطراده في هذا ~~الموضع الذى وقع فيه النزاع وهذا لأن الطارد منازع في طرده فكيف يستدل ~~بإطراده وإنما غاية دعواه أنه يقول إن الدليل على صحة طردى دعواى بإطراده ~~في صورة النزاع قال القاضى أبو بكر لو جاز # PageV02P142 # التمسك ms592 بالطرد لما عجز عنه أحد من طبقات الخلق لما كان من اشتراط استجماع ~~أوصاف المجتهدين معنى ثم قال فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم عن العوارض ~~والمبطلات ولا يهتدى إلى ذلك إلا عالم فقال كيف لا يهتدى بأن يذكر علة ~~ويطردها أين وجدت قال: وإذا انتهى التصرف في الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك ~~استهزاء بقواعد الدين واستهانة بضبطها وتطريقا لكل قائل أن يقول ما يريد ~~ويحكم بما شاء ولهذا صرف علماء الشرع تبعتهم إلى البحث عن المعانى المختلة ~~المؤثرة. # ببينة: أنا جعلنا إجماع الصحابة هو الدليل الأقوى في صحة القياس ولم يرو ~~عن احد منهم أنه تعلق بطرد لا يناسب الحكم ولا يؤثر فيه وإنما نظروا إلى ~~الأقيسة من حيث المعانى وسلكوا طريق المراشد والمصالح التي تشير إلى محاسن ~~الشريعة ولو كان الطرد قياسا صحيحا لما عطلوه لوما أهملوه ولما تركوا ~~الاعتلال به وكذلك سائر الأئمة االمقتدى بهم من بعدهم وضرب الحليمى لذلك ~~مثلا فقال من رأى دخانا نائرا فظن أن وراءه حريقا كان مصيبا في ظنه ومن رأى ~~غبارا ثم ظن أن وراءه حريقا كان مختلا في ظنه نعم لو ظن أن وراءه عسكرا أو ~~سرحا كان مصيبا ونقول أيضا أنا قد بينا أن العلة هى الصفة الجالبة للحكم ~~ويجوز أن يقال: إن العلة هى المقتضية للحكم فأما إذا لم نعتبر وجود ما ~~يقتضى الحكم أو وجود ما يجلب الحكم في الصفة التي جعلت علة لم تكن هذه ~~الصفة بأن يجعله علة بأولى من غيرها من الصفات فإن للاصل صفات كثيرة وقد ~~جعل أحدهما علة فلابد أن يكون لها اختصاص أو مناسبة بالحكم الذى جعلت الصفة ~~علة له حتى تكون جالبة له أو مقتضية إياه وهذا لأن التغييرات الاتفاقية قد ~~تقع كثيرا فلا يقع الفرق بين التغير الاتفاقى وبين التغير بالعلة إلا بما ~~ذكرناه من وجود اختصاص ومناسبة بين العلة والحكم. # فإن قال قائل: إن المناسبة والاختصاص في إنه يوجد الحكم بوجود العلة ~~ويعدم بعدمها أو ms593 المناسبة بالإطراد فقد أجينا عن هذا من قبل ويدل عليه أن ~~دوران الحكم معه وجودا وعدما لا يدل على الصحة لأن الحكم كما يدور وجوده مع ~~العلة فيدور مع الشرط ألا ترى أن من قال: لعبده أنت حر إن كلمت زيدا دار ~~وجود العتق مع الكلام كما دار مع قوله أنت حر وهو علة فدل أن هذا القدر لا ~~يصلح أن يستدل به على صحة العلة وسيعود الكلام في هذا من بعد فإن كثيرا من ~~أصحابنا جعلوا الإطراد والانعكاس دليلا وأما الجواب عن الذى ذكروه أما ~~تعلقهم بالأدلة التي دلت على صحة # PageV02P143 # القياس قلنا: هذا الكلام دليل عليكم لأن الأدلة التي دلت على صحة القياس ~~على الأصول وهذا القياس يوجد ببعض الأوصاف ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا ~~بدلالة أخرى ألا ترى أن نصوص القرآن دلت أن الأمة شهداء في الأصل ولم يدل ~~أن كل لفظ فهم شهادة بل دلت أنه يوجد منهم الشهادة وذلك يحصل ببعض الألفاظ ~~ولا يتميز ذلك عن غيره إلا بدليل ولأن كل وصف لو صلح علة والأوصاف محسوسة ~~مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المناسبات ولما اختص ~~القياس بالفقهاء علمنا أن المقايسة مبنية على معان تفقه لا على أوصاف ~~وأسامى تسمع وقد ذكرنا هذا من قبل بلفظ آخر. # وأما قولهم: إن علل الشرع أمارات وليست بموجبات قلنا: لا يسلم هذا الأصل ~~على الإطلاق فإن الفقهاء وإن كانوا يطلقون هذا ولكن معنى ذلك أنها لا توجب ~~بذواتها شيئا بل يجعل الشارع إياها موجبة وإن لم تكن بنفسها موجبة بل صارت ~~موجبة بالشرع لا يمنع أن يقوم الدليل على أن القياس إذا احتاج صحته إلى علة ~~فلابد أن تكون العلة مناسبة للحكم مؤثرة فيه مقتضية إياه وقد دللنا أنه ~~لابد من ذلك. # فإن قيل: ما قولكم في الشرع إذا نصب الطرد علما هل يجوز أم لا؟ قلنا: ~~يجوزقالوا إذا جاز من الشارع جاز من المعلل قلنا: وإن جاز من الشارع لكنه ~~لا يكون علة. ms594 # لكنه تعريف للحكم أو تجديد له ولو ذكر الشرع الحكم من غير علة له قوبل ~~بالقبول فإذا ذكره وذكر علما عليه قبل وصدق أيضا وهذا لأن الشرع له التحكم ~~علينا كما يشاء ولكن ليس لنا التحكم على الشرع كما شئنا فتبين الفرق قطعا ~~وباقى ما ذكروه ليس بشئ ينبغى الاشتغال به وفيما ذكرناه من قبل جواب عنه ~~وقد ذكر القاضى أبو الطيب إن الإطراد زيادة دعوى والدعوى لا تثبت بزيادة ~~الدعوى قال: ولأن القياس الفاسد قد يطرد ولو كان الاطراد دليل صحة العلة لم ~~يقم هذا الدليل إلا على الأقيسة الفاسدة فالأقيسة الفاسدة المطردة مثل قول ~~من يقول في إزالة النجاسات بغير ماء مائع لا يبنى عليه القناطر ولا يصطاد ~~منه السمك فأشبه الدهن ومثل من يقول في الكلب أنه كلب فيكون نجسا كالكلب ~~الميت ومثل من يقول في مس الذكر مس ذكره فصار كما لو مس وبال ومثل من يقول ~~في وطء الثيب شرع من نافد فصار كما لو مشى في شارع أو أدخل من يدخل في ~~المدخل فصار كما لو أخرج رأسه من الروزنة وأدخل رجله في الحف # PageV02P144 # ومثل ما يقول في القهقهة اصطكاك الأجرام العلوية فلا ينقض الطهارة كالرعد ~~ولا يلزم الظراط لأنه اصطكام الأجرام السفلية قال القاضى: وهذا مع سخفه ~~ينتقض بما لو اصفع امرأته وصفعته وقد قال قوم: من أصحاب أبي حنيفة: في مس ~~الذكر مس آلة الحرث فأشبه إذا مس اليدان وقال: طويل مشقوق ينقض الوضوء ~~كالقلم والبوق وقال: تعلق منكوس فأشبه الدبوس وقال في السعى: بين الصفا ~~والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركنا في الحج كالسعى بين جبلى نيسابور ~~أو غيرها من البلاد وهذه حكايات سخيفة والاشتغال بأمثالها هزو ولعب بالدين ~~ولولا أن هذا الإمام أوردها وإلا لم نوردها وأيضا فإن المتأمل يتأمل هذه ~~التحقيقات السخيفات التي لا يمكن مناقضتها بشيء ويطردها ومباحثها1 طردا أو ~~يعرف أن سائر الطرد على مثالها وبمثابتها واللعب والضحك ليس من باب الدين ~~في شئ وقولهم ms595 إنه لا يوجد دليل بعده قلنا عدم تأثيره ومناسبته للحكم دليل ~~على فساده يدل عليه أن من ادعى النبوة وقال الدليل على صحة دعواى عدم ما ~~يفسدها لا يسمع منه ذلك وكذلك كل من يدعى صحة شئ بهذا الوجه فثبت أن ما ~~قالوه باطل والله العاصم منه. PageV02P145 # فصل: ويدخل في هذا ال ### | فصل القول في المركبات: # اعلم أنه ذكر أبو زيد بابا في أقسام الطرديات وقال: # الطرديات الفاسدة أربعة أنواع: # نوع منها يعرف فاسدها ببداءة العقول من غير تأمل في الأصول كقولهم في ~~قراءة الفاتحة فرض في الصلاة إن الصلاة عبادة ذات أركان مختلفة لها تحليل ~~وتحريم فوجب أن يكون من أركانها ذو عدد سبع دليله الحج ومثل قولهم إن السبع ~~أحد عددى صوم التمتع فوجب أن لا يجوز الصلاة إذا قرأ دونها دليله الثلاث ~~وكقولهم إن الوطء فعل ينطلق مرة وينغلق أخرى فلا يثبت به الرجعة كالقبلة ~~وقال سمعت بعض شيوخنا يحتج لإبطال النية في الوضوء بأن الوضوء فرض عين تقام ~~في أعضائه فلا تكون النية شرطا لأدائه دليله قطع اليد قصاصا أو في السرقة ~~وهذه علل تعرف فسادها ببداءة العقول لأنه لا مشابهة بين الأصول في هذه ~~الأصول وبين فروعها وهذا الضرب لا يوجد له نظير # PageV02P145 # من كلام السلف ولكنه شئ أحدثه حشوية أهل الطرد. قال: # والنوع الثاني: رد فرع إلى أصل لا يكاد الفرع يمتاز عن الفرع إلا بضم ما ~~هو علة الحكم إليه نحو قولهم: إن مس الذكر حدث كما لو مس وبال فإنه لا ~~زيادة فيما جعله أصلا إلا البول لأنه حدث بالإجماع وقد عدم ذلك في الفرع ~~فسقط اعتباره لإيجاب الحكم في الفرع فلا يبقى بعده إلا المس المختلف فيه ~~وكذلك قولهم في إعتاق المكاتب عن الكفارة إن إعتاق مكاتب عن الكفارة فصار ~~كما لو رأى بعض الدلائل لأنه لا زيادة في الأصل إلا أخذ بعض البدل وإنه علة ~~مانعة من التكفير وقد عدمت في الفرع فبقي العبرة لما وراء هذه الزيادة وهو ~~أنه ms596 إعتاق مكاتب وهذا مختلف فيه وكذلك قولهم في شراء الأب لا يكون تكفيرا ~~كما لو حلف بعتقه إن اشتريه ولا زيادة في الأصل إلا اليمين بعتقه وهو علة ~~مانعة من التكفير بنية توجد عند الشرط عندنا وقد عدم هذا في الفرع وليس ~~وراء هذا إلا شراء الأب وهذا مختلف فيه. قال: # وأما النوع الثالث: رد فرع إلى أصل بوصف اختلف في كونه علة وظهر ذلك من ~~العلماء لأنه لما ظهر الاختلاف فيه حل محل الحكم المختلف فيه ووجب نقل ~~الكلام إليه لقولهم إن الكتابة الحالة لا تمنع التكفير عن العتق وكانت ~~فاسدة كالكتابة على القيمة فالخلاف ظاهر بيننا وبينهم في الكتابة الصحيحة ~~أنها هل تمنع الإعتاق عن الكفارة أو لا فلم يصر عدم المنع دليلا علينا في ~~فساد الكتابة وعن ذلك قولهم: إن الأخ يجوز إعتاقه عن الكفارة فلا يعتق بسبب ~~القرابة دليله ابن العم وهذا فاسد لأن الأب عندنا يجوز إعتاقه عن الكتابة ~~ويعتق بالقرابة وعنده لما عتق بالقرابة لم يجز عن الكفارة ومن ذلك قولهم إن ~~رهن المشاع باطل لأنه رهن لا يتبع للإنتفاع به ومن هذا الجنس يكثر وقال: # والنوع الرابع: التعليل بعدم الوصف كقول الشافعي: النكاح ليس بمال فلا ~~يثبت بشهادة الرجال مع النساء كالحدود وهذا فاسد لأن العدم لا يوجب حكما ~~وهذه العلل تذكر للإيجاب والعلل توجد ولا تعدم وكذلك قولهم: إن الأخ لا ~~يعتق على الأخ لأنه لا بعضية بينهما وكذلك قولهم إن المرض لا يبيح التجلد ~~لأن المرض معنى لا يفارق الحال بالإحلال فأشبه الضلال وكذلك قولهم: ~~المبتوتة لا يلحقها الطلاق لأنه لا نكاح بينهما وإسلام الشئ في جنسه لا ~~يجوز لأنه لا يجمعهما صفة الطعم والثمنيه واعلم أنى ما ذكرت ما أورده على ~~طريق الاختصار ونحن نقول في الأنواع الثلاثة التي قدمها # PageV02P146 # علل فاسدة كما ذكروا للأصحاب كلام في المركبات وهى التي ذكرها في النوع ~~الثالث وقد رأيت من الأئمة في العصر الذى أدركته من شغف بأمثال هذا وقد ملأ ~~كتبه من ms597 ذلك ومن أمثال ذلك ما قاله بعض أصحابنا في النكاح بغير ولى أنثى ~~فلا تزوج نفسها دليله إذا كانت بنت خمس عشرة سنة والخصم يعتقد في الأصل ~~أنها صغيرة فتكون علة المعلل مقيسة على الصغيرة عند الخصم ولابد من كون ~~الأصل متفقا عليه ولو اعتقد الخصم أنها كبيرة لكانت تزوج نفسها والخلاف ~~واقع في الكبيرة وطائفة من الجدليين يصححون هذا ويقولون الحكم يتفق عليه في ~~الأصل والمعلل علل الأنوثة وهى تعليل صحيح فقاس على أصل مسلم فتشعب المذاهب ~~واختلافها ليس يضر ومثل هذا التعليل والدليل لا يرضى به محقق لأن المخالف ~~يقول بنت خمس عشرة فيما أذهب إليه صغيرة ولو كانت فالقياس عليها باطل فإنه ~~لو قال ابتداء أنثى فلا تزوج نفسها كالصغيرة يكون قياسا لأن لمعلل ذكر ~~الأنوثة والصغر في الأصل والصغر على حاله مانع من العقد بدليل الغلام فقد ~~ضممت إلى الأنوثة في الأصل صفة مستقلة بالحكم المطلوب فيكون مثاله ما يقول ~~القائل في مس الذكر مس ذكره فينتقض وضوءه كما لو مس وبال فيصير التعليل ~~باطلا لأن قياس الفرع على الأصل إنما يجوز بعلة الحكم في الأصل فأما تغيير ~~علة الحكم في الأصل فيكون باطلا. # قالوا: وهذا إذا كانت بنت خمس عشرة سنة صغيرة على ما نقول نحن فأما إذا ~~كانت كبيرة على ما يقولون فعندنا يجوز لها أن تزوج نفسها والتقدير لا يخلو ~~من هذين فالعلة مترددة بين منع الحكم في الأصل على تقدير وبين سقوط العلة ~~على تقدير فلم تصح. # صورة أخرى من التركيب الذى قاله الأصحاب وهو قولهم في البكر البالغة: بكر ~~فيجبرها أبوها كبنت خمس عشرة سنة وهذا أمثل من الأول فإن بنت خمس عشرة سنة ~~إن ثبت صغرها فالقياس على البكر الصغيرة جائز لأن الصغر لمجرده على مذهب ~~الشافعى1 لا يستقل بإفادة الإجبار بدليل الثيب الصغيرة فإن قال الخصم ظني ~~أن بنت خمس عشرة سنة صغيرة وإن كانت كبيرة لا يجبرها أبوها على النكاح فهذا ~~كلام صحيح غير أن هذه الصورة تنفصل ms598 عن الصورة الأولى لأن في الصورة الأولى ~~تبطل العلة على تقدير الصغر والبلوغ جميعا وفى الصورة الثانية لا تبطل على ~~تقدير الصغر لكن يتوجه PageV02P147 # على تقدير الكبر منع من الخصم ويضطر المعلل إلى رد القياس إلى الصغيرة ~~البكر فيلغوا تعيين خمس عشرة سنة. # فأما التركيب في الوصف فمثاله ما قال أصحابنا في قتل المسلم بالذمى من لا ~~يستوجب القصاص بقتل شخص بالمثقل لا يستوجبه بقتله بالسيف كالأب في حق ابنه ~~وهذا أيضا فاسد لأن الخصم يقول: إن المثقل ليس كآلة القتل والقتل به لا ~~يكون عمدا محضا على ما عرف من مذهبهم فإن كان الأمر على ما قلنا: فقد قست ~~العمد على غيرالعمد وإن كان الأمر على ما قلتم إنه عمد محض يوجب القود ~~فأنتم بين منع وإطلاق وقد قال بعض أصحابنا: في مسألة الثمار التي تؤبر ~~وتبعيتها للأشجار في مطلق التسمية ما يستحقه الشفيع من الشجرة يدخل تحت ~~تسميتها بالأغصان وهذا فيه معنى حسن وهو أن الشفعة في وضعها لا تتعلق ~~بالمنقولات فأشعر ثبوت أخذ الشفيع بكونها معدودة من أجزاء الشجرة ملحقة ~~بها. # فإن قال الخصم: سبب أخذها قطع ضرار مداخلة المشترى وكذلك أثبتنا أخذ ~~الثمار المؤبرة للشفيع فالوجه أن يقال الحكم المطلوب ثابت والمناسبة كما ~~قلنا هنا بين وتسويتكم بين المؤبر لا يقدح في هذا. # ومثال هذا أيضا ما يقوله أصحابنا في مسألة قتل الحر بالعبد من قياس النفس ~~على الطرف ويقول الخصم: هذا تركيب لأن مذهبنا أن طرف العبد لا يكون محلا ~~للقصاص له وعليه محال غير أنا إذا صححنا التعلق بالشبه على ما سنبين فهذا ~~أقوى شبه وقد تأيد هذا الشبه بكون الأطراف محلا للقصاص على الجملة مثل ما ~~تكون النفوس محلا للقصاص ولم يوجبه منع وهذا من قوة الشبه كأنه مناقضة من ~~الخصم. # فإن ناقض الخصم مناقضة ثانية ومنع كون طرف العبد محلا للقصاص بخلاف طرف ~~الحر فلا يمنع هذا من صحة القياس مع قوة الشبه على ما زعمنا والتخبط لهم في ~~قطع الأطراف عن ms599 النفوس عظيم والرفق الذى يذكرونه في تنزيل الأطراف منزلة ~~الأحوال فرق بعيد مرامه عويص تصحيحه سهل إبطاله والجملة في التركيبات أنه ~~لا يتعلق بها محقق وطالب لمعنى وإنما التعلق بها من باب أرباب الصور وبابه ~~من لم يشم رائحة الفقه وعزيز على أهل الدين أن يسمعوا بناء أحكام البارى عز ~~اسمه على مثل هذه التعليلات التي هى شبه الخرافات عند مقابلتها بالعلل ~~المعنوية والقواعد العقلية التي يشهد لها أصول الشرع وتقوم يتصحيحها قوانين ~~الملة وتناضل دونها براهين معانى # PageV02P148 # الكتاب والسنة فلا ينبغى للفقيه أن يشتغل بمثل هذه الأشياء فإنه تضييع ~~للوقت وحيد عن مسالك الفقه وترك لسبيل السلف الصالح وجرأة على أحكام الله ~~تعالى وجر المعللين إلى التلاعب بالدين فإنه إذا دخل في أمثال هذا وسهل على ~~نفسه ينجر شيئا فشيئا إلى أمثال ما حكينا من العلل السخيفة ثم حينئذ ينسلخ ~~عن الفقه أصلا ويصير ضحكة عند المحققين ومعدودا من جملة الهاذين المخرفين ~~ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من أشباه ذلك وأمثاله بمنه وطوله وقد ذكر جماعة ~~من أصحابنا جوابا من الأصل المركب وسموه التعدية ولست أرى في ذلك معنى غير ~~أنا نذكر صوره لئلا يخلو الكتاب عن ذكر ذلك لو قال المعلل في مسألة النكاح ~~بلا ولى أنثى فلا توزج نفسها كبنت خمس عشرة سنة فيقول المعترض المعنى في ~~الأصل أنها صغيرة وأعدى ذلك إلى منع استقلالها بالتصرفات فإذا قال المعلل ~~دعوى الصغر ممنوع فيقول المعترض كذلك الأنوثة ليست بعلة وقد أدعيت أنها ~~ععلة فقد ادعيت علة وعديتها إلى فروعك وادعيت علة وأعديتها إلى فروعى ~~فاستوى القدمان وآل الكلام إلى التزامك إبطال علتى أو ترجيح علتك على علتى ~~وأجابوا عن هذا وقالوا معنانا نسلم الوجود وهو الأنوثة وإنما المنازعة لكم ~~في كونها علة وأما الذى ادعيت علة فلا أسلم وجوده فإن اشتغلت بإثبات وجوده ~~منتقلا إلى علة أخرى فالانتقال ممنوع لا سبيل إليه ويستوى فيه السائل ~~والمسئول وقد سلكوا أيضا في إبطال التعدية مسلكا آخر وهو أن يقول لو ms600 ثبت ~~معناك لقلت به ضما إلى معناى فإن الحكم الواحد لا يمتنع ثبوته بعلتين وهذا ~~قد لا يجرى في بعض المركبات فأما إذا قلنا في البكر البالغة بكر فتجبر على ~~النكاح كما ذكرناه في بنت خمس عشرة سنة فإذا ذكر المعدى الصغر لم يمكنا أن ~~نقدر الصغر علة في الإجبار فإن الثيب الصغيرة لا تجبر على النكاح عندنا قال ~~الأستاذ أبو إسحاق سبيل المركب إذا عورض بالتعدية أن يقول معناى عندك دعوى ~~غير مثبتة بما تثبت بمثله معانى الأصول أو قد ثبت بدليله فإن قلت لم يقم ~~عليه دليل فلست معللا بعد ولا مقيما متمسكا في محل النزاع فمعارضتك إياى ~~بالتعدية غير متجه وإن اعترفت يكون معناى ثابتا فمعناك الذي أبديته ليس ~~مناقضا لمعناى وإنما يقدح المعارضة إذا جرت مناقضة في المقتضى وهذا الذى ~~ذكرناه أورده الأصحاب نقلته على ما أوردوه وعندي أن الاشتغال بأمثال هذا ~~تضييع الوقت العزيز وإهمال العمر النفيس ومثال هذه التعليلات لا يجوز أن ~~يكون معتصم الفتاوى والأحكام ولا مناطا لشرائع الدين الرفيع وهذا وأمثاله ~~تعمية على المبتدئين وإيقاعهم في الأغلوطات # PageV02P149 # وحيد بهم عن سنن الرشد ومسالك الحق وقد كانت أنواع هذا طريقا مسلوكا من ~~قبل يجرى النظار على سنتها ويجادلون ويناطحون عليها غير أن زماننا الذى نحن ~~فيه غلب عليه معانى الفقه وقد جرى الفقهاء فيه على مسلك واحد فتناظموا في ~~مسلك واحد يطلبون الفقه المحض والحق الصريح وقد تناهت معانى الفقه إلى ~~نهاية أظن أن ليس بعدها مبلغ الحق لطالب ولعلها قاربت في الوضوح الدلائل ~~العقلية التي يدعها المتكلمون في أصول الدين فالنزول عن تلك المعانى إلى ~~مثل هذه الصور زلة في الدين وضلة في العقل واالله العاصم بمنه نعم. # وقد ذكر أبوزيد من أقسام الطرديات: مسألة شهادة رجل وأمراتين في النكاح ~~وتعليل الشافعي فيها أن النكاح ليس بمال1 وذكر لهذا أمثلة والعجب أنه يفهم ~~منا هذا وقد سلكوا مثل هذا المسلك قال محمد بن الحسن: لا ضمان في إتلاف ملك ~~النكاح لأنه ليس ms601 بمال وذكر أنه لا [خمس] في اللؤلؤ لأنه لم يوجف عليه بخيل ~~ولا ركاب وقال في الصائم يأكل الحصاة لا كفارة عليه لأنه ليس بطعام وقال في ~~ولد الغصب إنه أمانة لأنه لم يغصب وقال أبو حنيفة في العقارات إنها لا تضمن ~~لأنه لم ينقلها اعتذر عن هذه المسائل وقال: إنما قال محمد بن الحسن ما قال ~~في هذه المسائل على سبيل الاستدلال لا على سبيل التحليل ووجه ذلك ان حكم ~~العلة لابد أن يتقدم إذا عدمت العلة كما كان تعد وما قبل العلة فإن هذه ~~المسائل من هذا وإنما أبينا إضافة العدم إلى عدم العلة واجبا به لأن العدم ~~لا يقبل الإضافة وإذا بطلت الإضافة لم يكن علة وإنما يبقى الحكم عند عدم ~~العلة بعلة أخرى وأما الاستدلال بعدم العلة على عدم الحكم صحيح إذا لم توجد ~~علة أخرى تقوم بذلك الحكم قال فمتى اختلفنا في ضمان الغصب لم يجب بدونه ~~وكذلك إذا وقع الاختلاف في ضمان ما هو مال لم تجب فيما ليس بمال لأن الضمان ~~بشرط المماثلة يجب وإذا كان الضمان مالا المتلف ليس بمال تزول المماثلة ~~وذكر في كل مسألة مما ذكرنا شيئا من هذا الجنس وأما في الشهادة فالخصم ~~يحتاج إلى أن يثبت أن شهادة النساء متعلقة صحتها بالمال لتنعدم بعدمه ~~ويحتاج إلى أن يذكر أن العتق من حكم البعضية لا غير حتى ينعدم بعدم ~~[البعضية] وعلى أن غاية ما في الباب أن ما تعلق بالبعضية ينعدم بعدم ~~البعضية إلا أن عندنا في مسألة إذا ملك أخاه لا يتعلق ما تعلق بالبعضية ~~وإنما يقع ما تعلق بالمجزئة والجواب أنا في هذه المسألة لا نعلق الحكم ~~بمجرد PageV02P150 # العدم وقد ذكرنا معنى في المال يوجب سهولة شأنه وحرمان المسامحة من الشرع ~~فيه في الحجة وذكرنا في النكاح معنى يشعر باستقصاء الشرع فيه وإنما يحتاج ~~إلى اعتبار القوة في الحجة ما لا يحتاج إليه المال وقول الشافعى إنه ليس ~~بمال وقعت به الإشارة إلى ما ذكرناه وكذلك ذكرنا ms602 في البعضية معنى يفيد ~~العتق وعلى أنا سلكنا طريقة متبينة في شراء الأخ أخاه أنه لا يعتق ويستمر ~~ملكه وذكرنا أن الأصل في الأب والأخ وغيرهما انتفاء العتق وإنما العتق وقع ~~في جانب الأب معدولا عن الأصل المعهود بعلة [المجازاة] وهذ لا يوجد في الأخ ~~وأبطلنا المعنى الذى ذكر من الجانبين وقدمنا بحق هذه الطريقة في كتاب ~~الاصطلام فليكن الاعتماد عليه وقد انتهى الكلام في الطرد وما يتبعه وحين ~~فرغنا من الكلام فيه رجعنا إلى ما كنا فيه في الأصل وهو الكلام في علة ~~القياس. # PageV02P151 ### | فصل: لابد للعلة من الدلائل على صحتها # ... # "فصل" # قال المحققون من أصحابنا: إن العلة لابد من الدلائل على صحتها لأن العلة ~~شرعية كما أن الحكم شرعى وكما لابد من الدلالة على الحكم لابد من الدلالة ~~على العلة وقد قالوا إذا ثبت حكم متفق عليه وادعى المستنبط أنه [تحلل بمعنى ~~أبداه] فهو مطالب بتصحيح دعواه في الأصل وذكر بعض أهل الجدل أنه لا يسوغ ~~هذه المطالبة لكن على المعترض أن يبطل معناه الذى ذكره إن كان عنده مبطل له ~~وهذا ليس بشئ والصحيح هو الأول وذلك لأنا قد ذكرنا فساد الطرد وذكرنا بطلان ~~التحكم في الدين ولابد من علة مقتضية للحكم مناسبة له مغلبة في الظنون أنها ~~المثيرة هذا الحكم فإذا ادعى أنه أصابها فهو مطاب بإبدالها فإذا [اقتصر] ~~على محض الدعوى كانت دعواه [العلة] بمنزلة دعواه الحكم. # ببينة: أن المعلل يدعى كون هذا الوصف علة ولابد من إقامة البرهان على ~~الدعوى وإن قال: لا يلزمنى إقامة البرهان فهو إذا متحكم على الشرع بعلته ~~فهو [كتحكمه] بالحكم فإن قال هذا المعلل: إن الصحابة نصبوا علامات1 على ~~الأحكام فإنا أيضا ننصب من جنس ما نصبوه فبين ذلك وبرهن عليه فإن قال ~~الدليل على صحة العلة عجز المعترض عن الاعتراض قلنا: ومن أين قلت إن عجز ~~المعترض يدل على صحة العلة PageV02P151 # فالسائل مسترشد مستهدى يطلب دليل صحة العلة لينقاد لقضيتها والأصل أن ~~إقامة الدليل على المدعين ولو قال ms603 المدعى عليه للمدعى الدليل على أنى محق ~~عجزك عن إقامة البينة هل يسمع هذا وهل تسقط عنه اليمين فهذا هوى بين وقد ~~يقع العجز عن الطعن في الباطل لعدم آلته وكم من حق مستور خفى في العالم وكم ~~من باطل ظاهر مجهور به. # وإذا ثبت أنه لابد من الدليل على صحة العلة وقد قال القاضى أبو الطيب ~~الدليل على صحة العلة من أربع طرق: # أحدها: لفظ صاحب الشرع بنصه أو ظاهره أو شبهه. # والثانى: إجماع الأمة. # والثالث: التأثير. # والرابع: شهادة الأصول. # فأما لفظ صاحب الشرع فقد يكون في الكتاب وقد يكون في السنة. # أما في الكتاب مثل قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر} [المائدة: 91] وهذا عبارة عن الإسكار الذى يحدث ~~هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى وقال سبحانه وتعالى: {كي لا يكون دولة ~~بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7] وقال تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 20] ثم قال: {وكيف ~~تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 21] والإفضاء اسم للوطئ وقال ~~تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا} [النور: 59] وذكر مثال ~~هذا. # وقد ذكرنا بعض ذلك من قبل وذكر من أمثال هذا والتنبية قوله -عليه ~~السلام-: "أينقص الرطب إذا جف" 1وقوله -عليه السلام-: "لا يحل دم امرئ مسلم ~~إلا بإحدى ثلاث" 2 وقوله: "نهى عن بيع مالم يقبض" 3 وقوله: " إنها من ~~الطوافين PageV02P152 # عليكم" 1 وقوله: " إنما هو دم عرق" 2 وفى بعض الروايات قال لبريرة: "ملكت ~~بضعك فاختاري" 3. وقد ذكرنا من قبل نظائر هذا. # قال: وأما الإجماع فهو دليل مقطوع به فما أجمعوا عليه من حكم أو علة وجب ~~المصير إليه ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقضى القاضي وهو غضبان" 4 ~~وأجمعوا أن النهى عن ذلك لأن الغضب يشغل قلبه ويغير طبعه ويمنعه من التوفر ~~على الاجتهاد وكذلك على مثال قوله تعالى {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ~~[الجمعة: 9] . # قال: وأما التأثير فهو أن يوجد الحكم ms604 بوجود العلة ويعدم بعدمها وذكر ~~نظائر لهذا منها الشدة في الخمر يثبت التحريم عند وجودها وتزول بزوالهها ~~وكذلك الرق في علة نقصان الحد يوجد النقصان بوجوده ويكمل بزواله وذكر مسائل ~~من أمثال هذا وأورد كلاما طويلا فيما وجد تأثيره من هذا الجنس وفيما لا ~~يوجد تأثيره من هذا الجنس وبيان هذا يدل على صحة العلة أنه يفضى إلى غلبة ~~الظن لأنه إذا رأى الحكم يدور مع الشئ وجودا وعدما غلب على ظنه أن هذا الشئ ~~هو الأمارة على ذلك الحكم وإذا وجد عند وجوده ولم يعدم عند عدمه لم يوجد ~~عليه الظن. # قال: وأما شهادة الأصول مثل قولنا لا تجب الزكاة في أناث الخيل لآنه لا ~~تجب في ذكورها فالأصول شاهدة لهذا لأنها مبنية على التسوية بين الذكور ~~والإناث في وجوب الزكاة وسقوطها وهذا طريق يفضى إلى غلبة الظن لأن الإنسان ~~إذا علم أن فلانا إذا أعطى بناته شيئا يعطى بنية مثلها فإذا سمع أنه أعطى ~~البنات غلب على ظنه إعطاء البنين مثلها فثبتت أن شهادة الأصول دليل صحة ~~العلة من هذا الوجهه وقال: ومن نظير ما ذكرناه قول المعلل من صح صلاته صح ~~ظهارة وكذلك قوله من لزمه العشر لزمه ربع العشر في مسألة زكاة الصبى وكذلك ~~قوله ما حرم فيه النساء حرم فيه التفرق قبل التقابض وأمثال هذا تكثر ~~فالأصول تشهد لصحة هذا القليل وهذا الذى ذكرنا لمجموع كلامه واعلم أن إقامة ~~الدليل على صحة العلة فصل مشكل وقد اختلف الأصوليون في PageV02P153 # ذلك أختلافا عظيما وإن وجدنا من الأصول في الشرع وهى الكتاب والسنة ~~والإجماع نوع دليل على صحة العلة من نص أو تنبيه أو إشارة أو مفهوم صرنا ~~إلى ذلك واستدللنا بذلك على صحتها وقدمنا ذلك على غيره مما يدل على صحة ~~العلة إذ النص ودليله مقدم على كل دليل عندنا فإن قال قائل فإنكم لم تقولوا ~~بهذه الدعوى فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الاستحاضة: "فإنه دم ~~عرق انفجر" 1. وقال صلى الله عليه ms605 وسلم لبريرة: "ملكت بضعك فاختاري" 2. ~~وقال صلى الله عليه وسلم في أخبار الربا: "كيلا بكيل ووزنا بوزن" 3 فالأول ~~يدل على أن سيلان الدم وخروجه من الباطن إلى الظاهر علة انتقاض الوضوء ~~والثانى يدل أن ملكها نفسها بالحرية علة ثبوت الخيار والثالث يدل أن الكيل ~~هو العلة ولم تقولوا بشئ من ذلك. # الجواب: إن هذه الألفاظ لها معان غير ما ظننتموها وتعرف بمخارج الألفاظ ~~والتأمل فيها أما اللفظ الأول فقد كان اشتبه على السائلة أن الدم الذى تراه ~~ما حكمه وكانت تظن أن ذلك دم حيض فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ ~~ليميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإن دم الحيض دم يرخيه الرحم ويخرج من ~~جوفه في زمان مخصوص4 تعتاد النساء ذلك بأصل بنيتهن وخلقتهن وأما دم ~~الاستحاضة دم ينفصل من العرق لا من الرحم5 ولا رخاء لذلك وإن كان في الظاهر ~~ينفصل من المحل الذى ينفصل منه دم الاستحاضة وكانت الإشارة منه صلى الله ~~عليه وسلم واقعة إلى هذا وعلى أن قوله صلى الله عليه وسلم انفجر كلمة زائدة ~~لا يعرف [ثبوتها] وأما الذى رووا من قوله صلى الله عليه وسلم: "ملكت بضعك ~~فاختاري" 6 فعلى هذا الوجه لا يعرف هذا الخبر وعلى أنه يقال لهم هل تقولون: ~~إنها ملكت نفسها بالعتق PageV02P154 # حتى تصير كامرأة لا زوج لها فإنها هى التي تملك نفسها على الإطلاق ونعلم ~~قطعا أنها لم تملك نفسها كذلك فلابد من تأويل وتأويله ملكت الفسخ لتملكى ~~نفسك فاختارى ثم قام الدليل أن زوجها كان عبدا وأن ملكها الفسخ كان في هذه ~~الصورة وأما قوله عليه صلى الله عليه وسلم: "كيلا بكيل" 1 فهو من صلى الله ~~عليه وسلم إشارة إلى علة الخلاص عن الربا وقد بينا في مسائل الفروع أن قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" 2 يدل ذكر الطعام أن الطعم ~~علة وقوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب أحق بنفسها من وليها" 3 يدل أن ~~الثيابة علة وقوله صلى ms606 الله عليه وسلم: "من باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع ~~إلا أن يشترط المبتاع" 4 دليل أن التأبير علة في كون الثمرة للبائع وقوله ~~تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] يدل أن ~~الحمل علة وقوله تعالى: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] يدل أن السرقة ~~علة وقوله تعالى: {الزانية والزاني} [النور: 2] يدل أن الزنا علة وقوله صلى ~~الله عليه وسلم في النهى عن بيع الطعام قبل القبض5 يدل أن عدم القبض علة ~~وأمثال هذا توجد كثيرا وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الرطب "أينقص إذا ~~جف" نص في التعليل به وقوله: " أينقص إذا جف" 6 تقرير وأبين باستفهام مثل ~~قوله تعالى: {وما تلك بيمينك يا موسى} [طه: 17] ومعنى الخبر إذا علمت له ~~ينقص الرطب إذا جف فلا يجوز البيع إذا ومن البينة على العلة قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "العينان وكاء السه" 7 فيكون الدليل دليلا أن بزوال الاستمساك ~~علة لإنقاض الوضوء. PageV02P155 ### | فصل: هل الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة # ... # "فصل" # وأما إذا أعوز الدليل من هذا الوجه ولم يكن بد من إقامة الدليل فقد جعل ~~بعض أصحابنا مجرد الاطراد والجرى دليلا وقد ابطلنا ذلك وذكر كثير من ~~أصحابنا وأصحاب أبى حنيفة أن الاطراد والانعكاس دليل على صحة العلة وهو أن ~~يوجد الحكم بوجود وصف زائد وتزول بزواله فيدل أن لذلك الوصف التأثير في ~~الحكم ما ليس لغيره. # واستدل من قال إن هذا دليل صحة العلة بأن العلل الشرعية علل ظنية وليس ~~لها عمل إلا إفادة غالب الظن ونحن نعلم قطعا أن الحكم إذا وجد بوجود وصف ~~وانتفى بعدمه غلب على الظن أنه العلة وهو كالشدة في الخمر فإنه يوجد ~~التحريم بوجودها وينعدم بعدمها دل أنها العلة. # قالوا: ومن أنكر أن هذا يفيد غلبة الظن فقد عاند. # ببينة: أن مثل هذا يعتمد عليه في المؤثرات العقلية فكيف لا يعتمد عليه في ~~المؤثرات الشرعية وإذا ثبت وجود غلبة الظن ولم يبطل كونه علة بمسلك من ~~المسالك ثبت كونه علة ms607 وافاد الحكم الذى بنى عليه. # وقد قيل إن الحكم إذا ربط بالطرد والتنكيس فهو في العكس أبين من جهة أن ~~الطارد في محل النزاع مدعى الاطراد وهو منازع فيه لا محالة وأما الانعكاس ~~فهو متفق عليه لأن الانعدام عند عدم الوصف متفق عليه واعلم أن الاستدلال ~~بهذا الدليل في نهاية الإشكال لأنا بينا أن الاطراد ليس بدليل على صحة ~~العلة وهى شئ يلزم المعلل بكل حال حتى إذا لم يطرده والتزم ما ينقضه ظلت ~~علته على ما سنبين من بعد. # ويقال للحنفى إذا قال: إن علة جريان الربا الكيل لم قلت إن الكيل علة؟ ~~قال: لأنها علة مطرده قال لأنى أتبعها الحكم أين وجد الكيل فيقال هذا ~~باتفاق بينى وبينك # فإن قال: باتفاق لم يسلم له ذلك وإن قال: لا باتفاق لكنى أطرد العلة ~~وأتبع الحكم الكيل أين وجد فيقال له ليسوغ لك ذلك فإن قال: لا كفى الخصم ~~شغله وإن قال: نعم فيقال له لم ساغ لك ذلك فإن قال: لأنها علة الحكم يقال: ~~له ولم قلت إنها علة الحكم فيعود إلى ما بينا من قبل فهو يستدل على صحة ~~العلة بالجريان ويستدل على صحة الجريان بالعلة وهذا فاسد. فإن قال: ساغ لى ~~لأنها غير منتقضة يقال: معنى قولك غير منتقضة أنك علقت الحكم بها في كل ~~موضع وجدت فيه العلة # PageV02P156 # فكأنك قلت إنما ساغ لى تعليق الحكم بها لأنى علقت الحكم أين وجدت. # فإن قال إنما ساغ لى تعليق الحكم أين ودت لأنه لم يمنع من ذلك نص ولا ~~إجماع. # يقال له ولم إذا لم يمنع من ذلك نص ولا إجماع وجب تعليق الحكم بها وما ~~أنكرت أن يكون هاهنا مانع غير ما ذكرت لأن وجوه الفساد تكثر به فإن قال: ~~ليس هاهنا وجه فساد. # يقال: أبعد في وجوه الفساد فقد الدلالة على صحتها. # فإن قال: نعم # قيل: فدل على صحتها واترك حديث الجريان والاطراد وإن قال: لا يعد ذلك من ~~وجوه الفساد رجع الأمر إلى ما سبق ms608 وهو أن مدعى صحة العلة لابد له من إقامة ~~الديل على صحتها. # فإن قال: ما لا يوجد فيه وجه من وجوه الفساد فهو صحيح. # قلنا قد بينا. أن هذا عدم الدليل على الصحة والفساد وعلى أنك إذا لم تدل ~~على وجه الصحة فيجوز أن يكون فيه وجه فاسد وانت لا تشعر لأن الفساد كما لا ~~يثبت إلا بدليل الفساد فالصحة لا تثبت إلا بدليل الصحة ولأن العدم لا يدل ~~على شئ ما بصحة ولا فساد. # فإن قال: لو لم تكن العلة صحيحة لأعلمنا الله تعالى ذلك. # قيل له يكفى في النفى فقد دليل الإثبات ولا يكفى في الإثبات فقد دليل ~~النفى. # ألا ترى: أنا ننفى صلاة سادسة لفقد الدليل على وجوبها ولا نوجبها لفقد ~~الدليل على نفيها فلا تثبت الصحة ها هنا لفقد دليل الفساد وهذا لأن الأصل ~~نفى صلاة ساسة فلا ينتقل عنه إلا بدليل. # فإن قالوا: عجز الخصم عن إفسادها يدل على صحتها. # قيل الخصم قد يعجز عن إفساد الفاسد. # فإن قيل: أليس أن المعجزة إنما صارت حجة لعدم ما يعارضها فقد صار عدم ~~المعارضة دليلا على صحته فكذلك ها هنا عدم المعارض يصير دليلا لصحة العلة ~~قلنا: العجز إنما كان حجة لا بما قلتم ولكن بوقوعها خارجا عن معتاد قدرة ~~البشر إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا هو في مقدور البشر فقيل لهم ائتوا ~~بمثلها ليقطع تعنتهم ثم إذا انقطع تعنتهم # PageV02P157 # بعجزهم فالحجة صحتها بما بينا وقد كان سبق بعض هذا الكلام غير أنا ذكرنا ~~في هذا الموضع على وجه السؤال والجواب ما يبين أن الإجراء والطرد ليس بدليل ~~الصحة العلة فكذلك العكس بل هذا أبعد لأن الاطراد يلزم المعلل والانعكاس ~~ليس بشرط لصحة عند أكثر الأصوليين فإن كان الإطراد الذى هو شرط العلة لا ~~يدل على صحة العلة فالانعكاس الذى ليس بشرط لأن لا يكون دليلا أولى ومن جعل ~~ما ذكرناه دليلا يجيب عن هذا فيقول إن مجموع الأمرين يفيد غلبة الظن في ~~انتصاب الشئ علما على ms609 الحكم ومن زعم أنه لا يفيد لابد أن ينسب إلى العناد ~~وإن سلم فالقائس غايته إظهار علم على الحكم بجهة تفضى إلى غلبة الظن. # وعندي: أن الإشكال لا يزول بهذا ويدخل على ما ذكروا فصل الشرط الذى قدمنا ~~فإنه يوجد عند وجوده ويعدم عند عدمه وليس بعلة ومن يقول إنه علة ولا يفرق ~~بين اشرط والعلة فهو مجازف ولأن الشئ قد يوجد عند الشئ اتفاقا وينعدم عند ~~عدمه اتفاقا ولا يدل على أنه علة. # وقد حكى الإمام أبو المعالى عن الأستاذ أبى إسحاق أن الدليل على صحة ~~العلة إنما يكون بتقرير إحالته ومناسبته للحكم مع سلامته عن العوارض ~~والمبطلات ومطابقته الأصول وعبر عن هذا فقال وأنا أقرب في ذلك قولا فأقول ~~إذا ثبت حكم في أصل وكان يلوح في سبيل الظن استناد ذلك الحكم إلى أمر ولم ~~يناقض ذلك الأمر بشئ فهذا هو الضبط الأقصى الذى ليس عليه مزيد فإذا أشعر ~~الحكم في ظن الناظر بمقتضى استناد إليه فذلك المعنى هو المظنون علما وعلة ~~لاقتضاء الحكم ثم سأل على هذا سؤالا فقال فإن قيل: الإخالة مع السلامة هي ~~الدالة على صحة القياس إذا لا ما اعتمدتم عليه من إجماع الصحابة. # قلنا: إذا أثبت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ذلك ~~بمسالك نظر الصحابة فالدليل على القياس إجماعهم لكن إجماعهم هو على مثل هذا ~~القياس ثم سأل سؤالا فقال المآخذ على هذا الوجه محصورة والوقائع غير محصورة ~~فكيف يستند ما لا نهاية له إلى المتناهى وقال إن هذا السؤال عسر جدا. # قال الإمام جمال الإسلام: وعندي هذا السؤال ليس يدخل على فصل الإخالة ~~وإنما هو إشكال إن كان في مسألة القياس أنه حجة أو لا وليس يتصور فرع يقع ~~إلا ويستند ذلك إلى أصل مناسب له ويكون معنى الأصل مؤثرا فيه وقد ذكر بعض ~~الأصوليين # PageV02P158 # فى الدليل على صحة العلة طريق السبر والتقسيم وهو أن يبحث الناظر عن ~~المعانى في الأصل ويتتبعها واحدا واحدا وبين خروج آحادها عن الصلاح للتعليل ~~به ms610 إلا واحدا يرضاه. # واعلم أن الفصل اختلف فيه أهل الأصول وهو أن القائس إذا خالفه قائس آخر ~~في علة الأصل فأبطل هذا القائس علة خصمه هل تصح علته؟ فبعضهم قال: يدل ذلك ~~على صحة العلة مثل الحنفى يبطل علة الكيل فتصح بذلك علته التي يدعيها لأن ~~القائلين بالقياس اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة والأخرى باطلة فإذا ~~بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى ضرورة وهذا الوجه في تصحيح العلة ضعيف لأن ~~البطلان ضد الصحة فكيف يكون دليل الصحة ولأن الصحة لا تدل على الصحة مع ~~تجانسها فكيف يدل البطلان على الصحة مع تضادهما وهذا لأنه يجوز أن تكون ~~العلتان جميعا فاسدتين ويكون الصحيح العلة الثالثة ويجوز أن لا يكون ~~المنصوص عليه معلولا بعلة ما وأيضا فإن العلم ببطلان إحدى العلتين لا يدل ~~على صحة العلة الأخرى إذا توهم البطلان قائم في العلة الأخرى ولأن شرط صحته ~~العلة أن يكون مخيلا مقتضيا للحكم الذي ربط به وإن بطلت العلة الأخرى لا ~~يثبت هذا المعنى لهذه العلة وقولهم إنهم اتفقوا على أن إحدى العلتين صحيحة ~~قلنا ليس على هذا الوجه بل كل فريق يقول علتى صحيحة وعلة الخصم باطلة وإن ~~بطلت علته لا يعترف بصحة علة الخصم لأنه مقيم على اعتقاد بطلان علة الخصم ~~سواء صحت علته أو بطلت. # فإن قيل: قد اتفقوا أن هذا الأصل معلول وإذا اتفقوا أنه معلول فلابد أنه ~~إذا بطلت إحدى العلتين صحت الأخرى. # قلنا: إنما اتفقوا على أن الأصل معلول بعلة صحيحة لو وجدت فإذا لم نجد ~~علة صحيحة لا يكون معلولا ونقول أن بطلت علتي ولم يدل البطلان على صحة علتك ~~بقيت علتى صحيحة وعلتك غير مدلول على صحتها فيكون الأصل من قبيل ما هو ~~معلول إلا أن تأتى بعلة وتدل على صحتها. # وذكر أبو زيد عن بعضهم أن العلة المخيلة ما يوقع في القلب خيال الصحة ~~وذلك بالملاءمة والصلاحية. # وتقسيم الملاءمة أن يكون على وفق ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة ~~عن السلف وعن ms611 الصحابة. قال: وعلماؤنا قالوا ما لم يقم الدليل على أن الوصف ~~ملائم # PageV02P159 # لا يقبل التعليل ولا يلتفت إليه وإذا صار ملائما يعمل به إلا بسبب ~~العدالة وذلك بكونه مؤثرا في ذلك الحكم كالشاهد لابد أن يأتى بلفظ الشهادة ~~لأنه الملائم للشهادة ولابد بعد ذلك من التعديل والتعديل هناك مثل التأثير ~~ها هنا فإن عمل قبل التأثير يصح وإن عمل قبل الملائمة لا يصح كالشهادة لو ~~عمل القاضى بها بلا لفظ الشهادة لا يصح واستدل في أن الإخالة ما أوقع في ~~القلب خيال الصحة لأن العلة ما تغير الحكم لعلة المريض تغير وصفه والمغير ~~لابد أن يكون لتغييره أثر لأن ما لا يحس لا يعرف ثبوته بآثار محسوسة فما لا ~~أثر له لا يكون علة ثم هذا الأثر ليس مما يحس لكنه مما يعقل فيجب الرجوع ~~إلى القلب وشهادته تحكيمة كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها ~~دليل يحس وجب الرجوع إلى القلب وشهادته فإذا شهد القلب بصحته قبلت الشهادة ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإثم ما حاك في قلبك وإن أفتاك الناس" ~~1 والاعتراض على هذا الفصل هو إن الإخالة بما يقع في القلب تكون حجة يقع في ~~قلبه ولا يكون حجة على غيره وكذلك في أمر القبله إذا اختلفت الجهات بجماعة ~~لا يكون قول بعضهم حجة على البعض2. # قال: ولأن كل معلل يمكنه أن يقوله قد وقع في قلبى خيال الصحة فيصير قوله ~~معارضا لقول صاحبه فبطل دعوى الإخالة بهذا الوجه. # وذكر أبو زيد أن الطريق الصحيح في تصحيح العلل أن يكون الوصف ملائما ~~للحكم. # ويستدل على الملاءمة بدليل يمكن الوقوف عليه بأن التمثيل وهو أن يبنى عمل ~~مثل ذلك الوصف في أصول الشرع وهذا لأن الوصف مع صلاحه وملاءمته للحكم يحتمل ~~أن لا يكون علة فلابد من دليل عليه ولا دليل عليه سوى الاستشهاد بأصل صحيح ~~ثابت لترجيح جهة الصواب على جهة الغلط وذكر على هذا مسألة الإفطار بالأكل ~~وأنه يوجب الكفارة. والعلة ms612 إنه إفطار كامل والاستشهاد عليه بالوطء وذكر ~~مسألة السلم الحال وأن المفسد له العجز عن التسليم والاستشهاد بكل عقد يوجد ~~فيه العجز عن تسليم المبيع. # وذكر مسألة حرمة المعاهدة وأن علة إثباتها البعضية والاستشهاد عليه ~~بالوطء الحلال PageV02P160 # والوطء بالشبهة وذكر هو غيره ممن ينصر طريقته كلاما طويلا في الأصول التي ~~صنفوها فجعلت فيه هذا القدر وهو الذى يفهم ويقع في القلب من التطويل العظيم ~~في كلامه وجعل يردد هذا المحرف وهو أن ما لا يحس يعرف بأثره فيعرف صحة ~~العلة ببيان أثرها واستشهد بالشهادة في عامة كلامه في هذا الفضل وقال عدالة ~~الشاهد إنما تثبت بأمر دينه في منعه من ارتكاب ما اعتقده حراما بدينه ~~فيستدل به على منعه من الكذب الذى هو حرام في دينه فكذلك عدالة الوصف الذى ~~هو بمنزلة الشاهد على الحكم إنما يعرف بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في ~~موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلا على نظيره ويكون استدلالا ~~بوجود معلوم ولا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا يجوز المحاجة به وهذا إنما ~~يقوله على من يجعل دليله في صحة العلة عدم قيام الدليل على فساده ويقول من ~~يتعلق بذلك الدليل على صحة العلة متعلق بمحض العدم. # قال ولأنا ذكرنا أن الحكم كما يوجد مع العلة ويطرد معه فكذلك يوجد مع ~~الشرط ويطرد معه فلابد من دليل آخر يميز بين الشرط والعلة وذلك في بيان ~~الأثر وأنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر فهذا الذى ذكرت قدر ما ~~وجدت من كلام المحققين في بيان الدليل على صحة العلة. # واعلم: أن الاشتغال بدليل الإطراد بمجرده لا معنى له وكذلك بدليل الإطراد ~~والانعكاس وإن كان هذا أمثل من الأول وأوقع في القلب ولأصحابنا العراقيين ~~شغف عظيم بهذا ولعل بعضهم يقول لا دليل فوق هذا ولكن الاعتراض الذى قلناه ~~اعتراض واقع. # وأما الاستدلال بشواهد الأصول فضعيف أيضا كثرة الشواهد لا يكون فيها دليل ~~كثير وهذا لأن الوصف هو المقتضى للحكم فلا بد من بيان ms613 معنى في الوصف يدل ~~على الاقتضاء حتى تصح العلة وأما إبطال علة الخصم وطلب تصحيح العلة بهذا ~~الطريق فضعيف أيضا بما قد بينا فلم يبق في الدليل على صحة العلة سوى ~~الإخالة والمناسبة. # وقد ذكر أبو الحسين البصرى في أصوله أن مما يدل على صحة العلة أن يكون ~~الوصف مؤثرا في قبيل ذلك الحكم لأن العلة ما يؤثر في الحكم وما لا يؤثر لا ~~يكون علة. # قال: وهذا كالبلوغ يؤثر في رفع الحجر عن المال فكان أولى أن يكون علة في ~~رفع # PageV02P161 # الحجر عن النكاح من الثيوبة لأن الثيوبة لا تؤثر في جنس هذا الحكم الذى ~~هو رفع الحجر1. # واعلم أنا بينا تأثير الثيابة في مسائل الخلاف في الفروع وأوردنا ما فيه ~~الكفاية ورجحنا اعتبار الثيابة على اعتبار الصغر وتركنا إيراد ذلك في هذا ~~الموضع واعلم أن مجموع ما يحصل من معنى الإخالة والمناسبة وهو أن يقال دليل ~~صحة العلة وجود وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر في إثباته متى عرض الوصف على ~~قواعد الشرع وقوانينه وأصوله فإذا وجد الوصف بهذا الحد عرف صحته وهذا أمر ~~لا يتم بالمكابرات والمعاندات وإنما يعرف ذلك بعرضه على أصول الشرع وقواعده ~~وبيان هذا في الشدة المسكرة: فإنا نقول: إنها العلة في تحريم الخمر ونقيس ~~النبيذ على الخمر بهذا الوصف وهذا وصف مناسب للحكم مخيل مؤثر في إثباته ~~ونعنى بالتأثير إشعاره في القلوب وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة ووجود شاهد ~~الأصل على ذلك وكذلك الطعم مشعر بالتحريم بالوجه الذى ذكرناه في كتاب ~~الاصطلام وقد أبى بعض أصحابنا وجود معنى في الطعم يؤثر في الحكم ويشعر وجعل ~~يلوذ بالخير واللياذ بالخير وإن كان حسنا لكنا ندعى إن علة الربا علة ~~مستنبطة لا منصوص عليها وقد استنبط الشافعى علة الطعم واستنبط أبو حنيفه ~~علة الكيل فلابد من إقامة الدليل على تصحيحه من حيث الإخالة والمناسبة وفى ~~هذا خطب عظيم ولا يمكن إقامة الدليل عليه إلا بعد معرفة حكم النص ولابد من ~~الإعراض عن الترجيحات لأن الحاجة ماسة ms614 إلى إقامة الدليل على تصحيح العلة ~~فلا معنى للاشتغال بالترجيح وعندنا أن الكيل علة فاسدة وليس لها مناسبة ~~لحكم النص بوجه ما. # وأما الطعم فهو المخيل المشعر بثبوت حكم النص فذكر الترجيح في مثل هذا ~~يبعد فدل أنه لابد من ذكر دليل في نفس الطعم وأنه علة وقد أوردنا وحققنا ~~وليس هذا الكتاب لمسائل الفروع وإنما هو لمسائل الأصول وعلى الأصل الذى ~~أوردناه مسألة بيع الفاسد فإن الفساد مشعر بانتفاء الحكم وفى مسائل النكاح ~~بغير ولى الأنوثة مشعرة ببقاء الولاية للمرأة في الأنكحة والبكارة مشعرة ~~بثبوت الإجبار وأمثال هذا يكثر فهذا هو الأصول وعلى أمثالة هذه العلل ينبغى ~~أن يقع الاعتماد من الله المعونة والتوفيق بمنه. # وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنقول قد بينا أن الاطراد ليس بدليل لصحة ~~العلة PageV02P162 # لكنه شرط لصحة العلة وسيأتى هذا من بعد فأما الانعكاس ليس بشرط ونذكر هذه ~~المسألة في هذا الموضع. # مسألة: اعلم أن الانعكاس ليس بشرط لصحة العلة في قول أكثر الأصحاب: # وهو قول جمهور من انتمى إلى الأصول من الفقهاء وهو أيضا قول بعض ~~المتكلمين وذهب بعض أصحابنا إلى أن الانعكاس شرط فإذا ثبت الحكم بوجود ~~العلة ولم يرتفع بارتفاعها بطلت العلة وهو قول بعض المعتزلة1. ويعلق من ذهب ~~إلى هذا بالعلل العقلية. وقال: العلل الشرعية وإن كانت مظنونة ولكن ينبغى ~~أن تكون على مضاهاة العلل العقلية إلا في كون إحديهما معلومة والأخرى ~~مظنونة ثم العلل العقلية يجب انعكاسها كذلك العلل السمعية ولأن العلل ~~الشرعيه إنما تفيد الحكم لآنها تفيد غلبة الظن فإذا وجد الحكم بوجود الوصف ~~ولم ينعدم بعدمه ولم يفد غلبة الظن فلا يبقى حجة. # وأما دليلنا نقول: العلة المنصوبة للإثبات فلا تدل على النفى وكذلك إذا ~~نصبت للنفى لا تدل على الإثبات. # فنقول علة منصوبة فلا يطلب منها إلا التأثير في ذلك الحكم كالعلة المنصوص ~~عليها لا يطلب منها إلا إثبات الحكم الذى تناوله النص وهذا لأن المقصود من ~~التعليل إثبات الحكم دون نفيه فلا يعمل في النفى ms615 لأن العلة إنما تعمل فيما ~~قصد بالعلة. # ونقول أيضا إن العكس لو كان شرطا لكان لا يقتل إلا قاتل من حيث كان القتل ~~علة قتل القاتل أو لا يقتل إلا مرتد فإذا كان الحكم الثابت بعلة تطرد مع ~~ارتفاعها لوجود علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك أن الانعكاس ليس بشرط. # فإن قالوا: إن القتل قصاصا قد لنعدم بعدم القتل وكذلك الفعل بالردة لنعدم ~~بعدم الردة وإنما تقتل بعلة أخرى. # قلنا: فإذا كان وجوب القتل بعلة القتل من حيث انعدام وجوب القتل عند عدم ~~القتل فإذا حدث علة أخرى للقتل فينبغى أن يحكم بتعارض ما يوجب القتل وما لا ~~PageV02P163 # يوجب القتل ويسقط القتل لأن الدليل الشرعى دليل مثل الدليل العقلى ثم ~~الدليل العقلى يجوز أن لا يدل على وجود الحكم في الموضع الذى وجد فيه الحكم ~~ثم ينعدم ويثبت الحكم بدليل آخر فكذلك الدليل الشرعى يجوز أيضا أن يكون ~~كذلك بل هذا أولى لأن الدليل العقلى قد صار دليلا بنفسه والدليل الشرعى ~~إنما صار دليلا بجعل جاعل فإذا لم يكن هذا شرطا في الدليل العقلى ففى ~~الدليل الشرعي أولى وقد ظهر بهذا الجواب عما تعلقوا به وقد ظهر الذى قالوه ~~لا يشرط في الدليل العقلى وفى الحسيات أيضا ليس كل من نصب علما على إثبات ~~شئ ينبغى أن ينصب علما على ضده. # وأما قولهم إن قوة الظن تذهب بعدم الانعكاس دعوى لا دليل عليها وعلى أنا ~~بينا أن الدليل على صحة العلة الإخالة والمناسبة وذلك قائم وإن لم ينعكس ~~وهذا هو الدليل المعتمد وإذا بقى الدليل على صحة العلة بقيت العلة مفيدة ~~لحكمها ثم إذا انعدمت العلة فيجوز أن يقوم دليل آخر على بقاء الحكم ويجوز ~~أن يدل دليل فينتفى لعدم الدليل. # ويقال أيضا إن العلة الشرعية أمارة فيجوز أن يدل على الحكم الواحد ~~أمارتان أيهما وجدت دلت عليه فإحدى الأمارتين وإن عدمت بقى الحكم بالأمارة ~~الأخرى ولم يدل ذلك على أن الأمارة الأخرى لم تكن صحيحة1. والله أعلم. ~~PageV02P164 ### | فصل: ms616 قياس الشبه # ... # فصل: قد فرغنا من ذكر قياس المعنى فهذا قياس الشبه2: # وقد اختلف العلماء في كونه حجة في الأحكام أو ليس بحجة. # مسألة: # اعلم أن ظاهر مذهب الشافعى رحمة الله أنه حجة وقد أشار إلى الاحتجاج به ~~في مواضع من كتبه وأقرب شئ في ذلك قوله: في إيجاب النية في الوضوء كالتيمم: ~~PageV02P164 # طهارتان فكيف يفترقان وتابعه أكثر الأصحاب على ذلك غير أبى إسحاق المروزى ~~فإنه روى عنه أنه قال: ليس بحجة. # وقال الشافعى في أدب القاضى القياس قياسان: # أحدهما: ما كان في معنى الأصل. # والآخر: أن يشبه الشيء بالشئ من أصل ويشبه [الشئ] 1 من أصل [غيره] 2 ثم ~~قال: وموضع الصواب عندنا في ذلك أن ينظر إن أشبه أحدهما في خصلتين وأشبه ~~الآخر في خصلة ألحقه بالذي أشبه في خصلتين3. # قال بعض أصحابنا: إن قوله هذا يدل على أنه حكم بكثرة الأشباه من غير أن ~~يجعلها على الحكم. # وقال بعضهم: إنما حكم بترجيح إحدى العلتين في الفرع بكثرة الشبه. # وقال كثير من أصحاب أبى حنيفة أن قياس الشبه ليس بحجة وإليه ذهب من ادعى ~~التحقيق منهم وصار إليه القاضى أبو زيد ومن تبعه وذهب إلى هذا القول أيضا: ~~PageV02P165 # القاضى أبو بكر والأستاذ أبو منصور البغدادي1. # ثم اعلم أن الشبه ضربان: # أحدهما: في الأحكام. # والثانى: في الصورة. # فأما الشبه في الأحكام فقد ذهب عامة أصحابنا إلى جواز التعليل به كوطء ~~الشبهة مردود إلى النكاح في سقوط الحد ووجوب المهد لشبة بالوطء في النكاح ~~في الأحكام. # وأما الشبه في الصورة فكقياس الخيل على البغال والحمير في سقوط الزكاة ~~بصورة الشبه أو كقياس الخيل على البغال والحمير في حرمة اللحم كقول القائل: ~~ذو حافر أهلى وقد جعل بعضهم مثل هذا القياس حجة لأن الشبه قد وجد. # قال: وإذا جاز أن يعلل الأصل بصفة من ذاته جاز أن يعلل بصورة من صفاته ~~ولأن العلل أمارات فيجوز أن يكون الشبه في الصورة أماره على الحكم كما يجوز ~~أن الشبه في المعنى أو في ms617 الحكم أمارة على الحكم وهذا ليس بصحيح. # والصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به لأن التعليل ما كان ~~له تأثير في الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها والشبه في الصورة لا تأثير ~~له في الحكم وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما. # وقد استدل من قال: إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة في الأوصاف لا ~~توجب المشابهة في الأحكام فإن جميع المحرمات يشابهه بعضها بعضا في الأوصاف ~~ويختلف في الأحكام ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة في ~~الحكم لأن العلة هى الجالبة للحكم فيما لا يتعلق به الحكم لا يجلب الحكم ~~ولأن من جعل الشبه حجة لا يخلو إما أن يجعل المشابهة بهذا في جميع الأوصاف ~~حجة أو يجعل المشابهة في بعض الأوصاف حجة فإن جعل المشابهة في جميع الأوصاف ~~حجة فهذا لا يوجد وإن جعل المشابهة في بعض الأوصاف حجة فإذا لم يكن لذلك ~~الوصف تأثير في الحكم فليس بأن يجعل المشابهة في ذلك الوصف علة للمشابهة ~~للحكم بأولى بأن يجعل المفارقة في غيرها من الأوصاف علة للمفارقة في الحكم. ~~PageV02P166 # قالوا: وأما المكاتب فنحن لا نقول: ألحق بالأحرار لمشابهته بالأحرار فإن ~~العبد يشبه الأحرار في معانى كثيرة ومغ ذلك لا يلحق بالأحرار وكذلك الدواب ~~تشبه بنى آدم في صفات خمس ولا يلحق هذا الشبه ببنى أدم ولكن المكاتب حر يد ~~أثبتت له بحكم عقد الكتابة ورقيق رقبة فلحرية يده يستحق ما يستحق الحر بيده ~~ولرق رقبته لا يستحق ما يستحقه الحر برقبته. # والصحيح: أنه ثبت له أحكام الأحرار بالكتابة نظرا له ليصل إلى الحرية مع ~~بقاء الرق على الكمال. # وقد قال أيضا من يرد قياس الشبه أن مجرد الشبه صورة أوحكما لا يشعر ~~بمناسبة بين العلة والحكم لجواز افتراق المحلين في الحكم. # وبيانه: أن من قاس الوضوء على التيمم في إيجاب النية بقوله طهارة فليس في ~~قوله طهارة ما يؤثر في إيجاب النية ويجوز افتراق الوضوء والتيمم في حكم ms618 ~~النية وغيرها فلا يدل نفس وجوب النية في التيمم على وجوبها في الوضوء فلابد ~~من اجتماعهما في المعنى الذى يوجب نية الفعل إذا اتصف بكونه طهارة حتى إذا ~~اجتمع الفعلان في وصف الطهارة يجتمعان في الحكم وعلى هذا من علل في منع قتل ~~الحر بالعبد يقول قصاصا وقاس على الطرف فيقال نفس قول قصاص لايدل على ~~امتناع الجريان ويجوز أن يمنع الحكم بين الطرف والنفس في ذلك المعنى ~~ليجتمعان في حكم النفى وأمثال هذا تكثر جدا يدل عليه أنه ليس الشبه إلا ~~اشتراك الشيئين في وجه من الوجوه وإن اشتركا في وجه من الوجوه افترقا في ~~كثير من الوجوه ومن اكتفى بمجرد اشتراك في الشبه بوجه ما يعارض بمجرد ~~افتراق الشبه بوجه ما أو بوجوه شتى لأن وجوه الافتراق في الأشياء أظهر من ~~وجوه الاجتماع فدل على أن قياس الشبه بنفسه لا يكون حجة. # ويقولون أيضا: قولك إن الفرع كالأصل في الحكم أبعلم تقول هذا أم أبظن أو ~~لا بعلم ولا بظن؟ فإن قلت: بعلم فأين العلم وإن قلت بظن فأين الظن وهذا لأن ~~العلم والظن لابد لهما من مستند فاذكر المستند حتى يصح قولك إنه بعلم أو ~~بظن وإلا فهو هذيان وإن قلت لا بعلم ولا بظن فحكم الله تعالى لا يثبت ~~بالجزاف. # وإن قلت: تشابههمافى وجه يغلب على الظن تشابههما في الحكم فهذا دعوى ~~مجردة وإن كانت المشابهة في وجه يفيد ظنا فالمفارقة في سائر الوجوه تبطل ~~الظن # PageV02P167 # وتشوش على الظان ظنه. # وقالوا أيضا: إن الأصل في القياس هم الصحابة والمنقول من الصحابة النظر ~~إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما. # وأما دليل من جعل قياس الشبه حجة فنذكر أولا الفرق بين قياس المعنى وقياس ~~الشبه والطرد ويمكن أن يقال: على الإطلاق قياس المعنى تحقيق وقياس الشبه ~~تقريب وقياس الطرد تحكم. # ونقول: إن قياس المعنى ما يناسب الحكم ويستدعيه ويؤثر فيه ويقتضيه وهو ~~تعليق التخفيف بما يوجب التخفيف وتعليق العقوبات بالجنايات وتعليق وجوب ms619 ~~الحق بالايجابيات وأمثال هذا تكثر وأما الطرد فعلى عكس هذا هذا فإنه تعليق ~~الحكم بما لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولا يقتضيه وقد سبق بيان هذين جميعا ~~والكلام فيهما. # واما قياس الشبه فلابد وأن يكون في فرع يتجاذبه أصلان فيلحق بأحدهما بنوع ~~شبه يقرب من غير تعرض لبيان المعنى ونعنى بالمقرب شبها يقرب الفرع من الأصل ~~في الحكم المطلوب ويجوز أن يقال قياس يشعر باجتماع في حكم من غير بيان ~~المعنى وقد استدل من جعله حجة بأن الشرع ورد باعتبار الشبه في جزاء الصيد ~~وباعتبار الأشباه في العدالة والفسق يعنى اعتبار السدد في القول بالسداد في ~~الأفعال وبذلك عدم السداد في القول بعدم السداد في الأفعال وكذلك ورد الشرع ~~باعتبار الأشباه في الضيافة وأيضا فإن القياس ليس إلا بمثيل الشئ بالشئ ~~وتشبيهه به والشئ إنما يمثل بما يشتبهه ويجانسه فيجب إلحاق الشئ بما يشابهه ~~ويجانسه جريا على هذا الأصل. # يدل عليه: أن التساوى في الذوات والأوصاف يوجبه التساوى في الأحكام فإن ~~المستويين ذاتا ووصفا يستويان في الحكم لتحقيق التساوي. # ألا ترى أن المكاتب ملحق بالأحرار في كثير من الأشياء وليس ذلك إلا ~~باعتبار مجرد الشبه والمعتمد من الدليل أنا أجمعنا أن قياس المعنى حجة ولا ~~موجب لكونه حجة إلا أنه يفيد قوة الظن أو يخيل في القلب أنه متعلق بذلك ~~المعنى فإن طريق العلم القطعى مسدود مردوم ومثل هذا المسلك يوجد في قياس ~~الشبه ولا يعرف هذا إلا ببيان المثال هذا قول تعالى القائل في الوضوء: إنه ~~يجب فيه النية إنه طهارة حدث فيجب فيها النية كالتيمم أو يقول في مسألة ~~المضمضة والاستنشاق: إنهما لا يجبان في الغسل من الجنابة إنه غسل حكمى فلا ~~يتعدى من الظاهر إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت # PageV02P168 # وكذلك قوله القائل في زكاة الصبى زكاة فتجب على الصبى كزكاة الفطر. # ويقول في مسألة تبييت النية صوم فرض فلا يتأدى بنية من النهار كالقضاء ~~ويقول في نفى القصاص عن الحر بقتل العبد قصاص كالطرف وأمثال ms620 هذا لا تعد ولا ~~تحصى كثرة. # فنقول في هذه الأقيسة إن هذه الأقيسة مغلبة للظن مفيدة قوته في كون الحكم ~~على ما نصب له المعلل فإنه يغلب على ظن كل عاقل شبيهة الوضوء بالتيمم ~~وشبيهة الغسل بالغسل والزكاة بالزكاة والصوم بالصوم والقصاص بالقصاص. # ومن قال: إن هذا لا يفيد غلبة الظن فلا شك أنه معاند. # ونقول في قول الشافعى في الوضوء والتيمم إنهما طهارتان فكيف يفترقان لمن ~~يأتى هذا القياس أيغلب على ظنك كون الوضوء مثل التيمم فإن كل واحد منهما ~~طهارة عن حدث لا يعقل معناه وقد غلب التعبد على كل واحد منهما؟ فإن قال: ~~نعم فهذا هو الذى قصدناه من وجود غلبة الظن وهو أيضا معنى شبه التقريب الذى ~~ادعيناه. وإن قال: لا يغلب على ظنى فلا شك أنه معاند ولهذا الذى قلناه عسر ~~الفرق بين الوضوء والتيمم على المفرق بينهما ولهذا سوى الأوزاعي وهو أحد ~~أئمة الدنيا بينهما في نفس وجوب النية وعلى هذا جملة ما ذكرنا من المسائل ~~وكذلك قول القائل في مسألة ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره فهذا مفيد لقوة ~~الظن بقرب حكم الفرع من حكم الأصل في الذى نصب له العلة لأن كل واحد منهما ~~بملك النكاح وكل واحد منهما يحرم البضع مع كون الزوج مالكا للبضع متمكنا من ~~التصرف فيه بالتحريم على وجه ينفرد بإثباته ومما يؤيد ما ذكرناه من التعلق ~~بقياس الشبه أن القياس إنما أطلقه الشرع في أصل الأحكام لضرورة الحاجة فإنا ~~قد ذكرنا أن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية ولله تعالى في كل حادثة ~~حكم لو لم يجز القياس أدى إلى التوقف في كثير من الأحكام المطلوبة إقامتها ~~بين الناس. # وإذا عرفت هذا الأصل فنقول: لابد من وضع الأقيسه على وجه يسهل طلبها ~~ووجودها ليتيسر بناء الأحكام عليها ولا يشتد باب البحث على العلماء فيها ~~فإذا قلنا: إن القياس الصحيح هو قياس المعنى فهذا وإن وجد في كثير من ~~الأحكام والأصول ولكن ليس مما يسهل وجودها فإنا نعلم ms621 أن كثيرا من أصول ~~الشرع يخلو عن المعانى خصوصا في العبادات وهيئاتها والسياسات ومقاديرها ~~وكذلك شرائط المناكحات # PageV02P169 # والمعاملات ثم تلك الأصول لها فروع وتلك الفروع تتجاذبها أشباه وإذا كانت ~~المعانى تعدد في الأصول فكيف يسهل وجودها في الفروع فلم يكن بد في استعمال ~~القياس لكن مع الحيد عن طريقة الطرد لأن غلبة الظنون لابد منها ولا ضرورة ~~في استعمال مجرد الطرد الذى لا يفيد ظنا أصلا فجعلنا غلبة الأشباه والقياس ~~المنصوب في هذه الجهة مع وجود ما يقرب في الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل ~~وجعله في مسلكه وضمنه إلى مسلكه حجة ثم ظهور الفرق يكون محصلة واحدة وهو ~~عسر الفرق على الفارق بين الوضوء والتيمم وزكاة الرأس وصدقة الماشية وصدقة ~~النبات وكذلك الفرق بين القصاص في الطرف والقصاص في النفس ويعضد هذا الكلام ~~بالأصل المعهود وهو أن الأقيسة الشرعية أمارات وعلامات وليس بموجبات وفى ~~الأمارات والعلامات من سهولة المأخذ ما لا يوجد في الموجبات. # والقول الجامع: إن التأثير لابد منه إلا أن التأثير قد يكون بمعنى وقد ~~يكون بحكم وقد يكون بغلبة شبه فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق ~~الحكم به لقوة أمارته والشبه قد يعارضه شبه آخر فربما يظهر فضل قوة أحدهما ~~على الآخر وربما يخفى ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد ويجوز أن ترجع ~~إلى أصلين فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع وهذا كالعبد يشبه الحر ~~من حيث إنه آدمى مكلف ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك والجص ~~يشبه البر من حيث إنه مكيل ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول وعلى عكس ذلك ~~الرمان والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل ~~وكذلك الذرة وما يشبه ذلك. # وقد قال القاضى أبو حامد المروروزي في أصوله: إنا لا نعني بقياس الشبه أن ~~يشبه الشئ بالشئ بوجه أو أكثر من وجه لكن نعنى أن لا يوجد شئ أشبه به منه ~~ومثال هذا لا يوجد شئ أشبه ms622 من الوضوء بالتيمم وكذلك في الزكاة والزكاة ~~وكذلك القصاص في الطرف والنفس فإنه لا يوجد شئ أشبه من القصاص في الطرف ~~بالقصاص في النفس أو على عكس هذا لأن إلحاق الشئ بنظائره وإدخاله في مسلكه ~~أصل عظيم فإذا لم يوجد شئ أشبه به منه لم يكن بد من إلحاقه به وهذا الذى ~~قاله القاضى أبو حامد تقريب حسن وهو عائد إلى ما ذكرناه. # واعلم أن هذا الذى ذكرناه نهاية ما يمكن إيراده في كون قياس الشبه حجة ~~والذى ذكروه في نفى قياس الشبه كلمات مخيلة والأولى أن يقال: إن من يتحرى ~~طلب الحق # PageV02P170 # وطلب إيراد معنى مناسب للحكم فينبغى أن يشتغل بذلك ويبذل غاية مجهوده ~~وعندي أن من طلب ذلك فلابد أن يجده إلا في أفراد من المسائل وردت بها ~~النصوص واتفقت الأمة على تعديها من المعانى فأما عامة الأحكام فالشارع ~~للحكم لم يخلها من المعانى المؤثرة في تلك الأحكام وإن أعوز المجتهد وجود ~~المعنى حينئذ ينبغى أن يرجع إلى قياس الشبه على الطريقة التي قدمناها فلا ~~بأس بذلك وغير مستبعد من الشرع أن ننبه بحكم على حكم ويمثل شيئا بشئ إما ~~معنى أو حكما أو غلبة شبه بسائر الوجوه والله أعلم بالصواب وقد ذكر الأصحاب ~~على ما ذكرناه أمثلة كثيرة ولا حاجة إلى الاشتغال بكثرة الأمثلة بعد أن ~~تبين أصل الكلام. # PageV02P171 ### | فصل: جعل الاسم علة للحكم # ... # "فصل" # وأما إذا جعل الاسم علة للحكم فقد قال الأصحاب: إن الاسم على ضربين: اسم ~~اشتقاق واسم لقب. # فأما الاسم المشتق فعلى ضربين: # أحدهما: مشتق من فعل كالضارب والقاتل اشتق من الضرب والقتل فيجوز أن يجعل ~~هذا الاسم علة معنى في قياس المعنى لأن الأفعال يجوز أن تكون عللا في ~~الأحكام. # والضرب الثانى: أن يكون مشتقا من صفة كالأبيض والأسود مشتقق من البياض ~~والسواد فهذا الاسم من علل الأشباه الصورية فمن جعل شبه الصورة حجة قال: ~~يجوز أن يجعل هذا علة وحجة وقد قال: النبى صلى الله عليه وسلم في الكلاب: ~~"فاقتلوا منها ms623 كل أسود بهيم" 1 فجعل السواد علما على إباحة القتل. # وأما اسم اللقب فعلى وجهين: # أحدهما: مستعار كقولنا زيد وعمرو ولا يدخله حقيقة ولا مجاز لأنه قد ينقل ~~اسم زيد إلى عمرو واسم عمرو إلى زيد فلا يجوز التعليل بهذا الاسم لعدم ~~لزومه وجواز انتقاله وإنما يوضع موضع الإشارة وليست الإشارة بعلة كذلك ~~الاسم القائم مقامها. PageV02P171 # والضرب الثانى: اسم لازم كالرجل والمراة والبعير والفرس فقد ذكر أالصحاب ~~في هذا وجهين: فمنهم من جوز التعليل ومنهم من لم يجوز تجويز التعليل به. # والصحيح عندي: أنه لا يجوز التعليل بالأسامى بحال لأنها تشبه الطروه وأما ~~الأسامى المشتقة فالتعليل بموضع الاشتقاق لا بنفس الاسم والله أعلم. # وإذا فرغنا من بيان العلة فقد اشتمل هذا الفصل على ما يحتاج إليه الفقيه ~~ولا يستغنى عنه بحال فنذكر بعد هذا الكلام فى: # PageV02P172 ### | فصل: بيان الحكم # ... # الفصل الرابع: وهو بيان الحكم # فالحكم هو ما تعلق بالعلة في التحليل التحريم الإيجاب والإسقاط هو على ~~ضربين مصرح به ومبهم. # فالمصرح به أن يقول فجاز أن يجب كذا أو يقول فوجب أن يجب كذا وما أشبهته ~~والمبهم أن يقول فأشبه كذا فمن الناس من يقول إن ذلك لا يصح لأنه حكم مبهم. # ومنهم من يقول: إنه يصح وهو الأصح عند الجدليين لأنه المراد به فأشبه كذا ~~في الحكم الذى وقع السؤال عنه وذلك بشئ معلوم بين السائل والمسئول فيجوز أن ~~يمسك عن بيانه اكتفاء بالمعلوم الموجود بينهما ومنها أن تعلق عليها التسوية ~~بين حكمين كقولنا في إيجاب النية في الوضوء طهارة فاستوى جامدها ومائعها في ~~النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال: إن هذا لا يصح لأنه يريد التسوية ~~بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفى الفرع في إيجاب النية وهما ~~حكمان متضادان والقياس أن يستقى حكم الشئ من نظيره لا من ضده ومنهم من قال: ~~إن ذلك صحيح وهو الأصح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد في ~~النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجودة ms624 في الأصل فصح القياس ~~عليه وإنما يظهر الاختلاف في التفضيل وليس ذلك بحكم عليه حتى يضر فيه ~~الاختلاف ومن حكم العلة أيضا أن يذكر التأثير فنقول: في مسألة السواك ~~للصائم تطهير يتعلق بالفم من غير النجاسة فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه ~~دليله المضمضة فهذا تعليل لهذا الحكم صحيح لأن تأثير الصوم في المضمضة صحيح ~~موجود وهو منع المبالغة فصح إثبات تأثيره في الفرع وذلك بالمنع منه بعد ~~الزوال واختلافهما في كيفية التأثير لا يمنع من التعليل لأصل التأثير لأن ~~الغرض إثبات أصل # PageV02P172 # التأثير إلى هذا الموضع ذكره في التبصرة وهذه فصول عراقية ليس تحتها كثير ~~معنى غير أن كتب الجدل والأصول تزين بأمثال هذا من غغير أن يعود بفائدة ~~فقهية واعلم أن في بيان حكم العلة مسألة خلافية ذكرناها من قبل وهى أن مذهب ~~أصحاب أبى حنيفة أن حكم العلة ثبوت حكم الأصل في الفرع بمعنى الأصل وفى ~~الحقيقة ثبوت مثل حكم الأصل مثل معنى الأصل وعندنا حكم الأصل بها ثم إن ~~وجدت تلك العلة في موضع آخر ثبت مثل ذلك الحكم في ذلك الحكم في ذلك الموضع ~~وإلا فلا يثبت وهذا الخلاف هو الذى ذكرناه من قبل أن العلة القاصرة تكون ~~علة صحيحة وعنهم لا تكون علة صحيحة ثم أعلم أنه كما يجرى الاختلاف في الحكم ~~فيجرى الخلاف أيضا في علة الحكم كاختلافهم في الإسلام هل هو علة العصمة أم ~~لا؟ وكذك الاستيلاء على مال الغير عندنا علة الضمان وعندهم ليس بعلة ة قد ~~يحجرى الهلاف في صفة العلة وهو علة وجوب الزكاة فعندنا ملك النصصاب علة ~~لوجوب الزكاة من غير اعتبار صفة المعنى وعندهم ملك نصاب المغنى علة وقد ~~يوجد الاختلاف في لشرط وهو مثل الخلاف في الشهاددة في النكاح وعندنا هو ~~شرط1 وعند مالك ليس بشرط2 وعلى هذا اخلافهم في عدالة الشهود في النكاح # قال أبو زيد: في تققديم الأدلة جملة أقسام ما يختلف فيه الفقهاء من ~~الشرعيات رابعة أنواع الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته ms625 أهو مشروع أم لا؟ ~~أو في شرط العلة أو صفتها أو في حكم من الأحكامم أو صفته أو في حكم مشروع ~~معلوم بوصف بلا منازعة في محل هل هو مقصور عليه أو هو متعدى عنه إلى غيره ~~قال: والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير ~~التعدية وة التعدية لا يتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما ععدا هذا ~~لقسم لانعدام حكمه ولانه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن ~~التعدية فيما لليس موجود ولا يكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو ولأن ~~الخلاف متى يحصل في الموجب للحكم أو شرطه ونفس الحكم فقد وقع الاختلاف في ~~أصل الشرع أكان أم لم يكن وهذا لا يهتدى إليه القياس لأنه ليس إلينا نصب ~~الأحكام ولا رففعها بارأى ولا نصبب أسبابها لأن في نصب الأسباب نصب الأحكام ~~ولا شروطها لأن في نصب الشروط المانعة رفع الأحكام فإذا لم يكن إلينا ذلك ~~PageV02P173 # بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل لنصب الشرع وبطل تعليل المنكر أيضا ~~لأن المنكر يقول لم يشرع أصلا وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا حتى يمكن ~~إثباته بالقياس وإنما يثبت بالقياس قسم واحد هو شيء يثبت في محل الشرع ~~فيستعمل القياس لتعدية ثم ذكر الأقسام فقال أما قسم الموجب فنحو اختلافنا ~~في الجنس بانفراده هل هو علة محرمة للنساء أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه ~~التكلم بالقياس بل على مدعيها إقامة الدلائل على صحة ما ادعاه من نص أو ~~دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه لأنه الثابت بذلك ثابت بالنص لا بالقياس ~~وعلى المنكر الامتناع لعدم الدليل كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عمل ~~زائد على الخمس وأنكره آخر لم يكن على المنكر أولا التمسك بعدم قيام الدليل ~~ولزم المدعى إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من ادعى أن فرض الفجر ~~أربع ركعات وأنكره الآخر وكذلك إذا اختلفنا أن السفر هو مسقط لشطر الصلاة ~~أم لا؟ لم يصح التكلم ms626 فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطا يلزمه إثباته وإنما ~~يظهر الفقه في هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم لا لأنه يمكنه إفسادها إلا ~~تفقد طرق الأدلة حتى يعلم بها أن الأدلة جائزة وليست بعادلة قال وكذلك إذا ~~وقع الخلاف في الحربي يسلم أيكون إسلامه موجبا لجعل نفسه وماله مضمونين مثل ~~الأحرار بدارنا أم لا؟ فهذا لا يعرف بالقياس وكذلك الخلاف أن العقل مثل ~~الشرع أهو حجه قاطعة لعذر الكفار. # ما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي سببب الزكاة أهو سبب بصفة النماء أم ~~دونها واليمين بالله سبب الكفارة بسبب أنها مقصودة أو معقودة وقتل النفس ~~بغير حق سبب الكفارة بصفة الحرمة أو بصفة الإباحة مع الحرمة والإفطار سبب ~~الكفارة باسم الجماع أو باسم اقتضاء إحدى الشهوتين وهذا لأن وصف الشىء منه ~~فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبل ما يثبت به. ~~قال: وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح أنهم شرط أم لا؟ وكذلك ~~الولى فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسا لأننا وجدنا ~~ثبوت نعنى الولاية حكما ثابتا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فصح ~~القياس لتعدية إلى المرأة وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية هل هي ~~شرط فيها أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس وكذلك قلنا: إن شرط نفوذ ~~الطلاق من جانبها النكاح أو العدة عنه وقال: خصمنا العدة ليست بشرط النفوذ ~~وبالعدة وحدها لا يصير محلا وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط ~~لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالصلاة # PageV02P174 # والزكاة والصوم والكفارات ولزوم الإحرام وكذلك وجوب العقوبات كحرمات ~~الإرث بالقتل والحدود لم يكن للقياس فيه مدخل وكذلك إذا أختلفنا في البلوغ ~~بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ وهو الإسلام أو لا؟ ثم سأل ~~على نفسه سؤالا فقال فإن قيل: أليس اختلفنا في الطعام بالطعام أن القبض في ~~المجلس هل هو شرط في بيع أحدهما بالآخر أم لا؟ ms627 وتكلمتم بالقياس فيها فأجاب ~~وقال: البقاء على الصحة بلا شرط القبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع ~~وهو بيع العبد بالدراهم وكل ما عدا الطعام من السلع فصحت التعدية بالتعليل ~~إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنمعنا منه نص بخلافه فيجب على مدعى الفساد ~~لوجود النص إقامته قال: ولا يلزم على هذا استعمال القياس في منع شرط ~~التسمية في الزكاة بالقياس على الناسى لأنا إذا أحللنا زكاة تارك التسمية ~~ناسيا على أنه في حكم المسمى بدليل النص كما يجوز صوم الآكل ناسيا على أنه ~~في حكم من لم يأكل بدليل النص ثم لا يجوز أن يقاس عليه إذا ترك التسمية ~~عمدا أوأكل في الصوم عمدا لأنه معدول به عن القياس قال: فبهذا يظهر بيان ~~الفقه في طرق القياس. # وأما صفة الشرط فكشهود النكاح أهم رجال أو رجال ونساء وصفة طهارة الصلاة ~~أهى مرتبة أم غير مرتبة أم بفصة الموالاة أو ليست بصفة الموالاة قال: أما ~~الحكم فنحو اختلافنا في الركعه الواحدة مشروعة صلاة أم لا؟ وصوم بعض اليوم ~~مشروع أم لا والأربع مشروعة على المسافر والمسح على الخف مشروع أم لا وكذلك ~~اختلافهم في القراءة هل تسقط بالإقتداء أم لا والصوم عل يسقط بالجنون أم ~~لا؟ ثم سأل سؤالا فقال فإن قيل: اختلفنا في صوم يوم النحر مشروع أم لا ~~وتكلمتم فيه بالقياس وأجاب وقال: لا كذلك فإن كون اليوم سببا لصيرورة الصوم ~~مشروعا ثابت أصلا ووقع في استنساخه أنه يوم عيد فأنكرناه لأنا أثبتنا كون ~~اليوم سببا بالقياس وأما وصف الحكم فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة على ~~الشفع الثانى واختلفنا أنها فرض أو لا واتفقنا أنها فرض في الأول واختلفنا ~~أنها فاتحة أم لا واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته ~~واختلفنا في وصفه أنه يملك مباحا والكراهة بعارض ويملك مكروها والإباحة ~~بعارض وهذا مذهبنا على ما بينا في موضعه وكذلك يملك الطلاق مبينا قصدا إليه ~~عندنا وعندي لا يملك فهذا لا يعرف ms628 بالقياس وأنا لا نجده بعينه أصلا آخر ~~لتعديه إلى الفرع وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص ~~للرجل على المرأة أو # PageV02P175 # هو مشترك بين الزوجين لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لتعدية ~~إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر ~~الربا وهو قوله: "والفضل ربا" 1 أنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل لم يجز ~~إثباته بالعلة لما قلنا. # وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم ~~إليه أهو في حكم يد الاستيفاء التي يتم بالتسليم إليه أم هو حق بيع الدين ~~إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد وحكمه وقوع الملك للموهوب له ~~وهذا لا يجوز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه ~~بالقياس وكذلك لا يجوز نفى هذا بالقياس لأن الانتفاء من حيث لم يكن لايكون ~~حكما شرعيا ليمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا وكذلك إذا اختلفنا ~~في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية لم يكن للقياس فيه تدخل لأنا لا نجده في ~~غيره لتعديه إليه. # وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق وبعد الدخول لأنا إنما ~~اختلفنا في ذلك لاختلافنا في المتعة أوجب أصله على نفى وحشة الطلاق أم عوضا ~~عن ذلك النكاح واجبا بالعقد مقام الساقط بالطلاق فهذا لا يعرف بالقياس وهذا ~~لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت أبدا إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة ~~بصفاتها إلا بالنظر من حيث المعانى التي تثبت بالأسامى العربية لا يمكن ~~معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم. # وأما القسم الر ابع فنحو قولنا: إن المسح في الضوء يسن تثليثه لأنه مسح ~~قياسا على مسح الخف فهذا يمكن إثباته بالقياس لأنا وجدنا مسحا في الوضوء ~~وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا يتثليثه فعديناه إلى الفرع ~~وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليثه وصيغته قياسا على ~~الوجه فهذان القياسان ms629 في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر وكذلك قولنا: ~~صوم رمضان صوم عين فيتأدى بنية الصوم كالنفل في غير رمضان وقولهم إنه صوم ~~فرض فيشترط فيه نية الفرض كالقضاء وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن ~~الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب وقولهم إن ملكه كامل فيلزمه ~~الزكاة بغير المديون فهذا الذى ذكرناه سياق كلامه واعلم أن أصلنا الذى ~~يعرفه الأصوليون أن كل ما يمكن إثباته بالقياس يثبت PageV02P176 # بالقياس من غير تخصيص وفى هذه المسائل التي ذكرناها في بعضها ما يمكن ~~إثباته بالقياس وفى بعضها ما لا يمكن إثباته بالقياس وعلينا فيها أن نعرضها ~~على الأصل الذى قدمناه فما لا يمكن إثباته بالقياس وافقناه على زعمه وما ~~يمكن إثباته بالقياس أثبتناه وإن رغم أنف من رغم والله المعين على طلب الحق ~~والهادى والمرشد إلى الصواب. # PageV02P177 ### | فصل يتصل بالذي ذكرناه # ... # "فصل" # وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا فصلا يتصل بهذا الذى ذكرناه أحببت إيراده في ~~هذا الموضع وأذكر ما يعتمد عليه من ذلك. # وقال قال الخائضون في هذا الفن رب أصل يتطرق إليه بالتعليل من وجه ~~ويتقاعد من وجه ونذكر من ذلك مثالا أو مثالين فمن ذلك اختصاص القطع بالنصاب ~~وهذا على الجملة متعلق بأمر ظاهر فإن الناس يهجمون على ما يوجب التغرير ~~بالأرواح ويخاطر بالمهج بسبب التافه الوتح1 الحقير وإن فعل ذلك إنسان فإنما ~~يغرر بمال نفيس وتشهد له القواعد التي تستحث الطباع على الهجوم على الفواحش ~~فيها وانتصب مزجرة الحدود يزدجره عنها وأما المحرمات التي لا ميل للطباع ~~إليها لم يرد الشرع في المنع فيها بالحدود فوقع الاكتفاء فيها بمجرد النهى ~~مع الوعيد بالعذاب الشديد في الآخرة. # ثم قال هؤلاء: لإن القياس وإن اقتضى الفصل في الجملة بين التافه والنفيس ~~ولكن مبلغ النفيس لا يعرف بالقياس وكان ذلك موكولا إلى الشرع ونصاب السرقة ~~منصوص عليه2. ومن أمثلة ذلك النصاب في الأموال الزكاتية والأقيسة قد ترشدنا ~~إلى اختصاص PageV02P177 # وجوب الإرفاق بالأموال المحتملة لذلك المتهيئة لارتفاق مالكه ليكون ~~الإرفاق بمقابلة ms630 الاستمكان من الارتفاق ثم القدر الواجب لا يهتدى إليه ~~الرأى فاتبع الشرع والدليل على أن الرأي لا يهتدى إلى ما قلناه أن الهمم ~~تختلف بالخسيس والنفيس فالفقير قد يستعصم القلس والقلسين والملك لا يستكثر ~~القناطير المقنطرة وكذلك هذا في النصب فإن القانع بالبلاغ قد يجتزئ ~~بالارتفاق بما ينقص عن النصاب وذو البسطة والسعة لا يرفقه العشرون بل ~~المائتان فلابد من الرجوع إلى الشرع ويكون هو المتبع أبدا لا غير ثم قال: # نحن نقسم أصول الشريعة خمسة أقسام: # أحدها: ما يعقل معناه وهو أصل ويؤول المعنى المعقول فيه إلى أمر ضرورى ~~لابد منه وهذا مثل القصاص فإنه معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحترمة ~~والزجر عن التهجم عليها فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك في أصل القصاص تصرف ~~فيه وعداه إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى فيه وهذا هو الذى يسهل تعليل أصله ~~والتحق به تصحيح البيع فإن الناس لو لم يتبادلوا ما تأيد بهم لجر ذلك إلى ~~الضرورة ظاهرة فمستند البيع إذا زائل إلى ضرورة الراجعة إلى النوع والجملة ~~ثم قد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا تمهدت قواعدها فالنظر بتحقيق معنها في ~~آحاد النوع ربما يعسر فيعرض عنه قال: وهذا ضرب من الضروب الخمسة وعندي أن ~~تعليل إيجاب القصاص ما ذكر من حكمة وجوب القصاص وتعليل تجويز البيع بما ذكر ~~من حكمه تجويز البيع بعيد جدا وإنما السبب لوجوب القصاص هو القتل والقتل ~~مخيل في إيجاب القتل بعد أن تأيد بالشرع والنص عليه وكون الإنسان مالكا ~~للشئ مخيل مؤثر بجواز تمليكه من غير قد تأيد بنص أيضا نعم يجوز أن يقال: ~~وجب القصاص بسبب القتل وجاز التمليك فيه بسبب تملكه للمحل بحكمة الزجر أو ~~الحكمة دفع حاجات الناس فأما تعليل أصل وجوب القصاص بالزجر أم تعليل أصل ~~جواز البيع بالحاجة فبعيد وهذا لأن الأحكام في الشرع بأسبابها لا بحكمتها ~~وفوائدها وكان البيع لفائدة البيع والتعليل غير وإظهار الفوائد غير ونحن ~~PageV02P178 # نعلم قطعا أن الشرائع لفوائد وحكم لكن لا نقول إنها معللة ms631 بها وهذا ~~كالعبادات لا تعلل بعلى الثواب فإن كانت واجبة لفوائد الثواب والأنكحة لا ~~تعلل بعلة حصول النسل في العالم وإن كانت مشروعة لفائدة النسل وكذلك الحدود ~~واجبه لفائدة الزجر الحاصل بها ولا تعلل بها والقصاص من جملة ذلك. قال: # والضرب الثاني: ما يتعلق به الحاجة العامة ولا ينتهى إلى حد الضرورة وهذا ~~مثل الإجازة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكين مع قصور اليد عن ~~تملكها وفي نماكها ببدل على سبيل العارية فهذه حاجة ظاهرة غير بالغة مبلغ ~~الضرورة ولكن حاجة الجنس قد تبلغ ضرورة الشخص الواحد من جهة أن الكافة لو ~~منعوا عن ما يظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرر لا محالة تبلغ مبلغ ~~الضرورة في حق الواحد وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ~~ينال الآحاد بالنسبة إلى الجنس وعندي أن المنافع أموال وقد قام الدليل على ~~ذلك فالإجازة فيها كالبيع في الأعيان وقد بينا ذلك في خلافيات الفروع. قال: # والضرب الثالث: مما لا يتعلق بضرورة حاققة ولا حاجة عامة ولكنه قد يلوح ~~منه غرض في جلب مكرمة أو نفي ينقص بها ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة ~~الحدث وإزالة الخبث وإن أجبنا عبرنا عن هذا فقلنا: مما لاح ووضح الندب إليه ~~تصريحا كالتنظيف فإذا ارتبط الرابط أصلا كلياته تلويحا كان ذلك في الدرجة ~~الآخرة والرتبة الثانية البعيدة في القياس وجرى وضع التلويح منه مع ~~الامتناع عن التصريح مع حمل المكلفين على مضمونه مع الاعتضاد بالدواعي ~~الجلية كما سبق تقرير هذا في المسالك السابقة والصور الممثلة المخيلة وهذه ~~العبارات كلها تكلف صعب وحمل الطبع على ما بالمرء غنية عنه ولا أرى وراءها ~~كثير معنى والطهارات كلها تعبدات وإن عللنا بالتنظيف فينبغي أن يكون على ~~الندب لا على الإيجاب وأما عامة العبادات وتوابعها تكليفات لا يعقل معناها ~~إلا القيام بالعبادة المحضة لله تعالى. قال: # والضرب الرابع: ما لا يستند إلى حاجة وضرورة وتحصيل المقصود فيه مندوب ~~إليه تصريحا ابتداء وفي المسلك الثابت ms632 في تحصيله الخروج عن قياس كلي وبهذه ~~المرتبة يتميز هذا الضرب عن الضرب الثالث وبيان ذلك بالمثال أن الغرض في ~~الكتابة تحصيل العتق وهو مندوب إليه والكتاب المنتهضة سببا في تحصيل العتق ~~يتضمن أمورا خارجه عن الأقيسة الكلية كمعاملة السيد عبده وكمقابلة ملكه ~~بملكه والطهارات قصاراها إثبات. # PageV02P179 # التسبب وجوبا إلى ما لا يصرح بإيجابه وليس فيها اعتراض على أصل آخر سوي ~~ما ذكرناه من التصريح والتلويح وقد مثلناها موضع الشرع بالنكاح لتحصين ~~الزوجين قال: # والضرب الخامس من الأصول ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا لا مقتضيا من ~~ضرورة وحاجة ولا استحثاثا على مكرمة وهذا يندر تصويره حدا فإنه إن امتنع ~~استنباط معنى ضرورى فإنه لا يمتنع عليه كليا ومثال هذا القسم العبادات ~~البدلية والمحضة وأنه لا يتعلق بها الأعراض دفعية ولا نفعية ولكن لا يبعد ~~أن يقال: تواصل الوظائف يديم تروي العباد على حكم الانقياد وتجديد العهد ~~بذكر الله عز وجل ينهي عن الفحشاء والمنكر وهذا يقع على الجملة. ثم قال: ~~فأما الضرب الأول وهو مما يستند إلى الضرورة فنظر القايس فيه ينقسم إلى ~~اعتبار آخر الأصل بعضها ببعض وإلى اعتبار غير ذلك بذلك الأصل إذا اتسق له ~~معنى فأما اعتبار الجزء بالجزء مع استجماع القياس لشرائط الصحة فهو يقع في ~~الطبقة العالية من أقيسة المعانى ومن خصائص هذا الضرب أن القياس الجزئي وإن ~~كان جليا إذا صادم القاعدة ترك القياس الجزئي للقاعدة الكلية ومثال ذلك أن ~~القصاص من حقوق الآدميين وقيامها رعاية التماثل عند التقابل في هذا القياس ~~يقتضي أن لا تقتل الجماعة بالواحد ولكن في طرده والمصير إليه هذه القاعدة ~~الكلية لان الاستعانة بالظلمة في القتل ليس بعسر وفي درء القصاص عند وجود ~~الإجماع خرم أصل الباب وحاصل القول في هذا قوله إلى أن مقابلة الشئ بأكثر ~~منه ليس يحرم أمرا ضروريا هذا معنى تسميته لهذا جزئيا وإلا فالتماثل في ~~الحقوق التي للآدميين من الأمور الكلية في الشريعة غير أن القاعدة التي ~~سميناها في هذا الضرب مستندها ms633 أمر ضروري والتماثل في التقابل أمر مصلحي ~~والمصلحة أذا لم تكن ضرورة جزء بالإضافة إلى الضرورة وهذا يعتضد فيما ~~ضربناه مثلا من القصاص بأمر آخر وهو أن يبقي القصاص على مخالفة الأعواض ~~أجمع فإن أعواض المتلفات مبناها على جبران الفائتات كالمثلي إذا ضمن بالمثل ~~وكالقيمة إذا وجبت جبرا للتقويم المتلف والقصاص لا يجبر الفائت وإنما ~~الغالب عليه أمر الزجر وحظ مستحقه منه شفاء الغليل فلما خرج أصله عن مضاهاة ~~الأعواض هذا الخروج احتمل فيه الخروج عن قياس التماثل لدى التقابل وإذا ~~قسنا الأطراف عند وجود الاشتراك في قطعها على النفوس كان واقعا جليا معتضدا ~~بالمعنى الأصلي وهو الضرورة مع أجتماع الأطراف والنفوس في كونها مصونة ~~بالقصاص وذكربعد هذا تخريج مسألة تمييز الفعلين واعلم أن هذا الذي ذكره ~~المشايخ في المسألة التي # PageV02P180 # أشار إليها وعندي أن هذا غير معتمد وقياس الطرف على النفس وإن كان جليا ~~في الصورة ولكن افتراق النفوس والأطراف في الأحكام غير ممتنع في الشرع ~~فلابد من بيان اجتماع النفوس والأطراف فة المعنى الذي يجب به القصاص على ~~العدد في مقابلة الواحد والذى أشار إليه من قوله: إن في نفى القصاص عن ~~الجماعة بقتل الواحد خرم القاعدة مثل هذا لا يصلح لبيان السبب والأسباب لا ~~تترك بأمثال هذا الكلام فإن حفظ الأسباب لإيجاب الأحكام من أهم الأمور ~~وكذلك قوله إن القصاص عوض يخالف سائر الأعواض قد ذكرنا عندنا أن العوض ~~الأصلى عندنا هو المال في القتل أعنى بقولي: الأصلى هو العوض الذى يصح على ~~أصول الشرع قياسا وجاء الشرع وراء ذلك بعوض آخر وهو القصاص فالدية عوض ~~قياسى والقصاص عوض شرعى لغرض زائد لا يوجد في العوض القياسى فخير ولى القتل ~~بينهما لاختلاف الغرضين ولم يجمع بينها لاتفاقهما في العوضية وهذه كلمات قد ~~حققناها في خلافيات الفروع ولا معنى لشحن أصول الفقه من ذلك ثم تكلم على ~~الضرب الثانى وهو فصل الإجازة بكلام طويل يخالف القياس وهذا قد سبق بيانه ~~من قبل وذكر تقريرا في إلحاق المنافع بالأعيان ms634 ونحن قد دللنا أنها مال وأن ~~العقد عليها كالعقد على المال وقد ألحقت المنافع بالأعيان الموجودة شرعا ~~وجعل العقد عليها كالعقد على الأعيان وذكر الضرب الثالث وأعاد فصل الطهارة ~~بزيادة تقريرات وذكر عبارات رائعة في ذلك والتعليل في ذلك بعيد جدا وذكر ~~الضرب الرابع وأعاد فصل الكتابة وحكى عن مالك أنه يوجب الكتابة وعندي أن ~~هذه النسبة إلى مالك خطأ وإنما القول بوجوب الكتابة قول داود1 على الخصوص ~~ومذهب مالك أن الكتابة مستحبة وهو مذهب الكافة2 وجواز الكتابة خارج عن قياس ~~سائر العقود وإنما جوز لنوع نظر وإرفاق للعبد ولهذا لزم في حق السادة ولم ~~يلزم في جانب العبد لأن إلزام العقد في جانب العبيد يخالف النظر لهم وترك ~~إلزامه في جانب السادة يخالف ما وضع عقد الكتابة لأجله ولأجل هذا الأصل جاز ~~أن يبدل كسبه مع أنه عبد سيده سيجه وتنجز العتق من سيده فدل أنه مشروع محض ~~النظر للعبيد وبهذا الوجه ندب السادة إلى فعل هذا العقد وكره لهم تركه إذا ~~طلب العبيد ذلك ولهذا PageV02P181 # الأصل وجب الإتيان لأن العجز من العبيد في أداء الأموال على التمام ~~والكمال متوهم وأوجب حط بعض ذلك البذل عنهم ليتمحض العقد مرفقا للعبيد بكل ~~وجه وذكر تعلق أصحاب أبى حنيفه في البيع الفاسد في الكتابة وهو تعلق معروف ~~ثم. قال: وقال الشافعى: لا يقبل هذا القياس فإن الكتابة الصحيحة خارجة عن ~~قياس المعاملات والفاسدة متفرعة عليها فإذا انحسم مسلك القياس في الأصلين ~~يعنى البيع الصحيح والكتابة الصحيحة ويترتب عليه امتناع القياس في الفرعين ~~وقال أصحاب أبى حنيفة: إذا ثبتت الكتابة والتحقت بالمعاوضات المحضة فلا ~~ينظر بعد ذلك إلى خروجها عن قياس المعاوضات ولكنها تقضى فيها وعليها بقضايا ~~المعاوضات حتى يقول بشرط فيها من التراخى وإعلام العوض واتصال الإيجاب ~~بالقبول ما يشترط في المعاوضات فاعتبار البيع الفاسد بالكتابة الفاسدة أولى ~~من النظر في التفاصيل بعد تسليم الأصل والفاسد في كل باب حايد عن موجب أصله ~~وكذلك فسد فإذا لم يمتنع إلحاق الفاسد بالصحيح ms635 في الكتابة مع حيد الفاسد عن ~~الحقة الصحيحة فلا ينبغى أن يمتنع مثل ذلك في البيع والحاقة بالكتابة قال: ~~ونحن الآن نقول: هذا الجمع لا ينتظم في مناظم المعانى ولا يجمعه قياس معنوى ~~من قبل إن شرط المعنى انقداحه واتجاهه في الأصل ثم إذا تقرر في الأصل معنى ~~واطرد في الفروع فحينئذ يجمع الجامع بالمعنى وليس معنا معنى متضمن لتنزيل ~~الكتابة الفاسدة منزلة الكتابة الصحيحة فإن الذى لا يتمارى فيه الناظر من ~~نظره أن الفاسد ليس مطابقا للشرع والأحكام تثبت إذا جرت أسبابها موافقة ~~للشرع ويتهون على الرشيد الفطن تقرير خروج الكتابة الفاسدة في نزولها منزلة ~~الكتابة الصحيحة عن القياس المعنوي والاعتبار الكلى فإذا فعل ذلك انحسم ~~مطمع الخصم في قياس المعنى ولكن النظر إلى التشبيه فإن علة الخصم انحسام ~~المعنى واجتزاء بالشبه فقال البيع الفاسد بالإضافة إلى الصحيح يشبهه ~~الكتابة الفاسدة بالإضافة إلى الصحيحة ولا يلتزم أبدا معنى في الأصل وآخر ~~في الفرع فالذى يدرأ ذلك النقض الصريح فإنا لم ننزل كل فاسد منزلة الصحيح ~~بدليل النكاح وأقرب من ذلك البيع فإن فاسده من غير قبض لم ينزل منزلة صحيحة ~~قال: والشبه لابد في طرده فإذا لم يطرد وانتقض انحل ولم يبق له عمل وإذا ~~سقط الشبه طولبوا بالمعنى وإلحاق الفاسد بالصحيح قال: ومما نذكره في هذا ~~أيضا أن الكتابة الفاسدة في وضعها مخالفة للبيع الفاسد على رأى المخالف فإن ~~المكاتب بالكتابة الفاسدة يتسلط على اكتسابه بنفس العقد تسلطا وينفذ ~~تصرفاته فيها على الصحة # PageV02P182 # نفوذها في الكتابة الصحيحة وليس البيع الفاسد كذلك وإن اتصل به القبض ~~وقال من دقيق القول في ذلك أن تحصيل العتاقة موجود الصفة ما يوجب القضاء ~~لصحته فإن تعليق العتق على أداء العوض الفاسد صحيح وإن فسد العوض ثم ~~التعليق إذا صح فحقه أن لا يرفع وأثر فساد الكتابة في دفع وجوب التعليق ~~والكتابة عقد أخذ من قياس بابين وعقدين أحدهما المعاوضة والثانى تعليق ~~القول والعتق أنفذ التصرفات وأغلبها فإن مؤقته يتأيد ومبعضه يتم فالوجه ms636 ~~استيلاء حكمه فلم يكتب معنى التعليق صفة الفساد من فساد المعاوضة وإذا لم ~~يفسد عتق بجهته. ثم قال: وهذا منتهى كلام الفقهاء وأنا أذكر مسلكا أصوليا ~~يغنى عن جميع ذلك فأقول قد مهدت أن القوانين المبنية على المكارم الكلية لا ~~يجرى فيها تمهيد أصل قياسا على أصل وإنما تجرى الأقيسة من الأصول على ~~الأصول وإذا لاحت المعانى قال: والمعنى المخيل في الكتابة هو الاستحثاث على ~~مكرمة من المكارم مثل الطهارات فالطهارة واجبة مكرمة والكتابة مستحبة مكرمة ~~قال: وإنما يظهر المعنى في الضروريات والحاجات قال: فالبيع من الضرورات ~~والكتابة من المكرمات فكيف ينقدح بسببه فاسد هذا بفساد البيع وهذا القائل ~~مع هذا التطويل لم يخرج عن أشكال الكتابة فإن الإشكال في الكتابة أنه لابد ~~من أنعقاد الكتابة ليقع بها العتق والفساد لم يخرج من انعقادها فينبغى أن ~~لا يمنع أيضا من انعقاد البيع وإذا انعقد وجب أن يفيد موجب لأن العقد لا ~~ينعقد إلا لموجبه فالملك موجب البيع والعتق موجب الكتابة فإذا انعقدت ~~الكتابة الفاسدة لإفادة موجبه فلينعقد البيع الفاسد لإفادة موجبه وعلى ~~الجملة ما ذكره للأصحاب في دفع قياس البيع على الكتابة كان أبين وأظهر من ~~الذى اعتمد عليه واستخرجه بذكره. # وقد قال على هذا الإشكال الذى ذكرناه أن الوجه في دفعه مسلكان: # أحدهما: أن يدعى أن الكتابة صحيحة في جهه مقصودها أى في العتق. # والمسلك الثانى: وهو الأصل أن لا يلزم في أقيسة المعانى النقض. # واعلم أن فضل الكتابة في البيع الفاسد في نهاية الإشكال ولأنى أعرف في ~~جملة مسائل الخلاف ما يقارب هذا الإشكال إلا اليسير القليل ومن أراد دفع ~~هذا الفصل فأولى الفصول أن يبين فساد البيع ويبين أن الفاسد غير مشروع وإذا ~~كان غير مشروع لا يثبت بع حكم مشروع لأن الحكم المشروع لا يبتنى إلا على ~~سبب مشروع ثم الكتابة لا ترد على هذا لأن هذا أصل من الأصول وقاعدة كلية من ~~قواعد الشرع فلا يجوز # PageV02P183 # الاشتغال بإيراد النقض عليه وهذا كما أنه لا يجوز ms637 إيراد النقض على الكتاب ~~والسنة فلا يجوز إيراد النقض على مثل هذه القواعد والأصول الثابته بالدلائل ~~القطعية نعم وقد اعتنيت في كتاب الاصطدام زيادة اعتناء في الكلام على هذا ~~الفصل واعترضت على كل ما قاله الاصحاب ثم اعتمدت في آخر الأمر على فصل وهو ~~نهاية الإمكان وأحببت إيراده في هذا الموضع فقلت: الكتابة عقد عتاقة والعتق ~~مبنى في الشرع على أنه يجب السعى في تحصيله ويطلب وجوده بالتمسك بأدنى شئ ~~يمكن التمسك به من وجه ولهذا يكتفى في سببه ومحله بما لا يكتفى به في سائر ~~عقود الأملاك أما المحل فالدليل عليه أنه لو أعتق جزءا من عبد وإن قل سرى ~~إلى جميع الأجزاء مع ترك مباشرة العتق في سائر الأجزاء واقتصاره على عتق ~~هذا القدر وأما السبب فلأن الشرع قد اكتفى به في تحصيله بمجرد القرابة ~~ويعقد من السيد مع عبده في الكتابة بأداء ماله إليه في قوله إذا أديت إلى ~~كذا فأنت حر وأيضا فإن الشرع حقق سببه بتحصيله من غير وجود تحصيل لذلك من ~~الإنسان. ألا ترى أن في قوله أعتق عبدك عنى على ألف درهم فإن الشرع حكم ~~بتحصيل الملك فيما يعود إلى تحصيل العتق من غير أن يوجد من الذى يعتق عليه ~~بتحصيله ومثل هذا لا يوجد في حكم ما وأيضا فإنه احتمل فيه من الغرر والخطر ~~ما لا يحتمل في شئ من المواضع وإذا عرف هذا الأصل في العتق منقول به في ~~الكتابة باشر سبب العتق وأخل بشرطه فيجعل الشرط المتروك كالمذكور فيما يرجع ~~إلى العتق كما جعل السبب المذكور في بعض المحل كالمفعول الموجود وإن لم ~~يفعله فيجعل هنا أيضا الشرط المتروك من إعلام العوض وغيره كالمذكور ~~والمشروط وكذلك جعل السبب المتروك تحصيله كالمحصل في المسألة التي قلناها ~~فأما سلامة الاكتساب والأولاد وفك الحجر وغيره ابتاع في هذا العقد فإذا ~~اعتبر هذا العقد شرعا فيما هو الأصل لحق به الاتباع. والحرف أن الإعتراض عن ~~حكم الفساد في الشرع وقع لأجل العتق كما حصل ms638 الإعراض عن باقى المحل في ~~المعتق بعضه ويتبين صحة هذا الجواب بأصلهم فإن عندهم البيع الفاسد لا يوجبه ~~الملك بنفسه وإذا أوجبه أوجب ملكا مستحق النقض والفسخ وأما عقد الكتابة ~~فيوجب العتق على ما يوجب الصحيح منها ووجب بها عتق مستقر ينقضى ولا يرفع ~~وليست هذه المفارقة عندهم إلا لأن العقد عقد عتق وهذا الجواب نهاية الإمكان ~~ولا يعرف معنى في الكتابة ووقوع العتق بها عندنا وعندهم على الوجه الذى ~~قالوه وجعلهم ذلك أسوة الصحيح من كل وجه إلا لهذا المعنى الذى قلت # PageV02P184 # ولابد في قبوله من فضل نظر وتمام عناية وتأمل على الجهة الحسنى والله ~~المعين بمنه وعلى الجملة والفقه عزيز جدا وقد غلب الجدليون غلبة عظيمة ~~واقتنعوا بدفاع الخصوم ورضوا بعبارات مزوقة فاضلة عن قدر الحاجات والعبارات ~~قوالب المعانى فإذا زادت على المعانى كانت من فضول القول والواجب على ~~الفقيه أن يكون جل عنايته مصروفا إلى طلب المعانى ثم إذا هجم عليها فلا بأس ~~أن يكسوها بالكسوة الحسنة ويبرزها عن خدرها في أحسن مبرز فيصير المعنى ~~كالعروس تترفل1 في حلية وجللة فأما إذا اشتغل بالعبارات وأعرض عن المعانى ~~وكان جل سعيه في التهوين على الخصوم وإيقاعهم في الأغاليط بعبارته خفى الحق ~~والصواب فيما بين ذلك وجواب واحد يقام عليه برهان يكشف عن الحق ويسكن إليه ~~القلب ويزول به تلجلجه خير من ألف جواب جدلى وإن كان يقع به دفاع الخصوم ~~وإسكاتهم والله يعين على ذلك بمنه وطوله إن شاء الله تعالى. # مسألة: تخصيص العلة # العمل أن نشرع في هذه المسألة بذكر طرف مما يفسد به العلة: أعلم أنه قد ~~ذكر الأصحاب ما يفسد به العلة وعدوا وجوها عشرة وأكثر وذكروا: # الوجه الأول: وهو أن لا يدل الدليل على صحتها. # والوجه الثانى: أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس كأقل الحيض ~~وأكثره وإثبات الأسماء واللغات وغير ذلك وقد ذكرنا اختلاف الأصحاب في ذلك. # والوجه الثالث: أن تكون العلة مشروعة من الأصل لا يجوز انتزاع العلة منه ~~مثل أن ms639 يقيس على أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم به وكذا لو ~~كان الأصل قد ورد بتخصيصه الشرع ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبى حنيفة ~~غير الرسول على الرسول صلى الله عليه وسلم في جواز النكاح بلفظ الهبه. # والرابع: أن يكون الوصف الذى علل به لا يجوز التعليل به مثل أن يجعل ~~العلة اسم لقب أو نفى شئ على قول من لا يجيز ذلك أو شبها على قول من لا ~~يجيز قياس الشبه أو وصفا لم يثبت وجوده في الأصل أو في الفرع. # والخامس: أن لا تكون العلة مؤثرة في الحكم وهذا قد سبق. PageV02P185 # والسادس: أن تكون العلة منتقضته وهى أن توجد وبها حكم معها والكلام في ~~هذا سيأتى. # والسابع: أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك في الحكم ويقاس ~~على الأصل والكلام يأتى في هذا أيضا. # والثامن: أن لا توجب العلة حكم به الأصل وذلك أن يفيد الحكم في الفرع ~~بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل فيدل ذلك على فسادها وذلك مثل أن يقول ~~الحنفي في إسقاط تعيين النية في رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى ~~التعيين كرد الوديعة وهذا لا يصح لأنه لا يفيد في الفرع غير حكم الأصل لأنه ~~يفيد في الأصل إسقاط التعيين مع وجوب أصل النية ومن حكم النية أن يثبت ~~الحكم في الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه. # والتاسع: أن يعتبر حكما بحكم مع اختلافهم في الوضع وهو الذى تسمية ~~الفقهاء فساد الوضع والاعتبار وذلك مثل أن يعتبر ما بنى على التخفيف على ما ~~بنى على التغليط وما بنى على التغليط على ما بنى على التخفيف وما بنى على ~~التضعيف والتأكيد بما بنى على خلافه وسيأتى هذا أيضا. # والعاشر: أن يعارضها بما هو أقوى منها فيدل ذلك على فسادها. # وهذه الوجوه ذكرها الشيخ أبو إسحاق رحمة الله تعالى في اللمع أوردتها على ~~سبيل الاختصار وحين أذكر وجوه الاعتراض الصحيح على العلة ووجوه ms640 الاعتراض ~~الفاسدة يدخل أكثر هذه الوجوه في أثناء ذلك فأما المسألة التي قصدناها وهى ~~مسألة تخصيص العلة وهى داخلة فيما تفسد به العلة فنقول: اختلف العلماء في ~~تخصيص العلل الشرعية وهى المستنبطة دون المنصوص عليها فعلى مذهب الشافعى ~~وجميع أصحابه إلا القليل منهم لا يجوز تخصيصها وهو قول كثير من المتكلمين ~~وقالوا تخصيصها نقض لها ونقضها يتضمن إبطالها. # وقال عامة العراقيين من أصحاب أبى حنيفة: يجوز تخصيصها وأما عامة ~~الخراسانيين فإنهم أنكروا تخصيصهاوذهبوا إلى ما ذهبنا إليه. # وقال أبو منصور الماتوريدى السمرقندى القول بتخصيص العلة باطل ومن قال ~~بتخصيص العلة فقد وصف الله تعالى بالسفه والعبث فأما أبو زيد فإنه قال ~~بتخصيص العلة أو ادعى أنه مذهب أبى حنيفة وأصحابه واختلف أصحاب مالك في ذلك ~~أيضا # PageV02P186 # وقال بعضهم بجوازه وأنكر بعضهم جوازه1 وقال بما ذهبنا إليه. # ومثال التخصيص في العلة ما صار إليه أصحاب أبى حنيفة فإنهم قالوا: إن علة ~~جريان الربا في الذهب والفضة هو الوزن وجعلوا لذلك فروعا من الموزنات ثم ~~جوزوا إسلام الدراهم في الزعفران والحديد والنحاس مع اجتماعهما في الوزن ~~يحكم بتخصيص العلة فانتقضت العلة عندنا واحتج من أجاز تخصيص العلة وقال: إن ~~العلل الشرعية أمارات وليس بموجبات وإنما صارت أمارات بجعل جاعل ونصب ناصب ~~فجاز أن تجعل أمارات للحكم في عين دون عين كما جاز أن نجعل أمارة في وقت ~~دون وقت وربما عبروا عن هذا وقالوا العلة أمارة على الحكم فجاز وجودها في ~~موضع ولا حكم كما جاز وجودها قبل الشرع ولا حكم. # ببينة: أن الدليل الشرعى الظنى يجوز أن يكون دليلا في موضع دون موضع. # ألا ترى أن خبر الواحد يكون دليلا عند عدم نص القرآن قالوا: ولأن تخصيص ~~العلة المنصوصة جائز فكذلك العلة المستنبطة وهذا لأن ما يجوز على الشئ وما ~~يستحيل جواز على الشئ لا يختلف بحسب اختلاف طرقه ولم يوجدفى العلتين إلا ~~اختلاف الطريق فإن الطريق في أحدهما النص وفى الآخر الاستنباط وليس هذا مما ~~يوجب الاختلاف بعد أن يكون ms641 كل واحد علة ومما اعتمده الأصولين في جواز تخصيص ~~العلة هو أن العلة الشرعية أمارة بوجدها في بعض المواضع من دون حكمها لا ~~يخرجها عن كونها أمارة لأن الأمارة ليس يجب وجود حكمها معها على كل حال ~~وإنما الواجب أن يكون الغالب مواصلة حكمها معها وليس يبطل هذا الغالب بتخلف ~~حكمها عنها في بعض المواضع. # والدليل عليه أن وقوف مركب القاضى على باب الأمير أمارة لكونه في دار ~~الأمير ولا يخرجه عن كونه أمارة على ذلك أن لا يكون القاضى في بعض الحالات ~~في دار الأمير ويرى مركوبه على بابه. ألا ترى أنا نرى مرة مركوب القاضي على ~~باب الأمير ولا يكون القاضي هناك فإن رأينا مرة أخرى مركوبة على باب الأمير ~~غلب على ظننا كونه في داره ولم يمنع تخلف المرة من وجود الظن وغلبته وكذلك ~~الغيم الرطب في الشتاء أمارة للمطر وقت يخلف في بعض الأحايين ولا يدل ~~إخلافه في بعض الأحايين PageV02P187 # أو ليس بأمارة. # قال أبو زيد في تقويم الأدلة: زعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل ~~الخصوص نقضا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا ~~حكم معه وهذا غلط لغة وشريعة وإجماعا وفقها أما اللغة فلأن النقض اسم لفعل ~~يرد فعلا سبق على سبيل المضادة كنقض البيان ونقض كل مؤلف ونقض العقد كل قول ~~بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم. ألا ترى: أن نقض الخصوص العموم ~~ونقيض النقض البناء والتأليف وأما الشريعة فلأن التناقض غير جائز على ~~الكتاب والحجج كلها والخصوص جائز على عموم النص فتبين أنه لم يكن دخل تحت ~~الجملة ولم يرد به في الابتداء ألا ما بقى بعد الخصوص إلا أنه نقض بعد ~~الثبوت. # وأما الإجماع فلأن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف ~~القياس فخص النص عن موجب القياس ولولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك ~~والشافعى يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولا بها عن القياس. # وأما الفقه فلما ذكرنا أن المعلل ms642 ما ذكر شيئا غير أن سماه علة ويمكنه ~~الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن يضيف العدم إلى مانع ودليل ~~قام عليه دون فساد العلة وإنما عبروا عن هذا وقالوا إذا علمنا وصفا من جملة ~~المنصوص أنه علة ثم وجدناه في موضع ولا حكم معه فعلم ضرورة أن مانعا يمنع ~~من الحكم وهذا كما أن ما يضاد العبادات وجدناه مبطلا للعبادة ثم إنا وجدنا ~~أكل الناسى وهو مضاد للصوم لا يبطل الصوم علمنا ضرورة أن مانعا منعه من ~~العمل وكذلك وجدنا بيع من هو من [أهل البيع مزيلا للملك] 1 من البائع فإذا ~~وجدنا بيعا فيه خيار البائع ولا يزيل الملك مع [ ### | .... # ] 2 محله علمنا ضرورة أن مانعا منعه من العمل. # ببينة: أنا نرى [فى العلل المحسوسة أنها] 3 توجد ولا يوجد الحكم لمانع ~~لها من العمل فإن النار علة الاحتراق والنار توجد ولا إحراق لمانع منعها من ~~العمل فإن النار لم تحرق إبراهيم صلوات الله عليه وكذلك لا تحرق الطلق4 ولا ~~يحرق الذهب والفضة فإذا PageV02P188 # جاز هذا في العلل الحسية فلأن يجوز في العلل الشرعية أولى. # وأما دلائلنا في منع تخصيص العلة فنبدأ بما ذكره الأصوليون من المتكلمين ~~قالوا: معنى قولنا لا يجوز تخصيص العلة هو أن تخصيصها يمنع من كونها أمارة ~~وطريق إلى الحكم وإذا بينا أن تخصيصها يمنع من كونها طريقا إلى الحكم فقد ~~تم ما أردناه. # وبيان أنه يمنع: أنا إذا قلنا علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا كونه ~~موزونا. # قلنا: إن بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا لا يجوز مع وجود الوزن فالقائل لذلك ~~لا يخلو إما أن يقول نص أو يقول ذلك بعلة تقضى إباحة هى أقوى من علة بتحريم ~~بيع الذهب بالذهب. # فإن قال علمت ذلك بعلة وهى أنى أقيس الرصاص على أصل مباح. # فيقال له: بأي معنى تقيس فإن ذكر وصفا من أوصاف الرصاص وقاسه على سائر ~~الأصول التي يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا فإنا إنما نعلم حينئذ حرمة بيع ~~الذهب باذهب ms643 متفاضلا بالوزن وبعدم ذلك الوصف الذي جعله علة للإباحة فتبين ~~أنا نعلم بعد التخصيص أنا لا نعلم تحريم شئ بكونه موزونا فقد وأنت جعلت ~~العلة هي الوزن فإن قال: الخصم الأمر كما قلتم غير أنى لا اشترط نفى ذلم ~~الوصف في كون الوزن علة يقال: له سلمت أن العة ليست هى الوزن فقط فهو الذي ~~نريده فإنه لابد من اعتبار نفى وصف آخر. فنقول لك: هلا اشترطت نفى ذلك ~~الوصف؟ فإنك إذا لم تشترط أوهمت أن العة هي الوزن فقط وقد سلمت فساد كون ~~ذلك علة فقط. # فإن قال: أنا لا أشترط غير أن لا أسمية جزءا من العلة وإن كان التحريم لا ~~يحصل بدونه. # يقال له: قد ناقضت في هذا الكلام لأنك قد اشترطته في التحريم. ثم نقضت ~~ذلك بقولك لا أسمية جزءا من العلة مع أنك وافقت في المعنى وخالفت في الاسم. # فإن قال: علمت إباحة بيع الرصاص بنص # يقال له: هل علمت علة إباحته. فإن قال: علمت فالقول في ذلك قد تقدم وإن ~~قال: لا أعلم علة إباحته. فمعلوم أن علة ذلك مقصورة على الرصاص لا يتعداه ~~لأنها لو تخطته لوجب في الحكمة أن ينصب الله تعالى علمنا على ذلك. لنعلم ~~ثبوت حكمها فيما عدا الرصاص وإذا كان كذلك لم يعلم تحريم بيع الذهب بالذهب ~~إلا لأنه موزون وأنه ليس برصاص. فيبطل بهذا الوجه أيضا أن تكون العلة هى ~~الوزن فقط فثبت أن # PageV02P189 # التخصيص يخرج العلة عن كونها أمارة والذى يبين هذا أيضا أن الإنسان لو ~~استدل على طريقة في برية بأميال منصوبة ثم رأى ميلا لا يدل على طريقه وعلم ~~أنه لا يدل على طريقه لأنه أسود. فإنه لا يستدل بعد على طريقه بوجود ميل ~~دون أن يعلم أنه غير أسود فقد صح بما أردناه أن تخصيص العلة يخرجها عن ~~كونها أمارة على الحكم ثم الذي يؤيد صحة هذه الطريقة العلل العقلية فإن ~~تخصيصها لا يجوز بالإجماع والعلل الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل. فلما ~~لم ms644 يجز تخصيص العلة العقلية كذلك العلة الشرعية. # فإن قالوا: إنما لم يجز تخصيص العلة العقلية لا لإن الدلالة دلت على ~~تعليق الحكم بها بل لأنها موجبة بنفسها فلا يجوز أن لا يتبعها حكمها إذا ~~وجدت وأما العلة الشرعية أمارة والأمارات يتبعها حكمها وقد لايتبعها. # قالوا: ولا نسلم أن العلة الشرعية مع الشرع كالعقلية مع العقل [ويمكن] 1 ~~أن يجاب عن هذا فيقال: إن العلل الشرعية موجبة أيضا مثل العلل العقلية ولا ~~فرق عندنا [بين] 2 العلل الشرعية والعلل العقليه. فإن العلة قط لا تكون علة ~~بنفسها إنما تكون علة بالشرع ولولا الشرع لو لم يعرف ثبوت [شيء و] 3 لا ~~انتفاؤه ولا تحليل شئ ولا تحريمه بالعقل بحال وعلى قول من يقول: إن العقل ~~موجب يقال: لهذا السائل أيضا إنكم تقولون إن الشرائع مصالح والعلل الشرعية ~~وجوه المصالح ووجوه المصالح موجبات أيضا فلا يجوز تخصيصها أيضا كما سلمتم ~~من العلل العقلية. # وقد قال الأصحاب: إن العلل الشرعية وإن صارت عللا بالشرع إلا أنها بعد ما ~~صارت عللا بمنزلة العقلية في وجوب الحكم بوجودها فوجب أن تكون بمنزلتها في ~~أن تخصيصها يوجب فسادها. # دليل آخر: وهو أن العلة طريق في إثبات الحكم في الفرع فإنا إذا علمنا أن ~~الوصف علة الأصل ودل الدليل على التعبد بالقياس. فإن الوصف يكون طريقا إلى ~~العلم بحكم الآخر لأن طريق العلم بالشئ أو الظن له لا يجوز حصوله في أشياء. ~~فيكون طريقا إلى العلم أو الظن بأحدهما ولا يكون طريقا إلى ذلك في الآخر ~~والدليل PageV02P190 # على أن الطريق لا يختلف فإن من ظن أن زيدا في الدار بخبر رجل بعيد من ~~الكذب. فإنه لا يجوز أن يخبره ذلك الرجل بكون عمرو في الدار. ثم لا يظنه ~~صادقا وإذا وجب ذلك في الأخبار فلأن يجب ذلك في الأمارات التي دل عليها ~~الدليل أولى. # دليل آخر ثالث للفقهاء وهو: أن وجود العلة مع عدم حكمها مناقضة والمناقضة ~~من آكد ما يفسد به العلة لأنه يفضى إلى العبث ms645 والسفه. # والدليل على أن هذا مناقضة أن العقلاء يعدونه مناقضة مفسدة حتى العوام ~~منهم لأن قائلا لو قال: سامحت فلانا لأنه بصرى ثم لم يسامح غيره من ~~البصريين يقول له الخواص والعوام زعمت أنك سامحت فلانا لأنه بصر فهذ بصري ~~فهلا سامحته؟ # فإن قيل: لو اعتذر عن هذا فهلا سامحته فإن قيل: لو اعتذر عن هذا وقال: لم ~~أسامح فلانا وإن كان بصريا لأنه عدوى صح عذره ولم يكن لأحد أن يلزمه نفى ~~اللعداوة في غلبة الأولى. قيل له: يجوز أن يلزم ذلك. فيقال: هلا قلت سامحت ~~فلانا لأنه بصري ولأنه صديقي. # فإن قيل: [العلة] 1 المؤثرة لا يتصور انتقاضها. قلنا: إذا ورد عليها ~~النقض دل أنها ليست بمؤثرة. # فإن [قالوا: إن الحكم] 2 في صورة النقض ثبت بخلاف هذا الحكم بعلة أخرى لا ~~بهذه العلة قلنا: وإذا [ ### | .... # ] 3 علة أخرى من علة والانتقال من علة إلى علة أمارة ضعف [الحكم ### | .... # جواز] 4 صوم غير رمضان بالنية قبل الزوال وقال صوم يتأدى بنية متقدمة على ~~وقت الشروع فيه فيتأدي بنية متأخره عن وقت الشروع فيقال بنتقض بالقضاء فمن ~~يقول بتخصيص العلة يقول في القضاء منع مانع من الجواز # فإذا قيل له: ما المانع؟ يقول: المانع هو أن الإمساك موقوف على الصوم ~~المشروع في ذلك الوقت وهو النفل فلا يجوز رد تنفيذه على صوم آخر بخلاف صوم ~~رمضان فإنه يوقف الإمساك على الصوم المشروع فيه وهو صوم الفرض. فيجوز ~~تنفيذه عليه وهذه علة أخرى سوى العلة الأولى وقد تطلب هذه العلة. فمن ارتكب ~~مثل هذه المناقضة PageV02P191 # ولم يبال بمثل هذا الانتقال. قلنا: من ضعفه على ضعف غيرته وقلة تصيرته في ~~معنى الفقه والجملة أن النقض لا يلزمه إلا الضعف. # وقد قيل: أيضا إن من لم يبال بانتقاض علته يلزمه القول بتكافئ الأدلة وهو ~~ساقط بالاتفاق. # وبيان ذلك: أن من قال في محاولة تحليل النبيذ هو مائع فيحل شربه كالماء ~~والمعلل غير مبال بلزوم الخمر نقصا لأنه يقول بتخصيص العلة فللمعترض أن ms646 ~~يقول مائع فيحرم كالخمر ولا يبالى بالنقض بالماء لأنه يقول بتخصيص العلة ~~فيتكافأ الدليلان وليس أحدهما بأولى من الآخر وقد اعترضوا على هذا وقالوا ~~بطلان هذين التعليلين إنما كان لوقوعهما طردين خارجين عن مسلك المعانى ~~والأشباه المعتبرة والنطق بمثل هذا باطل. # ونحن نقول: إنما قلتم معنى مبطل وما قلناه أيضا معنى مبطل فبطلت العلة من ~~وجهين. وقد قال: أصحابنا إن القول بتخصيص العلة يؤدى إلى ما ذكرناه من ~~تكافئ الأدلة يؤدى أيضا إلى أن يتعلق بالعلة الواحدة حكمان متضادان وذلك ~~أنه إذا وجدت العلة في أصلين واقتضت التحليل في أحدهما دون الآخر لم ينفصل ~~من علق عليهما التحليل في الفرع اعتبارا بأحد الأصلين ممن علق عليها ~~التحريم في ذلك الفرع اعتبارا بالأصل الآخر فيتكافأ الدليلان ويستوى ~~القولان وهذ لا يجوز وفى المسألة كلام كثير ونحن رأينا الاعتمادد على هذه ~~الدلائل الثلاثة وهى أقوى ما يعتمد عليها وقد أيد ما قلنا قول الله تعالى: ~~{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] والنقض ~~من الاختلاف فدلت المناقظة على أن الدليل ليس من عند الله تعالى وما لا ~~يكون من عند الله لا يكون حجة في حكم الجواب # قلنا: أما قولهم: إن العلل الشرعية أمارات بجعل جاعل. # قلنا: من تعنى الجاعل إن عنيت المعلل فلا نسلم أنها صارت علة بجعل ~~الجاعل. # بل هى علة شاء المعلل أم أبى وقد يقصد المعلل إثارة حكم فيظهر العلة ~~المؤثرة بغير ذلك الحكم وإن عنيت بجعل الشرع فمن أين لكم أن الشرع جعل هذا ~~أمارة في موضع دون موضع؟ ثم نقول: الأمارة المعتبرة لنا الحكم عليها ~~الأمارة اللغوية للظن وبالنقض يذهب قوة الظن أو يقال: هو أمارة بشرط أن لا ~~ينتقض كما هو أمارة بشرط أن لا يعارضها نص كتاب أو نص خبر وأما تعلقهم ~~بالعلة المنصوبة قلنا: من # PageV02P192 # أصحابنا من قال: لا يجوز تخصيص العلة المنصوص عليها1 لا يجوز تخصيص العلة ~~المستنبطة ومتى وجدناها مع عدم الحكم علمنا أنها بعض العلة غير ms647 أنا لا ~~نقول: إن العلة الشرعية منقوضة لأن الشرع لا تناقض في كلامه فإذا كان ~~مخصوصا علمنا أنه لم ترد كل العلة وأما المعلل يجوز أن يناقض. فإذا أطلق ~~التعليل ودخل التخصيص وهو مناقضة كما بينا علمنا أن ما ذكره ليس بدليل أصلا ~~إن سلمنا أن تخصيص العلة التي نص عليها يجوز ولا يجوز تخصيص العلة ~~المستنبطة فالفرق بينهما أن العلة المنصوصة دليل صحتها النص فحسب وقد وجد ~~فصحت وأما العلة المستنبطة فدليل صحتها التأثير أو الجريان على ما سبق ~~وبالتخصيص بطل الجريان ويبطل التأثير أيضا لأنه تبين أنه ليس بأمارة أو ~~تبين أنه لا يفيد قوة الظن وإنما صارت العلة علة لقوة الظن فإذا فات الظن ~~فاتت العلة. # وأما كلامهم الذي اعتمدوا عليه: قلنا: لا ننكر أن توجد الأمارة في بعض ~~المواضع من غير حكمها لكن إذا علمنا انتفاء حكمها في بعض المواضع العلة من ~~العلل شرطنا في كونها أمارة انتفاء تلك العلة وانتفاء الموضع الذي لم يوجد ~~حكم العة فيه حكمها ولا يكون العلة المذكورة طريقا إلى الحكم إلا إذا علمنا ~~انتفاء ما شرطنا انتفاؤه وعلى أن بطلان العلة لمكان التخصيص أثبتناه بوجود ~~المناقضة في كلامه أو لفوات التأثير الذى هو المعتمد في صحة العلة وفى ~~المواضع التي استشهدوا بها في الحسيات ليس الموجود بكلام حتى يكون مناقضا ~~وأما على قولنا: إن التأثير يفوت بالتخصيص فإنما أردنا بالتأثير قوة الظن ~~وكذلك نقول في تلك المواضع إن قوة الظن تفوت خصوصا إذا تكرر رؤية دابة ~~القاضى على باب الأمير من غير أن يكون القاضى ثم وكذلك إذا تكرر وجود الغيم ~~ولا مطر والإشكال مع ما قلناه قائم لأنه تمكن دعوى زوال الأمارة في الغيم ~~الرطب وفي الموضع الآخر بوجود الإخلاف مرة أو مرتين فكذلك في مسألتنا وجب ~~أن لا تزول الأمارة بوجود التخصيص في موضع أو موضعين إلا أنا نقول: لابد أن ~~تضعف الأمارة بما ذكرنا ولابد من توفر القوة من كل وجه لأن هذا ظن يثير ~~حكما شرعيا ms648 فلا بد من بلوغه نهاية القوة وأن لا يتوهم في الظن قوة وراء ~~قوته حتى يصح تعليق الحكم الشرعى به وذلك بوجود الإطراد حتى لا يخلف هذه ~~الأمارة في موضع ما. فإذا اختلف لم يتوفر للحكم القوة من كل وجه وهذا جواب ~~حسن PageV02P193 # اعتمدته وهو بمحل الاعتماد. # فإن قال قائل: أليس أنكم لم تجعلوا الإطراد على صحة العلة. # قلنا: الدليل الأصلى في صحة العلة هو التأثير إلا أن الإطراد شرط لما ~~ذكرنا وهو أولا يضعف الظن فوجب ترك تعليق الحكم به وأما الذى ذكره أبو زيد ~~فليس فيه كبير دليل. # وقد بينا دلائل سوى ما ذكرناه وبينا وجه تأثير التخصيص في العلة [وأنا ~~نقول: إن تخصيص العام المطلق لا يجوز كما لا يجوز تخصيص العلة المطلقة أن ~~كل واحد منهما دليل] 1 والذي تعلق به من جواز تخصيص العموم. # فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن تخصيص العام من أدلة الشرع ~~والدليل إذا اختلفت عدالته بطلت شهادته وإنما يجوز تخصيص العام المقيد ~~ويتبين عند وجود علم التخصيص أنه كان مقرونا في الابتداء ولا يكون ذلك نقضا ~~لدلالته وإنما كان النقض أن يقال: كان مطلقا مقيدا. وهذا الجواب فيه نظر ~~على المذهب. # والجواب الثاني: إن لفظ العموم لفظ لغوى يجوز أن يشتمل على كل ما يصلح أن ~~يكون أسما له ويجوز أن يشتمل على بعضه. # ألا ترى: أن أهل اللغة يستعملون ذلك على كلا الوجهين ولهذا نقول إذا ورد ~~في الابتداء لابد من النظر في الأدلة. ثم إذا لم نجد مخصصا يعتقد عمومه ~~فصار اللفظ العام محتملة لا يستقر قرار المراد بنفسه إلا بعد السير والنظر ~~في الأدلة فلم يمتنع بذاته على المخصوص به. # واما المعنى فشئ له مقصود خاص. فمتى قام الدليل على صحته بالتأثير استقر ~~المراد به. فلا يجوز أن يختلف المعنى المؤثر وهذا اختلف تغيرت صفته وأذا ~~تغيرت صفته تغيرت سمته. وعندي أن الجواب بحرف واحد وهو أن العام كان حجة ~~فيما يتناوله بنفس تناول اللفظ له ms649 وذلك التناول فيما وراء المخصوص لا يبطل ~~بالتخصيص وأما PageV02P194 # العلة كانت حجة بالتأثير المفيد لقوة الظن وهذا يبطل ويفوت بالتخصيص وعلى ~~هذا يظهر الجواب عن العلة المنصوصة أيضا لأن صحتها بالنص لم يضره التخصيص ~~الواقع عليه. # وأما المستنبطة فصحتها بالتأثير وشرطها الجريان لئلا تضعف قوة الظن ~~الواقع بها فيمتنع تعليق الحكم به وعلى أن طائفة من أصحابنا سووا بين ~~العلتين في المنع من التخصيص وعلى التسليم قد ظهر الجواب ظهورا قويا وقد ~~سلم أبو إسحاق المروزى وأبو العباس بن القاص وفرقا بشئ طويل على ما هو سمت ~~كلام المتقدمين وحرف الجواب ما قدمنا وفيه بلاغ ومقنع. # وقد قال بعضهم: إن الشافعى في إنكاره تخصيص العلة مناقض لأنه قال بتخصيص ~~العلة في مسائل كثيرة: منها أنه يقول: إن الواجب على متلف اللبن مثله قياسا ~~على إتلاف كل ماله مثل. ثم خص هذا الأصل في المصراة فأوجب في اللبن ~~المستهلك فيها صاعا من تمر ومنها: أنه علل تحريم الخمر للشدة وقاس عليها ~~تحريم النبيذ وللخمر ثلاث أحكام التحريم والتفسيق والحد وطرد علته في الفرع ~~في الحد ولم يطرد في التفسيق. فإنه لم يرد شهادة شارب النبيذ ولم يحكم ~~بفسقه وأيضا فإنه خص علة الزنا في مسألة العرايا. # وجوز العقد من غير وجود المماثلة كيلا أو كذلك قد خص ضمان الجنين بالغرة ~~مع مخالفته سائر أجناسه وكذلك الدابة على العاقلة خص من بين المواضع ولا ~~يوجد لها نظير في موضع ما وأمثال هذا كثير وما زال الفقهاء يقولون خص بموضع ~~كذا بدليل كذا وقل ما يوجد أصل من أصول الشرع لم يخص منه موضع. # والجواب وبالله التوفيق: أنا لا ننكر وجود مواضع في الشرع وتخصيصها ~~بأحكام تخالف سائر أجناسها بدليل شرعى يقوم عليه في ذلك الموضع على الخصوص ~~فيقال إنه موضع يمتاز من سائر المواضع يختص بالحكم من غير أن يتعرض لع معنى ~~أصلا فيكون ذلك مسلما لذلك الدليل ولا يصدم أصل ولا يصدم هو أصلا ولا يطلب ~~له معنى قبل ما يطلب ms650 سائر المواضع وهذا مثل عوض اللبن في المصراة ومثل ~~مسألة الميزابنه ومسألة تحمل العقل ومسألة الجنين وأمثال هذا فكما لا يقول ~~أنه يقاس عليها من غيرها المواضع بمعنى لا نقول أنه تخصيص به أصل عرف بمعنى ~~والقول الملخص في الباب: أن ما تخص به العلة المعنوية إذا عرف معناها ولابد ~~للمخصص من فارق معنوى من # PageV02P195 # الموضعين فهذا التخصيص ممنوع منه لأنه إذا افترق الموضعان بعلة معنوية ~~مؤثرة في التفريق تبين لنا أن المعلل في نصبه العلة التي خص منها هذا ~~الموضع لم يستوف الحجة ولم يكمل نظره في بيان العلة لأنه لم يكن له غير ~~استثناء المعنى الذى خص به الموضع المذكور ونظيره من جعل الوزن علة ~~بانفراده في تحريم النساء ثم قال: يجوز أن يسلم الدراهم في الزعفران ~~والحديد والرصاص وبين معنى مؤثرا في جواز ذلك خص هذا الموضع في الجواز مع ~~وجود الوزن في الجانبين فحين ذكرنا معنى مؤثرا في جوازه دل أنه بجعله مجرد ~~الوزن علة لم يستوف النظر ولم يدرك تمام الحجة وكذلك من جعل الطعم علة في ~~تحريم الربا ثم قام للدليل أن الطعم مؤثر مع الجنس حتى أن الحنطة بالشعير ~~يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع وجود علة الطعم فيها دل أنه لم يستوف ~~النظر فإن لم يبين المعلل معنى مؤثرا في الجنسين فنبين عند ذلك أن الجنس ~~محل وشرط وليس بعلة وكذلك نقول وقد ذكرنا في مسألة علة الربا إنه لا تأثير ~~للجنس بوجه ما وأن التأثير للطعم على الخصوص فمن عرف الأصل الذى قد بيناه ~~سهل له الكلام هذا لأن التخصيص عمله في تفويت قوة الظن بالأمارة وإنما يفوت ~~مثل ما يستند المخصوص منه إلى معنى فأما إذا لم يستند إلى معنى أصلا فلا ~~يفوت بذلك قوة الظن وهذا مثل من يقول إن اللبن من ذوات الأمثال لأن المثل ~~أعدل الواجبين وكونه أعدل منه للقيمة لا يشكل على ناظر فبأن استثنى لبن ~~المصراة من هذا الأصل بنص خصه لا يفوت قوة الظن ms651 في سائر المواضع وكذلك إذا ~~قلنا: إن غير الجانى لا يوجد بضمان الجناية فإذا خص هذا الأصل بإيجاب الدية ~~على العاقلة وتحميلهم إياها وسلم ذلك النقض لا يفوت قوة الظن في سائر ~~المواضع وعلى عكس هذا إذا قال: إن الوزن علة الربا ثم قال: إسلام الدراهم ~~في الموزونات تجوز ورام التفريق بين الوزن والكيل في أن الكيل بانفراده ~~يحرم النساء والوزن بانفراده ولا يحرم النساء في هذه الصورة وفرق بما ذكروا ~~من أن الوزن في أحدهما يشبه الكيل والوزن في الآخر لا يشبه الكيل أو قال: ~~إن الوزن في أحدهما وزن الأثمان وفى الآخر وزن المثمنات ثم كان قد جعل أصل ~~الوزن علة فعلى القطع نعلم أنه يزول قوة الظن في كون الوزن علة وقد ذكر ~~بعضهم الكتابة الفاسدة في مسألة البيع الفاسد من هذا الجنس وقال: إذا قلنا: ~~إن البيع الفاسد ليس بسبب شرعى فلا يفيد الملك الشرعى فإذا ألزم الخصم عليه ~~الكتابة فيقال للملزم أتعرف بخروج الكتابة الفاسدة عن قاعدة المعانى أم ~~تدعى جريانها على سمت المعاني؟ # PageV02P196 # فإذا ادعى جريانها على المعنى فلا شك أنه لا يمكنه الوفاء به وإن سلم ~~أنها خارجة على قاعدة المعانى الشرعية وصار يطلب فارقا معنويا بين البيع ~~الفاسد والكتابة. فقال للمعلل: إن النقض إنما يلزم المعلل من جهة أنا ~~نطالبه بطرد المعنى في كل موضع يوجد فيه فإذا سلمت أن النقض خارج حائد عن ~~مسلك المعانى لم يدخل على الأصل المعنوى ولم يبطل به ذلك المعنى ولا فات به ~~قوة الظن وهذا مثل إيجاب الدية على العاقلة لا يرد نقضا على الأصل الذى ~~قلناه من قبل وهذا لأن الشاذ لا يورد نقضا على الأصول الكلية بل يترك الشاذ ~~على شذوذه ويحكم بخروجه عن المنهاج المستقيم على قواعد الشرع بدليل دل على ~~ذلك ولا يحكم بمصادمته أصلا كما لا يحكم بمصادمته أصل أياه وعلى هذا مسألة ~~المزابنة وجعل الخرص سببا لمعرفة المماثلة والخلاص به عن الربا وعلى هذا ~~مسألة الجنين وإيجاب الغرة من ms652 غير أن يعرف للجنين حياة ومن غير أن يبلغ ~~بالواجب ضمانات النفوس ومن أحكم ما قدمناه سهل عليه الخروج عن مثل هذه ~~المسائل واعلم أن هذه المسائل ليست ترد على الأصل الذى قدمناه وقد اختار ~~أبو زيد في هذه المسائل جواز القول بتخصيص العلة واستدل بما قدمناه ثم سأل ~~على نفسه سؤالا فإن قيل: لو جاز القول بتخصيص العلة ما اشتغل أهل النظر ~~بالجواز من النقوض كما في العمومات ولاكتفوا بقولهم كانت علتى توجب كذبا ~~فخصصها بدليل وبالإجماع لا يكتفى بذلك وأجاب وقال: إنما لم يكتفوا لأن ~~دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأى ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم ~~معه واحتمل عدم الحكم لفساد العلة واحتمل لمانع ولم تثبت جهة الانعدام ~~لمانع بنفس الدعوى حتى تقيم عليه الدلالة بإظهار المانع في تلك الحادثة دون ~~هذه وأما النظر فلا يحتمل الغلط فلا ينبغى لإنعدام الحكم مع وجود النص إلا ~~الخصوص الذى يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى أن يثبت هذا الوجه ثم قال: وفرق ~~ما بيننا وبينهم في الخروج عن المناقضة أنا خرجنا عن المناقضة بمعنى فقهى ~~وهم خرجوا بلفظ سمعى إلا أن الدفع باللفظ يسير لآنه ظاهر محسوس والمعنى عسر ~~لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر الميسر ولعمرى لو أنصفوا ~~وعدلوا أنفسهم على ترك المعنى الفقهى بسبب الحرج الذى يلحقهم لشكروا من ~~تحمل المشقة وجاهد هواه حتى وصل إليه وذكر في هذا كلاما طويلا ولا حاجة ~~إليه ونحن قد بينا الدلائل المعتمدة في منع تخصيص العلة فيبقي أن يكون ~~الكلام على ذلك والله أعلم. # PageV02P197 ### | فصل: ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم يثبت الحكم فيها في الاصل # ... # "فصل" # قد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أنه يجوز تعليل الحكم بالعلة التي لم بثت ~~الحكم فيها في الأصل قالوا كما يجوز أن يثبت الحكم في الأصل بالنص ويستخرج ~~معنى من الأصل ويعدى إلى الفرع وهذا مثل من يقول في أن الشهادة على السرقة ms653 ~~لا تقبل عند تقادم العهد بأنه حد من حدود الله تعالى كحد الزنا وليست العلة ~~في الأصل هذا لكن العلة في الأصل توهم الطعن في شهادتهم لأنهم لما لم ~~يشهدوا فقد اختاروا الستر فإذا شهدوا بعد ذلك فالظاهر أنه حملهم على ذلك ~~طعن وهذا لا يوجد في البينة على السرقة لأنه لا بد من الدعوى ولكن قاسوا ~~السرقة على الزنا في المعنى الذي يثبت به الحكم في الأصل. # وأما عندنا فالتعليل بمثل هذا باطل لأن إقامة الدليل على صحة العلة لابد ~~منه على ما سبق من قبل ولا يمكن إقامة الدليل على صحة هذه العلة لأن ~~التأثير لا يوجد بحال فإنه إذا لم يمكن الحكم به ثبت في الأصل بتلك العلة ~~فكيف يوجد تأثيرها ولا يجوز أن يستدل على صحتها بفساد ما عداها لأن العلة ~~الأخرى صحيحة لم يفسد ما عداها ولا يمكن أن يستدل على صحتها عليها بأن ~~الحكم يوجد بوجودها في الأصل وينتفى بانتفائها لأنا نعلم أنها لو وجدت في ~~الأصل بدون العلة الأخرى لم يثبت لها الحكم وإذا لم يثبت لها الحكم لم ينتف ~~بانتفائها فدل أنه لا دليل على صحة العلة وإذا لم يدل الدليل على صحتها ~~فبطل بهذا الوجه والله المعين بمنه. # PageV02P198 ### | فصل: وجوه الاعتراض على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك # ... # "فصل" # وحين ذكرنا في العلل وأوردنا ما يصح منها نذكر الآن: # وجوه الاعتراض الصحيح على العلل الشرعية ووجوه الفاسد من ذلك: # اعلم أن العراقيين من أصحابنا ذكروا أن ما يعترض به على القياس من وجوه. # أحدها: الاعتراض بأن الحكم الذي نصبت له العلة لا يجوز إثباته بالقياس. # الثاني: الاعتراض عليه بأن ما جعله أصلا لا يجوز أن يكون أصلا. # والثالث: الاعتراض بأن ما جعله علة لا يجوز أن يكون علة. # والرابع: الاعتراض بالممانعة في الأصل. # PageV02P198 # والخامس: الاعتراض بالممانعة في الوصف. # والسادس: الاعتراض بعلة تصحيح العلة. # والسابع: الاعتراض بالقول بموجب العلة. # والثامن: الاعتراض بعدم التأثير. # والتاسع: الاعتراض بالنقض. # والعاشر: الاعتراض بالكسر. # والحادى عشر: الاعتراض ms654 بفساد الوضع. # والثانى عشر: الاعتراض بالقلب. # والثالث عشر: الاعتراض بالمعارضة. # قالوا: إن أول ما يبدأ به السائل من الاعتراض أن ينظر في المختلف فيه هل ~~يجوز إثباته بالقياس فيمنع من القياس إن كان لا يجوز أثباته بالقياس ثم ~~ينظر في الأصل هل يجوز أن يعلل ثم ينظر في العلة هل يجوز أن يكون مثله علة ~~ثم يذكر الممانعة في الأصل إن لم يكن ملما ثم يطلب تصحيح العلة في الأصل ثم ~~يقول بموجب العلة إن أمكنه ثم ينقض ومن الناس من يقدم النقض على موجب العلة ~~ثم يأتى على ما بقى من عدم التأثير والكسر وفساد الوضع ثم يأتى القلب ~~والمعارضة. # قالوا: وإن خالف ما ذكرناه وبدأ يغير ما قلناه جاز وإن كان قد ترك الأحسن ~~إلا في الممانعة والنقض فأنه لا يجوز أن ينقض ثم يمانع لأن التناقض يعرف ~~بوجود العلة وأما المانع فيمنع وجود العلة فإذا مانع بعد المناقضة فقد رجع ~~فيما سلم وهذا لا يجوز ثم قد ذكروا لكل واحد من هذه الاعتراضات أمثلة ثم ~~نذكر طرفا من ذلك فذكروا في وجه الاعتراض بان المختلف فيه لا يجوز إثباته ~~بالقياس أمثلة: # منها: أن يستدل على أمر طريقة العادة والوجود بالقياس. # ومنها: إثبات اللغة بالقياس وعلى هذا قول بعض أصحابنا1. PageV02P199 # وقالوا: مثال الأول من يعلل في أن التسمية من الفاتحة أو يعلل لنفيها من ~~الفاتحة. # ومثال الثانى: إثبات الحيض للحامل بالقياس. # ومثال الثالث: إثبات اسم الخمر للنبيذ وإثبات اسم السارق للنباش. # وقال بعض أصحاب أبى حنيفة: إن التعليل لإثبات كون الفراق والسراح1 صريحين ~~تعليل لإثبات اللغة بالقياس ولا يصح وكذلك التعليل لإثبات أصل مثل المساقاة ~~لا يصح لأن الأصول لا تثبت بالقياس وكذلك قالوا: إن الحدود والكفارات لا ~~يجوز إثباتها بالقياس وكذلك الأبدال لا يجوز إثباتها بالقياس مثل استدلال ~~الشافعى رضى الله عنه أن المحصر ينتقل إلى الصوم عند عدم الهدى. # ونحن نقول في الأول وهو مسألة الفراق والسراح أن التعليل لإثبات حكم ~~بالقياس PageV02P200 # والحكم هو وقوع الطلاق ms655 بهذا اللفظ من غير نية. # ونقول في الثاني: إن إثبات الأصول والجمل يجوز بالقياس كما يجوز إثبات ~~التفاصيل. # وأما الحدود والكفارات فقد بينا الكلام فيها. # وأما الأبدال فعندنا يجوز إثباتها بالقياس إذا أمكن إثباتها على الشريطة ~~التي قلناها وقدمناها من قبل. # وأما الاعتراض بأن من قاس عليه لا يجوز أن يجعل أصلا. فمثاله: أن نقيس ~~على اصل منسوخ مثل صوم عاشوراء فإنه لا يجوز القياس عليه وكذلك إذا قاس غير ~~الرسول على الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك القياس على أصل مركب وقد ذكرنا ~~الكلام فيه وقد قال أصحاب أبى حنيفة: إن القياس على المخصوص من الأصل لا ~~يجوز وقد بينا من قبل جوازه إذا أمكن القياس عليه وذلك بأن عرف له معنى ~~يمكن قياس غيره به عليه وأما الاعتراض بأن يقول ما جعلته علة لا يجوز أن ~~يجعل علة فمثال هذا أن يقول جعلت الاسم علة أو جعلت الشبه علة. أو يقول: ~~جعلت صورة المسألة علة أو يقول جعلت نفى صفة علة أو يجعل الاختلاف أو ~~الاتفاق علة والصورة في هذه الأشياء معلومة. وأما مثال قولنا: إنه جعل ~~الاختلاف علة هو قول القائل في زكاة ما لا يؤكل لحمه حيوان مختلف في جواز ~~أكله فيطهر جلده بالذكاة كالضبع والتعليل للكلب. # وأما مثال جعل الاتفاق علة فهو مثال ما قاله الأصحاب في المتولد بين ~~الظباء والغنم حيوان منفصل من حيوان يجب فيه الذكاة بالإجماع فأشبه المتولد ~~بين السائمة والمعلوفة. # واعلم أما قد بينا من قبل أنه لابد من إقامة الدليل على صحة العلة. فكل ~~علة يمكن إقامة الدليل عليه بالوجه الذى قلنا فتلك العلة صحيحة وما لا فلا. # وأما الاعتراض بأن ما جعله حكما للعلة لا يجوز أن يجعله حكما فمثاله أن ~~نقول في حكم العلة فأشبه ولا يبق الحكم فيه. ومنها أن نقول: فاستوى ولا ~~يصرح بالحكم وقد أخبرنا اختلاف الأصحاب في هذا من قبل # وأما الاعتراض بالممانعة في الأصل فمثاله أن يقول القائل في موت أحد ~~المتعاقدين في ms656 الإجارة عقد على المنفعة فبطل بموت المعقود له كالنكاح. ~~فيقول السائل: لا نسلم أن النكاح يبطل بالموت بل يتم وقد يكون المنع بأحد ~~القولين للشافعى وبإحدى # PageV02P201 # الروايتين عن أبى حنيفة وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفه منع الأصل بالقياس ~~الذى يخالف الاستحسان على مذهب أبي حنيفة وهذا منع باطل لأن المذهب عندهم ~~هو الاستحسان والكلام في هذا الأصل يكثر وسنبين من بعد. # وأما الاعتراض بمنع الوصف فمثاله أن يقول القائل في الاستئجار على الحج ~~فعل يجوز أن يفعله الغير عن الغير فيجوز الاستئجار عليه1. فيمنع السائل ~~ويقول لا يجوز عندي أن يفعله الغير عن الغير # فإن الحج يقع عن النائب وكذلك قول القائل في الترتيب الوضوء عبادة يبطلها ~~الحدث فيكون التريب من شرطها. فيقول السائل: عندي لا تبطل الصلاة بالحدث ~~إنما تبطل الطهارة به ثم الصلاة تبطل ببطلانها. # وأما الاعتراض بطلب تصحيح العلة وهذا قد بينا من قبل وقلنا إن المطالبة ~~صحيحة وذكرنا وجه تصحيح العلة ومثاله قول القائل في تحريم النبيذ إنه شراب ~~مسكر ومشتد يدعو قليله إلى كثيره كالخمر فإذا طولب بتصحيح العلة وجب عليه ~~تصحيحها على ما عرف. # وأما الاعتراض بالقول بموجب العلة ومثال ذلك ما يقول الحنفى في مسألة بيع ~~الغائب عقد معاوضة فلا يبطل بعدم الرؤية وإنما يبطل بالجعالة وسنبين بعد ~~هذا في هذا الفصل ما يتصل به. # وأما الاعتراض على العلة بعدم التأثير. ومثاله ما نقول في الثيب الصغيرة ~~حرة سليمة ذهبت بكارتها بالجماع فلا يجوز نصر رضاها كالبالغة. فيقول ~~المخالف: ذهاب البكارة لا تأثير له في الأصول ألا ترى أن في المال وفى ~~الولاية على الغلام لا فرق بين الثيب والبكر وقد بينا أن إثبات العلة واجب ~~وسبيل المجيب أن يبين التأثير في مثال آخر وذلك قول القائل في الاستنجاء ~~أنه لابد فيه من العدد فيقول عبادة تتعلق بالأحجار لم يتقدمها معصية فوجب ~~فيها التكرار كرمى الجمار. # فيقول السائل: لا تأثير لقولك لم يتقدمها معصية لأن ما تقدمته معصية وما ~~لم يتقدمة معصية ms657 نحو باب العدد سواء. ألا ترى أن الاستنجاء لا فرق فيه بين ~~أن يتقدمه معصية أو لا يتقدمه معصية في أن العدد معتبر فيه عندكم. وكذلك في ~~رمى الجمار PageV02P202 # وقد عد المشايخ المتقدمون هذا السؤال في نهاية القوة وأبطلوا به العلة. ~~ونحن نقول إن مثال هذه العلل من نوع الطرديات والصور ولا يجوز تعليق الحكم ~~بها بوجه ما. وقد ذكر الجدليون في هذا النوع من السؤال كلاما كثيرا وكتب ~~الجدل مملوءة من ذلك ولم أر للإتيان بذلك كبير فائدة لأنا إذا قلنا بطرد كل ~~وصف لا يخيل في الحكم ولا يناسبه سقط أمثال هذه الأوصاف إذا دخلت في العلل. # وأما الاعتراض بالنقض فهو: أن توجد العلة في مسألة ولا حكم ومثاله: قول ~~القائل في مسألة الأجرة عقد على المنفعة فلا يجب فيه تعجيل العوض بنفس ~~العقد كالمضاربة فيقول السائل ينتقض بالنكاح وسنبين الكلام في النقض ~~وجوابه. # وأما الاعتراض بالكسر1 فقد سموه نقضا من حيث المعنى. ومثاله: ما يقول ~~القائل في بيع ما لم يره المشترى مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلا يصح ~~بيعه. دليله: إذا قال: بعتك عبدا. فيقول السائل ينكسر بالنكاح وذلك أن ~~يتزوج امرأة مجهولة الصفة عند العاقد ومع ذلك جاز النكاح. قالوا: والكسر ~~سؤال مليح والاشتغال به ينتهى إلى بيان الفقه. # وأما الاعتراض ببيان فساد الوضع فهو أن يتعلق بما يوجب التخفيف تغليظا ~~وبما يدل على التغليظ تخفيفا. ومثاله: قول الحنفى في قتل العمد إنه كبيرة ~~فلا يوجب كفارة كالرده. # فيقول السائل: علقت بها لحكم التخفيف وهو سقوط الكفارة وقد يذكر بلفظ ~~إفساده: ومثاله: قول الحنفى في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به نكاح النبى ~~صلى الله عليه وسلم فينعقد به نكاح أمته فيقول السائل هذا اعتبار فاسد لأن ~~الله تعالى خص النبى صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ. فقال تعالى: {خالصة لك ~~من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] فمن جمع بينه وبين غيره بالتعليل فسد ~~اعتباره لأنه تعليل منصوب لإبطال التخصيص الثابت بالقرآن. PageV02P203 # واما الاعتراض بالقلب: فمثاله ما ms658 يقول القائل في أنه يعتبر الصوم شرطا ~~لصحة الاعتكاف لبث في مكان مخصوص فلا يكون قربة بنفسه. دليله: الوقوف بعرفة ~~فيقلب السائل فيقول وجب أن لا يكون الصوم شرطا في صحته. دليله ما قاسوا ~~عليه. # وأما الاعتراض بجعل المعلول علة والعلة معلولا فمثاله: قول القائل في ~~ظهار الذمى من صح طلاقه صح ظهاره كالمسلم فيقول السائل لا يصح ظهار المسلم ~~لأنه صح طلاقة ولكن يصح طلاقه لأنه يصح ظهاره. # وأما الاعتراض بالمعارضة قالوا: قد يكون لعلة مبتدأة وقد يكون بالمعارضة ~~في علة الأصل. # فأما المعارضة بالعلة المبتدأة. فمثاله أن يقول القائل في إزالة النجاسة ~~بغير الماء طهارة تراد للصلاة فلا يصح بالخل كالوضوء فيعارض السائل فيقول ~~هذا معارض بمثله فأقول عين تصح إزالتها بالماء فيصح إزالتها بالخل كالطيب ~~عن ثوب المحرم. # وأما المعارضة في علة الأصل فتكون بالفرق ومثال هذا يكثر وقال بعض ~~أصحابنا: الفرق أفقه شئ يجرى في النظر وبه يعرف فقه المسألة فهذا الذى ~~ذكرناه جملة ما ذكره مشايخنا من وجوه الاعتراض على العلة وبعضهم يزيد ~~وبعضهم ينقص وقد نقلت على ما وجدت في الجدل الذى صنفه بعض المتأخرين وقد ~~استكثر الأصحاب في ذكر الأمثلة لهذه الأسؤلة ولا يعتقد صحة هذه الاعتراضات ~~فإن هذه اعتراضات أرباب الظاهر اقتنع بها من يقتنع بظاهر من الكلام وقل ~~وقوفه على حقائق المعانى ولابد من تنحل الأسئلة ووجوه الاعتراضات حتى يعرف ~~الصحيح من ذلك ويعرف الفاسد ويذكر وجه الجواب الصحيح من الأسؤلة ويذكر ~~الاعتراضات الفاسدة أيضا ووجه فسادها والله المعرف على ذلك والموفق له ~~بمنه. # PageV02P204 ### | فصل: اعلم أن الاعتراض على العلة ينقسم إلى الصحيح والفاسد # فالصحيح يكون بالممانعة وهى السؤال الأول ويكون بفساد الوضع ويكون ~~بالمعارضة ويكون بالمناقضة فهذه أربعة من وجوه الأسؤلة وهى أسؤلة صحيحة ~~وأحسنها سؤال الممانعة وسؤال المعارضة. # PageV02P204 # وأما المناقضة فقد قال كثير من المحققين أنه لا مناقضة على العلة المؤثرة ~~وكذلك فساد الوضع وسنبين وجه الكلام في جميع ذلك ونبين كيف يوجه ذلك. # أما الممانعة فاعلم أنها أوقع ms659 سؤال على المعلل وقيل: إنها أساس المناظرة ~~وبها يتبين الجواب والمجيب من السائل والملزم من الدافع والسائل منكر ~~فسبيله أن لا يتعدى عن دفع حجة الخصم عن نفسه ما أمكنه وعلى هذا ثبتت ~~الخصومة في الدعاوى الواقعة. # ثم الممانعة أقسام: # أولها: منع ما يدعيه الخصم أنه علة فإن من الناس من يتمسك بما لا يصح أن ~~يكون علة فيجعله عله وهذا مثال ما يتمسك المعلل بالطرد وقد بينا أن الطرد ~~لا يصلح أن يكون علة أو يتمسك بالنفى وقد ذكرنا أن النفى لا يصلح أن يكون ~~علة كذلك قول الحنفى في مسألة تبييت النية إنه صوم عين. فيقول السائل: إنه ~~صوم عين لكنه صوم فرض فيقول السائل: لم قلت: إن الصوم العين متى كان فرضا ~~يصلح أن يكون علة في هذا الحكم وكذلك من قال من أصحابنا في هذه المسألة: ~~إنه صوم فرض فيقول السائل: هو وإن كان صوم فرض ولكنه عين. فلم قلت: إن صوم ~~الفرض متى كان عينا يصلح أن يكون علة لهذا الحكم وكذلك من يعلل في نفى ~~الكفارة عن غير الوطء في الصوم. فنقول: إن الكفارة متعلقة بعين الجماع فلا ~~يشارك غير الجماع الجماع في إيجابها كالقضاء في الحج والحد فيمنع السائل ~~ويقول لا أسلم أن الكفارة متعلقة بعين الجماع وإنما هى متعلقة بإفطار كامل ~~لا بالجماع ومن ذلك قول القائل في مسألة الثيب الصغيرة ثيب يرجى مشاورتها ~~فيقول الخصم يرجى مشاورتها برأى قائم أو برأى يحدث أو بأيهما كان. فإن قال: ~~بأيهما كان يبطل بالمجنونة فإن حدوث رأيها غير مأيوس عنه وإن قال برأى قائم ~~لم يجد في الفرع ويتبين بهذا حرف المسألة فإن القاطع هو رأى قائم لا رأي ~~سيحدث من علة أو مانع لا يوجب حكما قبل الحدوث والرأى هو القاطع فلم يجز أن ~~يتعجل القطع على الرأي ونحن نجيب عن هذا فنقول: وإن لم يوجد رأى في الحال. ~~ولكن يوجد سبب حدوث الرأى فقام سبب الرأى مقام حقيقة الرأى. # وأما المجنونة فقد ms660 ذكرنا في المسألة على وجوه يخرج فصل المجنونة وربما ~~يقولون قولكم فلا يجوز تزويجها كرها أيش تعنون به إن قلتم نعنى بدون رأيها ~~ولها رأى # PageV02P205 # معتبر شرعا فلابد أن تقولوا رأى معتبر ثم لا تجدونه في الفرع ويتبين عند ~~ذلك حرف المسألة وهذه ممانعات عائدة إلى محض الفقه وبهذا السؤال يتبين ~~المحقق من الفقهاء من غيره. ثم وهذه الممانعة بعد أن يقع التسليم لأصل ~~القياس في أنه معلل فإن الأحكام لابد أن تنقسم إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل ~~فمن استمسك بأصل فلابد أن يثبت كونه معللا إلا أنه يقال: هذا إنما يتبين ~~كون الأصل معللا بأن يتجه للشيء معنى يصلح كونه علة أو يدل الدليل على أنه ~~علة فالسؤال الصحيح هو الأول ومتى أثبت المعلل صلاحية كون الوصف علة فقد ~~ثبت أن الأصل معلل ويتبين الجواب عن المطالبة وخرج المعلل عن السؤال وهذا ~~أيضا بعد أن يسلم الحكم في الأصل فإنه ربما يمنع السائل الحكم في الأصل ~~وإذا اتجه السائل منع الحكم في الأصل لفابد للمسؤل من إنبائه والنبأ مقبول ~~من المسئول. بل أن يقول السئول إن لم يسلم الفرع فهذا الفرع مبنى على تسليم ~~هذا الأصل فإن لم تسلمه أنبأته بالدليل. # والقسم الثاني: من المنع: ما يتجه في العلل المركبة وقد ذكرنا وجه ذلك ~~وقد سبق أن المركبات هى من الطرديات التي لا تصلح للاعتماد عليها إلا في ~~بعض الوجوه وهي التي تؤل إلى المعنى. # والقسم الثالث: منع الحكم1 وهو عائد إلى القول بموجب العلة ومثاله أن ~~يقول الحنفى في مسألة بيع الغائب عقد معارضة فلا يشترط في صحته رؤية ~~المعقود عليه فيمنع السائل فيقول: عندي لا يشترط رؤية المعقود عليه أنما ~~يشترط إعلامه وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة مسح الرأس المسح ركن في ~~الوضوء فيسن تثليثه كالغسل. فيقول: لا أسلم أن الغسل يسن تثليثه إنما يسن ~~إكماله إلا أن إكمال الغسل بالتكرار يكون لضيق المحل ولإكمال المسح ~~الاستعانه لسعة المحل وقد يمانع الحنفى في هذه ms661 العلة الحكم من وجه آخر. ~~فيقول في هذه العلة: عندي يسن تثليث المسح لأن المفروض قدر ربع الرأس وعندي ~~يسن مسح جميع الرأس فكان التثليث مسنونا وزيادة ومن منع الحكم قول القائل ~~في مسألة بيع الطعام بالطعام مالان جمعهما علة ربا الفضل فيشترط القبض ~~بينهما إذا بيع أحدهما بالآخر كالذهب بالذهب فيقول الخصم القبض ليس بشرط في ~~الأصل وإنما الشرط هو التعيين حتى لا يكون دينا بدين فرجع إلى حرف المسألة ~~وهذا مثال المنع في الأصل. PageV02P206 # والقسم الرابع: يقع الوصف1 فإن التعليل قد يقع بوصف مختلف فيه مثل قول ~~الحنفى في مسألة الإيداع من الصبى له مسلط على الاستهلاك فمنع. ويقال: ليس ~~بمسلط والإيداع ليس بتسليط وكذلك شفعوى المذهب يقول في يمين الغموس معقودة ~~فيمنع السائل ويقول: لا أسلم أنها معقودة. # ويقول الحنفى في مسألة الجنس: إن الجنس حد وصفى علة تحريمه الفضل فيقول ~~السائل لا أسلم أن الجنس علة بل هو شرط بمعنى أو يحل على ما عرف. # قال القاضى أبو زيد: # أقسام الممانعة الصحيحة أربعة: # أولها: الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم ليس بحجة؟ # ثم في نفس الوصف الذى يدعيه المجيب علة موجودة أم لا؟ # ثم في شروطه. # ثم في كينونته واجب العمل به. # ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة قال: # أما الممانعة في نفس الحجة فما مر من قبل أن كثيرا من وجوه حجج الناس ~~يرجع إلى دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلا فلابد من إثبات الوصف ~~في الأصل والفرع لأنه ركنه. ثم شروط الصحة لأنها تكون سابقة على دليل وجوب ~~العمل به. ثم دليل التأثير الذى يجب به العمل ثم العلة عامة عندنا وكل هذه ~~الممانعات بالإنكار ومطالبة دلالة العلة. # قال: وللممانعة في الشرط فقد ذكرنا شروط التعليل قال: ومانع الشرط من شرط ~~يكون ثابتا بالإجماع. فيقول: قد عدم في الفرع أو الأصل وهذا مثل قول ~~الشافعي في السلم الحال أنه أخذ عوض البيع فيثبت ms662 حالا ويؤجلاه كالثمن في ~~البيع فيقول السائل لا خلاف أن من شرط التعليل أن لا يغير حكم النص وأن لا ~~يكون الأصل معدولا به عن القياس بحكمه الذى صار به الدليل دليلا والممانعة ~~والتأثير لأن مجرد الوصف بلا تأثير ليس بحجة فلا يصلح للاحتجاج حتى يتبين ~~تأثيره وإن قال في موضع الخلاف ليس بشرط عندي فنقول: المعترض عندي هو شرط ~~فلا يصلح الاحتجاج به على من لا يراه دليلا. PageV02P207 # وأما القول لموجب العلة فهو سؤال صحيح إذا أخرج مخرج الممانعة وقد بينا ~~نظيره ولابد أن توجه القول بالموجب من شريطة وهى إلى مسند الحكم الذى نصب ~~له العلة إلى شئ مثلما يقول حنفي المذهب في ماء الزعفران: ما خالطه طاهر ~~بالمخالطة لا تمنع صحة التوضؤ. فيقول السائل: المخالطة لا تمنع إنما المانع ~~أنه ليس بماء مطلق وكذلك يقول شفعوى المذهب في مسألة تمكين العاملة البالغة ~~جنون أحد الواطئين لا يوجب درأ الحد من الموصوف بالعقل كجنون الموطؤة. # فيقول السائل: بل أقول بموجبه فإن عندي الجنون غير مانع فما المانع خروج ~~الوطء عن كونه زنا ففى مثل هذه المواضع يتوجه هذا السؤال. # فأما مع إثباته الحكم من نفى أو إثبات لا يستقيم إلا أن ينتقل السائل إلى ~~مذهبه وقد قال جماعة من الأصوليين: إن القول الموجب ليس بسؤال ولا تبطل به ~~العلة لأنه إذا صحت العلة وحكمها متنازع فيه فلأن تصح العلة وحكمها متفق ~~عليه أولى وسبيل صحته أن يكون الخروج على مسلك المنع والجملة في القول ~~بموجب العلة أن السائل إذا أمكنه القول بموجب العلة مع الاستقرار على ~~الخلاف في الحكم فيتبين به أن المعلل لم يدل في موضع الخلاف ومثاله أن يعلل ~~المعلل في الاعتكاف فيقول لبث في مكان مخصوص فكان من شرطه نعنى ما دليله ~~الوقوف. فيقول: إن أقول من شروطه معنى ما هو النية فعلى المعلل أن يستدل في ~~موضع الخلاف. # PageV02P208 ### | فصل: وأما السؤال بفساد الوضع # فاعلم أنه سؤال يمكن إيراده على الطرود ويضطر به المعلل إلى ms663 إظهار ~~التأثير وإذا ظهر التأثير بطل السؤال وهذا طريق سلكه كثير من أصحابنا ~~المتقدمين وأورد كثير من الأصوليين يرد عند اختلاف موضوع الأصل والفرع وذلك ~~مثل أن يكون الأصل مبتنيا على التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويكون ~~الفرع مبتنيا على التغليظ كالوضوء وغسل الرجلين ويروم القائس أن يثبت في ~~الفرع حكما مخففا أو يكون الأصل مبتنيا على التغليط ويكون الفرع مبتنيا على ~~التخفيف كالتيمم والمسح على الخفين ويروم القائس أن يثبت في الفرع حكما ~~مغلطا وقد يأتى فساد الوضع أيضا من اختلاف موضوع العلة والحكم وهو أن يكون ~~مبتنيا على التغليط والآخر على # PageV02P208 # التخفيف وقد يأتى فساد الوضع أيضا من وجه آخر وهو أن يتقدم حكم الفرع على ~~حكم الأصل ومثاله الوضوء إذا قيس على التيمم في اشتراط النية وذلك أن ~~الوضوء وجب بمكة والتيمم بعد الهجرة فلا يجوز أن يكون شرط ما يقدم وجوبه ~~مستفادا مما تأخر وجوبه لأن الدليل لا يجوز تأخره عن المدلول عليه وكذلك في ~~مسألة الأصل إذا قاسوا الثمن على المبيع فهو فاسد وضعا لأن البيع شرع في ~~المبيع لإيجاب الملك شرط لا ابتداء وفى الثمن لإيجاب الملك ابتداء في الذمة ~~على المشترى للبائع فلما كان البيع لإيجاب الملك واليد في العين للمشترى ~~كان شرطه قيام الملك في المحل. # قال أبو زيد: فساد الوضع من الشهادة يجرى مجرى فساد الأداء وهو قبل النقص ~~لأنه إنما يشتغل باطراده بعد صحته علة كالشهادة إنما يشتغل بتعديل الشهادة ~~بعد صحة الأداء وهو أقوى من النقص لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال ~~والنقص مجلس يمكن الاحتراز منه في مجلس آخر. # قال: وبيان فساد الوضع أن الشافعي متى علل لوجوب الفرقة بعد إسلام أحد ~~الزوجين أنها فرقة وجب لاختلاف الدين فأشبه الفرقة بالردة كان فاسد الوضع ~~لأن الاختلاف إنما يثبت فيما نحن فيه بإسلام المسلم منهما وقد كان الاتفاق ~~ثابتا قبله وإنما حدث الاختلاف بالحادث من الدين وهو الإسلام والإسلام في ~~الشرع جعل عاصما للأملاك والحقوق لا مبطلا ms664 وكان الوصف ثابتا على الحكم # قال وكذلك الطعم إذا جعل علة لأنه به القوام فهذا فاسد في الوضع لأن ~~المال خلق بذله لحاجته إليه وأشد الحاجات حاجة البقاء فيزيد هذا على ~~ابتذاله وسعة وجه كسبه لا أن يزيد تضييعا حتى أكل طعام الغنيمة قبل أن يخمس ~~بخلاف سائر الأموال. قال: وكذلك من علل لحرمة نكاح الأمه بوجود طول الحرة ~~فإنه مستغن عن تعريض خبر منه للرق فلا تحل له كما لو كان تحته حرة قال وهذا ~~يفسد وضعا لأنه يثبت حجرا عن النكاح نسب الحرية والشرع جعل الحرية مؤثرة في ~~الإطلاق دون الحجر وكذلك اعتبار الحجر عن تسليم الثمن بالعجز عن تسليم ~~المبيع في ثبوت حق الفسخ فإن البيع شرع لنقل الملك في العين واليد للبائع ~~ليعمل العقد عليه فلم يصح العقد قبل أن يقدم ملكا ويدا ولما كان الشراء ~~لإيجاب الثمن ابتداء في ذمة المشترى لا في عين اشتراط في صحته قيام ذمة ~~قابلة لثمن يجب فيها بحيث يقبل النقص بمثلها من غير بشرط القدرة على ~~التسليم بالمثل لأنه لا قدرة إلا بملكه ولم يشترط للجواز قيام # PageV02P209 # الملك ولا يد في عين مثله ولما لم تكن القدرة على التسليم شرطا للجواز ~~ابتداء لم يوجب العجز عن التسليم خللا فصار فاسدا وضعا لما فيه من اعتبار ~~ما لم يجعل شرطا لصحة عقد بما جعل شرطا. # قال: وكذلك إذا قال قائل في الأثمان: إنها أموال فتتعين في التبرعات ~~فتتيعن في المعاوضات فهذا فاسد وضعا لأن التبرعات ما شرعت لإيجاب الأموال ~~في الذمة. بل للإتيان بعين ماله والمعارضات شرعت لإيجاب الأثمان في الذمم ~~لأن المتعارف بين الناس فعلا هو المتعارف شرعا والمتعارف في الأثمان بين ~~الناس هو العقد بلا إشارة في الأثمان. بل بمجرد التسمية وهى موجبه في الذمة ~~فلما كان الإيجاب في الذمة كانت الذمة محل هذا الإيجاب فلم تصح الإضافة إلى ~~عين كما لو أضاف هبة الألف إلى ذمته فإنه لا يصح وإذا عرف هذا صار اعتبار ~~البيع بالهبة في ms665 التعيين وإثبات المحل فاسدا وضعا وقد أجبنا عن هذا وأمثاله ~~في الخلافيات. # وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا أن حاصل القول يحصره نوعان: # احدهما: أن يبين المعترض أن القياس موضوع على خلاف ما يقتضيه ترتيب ~~الأدلة ومثال ذلك أن يقول: إن التعليل على خلاف الكتاب أو على خلاف السنة ~~ومن هذا أيضا أن يقول إنه بالقياس حاول الجمع بين شيئين فرق الشرع بينهما ~~أو فرق بين شيئين جمعت الشريعة بينهما. # والملخص في هذا النوع أن يكون القياس يخالف وضعه موجب متمسك في الشرع هو ~~مقدم على القياس فإذا كان كذلك فيكون القياس فاسد الوضع. # والنوع الثاني: أن يكون الوصف مشعرا بخلاف الحكم الذى ربط به وهذا زائد ~~في الفساد على فساد الطرد لأن الطرد مردود من جهة أنه لا يناسب الحكم ولا ~~يشعر به فالذى لا يشعر به ويخيله خلافه يكون أولى بالرد ومثاله ما ذكرناه ~~وهو ذكر وصف يشعر بالتغليظ في روم تخفيف أو على العكس من ذلك. # قال: وإذا اعتبر القائس القصاص بالدية في الثبوت على الشركاء أو اعتبر ~~الدية بالقصاص في السقوط أو قاس الحد على المهر في طلب الثبوت أو قاس المهر ~~على طلب الحد في محاولة السقوط فقد ذهب جماعة من الجدليين إلى فساد هذا ~~القياس لأن العقوبات تدرأ بالشبهات. # وأما الواجب بالجنايات يثبت مع الشبهات فاعتبار أحدهما بالآخر في السقوط ~~أو # PageV02P210 # الثبوت يكون فاسدا في الوضع وقد منع بعضهم قياس الرخص على الوظائف التامة ~~وكذلك قياس الوظائف التامة على الرخص وقد أجابوا عن السؤال من كل هذه ~~الوجوه بإظهار التأثير والإخالة في القياس والجمع بين الفرع والأصل أو ~~الجمع بين العلة والوصف. # فقد قال أبو زيد وكثير ممن تبعه: إن هذا السؤال لا يرد إلا على الطرد ~~والطرد ليس بحجة. # وأما العلة التي ظهر تأثيرها وقام الدليل على صحتها فلا يرد هذا السؤال ~~ونحن نقول: نعم وإن كان الطرد ليس بحجة على ما سبق وإظهار التأثير لابد منه ~~ولكن السؤال ينفى وهو أن يقول السائل: ms666 لا يجوز أن يدل الدليل على صحة مثل ~~هذه العلة أو يقول لا يجوز أن يظهر له تأثير فلابد في الجواب من نقل الكلام ~~إلى ذلك وبيانه أن الدليل قد قام على صحة هذه العلة فبهذا الوجه صححنا هذا ~~السؤال. # PageV02P211 ### | فصل: الاعتراض بالنقض # ... # فصل: وأما الاعتراض بالنقض: # فهو سؤال يبطل به العلة والنقض أن توجد العلة في موضع دون حكمها وقد ذهب ~~معظم الأصوليين إلى أن النقض سؤال صحيح تبطل به العلة ولكن من ألزم عليه ~~نقض فعليه تعليل تلك المسألة التي نقضت علته بيان الفصل بينها وبين المسائل ~~التي يدعى اطراد العلة فيها1. PageV02P211 # قال أبو زيد: النقض لا يرد على العلة المؤثرة لأن تأثيرها لا يثبت إلا ~~بدليل يجمع عليه ومثل ذلك الدليل لا ينقض وإنا تجئ المناقضة على الطرد لأن ~~أصحاب الطرد إنما جعلوا العلة علة باطرادها فإذا لم تطرد بطلت. # قال: وأما المؤثرة لا يرد عليها النقض ولكن يرد عليها الخصوص فيبين ~~المعلل أن الذى جاء ناقضا في الظاهر لا يدخل تحت ما جعله المعلل علة من حيث ~~المعنى وبيان ذلك بطرق أربعة من حيث اعتبار معنى الوصف الذى هو ركن العلة ~~ثم باعتبار معنى دلالة التأثير الذى صار الوصف به حجة يجب العمل بها ثم ~~باعتبار الحكم الذى وقع التعليل لإثباته ثم بالغرض الذى قصد المعلل التعليل ~~لأجله وأثبت الحكم بقدره. # أما الوصف فنحو قولنا: إن وظيفة الرأس المسح فلا يثلث كوظيفة الخف ولا ~~يلزم الاستنجاء بالحجارة لأن تلك الوظيفة ليست بمسح بل هى إزالة النجاسة ~~الحقيقية. # ألا ترى أن الإزالة بالماء أفضل منها لأنها أتم ولو كانت الوظيفة مسحا ~~لكره التبديل بالغسل كما في [وظيفة] 1 الرأس. # قالوا: كذلك قولنا في الدم السائل: إنه نجس خارج فأشبه البول ولا يلزم ~~الدم إذا لم يسل لأنه طاهر وليس بخارج لأن الخروج بالانتقال من مكان باطن ~~إلى مكان ظاهر وتحت كل جلدة رطوبة وفى كل عرق دم فالذى هو على رأس الجرح ~~ظهر بزوال الجلدة عنه وقد ms667 كانت سترة له ولم ينتقل عن مكانه إلى مكان طاهر ~~من بدنه خلقه فهو مثل رجل ظهر بفتح الباب أو بنقض البناء وآخر ظهر بالخروج ~~عن الباب فالأول ليس بخارج والثانى خارج. # وأما التأثير وبيان دفع النقض به قال هو مثل قولنا في مسألة تثليث المسح: ~~PageV02P212 # مسح وإيراد الخصم الاستنجاء عليه ووجه دفعنا ذلك بالتأثير وهو أن صفة ~~المسح إنما صار علة لمنع التثليث لأنه قد ظهر أثره في نفسه من حيث التخفيف ~~لأنه إذا قوبل المسح بالغسل كان المسح في نهاية التخفيف وكذلك ثبت التخفيف ~~له قدر التأدية ببعض المحل وهذا المعنى معدوم في الاستنجاء لأن الأصل ~~المأمور مسح موضع النجاسة بإزالتها فيكون على وصف التغليط مثل الغسل ولا ~~يتأدى أيضا ببعض محل النجاسة مثل ما يتأدى فرض مسح الرأس ببعض المحل. # قال: وكذلك المسألة الثانية. فإن النجاسة الخارجة إنما كانت حدثا لأنها ~~أوجبت تطهرا في نفسها. # ألا ترى: أنه يجب غسلها إذا سالت عن رأس الحرج كما وجب الغسل إذا سال ~~البول عن رأس القضيب فلما ساوت النجاسة البول في إيجاب الحقيقة ساوت في ~~الحكمية ولا يلزم النجاسة التي لم تسل لأنها تصير كالبول في إيجاب الطهارة ~~في محلها فكذلك في غيره فيتبين بدلالة التأثير أنها لم تدخل تحت التعليل بل ~~يزيد قولا بانعدام الحكم إذا انعدم دلالة التأثير. # وأما الحكم وبيان الدفع به فنحو قولنا: فيمن نذر صوم يوم النحر أنه يوم ~~فلا يفسد النذر بالإضافة إليه قياسا على سائر الأيام ولا يلزم إذا نذرت ~~المرأة صوم يوم حيضها لأن الفساد بالإضافة إلى الحيض والحيض صفة لها لا ~~لليوم. # قال: وكذلك على قولنا: إن الغصب سبب ملك بدل أصل المال فيكون سببا لملك ~~الأصل قياسا على البيع ولا يلزم المدبر لأنا عللنا لنجعل الغصب سبب ملك ولم ~~نعلل لبيان المحل الذى يعمل فيه وفى المدبر الغصب سبب للملك إلا أن التدبير ~~منع عمله كما لو باعه. # قال: وكذلك قولنا: إن الكتابة عقد يحتمل الفسخ فلا يوجب ما ms668 يمنع التكفير ~~به كالإجارة ولا يلزم إذا أدى بعض البدل لأن المنافع أحد العوض عن العتق لا ~~الكتابة وهو معنى قول أهل النظر إن العلة المنصوبة للجملة لا تنقض ~~بالإفراد. # وأما الغرض بوجه الدفع به نحو قولنا: إن التأمين يخافت به لأنه ذكر ولا ~~يلزم التكبيرات من الإمام لأن غرضنا أن يجعل كونه ذكرا علة بشرع المخافتة ~~وإنما وجب الجهر لعلة أخرى وهى أنها شرعت إعلاما والعلة مع كونها علة قد ~~يجب ضد حكمها بمعاوضه أخرى أولى منها. # PageV02P213 # قال: وكذلك قولنا في الدم السائل: إنه حدث لأنه نجس خارج فأشبه البول ولا ~~يلزم دم الاستحاضة لأن الغرض أن يجعل النجس الخارج علة لنقض الطهارة وهو ~~علة ناقضه للطهارة في الاستحاضة بعد الوقت ولكن امتنع النقض في حال لعلة ~~أخرى مانعة وهى أنها مخاطبة بالأداء فيجب أن تكون قادرة ولا قدرة إلا بسقوط ~~حكم الحدث فسقط ومنع العلة أن يمنع من عملها لدفع ضرورة العجز في الإمكان ~~فلا يخرج من كونه علة تأخر العمل إلى مدة كالبيع بشرط الخيار ثلاثة أيام ~~وأهل النظر لقبوا هذا الدفع بأنه لا يفارق حكم أصله ونحن لقبنا بالغرض لأن ~~الغرض أوجب القصر على تلك الجملة وهى أن العموم لم يدخل تحت التعليل. # قال: وجملة الحد في الخروج عن المناقضة أن المعلل متى أمكنه الجمع بين ~~حكم علته وهذا الذى جاء مناقضا لم يكن نقضا ومتى لم يمكنه يكون نقضا كما في ~~تناقض الدعاوى وهذا لأن الجمع بين النقيضين لا يتصور وبهذه الوجوه من ~~البيان يمكن الجمع بينهما من غير رجوع عن الأول وذكر بعد هذا كلاما آخر في ~~آخر الفصل لا يحتاج إليه فهذا سر ما ذكره في تقويم الأدلة في دفع النقض ~~وبيان قوله إن النقض لا يرد على العلل المؤثرة. ونحن نقول: إن سؤال النقض ~~بناء على أن تخصيص العلة لا يجوز وإذا لم يجز تخصيصه على ما سبق ذكره فلابد ~~أن يكون النقض مبطلا للعلة وقولهم: إن العلل إذا كانت مؤثرة لا ms669 تنقض. # قلنا: بالنقض يتبين فقد تأثير العلة وهذا قد سبق بيانه. # ببينة: أن الناصب للعلة بنصبه العلة قد التزم طردها وادعى أن هذه العلة ~~متى وجدت فالحكم يتبعها فإذا لم يف بقوله ووجد علة مناقضة بطلت علته لعدم ~~وفائه بدعواه وصحة ما يزعمه. # فأما دفع النقض فقد اشتغل الجدليون بدفع النقض بمجرد اللفظ وليس ذلك بشيء ~~والأولى أن يدفع النقض ببيان أنه لم يرد على المعنى الذى جعله علة إن كانت ~~العلة معنوية وإن كان قد وقعت له ضرورة إلى جواز العلة حكمية واستقام تعلقه ~~به من الوجوه التي سبقته فسبيل دفعه أن يدفع ببيان أنه لا يرد على ذلك ~~الحكم الذى تعلق به فإن ورد ولم يمكنه دفعه انتقضت علته وبطلت وقد يوجد ~~موضع يظن المتناظر أن يوجه النقض وهو مما ليس يتوجه وقد قيل: إن الإثبات ~~المجمل لا ينقض بمنفى مفصل والنفى المفصل لا ينقض بإثبات مجمل والنفى ~~المفصل ينقض بإثبات مفصل # PageV02P214 # وكذلك الإثبات المفصل ينقض بالنفى المجمل يعنى المطلق ومثال الأول: أن ~~يقول القائل في قتل المسلم بالذمى محقون الدم على التأبيد فيثبت بينهما ~~القصاص كالمسلمين فينقض تاآخر بما إذا قتله خطأ وهذا لا يرد نقضا لأن نفى ~~القصاص في موضع الخطأ لا يمنع من صحة التعليل من المعلل بقوله فوجب أن يكون ~~بينهما قصاص فلا ينتفى حكم العلة بما يقوله من قول الخطأ فلم يكن نقضا. # وأما مثال الثانى: إن يقول المعلل مكلفا فلا يثبت بينهما قصاص فإذا نوقض ~~بالمسلمين انتقض لأن ثبوت القصاص بينهما في موضع يمنع صحة التعليل بقوله ~~فموجب أن لا يجرى القصاص وقد احترز بعضهم من النقض بقول المعلل: أنا أقول ~~في الأصل مثل ما أقوله في الفرع ومثاله أن يقول قائل في مسألة المسلم يقتل ~~ذميا هل يقتل فنوجب القود كالمسلم إذا قتل مسلما فينتقض بالخطأ فيقول أنا ~~أقول في الفرع مثل ما قلته في الأصل وإنما أوجب القصاص في العمد دون الخطأ ~~وقد أشار أبو زيد في كلامه إلى هذا ms670 الاحتراز وهذا الاحتراز باطل لأن العلل ~~ما صرح به المعلل دون ما أضمره وكذلك الحكم وقد علل بالفسخ وصرح بالحكم ~~بوجوب القصاص وقد ورد النقض على هذا ولم يعلل لاستواء المسلم والكافر في ~~حكم القتل حتى يدفع النقض به فليس هذا الدفع بشئ وقد دفع بعضهم النقض بذكر ~~الأحرار في الحكم مثال أن يقول القائل محقونا الدم على التأبيد فوجب أن ~~يثبت بينهما القصاص إذا قتل أحدهما صاحبه عمدا فإذا نوقض بالخطأ وقال: قد ~~احترزت بقولى في الحكم فإذا قتل أحدهما صاحبه عمدا وقد قيل أيضا: إن هذا ~~ليس بدفع لأن المعلل قد حكم بأن علة القصاص كونهما محقونى الدم على التأبيد ~~فحسب وأنه لا مزيد على العلة التي ذكرتها فإذا قال: وجب أن يوجب القصاص إذا ~~كان عمدا فقد اعترف بانتقاض العلة لأن اقتران الحكم يوجد من الموضعين ~~والحكم يتبع العلة في أحد الموضعين دون الآخر. # فإن قال هذا المعلل: لا يمتنع أن يكون حقن الدم على التأبيد يؤثر في ~~إيجاب القصاص في العمد دون الخطأ. # قيل: إن كان ذلك يؤثر في أحد الموضعين لمعنى يختص به أحدهما فينبغى أن ~~نذكر ذلك المعنى في جملة العلة لأن له تأثيرا في غيجاب القصاص وإن لم يكن ~~لذلك المعنى تأثير وكانت الأوصاف المذكورة تؤثر في أحد الموضعين دون الآخر ~~لا لأمر يفترق # PageV02P215 # لأجله الموضعان فقد اعترف أن العلة تقتضى الحكم في موضع دون موضع مع ~~وجوده تتميما على السؤال والجواب الصحيح عن السؤال أن الشرط المذكور في ~~الحكم متأخر في اللفظ يتقدم في المعنى لأن معنى القياس أنهما محقونا الدم ~~على التأبيد قتل أحدهما صاحبه عمدا لأن صفة العمدية مؤثرة في القصاص فإذا ~~قلنا: على هذا الوجه يتم الدفع وقد دفع بعضهم النقض بوجه آخر وهو أن يحذف ~~الحكم حذفا. فيقول في الثيب الصغيرة: إنها مجبرة الزواج فأشبهت الكبيرة فلو ~~قال: المعلل فلم تجبر على النكاح ينتقض بالثيب المجنونة والثيب الأمة. فإذا ~~قال: فأشبهت الكبيرة نوقض بها بين المسألتين فيقول إنما ms671 شبهت الصغيرة ~~بالكبيرة فعلى أن أقول في الثيب الصغيرة ما أقول في الثيب الكبيرة وفى اليب ~~الكبيرة لا تجبر على النكاح إذا لم تكن مجنونة أو مملوكة وأجبرت إذا كانت ~~مملوكة أو مجنونة فلم ينتقض قولى فأشبهت الكبيرة وإنما عللت لهذا وهذا دفع ~~حسن غير أن بعض الجدليين قد قال: إنه لا يجوز التعليل ما لم يصرح بالحكم ~~وقد ذكرنا هذه المسألة من قبل وبينا جوابه وأحسن وجوه الدفع هو الدفع ~~بالمعنى كما تقدم وجهه. # وقد قال أبو زيد في موضع من كتابه: إن النقض يلجئ إلى إظهار التأثير ~~والقول به مثل من يقول في النية في الوضوء وقياسه على التيمم طهارة الصلاة ~~فإذا نقض طهارة النجاسة فلابد من ذكر التأثير ليتخلص عن النقض وهو أن يقول ~~طهارة حكمية أى حصولها عرف حكما وشرعا لا حقيقة وكذلك قول من قال إن النكاح ~~ليس بمال فلا يثبت بشهادة النساء مع الرجال وهذا يبطل بالبكارة فلا تجد بدا ~~من الرجوع إلى طلب التأثير وهو أن الأصل أن لا شهادة للنساء لنقصان عقلهن ~~وكثرة غفلتهن لكن جوز في باب المال لكثرة حاجة الناس إليه وتكرر المعاملات ~~فيه في الأسواق وغيرها فجوز شهادة النساء مع الرجال حتى لا يضيق الأمر على ~~الناس ولا يقعوا في الحرج العظيم وهو معدوم فيما ليس بمال فلم يقبل فيه هذه ~~الشهادة وهذا كما تثبت الولادة بشهادة النساء وحدهن لضرورة أن الرجال لا ~~يحضرونها ولم تكن حجة فيما يطلع عليه الرجال لعدم الضرورة وكذلك قول القائل ~~في أن الزنا لا يوجب لحرمة المصاهرة لأنه وطء رجمت عليه والنكاح عقد حمدت ~~عليه. فإن قال المعلل فوجب أن لا يشارك هذا في حكم هذا بطل بوجوب الاغتسال ~~والمهر. فإن قال: في حكم المصاهرة. يقال: ولم قلت فإن قال: لأن الصهرية ~~نعمة والزنا حرام فقد رجع # PageV02P216 # إلى بيان التأثير ولا يبطل هذا بالوطء في النكاح الفاسد لأن الصهرية هناك ~~إنما ثبت لما فيه من جهة المحل. # قال: ونحن نقول: إن لزنا معصية ms672 والمصاهرة كرامة ولا تضاف الكرامة إلى ~~العاصى ولكن تثبت الصهرية لحراثة الواد في هذا المحل على ما عرف وبينا في ~~موضعه ولا معصية من حيث الحراثة فإنه أمر مشروع بسببه. # قال: وكذلك قوول القائل: إن الغصب عدوان فلا يكون سببا للملك كالقتل فإذا ~~نقض بالاستيراد أحد الشريكين جارية بينهما يقول إنما أوجبنا الملك في هذا ~~الموضع للشريك لماا فيه من تأويل الحل شرعا لا من حيث العدوان فقد رجعوا ~~إلى تأثير العلة. # قال: ونحن نقول: إنما أوجب الملك في الغصب لأنه سبب ملك البدل وهذا حكم ~~شرعى ليس بعدوان. # وكذلك ققول القائل في مسألة المنافع إن المنافع أموال فتضمن بالإتلاف. ~~دليله الأعيان فإذا نقض هذا بالمتلف إذا كان معسرا. قال: هناك يضمن لكن ~~الاستيفاء يتأخر إلى الميسرة فهذا رجوع إلى التأثير وها هنا المتلف ضامن ~~لكن الاستيفاء يتأخر بعذر العجز والعدوان موجب ضمان المثل فلا يمكن ~~الاستيفاء إلا بعد القدرة على المثل وعندنا الأعيان أجود من المنافع مالية ~~وليسا بمثلين وعنهم مثلان ويرجع اللكلام إلى هذا. # وكذلك قول القائل في إسلام الهروى في المروى أسلم مذروعا في مذروع كما لو ~~أسلم الهروى في المروى. فيقول الخصم يبطل هذا بما إذا شرط شرطا فاسدا. ~~فيقول المعلل إنما بطل بالشرط الفاسد لا بالوصف الذى ققلنا فيكون هذا رجوعا ~~إلى حرف المسألة فإن عنده الجنس ليس بعلة محرمة وعندنا علة محرمة فيكون ~~الفساد بالعلة المحرمة لا بالذرع ومرجع الكلام إلى أن الجنس علة أم لا؟ ~~ويبل الطرد فهذا كلام يحسن ونحن لا نرى لللرطد صحة ولابد من بيان التأير ~~غير أن ورود النقض في موضعه يخل بالتأثير ففإنما كام وروده من هذه الجهة ~~ولابد من معرفة بطلان القول بنخصييص العللف ن أيراد المعللل شرع لذلك والله ~~المعين بمنه. # PageV02P217 ### | فصل: بقية القول بموجب العلة # ... # "فصل" # وقبل أن نصل إلى سؤال المعارضة قد بقيت بقية فيما يرجع إلى القول بموجب ~~العلة وتفسيره التزام ما أوجبته العلة وقد ذكرنا مثاله وصورته وقد ذكر في ~~تقويم الأدلة ms673 أنهم إذا قالوا في صوم النفل: قربة لا يجب المضى في فسادها ~~فلا يجب القضاء في إفسادها قياسا على الوضوء. # قلنا لهم نقول بموجب العلة فإنه لا يجب القضاء بإفسادها بل وجب بالشروع. # فإن قيل: فلا يجب بالمشروع والإفساد. # قلنا: ولا يجب بالشروع المضاف إلى عبادة لا يمضى في فاسدها. بل بالشروع ~~في عبادة تلزم بالنذر ولابد من اعتبار إضافة الحكم إلى ما ذكرنا من الوصف ~~لأن الأوصاف تذكر عللا وبما ذكر من الوصف لا تصير العابدة محلا يلتزم ~~بالشروع فيه بل بوصف آخر فلابد من رجوعه إلى نصب العلة في بيان أن الشروع ~~ليس بسبب للإلزام الذى فيه النزاع. # قال: وكذلك قولهم في إسلام المروى في الهروى: إنه جائز لأنه أسلم مذروعا ~~في مذروع. فيقول: من حيث إنه مذروع في مذروع يجوز العقد ويعلق الجواز بهذا ~~الوصف لا بنفي تعلق الفساد بأمر آخر. # ألا ترى: لو شرط شرطا فاسدا ولم يقبض رأس المال في المجلس كان العقد ~~فاسدا فكذلك عندنا صفة الجنس بأنه علة مفسدة وهو كالشرط الفاسد في الإفساد ~~فيلزمه الرجوع إلى بيان أن الجنس ليس بعلة محرمة وكذلك قول من قال في ~~المطلقة الرجعية: إنها مطلقة فيحرم وطؤها كالمطلقة بمال. # فيقال: [لا] 1 من حيث إنها مطلقة محرمة ولكن من حيث إنها منكوحة محللة ~~كما لو ابانها ثم تزوجها وكان قيام النكاح مع الطلاق المحرم محللا فيضطر ~~إلى الرجوع إلى بيان ضلل في النكاح أوجب التحريم وهو حرف المسألة. # قال: وكذلك قولهم في المبتوتة: لا يلحقها الطلاق لأنها منقطعة النكاح. ~~فنحن نقول: الطلاق لا يلحقها من حيث انقطاع النكاح ولكن من حيث العدة ~~الواجبة عن النكاح التي هى أثره. PageV02P218 # قال: وكذلك إذا قالوا: في تحرير الكافر عن كفارة اليمين إنه تحرير في ~~تكفير فأشبه كفارة القتل وعندنا لا يجوز لأنه تحرير في تكفير ولكن من حيث ~~أنه ائتمر بالأمر كما يجوز إذا كسا مساكين ولا يجوز بالكسوة في كفارة القتل ~~فيضطر إلى الرجوع إلى بيان أن المطلق ms674 يحمل على المقيد أو لا؟ # قال: وكذلك إذا قال: إن السرقة توجب الضمان لأنه أخذ مال الغير بلا تدين ~~ولا تأويل كالغصب. فيقال إنا نقول إن هذه العلة موجبة للضمان لكنا نقول إن ~~القطع ينفيه كما ينفيه الإبراء فيضطر إلى بيان أن القطع لا ينفى الضمان وهو ~~حرف المسألة. # قال: وقد يجئ هذا السؤال على أكثر العلل الطردية لأن اصحابهم تعلقوا ~~بأوصاف محتملة أن لا تكون عللا فهذا السؤال يردهم إلى القول بالتأثير وفى ~~هذا السؤال تكلف عظيم ومن يجعل الطرد حجة يستجيز أن يكون بمجرده أمارة على ~~الحكم فلا يرضى بمثل هذا السؤال لأنه يقول: إن علتى صحيحة بوجود الإطراد ~~وصلاحيته علة من حيث إنه لم يقم دليل على فسادها أو لأنه صالح أمارة وعلل ~~الشرع أمارات وهذا القدر لى كاف ولا ينافى بمثل هذا السؤال لأنه يقول: أنا ~~أعلم منك ولا نثبت الحكم بهذه العلة بل نثبته بعلة أخرى ومرجه هذا السؤال ~~ليس إلا هذا القدر لكني مع منعك أجعله علة ولا احتاج إلى إقامة دليل على ~~كونه علة ولا إلى إظهار تأثير لها سوى الوفاء بالإطراد الذى ضمنته وسوى ~~وجود المعنى في الأصل وصلاحية كونه أمارة شرعا وأما من يقول إن الطرد لا ~~يكون حجة وهو الذى نختاره ولابد من كون العلة مؤثرة فمتى طولب بالدلالة على ~~صحة العلة فهو لا يترك إقامة الدليل عليها ويظهر تأثير العلة مناسبة الحكم ~~وإخالته فلا معنى لهذا التكلف الشديد واستخراج السؤال بهذا الاستقصاء بل ~~المطالبة كافية والله المعين بمنه. # PageV02P219 ### | فصل: السؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة # ... # "فصل" # فالسؤال الرابع من الأسئلة الصحيحة المعارضة وقبل أن نشرع فيه نقول: قد ~~ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير1. ولست أرى لذلك وجها بعد أن يبين ~~المعلل التأثير PageV02P219 # لعلته وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم الدليل على صحتها بالتأثير ~~بالوجه الذى قدمناه. # وقد ذكر مشايخ اصحابنا في سؤال عدم التأثير وتصحيحه كلاما كثيرا وعدوه ~~سؤالا قويا واقعا على المعلل. وقالوا: إذا أورد ms675 السائل هذا السؤال فيجب أن ~~ينظر المعلل فإن وجد له تأثيرا في الحكم بين التأثير وإن لم يجد له تأثيرا ~~فله أن يجيب ويقول إن له تأثيرا في طرد العلة والمأخوذ على طرد العلة لا ~~العكس وعلل الشرع من شرطها الاطراد دون الانعكاس بل إذا كانت مطردة منعكسة ~~تترجح به العلة ومثاله ما يحتج به في زكاة الحلى فيقول إنه مال مصروف من ~~جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه مباح يسقط عنه الزكاة كما لو جعل مال ~~التجارة للقنية فقالوا قولكم لوجه مباح لا تأثير له في الأصل فإنه إن كان ~~بوجه محظور يسقط الزكاة أيضا فإنه لو كان له إبل سائمة فصيرها معلوفة بعلف ~~مغصوب تسقط عنه الزكاة وإن كان بوجه محظور والمعلل يقول له تأثير في الطرد ~~والعكس غير مأخوذ على بل إذا كانت تطرد يكفى فأجيب عنه أيضا فقيل إن عدم ~~التأثير هو نقض لعكس العلة ولا يلزم نقض العكس. # وبيان هذا: أنى إذا قلت: مال مصروف من جهة النماء إلى غير جهة النماء ~~بوجه مباح فإذا ادعيت عدم التأثير صار كأنك قلت لى: إذا عللت بهذه العلة ~~تصير كأنك عللت بعكسه وقلت إن المال إذا كان مصروفا من جهة النماء إلى غير ~~جهة النماء بوجه محظور يجب فيه الزكاة ثم نقضت هذا العكس بالإبل السائمة ~~إذا جعلها معلوفة بعلف مغصوب أو جعلها عوامل في قطع الطريق فإنه مال مصروف ~~من جهة النماء إلى غير جهة النماء بوجه محظور والزكاة ساقطة فيكون هذا نقضا ~~لعكس العلة ونقض عكس العلة لا يقدح في العلة بعد أن سلم الطرد والأصل في ~~الجواب عن هذا السؤال أن التأثير إذا ذكر للعلة. فيقول القائل: لا تأثير له ~~غير مسموع والعكس الذى يورده # PageV02P220 # السائل فسبيل المعلل أن يبين المعنى فيه ويخرجه على المعنى الذى اعتمده. # وأما الكلام في المعارضة1 فقد قال: أبو زيد ليس للسائل بعد الممانعة إلا ~~المعارضة ونحن قد بينا الممانعة قبل المعارضة سؤالين واقعين وهو النقض ~~وفساد الوضع ms676 وذكرنا وجه توجههما على العلة. # واعلم أن المعارضة قد تكون بعلة أخرى وقد تكون بعلة المعلل بعينها ~~فالمعارضة بعلة المعلل تسمى قلبا2 وتسمى مشاركة في الدليل. # ومثاله أن يقول المخالف3: عضو4 من أعضاء الطهارة فلا يكفى في إيصال الماء ~~إليه ما يقع الاسم عليه5 دليله الوجه. فيقول خصمه: وجب أن لا يكون مقدرا ~~بالربع قياسا على الوجه وسائر الأعضاء. ويقول القائل: في الاعتكاف لبث في ~~مكان مخصوص فلا يكون بمجرد قربة6 قياسا على الوقوف بعرفة فيقول خصمه7: وجب ~~أن لا يكون الصوم شرطه دليله الوقوف بعرفة. # واختلف أصحابنا في هذه المعارضة فمنهم من قال: هذه المعارضة غير صحيحة ~~لأنها معارضة في غير الحكم الذي علله فلا يلزم الجواب عنه. # ألا ترى: أنه إذا استأنف قياسا في حكم آخر لم تكن معارضة وأيضا فإن أوصاف ~~PageV02P221 # علة المعلل لا تصلح للحكم الذى ذكره القلب1. # وقال أبو علي الطبرى: القلب من ألطف ما يستعمله المناظر وهو معارضة صحيحة ~~لأن المعلل لا يمكنه الجمع بين علته وبين موجب قلبه فصارا متعارضين وأنزل ~~ذلك منزلة المعارضة من أصل آخر وقد استدل المخالف في المنع من نقض البناء ~~لرد الساجة بأن في الرد إضرار والضرر والضرار منفى في الشرع. فيقال له: في ~~المنع من الرد أو إطلاق المنع إضرار يعنى لصاحب الساجة فإن منع الملك من ~~المالك ضرر فيتعارض الضرر والضرار فتحصل المشاركة في نفس ما جعل المعلل ~~دليلا لنفسه وكذلك يستعمل مثل هذا في مسألة الملتجئ إلى الحرم فإن المخالف ~~يقول وجب أن يصير آمنا في نفسه. فيقول الخصم له: وجب أن يصير آمنا على نفسه ~~حتى لا يلحقه الفوات والذى قاله من دفع القلب بأن المعارضة وجدت في غير ~~الحكم الذى علل له المعلل فليس بشئ لأن الجمع بين موجبى التعليل إذا تعذر ~~تبين وجود المعارضة وأما قوله: إن الأوصاف ليست بمؤثرة في القلب. # قلنا: قد تكون مؤثرة وقد تكون مثل أصل العلة من المعلل على أن بينا أن ~~طلب التأثير واجب فإذا بين ms677 المعلل التأثير فيجب أن يطلب من القالب التأثير ~~أيضا وعلى هذا ينبغى أن يصحح ماله التأثير وإذا قلب التسوية فقد اختلف فيه ~~الأصحاب والأصح أن لا يكون متوجها لأنه لا يمكن فيه التصريح بحكم العلة ~~ويقال في توجيه سؤال القلب: إنه إذا علق على العلة ضد ما علقه المعلل من ~~الحكم فلا يكون تعليق أحد الحكمين أولى من الآخر فبطل تعليقهما بها وهو على ~~أضرب: PageV02P222 # أحدهما: أن يكون الحكمان مفصلين. # والآخر: أن يكونا مجملين. # والثالث: أن يكون أحدهما مجملا والآخر مفصلا. # أما المفصلان فضربان: # أحدهما: أن تناقضا بأنفسهما حتى يقول المعلل وجب أن يجوز. # والآخر يقول: وجب أن لا يجوز وهذا شئ لا وجود له. # وإنما إذا لم يتناقضا بأنفسهما بل بواسطة مثل أن يقول في استيفاء القصاص ~~بغير حق قتل على جملة القصاص فيجوز بالآلة التي وقع القتل بها كما لو قتل ~~بالسيف وقد بينا توجه هذا السؤال لأن أحد الحكمين إذا ثبت انتفى الآخر ~~فليست العلة بأن تدل على أحد الحكمين بأولى من أن تدل على الآخر. # وأما إذا كانا مجملين: # فيجوز أن يقول أحدهما: وجب أن يكون من شرط هذه العبادة معنى ما. # والآخر أن يقول: وجب أن لايكون من شرطها معنى من المعانى وهذا أيضا لا ~~وجود له. # وأما إذا كان أحدهما مجملا والآخر مفصلا فضربان: # أحدهما: أن يكون المجمل على حكم التسوية نحو أن يقول القائل وجب أن يستوى ~~حكم كذا وكذا وقد بينا. # والآخر: أن لا يكون على وجه التسوية مثل تعليل المعلل في الاعتكاف لبث في ~~مكان مخصوص فكان من شرطه اقتران معنى من المعانى دليله الوقوف فيقول الخصم ~~وجب أن لا يكون الصوم من شرطه وهذا سؤال متوجه لما بينا من قبل بأن اعترض ~~على قلب وجه من وجوه الفساد فسد القلب وصح التعليل المعلل ومن القلب أيضا ~~جعل المقلوب علة وجعل العلة معلولا ومثاله في ظهار الذمي فإن أصحابنا ~~قالوا: من صح طلاقه صح ظهاره فقلبوا وقالوا في الأصل إنما صح ms678 طلاقه لأنه صح ~~ظهاره ونظائر هذا تكثر. # وقد قيل: إن القلب نوعان: # أحدهما: جعل الأسفل أعلى وجعل الأعلى أسفل كقلب الإناء بجعل أسفله أعلاه ~~وأعلاه أسفله. # PageV02P223 # والقلب الآخر: أن يجعل باطنه ظاهره وظاهره باطنه مثل قلب الجراب. # فمثل الأول أن يجعل المعلول علة والعلة معلولا وهو مبطل للتعليل لأن ~~العلة واجبة والمعلول هو حكم الواجب به كالفرع من الأصل فلم يجز أن يكون ~~الحكم علة والعلة حكما فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل ومثاله ~~كثير من ذلك أن يقول القائل في مسألة إيجاب الرجم إن الكفار جنس يجلد ~~أبكارهم مائة فيرجمهم قياسا على المسلمين فيقال في الأصل جنس رجم ثيبهم ~~فجلد أبكارهم وكذلك في قول القائل: إن القراءة تكررت فرضا في الأوليين ~~فتكررت في الأخرتين كالركوع والسجود فيستعمل في الأصل على الوجه الذ بينا ~~وقد أجابوا عن هذا وقالوا: هذا القلب لا يضر لأن الشئ يصح أن يكون دليلا ~~على الشئ وذلك الشئ يكون دليلا عليه كما في العقليات فإن يجوز أن يقال: ~~بوجوده فيجوز رؤيته ويقال يجوز رؤيته فيكون موجودا وكذلك تكون النار دليلا ~~على الدخان والدخان دليلا على النار. # ويتأيد هذا الجواب بقول من قال: أنا أجعل أحد الحكمين دليلا على الآخر ~~ولا أخرج الكلام مخرج التعليل وهذا كلام صحيح إذا ثبت أن الشيئين نظيران ~~شرعا فيدل ثبوت أحدهما على ثبوت الآخر أنهما كانا كالتوأمين فإن عتاق ~~أحدهما إنما كان يدل على عتاق الآخر وأما القلب الآخر فهو أن نجعل العلة ~~شاهدا لك على خصمك وهو من قلب الجراب فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرا فانقلبت ~~وصارت لك على خصمك وقد كان ظهرها أليك فصار وجهها أليك وإنما توجه هذا ~~السؤال لأن العلة لما شهدت لك وعليك في حكم واحد فصار أحدهما يعارض الآخر ~~ويفضى كل واحد منهما [إلى] صاحبه فبطلا جميعا وذكروا لهذا نظيرا وقالوا في ~~قول من قال من أصحابنا إنه صوم فرض فيشترط لصحته نية العين قياسا على صوم ~~القضاء. فيقال في قلبه: صوم فرض ms679 فلا يشترط له نيه التعيين بعد التعيين ~~قياسا على قضاء رمضان فإن صوم رمضان متى تعين لم يشترط بعده نية التعيين ~~إلا أنه يتعين بعد الشروع وهذا يتعين قبل الشروع والملخص من القلب بذكر ما ~~هو الوصف في الحكم الذى علل له دون الحكم الذى قاله خصمه وقد ذكر والعكس ~~عند ذكر القلب وجود عكس حكم العلة بقلبها وهو ضد الطرد ونظيره. قول القائل: ~~جنس يجلد أبكارهم مائة فيرجم بينهم وعكسه العبيد كما قال المخالف في الصوم: ~~إنه عبادة يلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع # PageV02P224 # كالحج وعكسه الوضوء وهذا مما يقوى الاستدلال بالحكم ويدل أنه نظير حيث ~~استويا طردا وعكسا وثبوتا وسقوطا. # وأما المعارضة بعلة أخرى فنوعان: # أحدهما: معارضة في حكم الفرع. # والآخر: معارضة في علة الأصل. # أما المعارضة في حكم الفرع فالصحيح في ذلك أنه إذا ذكر المعلل علة في ~~إثبات حكم في الفرع أو نفى حكم فيعارض خصمه بعلة أخرى توجب ضد ما يوجب علة ~~المعلل فتتعارض العلتان فيمتنعان في العمل إلا أن يترجح إحدى العلتين على ~~الأخرى فحينئذ يعمل بالعلة الراجحة. وهذا المعارضة تجئ على كل علة يذكرها ~~المعلل مثاله ما يقول في تكرار مسح الرأس1: إن هذا ركن في الوضوء فيسن ~~تثليثه كغسل الوجه. فيعارض الخصم فيقول مسح الرأس [مسح] 2 فلا يسن تثليثه ~~كالمسح على الخفين3. # وأما المعارضة في علة الأصل فهو أن يبين في ألصل علة سوى علة المعلل. ~~وتكون تلك العلة معدومة في الفرع ويقول: إن الحكم ثبت بهذه العلة التي ~~ذكرتها في الأصل لا بالعلة التي ذكرتها. مثاله ما يقول الحنفى في تبييت ~~النية إن هذا صوم عين فيتأدى بالنية قبل الزوال كالنفل4. فيقال: ليس المعنى ~~في الأصل ما ذكرت لكن المعنى في الأصل النفل بناء على السهولة والخفة فلما ~~بنى أمر على الخفة والسهولة له جاز أداؤه بنية متأخرة عن الشروع بخلاف ~~الفرض فإنه لم يبن على السهولة والخفة فلا يجوز بنية متأخرة وهذا هو الفرق ~~الذى جعله كثير من فقهاء الفريقين أقوى ms680 سؤال وظنوه فقه المسألة وبه تمسك ~~المناظر من فقهاء [غزنة] وكثير في بلاد خراسان زعموا أن الفقه هو الفرق ~~والجمع وعند المحققين هذا ضعف سؤال يذكر وليس مما تتبين العلة التي نصبها ~~المعلل بوجه لأن نهاية ما في الباب أن الفارق بين الفرع والأصل يدعى معنى ~~في الأصل عدم ذلك المعنى في الفرع ولم يتعرض للمعنى الذى نصبه المعلل. ~~ويجوز أن يكون الأصل معلولا بعلتين وكل علة موجبة للحكم بانفرادها ووجدت ~~إحدى العلتين PageV02P225 # فى الفرع وعدمت الأخرى وإحدى العلتين كافية لوجوب الحكم والحرف أن يقال ~~بأن وجد في الأصل معنى لا يوجد في الفرع من أن ينبغى أن تفسد هذه العلة. # ببينة: أنا ذكرنا يعنى في الفرع ووجد هذا المعنى في الأصل وهو ذكر معنى ~~في الأصل وعدم ذلك المعنى في الفرع والعدم لا يكون حجة والعلة الموجودة لا ~~تعارض بما عدم في العلة ويعتبر مما ذكرنا بعبارة أخرى فيقول ليس فيما ذكر ~~من الفرق إلا وجود علتين في الأصل ووجدت إحدى العلتين في الفرع ولم توجد ~~الأخرى فيقول إذا وجدت إحدى العلتين في الفرع وجب وجود حكمها فيه ولم يلزم ~~انتفاؤه لانتفاء العلة الأخرى لأن انتفاء العلة لا يقتضى انتفاء حكمها إذا ~~خلفتها علة أخرى وأيضا فإن الفارق بين مفارقة الأصل والفرع ووجود المفارقة ~~دليل صحة العلة فإن الأصل يكون مفارقا للفرع في بعض الوجوه ولولا تلك ~~المفارقة لم يمكن الجمع بينهما ببعض الوجوه مفيدا للحكم لأن الشئ لا يدل ~~على نفسه ولأن القياس إلحاق فرع بأصل فلابد من وجد المفارقة بينهما ليكون ~~أحدهما أصلا والآخر فرعا. # وصورة هذا أنا نقيس الأرز والذرة على الحنطة والشعير في حكم الربا وعلى ~~قطع نعلم وجود المفارقة بينهما في أوصاف كثيرة والمفارقة في تلك الأوصاف لم ~~تمنع صحة القياس. # وقد ذكر بعضهم نوعا آخر من الفرق وهو أن يبين الخصم في الأصل علة غير علة ~~صاحبه ويعديه إلى فرع آخر واختلفوا فيه وسموا هذا فرق تعدية فبعضهم حكم ~~بصحته وبعضهم بفساده مثاله ms681 ما يقول الحنفى في نكاح الأخت في عدة الأخت ~~معتدة عن طلاق فيمنع زوجها عن نكاح أختها دليله المعتدة عن طلاق بائن فيقول ~~خصمه ليس المعنى في الأصل أنها معتده بل المعنى أنها منكوحة لأن عندنا ~~الطلاق البائن لا يقطع النكاح وفى هذه الصورة لا يمكن كل واحد من الخصمين ~~أن يقول بالمعنيين صاحبه فيعارض كل واحد من المعنيين فيبطلان ويبقى الأصل ~~بلا معنى فلا يكون حجة. # واعلم أنه إذا فرق على هذا الوجه فلابد أن يبين المعلل صحة علته وفساد ~~علة الخصم فإذا بين ذلك بطل السؤال والفرق مع التعدية في مسألة الثيب ~~الصغيرة وإجبار البكر البالغة أبين ولابد من الرجوع إلى حرف المسألة وبيان ~~الإخالة في الوصف الذى يدعيه المعل علة فثبت أن الفرق اعتراض فاسد وكذلك ~~أراه الحكم مع # PageV02P226 # عدم العلة اعتراض فاسد فإن الحكم ثبت بعلل. # ألا ترى: أن ملك اليمين يثبت بالشراء والارث والهبة وأسباب أخر فثبوت ~~الملك بلا شراء لا يدل على أن الشراء ليس بعلة الملك فكذلك ثبوت الحكم بدون ~~علة جعلها المعلل علة لا تدل أن ما جعله من العلل ليس بعلة بل هو علة وغيره ~~علة فإن وجدت هذه العلة يثبت الحكم وإن وجد غيرها وابعد من هذه يثبت الحكم ~~أيضا وقد ذكرنا من قبل طرفا من هذا1. PageV02P227 ### | فصل: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها # ... # فصل: ونقول: إن العلل قد لا يجتمع كونها عللا لتنافى أحكامها: # فالمتنافية أحكامها لابد أن يكون أصلها أكثر من واحد ويستحيل أن يكون ~~أصلها واحدا لأنه لو كان أصلها واحدا على وجه واحد لكان قد اجتمع في الأصل ~~حكمان متنافيان وذلك محال. # ومثال التنافى في العلتين المردودتين إلى أصلين: وجوب النية في التيمم ~~ونفى وجوبها في إزالة النجاسة ورد الوضوء إلى إزالة النجاسة بعلة أنها ~~طهارة بالماء ورده إلى التيمم بعلة أنها طهارة عن حدث فالتنافى موجود في ~~هاتين العلتين لتنافى حكمهما وإنما تحقق التنافى لاختلاف الأصلين فأما مع ~~الاتفاق الأصلى فلا يتصور ms682 وقد يمتنع كون العلل عللا لوجه سوى تنافى الحكمين ~~وذلك بأن لا يكون في الأمة من علل ذلك الأصل بعلتين. بل تكون الآمة قد ~~افترقوا فكل فريق منهم علله بعلة واحدة وهذا كتعليل من علل تحريم التفاضل ~~في الربا بالطعم2 وتعليل من علل PageV02P227 # بالكيل1 وتعليل من علل بالقوت2 وليس واحد من هؤلاء من يعلله بجميع هذه ~~العلل فوجب القول بتنافى هذه العلل فمن علل في القليل من البر بأنه مطعوم ~~جنس فأشبه الكثير فإذا رد الخصم: وقال: المعنى في الكثير أنه مكيل جنس فلا ~~يمكن للمعلل أن يقول بالمعنيين جميعا كما ذكرنا فلابد من بيان الترجيح ~~وبيان التأثير لإحدى العلتين دون الأخرى حتى تصح العلة المؤثرة وتبطل ~~الأخرى. # واعلم: أن بعض الجدليين ذهب إلى أن المعارضة غير مقبولة من السائل لأنه ~~ينتهض مستدلا والذى يقتضيه رسم الجدل أن يحصر السائل كلامه كله في الاعتراض ~~المحض يدل عليه أن العلة لا تكون مخيلة صحيحة ألا بعد إقامة الدليل على ~~صحتها وإذا انتصب السائل لذلك تصور بصورة البانيين المبتدئين لا بصورة ~~الهادمين المعترضيين وهذا فصل تعلق به طائفة من الجدليين وهو باطل عند ذوى ~~التحقيق من جهة أن المعارضة اعتراض وإنما قلنا إنه اعتراض لأن العلة التي ~~يتمسك بها المجيب لا تكون حجة ما لم يسلم عن المعارضة فإن المعارضة توجب ~~وقوف الحجة بدليل البينات وبدليل أن القرآن إنما صار حجة عند سلامته من ~~المعارضة وإذا ثبت أن المعارضة تمنع ثبوت الحجة وكان إيراد المعارضة ~~اعتراضا صحيحا لأن الدليلين إذا تعارضا في محل واحد بحكمين مختلفين فلا ~~يكون أحد الحكمين أولى من صاحبه وأيضا فإنه إنما يعتمد في القياس قوة الظن ~~وإذا تعارض الدليلان ولم يظهر ترجيح يفوت قوة الظن لأن الظن إذا قابله مثله ~~يقع بينهما التعارض تفوت الحجة من كل واحد منهما حتى يترجح أحد الظنين على ~~صاحبه فيصير القوة له على الآخر ويكون الحكم له. # فإن قال: قائل إن السائل وأن قصد الاعتراض ولكنه قد أتى بصورة الدليل ~~المبتدأ ms683 فيكون ممنوعا من ذلك. # قلنا: صورة الأدلة ما امتنعت من السائلين من حيث إنها تسمى أدلة وإنما ~~امتنعت إذا كان السائل مضربا عن قصد الاعتراض آتيا بكلام مبتدإ لا معترضا ~~وقد بينا أن بهذه المعارضة معترض. # ببينة: أنه لما سمع منه اعتراض لا يستقل في نوعه كلاما مفيدا فإذا كان ~~يستقل في PageV02P228 # نوعه كلاما مفيدا ويقدح في كلام الخصم اعتراضا أولى أن يقبل. # فالجواب عن المعارضة: أن يعترض عليها المجيب بمسلك من المسالك المذكورة ~~في الاعتراضات الصحيحة أو يبين ترجيح علته على علة صاحبه فإن لم يتأت له ~~واحد من المسلكين كان منقطعا وأن يرجح المجيب علته فللسائل أن يبين ترجيح ~~علته فيعارض الترجيح بالترجيح كما عارض العلة بالعلة ومن نزق1 السائل وقلة ~~فهمه أن يتشوف إلى الازدياد على قصد المساواة فإنه إذا فعل ذلك يكون على ~~منهج المبتدئين لا على منهج المعترضين فيكون حينئذ منسوبا إلى الجهل بمراسم ~~الجدل ولم يقبل منه قصده إلى شئ ورأى المساواة فإن ذكر المعلل ترجيحا واحدا ~~وذكر السائل ترجيحين فهو محاور ليتبوأ القصد وإن عارض ترجيح واحد ولكنه ~~أوقع من ترجيح المسئول فهذا لا يقبل منه فإنه قد لا يوجد غيره. PageV02P229 ### | فصل: هل الفرق اعتراض صحيح # ... # "فصل" # وقد يزعم بعض أصحابنا أن الفرق اعتراض صحيح واستدل في ذلك بأن شرط صحة ~~علة الخصم خلوها عن المعارضة فإذا عارض معارض امتنعت صحتها. # قال: وحقيقة هذا الكلام راجعة إلى أن المعلل لا يستقر كلامه لما لم يبطل ~~بمسلك السبر كل ما عدا علته مما يقدر التعليل به فإذا علل ولم يسبر بعوض ~~معنى الأصل فكأنه طولب بالوفاء بالسبر ويتبع كل ما سوى علته بالنقض ~~والإبطال. ثم قالوا: هذا راجع إلى تعليل الأصل بعلتين لا يجوز. # واعلم أن هذا باطل أما قوله: إن شرط صحة التعليل خلوها من المعارضة فليس ~~بشئ لأن المعارضة إنما تكون قادحة إذا وجدتا في حكمين على التضاد واما إذا ~~أدركته علتان لحكم واحد فلا يكون قادحا ولا يسمى معارضة. # وقوله: إنه ms684 لا يصح تعليل المعلل ما لم يبطل كل ما عدا علته فقال لهذا ~~القائل: ومن قال هذا؟ ولأى معنى يجب؟ وإنما وجب عليه أن يذكر علة مخلة في ~~الحكم مناسبة له. ثم إذا وجد لها فرعا ألحقه بالأصل الذي استنبط منه العلة ~~في الحكم2. PageV02P229 # فأما السبر والتقسيم وإبطال كل علة سوى العلة المذكورة فليس بشئ وقد نسب ~~هذا إلى أبى بكر الباقلانى ومن كلف المعلل هذا أو رام تصحيح العلة من نفسه ~~فقد أعلمنا من نفسه أن الفقه ليس من بابته1 ولا من شأنه وإنما دخل فيه ~~مدعيا له وقد بينا من قبل بطلان قول من يطلب تصحيح العلة بهذا الطريق ~~وبلغنا فيه شفاء يثلج الصدر. # وقولهم: إنه التزم ذلك من يقول إنه التزم ذلك وأبى في تعليل المعلل إبطال ~~كل علة سوى علته فهذا من الترهات والخرافات وكذلك قول من يقول: إن تعليل ~~الأصل لا يجوز بعلتين وقد بينا هذا من قبل وذكرنا جوازه ومتى يمتنع في شرع ~~أو حكم أن يكون على الحكم الواحد دلائل وهذا أيضا فإن سبق فلا معنى للإعادة ~~وهذا لأن الجامع لم يلتزم بجمعه مساواة الفرع والأصل في كل القضايا وأنما ~~مغزاه ومقصده اجتماع الفرع والأصل الذى يبغيه فإذا استتب له ما يريده من ~~ذلك لم يلزمه سواه. PageV02P230 # ببينة: أن كل سؤال استمكن المعلل من الاعتراف بمقتضاه مع الاستقرار على ~~مقصده من العلة فليس هو بقادح وإنما الاعتراض القادح ما يرد مناقضا لمقصود ~~المستدل نعم يجوز أن يمكن من إبطال الجمع بأن يحرم ما جاء به المعلل زاعما ~~أنه مناسب مخل فيبين أن الذى تعلق به غير متبع بالحكم فيكون هذا سؤالا ~~واقعا يستغنى به عن الفرق. # وحكى الشيخ أبو المعالى عن القاضى أبى بكر أن الفرق سؤال صحيح واحتج في ~~ذلك بأن السلف الذين تبعناهم في أمر القياس والاحتجاج به قد كانوا يفرقون ~~ويجمعون وثبت اعتبارهم بالفرق حسب ثبوت تعلقهم بالجمع وقد نقل ذلك في وقائع ~~جرت في مجامع من أصحاب النبى صلى ms685 الله عليه وسلم منها القصة المعروفة في ~~إجهاض المرأة وإلقائها الجنين واستشارة عمر الصحابة رضى الله عنهم في ذلك. ~~فقال عبد الرحمن ابن عوف: إنما أنت مؤدب ولا أرى عليك شيئا. فقال علي: إن ~~لم يجتهد فقد غشك فإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الغرة فكأن عبد الرحمن حاول ~~تشبيه تأديبه بالمباحات التي لا تعقب ضمانا وجعل الجامع أنه فعل ما له أن ~~يفعله فاعترض عليه على وتشبث بالفرق وأبان أن المباحات المضبوطة ليست ~~كالتعزيرات التي يجب الوقوف فيها دون ما يؤدى إلى الإتلاف. # قال: ولو تتبعنا معظم ما خاض فيه الصحابة من المسائل علمنا أنهم كانوا ~~يفرقون ويجمعون. ثم قال: بعد هذا ولا يبين مدرك الحق إلا بتفصيل نبديه وبه ~~يتبين المختار ويدرك الحق في الفرق. فنقول رب فرق ملحق للجامع بالطرد وإن ~~كان لولاه لكان الجمع مؤثرا مخيلا. # فما كان كذلك فهو مقبول لا محاله غير معدود من الفروق التي لا تقبل ومن ~~آيه هذا القسم أن الفارق يعيد جمع الجامع ويزيد فيه عليه ما يوضح بطلان ~~أثره مثال ذلك أن الحنفى إذا قال في البيع الفاسد معاوضة جرت على تراضى ~~فيصير الملك كما في البيع الصحيح فيقول الفارق المعنى في الأصل أنه معاوضة ~~جرت على وفق الشرع فنقل الملك بالشرع بخلاف البيع الفاسد فإنه ينتقض هذا ~~الكلام مبطلا إخاله المعلل وما ادعاه من إشعاره بالحكم مقبول ومن خصائصه ~~إمكان البوح فيه بالغرض على سبيل الفرق بأن يقول السائل لا تعويل على ~~التراضى على البيع الشرعى في الطرق الناقلة للملك قال: ومما يقع مدانيا ~~لهذا أن الحنفى إذا قال: طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية كإزالة النجاسة # PageV02P231 # فالفارق بعيد [فى] كلامه ويقول المعنى في الأصل أنه طهارة عينية بالماء ~~والضوء طهارة حكمية ومقصودة أن يجزم فقه الجامع ويلحقه بالطرد وهذا الأول ~~وذكر مثالا آخر في مسألة مع ملك ثم قال: إن الفرق إذا بطل فقه الجمع فلا شك ~~في كونه اعتراضا والفرق والجمع إذا ازدحما على فرع في ms686 محل النزاع فالمختار ~~فيه عندنا اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل بطل الجمع وإن كان الجمع أخيل ~~سقط الفرق وإن استويا أمكن أن يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتتا على ~~صيغة التساوى وإن أمكن أن يقال: إن الجمع مقدم من جهة وقوع الفرع بعده غير ~~مناقض له والجامع يقول لم ألتزم انسداد مسالك الفرق جملة. # قال: وحاصل القول في مذاهب الجدليين يئول إلى ثلاثة مذاهب: # أحدها: رد الفرق ورد المعارضة أيضا في الأصل والفرع جميعا. # والمذهب الثانى: وهو منسوب إلى ابن سريج وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق أن ~~الفرق ليس بسؤال على حالة واستقلاله وأما المعارضة في الفرع فمقبولة وهى ~~سؤال متوجه. # والمذهب الثالث وهو الصحيح: أن الفرق مقبول1 وليس الغرض منه مقابلة علة ~~الأصل بعلة الغرض منه مناقضة الجمع ثم المقبول منه ينقسم إلى ما يبطل الجمع ~~ويلحقه بالطرد أصلا ومنه ما لا يبطل فقه الجمع بالكلية ولكنه يشترط على فقه ~~آخر مناقض لقصد الجامع ثم ذلك ينقسم إلى زائد في الإخالة على العة وإلى ~~مساو لهما. # قال: والقول الوجيز: إن قصد الجمع ينتظم بفرع وأصل ومعنى يشتمل على ذكر ~~أصل وفرع وهما يفترقان وهذا يقع على نقيض غرض الجمع ومن ضرورته معارضة ~~PageV02P232 # الأصل والفرع ولكن الغرض منه مضادة الجامع بوجه فقهى أو بوجه تشبيه إن ~~كان القياس من نفس التشبيه فعلى هذا لو سمى مسمى الفرق معارضة لم يكن ~~متعديا ولكن ليس الغرض منه الإتيان بمعارضين على الطرد والعكس بل المقصد ~~منه فقة ينتظم من معارضات يشعر بمفارقة الفرع للأصل على مناقضة الجمع فهذا ~~سر الفرق ومن وفر حظه من الفقه وذاق حقيقته أستبان أن المعارضة الكبرى التي ~~عليها يتنجاز الفقهاء وهو الفرق والجمع والجامع أبدا يأتى ما يخيل اقتفاء ~~الجمع والفارق يأتى بأخص منه مع الاعتراف بالجمع له الذى أبداه الجامع وبين ~~الفارق الفرع والأصل إذا افترقا في الوجه الخاص كان الحكم بافترقهما أوقع ~~من الحكم بالجمع الذى أبداه باجتماعهما في الوصف ثم يتجاذب الجامع والفارق ~~أطراف ms687 الكلام هنا سرد كلامه مع اختصاره اخترته لئلا يطول ونحن نقول أما ~~الذى حكاه عن أبى بكر الباقلانى فقد حاول شيئا بعيدا لأن الفرق والجمع على ~~الوجه الذى نخوض فيه ما نقل عن الصحابة أصلا وإنما كانوا يتتبعون التأثيرات ~~ومن تأمل فيما نقل عنهم علم مغزاهم في كلامهم وتيقن أنهم كانوا ينقلون ~~المعاني المؤثرة والذى نقل عن عبد الرحمن بن عوف أنه أشار إلى عمر مؤدب وإن ~~ما فعله حق فهو معنى صحيح والذى أشار إليه على في وجوب الضمان عليه معنى هو ~~ألطف من المعنى الأول وإن كان لم يصرح به فقد بينا أن المراد من كلامه أنه ~~وأن كان مباح التأديب ولكنه مشروط بالسلامة لأنه أمر ليس بحتم بل هو جائز ~~فعله وجائز تركه ولم يكن على حد مضبوط في الشرع وتقدير قدره فيطلق فعله ~~بشرط السلامة فليس هذا الكلام من الفرق والجمع الذى نحن فيه بسبيل ولا ندرى ~~كيف وقع هذا الخبط من هذا القائل وأين وقع الفرق فنحن لا ننكر الفرق ~~بالمعانى المؤثرة وترجيح المعنى على المعنى وإنما الكلام في شئ وراء هذا ~~وهو أن المعلل إذا ذكر علة قام له الدليل على صحتها بالوجوه التي قلناها ~~فإذا فرق فارق بين الأصل والفرع بمعنى أبداه فإن كان فرقا لا يقدح في ~~التأثير الذى لو كان المعلل في الحكم فيكون الفرق فرق صورة ولا يلتفت إليه ~~وإن فرق معنى مؤثر في حكم الأصل فنهاية ما في الباب أن الحكم في الأصل يكون ~~معللا بعلتين مؤثرتين وإحدى العلتين وجدت فرعا أثرت فيه وألحقته بالأصل ~~والأخرى لم تجد فرعا يؤثر فيه فكيف يقدح هذا في الجمع الذى قصده المعلل وأن ~~يبقى الفارق معنى مؤثرا في التفريق بين الفرع والأصل فالذى يقدح هو بيان ~~معنى مؤثر في الفرع يفيد خلاف الحكم الذى أفاده المعنى الأول فلابد لهذا من ~~اسناده إلى أصل فحينئذ يكون # PageV02P233 # معارضة ولا يكون الفرق الذى يقصد بالسؤال ونحن قد بينا أن المعارضة قادحة ~~والتقسيم الذى قسمه في ms688 الفرق يبين أن الفرق على ما يقتضيه بعض التأثير ليس ~~بصحيح بل إنما يصح الفرق على وجه يكون فيه إبداء سقوط فقه المعلل من العلة ~~لكن أخرجه على صيغة الفرق والمثال الذى ذكره من مسألة البيع الفاسد ليس مما ~~يتكلم فيه من شيء لأن البيع الذى لا يمكن إثبات المشروعية فيه لا يكون ~~مفيدا للملك عند أحد من العلماء وهم لا يعتمدون على مجرد المعنى الذى ذكره ~~لكن يثبتون وصفا من المشروعية في البيع الفاسد الذى وقع فيه الاختلاف ~~فيقولون هو مشروع بأصله غير مشروع بوضعه فلهذا أوجبوا الملك ونحن ننفيها من ~~كل وجه فنقول لا يفيد الملك لأن المشروع من الملك لا يثبت إلا بسبب مشروع ~~فعلى هذا يقع تنازع الخصوم وتجالب المعانى وأما مسألة النية في الوضوء ~~فعندنا قولهم طهارة بالماء علة باطلة ما لم يثبتوا المعنى المؤثر في ذلك ~~وقول من قال من أصحابنا طهارة حكمية أيضا باطلة مل لم يبين التأثير على ~~الجملة لا يتصور بوجهه سؤال الفرق معنى بيان علة أخرى في الأصل للحكم نعم ~~إذا عكس ذلك المعنى في الفرق وبين تأثيره في الحكم على خلاف ما توجبه العلة ~~وبين أصلا له فحينئذ تكون معارضة وقد بينا الكلام في المعارضة ونحن لا ~~نبالى بغضب من يغضب بسبب إفساد الفروق على ما يعتاده المتفقهة الذين لا ~~يرجعون إلى تحقيق ورضوا بصور ينتصبون للذب عنها والدفع عن حزبها ويتصالحون ~~عليها من الجانبين ويظنون أن ذلك هو المطلوب في المسائل في الفقه منهم كبعد ~~الإنسان من مناط الثريا والذى ادعاه هذا الذى حكينا قوله أن فيما قلته بيان ~~سر المسألة فلا ينكشف من سره إلا الذى قدمناه ومن حاول توجيه سؤال الفرق ~~إلا معارضة المعنى في الفرع بمعنى آخر وتمسكة بأصل آخر فقد رام شيئا بعيدا ~~وطلب ما لا يوصل إليه بحيلة ما فليفهم المعترض وجوه الاعتراضات على النمط ~~الذى قلناه وليعلم أن السؤال الصحيح على العلة المؤثرة الممانعة المعارضة ~~ويورد النقض وفساد الوضع على بيان أن ms689 الوصف غير مؤثر ويظهر الوجه الذى قلنا ~~عدم تأثيره بتوجه هذين السؤالين والله ولى المعونة في التمييز بين الحق ~~والباطل منه وقد ذكر الأصحاب فيما يتصل بالفرق كلاما طويلا كثيرا ونحن إذا ~~لم نره صحيحا إلا في المعارضة بجانب الفرع لم نر لذكر ذلك فائدة فاعترضنا ~~عن جميعه وذكروا أيضا كلاما كثيرا وأمثلة في وجوه الاعتراضات الفاسدة وفيما ~~ذكرناه كفاية فلا معنى لتسويد البياض وإملال الناظر فيما لا يعود بفائدة ~~والله العاصم بمنه. # PageV02P234 ### | فصل: الترجيحات في العلل # ... # "فصل" # ولما ذكرنا توجه سؤال المعارضة فلابد أن نذكر الكلام في الترجيحات ونبين ~~وجوه ذلك فنقول: أولا إن: # تعارض العلتين على ضربين: # أحدهما: أن تتعارضا في حق المجتهدين فلا يوجب التعارض فسادهما لأن كل ~~واحد منهما مكلف باطل ما أداه إليه اجتهاد. # والضرب الثانى: إن تعارضا في حق مجتهد واحد فيوجب التعارض فسادهما إلا أن ~~يوجد ترجيح لإحدى العلتين على الأخرى. # ثم اعلم: أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم لأن العلم لا يتزايد ~~وإن كان يجوز أن يكون بعضه أقوى من بعض وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب ~~للعلم وبين دليل موجب للظن لأن المفضي إلى الظن لا يبلغ رتبة الموجب للظن ~~ولو رجح الدليل المفى إلى الظن بكل ترجيح لكان الدليل الموجب للعلم مقدما ~~عليه ثم متى تعارضت العلتان المقربتان للظن فلا شك أن العلة القياسية لا ~~تفيد الظن فإذا لم يكن بد من ترجيح إحديهما على الأخرى فنقول: # الترجيح يكون من وجوه: # أحدها: أن تكون إحديهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى منتزعة من أصل ~~غير مقطوع به فالمنتزعة من المقطوع به أقوى وأولى لأن مثلها أولى فتكون ~~أقوى1. # والثاني: أن تكون إحديهما عرفت بنطق والأخرى عرفت بمفهوم واستنباط فما ~~عرفت بالنطق أقوى فيكون المنتزع منه أقوى2. # والثالث: أن تكون إحديهما عموما لم يخص وأصل الأخرى يكون عموما قد دخله ~~التخصيص فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف فإن ~~من الناس من قال: قد ms690 صار مجازا بدخول التخصيص فيه3. PageV02P235 # والرابع: أن يكون أصل إحدى العلتين قد نص بالقياس عليه وأصل الآخر لم ينص ~~بالقياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه يكون أولى. # والخامس: أن يكون أصل إحديهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى من القياس ~~على ما ليس من جنسه. # والسادس: أن تكون إحديهما مردودة إلى أصل واحد والأخرى مردودة إلى أصول ~~فتكون المردودة إلى أصول أولى. # ومن أصحابنا من قال: هما سواء والأول أصح لأن ما كثرت أصوله يكون أقوى. # والسابع: أن تكون إحديهما صفة ذاتية1 والأخرى صفة حكمية فالحكمية تكون ~~أولى ومن أصحابنا من قال: الذاتية أولى لأنها ألزم والأول أصح لأن الحكم ~~بالحكم أشبه فيكون الدليل عليه أولى: # والثامن: أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة ~~المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط2. # والتاسع: أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالإثبات أولى لأن النفى ~~لا يكون علة على الأصح3. # والعاشر: أن تكون إحداهما اسما والأخرى صفه فتكون الصفة أولى من الاسم ~~لأن الأصح أن الاسم [لا يمكن] 4 أن يكون علة. # الحادى عشر: أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر أوصافا ومن أصحابنا ~~من قال: القليلة الأوصاف أولى لأنها أسلم ومنهم من قال: التي كثرت أوصافها ~~أولى لأنها أكثر شبها بالأصل5. PageV02P236 # والثاني عشر: أن تكون إحداهما أكثر فرعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال: ~~ما كثرت قفروعها أولة لأنها أكثر فائدة ومنها من قال: هما سواء1. # الثالث عشر: أن تكو إحداهما متععدية والأخرى واقفة بالمتعدية أولى لأنها ~~مجمع على صحتها والواقفة مختلفف في صحتها2. # الرابع عشر: أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا تنعكس فالتى ~~تطرد وتنعكس أولى لأن التي تطرد وتنعكس تكون أقوى في الظن ولأن الاطراد ليس ~~بدليل لصحة العلة وأما الاطراد والانعكاس فدليل على ما سبق3. # الخامس عشر: أن تكون إحداهما تقتضى احتياطا في الغرض والأخرى لا تقضى ~~احتياطا فالتى تقتضى الاحتياط أولى لأم القلب يكون عليه أسكن. # السادس عشر: أن تكون إحداهما ms691 تقتضى الحظر والأخرى تقتضى الإباحى فمن ~~أصحابنا من قال: هما سواء والأصح التي تقتضى الحظر أوللى لأنها أحوط4. # السابع عشر: أن تكون إحداهما تقتضى النقل من الأصل إلى الفرع الشرعى ~~والأخرى تقتضى التبقية على الأصل فالناقلة أولى ومن اصحابنا من قال: ~~المتبقية أوى والأول أصح لآنها تفيد حكما رشعيا لا تفيده هذه # الثامن عشر: أن تكون إحداهما توجب حدا والخرى تسقطه أو إحديهما توجب ~~العتق والأخرى تسقطه فمن أحابنا نت قال التي توجب العتق تسقط الحد أولى لأن ~~العتق مبنى على الإيقاع والتكميل والحد من على الاستنباط والدرأ ومن ~~اصحابنا من قال: لا يترجح بما بينا لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في ~~الحكم الشرع على السواء5. # التاسع عشر: أن تكون إحديهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها عموم فما ~~يوافقها العموم أولى ومن أصحابنا من قال: لا يكون أولى والأول أصح لأن ~~العموم دليل بنفسه فإذا انضم إلى القياس يقويه. PageV02P237 # العشرون: أن بكون مع إحديهما قول صحابى ولا يكون مع الأخرى فالتى معها ~~قول الصحابى أولى لأن قول الصحابى حجة في قول بعض العلماء فإذا انضم إلى ~~القياس قواه ففالأقوى أولى1. # الحادى والعشرين: أن تكون إحديهما تعم حكم أهلها والأخرى تخص حكم أصلها ~~كتعليل البر بالطعم يعم ثبوت الربا في جميع البر قليله وكثيرة وتعليله ~~بالكيل ينفى ثبوت الربا فيما رر يكال من ابر ومن التعليل منه فرجح التعليل ~~بالطعم لأنه عم حكم أصله على التعليل بالكيل لأنه خص حكم أصله. # الثانى والعشرين: أن تكون إحديهما مأخوذة من أصل متفق على تعليله والأخرى ~~مأخوذ من أصل مختلف في تعليله فتكون المأخوذة من أصل متفق على تعليله أولى. # الثالث والعشرون: أن تكون إحديهما تدخل فروعها في فروع الأخرى فيكون ~~الأعم أولى وهذا مثل تعليل الربا بالطعم يكون أولى من التعليل بالقوت لأن ~~القوت يدخل في الطعم والطعم لا يدخل في القوت. # الرابع والعشرين: أن تكون إحديهما تفيد حكما هو أزيد من الآخر كالندب ~~والإباحة فرجح الندب على الإباحة وكذلك الوجوب والندب. ms692 # الخامس والعشرون: أن تكون إحديهما موافقة للأصول والأخرى مخالفة لها. # فهذا جملة ما ذكره العراقيون2 من أصحابنا في الترجيح ذكرها القاضى أبو ~~الطيب والقاضى أبو الحسن الماورددى والشيخ أبو إسحاق الاشيرازى. # واعلم بعد هذا أت الترجيح في اللغة عبارة عن إثبات الرجحان وهو الزيادة ~~لأحد المثلين على الآخر صفة3. فقال: هذه الدراهم راجحة إذا مالت كفة ~~الدراهم على كفة السنجاات صفة وهى صفة الثقل فرجحان أحد العلتين ععلى ~~الأخرى زيادة قوة إحدى العلتين وتلك القوة رجحان. # قال أبو زيد: ولنا انضمام علة إلى علة أخرى لا توجب رجحان تلك العلة وقد ~~قال بعض أصحابنا: يترجح بذلك إلا أن الأول أصح لأن الشئ لا يتقوى إلا بصفة ~~توجد في ذاته وإنما يغير انضمام غيره إليه لا يقوى الدليل عليه المحسوسات ~~فكذلك PageV02P238 # العلة لا يتصور تقويها بانضمام علة أخرى إليها وإنما تتقوى بوجود صفة ~~فيها ولهذا قلنا: إن الشهادة لا ترجح بكثرة العدد حتى أن شهادة الأربع ~~تساوى شهادة الاثنين هذا قد منعه بعض أصحابنا ولهذا الأصل قلنا: إن صاحب ~~النصيب القليل وصاحب النصيب الكثير في الشفعة على السواء لأن كل جزء من ~~العرصة1 والشقص علة تامة في الاستحقاق بالشفعة فلا يترجح أحدهما بزيادة ~~نصيبه لأنه انضمام علة إلى علة أخرى. قالوا: ولهذا لا يصير صاحب الكثير ~~أولى بالاستحقاق من صاحب القليل ولكن ثبت استحقاقه بقدر النصيب ولا يقال إن ~~لصاحب الكثير طرفا في الاستحقاق ولصاحب القليل طريقا واحدا فيوجب أن يقدم ~~صاحب الكثير الذى له طرق كثيرة في الاستحقاق فدلت هذه المسألة أن نضمام علة ~~إلى علة لا يوجب رجحان العلة. قالوا: ولهذا نقول إذا ماتت المرأة وتركت ~~ابنى عم أحدهما زوج لها وأحدهما أخ لأم فإن صاحب القرابتين لا يترجح في ~~الاستحقاق على الآخر بل يكون لابن العم الذى هو زوج نصف المال بالزوجية ~~والباقى بينه وبين ابن العم الآخر نصفان وكذلك في المسألة الثانية يكون ~~لابن العم الذى هو أخ لأم سدس المال والباقى بينهما نصفان بالعصوبة لأن ~~الأخوة ms693 والزوجية علة على وحدة فانضمامها إلى العصوبة لا يوجب رجحان العصوبة ~~والأصل ما بينا أن انضمام علة لا يوجب زيادة قوة في العلة قالوا: وإنما ~~تترجح العلة بزيادة التأثير والعلة تصير علة بالتأثير فما كان أكثر تأثيرا ~~يكون أولى بالعمل وضرب لهذا مثلا في طول الحرة وذكر ما بينا لهم في تلك ~~المسألة وزعم أن الذى قالوا: أكثر تأثيرا وذكر أيضا مسألة غصب المنافع وحكى ~~عن أصحاب الشافعى أنهم قالوا: لم يجب ضمان المنافع إذ أتلفت لم يجبر لأن ~~التضمين يضمن إيجاب زيادة على المتلف في الضمان وفيه إلحاق الضرر ولكن مع ~~هذا الإيجاب أولى لأن فلى الإيجاب إبطال من بعض حق المتلف وفى الامتناع من ~~الإيجاب إلحاق الضرر بالمظلوم وإلحاق الضرر بالظالم أولى فكان الإيجاب أولى ~~من الامتناع منه قال: إلا أنا نقول: إن الامتناع عن إيجاب الضمان مع كون ~~المتلف متقوما مشروع بدليل إتلاف الحربى والباغى وأما القضاء بزيادة في ~~الضمان غير مشروع فكان الامتناع من إيجاب الضمان أولى ولأن في الامتناع عن ~~القضاء بإيجاب الضمان تأخير PageV02P239 # إلى الآخرة وفى القضاء بزيادة الضمان إبطال الحق أصلا ورأسا فالتأخير ~~أهون من الإبطال فكان التأثير فيما قلناه أكثر فيكون أولى ونحن نقول: إن ~~انضمام العلة إلى العلة يجوز أن يقال: ترجح العلة لأنها تزيد قوة الظن ~~والحكم في المجتهدات بقوة الظن فإذا زادت قوة الظن ظهر الترجيح. # ببينه: أن الفائدة بالترجيح ليست ألا وجود قوة الظن بإحديهما دون الأخرى ~~وحد الترجيح يقوى الظن الصادر عن إحدى الأمارتين عند تعارضهما. # ببينة: أن العلة المنتزعة من أصول تكون أقوى من العلة المنتزعة من أصل ~~واحد وكذلك العلل المنتزعة من أصول وكلها يدل على حكم واحد تكون أقوى من ~~العلة الواحدة المنتزعة من أصل واحد يدل عليه أن العلة المنتزعة من الأصول ~~دون العلل المنتزعة من أصول وكلها دالة على حكم واحد فإذا ترجح الأول ~~فالثانى أولى وهذا لأن في الفصل الأول ثبوت العلة بكثرة أصولها وفى الفصل ~~الثانى بكثرتها في نفسها وكثرة ms694 أصولها فيكون أحكم وأقوى ويصير كأن العلل ~~شهد بعضها لبعض في القوة فيكون ذلك أولى من العلة المتجردة عن شهادة شئ لها ~~أصلا. # وأما مسألة الشفعة ومسألة طول الحرة ومسألة إتلاف المنافع فقد ذكرنا في ~~الخلافيات لهذه المسائل طرقا لا يأتى عليها شئ فيما ذكروه فاستغنينا عن ~~إعادة شئ من ذلك لأن من نظر في هذه الأصول وأحكمها لابد أن ينظر في تلك ~~الفروع ومن نظر في تلك الفروع لابد أن ينظر في هذه الأصول فإن الكلام في ~~الفروع والأصول أخذ بعضها برقاب بعض وهى كأنها مشتبكة وصحة البعض فيها ~~منوطة بصحة البعض. # PageV02P240 ### | فصل: مراتب قياس المعنى # ... # "فصل" # وقد ذكر بعض متأخرى أصحابنا عند ذكر الكلام في ترجيحات الأقيسة بعضها على ~~بعض مقدمة تشتمل على ذكر مراتب الأقيسة وسمى البعض قياس المعنى وسمى البعض ~~قياس الشبه وسمى البعض قياس الأدلة ونحن رأينا أن نذكر طرفا من ذلك ونتكلم ~~على بعض ما يكون موضع الكلام عليه. قال: ونحن نرسم مراسم في الاختلاف وننزل ~~كل مرتبة منزلتها ونرى أن مداركها على حقائقها مشرقة على طرق المعانى وإذا ~~عسر الوفاء باستيعاب الأقيسة المعنوية في هذا المجموع فالوجه أن نتخير اصلا ~~من أصول الشرع يشتمل على مجامع القول في وجوه الإخالة ونبين وجوه الترتيب ~~فيها # PageV02P240 # وما يقع في الرتبة العليا والرتبة التي تليها إلى استيعاب مدارك القول ~~ومعانيها ثم نقيس النظر على ما نرسمه منها ما يدانيها فليقع الكلام في ~~القصاص وما يقتضى إيجابه ويجب اندفاعه قال: أوجب الله تعالى القصاص في ~~كتابه زجرا للجناة وكفا لهم فأشعر بذلك نفى قوله تعالى: {ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 179] واتفق المسلمون على هذه ~~القاعدة ولم ينكرها من طبقاتهم منكر. ثم قال أئمة الشريعة: كل مسلك يطرق ~~إلى الدماء السفك ويخرم قاعدة الزجر فهو مردود فإن المقصود المتفق عليه من ~~القصاص صيانة الدماء وحفظ المهج مما يخالف هذا ولو قدر ثبوته كان مناقضا ~~لهذا الأصل فلا سبيل إلى قبوله وإثباته وإذا تمهد ms695 هذا فكل معنى يستند إلى ~~هذه القاعدة ويوافقها من غير اختلاف في مجراه فهو على المرتبة العليا من ~~أقيسة المعانى وهذا مثل في القول في القتل بالمثقل1 فلا شك أن من نفى ~~القصاص في القتل بالمثقل2 مناقض للقاعدة من جهة أن القصد بهذه الالات التي ~~اختلف فيها ثابت وهو ممكن لا عسر في إيقاعه ثم ليس القتل بها مما يندر فإذا ~~لم يتعسر ولم يندر كن نفى القصاص عن القتل بها مضادا لحكم الشريعة في ~~القصاص وإذا ناكر الخصم العمدية في القتل سفه ولم يستفد منه إيضاح عسر ~~القتل ولئن تشبث بتعبد في آلة القصاص كان ذلك في حكم العبث فإن تقدير ~~التعبد مع ما تمهد من الحكمة يناقض الحكمة المرعية في العصمة فليفهم الفاهم ~~مواقع التعبد وإن تمسك بصورة من العكس وقال الجرح الذى لا يغلب إفضاءه إلى ~~الهلاك إذا هلك أوجب القصاص كان هذا غاية في خلاف الحق فإن الحرج لاختصاصه ~~بمزيد الغور وإمكان السريان إذا اقتضى القصاص حسما لمادة الجناية وردعا ~~للمعتدين فكيف يستجير لما رد عليه إسقاط القصاص بالقتل الذى يقع بالأسباب ~~التي تقتل لا محالة فهذا على قياس المعنى لا حاجة في ربطه بالقاعدة التي ~~تكلف نظر أو تحرير أو تقريب وتقرير ويخالف ما وقع في هذه الرتبة مائل عن ~~الحق على قطع وليس القول في ذلك دائرا في فنون الظن وما يكون بهذه ~~PageV02P241 # الصفة لا يتصور أن يعارضه معارض هذا كلامه في هذا الفصل. # وعندي أن هذا الكلام بهذا التقرير حائد عن نكثه الخلاف في مسألة القتل ~~بالمثقل لأن الخلاف بيننا وبين الخصم أن سبب القود هل وجد في مسألة المثقل ~~أم لا؟ فالخصم يقول: لم يوجد لأنه يدعى شبهه في السبب ونحن ندعى أن السبب ~~قد وجد وأنه لا شبهة وإذا كان موضع الخلاف هذا ومنه نشأ ما نشأ فتقرر وجه ~~الحكمة في إيجاب القود وبيان وجودها في هذا المحل لا ينفع وإنما ينبغى أن ~~يكون الكلام في بيان السبب ونفى ما يدعونه ms696 من الشبهة ثم إذا ثبت ذلك وعرف ~~استمر وجوب القصاص بالسبب المعهود في الشرع للفائدة التي ذكرناها وأما ~~التعبد في آلة القصاص فلست أعرف أن أحدا من المخالفين ذكر هذا اللفظ في آلة ~~القصاص وإنما ادعوا الشبهة عند وجود القتل بالمثقل في استيفاء القصاص ~~قالوا: إنه آلة القتل حسا وشرعا بدليل المرتد ومن حيث المعنى ادعوا أن ~~القتل به أيسر وأسهل فكان أولى وليس المذكور للذب عن المخالفين ولكن يبين ~~وجه كلامهم في المسألتين حتى يكون كلامنا على هذا ونحن قد ذكرنا في خلافيات ~~الفروع فساد دعواهم الشبهة في القتل وقلنا: إن اعتبار المماثلة في ~~الاستيفاء من كل وجه ممكن مشروع وقد ذكرنا ودللنا على ذلك بدلائل تزيل ~~الإشكال وتنفى الشبهة فليكن الاعتماد على ذلك وقد ذكرنا أن الفعل يصير قتلا ~~بتفويت الحياة وتفويت الحياة بالمحدد والمثقل واحد والخصم يدعى شبهة عدم ~~القتل إما بعدم الحرج أو بعدم آلة القتل ومتى عرف حد القتل سقط دعوى شبهة ~~عدمه وسقط أيضا قولهم إن آلة القتل لم توجد لأن آلة الشئ ما يوجد به الشئ ~~فلا يتصور بغير آلة القتل وأيضا فإن القتل فعل محسوس والفعل المحسوس متى ~~وجد لا يتصور أن لا يوجد من وجه بل إذا وجد من وجه ما يصير موجودا من كل ~~الوجوه والمسألة في نهاية الظهور على المخالفين لكن من هذا الوجه لا من ~~طريق بيان فائدة القصاص وقد بينا أنه إنما ينطر في وجوب القصاص إلى سبب ~~القصاص لا إلى حكمة القصاص. # ثم ذكر المرتبة الثانية وقال: هى مشتملة على قياس معتضد بالأصل لكن ~~الجامع لابد له من مزيد تقرير وتقريب وقد يعن للخصم تخيل فرق وإن كان ~~إفساده هينا مثال ذلك أنه قد ثبت وجوب القصاص على المشتركين في القتل وهذا ~~مستند إلى قاعدة الشرع في تحقيق العصمة # وزجر الجناة فإن الاستعانة في أمثال هذا ليس بالعسير والقتل على الاشتراك ~~غالب الوقوع فاقتضى معنى القصاص في الأصل إيجاب القصاص على # PageV02P242 # الشركاء وهذا يتطرق إليه الكلام ms697 قليلا من جهة أن كل واحد منهم بالانفراد ~~ليس بقاتل وقتل غير القاتل مخالفة لموضوع الشرع في تخصيص القتل بالقاتل ~~وفيه وجه آخر وهو أن إمكان القتل بالاستعانة دون إمكان القتل بالمثقل وعن ~~هذا تردد بعض العلماء في إيجاب القصاص على المشتركين في القتل وقال بعض ~~أصحابنا إن قتل الشركاء في القتل الواحد خارج عن القياس وإنما هو ثابت بقول ~~عمر رضى الله عنه لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به1 قال: والمسلك الحق ~~عندي أن المشتركين يقتلون2 بحكم قاعدة القصاص ولا نظر إلى خروج آحادهم عن ~~الاستقلال بالقتل إذا كان يظهر بسبب درء القصاص عنهم هرج ظاهر ومفسدة عظيمة ~~ولا نظر مع هذا إلى انحطاط مكان الاشتراك قليلا عن الانفراد بالقتل فإنه ~~يعارض ذلك أن المنفرد لا يستمكن استمكان المشتركين فيعتدل المسلكان وإذا ~~تمهدت هذه القاعدة فنقول في الطرف إلحاقا له بالنفس أنه صين بالقصاص على ~~المنفرد فليصن بالقصاص على المشتركين كالنفس وذكر بعد هذا كلاما طويلا ومد ~~النفس مدا عظيما وصار في آخر الكلام إلى الفرق بين المشتركين في السرقة ~~والمشتركين في اليد بما ذكره المشايخ في الفرق وكل ذلك موجود في مسائل ~~الفروع ولم أر لذكر ذلك وجها هاهنا فتركته واعتماده على ما اعتمد عليه من ~~قتل الجماعة بالواحد من جنس ما اعتمد عليه في القتل بالمثقل والكلام عليه ~~بمثل ما تكلمنا به في تلك المسألة وهو أن الأحكام إنما تناط بالأسباب لا ~~بالحكم وكل ما أشير إليه حكمه وجوب القود بالحكمة في الواجب لا يجب الواجب ~~إنما يجب بالسبب الواجب ونحن بينا طريقين أحدهما: أن كل واحد منهما قاتل ~~بمعونة غيره ببينة: أنه لا جزء من النفس إلا ولكل واحد من المشتركين فيه ~~عمل في تفويته إلا أنه وجد معونة غيره ومن استعان بغيره في شئ فقد تمهد في ~~الشرع أنه يجعل فعل المعين فعل المستعين PageV02P243 # فيجعل كل واحد كأنه قاتل من هذا الوجه ويمكن أن يقال: إنهم إذا اشتركوا ~~جعلوا بمنزلة الشخص الواحد حكما والسبب ms698 أنا إذا لم نجعل كذلك أدى إلى ما ~~قال: من الهرج وسفك الدماء وإذا جعلوا كالشخص الواحد حكما وقد تحقق السبب ~~منه فيقابل بالقصاص وعلى كلا المعنيين وجب القود في الطرف على الجماعة أيضا ~~إذا قطعوا طرفا واحدا1. وإما فصل السرقة فإنما لم يجعل كل واحد كأنه تفرد ~~بسرقة النصاب لأن المقصود من السرقة تحصيل المال فإذا سرق نصابا واحدا ~~فالنصاب يقصد لتحصيله ولم يحصل مقصود كل واحد وهو تحصيل نصاب كامل حتى يجعل ~~صاحبه معينا له في تحصيل مقصوده ويجعل فعله كفعله وأما هاهنا فإن المقصود ~~لكل واحد من المشتركين في القتل والقطع هو إهلاك هذا الإنسان في القتل ~~وإهلاك اليد في القطع وقد حصل مقصود كل واحد منهما وقد أعانه صاحبه في ~~تحصيل مقصوده وفعل المعين فعل المستعين فيصير كل واحد منهما كالمنفرد ~~بالقتل والقطع ويجعل كل واحد منهما قاطعا قاتلا ولأن الاشتراك في سرقة نصاب ~~واحد يندر فإسقاط القطع عنهما لا يؤدى إلى المفسدة العظيمة فلم يجعلوا كلهم ~~كالشخص الواحد وأما هاهنا فإن اجتماع القوم على قتل واحد يوجد غالبا بل ~~الأصل أن الواحد يقاوم الواحد وإنما يعجز في رده إذا اسعان بغيره فلو ~~أسقطنا القود يؤدى إلى المفسدة العظيمة فطلبنا سببا لإيجاب القود عليهم ~~فكان ذلك بأن نجعل الجماعة بمنزلة الشخص الواحد حكما وهذا فرق بين وخرج على ~~ما ذكرناه إذا قطعا وتميز فعلاهما الذى عده مشكلا لأنا إنما ادعيناه في ~~الموضع الذى وجد لفعل كل واحد منهما عمل في جميع اليد وفى هذه الصورة لم ~~يوجد فلم يمكن أن يجعل كل واحد قاطعا بجميع اليد وهذا بخلاف النفس في هذه ~~الصورة لأن التميز لا يتصور في النفس لأن الإهلاك بتفويت الحياة ولا يتصور ~~تميز فعل كل واحد فعل صاحبه في تفويت الحياة فصار فعل كل واحد منهما عاملا ~~في جميع ما تفوت به الحياة مثل ما إذا لم يتميز فعلاهما وأما في اليد ~~فيتصور تميز فعل كل واحد منهما عن صاحبه في قطع اليد وحين ms699 يتميز في صورة ~~ولا يتميز في صورة يقع الفرق المعنوى على الوجه الذى قدمناه وقد يلزم عليه ~~تعدد الكفارة إلا أنا ندعي هذا في القصاص ولأن القصاص إذا وجب على كل واحد ~~تبعته الكفارة فهذا ينبغى أن يكون PageV02P244 # وجه الكلام في المسألة لا الذى قاله والله أعلم. # قال: والمرتبة الثالثة فمثلها بالقول في المكره على القتل وفيه ثلاثة ~~مذاهب: # أحدها: أن القصاص على المكروه دون المكره1. # والثاني: وهو قياس بين أن القصاص على المكرة دون المكره وهو مذهب زفر2. # والثالث: أن القصاص عليهما وهو مذهب الشافعى3. # وأبعد المذاهب عن الصواب هو إيجاب القصاص على المكره دون المكره فإنه زعم ~~أن فعل المكره منقول إلى المكره وكأنه آلة له وهذا ساقط له مع المصير إلى ~~أن النهى عن القتل يستمر على المكره القاتل فكيف يتحقق كونه آلة مع تكليف ~~الشرع إياه ومن ضرورة كونه آلة انقطاع التكليف عه فتخصيص المكره بالتزام ~~القصاص مع ما ذكرناه لا أصل له ووجه مذهب زفر في القياس لائح وهو إذا رأى ~~المحمول ممنوعا ولم ير الإكراه أثرا في سلب المنع والنهى والمباشرة تغلب ~~على السبب إذا استقلت وارتبط بها التكليف والتصريف من الشارع والذى يختاره ~~اصحاب الشافعى يبتنى على ما ذكرناه لزفر من استقلال المباشرة وهذايقتضى ~~إيجاب القصاص على القاتل المحمول ولكن لم ير هؤلاء إحباط الإكراه وإسقاط ~~أثره بالكلية فإنه يوقع القتل غالبا والإكراه من أسباب الضمان فبعد تعطيله ~~وإخراجه من البين وبعد إحباط المباشرة فالوجه تنزيلهما منزلة الشريكين ولا ~~شك أن فعل كل واحد من الشريكين يضعف فعل صاحبه من جهة أنه يخرج عن كونه ~~قتلا. ثم لم يسقط الاشتراك القصاص عنهما فإذا لم يسقط القصاص عن الحامل ~~والمحمول لضعف ما صدر عنها أما ضعف المباشرة فمن جهة كون المباشر محمولا ~~وأما ضعف الإكراه فمن جهة كون المكره المحمول منهيا واستمرار التكليف عليه ~~يوهن أثر الإكراه وليس أحدهما أولى بالضعف من الثانى فلا سبيل إلى تخصيص ~~القصاص بأحدهما فنزلناهما منزلة الشريكين ولكن القول ms700 في هذا ينحط عن القول ~~في الشريكين من جهة اختلاف السبب والمباشرة وخروج كل واحد منهما عن قياس ~~بابه ثم إنه يتعارض مذهب أبى حنيفة وزفر والترجيح لزفر ومذهب إيجاب القصاص ~~عليهما PageV02P245 # منسوب إلى جميع نكتتى المذهبين مع امتناع إسقاط القصاص عنهما جميعا. قال: ~~وإيجاب القصاص على شهود الزنا إذا رجعوا بعيد فإن فرض رجوع المدعى واعترافه ~~فلا وجه لوجوب القصاص على الشهود والطريق القطع بتغليب المباشرة وإن فرض ~~الكلام في استمراره على دعوى الاستحقاق فهذا ينحط في مرتبة الاجتهاد عن ~~شهود الزنا فإن المدعي على خيرته قال: ولو ذهبنا نستقصي هذه المسائل لطال ~~الكلام وإنما غرضنا التنبيه ولم يوجب الشافعى عقوبة في هذا المساق أبعد من ~~إيجابه حد الزنا على المرأة إذا نكلت عن اللعان1 بعد لعان الرجل فإن هذا ~~سفك دم بقول المدعى وهو في مسلك القياس يدانى إيجاب القصاص بقول المدعي في ~~لوث القسامة ولولا الخبر لما اقتضى قياس ذلك قال: واللعان أبعد من القسامة ~~من جهة أن الشرط في القسامة ظهور اللوث عند الحاكم وهذ غير مشروط في اللعان ~~غير أن المعتمد في القسامة الخبر الصحيح والمعتمد في اللعان نسبته إلى ~~شيئين. أحدهما: أنه لا يجد بد من الخروج عن قانون الحجج فالإستمساك بظاهر ~~القرآن اقترب وهو قوله تعالى {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] وحمل العذاب ~~على الجنس بعيد وبالجملة نفى إيجاب الحد وتغليب حقوقها اقترب إلى مأخذ ~~الشريعة عندي قال: ومن عجيب الأمر أن قول الشافعى اختلف في أن القصاص هل ~~يجب بأيمان القسامة ولم يختلف قوله في وجوب الحد على المرأة مع تعرض الحد ~~الواجب لله للسقوط بما لا يسقط به القصاص وسبب هذا أن خبر القسامة ورد في ~~الغرم وآية اللعان اشتملت على ذكر العذاب وهو الحد فهذا عبرة في أمثال ما ~~ذكرنا من قواعد الشرع ونحن نختم بأمر بدع يقضى الفطن العجب منه فالمرتبة ~~الأولى تكاد تقضى بالقطع والمرتبة الثانية أعنى اللعان والقسامة لا يستقل ~~المعنى فيها ولم نر شبهها مرتبة في القياس ms701 من حيث لم نرها مستقلة فهذه جملة ~~كافية في التنبيه على المراتب وضابطها القرب من القاعدة والبعد منها هذا ~~سرد كلامه في هذا الفصل ونحن قد تكلمنا على ما جعله في المرتبة الأولى ~~والثانية. # وأما هذه التي سماها المرتبة الثالثة فاعلم أن ما صار إليه في مسألة ~~المركه على القتل من الكره والمكره بمنزلة الشريكين في القتل فليس بشئ لأن ~~مباشرة جملة الفعل محسوسا وجد من المكره فإذا جعلنا المكره شريكا له في ~~المباشرة فأما أن نجعل ذلك لأنا نجعل المكره آلة له أو لأنه سبب سببا يفضى ~~إلى القتل غالبا فإن جعلنا شريكا له فإذا PageV02P246 # صار المكره آلة للمكره في بعض القتل وجب جعله آلة له في جميعه لأن الذى ~~يجعله آلة له في بعض القتل موجود في كله وإن جعلنا شريكا بالتسبب فباطل ~~أيضا لأن التسبب للقتل ومباشرة الفعل فعلان مختلفان وينفصل أحدهما عن الآخر ~~وكل واحد من المكره والمكره يستقل بما فعله فكيف نجعلهما شريكين في القتل ~~وإذا لم يكن التسبب إلى القتل قتلا عند هذا القائل فمتى يتصور أن يجعله ~~شريكا للمكره في القتل فالقضاء بأنهما شريكان في القتل كلام قاله بعض ~~المشايخ من غير تأمل في عائلته والذى قال: إن الخصم يحكم بنقل الفعل فهم لا ~~يرتضون هذه اللفظة وإنما يقولون إن المكره آلة للمكره وليس للمكره فعل أصلا ~~فيما يعود إلى النيابة على محل الفعل لأنه في ذلك يصلح أن يكون أله المكره ~~ووجه كونه آلة وهو استعماله في فعله على اختيار نفسه يحمله عليه مثلما ~~يستعمل السيف في قطعه على اختيار نفسه بتحامله عليه ويقولون هذا في الإثم ~~لا يتصور لأن الإثم بجنايته على دينه وهو بجنايته على دينه لا يصلح أن يكون ~~آلة للمكره وإنما في جنايته على محل الفعل صورة يصلح أن يكون آلة له وأما ~~نحن نقول إن الحكم بكونه آلة للمكره مع بقاء اختياره وإمكانه الصبر والكف ~~إلى أن يقبل ورود الشرع بذلك باطل وجعل المكره والمكره شريكين في ms702 القتل ~~باطل لكنه يجب القود على المكره بمباشرة القتل وعلى المكره بالتسبب للقتل ~~ويقول: كل واحد منفرد بفعله من القتل والتسبب من غير مشارك والقود واجب على ~~المكره بالمباشرة وعلى المكره بالتسبب لأن التسبب أخذ شبها من القتل والقتل ~~أخذ شبها من التسبب أما الأول فلأنه يفضى إلى إزهاق الروح غالبا وأما ~~الثاني فلأن القتل بإزهاق الروح غالبا. وأما الثاني: فلأن القتل بإزهاق ~~الروح وأزهاق الروح لا يدخل تحت قدرة العباد فلا يكون منه إلا التسبب فلما ~~أخذ كل واحد منهما شبها من صاحبه جعلناهما علتين صحيحتين في إيجاب القتل ~~غير أنا نعتبر في التسبب أن يكون مفضيا إلى القتل غالبا حتى يأخذ شبها من ~~القتل ويخرج على هذا حفر البئر في بئر المسلمين ويعتبر أيضا أن يكون معتبرا ~~في أحكام الشرع حتى يخرج عليه الإمساك ويظهر الاعتبار في المال وإذا عرف ~~هذا بطل قول زفر وسقط ما حمده هذا القائل وعلى هذا الأصل الذى مهدناه ينبنى ~~وجوب القود على شهود القصاص وشهود الرجم إذارجعوا وسواء في وجوب القصاص رجع ~~المدعي أم لم يرجع بعد أن تم رجوع الشهود وذلك التفريق الذى قال: ليس بمذهب ~~ولا هو صحيح على المعنى بعد أن يكون المشهود على قتله قد قتل فأما إذا ~~أقمنا الدليل على أن السبب موجب للقتل صار مثل القتل # PageV02P247 # وعلى القطع نعلم وجود السبب القوى من الشهود فيكون علة لوجوب القود عند ~~رجوعهم مثل القتل من الولى يكون علة لوجوب القود عند رجوعه فإذا أوجب القتل ~~على الولى عند رجوعه واعترافه وإن قام الشهود على شهادتهم فيكون التسبب علة ~~لوجوب القود على الشهود إذا رجعوا وإن كان الولى مقيما على زعمه وإن قتل ~~بحق وبأمثال هذا الكلام تعرف مقادير الرجال ويظهر مراتبهم والفقه أعز علم ~~خاض فيه الخائضون ومنه مدارك الأحكام وهو البحر ذو التيار وفيه المغاصات ~~على دور المعانى فلا يقع عليها إلا من أيد بنور من الله تعالى ومنه قيل: إن ~~العلم نور يقذفه الله تعالى في ms703 قلوب من يشاء من عباده وقد كنا ذكرنا في ~~خلافيات الفروع أن شهود القصاص قتله حكما ودللنا عليه وهذا الذى ذكرناه ~~هاهنا أحسن. # وأما مسألة إيجاب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان فهو يبتنى على أن ~~اللعان حجة شرعية لتحقيق الزنا على المرأة ولعانها حجة شرعية لدفع الحد ~~عنها وكذلك الأيمان في القسامة حجة شرعية على تحقيق القتل على المدعى عليه ~~نعم يجوز أن يقال: إن هذه الحجة لا تشبه سائر الحجج ونحن لم نعرف الحجج في ~~جميع المواضع إلا بالشرع البحت والتعبد الخالص من غير خلط وإذا كان اللعان ~~حجة سقط استبعاد إيجاب الحد على المرأة ومن نظر في كلمات اللعان وتأملها ~~عرف أنه ما وضع إلا لتحقيق الزنا على المرأة وما وضع في الشرع لتحقيق شئ ~~فلابد أن يتحقق وإذا تحقق الزنا عليها سقطت الاستبعادات والإنكارات جملة ~~وأما اختلاف القول في القسامة واتحاد القول في مسألة اللعان فيجوز إن يقال: ~~إنه لاتحاد الواجب في الزنا واختلاف الواجب في القتل ويجوز أن يكون له ما ~~قاله والله أعلم. # واعلم أنا ننكر مراتب المعانى وأن يكون بعض المعانى أوضح من البعض لكن لا ~~على هذه الوجوه التي قالها والإخالة والتأثير قد يترتب فإنا نعلم أن ~~الإخالة في الطعم لتحريم البيع دون الإخالة في شدة التحريم المسكر والإخالة ~~في الثيابة لإيجاب الإذن والإخالة للبكارة في إفادة الإجبار مثل الإخالة في ~~الطعم أو دونه بيسير إلا أن كل واحد من المعانى له علقة بالقلب وإشعار ~~بالحكم الذى علق به وقد سبق من هذا ما فيه غنية. # PageV02P248 ### | فصل: في قياس الشبه # ... # "فصل" # قال هذا القائل الذى حكمنا منه ما حكينا في قياس المعنى ونحن الآن نذكر ~~مراتب قياس الشبه فنقول: محال هذا القسم عند انحسام المعنى المخيل الثابت ~~فإذا لم نجد معنى للحكم الثابت أو صادفنا تخيل غير صحيح على الشبه فالوجه ~~رد النظر إلى التشبيه ثم مراتب الأشباه تنقسم إلى القريب والبعيد انقسام ~~مراتب المعنى فالواقع في المرتبة العليا هو الذى ms704 يسميه الأصوليون في المعنى ~~الأصل ولا يريدون به المعنى المخيل وهذا إذا وقع كان في المرتبة العليا وقد ~~سبق الاختلاف أنه هل يسمى قياسا أو هو متلقى من اللفظ والنفى والوجه عندنا ~~في ذلك أن يقال: إن كان في اللفظ إشعار من طريق اللسان فلا نسميه قياسا ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" 1 فهذا وإن ~~كان في العبد فإنه يستعمل في الأمة وقد يقال للأمة عبدة # وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا في وضع اللسان بما ألحق به فهو قياس ~~معنى وقد يكون مفضيا إلى العلم مثل قياس عرق الكلب بلعابه في التعبد برعاية ~~العدد والتعفير فأما إذا زال العلم وكان الظن هو المستفاد ولم يفسد عند ~~السبر والعرض على الأصول فإن لم يفد غلبة الظن فهو الطرد المردود عند ~~المحققين والإشتباه بين طرفى قياس المعنى والطرد فالذى لاح من كلام الشافعى ~~رحمه الله أن أقرب الرتب من المرتبة المعنوية إلحاق الزبيب بالتمر في الربا ~~وأبعد منه قليلا بحيث لا يخرج من المرتبة إلحاق الأرز بالحنطة والذرة ~~بالشعير. ثم يلى هذه المرتبة إلحاق الوضوء بالتيمم في النية ولهذا قال ~~الشافعي مستبعدا طهارتان فكيف يفترقان قال ونحن نقول في هذا: إن كل شبه كلى ~~يعتضد بمعنى فهو بالغ في فنه2 وذلك إذا كان المعنى لا يستقل بنفسه مخيلا ~~مناسبا وبيان ذلك بما وقع المثال به أن التيمم ليس فيه غرض ناجز وقد بينا ~~من كلى الشريعة أنها مبتنية على استصلاح العباد فإذا لم يلح صلاح ناجز ظهر ~~من المآخذ الكلية أنها صلاح في العقبى وهو التعرض للثواب ولا سبيل إليه إلا ~~بقصد التقرب فإذا وجدنا الطهارة كذلك متفقا عليه. ثم كان المختلف فيه غير ~~معقول المعنى ظهر وقع الشبه في الافتقار إلى النية المحصلة لغرض العقبى ~~فليجعل الناظر هذا معتبرا في المرتبة الأولى من الأشباه المظنونة ~~PageV02P249 # ولم يبلغ مرتبة العلم للاختلاف الواقع بين الطهارتين في أحكام وشرائط ~~قال: وإلحاق المطعومات التي لا ms705 تقدر بكيل ولا وزن طريقة الشبه عندنا فإن ~~مسالك الإخالات مفسدة فلا يبقى إلا التشبيه ثم سبيل هذا التشبيه النظر إلى ~~مقصود المنصوص عليه وقد لاح أن المقصود هو الطعم وبطل اعتبار الفوت لمكان ~~الملح وسقط اعتبار القدر لأنه في الجنسين والجنس الواحد على وتيره واحدة ~~والحكم مختلف فلاح النظر إلى المقصود وأنه العلة وهذا مع الاعتراف أنه غير ~~مستند إلى معنى معقول وهذا ينحط عما يتعلق بغرض في العقبى كما ذكرناه في ~~القسم الأول ولولا ما ثبت عندنا من الاضطرار إلى تعليل المنصوصات في الربا ~~لما لاح لنا فيها معنى ولا شبه ولكن إذا اضطررنا إليه لإجماع القائسين ~~وجدنا اتباع المقصود أقرب مسلك وهذا واقع في المرتبة الثانية. # واعلم أن الذى قاله هذا القائل ليس على ما ظنه في هذه المسائل وليس على ~~ما رتبه أما إلحاق الأمة بالعبد في مسألة العتق وإلحاق العبد بالأمة في ~~الحد المنصف عن الحر فقد سبق الكلام في ذلك فلا معنى للإعادة. # وأما مسألة النية في الوضوء ومسألة الربا فليس الأمر على ما زعمه في ~~المسألتين أما النية في الوضوء فليس وجوبها بالجهة التي ظنها من فضل التقرب ~~به إلى الله تعالى لأن تخفيف التقرب إلى الله تعالى وهو لا يثبت مستقلا ~~بنفسه يبعد جدا وإنما الوضوء محض تعبد وسبيل التعبد أن ينظر فيه إلى الحد ~~الذى ورد الشرع فيه فلا يتجاوز عنه والشرع أمرنا بالوضوء للصلاة لقوله ~~تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] يعنى فاغسلوا للصلاة مثل ~~قول القائل: إذا جاء الشتاء فتأهب أى للشتاء وإذا قدم فلان فاستعد إلى ~~قدومه فعندنا يجب الوضوء للصلاة وهذا هو معنى قولنا: إن النية واجبة فيها ~~إلا أن الدليل قد قام أن الوضوء لفعل لا يستباح إلا بالوضوء ينزل منزلة ~~الوضوء للصلاة وإذا ثبت ما قلنا: عرف محل الخلاف فعندهم التيمم يجب للصلاة ~~والوضوء لا يجب للصلاة وفرقوا بما عرف وهو أن الماء مفيد للطهارة بطبعه ~~لأنه خلق لذلك فإذا استعمل أفادها بذاته ولم ms706 يفتقر إلى إرادة الصلاة وأما ~~التيمم فلا يفيد الطهارة بذاته لأنه لم يخلق لذلك وإنما يفيدها بالشرع ~~والشرع جاء بكونه مفيدا للطهارة إذا أراد به الصلاة فهذا فرق القوم. وأما ~~عندنا قالوا: طهارة شرعية لا حسية. # ألا ترى: أنها تجب في موضع ليس فيه تطهير المحل من شئ محسوس وإذا كان ~~طهارة شرعية فيتبع مورد الشرع والشرع يأمر به للصلاة فتكون طهارة شرعية إذا ~~أريد # PageV02P250 # به الصلاة وإذا لم يرد به الصلاة لا يكون طهارة أصلا بمثل ما سلموا في ~~التيمم ومن نظر في هذا عرف أنه المعنى الصحيح والدليل المعتمد وأما ما سواه ~~فليس فيه طائل وأما مسألة علة الربا فليس الأمر على ما زعم أنه ليس فيه ~~معنى مخيل مؤثر يدل على حكم النص والكلام في مسألة علة الربا لا يمكن إلا ~~بعد معرفة النص فإن1 التعليل له فعندنا حكم النص تحريم بيع المطعوم بجنسه ~~غير متساويين في معيار الشرع والتحريم أصل والإباحة تعارض دليلا وهو ~~المماثلة في معيار الشرع وعلة الطعم مخيلة في الحكم الثابت بالنص لأنه مشعر ~~بشرف المحل لما تعلق به من القوام وشرف المحل مؤثر في التحريم لأنه لما ~~تعلق به القوام والبيع ابتذال جعل الأصل فيه الحظر ليظهر شرف ما تعلق به من ~~القوام وليكون مبقيا مصونا عند مالكه فيستعمله في قوام حياته في وقته وهذا ~~كالإيضاح فإن الأصل فيها الحرمة لأن قوام النسل بها فجعل الشرع أصلها على ~~الحرمة وصانها عن الابتذال والامتهان ثم أباحها بعارض دليل وهذا أصل كبير ~~وعليه أسئلة للمخالفين أجبنا عن ذلك في كتبنا وإنما أشرنا إلى هذا القدر في ~~هذا الموضع ليعلم بطلان قول من زعم: أنه ليس فيه معنى مخيل وأما كون الطعم ~~مقصودا في المحل فليس يشعر بتحريم العقد. # ألا ترى: أن من علق الإباحة بهذا الوصف يكون مثل من علق التحريم به في أن ~~الوصف لا يدل على واحد منهما والشبه يعود مثل هذه المسألة التي أجمع ~~القائسون على الخصوص فيها بالتعليل بترك ذلك ms707 خالية على المعنى الذى يدل على ~~الحكم فالمعنى موجود لكن العاثر عليه يعز نعم يجوز أن يجعل كون الطعم ~~مقصودا في المحل أولى من الكيل لكن ليس الكلام في الترجيح لأنه لابد أولا ~~من تصحيح العلة ثم إذا عارضها علة يطلب من المعلل تصحيحها فإذا صحت فحينئذ ~~يصار إلى الترجيح فأما أن يبدءوا أولا في كلامه بإظهار الترجيح ويشتغل به ~~فليس هذا من دأب أهل المعانى في شئ وإن اشتغل بإبطال علة الخصم فلا يصح ~~علته بهذا أيضا وقد سبق بيانه وعلى أن الخصم يقول ليس حكم النص عندي ما ~~قلتم إنما حكم النص وجوب المماثلة وربما يقول حرمة الفضل قدرا وعلى اللفظ ~~الأول معولهم قالوا: والمؤثر في المماثلة بالكيل والجنس ولهم في هذا كلام ~~طويل عريض والذى قال: إن النبى صلى الله عليه وسلم أباح الفضل عند اختلاف ~~الجنس ويوجد الكيل والوزن عند اختلاف الجنس واتفاقه على وتيرة واحدة فهم ~~يزعمون PageV02P251 # أن الجنس مؤثر في إثبات المماثلة التي هى حكم النص مثل تأثير الكيل وذلك ~~لا يوجد عند اختلافه وعلى أن هذا الكلام إن صلح إنما يصلح للترجيح وقد بينا ~~أن الكلام فيه باطل إلا بعد أن يقوم المعلل بتصحيح العلة ويعارض أيضا بعلة ~~صحيحة ثم حينئذ يكون الكلام في الترجيح فليفهم الفقيه كل ما أشرنا إليه ~~وليكن معوله عليه وتمسكه به وليعض عليه بناجذه فإنه من الأعلاق النفسية ~~وقلما يظفر به بمثله وقد قال الصاحب في بعض ما نقل عن رسائله: وإذا كان ~~الذهب بناقده فما أعزه صير في الكلام مضى هذا ورجعنا إلى نقل كلام من كافأ ~~نقل كلامه قال: ومن أبواب التشبيه ما يتعارض فيه المعنى والشبه على التناقض ~~كالتردد وهو في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة أو لا فالذى يقتضيه ~~القياس المعنوى عدم الضرب والذى يقتضيه الشبه الضرب اعتبارا بالحر ومما ~~يلحق بهذا القول في تقرير أروش أطراف العبيد بالسبب الذى يقدر به أطراف ~~الأحرار فالذى يقتضيه القياس المعنوى نفى التقدير واعتباره ينقص ms708 من القيمة ~~نظرا إلى المملوكات وهذا مذهب ابن سريج والرأى الظاهر للشافعى رحمه الله ~~أنها تتقدر معتمدة الشبه وهذا أولى من الأول لأن الشارع أثبت للحر بدلا حتى ~~لا يهدر إذا قتل خطأ ثم قاس أطرافه بجملته بمعاني لا تنتهى أفهام ~~المستنبطين إلى ضبطها وكان من الممكن أن لا تقدر أروش أطراف الحر فإنا ~~وجدنا في جراحات الأحرار حكومات غير مقدرة فلو اقتضى شرف الحر تقدير ديته ~~فهذا لا يطرد في أطرافه فلما تأصل في الطرف تقدير وطرف العبد من العبد كطرف ~~الحر من الحر اعتبر به ولم يلتفت إلى خروج قيمة العبد عن التقدير وعلى هذا ~~خرج أطراف البهائم لأنا لم نتحقق فيها أنها تقع من البهائم مواضع أطراف ~~الأحرار من الأحرار فأما في العبد علمنا قطعا أن أطراف العبيد من العبيد ~~مثل أطراف الأحرار من الأحرار وفقا ومنفعة. # قال: وأما ضرب القيمة على العاقلة فالأولى في ذلك سلوك المعنى وأن لا ~~تضرب على العاقلة لبعد تحميل العاقلة عن مدارك العقول فلا جرم أن يكون ~~الضرب على العاقلة في حق الأحرار خاصة. # قال: ومما يعده الفطن فزعا من هذا إلحاق القليل من الدية بالكثير في ~~الضرب على العاقلة ونحن نرى ذلك في المسألة الأعلى من جهة الشبه ومن جهة أن ~~أصل الضرب ثابت وهو جرى في القليل عند كثرة الشركاء جريانه في الكثير وليس ~~هذا مبتنيا على صرف الإجحاف والإضرار عن المحمول عنه فإن الدية محمولة عن ~~الموسرين مثل حملها # PageV02P252 # عن الفقراء وكان الضرب ثابتا في الشرع مسترسلا على الأقدار من غير اعتبار ~~مقدار والذى قاله هذا القائل في الفصل لا بأس به ويجوز أن يعول عليه وهو ~~كلام الأصحاب وقد قرره وأحسن تقريره وأورده بألفاظ حية فليؤخذ بها ثم ذكر ~~في آخر كلامه سؤالا فأجاب عنه والسؤال. فإن قيل: إذا تعلق المتعلق بوجه شبه ~~ونوقش فيه فكيف وجه تقريره فإن قال: المتعلق بالشبه أنه يفيد غلبة الظن ~~ونوزع فيه كيف يبين وجه وجود غلبة الظن أجاب عن هذا ms709 السؤال وقال: لاشك أن ~~غلبة الظن لا تحصل إلا مستندة إلى سبب يقتضيها ولابد من ذكره وبه يتميز ~~الشبه من الطرد فالشبه مستند إلى مأخذين هما الأصل وبعدهما أمر ثالث ينبه ~~عليه: # فأحدهما: جريانها على مقتضى الشبه وهذا كإلحاق اليسير بالكثير في الضرب ~~على العاقلة والمستند فيه ضرب حصة الشركاء مع تناهيها في القلة وينضم إليه ~~بطلان اعتبار المواساة المشروعة بسبب خيفة الإجحاف فيخرج بما ذكرناه أن ضرب ~~العقل لا ينتهى إلى توقيف في قلة ولا كثرة وليس هذا المعنى مخيل مناسب ~~ولكنه متلقى من أصل الوضع بالمسلك الذى ذكرناه. # والوجه الثانى: وهو الذى يدور عليه معظم الأشباه وهو أن يثبت معنى على ~~الجملة في قصد الشارع ولا يدخل في الإمكان ضبطه بعبارة وهذا كعلمنا بأن ~~الشارع قد أرش أكثر بنصف الدية بنسبة لها مخصوصة من الجملة فهذا مما نعلمه ~~ونطلع عليه على الوجه الذى لأجله قدر النفس لهذا التقدير غير معلوم وإذا ~~تمهد هذا كان اعتبار يعد العبد يد الحر شبها صحيحا فإن عنائد1 العبد من ~~جملته كعنائد الحر من جملته فالشبه في هذا راجع إلى معنى معلوم من قصد ~~الشارع ولكن لا سبيل إلى التنصيص عليه وإذا اتجه هذا النوع كان بالغا جدا ~~مقدما. # قال: وأما الأمر الثالث: فهو اعتبار المقصود وهذا لا استقلال له إلا أن ~~تضطر إلى التمسك بعلة للمنصوص عليه ومثال ذلك الأشياء الستة في الربا فلو ~~هجم ناظر عليها ولم يتقدر عنده وجوب طلب علة أو علم للحكم لم يعثر على فقه ~~قط ولا شبه. فإن قيل: الفقه مناسب حاز مطرد سليم على السبر والشبه يتلقى من ~~أمثله أو تخيل معنى جمل والرأى لا يقضى بواحد منهما في نصب الطعم علما ولكن ~~إذا ثبت طلب العلم وانحسم المعنى المستور والمجمل فلا وجه إلا أن يقال إذا ~~لم يثبت الحكم لأعيان هذه PageV02P253 # الأشياء ثبت لمعانيها ومعانيها هى المقصودة منها ثم ينصب على ذلك شاهدان ~~أحدهما من قبل التمثيل وهو اختلاف الحكم باتحاد الجنس واختلافه والمقصود ms710 في ~~الجنسين مختلف والكيل على وتيرة واحدة فدل هذا أن المقصود هو العلم على ~~الحكم والشاهد الثانى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام ~~إلا مثلا بمثل" 1 فهذا معاندة الأشباه وإذا عرف هذا فلا حاجة إلى تكلف ~~التمييز بينهما وبين الطرد. # واعلم أنا تكلمنا من قبل على فصل الشبه وبينا الموضع الذى يكون حجة فيه ~~فليعتمد على ذلك وإذا قرر على هذا الوجه الذى بيناه فعلى القطع2 نعلم وجود ~~قوة الظن وأما رجوعه إلى مسألة الربا فلا أرى لذلك وجها وجعل الطعم علة ~~بمجرد كونه مقصودا في المحل لا وجه له بحال اللهم إلا أن يقول هذا القائل: ~~إن الطعم ليس بعلة لكنه علم منصوب على الحكم ويقال له من نصبه؟ وما الدليل ~~على نصبه في هذا الحكم؟ وما الفصل بينه وبين من يقول: إنه منصوب على ضد هذا ~~الحكم؟ إذ ليس من المناسبة في التحريم ما ليس له ذلك في التحليل وأما ~~اختلاف الجنس لا يدل أن العلة هى الطعم وإنما يقول الخصم: إن الجنس مؤثر ~~مثل الكيل في الحكم المنصوب له العلة فإذا عدم فات الحكم وأما عندنا فنحن ~~نقول: إن الطعم علة مؤثرة بالوجه الذى بينا إلا أنه أباح الفضل عند اختلاف ~~الجنس ووجود الطعم لأن الطعم عندنا علة والجنس محل أو شرط بالشرع والعلل ~~يطلب تأثيرها فأما الشرط فلا يطلب له تأثير بدليل سائر الشروط فصار الطعم ~~مؤثرا لأنه علة والجنس شرطا شرعيا غير مؤثر لأنه شرط محض وليس بعلة ولهذا ~~قلنا لا يحرم النساء بانفراده لأن الشرط بانفراده لا عمل له قال هذا ~~القائل: ونحن نختم هذا الفصل بمسألة يتعارض فيها شبهان فنقول اختلف العلماء ~~في أن العبد هل يملك؟ 3 ومأخذ الكلام فيه من طريق الشبه وأما من يقول إنه ~~يملك فيشبهه بالحر فإن العبد خلق آدميا مختارا طلوبا لما يصلحه دفوعا لما ~~يضره لبيبا أريبا فطنا وهو في هذا كالحر فهذا شبه خلقى غير عائد إلى الصور ~~وإنما هو راجع ms711 إلى المعانى التي يتهيئ بها الإنسان لمطالبة ومأربه وأما من ~~منع كونه مالكا شبهه بالبهائم من جهة أنه مسلوب PageV02P254 # القصد والاختيار مستوعب المنافع باختيار مالكه حتى كأنه لا اختيار له ~~والتعلق بهذه الأشياء أقرب فإن القائل الأول تمسك بالأمور الخلقية ومن منع ~~من الملك تمسك بمأخذ الأحكام وكان هذا القول أقرب وأصوب فإن الرق حكم غير ~~واجب إلى صفات حقيقية خلقية فإن حاصلة سقوط استبداد شخص في أمور نفسه ~~وتهيؤه لتصرف غيره وهذا يناقض صفات المالكين فإن حكم المالك الاستقلال ثم ~~أقام الشرع طالبا للملوك فيما يسد حاجته ويكفى مؤنته والحاجة التي لا يتصور ~~الكفاية فيها أثبتها الشرع للمملوك بإذن مالكه وهو حق المتمتع في النكاح ~~فإن قيل: السيد إذا ملك عبده فالحق لا يعدوهما فإن كان استغراق السيد لحقه ~~يمنعه من صفة المالكين فإذا ملكه المولى وجب أن يملك قلنا: التمليك لم ~~يخرجه عن كونه مملوكا محتكما فلا يجتمع معه الملك وهذا لأنه مملوك في نفسه ~~فلا يكون مالكا وأما إذا ثبت للسيد حق استقلال بأن كاتبه فيتصور له ملك على ~~حسب ما يليق به على ما عرف. # واعلم أن المعتمد في نفى ملك العبد كونه مملوكا ولو كان أهل الملك لكان ~~أول ما يظهر فيه الأهلية ملكه نفسه ولو ملك نفسه عتق فصار الملك مضادا ~~لثبوت الملك فهذه وجوه نفى الملك له. # PageV02P255 ### | فصل: سؤال المطالبة # ... # "فصل" # ثم ذكر سؤال المطالبة وجوابه عنها على ما عرف من الجدليين ونحن قد ذكرنا ~~من قبل وبينا وجه الجواب وذكر الترجيحات وقد سبق وجوه ذلك وذكر العلة ~~القاصرة مع العلة المتعدية إذا تعارضتا قال: وحاصل ما قيل ثلاثة مذاهب: # أحدهما: وهو اختيار الأستاذ أبى إسحاق ترجيح العلة القاصرة. # والثانى: وهو المشهور ترجيح العلة المتعدية. # والثالث وهو اختيار القاضى أبى بكر: أن إحديهما لا تترجح على الأخرى ~~بالقصور ولا بالتعدى1. # قال: وهذا إنما يرد إذا لم نر تعليل الأصل بعلتين أصلا وإذا اتفق ~~القائسون أن الصحيحة إحداهما ولا يجوز تعليقه بهما جميعا وأما ms712 الذى رجح ~~المتعدية فكلامه ظاهر PageV02P255 # وهو أن العلل تزاد لفوائدها والفائدة للمتعدية لأن النص يغنى عن القاصرة ~~فليكن التمسك بالمتعدية أولى وأما من رجح القاصرة قال: لأنها متأيده بالنص ~~وصاحبها أمن من الزلل في الحكم العلة فإذا دل الدليل على صحة العلل حينئذ ~~تطلب الفوائد قال: والترجيح بحكم للعلة بعيد والترجيح الحقيقى يكون بما ~~ينشأ من مثار الدليل عليها لأنه يفيد زيادة قوة الظن فأما الترجيح بالنظر ~~إلى الفوائد فلا وجه له لأنه ليس مما يرجع إلى زيادة قوة الظن. وقد قيل: إن ~~هذه المسألة تقديرية وهى غير واقعة في الشرعيات فإن قال قائل: أن أبا حنيفة ~~قد علل الربا في التقدير بالوزن وهو معتد إلى كل موزون وعلل الشافعى ~~بكونهما جوهرى النقدين وهذا مقتصر على محل النص فما قولكم في ذلك قلنا علة ~~الوزن باطلة عند الشافعى كبطلان علة الكيل وعلة الثمنية صحيحة وقد قام ~~الدليل عليها والترجيح إنما يكون بعد أن تصح العلتان جميعا بقيام الدليل ~~عليهما. فإن قيل علة الشافعي في تثبيت الخيار للمعتقة تحت العبد قاصرة وقد ~~قدم ثبوتها1 على العلة المتعدية لأبى حنيفة قلنا هذا باطل من أوجه: # منها: أن ما اعتمده أصحاب أبى حنيفة من تعليل الخيار باطل في نفسه فلا ~~ينتهى القول إلى مقام الترجيح. # ومنها: أن الرأى الظاهر أن لا يعلل خيار المعتقة تحت العبد كما حققنا في ~~الفروع ومنها أن من يثبت الخيار للمعتقة تحت الحر يزعم أن قصة بريرة كانت ~~واقعة والزوج حر فيكون الأصل على هذا ما ورد فيه النص ويكون غيره فرعا فكيف ~~يعلل الأصل ويقاس على الفرع حتى يقال إنها متعدية أو غير متعدية؟ واعلم أنا ~~أما التقطنا كلمات له في هذه المسألة ولم نحكمها على الوجه. # وعندي أن المتعدية والقاصرة سواء بعد أن يقوم الدليل على صحتها وإن طلب ~~الترجيح بوجه آخر. # وأما مسألة خيار المعتقة فقد ذكرنا في كتابى "النكاح" أن النكاح وقع ~~لازما وقد استبرأ قبل لزومه على اختلاف التارات والحالات ولا دليل يدل ms713 على ~~ثبوت الخيار عند العتق وأبطلنا ما يزعمونه من الدليل وإذا بطل ذلك بقى ~~النكاح لازما على ما وقع لأن الباقى بعد الثبوت هو الثابت ابتداء فإذا ثبت ~~لازما بقى لازما وذكر فصلا آخر فيما يرجع إلى الترجيح قال: وإذا تعارض ~~قياسان واعتضد أحدهما بمذهب صحابي فمن يقول: إن PageV02P256 # مذهب الصحابى حجة عد هذا من انضمام دليل إلى أحد القياسين وهذا يقتضى ~~تقديم المذهب الذى يدل عليه القياس ويدل عليه قول الصحابى ويقع الكلام في ~~أن هذا هل يسمى ترجيحا أو لا؟ وإذا كنا لا نرى التعلق بمذهب الصحابى فلا ~~أثر له في الترجيح وقوله كقول بعض علماء التابعين ومن بعدهم وإن لم يكن ~~قوله بانفراده حجة لكن إذا انضم قوله إلى القياس وقد شهد النص بمؤيد علم في ~~هذا الفن الذى نصب فيه القياس أفاد انضمامه زيادة قوة في الظن قال الشافعى: ~~قول زيد أرجح من قول معاد رضى الله عنهما وإن كان قد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أعلمكم بالحلال والحرام معاذ" 1 وذلك لأن شهادة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لزيد أخص في الفرائض وأدل على اختصاصه بمزيد الدرك فيها ~~وكذلك مذهب زيد مع انضمام قياس إليه أرجح من مذهب على مع انضمام قياس إليه ~~وإن كان قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقضاكم علي" 2 وهذا أبين ~~مما قدمناه في معاذ فإن شهادة الشارع له بمزية البصيرة في القضاء يشير إلى ~~التفطن لقطع المشاجرات وفصل الخصومات والتهدى إلى تمييز المحق من المبطل ~~والشهادة بمزية العلم في الحلال والحرام وقع في مض الاجتهاد والشهادة بمزية ~~العلم في الفرائض أخص من الجميع فهذه إذا ثلاث مراتب وإذا لم يكن في ~~الواقعة قياس واجتمعت هذه المذاهب الثلاث فالقول في تقليد من يقلده يأتي في ~~غير هذا الموضع. فإن قيل: إذا اعتضد أحد المذهبين بقول أبى بكر وعمر رضى ~~الله عنهما فما قولكم فيه؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا ~~باللذين من ms714 بعدى أبى بكر وعمر -رضي الله عنهما-"3 قلنا هذا عندنا اعم من ~~الشهادة لعلى بمزيد في العلم في القضاء فإنا نجوز أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم أشار بهذه على الاستحثاث على اتباعهما في الخلافة وإبداء الطاعة فإذا ~~انضم إلى المراتب الثلاث في الشهادات الصحيحة مرتبة رابعة فأولاها بالتعلق ~~أخصها وهى الشهادة لزيد ويليها الشهادة لمعاذ ثم تلى الشهادة لمعاذ الشهادة ~~لعلى ثم يلى ما ذكرناه ما ذكر صلى الله عليه وسلم في أمر أبى بكر وعمر رضى ~~الله عنهما ثم قال الشافعى: قول علي في الأقضية كقول زيد في الفرائض وقول ~~معاذ فى PageV02P257 # التحليل والتحريم إذا لم يتعلق بالفرائض كقول زيد في الفرائض فهذا الذي ~~وجد من زيادة فائدة فيما نقله في أصوله وأما سائر ما نرجح به العلل قد ~~ذكرنا الكلام فيه ثم أعلم أنه قل ما يوجد علتان متعارضتان وقد قام الدليل ~~على صحتهما ثم يصار إلى الترجيح في ذلك بل أكثر الكلام إنما يقع في طلب ~~التأثير الذى به تصح العلة فإن اتفق ما قلناه من تعارض العلتين وقد قام ~~الدليل على صحتهما ووقعت الحاجة إلى الترجيح فالوجه ما قدمنا وحين فرغنا من ~~هذا نذكر الكلام بعد هذا في التعلق بالاستدلال ونبين عند ذلك الفرق بينه ~~وبين التعليل وبين قرينه كل واحد منهما ووجه ترجيح أحدهما على صاحبه ثم ~~نذكر بعده الكلام في السبب والشرط والفرق بين العلة وبينهما وهذان الفصلان ~~أعنى الكلام في الاستدلال والكلام في السبب والشرط ومعرفة الفرق بينهما ~~وبين العلة مما يجب الاهتمام بذلك لكثرة ما تقع الحاجة إليه في المسائل ~~وسنذكر ذلك جميعه بعون الله تعالى وتوفيقه ونبرأ إلى الله عز وجل من حولنا ~~وقوتنا ونعتصم ونلوذ بحوله وقوته فإن الكل منه وبه وإليه. # PageV02P258 ### | القول في الاستدلال # قد ذكرنا أن الاستدلال طلب الحكم بالاستدلال بمعانى النصوص وقيل: أنه ~~استخراج الحق وتمييزه من الباطل ذكرهما أبو الحسن الماوردى وقيل: إنه معنى ~~مشعر بالحكم المطلوب مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلى من غير ms715 وجدان أصل ~~متفق عليه1. # واختلفوا في هذا فذهب جماعة إلى رد الاستدلال وقالوا: لا يجوز أن يكون ~~المعنى دليلا حتى يستند إلى أصل وذكره القاضى أبى بكر وجماعة من المتكلمين ~~وأما الذى يدل عليه مذهب الشافعى رحمة الله عليه هو كون الاستدلال حجة وإن ~~لم يستند إلى أصل ولكن من شرط قربه من معانى الأصول المعهودة المألوفة في ~~الشرع وقد ذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة إلى جواز الاستدلال وإن لم يستند ~~إلى حكم متفق عليه في أصل وشرح ذلك أن يكون الثابت مصالح شبيه بالمصالح ~~الثابته في أصول الشرع غير خارجة عنها وأفرط مالك في جواز القول ~~بالاستدلال2 وجوز مصالح بعيدة عن المصالح المعهودة والأحكام المعروفة في ~~الشرع وحكى عنه جواز القتل وأخذ المال بمصالح يقتضيها غالب الظن وإن لم ~~يوجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول وربما يقول أصحاب مالك يجوز اتباع وجوه ~~المصالح والاستصواب قربت عن موارد النصوص أو بعدت إذا لم يصدمها أصل من ~~الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع واحتج من نفى الاستدلال على وجه ~~القياس بأن الدلائل محصورة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس على أحدها ~~والاستدلال الذى يذكرونه خارج عن هذه الأقسام ومن هذه الدلائل أجمع قد يصح ~~أن يكون دليلا قال القاضى أبو بكر: إن المعانى إذا حصرتها الأصول وضبطتها ~~المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع وإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم ~~تنضبط واتسع الأمر وصار الشرع مرجوعه إلى وجود الرأى من الناس من غير ~~اعتماد واستناد إلى أصل شرعى فيرى كل إنسان وجها ويعتمد شيئا سوى ما يراه ~~ويعتمد صاحبه ويصير إذا أهل الرأى في هذا بمنزلة الأشياء فيفعل كل إنسان ما ~~يراه ويعتقده صلاحا في المعنى الذى سنح له فيصير ذلك ذريعة إلى أبطال أبهة ~~الشروع PageV02P259 # ورونقها ويذهب طراوتها وبهاؤها وينسكب ماؤها ثم مع ذلك يختلف ما يرونه من ~~الاستصلاح والاستصوابات بالمكان والزمان وأصناف الخلق فتختلف أحكام الله ~~تعالى نهاية الاختلاف ويكون حكم الله تعالى اليوم خلاف ما كان عليه أمس ~~وحكم ms716 الإنسان خلاف حكم جاره وشريكه وهذا أمر يخالف ما عهد عليه قوانين ~~الشرع وما درج عليه الأولون من هذه الأمة وما أرى القول به إلى مثل هذا فهو ~~باطل وهذا لأن ما لا أصل في الشرع فهو في نفسه ما لا أصل له وأيضا يقولون ~~إن معاذا رضى الله عنه لم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فدل أن ما سوى ~~ذلك باطل وأما دليل مثبتى الاستدلال هو أنا نعلم قطعا أنه لا يجوز أن يخلو ~~حادث عن حكم الله تعالى منسوب إلى شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # ببينة: أنه لم يرو عن السلف الماضين أنهم أغروا وأخلوا واقعة عن بيان حكم ~~فيها لله تعالى وتقدس ونحن نعلم كثرة الفتاوى وازدحام الأحكام الأحكام وقد ~~استرسلوا في بث الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع وقد قصدوا ~~لإثباتها فيما وقع وتشوفوا في إثباتها فيما سيقع ولا يخفى على منصف أنهم ما ~~كانوا يفتون فتوى من تقسيم الوقائع عنده إلى ما يغري عن حكم وإلى ما لا ~~يغغرى عنه وإذا عرفنا هذا فنقول لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات ~~والمعانى المستشارة منها لما وسع القياس لكل ذلك فإنا نعلم أن المنصوصات ~~معانيها لا تنسحب على كل المعانى ولو لم يتمسك الماضون بمعانى وقائع لم ~~تعهد وأمثالها لكان يزيد وقوفهم في الأحكام على فتاويهم وجريانهم فيها قال ~~الشافعى رحمه الله: من سير أحوال الصحابة - رضي الله عنهم - وهم الأسوة ~~والقدرة لم ير لواحد منهم تمهيد قياس على ما يفعله القياسيون بل كانوا ~~يخوضون في وجوه الرأى من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فثبت بمجمع ~~ما ذكرناه صحة القول بالاستدلال ومما يدل على صحة ما ذكره الشافعى رحمة ~~الله عليه وتمسك به أنه إذا استندت المعانى إلى الأصول فالتمسك بها جائز ~~وليست النصوص وأحكامها حججا وإنما الحجة في المعنى وأعيان المعنى ليست ~~منصوصة وهى المتعلق بها بل نقطع بمحض خروج المعانى عن ضبط النصوص فدل أن ~~المعانى حجة كافية ولو ms717 راعينا ردها إلى الأصول تنصرف الأصول عن كثير من ~~المعانى ومن يتتبع كلام الشافعى لم يره متعلقا بأصل ولكنه يبنى الكلام في ~~الأحكام على المعانى المرسلة فإن عدمها حينئذ شبه بالأصول. # PageV02P260 # عليه فيما قلناه ولو قال قائل: لم يصح عن أحد من السلف استعمال القياس ~~على ما يعتاده أبناء الزمان من تمثل أصل واستتاره معنى فيه وربط فرع به كان ~~ذلك حقا وصوابا. # فأما الكلام الثانى الذى قاله وزعمه أن القول بهذا يؤدى إلى خروج الأمر ~~عن الضبط وانحلال أمر الشرع ورد الأحكام إلى أرآء الرجال فهذا لا يلزمنا ~~لأنا نعتبر وجود معنى لا يدفعه أصل من أصول الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع ~~والجملة أنه يعتبر وجود معنى يناسب الحكم الذى يبنيه عليه من غير أن يدفعه ~~أصل من كتاب أو سنة أو إجماع وقد قال بعض أصحابنا في العبارة: عن هذا إنه ~~قد ثبتت أصول معللة اتفق القائسون على عللها فقال الشافعى رحمه الله: نتخذ ~~تلك العلل معتصما ويجعل الاستدلال قريبا منها وإن لم تكن أعيانها حتى كأنها ~~مثلا أصول والاستدلالات معتبرة بها واعتبار المعنى بالمعنى تقريبا أولى من ~~اعتبار صورة بصورة لمعنى جامع فإذا قرب معنى المجتهد والمستدل فيما يجتهد ~~إلى الشرع ولم يرده [إلى] 1 أصل كان استدلالا مقبولا مثاله أن الرجعية ~~المحرمة الوطء عند الشافعي رحمه الله عليه مباحة الوطء عند أبى حنيفة ~~واستدل الشافعى بأنها متربصة الرحم وتسليط الزوج على شغل رحمها في الزمان ~~الذى تؤثر فيه بالتبرئة متناقض ثم هذا يعتضد تبرئة بأن الزوج لو اعتزل ~~امرأته قبل الطلاق مدة العدة. ثم طلقها لم يعتد بما كان منها عدة ولو كانت ~~تحل قبل الطلاق وبعد الطلاق لما كان لاختصاص العدة بما يعد الطلاق معنى ~~وهذا نوع استدلال ضمنى مستخرج من العدة ولم يطلب الشافعى لهذا أصلا يقيس ~~عليه وذكر بعض متأخرى الأصحاب في هذا كلاما طويلا لم أر في حكايته فائدة ~~فتركته وقد ترد المسألة من أولها إلى آخرها إلا القليل على ms718 طريقة المشايخ. # وأما نحن فعلى طريقة المحققين لا نرى الاعتماد على العدة وإن كان هو ~~متعلقا حسنا من حيث الحكم وأقل غائلة في هذا التعليق على أصل الخصم أنه لا ~~يجتمع العدة وشغل الرحم من الزوج فإنه قد صار مراجعا بالوطء ولهم على العدة ~~كلام واقع على ما ذكرناه في الخلافيات وإنما المعتمد عندنا وقوع الطلاق ~~وهويصرف فأجر عمله الإسقاط والإزالة فلابد أن يزيل شيئا وليس ذلك إلا ملك ~~الحل وقد بينا وجه الاعتماد على هذا ومشيئة وقد أورد بعض أصحابنا أمثلة ~~الاستدلال سوى هذا. PageV02P261 # وقال: مثال الاستدلال ما قال أصحابنا: إن الخارج من غير السبيلين ليس ~~بحدث1 لأنه لو كان حدثا لاستوى قليله وكثيره وحكمه وكذلك قالوا: لو كانت ~~القهقهة حدثا ينقض الطهارة لاتفق في ذلك حال الصلاة وحال غير الصلاة. # ومثال ذلك أيضا ما قالوا في المتيمم إذا رأى الماء: إنه لا يكون رؤية ~~الماء حدثا2 لأنه لو كان رؤية الماء حدثا لم يختلف موجبه في وجوب الغسل ~~تارة والوضوء أخرى ومن ذلك قولهم في توسيع وقت الحج3: إنه لو كان مضيقا لكن ~~المؤخر له عن عام وجوبه إذا أتى بعد ذلك يكون قاضيا لا مؤديا فلما كان ~~مؤديا دل أنه موسع الوقت ومن ذلك أيضا ما قاله الشافعى: إنه لو كان اللعان ~~شهادة لكان حكمه كيت وكيت على ما عرف. # ومنها ما استدل به الشافعى على إبطال علة الوزن. فقال: العلة الموجبة ~~لتحريم التفاضل لو كان هو الوزن ما جاز إسلام الذهب والورق في سائر ~~الموروثات على ما هو المعروف. # وعندي أن هذا كله قياس لاعتبار شئ بشئ بمعنى مستخرج. # ويجوز أن يقال: إنه قياس من حيث المعنى لا من حيث الصورة والدليل على أنه ~~لم يخرج من قسم القياس أنه استند في كونه دليلا إلى غيره وما استند إلى ~~غيره واعتبر به فلابد أن يكون غير خارج من قسم القياس. # ويجوز أن يقال: إنه نوع بحث يثير حكما شرعيا. وقد قالوا: إنه يجوز أن ~~يوجد في ms719 الأحكام الشرعية ما لا أصل له بعينه وذلك نحو العمل القليل في ~~الصلاة وما شاكله وذلك لأن الدليل لما دل أن كثير العمل يفسد الصلاة وأن ~~قليله لا يفسدها ولم يثبت PageV02P262 # بالنص القدر الذى يفسد والقدر الذى لا يفسد وجب الرجوع إلى الاجتهاد. # وقال بعضهم: إن قدر ما يفسد الصلاة على التقريب ما إذا شاهد المشاهد لم ~~يظن أنه في الصلاة وعلى الجملة فلا شك أن العمل في ذلك على ما ظن المصلى ~~أنه قليل فلا يفسد أو كثير فيفسد وليس ذلك راجع إلى أصل بعينه من أصول ~~الشرع وقد ألحق بعض أصحاب أبى حنيفه بهذا الباب انكشاف ساق المرأة فإنه ~~يقول إذا انكشف ربع الساق فما فوقه فسدت صلاتها وإن كان قد انكشف ما دون ~~الربع لا تفسد وذكروا لهذا التقدير وجها على التقريب وهو أن الناظر إلى ساق ~~المرأة إذا كانت الساق مكشوفة إنما يبصر جانبا منها وللشئ اربعة جوانب فإذا ~~رأى جانبا منها فيكون قد رأى الربع فجرى في هذا مجرى الكل في فساد الصلاة ~~وهذا أيضا شئ قالوه على وجه التقريب من غير أن يستند إلى أصل وعلى هذا من ~~مذهبهم مقادير النجاسات المعفو عنها وقدر ما ينزح من الدلاء من البئر عند ~~وقوع الحيوانات فيها. # وقد قدر الشافعى أيضا في المتابعة بين الإمام والمأموم فقال: إذا سبق ~~الإمام المأموم بركن واحد أو ركنين لم تفسد المتابعة وإن سبق بثلاثة أركان ~~فسدت المتابعة1 وهذا تقدير على وجه التقريب ليس له أصل بعينه ولذلك قال في ~~المسافة بين الإمام والمأموم إذا زاد على مائتى ذراع أو ثلاث مائة فسدت ~~المتابعة وفيما دون ذلك لا تفسد وإن كان هذا تقديرا على وجه التقريب غير ~~مستند إلى أصل بعينه وعلى هذا نفقة الموسر والمعسر ينظر في ذلك على حسب ~~العادة فيعرف بذلك الموسر من المعسر ونجرى الحكم على ذلك وهو غير مستند إلى ~~أصل بعينه. # وكذلك القول في جهة الكعبة ومقدار ما يعرف أنه على جهة الكعبة أو ليس ms720 على ~~جهة الكعبة وكذلك ما يتوصل به إلى معرفة قيم المتلفات وإيجاب قدر القيمة ~~حكم شرعي وقد تعلق بأمارة غير مستندة إلى أصل. # وقد قيل: إن الأمارة في هذا عقلية وهى النظر إلى عادات الناس. # ألا ترى أن من قوم الثوب بعشرة لو قيل له: لم قومته بذلك يقول: إن عادة ~~الناس أن يبيعوا مثل هذا الثوب بعشرة ويمكن أن يسألوا على هذا فيقال إذا ~~جعلتم الأمارة في هذا عقلية فهلا قلتم: إذا خرق زيد ثوب عمرو يكون الواجب ~~تخريق ثوبه PageV02P263 # والجواب عنه: إن زيدا إذا خرق ثوبه يقابل بتخريق ثوب الجاني وقد أضر ~~بنفسه لحين لم يتعرض من ماله التالف بماله ولا يجوز أن يضر الإنسان بنفسه ~~من غير فائدة فإن قال قائل: فائدته التشفى. قيل له التشفى تبع لحسن تحريق ~~ثوب الجانى فإذا لم يحسن التخريق لم يحسن التشفى ذكر هذا السؤال عبد الجبار ~~الهمدانى في العمد وأجاب بما بينا. # وعندي إن هذا ليس بشئ لأن السائل يقول: إن التشفى حسن بدليل القصاص فإن ~~اعتبار التشفى فيه قد حسن فليحسن ها هنا وإذا حسن التشفى وجب أن يحسن ~~التخريق ويصير حسن التخريق لثوب الجانى تبعا لحسن التشفى والأولى أن يقال ~~في هذا: إذا لم يجوز تخريق ثوب الجانى لانعقاد الإجماع أنه لا يجوز وإنما ~~فرقنا بين النفس وبين المال بمحض اتباع الشرع وعلى أن الأصل المعلوم في ~~الضمانات الواجبة للآدميين هو أن ينظر لما فيه صيانة حقوقهم عليهم وحفظها. # ألا ترى: أن في الأعيان القائمة وجب صيانتها وحفظها على أربابها بوجوب ~~الاحتراز عما يؤدى إلى إهلاكها وإتلافها فإذا تلفت وجب أيضا ضمانها على ما ~~يكون فيه حفظ حقوق الملاك عليهم بقدر الإمكان وذلك بإيجاب المثل في ~~المثليات وإيجاب القيم في غير المثليات فيقوم المثل مقام المثل وتقوم ~~القيمة مقام العين المقومة ويصير كأن المتلف باق لملاكه محفوظ عليهم وكأنه ~~لم يتلف وهذا هو المعنى المعقول في إيجاب الضمان وأما الإتلاف في مقابلة ~~الإتلاف فخارج عن هذا المعنى وفيه ms721 تقدير الإهلاك السابق ومقابلة إهلاكه ~~بإهلاك مثله إلا أن الشرع ورد بالقصاص على خلاف هذا الأصل لغرض قائم فيه لا ~~يوجد في الضمان من حيث المال وهو زجر الجناة وإحياء النفوس ومعلوم قطعا أنه ~~يوجد في القصاص من الزجر والردع المؤدى إلى حياة النفوس ما لا يوجد في ~~النفوس فصار القصاص ضمانا شرعيا للنفس لغرض مختص به وصارت الدية ضمانا ~~قياسيا للنفس من حيث إن فيه إيفاء حق صاحب الحق عليه وحفظه له بقدر الإمكان ~~وأن الدية قامت مقام نفسه في السلامة لصاحب الحق إن كانت الجناية في قطع ~~اليد أو وارثه إن كانت الجناية بقتل النفس وسلامة العوض لمن يقوم مقام صاحب ~~الحق ينزل منزلة سلامته لصاحب الحق فاستقام كون القصاص ضمانا بالشرع ~~واستقام كون الدية ضمانا بالقياس ولم يجز الجمع بينهما لأن كلا الواجبين ~~بدل النفس وإن اختلفت جهة إيجابهما ولا يجوز إيجاب واجبين عن متلف # PageV02P264 # واحد فأما في تخريق الثوب وقتل البهيمة فليس في مقابلة التخريق بالتخريق ~~وقتل الدابة بالدابة غرض صحيح لأن نهاية ما في الباب أنه يوجد بذلك إتلاف ~~مال عليه وفى أخذ الضمان يوجد هذا مثل ما يوجد إذا أهلكنا ماله عليه فإنا ~~إن قدرنا أنه يتلف عليه بهيمته بإتلافه عليه بهيمة أو قدرنا أنه خرق عليه ~~ثوبا بإزاء ما خرق وعليه ثوبه فإنه لا يجوز أن يعرض بهائمه فيتلف عليه أى ~~بهيمة شاء أو يخرق أى ثوب شاء بل ينبغى أن يخرق ثوبا مثل ثوبه أو يتلف ~~بهيمة مثل بهيمته وإذا فعل ذلك كان ذلك في المعنى وأخذ الضمان سواء وأما ~~القصاص ففيه إتلاف نفسه وإزهاق روحه ولا شك أن فيه معنى زائد على الدية وقد ~~لا يبالى الإنسان بإعطاء الدية بقتل عدوه فإذا عرف أنه يقتل إذا قتل انكف ~~عنه فهذا هو المعنى الصحيح والحكمة المعقولة الشرعية وعلى مثل هذا يكون ~~المعول في هذا وأمثاله وأمثال هذه المعانى تكثر في الشرع وقد يكون نظير هذا ~~إيجاب الكفارة في القتل فإن الله تعالى ms722 لما خلق ليعبدوه على ما نص عليه ~~فإذا قتل إنسانا فهو بالقتل قد أبطل عليه معنى التعبد والتعبد من العبد لله ~~تعالى مقصود كلى من العباد فصح بنا إيجاب الضمان على هذا المعنى الذى يليق ~~به وليس ذلك إلا الكفارة بإعتاق رقبة إذا قدر عليها لأن العبد مسلوب النفس ~~بالرق فكأنه هالك عن صفة الآدمية وقد قدم الله حق السادة على حقه في كثير ~~من المواضع فأوجب الله على القاتل عتق رقبة على معنى أنه يزيل عنه صفة الرق ~~فيكون قد أحيا نفسا بقدر الإمكان فأقامه مقام النفس التي أتلفها لتعبد الله ~~مكانها فيكون قد أقام الله عبدا يعبده مكان العبد الذى أهلك فيها فبهذا ~~الوجه يضمن حق الله وصار الضمان كضمان النفس بالدية أو القود فعلى هذا ~~يستوى فيه القتل عمدا وخطا لأن حق الله في جهتى العمد والخطأ مثلما يكون حق ~~الآمى مضمونا في الجهتين أيضا ويستوى في هذا أيضا قتل المسلم والكافر والحر ~~والعبد والبالغ والصبى وينظر إلى أصل ما كان عليه الخلقه وقد خلق الكل في ~~الأصل. ثم يتصل بهذا الفعل أن الواجب باسم الكفارة والكفارة اسم معنوى وهو ~~التغطية فيكون واجبا لتغطية الذنب ومحوه والذنب متى صار مغطا ممحوا التحق ~~المذنب بمن لم يذنب فصارت الكفارة كفارة بهذا المعنى ولا نقول: إنه عبادة ~~لأنه ليس القصد منها التقرب إلى المعبود. ولا نقول: إنه عقوبة لأنه ليس ~~فيها أخذ أو تنكيل والعقوبات هى ما يختص بصفة الأخذ أو التنكيل فكان شيئا ~~غير العبادة والعقوبة وهى أنها كفارة ومعناها أنها ماحية للذنب # PageV02P265 # مغطية له والشئ إذا أمحى ذهب ولم يبق وإذا غطى لم يبق له أثر وإذا كان ~~كذلك استقام إيجابها على الكافر كما يستقيم إيجابها على المؤمن فهذا الذى ~~ذكرناه وما يشبهه استدلالات حسنة ومعان بالغة مناسبة للأحكام المبنية عليها ~~تعلق بقلب كل فقيه إن هذا هو المعنى الذى يبتنى عليه الحكم ومن هذا الباب ~~أيضا ما نقول فيمن نفى وجوب الكفارة [بعيد بالوطء في الصوم] ms723 1 وإيجابها ~~بالوطء وهو أنا نقول: إن الجماع محظور الصوم والأكل والشرب مناف للصوم لأن ~~الصوم عبادة كف عن قضاء شهوة2 على خلاف النفس فينبغى أن يكون التعبد بالكف ~~في زمان الفعل عبادة حتى يكون بخلاف هوى النفس فإنه إذا لم يكن زمان الفعل ~~عادة لم يحصل الكف عبادة والنهار زمان الأكل والشرب عادة فكان الكف عنه في ~~هذا الزمان عبادة تعم هو محظور العبادة لأن الحظر والتحريم للعبادة يكون ~~متحققا في زمان الفعل عادة أو لا في زمان الفعل عادة وإذا ثبت أن الأكل ~~والشرب مناف للصوم فيصير بفعله تاركا للصوم في المستقبل وترك الصوم لا يوجب ~~الكفارة كتركه في الابتداء وأما الوطء لما كان محظور الصوم فيكون بالكف عن ~~الأكل والشرب مقيما على فعل الصوم غير أنه يكون جانيا عليه بفعل المحظور ~~وإيجاب الكفارة بفعل محظور الصوم لا يكون دليلا على إيجاب الكفارة بترك ~~الصوم وانقطع إحدهما عن الآخر صورة ومعنى وبطل فهذا استدلالهم في إيجاب ~~الكفارة في الوطء على إيجاب الكفارة في الأكل وهم يدعون على أنا أوجبنا ~~الكفارة في الأكل والشرب بطريق الاستدلال لا بطريق القياس ومن وجوه ~~الاستدلال ما نقوله في مسألة الاستيلاء فإن عندنا لا يملك الكفار ما ~~استولوا عليه من أموال المسلمين بخلاف المسلمين إذا استولوا على أموال ~~الكفار ملكوها. # وإنما قلنا: إن المسلمين يملكون أموال الكفار إذا استولوا عليها ويملكون ~~رقابهم إذا أسروها لأن المشركين في معنى العبيد فإن حريتهم غير ثابتة ثبات ~~تمكن واستقرار. # وأما أموالهم التي في أيديهم إنما هى للمسلمين وهى في أيديهم بمنزلة ~~الغصب لأن الله إنما خلق الدنيا وما فيها من أصناف الأموال والقنيات لعبيده ~~الذين يؤمنون به PageV02P266 # ويعملون ما خلقهم له من عبادته وجعل سائر الأملاك معاونات لهم على إقامة ~~طاعاته فمن كفر وعبد غيره فلا شئ له يستعين به على كفره وعبادة غيره فما ~~حصلوه في أيديهم واحتووا عليها فهى غصب في أيديهم وسبيله أن يرد إلى من ~~يسعتين به على طاعة الله ولهذا سمى ms724 المال المأخوذ من المشركين فيئا. # ويقال: أفاء الله مال المشركين أى رده علينا بعد أن كان المشركون غصبونا ~~إياه وما هذا وصفه فهو مردود على صاحبه فصار ملك المسلمين أموال الكفار ~~بهذا الوجه وهذا لا يوجد في الكفار إذا أخذوا أموال المسلمين لأنها أموال ~~في أيدي ملاكها وعليها حماية الإسلام وإذا كانت في حماية الإسلام لم تزل ~~بغلبة أهل الشرك عليها وصارت أموالهم كرقابهم فهم أحرار حقيقة وأملاكهم لهم ~~حقيقة وأما الكفار فيهم فهم في المعنى عبيد المسلمين وأموالهم التي في ~~أيديهم للمسلمين فالكل يكون فيئا لأنهم عبيد أبقة ردوا إلى مواليم وأملاكهم ~~غصوب أعيدت إلى ملاكها فهذه الأمثلة التي ذكرناها في الاستدلال أمثلة حسنة ~~يشهد الشرع والعقل بصحتها ومن عرف قواعد الشرع وقوانينها شهد له قلبه وما ~~أدركه من معانى الشريعة بصحتها ولم يرده أصل مجمع عليه من كتاب أو سنة أو ~~أجماع فيجوز أن يسمى أنواع هذا استدلالا فإن الأمثلة التي ذكرناها من قبل ~~حكاية عن بعض المتأخرين من أصحابنا فإنها هي أقيسة حكمية منقولة من الأصحاب ~~غير هذا القائل العبارة عنها فسماها استدلالا على أنا نقول لا غيره بالاسم ~~فإن سموا استدلال قياسا والقياس استدلالا فالوجه الذى قدمناه لأن جميع ذلك ~~طلب الحكم من معانى النصوص والكل نوع بحث عن معنى مناسب للحكم صحيح على ~~السبر فهذا صحيح ولا مبالاة بأى اسم سمى وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر ~~الاستحسان وهل يجوز أن يكون حجة على ما ذكره أصحاب أبى حنيفة؟ أو لا؟. # PageV02P267 ### | القول في الاستحسان # ذكر الأصحاب أن القول بالاستحسان في أصول الدين فاسد وذهب أصحاب أبى ~~حنيفة إلى القول به وكذلك القول بالمصالح والذرائع والعادات من غير رجوع ~~إلى دليل شرعى باطل فأما مالك فإنه يقول بذلك ويعتمده1. # واعلم أن الكلام في الاستحسان يرجع إلى معرفة الاستحسان الذى يعتمده ~~أصحاب أبى حنيفة فإن كان الاستحسان هو القول بما استحسنه الإنسان ويشتهيه ~~من غيردليل فهو باطل قطعا ولا نظن أن أحدا يقول بذلك تنذكر الآن ما ms725 ذكره ~~أبو زيد في كتابه في معنى الاستحسان لغة وحكما. # قال: أما اللغة: فالاستحسان هو اعتقاد حسن الشئ. يقال: استحسنت كذا أى: ~~اعتقدته حسنا2 واستقبحت كذا أى: اعتقدته كلك ومحل ظن بعض الفقهاء أن من قال ~~بالاستحسان قد ترك القياس والحجة الشرعية باستحسانه تركها من غير دليل يطلق ~~وطعن بهذا على علمائنا وأن ما هذا تغير الاستحسان لغة فأما عند الفقهاء ~~الذين قالوا بالاستحسان اسم لضرب دليل يعارض القياس الجلي حتى كان القياس ~~غير الاستحسان بعد سبيل التعارض وكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك ~~القياس أو الوقف على العمل بدليل آخر فوقه في المعنى المؤثر أو مثله وإن ~~كان الخفى منه إدراكا ولم يروا القياس الظاهر حجة قاطعة لظهوره ولا رأوا ~~الظهور رجحانا. بل نظروا إلى قوة الدليل في نفسه من الوجه الذى تعلق به ~~صحته ولم يكن غرضهم من هذه التسمية إلا يميزوا بين حكم الأصل الذى يدل عليه ~~القياس وبين الحكم المال [عن ذلك السنن الظاهر] 3 بدليل أوجب الذى أماله4 ~~فسموا الذى يبقى على الأصل قياسا والذى الممال استحسانا وهذا كما ميز أهل ~~النحو بين وجوه النصب فقالوا: هذا نصب على التفسير PageV02P268 # وهذا نصب على الظرف ونصب على المصدر وكذلك أهل العروض ميزوا بين الطويل ~~والمديد والمتقارب. # قال محمد بن الحسن في كثير من المواضع: القياس كذا والاستحسان كذا ~~وبالقياس نأخذ وأخذ في عامة المواضع بالاستحسان فعلم أنهما يستويان كدليلين ~~متعارضين. # قال: فصار العمل بالاستحسان هو الممال بحكمه من الطريق الظاهر إلى الخفى ~~بدليل شرعي لا بهوى التعيين فإنه كفر وإنما سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك ~~الظاهر بالخفي الذى ترجح عليه فلما كان العمل به مستحسنا شرعا سموا الدليل ~~بهذا الاسم كان اسما مستعارا كاسم الصلاة والصوم وغير ذلك. # قال: ثم الاستحسان قد يكون نصا وقد يكون ضرورة وقد يكون إجماعا وقد يكون ~~قياسا خفيا1. # أما النص فنحو قول أبى حنيفة في من أكل ناسيا لصومه: لولا قول الناسى ~~لقلت يقضى القياس الظاهر بوجوب القضاء إلا أنى ms726 استحسنت تركه بنص خاص ورد ~~فيه2 وهذا لأن النص فوق الرأى فأستحسن ترك الرأى به. # وأما الإجماع فنحو جواز الاستصناع فإنه قد ظهر تعامل الأمة به قد بينا ~~وحدثنا من غير تكبر والقياس أنه لا يجوز لأنه بيع معدوم. # قالوا: وأما الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعد تنجسها3 ~~والقياس يأبى ذلك لأن الدلو ينجس لملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس فلا ~~يمكن الحكم بطهارة الماء إلا أن الشرع حكم بالطهارة الضرورية لأنه لا يمكن ~~غسل البئر ولا الحوض وإنما غاية ما يمكن هذا وهو نزح الماء النجس وحصول ~~الماء الطاهر فيه فاستحسنوا ترك العمل بالقياس لأجل الضرورة والعجز فإن ~~الله تعالى جعل العجز عذرا في سقوط العمل بكل خطاب وأما ترك القياس بدليل ~~أخفى منه فهو مثل المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة بعينها في ~~يد البائع لم تقبض لا يتحالفان قياسا لكن القول قول المشترى وفى الاستحسان ~~يتحالفان لأن كل واحد منهما مدع ومدعا عليه PageV02P269 # لأن البائع يدعى على المشترى زيادة الثمن والمشترى ينكره وأما المشترى ~~فيدعى على البائع وجوب تسليم السلعة عند أداء ما يدعيه من الثمن والبائع ~~ينكره فأخذوا بدليل الاستحسان دون القياس لأن تأثيره أكثر وأخذ بالقياس في ~~موضع آخر وهو إذا تلا آية السجدة في صلاته فركع في صلاته ينوب الركوع عن ~~السجود قياسا لأن الواجب عليه عند قرآة السجدة الخشوع والخضوع لله تعالى ~~وذلك يحصل بالركوع وفى الاستحسان لا ينوب لأن الواجب عليه السجود والركوع ~~غير السجود ولا يعرف أنه مثله في الخضوع والخشوع بالقياس أخذوا لأن الواجب ~~الخشوع والركوع خشوع تام مثل السجود بخلاف القياس لأنه ليس بخشوع تام ونحن ~~أوردنا ما قالوه في الاستحسان لتعرف حقيقة مذهبهم. # ويقال لهم: إن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في النفس ويستحسن في ~~الطبع فلا شك أنه باطل والأحكام إنما تبنى على أدلة الشرع لا على الهواجس ~~والشهوات وما يقع في الطباع وإن كان هو الحكم بأقوى الدليلين من كتاب أو ~~سنة ms727 أو إجماع أقوى من قياس فلا معنى لتسميتهم ذلك استحسانا ولإن كان هذا ~~النوع استحسانا فكل الشرع استحسان فلا معنى لتخصيص ذلك ببعض المواضع دون ~~البعض. # واعلم أن مرجع الخلاف معهم في هذه المسألة إلى نفس التسمية فإن الاستحسان ~~على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به والذى يقولونه ~~لتفسير مذهبهم به العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه وهذا لا ~~ننكره لكن هذا الاسم لا نعرفه بآية ما1 لما يقال به لمثل هذا الدليل. # وقد قال بعضهم: إنه تخصيص قياس بدليل أقوى منه وهذا باطل لأنا لا نقول ~~بتخصيص الأقيسة وقد أبطلناه من قبل. # وقال بعضهم: هو عدول عن قياس إلى قياس أقوى منه وهذا أيضا باطل لأنهم ~~يسمون إذا عدلوا عن القياس إلى نص استحسانا أيضا. # وقال بعضهم: الاستحسان ترك طريقة الحكم إلى أخرى هى أولى منها ولولا ما ~~يوجب الثبات على الأولى وحده أبو الحسن الكرخى من أصحابهم وقال: هو أن يعدل ~~الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما يحكم به في نظائرها لوجه هو أقوى من ~~PageV02P270 # الأول يقتضى العدول عن ذلك وهذا يلزم عليه أن يكون القياس الذى يعدل به ~~إليه عن الاستحسان استحسانا. # وقد قالوا في مسائل بالقياس نأخذ وعدلوا عن الاستحسان إليه وسموه قياسا ~~وعلى الجملة لا معنى لهذه التسمية وهى تسمية لا يمكن حدها بحد صحيح تختص ~~به. # وأما تفسيرهم الذى يفسرونه فنحن قائلون بذلك وليس مما يتحصل فيه خلاف وقد ~~ذكر الشافعى لفظ الاستحسان في مراسيل ابن المسيب وقال أيضا في المتعة: ~~واستحسن يقدر بالأفلس درهما ليس هذا اللفظ بممتنع في بعض المواضع وإنما ~~المستنكر أن يجعل ذلك أصلا من الأصول تبنى عليه الأحكام وخالف بينه وبين ~~سائر الأدلة ولا يمكن تحقيق المفارقة والتمييز على ما سبق به القول في ~~السبب والعلة والشرط والفرق بين معانى ذلك ومواجبها. # PageV02P271 ### | ### | السبب # و ### | العلة # والشرط # السبب # ... # اعلم أن مما يكثر ذكره1 في أقوال الفقهاء ويرد في المسائل هو ms728 السبب ~~والعلة والشرط ولابد من معرفة ذلك والفرق بين معانيها ومواجبها. # أما السبب: # فاعلم أن السبب في اللغة: اسم للحبل الموصل إلى ما لا يوصل إليه إلا ~~بتعلقه به2. ثم يسمى كل مبنى يتوصل به إلى مطلوب مرام باسم السبب بسببها ~~بالحبل الذى يتدلى به من يوصل به إلى مرامه ومطلوبه مع أنه لا أثر للحبل في ~~إيجاد ذلك المطلوب وتحصيله وإذا كان السبب في اللغة اسما. فنقول: حده ما ~~يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما. # وقيل: إن السبب مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقديمها فلا أثر لها فيه ~~ولا في تحصيله3 وهذا كالجبل سبب للوصول إلى الماء ثم الوصول بقوة النازح لا ~~بالحبل PageV02P272 # وكذلك الطريق سبب للوصول إلى المكان الذى يقصده ثم الوصول لا يكون ~~بالطريق بل بقوة الماشى وكذلك الدلالة بحل الشىء سبب لأخذه وليس الأخذ ~~بدلالة بل هو بقوة الأخذ وكذلك حل قيد المقيد سبب لفراره ثم ليس الفرار بحل ~~القيد. بل هو بقوة الفار ويمكن الاستدلال على ما ذكرناه بقوله سبحانه ~~وتعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون} [البقرة: 73] . # فجعل الله تعالى ضرب القتيل ببعض لحم البقرة سبب الحياة فلا أثر لذلك في ~~الحياة وكذلك ضرب موسى البحر بالعصا صار سببا لصيرورته يبسا وضربه الحجر ~~صار سببا لانفجار العيون من غير أن يكون ضرب العصا مؤثرا في تجفيف البحر أو ~~انفجار الماء من صخرة صماء وتبين بهذه الأمثلة صحة قولنا في الحد الأول أنه ~~وصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما. # ببينة: أن العصا بالضرب في البحر والحجر لم ينقلب طبعه عما كان إلى شئ ~~آخر ليؤثر في يبس البحر أو انفجار الحجر بالضرب ولكنه صار سببا بجعل الله ~~تعالى ذلك سببا فدل أن السبب للشئ سبب وإن لم يكن له تأثير في إيجاده بوجه ~~ما ولأهل الكلام في هذا خوض كثير وقد جعلوا الطعام سببا للشبع والماء سببا ~~للإرواء وليس هو بنفسه مشبعا ولا مرويا لكم المشبع والمروى ms729 هو الله تعالى ~~على الحقيقة وهذا من حيث الاعتقاد صحيح لكنه لا يسببه النظر الأول فإن في ~~الطعام طبع الإشباع وفى الماء طبع الإرواء والأولى هو الاقتصار على القدر ~~الذى قلناه. # وذكر أبو سليمان الخطابى وقد كان من العلم بمكان عظيم وهو إمام من أئمة ~~PageV02P273 # السنة صاح للاقتداء به والإصدار عنه. قال: السبب هو الوصلة التي يتوصل ~~بها إلى الشئ ومن هذا قيل للحبل سبب وللطريق سبب لأنه بسلوكه تصل إلى ~~الموضع الذى تريده قال الله تعالى: {فأتبع سببا} [الكهف: 85] أى طريقا وقد ~~يسمى السبب علة لأنه يتوصل به إلى معرفة الحكم كما بنيته بالعلة على الحكم ~~إلا أنه ليس كل سبب بعلة ولكن كل علة سبب كما أن كل علة دليل وليس كل دليل ~~علة وفرقوا بين العلة والسبب من وجوه. فقيل: العلة لا توجد إلا ومعلولها ~~موجود كالنار لا توجد ولا إحراق وقد يوجد السبب ومسببه غير موجود كالسحابة ~~توجد ولا مطر وقد قيل: إن السبب هو الحال الذى يتفق بكونها نزول الحكم ~~كالوقت الذى يتفق فيه نزول الحكم والعين التي يتفق نزوله فيها وقد يوجد ~~السبب والحكم غير مقصور عليه بل يكون عاما لأهل ذلك السبب وغيرهم فيمن لا ~~يشاركهم فيه. # PageV02P274 # وأما ### | العلة # فتطرد مع الحكم بكل حال وقيل: إن العلة هى المعنى الجالب للحكم ومنه علة ~~المريض وهى السبب والجالب للمرض. # وقد قال بعض الشعراء: # ألم تر أن الشئ للشئ علة ... يكون بها كالنار تقدح بالزندى # وقد قيل أيضا: إن اشتقاق العلة في اللغة راجع إلى معنى التكرار والدوام ~~وذلك أن العرب تسمى السقى الثانى عللا وتسمى المرأة التي نكحت على الأخرى ~~علة وذلك أنها تعل بعد صاحبتها فكانت العلة على هذا الاشتقاق هى الشئ التي ~~يتكرر ويدوم بوجوده ما علق به. # واختلفوا في المعلول ما هو؟ فقال بعضهم: هو الحكم لأنه مجلوب العلة ويقال ~~علة هذا الحكم كذا فتضيف العلة إلى الحكم. # وقال آخرون: هو الشيء الذى وقعت فيه العلة بمنزلة المضروب الذى وقع فيه ms730 ~~الضرب. # ألا ترى أنا نقول: إن البر معلول بالأكل والخمر معلول بالشدة. # PageV02P274 # وأما ### | الشرط # فأصله العلامة1. # قال أبو عبيد: ومنه أشراط الساعة أى علاماتها. # وحد الشرط: ما يتغير به الحكم بوجوده2 ويفارق السبب لأن الشرط يقتضى ~~PageV02P275 # تغير الحكم بوجوده وعدمه والسبب قد لا يوجد ذلك بل يوجب مصادفته وموافقته ~~وقد أشار إلى هذا الذى قلناه الشيخ القفال الشاشي. # قال القفال: والطريق في التمييز بين العلة والسبب والشرط أنا ننظر إلى ~~الشئ فإن جرى مقارنا للشئ مع تأثير الشئ فيه دل على أنه علته وإن جرى ~~مقارنا للشئ أو غير مقارن لا تأثير للشئ فيه دل أنه سببه. PageV02P276 # وأما الشرط هو ما يختلف الحكم بوجوده وعدمه وهو مقارن غير مفارق للحد ~~كالعلة سواء إى أنه لا تأثير له فيه وإنما هو علامة على الحكم من غير تأثير ~~أصلا. # ويقال أيضا في الفرق بين السبب والعلة: إن السبب قد يوجد مع تراخى الحكم ~~كالبيع بشرط الخيار سبب للملك ليس بعلة ولو كان علة لما تأخر حكمه ولكنه ~~سبب منعقد ويصير علته بارتفاع الخيار فيكون ارتفاع الخيار شرطا ليصير علة ~~لوقوع الملك فمتى وجد هذا الشرط انقلب السبب علة ولا يتراخى عنه حكمه ثم ~~الحكم إذا وجد بانضمام الشرط إلى السبب يضاف إلى السبب لا إلى الشرط ولهذا ~~قلنا: بتضمين شهود اليمين إذا رجعوا دون تضمين شهود الشرط وكذلك حصول الجرح ~~في المجروح من المكلف المختار سبب لوجوب القصاص عند زهوق الروح ويصير عند ~~زهوق الروح علة القصاص وكذلك حصول النافى في يد الغنى المكلف في الزكاة سبب ~~لوجوب الزكاة وإذا حال الحول صير علة موجبة وكذلك اليمين قبل الحنث سبب ~~لجواز أداء الكفارة ويصير عند الحنث علة موجبة مقررة وكذلك الطلقة الواحدة ~~سبب التحريم في الرجعة وعند انقضاء الرجعة تصير علة لانقطاع النكاح. # وقد ذكروا مثال هذا الشرط فقالوا: إن الحياة شرط في صحة وجود العلم ~~والقدرة وغيرهما من صفات الحى ولا يصح وجود العلم والقدرة بدون الحياة وهذا ~~في العقليات وفى ms731 الشرعيات لا تصح الصلاة بدون الطهارة ولا يصح الصوم بدون ~~النية وهذا الذى ذكرناه هو مذهبنا وقد أوردناه على ما ذكره الأصحاب مع شئ ~~من الزيادة في تقديره وتحقيقه. # وأما أبو زيد فله كلام كثير في السبب والعلة والشرط ونذكر طرفا من ذلك ~~ونتكلم على ما يوافق مذهبنا قال في تقويم الأدلة: الأسباب التي تسمى أسبابا ~~شرعا أربعة أقسام سبب اسما لا معنى وسبب محض اسما ومعنى وسبب هو علة العلة ~~معنى وسبب هو علة معنى. # أما السبب اسما لا معنى ولا حكما فنحو اليمين بالله في حق الكفارة فإنها ~~بعد الحنث تجب باليمين لا بالحنث على ما عرف وكذلك النذر المعلق بالشرط ~~فإنه يلزم بعد الشرط بالنذر لا بالشرط ويسمى النذر المعلق بالشرط سببا ~~وكذلك اليمين إلا أنه اسم مجازا لتصوره بصورة الأسباب لا حقيقة لعدم معنى ~~السبب لأن معنى السبب ما يكون مؤديا إلى غيره وطريقا واليمين تعقد للبر ~~وأنه مانع من الحنث الذى تجب # PageV02P277 # عنده الكفارة وليس بطريق ولكنه لما كان الغرض أن يزول المانع فيصير علة ~~كان في صورة السبب ويتحلل المانع ذهب عنه معنى السببية ولهذا قال أصحابنا: ~~لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث. # قال: ونقول على هذا: إن تعليق الطلاق بالنكاح جائز لأنه ليس بطلاق ولا هو ~~سبب الطلاق ولا يعتبر لانعقاده شرطا لطلاق وهو ملك النكاح كما لو حلف بشئ ~~آخر وإنما تكلم هذا بما يصير خلافا وهو إذا وصل إلى المرأة التي هى محلها ~~بعد الشرط وإنما يعتبر في الحال كون الرجل من أهل التكلم به ومن أهل اليمين ~~لأن السبب ما يتقرر عند الوصول إلى المقصود لا ما يرتفع واليمين يرتفع بعد ~~الحنث لأنه يبقى بعد الحنث قوله أنت طالق أو على كذا وهذا القدر لا يكون ~~يمينا. # وكذلك اليمين بالله قبل الحنث يمين منعقدة للبر وبعده يزول الانعقاد وهو ~~كعقد قائم مفسوخ فلا يكون البيع سببا لحكم الفسخ بحال وبالفسخ يزول معنى ~~البيع. # وكذلك بعد الحنث يزول معنى اليمين المنعقدة ms732 لإيجاب البر فلا تكون ~~المنعقدة سببا لما يتعلق ثبوته بانفساخه. # قال: فالمتعلقات بشروط ليست بأسباب حكما ومعنى لما يجب عند الشرط وقد ~~تسمى أسبابا تسوية مجازا فهذا ضرب مجاز ولكنه معتبر شرعا لأنه في الحال ~~معتبرة أيمانا لحكم شرع اليمين له وكان عقدا صحيحا لحكم صحيح وإنما أبطلنا ~~كونه سببا لحكم يتعلق بانفساخ العقد المنعقد في الحال. # قال: وأما السبب المحض فنحو حل قيد العبد حتى أبق فإنه سبب محض ولا يضمن ~~العبد لأن الإهلاك كان بالإباق والإباق كان باختيار من العبد لا بقوة حدثت ~~من الحل وكذلك إذا دل سارقا على المال حتى سرق ولا يضمن المال لأن أخذ ~~المال كان باختيار السارق لا بقوة حدثت من الدلالة. # قال: ولهذا قال علماؤنا: إن الدابة إذا أتلفت زرع الإنسان لم يضمن صاحب ~~الدابة1 لأن التلف كان بوطء أو بأكل فعلته الدابة باختيارها لا بقوة حدثت ~~من تسبيب صاحبها وكذلك ما انفتح باب أسطبل حتى خرجت الدابة أو باب قفص حتى ~~PageV02P278 # طار الطير لم يضمن1 لأن الخروج والطيران كان باختيار من الطير والدابة لا ~~بقوة حدثت من الفتح أوجبت له الاختيار ولا بإلجاء الدابة إليه ليفسد ~~الاختيار بالكره ولا يلزمنا على هذا المحرم إذا دل على صيد حيث يضمن لأن ~~الدلالة سبب محض في حق جناية الأخذ ولا ضمان عليه من حيث الأخذ للصيد ولكنه ~~يضمن من حيث أزال أمنه عن الاصطياد وقد لزمه بالإحرام أن لا يزيل أمنه ~~فتكون الإزالة جناية عليه كما يكون ترك الحفظ من المودع جناية على الوديعة ~~يضمن به ويضمن في مسألة الدلالة من حيث إنه جنى بالدلالة على إحرامه فإن ~~أزال الأمن عنه لأن أمنه بسبب تواريه عن العيون فأما بعد العلم بمكانه فلا ~~ينجيه إلا الفرار على خوف ولهذا قلنا: إن حافر البئر لا يضمن الكفارة2 ولا ~~يحرم الإرث2 لأنهما يجبان جزاء بإزاء فعل القتل مباشرة والمباشرة من الحافر ~~في حفره وقد انقضى قبل الاتصال بالساقط وإنما اتصل به عمق حادث بفعله فصار ~~يشبه ms733 سقوطا للعمق الحادث بفعله إلا انه شرط لسقوطه لأنه علة لسقوطه فسقوطه ~~سبب ثقله الذى لا يحمله الهواء والأرض كانت تحمله ولما صار العمق الحادث ~~بفعله شرطا للتلف والكفارة جزاء علة التلف لم يضمن صاحب الشرط وأما ضمان ~~التالف ليس بجزاء علة التلف لينعدم بعدمها بل إنما يضمن التالف لوجود تلف ~~مضاف إليه والحكم إلى الشرط مضاف وجودا وإن لم يضف إليه وجوبا وإذا اضيف ~~إليه ضمن إلا أنه إذا اجتمع علة التلف مع شرط التلف وصلح كل واحد منهما أن ~~يجعل سبب ضمان كانت الإضافة إلى العلة أولى وها هنا العلة ثقله أو شبه وذاك ~~لا يصلح سبب الضمان لأنه ليس بتعد فوجبت الإضافة إلى صاحب الشرط. # قال: وكذلك زوائد الغصب المتصلة والمنفصلة أمانة3 عندنا لأن ضمان الغصب ~~ضمان فعل خاص هو أخذ مال مملوك ولا يتصور الأخذ على هذا الجزاء إلا بإزالة ~~يده عن الشئ وهذا الحد وجد في الأم ولم توجد في الزوائد لأنها حدثت في يدى ~~الغاصب فلا يجب ضمان الغصب به وإن سلمنا أن البقاء تعد حكما فهو تعد غير ~~الغصب ولما كان تعديا آخر لم يجب به ضمان الغصب فإن ادعى ضمانا آخر غير ~~PageV02P279 # ضمان الغصب تكلمنا فيه. قال وعلى هذا يقول: إن شهود القصاص إذا رجعوا بعد ~~ما قتل المشهود عليه بشهادتهم لا يضمنون الكفارة ولا يحرمون الإرث ويضمون ~~الدية كالحافر سواء لأن المباشرة منهم بأداء الشهادة وقد انقضت بالفراغ عن ~~الأداء ثم حكم الحاكم وما وجب به مضاف إليهم لأنهم ألزموا الحاكم ذلك إلا ~~أن التلف الواقع بالحكم تلف حكمى والكفارة جزاء الإتلاف حقيقة وذلك بمباشرة ~~الولى وهو فيه مختار غير ملجأ فنقصر فعله ولا ننتقل إلى الشهود فلا يلزمهم ~~ضمان القتل حقيقة وكذلك الرجل تكون له امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة ~~الصغيرة حتى بانتا فإن الزوج يغرم للصغيرة نصف الصداق ويرجع بما غرم على ~~الكبيرة إن تعمدت الفساد ولا يرجع إن لم تتعمد الفساد1 لأن الرضعة مسببة ~~للفرقة وليست بصاحبه علة ms734 كالحافر سواء لأن فعلها في التمكين من الارتفاع لا ~~غير والفرقة تتعلق بوصول اللبن في الجوف وذلك إنما يحصل بارتضاع الصغيرة ~~وهى مختارة في غير ذلك غير أن مص الصغيرة إنما يكون ارتضاعا ببقاء أثر فعل ~~الكبيرة وهو بقاء الثدى في فمها بإلقام كان منها ابتداء إن كان الإلقام ~~تعديا وإن لم يكن تعديا فكذلك البقاء وهو كالحفر سواء إذا لم يكن تعديا لم ~~يكن وجوب نصف المهر على الزوج بتعد كان منها فلا يكون سبب ضمان لأن الوجوب ~~لا يكون فوق التلف والتلف إذا لم يكن بتعد من الحافر لم يضمن فكذلك الوجوب ~~هاهنا وعندنا الضمان إنما يجب لإيجاب المهر لا بإتلاف ملك النكاح فإنه غير ~~متقوم عندنا ولو شهد الشهود بالفرقة بعد الدخول. ثم رجعوا لم يضمنوا شيئا ~~ومتى كان البقاء تعديا وارتضاع الصغيرة مباحا أضيف الإيجاب إلى ما هو تعد ~~فوجب الضمان على ما مر من الأسباب ووجود بعض ما يتم علته بانضمام معنى آخر ~~إليه كأخذ شطرى البيع وأخذ وصفي علة الربا فهو من الأسباب المحضة لأن الحكم ~~لا يجب ما لم تتم العلة وذكر أن البعض من العلة لا يكون له حكم العلة. # قال: وعلى هذا نقول: لا تجب صدقة الفطر عن نصف عبد2 لأن علتها الرأس فلا ~~يكون للبعض حكم العلة وكذلك الحفنة بالحفنة لا ربا فيها لأن العلة هى الكيل ~~وهذا بعض ما يكال وليس بمكيل وذكر أمثالا لهذا قال: وأما السبب هو علة ~~العلة PageV02P280 # فهو السبب الموجب لأنه أوجب علة الحكم فمن حيث إنها لم توجب إلا بواسطة ~~علة كانت سببا ومن حيث حدثت العلة الموجبة للحكم به أضيف الوجوب إليه صار ~~موجبا ولهذا السبب حكم العلة من كل وجه لأن علة الحكم لما حدثت بالأولى ~~صارت العلة الأخيرة مع حكمها الأول ومثاله الرمى المصيب القاتل فإنه سبب ~~الموت لأن فعل الرمى ينقطع قبل الإصابة لكنه أوجب حركة في السهم وصل بها ~~إلى الرمى وأوجب نقض بنيته ثم انتقاض البنية أحدث آلاما ms735 قتلته وكان الرمى ~~سببا موجبا وله حكم حر الرقبة من كل وجه فصار الموت وسراية الآلام انتقاض ~~البنية ونفوذ السهم إحكاما للرمى. # قال: وقلنا نحن: إن شراء القريب إعتاق1 ويجوز به التكفير لا سبب موجب ~~للعتق لأن الشراء علة الملك والملك القريب علة العتق فكان الشراء علة علة ~~العتق فكان له حكم العلة وصار الملك مع العتق حكمين للشراء. # قال: ولهذا قلنا: إن الحكم يضاف إلى آخر أوصاف العلة لأن ما مضى إنما ~~يصير موجبا بالآخر ثم الحكم يجب بالكل فيصير الوصف الآخر كعلة العلة ومن ~~هذه الجملة قطع حبل القنديل حتى يكسر وشق الزق حتى يسيل لأن قوامه بمسكته ~~ومسكة القنديل بالحل ومسكة الدهن بالزق والقطع والشق علة مزيلة للمسكة ~~وزوال المسكة علة التلف. قال: وأما السبب هو الذي علة فهو الموجب للحكم ~~بنفسه في ثانى الحال بلا واسطة علة لكن الحكم في الحال لم يجب لعدم تمامه ~~لا لعدم بعض ما هو علة بل لعدم وصف ما هو علة من حيث لم يوجب بنفسه حتى تم ~~بوصفه كان سببا وطريقا إليه ومن حيث إن الحكم في الثاني يضاف إلى العلة دون ~~وصفها لأن الأوصاف أتباع لم تكن سببا محضا بل كان سببا ابتداء وعلة انتهاء ~~وهذا أرق وجوه الأسباب ومثاله النصاب فإنه سبب الوجوب وعلة إذا تم الحول2 ~~لأن الزكاة تجب بسبب الغنى والغنى في النصاب دون الحول ولما لم تجب الزكاة ~~بالنصاب نفسه علم أن معه معنى آخر على القائم به وهو أنه يوصف بأنه حولى في ~~ملكه لأن الشرع علق الزكاة قال: نام معنى والنمو لا تكون إلا مدة فشرط صفة ~~التفاجؤ لا يستحق النمو فصار المال المرصد للنمو أصل العلة والحول وصفا فلم ~~PageV02P281 # يعمل أصل العلة ما لم يتم وصفه. # قال: ولا يقال: إن حولان الحول عليه شرط الوجوب لأنه سبب بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول الحول" 1 وحتى ليست بكلمة شرط إنما هى ~~توقيت ولا يقال إن الحول ms736 أجل مانع لأن الأجل لو منع لكان رخصة لصاحب الحق ~~فكان ينبغى أن تسقط بإسقاطه بأن يأخذ بالعزيمة ويجعل الأداء كما في صوم ~~المسافر لما كان المانع من الوجوب أجل الله تعالى صح التعجيل بها هنا إذا ~~عجل لا يكون فرضا. بل يكون موقوفا إلى أن تتم العلة بوصفها على ما مر بيانه ~~علم أن عدم الوجوب لعدم تمام العلة وأن التعجيل ليس على وجه الرخصة وهذا ~~لأن الحول متى تم واتصف النصاب بما قلنا والوصف لا يقوم بعينه. بل بالموصوف ~~وهو المال من حين صار سببا لأنه لا يتصف المال بالحول إلا إلا إذا بقى حولا ~~فاستند بالوصف إلى أصل المال وصار ذلك المال من أول الحول متصفا بأنه حولى ~~كالرجل يعيش مائة سنة فيكون الموصوف بهذا البقاء ذلك الوليد نفسه لا شخص ~~آخر فإذا استند الوصف إلى أول النصاب استند الحكم والوجوب إلى أوله أيضا ~~فيعتبر التعجيل مؤديا بعد الوجوب فيجزئه وأما بعض العلة فلا تستند إلى ما ~~قبله. بل تقتصر على حين وجوده لأنه ليس بتبع لما قبله وإذا اقتصر على حين ~~التمام فيبقى الأداء قبله إذا قبل الوجوب فلا يجزئه # قال: وهذا كما قيل في المريض صاحب الفراش إذا وهب جميع ماله: أنه ينفذ ~~ويصير ملكا للموهوب له إذا سلم إليه كما لو كان صحيحا وإذا مات نقضت الهبة ~~في العلتين لأن العلة الحاجزة عن هبة الثلثين مرض مميت لا نفس المرض. ~~وقولنا: مميت صفة للمرض والوصف معدوم وقت الهبة فنفذت الهبة من غير حجز ~~فلما دام المرض حتى مات تم الوصف فصار أول الوجوب متصفا بالإضافة لا آخره ~~لأن الموت يضعف القوى وكل جزء من المرض بعده أخرج عن عداد الأصحاء يضعف ~~بمنزلة جراح متفرقة سرت إلى الموت فإنه أضاف إلى الكل دون الأخير فتمت علة ~~الحجر من حين أصل المرض الذى أضفناه والتصرف وجد بعده فصار محجوزا عليه ~~فنقض عليه إذا لم يجزه صاحب الحق قال: وعلى هذا قال علماؤنا: إذا جرح رجل ~~PageV02P282 # رجلا ms737 خطأ وكفر ثم مات المجروح أجزأه بالمال والصيام جميعا لأن علة الوجوب ~~هى القتل وذلك اسم لجرح يسرى إلى النفس فيموت والسراية صفة لأصل الجرح فعدم ~~الوصف يمنع الوجوب ولا يمنع التعجيل موقوفا على تتمة العلة بوصفها في ~~الثانى هذا كلام أبى زيد في أقسام سبب ذكرت أكثره وتركت بعضه والمذكور كاف ~~لبيان أصولهم وأكثر هذا الكلام إنما هو على أوضاع لهم في أصولهم على ما ~~زعمه هؤلاء على ما زعمه مشايخهم وأصحابهم والذى ذكر أولا أن اليمين ليست ~~الكفارة ضيقة إنما هى السبب تسمية ومجازا فالأصل أن الشئ إذا حكم بثبوته ~~يكون حقيقة ومن ادعى كونه مجازا فعليه الدليل وقد ذكرنا في كثير من المواضع ~~أن الكفارة لقضاء حق الاسم وذلك في الحال الواقع بالبئر فلا يجب التكفير مع ~~حصوله في الحال بغيره ثم إذا حنث فقد فات قضاء حق الاسم بالبر فيجب الآن ~~قضاؤه بالكفارة ألا أن السبب لذلك هو اليمين لما بينا من قبل فإذا كفر جاز ~~لأنه قد فعل بعد وجود سببه فإذا كان المفعول لقضاء حق الاسم وسببه قد تحقق ~~باليمين فلا معنى لمنع الجواز وأما قوله: إن السبب ما يتقرر عند وجود حكمه ~~فلما ارتفعت اليمين بالحنث وهو زمان وجوب الكفارة دل أنه لا يصلح سببا ~~للكفارة. # قلنا: الكفارة سببها اليمين على ما قلنا ولكن لما كان هذا الواجب كفارة ~~فلابد من اتصال هتك باليمين ليستقيم الواجب كفارة ثم إذا اتصل الهتك ~~باليمين باتصال الحنث بها لم يمنع تأخر اتصال الحنث باليمين من تحقيق ~~السببية في الحال مثل الموت مع الجراح فإن تأخر الموت عن الجراح لا يمنع من ~~تحقيق السببية في الحال حتى جازت الكفارة والمعنى ما بينا في ذلك أنها ~~لقضاء حق الاسم عند الاستشهادية في عقد مخصوص والاسم في اليمين فكانت هى ~~السبب. # وأما ارتفاعها عند الحنث. فلا يقول بنفس الحنث ارتفع لكن إذا كفر ووقع ~~قضاء حقها بالتكفير لم يبق لبقائها فائدة فارتفعت كالرجل يقول: والله لا ~~أكلم فلانا يوم ms738 كذا فمضى اليوم ولا يكلم ارتفع لعدم الفائدة في بقائها ~~فارتفعت. # وأما مسألة الدابة إذا اتلفت زرع إنسان إنما أوجبنا الضمان1 إذا وجدنا ~~بالليل قضاء النبى صلى الله عليه وسلم بإلزام أربابها الحفظ لها وإذا أمر ~~منهم حفظها بالليل فقد ألزمهم ضمانها إذا فسدت. وأما فتح باب القفص وباب ~~الأسطبل فهو سبب لطيران الطير PageV02P283 # وسبب لخروج الدابة1 وإنما جعلنا ذلك سببا لأن السبب ما يوصل إلى شئ ونحن ~~نعلم قطعا أن فتح الباب موصل إلى الطيران وطيران الطير هلاك له في حق مالكه ~~وكذلك في حفر بئر عمق المكان مبطل لاستمساكه على الأرض في حال سببه الذى هو ~~مباح له وزوال المسكة في مثل هذه الصورة مهلكا له فصار بفتح الباب مهلكا ~~للطير بهذا الوجه وبحفر البئر مهلك للواقع من هذا الوجه وضمان الهالك واجب ~~على المهلك سواء أكان الواجب حق الله تعالى أو حق الآدمى وهذا لأن التسبب ~~قتل لأنه لا يمكن مباشرة إزهاق الروح فيكون تحصيله بالتسبيب إليه إلا أن ~~التسبب إذا قوى بأن يؤدى إلى الهلاك غالبا أوجب القود وإذا ضعف بأن لا يؤى ~~إلى الهلاك غالبا أوجب الدية وكان المعنى فيه أن القود وجب لحكمة الزجر ~~فإذا ضعف السبب استغنى عن الزجر فسقط القود وإذا قوى السبب افتقر إلى الزجر ~~فوجب القود وإذا ثبت أنه قتل وجبت الكفارة به. # ببينة: أن بالاتفاق وجبت الدية لحق الآدمى وضمان المتلف لا يجب إلا ~~بالإتلاف دل أن حفر البئر إذا اتصل به السقوط إتلاف وعلى هذا وجب القصاص ~~على شهود القصاص إذا رجعوا لأنه سبب قوى يؤدى إلى التلف فصاروا متلفين. # والدليل على أن فعلهم إتلاف وجوب الدية عليهم قولهم إنهم قتلة حكما لا ~~حقيقة. قلنا: إذا كانوا قاتلين فيكونون قاتلين حقيقه وإلا لم يكونوا قاتلين ~~ثم نقول إنما صاروا قتلة بإتيانم هلاك الشخص حقا للمشهود له وإذا جعلوا ~~هلاكه حقا فقد أهلكوت فهذا وجه قولنا: إنهم قتلة. ثم إذا صاروا قتلة فسواء ~~صاروا قتله حكما أو حسيا بعد ms739 أن يستند إثبات قتلهم إلى فعل حسى يوجد منهم ~~إسقاط إيجاب القود عليهم بذلك الفعل الحسى الذى أوجب نسبة القول إليهم وهذا ~~كالرمى والجرح المؤدى إلى هلاكه وقولهم: إن الولى يختار القتل. قلنا: ~~اختياره للقتل لم يمنع نسبة القتل إلى الشهود حكما فلا يمنع أيضا وجوب ~~القود عليهم وهذا لأن جهة القتل في حق الولى والشهود مختلفة فالولي صار ~~قاتلا بمباشرته جرحا أو حز رقبة والشهود إنما صاروا قتلة بجعلهم هلاك الرجل ~~حقا للولى وإذا اختلفت الجهة لم تمنع اختيار الولى من نسبة القتل إلى ~~الشهود وأما مسألة ولد الغصب فنحن قد ذكرنا أن الغصب إثبات اليد بعدوان على ~~مال الغير وهذا القدر مستقل كاف في إيجاب الضمان ولا PageV02P284 # نعتبر وراءه شيئا آخر وهذا لأن ما يستقل بإيجاب الضمان بنفسه إذا وجد فلا ~~معنى لضم شئ آخر إليه وإثبات اليد على مال الغير مستقل بنفسه لإيجاب الضمان ~~لأن إزالته اليد التي يشيرون إليها لا يراد لعينها وإنما يراد لإثبات اليد ~~فإذا كانت الإزالة وصلة وذريعة لم يعتبر وجودها بعد أن وجد المقصود وتمام ~~هذا في تلك المسألة. # وأما مسألة إرضاع الكبيرة الصغيرة فاعتبار وجود التعمد إلى الفساد بعد أن ~~وجد الفساد بعيد عن مسالك الشرع والذى ذكر من قوله: إن الإلقام تعد فإثبات ~~التعدى في إلقام الصبى الثدى متعذر إلا باعتبار إفساد النكاح متصل بهذا ~~الفعل سواء تعمد الإفساد أم لم يتعمد وإذا اتصل الإفساد به وكانت المرأة ~~المرضعة منشدة للنكاح فشرط قصدها التعمد أو عدم قصدها التعمد لا وجه له ~~كالرمى فإنه لما كان تعديا بإصابته آدميا فبعد أن أصاب الآدمى وتحقق قتله ~~باعتبار تعمده وعدم تعمده لا يكون له وجه الضمان في الحالين. # وأما الذى قاله في المرض وملك النصاب فهو تكلف شديد والحق يجب للورثة ~~قطعا بعد الموت واستناد وجوب هذا الحق إلى ابتداء المرض غير ممكن لأنه إن ~~كان المرض سبب الموت يضعف القوى فتركيب الآدمى على طباع مختلفة وأمشاج ~~متباينة سبب للمرض وكل العلل فإن ms740 ثبوت الاعتدال في المتباينات عسر جدا ~~فالتركيب المختلف آيل إلى الانتفاض كما أن الضعف آيل إلى الفناء ومن دخل في ~~أمثال هذا فلا شك أنه ينقطع عليه ويبقى فهمه حسيرا في بعض المداخل وإنما ~~المنع من التبدع فيما زاد على الثلث من قبل الشرع يجب للورثه من بعد لا لحق ~~واجب لهم في الحال والدليل على هذا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". فأشار في المنع إلى ~~معنى بعد موته لا إلى أمر قائم في الحال. # وأما النصاب فهو موجب للزكاة عند اتصال صفة النماء به والنماء يتحقق بحول ~~الحول فهو عندنا مثل اليمين التي سبق ذكرها واتصال الحول بالمال مثل اتصال ~~الحنث باليمين وجواز التعجيل لتبوع نفع للفقراء لكن جواز هذا مع النفع بعد ~~وجود السبب في نفسه وإن تأخر الوجوب لتأخر الصفة وكأن الشرع لم يلغ وجود ~~السبب واعتبر ذلك فيما يتصل بنفع الفقراء من إخراج زكاة إليهم أو صرف عتق ~~إلى عبيد أو إطعام مساكين ومحاويج ولهذا لم يجوز الصوم في الكفارة قبل ~~الحنث لأنه ليس بمتصل بنفع أحد والأصل أن كل معنى يمكن اعتباره في حكم ورد ~~به السمع فإنه يعتبر ولا # PageV02P285 # يعطل وإراده الشارع نفع المحتاج معتبر وعدم تعطيل السبب بعد أن تحقق ~~يعتبر فبمجموع هذا ورد الجواز في المحل في تعجيل الزكاة وقد ورد الجواز في ~~تعجيل الزكاة. # فأما أن يعمد إنسان ويريد أن يحقق وجوب الزكاة بنفس النصاب والشرع ورد ~~بنفى الوجوب قبل الحول ويجعل نفس ملك النصاب كافيا لوجوب الزكاة وقد وجدنا ~~في حول الحول اتصال معنى بالنصاب يصلح مؤثرا في أيجاب الزكاة من تحقق ~~النماء فيه فمحال وصار هذا مثل اليمين والحنث فاليمين سبب والحنث يتصل ~~فيستقيم بناء إيجاب الكفارة على اليمين في هذه الحالة لأن المؤاخذة في ~~سببها لابد من اعتبار هتك كما أن الزكاة مواساة فلابد من اعتبار نماء ثم ~~هناك لم يعطل نفس السبب حتى اتصل ms741 به جواز الإخراج وإن تأخر الوجوب كذلك لا ~~يعطل السبب في الكفارة فيتصل به جواز التكفير وإن تأخر الوجوب فهذا وجه ~~الكلام على ما ذكره وتمام هذا مذكور في الخلافيات فلا يعدم الناظر في هذا ~~الذى ذكرناه من مزيد فائدة على ما ذكرناه في التعاليق والمصنفات. # PageV02P286 ### | "فصل": ثم ذكر أنواع العلل المعتبرة # فرعا. فقال: # العلل المعتبرة أربعة: # - علة موجودة اسما ومعنى وحكما. # - وعلة موجودة اسما ومعنى لا حكما. # - وعلة موجودة حكما لا اسما ومعنى. # - وعلة موجودة اسما لا معنى ولا حكما. # فأما المعتبر من كل وجه فنحو إعتاق المخاطب عبده وطلاقه امرأته وبيعه ~~ماله ونذره لصدقة شئ وهذا ضرب لا إشكال فيه وهو الأصل قال: وأما الموجود ~~اسما لا معنى ولا حكما فنحو طلاق المرأة إن دخلت الدار كان عقد الطلاق اسما ~~ولم يكن معنى ولا حكما على ما مر من قبل. # وأما الموجود اسما ومعنى لا حكما فهو مثل النصاب قبل الحول فإنه علة ~~الوجوب اسما ومعنى لا حكما لأن الزكاة لا تجب إلا بعد الحول وكذلك الجرح ~~علة القتل وقد وجدت صورة ومعنى لا حكما وكذلك البيع بشرط الخيار علة للملك # PageV02P286 # اسما ومعنى لا حكما وكذلك الطلاق الرجعى علة إبانه انعقدت اسما ومعنى ~~وحكما وأما الموجود حكما لا اسما ولا معنى فكالسفر فإنه سبب للرخصة والعلة ~~هى المشقة فأثبتت حكم العلة وهى السقوط ولا مشقة وهى العلة على الحقيقة ~~وكذلك الاستبراء يجب باستحداث ملك الوطء بملك اليمين وإن كانت الأمة بكرا ~~أو اشتراها من صبى أو امرأة والعلة صيانة الماء عن الاختلاط بماء قد وجد ~~ولا ماء في هذه المواضع وكذلك الوضوء يجب عن النوم1 وإن لم يوجد الحدث ~~والعلة خروج النجس عندنا أو خروج شئ من المخرج على أصل غيرنا وكذلك إذا ~~باشر امرأته وإن انتشرت آلته وليس بينهما ثوب وجب الوضوء وإن لم يخرج شئ ~~بيقين والعلة هى الخروج وكذلك الاغتسال يجب بالتقاء الختانين وإن تيقن بعدم ~~الماء2 والعلة خروج المنى عن شهوة والسبب يثبت بالنكاح ms742 وأصله الماء وثبت ~~وإن لم يطأها ويعلم أنه لم يخلق من مائه وهذا لأن السفر سبب ظاهر للمشقة ~~عادة والمشقة أمر باطن يتفاوت الناس فيها وليس لها حد معلوم ولو علق الحكم ~~بحقيقة المشقة لتعذر الأمر علينا فعلته الشرع بسببها في العادات تيسيرا ~~علينا فثبت الحكم وإن عدمت العلة لأن السبب حققها وصار علة شرعا وكذلك خروج ~~الحدث حال النوم أمر باطن لو علق الحكم به لتعذر فتعلق بالسبب المؤدى إليه ~~ظاهرا وهو النوم الذى يرخى مفاصله تيسيرا واحتياطا لأمر العبادة وكذلك ~~الاستبراء لو علق بالماء وهو أمر باطن تعذر علينا مراعاته فتعلق بالسبب ~~المؤدى إلى خلط المياه وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن هذا ~~الاستحداث يصح من غير استبراء لزم للمالك الأول فلو أتحنا للمالك الثانى ~~بنفس الملك لأدى إلى الخلط بخلاف النكاح فإن ملك النكاح إذا زال بعد الدخول ~~لابد من تربص من حيث البراءة فالإطلاق للثانى بنفس الملك لا يؤدى إلى الخلط ~~وإذا كان كذلك أقيم سبب الخلط وهو التأخير بنفس الملك فقام الخلط حقيقة ~~تيسيرا على العباد بتعليق الحكم بسبب ظاهر دون الماء الباطن. # واعلم أن هذا الذى ذكره أول ما فيه أن يعمد في كل فصل يذكره إلى تقسيم ~~مفيد بأعداد " الأربعة ولابد أن يبلغ هذا العدد ولا يزيد فيستخرج بالنقاش ~~أقساما حتى يبلغ هذا القدر ونعلم قطعا أن هذا ليس من شأن المحقق وما بال ~~هذا الفاضل وعدد PageV02P287 # الأربعة وكيف يستقيم أن يصير هذا العدد مما لابد فيه والنقصان فيه جائز ~~متوهم والدليل على أنه لم يكن من شأنه التحقيق في هذه الفصول التي يذكرها ~~أنه قسم العلل والأسباب وجعل أحد الأقسام قسم علة توجد حكما بلا معنى وإذا ~~كانت العلة علة تسمية بلا معنى فكيف يبنى عليه حكم من أحكام الشرع وسبيلها ~~أن تتبع العلل الصحيحة ولا صحة لعلة ما حتى تكون معنوية وذكر أيضا أحد ~~الأقسام قسم علة لا حكم لها وإذا لم يكن للعلة حكم فكيف تكون علة؟ والمسائل ~~التي ms743 ذكرها فليس على ما زعم ولأن لم تكن مشقة فهو نادر وكذلك النوم موجب ~~خروج الحدث في الغالب فاعتبر الغالب في هذين الموضعين وأعرض عن النادر وعلى ~~أنه قد قال بعض أصحابنا وبعض أصحابهم: إن نفس النوم حدث وهو طريق معتمد ~~وصار نفس النوم حدثا بالنص. # وأما مسألة الاستبراء فعندنا لابد من ماء حقيقة أو توهم ماء حتى لو عدم ~~كلاهما لم يجب الاستبراء وكذلك في النكاح لا نقول: إن نفس النكاح يثبت ~~النسب. بل النسب عندنا بتوهم الماء وهو إمكان الوطء وثبت بنفس الإمكان ~~احتياطا للنسب. ثم الزوج إذا علم أن الولد ليس منه فقد جعل الشرع له سبيلا ~~إلى نفيه باللعان إلا في موضوع مخصوص من شخص مخصوص على ما عرف فثبت النسب ~~لهذا الولد الذى نقطع أنه ليس من هذا البائس ويصير ربقة في عنقه ولا سبيل ~~له إلى التخلص منه بحال وكذلك في المواضع التي لا يرون اللعان بحال وفى ~~الأشخاص الذين لا يرون إيجاب اللعان وهذا من الحرج والضرر الذى لا يجوز أن ~~يطلقه حكمة الرب وبفضله على عبادة وحسن نظره لهم مثله وكيف يأخذ الشرع ولد ~~زنا فيضعه في حجر إنسان ويلحقه به ثم لا يجعل له سبيلا في التخلص منه ولا ~~قبح ولا فظاعة فوق هذا ولا نفرة في القلوب ولا ضرر في النفوس أشد من هذا ~~فدل حكاية مذهبهم على بطلانها وما كانت حكايته معينة من إقامة الدليل على ~~فساده. فنعلم قطعا خطأ تأويله ويجوز أن يقال في مثل هذه المسألة: إن قائله ~~أخطأ ونحكم بخطئه ونقول: لو حكم حاكم بثبوت النسب في مثل هذه المواضع ينبغى ~~ألا ينفذ حكمه. # PageV02P288 ### | فصل: ذكر انواع الشرط # ... # "فصل" # ثم ذكر: # أنواع الشرط وجعلها أقساما أربعة: # فقال: شرط محض وشرط في حكم العلة وشرط هو في العلامة المحضة وشرط صورة ما ~~له حكم. # فأما الشرط المحض فما يمتنع وجود الحكم إلا بوجوده والشرط المحض بكلمة إن ~~نحو قولك عبدى حر إن دخل الدار فإن التحرير قد ms744 انعدم حكما وامتنع وجوده حتى ~~يوجد الشرط. # قال: ووجود العتاق يضاف إلى الشرط فأما وجوبه يضاف إلى قوله: أنت حر وعلى ~~هذا شروط العبادات فإن الوقت علة الوجوب والعلم بالخطاب شرطه فلا يوجد ~~ابتداء الوجوب إلا بعد العلم أو ما يقوم مقامه ولكن يجب بالوقت وكذلك ~~الأداء إنما يثبت بالفعل من قيام وقراءة وركوع ولكن الوجود شرعا يتعلق ~~بالطهارة والنية وسائر الشروط وكذلك في المعاملات فإن عقد النكاح يكون ~~بالإيجاب والقبول ولا يؤخذ شرعا إلا بشهود. # وأما الشرط الذى هو في حكم العلة فنحو شق الزق للدهن وقطع حبل القنديل ~~وضمن كأنه كل الدهر أو أحرقه بالسراج وإن كان الشق بمباشرة إتلاف الزق ~~وإزالة لما يمنع سيلان الدهن فيوجد السيلان عند الشق لا به بل يكون الدهن ~~سببا لا مانعا لكنه في حكم العلة لأن تماسك الشئ يعتبر بقدر الممكن في ~~العادات وتماسك الدهن محفوظا عن التلف في العادة لا يكون إلا بالأوعية وكان ~~سبب الدهن في الوعاء حفظا فيكون شق الوعاء إتلافا وذكر مثل هذا في قطع حبل ~~القنديل لأن التعليق بالحبل حفظ وكان قطع الحبل إتلافا. # قال: وهذا كالقتل فإنه مباشرة إتلاف ومعلوم أن القتل اسم لما يزيل الحياة ~~لا لما يفيد جزءا معينا من شخص وإنما كان كذلك لأن الحياة ليست بعين يمكن ~~أخذها بمد اليد إليها أو إتلافها بالقصد إليها بعينها ولكن علق بقاءها ~~محفوظة بسلامة بنيته وكان نقض البنية وبها قوامه إتلافا للحياة. # وأما الطلاق فما يحفظ ترك التكلم به وبه يبقى ملك الطلاق للزوج فإذا تكلم ~~به # PageV02P289 # وعلق الشرط لم يعتبر الشرط حافظا بل اعتبر مانعا من الوقوع واعتبر ~~الإرسال عن لسانه اتباعا وعلة فلم يكن للشرط حكم العلة. # قال: وعن هذا الأصل قال أبو حنيفة في الطلاق المعلق بالولادة إذا أنكر ~~الزوج الولادة وشهدت القابلة: لم تطلق لأن الشرط حكم العلة في إيجاب الحكم ~~فلا يثبت وجوب الطلاق بشهادة امرأته. # وأما أبو يوسف ومحمد فيقولان: الوجوب لا يضاف إلى الشرط فتبقى علامة محضة ms745 ~~في حق الوجوب فيثبت بشهادة النساء وذكر مسائل له على هذا الأصل. # قال: وأما الشرط الذى هو في حكم العلامة فالإحصان بعد الزنا فإنه يتبين ~~بالإحصان أن الحد كان رجما فيصير ثبوت الإحصان علما على موجود واجب قبله ~~فلا يكون لهذا الشرط حكم العلة بوجه حتى أن أربعة لو شهدوا على الزنا ~~واثنان على الإحصان ثم رجع شهود الإحصان وحدهم لم يضمنوا شيئا. # قال: وأما الشرط الذى هو شرط صورة لا معنى فالشرط الخارج عن وفاق العادة ~~لقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~[النساء: 23] "وقوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ~~"وقوله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25] "لأن العادة جارية بترك نكاح ~~الإماء إلا عند عدم الحرة والعجز عنها وليس لهذا الشرط حكم ويكون ذكره ~~والسكوت عنه بمنزلة والفائدة في تخصيص الله تعالى هذه الحالة هى حالة ~~الابتداء بهذه الحادثة في العادات فصارت هذه الحادثة أولى بالبيان لأن ~~الحاجة إليها أمس. # واعلم أن تقسيم هذه الشروط تقسيم باطل أيضا والشرط لا يكون شرطا حتى تكون ~~له حقيقة وإنما يعدل إلى المجازفة بدليل وأما الفرق بينه وبين العلة فقد ~~بيناه. # وإذا ثبت الفرقان فقوله: إن من الشروط ما يكون علة باطل وأما مسألة شق ~~الزق وقطع الحبل فإتلاف عندنا بحكم التسبب إليه وقد ذكرنا أن التسبب إتلاف. # وأما مسألة طول الحرة في قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم} [النساء: 25] . # فظاهر الآية دل على أنه شرط ومن قال: ليس بشرط فعليه إقامة الدليل. # وأما قوله تعالى {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23] "فإنما سقط ~~كونه # PageV02P290 # شرطا بدليل قام عليه وكان ظاهر الآية تقتضى أن يكون شرطا وقد ذكر أنواع ~~العلامة وأقسامها ولم أر في ذكرها فائدة فتركتها فهذا جملة ما ذكره في ~~أقسام السبب والعلة والشرط. # وقد ذكرنا الكلام على جميع ذلك بحسب ما أذن الله ms746 تعالى ونذكر الآن. # PageV02P291 ### | مسألة أسباب الشرائع # وهى مسألة لابد من ذكرها وللفقهاء إلى ذلك حاجة شديدة لأنها تدخل في ~~مسائل كثيرة. # اعلم أن الواجبات الشرعية عندنا بالخطاب المحض من الله تعالى فكل ما وجب ~~فوجوبه بإيجاب الشرع وكل ما حرم فحرمته بتحريم الشرع ونقول على هذا إن ~~الإيمان وجب على العبد بإيجاب الله تعالى وكذلك الصلاة والزكاة وسائر ~~العبادات وجوبها على العباد بإيجاب الله تعالى. # قال أبو زيد في كتاب تقويم الأدلة: إن أصل الدين وفروعه من العبادات ~~والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسبابا لها بدليل قام على ~~ذلك. # وأما الأمر فإنه لا إلزام إذا ما وجب علينا بسببه كما يقول البائع ~~للمشترى: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلبا للأداء لا سببا للوجوب في الدية. # قال: وعندنا أن الواجب في الذمة لا يجب نحو الوجوب بل بالطلب من مستحقه ~~وذلك بالخطاب والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب وذلك لأنا نجد وجوب حقوق ~~الله تعالى على من لا يصح خطابه نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر ~~جنونه وإن قصر وقت العبادة وكذلك الصبى على أصل الشافعى يلزمه الزكاة ~~وكفارات الإحرام وكفارة القتل وإن كان طفلا لا يتصور خطابه فعلمنا أن ~~الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم وهو كما يلزمه ~~من حقوق العباد بمداينة الولى وكما يعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو ~~الملك وقد صح في حقه. # ألا ترى: وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحدا من هؤلاء أداء حقوق ~~الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلوات تجب متكررة ~~وكذلك سائر الحقوق في الأمر بالفعل لا يقتضى التكرار بحال أطلق أو علق بوقت ~~فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالى لم يملك إلا مرة واحدة وكذلك إذا قال ~~حين يصبح أو يسمى أو قال لمجئ عدو لما لم يجب التكرار بنفس الأمر علمنا أن ~~التكرار سبب موجب لتكرار الوجوب كل حين يتكرر. # PageV02P292 # قال: فنقول وبالله التوفيق: ms747 إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى ~~هو الآيات في العالم الدالة على حدث العالم1 وهى دائمة أبدا لا يمكن زوالها ~~عنه PageV02P293 # فلأن وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل وإنما ~~يسقط PageV02P294 # الأداء في بعص الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع وجوب ~~عليه وسبب الوجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرر الوجوب بتكرر الوقت فإنها لو ~~كانت شروطا لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها ولا يعقل غير الخطاب سببا ~~آخر للوجوب مع الوقت ولما بطل أن يكون الخطاب موجبا للتكرار بقى الوقت سببا ~~بنفسه وصار الخطاب سببا ملزما إذا وجب في ذمته بسبب آخر ويدل عليه أنه يضاف ~~إليه. # فيقال: صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شئ يدل على حدوثه كما ~~يقال: كفارة القتل وغرامة الإتلاف ووجوب هو الحادث عند وجود الوقت دل أن ~~الوجوب كان بالوقت وقد يضاف إلى الشرط أيضا لكنه يكون على وجه المجاز كما ~~أن الحكم وجد عنده والكلام لحقيقته إلى أن يقوم الدليل على المجاز ويدل ~~عليه أن الله تعالى قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] واللام ~~تذكر للتعليل في مثل هذه المواضع كما يقول القائل: يتطهر للصلاة وتأهب ~~للشتاء فثبت أن السبب هو الوقت وكل جزء من الوقت سبب تام فإنه لو كانت ~~السببية تتعلق بالجميع لوجبت بعد الوقت كالزكاة تجب بعد الحول قال: وأما ~~الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة ~~مع الوقت. # وقال صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" 1. # كما قال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] . # وقال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] . # علق إيجاب الأداء بشهود الشهر فعلم أنه سبب الوجوب حيث استقام طلب الأداء ~~بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئا ليؤد ثمنه أى ليؤد الواجب بالشراء قال: ~~وسبب وجوب الزكاة النصاب من المال الذى عرف في الزكاة بدليل تضاعف الوجوب ~~بتضاعف النصاب في وقت واحد وبدليل الإضافة إليه. فيقال: زكاة السائمة وزكاة ~~مال التجارة. ms748 PageV02P295 # وقال عليه السلام: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" 1. # وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: " أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" 2. # والغنى يكون بالمال. # وأما الحول إنما اعتبره الشرع تيسيرا للعباد وهذا لأن المال إنما يعتبر ~~سببا إذا أعد للنماء بسببه من تجارة أو إسامة والنمو لا يكون إلا بمدة وقام ~~الحول مقام النمو الذى يصير به المال سببا ولما قام مقام السبب تكرر الوجوب ~~بتكرره. # قال: وسبب وجوب الجزية الرءوس3 بأوصاف معلومة لأمه لأنه يقال: خراج الرأس ~~يتضاعف بعدد الرءوس. # قال: وسبب العشر الأراضى النامية وكذلك الخراج بدليل أنه يقال: عشر الأرض ~~وخراج الأرض. # وأما الحج فسبب وجوبه البيت دون الوقت بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت ~~ولذلك يضاف الحج إلى البيت. فيقال: حج البيت. # قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] . # قال: وأما الوقت فشرط في هذا الموضع عنده يجب الحج وأما الاستطاعة فصفه ~~للعبد عندها يحل الوجوب وكان اعتبارها تيسيرا على العباد كما في السفر بلا ~~زاد ولا راحلة من المشقة وليست الاستطاعه بصفة لما هو سبب فلم يجعل من ~~السبب. # ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه4 وتيسير الاستطاعة ~~بملك الزاد والراحلة وقد جاز الأداء قبل ملك ذلك دل أن السبب قد وجد كما ~~يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد ولذلك لا ~~يتجدد الوجود بتجدد ملك الزاد والراحلة لأنه ليس بسبب وأما سبب وجوب صدقة ~~الفطر PageV02P296 # على المسلم وأيش يلزمه مؤنته1 فولايته عليه ووقت الفطر شرط عمل السبب في ~~الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف الرأس وإن كان يوم الفطر واحدا. # وأما إضافة الصدقة إلى الفطر فمجاز لأنها تجب فيه لا لأنه سبب وهذا لأن ~~الرأس ليس سبب كل حين لأن صدقة الفطر لا تجب كل حين وكل ساعة وإنما هو سبب ~~للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلا للوجوب ~~عليه لم ms749 يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافرا أو صبيا في أشهر ~~الحج ولا فرق بينهما إلا أن ذلك الوقت ممدود وهذا الوقت مقصور فعلى هذا لا ~~تجب صدقة الفطر على كل كافر يسلم بعد الصبح لأنه ليس بأهل للوجوب عليه. # قال: وأما الكفارات فأسبابها ما أضيفت إليها كالزنا والسرقة والقذف وشرب ~~الخمر والسكر وسبب وجوب الطهارة الصلاة لأنه يقال: طهارة الصلاة ويسقط في ~~نفسه إذا سقطت الصلاة والشروط لا تجب إلا بما علق صفتها بها كالشهادة في ~~النكاح واستقبال القبلة في الصلاة. # وأما أسباب المعاملات فتعلق بقاء المقدور بتعاطيها وبيان ذلك أن الله ~~تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى القيامة من طرق التناسل ولا تناسل ~~إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله تبارك وتعالى له طريقا ~~يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع وهو طريق ~~الازدواج بلا شركة في الوطء ففى الوطء على التغالب فساد وفى الشركة ضياع ~~النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقى على الأم وما بها قوة كسب ~~الكفارات في أصل الجبلة ولذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق ~~للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض بقدر المحتاج إليه لكل شخص أن يتهيأ ~~له إلا بأناس آخرين وعافى أيديهم فشرع لذلك أسبابا للإصابة على تراض ليكون ~~طريقا لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففى الأخذ بالتغالب فساد ويدل ~~عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما ~~قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] . ~~والعبادة إعمال بخلاف هوى النفوس وما خلق الدنيا دار نعيم واقتضاء شهوة ~~للمؤمنين وإنما هو للمؤمنين في الدار الآخرة فعلمنا أن الله تعالى ما شرع ~~لنا طريق PageV02P297 # الأكل والوطء وما يسستوفي من الشهوات بالأموال لأنفسنا. بل بحكم ابتلائنا ~~بإقامته وفى الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له وعاص لا يعمل فخلق ~~الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع ms750 بحق الأمر والعاصى فيتأدى بالفريقين ~~جميعا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعا فيما فعلوا مبتلين بأمر حكمه ~~عاملين له بخلاف هوى نفوسهم فالكافر يهوى خلاف الله تعالى فيما أمره وقدره ~~جميعا وعلى هذا أفعال الكفرة جهلا وتعنتا لا يخرجهم من كونهم مبتلين بها من ~~الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم فإن الله تعالى قد قدر أن يكون للنار قوم ~~استوحبوها بما كان منهم وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استوحبوها بما كان ~~منهم جزاء وفاقا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره فصار مرتكب الشهوة مع ~~الصابر على المكروه مبتلى بإقامة حكم الله تعالى على ما قال: {ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والأنس} [الأعراف: 179] كثيرا من الجن والإنس وإنما ~~كانوا لجهنم لما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال تعالى: ~~{فسنيسره لليسرى} [الليل: 7] وقال {فسنيسره للعسرى} [الليل: 10] وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "كل ميسر لما خلق له" 1. # فصار كل منا مبتلا بما خلق له في عاقبة أمره تقديرا أطاع الأمر وارتكب ~~النهى إثباتا لقهر العبودية عليهم وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار ~~فالمطيع في طاعة ربه. # لأول أمر مبتلا بخلاف هوى نفسه والآخر مبتلا في طاعة نفسه لإقامة حكم ~~الله في عاقبة أمره بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء ~~الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر هذا كلام أبى زيد سردته بما فيه ولم أترك ~~منه إلا الذيل الذى لا يعبأ به. # واعلم أن الذى قاله خطأ واختراع ولا أظن أن أحدا قبله صار إليه وإنما ~~الناس كانوا على أحد قولين في الإيمان فذهب أهل السنة إلى أن الوجوب ~~بالخطاب من الشارع وذهب طائفة إلى أن الوجوب بالعقل ولم يعرف أن أحدا من ~~الأمة قال: إن وجوب الإيمان ينصب الدلائل من رفع السماء وبسط الأرض ونصب ~~الجبال وخلق الشمس والقمر والكواكب فإنما في هذا القول أنه خلاف الأمة ~~ومكابرتهم باختراع قول ثالث لم يعرف. # وأما سائر العبادات وكل الأوامر والنواهى الواردة من الشرع فقد قالت ~~الأمة: إن عامتها سمعية ms751 وإنما قال من قال بإيجاب العقل وحظره في أشياء ~~يسييره وذلك مثل شكر PageV02P298 # المنعم ومنع الظلم وغير ذلك. # فأما العبادات المعروفة والكفارات والتحميدات وغاية الحدود فقد أجمعت ~~الأمة أنها سمعية ومعنى قولهم نحن نقول إنها سمعية أنها وجبت بالسمع وهو ~~خطاب الله تبارك وتعالى بالإيجاب فإن قالوا: نحن نقول: إنها سمعية على معنى ~~أن الله تعالى وضع هذه الأسباب وجعلها موجبة. # قلنا قولنا: واجبات سمعية أنها وجبت بأقوال مسموعة لأن ما لا يسمع لا ~~يكون سمعية والسمع يختص بالأقوال وإذا كان على ما قالوا لم تكن سمعية ولا ~~عقلية إما لا يكون سمعية لأنه لم يكن وجوبها بقول يسمع وإما لم تكن عقلية ~~لأن ما قلتم يقتضى وجوبها على من لايعقل هذه بالأسباب في حق الكل على ~~العموم من العقلاء وغير العقلاء. ثم يدل بدليلين واقعين في أن الوجوب ~~بالخطاب. فنقول: أمر الله تعالى مؤثر في الإيجاب لأن الله تعالى رب الخلق ~~والفهم والخلق عبيد له وأمر المالك مؤثر في الإيجاب على العبد مثل ما تعرفه ~~من أمرنا على عبيدنا ومماليكنا فأما زمان يأتى ويمضى وما كان يوجد ويذهب ~~ومال يملكه العبد ويفنى لا يعرف لها تأثير في إيجاب شئ على العبد ويعنى ~~بالأزمان أزمان الصلوات وزمان الصوم ويعنى بالمكان ما ذكروه من البيت وأنه ~~سبب الحج ويعنى بالمال مال النصاب فلا يعرف لهذه الأشياء تأثير في إيجاب شئ ~~منها. نعم يجوز أن يكون الزمان علامة وأمارة وكذلك المكان. أو يقال: إن ~~الزمان ظرف العبادة والمكان مكان العبادة والمال محل الواجب من الزكاة ~~والكفارات والنصوص التي وردت في الكتاب والسنة تذكر هذه الأشياء فإنما هى ~~على هذا المعنى لا غير وقد ورد النص في أن الله تعالى هو الموجب للأشياء. ~~قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "ادعهم إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من ~~أغنيائهم وترد في فقرائهم" 1. # والحديث الآخر حديث ضمام بن ثعلبة أنه ms752 قال: يا رسول الله إن رسولك أتانا ~~وأخبرنا أن الله تعالى فرض علينا كذا وكذا الخبر ويدل عليه قوله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] . # وهذا نص في أن الله تعالى هو الذى أوجبه علينا فإن قيل: نحن نقول: إن ~~الله PageV02P299 # تعالى فرض علينا لكن على معنى أنه تعالى نصب الأسباب وهذه الأسباب ~~للإيجاب. # ثم قالوا: إن الأوامر الواردة في الشرع من قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] . وقوله عليه السلام: "صوموا شهركم وصلوا خمسكم ~~وأدوا زكاة اموالكم طيبة بها أنفسكم وحجوا بيت ربكم" 1. مفيدة فعل الأداء ~~فأما أصل الإيجاب فكان الذى قدمناه وهذا لأن قوله: صل وزك وصم وحج أمر ~~بالفعل والأمر بالفعل تالى الوجوب ففذا لم يتقدم الوجوب لم يتصور الأمر ~~بالأداء. # والجواب: أنا قد بينا أن هذه الأشياء لا تصح أسبابا وأما الخطاب فصالح ~~للسببية. # وأما قولهم: إن الله تعالى جعل هذه الأشياء أسبابا للوجوب. # قلنا: هذه دعوى لابد عليها من دليل ومجرد الإضافة لا تدل على السببية لأن ~~الشئ قد يضاف إلى سببه وقد يضاف إلى شرطه ويضاف إلى محله. # فإن قالوا: إن الأصل ما قلنا. # قلنا: ليس كذلك لأن الإضافة لا تدل إلا على التعريف وكل ما يصلح تعريفا ~~للشئ يصلح للإضافة التي قلتم وعلى أنه يقال: دين الله فيضاف إلى الله. فهل ~~نقول إن الله تعالى سبب للوجوب. # وأما قولهم: في الدليل على ما ادعوه بثبوت تكرره عند تكرر الوقت قلنا: هو ~~لقيام الدليل وهذا لأن الأمر لا يدل على التكرار بنفسه. # فأما عند وجود قرينة تنضم إليه يدل على التكرار فيدل عليه وعلى أنه قد ~~قال جماعة من أصحابنا: إن الأمر المعلق بالوقت يتكرر بتكرر الوقت وهذه ~~الأوامر معلقة بالأوقات فتكررت بتكرر الأوقات فسقط ما قالوه جملة. # وأما قولهم: إن الأوامر الواردة في الكتاب والسنة إنما تدل على فعل ~~الأداء قلنا يدل على الوجوب أولا. ثم يدل على فعل الأداء مثل السيد إذا قال ~~لعبده: اسقنى فإنه يدلل على الوجوب ms753 عليه ويدل على فعل السقى ونحن نعلم قطعا ~~أن وجوب السقى في هذه الصورة كان بقوله: اسقنى لا بشئ آخر فقدم عليه فعلمنا ~~أن الأمر المجرد على الوجوب الذى يعتقدونه بالسبب ودل على الفعل أيضا وهذا ~~فصل معتمد وقد ذكرنا في الخلافيات: أن الواجب ليس إلا أداء الفعل وهو ~~مستفاد بخطاب PageV02P300 # الشرع بالاتفاق والوجوب الذى يدعونه لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاب الفعل ~~وهذا لأن الصلاة فعل والصوم فعل وكذلك سائر العبادات والكفارات في نظائر ~~هذا والخصم يورد على هذا الواجبات التي تأخر أداؤها مثل الصوم على الحائض ~~وعلى المسافر والمريض والصوم على المغمى عليه. # وأجبنا عن هذا: بأن في هذه المواضع لا نقول بالوجوب من قبل إنما يجب ~~الصوم على الحائض إذا طهرت وأما المريض والمسافر فقد وجب الصوم عليهما ~~والتأخير رخصة ونحن لا ننكر أن يتوجه الوجوب ثم تعترض رخصة مؤخرة وهذا قد ~~قررناه في مسائل الفروع ولكن اخترنا في الأصول الجواب الأول وهو أحسن وأبين ~~وأقطع للخصومة والمنازعة. # وأما وجوب الزكاة والكفارات عندنا في أموال الصبيان فذاك بأمر الشرع ~~والأصل أن كل ما أدى إليه إيجابه إلى إيقاع الصبى والمجنون في كلفة وطلبه ~~فهو موضوع عنه رحمه من قول الله تعالى وذلك كالعبادات البدنية فأما ما يكون ~~وجوبه في الذمة والأداء بالمال ويتأدى بفعل الغير فإيجابها عليه لا يوقعه ~~في كلفة فيجب في ذمة بخطاب الشرع وإيجابه ثم الخطاب بالأداء يتوجه على ~~الولى دون الصبى وهذا على ما عرف في مسألة زكاة الصبى وقد اقتصرنا في ~~الجواب على هذا القدر لئلا يطول وفى كلامه الذى حكيناه خبط عظيم وصدقة ~~الفطر لازمة لأنه إنما يعرف صدقة الفطر بالإضافة إلى الفطر ومع ذلك لم ~~يجعلوا الفطر سببا وفى الجزية يقال: خراج الرأس فيبقى على هذا أن لا يتكرر ~~كما أنهم لما قالوا: إن سبب الحج هو البيت بحكم الإضافة لا يتكرر وفيما ~~قلناه من قبل كفاية. والله أعلم. # وحين انتهى الكلام في القياس فنذكر الكلام الآن في الاجتهاد وما يتصل ms754 به. # PageV02P301 ### | القول في الاجتهاد وما يتصل به ### | مدخل # ... # القول في الاجتهاد وما يتصل به # وبيان قولنا: إن الحق في قول واحد من المجتهدين وأن الباقى خطأ متروك. # اعلم أن الاجتهاد1 وهو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة ~~عليها بالنظر المؤدى إليها. # وقال بعضهم: الاجتهاد هو طلب الحق بقياس وغير قياس. # وقال بعضهم: ما اقتضى غالب الظن في الحكم المقصود. # وقال بعضهم: طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه2. # وهذا الأخير أليق بكلام الفقهاء. # ثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت ~~بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها إلى مفهومها ~~ومن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره وفى إجماع علماء الأنصار فإن ~~وجد في شئ من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه في الأصول والقياس ~~عليها وبدأ في طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم ~~يجد في النص عدل إلى المفهوم فإن لم يجد نظر في الأوصاف المؤثرة في الأصول ~~في ذلك الحكم والمؤثر ما بيناه من قبل. PageV02P302 # وقد قيل: إن الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب: # فرض على العين وفرض على الكفاية وندب. # أما فرضه على الأعيان ففى حالتين: # إحديهما: اجتهاده في حق نفسه فيما نزل به لأن العالم لا يجوز أن يقلد في ~~حقه ولا في حق غيره. # والحالة الثانية: اجتهاده فيما تعين عليه الحكم فيه فإن ضاق وقت الحادثة ~~كان فرضها على الفور وإن اتسع وقتها كان فرضها على التراخى. # وأما فرضه على الكفاية ففى حالتين: # إحديهما: في حق المستفتى إذا نزلت به حادثة فاستفتى أحد العلماء كان ~~فرضها متوجها على جميعهم وأخصهم بفرضها من خص بالسؤال عنها فإن أجاب هو ~~عنها أو غيره سقط فرضه عن جميعهم فإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا وإن ~~أمسكوا مع القياسة عليهم عذروا وإن كان فرض الجواب باقيا عند ظهور الصواب. # والحالة الثانية: أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر ms755 فيكون ~~الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما انفرد بالحكم سقط فرضه عنه. # وأما الندب ففى حالتين: # إحديهما: فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل ليسبق إلى معرفة حكمه على ~~نزوله. # والحالة الثانية: أن يستفتيه سائل قبل وقوعها به فيكون الاجتهاد في ~~الحالتين ندبا. # PageV02P303 ### | فصل: صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية # ... # "فصل" # وإذا عرفنا حقيقة الاجتهاد فنذكر: من يجوز له الاجتهاد. فنقول: # صحة الاجتهاد تكون بمعرفة الأصول الشرعية ومعرفتها بستة شروط: # أحدها: أن يكون عارفا بلسان العرب من لغة وإعراب وموضوع خطأهم في الحقيقة ~~والمجاز ومعانى كلامهم في الأوامر والنواهى والعموم والخصوص إلى غير ذلك1 ~~PageV02P303 # لأن السمع في شرع الإسلام ورد بلسان العرب لأنه مأخوذ من الكتاب والسنة ~~وهو ما ورد بلسان العرب قال الله تعالى في الكتاب: {بلسان عربي مبين} ~~[الشعراء: 195] وقال عز من قائل: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ~~[إبراهيم: 4] . # فإن قيل: قد كان من تقدم من الأنبياء مبعوثا إلى قوم خاصة فجاز أن يكون ~~مبعوثا بلسانهم ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الأمم فلم صار ~~مبعوثا بلسان بعضهم؟. # قلنا: لا يخلو إما أن يكون مبعوثا بلسان جميعهم وهذا خارج عن العرف ~~والمعهود من الكلام ويبعد بكل محل أن يرد كل كلمة من القرآن مكررا بكل ~~الألسنة وإذا لم يجز هذا وكان لابد أن يكون بلسان بعضهم كان لسان العرب أحق ~~من كل لسان لأنه أوسع وأفصح ولأنه لسان أول المخاطبين ومعرفة لسان العرب ~~فرض على العموم في جميع المكلفين إلا أنه في حق المجتهد على العموم في ~~إشرافه على العلم بألفاظه ومعانيه أما في حق غيره من الأمة خاص في ما ورد ~~التقيد به في الصلاة من القراءة والأذكار لأنه لا يجوز بغير العربية. # فإن قيل: إحاطة المجتهد بجميع لسان العرب ممتنع لأن أحدا من العرب لا ~~يحيط بجميع لغاتهم وكيف يحيط؟ ولأن الإحاطة بجميعه شاغل من الاشتغال بغيره. # قيل: لسان العرب وإن لم يحط به واحد من العرب فإنه يحيط به جميع العرب. # كما قيل ms756 لبعض أهل العلم: من يعرف كل العلم. قال: كل الناس والذى يلزم في ~~حق المجتهد أن يكون محيطا بأكثر كلام العرب ويرجع فيما عزب عنه إلى غيره ~~وهو كما أن جميع السبب لا يحيط به أحذ من العلماء وإنما يحيط به جميع ~~العلماء فإذا كان المجتهد محيطا بأكثرها صح اجتهاده ويرجع فيما عزب عنه إلى ~~من يعلمه فكذلك ها هنا. # وأما الشرط الثاني: هو أن يكون مشرفا على ما تضمنه الكتاب من الأحكام ~~الشرعية من عموم وخصوص ومبين ومجمل وناسخ ومنسوخ بنص أو فحوى أو ظاهر أو ~~مجمل1 ليستعمل النص فيما ورد والفحوى فيما يفيده والظاهر فيما يقتضيه ~~والمجمل يطلب المراد منه فإذا كان عالما بأحكام القرآن هل يشترط أن يكون ~~حافظا PageV02P304 # لتلاوته: فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه يلزم أن يكون حافظا للقرآن لأن ~~الحافظ أضبط لمعانيه من الناظر فيه1. # وقال آخرون: لا يلزمه حفظ تلاوته ويجوز أن يقتصر على مطالعته والنظر فيه ~~كما في السنن2. # وقال آخر: ويجب عليه أن يحفظ ما اختص بالأحكام ولا يلزمه أن يحفظ منه ~~القصص والأمثال والزواجر. # وأما الشرط الثالث: هو بعرفة ما تضمنته السنة من الأحكام وعليه فيها خمسة ~~شروط. # أحدها: معرفة طرقها من تواتر وآحاد ليكون المتواتر معلومة والآحاد ~~مظنونه. # والثاني: معرفة صحة طرق الآحاد ومعرفة رواتها ليعمل بالصحيح منه ويعدل عن ~~ما لا يصح منه. # والثالث: أن يعرف أحكام الأفعال والأقوال ليعلم بما يوجبه كل واحد منهما. # والرابع: أن يحفظ معانى ما انتفى الاحتمال عنه ويحفظ ألفاظ ما دخله ~~الاحتمال ولا يلزمه حفظ الأسانيد وأسماء الرواة إذا عرف عدالتهم. # والخامس: ترجيح ما يعارض من الأخبار ليأخذ ما يلزم العمل به3. ~~PageV02P305 # وقال بعض أصحابنا: إذا عرف من اللغة ما يعلم به مراد الله تعالى ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة والخطاب الوارد فيهما وعرف موارد ~~الخطاب ومصادره من الكتاب والسنة والحقيقة والمجاز والأمر والنهى والعام ~~والخاص والمجمل والمفصل والمنطوق والمفهوم والمطلق والمقيد وعرف الناسخ ~~والمنسوخ وعرف أحكام النسخ ms757 فهذا القدر كاف وهذا هو الأولى في الشرائط التي ~~سبق ذكرها. # وأما الشرط الرابع: هو معرفة الإجماع والاختلاف وما ينعقد به الإجماع وما ~~لا ينعقد به الإجماع1 وما يعتد به في الاجماع ومن لا يعتد به في الإجماع ~~ليتبع الإجماع ويجتهد في الاختلاف. # وأما الشرط الخامس: هو معرفة القياس والاجتهاد2 والأصول التي يجوز ~~تعليلها وما لا يجوز تعليلها والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز ~~أن يعلل بها وترتيب الأدلة بعضها على بعض ومعرفة الأولى فيها فيقدم الأولى ~~ويؤخر ما لا يكون أولى ويعرف وجوه الترجيح ليقدم الراجح على المرجوح # وأما الشرط السادس: فهو أن يكون ثقة مأمونا غير متساهل في أمر الدين3. # فإذا تكاملت هذه الشروط في المجتهد صح اجتهاده في جميع الأحكام وإن لم ~~يوجد واحد من هذه الشروط خرج من أهلية الاجتهاد وليس يعتبر في صحة الاجتهاد ~~أن يكون رجلا ولا أن يكون حرا ولا أن يكون عدلا وهو يصح من الرجل والمرأة ~~والحر والعبد والفاسق وإنما تعتبر العدالة في الحكم والفتوى فلا يجوز ~~استفتاء الفاسق وإن صح استفتاء المرأة والعبد ولا يصح الحكم إلا من رجل حر ~~عدل فصارت شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة لما تضمنه من القبول ~~وشروط الحكم أغلظ من شروط الفتيا بالحرية والذكورية لما تضمنه من الإلزام. ~~PageV02P306 # واعلم أن الثقة والأمانة في أن لا يكون متساهلا في أمر الدين فلابد منه ~~لأنه إذا لم يكن كذلك لا يستقصى النظر في الدلائل ومن لا يستقصى النظر في ~~الدلائل لا يصل إلى المقصود وأما الذى ذكره الأصحاب أنه لا تعتبر العدالة ~~فيجوز أن يكون المراد ما وراء هذا وأما هذا القدر فلابد منه وقد ذكر ~~المتكلمون كلاما في شرائط الاجتهاد على غيرهذا الوجه وهذا الذى قلناه كلام ~~االفقهاء وهو الصحيح وحين عرفنا صفة المجتهد فنذكر صفة أقوال المجتهدين إذا ~~اختلفوا فيما بينهم. # مسألة # قد بينا حد الاجتهاد ويمكن أن يعبر عن ذلك فيقال هو استفراغ الوسع وبذل ~~المجهود في طلب الحكم ms758 الشرعى. # واعلم أن الأحكام ضربان: عقلى وشرعى والأولى أن يقال: أصول وفروع. # فأما أصول الدين فالحق في قول واحد منهما والثانى باطل قطعا. # وحكى عن عبد الله بن الحسن العنبرى أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب1. # وكان يقول في مثبتى القدر: هؤلاء عظموا الله. # ويقول في نافى القدر: هؤلاء نزهوا الله. # وقد قيل: إن هذا القول منه في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة ~~ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار صحيحة للتأويل كالرؤية وخلف الأفعال ~~وما أشبه ذلك. # وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى ~~والمجوس فإن في هذا الموضع نقطع بأن الحق فيما يقوله أهل الإسلام وينبغى أن ~~يكون التأويل على هذا الوجه لأنا نظن أن أحدا من هذه الأمة [لا بد أن] 2 ~~يقطع بتضليل اليهود والنصارى والمجوس وأن قولهم باطل قطعا ولأن الدلائل ~~القطعية قد قامت لأهل الإسلام في بطلان قول هؤلاء الفرق والدلائل القطعية ~~توجب الإعتقاد القطعى فلم PageV02P307 # يكن بد من القول بأنهم ضالون مخطئون قطعا وإذا ثبت هذا فيما يخالفنا أهل ~~الملل فكذلك فيما يخالفنا فيه القدرية والمجسمة والجهمية والروافض والخوارج ~~وسائر من يخالف أهل السنة لأنا نقول إن الدلائل القطعية قد قامت لأهل السنة ~~على ما يوافق عقائدهم فثبت ما اعتقدوه قطعا فحكم ببطلان ما يخالفه قطعا ~~وإذا حكمنا ببطلان ذلك قطعا ثبت أنهم ضلال ومبتدعة ونذكر مشروع هذا الكلام ~~ومدخله على وجه آخر فنقول: إن الاختلاف بين الأمة على ضربين اختلاف يوجب ~~البراءة ويوقع الفرقة ويرفع الألفة واختلاف لا يوجب البراءة ولا يرفع ~~الألفة فالأول كالاختلاف في التوحيد. # قال: من خالف أصله كان كافرا وعلى المسلمين مفارقته والتبرؤ منه وذلك لأن ~~أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة قد طبقت العالم وعم وجودها في كل مصنوع ~~فلم يعذر أحد بالذهاب عنها وكذلك الأمر في النبوة لقوة براهينها وكثرة ~~الأدلة الباهرة الدالة عليها وكذلك كل ما كان من أصول الدين فالأدلة عليها ~~ظاهرة باهرة والمخالف فيه معاند مكابر والقول بتضليله ms759 واجب والبراءة منه ~~شرع. # ولهذا قال ابن عمر حين قيل له: إن قوما يقولون: لا قدر. فقال: بلغوهم أن ~~ابن عمر منهم برئ وأنهم منى براء وقد استجار مثل هذا التعنيف في الفروع. # وقال ابن عباس: من شاء باهلته أن الله تعالى لم يجعل في المال نصفا ونصفا ~~وثلثا. # وقالت عائشة رضى الله عنها: أبلغوا زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول صلى ~~الله عليه وسلم قد بطل. # ونحو هذا من الآثار إلا أن هذا النوع من الوعيد ليس هو على المذهب الأول ~~إنما هو تعنيف على التقصير في النظر وتحريض على الاجتهاد وتحريض1 على ~~التأمل. # والضرب الآخر من الاختلاف لا يزيل الألفة ولا يوجب الوحشة ولا يوجب ~~البراءة ولا يقطع موافقة الإسلام وهو الاختلاف الواقع في النوازل التي عدمت ~~فيها النصوص في الفروع وغمضت فيها الأدلة فيرجع في معرفة أحكامها إلى ~~الاجتهاد ويشبه أن يكون إنما غمضت أدلتها وصعب الوصول إلى عين المراد منها ~~امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده لتفاضل في درجات العلم ومراتب ~~الكرامة كما قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات} [المجادلة: 11] وقال: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] . ~~PageV02P308 # وعلى هذا يتأول ما ورد في بعض الأخبار: "اختلاف أمتى رحمة" 1 فعلى هذا ~~النوع يحمل هذا اللفظ دون النوع الآخر فيكون لفظا عاما والمراد به خاصا ثم ~~أعلم أنه اختلف العلماء في حكم أقوال هؤلاء المجتهدين وذكر ذلك في ما يسوغ ~~فيه الاجتهاد من المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار وظاهر مذهب الشافعى ~~رحمه الله أن المصيب من المجتهدين واحد والباقون مخطئون غير أنه خطأ يعذر ~~فيه المخطئ ولا يؤثم وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا قول الشافعى ومذهبه ولا ~~يعرف له قول سواه وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من أصحاب أبى حنيفة. # وقال بعض أصحابنا: إن للشافعى قولين. أحدهما: ما قلناه والآخر إن كل ~~مجتهد مصيب وهو ظاهر قول مالك وإليه ذهب أكثر أصحاب أبى حنيفة وزعموا أن ~~قوله هو ms760 قول المعتزلة وهو قول أبى الحسن الأشعرى وقال الأصم وابن عليه ~~والمريسى: إن الحق في واحد من أقوال المجتهدين وما خالفه خطأ وصاحبه مأزور ~~مأثوم2. وقال أبو زيد في أصوله: قال فريق من المتكلمين: الحق في هذه ~~الحوادث التي يجوز الفتوى في أحد أحكامها بالقياس والاجتهاد حقوق وكل مجتهد ~~مصيب للحق بعينه. ثم إنهم افترقوا. فقال قوم: إذا لم يصب المجتهد الحق عند ~~الله مكان مخطئا ابتداء وانتهاء حتى أن عمله لا يصح. # وقال علماؤنا: كان مخطئا للحق عند الله مصيبا في حق عمله حتى أن عمله به ~~يقع صحيحا شرعا كأنه أصاب الحق عند الله. # قال: وبلغنا عن أبى حنيفة أنه قال ليوسف بن خالد السمتى: كل مجتهد مصيب ~~والحق عند الله واحد فتبين لك أن الذى أخطأ ما عند الله مصيب في حق عمله. # وقال محمد بن الحسن في كتاب الطلاق: إذا تلاعن الزوجان ثلاثا ثلاثا فرق ~~القاضى PageV02P309 # بينهما نفذ قضاؤه وقد أخطأ السنة فجعل قضاؤه في حقه صوابا مع قوله إنه ~~مخطئ الحق عند الله تعالى قال أبو زيد: وهذا هو القول المتوسط وهو بين ~~الغلو والتقصير واعلم أن هذا القول هو القول بالأشبه وهو أن يكون المجتهد ~~مصيبا في اجتهاده مخطئا في الحكم فإنهم جعلوا أشبه عند الله تعالى قالوا: ~~وهو مطلوب المجتهد وذلك الذى لو نص الله سبحانه وتعالى على الحكم لنص عليه ~~وهو الحق وما عداه خطأ. وقال: هؤلاء وما كلف الإنسان إلا إضافة الأشبه ونقل ~~بعضهم هذا نصا عن أبى حنيفة ومحمد وقد حكى القول بالأشبه عن أبى على ~~الجبائى وهذا القول هو اختيار المزنى وحين عرفنا هذه الأقوال على مما نقله ~~الأصوليون. فنقول: في بيان الصحيح من الأقاويل إن الصحيح من هذه الأقاويل ~~هو أن الحق عند الله عز وجل واحد والناس مأمورون بطلبه مكلفون أصابته فإذا ~~اجتهدوا وأصابوا حمدوا وأجروا وإن أخطئوا عذروا ولم يأثموا إلا أن يقصروا ~~في أسباب الطلب وهذا هو مذهب الشافعى وهو الحق وما سواه باطل. ثم ms761 نقول: إنه ~~مأجور في الطلب إذا لم يقصر وإن أخطأ الحق ومعذور على خطئه وعدم إصابته ~~للحق وقد يوجد للشافعى في بعض كلامه ومناظراته مع خصومه أن المجتهد إذا ~~اجتهد فقد أصاب وتأويله أنه أصاب عند نفسه فإنه بلغ عند نفسه مبلغ الصواب ~~وإن لم يكن أصاب عين الحق. # واعلم أنه لا يصح على مذهب الشافعى إلا فيما قلناه ومن قال غير هذا فقد ~~أخطأ على مذهبه. # وقال ما قال على شهوته. # احتج القائلون: بأن كل مجتهد مصيب بقوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان ~~في الحرث} [الأنبياء: 78] إلى أن قال: {وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: ~~79] فإذا كان أحدهما مخطئا لم يكن الذى قاله عن علم ولأن الصحابة اختلفوا ~~في المسائل. # وقال: كل واحد قولا وصوب بعضهم بعضا بدليل أنه ينفى بينهم تعظيم بعضهم ~~للبعض وترك إنكار بعضهم قول البعض ولو اعتقد كل واحد منهم أن صاحبه مخطئ ~~لأنكره لأن إنكار المنكر واجب فصار هذا دليلا من إجماعهم أنهم لم يعتقدوا ~~تخطئة بعضهم بعضا. بل كانون على تصويب بعضهم البعض ولأنه لو كان الحق واحدا ~~من الأقاويل وما عداه كان خطأ لكان الله سبحانه وتعالى كلفه بالعدول إلى ~~الصواب ولو كان على الحق دليل قاطع لفسق مخالفه ولمنع المفتى من الفتوى # PageV02P310 # والحاكم من الحكم به وكان ينبغى إذا حكم الحاكم به ينقض حكمه وحين لم يقل ~~بهذا أحد علمنا أن كل مجتهد مصيب للحق وهذا دليل معتمد لهم. # دليل أكثرهم قالوا: لو كان المجتهد في الفروع مخطئا لأدى إلى أقسام كلها ~~باطلة وذلك لأنه لا يخلو إما أن يقطعوا في الجملة أن المخطئ من المجتهدين ~~مغفور له تقصيره في النظر وإما أن لا يقطعوا بذلك فإن لم يقطعوا بذلك فهو ~~باطل لأنهم لا يقولون به على ما زعمتم ولأن الصحابة ما كان ينكر بعضهم على ~~بعضهم أقاويلهم في مسائل الاجتهاد إنكار فعل من يجوز أنه من أهل النار وإن ~~كان غفران خطئه في الجملة مقطوعا به لم تخل إما أن يكون ms762 المجتهد إذا أخطأ ~~يجوز كونه مخطئا ومخلا بنظر يلزمه فعله ولا يجوز ذلك فإن قلتم لا يجوز أن ~~يكون مخلا بالنظر فمحال لأنه على هذا لا يصح تكليفه النظر الذى فرط فيه ~~لأنه قاطع على أنه ما فرط في النظر ولأنه في حكم الذاهل والساهى والذاهل ~~والساهى لا يكلف في حال ذهوله وسهوه ولا يستحق عقابا. فيقال: إنه غفر له ~~وإن كان يجوز كونه مخطئا ومخلا ببعض النظر فلا يخلو إما أن يعلم أنه مغفور ~~له في ذلك الحال إخلاله بما أخل به من النظر أو لا يعلم ذلك ومحال أن يعلم ~~ذلك لأن المجتهد لا يميز المرتبة التي إذا انتهى إليها غفر له إخلاله مما ~~بعدها من النظر وذلك أنه يعلم بأنهم إن اقتصروا على أول النظر لم يغفر له ~~ما بعده وبعد هذا ليس مرتبة أولى من مرتبة ولا يمكن الإشارة إلى ما تتميز ~~به بعض المراتب عن البعض مع أنه مجوز في جميع ذلك أنه مخل بنظر يلزمه فعله ~~وبعد فلو علم المجتهد أنه مغفور له إخلاله بالنظر لكان إغراء بالمعصية لأنه ~~يكون قد علم أنه لا ضرر عليه في تركه النظر الزائد وإن كان المجتهد المخطئ ~~إنما يعلم في الجملة أن المخطئ من المجتهدين مغفور له إذا انتهى إلى مرتبة ~~ما من مراتب النظر وداخل بما بعدها ولم يتعين له تلك المرتبة وجوز أن يكون ~~أخل بالنظر الزائدما انتهى إلى تلك المرتبة التي تغفر له بما بعدها من ~~النظر لزم أن يجوزوا كون المجتهد من المخطئين ما انتهوا إلى هذه المرتبة ~~وفى ذلك تجويز كونهم غير مغفور لهم وأنهم من أهل العقاب وقد أجمع أهل ~~الاجتهاد على خلاف هذا فقد بان أن القول بخطأ المجتهدين وإصابة الواحد منهم ~~فحسب يؤدى إلى أقسام كلها فاسدة وفى القول بإصابتهم خلاص من هذه الوجوه ~~أجمع وهذا الذى ذكرناه دليل المتكلمين. # وأما أبو زيد احتج بهذا القول وقال: إن المجتهد كلف الفتوى بغالب رأيه ~~وما # PageV02P311 # كلف إلا الفتوى بالحق فلولا ms763 أنه مصيب الحق وإلا لما توجه التكليف عليه ~~بإصابته بغالب الرأى لأن الله تعالى لم يكلف مما ليس في الوسع فدل أن كل ~~مجتهد مصيب للحق وأن الحق حقوق لا واحد وهذا كاستقبال القبلة فإنه شرط لصحة ~~الصلاة وهى إلى جهة واحدة حال التبين عند الاشتباه تصير الجهات كلها قبلة ~~على ما قال الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] حتى ~~قالوا: إن المتحرين إذا صلوا إلى أربع جهات مختلفة أجزأتهم صلاتهم قالوا: ~~ولا نمنع أن تكون أقوال المجتهدين كلها حقا في الحادثة الواحدة لكنه في ~~أناس مختلفين لبعضهم الحظر ولبعضهم الإباحة وهذا كما صح في باب قبلة الصلاة ~~حال الأشتباه إذا اختلفوا وكانت قبلة كل فريق ما أدى إليه تحريه يدل عليه ~~أنه يجوز من الله تعالى بعث رسولين في زمان واحد إلى قومين مختلفين بحكمين ~~مختلفين في نازلة واحدة ويكون كل واحد من الحكمين حقا عند الله فكذلك جاز ~~بالاجتهاد مثل ذلك فيختلف عالمان في الاجتهاد ويلزم كل واحد اتباع إمامه ~~ويكون كل واحد منهم محقا مصيبا وهذا لأن الله تعالى ابتلى عباده بهذه ~~الأحكام ليمتاز الخبيث من الطيب ويجوز اختلاف الحكم بين الناس باختلاف ~~الأزمان فيختلف الابتلاء لأجله فكذلك يجوز الاختلاف باختلاف الطبقات في ~~زمان واحد ألا ترى أن مصالح الأطعمة كما تختلف باختلاف الأزمنة كذلك تختلف ~~باختلاف الناس في زمان واحد وهذه الدلائل لهذا القول. # فأما من يقول بالأشبه فسنبين الكلام فيه بعد هذا ونبين ما يكون الصواب ~~منه. # وأما دليلنا على أن الحق واحد في أقوال المجتهدين وما عدا ذلك خطأ قوله ~~تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا ~~لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 78, 79] فلو كانا مصيبين لما ~~خص سليمان بفهم الحكم لأن داود عليه السلام قد فهم من الحكم ما فهم سليمان. # فإن قيل: هذا شريعة من قبلنا ويجوز أن لم يكن داود وسليمان مصيبين وذلك ~~شريعتهما وأما في شريعتنا فيكون كل مجتهد مصيبا. # والجواب: أن الأصل ms764 أن كل ما ذكره الله تعالى في القرآن فإنما ذكره ~~لنستفيد به في شرعنا ولم يكن ذكره على مجرد حكاية وسرد قصة وليست فائدة هذا ~~إلا أن نعلم ما قلناه ونحن إذا جعلنا حكمنا على خلاف حكمهم بطلت هذه ~~الفائدة وعلى أنا نقول: شريعة من قبلنا لازمة لنا على قول جماعة من أصحابنا ~~إلا في موضع قام الدليل على # PageV02P312 # خلاف ذلك. # وأما الذى تعلقوا به من قوله تعالى: {وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: ~~79] . # قلنا: لم يذكر الله تعال أنه آتى كلاهما حكما وعلما فيما حكما به في هذه ~~الحادثة فيجوز أن المعنى من ذلك إعطاء العلم بوجوه الاجتهاد في طرق الأحكام ~~وعلى أنه يرد عليهم ما قالوه فإنه ليس يجب إذا كانا قد أصابا أن يكون كل ~~مجتهد مصيبا في هذه الشريعة ويدل على ذلك من جهة السنة قوله عليه السلام: ~~"إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران وإن اجتهد فأخطأ له أجر واحد". # فأخبر صلى الله عليه وسلم بأن منهم من يصيب ومنهم من يخطئ وإن حكم المصيب ~~كذا ولو كانوا مصيبين كلهم لم يكن لهذا التقسيم معنى. # فإن قيل: معنى قوله فأخطأ أى أخطأ النص. ثم قالوا: لو كان خطأ كما قلتم ~~لم يستحق الأجر لأن أحسن أحوال المخطى العفو فأما استحقاق الأجر فلا. # والجواب الأول: قلنا: لو كان معنى قوله فأخطأ أى أخطأ النص لكان معنى ~~قوله: فأصاب أى أصاب النص لا يكون حينئذ للاجتهاد حكم ما والخبر ورد في ~~موضع إثبات حكم الاجتهاد وإصابة الحق أو عدم إصابته وأيضا فإنه لا يقال: من ~~لم يبلغه النص ولم يتمكن منه أنه مخطئ للنص كما لا يوصف من لم يبلغه شريعة ~~النبى صلى الله عليه وسلم بأنه قد أخطأها وأيضا فإن من طلب النص واستقصى في ~~طلبه فلم يظفر به واجتهد فهو مصيب عندكم وإن طلب فقصر في الطلب فهو مخطئ في ~~الاجتهاد فلا يستحق الأجر عند أحد فكيف يصح الحمل على هذا الموضع وأما ~~الأجر الذى يستحقه إذا ms765 أخطأه فهو بقصده طلب الصواب باجتهاده فيؤجر بذلك وإن ~~كان قد فاته المقصود وسبيل هذا سبيل رجل قصد مكة للحج فسلك بعض الطريق ثم ~~انقطع فهو على ما قطعه من الطريق مأجور وإن كان بانقطاعه عن بلوغ بلوغ البت ~~منقوصا كمن افتتح الصلاة ثم تبين أنه لم يكن على طهارة فإنه لم يكن مأجورا ~~وإن لم يحصل الغرض له منها وكمن أخرج درهما ليتصدق به ففعل. ثم استحق فإنه ~~يكون مأجورا على قصده التقرب به إلى الله تعالى وإن كان لم يحصل غرضه ~~ومقصوده والمعتمد من الدليل الإجماع من الصحابة فإنهم اتفقوا على الاجتهاد ~~في المسائل وأنكر بعضهم على البعض وخطأ بعضهم بعضا ونصوا على الخطأ في ~~اجتهادهم فلو كان كل مجتهد مصيبا وكانوا يعتقدون ذلك لم يصح # PageV02P313 # تخطئة بعضهم على بعض ولا إنكار بعضهم بعضا ولكان لا يجوز لبعضهم إذا بلغ ~~إليهم قول البعض أن يخالفه لأنه حينئذ يكون مخالفا للحق والصواب. # وبيان ما ادعيناه من أقوال الصحابة وقول أبى بكر رضى الله عنه: أقول في ~~الكلالة برأيى فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان1. # ويدل عليه أن عمر رضى الله حكم بحكم. فقال رجل حضره: هذا والله الحق. # ثم حكم بحكم. آخر فقال الرجل: هذا والله الحق فقال عمر: إن عمر لا يعلم ~~أنه أصاب الحق لكنه لا يألوا جهدا. # وعن عمر رضى الله عنه أنه قال: لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر فإن كان خطأ ~~فمنه وإن كان صوابا فمن الله. # وعن على رضى الله عنه أنه قال في قصة المجهضة: إن كانوا لم يجتهدوا فقد ~~غشوك وإن كانوا اجتهدوا فقد أخطأوا عليك وعلى قومك الدية. # وقال ابن مسعود رضى الله عنه: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله ~~تعالى وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان2. # وقال عثمان رضى الله عنه في امرأة أقرت بالزنا عند عمر رضى الله عنه: ~~أراها تستهل كأنها لا تعلم وإنما الحد عن من علم فبين خطأه ms766 في اجتهاده. # وعن على رضى الله عنه: أنه ندم على إحراق المرتدين لما بلغه قول ابن عباس ~~رضى الله عنهما: لا يعذب بالنار إلى ربها. # وبلغ أيضا عليا تحكيم الحكمين فقال في ذلك شعرا: # لقد عثرت عثرة لا أتحير ... سوف أكيس بعدها وأستمر # وأجمع الرأى الشتيت المنتشر # وقال عبيدة السلماني [فى مسألة بيع] 3 أم الولد: رأيك مع الجماعة أحب ~~إلينا من رأيك وحدك في الفرقة وهذا تعريض له أنه قد أخطأ. # وروى أن عليا وزيدا وابن مسعودد خطأوا ابن عباس في ترك القول بالعول حتى ~~قال ابن عباس: من شاء باهلته إن الذى أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في ماله ~~PageV02P314 # واحدا نصفا ونصفا وثلثا ذهب النصفان بالمال فأين موضع الثلث. # وروى عن ابن عباس أنه قال: ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابن ~~ولا يجعل أب الأب أبا وهذا طريق المبالغة في التخطئة وليس على طريق أنه ترك ~~التقوى فهذا إجماع منهم على أن جميع المجتهدين ليسوا بمصيبين وأن بعضهم ~~مخطئ وبعضهم مصيب وليس لهم أن يقولوا: إن الصحابة إنما خطأ بعضهم بعضا ~~لأنها جوزت أن يكون غيرهم قصروا في النظر ولم يبالغوا فيه ولهذا جوزوا ~~الخطأ وقالوا ما قالوا هذا لا يصح لأن المخالف في هذه المسائل ابن عمر أن ~~المختلفين فيها مصيبون ولا يفرقون بين هذه المسائل وبين سائر مسائل ~~الاجتهاد ولا يجوز أن يقال: إنهم لم يقولوا ما قالوه عن اجتهاد والكلام ~~فيما إذا قالوا ما قالوه عن اجتهاد لأن هذا إساءة الظن بالصحابة وحمل أمرهم ~~على أنهم قالوا ما قالوه عن جزاف وتنجيم وهذا محال ولأنهم كانوا يؤبون إلى ~~أماراتهم التي اعتمدوها في الدلالة على الأحكام. # فإن قال قائل: إن المراد بالخطأ المذكور في هذه خطأ الأشبه ونحن نقول: ~~يجوز خطأ الأشبه. # والجواب: إنما قلناه دليل قاطع على من قال: إن كل مجتهد مصيب للحق عند ~~الله تعالى وأما القول بالأشبه فهو باطل وسنبين ذلك من بعد. # وأما الذى قالوا: في ms767 حجتهم إن الصحابة كان يصوب بعضهم بعضا في الاجتهاد. # قلنا: ليس كذلك بدليل ما بينا من قبل وليس نعلم أحدا منهم قال لصاحبه في ~~اجتهاد وجد منه: أصبت في قولك. # وقولهم: إنه بقى بينهم تعظيم بعضهم بعض. # قلنا: إنما كان كذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن الخطأ خطأ مغفور أو جوزوا ~~كونه صغيرة وبارتكاب الصغائر لا يذهب تعظيم بعضهم للبعض ثم نقول: قد ~~تناظروا فيما بينهم ومنع بعضهم البعض من الذهاب إلى ما صار إليه بقول بليغ ~~يشبه الإنكار الشديد وقد حكينا مثال هذا عن ابن عباس وقد روى عن على أنه ~~قال في عبد الله ابن عباس حين بلغه أنه يخالفه في مسائل: إنه رجل نابه فثبت ~~أن إجماع الصحابة معنا في هذه المسألة وهو دليل مقطوع به لا يجوز العدول ~~عنه بحال ومما نقل عن الصحابة من تصويب بعضهم بعضا فيجوز أن يدعى ذلك في ~~القراءات وفى الآراء وفى الحروب. # PageV02P315 # أما في القرآن لأنهم اعتقدوا أن الكل بمنزلة من الله تعالى وأن الإنسان ~~متخير في القراءة بأى آي شاء على ما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" 1. # فأما الآراء في الحروب فيجوز أن يقال: إنهم صوب بعضهم بعضا لأنهم ربما ~~كانوا يعتقدون أن غيرهم أعلم بوجوب الحرب ومعرفة المكائد فيها أو كان يعتقد ~~أنه كانت التجربة فيها بصاحبه أكثر منه وهذا غير مستنكر منهم. # فأما تصويب بعضهم بعضا في الاجتهادات فلا يعرف ذلك بحال. # واستدل الأصحاب أيضا وقالوا: إن القولين المتضادين في مسائل الاجتهاد ~~كالتحليل والتحريم والإيجاب والإفساد لا يخلو إما أن يكونا صحيحين أو ~~فاسدين أو أحدهما صحيحا والآخر فاسدا ولا يجوز أن يكونا فاسدين لأنه يؤدى ~~إلى أن يكون الشئ الواحد حراما وحلالا صحيحا فاسدا وهذا محال فلم يبق إلا ~~أن يقال: إن أحدهما صحيح والآخر فاسد وهذا الحقيقة وهو أن كل واحد من مسائل ~~الاجتهاد إما أن يكون فيها أمارة هى أقوى من غيرها وإما ms768 أن يكون فيها ~~أماراتان متكافئتان على قول من يجوز ذلك وإن كان فيها أمارة هي أقوى من ~~غيرها فقد كلفت المجتهد إصابتها والظن لها والحكم بها فمتى عدل عنه فقد ~~أخطأ وإن كانت فيه أماراتان متكافئتان فقد كلف إذا إصابة تكافئهما الظن ~~لهما أو يحكم بالتخيير بين حكميهما فمتى عدل عن ذلك فقد أخطأ فلا بد من ~~وجود الخطأ في كل واحد من الموضعين والدليل على أنه كلف إصابة الأمارة ~~القوية من حيث غلبة الظن أو الإصابة لتساوى الأمارتين إن جاز تساويهما بأن ~~المجتهد طالب وإنما هو طالب في هذا الموضع أمارة مقربة للظن ومعلوم أن ~~المجتهد ليس يقصد باجتهاده الظفر بأضعف الأمارات ولا هو كلف ذلك فصح أنه ~~كلف الظفر بأقواهما. # فإن قيل: فهل يجوز أن تعتدل الأمارات عند المجتهد في المجتهد. # قلنا: لا يجوز ذلك وإنما قلنا ما قلناه على التقدير ومذهب الفقهاء أنه لا ~~يجوز اعتدال الأمارات بحال ولا بد أن يكون لإحدى الأمارتين ترجيح على ~~الأخرى. # وقد جوز أبو على وأبو هاشم ذلك. PageV02P316 # وندل في هذا الموضع على أنه يجوز. فنقول: لو تعادلت الأمارتان في القوة ~~لم يكن الحكم لإحديهما أولى من الحكم بالأخرى وفى ذلك إثبات حكميهما. # أما على الجمع فذلك غير ممكن وأما على التخيير فالأمة مجمعة على أن ~~المكلفين غير متخيرين في مسائل الاجتهاد ولأنه لو تعادلت الأمارتان أدى إلى ~~الشك في الحكم وذلك لا يجوز. # وإنما قلنا: إنه يؤدى إلى الشك لأن الرجلين المتساويين في الصدق لو ~~أخبرها أحدهما أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وأخبر الآخر أنه ~~صلى في الكعبة وأنه شاهده منذ دخلها إلى أن خرج منها وقد عرف أنه لم يدخلها ~~إلا مرة واحده وأخبر الآخر انه رآه صلى فيها فإنها تشكك هل صلى فيها أو لم ~~يصل فيها ولا يظن أحدهما ولا كل واحد منهما وإنما لا يظن أحدهما لأنه لا ~~ترجيح لأحدهما على الآخر وكيف يترجح ولا دلالة في الترجيح ولا يجوز أن يظن ms769 ~~كلاهما لأن ذلك مستحيل فإنه يستحيل أنه صلى ولم يصل وإذا عرف هذا في هذه ~~الصورة فهكذا تكون الأمارات المستنبطة. # فإن قال قائل: هلا قلتم بالتخيير إذا تعادلت الأمارتان؟ # قلنا: التخيير بين النفى والإثبات لا يصح إلا على معنى الإباحة والإباحة ~~حكم واحد فكيف يقال فيه: إنه مخير؟ # فإن قالوا: إن الإباحة هى التخيير بين الفعل والكف عنه على الإطلاق وأما ~~في هذه المواضع فإنما يقال للمكلف: افعل إن اعتقدت كون الفعل مباحا ولا ~~تفعله إن اعتقدت حظره. # الجواب أنه يقال لهم أليس إن الاعتقاد بحظره وإباحته علم فلا بد أن يقال ~~بلى فيقال له فما الطريق إلى كون ذلك علما فإن قالوا بثبوت الأماره أو ~~الدلالة. # قلنا: وفى كل واحد من القولين أمارة ودلالة فكيف يجوز أن يقال: إن الطريق ~~له في العلم بالإباحة أمارة أو دلالة وأنتم تجوزون ألا يعتقد الإباحة ~~ويعتقد الحظر. # فإن قالوا: إن الطريق إلى العلم بالإباحة أو العلم بالحظر أن يختار ~~المكلف اعتقاد أحدهما. # قيل: اختيار الإنسان أن يعتقد شيئا ليس بدليل على صحة معتقده فيكون ~~اعتقاده علما ولو جاز ذلك لجاز أن يختار الاعتقادات كلها باختيارنا علوما ~~وكيف يجوز ذلك # PageV02P317 # مع أن الإنسان قد يختار الصحيح كما يختار الفاسد وأيضا فحسن الاختيار ~~للاختيار تابع الاعتقاد لأنه إنما يحسن أن يختار ما هو حسن في نفسه وحسن ~~الاعتقاد تابع للمعتقد لأنه إنما يحسن أن يعتقد بما هو صحيح في نفسه ~~فالاختيار تابع للمعتقد وهم عكسوا القصة فجعلوا الاعتقاد تابعا للاختيار ~~وجعلوا صحة المعتقد تابعة للاعتقاد وهذا الذى ذكرناه يقتضى أن العامى إذا ~~أفتاه مفتى بالحظر وأفتاه آخر بالإباحة. # وقلنا: إنه يجب عليه أن يجتهد فيها فإنه إذا اجتهد فيها فلا بد أن يترجح ~~عنده أحدهما على الآخر. # فإن قال قائل: هلا قلتم أنه يصير الفعل مباحا إذا تساوت الأمارتان قلنا: ~~لو وجعلناه مباحا لكنا قد عملنا على أمارة الإبحاة مع مساواة أمارة الحظر ~~لها وليس يجوز ذلك لأنهما إذا تساويا وجب الشك والعمل في ms770 المسائل يتبع الظن ~~لا الشك. # فإن قال قائل: أليس إن الشافعى قال بالقولين في مسائل كثيرة وهذا يدل على ~~أنه قد جوز اعتدال الأمارة عند المجتهد بحيث لا يكون لأحدهما ترجيح على ما ~~بينا والكلام في القولين سيأتى من بعد ويتبين بهذا الذى قلنا أن الذى صار ~~إليه أبو حنيفة من اعتقاد الشك في سؤر الحمار والبغل باطل وهو أن ما صار ~~إلى ذلك بدعواه أنه اعتدلت الأمارات وهى موجبة للطهارة والنجاسة من غير ~~ترجيح ونحن قد بينا أن الترجيح عند المجتهد لا بد منه وأن الاعتدال على وجه ~~لا يكون ترجيحا ولا ترجيح يجوز إلى هذا الموضع إن جر الكلام في هذه المسألة ~~رجعنا إلى تمام الكلام في مسألة المجتهدين واحتج الأصحاب أيضا وقالوا لو ~~كان المجتهدين على اختلافهم مصيبين لم يكن في مناظرة بعضهم بعضا معنى لأن ~~كل واحد منهم يعتقد أن الآخر أدى ما كلف وأصاب في فعله فما وجه مناظرته ~~ونحن نعلم أن كل واحد يناظر صاحبة ليرده عن ما هو عليه فلو كان مصيبا لما ~~كان له أن يقصد رده من الصواب وهم يقولون إنما يناظره ليريه أن أماراته ~~أقوى من أمارته فهو يناظره ليريه ذلك وإن كان فرض غيره بما هو عليه فإذا ~~بان له أن أمارة من ناظره أقوى من أمارته تغير فرضه وصارت مصلحته أن يحكم ~~بالأمارة التي بانت له قوتها فإن قلتم: فما الفائدة؟ فيقال: الفائدة في ذلك ~~أنه لا يمتنع أن يكون إذا تغير فرضه ولزمه أن يحكم بالأمارة التي بان له ~~قوتها كان ثوابه على ذلك أكثر فكذلك يتناظر الجتهدان ولأجل إن هذه المناظرة # PageV02P318 # غير راجعة إلا إلى هذه الفائدة لم تجب المناظره بل يندب المتناظران إلى ~~ذلك فحسب. # واحتج أبو زيد بهذا القول. وقال: إنه ممتنع في العقول لثبوته الحظر ~~والإباحة والصوم والفطر حقين يلزم اعتقادهما في ساعة واحدة لأنه لا يمكن ~~العمل بهما. # ألا ترى: أنه يمتنع ذلك في النصين فإن النصين إذا اختلفا وأباح أحدهما ~~وحظر ms771 الآخر لم يجب العمل بهما بل يجب الوقفة إلى أن يظهر الرجحان لأحدهما ~~ولأنه لو كان الحق حقوقا على ما قالوا لجاز للعامى الذى يعمل باتباع ~~العلماء أن يختار من كل مذهب ما يهواه لنفسه كما أن الله تعالى لما أثبت ~~الكفارة في باب اليمين أنواعا كان للعبد الخيار بينهما على ما يهواه بلا ~~دليل من أباح هذا فقد شرع طريق الإباحة وبنى الدين على الهوى والله تعالى ~~ما نهج الدين إلا على طريق غير الهوى من نص ثابت أو قياس شرعى على ما بينا ~~وقرر هذا الكلام تقريرا طويلا والاعتماد على ما سبق من إجماع الصحابة ~~والدليل الذى ذكرناه بذكر الحقيقة. # فأما الجواب: قلنا: أما تعلقهم بالاية وما ذكر من أحوال الصحابة وتصويب ~~بعضهم بعضا فقد سبق الجواب عنه. # فأما قولهم: إنه لو كان الصواب في واحد من أقوال المجتهدين لوجب أن ينصب ~~الله تعالى دليلا قاطعا عليه ليعدل إليه. # قلنا: قد دلنا الله تعالى على الحكم الذى كلفناه بدلالة قاطعة لأن الله ~~تعالى قد كلفنا العمل بأقوى العلل وأولاها وقد جعل لنا طريقا نقطع معه بان ~~أحد الظنين أولى أن يعلق الحكم به وإنه إذا وجد في الأصل والفرع يلزمنا ~~الحكم به في الفرع ونعنى بالدلالة القاطعة الدليل الذى ذكرناه في وجوب ~~استعمال القياس وقد بينا وجوه التأثير من قبل. # واعلم أنا إذا استنبطنا معنى من أصل وجدناه في الفرع يجب علينا أن يثبت ~~مثل حكم الأصل في الفرع ونقطع أن الحكم في الفرع بهذه العلة لكن إذا ثبت ~~أنه علة الأصل غير أنا لا نقطع بكونه علة الأصل وليس بممتنع أن يكون علمنا ~~بكون العلة علة الحكم في الفرع يستند إلى ظننا أن العلة علة حكم الأصل لأنه ~~لا يمتنع أن يقف العمل في الشئ على شرط مظنون كما علمنا لوجوب التحرير من ~~مضرة مخصومة على الظن لنزولها بنا فيكون المعنى المستنبط علة الحكم ظنى ~~وأما ثبوت # PageV02P319 # الحكم في الفرع بذلك المعنى قطعى. # وأما قولهم: لو كان ms772 على الصواب من الحق دليل من قبل الله تعالى لنقض ~~الحكم ما عداه ولم يسع الفتوى. # قلنا: ليس يجب هذا وليس مع الخصم إلا مجرد الدعوى. # ببينة: أن كثيرا من المجتهدين يستدل بالقرآن في مواضع وبالنصوص في مواضع ~~ولا شك أنه الدليل ما عداه ومع ذلك لا يفسق تارك ذلك لأن كل واحد من ~~المجتهدين يرجع إلى دليل عنده ويصير إلى تأويل لما يتعلق به من مخالفة لذلك ~~في الأقيسة لما كان كل واحد من القائسين يصير إلى تأثير عند نفسه وهو في ~~الأصل الذى يسنبط منه ظنى لم يفسق من يخالف ولم ينقض الحكم الصادر مما ~~يخالفه وساغ الفتوى والحكم به لمن يظن أنه الحق. # وأما قولهم: إن القول بتخطئة بعض المجتهدين وتصويب البعض يؤدى إلى اقسام ~~كلها فاسدة. # قلنا: لا يؤدى لأنا بينا أن على الحق دليلا منصوبا من قبل الله تعالى لكن ~~إنما يوصل إليه بطريق ظنى فما يعود إلى معرفة علة الأصل في الظنيات ميل ~~عظيم وكل واحد يظن غير ما يظن صاحبه وليس يستقر على شئ واحد فالشرع سامح في ~~ذلك ولم يؤاخذنا بخطأ. بل أصاب بقصد طلب الحق وبذل الجهد منه عند نفسه وغفر ~~له ماأخطأه وجعله من المعفو عنهم وأما في الأصول الدينية فلما كان الوصول ~~إليها بالدلائل القطعية من كل وجه شدد الله تعالى في ذلك ولم يعذر بالخطأ ~~وفسق بالخلاف تارة وكفر أخرى وعفى مرة ولم يعف أخرى فهذا هو الفرق بين ~~مسائل الأصول بين مسائل الفروع وهو أيضا يبين وجه قولنا: إنه مع خطأه ~~الصواب عند الله عز وجل مغفور له. # وأما قولهم: إنما قلتم يؤدى إلى تكليفه ما ليس في الوسع. # قلنا: ليس كذلك لأنا أمرناه بطلب الحق وقد يجوز أن يصيبه في الجملة وإذا ~~لم يصب لا يكون عليه مؤاخذة ولا تبعة فأين قولهم: إنه تكليف لما لا يكون في ~~وسعه. # وأما تعلقهم بفصل القبلة. # قلنا: نحن نقول: إنما يكون مصيبا إذا أصاب القبلة فأما إذا لم يصيب ms773 ~~القبلة يكون مخطئا حقيقة ويلزمه إعادة الصلاة فإن قيل: إذا اجتهد أربعة ~~أنفس في القبلة فأدى # PageV02P320 # اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة تخالف جهة صاحبه هل يصلون على ما أدى ~~اجتهادهم إليه. # فإن قلتم: يصلون فقد صوبتموهم وإن قلتم لا يصلون فهذا منع لهم من ~~الاجتهاد وتعطيل لصلواتهم. # والجواب: أنا لا نستدل عليكم إلا بفصل القبلة فإن المجتهدين في القبلة ~~مطلوبهم القبلة بعينها فكذلك يجب أن يكون مطلوب المجتهدين في الحوادث حكما ~~معينا عند الله تعالى. # ببينة: أن المجتهد في القبلة يعلم أن القبلة عين من الأعيان يجوز أن يكون ~~في الجهة التي يظن بأقوى الأمارات أن القبلة فيها ويجوز أن لا يكون فيها ~~فيقولوا في حكم المسألة هو حكم معين عند الله تعالى يجوز أن يكون هو حكم ~~أقوى الأمارات ويجوز أن يكون غيره. # وما المسألة التي ذكرتموها. قلنا: إنما جازت صلاة هى واحد منهم في الحال ~~لجواز أن يكون المصيب هو دون غيره لكن نقطع بإصابة بعضهم وخطأ البعض ولو ~~تبين الخطأ فإنا لا نوجب الإعادة على المخطئ. # واعلم أن الذين يقولون بإصابة المجتهدين كلهم على الإطلاق يزعمون أن ~~الدليل ليس الظن المجتهد بأمارة وكلهم في هذا الظن واحد فيكون كلهم في ~~الإصابة واحد. # قال أبو هاشم: ليس على المجتهد إلا أن يحكم بما هو أولى عنده في ظنه وفى ~~هذا المعنى لا يجوز تخطئة البعض وتصويب البعض ونحن نقول: إن الدليل هو ~~الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول الثابتة بأحد هذه الدلائل ~~والدليل على هذا قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] ثم القياس دليل مستند إلى الكتاب والسنة ثم الظن الذى قالوه ~~لا يجوز أن يكون مجرد الظن حجة لأن ذلك يوجد للعامى كما يوجد للعالم ولكن ~~الحجة ظن بأمارة من كتاب أو سنة أو إجماع ويجوز أن يصيبه الواحد ولا يصيبه ~~الواحد وهذا لأن العلل إنما تكون عللا صحيحة إذا كانت مؤثرة وقد بينا وجه ~~التأثير وكيفيته ولا يتصور اعتدال المؤثرات ms774 على السواء بحيث لا يكون لجانب ~~رجحان على الجانب وبينا أن اعتدال الأمارات والتأثيرات في حكمين مختلفين ~~يؤدى إلى الحكم بالشك وهذ لا يجوز وإذا لم يكن # PageV02P321 # بد من ترجيح إحدى الأمارتين على الأخرى ثبت أن القول بتصويب المجتهدين ~~باطل وعندي أن هذا القول وهو القول بإصابة المجتهدين يؤدى إلى أن يعود على ~~الإجماع بالخرق وعلى الأمة بالتخطئة لأن الاجتهاد شئ معهود من لدن أصحاب ~~النبى صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم إلى أيامنا هذه وقد أجمعوا على تخطئة ~~بعضهم بعضا ويرتقون عن هذه الدرجة وينسبون مخالفتهم إلى القول بالباطل ~~واعتقاد غير الحق على الإطلاق من غير تحاش وامتناع وكذلك ما زال بعضهم يقيم ~~على البعض الدليل ويدعوه إلى ترك قوله بقوله وإنما فعلوا ذلك لاعتقادهم ~~بإصابتهم وخطأ صاحبتهم وظهر أيضا بين الأمة التفرق حتى انتسب كل طائفة إلى ~~ما لا ينتسب لطائفة أخرى وادعى من إصابة الحق ما لم يعترف من إصابة صاحبه ~~وهذا شئ مشهور لا يخفى على أحد هذا في جانب المجتهدين الطالبين الباحثين ~~وإنما في جانب المطلوب وهو حكم الشارع في الحادثة. # فنحن نعلم أيضا إذ اتدبرنا قانون الشريعة وأصولها وقواعدها أن الحق أيضا ~~هو أن يكون الحكم في الحادثة واحدا وأنه أمر المجتهد بإصابته وطلبه وذلك ~~لأنا نطلب الأحكام في الحوادث التي لم يرد فيها نص من الله سبحانه وتعالى ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم على منهاج الإحكام التي ورد فيها نصوص فإن موضع ~~التعلق إما بالمعانى المؤثرة العالقة بالقلوب عند عرضها على الأصول أو ~~الأشباه التي هى موافقة للأصول ملائمة لها ونحن نعلم قطعا أنه لا يوجد في ~~الأحكام المنصوص عليها في الحوادث إلا القول الواحد في الحادثة ولم يعرف ~~وجود حكمين مختلفين يتناولهما النص بحادثة ما من الحوادث بل النصوص في ~~الكتاب والسنة تتناول الحكم الواحد في الحادثة الواحدة فينبغى أن يكون ~~المطلوب على وفق ذلك في الحوادث التي لم يتناولها النص بل ينبغى أن يكون ~~الحق ليكون حكم الحوادث المتفرعة عن الأصول ms775 على وفق أحكام الأصول وهذا هو ~~الأولى. بحكمة الله تعالى أن يكون حكمه في الحادثة واحد غير مختلف وأن يجعل ~~الناس في شرعه على السواء خصوصا في الزمان الواحد والشئ الواحد وهو الأولى ~~أيضا عند إرادته جل جلاله لتعريض العبد للثواب وابتلائه لطلبه لأن العبد ~~إذا اعتقد أن كل مجتهد مصيب الحق عند الله تعالى للحقه الكلال والكسل في ~~الطلب بل يتوانى ويقصر ويعتمد على أنه إن أصاب أو أصاب صاحبه فقد أصاب ~~الحق. وإذا علم أن الحق واحد وأن الله عز وجل كلفه الإصابة ببذل مجهوده ~~يتكلف ويتحمل كل كد وتعب في الطلب ليصيب الحق عند الله تعالى ثم يكون ~~التوفيق والهداية له من الهوى على قدر سعيه وكده وبذله # PageV02P322 # وجهده فثبت عند التقريرات أن اللائق منهج الشرع ومحاسن الدين ومسالك الحق ~~أن يكون الحق على ما اخترناه. # ولقد تدبرت فرأيت أكثر من يقول بإصابة المجتهدين هم المتكلمون الذين ليس ~~لهم في الفقه ومعرفة أحكام الشريعة كثير حظ ولم يقفوا على شرف هذا العلم ~~وعلى منصبه في الدين ومرتبته في مسالك الكتاب والسنة وإنما نهاية رأس ما ~~لهم المجادلات الوحشة وإلزام بعضهم بعضا في منصوبات وموضوعات اتفقوا عليها ~~فيما بينهم فكل يلزم صاحبه طرد دعواه وعند عجزه يعتقد عجز صاحبه وفلح نفسه ~~وقد رضى بهذا المقدار من غير أن يطلب النفائس أو تلج صدورا في إقامة دليل ~~يفيد يقينا أو بصيرة وهذا هو أعم أحوالهم إلا في النازلات النادرة فنظر ~~هؤلاء إلى الفقه ومعانيه بأفهام كليلة وعقول حسيرة فعدوا ذلك ظاهرا في ~~الأمر ولم يعتقدوا لها كثير معانى يلزم الوجوب عليها. # وقالوا: لم يكلف المجتهد إلا محض ظن يعثر عليه بنوع أمارة وليس يستقيم ~~تكليفه سوى ذلك وليس هاهنا حق واحد مطلوب وربما عبروا عن ذلك فقالوا: إنما ~~كلف المجتهد أن يعمل بحسب ظن الأمارة لا بحسب الدلالة وليس على أعيان ~~الفروع أدلة أصلا وقالوا ليس مطلوب المجتهد إلا الظن للأمارة ليعمل على حسب ~~ظنه وهذا الذى قالوه في ms776 غاية البعد وهو أن يكون مطلوب المجتهد مجرد ظن ~~والظن قد يستوى فيه العالم والعامى وقد يكون بدليل وقد يكون لا بدليل فدل ~~أن المطلوب حكم الله تعالى في الحادثة بالعلل المؤثرة والإشارة القوية ~~ولابد من الترجيح لمعنى على معنى ولشبه على شبه وهذا إنما يقف عليه ~~الراسخون من الفقهاء والذين عرفوا معانى الشرع وطلبوها بالجهد الشديد والكد ~~العظيم حتى أصابوها فأما من ينظر إليه من بعد ويظنه سهلا من الأمر ولا يعرف ~~إلا مجرد ظن يظنه الإنسان يعثر هذه العثرة العظيمة التي لا انتعاش عنها ~~ويعتقد تصويب المجتهدين بمجرد ظنونهم فيؤدى قوله إلى اعتقاد الأقوال ~~المتناقضة في أحكام الشرع وأن يكون الشئ حلالا وحراما واجبا مباحا صحيحا ~~فاسدا موجودا معدوما في وقت واحد والكل عند الله تعالى صواب وحق ثم يؤدى ~~قوله إلى خرق الإجماع. والخروج على الأمة وحمل أمرهم على الجهل وقلة العلم ~~وترك الحفل1 والمبالاة بما نصبوا الأدلة لها وكدوا فيها وأسهروا لياليهم ~~PageV02P323 # وأتعبوا فكرهم واستخراجها وإظهار تأثيراتها لما ادعوها من العلل ثم كان ~~نهاية وصولهم عند هؤلاء الجهلة أنهم وصلوا إلى مثل ما وصل إليه مخالفوهم ~~وأن ذلك الذى وصلوا إليه حق عند الله تعالى وضده حق وقوله صواب وقول ~~مخالفيه صواب فيكون سعيه وكده شبه ضائع وثمرته كلا ثمرة وفائدته كلا فائدة. # وبطلان مثل هذا القول ظاهر ولعل حكايته تغنى كثيرا من العقلاء عن إقامة ~~البرهان عليه. # وأما أصحاب أبى حنيفة فقد قال من قال بتصويب المجتهدين فهم أن عند الله ~~تعالى أشبه مطلوب وأن المجتهد يجتهد ليصيبه وأنه لو ورد النص من الله ~~سبحانه في حكم الحادثة لكان النص على ذلك. ومن قال: هذا فقد قال: إن الحق ~~واحد وما سواه ليس بحق وهذا هو الذى يطلبه ويقيم الدلالة عليه. # فإن قالوا إن العبد لم يكلف إصابته. # قلنا: إذا سلمتم أن الحق واحد وأن المجتهد طالب وقد كلف الطلب فلابد أن ~~يكون كلف الحق وإصابته. وقد قال أصحابنا: إن الله تعالى قد كلف المجتهد ms777 ~~إصابة الحق ونصب الدليل عليه إلا أن من أخطأ لا يأثم ولا يفسق لأن طريق ~~التأثيم والتفسيق الشرع وقد جاء الشرع بإسقاط الإثم على المجتهد على ما سبق ~~بيانه ويحتمل أيضا أن يكون أيضا أسقط عنهم المأثم لخفاء الأدلة وكثرة وجوه ~~الشبه فتفضل الله تعالى ورحم المجتهدين بخفى لطفه وخفى صنعه وأزال عنه ~~الإثم وأثابه على قصده واجتهاده. # وقال الأصحاب فيما إذا حكم حاكم باجتهاده إنما لا ينقضه مجتهد آخر وإن ~~كان عنده أنه أخطأ لأنا لو صرنا إلى ذلك أدى إلى أن لا يستقر حكمه في الشرع ~~ولا يثبت ملك لأنه متى حكم حاكم بحق أو ملك يجئ آخر وينقض ذلك ثم بعد ذلك ~~يجئ ثالث وينقضه هكذا أبدا وهذا في نهاية القبح والفساد. وقد قال الأصحاب ~~أيضا: على قول من قال: إن العامى يقلد من شاء من العلماء فدل أن قولهم ~~جميعا صواب وحتى قالوا: نحن لا نسوغ التقليد لمن خالف الحق بل نقول له قلد ~~عالما بشرط أن يكون مصيبا كما نقول له قلد عالما بشرط أن لا تخالف النص على ~~أن لو منعنا العامى أن يقلد إلا من معه الصواب لم يجد إلى معرفة ذلك سبيلا ~~إلا بعد أن يتعلم الفقه وفى إيجاب ذلك على كل واحدة مشقة وحرج عظيم وفساد ~~مصاح يرجع إلى أحوالهم فسومح العامى وأمر # PageV02P324 # بتقليد الأوثق عنده في نفسه وقد سمعت بعضهم يقول: إن المجتهد إذا بذل ~~وسعه وأدى اجتهاده إلى شيء يلزمه الأخذ بذلك وإذا ترك ذم وعيب على تركه ~~ولولا أنه قد أصاب الحق لم يلحقه ذم وعيب وقال هذا القائل أيضا: إن أدلة ~~الأحكام في الغالب تقع متكافئة وليس فيها ما يقتضى قطعا وكل واحد من ~~الخصمين يمكنه أن يبين تأثير مثل ما يبينه صاحبه أو يبين قوة شبهته على حسب ~~ما بينه صاحبه فلا يظهر لأحدهما مزية على الآخر وكذلك في تأويل الظواهر من ~~الآيات والسنة فإنه يمكن كل واحد من المستدلين أن يؤول ما تعلق به صاحبه ms778 ~~قبل ما يؤول صاحبه ما يتعلق هو به فلا يظهر لأحدهما على الآخر رجحان ومزية. ~~ونحن نقول على الأول إنما يلزمه حقيقة ما يؤدى إليه اجتهاده بشرط صحته ~~وسلامته عما يبطله فإن بان خلافه لم يجز الاعتقاد بكون ما أدى إليه اجتهاده ~~حقا وهذا كما أنه إذا اجتهد يعتقد أنه مصيب للحق بشرط أن لا يكون مخالفا ~~للنص فإذا ظهر أنه مخالف لنص كتاب أو سنة فإنه لا يجوز له أن يعتقد ما أداه ~~إليه اجتهاده وعلى أن الذى قالوه دليل عليهم لأنه متى أدى اجتهاده إلى شئ ~~يلزمه أن يعتقده ولا يجوز أن يعتقد خلافه ولو كان ما يؤدى إليه اجتهاده حقا ~~وثوابا جاز له ترك ما أدى إليه اجتهاده إلى ما أدى إليه اجتهاد صاحبه ألا ~~ترى أن في كفارة اليمين لما كان كل الأنواع مأمورا به وكفارة عند الله ~~تعالى تخير المكفر وكان له أن يكفر بأيهما شاء وأما كلامه الثانى فباطل ~~أيضا لأنه إذا اجتهد المجتهدان فلا بد أن يكون لأحدهما ترجيح على صاحبه ~~بوجه ما إما في التأثير وإما في الشبه وكذلك في الظواهر ولهذا إذا تناظر ~~الخصمان بان أن أحدهما أظهر حجة من صاحبه وقلما تخلوا مناظرة من ذلك ويعرف ~~ذلك من يعتقد تصويب المجتهدين كما يعرف ذلك من لا يعتقد وعلى أن هذا الذى ~~قالوه لو كان دليلا على تصويب المجتهدين في الفروع لكان في الأصول كذلك ~~وذلك مثل الأشعرية والمعتزلة إذا تكلموا في تخليد الفساق أو تكلموا في ~~الصفات أو تكلموا في القدر وفى جواز الرؤية على الله تعالى فيوجد من كل ~~واحد أيضا ما يوجد لصاحبه وإنما يفترق الخصمان على التكافئ والتساوي في ~~التأويلات وإيراد الأدلة والشبه ومع ذلك لا يدل ذلك على أن الجميع حق والكل ~~صواب والاعتماد على الجواب الأول. # PageV02P325 ### | باب اختلاف القولين # وحين ذكرنا اختلاف الثانى من أقوال المجتهدين وأردنا حجة كل فريق على ~~الإشباع والتمام وذكرنا الصحيح من ذلك فلا بد من ذكر القولين المنسوبين إلى ~~الشافعى ms779 رحمه الله في المسائل وبيان الكلام فيه ووجه ذلك في الموضع الذى ~~يصح وبيان ما لايصح من ذلك. # اعلم أن الأقاويل المتناقضة لا يجوز أن يعتقدها أحد من الناس نحو أن ~~يعتقد أن فعلا حرام عليه ثم يعتقد أن ذلك الفعل بعينه على شرطه وجهته جائز ~~له. # ويجوز اعتقاد وجوب أحد الفعلين عل البدل والتخيير مثل ما يعتقد من عليه ~~كفارة اليمين أنه يجب التكفير عليه بأحد الأشياء الثلاثة. # ويجوز أيضا في فعلين وإن كانا ضدين كما يجوز أن يعتقد أن عليه الخروج ~~الواحد من أحد هذه الأبواب أو عليه الصلاة الواحدة في أحد هذه الأماكن أو ~~على المرأة أن تعتد بالأطهار أو بالحيض. # واعلم أن القول المختلف في الحادثة الواحدة على ضربين ضرب لا يسوغ فيه ~~الاختلاف وضرب يسوغ فيه الاختلاف. # فأما الضرب الذى لا يسوغ فيه الاختلاف كأصول الديانات من التوحيد وصفات ~~البارى عز اسمه وهى تكون على وجه واحد لا يجوز فيها الاختلاف وكذلك في فروع ~~الديانات التي يعلم وجوبها بدليل مقطوع به مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج ~~وكذلك المناهى الثابته بدليل مقطوع به فلا يجوز اختلاف القول في شئ من ذلك. # فأما الذى يسوغ ففيه الاختلاف وهى فروع الديانات إذا استخرجت أحكامها ~~بأمارات الاجتهاد ومعانى الاستنباط فاختلاف العلماء فيه مسوغ ولكل واحد ~~منهم أن يعمل فيه مما يؤدى إليه اجتهاده فأما قول العالم الواحد فيه بقولين ~~مختلفين فلم يعلم قبل الشافعى رحمه الله تعالى من قال بذلك تصريحا وهو رحمه ~~الله قد ابتكر هذه العباره وذكرها في كتبه وقد أنكر ذلك كثير من مخالفيه ~~ونسبوه إلى الخطأ في ذلك وقالوا هذا دليل على نقصان الآلة وقلة المعرفة حين ~~لم يعرف الحق من أحد القولين فاحتاج إلى تخريج المسألة على قولين وأيضا ~~فإنه خرق الإجماع فإنه لم يتقدم أحد يقول بقولين فى # PageV02P326 # مسألة واحدة في حالة واحدة وإنما كانوا من استقر له [حق أثر] 1 ذكره أو ~~خفى عليه فأمسك عنه وأيضا فإن اعتقاد قولين مختلفين مناقضة ms780 ويمتنع أن يكون ~~بالشئ الواحد حلالا وحراما ويمتنع أن يكون العقد الواحد صحيحا وفاسدا أو ~~يكون الشئ الواحد مثبتا منفيا. # قالوا: وأما الروايتان عن أبي حنيفة ومالك فذلك في حالتين مختلفتين ~~والمجتهد قد يجتهد في وقت فيؤدى اجتهاده إلى شئ ثم يجتهد في وقت آخر فيؤدى ~~اجتهاده إلى خلافه إلا أن الثانى يكون رجوعا عن الأول ويكون الذي استقر ~~عليه قول المجتهد هو الثانى وإن كان فتوى أو قضاء فيكون على ما قال عمر رضى ~~الله عنه ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضى وإنما المستنكر اعتقاد قولين ~~مختلفين في وقت واحد في حادثة واحدة فهذا طعن المخالفين في القولين وقد صنف ~~بعضهم في ذلك تصنيفا مفردا ورأيت لأبى عبد الله البصرى الملقب يجعل في هذا ~~الكتاب مفردا بل صنفه المعروف بالصاحب وهو إسماعيل بن عباد وإذا عرفت هذا ~~فنقول: قد قسموا ما نسبوا إلى الشافعى رحمه الله من القولين أقساما وسنذكر ~~تلك الأقسام حين نبين أن الذى قاله الشافعى ليس بموضع الإنكار والذى هو ~~موضع الإنكار فإنه لا يقول به وهذا شئ ورد على طريق النقل فإن شيوخ المذهب ~~أعلم بهذا من غيرهم. # وقال القاضي أبو الحسن الماوردى هو على أربعة عشر قسما: # أحدها: أن يقيد جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر مثل قوله في أقل الحيض ~~أنه يوم وليلة2 وقال في موضع آخر: أقله يوم يريد به مع ليلة وهذا معهود في ~~كلام العرب من وجهين جاء القرآن بهما: # أحدهما: حمل المطلق على المقيد في جنسه لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] وقال في موضع آخر: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ~~[البقرة: 282] يحمل المطلق من الشهادة على ما فيه بها. # والثاني: إطلاق ذكر الأيام يقتضى إضافة الليالى إليها كما قال تعالى: ~~{تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} [هود: 65] والمراد مع ~~الليالى فعلى هذين أحد القولين يخرج من جملة الاعتراض ولا نقول أن له في ~~المسألة قولين ومن قال أبلغ فيه PageV02P327 # قولين فقد وهم: ms781 # والقسم الثاني: ما اختلف فيه ألفاظه مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف ~~معانيها من وجه فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف ولم يغلب حكمها في ~~الاتفاق فخرج حكم المسألة على قولين مثل قوله في المظاهر إذا منع الجماع ~~أحببت أن يمنع القبلة والتلذذ وقال في القديم: رأيت أن يمنع القبلة ~~والتلذذ1 وهى لفظة محتملة فيحتمل أن تحمل على الاستحباب والإيجاب فكان ~~حملنا على ما صرح به من الاستحباب أولى من حملها على ما يجوز أن يحتمله من ~~الإيجاب لأنه غير مذكور فإن توسع بعض الأصحاب وعدل باللفظ إلى ما يذكره في ~~موضع الذى حمله على إيجاب الاجتناب بوجه الاعتراض عليه لكن بلا معترض على ~~الشافعى فإن الشافعى له قول واحد والمحتمل محمول على غير المحتمل. # والقسم الثالث: ما اختلف قوله فيه لاختلاف حاله فينزل به بعض أصحابه عن ~~اختلاف الحاليين إلى اختلاف القولين. # ومثاله: في الصداق إذا قدر في السر بتقدير وذكر أكثر منه في العلانية قال ~~في موضع: الصداق صداق السر وقال في موضع الصداق صداق العلانية وليس ذلك منه ~~لاختلاف قولين وإما هو لاختلاف حالين. فإن اختلف العقد بصداق السر فهو ~~المستحق ويكون صداق العلانية تحملا وإن افترق العقد بصداق العلانية وهو ~~المستحق ويكون صداق السر موعدا. # فإن قيل: فيستعمل هذا في كل ما يمكن من اختلاف القولين أو لا؟ # قلنا يعتبر ذلك أصول مذهبه ويوجد ذلك على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن يقتضى أصول مذهبه حكمها على اختلاف حالين فيحمل على اختلاف ~~حالين ولا يحمل على اختلاف قولين. # والضرب الثاني: يمنع أصول مذهبه من حملها على اختلاف حالين فيحمل على ~~اختلاف قولين على ما سبق صحته. # والضرب الثالث: أن تتقابل أصول مذهبه في أمرين فمن أصحابه من غلب حمله. ~~PageV02P328 # على اختلاف حالين ومن أصحابه من غلب على اختلاف قولين والأول أولى لأن ما ~~أمكن حمله على الوفاق كان أولى من حمله على الخلاف. # والقسم الرابع: ما اختلف قوله فيه لاختلاف القراءة أو لاختلاف الرواية ~~باختلاف القراءة مثل قوله ms782 تعالى: {أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء} [النساء: ~~43] فقرئ "أو لامستم النساء" و "لامستم" يوجب الوضوء على الملامس والملموس ~~ولمستم يوجب على اللامس دون الملموس1. واختلاف الرواية كالمروي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بيان المواقيت أنه صلى العشاء الآخرة في اليوم ~~الثاني حين ذهب من الليل نصفه وفى رواية أخرى: حين ذهب الليل ثلثه2 فلأجل ~~اختلاف الرواية واختلاف القراءة اختلف قوله ولا يتوجه عليه في مثل هذا ~~إنكار لأن اختلاف الدليل أوجب اختلاف المدلول فإن ترجح عنده إحدى القراءتين ~~أو إحدى الروايتين كان مذهبه ما ترجح وإن لم يترجح أحدهما كان الترجيح ~~مذهبا لمن ترجح عنده ولم يكن مذهبا للإمام الشافعى لأنه لم يترجح عنده ولا ~~يجوز أن يضاف إليه مذهب هو عنده مجهول وإن كان عند غيره معلوما. # وأما القسم الخامس: فهو ما اختلف قوله فيه لأنه عمل على أحد القولين ~~بظاهر من كتاب الله تعالى ثم بلغته مسألة ثابته نقلته عن الظاهر إلى قول ~~آخر كقول الله تعالى في صيام المتمتع: {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: ~~196] فأخذ بظاهره وأوجب صيامها في أيام التشريق لأنها الظاهر من أيام الحج ~~ثم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صيامها3 فعدل بهذه الرواية ~~عما عمله به من ظاهر الكتاب وأوجب صيامها بعد إحرامه. وقيل: يوم عرفة ~~اتباعا للسنة. PageV02P329 # ومثل هذا قال في الصلاة الوسطى ولا إنكار عليه في هذا العدول لأنه في ~~الحالتين عمل بدليل صار الثانى منهما أولى من الأول ويكون مذهبه هو القول ~~الثانى دون الأول وكان القول الأول مذهبا له قبل الثانى فصار كالمنسوخ ~~بالثانى وعلى هذا نظائر كثيرة في مثل هذين القولين والمذهب في الكل هو ~~الثاني. # والقسم السادس: ما اختلف فيه قوله لأنه عمل بالقياس ثم بلغته سنته لم ~~تثبت عند تخالف موجب القياس فجعل مذهبه من بعد ذكر السنة موقوفا على ثبوتها ~~كالذى جاءت به السنة: من الصيام عن الميت1 والغسل من غسل الميت. رويا له من ~~طريقين ms783 ضعيفين فقال بموجب القياس في أن الصيام على الميت ولا غسل من غسله ~~ثم ذكر ما روى في السنة فقال: إن صح الحديث قلت به وأظهر موجب القياس وأوجب ~~العدول عنه إن صح الحديث وقد قال كل قول قلته فثبت عن النبى صلى الله عليه ~~وسلم خلافه فأنا أول راجع عما قلته وقائل بموجب الحديث وهذا مما يجب إظهار ~~الاختلاف فيه وإن نقول بالسنة إن ثبتت وبالقياس إن لم يثبت ويكون ومذهبه في ~~الحالتين ما يوجبه القياس دون السنة فإن ثبت ففى أى وقت ثبت يكون مذهبا له. # والقسم السابع: أن يذكر القولين لإبطال ما عداها من أقاويل كثيرة قد ذهب ~~إليها المجتهدون أو يكون مذهبه موقوفا على ما يؤدى إليه اجتهاده من صحة ~~أحدهما وإن لم يكن قائلا بهما في الحال ومثل هذا قد جابه الشرع والعمل: # أما الشرع فقول النبى صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: "التمسوها في ~~العشر الأواخر في رمضان" 2 فنفى أن يكون في غير العشر الأواخر من رمضان ~~وجعل غير الليلة موقوفة على الاجتهاد في العشر الأواخر كأنها إذا اجتهد في ~~الكل أصابها. # وأما العمل المأثور ما عمله عمر بن الخطاب رضى الله عنه في أهل الشورى ~~فجعل الإمامة في ستة نفر ونفى بذلك طلب الإمامة من غيرهم وجعلها موقوفة على ~~ما يؤدى إليه الاجتهاد منهم وهذا شئ انعقد إجماعهم وكان الشافعى رحمه الله ~~مقتديا بالشرع من الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل من الصحابة في مثله فلم ~~يمتنع أن يبطل بالقولين ما عداهما ليكون الاجتهاد مقصورا عليهما ولا ~~يعدوهما. PageV02P330 # والقسم الثامن: أن يقصد بالقولين إبطال ما توسط منهما ويكون مذهبه منهما ~~ما حكم به وفرع عليه مثل قوله في وضع الحوائج وقد قيدها مالك بوضع الثلث ~~فقال الشافعى ليس إلا واحد من القولين إما أن يوضع جميعها أو لا يوضع شئ ~~منها ومثل قوله في الجارية الموصى بها إذا ولدت أو وهب لها مال بعد موت ~~الموصى قبل قبول الموصى له أنه ms784 لما جعل بعض العلماء ولدها وبعض ما وهب لها ~~لورثة الموصى وبعضها الموصى له قال: ليس إلا واحد من القولين إما أن ملكها ~~الموصى له بالموت فيكون قبل ذلك بحدوثه على ملكه وإما أن يملك بالقول فيكون ~~كل ذلك للورثة بحدوثه على ملكهم وليس لتبعيضه وجه وهذا تحقيق يبطل به ما ~~خالف القولين وليس فيها تغيير لأحد القولين وإن كل الحق لا يخرج لأحدهما ~~فإن اقترن ما يدل على اختياره كان هو المذهب المضاف إليه دون الآخر وإن ~~تجرد عن قرينه لم يضف إليه واحد من القولين وإن علم أن الحق لا يخرج منها ~~لعدم ما عداهما. # والقسم التاسع: أن يذكر قولين مختلفين في مسألتين منفضتين فيذكر أحد ~~القولين في إحدى المسألتين ويذكر القول الآخر في المسألة الثانية فيخرجها ~~أصحابه على قوله وهذا على الإطلاق غلط لأنه إذا كان بين المسألتين فرق من ~~وجه امتنع أن يكون قوله في واحدة من المسألتين إلا ما نص عليه فيها سواء ~~ذكر الفرق أو لم يذكر وتخريجها على قولين خطأ وإن لم يكن بينهما فرق لم يخل ~~قولان له من أن يكون في وقت أو في وقتين فإن كان في وقتين كان كما قال في ~~مسألة بقول ثم قال بعده فيها بقول آخر فيكون على ما سنذكره وإن كان قال لها ~~في وقت فيكون على ما نذكره في مسألة واحدة بقولين في حالة واحدة. # والقسم العاشر: ما اختلف قوله فيه لأنه أداه اجتهاده إلى أحدهما وقال ~~إنما أداه اجتهاده إلى القول الآخر فعدل إليه وهذا غير مستنكر في الصحابة ~~ومن بعدهم من علماء الأمصار لأنه أدل على مداومة الاجتهاد وإمعان النظر هذا ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه اختلف قوله في ميراث الأخوة مع الجد فأسقطهم في ~~أول قولهم وأشركهم معه في آخره وحكم في المشركة في العام الأول بالتشريك ~~وفى العام الثانى بإسقاط التشريك وقال تلك على ما قضينا وهذا على ما نقضى ~~واختلف قول على بن أبى طالب رضى الله عنه ms785 في ميراث الجد على أقاويل. # وقال في بيع أمهات الأولاد اجتمع رأيه ورأى أبى بكر وعمر رضى الله عنهم ~~على # PageV02P331 # تحريم بيعهن وقد رأيت بيعهن جائز وليس أحد من الأئمة وجلة العلماء إلا ~~وقد اختلفت الرواية عنه في كثير من أحكام الشرع فسماه أصحابهم روايات وسماه ~~أصحاب الشافعى أقاويل وإذا كان كذلك فمذهبه القول الثانى لعدوله إليه ولا ~~يرسل القولين إلا بعد التقييد بالجديد أو القديم والثانى يكون هو المذهب ~~دون الأول. # والقسم الحادي عشر: أن يكون قال في المسألة بقول في موضع وقال فيها بقول ~~آخر في موضع آخر فيخرجها أصحابه على قولين وهذا وإن كان في النقل صحيحا فهو ~~في إضافتهما إليه على التساوى غلط وينظر في اختلاف القولين فإنهما على ~~ضربين: # أحدهما: أن يتقدم أحدهما على الآخر فيكون كأنه قال بأحدهما ثم رجع عنه ~~إلى الآخر فيكون على ما ذكرناه من قب. ل # والضرب الثاني: أن يشكل المتقدم منهما من المتأخر فلا يجوز أن يضافا إليه ~~معا لأنه لم يقل بهما في حالة واحدة فإن كانت أصول مذهبه توافق أحدهما فقد ~~اقترن بنصه عليه دليل من مذهبه فكان هو المذهب المضاف إليه وإن لم يكن في ~~أصول مذهبه موافقة أحدهما فإن تكرر منه ذكر أحد القولين وفرع عليه دون ~~الآخر فالذى عليه المزنى وطائفة من أصحاب الشافعى رحمه الله أنه المتكرر ~~وذا التفريع هو مذهبه دون الآخر لترجيحه له على الآخر وإن استويا صار مذهبه ~~فيهما مشتبها. فإذا قلنا: إن ألحق واحد من أقوال المجتهدين على ما هو ~~المشهور عنه لم يجز أن يضاف إليه القولان لتنافيهما ولم يجز أن يضاف إليه ~~أحدهما لأنه لم يتعين ويقال قد أشكل مذهبه في أحد القولين وإن لم يخرج عن ~~أحدهما. وأما إذا أضيف إليه أن كل مجتهد مصيب جاز أن يضاف إلى مذهبه ~~القولان على الانفراد بأحدهما دون الجمع بينهما ولم يجز أن ينفى عنه أحدهما ~~لأنه قائل بما أضيف إليه غير عادل عما نفى عنه. # والقسم الثاني عشر: ms786 أن يذكر القولين حكاية عن مذهبه غيره ولا يوجب حكايته ~~لهما أن يكون قولين لأن الحاكى يخبر عن معتقده غيره فلم يجز أن يضاف حاكيته ~~إليه أنه يعتقده وهذا كمن حكى الكفر لا يصير كافرا ومن نقل الخلاف لا يكون ~~مخالفا فإن أشار إليهما بالإنكار كان الحق عنده في غيرهما وإن أشار إليهما ~~بالجواز جاز أن يكون الحق عنده فيها وفى غيرها وإن أشار إليها بالاختيار ~~كان الحق عنده فيها ولم يكون في غيرها. # والقسم الثالث عشر: أن يذكر القولين معتقدا لأحدهما وزاجرا بالآخر كما ~~فعل في # PageV02P332 # قضاء القاضى بعلمه وفى تضمين الأجير المشترك فإن مذهبه أن للقاضى أن يحكم ~~بعلمه1 وأن لا ضمان على الأجير2. لكن ذكر الآخر زاجرا ومرهبا وقد قال ~~الشافعى رحمة الله عليه بعد ذكر القولين فيهما ولولا خوفى ميل القضاة ~~وخيانة الأجراء لجعلت للقاضى أن يحكم بعلمه وأسقط الضمان عن الأجير. فعلل ~~منع القاضى بميله وضمان الأجير بخيانته فدل أن مذهبه فيمن لم يمل من القضاة ~~جواز حكمه بعلمه وفيمن لم يخن من الأجراء سقوط الضمان عنه وإذا صح هذا فيمن ~~أمن ميله وخيانته ثبت حكمه فيمن خيف ميله وخيانته لعموم الحكم في الجميع ~~ولا عيب على الشافعى بمثل هذا لأن من كان ترغيما في الدين فحقيق أن يكون ~~زاجرا. # واعلم أن جميع هذه الأقسام لا يتوجه عليها المنكر القولين اعتراض بما ~~أوضحناه في كل قسم منه. # والقسم الرابع عشر: وهو المختص باعتراض منكر القولين وهو أن نقول في ~~المسألة الواحدة في الحالة الواحدة بقولين مختلفين مجمع فيهما بين قولين ~~متضادين فيحكم بحلية الشئ في أحدهما وتحريمه في الآخر ويوجب الشئ في أحدهما ~~ويسقطه في الآخر فهذا على ضربين أحدهما أن يميز أحد القولين بما ينبه على ~~اختياره. والثاني: أن يطلق ولا يميز فإن ميز أحدهما بما ينبه على اختياره ~~فهو ثلاثة أضرب: # أحدها: أن يرجح أحدهما فيقول: وبه أقول أو يقول: وهذا مما أستخير الله ~~تعالى فيه أو يقول هذا أصح أو هو أشبه ms787 فيكون مذهبه منهما هو القول الذى ~~أشار إلى ترجيحه. # والضرب الثاني: أن يفرع على أحدهما أو يكرر ذكره ولا يكرر ذكر الآخر فقد ~~جعل بعض أصحابنا دليلا على الترجيح وبعض أصحابنا لم يجعله دليلا على ~~الترجيح. # والضرب الثالث: أن يعمل بأحدهما دون الآخر فيكون عمله بذلك دليلا على أنه ~~القول المختار. وأما الضرب الثاني: فهو إذا جمع بين القولين وأطلقهما ولم ~~يميز أحدهما باختيار ولا ترجيح فهذا على ثلاثة أضرب: # أحدها: أن يتوقف في القولين المتعارضين لاحتمال الأدلة وتعارضهما ويعلم ~~أن الحق PageV02P333 # فى أحدهما ولم يتعين له فجمع بينهما وتوقف فيهما وأبطل بهما ما عداهما ~~وجعل الاجتهاد مقصورا عليهما ليستوضح الحق في أحدهما بمراجعة الاجتهاد ~~فيهما وليس بمستنكر عند العلماء التوقف عند الأشباه وهذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم توقف في اللعان وغيره حتى نزل القرآن وعن النبى صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "المؤمن وقاف" وهذا أدل على الورع وأبلغ في النظر ولا ~~إنكار في مثل هذا إذا تجاذبت الأصول وتعارضت الأدلة ويكون القصد بذكر ~~القولين في الحال بيان أن لكل واحد منها وجها في أحدهما الاجتهاد ويكون ~~القصد أيضا إبطال ما عداهما ويكون من بينة إعادة الاجتهاد عند الفتيا ~~والحكم به. # والضرب الثانى: أن يجمع بينهما في القول لتردد الفرع بين أصلين يحله ~~أحدهما ويحرمه الآخر أو يوجبه أحدهما ويسقطه الآخر فيجمع بينهما في رد ~~الفرع إليهما فيجعله حراما وحلالا واجبا ساقطا وهذا مستحيل أن يكون قائلا ~~به. ومن المستحيل أن يجمع بين ضدين حسا فيستحيل أن يجمع بينهما حكما وهذا ~~لا يقول به الشافعى ولا أحد من الأئمة. # والضرب الثالث: أن يجمع بين القولين على التخيير في أحدهما دون الجمع ~~بينهما لتردد الفرع بين أصلين يحله أحدهما ويحرمه الآخر ويوجبه أحدهما ~~ويسقطه الآخر فتخير في رده إلى أى الأصلين شاء لتساوى الشبه فيهما وتعارض ~~الأدلة. وقيل: إن مثل هذا لا يوجد للشافعى رحمه الله إلا في سبعة عشر ~~مسألة. # وقد أنكر أصحاب أبى حنيفه هذا. قالوا: ms788 لا يجوز أن يعتمد الفرع في الشبه ~~بين أصلين متجاذبين وقالوا إنما يستحيل في الشرع التخيير بين حكمين ~~متناقضين. # وأما عندنا فهو جائز وهو قول كثير من المتكلمين وإنما جاز التخيير بينهما ~~على وجه البدل دون الجمع لأمرين: # أحدهما: أنه لا يمتنع اعتدال الفرع في الشبه بين أصلين متجاذبين لوجود ~~ذلك عيانا كما لا يمتنع اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة ثم كان لا يمتنع ~~اعتدال جهتين مختلفتين في القبلة ثم كان لا يمتنع اعتدال جهتين في القبلة ~~في التخيير في الصلاة إلى أيهما شاء أجماعا وكذلك جاز مثل هذا اعتدال فروع ~~بين أصلين في تخيير رده إلى أيهما شاء. # والثانى: أن القياس طريق إلى الأحكام كالنصوص فلا جاز ورود النص بالتخيير ~~في الكفارة جاز أيضا أن يكون القياس موجبا للتخيير كالنص وليس بمستحيل في ~~الشرع ورود النص بالتخيير بين حكمين متنافيين كما تخير المسافر بين الصوم ~~والفطر زمن الإتمام # PageV02P334 # والقصر وتخيير العبد بين الجمعة والظهر. # واعلم أن هذا الذى يقوله هذا القائل إنما يصح عند اعتقاد الإنسان جواز ~~تكافؤ الأدلة واعتقاد إصابة المجتهدين ونحن قد بينا أن واحدا منهما لا يصح ~~والأولى أن يقال: إن الشافعى لم يذكر القولين في هذا المعنى أيضا على معنى ~~أنه معتقد لهما أو مخبر وإنما ذكرهما لأن الحادثة تحتمل كلا القولين ولم ~~يترجح عنده بعد أحدهما فذكرهما لينظر فيهما ويختار بينهما الصواب فأدركه ~~الموت قبل البيان وليس في هذا عيب على المجتهد بل هو دليل على غزارة علم ~~المجتهد وكمال فضله وشدة توقيه فإن طلبوا الفائدة من ذكر القولين. # قلنا: قد بينا من قبل فائدة ذكر القولين وهذا الذى قلناه هو المختار وهو ~~الأولى وعليه الاعتماد وإذا استقررنا على هذا سقط طعن الطاعن وعنت المتعنت ~~والله الهادى إلى الصواب والمرشد فيه بمنه وطوله. # "فصل" # ونذكر في هذا الموضع مواضع اختلف فيها الأصحاب فيما يرجع إلى إثبات ~~القولين أو إثبات قول واحد إذا ذكر في القديم قولا ثم ذكر في الجديد قولا ~~بمذهبه الثانى والأول ms789 مرجوع عنه. ومن أصحابنا من قال لا يكون رجوعا عن ~~الأول حتى يصرح بالرجوع عنه. # والصحيح: هو الأول وهو مثل ما لو وجد من صاحب الشرع قولان مختلفان في ~~وقتين مختلفين في حادثة واحدة فإنه يكون الثانى نسخا للأول كذلك هاهنا يكون ~~القول الثانى رجوعا عن الأول. # موضع آخر: إذا نص الشافعى رحمه الله في مسألتين على قولين ثم أعاد ~~المسألتين وذكر فيهما أحد القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد وكذلك إذا ~~فرع على أحد القولين كان ذلك اختيار للقول الذى فرع عليه وهو قول المزنى. ~~ومن أصحابنا من قال: لا يكون ذلك دليلا على الاختيار. # والصحيح: هو الأول لأنه لما أعاد أحد القولين أو فرع عليه فالظاهر أن ~~مذهبه هو ذلك لأنه لو كان مقيما على القولين لأعادهما وفرع عليهما جميعا ~~فلما أفرد أحدهما # PageV02P335 # بالإعادة والتفريع دل أنه هو الذى يذهب إليه ويختاره. # موضع آخر: إذا نص في مسألتين على حكم ونص في غيرهما على حكم آخر وأمكن ~~الفصل بين المسألتين لم ينقل جواب إحديهما على الأخرى بل يحمل كل واحد على ~~ظاهره. # ومن أصحابنا من قال: ينقل الجواب إلى الآخر وتكون المسألتان على قولين. # الصحيح: هو الأول لأن القول إنما يجوز أن يضاف إلى الإنسان وإذا قال أو ~~دل عليه بما يجرى مجرى القول وأما الذى لم يقله ولم يدل عليه فلا يجوز أن ~~ينسب إليه لأن إذا كان صاحب المذهب قد نص على المخالفة فكيف يجوز الجمع بين ~~ما خالف فيه بل ينبغى أن يفرق إذا أمكن الفرق ولا يخترع له قول لم يقل به. # موضع آخر: لا يجوز أن ينسب إلى الشافعى رحمه الله ما يخرج عنه قوله فيجعل ~~قولا له. # ومن أصحابنا من قال: يجوز ذلك. # والصحيح: هو الأول كما ذكرناه في الفصل الأول. # فإن قيل: أليس ينسب إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم ما يقتضيه ~~قياس قولهما فكذلك يثبت إلى صاحب المذهب ما يقتضيه قياس مذهبه قوله؟ # الجواب: أن ما دل عليه ms790 القياس في الشرع لا يجوز أن يقال إنه قول الله ولا ~~قول رسوله وإنما يقال هذا من الله ومن رسوله بمعنى أن الله تعالى دل عليه ~~وكذلك رسوله ومثل هذا لا يصح في قول الشافعى فسقط ما قالوه. # موضع آخر: إذا قال الشافعى في موضع بقول ثم قال: ولو قال قائل كذا كان ~~مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا به له وقال بعض أصحابنا يجعل ذلك قولا له. # والصحيح: هو الأول لأن قوله: فلو قال قائل كان مذهبا ليس فيه دليل على أن ~~ذلك مذهب بل هو إخبار عن احتمال المسألة وجها من وجوه الاجتهاد فلا يجوز أن ~~ينسب إليه قول بهذا القدر فهذه المواضع لا بد من معرفتها لمن يريد أن يقف ~~على مذهب الشافعي. # PageV02P336 ### | فصل: فى الوجوه النى يجوز معها تخريج المذهب # اعلم أن مذهب الإنسان هو اعتقاده فمتى ظننا أن اعتقاد الإنسان أو عرفناه ~~ضرورة أو بدليل مجمل أو مفصل قلنا: إنه مذهبه ومتى لم نظن ذلك ولم نعلمه لم ~~نقل إنه مذهبه ويدل الإنسان على مذهبه في المسألة بوجوه. # منها: أن يحكم في المسألة بعينها بحكم معين. # ومنها: أن تأتى بلفظ عام يشمل تلك المسألة وغيرها فيقول الشافعى رحمه ~~الله الكل جائزا وغير جائز. # ومنها: أن يعلم أنه لا يفرق بين المسألتين وينص على حكم أحدهما فيعلم أن ~~حكم الآخر عند ذلك الحكم مثل أن يقول الشفعة لجار الدار فنعلم أن جار ~~الدكان مثل جار الدار. # ومنها: أن يعلل الحكم بعلة توجد في عدة مسائل فنعلم أن مذهبه شمول ذلك ~~الحكم فتلك المسائل سواء قال بتخصيص العلة أو لم يقل أما إذا لم يقل بتخصيص ~~العلة فلا يشكل ذلك وأما من قال بتخصيص العلة فإنما يقول بتخصيص العلة إذا ~~دل على تخصيصها دلالة كالعموم وكما أن الكلام العام يدل على مذهبه فكذلك ~~تعليله وأما إذا نص العالم في مسألة على حكم وكانت المسألة تشبه مسألة أخرى ~~شبها يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين فإنه لا ms791 يجوز أن يقال: قوله في هذه ~~المسألة هو قوله في المسألة الأخرى لأنه قد لا تخطر المسألأة بباله ولم ~~ينبه على حكمها لفظا ولا معنى ولا يمتنع لو خطر بباله لصار فيها إلى ~~الاجتهاد الآخر وهذا قد سبق بيانه من قبل. # مسألة # ومما يتصل بباب الاجتهاد مسألة اختلفوا فيها وهى أنه هل يجوز أن يقال ~~للرسول أو للعالم احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فقد منع من ذلك كثير من ~~الناس وأجازه آخرون على العموم وذهب إليه يونس بن عمران وقال بعضهم: يجوز ~~للنبى صلى الله عليه وسلم على الخصوص ولا يجوز لغيره وهذا هو المختار وقد ~~ذكر الشافعى في كتاب الرسالة ما # PageV02P337 # يدل على هذا واستدل من منع ذلك وقال: إن الشرائع إنما تعبد الله تعالى ~~بها لكونها مصالح. # والإنسان قد يختار الصلاح وقد يختار الفساد فلو أباح الله سبحانه للمكلف ~~أن يحكم بما اختاره المكلف لكان قد أباحه الحكم مما لا نأمن كونه فسادا ~~واستدل من جوز ذلك بأنه إذا جوز أن يفوض الله تعالى إلى المكلف أن يختار ~~واحدة من الكفالات جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره ~~ولأنه إذا جاز أن يتعبد الله تعالى العامى ليختار العمل على فتوى واحد من ~~الفقهاء ويتعين ذلك باختياره جاز مثل ذلك في أصل التعبد ولأنه إذا جاز أن ~~يكلف الله من الإنسان العمل على الأمارات مع أنها قد تخطئ جاز أن يكلف ~~الإنسان أيضا العمل على اختياره وإن كان الإنسان قد يختار الصواب كما يختار ~~غير الصواب. وأما من قال: يجوز للأنبياء ولا يجوز لغيرهم فاستدل على ذلك ~~بالوجود وهو قوله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه} [آل عمران: 93] ولأن السنة مضافة إلى النبى صلى الله ~~عليه وسلم وحقيقة الإضافة تقتضى أنها من قبله ولأن النبى صلى الله عليه ~~وسلم قال في مكة: "لا يختلا خلاها ولا يعضد شجرها" قال العباس: إلا الإذخر ~~يا رسول الله فإنه لقبورها وأفنيتها. ms792 قال: "إلا الإذخر" 1 ولأن النبى صلى ~~الله عليه وسلم سئل عن الحج فقيل: أحجتنا هذه لعامنا أم للأبد فقال: "للأبد ~~ولو قلت لعامنا لوجب -يعنى في كل سنة- وما استطعتم" 2 ولأن النبى صلى الله ~~عليه وسلم قال: "ولولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" 3 ~~ويدل عليه قوله عليه السلام: "عفوت عن أمتى صدقة الخيل والرقيق إلا أن في ~~الرقيق صدقة الفطر" 4 قالوا: ولأنه روى أن موسى عليه السلام أثبت الأحكام ~~كلها من جهته إلا تسع آيات أنزلها الله تعالى والأولى أن يتعلق في هذه ~~المسألة بوجود وجوب الأشياء عن اختيار من الموجب وقد تحقق هذا من جانب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # فأما في حق غيره فلم يوجد وهذا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوما ~~من الخطأ فيجوز أن يقال: له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب وهذا لا يوجد في ~~حق غيره فلم يامن خطأه ولأن الله تعالى قد قال: PageV02P338 # {فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] وقال في موضع: {فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] ولم يقل إلى اختيار الرجال. وأما مسألة الكفارات فالإيجاب قد ~~كان من قبل الله تعالى فإنه قد أوجب واحدة من الكفارات على العبد وإنما ~~يختار واجبا لا أنه يجب باختياره عليه شئ وكذلك في العامى إذا استفتى فإنما ~~وجد منه مجرد اختيار فواجب لأنه قد وجب على العامى الرجوع إلى العالم في ~~الأحكام. وأما هاهنا الكلام فيما ذكرناه وهو أنه يوجب باختياره فإن قال ~~قائل: أليس من نذر شيئا فقد أوجب على نفسه باختياره. قلنا: ليس هذا من ~~مسألتنا في شئ لأن مسألتنا هى أن يحكم بشئ ابتداء في شئ من غير دليل يرجع ~~إليه فيوجبه على نفسه أو غيره أو يحرمه على نفسه أو غيره فيثبت شرعا مبتدأ ~~يرجع إليه تماما النذر فأما النذر فمن باب الالتزامات وهو عقد مشروع من قبل ~~الله تعالى للعباد يعقدونها أو يلتزمونها مثل سائر العقود وليس شرع مبتدأ ~~من قبل العبد واعلم ms793 أن هذه المسألة أوردها متكلموا الأصوليين وليست بمعروفة ~~بين الفقهاء وليس فيها كثير فائدة لأن هذا في غير الأنبياء لم يوجد ولا ~~يوجد توهمه في المستقبل فأما في حق النبى صلى الله عليه وسلم فقد وجد فقلنا ~~على ما وجد وهذا القدر كاف في هذه المسألة والله أعلم. # ولما تم ما أوردناه من الكلام في الاجتهاد وذكرنا صفة المجتهد والمختار ~~مما ينبغى أن يعتقد في أقوال المجتهدين فيكون الكلام بعد هذا في التقليد ~~وما يتصل به وسنذكر من بعد ذلك ما يقع الحاجة إليه. # PageV02P339 ### | التقليد ### | مدخل # ... # [التقليد] # التقليد: قبول قول المرء في الدين بغير دليل وحده بعضهم بأنه العمل على ~~قولين من غير علم1 بصحته ولا نظر في الطريق إلى معرفته والأول حد الفقهاء ~~ويقال إن التقليد مأخوذ من تصيير الشئ قلادة في عنق من ينسب إليه2 أو أخذ ~~عنه ومن التقليد ما يجوز ومنه ما لا يجوز فأما اتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والتسليم لحكمه فواجب ولا نقول إنه تقليد بل هو اتباع محض وقد قال ~~الله تعالى: {واتبعوه لعلكم تهتدون} [الأعراف: 158] ولأن الدلائل قد قامت ~~في أن قوله حجة فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة وقد ~~قال الشافعى رحمه الله في بعض المواضع: فلا يجوز تقليد أحد سوى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وهذا مذكور على طريق التوسع لا على طريق الحقيقة. # وقال بعضهم: إن رجوع العامى إلى قول العالم ليس بتقليد أيضا3 لأنه لا بد ~~له من نوع اجتهاد فلا يكون تقليدا حتى لو اعترض إنسانا من غير أن يجتهد في ~~طلب الأعلم فسأله لم يجز على الأصح بل لا بد أن يتوخى الأفضل والأشهر عند ~~الناس في درجة العلم والأوثق عند نفسه منهم فيصير الاجتهاد في اختيار أعيان ~~العلماء كاجتهاد العالم في اختيار أعيان الأقاويل وعلى أنا إن سمينا ذلك من ~~العامى تقليدا فلا بأس ولعله الأولى لأنه لا يعرف حجة ما يصير إليه ويقبله ~~فيوجد فيه حد التقليد ms794 وهو قبول القول من قائله بغير حجة. # وأما تقليد الأمة إذا قالت قولا عن إطباق وإجماع فهو حجة لا يجوز ~~مخالفتها لقيام الدليل أنها لا تجتمع إلا على حق وإذا أفتى العالم واحدا من ~~العامة في الحادثة تنزل به جاز تقليده والأخذ به4 لأن العامة لو كلفوا ~~الاجتهاد والاستدلال لكان فرض طلب PageV02P340 # العلم على وجه يصير به الإنسان عالما مجتهدا فرضا على الأعيان ولو كان ~~كذلك لبطل معايش الناس ولأضر بهم ذلك ضررا بينا ولحقتهم المشقة التي لا ~~يمكن احتمالها وقد دفع الله مثل هذا عن الأمة ووضع الإصر عنهم ولم يحملهم ~~ما ليس لهم وسع في تحملها رحمة من الله تعالى ولطف فعله بهم وإذا لم يجب ~~عليهم ما ذكرناه بقى فرضهم الأخذ بقول غيرهم وتقليدهم وهذا التقليد في ~~الفروع جائز. # وأما قبول خبر الواحد إذا كان ظاهر العدالة فعمل يكون تقليدا اختلف ~~أصحابنا فيه سماه بعضهم تقليدا وامتنع بعضهم من ذلك1 وهو الأولى لأنه لا ~~يقع التسليم لقوله إلا بعد الاجتهاد في عدالته فصار قوله مقبولا بدليل ~~والتقليد قبول قول الغير من غير دليل فلم يكن هذا من باب التقليد والله ~~أعلم. PageV02P341 ### | مسألة: لا يجوز للعالم أن يقلد العالم # ومن الناس من قال: إنه جائز وهو قول أحمد وإسحاق وعن محمد بن الحسن قال: ~~يجوز له تقليد من هو أعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله2 وهذا الذى قلناه ~~يستوى فيه PageV02P341 # العالم من الصحابة وغير الصحابة وقد فرق بعضهم بين الصحابة وغير الصحابة. ~~وقد قال الشافعى رحمه الله في القديم: يجوز تقليد الصحابي فيما لم يجعله له ~~غيره فيه وإن لم يظهر قوله ولم ينتشر. # وقال في الجديد: لا يجوز وقد ذكرنا هذا من قبل وقال بعضهم: يجوز تقليد ~~الخلفاء الأربعة دون غيرهم. وقال بعضهم: يجوز تقليد أبى بكر وعمر رضى الله ~~عنهما دون غيرهما1. وقد ورد من الأخبار ما يدل على كل واحد من هذين ~~القولين. قال النبى صلى الله عليه وسلم في خبر: "عليكم بسنتى وسنة ms795 الخلفاء ~~الراشدين من بعدي" 2. وقال عليه السلام: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر ~~وعمر" 3. # ونتكلم في المسألة على الإطلاق فنقول: احتج من جوز للعالم تقليد العالم ~~بظاهر قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ~~قالوا: فإذا حدثت الحادثة ولم يكن عند الفقيه علم بها جازت له المسألة عنها ~~وقبول قول العالم فيها لظاهر هذه الآية لأن العامة إنما يجوز لهم تقليد ~~العلماء لأنهم لما يعرفون أحكام الحوادث فكذلك العلماء إذا أشكل عليهم ~~العلم فيها نزلوا بمنزلة العوام في هذه المسألة واستووا في جواز التقليد ~~لهم واستوى الفريقين في عدم العلم بها. قالوا: ولأن الاجتهاد يجب في فروض ~~الكفاية فجاز أن يتكل فيه البعض على البعض كالجهاد فإنه لما كان من فروض ~~الكفاية جاز أن يتكل فيه البعض على البعض كذلك هاهنا وقد تعلق بعض أصحاب ~~أبى حنيفة في هذه المسألة بقصة الشورى فإن عبد الرحمن بن عوف دعا عليا إلى ~~تقليد أبى بكر وعمر فلم يجب إلى ذلك فأما عثمان فإنه أجاب. فدل هذا من قول ~~PageV02P342 # عثمان وعبد الرحمن بن عوف أنه يجوز للعالم تقليد العالم. وقال بعضهم في ~~تقليد الأعلم أن ألعلم له مزية لكثرة علمه وحسن معرفته لطريق الاجتهاد. # وأما الاجتهاد فالإنسان نفسه له مزية من وجه آخر وهو أنه على ثقة وإحاطة ~~من جهة الدليل وما يقتضى الحكم وليس على ثقة من اجتهاد الأعلم وإذا اجتمعا ~~تساويا فيخير بينهما. وقالوا أيضا: إن العالم يقول ما يقول عن دليل وحجة في ~~هذا الموضع أطلق له ذلك كذلك في الصورة الأولى. # وأما دليلنا قوله تبارك وتعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} [النساء: 59] فأمر عند وقوع الاختلاف برد المتنازع فيه إلى الكتاب ~~والسنة فوجب بحق الظاهر أن لا يرد إلى غيرهما من أقاويل الصحابة والعلماء ~~ويدل عليه أيضا إجماع الصحابة فإنهم اختلفوا في مسائل كثيرة وتناظروا ~~واجتهدوا ولم يعلم عن أحد منهم أنه قلد غيره أو دعا أحدا إلى تقليد نفسه ~~وخالف أبو سلمة ms796 بن عبد الرحمن ابن عباس في مسألة فتحاكما إلى أم سلمه ولم ~~يقل له ابن عباس لا يسوغ لك مخالفتى لأنى صحابى وانت تابع لى فتقليدك لى ~~واجب عليك فثبت أن من جوز التقليد مع إطباق الصحابة على المنع منه فقد خالف ~~الإجماع ويدل عليه أن الله تعالى ذم التقليد وعابه فقال تعالى حكاية عن ~~الكفار: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] ~~وهذا لحقيقة وهو أن قبول قول الغير في الحكم من غير حجة مع تمكن معرفة ~~الحكم بحجة لا يجوز لأن التقليد مذموم شرعا وعقلا. # أما الشرع فقد بينا. وأما العقل فلأنه إذا أمكن في نفسه تقليد غيره فليس ~~قول واحد أولى من قبول قول غيره إلا أنا إنما جوزنا للعامى لأجل حاجة إلى ~~التقليد فإنه لا يمكنه أن يصل إلى معرفة الحكم بالحجة فجوز له التقليد ~~ضرورة وهذا لا يوجد في حق العالم فلم يجز له التقليد لما بينا من قبل وأما ~~الذى تعلقوا به من قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~[النحل: 43] فهو في العوام الذين لا يعرفون الدليل أو عو فيمن لا يعرف نصوص ~~الكتاب والسنة فيرجع إلى من يعرفها وعلى هذا الجواب يخرج إن تعلقوا بقوله ~~تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم} [التوبة: 122] فالمراد من ذلك إنذار العوام أو تبليغ ~~الكتاب إلى من لم يبلغه وإنما تقليد العوام العلماء فإنما جاز لأنا لو ~~أوجبنا عليهم معرفة الأحكام والدلائل بالحجج لاشتدت المحنة عليهم وعظمت ~~البلوى فيهم فإنا إذا ألزمنا الكافة النظر # PageV02P343 # في الدليل أدى إلى مفسدة راجعة إلى كافة الناس لأنه لا يكون منهم من يقوم ~~بأمر مصالح دنياهم وما يقوم به معايشهم ويفسد نظام الأحوال في الأفعال ~~والأعمال وعلى أنا لا نخليه من نوع اجتهاد نوجبه عليه وهو بقدر طاقته ~~واتساع باعه له هو أن يختار من أعيان العلماء أعلمهم عنده وأوثقهم في نفسه ~~فيرجع إلى قوله ويقلده ms797 أمر دينه فليكن العالم كذلك وهو أنه يتكلف ما يطيقه ~~ويتسع له علمه وهو مطلق للاجتهاد ومتسع علمه لذلك فلا يجوز له تركه كالعامى ~~الذى يقدر أن يتخير من العلماء فيقلد الأعلم في نفسه والأوثق في علمه فإنه ~~لا يجوز له ترك ذلك. وأما اعتبارهم الاجتهاد بالاجتهاد فقد أجاب بعض ~~أصحابنا عن ذلك وقال: من سهل عليه تناول الأدلة وقرب مواضعها من فهمه فهو ~~بمنزلة من حضر العدو وقرب مواضعه منه فلا يجوز له الاتكال على غيره في ~~الجهاد. # وأما العامى الذى تغيب عنه الأدلة فلا يعرف وجوه الاستدلال فهو يمنزلة من ~~بعدت المسافة بينه وبين عدوه ولحقته المشقة في قطعها إليه ومن كان بهذه ~~الصفة لا يجب عليه الجهاد فقد استوى الجانبان من حيث المعنى. # وأما الذى تعلقوا به من قصة الشورى فهو محمول على أنه دعاه إلى سيرتهما ~~والسياسة والرأى في الأمور وضبط الشرعية ومجاهدة الأعداء والقيام بالآيات1 ~~الثابتة ويجوز أيضا أنه دعاه إلى سنتهما في ما عملا به ولم يظهر لهما مخالف ~~فصار ذلك بمنزلة الإجماع. # وأما الذى قال: إن الأعلم لاجتهاده مزية ولهذا أيضا مزية فخير بينهما. ~~قلنا العالم والعالم وإن اختلفا في غزارة العلم وعدم غزارة العلم ولكن ~~غزارة علم صاحبه لا تفيده علما بلا دليل والواجب هو العلم بالدليل إذا تمكن ~~من الدليل ولأن التقليد من عمل الجهلة والاجتهاد من عمل العلماء فلا يجوز ~~أن يترك عمل العلماء وهو علم إلى علم الجهال. وقوله: إنه يعرف أن ذلك ~~العالم يقول ما يقوله عن دليل. قلنا: وإن كان كذلك ولكن دليله عند صاحبه لا ~~يفيده دليلا في نفسه. # واعلم أن أصحاب أبى حنيفة يفرقون بين العالم والعامى فيقولون: إن العامى ~~يجب PageV02P344 # عليه التقليد والعالم يجوز له التقليد ولا يجب عليه لكن غذا اشتبه عليه ~~الدليل يجوز له التقليد لأنه في هذه الحالة يحتاج إلى التقليد مثل العامى ~~وهذا ليس بشئ لأن معه آلة الاجتهاد فلا يعذر بالأشتباه. # PageV02P345 ### | مسألة1: إذا نزلت بالعالم نازلة وخاف فوت وقتها ms798 لم يجز له تقليد غيره. # وقال أبو العباس بن سريج: يجوز لأنه في هذه النازلة بمنزلة العامى من حيث ~~إنه لا يتوصل إلى معرفة حكمها بالإجتهاد ولأنه مضطر إلى التقليد فإنه إذا ~~اجتهد فاتته العبادة عن وقتها فجاز له التقليد كالعامى أيضا وأما نحن ~~فنقول: إن معه آلة الاجتهاد فلا يجوز له التقليد كما لو كان الوقت واسعا. # بينة: أنه لو جاز له التقليد إذا خاف فوت الوقت لجاز وإن لم يخف كالعامى ~~والحرف أن الفرض لا يتبدل لخوف الفوت وعدم الخوف وقوله إنه كالعامى في هذه ~~النازلة قد بينا الفرق. # وقوله: إن به ضرورة. قلنا: ليس كذلك لأنه إن كان ذلك الشئ مما يجوز ~~تأخيره للغذ يكون اشتباه الحادثة عذرا له في التأخير إن كان مما لا يجوز ~~غيره أداءه على حسب حالة ثم يعيده فلا ضرورة في التقليد له. # واعلم: أن العامى يجوز له تقليد العالم في جميع الأحكام الشرعية. # وقال أبو على الجبائى: لا يجوز له فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد وقال: ما ~~طريقه مقطوع به يصير مثل العقليات. # وأما عندنا: يجوز في الكل لأنه المعنى الذى لأجله يسوغ له التقليد في ~~مسائل الاجتهاد موجود في غيرها يدل عليه: أنه إذا أمر العامى بمعرفة الدليل ~~وترك التقليد أدى إلى مفسدة عظيمة تعود عليهم وتشتد البلوى والمحنة بهم على ~~ماذكرنا من قبل وقد ذكرنا من قبل أنه لا يقلد العامى إلا بعد أن يجتهد في ~~أعيان الفقهاء وقد ذكر هذا أبو العباس بن سريج والقفال. # وقد ذكر بعض أصحابنا أنه يجوز له تقليد من شاء من العلماء من غير أن ~~يجتهد في أعيانهم2 وزعم أن في تكليفه الاجتهاد في الأحكام مشقة. ~~PageV02P345 # ونحن نقول: إنه ليس عليه في هذا كثير مشقة ولا ينقطع بإيجابه عليه عن ~~سائر مصالحه في أمر معايشه وأسبابه ويحصل له بذلك نوع ظن فإذا كان يحصل له ~~ذلك من غير مشقة فيجئ عليه تحصيله كما يجئ على الإمام الاجتهاد في سائر ~~الحوادث والنوازل. # وعندي: أن ms799 هذا أولى والله أعلم. # PageV02P346 ### | مسألة1: وأما الكلام في مسائل الأصول: # فقد ذهب جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء أنه لا يجوز للعامى التقليد ~~فيها ولا بد أن يعرف ما يعرفه بالدليل وقالوا: العقائد الأصولية عقلية ~~والناس جميعا مشتركون في العقل ولأن العلم بها واجب والعلم لا يحصل للمقلد ~~بتقليد غيره ولأن الدلائل على الأصول ظاهرة وليست غامضة فتكليف العامى ~~ليعرف الأصول بدلائلها لا يؤدى إلى الحرج الشديد فيسقط عنهم لذلك. # واعلم أن أكثر الفقهاء على خلاف هذا وقالوا: لا يجوز أن نكلف العوام ~~اعتقاد الأصول بدلائلها2؛ لأن في ذلك المشقة العظيمة والبلوى الشديدة وهى ~~في الغموض والخفاء أشد من الدلائل الفقهية في الفروع ولهذا خفى على كثير من ~~العقلاء مع شدة عنايتهم في ذلك واهتمامهم العظيم فصارت دلائل الأصول مثل ~~دلائل الفروع ولأنا نحكم بإيمان العامة ونقطع أنهم لا يعرفون الدلائل ولا ~~طرقها وإنما شأنهم التقليد والاتباع المحض وإنما طريقهم أخذ شيئين في ~~التقليد أحدهما أنهم عرفوا أن العلماء قد قالوا ما قالوا عن حجة ودليل ~~فيكون اتباعهم لأقوال العلماء اعتقادا عن دليل بهذا الوجه. # وأما لأن العوام يعلمون أن العلماء يقولون ما يقولون عن النبى صلى الله ~~عليه وسلم وقد عرفوا إقامة النبى صلى الله عليه وسلم من المعجزات ما يعجز ~~عنه البشر وتحقق في قلوبهم ثبوته بهذا الطريق وأنه يقول ما يقوله عن الله ~~عز وجل فحصلت عقائدهم عن علم ودليل قام لهم فيها بهذا الوجه. # وأما إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن اصواب ومتى ~~أوجبنا ذلك متى يوجد في العوام يعرف ذلك وتصدر عقيدته عنه بل يكون أكثر ~~العوام PageV02P346 # بحيث لو عرض عليهم تلك الدلائل لم يفهموها أصلا فضلا من أن يصيروا أصحاب ~~دلائل ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية وإنما غاية العامى هو أن يتلقى ~~ما يريد أن يعتقده ويلقى زنة1 من العلماء ويتبعهم في ذلك ويقلدهم ثم يسلمون ~~عليها بقلوب سليمة طاهرة عن الأدغال والأهوال ثم يعضون عليها بالنواجذ فلا ~~يحولون ولا يزودون ms800 ولو قطعوا إربا فهنيئا لهم السلامة والبعد عن الشبهات ~~الداخلة على أهل الكلام والورطات التي تورطوا فيها حتى أدت بهم إلى المهاوى ~~والمهالك ودخلت عليها الشبهات العظيمة وصاروا في الآخرة متحيدين عمين ولهذا ~~لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل لأنهم أعرضوا عن ورع اللسان وأرسلوا ~~بما في صفات الله تعالى بجرأة عظيمة وعدم مهابة وحرمة ففاتهم ورع سائر ~~الجوارح. وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان والإنسان كالبنيان يشد بعضه بعضا ~~وإذا خرب جانب منه تداعى سائر جوانبه للخراب ولأنه ما من دليل لفريق منهم ~~يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك ~~الدليل سواء وغاية الواحد منهم في الفلح والعلو على صاحبه بزيادة الحذق في ~~طريقة الجدل وبينهم أوضاع يناظرون عليها ويطالبون الخصم بطردها فإذا لم ~~يفوا بطردها سموها انقطاعا وعجزا وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ~~ما ينال المسلم به برد اليقين ويزداد به مشقة فيما يعتقده وطمأنينة وأنما ~~ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذى اعتقدوه وساموا جميع ~~المسلمون سلوك طريقة وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى. ثم ~~أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع وهذا هو الخطر الشقاء والداء العضال ~~وإذا كان السواد الأعظم هو العوام وبهم قوام الدين وعليهم مدار رحى الإسلام ~~ولعله لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة الألف والمائتين الألف ~~ممن يقوموا بالشرائط التي يعتبرونها إلا الفذ الفادر والشاذ النادر ولعله ~~لا يبلغ عند العشرة فمتى يجد المسلم من قبله أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع ~~ويعتقد أنه لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلا وأنهم أمثال البهائم والدواب ~~المسخرة وعن ثمامة بن الأشرس وكان من أئمة المعتزلة المذكورين فيهم: أنه ~~رأى قوما يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة فقال: انظروا ~~إلى الفقراء انظروا إلى الحمير وقال عمر بن النضر: مررت بعمرو بن عبيد ~~فجلست إليه فذكرت شيئا فقلت ما هكذا يقول أصحابنا قال: ومن أصحابك قلت: ms801 ~~يوسف بن عون PageV02P347 # ويونس بن عبيد والتيمى فقال: أولئك نحانس1 أنجاس أموات غير أحياء. وقال: ~~واعلم أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرهم غرة أهل زمانهم في العلم والفقة ~~والاجتهاد في العبادة وطلب المطعم وقد درجوا على ما كان عليه من قبلهم من ~~الصحابة ومقدموا التابعين وقد اعتقد فيهم مثل هذا فكذلك تكون عقيدته وعقيدة ~~أمثاله في غير هؤلاء. نعم فقد ذكرت طرفا من هذا صالحا النمط في كتاب ~~الانتصار لأصحاب الحديث وذكرت الفرق بين طرق الكلام وطرق الفقه بأبين أوجه ~~وأوضح معنى فعلى الطريقة التي ذكرتها ينبغى أن يتكلم المسلم ويعتمد عليه ~~ولا يغتر بزخارف القول وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية من ~~الصحابة ومنهج التابعين بإحسان لبيان السعادة العظمى ويصل إلى الطريقة ~~المثلى والله تعالى يعصم ويؤيد بمنه وطوله. PageV02P348 ### | فصل: الإلهام # ... # "فصل" # قد ذكر أبو زيد فصلا في إبطال التقليد ولم أجد في ذكره كبير فائدة فتركته ~~وذكر بعده فصلا في الإلهام وسأنقل ما ذكره وأتكلم عليه في الموضع الذى ~~ينبغى أن نتكلم عليه. قال: الإلهام ما حرك العلم بقلب يدعوك إلى العمل به ~~من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة. # قال جمهور العلماء: إنه خيال لا يجوز العمل به ألا عند فقد الحجج كلها في ~~باب ما أبيح عمله بغير علم. # وقال بعض الجهمية: إنه حجة بمنزلة الوحى المسموع عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واحتج ذلك بقوله تعالى: {ونفس وما سواها، فألهمها فجورها ~~وتقواها} [الشمس: 7] أى عرفها بالإيقاع في القلب وبقوله تعالى: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} ~~[الأنعام: 125] . وشرح الصدر بنور العلم والحرج والضيق بظلمة الجهل فالله ~~تعالى أخبر أنه الفاعل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبيد وبقوله تعالى: ~~{أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا} [الأنعام: 122] فالحياة هى العلم ~~والنور هو الهدى وقد أخبر أنه الجاعل لذلك فلا صنع منا بقوله تعالى: {فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها} [الروم: ms802 30] فأخبر أن ~~الناس # PageV02P348 # قد خلقوا على الدين الحنيفي بلا صنع منهم. وقال تعالى: {وأوحى ربك إلى ~~النحل} [النحل: 68] فأوحى إليها أى ألهمها حتى عرفت مصالحها فلا ينكر مثل ~~ذلك للآدمى وقال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} [القصص: 7] وكان ~~ذلك بطريق الإلهام وقال عليه السلام: "كل مولود يولد على الفطرة" 1 أي على ~~دين الحق وليس للمولود نظر واستدلال وقال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة ~~المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل" 2 والفراسة شئ يقع في القلب بلا نظر في ~~حجة. وقال صلى الله عليه وسلم لوابصة وقد سأله عن البر والإثم: " ضع يدك ~~على صدرك فما شك فيه قلبك فدعه وإن أفتاك الناس" فقد جعل النبى صلى الله ~~عليه وسلم شهادة قلبه بلا حجة أولى من الفتوى. وقد قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم: "قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد منهم فهو عمر" 3 ~~أى منهم كأنه يوحى إليه ويحدثه ربه أو تحدثة الملائكة في قلبه. وقد روى عن ~~أبى بكر رضى الله عنه أنه قال: ألقى في روعى أن ذا بطن خارجة جارية. وإلا ~~لغى الإلهام وقد روى عن عمر رضى الله عنه أنه تكلم في أشياء فنزل الوحى ~~بذللك وقد كان ألهم قبل. وقد كان لأنبياء بني إسرائيل إلهام يتكلمون عنه ~~وينزل ذلك بمنزلة الوحى إلى غيرهم. وقالت الأئمة فيمن اشتبهت عليه القبلة ~~فصلى بغير تحرى بقلبة: لا تجوز. # وإن أصاب القبلة وإن صلى بتحرى قلبه تجوز صلاته وإن أصاب غير القبلة. # قالوا: فثبت أن الإلهام حق من قبل الله تعالى وأنه كرامة للآدمى وأنه وحى ~~باطن إلا أنه إذا عصى ربه وعمل بهواه يحرم هذه الكرامة ويستولى عليه وحى ~~الشيطان قال الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: ~~121] فالمطيع لا يخفى عليه وحيه عن وحى الملك إلا على سبيل الغفلة التي ~~تعترى القلب فينزل ثم ينتبه من ساعته ولا يقر عليه. # قالوا: بالقلب يمتاز له الحق من ms803 الباطل فاحتج أهل الإلهام بمثل هذه الحجج ~~التي ذكرناها. PageV02P349 # قال: وأما حجة أهل السنة والجماعة قوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا أو نصارى} [البقرة: 111] الآيه فألزمهم الكذب لعجزهم عن إظهار ~~الحجة لأن الإلهام حجة باطنة فلا يمكن إظهارها وقال: {ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به} [المؤمنون: 117] فقد وبخهم بدعوى إله غير الله لا ~~برهان لهم به ولو كانت شهادة قلوبهم حجة لهم لما لحقهم التوبيخ فثبت أن ~~الحجة التي يصح العمل لها ما يمكن إظهاره من النصوص والآيات التي عرفت حججا ~~ويدل قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه ~~الحق} [فصلت: 53] وهذا يدل على أن العلم بالله تعالى لا يكون إلا بالآيات ~~والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلى ويدل عليه قوله تعالى: ~~{أفلا ينظرون إلى الأبل كيف خلقت} [الغاشية: 17] الآية وقال تعالى: {وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] وقال تعالى: {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} [الحشر: 2] والله تعالى أمر بالنظر والاستدلال ولم يأمر بالرجوع ~~إلى القلب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم ~~تقضي؟ " قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ " قال: بسنة رسول ~~الله قال: "فإن لم تجد بسنة رسول الله؟ " قال: أجتهد برأيى1 فلم يذكر بعد ~~الكتاب والسنة إلهام القلب وإنما ذكر الرجوع إلى النظر والاستدلال # وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من فسر القرآن برأيه ~~فليتبوأ مقعده من النار" 2 وأجمعنا على أنه يجوز ترائى النظر والاستدلال ~~بالأصول فدل أن المراد به الرأى بلا نظر ولأن الرأى بلا نظر لو كان حجة ~~يعمل بها كالوحى لحل كل إنسان أن يدعوا الخلق إلى ما عنده بل وجب كما وجب ~~على نفسه العمل به وكما كان يجب على النبى صلى الله عليه وسلم قال: ومن قال ~~هذا فقد كفر. # قال: ونقول أيضا على أهل الإلهام: ما قولكم في الإلهام؟ أهو حجة ms804 بلا ~~موافقة الشرع أو ما كان وافق أم خالف؟ # فإن قال: يكون حجة وإن خالف فهذا لا يقوله مسلم وفيه رفع الإسلام وإن ~~قال: بموافقة فلا تثبت الموافقة إلا بالنظر في أصول الشرع وأيضا فإن ~~الإلهام قد يكون من الله تعالى وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس فإن ~~كان من الله تعالى يكون حقا PageV02P350 # وإن كان من الشيطان أو من النفس لا يكون حقا بل يكون باطلا فإذا احتمل أن ~~لا يكون حقا يدل أن كل إنسان1 في دعوى الإلهام مثل صاحبه فإن قال ألهمت أن ~~ما أقوله حق وصواب فيقول الآخر إن ما تقوله خطأ وباطل. # ونحن نقول لهؤلاء: إنا ألهمنا أن ما تقولنه خطأ وباطل. قالوا هذا دعوى ~~منكم نقول ما تقولنه أيضا دعوى. فإن قالوا: إنكم لستم من أهل الإلهام نقول ~~أيضا إنكم لستم من أهل الإلهام وبأى دليل صرتم من أهل الإلهام دوننا. # قال أبو زيد: وقد ابتليت بقوم زعموا أن العبد يرى ربه بقلبه فيعرفه بلا ~~نظر واستدلال بالآيات وهذا قول لم يكن في السلف والقلب مضغة ليس لها حاسة ~~رؤية مثل ما ليس لسائر الأعضاء حاسة رؤية فلا فرقق بين قول من يقول رأيت ~~ربى بقلبى وبين قول من يقول رأيت ربى بيدى أو سمعني قال وأما رؤية القلب ~~علمه بنظره ونظره التفكير لا يتصور غيره ولهذا قال النبى صلى الله عليه ~~وسلم: "تفكروا في الآيات ولا تتفكروا في الذات" 2 لأن الآيات محسوسة ~~فالتفكر فيها يدلنا على الله تبارك وتعالى وأما التفكر في الذات يوجب ~~التعطيل كنظر العين إلى ما لا يرى وإنما مثله نجار في بيت لا يرى ويخرج منه ~~الخشب المنجورة فيقيل نظر الناظر إلى الخشب المنجورة العلم بالنجار ولا علم ~~له بوجود النجار. فأما نفسه فلا علم له بها. # وحكى لنا عن محمد بن زكريا أنه قال لأصحابه: إذا كلمكم الموحدون في ~~الآيات فكلموهم في الذات وبه تعلق فرعون [فى] 3 محاجة موسى عليه السلام. ~~قال: وما رب ms805 العالمين؟ فأعرض موسى عن جواب المحال وأجاب بالوصف قال رب ~~السماوات والأرض. وما [أخطأ] 4 الحكماء الأوائل إلا بتفكرهم في الذات ~~والماهية. # قال: فأما الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى: {فألهمها فجورها وتقواها} ~~[الشمس: 8] تأويله والله أعلم عرفها بطريق العلم وهو الآيات والحجج طريق ~~الفجور والتقوى وكذلك شرح الصدور بنور التوفيق وهو النظر والحجج وكذلك ~~الأخبار المذكورة فى PageV02P351 # القرآن للقلب هو بنور الأدلة وبما أراه من الآيات والاهتداء للعبرة إنما ~~يكون بهداية الله تعالى وذلك بطريق الهداية بعد جهاد العبد قال الله تعالى: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] "وقال تعالى: {ويهدي ~~إليه من ينيب} [الشورى: 13] وإنها أدنى الدرجتين والأعلى بالإصطفاء ~~والاختيار كما قال تعالى: {يجتبي إليه من يشاء} [الشورى: 13] وقال: {ووجدك ~~ضالا فهدى} [الضخى: 7] ولم يذكر جهاده. فالله تعالى يجتبى إليه من يشاء ~~بروح القدس وكمال نور العقل وزكا الطريق والتوفيق بأداة الحجج كرامة ابتداء ~~حتى يصير موكلا على النظر في الآيات فتبين له أنه الحق كما يتبين للكافر ~~يوم القيامة. # قال وأما الفطرة فتأويلها أن الآدمى يخلق وعليه أمانة الله التي قبلها ~~آدم عليه السلام فيكون على فطرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة وكان ~~على عذر في ترك الأداء عن عجز على مابينا في باب حمل الأمانة. فأما وحى ~~النحل فإنما أنكرنا مثل ذلك في علم خوطبنا بكسبه وابتلينا به وأما وحى أم ~~موسى فإنا نقول به وبيانه أن أم موسى خافت على موسى القتل من فرعون لما ~~ظهرت من سنته ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاؤه في البحر إن نجا فيه ~~النجاة بوجه وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حل له ركوب لوح في البحر ولأن ~~من ابتلى بشرين لزمه اختيار أهونهما فقد فعلت الذى فعلت بالنظر ومعنى الوحى ~~هو إلقاء النظر في قلبها وأما كرامة الفراسة فلا ننكرها أصلا ولكنا لا نجعل ~~شهادة القلب لجهلنا أنها عن الله تعالى أو من إبلييس أو من نفسه وأما قول ~~الصحابة رضوان الله عليهم فلم يثبت ms806 توحيد قول منهم بعد إلا على نظر ~~واستدلال فهذا جملة الذى نقلته من قوله في الإلهام وقد تركت بعض ما أورده ~~طلبا للاختصار. # واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز ويجوز أن يفعل الله تعالى بعبد بلطفه ~~كرامة له. ونقول في التمييز بين الحق والباطل من ذلك أن كل من استقام على ~~شرع النبى صلى الله عليه وسلم ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول ~~وكل ما لا يستقيم على شرع النبى صلى الله عليه وسلم فهو مردود ويكون ذلك من ~~تسويلات التفس ووساوس الشيطان ويجب رده على أنا لا ننكر زيادة نور الله ~~تعالى كرامة للعبد وزيادة نظر له فإما على القول الذى يقولونه وهو أن يرجع ~~إلى قوله في جميع الأمور فلا نعرفه والله تعالى أعلم وأحكم. # PageV02P352 ### | فصل: الكلام في المفتي والمستفتي وما يتصل في ذلك # ... # "فصل"1: وإذا فرغنا من الكلام في الاجتهاد والمجتهد فنذكر: الكلام في ~~المفتى والمستفتى وما يتصل في ذلك # فنقول: المفتي من العلماء من استكملت فيه ثلاث شرائط # أحدها: أن يكون من أهل الاجتهاد2 وقد قدمنا شروط المجتهد وصفته # والشرط الثانى: ان يستكمل أوصاف العدالة في الدين حتى يثق بنفسه في ~~التزام حقوقه ويوثق به في القيام بشروط3. # والشرط الثالث: أن يكون ضابطا نفسه من التسهيل كافا لها عن الترخيص حتى ~~يقوم بحق الله تعالى في إظهار دينه ويقوم بحق مستفتيه. # وللمتسهل حالتان: # إحديهما: أن يتسهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادىء النظر ~~وأوائل الفكر فهذا مقصر في حق الاجتهاد فلا يحل له أن يفتي ولا يجوز أن ~~يستفتى وأن جاز أن يكون ما أجاب به حقا لأنه غير مستوف لشروط الاجتهاد ~~لجواز أن يكون الصواب مع استيفاء النظر في غير ما اختلف فيه. # والحالة الثانية: أن يتسهل في طلب الرخص وتأويل الشبه ومعنى النظر ليتوصل ~~إليها وتعليق بأضعفها وهذا متجوز في دينه متعد في حق الله تعالى أو غار ~~لمستفتيه عادل عما أمر الله سبحانه به في قوله: {وإذ أخذ ms807 الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] وهو في هذه ~~الحالة أعظم مأثما منه في الأولى لأنه في الحالة الأولى مقصر. وفى الثانية ~~متعد وإن كان في الحالتين آثما متجوزا. لكن الثانى أعظم وكما لا يجوز أن ~~يطلب الرخص والشبه كذلك لا يجوز أن يطلب التغليظ والتشديد وليعدل في الجواب ~~إلى ما يوجبه صحه النظر من الحكم الذى تقتضيه الأدلة الصحيحة فإن دلت على ~~التغليظ أصاب وإن دلت على الترخيص أصاب وإن كان للتغليظ وجه في الاجتهاد ~~أمسك عن ذكره فهذه الشروط التي يجب أن يكون عليها PageV02P353 # المفتى فإن أخل بها لم يحل للفتيا ولايحل لسائل علم بحالة أن يستفتيه. # فأما إذا علم المفتى جنسا من العلم بدلائل وأصوله وقضى فيما سواه كعلم ~~الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى في غيره. # واختلفوا في جواز فتياه في الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله ~~وقصره فيما سواه كعلم الفرائض وعلم المناسك لم يجز أن يفتى في غيره. ~~واختلفوا في جواز فتياه في الذى اختص بعلمه فجوزه بعضهم لإحاطته بأصوله ~~ودلائله ومنعه أكثرهم في الفتيا فيه لتجانس الدلائل وتناسب الأحكام امتزاجا ~~لا يتحقق أحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها ويلزم الحاكم من ~~الاستظهار في الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتى ويأثم بالتسهيل وطلب الترخيص ~~أكثر مما يأثم المفتى وإن كان كل واحد منهما مأمور بإمعان النظر واجتناب ~~الرخص لأن في القضاء إلزاما ليس في الفتيا ويجب فيه ما لا يجب في الفتيا ~~[فافترقا] . # [مسألة] 1: وقد قال أصحابنا: إنه لا بد للقاضى أن يكون عالما عدلا2. # وعند أبى حنيفة: يجوز أن يكون القاضى جاهلا فاسقا3 على معنى أنه يصلح ~~لذلك. # ويقولون إنه لا ينبغى ان يولى القاضى إلا العالم العدل. # قالوا: واذا فسق بعد تقليد القضاء يجب على السلطان أن يعزله وقد ذكر ~~الخصاف من أصحابهم في كتاب آداب القضاة أن القاضى إن ارتشى وقضى لا ينفذ ~~قضاؤه وأن كان القضاء بحق فبعضهم قال بهذا على القول الذى ms808 اختاره أصحابنا ~~أنه إذا فسق ينعزل. # وقال بعضهم: الانعزال بالفسق ليس بمذهب وانما قاله بعض أصحابنا من غير أن ~~نعرف أنه مذهب أبى حنيفة4 لكن على ظاهر مذهبه وإن كان لا ينعزل لكن في هذه ~~الصورة لاينفذ قضاؤه لأنه وجب عليه القضاء لله عز وجل فإن القضاء رأس ~~الطاعات والعبادات ولهذا لا يجوز للقاضى أن يأخذ الأجرة على القضاء فاذا ~~ارتشى وقضى PageV02P354 # صار قاضيا لنفسه فلم يكن عبادة لله تعالى فلا يكون قضاء. # ببينة: أنه قضى لنفسه حيث ارتشى وقضى وقضاؤه لنفسه باطل. # قالوا: واذا كان جاهلا يقضى بقول العالم كأنه يسأله ويقلده ثم يقضى به. # وأما مذهبنا: فإنه لا يجوز أن يكون القاضى إلا عالما عدلا1 لأن الشهادة ~~دون القضاء فإذا اعتبرت العدالة في الشهادة ففى القضاء أولى وكذلك الفتوى ~~فإن الفتوى أولى من القضاء فإذا لم يجز للمفتى إلا أن يكون عالما كذلك ~~القاضي لا يجوز إلا أن يكون عالما وقد فرقوا بين القاضى والمفتى وقالوا ~~المفتى لا يقدر أن يفتى بعلم غيره. وأما القاضى يقدر أن يقضى بعلم غيره بأن ~~يرجع في قضاياه إلى عالم يقضى بذلك. # ونحن نقول: إن قلتم لا يمكن الفتوى بعلم غيره من حيث الصورة فليس كذلك ~~لأنه يمكنه أن يسأل غيره ثم يفتى به كما يمكنه أن يسأل غيره ثم يقضى به وإن ~~قلتم حقيقة ففى الموضعين واحد لأن الفتوى والقضاء كل واحد منهما ينبغى أن ~~يكون عن علم والتقليد لا يرجع إلى علم لأنه التقليد لا يفيد علما للمقلد ~~ولأن العلم يكون بطريق ولم يوجد طريق العلم في واحد منهما رجعنا إلى بقية ~~الكلام في الفتوى والمستفتى. # واعلم أن المفتى يجب عليه أن يفتى من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم ~~فإن لم يكن في الإقليم الذى هو فيه غيره تعين عليه التعليم والفتيا وإن كان ~~هناك غيره لم يتعين عليه لأن ذلك من فروض الكفاية وإذا قام به بعضهم سقط عن ~~الباقين فرضه وعلى هذا نقول إن الإنسان إذا تعين ms809 لطلب العلم بإنه لم يكن في ~~ناحيته من يصلح لطلب العلم سواه يجب عليه أن يطلبه ولا يحل له أن يتركه ~~وهذا إذا وجد فيه شروط الطلب وشروط الطلب في الإنسان صحة حواسه ووفور عقله ~~وسلامة اليته فإذا تكاملت فيه الية الطلب وجب عليه الطلب ويجب على المطلوب ~~منه أن يجيب ويعلم إذا تعين لذلك والأصل فيه قوله عليه السلام: "كن عالما ~~أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامس فتهلك" 2 وروى عن علي رضى الله ~~عنه أنه قال: الناس ثلاث عالم ربانى ومتعلم على سبيل النجاة وهمج رعاع ~~أتباع كل ناعق لم يستطيبوا العلم فأن PageV02P355 # أمسك الطالب عن الطلب سقط الفرض عن المطلوب منه وكان الطالب بالإمساك ~~عاصيا وإن طلب الطالب وأمسك المطلوب منه عن فرض التعليم كان المطلوب منه ~~بالإمساك عن التعلم عاصيا وهذا إذا لم يوجد غيره وأما الطالب فقد سقط عنه ~~فرض المطلوب. # والحالة الثانية: أنه لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ولا ~~يتعين على المطلوب منه فرض التعلم لوجود غيره فيكون الطلب والتعليم ندبا في ~~حقهما ومن فروض الكفاية في حق الكافة وإذا شرع الطالب في الطلب سقط به ~~الفرض عن المطلوب منه وإذا أجاب المطلوب منه سقط به الفرض عن المطلوبين ~~أعنى فرض الكفاية. # والحالة الثالثة: أن يتعين على الطالب فرض الطلب لعدم غيره ولا يتعين على ~~المطلوب منه التعلم لوجود غيره فيكون التعلم متعينا على الطلاب والتعليم ~~ندبا في حق المطلوب منه. # والحالة الرابعة: أن لا يتعين على الطالب فرض الطلب لوجود غيره ويتعين ~~على المطلوب منه فرض التعليم لعدم غيره فيكون الطلب ندبا في حق الطالب ~~والتعليم فرضا متعينا على المطلوب منه وإذا استفتى المفتى من لا يجد غيره ~~وجب عليه أن يفتيه ويتعين فرض الفتيا عليه إن علم أنه يعمل بقوله ولا يجب ~~عليه إن علم أنه لا يعمل بقوله وإن كان المستفتى يجد غيره كان فتياه ندبا ~~ولم يكن فرضا متعينا ولا يجوز للمفتى أن يطلب ms810 على الفتوى أجرا لقوله تعالى: ~~{ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} [البقرة: 41] أى ياخذوا عليه أجرا ويجوز أن ~~يقبل الهدية بخلاف الحاكم لأن الحاكم يلزمه حكمه. # وإن اجتهد المفتى في حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة أخرى ~~فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد؟ فيه وجهان: فمن أصحابنا من قال: يفتى ~~بالاجتهاد الأول. # ومنهم من قال: يحتاج أن يجدد الاجتهاد1 والأول أصح. PageV02P356 # فأما المستفتى فلا يجوز له أن يستفتى من شاء على الإطلاق لأنه ربما ~~يستفتى من لا يعرف الفقه بل يجب أن يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانه ~~ويكفيه في ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده ~~وإن كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد؟ فيه وجهان: فمن أصحابنا من قال: ~~يقلد من شاء منهم. # وقال أبو العباس والقفال: يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين وهذا قد ~~ذكرناه من قبل. # وإن استفتى رجلين نظر في الجواب فإن اتفقا في الجواب عمل بما قالا وإن ~~اختلفا فأفتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف فيه أصحابنا على ثلاثه ~~أوجه: # منهم من قال: لا يأخذ بما شاء منهما. # ومنهم من قال: يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما. # ومنهم من قال: يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والأولى أن يقال يجتهد ~~ممن يأخذ بقوله منهما1. # وأما الذى قال: إنه يأخذ بأغلظ الجوابين فقد يكون الحق في أخف الجوابين ~~قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ~~وقال النبى صلى الله عليه وسلم: "بعثت بالدين الحنيفية السهلة السمحة" 2 ~~وقد قيل يأخذ بأخف الجوابين لهذا الدليل. # فإن قال قائل: هل يجوز للعامى أن يطالب العالم بدليل؟ # الجواب قلنا: لا يمنعه أن يطالب به لأجل احتياطه لنفسه ويلزم العالم أن ~~يذكر الدليل إن كان مقطوعا به لإشرافه على العلم بصحته ولا يلزمه أن يذكر ~~له الدليل إن لم يكن مقطوعا به لافتقاره إلى الاجتهاد ويقصر عنه العامى. # فإن قال قائل قد اخترتم إن يكون على العامى الاجتهاد في ms811 أعيان الفقهاء ~~فأيش PageV02P357 # يجب عليه من ذلك؟ # الجواب: أن الذى عليه في الإخبار والاستخبار أن يعرف شواهد حاله ويسأل ~~عنه من يثق بصدقه ويجب على من استخبر منه أن يخبر على ما عرفه من حاله فإن ~~لم يغلب على ظنه صدق الواحد والاثنين استزاد والاحتياط أن يزيد بقدر ما ~~يمكنه ليزداد ثقة وطمأنينة. # وقد قيل: إنه إذا اجتمع عالمان على جواب وتفرد أحدهما بخلافه أخذ بقول ~~الاثنين لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الشيطان مع الواحد وهو من ~~الاثنين أبعد" 1 وهذا إنما يأتى عند استواء الكل بعد اجتهاده منهم وأما إذا ~~تفاضلا في العلم فلا بد أن يكون الأخذ بقول الأفضل أولى # وقد قيل: يجوز الأخذ بقول المفضول2 كما يجوز للحاكم أن يقبل شهادة العدل ~~وإن كان هناك من هو أعدل منه ولأن الصحابة قد تفاضلوا تفاضلا بينا فما ~~منعوا من استفتاء المفضول مع وجود من هو أفضل منه. وإذا سمع المستفتى جواب ~~المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه فيصير العمل لازما بالانقياد ويجوز ~~أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به وقد قيل: إنه يلزمه إذا وقع في ~~نفسه صحته وحقيقته وهذا أولى الإوجه وأذا لم يعلم المستفتى لسان المفتى ~~فيكفى ترجمة الواحد ويجوز أن يجيب باللسان ويجوز أن يجيب بالكتبه. # مسألة: ويجب على العامى أن يستفتى إذا وقعت له الحادثة: # ولم يحتمل التأخير فيلزمه تعجيل السؤال وهذا في الديانات إذا توجه فرضها ~~عليه لزمه الاستفتاء بأعجل ما يمكنه فأما في المعاملات فإن توجه الحق عليه ~~لزمه الاستفتاء فيه وأن كان الحق له مخيرا فيه ثم ما يسأل عنه من فروض ~~الديانات ينقسم على خمسة أقسام: # أحدها: ما تعين فرضه على كل مكلف على الإطلاق وهو الإيمان ومسألة الصلاة ~~PageV02P358 # التى لا تسقط عمن عقلها من المكلفين ولا مهلة في تأخير العمل بها. # والقسم الثانى: ما يجب على المكلف بوجود شرط ولا يجب عليه مع عدم الشرط ~~وهوالحج الواجب بوجود الزاد والراحلة والزكاة الواجبه بوجود المزكى ms812 فلا ~~يلزمه العمل بتفصيل أحكامها إلا بعد وجود الشرط. # والقسم الثالث: ما تغير فرضه بتغير صفة المكلف وهو الحر والعبد والمسلم ~~والكافر فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما اختلف منها بانتقالهم عن ~~أحوالهم. # والقسم الرابع: ما يختلف أحكام الإنسان باختلاف أحواله كالمسافر والمقيم ~~والطاهر والحائض فيلزمهم بعد اختلاف أحوالهم أن يعلموا ما عليهم من العزائم ~~وهم مخيرون في استعلام ما لهم من الرخص. # والقسم الخامس: فرضه على الكفاية كالجهاد وطلب العلم وغسل الموتى والصلاة ~~عليهم فلا يلزم مع طهور الكفاية أن تعلم ويلزم العلم بها عند التعين عليه. # واعلم أن فرض التعليم الذى على الآباء للأولاد وذلك إذا بلغ الولد ستة ~~فينبغى الإب أن بذكر أن الله عز وجل خالقه ومعبوده وأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم1 نبيه ورسوله وأنه على دين الإسلام وأنه لا نبى بعد نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم2 وأنه بعث بمكة ودفن بالمدينة. # ويذكر له بحيث تزول عنه الشبه ليألفه وينشأ عليه إذا بلغ سبعا وصار بحيث ~~يؤمر وينهى عليه الطهارة ومواجبها والصلاة وما يشتمل عليها فبأمر بفعلها ~~ولا يضربه على تركها لضعفه عن احتمال الضرب حتى يبلغ عشرا فإذا بلغ عشرا ~~يضربه3 إن تركها لأن هذا أولى زمان البلوغ ومبادى القوة ويذكر للغلام ~~والجارية ما يكون بلوغهما به ويذكر لهما استقرار الفرض عليهما بالبلوغ ~~ويعلمهما ستر العورة واجتناب القبائح ويعلمهما من مصالح الدنيا ما يكون ~~باعثا على صلاح أحوالهم ويكون التعليم بما اختص بأمور الدين فرضا وبما اختص ~~بأمور الدنيا ندبا لأن أمور الدين محمولة على الاعتقاد وأمور الدنيا محمولة ~~على النفل. # وهذا الذى ذكرناه واجب على الآباء في مبادى التربية وتختلف مبادىء ~~التعليم على PageV02P359 # قدر ما ركب الله فيهم من العقول ليثبتوا عليها فتصيرمستقرة في غرائزهم ~~فإن لم يكن لهم آباء فعلى الأمهات فإن لم يكن لهم أمهات فعلى الأولياء ~~الأقرب فالأقرب منهم فإن لم يكن لهم أولياء فعلى الإمام وإن اشتغل الإمام ~~عنهم فعلى جميع المسلمين ويتوجه فرض كفايته على من ms813 علم بحاله منهم إذا كان ~~قريب الدار ولا يلزمه من لا يعلم ولا من بعد وإن علم وإذا كانت الصغيرة ذات ~~زوج وأبوين وجب تعليمها على الأبوين فأن عدما فالزوج أحق بتعليمها من سائر ~~أوليائها وإن كان الصغير ذا زوجة لم يكن عليها فرض تعليمه وفى الصغيرة لها ~~زوج يجوز أن يقال يجب على الزوج تعليمها مثل ما يجب على حق الأولياء ويجوز ~~أن يقال إنه يكون ندبا في حق الزوج وإن كان واجبا في الأولياء وإذا كان ~~الزوجان فقيهين وقد آلى منها وقد مضت عليها أربعة أشهر فإن اعتقدت الزوجة ~~أنها قد بانت منه وحرمت عليه واعتقد الزوج أنها لم تبن فعلى كل واحد منهما ~~أن يعمل بمعتقده فيلزم الزوجة منعه من نفسها وتهرب منه وللزوج أن يستمتع ~~بها ويكرهها ويتوصل كل واحد منها إلى معتقده بما هو دون القتل والضرب يفضى ~~إلى تلف النفس فإن أفضى إلى القتل وتلف النفس كف وكان حكمه فيما قيل حكم ~~المكره يئول فيه المأثم عن الموطؤة لإكراهها وعن الوطىء لاعتقاده وهكذا لو ~~أفتاهما فقيه بالجوبين المختليفين وكان جاهلين بالحكام وإذا اعتدت الزوجة ~~لاعتقادها أنها1 قد بانت منه حل لها أن تتزوج في الباطن لغيره وحرمت في ~~الظاهر على من يريد أن يتزوج بها وحل للأول وطئها في الظاهر كما بينا وحل ~~للثانى وطئها في الباطن فإن حكم بينهما حاكم عدل بأحد الحكمبن تعين وثبت ~~الحكم له وإذا تنازع اثنان في حق ودعا أحدهما صاحبه إلى الحاكم وجب على ~~صاحبه إجابته في الظاهر والباطن وإن كان الحاكم عدلا من أهل الاجتهاد وإن ~~كان غير عدل أو كان من غير أهل الاجتهاد لزم إجابته في الظاهر لئلا يتظاهر ~~بشق العصا ومخالفة الولاة ولا يلزمه الإجابة باطنا فيما بينه وبين الله ~~تعالى لأن طاعة الولاه تجب على أهل العدل منهم دون من يجوز منهم وقد قال ~~أبو بكر رضى الله عنه: أطيعونى ما أطعتكم في الله عز وجل فإن عصيت الله فلا ~~طاعة لى عليكم. ms814 فأن حكم غير العدل بينهما التزما في الظاهر وإن كان في ~~الباطن غير لازم. وحكى أبو سعيد الإصطخرى أنه إذا ادعى كان له الامتناع ~~ظاهرا وباطنا وإن أفضى الإمتناع إلى قتله وحمله على PageV02P360 # قوله عليه السلام: "من قتل دون ماله فهو شهيد" 1 وإذا حكم العدل بين ~~خصمين لم يخل حالهما من أن يكونا من أهل الاجتهاد أو من غير أهله فإن لم ~~يكونا من أهل الاجتهاد لزمهما ما حكم به عليهما في الظاهر والباطن وإن ~~استفتيا فأفتى يلزمهما أيضا حكم ما أفتى به لكن يكون حكم الحاكم ألزم من ~~فتيا المفتى وإن كان المتحاكمان من أهل الاجتهاد ولم يخل حكمه عليهما من ~~ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يكون حقا عندهما فعليهما إلزامه. # والحالة الثانية: أن يكون باطلا عندهما فيلزمهما عملا ولا يلزمهما معتقدا ~~ويجوز أن يقال يلزم المحكوم عليه ولا يلزمه المحكوم له لأن المحكوم له مخير ~~والمحكوم عليه مخير. # والحالة الثالثة: إن يكون عند احدهما حقا وعند الآخر باطلا فإن كان ~~معتقدا لحق هو المحكوم له وجب له استيفاؤه وعلى المحكوم عليه أداؤه وينبغى ~~على قول الشافعى رحمه الله أن لا يجب على المحكوم عليه أداؤه في الباطن وإن ~~أوجب الحكم أداؤه في الظاهر وإن كان معتقدا لحق هو المحكوم عليه ومعتقد ~~الباطل هو المحكوم له وجب على المحكوم عليه أداؤه في الظاهر والباطن ~~واستيفاؤه وللمحكوم له استيفاؤه في الظاهر وفى استباحته له في الباطن ~~مذهبان2 وإذا استفتى المتنازعان فقيها مع وجود الحاكم فإن التزما فتياه ~~عملا بها وإن لم يلزما فتياه كان الحاكم أحق بالنظر بينهما ولو لم يجدا ~~حاكما فقد قيل: يلزمهما فتيا الفقيه إذا لم يجد غيره مفتيا ولا حاكما. ~~وقيل: لا يلزمهما حتى يلتزماها ولو وجدا غيره لزمهما من الفقهاء ولم يجدا ~~حاكما لم يلزمهما فتيا الفقيه حتى يلتزماها ويفتيهما باقى الفقهاء بمثل ~~فتيا الأول وإن التزما فتيا الفقيه ثم تنازعا إلى الحاكم فحكم بينهما بغيره ~~لزمهما فتيا الفقيه في الباطن وحكم الحاكم في الظاهر. ms815 وقيل: يلزمهما حكم ~~الحاكم في الظاهر ولو استفتيا فقيها فأفتاهما ورضى به أحدهما وامتنع الآخر ~~لم يلزم الممتنع ولو تحاكما إلى حاكم فرضى به أحدهما وامتنع الآخر لزم ~~الممتنع ولو اختلفا فدعا أحدهما إلى فتاوى الفقهاء ودعا الآخر إلى حكم ~~الحاكم أجيب الداعى إلى حكم الحاكم لأن فتيا المفتى إخبار وحكم الحاكم ~~إخبار وإذا دعى إلى حكم الحاكم أجبر وإذا كان الفقيه عدلا والحاكم ليس بعدل ~~فأفتاهما الفقيه PageV02P361 # بحكم وحكم الحاكم بغير لزمهما في الباطن أن يعملا بفتيا الفقيه ولزمهما ~~في الظاهر أن يعملا بحكم الحاكم. # هذه جملة مسائل على الوجه الذى سردتها لا بد من معرفتها في فروع المفتى ~~والمستفتى أوردتها في هذا الموضع فليغتنمها الناظر عليها فإنها عزيزة ~~الوجود جدا وقل ما يجدها الإنسان في المذهب وليس ما يقع عنها الغنية للفقيه ~~الفقيه والله أعلم بالصواب [] 1. # اعلم أنه قد ذكر بعض الأصوليين في فصل المفتى والمستفتى كلمات أحببت أن ~~أذكرها هاهنا ويوجد في أثنائها فوائد لم تدخل فيما قد ثناه ذكر فصلا في ~~كيفية فتوى المفتى وقال: لا يجوز للمفتى أن يفتى بأحكام عن غيره بل إنما ~~يفتى باجتهاده لأنه إنما سئل عنه ولم يسأل عن قول غيره وإن سئل أن يحكى قول ~~غيره جازت حكايته ولو جاز للمفتى أن يفتى بالحكاية جاز للعامى أن يفتى بما ~~يجده في كتب الفقهاء وذكر أنه إذا أجاب الفقيه في مسألة ثم وقعت تلك ~~المسألة قال: لا يجب لاجتهاد إذا كان ذاكرا لذلك القول وذاكرا لطريقة ~~الاجتهاد لأنه كالمجتهد في الحال وإن لم يذكر طريقة الاجتهاد فهو في حكم من ~~لا اجتهاد له فالواجب عليه تجديد فتواه وهذا حسن جدا فينبغى أن يكون ~~المختار هذا الوجه لأننا قلناه من قبل. ثم قال: إذا لم يجز للمفتى أن يفتى ~~فتواه السابق فأولى أن لا يأخذ بفتوى من مات قال:: وإذا أفتى المفتى ~~باجتهاده ثم تغير اجتهاده لم يلزمه تعريف المستفتى تغاير اجتهاده إذا كان ~~قد عمل به وإن لم يكن عمل به ms816 فينبغى أن يعرفه إن تمكن منه لأن العامى إنما ~~يعمل به لأنه قول المفتى ومعلوم أنه ليس قوله [ ### | .... # ] 2 الذى يريد أن يعمل فينبغى أن يخيره بذلك. # قال: وإذا أفتاه بقول مجمع عليه لم يخيره في القبول منه وإن كان مختلفا ~~فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره وهذا لا شبهة فيه على قول من يقول كل ~~مجتهد مصيب وعلى قول من قال: إن الحق واحد. # يكون هكذا أيضا لأنه ليس بأن يجب عليه الآخر بقول أحد من المفتين بغير ~~حجة بأولى من الآخر فإن كان التخيير معلوما من قصد المفتى لم يجب عليه أن ~~يخيره لفظا بل يذكر له قوله فقط وليس كذلك الحكم لأن الحاكم منصوب لقطع ~~الخصومات فلو كان الخصم مخيرا بين الدخول تحت حكمه وترك الدخول لم تنقطع ~~الخصومة أبدا. PageV02P362 # قال الإمام: وعندمى أنه لا يجب عليه أن يبين له تخيره لأنا بينا أنه لا ~~بد للمستفتى في الاجتهاد في أعيان العلماء وإذا وجب عليه ذلك فاختار أحد ~~العلماء باجتهاده واستفتاه فقد صار في هذه المسألة بمنزلة مجتهد والمجتهد ~~لا يتخير بين الأخذ بقول غيره أو باجتهاده بل يلزمه الأخذ باجتهاد فكذلك ~~العامى يلزمه الأخذ بقول هذا العالم ولا يجب تخييره. # واعلم أن جماعة من المعتزلة منعوا العامى تقليد العالم أصلا1. وقالوا: إن ~~العامى لا يأمن أن يكون من قلده لم ينصح له في الاجتهاد فيكون فاعلا مفسدة ~~ومع توهم المفسدة لا يجوز الرجوع وقاسوا أيضا التقليد في الفروع على ~~التقليد في الأصول. # وقالوا: إذا لم يجز في أحدهما لا يجوز في الآخر قالوا: ولأنه إذا قلده في ~~مسائل الاجتهاد وقلتم إن الحق في واحد فلا يؤمن أن يقلده في شىء يكون الحق ~~بخلافه. # وعلى هذا قال أبو على الجبائى: يجوز للعامى تقليد العالم في مسائل ~~الاجتهاد لأن كل مجتهد مصيب فأما فيما ليس من مسائل الاجتهاد إذا قلنا: إن ~~العامى يقلد فيه الحق واحد فلا نأمن أن يكون قلده فيما هو خلاف الحق ms817 وقال: ~~هؤلاء لا يجوز أن يأخذ العامى بقول العالم إلا بعد أن يبين له حجته ونحن ~~نقول إن هذا غلط عظيم وخطأ فاحش فأن الصحابة والأمة من بعدهم دليل على ~~خلافه فإن الصحابة ومن بعدهم ما زالوا يفتون العوام في غوامض الفقه ولم يرو ~~عن أحد أنه عرف العامى أدلته ولا نبه على ذلك ولا أنكروا عليهم اقتصارهم ~~على مجرد الأقاويل من غير أن يستخبروا عن الأدلة ولأن العامى إذا حدثت له ~~حادثه فلا بد أن يكون مستعبدا شىء فإن ألزمناه التعلم عند بلوغه خفى فيصير ~~مجتهدا وأوجبنا هذا على كل أحد يؤدى إلى إهمال أمور الدنيا أجمع لأنهم إذا ~~اشتغلوا بذلك فلا بد أن يتعطل أمر الدنيا وأمر مصالحها فإن قالوا: لا يلزمه ~~الاجتهاد لكن العالم يبين له الدلائل يجوز هذا في آية يتلوها عليه أو خبر ~~يذكره عن النبى صلى الله عليه وسلم. # فأما القياس إنما يكون حجة ويجوز للأنسان أن يتوصل به إلى معرفة الحكم ~~الشرعى مقدما فلا يتصور حصولهما لهذا العامى بخبر يخبره العالم له عن ذلك ~~فلا ندرى كيف وقع هذا السهو [ ### | .... # ] 2 ولكن قد بينا أن من لا يكون من أهل الفقه يقع لهم السهو PageV02P363 # الكبير والأولى بالمتكلمين أن يدعوا هذا الفن للفقهاء وأن يقتصروا على ~~الخوض فيما انتصبوا له مع أنهم لو تركوا ذلك أيضا كان أولى بهم وأسلم ~~لدينهم يدل أنه إذا وقع للأنسان حادثه في صلاته أو صيامه فإذا لم يرجع إلى ~~العالم في الجواب عنها فلا بد أن يسلك طريقا يصير به عالما مجتهدا وذلك ~~بالابتداء بالتفقه والحادثه وحكمها كيف تحتمل هذا التأخير إلى أن يصير هذا ~~الرجل فقيها ومن يضمن له أنه يصير مجتهدا وأكثر طالبى العلم قد قطع الطريق ~~بهم وبقوا مقلدين وإنما يصير الشاذ النادر مجتهدا ويكون بحيث يسلم له النظر ~~وإن قال في الحال يذكر له الدليل فقد بينا أنه لا بد من مقدمات كثيرة ~~ومعرفة طرق وأسباب ووجوه وترتيبات تضل عنها فهوم المتبحرين مثل الفقهاء ms818 ~~فكيف يدركه العامى بمجرد ذكره له حتى يصير عالما ويكون وصوله إلى الحكم ~~بعلم نفسه واجتهاده. # وأما قولهم: إنه ربما لا ينصح له. قلنا: هذا باطل فمن روى خبرا في حكم ~~يلزمه الأخذ به لا يقال إنه ربما كذب له ولأنه إذا كان قد اجتمع في المجتهد ~~شرائط الاجتهاد فيمنع ذلك التوهم وهذا كالراوى إذا كان عدلا فإن عدالته ~~تمنع هذا التوهم. # وأما التقليد في الأصول فقد بينا من قبل وقد قال جماعة من أصحابنا الذين ~~يمنعون التقليد في الأصول في الفرق بين الموضعين: إن العامى إنما يلزمه ~~النظر في مسائل مخصوصة في التوحيد وسائل الصفات وإثبات القضاء والقدر وبيان ~~النبوات وما يتصل لها ومدار1 هذه الأشياء أكثرها عقلية وإنما يحتاج العاقل ~~فيها إلى تنبيه يسير فلا يؤدى إلى أن يستغرق ذلك عمره وتعطل عليه مصالحه. # وأما الحوادث الطارئة من الفروع بغير إحصاء ولا عد فالاجتهاد فيها لا ~~يمكن إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها والاستدلال بها إلا في الزمان الأطول ~~فيؤدى إلى ما قدمنا من دخول المفاسد في أمور عامة الناس. وأما الذى قاله ~~أبو على الجبائى فضعيف لأن ذلك إنما يكون بأن يلزم العامى أن يعرف مسائل ~~الاجتهاد مما ليس في مسائل الاجتهاد وإذا فعلنا ذلك فقد ألزمناه أن يكون من ~~أهل الاجتهاد لأن ذلك لا يميز إلا أهل الاجتهاد وفى ذلك من المفاسد ما ~~قدمناه وذكر فصلا في شرائط المستفتى وما يجب عليه إذا أفتاه أهل الاجتهاد ~~قال أما شرائط الاستفتاء أن يغلب على ظن المستفتى أن من يستفتيه من أهل ~~الاجتهاد مما يراه من انتصابه للفتوى بمشهد من أعيان الناس ويرى أخذ الناس ~~عنه PageV02P364 # وأن يظنه من أهل الدين بما يرى من اجتماع الجماعات على سؤاله واستفتائه ~~فيما يراه من سمات الستر والدين والأشبه أنه ليس للعامى أن يستفتى من يظنه ~~غير عالم ولا متدين وإنما أخذ عليه ذلك [ ### | .... # ] 1 الظن لأن ذلك القدر ممكن له وأما ما يجب على العامى إذا أفتاه أهل ~~الاجتهاد هو ms819 أنهم إن اتفقوا يجب على المستفتى أن يصير إلى الفتوى التي ~~اتفقوا عليها وإن اختلفوا وجب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأدينهم لأن ذلك ~~طريق قوة ظنه وهو ممكن له فجرى مجرى قوة ظن مجتهد في المسائل التي يجتهد ~~فيها # وقد ذكرنا أن قوما من أصحابنا وغيرهم أسقطوا عنهم الاجتهاد لأن العلماء ~~في كل عصر لم ينكروا على العامة ترك النظر في أحوال العلماء والأول أحسن ~~فإن اجتهد واستوى عنده علمهم ودينهم كان مخيرا في الأخذ بأى أقاويلهم شاء ~~فأيها اختاره وجب عليه كما بينا وإن كان عنده أن واحد من هؤلاء المفتين ~~أدين فيجب عليه اتباع الأدين لأن الثقة تكون بقوله أقوى وكذلك إذا كان في ~~ظنه أن أحدهما أعلم وجب عليه الأخذ بقول الأعلم لأن النفس إليه أسكن ويجرى ~~التفاضل في العلم بمنزلة التفاضل في الدين وأما إذا كانا عالمين دينين ~~وأحدهما أدين إلا أن أدينهما أنقصهما علما فإنه يحتمل أن يقال هما سواء ~~والأولى أن يرجع قول الأعلم بزيادته فيما يعين على الاجتهاد والوقوف ~~والصواب. # قال: ومثل هذا النظر لا يخفى على العوام فهو كتدبير أمور الدنيا لا يخفى ~~عليهم فلا يسقط عنهم ونذكر مسألة تقليد العالم العالم. وقال: وإن اكثر ~~الفقهاء منعوا من ذلك وذلك لأن الصحابة لم يقلد بعضهم بعضا بل ناظروا ولو ~~جاز ذلك لفعلوا ولم يكن لمناظرتهم في المسائل فائدة وأيضا فإن المجتهد ~~متمكن من الإجتهاد لتكامل الآلة فلم يجز مع تمكنه من العمل على اجتهاده أن ~~يصير إلى قول غيره كما لم يجز أن يصير إلى قول غيره في العقليات لما تمكن ~~من النظر والاستدلال عليها ولأن المجتهد لو أداه إلى خلاف قول عالم آخر وإن ~~كان أعلم منه لا يجوز له بالاجماع ترك رأيه والأخذ بقول الأعلم فيجب أن ~~يجوز له ذلك وإن لم يجتهد لأنه لا يأمن لو اجتهد أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف ~~ذلك القول. # قال: ولأن التقليد دون الاجتهاد فإذا تمكن من الاجتهاد لم يجز له العدول ~~إلى ما ms820 دونه كما لا يجوز للمتمكن من العلم أن يعدل إلى الظن وأيضا فإن ~~المجتهد متعبد PageV02P365 # بالاجتهاد وعلمه بحسبه ويكون بذلك مطيعا لله عز وجل وهذا لأن الله تعالى ~~ما نصب الأمارة إلا وقد أراد من المجتهد أن يجتهد فيها وليس بعض المجتهدين ~~بذلك أولى من البعض ولا يجوز إثبات بدل هذا التعليل الواجب إلا بدلالة ~~عقلية أو سمعية ولا دليل يدل عليه فوجب نفيه واعتمد هذا الذى أوردنا كلامه ~~وهذا بالدليل ثم ذكر احتجاج المخالفين في تقليد الصحابة بقول صلى الله عليه ~~وسلم: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى" 1 وبقوله عليه ~~السلام: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" 2 رضى الله عنهما. # وأجاب وقال: هذه أخبار آحاد لا يكون [ ### | .... # ] 3 العلم على أن أكثر هذه الأخبار خطاب مواجهة لمن كان في ذلك العصر فمن ~~لم يكن صحابيا أن يتبع الصحابة ومن لم يكن صحابيا في ذلك العصر لم يكن من ~~أهل الاجتهاد فجاز له التقليد وعلى انه يجوز أن يكون المراد به الأمر ~~بالاقتداء بهم في رويتهم لأنه يقال لمن اتبع رواية غيره إنه اقتدى به أى ~~اقتدى بروايته ثم قال: "اقتدوا باللذين من بعدى" وقوله: "عليكم بسنتى" وما ~~يشبه هذه الألفاظ أمر والأمر للإيجاب وليس يجب التقليد إلا على العامى فدل ~~أن المراد به هو العامى دون العالم. # وأما الدعاء الذى قاله لعمر وعلى فيجوز أن يكون ذلك في شىء مخصوص والدليل ~~عليه أن سائر الصحابة اجتهدوا وأفتوا بما أدى إليه اجتهادهم ولم يرجعوا إلى ~~قولهم معتقدين أن ما قالوه هو الحق والصواب دون غيره فإن قالوا: أليس أنه ~~روى أن عمر رجع إلى قول على ومعاذ رضى الله عنهما حين قال له ذلك برأيه وأن ~~سألهما عن وجه الحجة فدل أنه كان محض تقليد. قلنا: مجهول على التنبيه على ~~وجه الدليل وحين ينبهان على ذلك ننتبه. # فقال ما قال لهذا المعنى ويجوز أنه خطر له وجه قولهما حين سمع كلامهما ~~فرجع إلى ذلك لهذا ms821 ويكون على هذا عمله بعلمه واجتهاده لا بتقليدهما يبين ~~ذلك أن الإنسان إذا تردد بين رأيين في الحدث ثم صمم على أحدهما فقال له ~~قائل: ليس هذا بصواب إنما الصواب كذا وكذا فقال له: صدقت فهم الحاضرون أنه ~~صدقه لأنه PageV02P366 # تنبه على وجه الرأي إما من ذلك الكلام أو من غيره. # واحتج ايضا لهم وقال: إن المجتهد مصيب صواب وقوله صواب فجاز اتباعه. # قلنا: قولك له: صواب دعوى ويجوز أنه خطا وهذا لأنا نقول إن الصواب في قول ~~واحد من المجتهدين فالذى يظن أنه الصواب بعينه يجوز أنه الخطأ بعينه فهذا ~~حكاية ما نقله في أصوله ذكرته مع اقتصار على البعض وأفردته لأنه اشتمل على ~~فوائد في هذه المسائل المذكورة وهذه المسائل وإن دخلت فيما أوردناه من قبل ~~فقد تضمن نقله تقرير للصحيح المختار من الأقوال والله تعالى يهدى إلى ~~الصواب ويرشد بمنه إليه. # وقد أتينا على ما أورده أصحابنا من الكلام في الأصول وذكرنا المختار من ~~ذلك وأوردنا الدلائل الصحيحة في ذلك على ما يوجبه التحقيق ويصلح لتثبيت ~~الأصول التي بنينا عليها الفروع في مسائل الخلاف وبلغنا النهاية في الإيضاح ~~وكان قصدنا بذلك إن شاء الله سنبين الحق من الباطل ولم نقصد قصر الميل إلى ~~جانب دون جانب وخلينا سرد كثير مما قاله أصحابنا حين لم نجد على ذلك دليلا ~~قويا يعتمد عليه فاخترنا في الكل ما أمكن تحقيقة وإثباته بطريق الزمان ولم ~~نقنع بمحض الجدل والله تعاله يجعل سعينا في ذلك لوجهه وطلب مرضاته والأولى ~~أن نقنع بالكفاف لا لنا ولا علينا وفيه الربح العظيم والنجاة من الخسارة. # PageV02P367 ### | فصل: مسألة النسبة إلى الإمام الشافعي # ... # "فصل"1: وقد بقيت علينا مسألة النسبه إلى الإمام المطلبى الشافعى رحمه ~~الله: # وهذا أمر يعرف باستقراء المسائل والنظر في دلائلها فإن المجتهد لا يقنع ~~بمجرد التقليد والنسبة من غير معنى وقد ذكرت في كتاب الاقتصار طرفا من ~~تقديم أصحاب الحديث على أصحاب الرأى # وقد ذكرنا دررا من فضل الشافعى رحمة الله وذكرت أيضا في ms822 الكتاب الذى ~~سميته البرهان المسائل من أصول المخالفين يأتى على تشنيعات عليهم في أشياء ~~اختاروها لا يصح ذلك على أصول الشرع وسردت ذلك سردا من أول كتاب الطهارة ~~إلى آخر الكتب فلم أحب إعادته في هذا الموضع وأيضا فإن سائر أصحابنا قد ~~اعتنوا في ذلك وصنفوا الكتب وقد بالغوا ولم يقصروا وعلى الجملة نقول إن ~~الانتساب إلى الشافعى استنان فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الأئمة من ~~قريش" 2. وقال في موضع آخر: "الناس تبع لقريش في هذا الأمر أبرارهم تبع ~~لأبرارهم وفجارهم تبع لفجارهم" 3 فذكر أنهم الأصل وأن باقى الناس تبع لهم ~~ولا بد للمتبع من مقتدى به في الجملة والتقليد وإن لم نجوزه للعالم ولكن ~~لأجل حرمة ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن بد من أمام ينتسب إليه ~~لنكون ممتثلين لقول صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه: "الناس تبع لقريش" ~~فاخترنا الأمام المطلبى محمد بن إدريس الشافعى رحمه الله ورضوان الله عليه ~~لأنا لم نجد في الأئمة الذين مهدوا الأصول وفرعوا التفريعات وتكلموا في ~~المسائل على ما توجبه الأصول والاجتهاد الصحيح المبتنى على القواعد الصحيحة ~~أحدا من قريش سوى الشافعى رحمه الله والباقون لا مطعن عليهم وقد تحروا الحق ~~وطلبوه بجهدهم لكن العالم الذى لا يجوز له التقليد وإنما يطلب الانتساب ~~المحض بوجه الاستنان بقول الرسول صلى الله عليه وسلم فتعين الانتساب إلى ~~الشافعى رحمه الله لما بينا من قبل. # وأما العامى الذى يقلد ويطلب الانتساب إيضا فالأولى له وبه أن ينتسب إلى ~~هذا PageV02P368 # الإمام لأن القرشى إمام مقتدى به بقول صاحب الشرع مؤيد بزيادة لا توجد في ~~غيره وهو قوله عليه السلام: "رأى رجل من قريش مثل رأى رجلين من غير قريش" ~~يعنى في إصابة الصواب فيكون أبو حنيفة ومالك وغيرهما على النصف من الشافعى ~~في إجابة الحق فيتعين لهذا أيضا الانتساب إلى مثل هذا الإمام ثم بعد هذا ~~إذا نظر العالم إلى المسائل وأصولها وفروعها وجد أصول الشافعى رضى الله عنه ~~موافقة ms823 للكتاب والسنة مؤيدة بهما مستمرة على الإخبار إذا وجدها استمرارا ~~صحيحا مستقيما ويتبع الصحيح منها ويدع الرأى حين يجده فلا يأمر بعرض حديث ~~على قياس ولكن يأمر بعرض القياس على الأحاديث فإن وجدها معترضا على خبر من ~~ذلك حكم برده وقدم الحديث ويقول بطرح المراسيل والمناكير ويعرض عن رواية ~~المجاهيل ولا يفرع إلا على أصل صحيح وفى القياس يطرد القياس طردا ولا يدعه ~~باستحسان ولا يمنع أيضا في موضع يمكنه استعماله فيه ويطلب المعانى المؤئرة ~~والأشباه الصحيحة ويطلب المعانى المؤثرة في العلل ليكون برىء الجانب. # مسألة1: من المناقضة الموحشة وفى كلام كثير وخطب عظيم لكنا اقتصرنا على ~~هذا القدر وأشرنا إلى طرف منه والله ولى التسديد بمنه وعونه ويتلوه إن شاء ~~الله ذكر مسائل وفصول اختصر أبو زيد بإيرادها في أوصله والكلام عليها والله ~~المعين. # واعلم أنا قد أتينا على مقصودنا من الكلام في أصول الفقه على ما ذكره ~~الصحابة وأوردنا الصحيح من ذلك على سبيل التحقيق لا على سبيل المجاز ~~والتجوز على ما يفعله كثير من المتفقهة وحين فرغنا من ذلك فقد ذكر القاضى ~~أبو زيد الدبوسى في آخر كتابه الذى صنفه في أصول الفقه وسماه تقويم الأدلة ~~فصولا لا توجد في سائر الأصول وللفقهاء حاجة إليها خصوصا في الطريقه التي ~~هى معهودة الوقت فأحببت إيراد ذلك والكلام عليه في المواضع التي يجب الكلام ~~عليها فيكون مخالفا لأصولنا التي تبنى عليها التفريعات لنزول حيرة السامع ~~لذلك حين يسمعه ويعرف وجه الكلام عليه إذا احتاج إليه ونسأل الله تعالى ~~المعونة في ذلك والتأييد بمنه بدأ يذكر [فصلا] 2 في خبر أهلية الآدمى لوجوب ~~الحقوق الشرعية وهى الأمانة التي حملها الإنسان قال: لا خلاف أن الآدمى ~~يخلق وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه فإنه يخلق وعليه عشر الأرض PageV02P369 # وخراجها بالإجماع وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز واختلفوا فيما سقط عنه ~~بعذر الصبى كما يسقط بعذر الحيض عن الحائض لا أنها ليست بأهل للإيجاب عليها ~~فإن الصوم قد لزمها وهذا لأن الآدمى أهل ms824 الوجوب عليه بالذمة فمحل الوجوب هو ~~الذمة. # يقال: وجب في ذمته كذا ولا يضاف الوجوب إلى غيرها والآدمى كما خلق خلق ~~وله ذمة أترى أن الطفل إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه يلزمه ضمانه بخلاف ~~البهيمة وكذلك يلزمه مهر أمراته وسائر حقوق الناس وإنما عرف وجوهها بالشرع ~~ولأن الذمة عبارة عن العهد فالله تعالى لما خلق الإنسان ليتحمل أمانته ~~أكرمه بالعقل والذمة حتى صار أهلا لوجوب الحقوق له وعليه فثبت له حق العصمة ~~والحرية والمالكية بأن حمل حقوقه وثبتت عليه حقوق الله تعالى التي سماها ~~أمانة كما إذا عاهدنا الكفار وأعطيناهم الذمة ثبت لهم وعليهم حقوق المسلمين ~~في الدنيا والآدمى لا يخلق إلا وله هذا العهد والذمة فلا يخلق الا وهو أهل ~~لوجوب حقوق الشرع عليه كما لا يخلق إلا وهو حر مالك لحقوقه ولأن هذه الحقوق ~~الشرعية التي تلزم الآدمى بعد البلوغ تجب بلا اختيار منه جبرا وشاء أو أبى ~~وإذا لم يتعلق الوجوب عليه بتمييزه واختياره لم يفتقر الوجوب إلى قدرة ~~العمل ولا قدرة التمييز. # ألا ترى: أن الصلاة تلزم النائم والمجنون على أصلنا إذا كان الجنون أقل ~~من يوم وليلة ثم قال: لا يجوز أن يقال: إن وجوب الحقوق بالخطاب بل الوجوب ~~بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا للوجوب وليس بالأمر والخطاب والأسباب هى ~~ملك النصاب للزكاة والأراضى العشرية للعشر والأراضى الخراجية للخراج والبيت ~~للحج والأوقات للصلوات وشهر رمضان للصوم والآيات الدالة على الله تعالى ~~للإيمان والنكاح للمهر والشراء للثمن والقرابه للنفقة ويجوز ذلك ثم الخطاب ~~بعد ذلك لطلب أداء الواجب بسببه نحو قولك لغيرك اشتريت عبدا بألف درهم فأد ~~ثمنه فيكون وجوب الثمن في الذمة بالشراء لا بقولك أد الثمن. بل قولك أد ~~الثمن طلب للخروج عن الواجب بالأداء إلى مستحقه فكذا قول الله تعالى: {فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] أي: ليؤد الواجب عليه بشهود الشهر ~~وقوله: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] أي: أدوا ما يلزمكم بأوقاتها وهذه ~~الأسباب قائمة في حق البالغ والصبى على السواء فلا ينبغى ms825 أن يقع الفرق ~~بينهما في صحة الوجوب فعلمنا أن سقوط ما سقط عن الصبى كان بعذر يسقط بمثله ~~بعد البلوغ تيسيرا علينا لأنه ليس بأهل له وإنما يفارق الصبى الذى لا يعقل # PageV02P370 # العاقل في وجوب أداء ما لزم ذمته بأن تعلق من صاحب الحق بالأمر والخطاب ~~وغير العاقل ليس من أهله فلا يلزمه الأداء إلا على ما نذكر بعد هذا وهذا ~~كما قيل إن النائم يلزمه حقوق الله تعالى ولا يلزمه أداؤها حتى يستيقظ لأنه ~~لا يقدر عليه ولا يعلم به وهذا لأن الأداء إنما يكون بفعل منا على سبيل ~~الاختيار فلا بد من العلم به ثم القدرة عليه. # فأما الوجوب في الذمة فصحيح بدون اختيارنا فلم يكن من شرط صحته إلا ~~قدرتنا ولا علمنا به. # قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن الوجوب للأداء لا لنفسه فلا يجوز الإيجاب ~~على من لا يقدر على الأداء فإن الوجوب بالأداء لا يتعين حال الوجوب بل يجوز ~~بعده بزمان إما أداء وإما قضاء فصح الإيجاب على ما من حالة قدرة الأداء ~~والقضاء في الجملة والصبى من تلك الجملة كالنائم والمغمى عليه. فإن قيل: ~~وأى واجب علينا في باب العبادات البدنية سوى الأداء قلنا: قال: الوجوب حكم ~~إيجاب الله تعالى بسببه والواجب اسم ما لزمه في ذمته بالإيجاب والأداء فعل ~~العبد الذى يسقط الواجب عنه وإنما هذا بمنزلة رجل استأجر خياطا ليخيط له ~~ثوبا بدرهم فليلزم الخياط فعل الخياطة نفسها وبها يقع تسليم ما لزمه بالعقد ~~والأداء بالخياطة وكان الفعل المسمى واجبا في الذمة غير المؤدى حالا ~~بالقميص وكذلك دراهم مؤداة عينا بدراهم في الذمة فيكونان غيرين لا محالة ~~فإن قيل: أرأيت لو مات الولد قبل أن يعقل حتى لم يقدر على الأداء لم نجعله ~~أنه أمانة الله سبحانه وتعالى واستحقاق الجزاء في الآخرة. # قلنا: اختلفوا في هذه المسألة روى عن أبى حنيفة أنه توقف في جواب هذه ~~المسألة. # وحكى عن محمد أنه قال: إنما أنا أعلم أن الله تعالى لا يعذب أحدا بغير ms826 ~~ذنب وقد جاءت الأخبار بأن الأطفال يكونون شفعاء لآبائهم يوم القيامة فأما ~~الخلاف بينهم في وقوع الحمل عليهم على ما مر اختلافهم في الجزاء لا يدل على ~~خلافهم في الحمل فالجزاء يقابل الأداء لحمل الأمانة فإنها تقع عليها بإيجاب ~~الله تعالى شئنا أو أبينا كما بعد البلوغ لا يجب الجزاء لوجوب الصلاة علينا ~~بل الأداء. # ويحتمل أن يقال: بأن الله تعالى لما حمل الأطفال أمانته بالإيجاب عليهم ~~أهلهم لذلك باستحقاق الجزاء ولم يؤاخذهم بتركهم الأداء وأنابهم كرما وألحق ~~غير المؤدى بالمؤدى بعذر العجز بمنزلة البالغ يدركه وقت الصلاة وهو لا يجد ~~ما يتطهر به فإنه يلزمه # PageV02P371 # الصلاة ولا يؤاخذ إذا مات قبل الأداء ويثاب وهذا لأن الإيجاب شرعا بنى ~~على ظاهر الحال لا على ما يكون في الغيب ولظاهر الحال كل صبى ممن يرجى منه ~~الأداء أرأيت طفلا له أرض عشرية ولا ولى له أليس يلزمه العشر أو الخراج إن ~~كانت خراجيه وإن مات قبل أن يلى عليه أحدا ويقدر بنفسه وكم من بالغ يلزمه ~~حقوق الله تعالى ثم لا يقدر على الأداء فيسقط عنه. # فإن قيل: قد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى ~~حتى يحتلم" 1 الخبر قلنا: رفع القلم لا يدل على رفع الوجوب في الذمة وإنما ~~يدل على سقوط أداء الوجوب لأن القلم للحاسب والحساب على ترك ما عليه من ~~الأداء لا على الوجوب في ذمة فإن الواجب إذا تأجل لم يؤاخذ العبد به ~~والوجوب قائم ألا ترى: أنه قرنه بالنائم والنائم يلزمه الصلاة في ذمته ولا ~~يلزمه الأداء حتى يستيقظ فكذلك الصبى هذا كلامه في هذا الفصل أوردته على ~~الوجه. # واعلم أن هذا الفصل الذى زعمه وهو أن وجوب العبادات لا يكون بالخطاب بل ~~إنما يكون بالأسباب قد بينا من قبل أن هذا خطأ عظيم وإنما الوجوب بالأمر ~~والأوقات المذكورة علامات وأمارات للوجود وذكرنا الدليل على ذلك بأوضح مما ~~يكون فلا معنى للإعادة. # فإن قالوا: نحن نقول إن الموجب هو ms827 الله تعالى لكن بهذه الأسباب لأن هذه ~~الأسباب مجعولة أسبابا من قبل الله تعالى. قلنا: إذا اعترفتم أن الأسباب من ~~قبل الله تعالى فيكون الأمر أدل على الإيجاب من السبب فيكون إحالة الإيجاب ~~عليه اولى من إحالته على السبب وهذا لأن أمر الرب تبارك وتعالى مؤثر في ~~الإيجاب على العبد لأن للموالى أن يستعملوا عبيدهم في أوامرهم فإما وقت ~~يمضى ومكان يتغير وبيت يبنى ولا يعرف لهذه الأشياء تأثير في إيجاب شئ على ~~أحد والذى ذكر من كون الذمة محل الوجوب. # قلنا: بلى ولكن بالأمر والخطاب لا غير. # وقولهم: إن الأمر بالصلاة إنما يقتضى الأداء فحسب. # قلنا: يقتضى الأداء ويقدم الوجوب كما بنيا في أمر السيد وعبده وإذا ثبت ~~أن PageV02P372 # والوجوب بالخطاب فكل من ثبت في حقه الخطاب ثبت الوجوب ومن لم يثبت في حقه ~~الخطاب لم يثبت في حقه الوجوب إما بصغر أو جنون أو نوم. # ونقول على هذا في النائم والمغمى عليه والحائض إنما يجب عليهم كما يجب ~~بعد اليقظة والإفاقة والطهر من الحيض. # وهذا لأن القضاء يجب بأمر جديد لا بالأمر السابق فاستقام أن يجب على ~~هؤلاء هذه العبادات بعد زوال الأسباب المانعة في الخطاب ووجوبه باسم القضاء ~~لا يدل على أن الوجوب ثبت عليهم في حال النوم والإغماء وحال الحيض لما بينا ~~أنه وجب بأمر جديد لا بالأمر الأول غير أنه لولا الأمر الأول وامتناعه ~~بالعوارض المعلومة لم يجب شئ بهذا الأمر الثانى. فمن هذا الوجه سمى قضاء ~~فيمكن أن يقال: إن الإيجاب ليس إلا إيجاب الأداء فإذا سلموا بثبوت الأداء ~~بالخطاب فقد سلموا أن أصل الوجوب بالخطاب لأنه لا يعرف الوجوب إلا وجوب ~~الأداء وقد قررنا هذا في الخلافيات وهذا لأن الأمر لا يكون إلا لفائدة ولا ~~فائدة للإيجاب إلا الأداء فدل أن الإيجاب ليس إلا أيجاب الأداء ويقال لهم: ~~أيش وجب عليه؟ ولا يمكنهم أن يحققوا وجوب شئ عليه بأى معنى ذكروا سوى فعل ~~هذه الأشياء أصلا. # PageV02P373 ### | فصل: في حين الخطاب شرعا # ... # "فصل"1: # ثم ms828 ذكر بعد هذا الكلام في حين الخطاب شرعا قال: لا خلاف أن حين الخطاب ~~شرعا حين البلوغ عن قدرتين: قدرة فهم الخطاب بالعقل وقدرة العمل وهو بالبدن ~~بدليل قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ولا وسع ~~إلا بعدها بين القدرتين وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~[الحج: 78] أى ضيق. # وقال تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] أى الثقل فدل رفع الحرج ~~والإصر على رفع ما لا يطاق بطريق الأولى فدلت آية الوسع أنه لا تكليف. لأول ~~حال الأدمى لأنه لا قدرة له أصلا ودلت الآية الثانية على سقوطه لأول ما ~~يعقل لأنه يخرج للفهم بأدنى عقله ويثقل عليه الأداء إلى أن يعتدل عقله ~~وقدرته فيشق عليه الفهم والعمل به ثم وقت الاعتدال متفاوت في جنس بنى آدم ~~فلا يمكن الوقوف عليه إلا بعد تجربة وتكليف عظيم فوقت الله تعالى بحال ~~تعتدل لديه العقول في الأغلب على سلامة الفطرة من الآفات وهو البلوغ فقام ~~البلوغ شرعا مقام اعتدال العقل فتوجه لديه PageV02P373 # الخطاب وإن لم يعتدل وسقط قبله وإن اعتدل دفعا للحرج الذى كان يلحقنا ~~بالوقوف على الاعتدال بالتجربة لكل صبى. # قال: وقد بينا إقامة الأسباب مقام العلل وتعطيل العلل في أنفسها تيسيرا. # قال: وقد أيد هذا القول قول النبى صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ~~ثلاثة" الخبر والقلم لا يكون إلا للحساب ولا حساب إلا بعد الخطاب على ما ~~قلنا أن الحساب لا يكون إلا على الوجوب في الذمة بل هو بعد طلب الأداء ~~بالخطاب ونحن نقول هذا الذى ذكره هذا الفاضل تكليف عظيم ولا حاجة إلى هذا ~~التكليف أصلا لأنا قد بينا أن الوجوب بالخطاب والخطاب وجد من الشرع بعد ~~البلوغ لا قبل البلوغ ويجوز أن يقال: إن العمل إنما يكمل بعد البلوغ. فأما ~~قبل البلوغ فلا. فاعتبرنا ما يغلب وجوده في بناء الخطاب عليه وسقط ما يندر ~~وجوده. # وأما العشر والخراج والزكاة على أصلنا فنحن نقول: إن الإيجاب على الصبى ~~اعتبار نيابة الولى ms829 عنه وهذا ممكن في العبادات المالية لجريان النيابة فيها ~~فأما في العبادات البدنية فلا يمكن لأن النيابة لا تجرى فيها وفى هذه ~~الأشياء المالية يكون أيجاب فعل الشئ وأيفائه إلا أنه يستقيم بما يتأدى في ~~حق الصبيان والمجانين بالطريق الذى بينا ومثل هذا لما لم يسقم في العبادات ~~البدنية قلنا إنها تسقط أصلا ثم ذكر بعد ما حكيناه فصلا في بيان ما أسقط من ~~الحقوق بعذر الصبى رحمة أما الأول أمره فللعجز الحقيقى وفيه الحكمة وأما ~~بعد ما عقل فللحرج وأنه رحمة وأنه بمنزلة ديون على معسر فيكون أصل الحق على ~~الغريم وحق الأداء ساقط إلى أن ينقضى الأجل الثابت بالعشر ولأن سقوط الخطاب ~~بالأداء يدل على سقوط وجوب الأداء فإن الوجوب في الذمة لا يوجب الأداء ~~عقيبة بحال. # ألا ترى أن من باع عبدا بألف درهم وجب الألف ولا يجب الأداء إلا بعد ~~الطلب وكذلك إذا استأجر رجلا ليخيط له ثوبا بدرهم وجب عليه ولا يجب الأداء ~~في الحال حتى ينقضى مطالبه فكذلك حق الله علينا فإن قيل: أليس لا يحل تأخير ~~المغرب1 عن أول الوقت ولا تأخير العصر2 إلى آخره ولا عن الوقت؟ قلنا: ثبت ~~ذلك بخطاب غير PageV02P374 # الوجوب عليه بدخول الوقت. # ألا ترى أن الفقهاء اختلفوا في التأخير بقدر بما ثبت عندهم من الدلائل مع ~~اتفاقهم على أصل الوجوب بدخول الوقت وأما التأخير عن الوقت فتفويت لعين ~~الوجوب إلى ذيله وتفويت الحق تعدى زائد عن ترك الأداء فيحرم كإتلاف عين ~~الغير عنده ولهذا لا يأثم الصبى ولا يحاسب وكذلك إذا استوصف الله تعالى في ~~حال صباه فلم يصف لا يكون كفر بعد البلوغ لأن الوصف أداء لفرض الإيمان ولا ~~أداء عليه حال الصبا ولذلك إذا لم يستدل بالإيمان حتى بقى على جهله وإن كان ~~في حكم المسلمين كالذى لا يعقل. # فإن قيل: إذا أسلمت امرأة الصبى الكافر عرض عليه الإسلام عندكم وإذا أبى ~~فرق بينهما. # قلنا: ذلك السقوط الذى ذكرناه في حق الله تعالى رحمة منه دون ms830 حق العبد ~~لأن النظر واجب لخصمه كما وجب له فمتى سقط عنه الأداء لحق الصبى تضرر به ~~ألاخر فلم يسقط ونحن نقول في هذا الذى ذكره أن هذا كله بناء على الأصل الذى ~~زعمه في الابتداء وقد تكلمنا عليه وعلى أنه يجوز أن يقال إن الخطاب سقط عن ~~الصبى رحمة لكن الفرق بين البدنية والمالية بما سبق من قبل. # وقد تبين مناقضة في ابتداء كلامه فإن عندهم إن ردة الصبى صحيحة مثل ما ~~يصح إسلامه ثم قالوا في الصبى إذا استوصف الإسلام فلم يصف لا يحكم بكفره. # وقالوا في البالغ في مثل هذه الصورة يكفر فعندهم ترك وصف الإسلام ردة ~~بدليل البالغ ومع ذلك لم يكن ردة من الصبى. # وقولهم: إن الأداء ساقط عنه لعذر الصبى. # قلنا: إذا سقط فعل الإسلام عن الشخص لا يبقي عليه واجب آخر لأن الواجب لم ~~يكن إلا فعل الإسلام ثم من وجب عليه الإسلام ثم لا يؤمر بالإسلام هذا مما ~~لا يعقل ولا يتصور وجوده ولا نفيه. # ثم ذكر فصلا في بيان ما يسقط من حقوق الله تعالى بأصله قال: حقوق الله ~~تعالى أربعة: # النظر في الآيات الدالة على الله تعالى ثم الاعتقاد على ما توجبه الدلائل ~~ثم # PageV02P375 # العبادات ثم الأجزية وقال علماؤنا: وجوب الأجزية والعبادات ساقط عن الصبى ~~أصلا1 ووجوب النظر في الآيات والاعتقاد حقا لله تعالى غير ساقط وإنما ~~الساقط عنه الأداء # وقال الشافعى وجوب البدنى ساقط عنه ووجوب المالى غي ساقط عنه وتفسير ~~الاعتقاد ما يتأتى بفعل القلب كأصل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~وتفسير العبادة ما يتأدى بفعل البدن تعظيما لله تعالى بطاعته إياه وتعتبر ~~الأجزية ما شرع جزاء على أفعال محظورة في الجملة والبدنى من العبادات ~~والأجزية ما لا يتأدى إلا بالبدن والمالى منها ما لا يتأدى إلا بالمال. # أما الشافعى رحمه الله احتج وقال: أجمعنا على أن العشر يلزمه وفيه معنى ~~العبادة حتى لم يجب على الكفار وكذلك صدقة الفطر حتى تؤدى من ماله ولا ~~يلزمه الصلاة2 والصوم3 ms831 لأن الجنس الأول بدنى والثانى مالى ولأنا ذكرنا أن ~~الصبى أهل للوجوب عليه بذمته وإنما سقط لعجزه عن الأداء ما لم يعقل ويقدر ~~ولو لم يسقط عنه الواجبات في مدة الصبا وهى مدة مديدة ثم كان يلزمه القضاء ~~بعد البلوغ لكان يخرج والله تعالى ما جعل عليكم في الدين من حرج فأسقطهما ~~عنه أصلا نفيا للحرج كما أسقط الصلاة عن الحائض بعذر الحيض لأنها تحيض كل ~~شهر عادة والصلاة تتكرر كل يوم فلو لم يسقط القضاء بقى عليها أبدا فكانت ~~تخرج في القضاء ولما كان السقوط بسبب العجز عن الأداء اقتصر السقوط على ~~البدنى دون المالى لأنه يتأدى بالنيابة فلا يقع العجز عنه لقيام ولى الشرع ~~مقام ولى ثبت بأمره بعد البلوغ فقال يلزمه الزكاة وكفارة القتل وكفارات ~~ارتكاب محظورات الإحرام وكل ما صح سببه في حق الصبى وأما كفارة اليمين فإنه ~~لا يلزمه لأن سببها اليمين ويمينه باطلة شرعا بخلاف إحرامه فإنه صحيح شرعا. ~~وقال: إسلام لا يصح لأنه بدني والشرع إنما علق بالإسلام ما علق من الأحكام ~~بإسلامه واجب شرعا ولا وجوب قبل البلوغ لأنه وجب بدنيا وكذلك الردة لا تصح ~~من الصبى لأن الردة قد تعلق أحكامها بترك الإسلام الواجب ولا وجوب في حق ~~الصبى فلم يعتبر في حق أحكام الدنيا ولا يلزمنا إذا صلى الظهر ثم بلغ في ~~الوقت أو أحرم بالوقت ثم PageV02P376 # بلغ قبل الوقوف أنه يقع عن الفرض لأنا أسقطنا عنه الوجوب رحمة ونظرا له ~~دفعا للحرج عنه والنظر له في هذه الحالة أن لا يسقط الوجوب لأن الفرض لزمه ~~لما بلغ قبل مضى الوقت وكذلك فرض الحج يلزمه الوقوف إذا بلغ الوقوف بعرفة ~~فمتى جعل الوجوب عليه من حال صباه [يزفه] 1 بالسقوط عنه بما أدى ومتى لم ~~يجعل على الوجوب بقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يؤدى ثانيا وهذا كما قلتم في ~~المعاملات أن قبوله للهبة يصح وهبته لا تصح لأن في الهبة ضررا وفى قبوله ~~نفعا. # وقلنا: نحن: إن صدقته باطلة ms832 ووصيته بالصدقة صحيحة لأن الصدقة في حال ~~الحياة مضرة في الحال ومنفعته بعد الممات لأن الملك يزول بالموت لولا ~~الصدقة. # وقلنا جميعا: إن نفل الصلاة مشروع في حقه دون الفرض لأن شروع النفل نفع ~~محض أن فعل ينتفع به وإن ترك لم يؤاخذ به والفرض مضرة من وجه وهو المؤاخذة ~~على الترك ولا يلزمنى إبطال قبول هبته لأن الشرع لما جعل ذلك النظر مسوقا ~~له من قبل الولى وقعت الغنيمة به عن ترك الأصل المجتهد في بابه فإنه ~~لاستيفائه النظر له كما لا يجوز بيعه ما ساوى درهما بألف درهم وفيه نفع ~~لأنه مما استوفى له ذلك بالولى. # قال: والحجة لعلمائنا أنه لما سبق ثبت أن الصبى مثل البالغ في أهلية ~~الوجوب وأن السقوط عنه بعذر الحرج كما في البالغ لم يسقط إلا ما احتمل أن ~~لا يكون مشروعا حقا لله تعالى كالصلوات الخمس والفروع التي تحتمل النسخ ~~والتبديل وثبوتها مشروع بعد البلوغ في وقت دون وقت وأما معرفة الله تعالى ~~بصفاته لا أن لا يكون ثابتا مشروعا حقا لله تعالى. # ألا ترى أنا لا نجد شيئا من العبادات والأجزية إلا ويسقط بعذر ما بعد ~~البلوغ فكان السقوط بعذر الصبا أولى لأنه رأس الأعذار لأنه في أول أمره لا ~~يقدر أصلا ولا يتم قدرته ما لم يعتدل قوامه ولأن سقوط ما سقط عن الصبى لم ~~يكن إلا للعجز عن الأداء دفعا للحرج عنه حتى لا يتضاعف عليه القضاء بعد ~~البلوغ ووجوب أصل الإيمان عليه لحال الصبا لا يوجب تضاعف الأداء بعد البلوغ ~~ولأن الصبى مثل البالغ في صحة الوجوب عليه متى تقرر سبب الوجوب في حقه. # والدليل عليه حقوق العباد وهذا لأن السبب لا يعتبر صحيحا شرعيا بنفسه ~~وإنما يعتبر PageV02P377 # صحيحا بحكم فإذا وجب صحيحا لا بد أن يكون حكمه فإنه متى تخلف عنه حكمه ~~أصلا لم يكن السبب سببا وإذا عرف هذا والآيات الدالة على الله تعالى لا ~~يتصور أن لا يكون أنه على [ ### | .... # ] 1 العالم للمستدلين ولا حدث ms833 العالم لم يتصور إلا يكون دلالة على محدث ~~وكذلك ما يتعلق بها في وجوب النظر فيها علينا ولا يجوز أن لا يكون ساقطا ~~بحال وإن كان يسقط الأداء عنا لعقد شرط الأداء من القدرة فأما وقت الصلاة ~~فيجوز أن لا يكون سببا للوجود ولم يكن كذلك قبل الشرع فجاز أن لا يثبت شيئا ~~في حق الصبى وكل معذور سقط عنه الوجوب وكذلك أسباب الأجزية ما صارت أسبابا ~~إلا شرعا ولولا الشرع ما كانت أسبابا ولا عللا في نفسها فثبت أن الصبى إنما ~~يسقط عنه وجوب ما يحتمل أن لا يكون في نفسه حقا لله تعالى واجبا دون ما لا ~~يحتمل ثم المالى والبدنى من العبادات سواء وكذلك الجزية لأن العبادة اسم ~~لنوع فعل ابتلى الآدمى بفعله تعظيما لله تعالى مختارا لطاعته على خلاف هوى ~~نفسه لا على سبيل الإكراه والجبر لأنه يجازى على وفاق فعله ولا جزاء يستقيم ~~في الحكم مع الجبر فإنه لا فعل للمجبر على الحقيقة فلا يستحق الجزاء. # ألا ترى أن الحقوق التي تجب يستحقها فيما بيننا بإزاء الأفعال لا يثبت ~~إلا لمن يفعله مختارا بنفسه أو نائب عنه يثبت نائبا بأمره واختياره إلا أنا ~~في البدنى ابتلينا بفعل يتأدى بالبدنى وفى المالى ابتلينا بفعل يتأدى ~~بالمال إما فعل لسان نحو الإعتاق أو فعل يد كالإعطاء إلا أن المالى مرة ~~يتأدى بمباشرة الإنسان وتارة بغيره ولا بد أن يكون الفعل مضافا إليه على ~~سبيل الاختيار ولا يتصور الاختيار عن الإنسان إلا أن يكون الولى عنه بأمره ~~فأما إذا ثبت شرعا لا بالاختيار من الإنسان فيكون كإعطاء الإنسان خيرا فلا ~~يكون عبادة. # قال: والخصم ذل خاطر قلبه عن اختيار الصدقه الاختيارية وأما الأجزية فلا ~~تجب إلا على ارتكاب ما يلزم العبد الانتهاء عنه حقا لله تعالى والانتهاء ~~أداء حق النهى كالائتمار أداء حق الأمر وقد ذكرنا أن الصبى غير مخاطب بحقوق ~~الله تعالى لا ائتمار ولا انتهاء ولهذا لا يأثم بالإجماع ولا تقام عليه ~~العقوبات البدنية وإذا لم ms834 يكن عليه الانتهاء لم يلزمه ما شرع من الجزاء على ~~مخالفته واعتبره بإثم الآخرة ولهذا لا يحرم الصبى القاتل الميراث لأنه شرع ~~جزاء على قتل محظور كالكفارة على ما قلنا فى PageV02P378 # موضعه لأن هذه الأجزية مما يحتمل النسخ ولم تكن مشروعة على هذا الوجه قبل ~~شرعنا والصبى مما يلحقه بوجوبها ضرر فيسقط عنه بعذر الصبا كالعبادات رحمة ~~عليه ولهذا قلنا: إن الصبى إذا أحرم يصح في حقه أن يثاب عليه ولا يجب الكف ~~عن محظوراته ولا يلزمه الكفارة ويمكنه نقضه لأن اللزوم في الإحرام حكم ثبت ~~شرعا ويحتمل [أن يكون] 1 ويحتمل أن لا يكون ولأنه مما يزول بعد البلوغ ~~بالإحصار والرق والنكاح وكذلك الكفارة سقطت عندكم بعذر [الإكراه] 2 ~~والنسيان فلأن تسقط بعذر الصبا أولى ولهذا قلنا: إن الصبى إذا أحرم ثم ترك ~~وجامع لم يلزمه القضاء3 كما قال الشافعى في البالغ المتطوع إذا أحصر فتحلل ~~ولأن اللزوم حق ثبت لله تعالى شرعا ويجوز أن لا يكون فلا يثبت في حق الصبى. ~~قال: ولا يجوز أن ينوب عن الفرض ما أداه في الصبا لأن الوجوب شرع في حقه ~~حال البلوغ فيكون بمنزلة رجل صلى أربع ركعات قبل الزوال ثم ترك ثم شرع في ~~الظهر بعد ذلك فإنه لا ينوب عن الشروع بعد الأداء ما سبق وتكلم في مسألة ~~وصية الصبى. وقال: إنها باطلة لأنها تمليك بعد الموت بلا عوض فإنه في عوضه ~~ضرر كما لو وهب في حال الحياة وإنما انقلبت نفعا باتفاق حالة الموت فلم ~~تعتبر وأما قبول الهبة تصح في الصبى إذا عقل القبول لأن الحجر بعد معرفته ~~التصرف ما ثبت إلا نظرا له كيلا يخدع في ماله ونفسه ولا يغبن وليس في قبول ~~الهبة مخافة غبن فلا يثبت الحجر في حقه وصار قبول الهبة محض نظر. قال: ~~ولهذا قلنا: يصح إسلامه لأن الوجوب كان ثابتا على ما مر أنه لا يحتمل ~~السقوط فإذا جاء الأداء كما وجب كان عن الواجب لا محالة وأن لم يكن مخاطبا ms835 ~~بالأداء كالصلاة لأول الوقت والصوم في السفر والدين المؤجل وما للأداء في ~~الشرع حد الصحة إلا أن يعتقد وحدانية الله تعالى عن معرفة ويشهد بلسانه أنه ~~كما اعتقد والخلاف في صبى يتصور منه ذلك مثل ما يتصور إذا كان بالغا قال: ~~وعلى هذا ردة الصبى فصح أيضا وزعم أن ما يحتمل ألا يكون إلا حقا مستحقا لله ~~تعالى فلا يعتبر فيه المضرة والمنفعة بل يكون مشروعا في حق البالغ والصبى ~~على السواء وإنما يختلفان في وجوب أداء الشرع فإن PageV02P379 # الأداء يلزم دون الصبى إذا صار الإسلام مشروعا وجوبه حقا لله تعالى على ~~الصبى لأنه يحتمل غير ذلك وكذلك وجوب حرمة الردة لا يحتمل غير ذلك فاستوى ~~فيه الصبى والبالغ فصح ذلك في الصبى كما يصح منه الإسلام إلا أنه لا يلزمه ~~الجزاء المشروع في الدنيا على الردة لأن الجزاء المتعجل في الدنيا يحتمل أن ~~لا يكون مشروعا على أن القتل في حق المرتد مشروع لصيرورته حربيا كافرا حتى ~~لا تقتل المرأة لأنها ليست في أهل الحرب والصبى بمنزلتها وأما حرمان الإرث ~~وفساد النكاح فليس بجزاء فعل الردة لا محالة فإنهما يثبتان بالكفر الأصلى. # فإن قيل: أليس أن الصبى يؤدب إذا أساء فعله. # قلنا: التأديب لا يقام جزاء على ما مضى بل تقويما في المستقبل. ألا ترى: ~~أن الدابة تراض وتقوم تقويما وإصلاحا وتسوية الأخلاق بمنزلة الدواء لطلب ~~الشفاء وبمنزلة الحجامة. فإن قيل: أليس يسترق الصبى وأنه عقوبة شرع جزاء ~~للكفر. قلنا: الاستيلاء على المباح شرع سببا للملك كما في حق الصيود وأهل ~~الحرب ما بهم عصمة فلا يكون ملكهم بسبب الاستيلاء عقوبة كما في حق البهائم ~~وإنما لم يملك عندهم بالاستيلاء العصمة ثبتت لهم من الله تعالى كرامة فيكون ~~زوال العصمة بالكفر حقيقة أو تبعا لأبوية بمنزلة زوال نعمة فلا يكون يكون ~~عقوبة واجبة على [ ### | .... # ] 1 زوال الصحة والحياة وسائر الكرامات. # قالوا: وأما صدقة الفطر فتجب على الأب بسبب ولايته على رأس الصبى ومؤنته ~~كما تجب على المولى بسبب رأس ms836 العبد حتى أوجبنا في العبد الكافر وأما جواز ~~الأداء من مال الصبى فلأن وجوبها وجوب المؤنة عن رأسه والمؤنة تتأدى بولية ~~جبرية كالخراج والعشر ولأنه شبهة لا في هذه المسألة وقد خالف محمد أستاذه ~~فيه فأما العشر فمؤنة الأرض كالخراج ولهذا لا يجتمعان وإذا كان العشر في ~~حقوق الله تعالى صح تأدية بولاية جبرية على ما عليه الحق صح أخذ القاضى من ~~البالغ كرها ولا يكون لمن أخذ منه ثواب فعل العبادة وإنما يكون له ثواب ~~ذهاب ماله في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصاب. فأما إذا كان الحق لله ~~تعالى صار الأصل فيه الفعل فإن العبادة فيه اسم للفعل ولا بد أن يكون فعله ~~على وجه الاختيار ليثاب عليه ولا يجوز بدون فعل منه على اختياره. قال: ~~ولهذا لا يجوز للسلطان أن يأخذ الزكاة من صاحبها كرها كما يأخذ PageV02P380 # ديون الناس. # قال: ولهذا قلنا إنه لا يؤخذ من تركته بعد موته بدون الوصية بخلاف العشر ~~وسائر حقوق الناس فصار المعنى الذى اعتبره الخصم للفرق بين المالى والبدنى ~~حال عجز الصبى عن الأداء بنفسه معتبرا في حقوق غير الله تعالى والمالى ~~بينهما يلزم الصبى دون البدنى. فأما الذى يجب لله تعالى فالمالى والبدنى ~~فيه سواء وسقط عن الصبى ما يحتمل السقوط ولا يسقط عنه ما لا يحتمل وأما ~~الأداء ساقط في الأحوال كلها هذا كلامه في هذا الفصل. # ونحن نقول: إن أصل هذا الكلام مبنى على مسألة الأسباب وقد سبق الكلام ~~عليه وقد اشتمل كلامه الذى ذكره على مسائل منها مسألة زكاة الصبى وهو جعل ~~حرفه في سقوط الزكاة عن الصبى دعواه أن الزكاة عبادة والعبادة لا تتأدى إلا ~~بولاية اختيارية ولا تتأدى بولاية جبرية ويدخل عليه صدقة الفطر والعشر ~~فإنهما عبادتان ومع ذلك قد تأدتا بولاية جبرية من غير اختيار أو علم يوجد ~~لمن عليه وعذرهم عن المسلمين في نهاية الضعف لأنه إذا قال في صدقة الفطر ~~أنها تجب على الولى لا الصبى فينبغى أن لا يجوز إعطاؤها من ms837 مال الصبى. # والذى ذكر أن محمدا لا يجوز وقد خالف أستاذه فهذا ليس بجواب والإلزام على ~~أبى حنيفة وهو أستاذهم الكبير فحين يضيق بهم الخناق لا يترك لهم ترك مذهبه. # وأما العشر فلازم أيضا. # والذى قالوا: إنه مؤنة الأرض. # فيقال أيضا: إن الزكاة مؤنة المال والعشر مثل زكاة سائر الأموال لأنه ~~زكاة وزكاه وكل دليل كون سائر أنواع الزكاة عبادة فكذلك يدل على كون العشر ~~عباده. # وعلى الجملة لا يتضح لهم فرق صحيح بين صدقة الفطر والعشر وزكاة المواشى ~~هذا على أصلهم وأما على أصلنا فنقول: إن هذه الحقوق حقوق الفقراء وهى لهم ~~ومعنى العبادة تبع فيكون حكمه مثل سائر حقوق بنى آدم وهذا فصل قد أحكمناه ~~في الخلافيات ودللنا عليه بدلائل معتمدة وعلى أنا إن قلنا: إن الزكاة عبادة ~~فيستقيم إيجابها على الصبيان والمجانين لأنها وإن كانت عبادة لكنها مالية ~~والنيابة فبها جارية وكما يقوم فعل الولى مقام فعل الصبى فيقوم اختياره ~~مقام اختيار الصبى وهذا لأن العبادة في الفعل لا في الاختيار الذى زعموه ~~ومع ذلك صح إقامة فعل النائب مقام فعل من عليه وكان # PageV02P381 # الفعل عبادة ممن عليه كذلك يصح إقامة نيته واختياره مقام نية من عليه ~~واختياره وكان ذلك عبادة ممن عليه وهذا لأن الوجب حق مالى فاعتبر تصور ~~أدائه من المال وتصور أدائه من مال الصبى مثل تصور الأداء من مال البالغ ~~ونقصان المال في الموضعين على وجه واحد والابتلاء والاختيار يوجد إما ~~باعتبار حال البلوغ إن لم يكن اتصل الأداء بالمال فيؤمر بالأداء بعد البلوغ ~~أو بإقامة فعل الولى مقام على ما سبق بيانه. # وعندي: أن الأول هو قولنا: إن الزكاة حق الفقراء وهو منزل منزلة سائر ~~حقوق الآدميين ومعنى زيادة فيها تبع وإنما ابتنى فيها معنى العبادة لأن ~~الله تعالى أوجبها ابتداء من غير أن سبق من العبد فيه شئ فيكون فيها مصلحة ~~شكر نعمة المال مثل ما أوجبنا الصلاة والصوم فيكون فيها معنى شكر نعمة ~~البدن فهذا الوجه أحد معانى العبادة لكن ms838 هذا المعنى تبع والأصل حق الفقراء ~~لأنها واجب مالى والله تعالى خلق المال لنفع العباد وكلما وجب في المال لا ~~بد أن يبقى فيه المعنى الذى خلق له أصل المال وذلك نفع العبد فلهذا أوجب ~~الزكاة للفقراء نفعا لهم وإذا أوجب لنفعهم كان حقا لهم وعلى هذا وقع الفرق ~~بين هذا وبين العبادة البدنية لأنها لم تجب لنفع أحد من الآدميين فتمحض حقا ~~لله تعالى. # وأما مسألة إسلام الصبى فقد بيناها أيضا وعلى وجوب الإيمان ينصب الدلالات ~~وهذا ليس بصحيح بل وجوب الإيمان بإيجاب الله تعالى ولا إيمان يجب على ~~الصبيان لأن الله تعالى لم يوجبه عليهم وقوله إن الإيمان لا يحتمل أن لا ~~يجب. # قلنا: على المكلفين فأما على غير المكلفين فيحتمل أن لا يجب عليهم ببينة ~~أنه كما لا يحتمل أن لا يكون غير مشروع في الأصل فلا يحتمل أن يكون مشروعا ~~في حق شخص ثم لا يجب عليه فعله ثم قد بينا في مسألة إسلام الصبى وجه عدم ~~صحته من الصبى من طريقين مخيلين مؤثرين فمن أراد الوقوف عليه فليراجع تلك ~~المسألة ولم تجب الإعادة هاهنا لوقوع الغنيمة عن ذلك بذكره في الفروع ~~والأولى فيما يرجع إلى الأصول أن نبين أن الوجوب لا يثبت في حق الصبى أصلا ~~لأنه بالخطاب يكون الوجوب والخطاب عنه ساقط وإذا سقط الخطاب سقط الوجوب ~~وأما الوجوب بما نصب من الآيات والعلامات فلا يجوز لأن الآيات والدلالات ~~توجد قبل وجود الشرع ولا وجوب. # فإن قالوا: يجب قبل ورود الشرع فالدليل على فساده ما سبق ولأن الأمة ~~اختلفت # PageV02P382 # على قولين في هذه المسألة فقال بعضهم يجب الإيمان بالفعل. # وقال بعضهم: يجب بالسمع ولم يعرف قول ثالث والذى قالوه إحداث قول ثالث في ~~هذا أنه وجب بالآيات والعلامات فيكون خلافا للأمة فلا يسلم لقائله ذلك ثم ~~ذكر فصلا في حيز صحة عبارات الصبى شرعا وقال لا خلاف أن عباراته فاسدة قبل ~~أن يعقل ويميز لأن الكلام وضع للتمييز بين السمعيات ولن يتصور ذلك إلا ms839 بعد ~~المعرفة عن عقل ولهذا لم يتعلق بكلام النائم والمجنون والمغمى عليه حكم ولا ~~خلاف أنه إذا ميز وعقل يصح كلامه حتى إذا قال: أنا جائع سمع منه وأطعم ~~وكذلك إذا دعا ربه أثيب عليه ويصح أذكاره في صلاته كما لو كان بالغا وإنما ~~اختلفوا فيما أفسد عليه شرعا نظرا ورحمة كما لا يصح منه فرض العبادات نظرا ~~له. # قال علماؤنا: عباراته في الأصل صحيحة لا فيما يضره ويتوهم لحوق الضرر به. # وقال الشافعي رحمه الله: عباراته فاسدة شرعا فيما صار موليا عليه فيها ~~فأما فيما لم يصر فثابت له إلا أن الشرع حجره عن الاستيفاء نظرا له حتى لا ~~يخدع كما سقط عنه الفرض نظرا له فلم يثبت الحجر فيما يتمحض نفعا كما لم ~~ينعدم الشرع في حق نوافل العبادات التي تتمحض نفعا فعلى هذا لا يصح قبول ~~هبة منه لأنه مولى عليه فيها وهى نفع محض لأن الملك يزول إلى خلف له وهو ~~الثواب وإذا وقعت الفرقة بين الأبوين وقد بلغ سبع سنين خير وعمل باختياره ~~أيهما اختاره لأنه يعرف الذى هو أرق له وأعطف عليه وهذا الاختيار نفع محض ~~والشرع لم يجعله موليا عليه فيه. # وقال: لا تصح عباراته في البيع لا لنفسه ولا لغيره لأنه مولى عليه فيها ~~ولا يصح طلاقه وإقراره لأنه ضرر. # قال: ولعلمائنا أن كون الإنسان فاسد العبارة من أعظم النقصان لأنه امتاز ~~عن غيره من سائر الحيوانات بصحة العبارات حتى قيل إن المرء بالتعزية بقلبه ~~ولسانه. وقيل: لسان الفتى نصف ونصف فؤداه فلا يجوز أن نفسد على الصبى بعد ~~إصابته شرط الصحة إلا على سبيل النظر له وذلك في دفع ما يتعلق به في المضار ~~عنه وإذا ثبت هذا الأصل. # قلنا: لا ضرر عليه في صحة قبول الهبة والصدقة والوصية فيصح كما قال الخصم ~~في صحة وصيته بالصدقة. # وأما قوله: إن كونه موليا عليه ينافى ثبوت الولاية له فليس كذلك لما مر ~~في باب حقوق الله تعالى. # PageV02P383 # قال: فلا يصح هبته ولا ms840 صدقته لأنها من المضار وكذلك بعد الموت لا يصح ~~أيضا لما بينا وكذلك لا يصح اختياره في الحضانة لأنه يتضرر بين ضر ونفع ~~ولربما يختار الذى يضره لعاقبة أمره بل يميل إليه لا محالة لأن طبعه ينفر ~~عمن يؤدبه ويحمله على التخلق بآداب الشرع والمروءة ويميل إلى من يدعه للهو ~~وارتكاب الهوى فكانت عبارته في هذا الباب كعبارته في باب التجارة التي ~~تتردد بين ضر ونفع فلا يجب العمل بها. # وقال علماؤنا: يصح إسلامه لأنه نفع محض فإن العصمة في الدارين بحق ~~الإسلام وكرامات الآدميين كلها لحق الدين ولا شك أن الخير فيه فوق ما في ~~نوافل العبادات. # فإن قيل: ولربما يبتنى عليه حرمان الإرث وفساد النكاح. # قلنا: لا عبرة لهذه الزوائد التي ليست من أحكام أصل الدين بل تثبت بواسطة ~~أخرى وحالة يتفق بدلائل تفسد إسلامه وإن تعلق به الإرث وصحة النكاح نحو أن ~~كانت أسلمت امرأة الصبى الكافر وعمه مسلم لا وارث للعم غيره فإنه بالإسلام ~~يعصم نكاحه ويرث عمه وعلى أن حرمة النكاح والإرث حرمة تثبيت مضافة إلى كفر ~~الكافر منهما على ما بينا في موضعهما. # قال: وتنعقد التصرفات كلها بعباراته كما تنعقد بعبارة البالغ وينفذ إذا ~~كان وكيلا عن أهلها لأنه لا ضرر عليه في انعقاد التصرف نحو الوكالة لأنه لا ~~عهدة تلزمه ونفس فساد العبارة ضرر على مابينا فلا تثبيت الحجة في حقها. # وإذا ثبت أنها تصح في حال الغير بإذن الولى صحت كذلك في حال نفسه بإذن ~~الولى من طريق الأولى لأنهما لا يفترقان إلا فيما يلزمه إذا كان في ماله ~~وهذا اللزوم جعل من الصالح إذا حضره رأى الولى بدليل أن الولى لو فعله ~~بنفسه أو أمر به غيره صح وما أثبت له ذلك إلا مصلحة للمولى عليه نظرا له ~~وقد مر أن الفساد لا يجوز أن يثبت من طريق أنه مولى عليه بل لما جعل موليا ~~عليه لماله من النفع في تصرف الولى عليه بذلك ولا ضرر في صحة عبارته في ~~ماله ms841 وكان النظر آن يكون صحيح العبارة مع ثبوت الولاية للمولى ليثبت له ~~نفعها من طريقين فثبت أن ما قلناه أولى الوجهين. # فإن قيل لو شهد الصبى لم تقبل1 وكانت العبارة فاسدة وإن لم يلزمه بها ~~حكم. # قلنا: العبارة صحيحة ولكن مع هذا لا يكون حجة على غيره كما لو شهد العبد ~~أو شهد الكافر على مسلم وهذا لأن الشهادة بمنزلة الولاية على غيره وإنما ~~يتعلق بكمال الحال PageV02P384 # في ولاية مع صحة العبارة هذا كلامه في هذا الفصل وهذا الفصل أكثر كلام ~~فيه يتصل بتصرفات الصبى وقد وضع هذا الرجل لأصحابنا كلاما وتكلم عليه ونحن ~~قد بينا هذه المسألة في خلافيات الفروع وذكرنا طريق سلب أهلية التصرفات ~~وكان اعتمادنا في ذلك على نقصان عقل الصبى واعتمدنا على ثبوت النظر له من ~~قبل الشرع ومن النظر له أخراجه عن أهلية التصرفات الدائرة بين النفع والضر ~~حتى يكمل عقله ويعلم خيره من شره ونفعه من ضره على التمام وقد ذكرنا تقرير ~~هذا بحيث يشفى الصدور ويزيل الإشكال. # وأما كونه موليا عليه في هذه التصرفات فهو كلام حسن لكن ليس بما يستدل ~~ابتداء في هذه المسألة ولكنه يدخل في أثناء الكلام لتقرير الكلام والله ~~أعلم. # ثم ذكر فصلا في حين لزوم ما يتجدد بالشرع من الأحكام. قال: حكم الشرع ~~إنما يلزم بعد بلوغنا إيانا لما مر أن الله تعالى لم يكلف نفسا إلا وسعها ~~ولا وسع إلا بعد العلم فسقط أصلا ضرر ما يحتمل النسخ لقصور الخطاب دفعا ~~للحرج كما سقط بالصبا وقد روى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد ~~ما حول القبلة إلى الكعبة فأتاهم آت وهم في الصلاة فأخبرهم أن القبلة قد ~~حولت إلى الكعبة فاستداروا كهيئتهم ولم ينكرها عليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم1 وقد شرب جماعة الخمر بعد التحريم قبل العلم به فأنزل الله ~~تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: ~~93] وهذا فصل لا خلاف فيه ثم البلوغ نوعان حقيقة إسماع وحلم ms842 لشيوع في قومه ~~فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بتبليغ الناس القرآن كافة وما أمكنه ~~التبليغ إلى كافة الناس وإنما بلغ أكابر كل قوم في جماعتهم وكان مؤديا بذلك ~~حكم الأمر فيكون الأمر بقدر الوسع وعلى سبيل لا حرج فيه ولأن الخطاب متى ~~شاع أمكن كل إنسان العمل به متى لم يقصر في الحجة من قومه وإذا لم يطلب حتى ~~جهل كان بتقصير منه ولم يصر ذلك الجهل له عذر أو صار كأنه علم ثم لم يعمل. ~~ألا ترى أن الواحد منا لو لم يعلم الشرائع وجهلها لم يعذر ويلزمه كلها ~~لشيوعها في دار الإسلام وكذلك الذى إذا أسلم وهو لم يعلم بالصلاة لزمته ولو ~~أسلم الحربى في دار الحرب ولم يعلم بها لم يلزمه قضاء ما فات منها لأن ~~الخطاب غير شائع فيها. قال: وهذا كما قال علماؤنا فيمن أذن PageV02P385 # لعبده في التجارة وشاع إذنه ثم حجر عليه لم يثبت الحجر في حق أهل السوق ~~حتى يحجر حجرا عاما ولهذا قالت الأمة في الحربى يتزوج أختين معا أو على ~~التعاقب ثم فارق إحديهما ثم أسلم بقى نكاح الباقية صحيحا وإن كانت الأخيرة ~~هى الباقية لأن خطاب التحريم قاصر عنهم فبقوا على الحال الثابت قبل الخطاب ~~وكذلك لو تزوج وثنيا ثم فارق الأولى منهن ثم أسلم بقين على الصحة ولو وقع ~~فاسد في الأصل لم ينقلب صحيحا بالإسلام وكذلك لو تزوج في عدة من كافر أو ~~تزوج بغير شهود. وقال أبو حنيفه: لو تزوج الكافر محرما ودخل بها لم يسقط ~~إحصانه وكان بمنزلة ما لو تزوج مجوسية. # وكذلك الجواب في أهل الذمة في مسائل الجمع والنكاح بغير شهود بلا خلاف ~~لأن أهل الذمة وإن كانوا في دار الإسلام فالخطاب قاصر عنهم لأن الخطاب إنما ~~يصح بعد ثبوت الرسالة وهم ينكرون الرسالة فلا يصير حجة عليهم بحق الشرع بل ~~يقدر ما عهدوا عليه ولأن الخطاب من الله تعالى بأن أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بدعوة الكافر إلى الإيمان ms843 بالله ورسوله فإن أبوا فبأى الذمتين ~~فيمن جعل لهم الذمة وأى دين يتدينون؟ إلا ما استثنى عليهم فإذا دعاهم إلى ~~الذمة بشرطها فقد بلغهم خطاب الشرع في حقهم فلا يلزمهم ما يتبدل من أحكام ~~الله بهذا الشرع إلا ما كانوا فيها على الفساد وإن كانت صحيحة عند الله ~~تعالى ولهذا لا يحدون على شرب الخمر وإذا تبايعوا فيما بينهم ثم أسلموا على ~~ملك الأثمان لم تتفرع الأثمان من أيدى متملكيها بالعقود ولم تنقض تلك ~~البيوع ولو وقعت فاسدة لأبطلت عليهم الإسلام وصاروا بحيث لا يقرون على ~~الفاسد كما لو أربوا ثم أسلموا قال: وقال علماؤنا إذا أتلف مسلم عليهم ~~الخمر ضمن لهم كما لو أتلف الخل لبقاء الخمر في حقهم على ما كان قبل ~~التحريم قال: وإنما قال الشافعى لا يضمن لأن الحرمة ثابتة في حق المسلم ~~وديانتهم لا تكون حجة على المسلم ولا قصور الخطاب في حقهم يبدل حكم الخطاب ~~في حق من بلغه وكذلك إذا أتلف الذمى على ذمى [فتحاكموا إلى] 1 قاضيا لا ~~يلزم قاضيا الحكم بما عندهم. # قال: وجوابنا أن الحكم بما عندنا وعندنا أنه مال متقوم في حقهم وقال أبو ~~حنيفة: لا يفسد نكاحهم المحرم بمراجعه أحدهم لأن دليله المراجع لا يكون حجة ~~على الآخر هذا كلام وهذا فصل يأتى في مسائل كثيرة من الخلافيات وقد ذكرها ~~وذكرناها ونحن PageV02P386 # نقول: إن الخطاب المبتنى على شرع الإسلام بأجمعه قد لزم الكفار إلا في ~~مواضع يسيرة أخرجها الشرع من الخطاب لدلائل قامت على ذلك فقد دللنا على هذا ~~الأصل من قبل. # وأما قوله: إن الخطاب قاصر عنهم فهو لفظ باطل والبلوغ إنما هو ببلوغهم ~~رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وقيام الدليل على صحتها وثبوتها وقد تظاهرت ~~الدلائل القاطعة على ثبوت نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا لم يبق ~~لأحد عذر في العالم بترك قبول الإسلام ولأجل قيام الحجج وتظاهر البراهين ~~والأدلة ينزل جميع الكفار منزلة المعاندين المكابرين ولولا أن الأمر على ~~هذا الوجه لعذروا ms844 بالجهل وقد اجتمعت الأمة أنه لا عذر لأحد في شئ من ~~الإسلام وشرعه وإن تعلق متعلق بتقريرهم على كثير من الأشياء فذلك من حكم ~~الوفاء بالعهد لا من حيث قصور الخطاب عنهم في شئ ما وإن تعلق متعلق ~~بالأنكحة فصحتها كان يعارض دليل لا من حيث إن خطاب الشرع قصر عنهم أو لم ~~يبلغهم بل إنما حكمنا بصحتها لأنا لو لم نحكم بصحتها أدى إلى مفسدة عظيمة ~~تعود إلى الإنسان وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم ولد كافر وكذلك عامة ~~الصحابة رضى الله عنهم فإذا قلنا إن أنكحتهم لا تصح إذا عقد على غير شرط ~~الشرع كان يؤدى ذلك إلى اعتقادنا أن النبى صلى الله عليه وسلم وسائر ~~الصحابة خلقوا من أنساب فاسدة محرمة وكان يؤدى ذلك إلى القدح والطعن في ~~أنسابهم وقد ورد الشرع بإثبات نكاحهم نصا. قال الله تعالى: {وامرأته حمالة ~~الحطب} [المسد: 4] فقد أثبت [كونها زوجته] 1 وقال النبى صلى الله عليه ~~وسلم: "ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح" 2 وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا ~~ابن عبد المطلب" 3 وقال: "نحن بنو النضر بن كنانة" 4 فلمثل هذه الدلائل ~~حملتنا الضرورة على الحكم بصحة أنكحتهم ولم PageV02P387 # يكن ذلك لقصور الخطاب عنهم. وأما سقوط حكم الشرب فلم يكن لهذا أيضا بل ~~إنما كان لأن الكافر شرب الخمر معتقدا إباحته فشرب الخمر باعتقاد إباحتها ~~كفر والكفر لا يوجب الجلدات بحال ولأنه قد أعطى عوض الحقن عن إباحته ~~الثابتة نسب الكفر وهو الجزية فلا يجب عليه شئ آخر. # وأما قصة أهل قباء فنحن لا ننكر مثل ذلك في ابتداء الخطاب ولأنه لا يثبت ~~إلا بالسماع فأما في حق الكفار فقد وجد البلوغ قطعا من حيث البلوغ لأنهم قد ~~كفروا بخروج نبى يدعو إلى الله بشريعة مخصوصة والدليل [أنهم] 1 على لزومهم ~~ذلك ولم يبق لهم عذر أصلا والدليل على هذا [الجماع الأمثل] 2 إجماع الأمة ~~على تأثيمهم في [كل ما خالفوا] 3 من الذى جاء به النبى ms845 صلى الله عليه وسلم ~~ولو قصر الخطاب عنهم أو لم يحكم ببلوغهم ذلك لم يتصور الإثم والدليل على ما ~~ذكرنا أيضا إقامة الحدود على أهل الذمة في أرتكاب المحرمات على ما يوافق ~~شرع الإسلام فدل أن الخطاب قد بلغهم وأن اللزوم قد ثبت في حقهم وأن اعتقاد ~~قصور الخطاب وعدم البلوغ اعتقاد باطل وشئ مخترع لا يمكن إقامة دليل عليه ~~مستقيم على أصول الشرع وقواعده والله الموفق للصواب. # ثم ذكر فصلا في الأعذار المسقطة للوجوب بعد البلوغ. قال: هذه الأعذار ~~أربعة أنواع الجنون والعته نوع وهو عذر عدم العقل ونقصانه. والنوم ولإغماء ~~نوع وهو العجز عن استعمال نور العقل بفترة عارضة مع قيام أصوله. والنسيان ~~والخطأ والكره والجهل بأسباب الوجوب ونحوها من الأعذار الطبيعية نوع فإن ~~العقل ينعدم معها بسبب الترك مختار. والرابع قسم الرق والحيض فإنه مما ~~ينعدم به شرع بعض العبادات حكما فيثبت العجز شرعا لا طبعا وقد قال بعضهم: ~~الأعذار الاثنا عشر. # النوم والاغماء والاكراه والصبا والجنون والعته والسكر والحيض والنفاس ~~وهما واحد والمرض وعدم السماع والنسيان والخطأ. # قال أبو زيد: أما الجنون فهو بمنزلة الصبى قبل أن يعقل الصبا إذا طال ~~الجنون وبمنزلة النوم إذا قصر والعتة بمنزلة الصبى بعد ما عقل الصبى لأن ~~المعتوه هو الذى اختلط PageV02P388 # كلامه فكان بعض كلام العاقل بعض كلام الغافل بعض كلام المجنون وكان ذلك ~~الاختلاط لنقصان عقله كما يكون في حق الصبى إلا في حق العبادات فإنا لم ~~نسقط به العبادات. # وأنا أقول: إن هذا الكلام باطل لأن العته نوع جنون إلا أنه يعقل قليلا ~~وهو في التأثير في العقل أكثر من الصبى بعد أن عقل فإذا كان ذلك يمنع وجوب ~~العبادات فالعته أولى بالمنع. وقولهم: إن الجنون إذا قصرت مدته يكون كالنوم ~~كلام باطل أيضا لأن العقل قائم في النائم زائل في المجنون رجعنا إلى كلامه. # قال: وأما السفه بعد البلوغ فلا يوجب الحجر لأن السفه ليس بنقصان العقل ~~وإنما هو مكابرة العقل بغلبة الهوى وقد نهاه الشرع ms846 عن اتباع الهوى فلا يصير ~~اتباعه الهوى بخلاف موجب العقل عذرا لم يوجب الحجر نظرا له ولم يجعل السفيه ~~وإن كان مغلوبا هو له كالمكروه الذى هو مغلوب لغيره لأن ذلك عذر عند الله ~~تعالى وهذا لم يجعل عذرا عند الله تعالى لقدرته لا محالة على الدفع ولو لم ~~تساعده نفسه وإنما يصير مغلوبا بالمساعدة للهوى مختارا ونحن قد أجبنا عن ~~هذا في مسألة المحجور عليه بالسفه ذكرنا طريقة توجب الحجر على السفيه. # قال: وأما النوم والإغماء فنوع واحد وهو فترة بعارض منع من أستعمال العقل ~~مع قيامه وحكم النوم تأخير حكم الخطاب في حق العمل به لا سقوط الوجوب أصلا ~~على ما قال عليه السلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ~~ذلك وقتها" 1 ولما ذكرنا أن نفس العجز لا يسقط الوجوب أصلا وإنما يسقط وجوب ~~العمل إلى حين القدرة إلا أن يطول فيسقطه دفعا للحرج والنوم لا يمتد عادة ~~بحيث يخرج العبد في قضاء ما يفوته في حال نومه لأنه عادة لا يمتد مع الليل ~~يوما كاملا إلا يستيقظ فيه وإنما يكون بالليالي والإغماء بمنزلته إلا في حق ~~الصلاة فإذا كان مدة ست صلوات سقط القضاء لأن الصلاة تتكرر إذا كانت ستا ~~وفى ذلك حرج والإغماء يمتد هذا القدر من المدة فيجعل مسقطا لوجوب الصلاة ~~دفعا للحرج. بمنزلة الجنون وكان الإغماء كالنوم في حق الصوم والزكاة لأنه ~~لا يمتد في العادات شهور وسنين وفى الصلاة كما ذكرنا. # فإن قيل: إن السكر بمنزلة الإغماء ولم يتأخر به الخطاب. PageV02P389 # قلنا: إن السكر يحصل بسبب هو معصية وهو شرب الخمر المسكر واجتماع ذلك ~~الحرام في معدته لم يجعل عذرا شرعا على ما عرف في غير هذا الموضع وأما باب ~~النسيان فيتعلق به انعدام فعل ما أمر به لعدم القصد إليه. بسبب النسيان ~~للعجز. إلا أن القصد لا يتصور منا إلى فعل بعينه قبل العلم به كقصده ديار ~~زيد لا يتصور بدون زيد وقصد صوم رمضان قبل العلم ms847 به لا يتوصر وكذلك قصد ~~استعمال الماء لا يتصور إلا بعد العلم به فصار في حكم العجز وإن نفيت القول ~~الغريزية معه وصار أيضا في حكم النوم لأنه آفة مخلوقة جبلية كالنوم وقد قرن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسيان الصلاة والنوم عنها على ما مر ذكره ~~إلا أن يكون نسيانا عن لهو أو لعب فيؤاخذ به كالنوم عن سكر ولهذا قلنا: إن ~~من نسى الماء في رحله وهو مسافر فتيمم يجزئه لأنه عجز عن استعماله بالنسيان ~~كما يعجز بعدم الماء فيسقط به خطاب استعمال الماء إلى الخطاب بالتيمم. # قال: وأما كلام الناس إنما يبطل الصلاة لأن أصل حظرية الكلام لا ترتفع ~~بالنسيان وإنما بما ينبنى في الحرمة فحسب حتى لا يأثم إلا أن فعل الكف عن ~~الكلام شرط لصحة الصلاة فلا يتأدى بدونه كما لو نسى الطهارة وصلى بدونها لم ~~يأثم ولا تجوز صلاته. # قال: ونقول أيضا: أن القياس أن يفسد الصوم بأكل الناسى وكذلك الخطأ في ~~حكم النسيان بدليل أن المخطئ لا يأثم ولهذا استثنى الله تعالى الخطأ من ~~الحظر في قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 52] وقوله: ~~{وما كان} للتحريم وقد استثنى منه ما يكون خطأ فثبت أنه في حكم المباح في ~~حق الفاعل. # قال: ونقول إن كلام المخطئ صحيح مثل كلام العامد فإن يمين المخطئ صحيحة ~~مثل يمينه وكذلك نكاح المخطئ وطلاقه وعتاقه ونذره وكل ما لا يبطل بالهزل لا ~~يبطل بالخطأ لأن الموجب لصحة كلامه شرعا قائم مع الخطأ وأما البيع خطأ فلا ~~ينبغى أن يلزم الهزل والكره لأن الشرع بنى لزومه على التراضى مع صحة ~~المعاقدة ولا رضى إلا بعد قصد صحيح. # [قلنا] 1: عقد يلزمنا حكمه بلا شرط رضى وبقى الخيار لعدم الرضى نفسه. # قال: ولنا إذا أسلم الشفعة خطأ بطلت الشفعة لا بالتسليم فإنه يخطئ غير ~~راض به ولكن يترك الطلب كما لو سلمت لوم يلزم ولهذا لم يلزم القاتل الخطأ ~~الكفارة وتحريم الإرث ولو سقط بالخطأ ms848 حرمة القتل أصلا ما لزمه حكم القتل ~~المحظور وكذلك الكره PageV02P390 # بمنزلة الخطأ أو دونه لأن المكره محظور بما فعله قاصد إياه لأنه عرف ~~الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد إلا أنه قصد فاسد لأنه قصد لا ~~راضيا به [وتفويته إتيانه] 1 بل أوقع الشر عن نفسه فلا يحكم إلا بالفساد ~~ولعدم القصد ولا يقع هدرا وإنما يبطل به ما يتعلق لزومه بالرضى كالبيع ~~والإجارة وما لا يلزم مع استثناء الخيار أوقع الهزل وأما يمين المكره ~~ونكاحه وطلاقه وعتاقه فلازم وكذلك الكلام مكرها في الصلاة يبطلها وكذلك ~~الأكل في الصوم مكرها أو سبق الماء إلى حلقه خطأ يفسده. # قلنا: لم يهدر حكم وكذلك من ارتكب محظورا من محظورات الحج خطأ أو مكرها ~~لزمته الكفاره # فإن قيل: أليس المكره على القتل لا يقتل عندكم. قلنا لم يهدر حكم الفعل ~~فإن القصاص واجب به لكن لم يجب على الفعل كرها بحكم انعدام الفعل منه فإنه ~~جعل المكره الذى حمله عليه كأنه قبض على يديه وقتل بيده إنسانا على ما بينا ~~في موضعه وكذلك وجب على الذى أكرهه لأن الفعل أضيف إليه ومتى انعدم الفعل ~~لم يكن عدم حكمه بالكره لكن بعدم القتل كما لو لم يفعل بغير كره. # وأما فعل لا يستقيم أن نجعل المكره المباشرة آلة للمكره فالفعل لا ينقل ~~عنه وبقى مقتصرا عليه على ما بينا في موضعه وإذا بقى عليه وصار فاعلا لزمه ~~حكمه إلا ما يبطله الهزل والأقوال كلها لا يمكن أن يجعل الفاعل عن كره آلة ~~فيه للآمر إذا أمر ولا يمكنه التكلم بلسان غيره وأما القتل فيمكن بيد غيره ~~والأكل والزنا مثل الأول وسائر الإتلافات مثل الثاني. # قال: وأما الجهل فمثل الخطأ والنسيان لأن الجهل بالحق لا يكون للجهل ~~بدليله وسبب وجوبه فيكون الإعراض عن إقامته لا عن قصد العصيان والخلاف بل ~~كما يكون من المخطئ والناسى ويكون الجاهل عاجزا حكما كالناسى ويكون الجهل ~~عذرا يؤخر حكم الخطاب ولا يسقط الوجوب أصلا كالخطأ والنسيان ولهذا قيل: ms849 إن ~~العبد إذا عمل باجتهاده في حادثة لا نص فيها عنده ثم بلغه نص بخلاف رأيه لم ~~يأثم على ما مضى ولزمه نقض ما مضى باجتهاده ولو سقط أصلا بالجهل ما لزمه ~~النقض كما لو ترك النص بعد رأيه في زمن الوحى. هذا كلامه في هذا الفصل ~~نقلته على ما كان في أصله. PageV02P391 # ونحن نقول في هذه المسائل على خلاف ما ذكروا أما النوم فلا يسقط الفرض ~~بحال1 لأنه لا يزيل العقل ويجوز أن يقال إن الواجب عليه بعد اليقظة ولا يجب ~~في حال النوم جريا على ظاهر الخبر وأما الإغماء فإنه يسقط الفرض لأنه مما ~~يزيل العقل. # فإن قالوا: كيف يقال إنه يزيل العقل وهو جائز على الأنبياء. # قلنا: جاز على الأنبياء لأنه يزول في مدة يسيرة وذلك لا يخل بأمرهم فأما ~~إذا طال ووصف بالجنون فلا يجوز لأنه يخل بأمرهم وأما الفرق الذى قالوا في ~~الصلاة وإنه إذا استوعب ست صلوات سقط وإذا لم يستوعب لم يسقط. # ففرق لا يعرف وإنما هو محض تحكم على الشرع والحرج الذى قالوه ليس بشئ ~~لأنه لا حرج في قضاء ست صلوات والمراد في نفى المذكور في القرآن [ ... ] 2 ~~شيئا لم يجعل لهم من ذلك مخرجا. # فأما الناسى فلا خطاب عليه في حال النسيان وقد بينا أن الكلام [الناسى] 3 ~~يبطل الصلاة وأكل الناسى لا يبطل الصوم وكذا في كل موضع وجد النسيان فيه ~~فإنه مؤثر في إسقاط الخطاب وطرد [ ### | ..... # ] 4 هذا الشافعى رحمه الله وهو صحيح على قواعد الشرع. # وأما مسألة التيمم إذا رأى الماء في رحله وأنه لم يجز تيممه لأن الله ~~تعالى علقه بالعدم وهناك هو واجد لأنه إذا كان الماء موضوعا في رحله غير ~~أنه نسى موضعه فهو واجد له غير أنه غفل موضعه ولأن رحل المسافر موضع الماء ~~ولو طلب وجد وأى عذر له في ترك الطلب وإن لم يتذكر كما لو كان في قرية ~~عامرة وعدم الماء مكانه ونسى أن يطلب فتيمم فإنه لا يجوز لأن ms850 القرية معدن ~~الماء ولو طلب وجد فلما كان العجز بسبب هو قصر فيه لم يجعل عذرا وأما ~~الإكراه فهو عندنا معدم للرضى والرضى شرط في كل العقود ليلزم حكمها لأن هذه ~~الحقوق إنما تلزم بإلزامه إياها فلا بد من رضاه بلزومها ليلزم وقد بينا ~~صحيح هذه الطريقة في طلاق المكره وأجبنا عن فصل الخيار. # وأما الذى ادعوه في مسألة الإكراه على القتل وقوله إن المكره آلة وهذا ~~أيضا أصل باطل لأن المكره عاقل بفعل ما يفعله عن قصد صحيح فلا يتصور أن ~~يكون آلة لأحد PageV02P392 # وتنزيل عاقل بالغ منزلة خشبة يستعملها في أفعاله محال. # وأما قولهم: إنه يحمل عليه من قبل المكره ويفسد قصده. # قلنا: فساد القصد لا يعرف ولا يعقل والقصد عمل القلب وهو في المحسوس ~~كأعمال الجوارح فتكون صحتها بوجوبها وهذه كلمات أحكمناها في خلافيات الفروع ~~فلا معنى لإعادتها في هذا الموضع. # ثم ذكر فصلا في الحيض والرق فقال: إن الحيض لا يوجب حجرا من حيث ذهاب ~~قدرة القلب بعلمه وعقله أو قدرة البدن ولكنه يوجب عجزا حكميا من حيث فوات ~~الشرط بالأداء في الصوم والصلاة وهو دون العجز الذى يثبت بالنوم وكان ~~القياس أن لا يسقط أصل الوجوب بل يؤخر. # إلا أنا أسقطنا الوجوب به بشرع ورد به وذلك بغلبة الحرج فإن الحيض تعتاده ~~النساء في كل شهر والصلوات تتكرر في كل يوم فلو أمرناها لتضاعف الوجوب ~~عليها ولحرجت في ذلك فسقط بسبب ذلك الحرج كما يسقط بالجنون الممتد وهذا ~~المعنى معدوم في حق الصوم فلم يسقط. والرق من هذا القبيل لأنه مما ينعدم به ~~شرط بعض العبادات كالكفارات المالية فإن ملك المال شرط لأدائها وهو لا يملك ~~المال ما دام رقيقا وكذلك وجوب الحج يسقط عنه أصلا لا لعدم ملك الزاد ~~والراحلة فإن الفقير إذا أدى جاز وكان فرضا بخلاف العبد ولكن إنما لم يجب ~~على العبد لعدم ملك المنافع التي يتأدى بها الحج فإنها عبادة بدنية ومنافعة ~~قد صارت لمولاه إلا ما استثنى الله تعالى ms851 في باب الصوم والصلاة ولم يستثنى ~~في باب الحج لأنه لا وجوب بلا زاد ولا راحلة ولما لم يستبن صارت للمولى فلا ~~يعود إليه [ ### | ..... # ] 1 كما لا يملك منافع غيره ولا سائر الأموال بتمليك المؤن ولا يصح ~~الأداء بمنافع [ ### | ..... # ] 2 كما لا يصح التكفير بمال المولى وكذلك يسقط بالرق إباحة نكاح الأربع ~~من النساء والحدود التي تحتمل التنصيف [ ### | ..... # ] 3 وكذلك [ ### | ..... # ] 4 العدة والتطليقات وحق القسم وتبطل الولاية وما يبتنى على الولاية من ~~الإرث والشهادة وهذا الكلام الذى قال في الابتداء لا بأس به ونحن نقول بذلك ~~وأما الذى قال في آخر كلامه في التنصيف بالرق فنحن PageV02P393 # نقول: إن الرق منصف لما يقبل التنصيف وهذا صحيح في كل ما يتبعض ويتنصف. # فأما الذى لا يقبل التنصيف من الحل فنقول إن الحل في الأمة نكاحا مثل ~~الحل في الحرة ولا ينصف لأنه لا يقبل التنصيف ولأن الرق يفتح باب الحل في ~~محل الرق وما لا يوجد في محل الحرية فلأن يؤثر في الحل الذى يوجد قى محل ~~الحرية أولى وهذا فصل في مسألة طول الحرة ومسألة الطلاق بالرجال والنساء ~~وقد ذكرنا وجه قولهم في ذلك ووجه جوابنا عنه ثم ذكر فصلا في الكفر. # فإن قال قائل: فإنكم لم تذكروا قسم الكفر. # قلنا: الكفر ليس من جملة الإعذار ولأنه غير مسقط للخطاب عند أهل الكلام ~~وهو مذهب الشافعى من الفقهاء ومذهب عامة مشايخنا من أهل العراق. # وذكر مسألة خطاب الكفار بالشرعيات واحتج من الجانبين وقد سبق ذكرنا لها ~~وأوردنا حجة الفريقين على التمام والكمال فاستغنينا عن الإعادة وهذا جملة ~~ما ذكروه من الأعذار العامة في أحكام الشرع وقد أوردنا هذا على ما ذكروه ~~وتكلمنا عليه بحيث ما يسر الله تعالى والله أعلم. # ثم ذكر القول في الحجج العقلية قال: وقد أجمع العقلاء على إصابة ~~المطلوبات الغائبة عن الحواس بدلائل العقول كإجماعهم على إصابة الحاضرة ~~بالحواس حتى أنك لا تكاد تجد أحدا خاليا عن الاستدلال بها لجديرا به وعقله ~~حتى لم يكن السمع حججا ms852 إلا باستدلال عقلى ولا يقع الفرق بين المعجزة ~~والمخرقة والنبى والمتنبئ إلا بنظر عن عقل وكذلك تعرف النار مرة ببصرك ومرة ~~بدخانها مستدلا عليها بعقلك لا طريق للعلم إلا طريق الحواس أو الاستدلال ~~بنظر عقلى في المحسوس ليدرك ما غاب عنه. # قالوا: ولا خلاف في هذا بين العقلاء وإنما اختلفوا بعد ذلك. # وقال بعضهم: لا يعرف الله تعالى بمجرد دلائل العقول حتى تتأيد بالشرع. # وقال بعضهم: يعرف ويجب الاستدلال قبل الشرع. # وقال بعضهم: لا يستقل بهذا لأن الله تعالى لم يدعنا والعقول فلا معنى ~~للاشتغال بها. # قال: وقال علماؤنا: من لم تبلغهم الدعوة من الكفار لا يقاتل إلا بعد ~~الدعوة وإن قوتلوا أو قتلوا لم يجب شيء. # وقال الشافعي: يضمن. # PageV02P394 # وقال أيضا: إنهم يعذبون في الآخرة فجعلهم كأطفال المسلمين. # قال ولا نص عن علمائنا في المبسوط إلا ما ذكرنا من هدر الدماء وأنه لا ~~يدل على التزام الكفر بترك الاستدلال فإن المسلم منافيهم عندنا ما يهدر دمه ~~ما لم يجوز نفسه بدار الإسلام. # قال: قال علماؤنا: إن الصبى إذا أسلم وعقل صح إسلامه ولو لم يستدل بعقله ~~ولم يجر كلمة الشهادة على لسانه لم يحكم بكفره وإن امتنع بعد الاستنصاب بل ~~كان في حكم المسلم ما لم يبلغ ولو امتنع بعد البلوغ كفر لأن خطاب الشرع ~~بالأداء ساقط قبل البلوغ فصار معذورا. # قال: واحتمل مثل هذا بعد البلوغ قبل أن تبلغه دعوة أحد فلا نحكم بكفره ~~لجهله بالله تعالى وغفلته عن الاستدلال بالآيات ويحكى عن أبى حنيفه أنه ~~قال: لا عذر لأحد في الجهل بالخالق لما يرى في العالم من آثار الخلق فيحتمل ~~أن يكون ذلك بعد ورود السمع بذلك. فقد حكينا أنهم عذروا الصبى لجهله. # قالوا: وأما الذى قالوا إن الله تعالى لا يعرف بدون الشرع فقد ذهبوا في ~~ذلك إلى أن العقلاء أجمعوا أن الأداء لا يجب إلا بعد ورود الشرع ولو كان ~~العقل حجة كافية وجب قبل الشرع ولأنا نرى العقلاء مختلفين في إثبات القديم ~~مع شدة ms853 تأملهم واشتهارهم بالحكمة ولا يعرف واحد منهم إصابة ما يتبين بالشرع ~~ولو كان بالعقل كفاية لما اختلفوا فإن اختلفوا يجب أن يكون فيهم من أصابه ~~وحين لم يعرف أن أحدا ممن طلب الحق بعقله أصابه على ما عرف بالشرع علمنا ~~أنه لا يعرف بدون الشرع. # قال: وأما الذين قالوا: إنه تقع الكفاية بالعقل ذهبوا إلى أن إبراهيم ~~عليه السلام قال لأبيه: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} [الأنعام: 74] ولم ~~يقل [أوحى إلى] فثبت أن العقل بنفسه يهدى ولذلك الله تعالى أخبر أن إبراهيم ~~عليه السلام استدل بالنجوم فعرف ربه عز وجل وكان استدلاله حجة على قومه ~~فقال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] وليس في ~~الآية من باب الوحى ذكر وقال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] ولم يقل نسمهم ونوحى إليهم. وقال ~~تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به} [المؤمنون: 117] ولم يقل ~~بعدما أوحى إليه أو بلغته الدعوة فثبت أن العذر ينقطع بالعقل وحده ولو لم ~~يكن فيه كفاية لما انقطع العذر. # PageV02P395 # قال: وقول من قال: إن الله تعالى لم يدعنا والعقول فذلك رحمة من قبل الله ~~تعالى وتفضل منه وربما يقولون بعث الرسول لبيان تتمة الدين. # ببينة: أن الله تعالى لم يدعنا ورسولا واحدا وقد كانت الحجة قائمة لرسول ~~واحد منهم. # قالوا: وأما اختلاف العقلاء فقد وجد اختلاف العقلاء بعد دعوة الرسل أيضا ~~على أن من لم ينل ذلك لتقصير في اجتهاده والمقصر في اجتهاده لا ينال كان ~~الحقيقة وكذلك الغالى يتعداها وإذا جاء الوحى والعصمة عن التقصير والغلو ~~صار الدين واحدا. # وأما الذين قالوا: إن الاستدلال لا يجب قبل الشرع فقد احتجوا بالشرع ~~والعقل. أما الدليل من قبل الشرع قول الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] ~~وقال: {رسلا مبشرين ومنذرين} [النساء: 165] الآية وقال: {أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ms854 ونذير} وقال عقيب قوله: {ألم يأتكم ~~رسل منكم} [الأنعام: 130] {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون} [الأنعام: 131] فأخبر أن الإهلاك كان ظلما وهذه الآيات دالة على أن ~~العذر لا ينقطع بمجرد العقل لأن الهوى غالب على الإنسان وطرق هوى الدين ~~محضة تحت غالبة الهوى ومنام القلب والغفلة في دلائل العقل وفى تنبهه عن ~~مؤلم الغفلة بالشرع حرج عظيم أكثر مما يحرج الصبى العاقل بسبب نقصان عقله ~~لإدراكه ما يدركه البالغ من الخطاب المسموع. وقد أخبر الله تعالى لأن لا ~~حرج في الدين وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخطاب ساقط عن الصبى ~~مع وجود العقل ويمكنه من الاستدلال فكذلك بعد البلوغ يسقط أيضا بمجرد العقل ~~لأنه لا تفرقة بين الحالين من حيث العقل. ألا ترى: أن العبادات كما سقطت ~~بعذر الصبى سقطت بعذر الجهل عمن أسلم في دار الحرب ولا يعلم بالعبادات ولأن ~~النفس بهواها غالبة [ ### | ..... # ] 1 في أول الفطرة وإذا حدثت حدثت مغلوبة إلا من شاء الله من الخواص وإذا ~~كانت مغلوبة بقيت العبرة للراجح وبقى الحكم على ما كان قبل العقل حتى يتأيد ~~العقل بالوحى فيرجح على الهوى حينئذ فلا يجوز في الحكمة التزام العمل حسا ~~والعامل مغلوبا بالمانع حسا فكذلك لا يحسن إلزام العمل بالحجة والحجة ~~PageV02P396 # مغلوبة مدفوعة بغيرها. # قال: وهذا القول قول بين القولين من التقصير والغلو فقصر من أنكر وجود ~~الله تعالى بدلالات العقول وحدها وغال من التزم بالاستدلال بالوحى ولم يعذر ~~بغلبة الهوى وهو من الله تعالى وقرب من الإنصاف من قال: إن الله تعالى يعرف ~~بدلالات العقول وحدها ولكن لا يجب فعل الاستدلال إلا بشرع والحق بالشرع ~~ونفس العقل لا يميز بين امرأة عقلت وحاضت لتسع سنين وصبى عقل وبلغ أربع ~~عشرة سنة ونصف بل حال الصبى أكمل من حال البالغة بحيضها بالتسع سنين. # ببينة: أن العاقل لا يرى بناء إلا عرف لها بانيا ولا يعرف نقشا إلا عرف ~~له ناقشا ولا يعرف صورة إلا عرف لها مصورا ms855 فكيف يعذر بعد رؤية الصورة في ~~جهله بمصورها وإذا لم يعذر فلا بد أن تقع المعرفة بفاعل الصورة فقد تنبه ~~بعقله وكيف ينكر هذا والله تعالى يقول حاكيا عن الكفرة: {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] وكذلك لا ترى أحدا من الكفار ~~إلا وهو يخبر عن الصانع إنما كفرهم كان لوصفهم الله تعالى بما لا يليق به ~~من الولد والشريك وكان كفر بإنكارهم البعث بعد الموت للجزاء وكلامنا في نفس ~~الجاهل للصانع عن ذكره وكيف يعذر والجهل جاء من استخفافه بالحجة بعدما لاحت ~~له بلا تمثل فالبناء شاهد على البانى بلا تمثل في العقول والاستخفاف بالحجة ~~فوق الغفلة عن سكر يقع بالخمر وأنه لم يعذر فهذا أولى بخلاف أول حالة العقل ~~لأنه لأول حالة لا يتنبه لما يتنبه له الكبير ألا بجهد وحرج كالنائم يتنبه ~~فلا يدرك لأول مرة ما يدركه بعد مدة فانتبه قام أن يعذره الله تعالى رحمة ~~ثم قدر مدة العذر ولا يعرف ذلك بالعقل. # قال: والدليل على أن التنبيه لا يقع لأول العقل قوله تعالى: {أولم نعمركم ~~ما يتذكر فيه من تذكر} [فاطر: 37] ولم يذكر العقل وقال: {وجاءكم النذير} ~~[فاطر: 37] وقيل: إنه السبب. # وقال: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض} [الروم: 8] ~~ولم يذكر الوحى بل عايبهم على ترك التفكر. # وقال: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} ~~[فصلت: 53] أخبره أنه يريهم الآيات حتى يتبين لهم أنه الحق فثبت أن اللبس ~~لا يقع إلا بالاستخفاف بالحجة كما يكون بعد دعوة الرسل. # PageV02P397 # قال: وأما قوله تعالى: {ألم يأتكم رسل منكم} [الزمر: 71] وهو كلام توبيخ ~~فيكون بأظهر الأمور وأعلاها وأما قوله تعالى: {لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل} [النساء: 165] أي حجة نفاذ ولا حجة تقبل وكذلك أخذ الله ~~تعالى الميثاق لقطع حجة نفاد وقوله تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} ~~[هود: 117] أى: لم يهلكهم بظلمهم حتى أرسل الرسول وظهر تعنتهم ولو أهلك ~~لكان عدلا ولكنا أمهلنا ms856 إلى حين [ ### | ..... # ] 1 عذاب الآخرة أى أخرنا عنهم العذاب إلى بعثة الرسل تأكيدا عليهم كما ~~جعلناه بعد الحساب والشهود تأكيدا عليهم # ثم نذكر أقسام دلائل العقل الموجبة فقال: منها ما يدرك بدلائل العقول ~~كحدث العالم ودلالة [ ### | ..... # ] 2 ما لا يكون دلالة إلا بجد تأمل ونظر كدلالة العالم على صانع هو الله ~~تعالى ولهذا اختلف العقلاء في ذلك لا لاختلافهم في استعمال النظر ولم يختلف ~~في حدث العالم المحسوس. # ومنها: ما لا يكون دلالة إلا بتجربة كمعرفة الأدوية والأغلبة ولكن إذا دق ~~المطلوب اختلف فيه الشبة. # ومنها: ما لا يكون دلالة إلا بمعرفة الحس كالنجوم على الطرق والجبال ~~والأميال حتى شاركت البهائم العقلاء في هذه المعرفة لمشاركتها إيانا فيما ~~يدرك بالحواس. # واعلم أننا بينا المذهب الصحيح من قبل وقد ذكرنا أن العقل لا يوجب بنصه ~~شيئا ولا يحرمه والذى ذكره فيه ضبط عظيم لأنه إذا اختار أن الله تعالى يعرف ~~بمجرد العقل فيكون قد ناقض وارتكب مالا تتجه صحته لأنه إذا عرف بمجرد العقل ~~وقد أعطاه العقل ولا يحتمل أن يكون واجبا على الخلق فوجب أن يجب عليه إذا ~~كان قد أصاب العقل الذى هو طريق معرفة الله تعالى ولأنه إذا حقق دلائل ~~العقول بنفسها فيجب شكر المنعم والنظر المؤدى إلى معرفة الله تعالى على ما ~~قاله أهل الكلام وقد مهدوا لهذا قواعد لا بد لمن عرف بها أن يحكم بأن العقل ~~بنفسه يوجب ولم أحب ذكر ذلك ولأنه ليس مما يتصل بهذا الكتاب والقول بين ~~القولين إنما يستحب اختياره وسلوك طريق بين الغالى والمقصر إنما يكون أولى ~~إذا أمكن تمشيته فأما إذا لم يمكن تمشيته فلا وعلى أنه قد ذكر أن الموجب ~~للإيمان ليس هو الله تعالى إنما الموجب للإيمان PageV02P398 # هو الدلالات التي نصبها في العالم من رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال ~~وخلق المنيرين والكواكب وغيرها وقد ذكرنا فساد هذه المقالة بل الصحيح والذى ~~يليق بحكمة البارى تعالى ولطفه بخلقه أنه لا يجب الإيمان إلا بعد بعث الرسل ~~وختم ms857 الأمر بالوحى الصادق إلى ما نصب من الدلائل الدالة عليه ثم بوجود ~~معونته عليه وتوفيقه له فإن معرفة الله تعالى بصفاته التي هو عليها من أشق ~~المعارف وأعسرها ولهذا ارتبك فيها أكثر الناظرين وتحيروا والتبس عليهم هذا ~~الأمر بحقيقته وأيضا فإن عقلهم مشوب بالهوى وتنبههم غير تام لاستيلاء ~~الغفلة عليهم وفجورهم راجح على تقوتهم فيكون نظرهم بهذه الأسباب مدخولا ~~وفكرهم وارتيابهم معلولا ولهذا لم يخل العبد وعقولهم ولهذا لم يوجد أحد ~~يهتدى إلى الحق على ما هو به بمجرد عقله وظهر لنا أن الحكمة الشرعية مقتضية ~~على ما مهده واستنه ووضعه وهو إعطاء العقل آلة الإدراك ونزول الوحى الصادق ~~بالأمر الصادق والتكليف ثم المعونة من الله تعالى من غير أن يخليه وأمره ~~ويغنيه عن نفسه فإن أغناه عن نفسه فيما كلفه وأمره ويخليه ومحض معقوله لهلك ~~بل هو مخالف بما عرف من تفضل الخالق مع خلقه وجوده وكرمه معهم ونظره لهم ~~وهو الذى قلناه أيضا لا يعرف بمجرد العقل بلا لا يبصر إلا من أيده الله ~~إليه بنوره ورفع بيده من ارتكابه في الظلمات ونجاه من المهاوى والمهالك ~~التي هى [ ### | ..... # ] 1 ويسأل الله مما لا وجود له إلا به ولا وصول إليه إلا بمعونته ومنه. # ثم ذكر فصلا في موجبات العقل دينا وقال يعنى بالوجوب: الوجوب في الذمة ~~حقا لله تعالى لوقوعه علينا لا وجوب الأداء والتسليم إلى الله تعالى وذكر ~~أن هذه الواجبات أربعة: معرفة نفسه بالعبودية ومعرفة الله تعالى بالإلهية ~~ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى للجزاء الوفاق ~~ومعرفة الدنيا وما فيها بالعبيد المبتلين بضرب يقع يعود إليهم فيها وذكر في ~~هذا قصة طويلة وكلاما كثيرا فلم أر في ذكرها كبير فائدة فيما يرجع إلى أصول ~~الفقة ثم ذكر محرمات العقل وجعلها أربعة أيضا: الجهل والظلمة والعته والسفه ~~وزعم أن الجهل إنما يكون بترك الاستدلال بنور عقله والعاقل ما ركب فيه ~~العقل إلا ليقف به على مصالح لا تنال غايتها بالحواس وبه غلب على ما ms858 في ~~البر والبحر واستسخرها وادعى لنفسه كل شئ منها فيحرم بالعقل ما يفوت به ~~أغراض العقلاء كما يحرم به ترك الأكل الذى فيه حياته وكما يحرم بالعقل ترك ~~البصر PageV02P399 # بالعين عند إرادة الشئ إلى موضع يحتاج إليه ويحرم إطفاء السراج مع إرادته ~~سلوك طريق لا يهتدى إليه بالسراج وإذا حرم الجهل حرمة الظلم لأن حقيقة ~~الظلم وضع الشئ في غير موضعه فيكون الظلم مكابرة لما رأى بنور عقله ويكون ~~الأول تركا للرؤية كالذى لم يفتح عينيه حتى وقع في بئر فيقبح منه ذلك والذى ~~فتح فرأى البئر ثم أوقع نفسه فيها قصدا كان الفعل منه أقبح ومثاله من باب ~~الشرع من بلغته الدعوة والمعجزة فلم يتأمل وكفر كان قبيحا والذى تامل وعرف ~~ورد تعنتا كان أقبح نحو كفر إبليس وفرعون وقارون حيث جحدوا بعدما اشتدت منة ~~أنفسهم وأما العبث فيحرم أيضا لأنه اسم لفعل يخلو عن الفائدة لأن نفس الفعل ~~وإن قل ففيه أدنى مشقة فلا يحتمل عقلا إلا لفائدة أولى. # ومنها السفه لما أوجب مضرة كان أقبح من الأول لوجوب معنى الأول فيه من ~~فوت الفائدة وزيادة من ضرر فكان السفه من العبث كالظلم من الجهل ثم ذكروا ~~أربعة أخرى تحرم بالعقل وقال هى الإيمان بالطاغوت وكون الخلق للحياة الدنيا ~~واقتضاء الشهوات فيه والإنكار بالصانع والإنكار بالعبث للجزاء. وذكر أن ~~الطاغوت كل ما عبد من دون الله وأورد في هذا فصلا بعباراته ونحن نقول إن ~~الفعل بمجرده لا يوجب شيئا ولا يحرم شيئا ولا يفصل فيها تفصيلا بوجه ما ~~والأصل أن كل ما ينال بفعله أو كل ما ينال بالانتهاء عنه السعادة الأبدية. # قلنا: لايثبت سببا من الأمر به أو النهى عنه إلى مجرد العقل لما ذكرنا ~~فلا نعيد. # ثم ذكر فصلا في مباحات العقول وهذا قد سبق الكلام فيه وهى المسألة ~~المعروفة أن الأشياء أصلها على الحظر والإباحة أو على التوقف عن غير اعتقاد ~~حظر ولا إباحة وهذه المسألة سبقت بجوانبها وحواشيها فلا نعيد ثم ذكر في ~~آخره ms859 فصلا في أحوال قلب الآدمى قبل العلم وأحواله بعد العلم. # قال: يولد الإنسان وهو بصير كالمجنون في عدم العقل ليس معه قدرة التمييز ~~الذى بها خواطب الإنسان بهذه العلوم وضده العاقل لا العالم ثم يصير غافلا [ ### | ..... # ] 1 عن نور في الصدر يبصر به القلب الأمور الغائبة عن الحواس إذا نظر ~~الحجج كما أن العيين إنما تبصر مع نور الهواء إذا نظر فيصير الإنسان إذا ~~عقل قادرا على البصر لكنه على جهل ما لم يبصر وضد الجهل العلم ثم ينظر نظرا ~~ضعيفا فيصير شاكا والميل والشك PageV02P400 # ضد اليقين وذلك كالشئ يبدو للعين إذا نظر إليه بدرا غير قوى فلا يميز ~~الناظر إليه بين حقيقة وجود الشئ وبين خيال يميل العين ثم يبصر بعد ذلك ~~نظرا فوق ذلك غير تام فيصير ظانا والظن في اعتقاد العلم احد وجهى الشك ~~برجحانه على الآخر بهوى لا بدليل هو دليل على الحقيقة وضد الظن الحق على ما ~~قال الله تعالى: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] ثم إذا صار ~~النظر على وجهه وميز بين الدليل وما ليس بدليل وطلب الرجحان لأحد وجهى الشك ~~بالحجة ورجح ومال القلب إليه من غير تعلم فذلك مبدأ العلم فغالب الرأى ~~والعلم الذى يقع بالمقاييس والاجتهادات التي تحتمل الخطأ وأخبار الآحاد ~~ونحوها من الأدلة المجوزة وهذا يسمى علما لكنه على المجاز لقيام شبهة الخطأ ~~واحتماله مع هذا الدليل واسمه على الخصوص من الحق لأنه ثبت عن دليل وضده ~~الظن وإذا ثبت لا عن دليل لكن بهوى النفس ثم إذا جد في النظر وقعت الإصابة ~~وزالت الشبهة من كل وجه صار عالما فصار حكم العلم رؤية للقلب المنظر فيه ~~كرؤية العين المنظور إليه فالعلم للقلب صفة خاصة كالرؤية للعين وقد تستبعد ~~الرؤية عن العين للقلب كالرؤية إنما تكون بتبدى المنظور إليه وكذلك العلم ~~يتبدى المنظور فيه للقلب. # قالوا: واللاعتقاد صفة زائدة للقلب بعد العلم يعلم ثم يعتقد الإنسان ~~بقلبه على ما رأى. # قال: وقد كان إبليس عالما بالله ولم ms860 يكن معتقدا والاعتقاد بالقلب كالطاعة ~~للبدن يعلم بوجوب الصلاة ثم حمل بها فيكون الاعتقاد تصديقا بقلبه على ما ~~علم وإن ترك الاعتقاد كان تكذيبا لقلبه. # قال: ثم العلم الأول ما يقع للقلب يكون رؤية بالقلب فإذا دامت الرؤية ~~وزال الاضطراب صار العلم معرفة كالغريب إذا دخل بلدة وصحب أهلها تثبت بينهم ~~المعرفة وإن كان قد ثبت العلم باول رؤية ولهذا يقال للبهائم عرفت كذا ولا ~~يقال علمت كذا لأنها لا تعرف شيئا إلا بالعيان الذى يزيل كل اضطراب والعلم ~~ما يكون [إلا] 1 بنظر القلب والاستدلال الذى هو دون العيان حتى إذا زال ~~الاضطراب بدوام الصحبة قبل المعرفة وضد المعرفة نكرة وضد العلم الجهل ويقال ~~علمت فلانا ولكنه ليس من معارفى إذا لم يكن بينهما صحبة فعلمنا أن المعرفة ~~فوق العلم بزيادة صفة PageV02P401 # للصحبة للقلب لا زيادة درجة الثبوت فإنهما سببان في اليقين ثم العلم ~~بعدما يصير معرفة يتنوع إلى ضربين: علم الظاهر دون المعنى والباطن الذى فيه ~~الحكمة وعند تأيد القلب به يصير معقولا له ويجرى مجرى الطبيعة فمتى نظر ~~بدلالة عقلية وقف على الباطن [وتأيد] 1 القلب به بعد ما اطمأنت إليه [ ### | ..... # ] 2 فقهاء والفقه على ضربين ضرب علم أصيب باستنباط المعنى وضد الفقيه ~~صاحب الظاهر وهو الذى يعمل بظاهر النصوص من غير تأمل في معانيها ولا يرى ~~القياس حجة ولو كان العلم والفقه سواء لكان ضد الفقيه هو الجاهل لا عالم ~~يعلم نوعا من العلم فإلى هذا تناهى حد العلم فيرى القلب أول ما يرى بغالب ~~أنه من غير يقين فيميل إليه ثم تزول الشبهة فيصير علما حقيقة ثم ينزل علمه ~~فيصير معرفة ثم ينظر في معناه وحكمته فيقف عليها فيصير فقها وقد فسر عبد ~~الله بن عباس الحكمة بالفقه في جميع القرآن ولهذا نص بهذا الاسم العلماء ~~الذين يرون القياس حجة لأن القياس لا يكون إلا بالوقوف على المعانى الباطنة ~~غير أن الله تعالى يوصف بالعلم ولا يوصف بالمعرفة والفقه # لأن العلم يبتدى المعلوم للعالم على ms861 حقيقته والله تعالى لا يخفى عليه شئ ~~فكان عالما والفقه والمعرفة اسمان إلى العلم على ما مر ذلك وليس لله تعالى ~~أحوال في صفاته وأسمائه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولا علم لنا إلا عن ~~دليل والدليل قد يكون حسيا وقد يكون عقليا فالحسيات تشارك البهائم الأدميين ~~في المعرفة الواقعة بها فإنها تعرف أولادها وأحبائها ومراحها ومسرحها لأن ~~لها حواس كما في الآدميين إنما يفارق الآدمى غيره فيما لا يعرف إلا بدلائل ~~العقل إلى آخر ما ذكره. # وهذه الكلمات لا بأس بها وقد تمهدت لنا أصول وقواعد في الديانات بفروعها ~~فما استقام عليها قبلناها وما لا يستقيم عليها رددناها والله الموفق للأرشد ~~والأصوب. # وذكر بعضهم فصلا في تباين ما خص الله تعالى الآدمى بها. # قال: ومنها: الذمة اختص بها الآدمى من بين سائر الحيوانات وسميت رقبة ~~الآدمى الحر ذمة وإنما سميت رقبته ذمة لأن الذمة عبارة عن العهد والحرية ~~ولهذا سمى الكافر المعاهد ذميا لأنه ذو عهد وحرمة والله تعالى جعل الآدمى ~~ذا حرمة عظيمة وشرفه على سائر الحيوانات ولما صارت رقبة الآدمى الحر محترمة ~~كانت محلا لوجوب الحقوق له PageV02P402 # وعليه من الحقوق فيقال: وجبت الحقوق في ذمته وذكروا على هذا في مسألة ~~الميت المفلس وعندي أن هذه القاعدة ليست بشئ والرقبة لا تكون ذمة وإنما ~~الذمة عبارة عن محل الوجوب فحسب وقد جعل الله تعالى الآدمى بمحل أن يجب له ~~وعليه ثم عبر عن محل الوجوب بالذمة ولا يمكن أن يعبر بأكثر من هذا ومما ~~وراء هذا القدر كله فضول من الكلام. # قال: ومنها الملك اختص الآدمى بملك الأموال وبملك النكاح من بين سائر ~~الحيوانات فإنه ليس بشئ من الحيوانات يملك سوى الآدمى وهو نوع شرف للآدمى ~~حتى التحق بسبب تلك الحرمة بالأحرار والملوك في الآخرة وإن كان عبدا خلقه ~~والملك عبارة: عن قدرة حكمية. يقال: ملك فلان أكل الطعام وملك الشئ إذا قدر ~~عليه وهذه القدرة الحكمية هي القدرة على التصرفات المشروعة المباحة والملك ~~صفة الملك على ms862 الحقيقة وقد يوصف به المملوك أيضا يقال لفلان ملك في هذه ~~العين وإنما وصف المملوك به لأن الملك ثبت للمالك لمعنى في المملوك وهو ~~المالية فاتصف المملوك به لكونه سببا. # ومنها: الولاية وهى عبارة عن القدرة الحكمية وهى القدرة على التصرفات وهى ~~قدرته على أداء الشهادات وتعبد الأحكام وفعل العقود فمتى كان الإنسان أهل ~~الولاية على غيره بالأسباب التي جعلها الشرع أسبابا وتلك الأسباب السلطنة ~~والقرابة وغير ذلك والولاية حق المولى لأن المولى عليه هو المتنفع بها. # ومنها [ ### | ..... # ] 1 فإن الآدمى يدا حكمية كما له يد محسوسة وهى عبارة عن القدرة على ~~الحفظ يقال هذا الشئ في يد فلان أى هو القادر على حفظه. # قال: ومنها ملك اليد وهى عبارة عن ثبوت ولاية الحفظ فللمرتهن ملك اليد ~~وكذلك المودع لأن لكل واحد منهما ولاية الحفظ. # قال: العبد أليس له ملك يمين وله ملك نكاح وهذا التفريق بالشرع لأن ملك ~~اليمين يثبت للحاجة ولا حاجة للعبد إلى إثبات الملك له فلا يثبت وله حاجة ~~إلى إثبات ملك النكاح فثبت وهو أيضا قدرة شرعية مخصوصة تثبت بسبب مخصوص. # قالوا: وأما الرق عبارة عن الضعف الحكمى الذى به يصير الآدمى محلا للتملك ~~وما هو بعقوبة لكنه سبب يحمل الكافر على الإسلام لأن حرمان القوة الحقيقة ~~لا تثبت عقوبة وكذلك حرمان القوة الحكمية لا تكون عقوبة # ولهذا نقول: إن الرق لا يدخل PageV02P403 # تحت الملك لأن الضعف الحقيقى لا يتصور دخوله تحت الملك كذلك الضعف الحكمى ~~ولهذا يجوز استرقاق الصبى والمجنون وهما لا يعاقبان في الدنيا. # وقول من قال: إنهما يسترقان ليس بصحيح لأن الاتباع في العقوبة غير مشروع ~~فلا يمكن أن يقال: إنهما يعاقبان به. # قال: وأما الكافر فله ملك يمين وملك نكاح وله جميع الولايات في حق الكفار ~~لمساس الحاجة إليها وهو مرقوق مال فإنه غرضه التمليك بالأسباب كالصيود ~~والجمادات. وأما المالية فهى غير الملك والرق وهى عبارة عن منافع ذات غير ~~العين وكل عين ينفع به غير الآدمى الحر فهو مال لأن ms863 الله تعالى جعل الآدمى ~~مالك الأموال يستحيل أن يكون مالا ولهذه الأشياء التي لا يمكن الانتفاع بها ~~بنفسها وهو مما لا يضمن بها كحبة حنطة وشعير وكسرة خبز وقطرة ماء. # قال: وأما الأشياء التي حرمها الشرع ومنع الناس من الانتفاع بها إن كان ~~شيئا يرغب الناس في إمساكه للانتفاع به في حالة يباح الانتفاع يكون مالا ~~كالخمور وجلود الميتات فإن الناس يضنون بها لينتفعوا بها في [ثانى] 1 الحال ~~فيكون مالا لأن المال ما يميل طباع الناس إليه ولهذه سمى مالا وطباع الناس ~~تميل إلى هذه الأشياء لمنافع تظهر لها في ثانى الحال فيكون مالا مثل ~~الأطفال والجحوش للحمر والمهر للأفراس وأما الميتات والعذرات وما لا يقصد ~~الناس إلى إمساكه فليس بمال وأما الحر فهو مال في حق الكفار وأما في حق ~~المسلمين يجب أن لا يكون مالا وأما الصيود في البرارى فهى مال وهذه كلمات ~~تكلمنا عليها في الخلافيات. # وعندنا الرق والمالية بمعنى واحد إلا أن المالية والملك في الآدمى يسمى ~~رقا ولأن الرق يدخل تحت الاستحقاق ويدخل تحت الإثبات عن الآدمى ويدخل تحت ~~الإسقاط بالعتق فيكون حقا ثابتا لبنى آدم مثل سائر الحقوق والباقى قد ~~تكلمنا عليه. # ثم ذكر فصلا في انعقاد العقود الشرعية وحكى عن بعضهم أن الانعقاد هو أن ~~[يأتى] 2 أحد العاقدين بكلام [ ### | ..... # ] 3 وهو كلام البائع بكلام المشترى في الشراء وسائر العقود من حيث الشرع. ~~PageV02P404 # وقال بعضهم: انعقاد العقد هو اعتبار الكلام من حيث الشرع في الحكم ~~الموضوع للعقد شرعا وبنى على هذا مسألة توقف العقد [ ### | ..... # ] 1 الانعقاد موجود في حق المتعاقدين ثم ذكر فصلا في بقاء العقد وقال: ~~زعم بعضهم أن العقد يبقى بعد الفراغ. # وقال بعضهم: لا يبقى واحتج من قال لا يبقى بأنه كلام مضى وانقضى لا يتصور ~~بقاؤه والأصل أن ما لا يبقى حقيقة لا يبقى [ ### | ..... # ] 2 بدليل قاطع والأصح أنه يبقى لحاجة الإنسان إلى بقائه وأعرض على هذا ~~وقال: لا حاجة بالناس إلى بقاء العقد لأن الحكم لا يبقى ms864 بلا بقاء السبب لأن ~~ما وجد يبقى إلى أن يوجد ما يقطعه. # ويجاب عن هذا فيقال: في البقاء حاجة لأن الحاجة تقع إلى فسخ العقد كما ~~تقع إلى نفس فعله وفسخ الحكم لا يمكن إلا بعد فسخ العقد لأن الحكم غير ~~منعقد حتى يمكن فسخه وتقضه فأما الحكم فيثبت شرعا فكيف يتصور نقضهما له ~~ولأن العاقدين ينصان على فسخ العقد لا على فسخ حكمه ولذلك القاضى يفسخ ~~عقودا كثيرة بأسباب شرعية وما لا يتحقق بقاؤه لا يتصور فسخه ولأن التولية ~~صحيحة من العاقد وما لم يبق العقد لا يصح التولية. # قال: والحكم يبقى العقد ببقاء المحل. # والأصل أن ما ثبت في المحل يبقى ببقاء المحل ولهذا نقول: إن الزيادة في ~~الثمن والمثمن في حال قيام المعقود عليه يكون جائزا لقيام المحل حتى إذا ~~هلك المحل ارتفع العقد لأنه لا يتصور بقاء العقد من غير محل يتعلق به. # قال: ويبتنى على هذا جواز تغيير العقد من وصف إلى وصف لبقائه وذلك في ~~مسألة زيادة الثمن وذكر اختلافهم في توريث العقد فزعم بعضهم أنه يورث العقد ~~لبقائه حكما وتعلقه بالمحل. # وزعم بعضهم أنه لا يورث لأنه كلام قائم بالمتكلم فلا يورثه وذكر مسألة ~~خيار الشرط أنه هل يورث أو لا؟ واستدل في أنه لا يورث3 بأن الإرث إنما يكون ~~فيما يبقى بعد الموت ومن له الخيار يعجز عن التصرف بحكم الخيار في آخر جزء ~~من أجزاء حياته فيبطل خياره ويبرم العقد لأن الأصل أن من له الخيار متى عجز ~~عن التصرف بحكم PageV02P405 # خياره يبطل خياره ويبرم العقد ولأن الخيار ليس إلا تخيره في إثبات حكم ~~العقد في مدة الخيار وتخيره قائم به وما يقوم بالمورث لا يورث ونحن نقول: ~~إن العقد قائم والفسخ يتناوله والإرث ثابت فيه وثابت في الخيار المتعلق به1 ~~وقد تكلمنا في هذا بما فيه الغنية ثم ذكر فصلا في الانفساخ العقود الشرعية. # قال: والانفساخ ضد الانعقاد فعند بعضهم يكون الانفساخ انفساخ الكلامين. # وعند بعضهم: يكون الانفساخ هو خروج ms865 الكلام من كونه معتبرا في حق الحكم ~~المشروع له قال: ومن العقود ما يقبل الفسخ بالإجماع كالبيع والهبة والإجارة ~~والصرف والسلم والرهن والوديعة والعارية ومنها: ما لا يقبل الفسخ وهو ~~الطلاق والعتقا والخلع والصلح عن دم العمد فإن العقد لا يبقى في هذه ~~المواضع بعد وجوده [ ### | ..... # ] 2 ثم الذى يقوم به عقد الطلاق وهو ملك النكاح وحل المحلية فإن الطلاق ~~يسقط وملك النكاح وحل المحلية [ ### | ..... # ] 3 النكاح وحل المحلية لا يبقى بعد السقوط والمعقود عليه الذى يقوم به ~~عقد العتاق وهو ملك المال وذلك باطل [ ### | ..... # ] 4 والباطل غير باق وكذلك المنتهى غير موجود بعد الانتهاء والمعقود عليه ~~في الخلع أيضا ما هو المعقود عليه في الطلاق والمعقود عليه الذى يقوم به ~~الصلح عن دم العمد هو ملك القصاص وذلك يسقط ولا يبقى فيما لم يبق المعقود ~~عليه في هذه المواضع لم يبق [ ### | ..... # إذا] 5 لم يبق العقد لم يمكن فسخه وأما النكاح: قال: عندنا لا يقبل الفسخ ~~وعند الشافعى رضى الله عنه يقبل لأن العقد قائم لقيام المعقود عليه وهو ~~منافع البضع فيقبل الفسخ كالإجارة. # قال: وأما عندنا لا يقبل الفسخ لأن عقد النكاح إنما انعقد باعتبار الحاجة ~~مع وجود ما ينافى العقد وهو الحرمة لأن الحرمة تنافى انعقاد سبب الملك ~~وتنافى الأملاك فيكون النكاح منعقدا فيما فيه حاجة ولا يكون منعقدا فيما لا ~~حاجة فيه ولا حاجة إلى الانعقاد في حق الفسخ. PageV02P406 # قال: وفى الأمة إذا أعتقت يثبت الخيار ولا يكون ذلك فسخا بل العقد غير ~~منعقد في نصف الملك فقد كان العقد منعقدا في نصف الحل ولم يكن منعقدا في ~~النصف فلا ينعقد في هذا النصف إلا برضاها. # وقال في حق الصغير والصغيرة إذا بلغا ذلك العقد غير منعقد في حق صفة ~~الملك وهو صفة التمام واللزوم وكانت ولاية هؤلاء ناقصة غير تامة وكان العقد ~~كذلك فعند البلوغ برضاهما ينعقد في حق الوصف فكان لهما أن لا يرضيا ~~بالانعقاد في حق الوصف ولا يبطل في الأصل لعدم الانعقاد ms866 في حق الوصف لأنه ~~لو بطل في حق الأصل لصار تبعا للوصف في البطلان وهذا لا يجوز. # ثم ذكر أن العقد ينفسخ تارة ويرتفع تارة وينتهى أخرى. # قال: وهى ثلاثة أشياء: انفساخ وارتفاع وانتهاء. وكل واحد غير صاحبه ~~فالانفساخ والانتفاض نظيران والإرتفاع والفوات نظيران والإجارة تمضى مدتها ~~تنتهى وكذلك النكاح بموت أحد الزوجين أو بموتهما ينتهى وكذلك البيع بهلاك ~~المعقود عليه بعد القبض ينتهى والبيع إذا انتهى بالموت أو النكاح انتهى ~~بالموت لا يبقى كما النمو إذا انتهى ببلوغه غايته لا يبقى النمو. # قال: وأما إقالة البيع فهى فسخ في حق العاقدين مع جديد في حق غيرهما ~~وكذلك الرد بالعيب بعد القبض بالتراضي. # وأما الرد بالعيب قبل قبض المبيع فهو فسخ في حق كافة الناس وكذلك إذا ~~[قضى] 1 القاضى بالرد بالعيب فهو فسخ على العموم سواء كان قبل القبض أو بعد ~~القبض وهذا كله مذهبه. # فأما عندنا فالإقالة2 فسخ3 في حق الناس كافة وذلك لأن العاقدين بالإقالة ~~يعضدان فسخ العقد وفسخ العقد مملوك لهما فثبت الفسخ في حق الناس كافة كما ~~إذا كان قبل القبض أو كان الفسخ بقضاء القاضى. PageV02P407 # والدليل على أن الفسخ مملوك لهما ثبوت الفسخ في حقهما وقد ذكر هذا الرجل ~~كلام أصحابه في أن الإقالة فسخ [ ### | ..... # ] 1 على أنفسهما ولا ولاية لهما على غيرهما وقد وجد تناقل الملك بالتراضى ~~وكان [ ### | ..... # ] 2 وأما قبل القبض فلا يمكن بجعله بيعا جديدا فلا بد أن يكون فسخا في حق ~~الناس [ ### | ..... # ] 3 لأن له ولاية على الناس كافة فلا يمكن أن يجعل فسخا في حق [ ### | ..... # ] 4. # وأما عندنا فنقول: يعتبر قصد المتعاقدين فماذا [ ### | ..... # ] 5 وإذا قصد الفسخ يكون فسخا [ ### | ..... # ] 6 فصل صحيح يشهد له كل الأصول فإن العقود والفسوخ مرتبة على [ ### | ..... # ] 7 والفاسخين وأما التفريق بين المتعاقدين وغير المتعاقدين شئ عجب لا ~~يعرف لذلك معنى بحال. # وأما الذى قال أن لهما ولاية على أنفسهما. # قلنا: [إن حكم] 8 العقود والفسوخ راجعة إلى المتعاقدين وإن رجع إلى غير ~~المتعاقدين فذلك يكون ms867 على النادر وإذا كان المعقود فسخا في حق المتعاقدين ~~فلا بد أن يكون فسخا في حق غيرهما. # وحين انتهينا إلى هذا الموضع تم المقصود في هذا الفصل الذى أوردنا فيه ~~كلام الخصوم في المسائل التي أشرنا إليها وتكلمنا عليها بما سنح له الوقت ~~وجاد به الخاطر وتمام ذلك في خلافيات الفروع وقد ذكرنا أكثر ذلك في المصنف ~~الذى صنفناه فيه فمن أراد أكثر مما قلنا فليرجع إليه فيه والله تعالى ~~المعين على ذلك والمرشد إلى الصواب والحق وهو خير معين. PageV02P408 # وتم الكتاب المبارك بحمد الله تعالى ومنه وصلواته على محمد خير خلقه وأله ~~وصحبه أجمعين على يد أضعف العباد وأحوجهم أحمد بن عبد الله المصرى تعليقا ~~بحسب الطاقة بتاريخ خامس عشر ذى الحجة الحرام من شهور سنة خمس عشر وثمان ~~مائة أحسن الله عاقبتها وغفر للكاتب وللقارئ وللمجتهد ولجميع المسلمين ~~أجمعين آمين1. PageV02P409 ms868